مغزى الحياة

‫مغزى الحياة!‬
‫!‬
‫د‪ .‬راغب السرجاني!‬
‫‪!14/07/2010‬‬
‫كثيرا في مسألة‬
‫تدبرت‬
‫ً‬
‫أمرا‬
‫قيام األمم‪ ،‬فالحظت ً‬
‫عجيبًا‪ ،‬وهو أن فترة‬
‫اإلعداد تكون طويلة ج ّدًا‬
‫قد تبلغ عشرات السنني‪،‬‬
‫بينما تقصر فترة التمكني‬
‫حتى ال تكاد أحيانًا‬
‫تتجاوز عدة سنوات!!!‬
‫!‬
‫فعلى سبيل املثال بذل املسلمون جه ًدا خار ًقا ملدة تجاوزت ثمانني سنة؛ وذلك‬
‫إلعداد جيش يواجه الصليبيني في فلسطني‪ ،‬وكان في اإلعداد علماء ربانيون‪،‬‬
‫وقادة بارزون‪ ،‬لعل من أشهرهم عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصالح‬
‫الدين األيوبي رحمهم اهلل جمي ًعا‪ ،‬وانتصر املسلمون في حطني‪ ،‬بل حرروا‬
‫كبيرا من املدن املحتلة‪ ،‬وبلغ املسلمون درجة التمكني في دولة‬
‫القدس وعد ًدا‬
‫ً‬
‫كبيرة موحدة‪ ،‬ولكن ‪-‬ويا للعجب‪ -‬لم يستمر هذا التمكني إال ست سنوات‪ ،‬ثم‬
‫انفرط العقد بوفاة صالح الدين‪ ،‬وتفتتت الدولة الكبيرة بني أبنائه وإخوانه‪ ،‬بل‬
‫كان منهم من سلم القدس بال ثمن تقريبًا إلى الصليبيني!!!‬
‫!‬
‫كنت أتعجب لذلك حتى أدركت السُّنَّة‪ ،‬وفهمت املغزى‪ ..‬إن املغزى الحقيقي‬
‫لوجودنا في الحياة ليس التمكني في األرض وقيادة العالم‪ ،‬وإن كان هذا أحد‬
‫املطالب التي يجب على املسلم أن يسعى لتحقيقها‪ ،‬ولكن املغزى الحقيقي‬
‫ِ‬
‫نس إِ َّال لِيَ ْعبُ ُد ِ‬
‫لوجودنا هو عبادة اهلل ‪ ..‬قال تعالى‪َ } :‬و َما َ‬
‫ون{‬
‫خ َل ْق ُ‬
‫ت ا ْلجِنَّ َواإل َ‬
‫]الذاريات‪!..[56 :‬‬
‫!‬
‫وحيث إننا نكون أقرب إلى العبادة الصحيحة هلل في زمن املشاكل والصعوبات‪،‬‬
‫وفي زمن الفنت والشدائد‪ ،‬أكثر بكثير من زمن النصر والتمكني‪ ،‬فإن اهلل ‪-‬من‬
‫رحمته بنا‪ -‬يطيل علينا زمن االبتالء واألزمات؛ حتى نظل قريبني منه فننجو‪،‬‬
‫ولكن عندما نُمكَّن في األرض ننسى العبادة‪ ،‬ونظن في أنفسنا القدرة على‬
‫فعل األشياء‪ ،‬ونفنت بالدنيا‪ ،‬ونحو ذلك من أمراض التمكني‪ ..‬قال تعالى‪ُ } :‬ه َو‬
‫سي ُِّر ُك ْم ِفي ا ْلبَرِّ َوا ْلبَ ْح ِر َحتَّى إِذَا ُكنْت ُ ْم ِفي ا ْلفُ ْل ِك َو َج َريْ َن ِب ِه ْم ِب ِريحٍ طَيِّبَ ٍة‬
‫ال َِّذي يُ َ‬
‫ان َوظَنُّوا أَنَّ ُه ْم أ ُ ِ‬
‫َوفَ ِر ُحوا ِب َها َجا َءتْ َها ِريحٌ َع ِ‬
‫ف َو َجا َء ُه ُم ا َملْ ْو ُج ِم ْن ُكلِّ َم َك ٍ‬
‫حي َ‬
‫ط‬
‫اص ٌ‬
‫ص َني َل ُه الدِّي َن َل ِئ ْن أَنْ َج ْيتَنَا ِم ْن َه ِذ ِه َلن َ ُكونَنَّ ِم َن الش ِ‬
‫خلِ ِ‬
‫ِب ِه ْم َد َع ُوا اهللََّ ُم ْ‬
‫َّاك ِري َن *‬
‫األ ْر ِ‬
‫فَ َلمَّا أَنْ َجا ُه ْم إِذَا ُه ْم يَبْ ُغو َن ِفي َ‬
‫َّاس إِن ََّما بَ ْغيُ ُك ْم‬
‫ض ِب َغيْ ِر ا ْل َحقِّ يَا أَيُّ َها الن ُ‬
‫َع َلى أ َ ْن ُف ِ‬
‫ع ا ْل َح َي ِ‬
‫اة الدُّ ْن َيا ُثمَّ إِ َل ْينَا َم ْر ِ‬
‫ج ُع ُك ْم َفنُنَبِّئ ُ ُك ْم ِب َما ُكنْت ُ ْم َت ْع َم ُلونَ{‬
‫س ُك ْم َمتَا َ‬
‫]يونس‪!.[23 ،22 :‬‬
‫!‬
‫وال يخفى على العقالء أن املقصود بالعبادة هنا ليس الصالة والصوم فقط‪،‬‬
‫إنما هو في الحقيقة منهج حياة‪ ..‬إن العبادة املقصودة هنا هي صدق التوجه‬
‫إلى اهلل‪ ،‬وإخالص النية له‪ ،‬وحسن التوكل عليه‪ ،‬وشدة الفقر إليه‪ ،‬وحب العمل‬
‫له‪ ،‬وخوف البعد عنه‪ ،‬وقوة الرجاء فيه‪ ،‬ودوام الخوف منه‪ ..‬إن العبادة املقصودة‬
‫هي أن تكون حيث أمرك اهلل أن تكون‪ ،‬وأن تعيش كيفما أراد اهلل لك أن تعيش‪،‬‬
‫وأن تحب في اهلل‪ ،‬وأن تبغض في اهلل‪ ،‬وأن تصل هلل‪ ،‬وأن تقطع هلل‪ ..‬إنها حالة‬
‫إيمانية راقية تتهاوى فيها قيمة الدنيا حتى تصير أقل من قطرة في يمٍّ‪ ،‬وأحقر‬
‫سكَّ ميت‪!..‬‬
‫من جناح بعوضة‪ ،‬وأهون من جدي أ َ َ‬
‫!‬
‫كم من البشر يصل إلى هذه الحالة الباهرة في زمان التمكني!!!‬
‫!‬
‫إنهم قليلون قليلون!!‬
‫!‬
‫ألم يخوفنا حبيبي من بسطة املال‪ ،‬ومن كثرة العرض‪ ،‬ومن انفتاح الدنيا؟!!‬
‫!‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫شى َع َل ْي ُك ْم َو َل ِكنِّي أ َ ْ‬
‫فتنة املال ألم يقل لنا وهو يحذرنا‪" :‬فَ َواهللَِّ َما ا ْلفَ ْق َر أ َ ْ‬
‫شى‬
‫ط الدُّنْيَا َع َليْ ُك ْم َك َما بُ ِ‬
‫س َ‬
‫سو َها َك َما‬
‫سطَ ْ‬
‫ت َع َلى َم ْن َكا َن َقبْ َل ُك ْم‪ ،‬فَتَنَافَ ُ‬
‫َع َليْ ُك ْم أ َ ْن تُبْ َ‬
‫سو َها‪َ ،‬وتُ ْهلِ َك ُك ْم َك َما أ َ ْه َل َكت ْ ُه ْم"؟!!‬
‫تَنَافَ ُ‬
‫!‬
‫أال نجلس م ًعا‪ ،‬ونأكل م ًعا‪ ،‬ونفكر م ًعا‪ ،‬ونلعب م ًعا‪ ،‬فإذا وصل أحدنا إلى‬
‫كرسي سلطان‪ ،‬أو سدة حكم‪ ،‬نسي الضعفاء الذين كان يعرفهم‪ ،‬واحتجب عن‬
‫"العامة" الذين كانوا أحبابه وإخوانه؟! ألم يحذرنا حبيبي من هذا األمر‬
‫الشائع فقال‪َ " :‬م ْن َو َّالهُ اهللَُّ َعزَّ َو َجلَّ َ‬
‫ب ُدو َن‬
‫سلِ ِم َني فَ ْ‬
‫شيْئًا ِم ْن أ َ ْم ِر ا ُملْ ْ‬
‫احت َ َج َ‬
‫اج ِت ِه َو َ‬
‫اج ِت ِه ْم َو َ‬
‫خل َِّت ِه َوفَ ْق ِر ِه"؟!!‬
‫ب اهللَُّ َعن ْ ُه ُدو َن َح َ‬
‫خل َِّت ِه ْم َوفَ ْق ِر ِه ْم‪ْ ،‬‬
‫َح َ‬
‫احت َ َج َ‬
‫!‬
‫هل يحتجب الفقير أو الضعيف أو املشرد في األرض؟!‬
‫!‬
‫ال‪ ..‬إنما يحتجب املمكَّن في األرض‪ ،‬ويحتجب الغني‪ ،‬ويحتجب السلطان‪!.‬‬
‫!‬
‫إن وصول هؤالء إلى ما يريدون حجب أغلبهم عن الناس‪ ،‬و َمن كانت هذه حاله‬
‫فإن اهلل يحتجب عنه‪ ،‬ويوم القيامة سيدرك أنه لو مات قبل التمكني لكان أسلم‬
‫له وأسعد‪ ،‬ولكن ليس هناك عودة إلى الدنيا‪ ،‬فقد مضى زمن العمل‪ ،‬وحان أوان‬
‫الحساب‪!.‬‬
‫!‬
‫إن املريض قريب من اهلل غالب وقته‪ ،‬والصحيح متبطر يبارز اهلل املعاصي‬
‫بصحته‪!..‬‬
‫!‬
‫ً‬
‫طويال‪ ،‬أما الذي تمتع‬
‫كثيرا‪ ،‬ويلجأ إليه‬
‫والذي فقد ولده أو حبيبه يناجي اهلل‬
‫ً‬
‫بوجودهما ما شعر بنعمة اهلل فيهما‪!..‬‬
‫!‬
‫والذي وقع في أزمة‪ ،‬والذي ُغيِّب في سجن‪ ،‬والذي طُرد من بيته‪ ،‬والذي ظُلم‬
‫من جبار‪ ،‬والذي عاش في زمان االستضعاف‪ ،‬كل هؤالء قريبون من اهلل‪ ..‬فإذا‬
‫ورفع الظلم من على كواهلهم نسوا اهلل‪ ،‬إال من رحم اهلل‪،‬‬
‫وصلوا إلى مرادهم‪ُ ،‬‬
‫وقليل ما هم‪!..‬‬
‫!‬
‫هل معنى هذا أن نسعى إلى الضعف والفقر واملرض واملوت؟!‬
‫!‬
‫أب ًدا‪ ،‬إن هذا ليس هو املراد‪ ..‬إنما أُمرنا بإعداد القوة‪ ،‬وطلب الغنى‪ ،‬والتداوي‬
‫من املرض‪ ،‬والحفاظ على الحياة‪ ..‬ولكن املراد هو أن نفهم مغزى الحياة‪ ..‬إنه‬
‫العبادة ثم العبادة ثم العبادة‪!.‬‬
‫!‬
‫مغزى الحياة والتمكني في األرض ومن هنا فإنه ال معنى للقنوط أو اليأس في‬
‫زمان االستضعاف‪ ،‬وال معنى لفقد األمل عند غياب التمكني‪ ،‬وال معنى للحزن‬
‫أو الكآبة عند الفقر أو املرض أو األلم‪ ..‬إننا في هذه الظروف ‪-‬مع أن اهلل طلب‬
‫منا أن نسعى إلى رفعها‪ -‬نكون أقدر على العبادة‪ ،‬وأطوع هلل‪ ،‬وأرجى له‪ ،‬وإننا‬
‫في عكسها نكون أضعف في العبادة‪ ،‬وأبعد من اهلل‪ ..‬إننا ال نسعى إليها‪،‬‬
‫ولكننا "نرضى" بها‪ ..‬إننا ال نطلبها‪ ،‬لكننا "نصبر" عليها‪!.‬‬
‫!‬
‫إن الوقت الذي يمضي علينا حتى نحقق التمكني ليس وقتًا ضائ ًعا‪ ،‬بل على‬
‫العكس‪ ،‬إنه الوقت الذي نفهم فيه مغزى الحياة‪ ،‬والزمن الذي "نعبد" اهلل فيه‬
‫ح ّقًا‪ ،‬فإذا ما وصلنا إلى ما نريد ضاع منا هذا املغزى‪ ،‬وصرنا نعبد اهلل‬
‫بالطريقة التي "نريد"‪ ،‬ال بالطريقة التي "يريد"!‪ ..‬أو إن شئت ف ُق ْل نعبد اهلل‬
‫ت َم ِن‬
‫بأهوائنا‪ ،‬أو إن أردت الدقة أكثر فقل نعبد أهواءنا!! قال تعالى‪} :‬أ َ َرأ َ ْي َ‬
‫نت تَ ُكو ُن َع َليْ ِه َو ِك ً‬
‫اتَّ َ‬
‫يال{ ]الفرقان‪!.[43 :‬‬
‫خذَ إِ َل َه ُه َه َواهُ أَفَأ َ َ‬
‫!‬
‫ولذلك كله فإن اهلل الحكيم الذي يريد منا تحقيق غاية ال َ‬
‫خ ْلق‪ ،‬الرحيم الذي يريد‬
‫لنا الفالح والنجاح قد اختار لنا أن تطول فترة اإلعداد والبالء والشدة‪ ،‬وأن‬
‫تقصر فترة التمكني والقوة‪ ،‬وليس لنا إال أن نرضى‪ ،‬بل نسعد باختياره‪ ،‬فما‬
‫فعل ذلك إال لحبه لنا‪ ،‬وما أقرَّ هذه السُّنَّة إال لرحمته بنا‪!.‬‬
‫!‬
‫وتدبروا معي إخواني وأخواتي في حركة التاريخ‪!..‬‬
‫!‬
‫كم سنة عاش نوح ‪-‬عليه السالم‪ -‬يدعو إلى اهلل ويتعب ويصبر‪ ،‬وكم سنة عاش‬
‫بعد الطوفان والتمكني؟!!‬
‫!‬
‫أين قصة هود أو صالح أو شعيب أو لوط ‪-‬عليهم السالم‪ -‬بعد التمكني؟! إننا ال‬
‫نعرف من قصتهم إال تكذيب األقوام‪ ،‬ومعاناة املؤمنني‪ ،‬ثم نصر سريع خاطف‪،‬‬
‫ونهاية تبدو مفاجئة لنا‪!.‬‬
‫!‬
‫ملاذا عاش رسولنا إحدى وعشرين سنة ُي ِعدُّ للفتح والتمكني‪ ،‬ثم لم يعش في‬
‫تمكينه إال عامني أو أكثر ً‬
‫قليال؟!!‬
‫!‬
‫وأين التمكني في حياة موسى أو عيسى عليهما السالم؟! وأين هو في حياة‬
‫إبراهيم أبي األنبياء ؟!!‬
‫!‬
‫!‬
‫إن هذه النماذج النبوية هي النماذج التي ستتكرر في تاريخ األرض‪ ،‬وهؤالء‬
‫هم أفضل من " َعبَ َد" اهلل ‪} ،‬فَ ِب ُه َدا ُه ُم ا ْقت َ ِد ِه{ ]األنعام‪!.[90 :‬‬
‫واآلن بعد أن فقهت املغزى لعلك عرفت ملاذا لم يعش عمر بن عبد العزيز إال‬
‫سنتني ونصف فقط في تمكينه‪ ،‬وأدركت ملاذا ُقتل عماد الدين زنكي بعد أقل‬
‫من عامني من فتح الرُّها‪ ،‬وكذلك ملاذا ُقتل قطز بعد أقل من سنة من نصره‬
‫الخالد على التتار في عني جالوت‪ ،‬وكذلك ملاذا ُقتل ألب أرسالن بعد أقل من‬
‫عامني من انتصار مالذ كرد التاريخي‪ ،‬وملاذا لم "يستمتع" صالح الدين بثمرة‬
‫انتصاره في حطني إال أقل من سنة ثم سقطت عكا مرة أخرى في يد‬
‫ير عبد اهلل بن ياسني مؤسس دولة املرابطني التمكني‬
‫الصليبيني‪ ،‬وملاذا لم َ‬
‫ً‬
‫أصال‪ ،‬وملاذا مات خير رجال دولة املوحدين أبو يعقوب يوسف املنصور بعد أقل‬
‫من أربع سنوات من نصره الباهر في موقعة األرك‪!.‬‬
‫!‬
‫إن هذه مشاهدات ال حصر لها‪ ،‬كلها تشير إلى أن اهلل أراد لهؤالء "العابدين"‬
‫أن يختموا حياتهم وهم في أعلى صور العبادة‪ ،‬قبل أن تتلوث عبادتهم بالدنيا‪،‬‬
‫وقبل أن يصابوا بأمراض التمكني‪!.‬‬
‫!‬
‫إنهم كانوا "يعبدون" اهلل ح ّقًا في زمن اإلعداد والشدة‪" ،‬فكافأهم" ربُّنا‬
‫بالرحيل عن الدنيا قبل الفتنة بزينتها‪!..‬‬
‫!‬
‫ً‬
‫ً‬
‫طويال ولم ُيفنت؟!‬
‫سائال سيسأل‪ :‬أليس في التاريخ ملك صالح عاش‬
‫وال بد أن‬
‫أقول لك‪ :‬نعم‪ ،‬هناك من عاش هذه التجربة‪ ،‬ولكنهم قليلون أكاد أحصيهم‬
‫لندرتهم! فال نجد في معشر األنبياء إال داود وسليمان عليهما السالم‪ ،‬وأما‬
‫يوسف ‪-‬عليه السالم‪ -‬فقصته دامية مؤملة من أوَّلها إلى قبيل آخرها‪ ،‬وال نعلم‬
‫عن تمكينه إال قليل القليل‪!.‬‬
‫!‬
‫وأما الزعماء وامللوك والقادة فلعلك ال تجد منهم إال حفنة ال تتجاوز أصابع‬
‫اليدين‪ ،‬كهارون الرشيد وعبد الرحمن الناصر وملكشاه وقلة معهم‪!..‬‬
‫!‬
‫لذلك يبقى هذا استثنا ًء ال يكسر القاعدة‪ ،‬وقد ذكر ذلك اهلل في كتابه فقال‪:‬‬
‫خ َلطَ ِ‬
‫ِ‬
‫ض ُه ْم َع َلى َب ْع ٍ‬
‫يرا ِم َن ا ْل ُ‬
‫اء َل َيبْ ِغي َب ْع ُ‬
‫ض إِ َّال ال َِّذي َن آ َ َمنُوا َو َع ِم ُلوا‬
‫} َو إِنَّ َكث ً‬
‫الصَّالِ َح ِ‬
‫ات َو َقلِ ٌ‬
‫يل َما ُه ْم{ ]ص‪ ..[24 :‬فالذي يصبر على هذه الفنت قليل بنص‬
‫القرآن‪ ،‬بل إن اهلل إذا أراد أن ُيهلك أمة من األمم زاد في تمكينها!! قال تعالى‪:‬‬
‫اب ُكلِّ َ‬
‫شي ٍْء َحتَّى إِذَا فَ ِر ُحوا ِب َما أُوتُوا‬
‫}فَ َلمَّا نَ ُ‬
‫سوا َما ذُك ُِّروا ِب ِه فَت َ ْحنَا َع َليْ ِه ْم أَبْ َو َ‬
‫أَ َ‬
‫سونَ{ ]األنعام‪!.[44 :‬‬
‫خذْنَا ُه ْم بَ ْغت َ ًة فَ ِإذَا ُه ْم ُمبْلِ ُ‬
‫!‬
‫تمكني اإلسالم في األرض إنني بعد أن فهمت هذا املغزى أدركت التفسير‬
‫الحقيقي لكثي ٍر من املواقف املذهلة في التاريخ‪ ..‬أدركت ملاذا كان عتبة بن‬
‫غزوان يُ ْق ِ‬
‫سم على عمر بن الخطاب أن يعفيه من والية البصرة! وأدركت ملاذا‬
‫أنفق الصديق ماله كله في سبيل اهلل‪ ،‬وأدركت ملاذا حمل عثمان بن عفان وحده‬
‫همَّ تجهيز جيش العسرة دون أن يطلب من اآلخرين حمل مسئولياتهم‪ ،‬وأدركت‬
‫ملاذا تنازل خالد بن الوليد عن إمارة جيش منتصر‪ ،‬وأدركت ملاذا لم يسعد أبو‬
‫عبيدة بن الجراح بواليته على إقليم ضخم كالشام‪ ،‬وأدركت ملاذا حزن طلحة بن‬
‫عبيد اهلل عندما جاءه سبعمائة ألف درهم في ليلة‪ ،‬وأدركت ملاذا تحول حزنه‬
‫إلى فرح عندما "تخلَّص" من هذه الدنيا بتوزيعها على الفقراء في نفس الليلة!!!‬
‫!‬
‫أدركت ذلك كله‪ ..‬بل إنني أدركت ملاذا صار جيل الصحابة خير الناس! إن هذا‬
‫لم يكن فقط ألنهم عاصروا الرسول ‪ ،‬بل ألنهم هم أفضل من فقه مغزى الحياة‪،‬‬
‫أو قل‪ :‬هم أفضل من " َعبَ َد" اهلل ؛ ولذلك حرصوا بصدق على البعد عن الدنيا‬
‫واملال واإلمارة والسلطان‪ ،‬ولذلك ال ترى في حياتهم تعاسة عندما يمرضون‪ ،‬وال‬
‫يأسا عندما ُيضطهدون‪ ،‬وال ند ًما عندما يفتقرون‪ ..‬إن‬
‫كآبة عندما ُيعذَّبون‪ ،‬وال ً‬
‫هذه كلها "فُ َرص عبادة" يُسِّرت لهم فاغتنموها‪ ،‬فصاروا بذلك خير الناس‪!.‬‬
‫!‬
‫فقه فقههم ِ‬
‫إن الذي ِ‬
‫سعد سعادتهم ولو عاش في زمن االستضعاف! والذي‬
‫غاب عنه املغزى الذي أدركوه خاب وتعس ولو ملك الدنيا بكاملها‪!.‬‬
‫!‬
‫إنني أتوجه بهذا املقال إلى أولئك الذين يعتقدون أنهم من "البائسني" الذين‬
‫ُحرموا ً‬
‫كما أو أمنًا أو صحة أو حبيبًا‪ ..‬إنني أقول لهم‪ :‬أبشروا‪ ،‬فقد‬
‫ماال أو ُح ً‬
‫هيأ اهلل لكم "فرصة عبادة"! فاغتنموها قبل أن يُرفع البالء‪ ،‬وتأتي العافية‪،‬‬
‫ِ‬
‫سا َن الضُّرُّ َد َعانَا‬
‫فتنسى اهلل‪ ،‬وليس لك أن تنساه‪ ..‬قال تعالى‪َ } :‬و إِذَا َمسَّ اإلنْ َ‬
‫اع ًدا أ َ ْو َق ِ‬
‫لِ َجن ْ ِب ِه أ َ ْو َق ِ‬
‫ائ ًما فَ َلمَّا َك َ‬
‫شفْنَا َعن ْ ُه ُ‬
‫ضرَّهُ َمرَّ َكأ َ ْن َل ْم يَ ْد ُعنَا إِ َلى ُ‬
‫ضرٍّ َمسَّ ُه‬
‫س ِر ِف َني َما َكانُوا َي ْع َم ُلونَ{ ]يونس‪!.[12 :‬‬
‫َكذَلِ َك زُيِّ َن لِ ْل ُم ْ‬
‫!‬
‫وأسأل اهلل أن يفقهنا في سننه‪!..‬‬
‫!‬
‫وأسأله أن ُي ِعزَّ اإلسالم واملسلمني‪!.‬‬