القواعد الفقهية المتعلقة بالبيوع

‫‪|1‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فقه املعامالت املالية‬
‫دورة علمية ألقاها‪:‬‬
‫فضيلة الشيخ األستاذ الدكتور سليمان الرحيلي‬
‫أستاذ كرسي الفتوى ابجلامعة اإلسالمية‬
‫واملدرس ابملسجد النبوي‬
‫ابملدينة املنورة‬
‫وذلك يف مدينة الشارقة ‪ -‬جبامع السلف الصاحل‬
‫|‪2‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫كلمة الدائرة‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم على أشرف األنبياء‬
‫واملرسلني‪ ،‬نبينا حممد وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فانطالقاً من رسالة دائرة الشؤون اإلسالمية‪ ،‬وحتقيق غاايهتا يف‬
‫نشر األحكام الشرعية‪ ،‬وتشجيع البحث العلمي يف العلوم الشرعية‪،‬‬
‫عد بتقدمي هذا‬
‫واحلفاظ على اإلرث اإلسالمي األصيل‪ ،‬فإهنا تس ُ‬
‫اإلصدار العلمي املوسوم بـ‪:‬‬
‫”فقه املعامالت املالية“‬
‫والذي يهدف إىل تقريب أحكام املعامالت املالية الشرعية من‬
‫خالل القواعد الفقهية والضوابط العلمية‪ ،‬اليت تضبط م‬
‫للعاِل واملفيت‬
‫وطالب العلم حكمهُ على املسائل املالية خصوصاً املستجدة منها‪.‬‬
‫وهذه املادة العلمية؛ كانت يف أصلها دورة علمية أقامتها الدائرة‬
‫لطالب العلم واجلمهور‪ ،‬ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور سليمان‬
‫الرحيلي –أستاذ كرسي الفتوى ابجلامعة اإلسالمية‪ ،‬واملدرس‬
‫‪|3‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ابملسجد النبوي يف املدينة املنورة‪ -‬فنسأل هللا تعاىل أن ينفع هبذا‬
‫اإلصدار‪ ،‬وأن جيزي والة أمران خرياً على ما يقدمونه خلدمة اإلسالم‪،‬‬
‫ونشر تعاليمه السمحة‪ ،‬كما نسأله تعاىل أن حيفظ لدولة اإلمارات‬
‫العربية املتحدة أمنها‪ ،‬وأن يدمي عليها استقرارها‪ ،‬واحلمد هلل رب‬
‫العاملني‪.‬‬
‫قسم الوعظ‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫|‪4‬‬
‫مقدمة فضيلة الشيخ سليمان الرحيلي‬
‫إن احلمد هلل حنمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ ابهلل من شرور‬
‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يُضلل‬
‫فال هادي له‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد‬
‫أن حممداً عبده ورسوله‪.‬‬
‫َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ذ ُ َ‬
‫ََ َُ ُ‬
‫وت ذن إ ذَل َوأَنتمُ‬
‫﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل حق تقاتِهِۦ وَل تم‬
‫ِ‬
‫ُّ ۡ ُ َ‬
‫ون﴾(‪.)1‬‬
‫مسل ِم‬
‫َ َ ُّ َ ذ ُ ذ ُ ْ َ ذ ُ ُ ذ‬
‫َ ََ ُ‬
‫كم مِن ذن ۡفس َوَٰحِدةَ‬
‫﴿ َٰٓ‬
‫يأيها ٱنلاس ٱتقوا ربكم ٱَّلِي خلق‬
‫َ َ َ َ ۡ َ َ ۡ َ َ َ َ ذ ۡ ُ َ َ ٗ َ ٗ َ َ ٓٗ َ ذ ُ ْ ذَ ذ‬
‫وخلق مِنها زوجها وبث مِنهما رِجاَل َثِيا ون ِساء وٱتقوا ٱّلل ٱَّلِي‬
‫َ‬
‫ََ َُٓ َ‬
‫َ ۡ ۡ َ َ ذ ذ َ َ َ َ َ ۡ ُ ۡ َ ٗ (‪)2‬‬
‫ون بِهِۦ وٱۡلرحام إِن ٱّلل َكن عليكم رقِيبا﴾ ‪.‬‬
‫تساءل‬
‫َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ُ ُ ْ َ ۡ ٗ َ ٗ‬
‫ِيدا ‪ ٧٠‬يُ ۡصل ِحۡ‬
‫﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل وقولوا قوَل َد‬
‫َ ََ‬
‫َ ُ ۡ َ ۡ َ َٰ َ ُ ۡ َ َ ۡ ۡ َ ُ ۡ ُ ُ َ ُ‬
‫ك ۡم َو َمن يُ ِطعِ ذ َ‬
‫ٱّلل َو َر َُو َُلۥ فق ۡد‬
‫لكم أعملكم ويغ ِفر لكم ذنوب ۗۡ‬
‫فَ َ‬
‫از فَ ۡو ًزا َع ِظ ً‬
‫يما ‪ ،)3(﴾٧١‬أما بعد‪:‬‬
‫(‪ )1‬آل عمران‪.102 :‬‬
‫(‪ )2‬النساء‪.1 :‬‬
‫(‪ )3‬األحزاب‪.70-69 :‬‬
‫‪|5‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فإن أحسن احلديث كتاب هللا‪ ،‬وخري اهلدي هدي حممد ‪،‬‬
‫وشر األمور حمداثهتا‪ ،‬وكل حمدثة بدعة‪ ،‬وكل بدعة ضاللة‪ ،‬وكل‬
‫ّ‬
‫ضاللة يف النار‪.‬‬
‫وبعد فإن ديننا اإلسالمي‪ ،‬شامل كامل‪ ،‬دلنا على اخلري كله‪،‬‬
‫وحذران من الشر كله‪ ،‬ولو تـعلّم املسلمون دينهم وعملوا به؛ لعاشوا‬
‫حياة طيبة كرمية‪ ،‬وإن املسلمني اليوم حباجة عظيمة لتعليمهم‬
‫وتذكريهم‪ ،‬وال سيما يف ابب املال الذي تتعلق به النفوس كثرياً‪،‬‬
‫ويقل تـعلّم الناس‬
‫وتكثر طرق احلرام فيه يف حياتنا املعاصرة‪،‬‬
‫ّ‬
‫ألحكامه‪ ،‬ومن هنا رأت دائرة الشؤون اإلسالمية ابلشارقة‪ ،‬وعلى‬
‫رأسها الشيخ صقر بن حممد القامسي –رئيس دائرة الشؤون‬
‫اإلسالمية ابلشارقة‪ -‬وفقه هللا؛ أن تقيم دورات علمية عن املعامالت‬
‫املالية املعاصرة‪ ،‬وقد رأينا أن نُقسم هذه الدورات إىل ثالث دورات‪:‬‬
‫ّأوهلا‪ :‬يف األصول والقواعد اليت تقوم عليها املعامالت املالية‬
‫عموماً واملعاصرة خصوصاً‪.‬‬
‫|‪6‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫واثنيها‪ :‬يف بيان وتفصيل أصل املعامالت احملرمة من املعامالت‬
‫املالية املعاصرة وهو الراب‪.‬‬
‫واثلثها‪ :‬يف بسط أهم مسائل املعامالت املالية املعاصرة‪.‬‬
‫وقد فرغنا حبمد هللا من القسمني األول والثا‪،‬ي‪ ،‬وحنن على‬
‫أعتاب الدورة الثالثة‪ ،‬وحلرص رئيس دائرة الشؤون اإلسالمية ‪-‬وفقه‬
‫هللا‪ -‬على ما ينفع املسلمني؛ فقد وجه بتفريغ املادة الصوتية‬
‫القراء‪ ،‬فأسأل هللا أن يزيده خرياً وبركةً‪،‬‬
‫وطباعتها‪ ،‬وها هي بني يدي ّ‬
‫وجيعلين وإايه وال ُقّراء مفاتيح للخري مغاليق للشر‪ ،‬وصلى هللا على‬
‫نبينا وسلم‪.‬‬
‫***‬
‫‪|7‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الدرس األول‬
‫مقدمة عن املعامالت املالية‬
‫إن احلمد هلل حنمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ ابهلل من شرور أنفسنا‬
‫ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهد هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هادي له‪،‬‬
‫وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد أن حممدا عبده ورسوله‪.‬‬
‫َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ذ ُ َ‬
‫ََ َُ ُ‬
‫وت ذن إ ذَل َوأ َ ُ‬
‫نتم‬
‫م‬
‫ت‬
‫َل‬
‫و‬
‫ِۦ‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ا‬
‫ق‬
‫﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل حق ت‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ‬
‫ُ ذ‬
‫ذ ُ ذُ ْ‬
‫ُّ ۡ ُ َ‬
‫ون﴾ [آل عمران‪َٰٓ ﴿ ،]102 :‬‬
‫اس ٱتقوا َر ذبك ُم ٱَّلِي‬
‫يأ ُّي َها ٱنل‬
‫مسل ِم‬
‫ذۡ‬
‫َ َٰ َ َ َ َ َ ۡ َ َ ۡ َ َ َ َ ذ‬
‫َ ََ ُ‬
‫ث م ِۡن ُه َما ر َجا َٗل ََث ِ ٗ‬
‫يا‬
‫خلقكم مِن نفس وحِدة وخلق مِنها زوجها وب‬
‫ِ‬
‫َ َ ٓٗ َ ذ ُ ْ ذَ ذ‬
‫َ ٓ ُ َ‬
‫َ َۡۡ َ َ ذ ذَ َ َ ََ ُ‬
‫ٱّلل َكن عل ۡيك ۡم‬
‫ّلل ٱَّلِي ت َسا َءلون بِهِۦ وٱۡلرحام إِن‬
‫ون ِساء وٱتقوا ٱ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ ُ ُ ْ َ ٗ‬
‫ٗ‬
‫َرق ٗ‬
‫ِيبا﴾ [النساء‪َٰٓ ﴿ ،]1:‬‬
‫ٱّلل َوقولوا ق ۡوَل ََدِيدا ‪٧٠‬‬
‫يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا‬
‫ُ ۡ ۡ َ ُ ۡ َ ۡ َ َٰ َ ُ ۡ َ َ ۡ ۡ َ ُ ۡ ُ ُ َ ُ‬
‫ك ۡم َو َمن يُ ِطعِ ذ َ‬
‫ٱّلل َو َر َُ َ ُ‬
‫وَلۥ‬
‫يصل ِح لكم أعملكم ويغ ِفر لكم ذنوب ۗۡ‬
‫َف َق ۡد فَ َ‬
‫از فَ ۡو ًزا َع ِظ ً‬
‫يما﴾ [األحزاب‪.]71:‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فإن أحسن احلديث كتاب هللا‪ ،‬وخري اهلدي هدي حممد ﷺ‬
‫ٍ‬
‫وشر األمور حمداثهتا‪ ،‬وكل حمدثة بدعة‪ ،‬وكل ٍ‬
‫ضاللة يف‬
‫بدعة ضاللة‪ ،‬وكل‬
‫النار‪.‬‬
‫مث إنين أرحب بكم مجيعاً معاشر طالب العلم يف هذا اجمللس الذي أسأل‬
‫هللا عز وجل أن جيعله مما ينفعنا عند لقائه سبحانه وتعاىل‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫|‪8‬‬
‫ف به‬
‫شر ُ‬
‫أيها األفاضل‪ ،‬إن العلم من فرائض الدين ومن شعائره‪ ،‬ومما ي ُ‬
‫املرء‪.‬‬
‫فالعلم‪ ،‬قال فيه النيب ﷺ‪ :‬طلب العلم فريضة على كل مسلم‪ ‬رواه‬
‫ابن ماجه‪.‬‬
‫وقول النيب ﷺ‪ :‬على كل مسلم‪ ‬أي‪ :‬جنس املسلم‪ ،‬فيشمل الذكر‬
‫واألنثى من أهل الوجوب‪ ،‬ففرض على املسلم أن يتعلم من أمور دينه ما‬
‫يقوم به الدين‪ ،‬وال يُعذر مسلم يف ترك التعلم هلذا الباب‪.‬‬
‫فأصول العقيدة وأصول الدين وما يصح به العمل الذي جيب على‬
‫اإلنسان؛ فرض على املسلم أن يتعلمه‪ ،‬وما زاد على ذلك؛ فحكمه‬
‫االستحباب يف حق األفراد‪ ،‬وفرض الكفاية يف حق عموم األمة‪.‬‬
‫وهو شرف ألهله‪ ،‬وكيف ال يكون شرفاً والتعليم من مهام األنبياء‪ ،‬م‬
‫ومن‬
‫بعدهم من مهام الفضالء‪ ،‬ولذا جعله هللا عز وجل طريق الرفعة ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ‬
‫ٱّلل‬
‫ُ ۡ َ ذ َ ُ ْ ۡ ۡ‬
‫ْ‬
‫ذٱَّل َ‬
‫ِين أوتُوا ٱلعِل َم َد َر َجَٰت﴾ [اجملادلة‪ ،]11 :‬الرافع هو‬
‫ِين َء َام ُنوا مِنكم وٱَّل‬
‫هللا سبحانه وتعاىل‪ ،‬ومن رفعه هللا لن خيفضه أحد‪ ،‬رفعة حقيقية ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ‬
‫ٱّلل‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ذٱَّل َ‬
‫ِنك ۡم﴾‪ ،‬فشرط الرفعة اإلميان‪ ،‬مث العلم‪ ،‬فالعلم ال يرفع وال‬
‫ِين َء َام ُنوا م‬
‫ينفع إال مع اإلميان‪.‬‬
‫أما من خال علمه عن اإلميان فال شك أنه ال يرتفع به الرفعة احلقيقية‪ ،‬ولو‬
‫ارتفع يف نظر الناس؛ فإنه لن يرتفع الرفعة احلقيقية النافعة ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ‬
‫ٱّلل ذٱَّل َ‬
‫ِين‬
‫ْ‬
‫ُ ۡ َ ذ َ ُ ُ ْ ۡ َۡ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َٰ‬
‫َء َام ُنوا مِنكم وٱَّلِين أوتوا ٱلعِلم درجت﴾ وليس درجة واحدة‪ ،‬وهللا عز‬
‫‪|9‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ذ َ ََُۡ َ َ ذ َ َ‬
‫ُۡ َۡ‬
‫َ َ‬
‫ِين َل َي ۡعل ُمونۗۡ﴾ [الزمر‪:‬‬
‫وجل يقول‪﴿ :‬قل هل ي َ ۡس َتوِي ٱَّلِين يعلمون وٱَّل‬
‫‪ ،]9‬ال وهللا ال يستوون‪ ،‬ال عمالً‪ ،‬وال رفعة‪ ،‬وال مقاماً‪ ،‬فعمل العاِل ليس كعمل‬
‫غريه‪ ،‬وخشية العاِل ليست كخشية غريه‪ ،‬ومنزلة العاِل ليست كمنزلة غريه‪.‬‬
‫ولذلك ذُكر عند النيب ﷺ عاِل وعابد فقال‪ :‬فضل العاِل على العابد‬
‫العاِل وغري م‬
‫كفضلي على أدانكم‪ ‬رواه الرتمذي‪ .‬فشتان بني منزلة م‬
‫العاِل‪،‬‬
‫و م‬
‫العاِل يعبد هللا بعلم فيقع عمله على الوجه املرضي‪ ،‬واخلشية تعظم يف القلب‬
‫َۡ‬
‫ۡ َ‬
‫ْ‬
‫مبقدار العلم‪﴿ ،‬إ ذن َما َي ََش ذ َ‬
‫ٱّلل م ِۡن ع َِبادِه ِ ٱل ُعل َ َٰٓ‬
‫م ُ ۗۡؤا﴾ [فاطر‪ ،]28:‬وكلما‬
‫ِ‬
‫عظُم العلم عظُمت اخلشية‪ ،‬ولذا من أسرار هذه اآلية‪ :‬أن من عالمات‬
‫العلم النافع؛ اخلشية الواقعة يف القلب‪ ،‬فالعلم النافع يورث خشية يف قلب‬
‫صاحبه‪ ،‬العلم أبمساء هللا وصفاته علماً صحيحاً يورث اخلشية يف قلب‬
‫صاحبه‪ ،‬العلم ابألحكام يورث اخلشية يف قلب صاحبه‪ ،‬وإذا وجد اإلنسان‬
‫أنه يتعلم ويتعلم وال يزداد خشية يف قلبه؛ فليقف مع نفسه وقفة‪ .‬فإن‬
‫هنالك خلالً‪ ،‬إما فيه‪ ،‬وإما يف معلمه‪ ،‬وإما يف ما يتعلمه‪ ،‬فرياجع نفسه‬
‫وينظر يف حال معلمه وينظر فيما يتعلم‪.‬‬
‫العلم خري كله‪ ،‬أوله وآخره‪ ،‬يقول النيب ﷺ‪ :‬من سلك طريقاً يلتمس‬
‫فيه علماً‪ ،‬سهل هللا له به طريقاً إىل اجلنة‪ ،‬وإن املالئكة لتضع أجنحتها‬
‫لطالب العلم رضاً مبا يصنع‪ ،‬وفضل العاِل على العابد كفضل القمر على‬
‫سائر الكواكب‪ ،‬وإن العاِل ليستغفر له من يف السماوات ومن يف األرض‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪10‬‬
‫حىت احليتان يف املاء‪ ،‬أال وإن العلماء ورثة األنبياء وإن األنبياء ِل يورثوا ديناراً‬
‫وال درمهاً‪ ،‬وإمنا ورثوا العلم فمن أخذه أخذ حبظ وافر‪. )1(‬‬
‫انظروا إىل هذا الفضل من أول الطريق ‪‬من سلك‪ ‬سلك الطريق‪،‬‬
‫‪‬يلتمس‪ ‬وهذه الكلمة يلتمس تدل على أن العلم حيتاج إىل تواضع‪ ،‬ال‬
‫أبدا‪ ،‬وإمنا يؤخذ العلم ابلتواضع‪ ،‬يلتمس‪ ‬االلتماس طلب‬
‫ينال العلم متكرب ً‬
‫األدىن من األعلى‪ ،‬يلتمس‪ ‬يسري يف طريقه متواضعاً يطلب العلم‪ ،‬يلتمس‬
‫هذا العلم‪.‬‬
‫مث انظر‪ :‬من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً‪ ،‬فكل علم انفع دخل يف‬
‫هذا‪ ،‬فضله وثوابه؛ أن هللا عز وجل ييسر له طريق اجلنة‪ ،‬وذلك أن العلم‬
‫ذاته فضيلة وثواب‪ ،‬وأنه يدل على الفضيلة والثواب‪ ،‬فهو يف ذاته عمل‬
‫صاحل‪ ،‬وهو سبب لدخول اجلنة‪ ،‬مث يدل على العمل الصاحل الذي يكون‬
‫طريقاً إىل اجلنة‪.‬‬
‫وطالب العلم تعرف املالئكة فضله‪ ،‬ولذلك حتيطه أبجنحتها رضا مبا‬
‫شرف الناس فيه مبقدار ما حيصلون منه‪ ،‬ليس بنسب‪ ،‬وال‬
‫يصنع‪ ،‬العلم ي ُ‬
‫مال‪ ،‬وال مقام‪ ،‬وإمنا مبقدار ما حيصلون من العلم‪ ،‬ولذا املالئكة حتف طالب‬
‫العلم أبجنحتها لسبب؛ وهو‪ :‬رضا مبا يصنع‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه أمحد وأبو داود والرتمذي وابن ماجه‪.‬‬
‫‪|11‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ويف احلديث اآلخر يقول النيب ﷺ‪ :‬مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم‬
‫حتفه املالئكة أبجنحتها مث يركب بعضهم بعضا حىت يبلغوا السماء الدنيا من‬
‫(‪)1‬‬
‫حصل العلم انتقل إىل فضل عال‬
‫حمبتهم ملا يصنع‪ ، ‬هذا يف الطلب‪ ،‬فإذا ّ‬
‫أعظم‪.‬‬
‫‪‬وإن العاِل ليستغفر له من يف السماوات ومن يف األرض حىت احليتان يف‬
‫املاء‪ ،‬إن هللا ومالئكته وأهل السماوات وأهل األرض‪ ،‬حىت النملة يف‬
‫جحرها وحىت احلوت ليصلون على معلم الناس اخلري‪.‬‬
‫يذكر العاِل ابخل مري ‪ -‬املعلم للخ مري ‪ -‬يف املأل األعلى‪ ،‬واملالئكة‬
‫هللا ُ‬
‫تستغفر له‪ ،‬ومن يف السماوات ومن يف األرض يستغفرون له‪ ،‬مث حىت النملة‬
‫يف جحرها‪ ،‬انتبه! النملة من حيواانت الرب‪ ،‬ومن أصغر حيواانت الرب‪ ،‬وحىت‬
‫احلوت من حيواانت البحر‪ ،‬وأكرب حيواانت البحر‪ ،‬فشمل هذا ما بينهما‬
‫من احليواانت‪ ،‬من حيواانت الرب وحيواانت البحر‪.‬‬
‫ولذا يُعرف الفضالء مبوقفهم من العلماء‪ ،‬مهما لمع لك الشخص‪،‬‬
‫ومهما ظهر عليه من عز الدنيا؛ إمنا يُعرف فضله مبوقفه من علماء اخلري‪،‬‬
‫علماء السنة‪ ،‬فإذا كان حمباً هلم‪ ،‬م ّداحاً هلم ابحلق‪ ،‬جماهداً ابلذب عنهم‪،‬‬
‫فهو من أهل الفضيلة‪ ،‬وإن كان وقّاعاً فيهم‪ ،‬ق ّداحا فيهم‪ُ ،‬مبغضاً هلم‪،‬‬
‫متباعداً عنهم‪ ،‬فهو على شيء من الشر يقوده إىل هذا الباب‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه الطربا‪،‬ي يف املعجم الكبري وابن عدي يف الكامل وابن عبد الرب يف جامع بيان العلم‬
‫وفضله وحسنه األلبا‪،‬ي يف الصحيحة برقم‪.)3397( :‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪12‬‬
‫‪‬وفضل العاِل على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب‪ ،‬مث‪ :‬أال‬
‫وإن العلماء ورثة األنبياء‪ ‬املعلوم أن امليت إذا مات يرثه أقرابؤه‪ ،‬ولذلك‬
‫يقرر أهل العلم أن أقرب األمة إىل األنبياء هم العلماء‪ ،‬ورأسهم صحابة‬
‫رسول هللا ﷺ‪ ،‬ألهنم هم الذين ورثوا األنبياء‪.‬‬
‫وامليت إذا مات إمنا يرثه قريبه‪ ،‬ومرياث نبينا ﷺ ال ينفذ‪ٍ ،‬‬
‫ابق‪ ،‬وهو ما‬
‫شيخ؛ قد أخذ من‬
‫تركه ﷺ من العلم‪ ،‬وليس كل من محل كتاابً‪ ،‬أو قرأ على ٍ‬
‫مرياث حممد ﷺ‪ ،‬وإمنا الذي أيخذ من مرياث حممد ﷺ؛ من يغرتف مما‬
‫تركه ﷺ‪ ،‬فالفضل عظيم‪.‬‬
‫وملا كان فضل العلم عظيماً‪ ،‬كان شرطه كرمياً ووزنه ثقيالً‪ ،‬فشرط العلم‪:‬‬
‫[أوالً‪ ]:‬إخالص هلل عز وجل‪ ،‬أبن يضع املسلم يف قلبه أنه يتعلم لينفع‬
‫نفسه هبذا العلم وينفع اآلخرين ابتغاء وجه هللا سبحانه وتعاىل‪ ،‬فالعلم‬
‫عبادة‪ ،‬وشرطها اإلخالص هلل سبحانه وتعاىل‪ ،‬وقد ح ّذر النيب ﷺ من‬
‫احنراف القلب يف هذا الباب أميا حتذير‪ ،‬فقال ﷺ‪ :‬أول الناس يقضى يوم‬
‫القيامة ثالثة‪ ،‬وذكر منهم‪ :‬ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن قال‪ :‬فأُيت‬
‫به فعرفه نعمه‪ ،‬قال‪ :‬فعرفها‪ ،‬قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪ :‬تعلمت العلم‬
‫وعلمته وقرأت فيك القرآن‪ ،‬فيقال‪ :‬كذبت وإمنا تعلمت ليُقال عاِل وقرأت‬
‫‪|13‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫القرآن ليقال هو قارئ وقد قيل‪ ،‬مث يؤمر به فيسحب على وجهه فيلقى يف‬
‫النار‪.)1(‬‬
‫وقال ﷺ‪ :‬من تعلم علماً مما يبتغى به وجه هللا ال يتعلمه إال ليصيب به‬
‫عرضاً من الدنيا‪ِ ،‬ل جيد عرف اجلنة يوم القيامة‪ )2(‬يعين لن جيد رائحة اجلنة‬
‫يوم القيامة‪.‬‬
‫والشرط الثاين‪ :‬العمل‪ ،‬إن كان ما تعلمه اإلنسان فرضاً؛ فالعمل فرض‪،‬‬
‫وإن كان دون ذلك فالعمل حبسبه‪ ،‬وكان وزنه ثقيالً فالعلم ثقيل‪ ،‬ولذلك‬
‫حيتاج إىل صرب طويل‪ ،‬فالعلم ال يناله متكرب كما قلنا يف أول الكالم‪ ،‬وال‬
‫يناله ملول وال عجول‪ ،‬من ِل يُرزق الصرب؛ لن ينال العلم‪ ،‬ألن العلم ثقيل‬
‫إذا جلس اإلنسان للحلقة حيتاج إىل جماهدة‪ ،‬حيتاج إىل صرب‪ ،‬حيتاج إىل‬
‫انتباه‪ ،‬وقل أن يصرب على ذلك أحد‪ ،‬ولذلك إذا نظرت إىل جمالس العلم‬
‫وجدت روادها قليالً‪ ،‬إذا نظرت إىل اجملالس املضحكات اليت تُطرب‬
‫كثريا‪ ،‬العلم ثقيل حيتاج إىل صرب عظيم‪،‬‬
‫وتُعجب وال تتعب؛ وجدت روادها ً‬
‫ضره‪،‬‬
‫صرب يف حضوره‪ ،‬وصرب يف اجملاهدة لالستماع‪ ،‬ألنه ليس الشأن أن حت ُ‬
‫ضره‪ ،‬الشأن أن ُحت م‬
‫ولكن الشأن أن ُحت م‬
‫ضر قلبك‪ ،‬فإن العلم من الذكرى فال‬
‫بد فيه من ٍ‬
‫قلب حاضر شهيد‪ ،‬ومس ٍع‬
‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أمحد وأبو داود وابن ماجه‪.‬‬
‫ى ل َِمن ََك َن َ َُلۥ قَ ۡل ٌ‬
‫﴿إ ِ ذن ِِف َذَٰل َِك ََّل ِۡك َر َٰ‬
‫ب‬
‫| ‪14‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ذ ۡ َ ََُ َ‬
‫َۡ ََۡ‬
‫أو ألَق ٱلسمع وهو ش ِهيد﴾‬
‫[ق‪ ،]37 :‬فيحتاج إىل صرب يف هذا الباب‪،‬‬
‫حيتاج إىل صرب يف تكرار احلضور‪ ،‬وهذا ُحيرم منه كثري من الناس‪ ،‬ولذلك‬
‫كثريا ممن يـتس ّمون اليوم بطالب العلم عندهم تعليقات على أول‬
‫جتد ً‬
‫الكتب‪ ،‬حيضر أول الدروس‪ ،‬يعلق على أوهلا‪ ،‬مث ال يصرب‪ ،‬فيرتك‪ ،‬فينقطع‪،‬‬
‫فال حيصل العلم‪ ،‬ال حيصل العلم إال من ُرزق الصرب على اإلدامة‪ ،‬وحيتاج إىل‬
‫صرب يف معاملة الشيخ‪ ،‬ومعاملة الناس‪ ،‬وغري ذلك‪.‬‬
‫حيتاج إىل صرب وحيتاج إىل أانة‪ ،‬الذي يتعجل يريد أن يكون عاملاً يف‬
‫شهر أو شهرين أو سنة أو سنتني؛ لن يصرب على العلم‪ ،‬العلم حيتاج إىل أن‬
‫يتأىن اإلنسان‪ ،‬يفرح مبا ُرزق وال يتعجل أن يكون عاملاً‪ ،‬بل يعلم أنه يف خري‬
‫ويسعى للكثار من العلم‪.‬‬
‫وال شك أن الفقه يف الدين من عالمات اخلريية يف هذه األمة‪ ،‬يقول‬
‫النيب ﷺ‪ :‬من يرد هللا به خرياً يفقهه يف الدين‪ )1(‬م‬
‫فمن عالمات إرادة هللا‬
‫اخلري بعبده؛ أن يفقهه يف دينه‪.‬‬
‫والفقه يف الدين‪ :‬أن يُرزق العبد نية صحيحة‪ ،‬وأن يتعلم علماً صحيحاً‪،‬‬
‫وأن يعتقد اعتقاداً سليماً‪ ،‬وأن يعمل عمالً صاحلاً‪ ،‬هذا تفسري السلف‬
‫للفقه‪ .‬أن يرزق العبد نية صحيحة يرزق اإلخالص وأن يتعلم علماً صحيحاً‬
‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫‪|15‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وأن يعتقد اعتقاداً سليماً وأن يعمل عمال صاحلاً‪ ،‬فتعرف النفس ماهلا وما‬
‫عليها‪ ،‬وتقوم مبا هلا وما عليها‪.‬‬
‫وال شك أن من أنواع هذا الفقه معرفة األحكام الشرعية‪ ،‬فهي من الفقه‬
‫يف الدين وهي حممودة‪ .‬وال شك أن روح الفقه وركنه األعظم هو الدليل‪،‬‬
‫شرف ابلدليل‪ ،‬كل علم صحيح ال بد أن يكون‬
‫فالفقه إمنا ي ُ‬
‫فضل ويعظُم وي ُ‬
‫مبنيا على الدليل من الكتاب والسنة‪ ،‬أو ما دل عليه الكتاب والسنة من‬
‫األدلة‪ ،‬فهذا هو روح الفقه وركنه األعظم‪ ،‬األدلة يف دين حممد ﷺ هي‬
‫سفينة النجاةم والفالح‪ ،‬العلم النافع هو الذي يكون مبنيا على األدلة‪.‬‬
‫وال شك أن يف الفقه ابلذات حنتاج إىل األدلة أكثر؛ ألن الفقه يكثر فيه‬
‫اخلالف‪ ،‬وتتالطم فيه أمواج األقوال‪ ،‬فالنجاة فيه ابلتمسك ابلدليل فيما‬
‫يظهر للعبد خب مري فه ٍم وهو فهم سلف األمة‪ .‬فمن وفق لفهم األدلة بفهم‬
‫سلف األمة؛ فقد وفق للخري العظيم‪.‬‬
‫ولو نظران يف اتريخ فقهنا إىل أئمتنا املعتربين كاألئمة األربعة وجدان أن‬
‫فقههم فقه الدليل‪ ،‬وأهنم حيرصون على الدليل‪ ،‬ويعظمون الدليل‪ ،‬وأمجعت‬
‫كلمتهم على ترك كل قول خالف الدليل ولو كان قوالً هلم‪ ،‬ولذلك يقول‬
‫اإلمام الشافعي رمحه هللا‪" :‬أمجع الناس على أن من استبانت له سنة رسول‬
‫هللا ﷺ ِل يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائناً من كان"‪.‬‬
‫"أمجع الناس" وهذا فوق قول القائل‪ :‬أمجع العلماء‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪16‬‬
‫"أمجع الناس على أن من"‪( ،‬من) تقتضي العموم‪ ،‬كل أحد سواء كان‬
‫عاملاً أو متعلماً‪ ،‬اتبعاً أو متبوعاً‪.‬‬
‫"من استبانة له سنةُ رسول هللا ﷺ ِل يكن له أن يدعها لقول أحد من‬
‫الناس كائناً من كان "‪ ،‬فاملوفق من طالب العلم يف ابب الفقه؛ من ينتقي‬
‫من أقوال األئمة ما وافق الدليل حبسب نظره وفهمه لألدلة‪ ،‬مث يعلم أن من‬
‫خالف الدليل ‪-‬حبسب نظره‪ -‬من األئمة؛ جمتهد معذور مأجور‪ ،‬فيعرف‬
‫للعلماء املعتربين فضلهم‪ ،‬ويعرف للدليل منزلته‪ ،‬فال يرتك الدليل من أجل‬
‫فضل أحد‪ ،‬وال يهدر فضل أحد ممن له فضل من أجل االنتصار للدليل‪،‬‬
‫فهناك طائفتان أخطأات الطريق يف الباب‪:‬‬
‫ طائفة تزدري األئمة‪ ،‬وتطعن يف العلماء املعتربين‪ ،‬حبجة االنتصار‬‫للدليل‪ ،‬وهؤالء نياهتم حسنة وحبهم للدليل طيب‪ ،‬لكنهم أخطؤوا الطريق‬
‫من ابب‪ ،‬وهو إهدار فضل علماء األمة‪.‬‬
‫ وطائفة ال تقيم للدليل وزانً إال مبقدار ما يوافق قول إمامهم‪ ،‬حىت‬‫كل آية أو حديث خالفت مذهبنا فهي مؤولة أو منسوخة‬
‫قال قائلهم‪ّ :‬‬
‫فح مكم على القرآن والسنة ابملذهب‪ ،‬وِل حيكم‬
‫واألوىل محلها على التأويل‪ُ ،‬‬
‫على املذهب ابلقرآن والسنة‪.‬‬
‫وكال الطائفتني أخطأ الطريق‪ ،‬املوفق من عباد هللا يعرف ألئمة اإلسالم‬
‫املعتربين فضلهم‪ ،‬وحيفظ مقامهم‪ ،‬ويذب عن أعراضهم‪ ،‬وأيخذ مبا دل عليه‬
‫الدليل من أقواهلم‪.‬‬
‫‪|17‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫مرة كان يناظر‪،‬ي أحد املتعصبة للمذاهب وقال‪ :‬أنتم ال تعرفون فضل‬
‫قلت له‪ :‬حنن حبمد هللا ليس‬
‫األئمة ألنكم تقولون أنخذ مبا دل عليه الدليل‪ُ ،‬‬
‫عندان إمام من أئمة اإلسالم املعتربين مهجوراً‪ ،‬ولذلك جتد يف أقوالنا اختيار‬
‫قول أليب حنيفة رمحه هللا ألن الدليل دل عليه‪ ،‬وجتد اختيار ٍ‬
‫ٍ‬
‫قول للمام‬
‫دل عليه‪ ،‬وجتد اختيار ٍ‬
‫قول للمام املطليب‬
‫مالك رمحه هللا ألن الدليل ّ‬
‫دل عليه‪ ،‬وجتد قوالً للمام أمحد بن حنبل ألن الدليل‬
‫الشافعي ألن الدليل ّ‬
‫دل عليه‪ ،‬لكن هات من عندك قوالً واحداً تعرتف فيه بفضل ٍ‬
‫إمام من‬
‫الثالثة غري إمامك‪ ،‬فسكت‪.‬‬
‫ومما ُحيكى أن أحد العامة أراد أن يتزوج‪ ،‬فقال الشيخ الذي يعقد له‪،‬‬
‫قبلت الزواج بفالنة على مذهب أيب حنيفة النعمان‪ ،‬قال الشاب –‬
‫قل‪ُ :‬‬
‫عامي‪ :-‬قبلت الزواج بفالنة‪ ،‬قال الشيخ‪ :‬قل على مذهب أيب حنيفة‬
‫النعمان‪ ،‬قال‪ :‬ال‪ ،‬ال‪ ،‬قبلت الزواج بفالنة يكفي‪ ،‬قال‪ :‬ال‪ ،‬ال يصح‪ ،‬ال بد‬
‫أن تقول على مذهب أيب حنيفة‪ ،‬فقال له‪ :‬طيب‪ ،‬والد أيب حنيفة كيف‬
‫صح نكاحه‪ ،‬ما كان على مذهب أيب حنيفة؟!‬
‫التعصب آفة‪ ،‬وإهدار فضل العلماء آفة‪ ،‬وأهل احلق وسط بني الفريقني‪،‬‬
‫يعرفون للعلماء واألئمة املعتربين فضلهم‪ ،‬وأيخذون مبا دل عليه الدليل‪ ،‬وال‬
‫شك أن هذه هي وصية النيب ﷺ عند االختالف‪ ،‬فإنه ﷺ قال‪ :‬فإن من‬
‫يعش منكم بعدي فسريى اختالفاً كثرياً‪ ،‬فعليكم بسنيت‪ ،‬وسنة اخللفاء‬
‫الراشدين املهديني‪ ،‬متسكوا هبا‪ ،‬وعضوا عليها ابلنواجذ‪ ،‬وإايكم وحمداثت‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪18‬‬
‫األمور‪ ،‬فإن كل حمدثة بدعة‪ ،)1(‬فإذا وجد االختالف وجب الرجوع إىل‬
‫الدليل واألخذ مبا دل عليه الدليل‪.‬‬
‫وحنن إن شاء هللا عز وجل سنتدارس يف جمالس هذه الدورة قواعد يف‬
‫البيوع‪ ،‬أو ما يسمى ابملعامالت املالية‪ .‬وال شك أن الفقه يف البيوع؛ فقه‬
‫من األمهية مبكان‪ ،‬ألنه ال خيلو مكلف من بيع‪ ،‬ال ميكن أن ميوت إنسان‬
‫يعيش يف هذه الدنيا وِل يبع أو يشرتي‪ ،‬ال بد من بيع‪ ،‬فهو تعم به البلوى‪،‬‬
‫وال بد من معرفة فقهه‪.‬‬
‫وأحسن طريقة لضبط الفقه؛ ضبط الكليات‪ ،‬فمن ضبط الفقه ابلكليات؛‬
‫استقامت له اجلزئيات‪ ،‬ومن تتبع اجلزئيات غري انظر إىل الكليات؛ أوشك أن‬
‫ينسى ما قرأ منها‪ ،‬ولذلك دائماً إذا كنت تقرأ يف كتب الفقه فاحرص أول ما‬
‫تقرأ يف الباب؛ أن تعرف ما هو األصل فيه عند العلماء‪ ،‬إذا جئت تقرأ يف‬
‫ابب اآلنية‪ ،‬قبل أن تشرع يف املسائل وتقرأ املسائل وتفريعاهتا؛ اعرف ما هو‬
‫األصل يف اآلنية عند العلماء‪ ،‬واضبط هذه الكلية‪" :‬األصل يف األوا‪،‬ي الطهارة‬
‫واإلابحة"‪ ،‬خالص! أصبح هذا األصل مضبوطاً‪ ،‬مث اقرأ املسائل‪ ،‬سينضبط‬
‫لك الفقه‪.‬‬
‫وحنن إن شاء هللا عز وجل سنحاول ضبط البيوع بذكر القواعد‪،‬‬
‫وسيكون املنهج إن شاء هللا‪:‬‬
‫(‪ )1‬رواه أبو داود والرتمذي وابن ماجه وابن حبان يف صحيحه وقال الرتمذي حديث حسن‬
‫صحيح‪.‬‬
‫‪|19‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ أان سنطرح القاعدة ونشري إىل خالف العلماء فيها إذا كان مثة‬‫خالف‪.‬‬
‫ ونذكر الراجح فيها مدللني عليه‪.‬‬‫ مث بعد ذلك نربط القاعدة ببعض مسائل البيوع الواقعة‪ ،‬كيف‬‫تدخل حتت القاعدة‪ ،‬وكيف خترج من القاعدة‪.‬‬
‫مث إذا بقي عندان وقت يف الدورة سنقرأ فيما سطره شيخ اإلسالم ابن‬
‫تيمية رمحه هللا يف قواعد املعامالت والقواعد النورانية‪ ،‬وإال فاألصل إن شاء‬
‫هللا أ ّان نطرح القاعدة مث نشري إىل اخلالف فيها‪ ،‬ومعناها اإلمجايل‪ ،‬واألدلة‬
‫عليها‪ ،‬ونربطها ببعض الصور الواقعة يف املعامالت املالية املعاصرة‪.‬‬
‫ولكن قبل أن نشرع يف القواعد حنتاج إىل‪:‬‬
‫مدخل يف ثالثة أمور‪:‬‬
‫األمر األول‪ :‬عن القواعد‪.‬‬
‫واألمر الثا‪،‬ي‪ :‬عن البيع‪.‬‬
‫واألمر الثالث‪ :‬عن املعامالت املالية‪.‬‬
‫[األمر األول‪ :‬القواعد]‬
‫أما القواعد فنحتاج أن نعرف حقيقتها‪:‬‬
‫عندما نقول قواعد‪ ،‬ماذا يعين العلماء ابلقواعد؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪20‬‬
‫القاعدة يف لسان العلماء يقولون‪" :‬حكم كلي يتعرف منه حكم‬
‫اجلزئيات الفقهية مباشرة يف أكثر من ابب"‪.‬‬
‫شرح التعريف‪:‬‬
‫"احلكم"‪ :‬نسبةُ أمر إىل آخر حيتمل اإلثبات أو النفي‪.‬‬
‫ت الصدق إىل فالن‪ ،‬ميكن أن يكون‬
‫"فالن صادق"‪ ،‬هذا حكم‪ ،‬نسب ُ‬
‫صادقاً وميكن أن ال يكون‪ ،‬هذا حكم‪.‬‬
‫ولذلك بعض أهل العلم يعرب فيقول عن القواعد الفقهية‪" :‬قضية"‪ ،‬بدل‬
‫"حكم"‪ ،‬قضية كلية‪ ،‬املعىن واحد‪.‬‬
‫ألن القضية ما معناها؟ "أن ينسب اإلنسان إىل آخر أمراً حيتمل اإلثبات‬
‫أو النفي"‪ ،‬رفع قضية يف احملكمة نسب إىل آخر مثالً أنه غصب أرضه‪ ،‬هذا‬
‫حيتمل اإلثبات وحيتمل النفي‪.‬‬
‫إذن إذا قلنا حكم أو قلنا قضية فاملعىن واحد‪.‬‬
‫"حكم كلي"‪ ،‬كلي معناه‪ :‬أنه يصلح أن يُصدر بـ "كل"‪ .‬والقواعد‬
‫الفقهية كلية ابلقوة‪ ،‬يعين تصلح جلميع الفروع‪.‬‬
‫طيب يقول بعض الناس‪ :‬كيف تقولون "كلّي" وهلا مستثنيات؟ ‪-‬‬
‫القواعد الفقهية هلا مستثنيات‪ ،‬وسنذكر حنن إن شاء هللا يف الدروس‬
‫املستثنيات‪ -‬يقول كيف تقولون "كلّي" وهلا مستثنيات؟‬
‫‪|21‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫نقول‪ :‬كل مستثىن ال بد أن تكون فيه صفة خاصة أو مانع منع من‬
‫دخوله‪ ،‬وابلتايل هو غري داخل يف القاعدة أصالً‪.‬‬
‫سبحان هللا! هذه الشريعة عدل كلها حىت يف األحكام‪ِ ،‬ل يفرق ربنا يف‬
‫احلكم بني شيئني متساويني من كل وجه‪ ،‬إذا وجدان الشيئني قد اختلفا يف‬
‫احلكم؛ فنعلم أن بينهما فرقاً‪ ،‬ولو ِل يظهر لنا يف ابدئ الرأي‪ ،‬الشريعة عدل‬
‫كلها‪ ،‬فإذا وجدان للقاعدة مستثىن؛ ال بد أن نعرف أن هناك فرقاً اقتضى أن‬
‫خيرج من القاعدة‪ ،‬وابلتايل هو غري داخل حتتها أصال لوجود الفارق‪.‬‬
‫"حكم كلي يتعرف" ما قالوا‪ :‬يع مرف‪ ،‬وما قالوا‪ :‬يُعرف‪ ،‬قالوا‪ :‬يُتعرف‪.‬‬
‫يف اللغة قاعدة تقول‪ :‬الزايدة يف املبىن زايدة يف املعىن إذا كانت املادة‬
‫واحدة‪.‬‬
‫يعين هذا ليس على إطالقه‪ ،‬إذا كانت مادة الكلمتني واحدة؛ فالزايدة يف‬
‫املبىن زايدة يف املعىن‪" ،‬يُعرف" و"يُتعرف" مادهتما واحدة‪ ،‬و "يتعرف" فيها‬
‫زايدة يف املبىن‪ ،‬ففيها زايدة يف املعىن‪ ،‬يُتعرف يعين‪ :‬حتتاج إىل إعمال ذهن‪.‬‬
‫ال تعرف مباشرة‪ ،‬حتتاج أن تبذل جهدك يف إعمال ذهنك‪.‬‬
‫"حكم كلي يتعرف منه حكم اجلزيييات الفقهية"‪ ،‬يعين حكم املسائل‬
‫الفقهية مسألة مسألة‪.‬‬
‫"مباشرة" يعين من نفس القاعدة من لفظ القاعدة تعرف احلكم‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪22‬‬
‫جاءان إنسان قال اي شيخ‪ :‬أان توضأت لصالة الظهر وصليت الظهر‪،‬‬
‫وعندما أذن العصر شككت يف انتقاض الوضوء‪ ،‬لكين ِل أتوضأ وصليت‬
‫العصر‪ ،‬واآلن بدأ الشيطان يلعب يب‪ ،‬يقول صليت العصر بال وضوء فهل‬
‫صالة العصر صحيحة؟‬
‫أقول له‪ :‬نعم‪ ،‬صالة العصر صحيحة‪ ،‬ألن "اليقني ال يزول ابلشك"‪،‬‬
‫أنت متيقن أنك توضأت وشككت يف االنتقاض و"اليقني ال يزول‬
‫ابلشك"‪ ،‬من لفظ القاعدة تعرفت على حكم اجلزئية الفقهية مباشرة من‬
‫لفظها‪.‬‬
‫قولنا‪ :‬مباشرة‪ ،‬يفرقون فيه بني القاعدة الفقهية والقاعدة األصولية ‪ -‬ما‬
‫يسمى أبصول الفقه‪ -‬أصول الفقه ال يعرف منها احلكم مباشرة‪.‬‬
‫يعين‪ :‬لو جاء‪،‬ي شخص وقال اي شيخ‪ :‬ما حكم إعفاء اللحية؟ قلت له‪:‬‬
‫اي أخي احلبيب‪ :‬إعفاء اللحية واجب ألن "األمر للوجوب"‪ ،‬األمر غري‬
‫ظاهر هنا‪ ،‬يعين ما العالقة بني إعفاء اللحية واألمر للوجوب؟ أحتاج أن‬
‫أقول له‪ :‬إعفاءُ اللحية واجب ألن النيب ﷺ قال(‪ :)1‬اعفوا اللحى‪ ،‬وفروا‬
‫اللحى‪ ،‬أكرموا اللحى‪ ،‬أرخوا اللحى‪ ،‬وهي أوامر واألمر للوجوب‪.‬‬
‫"يف أكثر من ابب"‪ ،‬وهذا عند بعض أهل العلم وليس عند كل العلماء‪،‬‬
‫ألن الذي يدخل ابابً واحداً يسمونه ضابطاً‪ ،‬والقاعدة تدخل أبواابًكثرية‪.‬‬
‫(‪ )1‬هذه الرواايت يف البخاري ومسلم وغريمها أبلفاظ خمتلفة‪.‬‬
‫‪|23‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫عندما أنيت فنقول "األصل يف األوا‪،‬ي الطهارة" هذا خاص بباب اآلنية‪،‬‬
‫فبعض أهل العلم يقول‪ :‬هذا ضابط وليس قاعدة‪ ،‬ألنه ال يدخل أكثر من‬
‫ابب‪.‬‬
‫لو سألنا سائل قال‪ :‬ما هي القواعد الفقهية؟ ما هي حقيقتها؟‬
‫نقول‪ :‬كلمات موجزة‪ ،‬تتضمن حكماً فقهياً‪ ،‬ينطبق على مسائل‬
‫كثرية‪.‬‬
‫فالقواعد ال بد فيها من اإلجياز‪ ،‬ال تأيت القاعدة يف صفحة‪[ ،‬تأيت] يف‬
‫كلمتني‪ ،‬ثالث كلمات‪ ،‬نصف سطر‪ ،‬سطر‪ ،‬سطر ونصف‪.‬‬
‫"تتضمن حكماً فقهياً"‪ ،‬ال بد أن يكون فيها حكم فقهي يُسمع ويُفهم‪:‬‬
‫"األمور مبقاصدها"‪" ،‬اليقني ال يزول ابلشك"‪" ،‬ال ضرر وال ضرار"‪ ،‬أو‬
‫"الضرر يزال"‪" ،‬العادة حمكمة" فيها حكم عندما تسمعه تعرفه‪.‬‬
‫"ينطبق على مسائل كثرية"‪ ،‬فليست هناك قاعدة ملسألة وال ملسألتني‪،‬‬
‫القاعدة تدخل حتتها مسائل كثرية‪.‬‬
‫مما يتعلق ابملدخل يف القواعد الفقهية شيء مهم جداً‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫هل القواعد الفقهية حجة يستند إليها؟‬
‫اختلف العلماء يف هذا الباب‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪24‬‬
‫فقال بعض أهل العلم‪ :‬القواعد الفقهية ليست حجة‪ ،‬ألهنا من كالم‬
‫العلماء‪ ،‬فال تكون حجة بذاهتا إال إذا أمجع عليها العلماء‪.‬‬
‫وقال بعض أهل العلم‪ :‬القواعد الفقهية حجة‪ ،‬ألن أحكامها مقررة‬
‫ابلدليل‪.‬‬
‫والذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن القواعد الفقهية حجة على تفصيل‪ ،‬مبعىن‪:‬‬
‫هل يصح يل وأان طالب علم إذا جاء‪،‬ي العامي يسأل عن مسألة أن‬
‫استند إىل القاعدة الفقهية يف ذكر احلكم له؟‬
‫نقول إن الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ :-‬أنه جيوز على تفصيل‪ ،‬ألن القواعد‬
‫هنا على ثالث مقامات‪:‬‬
‫املقام األول‪ :‬أن تكون القاعدة مأخوذة من النصوص بلفظها‪.‬‬
‫مثل قاعدة‪" :‬اخلراج ابلضمان"‪.‬‬
‫"اخلراج ابلضمان" قاعدة فقهية مأخوذة بلفظها من حديث النيب ﷺ‪.‬‬
‫جاء‪،‬ي رجل قال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬أان اشرتيت سيارة واستعملتها‪ ،‬سافرت هبا‬
‫ورجعت‪ ،‬وحتركت هبا يف البلد‪ ،‬مث وجدت فيها عيباً فرددهتا إىل البائع‪ ،‬فهل‬
‫جيب عل ّي أن أعطيه أجرة مقابل استعمايل للسيارة؟ أل‪،‬ي اآلن سأرد السيارة‬
‫وآخذ القيمة‪ ،‬هل أدفع له أجرة ؟‬
‫أقول‪ :‬ال‪ ،‬ألن "اخلراج ابلضمان"‪.‬‬
‫‪|25‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫(اخلراج) هو نفع الشيء‪( ،‬ابلضمان) يعين مقابل ضمان‪ ،‬أنت عندما‬
‫اشرتيت السيارة‪ ،‬لو تلفت! على من يكون ضماهنا؟ عليك أنت‪ ،‬وإمنا تعود‬
‫أبرش(‪ )1‬العيب فقط‪.‬‬
‫فما دام أ ّن الضمان عليك؛ فاخلراج لك‪ ،‬لو أجرهتا‪ ،‬لو أخذت أجرة‪،‬‬
‫كلها لك‪ ،‬ألن الضمان عليك‪ .‬فأان أقول له‪ :‬ال جيب عليك أن ترد شيئاً‬
‫ألن "اخلراج ابلضمان"‪ ،‬هذه قاعدة‪.‬‬
‫أو أيتيين إنسان فيقول‪ :‬اي شيخ‪ ،‬ما حكم شرب الدخان؟‬
‫فأقول له‪ :‬شرب الدخان حرام ألنه "ال ضرر وال مضرار"‪ ،‬والدخان فيه‬
‫ضرر وفيه مضرار‪.‬‬
‫وهذه ‪-‬يف احلقيقة‪ -‬نص يف حديث النيب ﷺ جعله العلماء قاعدة‪،‬‬
‫وإن كان األوىل واألحسن أن يُذكر النص‪ ،‬فاألفضل واألوىل أن يقال مثالً‪:‬‬
‫ال جيب عليك أن ترد شيئاً ألن النيب ﷺ قال‪ :‬اخلراج ابلضمان‪ )2(‬فهو‬
‫أحسن‪ ،‬وإن كان احلكم واحداً‪.‬‬
‫املقام الثاين‪ :‬أن تكون القاعدة مأخوذة من النصوص ابملعىن‪.‬‬
‫وهنا يصح االحتجاج هبا‪ ،‬ألن االحتجاج ابملعىن الصحيح للدليل جائز‪.‬‬
‫(‪ )1‬األرش‪ :‬هو الفرق بني قيمة السلعة سليمة وقيمتها معيبة‪ ،‬انظر الدرس العاشر‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أمحد وأصحاب السنن‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪26‬‬
‫جاء‪،‬ي إنسان قال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬هل جيوز للنسان أن يشرب املاء بنية أنه‬
‫مخر؟‬
‫أقول له‪ :‬ال جيوز‪ ،‬ألن "األمور مبقاصدها"‪.‬‬
‫وهذه قاعدة مأخوذة من جمموع النصوص‪ ،‬من معا‪،‬ي النصوص‪ ،‬وهذه‬
‫قضية مهمة جداً‪.‬‬
‫أيتيين شخص يقول‪ :‬هل جيوز أن أتزوج بنية الطالق؟ وإن كان هذا‬
‫سيأتينا إن شاء هللا يف قاعدة من القواعد اليت سنتكلم عنها‪.‬‬
‫نقول‪ :‬ال‪ ،‬ال جيوز ‪ -‬ولو قال مجهور العلماء أنه جيوز‪ -‬نقول‪ :‬ال جيوز‪،‬‬
‫ال جيوز أن تتزوج بنية الطالق "ألن األمور مبقاصدها"‪" ،‬القصود مؤثرة يف‬
‫العقود"‪.‬‬
‫املقام الثالث‪ :‬أن تكون القاعدة استقرائية‪.‬‬
‫يعين مبنية على تتبع األحكام‪ ،‬وليس هلا دليل خاص‪.‬‬
‫تج هبا إال إذا فُقد الدليل‪ ،‬ألن‬
‫وهنا يكون حكمها حكم القياس‪ ،‬ال ُحي ّ‬
‫اإلمام الشافعي –رمحه هللا‪ -‬يقول‪" :‬القياس للفقيه؛ كامليتة للمضطر"‪ ،‬ال‬
‫جيوز للفقيه أن يقيس مع وجود النص‪ ،‬لكن إذا فقد النص جاز له القياس‪،‬‬
‫فهي تعامل معاملة القياس‪ ،‬فإذا جاءتين مسألة أحبث هلا عن دليل خاص‪،‬‬
‫فإن ِل أجد؛ أحلقتها بقواعدها االستقرائية‪.‬‬
‫‪|27‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫جاء‪،‬ي إنسان قال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬أان بعت بييت ويف داخل السور خنل‪ ،‬خنل‬
‫مثمر ِل نتفق عليه يف البيع‪ ،‬بعت البيت‪ ،‬وأان اآلن أريد أن آخذ النخل‪ ،‬هل‬
‫جيوز يل أن آخذ النخل؟‬
‫أسأله سؤاالً أل‪،‬ي لست من أهل البلد مثال‪ ،‬فأقول‪ :‬هل يُعد النخل‬
‫داخل الفناء يف العرف عندكم من البيت أو ال يعد من البيت؟‬
‫إن كان يعد من البيت فال جيوز لك أن تأخذه‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألن "التابع اتبع"‪ ،‬التابع لشيء يف وجوده وامسه؛ اتبع له يف حكمه‪ ،‬فلما‬
‫بعت البيت دخل يف البيع النخل فليس لك أن تأخذه‪ ،‬أحلقنا هذه املسألة‬
‫بنظائرها‪ ،‬وهي أن "كل شيء يتبع شيئاً يف وجوده؛ يتبعه يف حكمه"‪ ،‬إال‬
‫ما استثين وقام الدليل على استثنائه‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬القواعد الفقهية تصلح لالحتجاج على ما ذكران يف التفصيل‪.‬‬
‫هناك أشياء كثرية تتعلق ابلقواعد لكن نقتصر على ما حنتاج إليه‪.‬‬
‫األمر الثاين‪ :‬البيع‪.‬‬
‫ما هو البيع عند العلماء؟ البيع يف اللغة‪ :‬مبادلة شيء بشيء‪.‬‬
‫هذا هو البيع يف اللغة‪ ،‬ألن البيع كان معروفاً قبل اإلسالم وهو له معىن‬
‫يف اللغة‪ ،‬وتعرفه العرب‪ ،‬وهو عندهم مبادلة شيء بشيء‪ ،‬فكل شيء فيه‬
‫مبادلة يسمونه بيعاً‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪28‬‬
‫والبيع أييت مبعىن اإلعطاء‪ ،‬وأييت مبعىن األخذ‪ ،‬يعين البيع يسمى بيعاً‬
‫والشراء يسمى بيعاً‪ ،‬ولذلك يقولون يف كتب اللغة هو من األضداد‪ ،‬يعين‬
‫يطلق على الضدين‪ ،‬الذي يبذل السلعة يسمى ابئعاً‪ ،‬والذي يقبضها يسمى‬
‫بعت مبعىن اشرتيت السلعة‪،‬‬
‫بعت مبعىن بذلت السلعة‪ ،‬وتقول‪ُ :‬‬
‫ابئعاً‪ ،‬تقول‪ُ :‬‬
‫كالمها صحيح يف اللغة‪.‬‬
‫واختلف يف اشتقاقه من أين جاءت كلمة (البيع) للبيع االصطالحي؟‬
‫فقال أكثر الفقهاء‪ :‬إنه مشتق من (الباع)‪ ،‬قالوا جاءت الكلمة من‬
‫الباع‪ ،‬ملاذا؟‬
‫قالوا ألن كل واحد من املتبايعني كل منهما ميد ابعه إىل اآلخر‪ ،‬كانوا‬
‫عند عقد الصفقة يتصافحون‪ ،‬فيمد كل واحد من املتبايعني ابعه إىل اآلخر‪،‬‬
‫فسمي البيع بيعاً‪.‬‬
‫واألقرب إىل كالم أهل اللغة‪ :‬أن أصل البيع مسي بيعاً من "ابع" مبعىن‬
‫ملك‪ ،‬ألن البيع يقتضي امللك‪.‬‬
‫وأما البيع يف اصطالح العلماء فله تعريفات كثرية‪ ،‬لكن سأذكر أدق‬
‫التعريفات يف نظري وهللا أعلم‪:‬‬
‫إن البيع‪" :‬مبادلة مال‪ ،‬ولو يف الذمة‪ ،‬أو منفعة مباحة‪ ،‬مبثل أحدمها‬
‫على التأبيد‪ ،‬غري راب‪ ،‬وال قرض"‪.‬‬
‫شرح التعريف‪:‬‬
‫‪|29‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫"مبادلة"‪ :‬هذه الصيغة تعرف عند أهل اللغة بـ "املفاعلة"‪ ،‬واملفاعلة ال بد‬
‫فيها من طرفني‪ ،‬فالبيع ال بد فيه من طريفني‪ ،‬ولذلك اإلنسان ال يبيع ماله‬
‫لنفسه‪ ،‬ال بد من طرفني‪.‬‬
‫"مبادلة مال"‪ :‬حنن اآلن ‪-‬يف حكم العرف‪ -‬إذا أطلق املال؛ نتصور‬
‫مباشرة النقود‪ ،‬وليس هذا هو املراد فقط عند الفقهاء‪ ،‬بل املال يشمل كل‬
‫عني ينتفع هبا ومتلك‪.‬‬
‫النقود‪ :‬مال‪ ،‬الكتاب‪ :‬مال‪ ،‬السيارة‪ :‬مال‪ ،‬القلم‪ :‬مال‪ ،‬إذن ما هو‬
‫املال؟‬
‫"العني املنتفع هبا‪ ،‬القابلةُ للملك"‪ :‬هذا هو املال‪.‬‬
‫إذن لو ابدل اإلنسان سيارة بسيارة‪ ،‬هذا بيع‪ ،‬لو ابدل كتاابً بكراس هذا‬
‫بيع‪ ،‬لو ابدل سيارة بنقد هذا بيع‪.‬‬
‫"مبادلة مال ولو يف الذمة"‪ :‬هنا يشري الفقهاء إىل أن املبيع‪:‬‬
‫ قد يكون حاضراً معيناً‪ ،‬بعتُك هذه السيارة‪ ..‬إذن هاذه السيارة‬‫حاضرة‪ ،‬ألن اإلشارة ال تكون إال ملوجود‪.‬‬
‫ وقد تكون املبادلة لع ٍ‬‫ني يف الذمة موصوفة وصفاً يرفع عنها اجلهالة‬
‫والغرر‪ ،‬مبعىن‪ :‬أهنا ليست موجودة بعينها ولكنها يف ذمة صاحبها‪:‬‬
‫‪ o‬إما أن تكون غائبة‪ ،‬مثال‪ :‬بيت يف مدينة أخرى‪ ،‬فيقول أبيعك بييت‬
‫الكائن يف كذا املوصوف بكذا وكذا وكذا وكذا‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪30‬‬
‫‪ o‬أو تكون غري موجودة أصالً‪ ،‬وإمنا تقع يف املستقبل‪ ،‬وهذا ما يسمى‬
‫ببيع السلم‪ ،‬الذي هو بيع موصوف يف الذمة‪.‬‬
‫إذن العني املبيعة‪:‬‬
‫‪ .1‬قد تكون موجودة بعينها‪.‬‬
‫‪ .2‬وقد تكون يف ذمة البائع‪.‬‬
‫ويف ذمة البائع‪:‬‬
‫ إما أهنا موجودة حبقيقتها ولكنها غائبة فيصفها وصفا يرفع‬‫اجلهالة والغرر‪.‬‬
‫ وأما أن تكون غري موجودة أصالً وهذه خاصة ابلسلم‪.‬‬‫"مبادلة مال ولو يف الذمة‪ ،‬أو منفعة مباحة"‪ :‬املنفعة ليست عيناً‪،‬‬
‫ولكنها تنتج من عني وحنوها‪ ،‬مثل‪ :‬لو كان عند اإلنسان بيت‪ ،‬وهذا البيت‬
‫طويل ممتد‪ ،‬فجاء جريانه يف اخللف وقالوا‪ :‬وهللا حنن يشق علينا أن نذهب‬
‫من خلف بيتك إىل املسجد –مثالً ‪ -‬وما شاء هللا بيتك طويل‪ ،‬نريد أن‬
‫نشرتي منك منفعة املرور أبرضك‪ ،‬افتح لنا طريقاً‪ ،‬نشرتي منك منفعة‬
‫املرور‪ ،‬هذا بيع‪.‬‬
‫طيب‪ِ :‬ل ال يكون إجارة؟‬
‫ألنه هنا يكون على التأبيد‪ ،‬ليس حمدد املدة‪ ،‬يشرتون منه هذه املنفعة‪،‬‬
‫ال ميلكون األرض ولكن ميلكون منفعة املرور على التأبيد ما بقيت العني‪.‬‬
‫‪|31‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ويدخل فيها اآلن ما يسمى بـ "بيع اخللو"‪.‬‬
‫إنسان مستأجر حمال‪ ،‬هذا احملل يف السوق‪ ،‬وأصبح له اسم‪ ،‬وأصبح‬
‫معروفاً‪ ،‬وأصبح الناس يقبلون عليه‪ ،‬وأصبح فيه فائدة‪ ،‬هو ال ميلك احملل‪،‬‬
‫مستأجر‪ ،‬فيأتيه إنسان فيقول‪ :‬اخرج منه وخذ ‪ 100‬ألف‪ ،‬هذا معناه أن‬
‫يبيع منفعته يف هذا احملل هبذا املبلغ‪ ،‬يتنازل عن منفعته اليت حيصلها من هذا‬
‫احملل هبذا املبلغ‪.‬‬
‫والصحيح‪ :‬أنه جائز بشرط أن يكون عقد اإلجارة سارايً‪ ،‬ال يكون‬
‫انتهى من االستئجار وأيخذ خلو‪ ،‬يكون العقد قائماً‪.‬‬
‫جيوز للنسان أن يبيع منفعة املكان الذي أسسه وأصبح الناس يقبلون‬
‫عليه يف مقابل مال‪ ،‬ولكن يشرتط يف هذه املنفعة؛ أن تكون مباحة إابحة‬
‫مطلقة ‪-‬كما سيأتينا إن شاء هللا‪ -‬إابحة مطلقة يعين‪ :‬بدون قيد‪ ،‬وسيأيت‬
‫إن شاء هللا الكالم على مسألة بيع الكلب‪ ،‬وسنتكلم عنها إن شاء هللا ألهنا‬
‫من املسائل املهمة اليوم‪ ،‬يف هذا الزمان‪.‬‬
‫"مبادلة مال ولو يف الذمة أو منفعة مباحة مبثل أحدمها"‪ :‬إذن قد‬
‫يكون البيع مبادلة مال مبنفعة‪ ،‬وقد يكون مبادلة مال مبال‪ ،‬وقد يكون‬
‫مبادلة منفعة مبال‪ ،‬املهم أن يكون أحد الطرفني ماالً أو منفعة‪ ،‬ويكون‬
‫الطرف اآلخر ماالً أو منفعة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪32‬‬
‫"على التأبيد"‪ :‬وهذا إلخراج اإلجارة‪ ،‬ألن اإلجارة مبادلة منفعة مبال‬
‫مؤقتة‪ ،‬ليست على التأبيد‪.‬‬
‫"غري راب"‪ :‬ملاذا استثىن العلماء الراب؟ ألن املعىن السابق ينطبق على الراب‪،‬‬
‫مبادلة مال ولو يف الذمة مبال على التأبيد‪ ،‬فاحتيج إىل إخراجه فقيل‪ :‬غري‬
‫راب‪ ،‬فيخرج الراب‪.‬‬
‫"وال قرض"‪ :‬فإن القرض كذلك‪ ،‬وال يسمى بيعاً يف لسان العلماء‪ .‬هذا‬
‫تعريف البيع‪.‬‬
‫قل من يتطرق إليه – بـ‬
‫هناك ما يسمى عند الفقهاء ‪ -‬وهذا ّ‬
‫الصفات الالمزمة للبيع‬
‫وهذه من حقيقة البيع‪ .‬ومن تلك الصفات‪:‬‬
‫‪-‬‬
‫أن ال يضمن رأس املال وأن ال يضمن رحبه‪.‬‬
‫البيع‪ ،‬يكون فيه خماطرة‪ ،‬أن يذهب رأس املال كله‪ ،‬أو يبقى كله‪ ،‬أو‬
‫يزيد‪ ،‬فال يصح أن يُضمن املبيع أبن يبقى على التأبيد‪ ،‬يقول مثالً‪ :‬أان‬
‫أضمن لك هذه السلعة مدى احلياة! طبعاً اإلخبار ابلواقع شيء والضمان‬
‫شيء آخر‪ ،‬فال يُضمن رأس املال بل هو قابل للذهاب‪ ،‬وال يُضمن الربح‪،‬‬
‫بل قد يربح فيه وقد ال يربح فيه‪ ،‬وسيأيت إن شاء هللا أمثلة ملسائل معاصرة‬
‫تتعلق هبذه الصفة‪.‬‬
‫‪|33‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫األمر الثالث‪ :‬املعامالت املالية‪.‬‬
‫املعامالت املالية وهو مصطلح مركب من "املعامالت" و "املال"‪.‬‬
‫واملعامالت مجع معاملة‪ ،‬واملعاملة كما قلنا‪ :‬مفاعلة تكون بني طرفني‪.‬‬
‫واملقصود ابملعامالت عند الفقهاء‪" :‬األحكام الشرعية الـ ُمنظّمة لتعامل‬
‫الناس"‪.‬‬
‫هذه تسمى عند الفقهاء ابملعامالت‪ ،‬ولكن تلحظون أن هذا املعىن أعم‬
‫من املعامالت املالية‪ ،‬ولذلك يقول بعض الفقهاء املعامالت مخسة‪:‬‬
‫املعاوضات املالية‪ ،‬واملناكحات‪ ،‬واملخاصمات‪ ،‬واألماانت‪ ،‬والرتكات‪.‬‬
‫املعاوضات املالية مثل‪ :‬البيع واإلجارة‪.‬‬
‫واملناكحات‪ :‬فالزواج والنكاح من املعامالت‪.‬‬
‫واملخاصمات‪ :‬يعين النزاع والقضاء‪ ،‬فهو من املعامالت‪.‬‬
‫واألماانت‪ :‬كالودائع وحنوها فهي من املعامالت‪.‬‬
‫والرتكات‪ :‬اليت هي قسمة املرياث من املعامالت‪.‬‬
‫لذلك احتجنا إىل تقيد املعامالت بـ "املالية" حىت خنرج بقية اخلمسة‪.‬‬
‫فمعىن املعامالت مبعناها العام‪" :‬األحكام الشرعية املنظمة لتعامل‬
‫الناس"‪ ،‬فإذا أضفنا املالية قيدانها‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪34‬‬
‫فأصبح املعىن‪" :‬األحكام الشرعية املنظمة لتعامل الناس يف املال"‪ ،‬واملال‬
‫كما قلنا مبعناه العام الذي ذكران‪ :‬وهو "العني املنتفع هبا القابلة للملك"‪،‬‬
‫فعلى هذا البيوع جزء من املعامالت املالية‪.‬‬
‫هناك بعض املصطلحات تكثر يف مسائل املعامالت‪ ،‬أحب أن أشري‬
‫إليها ليكون عندان معرفة فقهية هبا‪ ،‬ألننا نريد أن يكون عندان شيء من‬
‫اإلملام الكلي الصحيح ابلبيوع‪ ،‬ألن من املهم جداً يف دراسة الفقه؛ أن‬
‫يُدرس الفقه مبلكة‪ ،‬الفقه حىت تنتفع به؛ ال بد أن يكون عندك ملكة‪،‬‬
‫دراسة الفقه دراسة ه ّذيّة للمسائل تُنتج حافظاً وال تُنتج فقهياً‪.‬‬
‫ولذلك كثري من طالب العلم قد يعرف بعض املسائل لكن ال يستطيع‬
‫أن يفيت‪ ،‬ليس عنده ملكة‪ ،‬ألن امللكة يف الفقه معناها‪" :‬أن تفهم املسألة‬
‫فهماً صحيحاً‪ ،‬وأن تنزهلا على وقائع الناس تنزيالً سليماً"‪.‬‬
‫تفهم املسألة اليت يذكرها العلماء فهماً صحيحاً‪ ،‬مث تكون عندك قدرة‬
‫على أن تنزهلا على وقائع الناس تنزيالً سليماً‪ ،‬ألن وقائع الناس ال تأتيك‬
‫كما هو يف الكتب‪ ،‬وقائع الناس تتشابه وتأيت بصوٍر خمتلفة‪ ،‬فإذا ِل يكن‬
‫عندك ملكة ال تستطيع أن تُفيت‪ ،‬أو تفيت خطأ‪.‬‬
‫ولذلك من لطيف القول ‪-‬أذكره من ابب ختفيف اجمللس‪ -‬يقول بعض‬
‫املشايخ معنا يف التوعية واحلج‪ ،‬يقول‪ :‬حنن يف التوعية مثل الطالب الذين‬
‫يذاكرون الدروس فإذا دخلوا االختبار؛ جاءت األسئلة من خارج املقرر‪،‬‬
‫يعين‪ :‬حنن أنيت وحنن نعرف مسائل احلج واحلمد هلل‪ ،‬ونعرف تفاصيلها‪،‬‬
‫‪|35‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ولكن أسئلةُ الناس كل سنة تأتينا أشياء جديدة‪ ،‬الذي ما عنده ملكة ال‬
‫يستطيع أن يتعامل معها‪ ،‬لكن الذي يفهم املسائل مبلكة؛ يعرف أن هذه‬
‫الصورة ترجع إىل ذاك‪ ،‬ولذلك الفقه حيتاج إىل ملكة‪ ،‬أن يُفهم فهماً‬
‫صحيحاً بكلياته‪.‬‬
‫وجدت أن اإلنسان ينتفع ابلعلم؛ إال إذا أحبه‪ ،‬ال بد‬
‫وهللا اي إخوة‪ ،‬ما‬
‫ُ‬
‫أن حيب اإلنسان العلم الذي يدرسه‪ ،‬حىت يُقبل عليه بكليته‪ ،‬مث درسهُ‬
‫تنمي امللكة عنده‪ ،‬مث ع ممل على تطبيقه على وقائع الناس‪ ،‬فنحن‬
‫دراسةً ّ‬
‫حناول أن يكون عندان معرفة مبثل هذا األمر‪.‬‬
‫من املصطلحات اليت تطرح يف هذا الباب‪:‬‬
‫ النوامزل‪ ،‬نوامزل البيوع‪.‬‬‫نوازل البيوع عند أهل العلم معناها‪" :‬األمور املستج ّدة يف البيوع بذاهتا أو‬
‫بوصفها"‪.‬‬
‫"بذاهتا"‪ :‬إما أهنا جديدة أصالً مثل‪ :‬بيع األسهم‪ ،‬بيع األسهم جديد‪ ،‬ما‬
‫كان موجوداً‪.‬‬
‫"أو بوصفها"‪ :‬أصلها قدمي لكن يتجدد الوصف‪ ،‬مثل صور الراب‪ ،‬الراب‬
‫قدمي ولكن اآلن صوره كثرية يف البنوك‪ ،‬نوازل‪.‬‬
‫ ومثل النوامزل‪ ،‬القضااي املستجدة‪.‬‬‫القضااي املستجدة مثل النوازل يف املعىن‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪36‬‬
‫ ومنها ما يسميها الفقهاء ابلواقعات‪.‬‬‫الواقعات تكثر عند املالكية كثرياً عند املتقدمني‪ ،‬معناها‪" :‬املسائل الواقعة‬
‫اليت حتتاج إىل استنباط حكم"‪.‬‬
‫ ومنها الفتاوى‪.‬‬‫والفتوى معناها‪ :‬أن ينقل طالب العلم رأي العاِل يف املسألة بدون أن يقرر‬
‫احلكم من عنده‪.‬‬
‫مبعىن‪ :‬ما درس املسألة ولكن يعرف رأايً‪ ،‬مثالً‪ :‬جاء إنسان وقال‪ :‬اي‬
‫طالب العلم‪ ،‬اي شيخ‪ ،‬أنت تدرس عند املشايخ‪ ،‬أان وجدت صورة من‬
‫البيوع عندي يف البنك ما حكمها؟‬
‫تقول‪ :‬وهللا أان ما درست املسألة لكن مسعت الشيخ ابن ابز يقول –‬
‫مثالً‪ -‬يف هذه الصورة بعينها إهنا حرام‪.‬‬
‫هذه تسمى ابلفتاوى‪ .‬ينقل طالب العلم رأي العاِل دون أن خيتار‪ ،‬وهذه‬
‫شرطها‪ :‬أن يكون طالب العلم ضابطاً لتلك الفتوى‪ ،‬عن عاِل معترب‪.‬‬
‫ ال بد أن يكون ضابطاً لتلك الفتوى‪ ،‬أما مسألة‪" :‬وهللا أظن أن‬‫الشيخ بن ابز قال كذا!"‪ ،‬أو ال يضبط الصورة؛ هذا ال جيوز أبداً‪.‬‬
‫‪ -‬وال بد أن أيضاً أن يكون عن عاِل معترب‪.‬‬
‫‪|37‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اآلن بعض طالب العلم يقول‪ :‬أفىت العلماء يف هذه املسألة بكذا‪ ،‬وإذا‬
‫سألت من الذي أفىت بكذا؟ يقول‪ :‬وهللا أان قرأت يف "تويرت" للداعية‬
‫الفال‪،‬ي‪.‬‬
‫الفتاوى واألحكام هلا أهلها املعتربون‪ ،‬وال تؤخذ عن كل أحد‪ ،‬وليس كل‬
‫حيل‬
‫من برز يف إعالم أو يف وعظ أويف حنو ذلك أخذت عنه الفتوى‪ ،‬وال ّ‬
‫لطالب العلم أن ينقل فتوى إال عن أهلها املعتربين من أهل العلم الذين‬
‫شهد هلم ابألهلية يف هذا الباب‪.‬‬
‫هذا ما يتعلق ابملعامالت‪ ،‬مما حيسن أن نشري إليه‪ :‬مسألة العقود املالية‬
‫وأنواع العقود املالية‪.‬‬
‫لعلنا نتوقف هنا إن شاء هللا‪ ،‬بعد الصالة سنشرع يف إكمال املدخل يف‬
‫أنواع العقود‪ ،‬مث نشرع يف القاعدة األوىل‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على نبينا‬
‫وسلم‪.‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪38‬‬
‫الدرس الثاين‬
‫السالم عليكم ورمحة هللا‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتّان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فنواصل ذكر بعض الكليات املتعلقة ابملدخل‪ ،‬وكنا وقفنا عند آخر نقطة‬
‫أحب أن أحتدث عنها وهي‪:‬‬
‫أنواع العقود املالية‬
‫ألان نتكلم عن املعامالت املالية‪ ،‬وعقودها ليست نوعاً واحداً‪ ،‬بل هي‬
‫أنواع متعددة تقسم ابعتبارات‪ ،‬فمنها‪:‬‬
‫تقسيم العقود ابعتبار احلكم‬
‫تقسم العقود إىل عقد صحيح‪ ،‬وعقد فاسد‪ ،‬هذا عند مجهور أهل العلم‪.‬‬
‫والعقد الصحيح‪ :‬هو العقد الذي اجتمعت فيه الشروط‪ ،‬وانتفت املوانع‪،‬‬
‫وترتبت آاثره‪.‬‬
‫فإذا قال الفقهاء‪" :‬هذا عقد صحيح" فمعىن ذلك أنه اجتمعت فيه‬
‫الشروط وانتف املوانع‪ ،‬وترتبت عليه اآلاثر‪.‬‬
‫وعقد فاسد‪ :‬وهو العقد الذي ختلف فيه شرط من الشروط‪ ،‬أو قام مانع‬
‫من املوانع‪ ،‬وهذا عند اجلمهور‪.‬‬
‫‪|39‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫األحناف ‪-‬من ابب الفائدة‪ -‬عندهم العقود تنقسم من حيث احلُكم إىل‬
‫ثالثة أقسام‪:‬‬
‫عقد صحيح‪ ،‬وعقد فاسد‪ ،‬وعقد ابطل‪ ،‬ويفرقون بني العقد الفاسد‬
‫والعقد الباطل‪.‬‬
‫ فالعقد الباطل‪ :‬يكون اخللل فيه يف أصله ووصفه‪.‬‬‫ والعقد الفاسد‪ :‬يكون اخللل فيه يف وصفه‪.‬‬‫والفرق بني العقد الباطل والعقد الفاسد عندهم‪:‬‬
‫ أن العقد الباطل‪ :‬ال ميكن إصالحه‪.‬‬‫ أما العقد الفاسد‪ :‬فيمكن أن يصلح إبسقاط الوصف‪.‬‬‫أما اجلمهور‪ :‬فالفاسد والباطل عندهم سواء‪.‬‬
‫هنا أنبه إىل مسألة دقيقة يف احلكم‪ ،‬وهي‪ :‬أنه يف العقود هناك فرق بني‬
‫اجلواز والصحة‪:‬‬
‫فقد يكون العقد صحيحا الجتماع شروطه وانتفاء موانعه؛ لكنه ال يكون‬
‫جائزا‪.‬‬
‫على سبيل املثال ‪-‬خارج البيوع‪ -‬النكاح بنية الطالق‪ ،‬أن يتزوج الرجل‬
‫امرأة وهو ينوي أن يطلقها‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪40‬‬
‫هذا النكاح إذا نظران إىل شروطه واملوانع؛ وجدانه صحيحا‪ ،‬ألن الشروط‬
‫جمتمعة‪ ،‬واملوانع منتفية‪ ،‬ومن هنا قال اجلمهور جبوازه وصحته‪.‬‬
‫لكن التحقيق أنه غري جائز وإن كان صحيحا؛ يعين‪ :‬لو وقع ترتتب عليه‬
‫آاثره‪.‬‬
‫لكن لو سألنا سائل عنه‪ :‬هل جيوز يل أن أتزوج بنية الطالق؟‬
‫نقول‪ :‬ال‪ ،‬ال جيوز‪ .‬ملاذا؟‬
‫‪ .1‬ال جيوز‪ ،‬ألن القصد يؤثر يف احلكم ‪ -‬كما سيأتينا إن شاء هللا ‪-‬‬
‫صود مؤثرة يف العقود‪ ،‬فالنيب ﷺ يقول‪ :‬إمنا األعمال ابلنيات‪ ‬وهذا‬
‫فال ُق ُ‬
‫يقصد نكاحا مؤقتا‪.‬‬
‫‪ .2‬وألنه مغش‪ ،‬وإذا كان الشرع ِل ُجيز الغش يف ص ُربة الطعام؛ فكيف‬
‫جييز الغش يف أعراض الناس؟! عندما أييت الرجل فينكح بنية الطالق؛ هو‬
‫تقدم للناس بدون أن يعلموا‪ ،‬ألهنم لو علموا لكان متعة‪ ،‬لو علموا أنه ينوي‬
‫الطالق لكان متعة‪ ،‬لكن املسألة أن النية يف قلبه‪ ،‬عندما يتقدم لوالد هذه‬
‫املرأة وهو ينوي الطالق أصال؛ فهو غاش هلذا الرجل‪ ،‬ألن الرجل يزوجه‬
‫على أهنا دميومة‪ ،‬وغاش للمرأة‪.‬‬
‫‪ .3‬وأيضاً‪ :‬ألن فيه ضررا ابملرأة‪ ،‬فاملرأة قبل أن تتزوج؛ ليست مثل املرأة‬
‫بعد أن تتزوج‪ ،‬فيدخل عليها الضرر‪.‬‬
‫‪|41‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫كنت مرة أُقرر‬
‫‪ .4‬وألن فيه إظهاراً لصورة ليست حسنة عن اإلسالم‪ ،‬و ُ‬
‫هذا احلكم؛ فلقيين أحد األخوة من الغرب قال‪ :‬وهللا اي شيخ‪ ،‬إ‪،‬ي أعرف أن‬
‫نساءً دخلن يف اإلسالم مث ارتددن بسبب هذا‪.‬‬
‫‪ .5‬وألن اإلنسان ال يرضاه لبناته وال ألخواته‪ ،‬النيب ﷺ يقول‪ :‬ال‬
‫يؤمن أحدكم حىت ُحيب ألخيه ما حيب لنفسه‪.)1(‬‬
‫لكن إذا وقع؛ ليس عندان ُمب مطل حىت نقول‪" :‬إن العقد غري صحيح"‪،‬‬
‫فالعقد عند وقوعه صحيح‪ ،‬لكن مع الصحة؛ نقول إبمث الفاعل‪ ،‬ومننع منه‬
‫ونقول إنه ال جيوز‪.‬‬
‫إذن الصحة يف العقود غري مسألة اجلواز‪ ،‬الصحةُ يف العقود‪ :‬يُنظر فيها‬
‫إىل اجتماع الشروط وانتفاء املوانع‪ ،‬فمىت ما اجتمعت الشروط وانتفت‬
‫املوانع؛ فالعقد صحيح‪.‬‬
‫أما اجلواز؛ فينظر فيه يف أموٍر أخرى قد تكون أوسع من مسألة الشروط‬
‫وانتفاء املوانع‪.‬‬
‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪42‬‬
‫كذلك‪:‬‬
‫تقسم العقود من حيث حقيقتها إىل أقسام عند الفقهاء‪ ،‬فمنها‪:‬‬
‫عقود املعاوضات‬
‫وعقود املعاوضات تكون بني طرفني‪ ،‬يبذل كل واحد منهما عوضاً‪.‬‬
‫أردت أن أبيعك سياريت‪ ،‬فأان‬
‫مثل البيع‪ :‬البيع عقد معاوضة‪ ،‬فمثالً إذا ُ‬
‫أبذل لك السيارة وأنت تبذل يل املال‪ ،‬فهذا عقد معاوضة‪ ،‬كذلك اإلجارة‬
‫عقد معاوضة‪ ،‬أل‪،‬ي أبذل إليك البيت وأنت تبذل يل املال‪ ،‬فهذه تسمى‬
‫بعقود املعاوضات‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬عقود التربعات‪.‬‬
‫وعقود التربعات‪ :‬هي العقود اليت ال يكون فيها عوض‪ ،‬كاهلبة‪ ،‬واهلدية‪،‬‬
‫واملكافأة‪ ،‬فهذه ال يكون فيها معوض‪.‬‬
‫ومن األحكام املتعلقة هبذا‪:‬‬
‫أن عقود التربعات أوسع من عقود املعاوضات‪.‬‬
‫يعين‪ :‬يوسع فيها شرعاً أكثر من املعاوضات‪ ،‬فالتربعات؛ تقبل اجلهالة‪،‬‬
‫أما املعاوضات؛ فال تقبل اجلهالة‪.‬‬
‫يعين‪ :‬إنسان جاء فقال‪" :‬بمع يل هذه السلعة مبئة ولك ما زاد"‪ – ،‬هذه‬
‫تقع اآلن بني الناس – هل هذا جيوز؟‬
‫‪|43‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫إن كان هذا من ابب املعاوضة – كأن كانت أجرة أو حنو ذلك – فهذا‬
‫ال جيوز‪ ،‬ألن ما يزيد هنا جمهول‪ ،‬ميكن يزيد عشرة‪ ،‬ميكن يزيد عشرين‪،‬‬
‫ميكن يزيد مخسني‪ ،‬فهذا جمهول‪ ،‬واجلهالة يف املعاوضات تُبطلها‪ ،‬نقول ال‬
‫جيوز وال يصح‪.‬‬
‫لكن إذا كانت من ابب املكافأة – يعين‪ :‬ال يقابلها شيء – إما أن‬
‫البائع متربع وال أيخذ عوض‪ ،‬أو أنه أخذ أجرته‪ ،‬فيقول له‪" :‬اي أخي‪ ،‬أنت‬
‫ستتعب يف بيع السلعة وأخذت األجرة‪ ،‬الذي يزيد فوق املئة هدية مين‬
‫لك"‪ .‬هذا جيوز‪ ،‬ألن التربعات يُوسع فيها ما ال يوسع يف املعاوضات‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألن الشريعة – وهذا سيأتينا إن شاء هللا – متنع النزاع يف ابب‬
‫املعاوضات‪ ،‬ألن املعاوضات فيها حق املطالبة‪ ،‬فإذا كان فيها جهالة؛‬
‫سيؤدي إىل النزاع‪ ،‬أما التربعات فليس فيها مطالبة‪ ،‬فال تؤدي إىل النزاع‪.‬‬
‫ومنها أيضاً‪ :‬عقود اإلرفاق‬
‫وهي‪ :‬العقود اليت يقصد هبا اإلرفاق والرفق واإلحسان‪ ،‬مثل‪ :‬القرض‪،‬‬
‫يريد اإلنسان به الرفق‪ ،‬يُقرضه‪ ،‬هدفه من هذا الرفق هبذا املسلم‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬عقود التوثيقات‬
‫وعقود التوثيقات ال تكون العني فيها مقصودة‪ ،‬وإمنا املقصود توثيق عقد‬
‫آخر‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪44‬‬
‫مثل الرهن‪[ :‬أقول‪" ]:‬أبيعك هذه األرض مبئة ألف مؤجلة إىل سنة‪،‬‬
‫بشرط أن ترهن سيارتك عندي‪ ،‬أو بشرط أن ترهن بيتك عندي"‪ ،‬اآلن‪:‬‬
‫مقصود وإمنا املقصود توثيق تسليم الثمن‪،‬‬
‫هذا عقد الرهن‪ ،‬البيت ليس‬
‫ً‬
‫فاملقصود توثيق عقد آخر‪ ،‬فتسمى هذه العقود بعقود التوثيقات اليت يُوثق‬
‫هبا عقد آخر‪.‬‬
‫وهناك عقود األماانت‬
‫وهي‪ :‬العقود اليت تقوم على األمانة‪ ،‬كالوديعة‪ ،‬اإليداع‪ :‬عقد أمانة‪.‬‬
‫هذه أنواع العقود ابعتبار حقيقتها‪.‬‬
‫وهناك تقسيم للعقود ابعتبار أثرها‪.‬‬
‫يعين‪ :‬بعد العقد‪ ،‬تُقسم إىل عقود الزمة‪ ،‬وعقود جائزة‪.‬‬
‫العقد الالمزم‪ :‬هو الذي ال ميكن ألحد الطرفني فسخه‪ ،‬يعين‪ :‬ال يستطيع‬
‫أحد الطرفني أن يستقل بفسخه إال برضاً من الطرفني‪.‬‬
‫لكن هنا أنبه إىل إن اللزوم قد يكون للطرفني‪ ،‬وقد يكون لطرف دون‬
‫طرف‪.‬‬
‫فإذا كان اللزوم للطرفني‪ ،‬فال يستطيع أحد الطرفني أن ينفرد بفسخه‪،‬‬
‫مثل‪ :‬عقد البيع‪[ ،‬تقول‪ ]:‬بعتك سياريت هذه مبئة ٍ‬
‫ألف‪[ ،‬أقول‪ ]:‬قبلت‪،‬‬
‫تفرقنا من اجمللس؛ لزم العقد‪.‬‬
‫‪|45‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أنت ‪-‬أيها البائع‪ -‬تريد أن تفسخ بعد أن مت العقد؟ ال متلك هذا‪ ،‬إال‬
‫برضاً املشرتي‪.‬‬
‫املشرتي يريد أن يفسخ العقد بدون عيب؟ ال يستطيع إال برضا البائع‪.‬‬
‫وقد يكون اللزوم لطرف دون اآلخر‪ ،‬فيكون كما يقولون‪" :‬العقد الزم‬
‫لطرف جائز لطرف آخر"‪ ،‬مثل‪ :‬الرهن‪ ،‬الرهن عقد الزم ألحد الطرفني‪،‬‬
‫جائز للطرف اآلخر‪.‬‬
‫[أقول‪ ]:‬أان بعتك األرض مبئة ألف مؤجلة على أن ترهن عندي بيتك‪،‬‬
‫وقبلت ومتّ‪ ،‬بعد هذا ابلنسبة لك؛ هو عقد الزم ال تستطيع أن تفسخ‬
‫الرهن‪ ،‬لكن ابلنسبة يل عقد جائز إبمكا‪،‬ي أن أقول لك‪" :‬وهللا اي أخي‪ ،‬قد‬
‫حبست عنك بيتك‪ ،‬وإن شاء هللا أنك ستسدد‪،‬ي‪ ،‬خذ البيت‪ ،‬فك‬
‫الرهن"‪ ،‬فهو جائز ابلنسبة ملشرتط الرهن‪ ،‬الزم ملن رهن السلعة‪.‬‬
‫وقد يكون العقد جائزا للطرفني‪ ،‬مثل‪ :‬الوكالة‪ ،‬الوكالة‪ :‬عقد جائز‪،‬‬
‫والشركة‪ :‬عقد جائز‪.‬‬
‫العقد اجلائز‪ :‬جيوز ألحد الطرفني فسخه بدون رضا الطرف اآلخر‪،‬‬
‫بشرط مهم يغفل عنه كثري ممن يقررون هذه املسألة؛ وهو‪ :‬أن ال يتضرر‬
‫الطرف اآلخر‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪46‬‬
‫الشركة‪ :‬عقدت مع أخيك شركة‪ ،‬جيوز لكل واحد منكما أن يفسخ‬
‫الشركة‪ ،‬عقد جائز‪ ،‬مىت مينع الفسخ؟ إذا كان يرتتب على ذلك ضرر‬
‫للطرف اآلخر‪ ،‬فالضرر ممنوع شرعاً‪.‬‬
‫فالوكالة‪ :‬عقد جائز للطرفني‪ ،‬الشركة‪ :‬عقد جائز للطرفني‪ ،‬جيوز لكل‬
‫طرف أن يفسخ هذا العقد بدون رضا الطرف اآلخر ما ِل يرتتب على ذلك‬
‫ضرر‪.‬‬
‫هذه أنواع العقود‪ ،‬ذكرت هذه املقدمات الكليات الكربى املهمة يف‬
‫املدخل بشيء من اإلجياز‪.‬‬
‫نشرع يف القواعد‪ ،‬ونبدأ بقاعدة كربى‪ ،‬أعين‪ :‬من أهم القواعد يف البيوع‪،‬‬
‫بل أهم قواعد البيوع‪ ،‬وأكرب قواعد البيوع‪ ،‬وهي قاعدة يقول فيها الفقهاء‪:‬‬
‫[القاعدة األوىل‪ ]:‬األصل يف البيوع اإلابحة‪.‬‬
‫ما معىن األصل؟‬
‫"األصل" هنا املقصود به‪ :‬القاعدة املستمرة‪ .‬ألن األصل له معان يف‬
‫لسان العلماء‪ ،‬لكن ما املراد ابألصل يف القاعدة؟ معناه القاعدة املستمرة‪.‬‬
‫القاعدة املستمرة يف البيوع اإلابحة‪.‬‬
‫طيب‪ :‬ما فائدة ذكر األصل يف القاعدة؟‬
‫‪|47‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫إذا قال العلماء يف القاعدة‪" :‬األصل كذا"‪" ،‬األصل براءة الذمة"‪،‬‬
‫"األصل يف األمور العارضة العدم"‪" ،‬األصل يف البيوع اإلابحة"‪.‬‬
‫ماذا تفيد كلمة األصل؟ هلا فوائد‪:‬‬
‫الفائدة األوىل‪ :‬أن ما يُذكر حتت األصل؛ ال حيتاج أن يُتوقف فيه‪ ،‬بل‬
‫ميضي على األصل‪.‬‬
‫عندما نقول‪" :‬األصل يف البيوع اإلابحة"؛ فالبيع ال حيتاج املسلم أن‬
‫يتوقف فيه‪ ،‬ألن األصل فيه اإلابحة حىت يدل الدليل على املنع‪.‬‬
‫الفائدة الثانية‪ :‬أن املتمسك ابألصل ال يُطالب ابلدليل‪.‬‬
‫فلو جاء إنسان يف البيوع مثال وقال‪" :‬هذا البيع جائز حالل"‪ ،‬ال نقول‬
‫له‪ :‬ما الدليل؟ ألنه هو األصل‪.‬‬
‫فإذا اختلفنا أان وأنت يف صورة من البيوع‪ ،‬أان أقول‪ :‬هي جائزة‪ ،‬وأنت‬
‫تقول‪ :‬هي حرام‪ ،‬من الذي يطالب ابلدليل؟‬
‫الذي يقول‪ :‬إهنا حرام! ألن املتمسك ابألصل ال يطالب ابلدليل‪ ،‬هذا‬
‫األصل‪ ،‬الناقل عن األصل هو الذي يطالب ابلدليل‪ ،‬وهذه فائدة يف‬
‫اخلالف الفقهي‪ ،‬فدائما املتمسك ابألصل ال يطالب ابلدليل‪.‬‬
‫ص ّدرت‬
‫الفائدة الثالثة‪ :‬يف الفقه‪ ،‬أن القاعدة جتعل ميزاان للحكم إذا ُ‬
‫ابألصل‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪48‬‬
‫فنحن نقول‪" :‬األصل يف البيوع اإلابحة"‪ ،‬إذن كل بيع أيتينا؛ القاعدة‬
‫أننا حنكم عليه ابإلابحة حىت يرد دليل على املنع‪ ،‬فهذه قاعدة مستمرة‬
‫وميزان عندان‪.‬‬
‫الفائدة الرابعة‪ :‬أن حفظ األصل يغين عن حفظ اجلزئيات‪.‬‬
‫إذا حفظت األصل؛ ال حتتاج إىل أن حتفظ املسائل اليت حتته‪ ،‬ولكن‬
‫حتتاج أن حتفظ ما خرج عن األصل‪ ،‬ألن مسائل األصل هي املتعددة‪،‬‬
‫والذي خيرج عنه هو القليل‪ ،‬والذي ُحيفظ هو القليل‪ ،‬ولذلك ملا ُسئل النيب‬
‫ﷺ عما يلبس احملرم؟ أجاب ع ّما ال يلبسه؟ ألن األصل أنه جيوز له أن‬
‫عما ال‬
‫يلبس ما شاء‪ُ ،‬‬
‫وحّمرم عليه أمور ميكن ضبطها‪ ،‬فأجاب الرسول ﷺ ّ‬
‫يلبس احملرم‪.‬‬
‫فأنت إذا حفظت األصل؛ ال حتتاج أن حتفظ املسائل اجلزئية‪ ،‬لكن حتفظ‬
‫املسائل املستثناة‪ ،‬ففي البيوع‪ :‬ال حنتاج أن حنفظ البيوع اجلائزة ألن صورها‬
‫ال تتناهى‪ ،‬ولكن حنفظ البيوع احملرمة‪ ،‬ونضبط البيوع احملرمة بكلياهتا‪ ،‬كما‬
‫سيأتينا إن شاء هللا‪.‬‬
‫الفائدة اخلامسة‪ :‬أن كلمة األصل يف أول القاعدة تُشعرك أبنه قد يُرتك‪.‬‬
‫إذا وجدت يف أول القاعدة كلمة األصل؛ فمعىن ذلك أنه يُعمل به لكنه‬
‫قد يُرتك‪ ،‬إذا قلنا‪" :‬األصل براءة الذمة"‪ ،‬يعين‪ :‬القاعدة املستمرة أن املسلم‬
‫‪|49‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ذمته بريئة من احلقوق وااللتزامات‪ ،‬لكن ميكن أن تُشغل‪ُ ،‬ميكن أن يكون‬
‫عليه دين‪ ،‬ويثبت أن عليه دين‪.‬‬
‫عندما نقول‪" :‬األصل يف األمور العارضة العدم"‪ ،‬األصل يف األمور‬
‫احلادثة اليت حتدث ليست أصالً؛ العدم‪ ،‬ومعىن ذلك أهنا قد تقع‪.‬‬
‫شعرت خبروج شيء‪ ،‬نقول‪:‬‬
‫جاءان إنسان قال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬أان وأان أصلي‬
‫ُ‬
‫"األصل يف األمور العارضة العدم"‪ ،‬ال يضرك إن شاء هللا‪.‬‬
‫شعرت خبروج شيء‪ ،‬عندما ذهبت‬
‫إنسان قال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬أان وأان أصلي‬
‫ُ‬
‫نظرت يف لباسي فوجدت شيئاً‪ ،‬هنا نقول‪ :‬إن هذا يدل على أن‬
‫إىل البيت ُ‬
‫هذا حدث قد وقع أثناء الصالة ألنك شعرت خبروجه‪.‬‬
‫مث تأتينا قاعدة اثنية يقولون‪" :‬األصل إضافة احلادث إىل أقرب أوقاته"‬
‫يعين‪ :‬القاعدة املستمرة أن الشيء احلادث يضاف إىل أقرب األوقات‪.‬‬
‫جاءان إنسان فقال‪ :‬اي شيخ‪ ،‬أان كنت أصلي املغرب وشككت أنه خرج‬
‫وصلت‬
‫وذهبت إىل البيت‪،‬‬
‫مين شيء‪ ،‬فصليت املغرب وصليت العشاء‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وجدت يف ثويب شيئاً‪.‬‬
‫البيت بعد ساعة ونصف‪،‬‬
‫ُ‬
‫نقول‪ :‬األصل أننا نضيف هذا إىل أقرب وقت بعد الصالة‪ ،‬وأن الصالة‬
‫صحيحة‪ ،‬إال إذا ُوجدت قرينة تدل على أنه وقع يف أثناء الصالة‪ ،‬كأن‬
‫تكون أحسست أنه خرج منك شيء أثناء الصالة وِل حتس هبذا إال بعد‬
‫الصالة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪50‬‬
‫فهذا معىن قولنا‪ :‬األصل‪ ،‬هو القاعدة املستمرة اليت يُعمل هبا‪ ،‬ولكنه قد‬
‫يُرتك‪.‬‬
‫فعندما يقول الفقهاء‪" :‬األصل يف البيوع اإلابحة"؛ معىن ذلك‪ :‬أن‬
‫القاعدة املستمرة يف البيوع أهنا مباحة‪ ،‬ولكن قد ُحيّرم البيع‪ ،‬فقد تُرتك‬
‫القاعدة‪ ،‬فدائماً إذا وجدت يف أول القاعدة كلمة األصل؛ فافـهم أن هذا‬
‫يرتك لسبب من األسباب‪.‬‬
‫هو املعمول به لكنه قد ُ‬
‫هذا ما يتعلق ابألصل‪ ،‬فما معىن اإلابحة؟‬
‫اإلابحة يف اللغة‪ :‬اإلطالق واإلذن واإلظهار‪ ،‬يعين مثالً‪ :‬أقول أحبت لك‬
‫ت‬
‫سياريت‪ ،‬يعين‪ :‬أذنت لك يف قيادهتا‪ ،‬أطلقت يدك يف قيادهتا‪ ،‬وتقول‪ُ :‬حب ُ‬
‫ّم‬
‫بسري‪ ،‬أي‪ :‬أظهرته‪ ،‬هذا من حيث اللغة‪.‬‬
‫وأما اإلابحة من حيث االصطالح‪" :‬اإلذن يف الفعل والرتك على حد‬
‫سواء"‪ ،‬وهذا معىن قوهلم‪" :‬املباح ما استوى طرفاه"‪ ،‬يعين‪ :‬استوى فيه الفعل‬
‫والرتك‪.‬‬
‫فإذا أذن الشرع يف شيء على حد سواء أن يفعل أو يرتك؛ فهو مباح‪.‬‬
‫يزيد بعض أهل العلم‪" :‬أن أيذن الشرع يف شيء على حد سواء أو‬
‫يسكت عنه"‪.‬‬
‫يعين املباح أو اإلابحة‪ ،‬إما أن أييت اإلذن على حد سواء بني الفعل‬
‫والرتك‪ ،‬وإما أن يسكت الشرع – ال أييت دليل‪ -‬يف األشياء النافعة –‬
‫‪|51‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫العادات‪ -‬فتكون مباحة‪ ،‬يعين‪ :‬لبس العقال مباح جيوز للنسان أن يلبس‬
‫العقال وجيوز أن يرتكه‪ ،‬ملاذا؟ ألنه شيء انفع قد سكت عنه الشرع‪ ،‬وما‬
‫سكت عنه الشرع فهو مباح‪.‬‬
‫بعض أهل العلم يقولون‪ :‬ال‪ ،‬املسكوت عنه يقال له عفو‪.‬‬
‫فعندان مرتبتان‪ :‬مباح‪ ،‬ومعفو عنه‪ ،‬إابحة وعفو‪ ،‬فاإلابحة‪" :‬إذن الشرع‬
‫ابلنص يف شيء على حد سواء"‪ ،‬والعفو‪" :‬سكوت الشارع"‪ ،‬أخذاً من قول‬
‫النيب ﷺ‪ :‬وما سكت عنه فهو عفو‪ .)1(‬قالوا‪ :‬فسماه النيب ﷺ عفواً‪،‬‬
‫فتكون مرتبة اثنية مع اإلابحة‪.‬‬
‫معىن القاعدة‪" :‬أن القاعدة املستمرة يف البيوع اإلذن وعدم املنع"‪.‬‬
‫فيتمسك املسلم يف البيوع ابإلذن وعدم املنع وال جيب على املسلم أن‬
‫يتوقف يف بيع من البيوع إال إذا علم يف ذلك مانعاً شرعياً‪.‬‬
‫والعلماء متفقون على أن البيع الذي ورد فيه النص مباح‪ ،‬وأن البيع الذي‬
‫ورد عنه النهي ممنوع‪ ،‬بقي ما سكت عنه الشارع‪:‬‬
‫مجهور أهل العلم يقولون‪ :‬األصل يف البيوع اإلابحة‪ ،‬خالفاً للظاهرية‪.‬‬
‫(‪ )1‬أخرجه الدارقطين يف سننه‪ ،‬واحلاكم وقال‪" :‬صحيح اإلسناد" ووافقه الذهيب‪ ،‬وخرجه األلبا‪،‬ي‬
‫يف الصحيحة برقم‪.)2256( :‬‬
‫| ‪52‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فاجلمهور يف املذاهب األربعة‪ ،‬وعند كثري من سلف األمة‪ :‬أن األصل يف‬
‫البيوع اإلابحة‪ ،‬فما سكت عنه الشرع يف البيوع فهو مباح‪ ،‬وهذا الصحيح‪،‬‬
‫وتدل عليه أدلة منها‪:‬‬
‫األدلة اجلزيية الدالة على حل البيوع من الكتاب والسنة واإلمجاع‪.‬‬
‫من ذلك‪:‬‬
‫َ َ َ ذ ذ ُ ۡ َ ۡ َ َ َ ذ َ َ َٰ ْ‬
‫ٱلربوا﴾ [البقرة‪،]275:‬‬
‫‪ -‬قول هللا تعاىل‪﴿ :‬وأحل ٱّلل ٱۡليع وحرم ِ‬
‫وهذا يقتضي محل كل بيع ما ِل م‬
‫أيت الدليل مبنعه‪ ،‬ألن هللا تعاىل حكم‬
‫ّ‬
‫َ َ َ ذ ذ ُ ۡ َ ۡ َ َ َ ذ َ َ َٰ ْ‬
‫ٱلربوا﴾‪ ،‬فالبيع حالل ما ِل‬
‫حكماً مطلقاً فقال‪﴿ :‬وأحل ٱّلل ٱۡليع وحرم ِ‬
‫م‬
‫أيت دليل على حترميه‪.‬‬
‫‪ -‬والعلماء يقولون‪ :‬االسم املفرد‪ ،‬إذا أدخل عليه األلف والالم اقتضى‬
‫ذ ۡ‬
‫العموم‪َ ﴿ ،‬و ۡٱل َع ۡ‬
‫ٱۡل َ َٰ‬
‫نس َن‬
‫ن‬
‫إ‬
‫‪١‬‬
‫ۡص‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ذ ۡ‬
‫﴿ َو ۡٱل َع ۡ‬
‫ٱۡل َ َٰ‬
‫نس َن﴾‪ :‬اسم مفرد‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ۡص‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫لَِف ُخ ۡ‬
‫ۡس ‪[ ﴾٢‬سورة العصر]‪،‬‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫دخل عليه األلف والالم فيقتضي‬
‫العموم‪ ،‬جنس اإلنسان يف خسر‪ ،‬إال من استثناهم هللا سبحانه وتعاىل‪،‬‬
‫ََ َ ذ ذُ ۡ‬
‫ۡ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فعندما قال هللا‪﴿ :‬وأحل ٱّلل ٱۡليع﴾ اسم مفرد دخل عليه األلف والالم‬
‫فيقتضى العموم‪ ،‬فكل بيع حالل إال ما جاء الدليل ابملنع منه‪.‬‬
‫ذ ٓ َ َ ُ َ َ َٰ َ ً َ َ‬
‫َ‬
‫ كذلك يف قول هللا عز وجل‪﴿ :‬إَِل أن تكون ت ِجرة عن تراض‬‫ُ‬
‫ِنك ۡم﴾ [النساء‪ ،]29:‬فأابح هللا عز وجل التجارة الواقعة ابلرتاضي‪،‬‬
‫م‬
‫دل الدليل على منعه‪.‬‬
‫فاألصل يف التجارة الواقعة ابلرتاضي أهنا مباحة إال ما ّ‬
‫‪|53‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ ومن ذلك أيضاً‪ :‬قول النيب ﷺ‪ :‬إمنا البيع عن تراض‪ ،)1(‬هذا‬‫احلديث رواه ابن حبان وابن ماجه وصححه مجع من العلماء منهم الشيخ‬
‫األلبا‪،‬ي رحم هللا اجلميع‪ ،‬فدل ذلك على حصر البيع يف الرتاضي‪ ،‬فمىت ما‬
‫وقع الرتاضي؛ فاألصل يف البيع أنه جائز إال إذا منع منه الشرع‪.‬‬
‫ كذلك‪ :‬قال مجهور أهل العلم‪ :‬ثبت عن النيب ﷺ أنه ابع واشرتى‬‫من غري توقف‪ ،‬ففي صور كثرية‪ ،‬ووقائع كثرية ابع النيب ﷺ واشرتى حىت‬
‫من املشركني‪ ،‬كما ثبت يف الصحيح أنه جاء رجل ممشعان ‪-‬وهو الرجل‬
‫الطويل‪ -‬ومعه غنم‪ ،‬فقال النيب ﷺ‪ :‬بيعاً أم هدية؟‪ ،‬يعين‪ :‬هتدينا هدية أم‬
‫تبيعنا؟ قال‪ :‬بل بيع‪ ،‬فاشرتى منه ﷺ(‪ ،)2‬فدل ذلك على أن األصل يف‬
‫البيع اجلواز‪.‬‬
‫ ومن ذلك أيضاً أنه ثبت أن السلف ‪ -‬وعلى رأسهم الصحابة ‪-‬‬‫كانوا يتبايعون من غري توقف‪ ،‬فدل ذلك على أن األصل يف البيوع احلل‪.‬‬
‫حىت يف زمن النيب ﷺ ِل يكن الصحابة يرجعون إىل النيب ﷺ يف كل بيع‪،‬‬
‫مما يدل على أهنم فهموا أن األصل يف البيوع اإلابحة‪ ،‬فكانوا يتعاقدون‬
‫بدون رجوع إىل النيب ﷺ‪.‬‬
‫ أيضاً‪ :‬اإلمجاع‪ ،‬فقد قام اإلمجاع على مح ّل البيوع‪ ،‬نقل ذلك مجع‬‫من أهل العلم‪ :‬كابن قدامة‪ ،‬والنووي‪ ،‬وغريهم من أهل العلم‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه ابن حبان وابن ماجه وصححه األلبا‪،‬ي يف اإلرواء برقم‪.)1283( :‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫| ‪54‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫النوع الثاين من األدلة [األدلة الكلية]‪:‬‬
‫ أن البيع من األشياء النافعة‪ ،‬ال شك يف هذا‪ ،‬البيع مما ينتفع به‬‫الناس‪ ،‬والقاعدة الشرعية‪" :‬أن األصل يف األشياء النافعة اإلابحة"‪ ،‬وعلى‬
‫هذا سلف األمة ومجهور العلماء‪.‬‬
‫فالقاعدة املستمرة يف األشياء النافعة اإلابحة‪ ،‬ويدل على ذلك أدلة منها‪:‬‬
‫َۡ‬
‫ُ ذ‬
‫َ ََ َ ُ‬
‫كم ذما ِِف ٱۡل ِ‬
‫ۡرض ََج ِٗيعا﴾‬
‫قول هللا عزو وجل‪﴿ :‬ه َو ٱَّلِي خلق ل‬
‫[البقرة‪ ،]29:‬فدلت هذه اآلية على أن األصل يف األشياء النافع اإلابحة ‪،‬‬
‫ملاذا ؟‬
‫ألن هللا امنت علينا أبنه خلق لنا ما يف األرض مجيعاً‪ ،‬وهذا يدل على أنه‬
‫حيل لنا أن ننتفع مبا يف األرض ما ِل مينع منه هللا عز وجل!‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫كم﴾ وهذه‬
‫ومن وجه آخر‪ :‬أن هللا عز وجل قال‪﴿ :‬ه َو ٱَّلِي خل َق ل‬
‫الالم تقتضي امللك‪ ،‬فاهلل عز وجل خلق ما يف األرض وملّكنا إايه‪ ،‬فلنا أن‬
‫ننتفع به إال ما منع منه الشرع‪.‬‬
‫ولذلك النيب ﷺ ثبت عنه أنه قال‪ :‬إن أعظم املسلمني ُجرماً؛ من سأل‬
‫فحرم من أجل مسألته‪ )1(‬هذا حديث يف الصحيحني‪،‬‬
‫عن شيء ِل ُحيّرم ُ‬
‫فدل ذلك على أن األصل اإلابحة‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫‪|55‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فحّرم من أجل مسألته‪ ‬معىن ذلك‪ :‬أنه لو ِل يسأل‬
‫ألن النيب ﷺ قال‪ُ  :‬‬
‫ملا كان حمرماً‪ ،‬فدل ذلك على أن األصل اإلابحة‪.‬‬
‫‪ -‬أيضاً من األدلة الكلية هلذه القاعدة‪ :‬أن البيع من العادات‪ ،‬وقد‬
‫تقرر عند السلف‪" :‬أن األصل يف العبادات املنع‪ ،‬واألصل يف العادات‬
‫اإلذن"‪.‬‬
‫املتقرر عند السلف‪ ،‬واملعمول به عند السلف؛ ”أن األصل يف العبادات‬
‫دل عليها‬
‫املنع“‪ ،‬وبعضهم يعرب بـ ”التوقف“‪ ،‬فال جيوز فعل عبادة إال إذا ّ‬
‫الدليل‪ ،‬فالذي أيتينا بعبادة نقول‪ :‬ما الدليل؟ فإن جاء ابلدليل؛ قبلنا‪ ،‬وإال‬
‫رددان عليه‪.‬‬
‫األصل يف العبادات املنع والتوقيف‪ ،‬واألصل يف العادات اإلذن‪ ،‬وضابط‬
‫العبادات والعادات‪:‬‬
‫أن العبادات ال تكون مصلحتها العظمى أخروية‪ ،‬قد تكون فيها مصاحل‬
‫دنيوية‪ ،‬لكن مصلحتها املقصودة العظمى أخروية‪ ،‬األصل فيها املصلحة‬
‫األخروية‪ ،‬يعين‪ :‬الصالة‪ ،‬حنن ال نصلي ‪ -‬كما يقول بعض الوعاظ ‪ -‬اآلن‬
‫من أجل أن منرن أجسادان‪ ،‬وال من أجل أن خنفف أوزاننا‪ ،‬وال من أجل‬
‫حتريك املفاصل‪ ،‬ولكنا نصلي رجاء الثواب‪.‬‬
‫وابملناسبة هنا أقول‪ :‬إن العبادات جيب على الواعظ أن يعلق قلوب‬
‫الناس هبا رجاء ما عند هللا‪ ،‬وإذا ذكرت هلا فوائد دنيوية؛ فإمنا تذكر على أهنا‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪56‬‬
‫تـبع‪ ،‬حتصل للنسان غري مقصودة منه‪ ،‬يعين ال أييت اإلنسان يصلي يقول‪:‬‬
‫أان بقوم الليل‪ ،‬كل ليلة إحدى عشرة ركعة من أجل الثواب‪ ،‬ومن أجل أن‬
‫صل من أجل الثواب وحتصل لك إن شاء هللا‬
‫أخفف الكرش! ال‪ ،‬نقول‪ :‬مّ‬
‫فوائد‪.‬‬
‫اآلن بعض الوعاظ أييت يقول‪ :‬مئة فائدة يف الصالة‪ ،‬وجيعل الثواب فائدة‬
‫من الفوائد!‬
‫ينبغي يف ابب العبادات؛ أن تُعلق القلوب فيما عند هللا‪ ،‬هذا املقصود‪،‬‬
‫وهذه النية‪ ،‬وما حيصل من الفوائد؛ إمنا هو تبع ينشط اإلنسان‪ ،‬وال يكون‬
‫مقصوداً إال إذا ذكره الشارع‪ ،‬فإذا نص عليه الشارع أصبح مشروعاً‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫صلة الرحم‪ ،‬هنا ال إشكال يف قصد املصلحة الدنيوية املذكورة وال يؤثر يف‬
‫الثواب‪.‬‬
‫أما إذا كانت املصلحة املذكورة ِل يذكرها الشارع‪ ،‬وِل حيث عليها‪ ،‬وِل‬
‫يلتفت إليها؛ فقصدها يف العبادة يُنقص الثواب‪.‬‬
‫يقول أهل العلم‪ :‬ثوابك من عبادتك؛ مبقدار ما خيلص من نيتك !‬
‫هناك فرق بني الرايء وبني قصد مصلحة دنيوية يف مسألة إبطال‬
‫األعمال‪ ،‬حنن نتكلم اآلن عن قصد مصلحة دنيوية اتبعة‪.‬‬
‫يف ابب العبادات‪ :‬املصلحة الدنيوية ال جيوز قصدها إال إذا أذن فيها‬
‫الشرع‪ ،‬وإن كان جيوز ذكرها على أهنا حتصل للنسان تبعا هلذه العبادة‪.‬‬
‫‪|57‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫مثل‪ :‬الصيام‪ ،‬اإلنسان ما يصوم بقصد الثواب وختفيف الوزن! يصوم بقصد‬
‫الثواب‪ ،‬وحيصل له إن شاء هللا أشياء يف الصحة وغريها‪ ،‬حتصل تبعاً‪.‬‬
‫أما العادات‪ :‬فهي ما يكون مقصودها األعظم دنيوايً‪ ،‬يعين األصل يف‬
‫قصدها مصلحة دنيوية‪ ،‬مثل التجارة‪ ،‬البيع‪ ،‬اإلنسان يبيع ليحصل املال‪،‬‬
‫نعم قد حيصل للنسان نية أن يتصدق وأن وأن وأن‪ ،‬ولكن مقصوده أن‬
‫حيصل املال‪.‬‬
‫لبس العقال‪ :‬مقصود اإلنسان أن يتجمل به‪ ،‬فهو من العادات‪ ،‬اللباس‬
‫من العادات‪ ،‬ألن املقصود به ما يف الدنيا‪ ،‬نعم‪ ،‬من عباد هللا من يزكو حىت‬
‫جيعل أعماله قرابت بنية صاحلة! لكن املقصود األصلي يف هذه األمور‬
‫واألعظم هو دنيوي‪ ،‬فهو من ابب العادات‪ ،‬هذا الضابط الذي نفرق فيه‬
‫بني العادة والعبادة‪ ،‬األصل يف العادات اإلذن! والبيع من العادات‪ ،‬فاألصل‬
‫فيه اإلذن واإلابحة‪.‬‬
‫ أيضاً من األدلة اليت تدل على القاعدة‪ :‬أن الشريعة جاءت ابليسر‪.‬‬‫فديننا كله يسر‪ ،‬وال شك أن التيسري إمنا يتحقق ابإلذن يف البيوع‪ ،‬ألن‬
‫حاجة الناس تتفاوت وختتلف من بلد إىل بلد‪ ،‬فإذا قيل‪ :‬إن األصل يف‬
‫البيوع اإلابحة‪ ،‬ففي هذا تيسري على الناس‪ ،‬والدين مبين على اليُسر‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬ما األدلة الدالة على هذه القاعدة ؟‬
‫أوالً‪ :‬األدلة الدالة على جواز البيع‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪58‬‬
‫اثنياً‪ :‬األدلة الدالة على أن األصل يف األشياء النافعة اإلابحة‪ ،‬والبيع‬
‫منها‪.‬‬
‫اثلثاً‪ :‬األدلة الدالة على أن األصل يف العادات اإلابحة‪ ،‬والبيع منها‪.‬‬
‫رابعاً‪ :‬األدلة الدالة على اليُّسر‪ ،‬م‬
‫وح ّل البيع منها‪.‬‬
‫يتفرع على هذه القاعدة شأن عظيم وهو‪ :‬أنه جيوز للمسلم أن يبيع‬
‫ويشرتي من غري توقف ما ِل يقم املانع‪.‬‬
‫وسأعرض بعض األمثلة للبيوع الواقعة‪ ،‬وأبني كيف تدخل حتت القاعدة‪،‬‬
‫وكيف خترج منها‪.‬‬
‫ألن الفهم؛ أن نفهم كيف ندخل املسألة حتت القاعدة‪ ،‬وكيف خنرجها‬
‫منها‪ ،‬لكين أذكر لكم ضابطاً كلياً ملا خيرج عن القاعدة‪:‬‬
‫ما خيرج عن القاعدة‪ :‬كل بيع فقد شرطاً من شروط البيع‪ ،‬أو ُوجد فيه‬
‫مانع‪.‬‬
‫ومن ابب الفائدة أقول‪ :‬يضبمط هذا الضابط ضابط عظيم‪ ،‬وهو‪ :‬أن ما‬
‫يؤدي إىل النزاع غالباً يف البيوع ممنوع‪ .‬يعين‪ :‬هذا يضبط لنا الشروط واملوانع‪.‬‬
‫ملاذا ُم‬
‫اشرتطت الشروط يف البيوع؟ لتقطع النزاع‪.‬‬
‫ولذلك إذا استعرضنا قواعد ‪-‬إن شاء هللا‪ -‬سيتبني أن احلكمة فيها قطع‬
‫النزاع‪ ،‬ملاذا ُمنعت بعض البيوع؟ ملوانع‪ ،‬ألهنا تؤدي إىل النزاع‪.‬‬
‫‪|59‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فالضابط العام ملا خيرج عن القاعدة من البيوع أنه ما يؤدي إىل النزاع يف‬
‫الغالب‪ ،‬ما يؤدي إىل النزاع يف الغالب بني الناس يف البيوع ممنوع‪ ،‬فال يكون‬
‫مباحاً‪ ،‬وأما ما عدا ذلك فاألصل اإلابحة‪.‬‬
‫بعض البيوع املتعلقة يف هذا يف صور معاصرة منها‪:‬‬
‫بيع التقسيط‬
‫بيع التقسيط كثرت صوره يف زماننا‪ ،‬وصورته العامة‪" :‬بيع ٍ‬
‫سلعة بثم ٍن‬
‫مؤجل منج ٍم ‪ -‬يعين مقسم ‪ -‬على ٍ‬
‫ٍ‬
‫أزمنة معينة أكثر من مثنها احلاضر"‪.‬‬
‫هذا بيع التقسيط‪ ،‬تبيع السيارة "بثمن مؤجل مقسم على أزمنة"‪ :‬كل‬
‫شهر‪ ،‬كل شهرين‪ ،‬كل ثالثة أشهر‪" ،‬أكثر من مثنها احلاضر"‪ :‬السيارة إذا‬
‫كان مثنها حاضراً خبمسني ألفاً‪ ،‬إذا كانت مقسطة بثمانني ألفاً‪ ،‬منجمة‬
‫على أشهر‪.‬‬
‫إذا أردان أن ننظر يف بيع التقسيط نقول‪ :‬بيع التقسيط مباح‪ ،‬ملاذا؟ ألن‬
‫األصل يف البيوع اإلابحة‪.‬‬
‫وإذا قال قائل‪" :‬بيع التقسيط مباح"‪ ،‬ال نقول له‪" :‬ما الدليل؟"‪ ،‬لكن لو‬
‫جاءان شخص فقال‪" :‬بيع التقسيط حرام" قلنا له‪" :‬ما الدليل؟"‪ ،‬فإن جاءان‬
‫بدليل وسلمم الدليل من املناقشة‪ ،‬أُخذ حبكمه وإال ُرد حكمه عليه‪.‬‬
‫بيع التقسيط اآلن له صور كثرية‪ ،‬طيب‪ :‬أان سأذكر لكم صوراً ونرى هل‬
‫هي حالل أم ليست حالل‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪60‬‬
‫‪ ‬شخص اشرتى طقم ذهب‪ ،‬قيمته احلاضرة مبئة ألف‪ ،‬اشرتاه مبئة‬
‫ومخسني ألفاً مقسطة على سنة‪ ،‬وقال‪" :‬األصل يف البيوع اإلابحة"‪.‬‬
‫نقول له‪ :‬أنت نصف فقيه! نعم األصل يف البيوع اإلابحة؛ لكن ُوجد يف‬
‫م‬
‫املعاملة مانع شرعي؛ أل ّن السلعة هنا ال جيوز تأجيلها‪ ،‬وهي الذهب‪،‬‬
‫هذه‬
‫بل يشرتط فيها التقابض يف جملس العقد‪ ،‬فهنا خرجت عن القاعدة لوجود‬
‫املانع الشرعي‪ ،‬ليس ألحد أن أييت ويقول‪ :‬العلماء قالوا بيع التقسيط جائز‪،‬‬
‫إذن أان أشرتي يف الذهب والفضة!‬
‫واآلن بعض الناس يشرتون عن طريق اإلنرتنت ذهباً وفضةً ونقوداً وال‬
‫حيصل فيها التقابض! يقولون‪ :‬األصل يف البيوع اإلابحة! نقول‪ :‬ال‪ ،‬ال‬
‫جيوز‪ ،‬ألن هذه العني يشرتط فيها أن تكون مقبوضة يف جملس العقد‪.‬‬
‫‪ ‬شخص قال‪ :‬أبيعك سياريت هذه مقسطة إذا سددت خالل سنة‬
‫مئة وعشرين ألفاً‪ ،‬إذا سددت خالل ثالث سنني مبئة ومخسني ألفاً‪ ،‬إذا‬
‫قبلت‪ ،‬ومتّ العقد على هذا‪.‬‬
‫سددت خالل أربع سنني مبئيت ألف‪ ،‬وقال‪ُ :‬‬
‫هل نقول‪ :‬إن األصل يف البيوع اإلابحة وبيع التقسيط جائز؟ نقول‪ :‬ال‪،‬‬
‫الثمن‬
‫ألنه وجد هنا مانع شرعي‪ ،‬ألن من شروط صحة البيع؛ أن يكون ُ‬
‫مستقراً عند العقد‪ ،‬فهنا نقول‪ :‬هذا البيع ال جيوز‪ ،‬ألن الثمن جمهول! قد‬
‫يكون مئة وعشرين‪ ،‬وقد يكون مئة ومخسني‪ ،‬وقد يكون مئتني‪.‬‬
‫‪|61‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫‪ ‬لكن لو قال‪ :‬تعال اي فالن‪ ،‬هذه السيارة موجودة‪ ،‬إن قسطتها على‬
‫سنة فهي مبئة وعشرين ألفا‪ ،‬إن قسطتها على سنتني فهي مبئة ومخسني ألفاً‪،‬‬
‫إن قسطتها على ثالث سنوات فهي مبئيت ألف‪ .‬قال‪ :‬أريد ثالث سنوات‪،‬‬
‫قال‪ :‬بعتُك‪ ،‬هنا البيع صحيح عند مجهور أهل العلم وهو الصحيح‪ .‬ملاذا؟‬
‫ألن العقد قد وقع على مث ٍن مستقر‪ ،‬أما ما قبل؛ فهو مساومة‪ ،‬وإن كان‬
‫من أهل العلم من قال إن هذا ممنوع وأنه داخل يف البيعتني يف بيعة‪ ،‬لكن‬
‫هذا غلط يف فهم احلديث‪ ،‬وهذا مساومة‪.‬‬
‫أييت اإلنسان يريد أن يشرتي شيئاً حاضراً يقول‪ :‬هذا بكم؟ يقول‪ :‬مبئة‪،‬‬
‫يقول‪ :‬ال بثمانني‪ ،‬يقول‪ :‬ال بتسعني‪ ،‬يقول‪ :‬من أجلك خبمس وتسعني‪،‬‬
‫ذكروا أربعة أسعار‪ ،‬ويقول‪ :‬اشرتيت خبمس وتسعني‪ ،‬هذا ال يضر‪ ،‬الذي‬
‫يضر؛ ما يقع عليه العقد‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فهمنا من كالمي اآلن‪ :‬أن بيع التقسيط حىت يكون حالالً ال بد‬
‫أن تكون السلعة مما ال يشرتط فيه القبض يف اجمللس‪ ،‬فيخرج الذهب‬
‫والفضة واألوراق النقدية‪ ،‬ال يقع فيها بيع التقسيط! ال تبيع دراهم برايالت‬
‫سعودية مقسطة‪ ،‬ال تبيع ذهب مقسطة‪ ،‬ال تبيع فضة مقسطة‪.‬‬
‫أيضاً‪ :‬فهمنا أنه يشرتط يف بيع التقسيط؛ أن يكون الثمن مستقراً‪ ،‬فإذا ِل‬
‫يكن مستقراً خرج عن القاعدة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪62‬‬
‫‪ ‬إنسان جاء إىل شخص وقال‪ :‬وهللا اي شيخ‪ ،‬أان أريد سيارة‬
‫مواصفتها كذا وكذا وكذا‪ ،‬أو بيت مواصفاته كذا وكذا وكذا‪ ،‬قال‪ :‬طيب أان‬
‫قبلت‪ ،‬فذهب يف السوق يبحث عن هذه السيارة‬
‫أبيعك مبئة ألف‪ ،‬قال‪ُ :‬‬
‫فاشرتاها وابعها له‪ ،‬ما حكم هذا البيع؟ هذا البيع ال جيوز ألنه ابع ما ال‬
‫ميلك‪.‬‬
‫لكن جاء شخص وقال‪ :‬وهللا أان ودي أشرتي سيارة مواصفاهتا كذا وكذا‬
‫وكذا‪ ،‬ما عنده‪ ،‬ذهب فاشرتاها‪ ،‬مث جاء وقال‪ :‬اي فالن ترا السيارة اليت تريد‬
‫اشرتيت‪ ،‬هذا البيع‬
‫عندي مبئة ألف إن شئت فاشرت وإن شئت فاترك‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ُ‬
‫صحيح عند مجهور العلماء‪ ،‬ألنه يدخل يف األصل‪ ،‬ألن األصل يف البيوع‬
‫اإلابحة‪.‬‬
‫من الصور‪ - :‬قد أشران إليها إملاحة ‪ -‬ما يكثر اآلن يف البنوك وهو ما‬
‫يسمى ب ـ‪:‬‬
‫بيع املراحبة‬
‫بح فوقه معلوم‪،‬‬
‫بيع املراحبة معناه‪ :‬أن يبيع البائع السلعة بثمن معلوم ور ٍ‬
‫إما معلوم املقدار‪ ،‬أو معلوم النسبة‪ .‬فيقول‪:‬‬
‫ أبيعك السيارة مبئة ألف وفوقها اثنان ونصف يف املئة من قيمتها‬‫رحباً‪.‬‬
‫‪ -‬أو مئة ألف وأربح منك عشرة آالف‪.‬‬
‫‪|63‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫هذا األصل يف بيع املراحبة‪ ،‬وهو كما يقولون‪ :‬البيع بزايدة على الثمن‬
‫األول‪ ،‬وهذا تكون الزايدة فيه معلومة‪ .‬واألصل يف بيع املراحبة أنه جائز ألن‬
‫األصل يف البيوع اجلواز‪.‬‬
‫ومنها أيضاً‪ :‬ما يسمى عند البنوك اآلن بــ‪:‬‬
‫بيع املراحبة للواعد ابلشراء‬
‫اآلن يذهب الواحد منا إىل البنك ويقول‪ :‬أان أريد سيارة ابلتقسيط‪،‬‬
‫مواصفاهتا كذا وكذا‪.‬‬
‫قبلت‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬طيب نبيعها لك بكذا مقسطة كذا‪ .‬فيقول‪ُ :‬‬
‫والبنك ل ّـما ميلكها‪ ،‬مث يذهب البنك ويشرتيها‪ ،‬فهنا‪:‬‬
‫ إن كان العقد قد وقع قبل؛ فهذا بيع غري جائز‪ ،‬وغري صحيح‪ ،‬ألنه‬‫ابع ما ال ميلك‪.‬‬
‫ وإن كان الذي وقع ليس عقدا وإمنا هو وعد ابلشراء‪ ،‬وضابطه أنه‬‫عند حضور السلعة حيتاجان إىل عقد جديد‪ ،‬إجياب وقبول‪ ،‬ويكون كل‬
‫طرف منهما خمرياً‪ِ ،‬ل يسبق التزاماً‪ِ ،‬ل يدفع نقوداً‪ ،‬وِل يوقع عقوداً‪ ،‬وإمنا وعد‬
‫ابلشراء‪ ،‬فهنا عند مجهور أهل العلم جيوز هذا البيع‪ ،‬ويدخل حتت القاعدة‪،‬‬
‫ألن األصل يف البيوع اإلابحة واجلواز ما ِل مينع من ذلك مانع شرعي‪.‬‬
‫انتبهوا! هذه الصور تقع اآلن يف البنوك‪ ،‬لكن أكثر البنوك حىت‬
‫اإلسالمية تُلزم املشرتي قبل أن متلك‪ ،‬إما بورقة يوقع عليها‪ ،‬أو بدفع ما‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪64‬‬
‫يسمونه العربون‪ ،‬أو ما يسمونه مصاريف إدارية‪ ،‬قبل أن يشرتي‪ ،‬فهذا ال‬
‫جيوز‪.‬‬
‫أما إذا ِل يُلزم‪ ،‬ولكنه وعد ابلشراء على الصفة املذكورة‪ ،‬فإذا اشرتى‬
‫البنك وكان اإلنسان خمرياً بني أن يشرتي أو أن يرتك؛ فهذا عند مجهور أهل‬
‫العلم جائز‪ ،‬وهو الصحيح ألن األصل يف البيوع اإلابحة‪.‬‬
‫من ذلك أيضاً‪:‬‬
‫مسألة األسهم‬
‫اليت عمت اآلن وكثرت‪ ،‬هل جيوز بيع األسهم؟‬
‫أوالً‪ :‬ماهي حقيقة األسهم؟‬
‫حقيقة األسهم‪ :‬جزء من شركة قائمة‪ ،‬يشرتيه املشرتي بثمن معني‪.‬‬
‫فهذا ُخيرج األسهم للشركات املوهومة اليت ليس هلا وجود وال قيمة‪ ،‬هذه‬
‫ال تدخل يف بيع األسهم‪ُ ،‬خيرج األسهم اليت ال يكون هلا قيمة معلومة‪،‬‬
‫يشرتيها اإلنسان وال يدري كم القيمة!‬
‫حقيقة األسهم أهنا قابلة للبيع‪ ،‬وذلك عند مجهور أهل العلم من‬
‫املعاصرين‪ ،‬جيوز بيع األسهم وشرائها من حيث األصل ما ِل مينع من ذلك‬
‫مانع شرعي‪ ،‬ولذلك احملققون من أهل العلم يقسمون األسهم إىل ثالثة‬
‫أقسام‪:‬‬
‫‪|65‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫‪ .1‬أسهم شركات نقية‪.‬‬
‫‪ .2‬وأسهم شركات خمتلطة‪.‬‬
‫‪ .3‬وأسهم شركات حمرمة‪.‬‬
‫‪ ‬فالشركات النقية‪:‬‬
‫هي اليت يكون عملها مباحاً‪ ،‬ومتويلها مباحاً‪ ،‬مبعىن‪ :‬عملها مباح؛ تبيع‬
‫اللحوم مثالً‪ ،‬ومتويلها مباح؛ ال تأخذ من البنوك الربوية وحنو ذلك‪.‬‬
‫‪ ‬احملرمة‪:‬‬
‫هي اليت يكون عملها حراماً‪ ،‬شركة تبيع الدخان عملها حرام‪ ،‬شركة يف‬
‫عملها املوجود حرام ما جيوز اإلسهام فيها‪ ،‬ما جيوز شراء األسهم فيها‪،‬‬
‫تتصل تُـنزل أمجل أغنية! وتتصل وتسمع قرآن! كلها من خدمات الشركة! ال‬
‫جيوز اإلسهام فيها‪ ،‬وال جيوز شراء أسهمها‪ ،‬بل هي من الشركات احملرمة‪.‬‬
‫شركة تتعامل ابلراب ال جيوز شراء أسهمها‪.‬‬
‫شركة متويلها حمرم من األصل متويلها حمرم‪.‬‬
‫لعلنا نتوقف هنا ونرتك إكمال املوضوع إىل الغد إن شاء هللا‪ ،‬ولعل يف‬
‫ذلك شيء من التشويق‪.‬‬
‫| ‪66‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يبقى معنا أيضاً مسألة معاصرة وهي‪" :‬مسألة احلقوق املعنوية" أيضاً‬
‫سنتكلم عنها‪ ،‬بيع األشرطة‪ ،‬بيع الكتب‪ ،‬حق التأليف‪ ،‬وما يتعلق بذلك‪.‬‬
‫ما الذي يدخل حتت القاعدة وهو األصل؟ وما الذي ال يدخل حتت‬
‫القاعدة؟ وملاذا ال يدخل حتت القاعدة؟ نبدأ به درسنا غدا أن شاء هللا‪.‬‬
‫***‬
‫‪|67‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اإلجابة على األسيلة‪:‬‬
‫السؤال األول‪ :‬ذكران "أن األمور مبقاصدها" كقاعدة مستنبطة‪ ،‬أليست‬
‫القاعدة املنصوصة "إمنا األعمال ابلنيات" أم الفرق يف الكلمات لذا عُ ّدت‬
‫مستنبطة؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫القاعدة عند الفقهاء "األمور مبقاصدها"‪ ،‬وهذه ليست نصاً ال يف‬
‫الكتاب وال يف السنة‪ ،‬نعم‪ ،‬أصلها األعظم قول النيب ﷺ‪ :‬إمنا األعمال‬
‫ابلنيات وإمنا لكل امرء ما نوى‪.‬‬
‫أخذ العلماء معىن هذا احلديث‪ ،‬فصاغوه مع أدلة أخرى يف قوهلم "األمور‬
‫مبقاصدها"‪ ،‬فهذا معىن القاعدة املستنبطة‪ ،‬معناها موجود يف النصوص‪،‬‬
‫ولكن لفظها من ألفاظ العلماء‪ ،‬ال جتده يف القرآن‪ ،‬وال جتده يف السنة‪.‬‬
‫السؤال الثاين‪ :‬ذكرت أن احلجة يف الكتاب والسنة‪ ،‬فما صحة قول من‬
‫يقول‪ :‬إن العاِل الفال‪،‬ي حجة يف هذا الباب ‪ -‬وذكر ابابً من أبواب العلم ‪-‬‬
‫ولو تفضلتم ببيان معىن قول بعض العلماء عند الرتمجة لألئمة‪" :‬اإلمام‬
‫احلجة" هل يعنون به أن قوله كالنص الذي يُقبل دون أن يكون لك اخلرية‬
‫من أمرك؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪68‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫هنا ال بد أن ننظر إىل املقصود من احلجة‪ ،‬فإذا كان املقصود ابحلجة‬
‫الدليل والربهان؛ فليس قول أحد بعد الرسول ﷺ مث الصحابة ‪ -‬على‬
‫الصحيح من أن قول الصحايب حجة = حجةً‪ ،‬فليس هناك إمام من أئمة‬
‫املسلمني يكون قوله مبفرده حجة بعد صحابة رسول هللا ﷺ‪ ،‬وإذا كان‬
‫املقصود ابحلجة أنه متمكن من هذا الباب‪ ،‬عارف أبدلته‪ ،‬جمتهد فيه‪ ،‬فهذا‬
‫اإلطالق صحيح‪ ،‬وهو الذي يطلقه العلماء‪ ،‬فيقولون‪" :‬فالن حجة مطلقاً"‬
‫إذا عُرف ابلفقه والتدقيق‪ ،‬يعين أن قوله معترب يف االجتهاد‪ ،‬وال يعنون أن‬
‫قوله دليل‪ ،‬أو يُقال‪" :‬فالن حجة يف املواريث" مبعىن أنه متمكن من هذا‬
‫الباب‪ ،‬وأن قوله معترب يف هذا الباب‪.‬‬
‫أما أن يكون املقصود أنه دليل؛ فليس قول أحد مبفرده‪ ،‬وحنن هنا عندما‬
‫نقول مبفرده؛ خنرج من اإلمجاع‪ ،‬فإذا كان قول العلماء واحداً فهذا إمجاع‪،‬‬
‫أما قول إمام مبفرده على أنه دليل وبرهان فهذا ال يكون‪.‬‬
‫السؤال الثالث‪ :‬أرجو من فضيلتكم إجياز معىن "اخلراج ابلضمان"‬
‫بشكل عام للتوضيح؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫‪|69‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫"اخلراج" معناه‪ :‬الربح والفائدة‪" ،‬ابلضمان" الباء للمقابلة‪ ،‬يعين‪ :‬مقابل‬
‫الضمان‪ .‬فمن يضمن شيئاً فله رحبه ما ِل يكن الضمان عقوبة‪ ،‬فإذا كان‬
‫الضمان عقوبة؛ فال يكون اخلراج للضامن‪.‬‬
‫يعين كما قلت‪ :‬اشرتيت سيارًة؛ ملكتها‪ ،‬ضماهنا اآلن عليك‪ ،‬لو تلفت؛‬
‫ممن مالك‪[ .‬إذن] خراجها لك‪ ،‬تركبها‪ ،‬تذهب تبيع‪ ،‬تؤجر‪ ،‬هتب‪.‬‬
‫فإذا وجدت عيباً فيها؛ جيوز لك أن تُعيدها وأن تسرتد قيمتها‪ ،‬وال ترد‬
‫شيئاً يف مقابل االستعمال‪ ،‬ألن اخلراج ابلضمان‪ ،‬الفائدة مقابل املنفعة‪،‬‬
‫الغرم وهذا العدل‪.‬‬
‫وهذا العدل‪ ،‬الفائدة مقابل ُ‬
‫ما ِل يكن الضمان عقوبة؛ فهنا ال يكون اخلراج مقابله‪ :‬إنسان غصب‬
‫أرضاً‪ ،‬غصب سيارةً‪ ،‬غصب دابةً‪ ،‬الضمان على الغاصب‪ ،‬لكن الربح ليس‬
‫له‪ ،‬غصب دابة فنتجت عنده ي ُّرد الدابة مع نتاجها‪ ،‬غصب سيارة‬
‫واستعملها مث أراد أن يتوب نقول‪ :‬رد السيارة وأجرة االستعمال‪ ،‬ألنه ليس‬
‫لك أن تستعملها‪ ،‬إذن الربح مقابل الضمان ما ِل يكن الضمان عقوبة‪.‬‬
‫السؤال الرابع‪ :‬يف تعريفكم للبيوع‪ِ ،‬ل نفهم إضافة قيد "غري رابً وال‬
‫قرض" أال يكفي على التأبيد عن هذين القيدين؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫الراب يقع فيه صورة البيع‪ ،‬مبادلة مال مقابل مال على التأبيد فال بد من‬
‫استثناءه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪70‬‬
‫والقرض يقع فيه نوع تأبيد‪ ،‬ولذلك نص احملققون من أهل العلم على‬
‫ذكره‪ ،‬ألن فيه شبهاً من صورة البيع‪ ،‬يعين الراب فيه صورة البيع‪ ،‬والقرض فيه‬
‫شبه من صورة البيع‪ ،‬فنصوا عليه ليخرج من الصورة‪.‬‬
‫السؤال اخلامس‪ :‬هل هناك رسالة مجعت األصل يف أمور العبادات‬
‫واألصل يف أمور املعامالت كالقاعدة اليت تطرقتم هلا؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫وهللا ما أتذكر كتاابً جامعاً يف هذا الباب‪ ،‬لكن فيه كتب‪ ،‬ومن أنفعها‬
‫القواعد النورانية لشيخ اإلسالم ابن تيمية‪ ،‬هذا الكتاب لو فُهم فهما‬
‫صحيحاً فهو ُمشبع لطالب العلم يف ابب العبادات ويف ابب املعامالت‪،‬‬
‫فهذا الكتاب من أنفع ما يوصى به يف هذا الباب‪.‬‬
‫السؤال السادس‪ :‬أمساء علماء مشاهري ومعاصرين يؤخذ عنهم أحكام‬
‫البيوع ابلذات؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫وهللا أهل الفتوى كثر ممن عُرفوا ابلفقه‪ ،‬وممن يصح أن يؤخذ عنهم العلم‬
‫فطبعاً كان الشيخ بن ابز رمحه هللا وال زالت فتاواه إىل اآلن موجودة‪ ،‬والشيخ‬
‫ابن عثيمني رمحه هللا وال زالت فتاواه موجودة‪ ،‬وهو من أفقه الناس يف ابب‬
‫جبل العلم يف هذا الزمان الشيخ صاحل الفوزان رجل ملئ‬
‫البيوع‪ ،‬وأيضاً ُ‬
‫فقها‪ ،‬وهو مسدد يف فتاواه مع اختصارها ‪-‬حفظه هللا وسدده ونفعنا به‪-‬‬
‫‪|71‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫هناك أيضاً مساحة املفيت الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ‪ ،‬وهناك مجع من أهل‬
‫العلم ممن عُرفوا ابلفتوى ويصح أخذ العلم عنهم يف هذا الباب‪.‬‬
‫السؤال السابع‪ :‬نالحظ أن العقود منها ما هو مندرج حتت أكثر من‬
‫قسم من أقسام العقود ابعتبار حقيقتها‪ ،‬مثل الرهن‪ ،‬فإنه يندرج حتت عقود‬
‫التوثيقات‪ ،‬والعقود الالزمة‪ ،‬فهل هذه املذكورات هي أوصاف للعقود؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫التقسيم هو تقسيم ابالعتبارات‪ ،‬والقسم يف التقسيم ابالعتبارات ليس‬
‫قسيماً‪ ،‬مبعىن‪ :‬أن كل اعتبار؛ تـُق ّسم فيه العقود أقساماً بوصفها‪.‬‬
‫ فعندما نتكلم عن "احلكم" نقول‪ :‬جائز‪ ،‬صحيح‪ ،‬فاسد‪ ،‬هذا يوجد‬‫يف املعاوضات ويوجد يف غريها‪.‬‬
‫ عندما نقول ابعتبار احلقيقة‪ :‬هذه األقسام تقابل بعضها ابعتبار‬‫احلقيقة فقط‪.‬‬
‫ أما ابالعتبار اآلخر فتتداخل‪ ،‬مبعىن‪ :‬عندما يقسم العلماء األشياء‬‫ابعتبارات متعددة فكل اعتبار تكون األقسام فيها متقابلة‪.‬‬
‫ أما ابلنسبة لالعتبار اآلخر فال! فتكون توجد هنا‪ ،‬وتوجد هنا‪ ،‬فهذا‬‫تقسيم ابالعتبار‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪72‬‬
‫السؤال التاسع‪ :‬أرجوا إعادة مسألة اشرتاط استقرار الثمن حال البيع؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫هو عموماً من شروط صحة البيع أن يكون الثمن مستقرا عند العقد‪،‬‬
‫معلوما‪ ،‬ألنه لو ِل يكون مستقرا ألدى إىل النزاع‪ ،‬فال بد عند التعاقد من أن‬
‫يكون الثمن مستقرا ال يقبل الزايدة‪ ،‬ال يقول مثال‪" :‬إذا ِل تسدد خالل‬
‫سنتني أزيد عليك اثنني ونصف يف املئة"‪ ،‬هذا مثن غري مستقر‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫"أبيعك السيارة ابلتقسيط على مخس سنوات‪ ،‬مئة ومخسني ألفا‪ ،‬على أن‬
‫يكون يف كل شهر كذا" هذا جيوز‪ ،‬أما إذا كان عند التعاقد ِل يُتفق على‬
‫الثمن حىت يكون الثمن مستقرا فإنه ال يصح البيع ال يف التقسيط وال يف‬
‫غري التقسيط‪ ،‬ال بد أن يكون الثمن مستقراً‪ ،‬يعين‪ :‬معلوماً‪ ،‬ال يقبل الزايدة‬
‫عند التعاقد‪.‬‬
‫السؤال العاشر‪ :‬بنك يبيع السيارات ابألقساط‪ ،‬وهو نفسه لديه معرض‬
‫للسيارات‪ ،‬ويزيد سعرها إذا اشرتيتها أقساطاً‪ ،‬فما حكمها ابرك هللا فيكم؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال مانع من أن يبيع اإلنسان السلعة ابآلجل واحلاضر‪ ،‬بشرط أن يكون‬
‫العقد مستقراً‪ ،‬يعين‪ :‬ال يقول له‪" :‬إن اشرتيتها ابلتقسيط فهي مبئة ألف‪،‬‬
‫وإن اشرتيتها حاضرة فهي بثمانني ألف"‪ ،‬ويقول‪" :‬اشرتيت"‪ ،‬وال حيددان‬
‫السعر! ال‪.‬‬
‫‪|73‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫[بل] يقول‪" :‬هذه السيارات عندان إن كنت تريد ابلتقسيط فهي مبئة‬
‫ومخسني ألفاً‪ ،‬إن كنت تريد حاضرة فهي مبئة ألف"‪ ،‬قال‪" :‬اشرتيها‬
‫حاضرة"‪ ،‬قال‪" :‬اتفقنا"‪ ،‬هذا جيوز عند مجهور أهل العلم وليس من ابب‬
‫البيعتني يف بيعة كما فهم بعض العلماء األجالء‪.‬‬
‫السؤال احلادي عشر‪ :‬ذكرمت أن قاعدة "األصل يف البيوع اإلابحة"‬
‫اجلمهور على العمل هبا وخالفهم الظاهرية‪ ،‬مث ذكرمت أن العلماء نقلوا‬
‫اإلمجاع على هذه القاعدة‪ ،‬فكيف وقع اإلمجاع؟ وهل هم ِل يعتربوا خالف‬
‫الظاهرية؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫انظر هنا إىل أمرين‪:‬‬
‫األمر األول‪ :‬ما أشار إليه األخ‪ ،‬وأن من أهل العلم من ال يعترب خالف‬
‫الظاهرية قادحاً يف اإلمجاع‪ ،‬ألهنم يرون أن القياس ركن يف االجتهاد وأن‬
‫الظاهرية ينكرون القياس‪ ،‬فليسوا من أهل االجتهاد‪ ،‬وعلى هذا النووي‪،‬‬
‫فالنووي‪ :‬ال يعترب خالف الظاهرية أبدا‪ ،‬ولذلك أكثر إمجاعات النووي جتد‬
‫أن الظاهرية خيالفون ولكنه ال يلتفت إليه‪ ،‬ال يعتربهم من أهل االجتهاد‪،‬‬
‫وهذا القول مرجوح‪ ،‬الظاهرية مثلهم مثل بقية العلماء‪ ،‬والنظر إىل الدليل‪،‬‬
‫فال يقع اإلمجاع مع خمالفة الظاهرية إن كان الزمن زمن اخلالف‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪74‬‬
‫واألمر الثا‪،‬ي‪ - :‬وهذا مهم جداً ‪ -‬وهو أن يكون اإلمجاع واقعاً قبل‬
‫الظاهرية‪ ،‬مبعىن‪ :‬أمجع على ذلك السلف‪ ،‬ففي هذه احلالة ال التفاتة إىل‬
‫خالف الظاهرية‪ ،‬ألنه خالف حادث‪ ،‬وهذا الذي يقع عند شيخ اإلسالم‬
‫ابن تيمية وغريه‪ ،‬حيكون اإلمجاع‪ ،‬يعين إمجاع السلف قبل حدوث اخلالف‪،‬‬
‫وهذا إمجاع معترب بل هو األصل‪ ،‬وال شك أن النظر يف حال السلف أهنم‬
‫كانوا ميضون البيع على اإلابحة‪.‬‬
‫وهذا الذي يدل عليه ما نُقل عنهم‪ ،‬ولذلك نقل بعض أهل العلم‬
‫اإلمجاع على أن األصل يف البيوع اإلابحة‪ ،‬مبعىن أن اإلمجاع قد وقع قبل‬
‫خالف الظاهرية‪ ،‬فهو خالف حادث‪ ،‬واخلالف احلادث ال يلتفت اليه‪.‬‬
‫السؤال الثاين عشر‪ :‬ما قول شيخنا يف فهم راوي حديث‪" :‬بيعتني يف‬
‫بيعة" حني قال‪ :‬أن تقول بعتك هذا حاضراً بكذا وآجال بكذا وكذا؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬هذا صحيح‪ ،‬ويقع العقد على ذلك‪ ،‬ولذلك النيب ﷺ قال له‪:‬‬
‫‪‬أوكسهما أو الراب‪ ،‬مبعىن‪ :‬أن العقد وقع على الثمنني‪ ،‬وهذا الذي نقوله‪،‬‬
‫وهو الذي فسر به السلف هذا‪ ،‬وليس كما فهم بعض العلماء األجالء أنه‬
‫مطلقاً‪ ،‬ألن احلديث يدل على هذا األمر وهو أن العقد وقع على الثمنني‪،‬‬
‫ولذا قال‪ :‬فله أوكسهما‪ ،‬إذن فيه مثن عايل ومثن أقل يف العقد أو الراب‪،‬‬
‫وكالمها ال جيوز‪ ،‬مبعىن‪ :‬أن الفهم الصحيح للحديث‪ :‬أن هذا ليس ختيريا بل‬
‫هو بيان أنه ال جيوز يف الصورتني‪.‬‬
‫‪|75‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫السؤال الثالث عشر‪ :‬أشرمت إىل بيع املراحبة‪ ،‬فهل بيع املراحبة الواقع يف‬
‫املصارف اإلسالمية جائز؟ نرجو التفصيل؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫أصل بيع املراحبة جائز‪ ،‬لكن هل كل ما مسي بيع مراحبة [هو] بيع‬
‫مراحبة؟‬
‫[نقول‪ ]:‬ال! فنجد يف بعض البنوك أهنا تسميه بيع مراحبة وجنده ربوايً‪،‬‬
‫وجند أن الشروط خمتلة‪ ،‬فليست العربة ابلتسمية‪ ،‬ولكن العربة ابحلقيقة‪.‬‬
‫ولذلك ‪ -‬حقيقةً ‪ -‬أان منهجي يف الفتوى يف مسائل العقود مع البنوك؛‬
‫أ‪،‬ي ال أفيت إال من أيتيين ابلعقد‪ ،‬ألننا جربنا البنوك فوجدان أهنا تسمي‬
‫األشياء بغري امسها‪ ،‬فيشرتطون شروطاً ُخترج العقد عن االسم‪.‬‬
‫فاآلن أان من قال يل‪ :‬اي شيخ‪ ،‬أان عندي معاملة يف البنك‪ .‬أقول له‪:‬‬
‫وجدت أهنا متفقة مع الصورة‬
‫هات يل صورة العقد‪ ،‬فأقرأ الشروط‪ ،‬فإذا‬
‫ُ‬
‫وجدت أهنا ال تتفق مع الصورة الشرعية قلت‬
‫قلت له‪ :‬جيوز‪ ،‬وإذا‬
‫ُ‬
‫الشرعية ُ‬
‫له‪ :‬ال جيوز لكذا‪.‬‬
‫فبيع املراحبة من حيث أصله جيوز‪ ،‬لكن هل كل ما يقع يف البنوك من بيع‬
‫ويسموهنا مراحبة هو مراحبة؟ نقول‪ :‬ال‪ ،‬ولذلك ال بد من التنبه إىل مسألة‬
‫العقود‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪76‬‬
‫السؤال الرابع عشر‪ :‬رجل يشرتي السيارة من أمريكا عن طريق شركة‬
‫شحن‪ ،‬فيدفع العربون فقط‪ ،‬ومن مثّ يعرض السيارة للبيع‪ ،‬يقول‪ :‬مثاله قيمة‬
‫السيارة ثالثون ألفاً ودفع مخسة آالف‪ ،‬فما حكم هذه الصورة؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال إشكال هنا‪ ،‬هذا الرجل يشرتي السيارة بثمن مؤجل‪ ،‬ولكنها دخلت‬
‫يف ضمانه‪ ،‬ودفع جزءً من الثمن ‪ -‬ليس العربون ‪ -‬دفع جزء من الثمن‪،‬‬
‫ألن العربون يكون قبل العقد‪ ،‬لكن هو دفع جزءً من الثمن وبقي اجلزء‬
‫اآلخر مؤجالً يدفعه بعد سنة‪ ،‬هل جيوز له أن يبيع السيارة ؟ نعم‪ ،‬جيوز له‬
‫أن يبيع السيارة‪ ،‬ألنه ملكها وانتقلت إىل ضمانه‪ ،‬أما إذا كان ال يقع امللك‬
‫فال جيوز‪.‬‬
‫لكن الواقع اآلن‪ :‬هذا األخ اشرتى السيارة مبئة ألف‪ ،‬دفع مخسني ألفا‪،‬‬
‫بقي عليه مخسون ألفاً‪ ،‬بعد مخسة أشهر جاءته السيارة يريد أن يبيعها‪ ،‬هل‬
‫جيوز له أن يبيعها؟ نقول‪ :‬نعم‪ ،‬من اشرتى سلعة بثمن مؤجل ملكها‪ ،‬فإذا‬
‫ملكها جاز له أن يبيعها‪.‬‬
‫[مداخلة‪ :‬هل جيوز أن يبيعها قبل أن حيوزها؟]‬
‫ال‪ ،‬هذه مسألة أخرى‪ ،‬أن يبيع السلعة قبل أن حيوزها‪ ،‬هذه مسألة‬
‫أخرى ستأتينا إن شاء هللا يف القواعد‪.‬‬
‫‪|77‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أما كالم األخ اآلن يقول‪ :‬اشرتى السيارة من أمريكا ودفع جزءً من مثنها‬
‫وعرضها للبيع‪ ،‬مبعىن‪ :‬أنه ملكها ملكاً مستقراً‪ ،‬يعين‪ :‬وحازها‪ ،‬أما إذا كانت‬
‫الصورة كما يقولون‪ :‬يعربن يف السيارات وهو لـمـّا ميلكها مث يعرضها قبل أن‬
‫يتم امللك؛ فال جيوز للنسان أن يبيع ما ال ميلك‪.‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪78‬‬
‫الدرس الثالث‪:‬‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ..‬أما بعد‬
‫كنا البارحة ‪-‬اي إخوة‪ -‬نتكلم عن القاعدة األوىل‪ ،‬وهي القاعدة العظيمة‬
‫يف البيوع‪ ،‬بل وهي أم قاعدة البيوع وهي‪" :‬أن األصل يف البيوع اإلابحة"‪،‬‬
‫وقلنا أن هذا هو قول مجهور أهل العلم‪ ،‬وهو الصحيح الذي تدل عليه‬
‫األدلة‪.‬‬
‫فالقاعدة املستمرة‪ :‬أن املسلم جيوز له أن يبيع ويشرتي ما ِل مينع من ذلك‬
‫كف املسلم عن البيع‪.‬‬
‫الشرع‪ ،‬فإن وجد املانع الشرعي ّ‬
‫وقلت‪ :‬إن هذه القاعدة تُطلق يد املسلم يف البيوع إال إذا وجد املانع‪.‬‬
‫ُ‬
‫وقلت‪ :‬إن املانع يضبطه ضابط واحد وهو‪ :‬أن يؤدي إىل النزاع‪ ،‬فإذا‬
‫ُ‬
‫وجد يف البيع ما يؤدي إىل النزاع غالباً؛ ف مقف!‬
‫وهذه ‪-‬إن شاء هللا‪ -‬قاعدة سنذكرها ونفصل أنواعها على ما ورد يف‬
‫سنة النيب ﷺ‪ ،‬وذكران أمثلة لبعض البيوع‪ ،‬ما يدخل منها حتت القاعدة وما‬
‫خيرج‪ ،‬لنعرف كيف ننظر إىل الفروع‪ ،‬ووقفنا عند مسألة األسهم‪ ،‬بيع‬
‫األسهم‪.‬‬
‫‪|79‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫تعرب عن مشاركة يف جزء مشاع يف الشركة‪.‬‬
‫وقلنا إن األسهم هي‪ :‬ورقة ّ‬
‫مث اختلف املعاصرون‪ :‬هل هذه املشاركة يف مجيع ما يف الشركة‪ ،‬أو يف‬
‫الذمة االعتبارية للشركة؟‬
‫وقلنا‪ :‬إن األسهم يف بيعها تنقسم إىل ثالثة أقسام‪:‬‬
‫‪ .1‬أسهم لشركات نقية‪.‬‬
‫‪ .2‬وأسهم لشركات حمرمة‪.‬‬
‫‪ .3‬وأسهم لشركات خمتلطة‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن أسهم الشركات النقية‪ :‬هي األسهم يف الشركات اليت يكون يف‬
‫عملها مباحاً‪ ،‬ونظامها مباحاً‪ ،‬وإدارهتا مباحة‪.‬‬
‫ يكون عملها مباحاً‪ :‬شركة تبيع األرز‪ ،‬شركة تبيع الكتب‪ ،‬أو غري‬‫ذلك‪.‬‬
‫ ونظامها مباحاً‪ :‬ليس يف النظام األساسي للشركة حمرم‪ ،‬ال ينص يف‬‫النظام مثالً على أهنا تقرتض من البنوك الربوية‪ ،‬أو أهنا هلا أن تتعامل يف‬
‫معامالت حمرمة‪ ،‬بل نظامها مباحاً‪.‬‬
‫‪ -‬وإدارهتا مباحة‪ :‬فتعمل وفق النظام وال تدخل أمراً حمرماً عليها‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪80‬‬
‫هذه الشركة نقية جيوز عند مجهور العلماء املعاصرين بيع أسهمها وشرائها‬
‫من غري إشكال‪.‬‬
‫وأما الشركات احملرمة‪ :‬فهي اليت يكون يف عملها حرام أو يف نظامها‬
‫حرام‪.‬‬
‫ يكون يف عملها حرام‪ :‬إما مطلقاً‪ ،‬كشركات تبيع الدخان‪.‬‬‫ أو فيه حالل وفيه حرام‪ ،‬مثالً‪ :‬شركة تسجيالت وصوتيات عندها‬‫أشرطة دينية وعندها أشرطة أغا‪،‬ي‪.‬‬
‫ أو كان يف نظامها حرام‪ :‬فيكون النظام الذي أنشئت به الشركة‬‫ينص على أمور حمرمة يف العمل أو يف التمويل‪ ،‬فهذه الشركات حمرمة‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫أن ينص النظام على أن هذه الشركة يقوم متويلها على االقرتاض من البنوك‬
‫الربوية‪ ،‬فهذه الشركة حمرمة‪.‬‬
‫وأما ما ذهب إليه بعض العلماء املعاصرين من أنه إذا كان يف عمل‬
‫الشركة مباح وحمرم تصبح خمتلطة‪ ،‬وأنه إذا كان يف نظامها نسبة معينة من‬
‫الراب تصبح خمتلطة وهي نسبة الثالثني يف املئة فأقل؛ فهذا ال وجه له شرعاً‪.‬‬
‫بل إذا ُوجد الراب يف شركة فهي شركة حمرمة ولو درهم واحد‪ ،‬وهذه شركات‬
‫ال جيوز شراء أسهمها وال بيع أسهمها‪ ،‬لوجود املانع الشرعي‪.‬‬
‫‪|81‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وأما الشركات املختلطة‪ :‬فالتحقيق [أن‪ ]:‬الشركات اليت يكون عملها‬
‫مباحاً‪ ،‬ويكون عملها مباحاً‪ ،‬ولكن يقع اخللل من إدارهتا‪.‬‬
‫عملها مباح‪ ،‬ونظامها األساسي املكتوب مباح ليس فيه إشكال‪ ،‬لكن‬
‫جملس اإلدارة يقرتض ابلراب مثالً‪ ،‬يتخذ قرارا فيه خمالفة‪ ،‬فهذه الشركة‬
‫خمتلطة‪ ،‬ليست حمرمة؛ ألن نظامها وعملها ليس فيه احلرام‪ ،‬وليست نقية؛‬
‫لدخول هذا األمر فيها‪ .‬وهذا شأن املشتبهات‪.‬‬
‫املشتبهات اليت قال فيها النيب ﷺ‪ :‬احلالل بني واحلرام بني‪ ،‬وبينهما‬
‫أمور مشتبهات‪ ،)1(‬أصح ما قاله العلماء يف ضبط املشتبهات هو الذي‬
‫جيتذبه أصالن‪ :‬أصل جيذبه إىل احلل‪ ،‬وأصل جيذبه إىل احلرمة‪.‬‬
‫إذا نظرت إىل األصل هذا قلت‪ :‬إنه حالل‪.‬‬
‫وإذا نظرت إىل األصل الثا‪،‬ي قلت‪ :‬إنه حرام فيشتبه األمر‪.‬‬
‫وأان دئماً أمثل هلذا ‪-‬من ابب تقرير األصل وإن ِل يكن يف مسائل‬
‫البيوع‪ -‬مبا أحدثه النساء اليوم مما يُسمى بـ‬
‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪82‬‬
‫تشقري احلواجب‪:‬‬
‫وهو أن تضع املرأة لوانً على حاجبها يشبه لون بشرهتا‪[ ،‬هي] ال تزيله؛‬
‫ولكن تضع لوان فتصغمّره‪.‬‬
‫هنا إذا نظران إىل كونه‪ :‬يصغمّر احلاجب ويغري اخللقة؛ فهذا أصل ينزع إىل‬
‫للحسن‪.‬‬
‫التحرمي‪ ،‬ألن النامصة لُعنت لكوهنا مغرية خللق هللا ُ‬
‫وإذا نظران إىل أنه‪ :‬تغيري ابللون ال يزيل األصل‪ ،‬بل األصل ابق‪ ،‬اختلف‬
‫عن النمص‪ ،‬وجتمل املرأة ابللون األصل فيه اجلواز‪.‬‬
‫فالصحيح عندي أنه من ابب املشتبهات‪ ،‬ليس من احلرام البني‪ ،‬وال من‬
‫احلالل البني‪ ،‬والقاعدة الشرعية يف املشتبهات؛ احلث على اجتناهبا من غري‬
‫تأثيم‪.‬‬
‫فبيع األسهم للشركات املختلطة وشراؤها؛ حنث على اجتنابه‪ ،‬فإنه أبرء‬
‫للدين والعرض‪ ،‬ولكن ال نـُؤثمـّ ُم به‪ ،‬فإذا اشرتى اإلنسان أسهما من هذه‬
‫الشركات؛ ال نقول إنه آمث‪ ،‬وال نقول إن البيع ابطل؛ بل البيع صحيح‪ ،‬وإن‬
‫كان األوىل أن ال يشرتي‪ ،‬وحنثه على ترك هذا األمر حثاً بيناً‪.‬‬
‫مث ترتب على هذا مسألة وهي‪ :‬إذا اشرتى أسهما خمتلطة هل يلزمه أن‬
‫يُطهرها؟‬
‫‪|83‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫بعض أهل العلم قالوا إذا اشرتى أسهما من الشركات املختلطة فإنه ُخيرج‬
‫شيئا من الربح من ابب تطهريه‪ ،‬لكن الذي يظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن إلزام‬
‫الناس هبذا ال وجه له‪.‬‬
‫وأما إن أراد اإلنسان ‪-‬من ابب اطمئنان القلب‪ -‬أن يتصدق بشيء من‬
‫الربح فهذا شيء حسن‪ ،‬لكن أن يُلزم الناس إبخراج مبلغ من الربح‬
‫للتطهري؛ فهذا ال وجه له‪.‬‬
‫بل نقول‪ :‬إن اإلنسان إذا اشرتى أسهما نقية فالربح له‪ ،‬وإذا اشرتى‬
‫أسهما من الشركات املختلطة فالربح له‪ ،‬وإن شاء أن يتصدق فحسن‪ ،‬وإن‬
‫كنّا حنثه حثاً شديداً على أن جيتنب أسهم الشركات املختلطة ملا فيها من‬
‫املشتبهات‪.‬‬
‫عندان أيضاً مسألة عصرية‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫مسألة بيع احلقوق املعنوية‪.‬‬
‫ما هو احلق املعنوي؟‬
‫احلق املعنوي‪ :‬سلطة لشخص على شيء غري عيين‪ ،‬غري مادي‪:‬‬
‫كالتأليف‪ ،‬واالخرتاع‪ ،‬والعالمات التجارية‪.‬‬
‫هذا حق معنوي‪ ،‬ألنه يقع على غري عني‪ ،‬فهذا حق معنوي‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪84‬‬
‫هذه احلقوق املعنوية‪ُ ،‬وجدت يف هذا الزمان‪ ،‬هي نوعان‪:‬‬
‫ حق أديب‪.‬‬‫ وحق مايل‪.‬‬‫احلق األديب‪ :‬هو قدرة صاحبها على التصرف فيها‪ ،‬ومنع غريه منها‪،‬‬
‫ألفت كتاابً؛ يُصبح يل احلق يف أن أتصرف يف هذا الكتاب‪،‬‬
‫يعين‪ :‬إذا ُ‬
‫أمنع غريي من طباعته‪ ،‬وهذا ال ُخيتلف فيه‪.‬‬
‫فأدفعه إىل املطبعة لتطبعه‪ُ ،‬‬
‫وحق مادي‪ :‬وهو أن يصبح للنسان السلطة يف بيعه‪ ،‬واملنع من التصرف‬
‫فيه ابلبيع والشراء‪ ،‬وهذا حق مايل‪ ،‬والذي عليه مجهور الفقهاء املعاصرين‬
‫وأفتت به اجملامع الفقهية؛ أن هذا احلق اثبت‪ ،‬وهو متفق مع قول اجلمهور‬
‫– املالكية والشافعية واحلنابلة – ألن هذه احلقوق أصبح هلا قيمة مالية يف‬
‫عرف الناس‪ ،‬والقاعدة الشرعية‪ :‬أن ما ورد به الشرع مطلقاً وال ضابط له‬
‫فيه‪ ،‬وال يف اللغة؛ يُرجع فيه إىل العرف‪.‬‬
‫كل ما ورد يف الشرع مضبوط‪ ،‬ال يوجد يف الشرع شيء غري منضبط‪،‬‬
‫لكن ضبطه‪:‬‬
‫إما يكون ابلشرع‪ :‬وهذا إذا وجد؛ ال يُلتفت إىل غريه‪ ،‬مثل الصالة‪،‬‬
‫ضبط الصالة ورد ابلشرع‪.‬‬
‫‪|85‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فإن ِل يوجد ضابط الشيء ابلشرع؛ فإنه يُضبط ابللغة‪ ،‬يُنظر إىل معناه‬
‫يف اللغة‪.‬‬
‫فإذا ِل يوجد له ضابط يف اللغة؛ فإنه يُضبط ابلعادة والعرف‪.‬‬
‫مثل احلرز‪ :‬فمن شروط قطع اليد يف السرقة أن يُؤخذ املال من حرزه‪.‬‬
‫طيب‪ :‬ما هو احلرز؟ ما هو حرز اجملوهرات؟ ما هو حرز النقود؟ ما هو حرز‬
‫الدواب؟‬
‫رجعنا إىل الشرع فلم جند ضابطاً فيه حيدد‪ ،‬رجعنا إىل اللغة فوجدان أن‬
‫احلرز مكان احلفظ لكن ِل حيدد حرز األنواع‪ُ ،‬فريجع يف ذلك إىل العرف‪،‬‬
‫فما عد يف عرف الناس حرزاً فهو حرز‪ ،‬وما ِل يعد حرزاً فليس حبرز‪.‬‬
‫يقول مجهور الفقهاء املعاصرين‪ :‬إن املال الذي ُميلك؛ ورد يف الشرع‪،‬‬
‫وورد يف الشرع حفظه‪ ،‬ولكن ِل يرد يف الشرع ضبطه‪ ،‬أي‪ :‬أي ِل يرد حده‬
‫يف شيء معني‪ ،‬وال يف اللغة‪ُ ،‬فريجع يف ذلك إىل العرف‪ ،‬والعرف اليوم يعترب‬
‫هذه احلقوق ماالً‪ ،‬وابلتايل يكون هذا احلق ماالً‪.‬‬
‫يرتتب على هذا أنه جيوز للنسان أن يبيع حق التأليف‪ ،‬حق النشر‪،‬‬
‫سواء كانت املادة مكتوبة أو مسموعة‪ ،‬وأن يبيع حق براءة االخرتاع‪ ،‬وأن‬
‫يبيع حق العالمة التجارية‪.‬‬
‫| ‪86‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ويرتتب على ذلك أن من كانت عنده عالمة جتارية‪ ،‬فإن له احلق فيها‪،‬‬
‫وال جيوز االعتداء عليه فيها بتقليد أو غري ذلك‪.‬‬
‫إذا ُوجدت عالمة جتارية حمفوظة مثبتة فال جيوز للنسان أن يذهب‬
‫ويقلد هذه العالمة فيبيع ويشرتي إال إبذن من صاحبها أو مالكها‪ ،‬وهذا‬
‫الذي جرت عليه الفتوى يف اجملامع الفقهية‪.‬‬
‫هذه نظرة إىل بعض أنواع البيوع يف ضوء القاعدة "األصل يف البيوع‬
‫اإلابحة"‪.‬‬
‫ننتقل منها إىل القاعدة الثانية وهي قاعدة متعلقة بوسائل عقد البيوع‪،‬‬
‫هذه القاعدة يقول فيها العلماء‪:‬‬
‫***‬
‫‪|87‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫[القاعدة الثانية]‪:‬‬
‫"العربة يف العقود للمقاصد واملعاين ال لأللفاظ واملباين"‪.‬‬
‫وهذه القاعدة خمتلف فيها بني فقهاء األمة‪ ،‬ولذلك يصوغها بعض‬
‫علماء القواعد بصيغة االستفهام؛ هل العربة يف العقود بصيغها ومبانيها أم‬
‫مبقاصدها ومعانيها؟‬
‫هذه املسألة اختلف فيها الفقهاء‪ ،‬والراجح فيها‪ :‬أن العربة ابملقاصد‬
‫واملعا‪،‬ي ال ابأللفاظ واملبا‪،‬ي‪.‬‬
‫ومعىن هذه القاعدة عندما نصوغها بصيغة االستفهام‪ :‬هل املعترب يف‬
‫انعقاد العقود النظر إىل األلفاظ أم املعترب النظر إىل املعا‪،‬ي؟‬
‫وتظهر فائدة هذه القاعدة فيما لو كان اللفظ أطلق على معىن غري‬
‫املعروف‪ ،‬مثالً قال‪ :‬بعتك بنيت بعشرين ألفا‪ ،‬وقال‪ :‬قبلت‪.‬‬
‫هنا طبعا ال يُتصور أن املقصود ابلبيع هو البيع احلقيقي‪ ،‬ولكن املقصود‬
‫هنا النكاح‪ ،‬اللفظ لفظ بيع‪ ،‬واملعىن النكاح‪ ،‬فهل ننظر إىل اللفظ فنقول‪:‬‬
‫هذا العقد ابطل ألن بيع احلرة ال جيوز؛ أو ننظر إىل املقصود فنقول‪ :‬ما دام‬
‫أن املقصود مفهوم فإن العربة ابملقاصد؟‬
‫قال مثالً‪ :‬كفلت فالان بشرط أنه بريء‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪88‬‬
‫فالن استدان من شخص مئة ألف‪ ،‬فجاء شخص فقال‪ :‬أان أكفله‬
‫بشرط أنه بريء‪ ،‬يعين‪ :‬بشرط أنه يربء اآلن‪ .‬اللفظ لفظ كفالة‪ ،‬واملعىن؟‬
‫ضم ذمة إىل ذمة‪.‬‬
‫اللفظ لفظ كفالة‪ ،‬والكفالة كما تعرفون ُّ‬
‫هنا ليس فيه ضم ذمة إىل ذمة‪ ،‬ألن الكفيل ماذا قال؟ أكفله بشرط أنه‬
‫بريء‪ ،‬إذن أبرء ذمة األول وحتمل هو‪ ،‬فأصبحت حواله‪ ،‬حول الدين إىل‬
‫ذمته‪ ،‬فاللفظ لفظ الكفالة واملعىن معىن احلوالة‪ ،‬فهل النظر إىل الصيغ أو‬
‫النظر إىل املعا‪،‬ي واملقاصد؟‬
‫الصحيح من أقوال أهل العلم أن النظر إىل املعا‪،‬ي واملقاصد‪ ،‬فكل لفظ‬
‫دل على معناً مفهوم؛ انعقد به العقد‪ ،‬كل لفظ دل على املعىن املقصود‬
‫داللة مفهومة انعقد به العقد‪ ،‬املهم أن يُفهم املعىن‪ ،‬وأن يُفهم املقصود‪ ،‬وأن‬
‫ال يؤدي إىل النزاع‪ ،‬لقول النيب ﷺ‪ :‬إمنا األعمال ابلنيات وإمنا لكل امرئ‬
‫ما نوى‪ .‬فجعل النيب ﷺ األصل يف األعمال ‪ -‬قوهلا وفعلها – النية‪ ،‬وأنه‬
‫حيصل للنسان ما نوى‪.‬‬
‫نضرب أمثله يف البيوع‪:‬‬
‫‪|89‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫شخص قال‪" :‬وهبتك سياريت أبلف"‪ .‬الصيغة؛ صيغة هبة‪ ،‬واملعىن؛ بيع‪.‬‬
‫فالصحيح من أقوال أهل العلم‪ :‬أن هذا العقد بيع‪ ،‬وترتتب عليه أحكام‬
‫البيع‪ ،‬ألن العربة ابملقاصد‪.‬‬
‫أسلفت إليك هذا الكتاب‬
‫أسلمت إليك أو‬
‫إذا قال شخص آلخر‪" :‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫هبذا الثوب"‪ ،‬اللفظ لفظ السلم‪ ،‬لكن املعىن بيع حاضر‪ ،‬ألن السلم بيع‬
‫أسلمت لك هذا الكتاب يف هذا الثوب‪،‬‬
‫موصوف يف الذمة‪ ،‬وهذا يقول‬
‫ُ‬
‫فهو بيع حاضر حباضر‪ ،‬املعىن بيع‪ ،‬واللفظ لفظ السلم‪ ،‬الصحيح من أقوال‬
‫أهل العلم‪ :‬أن هذا العقد منعقد وله أحكام البيع‪.‬‬
‫إذا قال إنسان آلخر‪" :‬بعتك سياريت بال مثن"‪ .‬اللفظ لفظ البيع‪ ،‬واملعىن‬
‫هبة‪ ،‬فالصحيح أن هذا العقد عقد هبة‪ ،‬وتلحقه أحكام اهلبة‪ ،‬وال تلحقه‬
‫أحكام البيع‪.‬‬
‫إذا قال شخص آلخر‪" :‬بعتك منفعة داري سنة خبمسة آالف"‪ ،‬اللفظ‬
‫لفظ البيع‪ ،‬واملعىن إجارة‪ ،‬فالصحيح من أقوال أهل العلم‪ :‬أن هذا العقد‬
‫عقد إجارة‪ ،‬وتلحقه أحكام عقد اإلجارة‪ ،‬وليست أحكام عقد البيع‪.‬‬
‫كما قلنا‪ :‬مجهور أهل العلم على هذا‪ :‬احلنفية‪ ،‬واملالكية‪ ،‬واحلنابلة يف‬
‫قول‪ ،‬والشافعية يف قول على هذا‪ ،‬وإن كان عند احلنابلة والشافعية خالف‪،‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪90‬‬
‫لكن اجلمهور على هذا‪ ،‬وهو الذي تدل عليه األدلة‪ ،‬واستدلوا على هذا‬
‫كما قلنا‪:‬‬
‫أوال‪ :‬بقول النيب ﷺ‪ :‬إمنا األعمال ابلنيات وإمنا لكل امرئ ما نوى‪.‬‬
‫وأيضاً قالوا‪ :‬اعتبار القصود واملعا‪،‬ي أوىل من اعتبار األلفاظ‪ ،‬ملاذا؟ قالوا‪:‬‬
‫أصال ملاذا أنيت ابللفظ؟ ما فائدة اللفظ؟ أن نُعرب عن املعىن الذي نريد‪ .‬فما‬
‫هو األصل؟ هل األصل هو املعىن الذي يريده اإلنسان أو اللفظ؟‬
‫[األصل]‪ :‬املعىن‪ ،‬واللفظ‪ :‬وسيلة‪ ،‬واعتبار املقصود أوىل من اعتبار الوسيلة‪،‬‬
‫ولذلك اعتبار املعا‪،‬ي يف العقود أوىل من اعتبار األلفاظ‪.‬‬
‫كذلك قالوا ‪ -‬ونص على هذا شيخ االسالم ابن تيميه رمحه هللا ‪ :-‬أن‬
‫املقصود فهم مراد املتكلم‪ ،‬فحيث ما فُهم مراد املتكلم؛ حصل املقصود‬
‫الشرعي‪.‬‬
‫ومما يدل على ذلك ‪-‬أن اختالف اللفظ ال يغري من حقيقة املعىن‪ ،‬بل‬
‫يعاد ابللفظ إىل املعىن‪ -‬أن النيب ﷺ استعمل رجالً من األزد على انحية‪،‬‬
‫على الصدقة‪ ،‬فلما جاء حاسبه‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬هذا مالكم وهذا هدية‪ .‬هذا‬
‫مالكم‪ ،‬يعين‪ :‬الصدقة‪ ،‬وهذا هدية أهديت له من الناس الذين ذهب أييت‬
‫بصدقاهتم‪ ،‬فمذا مساها؟ هدية‪ ،‬والناس قدموها له على أهنا هدية‪ .‬فماذا قال‬
‫‪|91‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فهال جلست يف بيت أبيك وأمك حىت تأتيك هديتك‬
‫الرسول ﷺ؟ قال‪ّ  :‬‬
‫إن كنت صادقا؟‪ ،)1(‬هذه وإن ُمسيت هدية؛ فليست هدية‪ ،‬ألن املقصود‬
‫منها الرشوة‪ ،‬وهدااي العمال غلول‪ ،‬فلم يكن للفظ أثر‪ ،‬وإمنا النظر إىل‬
‫املعىن‪.‬‬
‫اآلن بعض الناس يقدمون الرشاوى للمسؤولني يف الوظائف ويقول‪:‬‬
‫هدية! عربون صداقة! وقد تكون هذه اهلدية ‪ -‬اليت هي رشوة – مبال‪ ،‬وقد‬
‫تكون بعني‪ ،‬وقد تكون إبكرام‪ .‬بعض الناس مثال يذبح للمسؤول‪ ،‬ويوِل له‬
‫من أجل أنه مسؤول ويقول هذا إكرام! العربة ابحلقيقة وهذا الذي دل عليه‬
‫فعل النيب ﷺ‪.‬‬
‫ومن دقيق عبارات شيخ االسالم بن تيمية رمحه هللا يف هذا الباب أنه‬
‫قال‪" :‬إن العقد جنس ال يشرع فيه التعبد"‪ .‬يعين ِل يرد التعبد يف العقود‬
‫ابأللفاظ‪ ،‬وما دام ِل يرد فيه التعبد؛ فالباب فيه واسع‪ ،‬فحيثما عرب الناس مبا‬
‫يُف مهم مقصودهم فاملعىن صحيح‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪92‬‬
‫ومما يدل على ذلك أيضاً‪ :‬أنه مع ابتالء الناس ابلبيوع والعقود ِل يرد عن‬
‫النيب ﷺ دليل على اإللزام بلفظ معني‪ ،‬ولو كان اإللزام بلفظ معني شرعاً‬
‫لبينه النيب ﷺ‪.‬‬
‫يعين يقول مجهور العلماء‪ :‬العقود موجودة يف زمن النيب ﷺ ويكثر ابتالء‬
‫الناس هبا‪ ،‬فلو كان هلا ألفاظ حمددة؛ لدل النيب ﷺ على حتديدها‪ ،‬فلما ِل‬
‫ينقل عن النيب ﷺ بيان؛ علمنا أن األمر فيها واسع‪ ،‬وأهنا راجعة إىل أعراف‬
‫الناس‪.‬‬
‫بعض أهل العلم ممن يرون أن العربة يف العقود للمقاصد واملعا‪،‬ي يستثنون‬
‫من ذلك النكاح‪ ،‬يقولون نعم‪ :‬العربة يف العقود للمعا‪،‬ي واملقاصد وال تُشرتط‬
‫األلفاظ‪ ،‬ولكن نستثين من ذلك النكاح‪ ،‬فإن النكاح يُلتزم فيه ابأللفاظ‬
‫الدالة على النكاح‪ ،‬ملاذا؟ قالوا‪ :‬احتياطاً لألعراض‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وجدان الشرع حيتاط لألعراض ما ال حيتاط لغريها‪ ،‬حىت أن الزان ‪-‬‬
‫والعياذ ابهلل ‪ -‬ال يثبت إال بشهادة أربعة شهود‪ ،‬بشروط دقيقة جداً حىت‬
‫تثبت هذه الشهادة‪ ،‬احتياطاً لألعراض‪ .‬بينما القصاص يثبت بشهادة‬
‫شاهدين‪.‬‬
‫‪|93‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫قالوا‪ :‬فوجدان الشرع حيتاط لألعراض ما ال حيتاط لغريها‪ ،‬ومن االحتياط‬
‫لألعراض أن نشرتط للنكاح األلفاظ املعلومة‪ ،‬ملاذا؟ ألن النكاح استباحة‬
‫للعرض‪[ ،‬و] األصل يف العرض ‪ -‬يف البضع ‪ -‬التحرمي‪ ،‬والنكاح سبب‬
‫لالستباحة‪ ،‬فلما كان ذلك كذلك قلنا‪ :‬إن النكاح ال بد فيه من األلفاظ‬
‫املعلومة‪.‬‬
‫وهذا عندي أحوط وهللا أعلم وأجود‪ .‬وهو أن النكاح يُستثىن من‬
‫القاعدة‪.‬‬
‫طبعاً هذا خارج عن مسائلنا من جهة العقود املالية ولكنه متعلق‬
‫ابلقاعدة‪.‬‬
‫فالنكاح ينبغي االلتزام فيه ابأللفاظ املعروفة اليت تدل على النكاح‪ ،‬مبعىن‬
‫ال أييت إنسان ويقول‪ :‬بعتك بنيت بعشرين ألفاً‪ ،‬وإمنا يقول‪ :‬زوجتك‪،‬‬
‫أنكحتك‪ ،‬أو غري ذلك من األلفاظ املعروفة الدالة على النكاح‪.‬‬
‫يتفرع عن هذه القاعدة‪ :‬أنه ال يشرتط النعقاد البيع لفظ‪.‬‬
‫بل قد ينعقد البيع ابلفعل‪ .‬ألن اللفظ غري مقصود‪.‬‬
‫ملا تبني لنا أن اللفظ غري مقصود؛ فإن البيع ال يُشرتط له اللفظ‪ ،‬فينعقد‬
‫ابلفعل‪ ،‬وهذا ما يُسمى عند الفقهاء بـ‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪94‬‬
‫بيع املعاطاة‪ :‬أن يقع بيع السلعة ودفع الثمن من غري ختلل لفظ‪.‬‬
‫اآلن هذا يقع كثرياً‪ ،‬يدخل الواحد منا البمقالة ويعرف سعر اخلبز مثالً‬
‫فيأيت وأيخذ اخلبز‪ ،‬ويذهب إىل احملاسب‪ ،‬ويدفع املبلغ‪ ،‬وخيرج‪ ،‬بدون أن‬
‫يقول‪" :‬هذا بكم؟" وبدون أن يقول له‪" :‬بكذا"‪ ،‬هذا بيع املعاطاة‪.‬‬
‫ومجهور العلماء على جواز بيع املعاطاة‪ ،‬وأن البيع ينعقد ابلفعل‪.‬‬
‫ملاذا؟ ألمور منها‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬أنه تبني لنا أن اللفظ غري مقصود‪ ،‬وأن العربة ابملقاصد واملعا‪،‬ي‪،‬‬
‫فإذا دل الفعل على املقصود حصل املراد الشرعي‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن البيع ورد يف الشرع مطلقاً‪ ،‬وال ضابط له فيه وال يف اللغة‪،‬‬
‫فريجع فيه إىل العرف‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن بيع املعاطاة يقع يف أقطار املسلمني من غري نكري فكان‬
‫إمجاعاً‪ .‬يعين‪ :‬جنس بيع املعاطاة موجود يف كل مكان‪ ،‬وإن كانت السلعة‬
‫ختتلف – السلعة اليت يف اإلمارات غري السلعة اليت يف السعودية‪ ،‬غري السلعة‬
‫اليت يف إندونيسيا – لكن صورة بيع املعاطاة موجودة يف أقطار املسلمني من‬
‫غري نكري فكان إمجاعاً‪.‬‬
‫ويرتتب على هذا أيضاً‪ :‬أن البيع ينعقد ابلكتابة‪ ،‬وال سيما من الغائب‪.‬‬
‫‪|95‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫البيع ينعقد ابلكتابة من احلاضر على الصحيح‪ ،‬ومن الغائب عند مجهور‬
‫أهل العلم وهو الصحيح‪.‬‬
‫فلو أن شخصاً كتب آلخر‪" :‬بعين سيارتك خبمسة آالف"‪ ،‬وكتب له‬
‫اآلخر‪" :‬قبلت"‪ ،‬فإن البيع ينعقد هبذا على الصحيح من أقوال أهل العم‪.‬‬
‫يقيم يف بلد‪ ،‬وعلم أن شخصاً يريد أن يبيع بيته يف بلد‬
‫ولو أن شخصاً ُ‬
‫آخر‪ ،‬إنسان من بلد‪ ،‬مثالً جاء يف اإلمارات‪ ،‬من مصر‪ ،‬من سوراي‪ ،‬من أي‬
‫بلد‪ ،‬مقيم يف اإلمارات‪ ،‬وعلم أن رجالً من أهل قريته‪ ،‬من أهل مدينته يريد‬
‫أن يبيع بيته‪ ،‬وهو يعرف هذا البيت‪ ،‬فكتب رسالة من فالن بن فالن إىل‬
‫فالن‪ :‬بعين بيتك الكائن يف كذا املعروف بكذا مبئة ألف‪ .‬ملا جاءت‬
‫الرسالة‪ ،‬قرء فقال‪ :‬بعتك؛ يصح العقد وينعقد‪.‬‬
‫لكن هنا ننبه إىل أمور‪:‬‬
‫األمر األول‪ :‬ال بد أن تكون الكتابة مستبينة‪.‬‬
‫والكتابة املستبينة‪ :‬هي اليت تكون احلروف فيها ظاهرة ويبقى هلا أثر‪.‬‬
‫أما الكتابة اليت ال تكون احلروف فيها ظاهرة وال يبقى هلا أثر؛ فهي عند‬
‫مجاهري العلماء مبنزلة حديث النفس‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪96‬‬
‫ط الشيخ بيده يف اهلواء]‬
‫مثال‪ :‬إنسان أمام امرأته‪ ،‬فكتب هكذا [ خ ّ‬
‫وكتب‪" :‬أنت طالق" بدون أن يتكلم‪ ،‬هنا يقول مجاهري العلماء من السلف‬
‫واخللف هذه الكتابة غري معتربة وال يقع هبا الطالق‪ ،‬بل هي مبنزلة حديث‬
‫النفس‪ ،‬ألن الكتابة غري مستبينة‪ ،‬كتابة يف اهلواء‪ ،‬ال تظهر احلروف‪.‬‬
‫أو هي انئمة جبواره على املخدة‪ ،‬على الوسادة‪ ،‬فكتب هلا أبصبعه على‬
‫الوسادة "أنت طالق"‪ ،‬بدون أن يتلفظ‪ ،‬عند مجاهري العلماء ال يقع هبذه‬
‫الكتابة الطالق‪.‬‬
‫أو كتب ابملسمار على ثلج يذوب مباشرة‪ ،‬أو على سطح املاء كتب‬
‫أبصبعه‪ ،‬فهذه عند مجهور أهل العلم مبنزلة حديث النفس وال يقع هبا شيء‪.‬‬
‫إذن أول شيء يف الكتابة املستبينة‪ ،‬الكتابة اليت تعترب؛ أن تكون احلروف‬
‫فيها ظاهرة وأن يبقى هلا أثر‪.‬‬
‫وأن تكون مرسومة‪.‬‬
‫مرسومة‪ :‬يعين‪ :‬معنونة‪ ،‬معروفة أهنا من فالن إىل فالن‪ ،‬وال زال هذا‬
‫املصطلح يُستعمل يف القضاء‪ ،‬فيقال هذا اخلطاب‪ :‬مرسوم‪.‬‬
‫قد يسأل القاضي أحياانً‪ :‬هل اخلطاب الذي معك مرسوم أو غري‬
‫مرسوم؟‬
‫‪|97‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫مرسوم‪ :‬يعين معروف أنه من فالن إىل فالن‪ ،‬مكتوب أنه من فالن إىل‬
‫فالن‪.‬‬
‫فإذا كان مبهماً؛ يعين‪ :‬كتب شخص رسالة إىل شخص يف بلده‪" :‬بعين‬
‫بيتك الفال‪،‬ي مبئة ألف" بدون أن يكتب من هو! هذا الكتاب غري معترب‪.‬‬
‫إذن ال بد أن تكون الكتابة مستبينة‪ ،‬مرسومة‪ ،‬معلومة أنه من فالن إىل‬
‫فالن‪.‬‬
‫األمر الثاين الذي ننبه عليه‪ :‬أنه يشرتط أن يقع القبول يف اجمللس‬
‫الذي يقرأ فيه الكتاب‪.‬‬
‫يُشرتط أن يقع القبول يف اجمللس الذي يقرأ فيه الرسالة‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألنه يشرتط يف صحة البيع احتاد اجمللس بني اإلجياب والقبول‪ ،‬فلو قال‬
‫شخص آلخر‪ :‬بعين سيارتك ٍ‬
‫أبلف ومها يف جملس‪ ،‬فذهب صاحب السيارة‪،‬‬
‫ومن الغد قال‪ :‬قبلت‪ِ ،‬ل ينعقد البيع‪ .‬ال بد من إعادة املشرتي قول‪ :‬بعين‬
‫سيارتك أبلف‪.‬‬
‫فيشرتط يف صحة البيع احتاد اجمللس‪.‬‬
‫بل بعض الفقهاء – وإن كان هذا مرجوحاً – يشرتط االتصال بني‬
‫اإلجياب والقبول‪ ،‬لكن هذا مرجوح‪ ،‬والصحيح احتاد اجمللس‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪98‬‬
‫طيب‪ :‬ما هو اجمللس؟‬
‫يقول اجلمهور‪ :‬اجمللس الذي يُقرأ فيه الرسالة‪ ،‬ليس الذي تبلغه فيه‬
‫الرسالة‪ ،‬ألنه ممكن تصله الرسالة مغلقة وهو يف املكتب فال يقرؤها‪ ،‬وإمنا‬
‫يقرؤها يف البيت‪.‬‬
‫قبلت‪ ،‬متّ العقد‪ .‬وهذا هو‬
‫يكون اجمللس عندما يقرأ‪ ،‬فإذا قرأ وقال‪ُ :‬‬
‫جملس العقد‪.‬‬
‫يتفرع على هذا‪:‬‬
‫البيع بوسائل االتصال احلديثة‬
‫كاهلاتف‪ ،‬وجملس العقد يف االتصال اهلاتفي هو وقت املكاملة‪.‬‬
‫[مثال‪ ]:‬اتصل على أخيه يف بلد وقال‪ :‬أريد أن أشرتي بيتك‪ ،‬أو بعين‬
‫بيتك الفال‪،‬ي بكذا‪ ،‬وقال‪ :‬قبلت‪[ ،‬هنا] متّ العقد‪.‬‬
‫لكن اتصل عليه وقال‪ :‬بعين بيتك الفال‪،‬ي بكذا وقال‪ :‬نرى‪ ،‬وبعد يوم‬
‫اتصل عليه وقال‪ :‬قبلت‪ ،‬نقول ال بد من إعادة اإلجياب والقبول‪.‬‬
‫ومنه البيع عن طريق اإلنرتنت‪ ،‬حبيث يبيع ويشرتي‪ :‬إما ابلربيد‬
‫اإللكرتو‪،‬ي‪ ،‬أو عن طريق احملاداثت الفورية‪ ،‬أو عن طريق احملاداثت املرئية‬
‫اليت تُسمى اليوم مبحاداثت الفيديو‪.‬‬
‫فالبيع هبذه الطرق ينعقد عند مجهور أهل العلم‪ ،‬ويكون اجمللس هو وقت‬
‫االطالع على الطلب‪ ،‬فإذا كان الربيد اإللكرتو‪،‬ي؛ وقت ما يفتح الربيد‬
‫اإللكرتو‪،‬ي ويقرأ يكون هذا هو اجمللس‪.‬‬
‫‪|99‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫إذا كان ابحملادثة؛ وقت احملادثة‪ ،‬سواء كانت صوتية أو [مرئية]‪.‬‬
‫لكن ننبه قبل أن نغادر هذه النقطة إىل أمر‪ :‬وهو أنه يُشرتط يف البيوع‬
‫اليت تنعقد ابلكتابة من الغائب أو بوسائل االتصال احلديثة؛ أن ال تكون يف‬
‫سلعة يشرتط فيها التقابض يف اجمللس‪ ،‬لعدم إمكان التقابض‪.‬‬
‫يعين مثالً الذهب‪ :‬ال يصلح أن ينعقد ابلكتابة‪ ،‬يكتب له رسالة مثالً‪:‬‬
‫"بعين عقد الذهب املوجود عندك‪ ،‬املعروف‪ ،‬والذي يزن كذا؛ مبئة ألف"‬
‫ويقول‪ :‬قبلت‪ .‬ألنه يُشرتط يف بيع الذهب التقابض يف اجمللس‪ ،‬وهنا ال‬
‫ميكن التقابض‪.‬‬
‫وخرج بعض أهل العلم إمكانية جواز هذا يف حالة واحدة وهي‪ :‬أن‬
‫يكون للبائع وكيل وللمشرتي وكيل‪ ،‬فيُقبض وكيل املشرتي البائع الثمن‪،‬‬
‫ويُقبض وكيل البائ مع البائع(‪ )1‬السلعة‪.‬‬
‫أنيت هبا يف مسألة تقع كثرياً جداً اآلن‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫مسألة صرف العمالت‪.‬‬
‫أحياانً بعض الظروف االقتصادية جتعل اإلنسان حمتاجاً إىل الصرف من‬
‫بلد إىل بلد بدون الطرق املعروفة‪ ،‬يعين‪ :‬رجل يكون يف اإلمارات ورجل‬
‫يكون يف أمريكا‪ ،‬الرجل الذي يف أمريكا عنده الدوالرات ويريد أن يصرفها‬
‫بدراهم يف اإلمارات‪ ،‬األصل هنا عدم اجلواز ألنه ال حيصل التقابض‪.‬‬
‫(‪ )1‬لعل الصواب‪ :‬املشرتي‪.‬‬
‫| ‪100‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫خرج بعض أهل العلم صورة ميكن أن يقع هبا اجلواز وهي‪ :‬أن‬
‫لكن ّ‬
‫يكون للبائع وكيل‪ ،‬وللمشرتي وكيل‪ ،‬وكيل املشرتي عند البائع‪ ،‬ووكيل البائع‬
‫عند املشرتي‪ ،‬فيُقبض وكيل املشرتي البائع الثمن اآلن‪ ،‬ويُقبض البائع وكيل‬
‫املشرتي السلعة اآلن‪ ،‬فيحصل التقابض يف نفس اجمللس‪ ،‬وهذا له وجه‬
‫شرعي‪ ،‬حبيث يتفقون على اجمللس‪ ،‬فيقع التقابض يف نفس اجمللس‪ ،‬وهذه‬
‫الصورة ختريج جيد ملثل هذه املسألة‪ ،‬ال سيما مسألة صرف العمالت اليت‬
‫يُسأل عنها كثرياً اآلن‪ ،‬خاصة بني الدول اليت تقع بينها التجارات ويصعب‬
‫نوع من‬
‫فيها التصارف أو إخراج مبلغ معني من املال‪ .‬فيحتاج فيها إىل ٍ‬
‫املعاملة املباشرة للصرف فيمكن أن يكون األمر هكذا‪.‬‬
‫وإال فاألصل يف كل سلعة يشرتط لصحة البيع فيها التقابض يف جملس‬
‫العقد؛ أهنا ال تنعقد ابلكتابة‪ ،‬وال ابإلنرتنت‪ ،‬وال ابهلاتف‪ ،‬إال إذا وجدان‬
‫طريقة حيصل فيها التقابض يف نفس اجمللس‪.‬‬
‫فإذا وجدان هذه الطريقة فإن اإلشكال الشرعي يزول يف هذا الباب‪.‬‬
‫قريب من هذه القاعدة‪:‬‬
‫***‬
‫‪|101‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫القاعدة الثالثة وهي‪ :‬القصود مؤثرة يف العقود‪.‬‬
‫وهي قاعدة خالفية‪ ،‬وميكن أن تصوغها بصيغة اخلالف‪" :‬هل القصود‬
‫مؤثرة يف العقود؟"‪ ،‬يعين‪ :‬هل العربة ابلظاهر أو العربة ابملقصود؟‬
‫القصود ‪-‬على الراجح‪ -‬هلا أثر يف العقود‪ ،‬إما من حيث اجلواز‪ ،‬وإما من‬
‫حيث الصحة‪.‬‬
‫القصد له نصيب من احلكم‪ ،‬فإذا كان القصد فاسداً واطُلع عليه؛ فإنه‬
‫ُحيكم بفساد العقد ظاهراً‪ ،‬أما إذا ِل يطلع عليه فإن العقد يكون فاسداً يف‬
‫الباطن‪ ،‬أي بني العبد وبني ربه سبحانه وتعاىل‪.‬‬
‫ونضرب لذلك مثاالً وإن ِل يكن يف البيوع ولكن يُقرب املعىن‪:‬‬
‫امرأة طلقها زوجها ثالاثً‪ ،‬فال حتل له حىت تنكح زوجاً غريه‪.‬‬
‫[(‪ )1‬سبحان هللا اي أخوة‪ ،‬أحياانً اإلنسان يظن بعض األمور ال يقع فيها‬
‫جهل‪ ،‬وجتد فيها جهالً‪ .‬مسألة الطالق الثالث‪ ،‬أان فوجئت مرة بسائلة‬
‫تتصل يب وتسأل عن شيء يتعلق ابلرجعة وهي من عندان من السعودية‪،‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫قلت‪ :‬الثانية؟ قالت‪ :‬ال‪ُ ،‬‬
‫سألتها‪ :‬هل هذه الطلقة األوىل؟ قالت‪ :‬ال‪ُ ،‬‬
‫(‪ )1‬من هنا استطرد الشيخ من ابب ختفيف اجمللس‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪102‬‬
‫قلت‪ :‬كيف؟ قالت طلقين سبع مرات‪ ،‬لكن‬
‫يعين طلقك ثالاث؟ قالت‪ :‬ال! ُ‬
‫كل مرة لوحدها!‬
‫يطلقها ويراجعها سبع مرات‪ ،‬وهذه السابعة اتصلت تسألين‪ ،‬عندها‬
‫إشكال مبسألة الرجعة – أظن إذا ما نسيت هل هلا حق أن تطلب ماالً أو‬
‫ليس هلا حق أن تطلب ماالً‪ ،‬أما الرجوع ما عندها إشكال! ملاذا؟‬
‫ألهنا تظن أن طالق الثالث أن يطلقها ثالاثً معاً‪ ،‬أما يطلقها مرة‪،‬‬
‫يطلقها مرة‪ ،‬يطلقها مرة‪ ،‬هذا ليس ثالث‪.‬‬
‫فقلت هلا‪ :‬اي أخيت‪ ،‬ما جيوز لك‬
‫فتقول طلقها سبع مرات هذه السابعة‪ُ ،‬‬
‫أن ترجعي إليه‪ ،‬بل جيب عليكم أن تستغفروا من املاضي الذي وقع‪ ،‬و م‬
‫أنت‬
‫اآلن أصبحيت حمرمة عليه حىت تنكحي زوجاً غريه‪.‬‬
‫وأان من هنا أنبه اي إخوة – خاصة يف موضوع الطالق – اي طالب‬
‫العلم‪ ،‬عليكم ابالستفصال‪ :‬كثري من الناس اآلن يتساهلون يف طرح مسائل‬
‫الطالق على الشيوخ من أجل أخذ فتوى‪ ،‬على قاعدة ضعها يف رقبة عاِل‬
‫واخرج ساِل‪.‬‬
‫فيأتون بدون أن يوضحوا املسألة‪ ،‬واملسألة من اخلطورة مبكان‪.‬‬
‫‪|103‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يف الفتوى‪ :‬أوالً‪ :‬ال بد أن تتعلم اإلنصات‪ ،‬دع السائل يتكلم حىت‬
‫ينتهي‪ ،‬وإايك أن تبادر ابلفهم‪ ،‬إال أن تشرح له املقصود فيوافقك‪.‬‬
‫بعض الناس مبجرد ما يقول السائل كذا‪ ،‬يقول له‪ :‬نعم نعم جيوز!‬
‫طيب قد أيتيك شيء يف الكالم‪ ،‬إال أن يقول له‪ :‬قصدك كذا وكذا‬
‫وكذا؟ فيقول نعم‪ ،‬فيقول‪ :‬هذا جيوز‪ ،‬أو هذا ال جيوز‪.‬‬
‫الشاهد‪ :‬مرة كنت يف االفتاء فاتصل رجل يسأل عن مسألة تتعلق‬
‫ابلرجعة‪ ،‬هل يلزم دفع املهر املعروف املعتاد وإال ال يلزم؟ هو قد طلقها حىت‬
‫وضعت‪ ،‬يعين‪ :‬خرجت من العدة‪ ،‬فاتصل أبحد األشياخ فقال له اعقد‬
‫وجئت أان بعده على اهلاتف‪ ،‬فاتصل‬
‫عليها عقداً جديداً‪ ،‬وذهب الشيخ‬
‫ُ‬
‫نفس الرجل! كان عنده إشكال يف املهر‪ ،‬فقلت له‪ :‬اي أخي‪ ،‬كيف وقع‬
‫الطالق؟ هل هذه الطلقة األوىل؟ قال‪ :‬ال‪ ،‬قال أان طلقتها مرة‪ ،‬وطلقتها‬
‫مرة‪ ،‬متفرقات‪ ،‬وهذه الثالثة طلقتها‪ ،‬وكانت حامالً فوضعت احلمل‪ ،‬فـر ّق‬
‫قليب من أجل املولود فأريد أن أرجعها! فقلت له‪ :‬اي أخي ما جيوز أن‬
‫تُرجعها‪ ،‬هذه ثالث! حىت تنكح زوجاً غريك‪ ،‬قال اي شيخ حرام عليك! أان‬
‫سألت الشيخ الذي قبلك وقال اعقد عقداً جديداً‪ ،‬قلت‪ :‬أنت ما قلت له‬
‫أنك طلقت ثالاثً‪ ،‬أنت قلت له‪ :‬كانت امرأيت حامالً فأوقعت عليها‬
‫الطالق وقد وضعت فماذا أصنع ألرجعها؟ قال‪ :‬اعقد عقداً جديداً‪ ،‬لكن‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪104‬‬
‫ما أخربته أنه وقع منك طالق سابق‪ ،‬وإن كان الشيخ أيضاً ينبغي أن‬
‫يستفصل‪ ،‬فإن الناس إما بقصد وإما جبهل يُغفلون بعض هذه األمور]‪.‬‬
‫الشاهد‪ :‬رجل طلق امرأته ثالاثً فال حتل له حىت تنكح زوجاً غريه‪ ،‬فجاء‬
‫رجل متربع وعقد عليها‪ ،‬وقصده أن حيللها لزوجها‪ ،‬ليس هناك اتفاق وال‬
‫تلفظ‪ ،‬ولكنه عقد بقصد التحليل‪ ،‬فإن هذا العقد ال يصح‪ ،‬وال يرتتب عليه‬
‫التحليل‪ ،‬ولذلك يقول العلماء‪ :‬ال بد أن يتزوجها زواج رغبة فيها‪ ،‬وأن‬
‫يطلقها طالق رغبة عنها‪ ،‬حىت يصح التحليل‪ ،‬وإذا حصل هذا حيصل‬
‫التحليل‪ ،‬فالقصود مؤثرة يف العقود‪.‬‬
‫ومن ذلك‪:‬‬
‫بيع اهلامزل‪.‬‬
‫اهلازل ال يقصد البيع وإمنا ميزح‪.‬‬
‫شخص قال آلخر ومها يتمازحان وظاهر حاهلما املزاح‪ :‬بعتك سياريت‬
‫هذه خبمسة آالف‪ ،‬السيارة تسوى مئة ألف‪ ،‬لكن ميزح مع صديقه قال‪:‬‬
‫بعتك سياريت خبمسة آالف‪ ،‬قال‪ :‬قبلت‪ .‬مث بعد ذلك قام الصديق وقال‪:‬‬
‫قد وقع اإلجياب والقبول وأان أريد السيارة وهذه مخسة آالف‪ ،‬قال‪ :‬وهللا‬
‫‪|105‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أمزح‪ ،‬أان هازل ما قصدت البيع‪ ،‬وال أريد البيع‪ ،‬وأنت تعرف حنن منزح‪،‬‬
‫قال‪ :‬ال‪ ،‬وقع اإلجياب والقبول وتفرقنا من اجمللس فلزم العقد‪.‬‬
‫نقول‪ :‬إن علمنا ابلقرائن أنه ال يقصد البيع بل كان هازال؛ فإن البيع ال‬
‫ينعقد على الصحيح‪ ،‬يدل على ذلك أن النيب ﷺ قال‪ :‬ثالث جدهن جد‬
‫وهزهلن جد النكاح والطالق والعتاق‪ ،)1(‬فهذه األمور الثالثة جدهن جد‬
‫وهزهلن جد‪ .‬فدل ذلك على أن غريها ليس مثلها‪ ،‬فهزله ال يكون جداً‪،‬‬
‫جدا ويكون القصد مؤثرا يف العقود‪.‬‬
‫فاهلزل يف البيوع إذا ثبت ال يكون ً‬
‫أيضاً من صور القاعدة ما يسمى عند الفقهاء بـ‪:‬‬
‫بيع التلجية‪.‬‬
‫يعين البيع الذي يكون اإلنسان مضطرا له‪ ،‬يعين‪ :‬إنسان ميلك بيتا‪ ،‬وأراد‬
‫ظاِل أن أيخذ بيته وهو قادر عليه‪ ،‬فذهب إىل رجل ذي سلطان يف البلد‬
‫وقوة وشوكة فقال له‪ :‬اي أخي‪ ،‬فالن يريد أن أيخذ بييت وأان ضعيف‪ ،‬فأان‬
‫سأظهر أ‪،‬ي بعتك البيت حىت ال يتسلط علي هذا الظاِل‪ ،‬فجاء فقال له‪:‬‬
‫بعتك بييت مبئة ألف‪ ،‬وقال‪ :‬قبلت‪ .‬وقع اإلجياب والقبول‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه أبو داود والرتمذي وابن ماجه‪.‬‬
‫| ‪106‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫هذا يسمى عند الفقهاء ببيع التلجئة‪ ،‬ألنه اإلنسان ليس خمتارا له‪ ،‬وهو‬
‫ال يريد أن يبيع ولكنه ملجأ إليه ليسلم من ظلم الظاِل‪.‬‬
‫فبيع التلجئة عند اجلمهور ال ينعقد‪ .‬ألن البائع ِل يقصد البيع‪ ،‬وإمنا قصد‬
‫التخلص فال يكون البيع منعقدا‪.‬‬
‫***‬
‫‪|107‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الدرس الرابع‬
‫احلمد هلل رب العاملني والصالة والسالم األمتان األكمالن عن املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬أما بعد‪،،،‬‬
‫كنا ‪-‬أيها األخوة‪ -‬يف قاعدة "أن القصود مؤثرة يف العقود"‪ ،‬وأشران‬
‫كثريا عند الناس؛ ال سيما يف هذا الزمان وهي‬
‫إىل مسألة بقيت فيها تقع ً‬
‫مسألة‪ :‬بيع التقسيط من أجل املال‪.‬‬
‫وصورهتا‪:‬‬
‫حمتاجا إىل املال‪ ،‬فيشرتي سلعة ليس قصده اقتناءها‬
‫أن يكون اإلنسان ً‬
‫وإمنا قصده أن يبيعها ليحصل على املال‪ ،‬فقصده يف احلقيقة هو املال وليس‬
‫السلعة‪ ،‬فهل جيوز للنسان أن يشرتي سلعة ابلتقسيط من أجل أن يبيعها‬
‫حالّة ليحصل على الثمن؟‬
‫نقول‪ :‬عند مجهور أهل العلم‪ :‬جيوز هذا البيع؛ ألن هذا القصد ليس‬
‫فاسدا‪ ،‬بل هو قصد مباح‪ -‬قصد اإلنسان أن حيصل على املال‪-‬‬
‫قصدا ً‬
‫ً‬
‫ليس قصده أن يتحيّل على الراب‪ ،‬وليس قصده أن يعطي هذا وأيخذ منه‬
‫كما سنذكر يف بعض الصور؛ وإمنا قصده أن حيصل على املال وهذا قصد‬
‫مباح‪ .‬أال جيوز للنسان أن يشرتي سلعة من أجل أن يبيعها وحيصل على‬
‫املال؟ جيوز هذا األصل يف البيوع؛ فهذا القصد ليس بفاسد فال يؤثر‬
‫ابلعقد‪ ،‬لكن يشرتط هلذا شروط‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪108‬‬
‫الشرط األول‪ :‬أن ال يبيع السلعة ملن اشرتاها منه أصالة أو بواسطة‪.‬‬
‫مبعىن‪ :‬ال جيوز للنسان أن أييت لصاحب معرض ويشرتي منه سيارة‬
‫ابلتقسيط بثمن‪ ،‬مث يبيعه نفس السيارة بثمن حاضر؛ ألن هذه هي العينة‬
‫احملرمة‪ ،‬فهذا ينتبه إليه‪.‬‬
‫الشرط الثاين‪ :‬أن تكون السلعة معلومة للمشرتي مقصودة وإن كان‬
‫يقصد املال‪.‬‬
‫مبعىن‪ :‬ال بد أن يعرف ما الذي يشرتيه؛ أما ما يفعله بعض الناس اآلن!‬
‫وجيرون له عملية متويل ما يدري ما‬
‫يذهب إىل البنك ويقول‪ :‬أريد متويل‪ُ ،‬‬
‫الذي اشرتاه‪ .‬أيتينا بعض الناس؛ أقول له‪ :‬ما هي السلعة؟ يقول‪ :‬ما أدري‬
‫يقولون أرز‪ ،‬حديد‪ ..‬إذن السلعة ِل تكن مقصودة وال يف احلسبان! وهذا ال‬
‫معلوما‪ .‬هذا بيع؛ فشرط أن يكون املبيع الذي‬
‫جيوز‪ ،‬ال بد أن يكون املبيع ً‬
‫معلوما‪ ،‬أنه يشرتي أرز‪ ،‬يشرتي حديد‪ ،‬يشرتي كذا‪.‬‬
‫يشرتيه ً‬
‫الشرط الثالث‪ :‬أن يعلم أن البنك ميلك هذه السلعة أو أن البائع ميلك‬
‫هذه السلعة‪.‬‬
‫والعلم‪ :‬إما أن يكون ابلرؤية‪ ،‬وإما يكون ابخلرب‪ ،‬فبالرؤية‪ :‬تذهب إىل‬
‫املعرض وترى السيارات‪ ،‬مملوكة للبائع أو مملوكة للبنك؛ أو ابخلرب‪ :‬خيربك‬
‫الرجل الذي يبيع سواء كان بنك أو غري بنك أنه ميلكها‪.‬‬
‫‪|109‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الرؤية ال إشكال فيها‪ ،‬يبقى مسألة اخلرب‪ :‬اخلرب ال جيوز قبوله إال من ثقة؛‬
‫وعليه ‪-‬فالذي يظهر لنا وهللا أعلم‪ -‬أنه ال جيوز اعتماد أخبار البنوك الربوية‬
‫يف هذا‪ ،‬ألن البنوك الربوية سقطت ثقتها بتعاملها ابلراب‪ ،‬فإذا قال البنك‬
‫حديدا يف دولة كذا أو بالتينيوم يف دولة كذا أو أ ًرزا يف‬
‫الربوي‪ :‬حنن منلك ً‬
‫دولة كذا؛ فال يكفي هذا يف معرفة امللك؛ بل إما أن نرى األوراق الرمسية‬
‫اليت تدل على امللك أو نرى السلعة‪.‬‬
‫وهذه املسألة من األمهية مبكان؛ ألن البنوك الربوية تكذب على الناس‬
‫تقول‪ :‬نبيعك حديد‪ .‬أين هذا احلديد؟ يف البحرين‪ ..‬يف فرنسا؛ وهم ال‬
‫ميلكون شيئًا؛ لكن يعرفون أن املشرتي ال يستطيع أن يذهب إىل البحرين‬
‫لريى أو يذهب إىل كذا؛ فيكذبون على الناس‪ ،‬وال جيوز االعتماد على‬
‫خربهم لسقوط الثقة فيهم‪.‬‬
‫مرة ُسئلت عن هذه املسألة؛ قالوا‪ :‬ظهر عندان يف السعودية معاملة‬
‫حديد يف البحرين ابلبنوك الربوية ‪ -‬كل البنوك الربوية تبيع للناس احلديد‬
‫ابلبحرين‪ -‬وقلت وهللا لو كان هذا احلديد يف البحرين كانت تغرق البحرين؛‬
‫لكنهم يكذبون على الناس؛ ألن مقصودهم املال‪.‬‬
‫كذلك من ِل يكن متعامالً ابلراب؛ لكن ُجرب عليه التساهل‪ ،‬مثل‪ :‬بعض‬
‫فروع البنوك اإلسالمية أو بعض الشخصيات‪ ،‬جرب وعُرف عنه أنه يتساهل‬
‫هبذا الباب؛ فال جيوز االعتماد على خربه؛ بل ال بد من املعاينة‪ ،‬معاينة‬
‫العني أو معاينة األوراق اليت تدل على اململك‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪110‬‬
‫الشرط الرابع‪ :‬أن ال يُوّكمل البنك الربوي يف بيعها؛ بل ال بد أن يبيعها‬
‫بنفسه أو بوكيل له‪.‬‬
‫بعض الناس ‪-‬مثالً اآلن‪ -‬يشرتي من البنك الربوي ويُوّكمل نفس البنك‬
‫يف أن يبيعه؛ وهذا ال جيوز؛ ألن هذه البنوك ال تبايل يف احلالل واحلرام‬
‫وتبيعها لنفسها؛ فال بد أن يبيعها اإلنسان بنفسه أو بوكيل منه من طريقه‪.‬‬
‫كذلك إذا كانت اجلهة أو الشخص ال يتعامل ابلراب؛ لكن ثبت ابلتجربة‬
‫أنه يتساهل هبذا الباب وال يبايل‪ ،‬فال جيوز توكيله‪ ،‬وقد كان بعض املشايخ‬
‫مما يفتون ابملعامالت املعاصرة؛ يفتون جبواز توكيل البنك وكنا نراجعهم يف‬
‫هذا؛ ونقول‪ :‬إن القاعدة الشرعية تقتضي أنه ال جيوز؛ ألنه ال جيوز االعتماد‬
‫شرعا‪ ،‬وكانوا يقولون‪ :‬ال‪ ،‬فلما جربوا‬
‫على كالمهم؛ ألن الثقة ساقطة فيهم ً‬
‫ورأوا الواقع؛ رجعوا إىل الفتوى أبنه ال جيوز توكيل البنوك الربوية ببيع السلعة‪،‬‬
‫بل ال بد أن يتوالها اإلنسان بنفسه أو يوكل من طرفه من يبيع هذه السلعة‪.‬‬
‫هذه ابجلملة املسألة اليت أحببت أن أشري إليها يف هناية هذه القاعدة‬
‫وهي قاعدة‪" :‬القصود مؤثرة يف العقود"‪.‬‬
‫ننتقل إىل نقطة أشري إليها مبسألة القصود‪ ،‬ألنه قد يقول القائل‪ :‬اي شيخ‬
‫القصد يف القلب؛ فكيف حنكم عليه؟‬
‫نقول‪ :‬ال خيلو احلال من أمرين‪:‬‬
‫‪|111‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ األمر األول‪ :‬أن يظهر لنا قصده الفاسد‪ ،‬بتصرحيه‪ ،‬أو بداللة حاله‪،‬‬‫وهنا حنكم عليه يف الظاهر مبا ظهر لنا‪.‬‬
‫ األمر الثا‪،‬ي‪ :‬أن ال يظهر لنا قصده‪ ،‬وهنا نُديمّنُه‪ ،‬ومعىن نُديمّنُه؟ حنكم‬‫على العقد بظاهره وهو أنه صحيح‪ ،‬ونُديّنه فنخربه عند الريبة أنه إذا كان‬
‫يقصد كذا؛ فإن العقد ال يصح بينه وبني هللا داينة‪.‬‬
‫وهذا معىن قول بعض الفقهاء‪" :‬يصح قضاء ال داينة"‪" ،‬يصح قضاء"‪:‬‬
‫حكما‪" ،‬ال داينة"‪ :‬يعين ليس فيما بينه وبني هللا سبحانه وتعاىل‪ ،‬وهذه‬
‫يعين ً‬
‫القاعدة حقيقةً أكثر من بـيّنها وتكلم عنها واعتىن هبا؛ شيخا اإلسالم ابن‬
‫تيمية وابن القيم‪ ،‬فقد ذكراها يف عدد من املواطن وبينا الشواهد الشرعية هلا‪.‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪112‬‬
‫القاعدة الرابعة‪" :‬إمنا البيع عن تراض"‬
‫صاغها شيخ اإلسالم ابن تيميه ‪-‬رمحه هللا‪ -‬بقوله‪" :‬األصل يف العقود‬
‫رضا الطرفني"‪.‬‬
‫وهذه القاعدة تدل على أعظم شروط صحة البيع؛ وهو الرتاضي بني‬
‫الطرفني‪.‬‬
‫ملاذا نقول إن الرتاضي بني الطرفني أعظم شروط صحة البيع؟ ألن‬
‫النصوص نصت عليه‪ ،‬بل جاء يف بعضها احلصر؛ وهذا يدل على معظم هذا‬
‫الشرط؛ فال بد يف عقد البيع من تراضي الطرفني إال ما استثين مما سنشري‬
‫إليه إن شاء هللا‪.‬‬
‫والرضا يؤثر يف عقد البيع من جهتني‪:‬‬
‫اجلهة األوىل‪ :‬من جهة انعقاد البيع‪:‬‬
‫فينعقد البيع على ما تراضيا عليه؛ فال جيوز ألحدمها أن خيدع اآلخر؛‬
‫فالعقد إمنا ينعقد على ما وقع عليه الرضا‪.‬‬
‫جدا يف هذا الباب وهو‪" :‬أن احلكم يف‬
‫وهنا أنبه إىل قاعدة شريفة ً‬
‫املعامالت بني طرفني على الظاهر‪ ،‬وال ينفع اإلنسان أن يـوري فيها"‪.‬‬
‫أصل هذا قول النيب ﷺ‪ :‬ميينك على ما يصدقك به صاحبك‪.)1(‬‬
‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫‪|113‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ويذكر‬
‫فورى واحد مبعىن يقصده يف قلبه‬
‫فإذا كانت املعاملة بني طرفني ّ‬
‫ُ‬
‫لفظًا يوهم اآلخر خالفه؛ فإن هذا ال ينفعه‪.‬‬
‫أرضا له وأنه‬
‫وأعطيكم مثاالً للمعاملة يف غري البيوع‪ :‬إنسان ادعى أن ً‬
‫ورثها من أبيه‪ ،‬وخاصمه آخر قال‪ :‬األرض لنا‪ ،‬واألرض عندان‪ ،‬هذه أرضنا‬
‫ادعى أهنا أرضه‪ .‬قيل للمدعي‪ :‬هات البينة‪ ،‬قال‪ :‬ما عندي البينة‪ ،‬قيل‬
‫للمدعى عليه‪ :‬احلف أن هذه األرض لك وأنك ورثتها من أبيك‪ ،‬فلبس‬
‫حذاءً قد ورثه من أبيه‪ ،‬وقال‪ :‬وهللا إن ما حتت قدمي ملك يل ورثته من‬
‫أيب‪ .‬السامع يظن أنه يقصد األرض وهو يقصد احلذاء؛ هذا ال ينفعه بشيء‬
‫فهو حلف على األرض‪.‬‬
‫كالما يوهم املشرتي أو الطرف‬
‫ففي البيوع ال ينفع أحد الطرفني أن يذكر ً‬
‫الثا‪،‬ي معىن غري املعىن الذي يريده‪ ،‬هذا ينبغي أن يتنبه له؛ ال بد من الصدق‬
‫والبيان؛ فالبيع ينعقد على ما تراضيا عليه يف الظاهر‪.‬‬
‫واجلهة الثانية‪ :‬من جهة ما يرتتب على العقد وآاثر العقد‪:‬‬
‫ب على العقد ما ِل مينع منه الشارع‪ ،‬فإذا‬
‫فما تراضيا عليه من اآلاثر يـُرت ُ‬
‫تراضيا على تأخري القبض‪ ،‬قال مثالً‪ :‬أبيعك بييت مبئة ألف بشرط أن أسكنه‬
‫شهرا‪ ،‬أسلمك البيت بعد شهر‪ .‬وقال‪ :‬قبلت‪ ،‬يرتتب على هذا أنه ال يلزم‬
‫البائع أن يسلمه البيت إال بعد شهر‪ ،‬ألن هذا هو الذي تراضيا عليه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪114‬‬
‫إذن أثر الرضا‪ :‬يظهر يف ما ينعقد عليه العقد‪ ،‬ينعقد على ما تراضيا عليه‬
‫أيضا يف‬
‫على هذه السيارة‪ ،‬على هذه األرض‪ ،‬على هذا البيت‪ ،‬ويظهر ً‬
‫اآلاثر املرتتبة على العقد‪.‬‬
‫فترتتب حبسب ما تراضيا عليه بشرط‪:‬‬
‫‪ -1‬الشرط األول‪ :‬أن ال يرتاضيا على حمرم‪ ،‬فإن تراضي على حمرم فال‬
‫عربة برضامها؛ ألن العربة ابلشرع‪ ،‬لو تراضيا على بيع الذهب ابلذهب‬
‫متفاضالً؛ قال‪ :‬أان راضي وهو راضي! والبيع يقع عن الرضا! نقول‪ :‬ال‪ ،‬هذا‬
‫حمرم‪ ،‬وقد تراضيتما على حمرم فال جيوز‪ ،‬أو مثالً‪ :‬يرتاضيان على شراء سيارة‬
‫ِل ميلكها البائع ويقولون قد وقع الرضا‪ ،‬نقول‪ :‬ال‪ ،‬هذا الرضا وقع على حمرم‬
‫فال جيوز‪.‬‬
‫‪ -2‬الشرط الثاين‪ :‬أال يكون الرتاضي منافيًا ملقصود العقد‪ :‬مقصود‬
‫العقد يعين املقصود األعظم من العقد‪ ،‬أو ما يسميه علماء املقاصد‬
‫"املقاصد األصلية للعقد"‪ ،‬فإذا كان الرتاضي على ما ينايف مقصود العقد فال‬
‫يصح‪ ،‬مثال ذلك‪ :‬قال‪ :‬أبيعك البيت بشرط أال تتصرف فيه؛ وقال‪ :‬قبلت!‬
‫من أعظم مقاصد البيع أن يتصرف اإلنسان يف السلعة‪ ،‬يبيع‪ ،‬يهب‪،‬‬
‫يهدي‪ ،‬يؤجر‪ ،...‬فهذا منايف ملقصود العقد؛ فإذا تراضي على ما ينايف‬
‫مقصود العقد؛ فإن هذا ال يصح‪.‬‬
‫من الصور الذي يذكرها الفقهاء ‪ -‬وهذا من ابب التقريب وإن ِل تكن‬
‫يف البيوع – يقولون‪ :‬لو زوجه بشرط أال جيامعها! هذا جيعل النكاح كأن ِل‬
‫‪|115‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يكن؛ فهذا ينايف مقصود العقد؛ فالرتاضي على ما ينايف مقصود العقد ممنوع‬
‫شرعا‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -3‬الشرط الثالث‪ :‬أن ال يوجد سبب شرعي إللغاء الرضا‪ ،‬فإذا وجد‬
‫سبب شرعي إللغاء الرضا ال نلتفت إىل الرضا‪ ،‬إنسان عليه ديون ومماطل ال‬
‫يسدد الناس وعنده أر ٍ‬
‫اض‪ ،‬فأجربه السلطان أو القاضي على بيع بعض ما‬
‫ميلك لتسديد ديونه أو ابعها عليه؛ فهنا البيع صحيح عند اجلمهور وهو‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫ملاذا؟ ألنه وجد سبب شرعي هنا إلهدار رضاه توفية حلقوق الناس‪.‬‬
‫كذلك لو امتنع التاجر عن بيع سلعة حيتاجها الناس فباعها السلطان‬
‫عليه‪ ،‬أخرجها السلطان من خمازنه وابعها‪ ،‬هو غري راضي ابلبيع؛ لكن هنا‬
‫وجد سبب شرعي إلهدار رضاه؛ ألنه حمتكر‪ ،‬وال حيتكر إال خاطئ؛‬
‫فللسلطان أن يبيع عليه وال يلتفت إىل رضاه‪.‬‬
‫[أدلة القاعدة]‪:‬‬
‫َ َ ُّ َ ذ‬
‫ٱَّلينَ‬
‫وقد دل على هذه القاعدة أدلة منها قول هللا عز وجل‪َٰٓ ﴿ :‬‬
‫يأيها ِ‬
‫ۡ‬
‫ذ ٓ َ َ ُ َ َ َٰ َ ً َ‬
‫َ َ ُ ْ َ َ ۡ ُ ُ ٓ ْ َ ۡ َ َٰ َ ُ َ ۡ َ ُ‬
‫َ‬
‫َٰ‬
‫ءامنوا َل تأكلوا أمولكم بينكم بِٱلب ِط ِل إَِل أن تكون ت ِجرة عن‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِنك ۡم﴾ [النساء‪]29:‬؛ فنهى هللا عز وجل املؤمنني أن أيكلوا أمواهلم‬
‫ت َراض م‬
‫بينهم ابلباطل‪ ،‬واستثىن من ذلك التجارة بشرط أن تكون عن تراض؛ فدل‬
‫ذلك على أن التجارة ال بد فيها من تراضي‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪116‬‬
‫أيضا قول النيب ﷺ‪ :‬إمنا البيع عن تر م‬
‫اض‪ ‬رواه ابن ماجه‬
‫ومن ذلك ً‬
‫وابن حبان واُختلف يف إسناده‪ ،‬وحقق شيخ األلبا‪،‬ي ‪-‬رحم هللا اجلميع‪ -‬أن‬
‫احلديث صحيح‪ ،‬فالنيب ﷺ هنا حصر البيع يف الرتاضي؛ ألن (إمنا) أداة‬
‫حصر؛ فحصر النيب ﷺ البيع يف الرتاضي؛ فدل ذلك على أنه ال بد من‬
‫الرضا‪.‬‬
‫كذلك من األدلة قول النيب ﷺ‪ :‬ال حيل مال امرئ مسلم إال ٍ‬
‫بطيبة من‬
‫نفسه‪ ‬وهذا احلديث رواه اإلمام أمحد وغريه‪ ،‬واختُلف يف إسناده‪ ،‬وإسناد‬
‫األمام أمحد يف املسند فيه ضعف إال أن له شواهد؛ فالذي يظهر ‪-‬وهللا‬
‫أعلم‪ -‬أنه حسن؛ فدل احلديث على أنه ال حيل أكل مال امرئ مسلم إال‬
‫برضاه‪.‬‬
‫كيف يعرف الرضا؟‬
‫يُعرف أنه رضي ابللفظ الصريح‪ ،‬وكذلك ابلسكوت يف مقام احلاجة إىل‬
‫البيان؛ ألن السكوت يف مقام احلاجة إىل البيان بيان‪.‬‬
‫أعطيكم مثاالً‪ :‬أحدكم أخذ سياريت وذهب هبا إىل السوق وابعها؛ هذا‬
‫بيع الفضويل‪ ،‬ما قال يل وال أان وكلته؛ أخذ سياريت‪ ..‬ذهب إىل السوق‪..‬‬
‫ابعها‪ ،‬فجاء شخص دفع مبلغًا طيبًا فباعها مث جاء‪،‬ي ابلثمن؛ وقال‪ :‬اي‬
‫وسكت‪،‬‬
‫أخذت الثمن‬
‫فالن أان وجدت فرصة وبعت السيارة وهذا الثمن‪،‬‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫هذا يدل على الرضا؛ أل‪،‬ي لو ِل أكن راضياً ألبيت وملا سكت‪.‬‬
‫‪|117‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ومن هذا حديث عروة بن أيب اجلعد البارقي (‪ :)1‬حيث أعطاه النيب ﷺ‬
‫دينارا ليشرتي له شاة‪ ،‬يعين‪ :‬وكله النيب ﷺ يف شراء شاة بدينار؛ فذهب‬
‫ً‬
‫عروة ‪ ‬إىل السوق؛ فاشرتى شاتني بدينار وابع إحدامها بدينار‪ ،‬فجاء إىل‬
‫النيب ﷺ بشاة ودينار ‪-‬هنا الحظوا‪ -‬النيب ﷺ وكل عروة ‪ ‬يف أن يشرتي‬
‫شاة واحدة؛ فذهب واشرتى شاتني وابع الشاة‪ ،‬النيب ﷺ ما وكله ليبيع‬
‫الشاة فباع شا ًة‪ ،‬املالك من؟ النيب ﷺ؛ فباع شاة بدينار؛ فجاء إىل النيب‬
‫ﷺ بدينار وشاة‪ ،‬فدعا له النيب ﷺ ابلربكة يف بيعه؛ فدل هذا على رضا‬
‫النيب ﷺ ابلبيع‪ ،‬وإمضاء النيب ﷺ للبيع‪.‬‬
‫إذن يدل على الرضا التصريح‪ ،‬ويدل على الرضا السكوت‪ ،‬أو ما يقوله‬
‫الفقهاء "داللة احلال"‪ ،‬أن حال اإلنسان تدل على الرضا‪.‬‬
‫ويدل على الرضا العُرف‪ ،‬العرف‪ :‬مما يدل على الرضا‪ ،‬مثالً إذا وضعت‬
‫فاكهة يف اجمللس‪ ،‬يف العرف أهنا توضع للضيوف وأيكل منها الضيوف‪ ،‬إذا‬
‫وضعت هذه الفاكهة يف اجمللس هذا يدل على اإلذن يف األكل منها‪ ،‬ما‬
‫حيتاج أن يقول الضيف‪ :‬عن إذنك‪ ،‬أو ينتظر اإلذن‪ ،‬إال إذا جرت عادة‬
‫وعرف هبذا أن الضيف ال أيكل إال إذا قيل له كل فيعرف الرضا هبذا‪.‬‬
‫ما هي أركان الرضا؟‬
‫أركان الرضا كما يقول الفقهاء‪ :‬العلم واالختيار‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه أمحد وأبو داود والرتمذي وابن ماجه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪118‬‬
‫ الركن األول‪ :‬العلم‪ :‬الرضا فرع العلم‪ ،‬فمن ال يعلم ال يقال أنه‬‫رضي‪ .‬رجل أعجم ال يعرف العربية جاء ومعه السلعة فقابله رجل عريب؛‬
‫وقال‪ :‬اشرتي منك هذه السلعة مبئة‪ ،‬أبلف‪ ،‬وهذا ال يدري ما يقول وهز‬
‫رأسه كأنه طيب‪ ،‬هذا ما رضي ألنه ما علم‪ ،‬الرضا فرع العلم؛ فال بد من‬
‫العلم ابلبيع حىت نقول إنه حصل الرضا‪.‬‬
‫خمتارا‪ ،‬الفقهاء يقولون‪:‬‬
‫ الركن الثاين االختيار‪ :‬أبن يكون اإلنسان ً‬‫"اإلكراه يُسقط الرضا" إنسان عنده سيارة طيبة‪ ،‬جاءه شخص قال‪ :‬بعين‬
‫سيارتك‪ ،‬قال‪ :‬ال‪ ،‬سياريت ال أبيعها‪ ،‬قال‪ :‬بعين سيارتك‪ ،‬قال‪ :‬سياريت ال‬
‫أبيعها ولو دفعت ما دفعت‪ ،‬قال‪ :‬طيب‪ ،‬ذهب إىل البيت وجاب املسدس‬
‫بعت؛ هنا عند مجهور‬
‫ووضعه على رأسه قال بعين سيارتك مبئة ألف؛ قال‪ُ :‬‬
‫أهل العلم‪ :‬ال ينعقد البيع؛ ألنه ال رضا‪ ،‬حىت لو أظهر القبول؛ فهنا ينعدم‬
‫الرضا‪.‬‬
‫طبعا فهمتم مما تقدم أن اإلكراه حبق يُسقط الرضا‪ :‬مبعىن ال نعترب الرضا‬
‫ً‬
‫هناك‪ ،‬إكراه احلاكم أو القاضي من عليه الديون على بيع بعض ماله ال‬
‫نقول إنه مبطل للعقد؛ ألن هذا يسقط اعتبار الرضا‪.‬‬
‫هناك مسألة يذكرها الفقهاء يف ابب البيوع وهي‪" :‬إذا أُكره اإلنسان‬
‫على شيء فاحتاج لبيع بعض ماله من أجل ذلك اإلكراه"‪.‬‬
‫انتبهوا! هنا اإلكراه ليس على البيع؛ اإلكراه على شيء آخر‪ ،‬لكنه ابع‬
‫من أجل ذلك اإلكراه؛ فهل هذا يبطل الرضا؟‬
‫‪|119‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يعين جاء ظاِل؛ وقال‪ :‬لرجل تأتيين مبائة ألف رايل اليوم أو أقتلك‪،‬‬
‫املسكني ما عنده مئة ألف‪ ،‬فذهب فباع بعض ملكه من أجل أن حيصل‬
‫هذه املئة ألف‪ ،‬فهل جيوز للمسلم الذي علم حباله أن يشرتي منه؟ ألنه يعلم‬
‫اآلن أنه لوال هذا اإلكراه ملا ابع‪ ،‬أو ال جيوز؟‬
‫انظروا إىل دقة الفقهاء‪ ،‬قال الفقهاء‪ :‬إذا علم املسلم أنه إذا ِل يشرتي‬
‫البيت منه أو السلعة منه اندفع اإلكراه فإنه ال جيوز له أن يشرتيه‪ ،‬إذا علم‬
‫ٍ‬
‫بداللة ما أنه إذا ِل يش مرت السلعة منه يندفع اإلكراه؛ ِل يفعل ذلك ما هدد‬
‫به؛ فإنه ال جيوز له أن يشرتي السلعة منه‪.‬‬
‫أما إذا ِل يعلم ذلك فقال كثري من أهل العلم‪ :‬يكره له أن يشرتيه ويصح‪.‬‬
‫ملاذا يكره؟‬
‫قالوا‪ :‬ألن املسلم يُستحب له أن يعني أخاه على دفع هذا اإلكراه بدون‬
‫أن حيوجه إىل بيع ماله‪ ،‬ما دام أن عندك املبلغ فيستحب لك أن تعطي‬
‫مكروها؛‬
‫قرضا أو حنو ذلك لتدفع عنه اإلكراه‪ ،‬فيكون البيع إذ ذاك‬
‫ألخيك ً‬
‫ً‬
‫ألنه يقع موقع املستحب‪ ،‬لكن العقد صحيح‪.‬‬
‫غدا‬
‫هذه املسألة متعلقة مبسألة الرضا‪ .‬لعلنا نقف عند هذه النقطة ونعود ً‬
‫للقواعد‪..‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪120‬‬
‫اإلجابة على األسيلة‪:‬‬
‫السؤال األول‪ :‬نرجو منكم التكرم بتوضيح ماهية الشركات املختلطة‬
‫بشكل أكرب؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫الشركات املختلطة ‪-‬ما دام أن السؤال أراد التفصيل‪ -‬بعض الفقهاء‬
‫املعاصرين الذين يفتون يف املعامالت؛ يرون أن الشركات املختلطة هي‪ :‬اليت‬
‫حمرما؛ وهذا يف رأيي ‪-‬وهللا أعلم‪-‬‬
‫مباحا وبعض عملها ً‬
‫يكون بعض عملها ً‬
‫مرجوح‪ ،‬فإن مثل هذه الشركات من الشركات احملرمة‪ ،‬أما الشركات املختلطة‬
‫مباحا ليس فيه حرام‪،‬‬
‫مباحا كله‪ ،‬ويكون نظامها ً‬
‫فهي‪ :‬اليت يكون عملها ً‬
‫ولكن يقع الغلط يف اإلدارة؛ فتأيت اإلدارة فتقرتض ابلراب [مثالً]‪ :‬اإلنسان‬
‫اشرتى األسهم على العمل والنظام؛ فجاءت اإلدارة واشرتت أو اقرتضت‬
‫ابلراب‪ ،‬فهنا يف هذه احلال نقول‪ :‬هذه الشركة تصبح خمتلطة‪ ،‬األحسن البُعد‬
‫عنها‪ ،‬ومن اشرتى فيها يبيع ويتخلص منها‪ ،‬وأال يدخل فيها؛ لكن هل لو‬
‫اشرتى يكون آمثا؟ اجلواب‪ :‬ال؛ ال يكون آمثا يف مثل هذه الشركات‪.‬‬
‫السؤال الثاين‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬تعامل النيب ﷺ مع اليهود ‪-‬ومعلوم‬
‫السحت‪ -‬أال يُستدل هبذا على جواز التعامل مع‬
‫حال اليهود أهنم أهل ُ‬
‫الشركات اليت فيها نسبة حمرمة؟‬
‫‪|121‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫الحظ أوالً أننا نتكلم ‪-‬ابرك هللا فيك‪ -‬على أنك تكون شريكاً يف‬
‫الشركة ابألسهم؛ أما الذي تتكلم عنه فهو أن تتعامل مع الشركة اليت فيها‬
‫حالل وحرام يف جانب احلالل‪ ،‬مثل اآلن‪ :‬شركات االتصاالت يف كثري من‬
‫البلدان ال ختلوا من حرام‪ ،‬لكن أنت ال تتعامل معها يف احلرام؛ تتعامل معها‬
‫يف االتصاالت‪ ،‬هذا ال أبس به؛ النيب ﷺ ِل يشارك اليهود يف بيوعهم‬
‫الربوية‪ ،‬وِل يشرتي منهم ابلراب؛ لكن تعامل معهم فاشرتى منهم ﷺ ما هو‬
‫مباح بفعل مباح‪ ،‬فال ختلط ‪-‬اي أخي‪ -‬بني أن تشارك الشركة اليت فيها‬
‫حالل وحرام بشراء األسهم؛ وبني أن تتعامل مع الشركة اليت فيها حالل‬
‫وحرام فيما هو حالل؛ فسؤلك ‪-‬ابرك هللا فيك‪ -‬يتعلق ابلثا‪،‬ي‪ ،‬وكالمنا‬
‫ابألسهم يتعلق ابألول‪ ،‬وهو مشاركة هذه الشركات وأن يكون اإلنسان‬
‫شريكاً فيها‪.‬‬
‫السؤال الثالث‪ :‬حفظكم هللا‪ِ ،‬ل أفهم الفرق اجلوهري بني قاعدة‬
‫"القصود مؤثرة يف العقود" والقاعدة األخرى "أن العربة يف العقود ابملقاصد‬
‫واملعا‪،‬ي ال يف األلفاظ واملبا‪،‬ي"؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫كالمها متعلقتان ابملقاصد وما يف القلوب واملرادات‪ ،‬ولكن قاعدة‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪122‬‬
‫"هل العربة يف العقود ابأللفاظ واملبا‪،‬ي أو ابملقاصد واملعا‪،‬ي"؛ متعلقة‬
‫ابلصيغ اليت تنعقد هبا العقود‪.‬‬
‫وقاعدة "القصود مؤثرة يف العقود"؛ متعلقة أبثر القصد يف العقد‪ ،‬ليس يف‬
‫مسألة الصيغة واالنعقاد؛ وإمنا أثر قصد االنسان يف العقد‪.‬‬
‫فاألوىل‪ :‬متعلقة ابالنعقاد والصيغة؛ هل ينعقد على ما قصده اإلنسان أو‬
‫ينعقد على اللفظ؟‬
‫والثانية‪ :‬متعلقة أبثر القصد القليب يف العقود‪.‬‬
‫السؤال الرابع‪ :‬سددكم هللا‪ ،‬ما حكم تأجري االسم التجاري؛ كأن تكون‬
‫عندي مؤسسة‪ ،‬وأيتيين البعض فيشتغل حتت مسماي التجاري مقابل أُجرة‬
‫شهرية؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫هذا من ابب بيع املنفعة؛ وقد قلنا‪ :‬إن الصحيح من أقوال العلماء أنه‬
‫جيوز بيع املنفعة ولكن يشرتط هلذا شروط‪:‬‬
‫الشرط األول‪ :‬أال يكون ذلك خمالفاً لنظام ويل األمر يف البلد؛ فإن‬
‫أنظمة ويل األمر الـ ُمن مظّمة ملعامالت الناس؛ جيب فيها السمع والطاعة‪ ،‬وال‬
‫جتوز خمالفتها‪ ،‬فإذا كان نظام الدولة مينع من أن تعطي االسم التجاري ملن‬
‫يعمل به؛ فال جيوز لك ذلك‪ ،‬سواء كان ذلك ملواطن أو مقيم‪ ،‬وإذا كان‬
‫‪|123‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫نظام الدولة ُجييز ذلك مثالً للمواطن ومينع ذلك للمقيم؛ فيجوز للمواطن‬
‫وحيرم أن تفعل ذلك للمقيم؛ يعين أن ال يكون ذلك خمال ًفا لنظام البلد‪.‬‬
‫الشرط الثاين‪ :‬أن ال يكون يف ذلك غش للمسلمني؛ مبعىن أن ال تكون‬
‫العالمة التجارية لك موثوقاً هبا؛ فتعطيها ملن ال يوثق مبا أييت به‪[ .‬مثالً‪]:‬‬
‫عندك عالمة جتارية بسلعة؛ فتبيع حق االنتفاع هبا لشخص يضعها على‬
‫سلعة مشاهبة ولكنها أقل جودة؛ فهذا فيه غش للمسلمني‪ ،‬وال جيوز؛ فإذا‬
‫سلمت من هذه وهذه؛ فالصحيح جوازها‪.‬‬
‫السؤال اخلامس‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬ذكرمت أن البيع مبادلة مال مبال‪ ،‬أو‬
‫مال مبنفعة‪ ،‬أو منفعة مبال‪ ،‬مث قلتم املهم أن يكون طرف مال والطرف‬
‫اآلخر منفعة؛ السؤال‪ :‬إن كان هناك طرف منفعة واآلخر أيضا منفعة فهل‬
‫بيعا؟‬
‫يسمى ً‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬يعين املقصود‪ :‬أن يكون أحد الطرفني ماالً وأحد الطرفني منفعة؛ أو‬
‫أحد الطرفني ماالً وأحد طرفني ماالً‪ ،‬أو أحد طرفني منفعة وأحد الطرفني‬
‫منفعة؛ ولوال ضيق الوقت لبينت لكم أهنا تسع صور‪ ،‬لكن حنن نريد نغتنم‬
‫الوقت يف سرد القواعد‪.‬‬
‫السؤال السادس‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬ما حكم السحب من ماكينة‬
‫الصراف اآليل يف دولة أخرى‪ ،‬حيث إنه يتم خصم رسوم السحب؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪124‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫السحب ابملاكينة إذا كان يف البطاقة العادية؛ فهذا السحب واحد‪ ،‬يعين‪:‬‬
‫القيمة واحدة مهما سحبت من مبلغ؛ فما يؤخذ منك واحد‪ ،‬وهو أُجرة‪،‬‬
‫ألهنا معاملة فضائية‪ ،‬يعين‪ :‬ليست مثل معاملة يف البلد‪ ،‬املعاملة يف الدول‬
‫األخرى؛ تفرض عليها رسوم أعلى‪ ،‬ألن فيها اتصاالت وفيها كذا فهذا ال‬
‫أبس به‪.‬‬
‫منسواب إىل املبلغ‪ :‬إن سحبت ألف؛ عشرة‪ ..‬إن‬
‫أما إذا كان السحب‬
‫ً‬
‫سحبت عشرة آالف‪ ..‬فهي مثالً ثالثون‪ ،‬فهذا ال جيوز‪ ،‬ألنه إذ ذاك ال‬
‫يكون ذلك أجرة العمل وإمنا يكون مقابل املال‪ ،‬وهذا ال جيوز‪.‬‬
‫لكن املعمول به يف البطاقات العادية أن هذه أُجرة السحب؛ ألن األُجرة‬
‫يف خارج البلد ختتلف عن األُجرة يف داخل البلد من أجل اختالف‬
‫االتصاالت والتكلفة الفضائية‪ ،‬فهذا ال أبس به‪.‬‬
‫السؤال السابع‪ :‬هل جيوز لشخص أن أييت بعمال على كفالته‪ ،‬مث‬
‫ينشرهم يف البالد يف مهن خمتلفة‪ ،‬ال يعملون عنده‪ ،‬مقابل نسبة من املال‬
‫شهرية على راتبه يؤديها هلذا الكفيل؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫أوال نقول‪ :‬إن هذا األمر أول ما ينبغي أن ينظر إليه؛ هل نظام الدولة‬
‫يسمح هبذا أو مينع من هذا؛ فإن كان نظام الدولة مينع من هذا فال جيوز ملن‬
‫‪|125‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أخذ التأشريات أن يستعملها يف غري شرطها‪ ،‬وال جيوز أن يعمل اإلنسان إال‬
‫وفق النظام؛ فإن كان نظام الدولة جييز فال خيلو األمر من حالني‪:‬‬
‫احلالة األوىل‪ :‬أن يكون هلذا املال مقابل وهو الضمان‪ ،‬لو حصل شيء‬
‫يرتتب عليه هو الضمان‪ ،‬وهذا ‪-‬فيما ظهر يل وهللا أعلم‪ -‬أنه جيوز إذا كان‬
‫نظام الدولة ال مينع من ذلك ما ِل يكن فيه ظلم‪ ،‬بعض الناس يظلم العمال‬
‫ظلما بيّنا فيطلب منه ما ِل يستطيع أن حيصله يف يومه! فهذا ال جيوز‬
‫ً‬
‫والضرر مرفوع‪.‬‬
‫فإذا كان له مقابل وهو ما خيرجه عند الدولة من تسريح‪ ،‬وأنه املسؤول‬
‫أمام الدولة لو حصل شيء فيظهر يل وهللا أعلم اجلواز ما ِل يكن فيه ظلم‪.‬‬
‫[احلالة الثانية]‪ :‬أما إذا ِل يكن له مقابل؛ فهذا من ابب أكل أموال‬
‫الناس ابلباطل وال جيوز‪ ،‬فاإلنسان فقط يعيش على أكتاف هؤالء املساكني‬
‫بدون أن يتحمل شيئًا‪ ،‬هم يكدون! ويعطونه جزءًا مما حيصلون! فهذا ال‬
‫شرعا‪.‬‬
‫جيوز وهو من الظلم املمنوع ً‬
‫السؤال الثامن‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬هل يصح اخلُلو إذا كان البائع غري‬
‫مؤسس للمنفعة؛ كأن أيخذ احملالت أثناء اإلنشاء‪ ،‬مث يطلب اخللو مبجرد‬
‫الفراغ من البناء؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪126‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫على كل حال‪ ،‬إذا ملك اإلنسان منفعتها‪ ،‬وكانت هلا منفعة يرغب فيها‬
‫الناس فأخذ مقابل هذه املنفعة؛ فالصحيح أنه جيوز‪.‬‬
‫السؤال التاسع‪ :‬أحسن هللا إليك‪ ،‬هل يف فسخ العقد من طرف واحد‬
‫ماداي هل هذا حيرم؟‬
‫يف الشراكة‪ ،‬ووجد ضرر معنوي وليس ً‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال؛ الفسخ نفسه فيه ضرر‪ ،‬لكن مقصود الضرر املتعدي؛ فإذا كان‬
‫يرتتب عليه ضرر متعدي‪ ،‬فإنه ال جيوز فسخ الشركة حىت يندفع هذا الضرر‪.‬‬
‫السؤال العاشر‪ :‬هذا األخ يسأل عن اجلمعية اآلن منتشرة بني املوظفني؛‬
‫نفعا فهو راب" نرجو توضيح هذه‬
‫يقول‪ :‬هل هي من صور "كل قرض جر ً‬
‫املسألة؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫اجلمعية اليت تقع بني املوظفني أو غري املوظفني‪ ،‬حبيث جيمع أفراد ماالً‬
‫صرف لكل و ٍ‬
‫احد يف زمن معني‪ ،‬فأحدهم أيخذ يف شه ٍر‪ ،‬والثا‪،‬ي‬
‫معينا‪ ،‬يُ ُ‬
‫أيخذ يف شه ٍر آخر أو حنو ذلك‪.‬‬
‫اختلفت أنظار العلماء فيها‪:‬‬
‫نفعا‪.‬‬
‫فمن أهل العلم من قال‪ :‬إهنا حرام‪ ،‬ألهنا من ابب قرض جر ً‬
‫‪|127‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وأكثر أهل العلم يقولون‪ :‬إهنا جائزة‪ ،‬ألهنا تعاون على الرب والتقوى‪ ،‬وكل‬
‫واحد منهم يقصد الرفق بصاحبه وال يُقصد منها زايدة‪ ،‬يعين‪ :‬كل واحد‬
‫مقصوده أن يرفق بصاحبه حبيث جيمع املال؛ فيأخذه واحد منهم يف شهر‪.‬‬
‫نفعا؛ فإن هذه الصورة ال‬
‫ولو فرضنا أهنا من ابب القرض الذي جر ً‬
‫حترم؛ ألنه ها هنا يكون هناك تساوي؛ فكل واحد ينتفع بنفس املنفعة؛ وإمنا‬
‫نفعا ألن فيه زايدةً‪.‬‬
‫حيرم القرض الذي جير ً‬
‫نفعا؛ يرتتب عليه أن اإلنسان أيخذ زايدة فيكون راب‪.‬‬
‫القرض الذي جير ً‬
‫أما يف مثل هذه الصورة؛ هم عشرة‪ ،‬كل واحد أيخذ املال ومنفعة؛ والثا‪،‬ي‬
‫أيخذ املال ونفس املنفعة‪ ،‬فال زايدة؛ ولذلك ‪-‬الذي ظهر يل وهللا أعلم وقد‬
‫درست هذه املسألة طويالً‪ -‬أن هذه جائزة وال حرج فيها‪.‬‬
‫السؤال احلادي عشر‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬بعض البنوك اإلسالمية يف بيع‬
‫شهرا أو عدة‬
‫املراحبة والتقسيط جتعل شرط جزاء إذا تأخر عن السداد ً‬
‫أشهر‪ ،‬فهل هذا البيع صحيح؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫هذا غري صحيح‪ ،‬وهذا ال جيوز‪ ،‬وهذا جيعل الثمن غري مستقر‪ ،‬فإنه ال‬
‫يُدرى على ما يستقر الثمن‪ ،‬هل يستقر على ما ذُكر؟ أو يدفع؟ فهذا ال‬
‫جيوز‪.‬‬
‫| ‪128‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وإن أفىت بعضهم جبوازه؛ فهذا ال جيوز‪ ،‬وهو يف احلقيقة من صور البيعتني‬
‫يف بيعة‪ :‬إن سدد خالل مخس سنني؛ فاملبلغ بكذا‪ ،‬إن زاد على مخس سنني‬
‫فاملبلغ كذا‪ ،‬وهذه من صور البيعتني يف بيعة احملرمة فال جيوز هذا‪.‬‬
‫***‬
‫‪|129‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الدرس اخلامس‬
‫احلمد هللا رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة على العاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬أما بعد‪،،،‬‬
‫نعود إىل قواعد البيوع‪ ،‬وهذه القواعد من حفظها إن شاء هللا؛ تنضبط له‬
‫األصول الكلية لفقه البيوع‪ ،‬ويكون عنده ملكه يف ابب البيوع‪ ،‬ذكران منها‪:‬‬
‫القاعدة االوىل‪" :‬األصل يف البيوع اإلابحة"‪.‬‬
‫وذكران القاعدة الثانية‪" :‬العربة يف العقود للمقاصد واملعا‪،‬ي ال لأللفاظ‬
‫واملبا‪،‬ي"‪.‬‬
‫وذكران القاعدة الثالثة‪" :‬القصود مؤثرة يف العقود"‪.‬‬
‫وذكران القاعدة الرابعة‪" :‬إمنا البيع عن تراضي"‪.‬‬
‫القاعدة اخلامسة‪" :‬ال ينعقد البيع إال على مال"‪:‬‬
‫هذه القاعدة تضبط حمل عقد البيع‪ ،‬وفيها بيان شرط من شروط البيع‪.‬‬
‫واملقصود ابملال‪ :‬ما فيه منفعة مباحة مطل ًقا‪ ،‬سواء كان عينًا أو منفعة‪ .‬ما‬
‫فيه منفعة مباحة مطل ًقا‪ :‬يعين من غري قيد‪.‬‬
‫فهذه القاعدة تبني‪ :‬أنه ال جيوز أن يقع البيع إال على شيء‪" :‬فيه‬
‫منفعة"‪" ،‬مباحة"‪" ،‬مطلقاً"‪ ،‬ثالث صفات‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪130‬‬
‫"فيه منفعة"‪ :‬خيرج ما ال منفعة فيه‪ ،‬فما ال منفعة فيه؛ ال جيوز له أن يقع‬
‫عليه عقد البيع وال يصح بيعه‪ ،‬طيب‪ :‬كيف نعرف أن فيه منفعة؟ يرجع‬
‫ذلك إىل عُرف الناس‪ ،‬فإذا كان الشيء يف عُرف الناس ينتفع به وله قيمة‬
‫عندهم؛ فله منفعة‪ ،‬وقد خيتلف هذا من مكان إىل مكان‪.‬‬
‫أعطيكم مثاال‪ :‬هل جيوز للنسان أن يشرتي طيور الزينة؟ هذه الطيور‬
‫اليت حتبس يف األقفاص وتوضع يف البيوت للزينة‪ ،‬ال منفعة منها يف ذاهتا‪.‬‬
‫هل العُرف‬
‫نقول‪ :‬إذا كانت هذه الطيور يف العُرف تعد ذات منفعة ويعترب أ ُ‬
‫هذه منفعة؛ فإنه يصح بيعها‪ ،‬وإذا كان أهل العُرف ال يعدون هذه منفعة‬
‫وال يلتفتون إليها؛ فإنه ال يصح بيعها‪.‬‬
‫واشرتاط أن تكون العني أو أن يكون املبيع ذا منفعة؛ حمل إمجاع‪ ،‬ابتفاق‬
‫الفقهاء ال بد أن يكون املبيع ذا منفعة‪.‬‬
‫يقول النووي يف بيان شروط البيع‪" :‬أن يكون املبيع منتفعاً به وهذا شرط‬
‫لصحة البيع بال خالف"؛ وهذا الكالم موجود يف أواخر شرح النووي يف‬
‫(اجملموع) ألن النووي ِل يكمل اجملموع؛ فهذا الشرط حمل اتفاق بني‬
‫الفقهاء؛ فال بد أن يكون املبيع ماالً ينتفع به‪.‬‬
‫ووجه هذا –اي إخوة‪ -‬أن املبيع لو ِل يكن منتفعاً؛ به لكان يف شرائه‬
‫إضاعة للمال‪ ،‬إذا كان اإلنسان يشرتي شيئًا ليس فيه منفعة فما فائدة هذا؟‬
‫فيه إضاعة للمال‪ ،‬وإضاعة املال حمرمة‪ ،‬وقد كره هللا لنا ‪‬قيل وقال‪ ،‬وكثرة‬
‫‪|131‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫السؤال‪ ،‬وإضاعة املال‪ ،)1(‬وألن البيع املنعقد على ما ال منفعة فيه؛ ِل يكن‬
‫من شأن النيب ﷺ وال من شأن الفضالء‪ ،‬فهذا يدل على أنه غري مشروع‬
‫وال جائز‪.‬‬
‫هنا ‪-‬اي إخوة‪ -‬نقول‪:‬‬
‫العني اليت يعقد عليها تكون على أربعة أقسام ابلنسبة هلذا الشرط أو‬
‫هذه القاعدة‪:‬‬
‫قسم فيه منفعة مباحة مطل ًقا‪:‬‬
‫مثل الثياب‪ ،‬فالثياب هلا منفعة مباحة مطلقة من غري قيد؛ يعين ليست‬
‫يف حال دون حال‪ ،‬وكذلك املأكوالت املباحة‪ ،‬واملشروابت املباحة‪ ،‬فيها‬
‫منفعة مباحة مطل ًقا‪ ،‬وهذه جيوز العقد عليها ابتفاق العلماء‪ ،‬جيوز أن تُباع‬
‫وتُشرتى ابتفاق العلماء‪.‬‬
‫وقسم فيه منفعة حمرمة مطلقاً‪:‬‬
‫كاخلنزير‪ ،‬وامليتة‪ ،‬والكالب غري املأذون فيها ‪-‬كالب الزينة والكالب‬
‫اليت أيخذها بعض الناس ليتباهون فيها‪ -‬هذه حمرمة‪ ،‬منفعتها حمرمة‪ ،‬وهذه‬
‫ال جيوز العقد عليها‪ ،‬وال يصح العقد عليها‪ ،‬ومن ذلك مثالً أيضاً‪ :‬أشرطة‬
‫الغناء وآالت الطرب؛ فإن فيها منفعة حمرمة وهذه ال جيوز العقد عليها‪.‬‬
‫(‪ )1‬جزء من حديث متفق عليه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪132‬‬
‫وقسم فيه منفعة مباحة عند احلاجة‪:‬‬
‫ليس مأذوانً فيه مطل ًقا‪ ،‬وإمنا مأذون فيه عند احلاجة‪ ،‬فاألصل فيه‬
‫التحرمي‪ ،‬واإلابحة مستثناة من أجل احلاجة‪ - .‬أمثل له مث أعود إىل حكمه‬
‫إن شاء هللا – مثل‪ :‬لبس ثوب احلرير للرجل‪ :‬ثوب احلرير للرجل حمرم؛ لكن‬
‫يباح للحاجة‪ ،‬مثال رجل أصابته حساسية يف جسمه‪ ،‬لو لبس هذه األقمشة‬
‫تصيبه احلكة الشديدة‪ ،‬وهتدأ يف لبس احلرير؛ جيوز هنا أن يلبس ثوب احلرير‬
‫للحاجة مبقدارها‪.‬‬
‫وككلب الصيد‪ :‬األصل يف اقتناء الكلب التحرمي؛ لكن إذا احتاجه‬
‫اإلنسان يف الصيد أو احلراسة أو الزراعة؛ فإنه يباح‪ ،‬ألن يف هذا حاجة‪،‬‬
‫وسنعود إىل حكمه إن شاء هللا‪.‬‬
‫القسم الرابع ما ال منفعة فيه أصالً‪:‬‬
‫ال توجد فيه منفعة أصالً‪ ،‬ال حمرمة وال مباحة‪ ،‬خايل من املنفعة‪ ،‬كبعض‬
‫الفراش مثالً‪ ،‬بعض احلشرات‪ ،‬الدود‪ ،‬مثل هذا الفراش الذي يطري حول‬
‫الضوء‪ ،‬ال منفعة فيه ال مباحة وال حمرمة‪.‬‬
‫قلنا يف األول‪ :‬ما فيه منفعة مباحة مطلقاً‪:‬‬
‫وهذا كما قلنا‪ :‬بيعه صحيح جائز إبمجاع العلماء‪ ،‬لعموم قول هللا عز‬
‫ََ َ ذ ذُ ۡ‬
‫ۡ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وجل‪﴿ :‬وأحل ٱّلل ٱۡليع﴾[البقرة‪]275:‬؛ ولو ِل يكن بيع هذه حالالً ملا كان‬
‫هناك حالل‪ ،‬يعين لو ِل يكن بيع ما فيه منفعة مباحة مطل ًقا حالالً؛ ما كان‬
‫‪|133‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫هناك حالل‪ ،‬وألن النيب ﷺ ثبت عنه بيع وشراء األعيان املباحة‪ ،‬وفعل‬
‫النيب ﷺ يدل على اجلواز‪.‬‬
‫النيب ﷺ ثبت عنه أنه اشرتى بعري جابر ‪‬؛ وثبت عنه أنه اشرتى‬
‫فرسا؛ وثبت عنه أنه اشرتى شاة من مشرك‪ ،‬إىل غري ذلك مما ثبت عن النيب‬
‫ً‬
‫قدحا؛ فدل ذلك على جواز بيع‬
‫ﷺ أنه اشرتاه‪ ،‬وثبت أن النيب ﷺ أنه ابع ً‬
‫األعيان املباحة‪.‬‬
‫وأما [القسم الثاين]‪ :‬ما قلنا إن فيه منفعة حمرمة‪:‬‬
‫فال جيوز بيعه وال يصح ابتفاق العلماء‪ ،‬وبيعه من التعاون على اإلمث‬
‫والعدوان؛ ال جيوز للمسلم أن يبيع اخلنزير‪ ،‬وال جيوز للمسلم أن يبيع الكلب‬
‫غري املأذون فيه‪ ،‬وال جيوز للمسلم أن يبيع الصليب‪ ،‬وال جيوز للمسلم أن‬
‫صناما تُعبد‪.‬‬
‫يبيع األصنام اليت جعلت أ ً‬
‫وعندما نقول‪ :‬ال جيوز للمسلم؛ معناه أنه ال جيوز له مطل ًقا؛ ال جيوز له‬
‫أن يبيع ال للمسلم وال لكافر؛ ال جيوز للمسلم أن يبيع الصلبان للنصارى‪،‬‬
‫وال جيوز للمسلم أن يبيع اخلنزير للنصارى؛ فما اعتقد املسلم حرمته؛ ِل جيز‬
‫له أن يبيعه ال ملسلم وال لغري مسلم‪ ،‬وقد ثبت أن النيب ﷺ قال‪ :‬إن هللا‬
‫ورسوله حرم بيع اخلمر‪ ،‬وامليتة‪ ،‬واخلنزير‪ ،‬واألصنام‪.)1(‬‬
‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪134‬‬
‫وهنى النيب ﷺ عن مثن الكلب ومهر البغي وحلوان الكافر (‪ ،)1‬فدل‬
‫ذلك على أنه ال جيوز بيع الكلب غري املأذون فيه‪ ،‬وألن القاعدة الشرعية‬
‫تقول‪" :‬إن هللا إذا حرم شيئًا حرم مثنه"‪ ،‬كما جاء عن النيب ﷺ أنه قال‪:‬‬
‫‪‬إن هللا إذا حرم على قوم شيئًا حرم عليهم مثنه‪‬؛ وهذا احلديث عند اإلمام‬
‫أمحد وابن حبان‪ ،‬وموجود مبعناه عند أيب داود وغريه‪ :‬إن هللا إذا حرم على‬
‫قوم أكل شيء حرم عليهم مثنه‪ .‬فإذا ُحّمرم الشيء ُحّمرم مثنه؛ فإذا ُحرم مثنه‬
‫ُحرم بيعه‪ ،‬فيكون بيعه حر ًاما‪.‬‬
‫وأما القسم الثالث‪ :‬وهو ما فيه منفعة مباحة عند احلاجة‪:‬‬
‫ففي بيعه خالف بني أهل العلم‪ ،‬فمن أهل العلم من قال‪" :‬يبقى على‬
‫التحرمي وال جيوز بيعه حىت عند احلاجة"‪ ،‬ومن أهل العلم من قال‪" :‬يصح‬
‫بيعه وجيوز إذا وجدت احلاجة"‪.‬‬
‫وأصل هذه املسألة؛ مسألة بيع الكلب املأذون فيه عند احلاجة ككلب‬
‫الصيد‪.‬‬
‫هل جيوز للمسلم أن يبيع كلب الصيد؟ إنسان عنده كالب صيد أو‬
‫عنده كالب درهبا على الصيد هل جيوز له أن يبيعها؟‬
‫اختلف العلماء يف هذا‪ ،‬فمن أهل العلم من قال‪" :‬ال جيوز وال يصح"‪،‬‬
‫ملاذا؟‬
‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫‪|135‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫قالوا‪ :‬ألن النيب ﷺ هنى عن مثن الكلب‪ ،‬وهذا مطلق يشمل كل كلب‪،‬‬
‫فيكون مثنه منهيًا عنه‪ ،‬قالوا‪" :‬وألن النيب ﷺ قال‪ :‬مثن الكلب خبيث‪)1(‬؛‬
‫فوصف مثن الكلب أبنه خبيث‪ ،‬فيكون حر ًاما‪.‬‬
‫يضا ما جاء عن ابن عباس رضي هللا عنهما قال‪ :‬هنى رسول هللا ﷺ‬
‫أ ً‬
‫عن مثن الكلب وإن جاء يطلب مثن الكلب فامأل ك ّفه تر ًااب‪ )2(‬؛ قالوا‪:‬‬
‫فدل ذلك على أن الكلب ال مثن له مطلقاً‪ ،‬وما دام أنه ال مثن له؛ فإنه ال‬
‫جيوز بيعه‪.‬‬
‫يقولون‪ :‬حنن جند أن النيب ﷺ مع إذنه يف كلب الصيد وكلب احلراسة‬
‫وكلب الزراعة؛ جعل مثن الكلب خبيثًا مطل ًقا‪ ،‬وهنى عن مثن الكلب مطل ًقا‪،‬‬
‫فدل ذلك على أن الكلب ال جيوز بيعه ولو كان مأذوانً فيه‪.‬‬
‫ومن أهل العلم من قال‪ :‬يباح بيع الكلب املـُعلّم‪ ،‬فالكلب املأذون فيه‬
‫عند احلاجة جيوز بيعه؛ واستدلوا على ذلك أبدلة‪:‬‬
‫منها ما ورد عن أيب هريرة ‪ ‬أن النيب ﷺ‪ :‬هنى عن مثن الكلب إال‬
‫كلب الصيد‪ .‬واحلديث عند الرتمذي والنسائي‪ .‬قالوا فاستثىن النيب ﷺ مثن‬
‫كلب الصيد‪ ،‬فهذا يدل على اإلابحة‪.‬‬
‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪136‬‬
‫يضا ما رواه اإلمام أمحد والنسائي أن النيب ﷺ‪ :‬هنى عن مثن الكلب‬
‫أ ً‬
‫إال الكلب املـُعلم‪ .‬وقد اختلف يف إسناد هذين احلديثني‪ ،‬فضعفهما بعض‬
‫أهل العلم‪ ،‬وحسن إسنادمها بعض أهل العلم‪ ،‬وممن حسن أسنادمها الشيخ‬
‫انصر األلبا‪،‬ي ‪-‬رمحه هللا‪ ،-‬فاجمليزون استدلوا هبذا‪.‬‬
‫ومن وجه آخر استدلوا ابملعىن‪ ،‬قالوا‪ :‬إن اإلذن يف االقتناء‪ ،‬يقتضي اإلذن‬
‫يف البيع والشراء‪ ،‬ملاذا؟ يقولون‪ :‬أوسع طريقة وأكرب طريقة للملك عند الناس‬
‫هي البيع والشراء؛ فما دام أنه أُذن يف االقتناء؛ فهذا يتضمن اإلذن يف البيع‬
‫والشراء؛ فيكون ذلك داالً على استثناء الكلب امل ــُعلم واملأذون فيه من‬
‫النهي‪.‬‬
‫لكن املانعني أجابوا‪ :‬أبن هذه األحاديث ال تصح‪ ،‬وال تقاوم األحاديث‬
‫الصحيحة املطلقة‪ ،‬فذكروا أن األحاديث اليت فيها االستثناء من مثن الكلب‬
‫ال تصح‪ ،‬أو أنه حصل فيها قلب على الراوي‪ :‬فاالستثناء ِل يكن من الثمن‬
‫ولكنه كان من االقتناء‪ ،‬فحصل قلب عند الراوي‪.‬‬
‫والذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬عند دراسة أسانيد هذين احلديثني؛ أهنا ال‬
‫تثبت‪ ،‬وأهنا ضعيفة‪ ،‬وال ترتقي ألن تكون حسنة‪ ،‬لكن يبقى املعىن‪ :‬وهو أن‬
‫اإلذن يف االقتناء مشعر ابإلذن ابلبيع و الشراء‪.‬‬
‫هناك من العلماء من أملح إىل شيء يتعلق ابألحاديث اليت ذكرانها‪ ،‬وهو‬
‫الشيخ ابن عثيمني ‪-‬رمحه هللا‪ -‬حيث قال الشيخ‪" :‬إن يف منت األحاديث‬
‫ما يدل على ضعفها‪ ،‬هنى عن مثن الكلب إال الكلب املعلم‪ ،"‬كيف اي‬
‫‪|137‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫شيخ؟ قال‪" :‬ألان لو أثبتنا االستثناء نكون كأ ّان قد رفعنا أول احلديث‪ :‬هنى‬
‫عن مثن الكلب‪ ،"‬كيف؟ قال‪ :‬الغالب على الناس أهنم ال يتبايعون إال كلبًا‬
‫مأذوانً فيه‪ ،‬ال يتبايعون الكالب غري املأذون فيها‪ ،‬فإذا قلنا‪ :‬هنى عن مثن‬
‫الكلب إال الكلب املعلم كأان نقول‪ :‬هنى عن مثن الكلب‪ِ ،‬ل ينه عن مثن‬
‫الكلب‪ ،‬وهذا يدل على ضعف االستثناء يف احلديث‪.‬‬
‫فالذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه من حيث االستدالل ابحلديث ال يُسلّم‬
‫االستثناء‪ ،‬لكن يبقى املعىن‪ ،‬واملسألة اجتهادية‪ ،‬وقد كنت أرى فيما مضى‬
‫أنه ال جيوز بيع ما فيه منفعة مباحة عند احلاجه‪ ،‬إال أنه ابلدراسة واملتابعة‬
‫ظهر يل وهللا أعلم أن األقرب للصواب أنه جيوز‪ ،‬واملسألة اجتهادية‪.‬‬
‫وأما القسم الرابع‪ :‬وهو ما ال منفعة فيه أصالً‪:‬‬
‫ال يرى العقالء فيه منفعة‪ ،‬فهذا ال جيوز بيعه؛ ألان قلنا‪ :‬إن اشرتاط‬
‫املنفعة ُجممع عليه عند أهل العلم‪.‬‬
‫نذكر بعض الصفات‪:‬‬
‫ما رأيكم يف شراء الطوابع؟‬
‫انس عندهم هواية مجع الطوابع‪ ،‬يشرتون الطوابع الربيدية ويضعوهنا يف‬
‫دفاتر‪ ،‬ورمبا اشرتوها مبزادات أبسعار عالية إذا كانت اندرة أو كانت قدمية أو‬
‫حنو ذلك‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪138‬‬
‫بعض أهل العلم يقولون‪ :‬هذه ال منفعة فيها‪ ،‬ما املنفعة من الطوابع؟ ال‬
‫منفعة‪ ،‬وابلتايل يرون حترمي شراء الطوابع جلمعها‪ ،‬ليست شراء الطوابع‬
‫لوضعها على معروض أو رسالة أو حنو ذلك وإمنا جلمعها‪ ،‬يقولون ألنه ال‬
‫منفعة فيها‪.‬‬
‫وبعض أهل العلم يقولون‪ :‬إنه جيوز بيعها إذا كانت تعد يف العرف ذات‬
‫منفعة‪ ،‬فإذا كان الناس يعتربون هذه من املنفعة‪ ،‬فإنه جيوز بيعها‪.‬‬
‫من ذلك‪ :‬ما كثر اآلن وبدأ يربز على الساحة‪:‬‬
‫شراء األرقام املميزة ابهلاتف‪ ،‬يعين الرقم العادي بعشرة‪ ،‬والرقم املميز‬
‫بعشرة آالف‪ ،‬بعض الناس يذهب يشرتي من االتصاالت أرقام مميزة‪.‬‬
‫بعض أهل العلم يقولون‪ :‬هذا ال جيوز ومن السفه‪ ،‬ألنه ال منفعة يف هذا‪.‬‬
‫وبعض أهل العلم يقولون‪ :‬إن كان له منفعة يف العُرف أو منفعة خاصة‬
‫عنده فإنه جيوز‪.‬‬
‫منفعة يف العرف واضح؛ إذا كان أهل العرف يعدون هذا منفعة‪.‬‬
‫له منفعة خاصة؛ يعين أهل العرف ال يعدوهنا منفعة ولكن هو مثالً عنده‬
‫قما سهالً لتحفظه وتستطيع أن‬
‫والدة ال حتفظ األرقام‪ ،‬فرييد أن يشرتي ر ً‬
‫تتصل به‪ ،‬هنا فيه منفعة خاصة به وإن كان للناس هذا ليس مبنفعة‪ ،‬فيجوز‪،‬‬
‫وهذا الذي يظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن شراء األرقام املميزة إذا كان يعد يف‬
‫‪|139‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫العرف منفعة وله اعتبار يف عرف الناس وال يسفهون فاعله‪ ،‬أنه جيوز بيعه‬
‫وشرائه‪ ،‬أو كان فيه منفعة خاصة للنسان‪.‬‬
‫متاما مسألة شراء لوحات السيارات املميزة‪ ،‬يعين اللوحة اليت يكون‬
‫مثله ً‬
‫هلا رقم مميز تُشرتى بقيمة عالية‪ ،‬هل جيوز بيعها وشرائها؟‬
‫بعض أهل العلم يقولون‪ :‬ال جيوز؛ ألنه ال منفعة فيه‪ ،‬ما الفرق بني لوحة‬
‫فيها أرقام صعبة ولوحة فيها رقم واحد؟ ال منفعة‪ ،‬وابلتايل يقولون‪ :‬ال جيوز‪.‬‬
‫وبعض أهل العلم يقولون‪ :‬إذا كان أهل العرف يعدون هذه منفعة‬
‫وأصبحت هلذه اللوحات قيمة عندهم معتربة وال يعدون من يضع املال فيها‬
‫سفيهاً؛ جيوز بيعها وشرائها‪ ،‬أو كان فيها منفعة خاصة‪.‬‬
‫وهذا الذي يظهر‪ ،‬وأنه خيتلف ابختالف الزمان واملكان؛ فلرمبا يكون‬
‫عرف أهل بلد اعتبار هذه منفعة‪ ،‬واالعتداد هبا‪ ،‬فيجوز عندهم البيع‬
‫والشراء فيها؛ ولرمبا كان يف نفس الوقت يف بلد آخر ال يعتربون هذه منفعة‬
‫وال يعدوهنا‪ ،‬فال جيوز بيعها وال شرائها‪.‬‬
‫موس احلالقة فيه منفعة‪ ،‬لكن مباحة أو حمرمة؟ الذي يستعمل املوسى يف‬
‫إزالة الشعر املطلوب إزالته فهذه منفعة مباحة‪ ،‬الرجل الذي حيلق حليته‬
‫ابملوسى هذه منفعة حمرمة‪.‬‬
‫اهلاتف‪ :‬فيه منفعة مباحة وفيه منفعة حمرمة‪.‬‬
‫احلاسب اآليل‪ :‬فيه منفعة مباحة ومنفعة حمرمة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪140‬‬
‫وهذا ما يسمى بذي الوجهني يف ابب املنفعة‪ .‬فيه منفعة مباحة ومنفعة‬
‫حمرمة‪.‬‬
‫العطر – ال مطّيب‪ -‬ابلنسبة للمرأة فيه منفعة مباحة ومنفعة حمرمة‪ ،‬إذا‬
‫كانت تتطيب به يف بيتها أو بني النساء فهي منفعة مباحة‪ ،‬أما إذا كانت‬
‫تتطيب به وخترج به إىل الشارع فهذه منفعة حمرمة‪.‬‬
‫حىت بعض ألبمسة النساء قد تكون فيها منفعة مباحة ومنفعة حمرمة‪ ،‬إن‬
‫كانت املرأة تلبسها لزوجها فهي منفعة مباحة‪ ،‬وإذا كانت تلبسها وخترج هبا‬
‫إىل الشارع فهي منفعة حمرمة‪.‬‬
‫فهل ينظر هنا إىل املنفعة املباحة فيقال جيوز البيع والشراء؟ أو ينظر إىل‬
‫املنفعة احملرمة فيقال حيرم البيع والشراء؟‬
‫هنا يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن يف املسألة تفصيالً‪:‬‬
‫فإن غلب على ظن البائع أن املشرتي يريد السلعة ملنفعة حمرمة؛ فإنه ال‬
‫جيوز له أن يبيعه تلك السلعة‪:‬‬
‫رجل يبيع األمواس‪ ،‬فجاءه شخص وقال‪ :‬هل لديك موس حالقة؟ هذا‬
‫يريد حيلق حليته‪ ،‬علم اآلن أنه يريد أن حيلق حليته‪ ،‬فال جيوز له أن يبيعه‪.‬‬
‫امرأة متربجة يف الدول‪ :‬جاءت إىل ابئع مالبس وبعض املالبس قصري أو‬
‫حنو ذلك يصلح للبيت مثالً‪ ،‬حاهلا يدل على أهنا تلبس هذه املالبس تتربج‬
‫هبا؛ فإنه ال جيوز له أن يبيعها‪.‬‬
‫‪|141‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وإذا غلب على ظنه أن املشرتي يريدها للمنفعة املباحة‪:‬‬
‫رجل ملتحي قال‪ :‬أريد موس‪ ،‬يغلب على الظن أنه يريدها ملنفعة مباحة‪،‬‬
‫جيوز له أن يبيعه‪.‬‬
‫امرأة جاءت إىل ابئع املالبس وهي حمتشمة وتريد أن تشرتي هذا اللباس‬
‫يغلب على الظن أهنا ال تتربج به؛ فهنا جيوز أن يبع‪.‬‬
‫لكن بقي حمل اإلشكال‪ ،‬وهو إذا ِل يغلب على الظن شيء‪ ،‬فالصحيح‬
‫من أقوال أهل العلم أن األصل أنه جيوز بيعها‪ ،‬جيوز للنسان أن يبيع‬
‫احلواسيب‪ ،‬جيوز للنسان أن يبيع املذايع‪ ،‬واألطياب‪ ،‬واهلواتف‪ ،‬وإن كانت‬
‫تستعمل يف احلرام‪ ،‬ملاذا كان األصل يف مثل هذه جواز بيعها؟‬
‫يقول العلماء‪ :‬ألن األصل يف املسلمني احلمل على اخلري‪ ،‬األصل أن‬
‫حيمل املسلمون على عدم املعصية‪ ،‬وابلتايل جيوز بيع هذه اآلالت هلم من‬
‫ابب إحسان الظن هبم‪.‬‬
‫ولذا يقول شيخ اإلسالم بن تيمية ‪-‬رمحه هللا‪" :-‬ما أبيح االنتفاع به من‬
‫وجه دون وجه كاحلُ ُم مر" –يعين‪ :‬كاحلمري‪ ،‬احلمار جيوز االنتفاع به كالركوب‬
‫وحنوه وال جيوز االنتفاع به يف األكل‪ ،‬فهو من وجه فيه منفعة مباحة ومن‬
‫وجه فيه منفعة حمرمة‪ .‬يقول شيخ االسالم بن تيمية‪" :‬ما أبيح االنتفاع به‬
‫من وجه دون وجه كاحلُ ُم مر وحنوها فإنه جيوز بيعها"‪ ،‬ملاذا؟ قال‪" :‬ملنفعة‬
‫الظهر املباحة‪ ،‬ال ملنفعة اللحم احملرم"‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪142‬‬
‫وهذا هو األصل‪ ،‬مثال‪ :‬العنب قد يشرتيه اإلنسان أيكله أو يتخذه‬
‫مخرا‪ ،‬فاألصل أنه جيوز بيع العنب‬
‫ً‬
‫عصريا‪ ،‬وقد يشرتيه اإلنسان خيمره وجيعله ً‬
‫إال إذا غلب على الظن أن مشرتيه يريد أن يشرتيه ألمر حمرم‪ ،‬فإنه أذ ذاك‬
‫يكون حر ًاما‪.‬‬
‫وبعض أهل العلم يقول‪ :‬إن احلكم يف مثل هذه املسائل حبسب غلبة‬
‫الظن مبا تأدي إليه الغلبة العامة‪ ،‬فإن كان يغلب [على الظن] أن بيعها‬
‫يُفضي إىل احلالل جاز بيعها‪ ،‬وإن كان يغلب على الظن أن بيعها يُفضي‬
‫إىل احلرام حرم بيعها‪ ،‬ويُنزلوهنا على منزلة الذرائع‪.‬‬
‫فيقولون‪ :‬العنب يغلب على الظن أن بيعه يفضي إىل احلالل فيجوز بيعه‪،‬‬
‫لكن لو كان اإلنسان يف بلد أهل طرب وأهل غناء‪ ،‬فيغلب على الظن على‬
‫أن الذي يشرتي املسجل مثال يريد أن يستمع إىل الغناء فيحرم بيعه على‬
‫اإلطالق ألنه يفضي إىل احملرم‪ ،‬إال إذا غلب على الظن أن هذا الشخص‬
‫بعينه يريد أن يشرتيه ملباح‪.‬‬
‫لكن الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن األصل جواز بيعها مطل ًقا‪ ،‬إال إذا‬
‫غلب على الظن أن املشرتي املعني يريدها للمنفعة احملرمة‪ ،‬وإال فاألصل محل‬
‫املسلمني على الوجه احلسن‪.‬‬
‫هناك أشياء فيها منفعة مقيدة مبدة؛ فهل جيوز بيعها وشراؤها؟‬
‫على سبيل املثال‪:‬‬
‫‪|143‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اآلن األلبان مكتوب عليها اتريخ صالحية من كذا إىل كذا‪ ،‬إذن منفعتها‬
‫هبذه املدة وبعد هذه املدة ال تصبح انفعة‪.‬‬
‫مقيدا مبدة‪ :‬خالل شهرين‪ ،‬خالل‬
‫بطاقات االتصاالت بعضها يكون ً‬
‫ستة أشهر‪ ،‬خالل سنة‪ ،‬فهذه املنفعة مقيدة ابملدة؛ فهل جيوز بيعها‬
‫وشرائها؟‬
‫يضا بطاقات اإلنرتنت اليت يشرتيها الناس وتكون حمددة مبدة‬
‫ومن ذلك أ ً‬
‫معينة‪ ،‬إذا ِل تستعمل يف هذه املدة ال ميكن االنتفاع هبا‪.‬‬
‫وهذه اختلفت فيها أنظار العلماء املعاصرين‪ ،‬لكن الذي يظهر ‪-‬وهللا‬
‫أعلم‪ -‬أنه جيوز بيعها وشرائها‪ ،‬ألننا نعلم يقينا أن من السلع ما له مدة‬
‫حمددة يقينًا وِل مينع من بيعه‪.‬‬
‫اي إخوان‪ ،‬العنب‪ :‬العنب إذا اشرتيته يبقى عندك يومني أو ثالثة ال‬
‫تصبح فيه منفعة‪ ،‬ومع ذلك جيوز بيعه‪ ،‬اللنب لرمبا كان يف القدمي أكثر تلفاً‬
‫منه اآلن‪ ،‬اآلن فيه أشياء حتفظه مدة أطول‪ ،‬ومع ذلك ابتفاق العلماء‬
‫املتقدمني جيوز بيع اللنب‪.‬‬
‫فهذه األشياء اليت فيها منفعة مقيدة مبدة‪ ،‬إذا تراضى عليها الطرفان؛‬
‫فالذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه جيوز بيعها وال حرج يف هذا‪.‬‬
‫طبعا بطاقات االتصاالت فيها مسائل كثرية لكن الذي يهمنا يف القاعدة‬
‫هو هذه املسألة‪ ،‬واآلن يسأل الناس أن البطاقة يكون مكتوب عليها مثن‬
‫| ‪144‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وتباع بثمن آخر؛ يعين مكتوب مبئة وتباع مبئة ومخسة‪ ،‬وأحياان ابلعكس‬
‫يكتب عليها مئة وتباع خبمسة وتسعني‪ ،‬هذه مسألة خارجة عن القاعدة‬
‫لكن نشري إليها لكثرة السؤال عليها والذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه جيوز؛‬
‫ألنه هذا ليس من ابب بيع املال ابملال‪ ،‬بطاقة االتصاالت منفعة االتصال؛‬
‫فيجوز أن تباع بقيمة أعلى أو قيمة أقل‪.‬‬
‫***‬
‫‪|145‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫القاعدة السادسة‪" :‬ال ينعقد البيع إال من مالك أو مأذون له"‪.‬‬
‫هذه القاعدة تُبني أنه ال يصح البيع وال جيوز؛ إال من مالك للعني أو‬
‫مأذون له من املالك‪ ،‬هذا يف اجلملة‪.‬‬
‫شرعا‪ ،‬فإن ِل تكن السلعة يف‬
‫واملالك‪ :‬هو الذي تكون السلعة يف ملكه ً‬
‫ملكه أصالً كأن كانت يف ملك ابئع آخر؛ فإنه ال ينعقد البيع منه إال إذا‬
‫كان مأذوانً له يبيع لغريه‪.‬‬
‫شرعا؛ فإنه كذلك ال يصح بيعه‪،‬‬
‫وإن كانت حتت يده‪ ،‬لكنه ال ميلكها ً‬
‫السراق الذين يسرقون سيارات الناس ‪-‬وتكون السيارة يف أيديهم ليست يف‬
‫ُّ‬
‫أيدي اآلخرين‪ -‬ال جيوز أن يُشرتى منهم وال يصح البيع‪ ،‬من عُلم منه أنه‬
‫سارق للعني ال جيوز شراء العني منه وال جيوز له أن يبيع هذه العني‪.‬‬
‫بعض الناس يعرف أن هذا الشخص سارق للسيارة‪ ،‬ولكن ألنه يبيعها‬
‫بقيمه أقل يشرتيها منه‪ ،‬ورمبا يتأ ّول بعضهم ويقول‪ :‬حنن يف دول جناور دول‬
‫كافرة‪ ،‬فيأيت بعض الناس فيسرق سيارات الكفار‪ ،‬وينقلها إىل دولتنا ويبيعها‬
‫وحنن نشرتيها‪ ،‬هذا ال جيوز وال يصح‪.‬‬
‫واملأذون له يف التصرف‪ :‬هو الذي يتصرف يف املبيع ملصلحة غريه إبذن‬
‫من ذلك الغري‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪146‬‬
‫يتصرف يف املبيع ملصلحة غريه‪ ،‬يعين‪ :‬أان أملك سيارة فقلت لك‪" :‬بعها‬
‫يل"‪ ،‬أنت اآلن ال متلك السيارة لكن مأذون لك ببيعها‪ ،‬ملصلحتك وإال‬
‫ملصلحيت؟ ملصلحيت أان‪ ،‬أل‪،‬ي قلت لك‪" :‬هذه سياريت بعها يل"‪.‬‬
‫لكن لو أ‪،‬ي صاحب املعرض وقلت للبنك‪" :‬بع السيارات اليت مبعرضي"‪،‬‬
‫مأذوان له‪ ،‬ال يصلح‪ ،‬ألنه ِل‬
‫فيقوم البنك فيجري البيع عن طريقه‪ ،‬هذا ليس ً‬
‫ميلك وِل يتصرف يف مصلحة الغري‪.‬‬
‫يعين‪ :‬بعض البنوك اآلن تكون عنده ورقة من املعرض‪ ،‬اإلذن يف بيع‬
‫السيارات‪ ،‬ليس مبلك السيارات‪ ،‬فتبيع السيارة للمتقدم للعميل والزال‬
‫ملكها ملك السيارة للمعرض‪ ،‬مث بعد ذلك حتاسب املعرض وتأخذ الزائد‪،‬‬
‫هذا ليس اإلذن الشرعي املقصود‪.‬‬
‫اإلذن‪ :‬هو أن ُأيذن إلنسان أبن يتصرف ملصلحة غريه من ذلك الغري‬
‫الذي هو املالك‪ ،‬أما إذا أذن املالك لغريه أبن يبيع ملصلحة نفسه؛ فهذا‬
‫ليس إذان شرعيًا‪ ،‬وال يعترب يف البيع‪.‬‬
‫واإلذن‪:‬‬
‫ قد يكون من املالك‪ :‬أان سياريت عندي فقلت‪" :‬اي أخي بع يل‬‫سياريت"‪ ،‬أذنت لك أبن تبيعها يل‪.‬‬
‫ وقد يكون اإلذن من الشرع‪ ،‬ليس من املالك‪ :‬فيأذن الشرع ابلتصرف‪،‬‬‫ويل اليتيم مأذون له يف التصرف يف مال اليتيم إبذن الشارع‪،‬‬
‫ويل اليتيم‪ّ ،‬‬
‫مثل ّ‬
‫‪|147‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اليتيم صغري‪ ،‬اليتيم يسمى يتيما إذا كان قبل البلوغ‪ ،‬فهو صغري فيُوىل عليه‪،‬‬
‫رضيعا فيوىل عليه‪ ،‬هذا الويل لليتيم؛ جيوز له أن يبيع مال‬
‫قد يكون اليتيم ً‬
‫اليتيم ويتاجر فيه ملصلحة اليتيم‪ ،‬طيب من الذي أذن له؟ الشرع‪ ،‬اليتيم ليس‬
‫صاحب إذن‪ ،‬وإمنا الذي أذن له الشرع‪ ،‬وإمنا هذا اإلذن قد يكون من‬
‫املالك وقد يكون من الشرع‪.‬‬
‫إذن ابئع السلعة الذي يبيعها لآلخرين له حاالت‪:‬‬
‫ابئعا ملصلحة نفسه‪ ،‬وهذا ال يصح البيع منه إال‬
‫احلالة األوىل‪ :‬أن يكون ً‬
‫إذا كان مالكاً‪ .‬فإذا كان مالكاً للسلعة ملكاً شرعيًا؛ فإن له أن يبيعها وإال‬
‫فال‪ ،‬طيب‪ :‬هل نقول هنا‪" :‬أو كان مأذوان له"؟ ال‪ ،‬ال نقول‪ ،‬ألان قلنا‬
‫اإلذن املعترب الشرعي هو يف البيع ملصلحة الغري وليس ملصلحة النفس‪.‬‬
‫احلالة الثانية‪ :‬أن يبيع ملصلحة غريه‪ ،‬وهنا يصح البيع منه إذا كان مأذوانً‬
‫له من ذلك الغري أو من الشرع‪.‬‬
‫ودليل هذه القاعدة‪:‬‬
‫حديث حكيم ابن حزام ‪ ‬قال‪ :‬قال النيب ﷺ‪ :‬ال تبع ما ليس‬
‫عندك‪.)1(‬‬
‫(‪ )1‬رواه أمحد والرتمذي والنسائي وابن ماجه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪148‬‬
‫ومعىن ‪‬ما ليس عندك‪ :‬ما ال متلكه‪ ،‬يعين الشيء ممكن أن يكون عندك‬
‫لكن ال متلكه؛ فاملراد مبا ليس عندك؛ مبا ال متلكه‪ ،‬فقد يكون الشيء يف‬
‫حوزة اإلنسان‪ ،‬لكنه ال ميلكه فال جيوز له أن يبيعه‪.‬‬
‫طبعا هذا وجه الشاهد للقاعدة‪ ،‬ويدخل فيه‪ :‬ما ميلكه اإلنسان ‪-‬هذا إن‬
‫ً‬
‫كان ليس من القاعدة ولكن يدخل يف احلديث‪ -‬ما ميلكه اإلنسان وهو‬
‫غائب عنه ال يستطيع أن يصفه‪ ،‬يعين‪ :‬إذا كان اإلنسان ميلك شيئًا غري‬
‫جمود هنا وال يستطيع أن يصفه‪ ،‬يدخل يف قول النيب ﷺ‪ :‬ال تبع ما ليس‬
‫عندك‪.‬‬
‫وكذلك يدخل فيه عند أهل العلم أن يكون الشيء مملوكاً للنسان لكنه‬
‫ال يقدر على تسليمه‪ ،‬يقولون كالعبد اآلبق ‪ -‬العبد اهلارب من سيده ‪-‬‬
‫ميلكه سيده‪ ،‬لكن لو ابعه كيف يسلمه؟ وكذلك الطري يف اهلواء‪ ،‬فإنه حىت‬
‫لو كان مملوكاً للنسان فإنه ال يستطيع أن يسلمه‪.‬‬
‫واملراد يف القاعدة ما يتعلق بعدم امللك‪.‬‬
‫ويدل للقاعدة يف حق اإلذن‪ :‬أن النيب ﷺ وّكل يف البيع ووّكل يف الشراء‪،‬‬
‫كما ذكران البارحة حديث عروة بن أيب اجلعد البارقي‪.‬‬
‫ويدل أيضا على مسألة اإلذن‪ :‬أن الشرع أذن لويل اليتيم يف بيع مال‬
‫اليتيم ملصلحة اليتيم‪.‬‬
‫‪|149‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ويتفرع على هذه القاعدة مسائل نطرحها‪:‬‬
‫ إنسان ذهب إىل حمل يبيع أدوات السباكة مثالً وقال‪ :‬أان أريد كذا‬‫وكذا وكذا‪ ،‬بكم؟ قال‪ :‬هذه الكمية بعشرة آالف‪ ،‬قال‪ :‬اشرتيت قال‪:‬‬
‫طيب‪ .‬ذهب [البائع] إىل جاره ‪ -‬هو ما ميلك‪ ،‬ما عنده ‪ -‬وقال‪ :‬عطنا‬
‫كذا وكذا وكذا‪ ،‬وأعطاه وأخذه‪ ،‬وجاء وأعطى هذا الرجل وأخذ منه الثمن‪،‬‬
‫وذهب وحاسب جاره وأخذ الربح‪ ،‬ما حكم هذه املعاملة؟ ال جتوز‪ ،‬وال‬
‫تصح‪ ،‬ألنه ابع ما ال ميلك‪.‬‬
‫ نفس الصورة‪ :‬صاحب حمل جاءه رجل؛ فقال‪ :‬أان أريد كذا وكذا‬‫وكذا‪ ،‬وما عنده‪ ،‬قال‪ :‬اسرتح‪ ،‬ذهب إىل احملل اآلخر؛ وقال‪ :‬أعطين كذا‬
‫وكذا وكذا‪ ،‬واشرتاها ولو بثمن مؤجل وملكها‪ ،‬وجاء وقال‪ :‬أبيعك بكذا‪،‬‬
‫قال اشرتيت وابعه‪ ،‬ما حكم هذه املعاملة؟ صحيحه؛ ألنه ابع بعد أن‬
‫ملك‪.‬‬
‫ تبقى صورة وسط وهي إذا تفاوضا على السعر قبل أن ميلك وعقدا‬‫بعد امللك‪ ،‬وهذه اليت تقع اآلن يف البنوك وغري البنوك‪ ،‬أييت اإلنسان‬
‫ويتفاهم مع البنك على القيمة وعلى كل شيء مث يشرتيها البنك؛ فهنا ال‬
‫خيلو احلال من أمرين‪:‬‬
‫ األمر األول‪ :‬أن يتقدم العقد على امللك‪.‬‬‫‪[ -‬األمر الثا‪،‬ي‪ ]:‬أو أن يكتسب العقد صفة اإللزام قبل امللك‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪150‬‬
‫بعض البنوك أيتيها الشخص ويقول‪ :‬أان أريد أن اشرتي سيارة نوعها كذا‬
‫وكذا وكذا‪ ،‬يقولون‪ :‬موجود‪ ،‬يف املعرض الذي للسيارات‪ ،‬يقولون‪ :‬هات وقع‬
‫على األوراق وجنري العقد‪ ،‬وبعد ما جيرون العقد يقولون‪ :‬خذ هذا شيكاً‬
‫سلمه لصاحب املعرض واستلم السيارة‪ ،‬يبيعون قبل أن ميلكون! وهذا ال‬
‫جيوز‪ ،‬ولو مسوه ما مسوه‪.‬‬
‫أو اكتسب العقد صفة اإللزام قبل امللك‪ ،‬ما يوقع على العقد‪ ،‬لكن يُلزم‬
‫تعهدا أنه يف حال عدم إمتام الشراء يتحمل قيمة السيارة‪ ،‬أو‬
‫بذلك‪ ،‬يكتب ً‬
‫يضا‬
‫أنه يلتزم بشراء السيارة يف حال شراء البنك هلا‪ ،‬أو يدفع عر ً‬
‫بوان‪ ،‬فهذا أ ً‬
‫ال جيوز وال يصح‪.‬‬
‫أما إذا أخرب عن حاجته بدون عقد وال التزام‪ ،‬مث اشرتى الطرف الثا‪،‬ي ما‬
‫حيتاج إليه وابع السلعة له؛ فهذا عند مجهور أهل العلم جيوز ويصح‪.‬‬
‫وهذه من أدق مسائل البيوع ‪ -‬ما يتعلق ابمللك‪ ،‬وهلا تأثري كبري يف ابب‬
‫البيوع‪.‬‬
‫يتفرع على هذه القاعدة‪:‬‬
‫مسألة بيع الفضويل‬
‫والفضويل‪ :‬هو الذي يبيع ملصلحة الغري من غري إذن‪.‬‬
‫جئت يوماً عند السيارة؛ فوجدت‬
‫مثال‪ :‬أان يل صديق يبيع السيارات‪ُ ،‬‬
‫عميالً يريد أن يشرتيها‪ ،‬فقال‪ :‬هذه السيارة للبيع؟ قلت‪ :‬نعم للبيع‪ ،‬قال‪:‬‬
‫‪|151‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫بكم؟ قلت‪ :‬بكذا‪ ،‬قال‪ :‬اشرتيت؛ قلت اتفقنا؛ أان قصدي أنفع زميلي‪ ،‬هذا‬
‫العميل جاء وحضر‪ ،‬لكن أان لست مأذوانً للبيع‪ ،‬فضويل‪ ،‬متصرف من غري‬
‫إذن‪.‬‬
‫ومسألة بيع الفضويل خالفيه بني أهل العلم‪:‬‬
‫فبعض أهل العلم يقولون‪ :‬ال يصح هذا البيع أصالً‪ ،‬ألنه صدر من غري‬
‫مالك وال مأذون له‪.‬‬
‫ويرى بعض أهل العلم أنه يكون موقوفاً على إذن املالك؛ فإذا أذن املالك‬
‫صح البيع‪ ،‬وهذا األظهر ‪-‬وهللا أعلم‪.-‬‬
‫وخيّرج على هذا حديث عروة بن أيب جعد البارقي الذي ذكرانه أمس‪،‬‬
‫ُ‬
‫وهو أن النيب ﷺ وّكل عروة يف أن يشرتي له شاة بدينار فاشرتى شاتني‬
‫بدينار وابع إحدامها بدينار؛ فجاء للنيب ﷺ بشاة ودينار؛ فأمضى النيب‬
‫ﷺ بيعه بدليل أنه دعا له ابلربكة يف بيعه‪.‬‬
‫اآلن عروة ‪ ‬عندما ابع الشاة الثانية‪ ،‬هل كان مأذوان له يف بيعها؟ ال‪،‬‬
‫ومع ذلك ِل يبطل النيب ﷺ البيع؛ بل أمضاه وقبله وأخذ ما جاء به عروة‬
‫‪.‬‬
‫طبعا يتضح من هذا أن بيع الفضويل إذا ِل يرض به املالك؛ فهو ابطل‬
‫ابالتفاق‪ ،‬أما إذا رضي به املالك فهو حمل خالف‪ ،‬والصحيح ‪-‬وهللا أعلم‪-‬‬
‫أنه يصح وجيوز‪.‬‬
‫| ‪152‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫القاعدة اليت تليها‪:‬‬
‫قاعدة‪" :‬الشروط"‬
‫جدا يف البيوع‪ ،‬ما هو األصل يف الشروط؟‬
‫قاعدة الشروط مؤثرة ً‬
‫هل األصل يف الشروط اجلواز والصحة واللزوم؟ أو األصل يف الشروط‬
‫املنع؟‬
‫جدا نذكرها على سبيل العموم مث ننزهلا على البيوع‪،‬‬
‫هذه مسألة مهمة ً‬
‫يعين‪ :‬لو أن امرأة اشرتطت على زوجها عند العقد أن ال يتزوج عليها‪،‬‬
‫ورضي هبذا الشرط‪ ،‬ومت العقد بناء على هذا‪ ،‬فهل يلزم الرجل هذا الشرط؟‬
‫فليس له أن يتزوج عليها‪ ،‬فإن تزوج فلها الفسخ؟ أو ال يلزمه هذا الشرط؟‬
‫هذا متفرع عن قاعدة الشروط وسنتكلم عليها إن شاء هللا بعد صالة‬
‫املغرب وهللا أعلم‪.‬‬
‫***‬
‫‪|153‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الدرس السادس‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬أما بعد‪،،،‬‬
‫فنواصل تقرير قواعد البيوع ونذكر القاعدة السابعة من قواعد البيوع وهي‬
‫قاعدة يقال فيها‪:‬‬
‫[القاعدة السابعة]‪ :‬األصل يف الشروط اإلابحة والصحة‪.‬‬
‫هذا إذا أردان الراجح من أقوال أهل العلم‪ ،‬وإذا أردان أن نصوغها بصيغة‬
‫اخلالف فنقول‪ :‬هل األصل يف الشروط اإلابحة والصحة‪ ،‬أو التحرمي‬
‫والبطالن؟‬
‫هذه القاعدة خالفية بني أهل العلم‪ ،‬ونبني أوالً معىن الشروط‪.‬‬
‫الشروط‪ :‬يف اللغة مجع شرط إبسكان الراء‪ ،‬والشرط يف لغة العرب‪ :‬إلزام‬
‫الشيء والتزامه‪.‬‬
‫وليس معىن الشرط‪ :‬العالمة‪ ،‬كما يُذكر يف بعض كتب الفقه ويقوله‬
‫بعض طالب العلم! الذي مبعىن العالمة؛ الشرط بفتح الراء‪ ،‬وضبط‬
‫الكلمات له أثر يف املعا‪،‬ي‪ ،‬مثالً عندان كلمة‪ :‬العُرف والعرف‪ ،‬العُرف مبعىن‪:‬‬
‫تتابع الشيء متصالً ببعضه البعض‪ ،‬والعرف مبعىن‪ :‬الرائحة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪154‬‬
‫بعض طالب العلم الذين ال ينتبهون إىل الضبط يرجعون إىل كتب اللغة‬
‫فيجدون العرف مبعىن الرائحة فيذكرون من معا‪،‬ي العُرف‪ :‬الرائحة‪ ،‬وهو ليس‬
‫من معا‪،‬ي العُرف وإمنا من معا‪،‬ي العرف‪.‬‬
‫عندان الشرط والشرط‪ ،‬الشرط‪ :‬هو إلزام الشيء والتزامه‪ ،‬الشرط‪ :‬هو‬
‫العالمة‪ ،‬بعض طالب العلم يذهب إىل القواميس فيجد كلمة رسم الشرط‬
‫والشرط‪ ،‬فيجد أهنم يقولون الشرط مبعىن‪ :‬العالمة فيظن هو الشرط‪ ،‬هذا من‬
‫حيث اللغة‪.‬‬
‫وأما من حيث االصطالح فأقول‪:‬‬
‫إن الشروط يف البيوع قسمان‪:‬‬
‫‪ -1‬شروط البيوع‪.‬‬
‫‪ -2‬والشروط يف البيوع‪.‬‬
‫أو كما يقول الفقهاء شروط شرعية‪ ،‬وشروط جعلية‪.‬‬
‫فما املراد ابلشروط الشرعية؟‬
‫هي الشروط اليت اشرتطت يف الشرع لصحة البيوع؛ فهي شروط لصحة‬
‫البيوع‪.‬‬
‫والشروط اجلعلية‪:‬‬
‫هي الشروط اليت يشرتطها أحد الطرفني أو كالمها ملصلحته‪.‬‬
‫‪|155‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫عندما نقول‪" :‬يشرتط يف البيع أن يكون من مالك أو مأذون له" هذا‬
‫شرط شرعي‪.‬‬
‫شهرا"‪ ،‬هذا شرط جعلي‪،‬‬
‫عندما أقول‪" :‬أبيعك البيت بشرط أن أسكنه ً‬
‫أل‪،‬ي أان جعلت هذا الشرط من أجل مصلحيت‪.‬‬
‫املراد ابلشروط هنا؛ هي الشروط اجلعلية‪ ،‬وليست الشروط الشرعية الذي‬
‫يشرتطها الشرع لصحة البيوع‪.‬‬
‫إذن الشروط الشرعية‪ :‬هي الشروط اليت تُشرتط لصحة البيع‪ ،‬فإن خال‬
‫البيع منها‪ ،‬أو من أحدها فإن البيع ابطل‪.‬‬
‫أما الشروط اجلعلية‪ :‬فهي الشروط اليت يشرتطها أحد الطرفني أو كالمها‬
‫ملصلحة‪.‬‬
‫هل ميكن أن يصح البيع بدون شرط شرعي؟ ال‪.‬‬
‫هل ميكن أن يصح البيع بدون شرط جعلي؟ نعم‪ ،‬ميكن أن نبيع‬
‫ونشرتي بدون شروط‪ ،‬ما نشرتط شرطًا‪.‬‬
‫إذن هذا الفرق بني الشروط الشرعية والشروط اجلعلية‪ ،‬الشروط الشرعية‪:‬‬
‫ال ميكن أن خيلو منها عقد بيع صحيح‪ ،‬أما الشروط اجلعلية‪ :‬فيمكن أن‬
‫صحيحا وال شرط فيه‪.‬‬
‫يكون العقد‬
‫ً‬
‫الشروط الشرعية‪ :‬صحيحة كلها‪ ،‬ال يوجد شرط شرعي غري صحيح‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪156‬‬
‫والشروط اجلعلية‪ :‬قد تكون صحيحة وقد تكون غري صحيحة‪ ،‬أقول‪:‬‬
‫أبيعك الدار بشرط أن أسكنها شهراً‪ ،‬فهذا الشرط صحيح‪ .‬أقول‪ :‬أبيعك‬
‫البيت بشرط أن تفتح فيه حمالً للغناء‪ ،‬هذا الشرط غري صحيح‪.‬‬
‫إذن الشروط الشرعية صحيحة كلها‪ ،‬والشروط اجلعلية قد تكون‬
‫صحيحة وقد تكون فاسدة كما سيايت إن شاء هللا عز وجل‪.‬‬
‫هذه القاعدة‪" :‬األصل يف الشروط"‪ ،‬هل األصل يف الشروط الصحة‬
‫واجلواز؟ فتكون القاعدة املستمرة يف الشروط صحتها وجوازها ولزومها؛ أم‬
‫أن األصل يف الشروط التحرمي والبطالن وعدم اللزوم؟‬
‫اختلف العلماء يف هذه املسألة على ثالثة أقوال‪:‬‬
‫دل النص على جوازه‪.‬‬
‫القول األول‪ :‬األصل يف الشروط املنع إال ما ّ‬
‫دل‬
‫األصل يف الشروط أهنا ال جتوز‪ ،‬وأهنا ممنوعة‪ ،‬وأهنا ابطلة‪ ،‬إال ما ّ‬
‫السنة‪ .‬وهذا مذهب الظاهرية‪،‬‬
‫النص على جوازه‪ ،‬النص يعين‪ :‬يف الكتاب و ُّ‬
‫فاألصل عند الظاهرية أهنم حيكمون على الشرط ابلبطالن‪ ،‬إال إذا وجد‬
‫السنة على جوازه‪ ،‬وهذا ال شك أضيق املذاهب‪.‬‬
‫النص من الكتاب و ُّ‬
‫القول الثا‪،‬ي‪ :‬األصل يف الشروط املنع إال ما دل الدليل على جوازه‪.‬‬
‫القول األول يقول‪ :‬األصل يف الشروط املنع إال ما دل النص على جوازه‪.‬‬
‫الدليل أعم من النص‪ ،‬ولذلك هذا القول أوسع من األول؛ وهذا تدل عليه‬
‫مسائل اجلمهور‪ :‬احلنفية واملالكية والشافعية‪ ،‬تنحو هذه املذاهب يف‬
‫‪|157‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫حكمها على الشروط إىل التضييق وإىل املنع من الشروط إال ما دل الدليل‬
‫على جوازه‪.‬‬
‫القول الثالث‪ :‬األصل يف الشروط الصحة واجلواز إال ما دل الدليل على‬
‫منعه‪.‬‬
‫فالقاعدة املستمرة‪ :‬أن الشرط جائز وصحيح‪ ،‬إال إذا دل الدليل على‬
‫منعه‪ ،‬وهذا مذهب احلنابلة‪ ،‬واختاره شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪-‬رمحه هللا‪-‬‬
‫وانتصر له‪ ،‬وهذا الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه الراجح‪ ،‬أن األصل يف‬
‫الشروط اجلواز والصحة إال ما دل الدليل على منعه‪.‬‬
‫مذهب املالكية فيه قُرب من هذا القول‪ ،‬وإن كانوا يبطلون كثرياً من‬
‫الشروط‪.‬‬
‫فيه فائدة يف الفقه تقول‪:‬‬
‫ إن مذهب احلنابلة يف قسم العبادات أقرب إىل الشافعية‪ ،‬ويف قسم‬‫املعامالت أقرب إىل املالكية‪.‬‬
‫ مذهب املالكية أوسع من مذهب احلنفية والشافعية يف الشروط‪،‬‬‫ولكنه أضيق من مذهب احلنابلة‪ ،‬والذي ظهر يل أثناء دراسة مسائلهم‪ :‬أهنم‬
‫ينحون إال املنع أكثر‪ ،‬ولذلك ذكرانهم مع اجلمهور‪ ،‬األصل يف الشروط املنع‬
‫إال ما دل الدليل على جوازه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪158‬‬
‫ما هي األدلة على أن األصل يف الشروط الصحة واجلوامز إال ما دل‬
‫الدليل على منعه‪ ،‬هناك أدلة دلت على ذلك منها‪:‬‬
‫ [الدليل األول]‪ :‬أن الشروط من العادات‪ .‬اإلنسان يشرتط يف البيوع‬‫ملاذا؟ عبادة؟ يشرتط ملصلحته‪ ،‬فهذه عادة‪ ،‬واألصل يف العادات اإلابحة‪.‬‬
‫ الدليل الثاين‪ :‬أن الشروط من األشياء النافعة‪ .‬هل ميكن أن يشرتط‬‫ضارا به؟ ال ميكن‪ ،‬إال أن يكون يف عقله خلل‪ ،‬فالشروط من‬
‫اإلنسان شيئًا ً‬
‫األشياء النافعة‪ ،‬واألصل يف األشياء النافعة اإلابحة‪.‬‬
‫‪ -‬الدليل الثالث‪ :‬أن الشروط من العقود‪ ،‬وقد أمر هللا ابلوفاء ابلعقود‬
‫َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ٓ ْ َ ۡ ُ ْ ۡ ُ ُ‬
‫﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا أوفوا بِٱلعقودِ﴾ [املائدة‪ ]1:‬والشروط من العقود‪،‬‬
‫فيكون األصل الوفاء هبا‪.‬‬
‫ الدليل الرابع‪ :‬أن الشروط يف البيوع وقعت يف زمن النيب ﷺ من غري‬‫اشرتاط نص‪ ،‬فكان الصحابة –رضوان هللا عليهم– يف زمن النيب ﷺ‬
‫يتبايعون ويتشارطون من غري رجوع إىل النيب ﷺ؛ فدل ذلك على أن‬
‫األصل يف الشروط اجلواز والصحة‪ ،‬وهذا له وقائع كثرية يف زمن النيب ﷺ‪.‬‬
‫ [الدليل اخلامس]‪ :‬أن النيب ﷺ قال‪ :‬إن أحق الشروط أن توفوا به‬‫ما استحللتم به الفروج‪ ،)1(‬وهذا مطلق يشمل كل شرط إذا ِل مينع منه‬
‫(‪ )1‬متفق عليه‪.‬‬
‫‪|159‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الشرع‪ ،‬فإذا وجد الشرط وجب الوفاء به‪ ،‬وما كان صحيحاً يف النكاح؛ فإنه‬
‫كذلك يصح يف البيوع‪ ،‬إذ يدل ذلك على عدم املانع الشرعي‪.‬‬
‫أيضا يدل هلذه القاعدة قول النيب ﷺ‪:‬‬
‫ [الدليل السادس]‪ً :‬‬‫‪‬املسلمون على شروطهم‪ .)1(‬فإذا وقعت الشروط بني املسلمني فإنه جيب‬
‫عليهم الوفاء هبا‪ ،‬وهذا احلديث جمموع أسانيده تدل على الصحة‪.‬‬
‫أيضا هنا أشري إىل شيء وهو‪ :‬أن النيب ﷺ قال‪ :‬املسلمون على‬
‫ً‬
‫شروطهم إال شرطًا أحل حر ًاما أو حرم حالالً‪‬؛ فالنيب ﷺ قال‪ :‬املسلمون‬
‫على شروطهم‪ ‬مث استثىن؛ إذن ما هو األصل؟ احلمل‪ ،‬وأن املسلمني على‬
‫شروطهم‪ ،‬واملمنوع مستثىن‪ :‬إال شرطًا أحل حر ًاما أو حرم حالالً‪ ،‬وهذا‬
‫كثريا من الناس يتصور يف بعض الشروط‬
‫ً‬
‫أيضا سنقف وقفة مع معناه‪ ،‬ألن ً‬
‫أهنا داخلة يف هذا االستثناء وليست داخلة‪ ،‬وهذا إن شاء هللا سنبينه‪.‬‬
‫ [الدليل السابع]‪ :‬أيضاً ثبت عن عمر ‪ ‬أنه قال‪" :‬مقاطع احلقوق‬‫عند الشروط"(‪ .)2‬إذا تريد أن تُـثبـمّت حقوقك فاشرتط‪ ،‬فإذا اشرتطت فإنه‬
‫يلزم الوفاء مبا اشرتطت‪.‬‬
‫فإن قال لنا قائل‪ :‬فما تقولون يف قول النيب ﷺ‪ :‬كل شرط ليس يف‬
‫كتاب هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط‪ ،‬قضاء هللا أحق‪ ،‬وشرط هللا أوثق‪،‬‬
‫(‪ )1‬رواه أمحد وأبو داود والرتمذي‪.‬‬
‫(‪ )2‬رواه البخاري معلقاً‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪160‬‬
‫وإمنا الوالء ملن أعتق‪ ،)1(‬هنا تلحظون أن النيب ﷺ قال‪ :‬كل شرط ليس‬
‫يف كتاب هللا فهو ابطل‪‬؛ ففهم الظاهرية من هذا احلكم على الشروط‬
‫السنة يف‬
‫السنة؛ ألن ُّ‬
‫ابلبطالن إال إذا كانت يف كتاب هللا أو كانت يف ُّ‬
‫كتاب هللا‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬إن معىن هذا احلديث ‪‬كل شرط ليس يف كتاب هللا‪ ‬يعين‪ :‬كل‬
‫شرط ليس يف حكم هللا‪ ،‬مبعىن أنه خيالف حكم هللا ‪‬فهو ابطل ولو كان مئة‬
‫شرط‪ ،‬قضاء هللا أحق‪ ،‬وشرط هللا أوثق‪ ،‬وإمنا الوالء ملن اعتق‪.‬‬
‫َ‬
‫َ َٰ َ ذ َ ۡ ُ‬
‫ك ۡم﴾‬
‫يدل على ذلك أن هللا – عز وجل– قال‪َِ﴿ :‬تب ٱّلل ِ علي‬
‫[النساء‪ ]24:‬ليس املقصود بكتاب هللا‪ :‬القرآن؛ وإمنا املقصود بكتاب هللا‪:‬‬
‫احلكم‪ ،‬فهذا حكم هللا‪ ،‬فكل شرط ليس يف كتاب هللا‪ ‬يعين‪ :‬كل شرط‬
‫خيالف حكم هللا ‪‬فهو ابطل‪ ،‬وإن كان مئة شرط‪ ،‬قضاء هللا أحق‪ ،‬وشرط‬
‫هللا أوثق‪ ،‬هذا يدل على ما نقول‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألن أصل هذا احلديث قصة بريرة ‪ ‬عندما كاتبت أهلها على مخس‬
‫أواق فجاءت إىل عائشة ‪ ‬تطلب عوهنا‪ ،‬فقالت عائشة ‪ :‬إن شاء‬
‫أهلك نقلتها هلم وكان والئك يل‪ ،‬فأخربهتم فأبوا إال أن يكون الوالء هلم‪،‬‬
‫فماذا قال النيب ﷺ قال لعائشة‪ :‬خذيها واشرتطي هلم الوالء‪ ‬مث قام‬
‫خطيبًا فقال‪ :‬ما ابل أقوام يشرتطون شروطاً ليست يف كتاب هللا‪ ،‬كل شرط‬
‫ليس يف كتاب هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط‪ ،‬قضاء هللا أحق وشرط هللا‬
‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫‪|161‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أوثق‪ .‬فمعىن هذا الكالم‪ :‬أن الشرط اجلعلي إذا خالف حكم هللا؛ فإن‬
‫حكم هللا مقدم عليه ويبطل هذا الشرط‪.‬‬
‫ولذلك نقول‪ :‬القاعدة "إذا تعارض شرط املخلوق مع شرط اخلالق؛ قدم‬
‫شرط اخلالق‪ ،‬ويهدر شرط املخلوق" هلذا احلديث‪ .‬إذن معىن هذا احلديث‪:‬‬
‫أن كل شرط خالف حكم هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط‪.‬‬
‫فإن قال لنا قائل‪ :‬فما تقولون يف قول النيب ﷺ‪ :‬املسلمون على‬
‫شروطهم إال شرطًا أحل حر ًاما أو حرم حالالً‪ ،‬فإنه يدل على أن كل شرط‬
‫حرم احلالل يكون ابطالً‪ ،‬أو أحل احلرام يكون ابطالً؟‬
‫قلنا‪ :‬ليس املقصود ابلشرط الذي ُحيرم احلالل املنع من املباح؛ وإمنا‬
‫املقصود أن جيعله حر ًاما‪.‬‬
‫كل شرط ال بد أن مينع من مباح‪ ،‬مثال‪ :‬أان إذا اشرتيت السيارة ومت‬
‫العقد‪ ،‬املباح أن أتصرف ابلسيارة كيفما أشاء‪ ،‬صحيح؟ طيب قلت يل‪:‬‬
‫أبيعك السيارة بشرط أن أركبها شهراً‪ .‬منعتين من املباح أو ما منعتين؟‬
‫منعتين‪ ،‬وهذا الشرط جائز‪.‬‬
‫فلو كان املقصود ابلشرط الذي ُحيرم احلالل الشرط املانع من املباح؛‬
‫لكان املعىن‪ :‬املسلمون على شروطهم وال شرط هلم‪ ،‬ألن كل شرط ال بد له‬
‫أن مينع من مباح‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪162‬‬
‫ولذلك ملا أراد علي ‪ ‬أن ينكح ابنة أيب جهل على فاطمة –رضي هللا‬
‫عنها وأرضاها– قال النيب ﷺ‪ :‬أما أ‪،‬ي ال أحل احلرام وال أحرم احلالل‬
‫ولكن ال جتتمع ابنة رسول هللا مع ابنة عدو هللا‪ ‬هنا النيب ﷺ منع عليا من‬
‫هذا النكاح أو ِل مينعه؟ ولكنه ِل حيرمه عليه؛ ولذلك قال‪ :‬أما أ‪،‬ي ال أحل‬
‫احلرام وال أحرم احلالل‪ ،‬ولكنه منع علياً ‪ ‬من هذا النكاح؛ فدل ذلك‬
‫على أن املنع من املباح ليس حترميًا له‪ ،‬فهذا يدل على أن هذا احلديث ال‬
‫يشكل على القول الصحيح من أن األصل يف الشروط الصحة واجلواز‪.‬‬
‫وأحسن من حبث هذه القضية حبثًا أطال فيه النفس؛ شيخ االسالم ابن‬
‫تيمية –رمحه هللا– يف جمموع الفتاوى‪ ،‬ويف القواعد النورانية‪ ،‬فقد حبث هذه‬
‫نفيسا قيما أطال فيه النفس؛ فمن أراد أن يستفيد يف هذا‬
‫املسألة حبثًا ً‬
‫فلريجع إىل‪ :‬القواعد النورانية يف قسم املعامالت أو جمموع الفتاوى لشيخ‬
‫اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا‪.‬‬
‫إذا قلنا‪ :‬إن األصل يف الشروط الصحة واجلواز واللزوم؛ فمىت يكون‬
‫حكما‪.‬‬
‫ذلك؟ يكون ذلك إذا كان الشرط مقارًان للعقد حقيقة أو ً‬
‫الشرط ال خيلو من ثالثة أحوال‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يُذكر قبل العقد مبدة‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يُذكر عند العقد‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يُذكر بعد العقد‪.‬‬
‫‪|163‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫إنسان اشرتى سيارة‪ ،‬وبعد ما مت العقد ولزم؛ قال البائع‪" :‬أان تذكرت! أان‬
‫أشرتط أن أركبها أسبوعاً" ال يلزم املشرتي شيء؛ فالشرط عقب العقد ال‬
‫قيمة له‪.‬‬
‫سأذكر مثاالً يف الزواج‪ ،‬مثاالً يف البيوع‪:‬‬
‫إنسان أراد أن يشرتي سيارة من آخر‪ ،‬ففاوضه فقال البائع‪ :‬طيب أبيعك‬
‫السيارة لكن بشرط أن أركبها أسبوعاً أل‪،‬ي حمتاج إىل هذا‪ ،‬قال‪ :‬طيب‪،‬‬
‫انصرف‪ ،‬يف اليوم التايل تعاقد قال‪ :‬بعين سيارتك قال‪ :‬أبيعك السيارة‬
‫خبمسة آالف‪ ،‬قال‪ :‬قبلت‪ ،‬مت العقد‪ ،‬نسي البائع الشرط أو اعتمد على‬
‫السابق‪ ،‬هنا اختلف الفقهاء يف هذا الشرط‪:‬‬
‫فمنهم من يقول‪ :‬إنه ال قيمة له‪ ،‬كالشرط الالحق‪ ،‬فالعربة يف املقارنة‪.‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬إنه معترب‪ ،‬ألنه ِل يوجد ما يصرف عنه‪ ،‬فهو موجود‬
‫حكما عند العقد‪ ،‬وهذا الراجح ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه إذا وقع الشرط قبل العقد‬
‫ً‬
‫مبدة ولو يسرية؛ أن الشرط معترب إال إذا وجد صارف عنه‪.‬‬
‫أما الشرط املقارن فالشرط صحيح‪ ،‬قال‪ :‬أبيعك السيارة بشرط أن أركبها‬
‫أسبوعاً‪ ،‬قال‪ :‬قبلت‪ ،‬فالشرط صحيح‪.‬‬
‫طيب مىت يبطل الشرط؟ مىت نقول إن الشرط ابطل؟‬
‫الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يبطل الشرط يف البيوع يف حالني‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪164‬‬
‫‪ -1‬احلالة األوىل‪ :‬أن خيالف مقصود البيع فيجعل البيع كاملعطل‪،‬‬
‫خيلي البيع من أهم مصاحله‪ ،‬يقول‪ :‬أبيعك هذا البيت بشرط أن ال تبيعه‬
‫وأن ال هتبه وأن ال تؤجره‪ .‬هذا خيالف مقصود العقد‪ ،‬فهذا العقد ابطل‪.‬‬
‫قال‪ :‬أزوجك ابنيت بشرط أن تطلقها‪ .‬هذا خيالف مقصود العقد‪ ،‬ألن‬
‫مقصود العقد الدميومة‪.‬‬
‫قال‪ :‬أزوجك ابنيت بشرط أن ال تلد منك‪ .‬هذا خيالف مقصود العقد!‬
‫ألنه يعطل النكاح من أهم مصاحله‪ ،‬فهذا الشرط خيالف مقصود العقد‪،‬‬
‫والشرط إذا كان خيالف مقصود العقد فإنه يكون ابطال‪.‬‬
‫‪ -2‬احلالة الثانية‪ :‬أن خيالف مقصود الشارع‪ ،‬مىت يعارض مقصود‬
‫الشارع؟ إذا كان يلزم منه إيقاع احلرام‪ ،‬أو ترك الواجب الشرعي من غري إذن‬
‫شرعي‪ ،‬أو كان خمالفا للنص‪.‬‬
‫مىت يكون الشرط خمالفا ملقصود الشارع؟ عند ثالثة أمور‪:‬‬
‫أ – أن يلزم منه إيقاع احلرام‪ .‬قال‪ :‬أبيعك هذا احلانوت بشرط أن تفتح‬
‫فيه مكاان آلالت الطرب! أو بشرط أن تبيع فيه الدخان!‬
‫صاحب عمارة عنده حمل يف أسفل العمارة جاءه مستأجر قال‪ :‬أان أريد‬
‫أن استأجر هذا احملل أفتحه بقالة‪ ،‬قال‪ :‬أؤجرك أو أبيعك بشرط أن تبيع فيه‬
‫الدخان ‪ -‬الرجل يشرب الدخان ويريد أن يكون حتت بيته – قال‪ :‬أبيعك‬
‫‪|165‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫هذا احملل‪ ،‬تفتح بقالة بشرط أن تبيع فيه الدخان‪ .‬هذا الشرط خيالف‬
‫مقصود الشارع ألنه يلزم منه إيقاع احلرام‪.‬‬
‫إذا قال‪ :‬أبيعك السيارة بشرط أن ال تركبها إىل والديك‪ ،‬بينه وبني هذا‬
‫الرجل خصومة‪ ،‬هذا الشرط يلزم منه ترك الواجب وهو بر الوالد وصلة‬
‫الوالد‪ ،‬فيكون خمالفا ملقصود الشارع‪.‬‬
‫أو اشرتط أهل اجلارية الوالء فإن هذا خيالف النص ألن النيب ﷺ قال‪:‬‬
‫‪‬إمنا الوالء ملن أعتق‪ .‬فيكون ذلك خمالفاً للنص‪.‬‬
‫هنا سيأيت سؤال‪ ،‬وسؤال من األمهية مبكان‪ ،‬إذا عرفنا أن هناك شروطًا‬
‫اشرتطت يف العقد؟‬
‫ابطلة؛ فما احلكم إذا ُ‬
‫الشرط حكمه أنه ابطل؛ لكن ما احلكم إذا وجدت يف العقد؟ هل تُ م‬
‫بطل‬
‫العقد؟ أو تبطل هي فقط؟ هل يسري بُطالهنا للعقد أو تبطل هي فقط‬
‫صحيحا؟‬
‫ويكون العقد‬
‫ً‬
‫األصل عند العلماء أن املشرتط إذا كان عاملاً ابلتحرمي فالشرط ابطل‬
‫والعقد صحيح‪.‬‬
‫إنسان يعرف أنه ال جيوز له أن يشرتط على املشرتي أن يبيع الدخان‪،‬‬
‫فباعه بشرط أن يبيع الدخان‪ ،‬الشرط ابطل يقينًا وال يلزم الوفاء به والعقد‬
‫صحيح‪ ،‬قال البائع‪ :‬ال‪ ،‬أان ال أريد أن أبيع البيت إال هبذا الشرط؛ نقول‪:‬‬
‫العقد صحيح والشرط ابطل ألنك تعلم ابلتحرمي؛ فليس لك حق يف هذا‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪166‬‬
‫يدل على هذا أن النيب ﷺ يف قصة بريرة مع عائشة ‪ ‬ماذا قال ألمنا‬
‫عائشة قال‪ :‬خذيها واشرتطي هلم الوالء‪‬؛ كأنه يقول‪ :‬هذا ال ينفعهم‪ ،‬ألنه‬
‫معروف يف الشرع أن الوالء للمعتق‪ ،‬فإذا أخذهتا عائشة ‪ ‬فمن املعتق؟‬
‫املعتق عائشة ‪ ‬إذًا الوالء هلا‪ ،‬لكن أهل اجلارية اشرتطوا أن يكون الوالء‬
‫شرعا ملن أعتق‪ ،‬فقال النيب ﷺ‪ :‬خذيها واشرتطي‬
‫هلم مع علمهم أن الوالء ً‬
‫هلم الوالء‪ ‬ال ينفعهم هذا‪ ،‬مث ملا حصل هذا قال‪ :‬ما ابل أقوام يشرتطون‬
‫شروطًا ليست يف كتاب هللا‪ ،‬كل شرط ليس يف كتاب هللا فهو ابطل وإن‬
‫كان مئة شرط‪ ،‬قضاء هللا أحق‪ ،‬وشرط هللا أوثق‪ ،‬وإمنا الوالء ملن اعتق‪.‬‬
‫فهنا النيب ﷺ ِل يبطل العقد ولكنه أبطل الشرط‪ ،‬فنقول أنه إذا كان املشرتط‬
‫صحيحا‪.‬‬
‫عاملاً أن الشرط حرام؛ فإن الشرط يبطل ويكون العقد‬
‫ً‬
‫مباحا فاشرتطه هل يبطل‬
‫أما إذا كان ال يعلم حترمي الشرط بل يظنه ً‬
‫العقد؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن الشرط ابطل والعقد صحيح‪.‬‬
‫إذا قلنا ما الفرق بني اجلاهل والعاِل؟‬
‫الفرق يف اإلمث‪ ،‬العاِل مع بطالن الشرط أيمث‪ ،‬واجلاهل مع بطالن الشرط‬
‫ال أيمث‪ ،‬أما العقد فهو صحيح وال يضره هذا البطالن‪.‬‬
‫وذهب شيخ االسالم ابن تيمية ‪-‬رمحه هللا– إىل أنه‪" :‬إذا كان املشرتط‬
‫الزما‪ ،‬بل للمشرتط الفسخ‬
‫جاهال ابلتحرمي أن الشرط يبطل وال يكون العقد ً‬
‫أو اإلمضاء"‪.‬‬
‫‪|167‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫رأي شيخ اإلسالم ابن تيمية –رمحه هللا‪-‬؛ أنه إذا كان املشرتط جاهالً‬
‫ابلتحرمي‪ ،‬يظن الشرط مباحاً فاشرتطه‪ ،‬يقول شيخ اإلسالم‪" :‬الشرط ابطل"‬
‫ألنه خمالف للشرع‪" ،‬ولكن العقد غري الزم"‪ ،‬بل يوقف على إذن املشرتط‬
‫فإن شاء املشرتط فسخه‪ ،‬وإن شاء أمضاه‪.‬‬
‫وهذا القول مرجوح ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬لعموم قول النيب ﷺ‪ :‬كل شرط ليس‬
‫يف كتاب هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط‪ ،‬قضاء هللا أحق وشرط هللا‬
‫أوثق‪ ،‬والنيب ﷺ ِل يبطل العقد‪.‬‬
‫هناك رأي وجيه لبعض الفقهاء قالوا فيه‪ :‬إذا كان الشرط يقع به حمرم‬
‫زجرا للناس على اشرتاطه‪.‬‬
‫ً‬
‫شرعا؛ فإن العقد يبطل ً‬
‫كأن هؤالء الفقهاء يقولون‪ :‬لو قلنا للناس يف مثل هذه الشروط أن‬
‫الشرط ابطل والعقد صحيح؛ يتساهلون يف اشرتاطها‪ ،‬لكن إذا قلنا هلم إذا‬
‫ذكرمت الشرط يف العقد فإن الشرط ابطل والعقد ابطل‪ ،‬مثال ذلك‪ :‬مثالً أن‬
‫يبيعه جاريةً بشرط أن تكون ُمغنّية‪ .‬هذا يلزم منها احلرام‪ ،‬قالوا‪ :‬نقول العقد‬
‫سدا لذريعة هذه الشروط‪.‬‬
‫ابطل والشرط ابطل‪ً ،‬‬
‫هناك مسألة وهي‪:‬‬
‫أن من علم حرمة الشرط ال جيوز له الدخول يف العقد‪ ،‬سواء كان الشرط‬
‫يبطل العقد أو ال يبطل العقد‪ ،‬مىت يكون هذا؟ إذا اشرتط يف العقد حمرم‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪168‬‬
‫مثال واقعي‪ :‬البطاقات االئتمانية ‪-‬الفيزا واملاسرت كارد‪ -‬هذه البطاقات‬
‫يوما أو مخسني‬
‫يف عقدها شرط ربوي‪ ،‬وهو أن يتم السداد خالل أربعني ً‬
‫يوما‬
‫يوما‪ ،‬فإن زاد؛ احتسب عليه زايدة‪ ،‬فهذا راب‪ ،‬إذا سدد خالل أربعني ً‬
‫ً‬
‫يوما حتسب عليه زايدة‪ ،‬هذا‬
‫ال حتسب عليه زايدة‪ ،‬إذا زاد عن األربعني ً‬
‫الشرط ربوي‪ ،‬فمن علم به ال جيوز له أن يدخل أصال يف هذه املعاملة‪ ،‬فال‬
‫جيوز للنسان أن أيخذ البطاقة االئتمانية اليت فيها هذا العقد ويوقع على‬
‫العقد‪ ،‬ملاذا؟ ألنه يلزم منه الرضا مبا حرم هللا‪.‬‬
‫اآلن هذا العقد الذي فيه هذا الشرط إذا وقّعت عليه‪ ،‬ما معىن هذا‬
‫التوقيع؟‬
‫أ‪،‬ي ر ٍ‬
‫اض وموافق على هذا العقد مبا فيه هذا الشرط‪ ،‬فيلزم منه الرضا مبا‬
‫حرم هللا وهذا حرام فال جيوز‪.‬‬
‫فإذا كان الشرط يلزم منه إيقاع احلرام؛ مبعىن‪ :‬أنه شرط يوقع حر ًاما‪ ،‬فمن‬
‫علم حترميه فال جيوز له الدخول يف العقد‪ ،‬ألن الدخول يف العقد معناه الرضا‬
‫مبا حرم هللا‪ ،‬وهذا حرام ال جيوز‪.‬‬
‫أقول هذا‪ :‬وأن هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم؛ ألن بعض الناس‬
‫مثالً يقول‪ :‬أان أدخل مع البنك يف هذا العقد‪ ،‬ولكين أسدد خالل األربعني‬
‫يوما‪ ،‬فبالتايل ال أقع ابلراب‪ .‬نعم‪ ،‬إنك ال تقع يف الراب‪ ،‬لكنك وقـعت يف‬
‫ً‬
‫شرعا‪.‬‬
‫املشارطة ابلراب‪ ،‬فرضيت ابلشرط احملرم وهذا ال جيوز ً‬
‫‪|169‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ولذلك الذي أفيت به‪ :‬أن البطاقات االئتمانية مع البنوك الربوية ال جيوز‬
‫أخذها‪ ،‬ألن مجيع البنوك الربوية تشرتط هذا الشرط الربوي‪ ،‬نعم‪ ،‬هناك بنوك‬
‫إسالمية ال تشرتط هذا الشرط فإذا سلم العقد من هذا الشرط فال أبس‪ ،‬أما‬
‫مع هذا الشرط؛ فإنه ال جيوز الدخول يف هذا العقد‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬ما هي صفات الشرط الصحيح؟ فنقول‪:‬‬
‫صفات الشرط الصحيح‪:‬‬
‫[الصفة األوىل]‪ :‬أن يكون فيه منفعة يف الدنيا أو الدين‪.‬‬
‫يقول شيخ االسالم ابن تيمية – رمحه هللا ‪" :-‬إذا خال العمل املشروط‬
‫يف العقود كلها عن منفعة يف الدين أو يف الدنيا كان ابطالً ابالتفاق يف‬
‫أصول كثرية"‪ .‬ووجه هذا الشرط أن الشرط يتعلق ببذل املال‪ ،‬وبذل املال‬
‫يف ما ال منفعة فيه ال جيوز‪ ،‬فال بد أن يكون يف الشرط منفعة يف الدين أو‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫الصفة الثانية‪ :‬أن يكون الشرط مما يباح فعله بدون اشرتاط‪.‬‬
‫يعين يكون املشروط مما يباح فعله بدون اشرتاط‪ ،‬مثال‪ :‬رجل تزوج واحدة‬
‫وقال‪ :‬ما أريد أن أتزوج اثنية‪ ،‬أريد أن أبقى على الواحدة حىت أموت‪ ،‬جيوز‬
‫هذا أو ال جيوز؟ جيوز ابالتفاق‪ ،‬جيوز للرجل أن يكتفي بواحدة‪ ،‬إذن‬
‫صحيحا‪.‬‬
‫اشرتط كان‬
‫االكتفاء بواحدة جيوز فعله بدون الشرط؟ جيوز‪ .‬فإذا ُ‬
‫ً‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪170‬‬
‫مثال‪ :‬بعتك سيارة وقلت يل‪" :‬اي شيخ أان اآلن ال أحتاج السيارة وأنت‬
‫حمتاج للسيارة‪ ،‬لن تأيت سيارتك إال بعد شهر؛ فخذ السيارة انتفع هبا إىل أن‬
‫تصلك سيارتك بعد شهر"‪ ،‬جيوز لك أن تفعل هذا أو ال جيوز؟ جيوز‪،‬‬
‫خريا‪ ،‬فيجوز اشرتاطه‪ .‬فيجوز أن أقول‪ :‬أبيعك السيارة‬
‫إحسان‪ ،‬جزاك هللا ً‬
‫شهرا‪.‬‬
‫بشرط أن أركبها ً‬
‫إذن الصفة الثانية‪ :‬أن يكون األمر املذكور يف الشرط مما يصح فعله بدون‬
‫اشرتاط أو يباح فعله بدون اشرتاط‪.‬‬
‫يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪-‬رمحه هللا‪" :-‬ال بد أن يكون املشروط مما‬
‫يباح فعله بدون الشرط حىت يصح اشرتاطه"‪.‬‬
‫إذن صفات الشرط الصحيح‪:‬‬
‫أن تكون فيه منفعة يف الدين أو الدنيا‪ ،‬فإن ِل تكن فيه منفعة بل فيه‬
‫مضرة أو تلف فال يصح‪.‬‬
‫الصفة الثانية‪ :‬أن يكون املشروط أو املذكور يف الشرط مما يباح فعله‬
‫بدون الشرط؛ فإن كان املذكور يف الشرط مما ال يباح فعله؛ فإنه ال يصح‬
‫اشرتاطه‪ ،‬إذا ثبت هذا وهو أن األصل يف الشروط الصحة؛ فإنه يرتتب على‬
‫ذلك أنه يلزم الوفاء هبا‪.‬‬
‫‪|171‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫مثال‪ :‬تزوج امرأة وعند العقد اشرتطت عليه أن ال خترج من مدينتها‪ ،‬بعد‬
‫سنة‪ ،‬بعد سنتني قال‪ :‬اي فالنة أان أريد أن ننتقل إىل املدينة الفالنية قالت‪:‬‬
‫ال‪ ،‬أان اشرتطت عليك أ‪،‬ي ال أنتقل من مدينيت‪ ،‬قال‪ :‬ال؛ سننتقل‪ .‬فإذا ِل‬
‫يوف ابلشرط فما احلكم؟ اجلواب‪ :‬للمشرتط أن يفسخ العقد‪.‬‬
‫فكل شرط يلزم الوفاء به إذا ِل يوف به؛ ثبت الفسخ‪ ،‬ما معىن ثبت‬
‫الفسخ؟‬
‫يعين‪ :‬كان للمشرتط حق الفسخ‪ ،‬إن شاء فسخ وإن شاء أسقط شرطه‪.‬‬
‫مثال‪ :‬امرأة تزوجها رجل على أن ال خترج من مدينتها‪ ،‬بعد سنة قال‬
‫الرجل‪ :‬أان سأسافر‪ ،‬قالت له‪ :‬ال‪ ،‬أان اشرتطت عليك‪ ،‬هنا املرأة ابخليار إن‬
‫شاءت أسقطت الشرط ألنه حقها وتسافر معه والعقد صحيح‪ ،‬وإن شاءت‬
‫فسخت العقد‪ ،‬فينفسخ العقد‪ ،‬فكل شرط صحيح يلزم الوفاء به إذا ِل‬
‫يوف به يثبت للمشرتط حق الفسخ‪.‬‬
‫الفسخ‪ :‬هو حل عرى العقد‪ ،‬والطالق‪ :‬رفع العقد‪.‬‬
‫نكاحا أو غري ذلك‪ ،‬أما‬
‫الفسخ‪ُ :‬حي ّل به العقد‪ ،‬سواء كان بيعاً أو‬
‫ً‬
‫الطالق‪ :‬فهو رفع للعقد وهو من حق الزوج‪ .‬هذه خالصة ما يتعلق‬
‫ابلشروط‪.‬‬
‫| ‪172‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫لكن فقط أذكر للفائدة أن الشروط اجلعلية عند الفقهاء تنقسم إىل‬
‫قسمني‪:‬‬
‫‪ -1‬شروط التقييد‪ :‬كل شرط ملنفعة املشرتط يقع بعد العقد‪ .‬مثال‪:‬‬
‫شهرا‪ ،‬هذا شرط تقييد‪ ،‬ملاذا؟ ألنه قيد‬
‫أبيعك السيارة بشرط أن أركبها ً‬
‫تصرف املشرتي‪.‬‬
‫‪ -2‬شروط التعليق‪ :‬كل شرط يعلق به العقد‪ .‬فيكون ساب ًقا على‬
‫العقد‪ .‬مثال‪ :‬بعين هذه السيارة‪ ،‬فيقول‪ :‬أبيعك السيارة إن جاء زيد‪ ،‬فعلق‬
‫البيع على جميء زيد‪ ،‬هذا يسمى شرط التعليق‪.‬‬
‫فالشروط‪ :‬إما شروط تقييد‪ ،‬وإما شروط تعليق‪ ،‬واألصل يف الشروط‬
‫الصحة واجلواز وأنه يلزم الوفاء هبا إذا اشرتطت‪.‬‬
‫هذه خالصة ما يتعلق ابلشروط‪ ،‬وطبعاً هناك تفريعات يف الشروط‪،‬‬
‫مثل‪ :‬اشرتاط شرطني يف العقد‪ ،‬وهل يصح أو ال يصح؟ هذا من التفريعات‪.‬‬
‫والصحيح أن األصل يف الشروط الصحة‪ ،‬سواء وجد شرط أو شرطان أو‬
‫أكثر‪ .‬هذا خالصة ما يتعلق هبذه القاعدة‪.‬‬
‫***‬
‫‪|173‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اإلجابة على األسيلة‪:‬‬
‫السؤال األول‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬ذكرمت تقسيم العقود ابعتبار آاثرها يف‬
‫اليوم األول من الدورة ولكنكم ِل تذكروا إال العقود الالزمة فهل هناك عقود‬
‫أخرى؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫أظن اي إخوة أن قلت‪ :‬إن العقود‪:‬‬
‫ عقود الزمة للطرفني‪.‬‬‫ عقد الزم لطرف جائز لطرف‪.‬‬‫ وعقود جائزة للطرفني‪.‬‬‫معا كالبيع‪ ،‬وإما عقد الزم لطرف‬
‫فهذه أقسامها‪ :‬إما عقد الزم للطرفني ً‬
‫جائز لطرف مثل الرهن‪ ،‬وإما عقد جائز للطرفني مثل الشركة‪ ،‬وهذه‬
‫أقسامها وأظن أ‪،‬ي ذكرهتا‪.‬‬
‫السؤال الثاين‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬قلتم ال جيوز بيع املسلم اخلنزير وال‬
‫الصليب للكافر فهل جيوز أن يبيعها يف بالدهم للكفار وإذا كان لديهم حل‬
‫فهل يتخلصوا منه؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪174‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال جيوز أن يبيعها مطلقاً ال يف بالدهم وال يف غري بالدهم؛ ألن هللا‬
‫فحرم مثنها عليك‪ ،‬فال حيل لك أن تأكل مثنها‪ ،‬هذا ابلنسبة‬
‫حرمها عليك؛ ّ‬
‫ّ‬
‫للخنزير‪.‬‬
‫أما الصليب فال شك أنه ال جيوز أبي حال من األحوال‪ ،‬وكذلك‬
‫األصنام اليت تعبد‪ ،‬لكن ابلنسبة للخنزير؛ فأان أقول‪ :‬إن هللا ما دام حرم‬
‫عليك الذات؛ فقد حرم عليك الثمن‪.‬‬
‫السؤال الثالث‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬ما حكم بطاقة املاسرت كارد املدفوعة‬
‫علما أبن هذه البطاقة ال ميكن‬
‫مسبقاً الصادرة من املصارف اإلسالمية؛ ً‬
‫استخدامها إال بعد تعبئة رصيد فيها‪ ،‬ويتم اإلنفاق منها بقيمة هذا الرصيد‬
‫سنواي‪،‬‬
‫فقط‪ ،‬و ً‬
‫أيضا هناك رسوم عند إصدار البطاقة‪ ،‬ورسوم لتجديد البطاقة ً‬
‫ورسوم لتعبئة البطاقة ابلرصيد‪ ،‬ورسوم عند السحب النقدي من هذه‬
‫البطاقة‪ ،‬فما حكم هذه اجلوانب من هذه البطاقة؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫هذه البطاقات االئتمانية هي على نوعني‪:‬‬
‫ نوع‪ :‬له رصيد مغطى‪.‬‬‫‪ -‬ونوع‪ :‬له رصيد مكشوف‪.‬‬
‫‪|175‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يعين نوع يلزم أن تكون هناك قيمة مالية معبأة للبطاقة يسحب املال‬
‫يوما؛ ألن الثمن أيخذ‬
‫منها‪ ،‬وهذه البطاقة ال يكون فيها زايدة على أربعني ً‬
‫من الرصيد مباشرة يعين يف املدة احملددة فما حتتمل الراب‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬الرصيد املكشوف‪ ،‬هذه هي اليت حتتمل أنه ميكن أن يزيد على‬
‫يوما فيأخذ منها‪.‬‬
‫أربعني ً‬
‫أما قضية الرسوم فهي نوعان‪:‬‬
‫النوع األول‪ :‬رسوم مقطوعة‪ ،‬يعين تدفع مئة عند إصدار البطاقة‪ ،‬فهذه‬
‫صدرت قرارات اجملامع الفقهية جبوازها‪.‬‬
‫النوع الثا‪،‬ي‪ :‬رسوم منسوبة إىل املبلغ الذي تأخذه‪ ،‬إن كنت تأخذ‬
‫مخسني ألفا؛ فالرسوم كذا‪ ،‬مخسة يف املئة من املبلغ‪ ،‬إن كنت تدفع مئة‬
‫ألف؛ فالرسوم مخسة يف املئة من البلغ‪ ،‬فهذه ال جتوز‪ ،‬يشرتط يف رسوم‬
‫اإلصدار أن تكون مقطوعة غري منسوبة إىل املبلغ الذي أيخذ ابلبطاقة‪.‬‬
‫وأما قضية السحب ابلبطاقة االئتمانية يف داخل البالد؛ فاحلقيقة أهنا حمل‬
‫إشكال‪ ،‬ألنك إذا سحبت هبا خيصم عليك مبلغ أكثر من البطاقات‬
‫العادية‪ ،‬فالبطاقات العادية اآلن ال أيخذ عليها شيء‪ ،‬مع أن التكاليف يف‬
‫احلقيقة واحدة‪ ،‬وإن كان عندما راجعت املسؤولني عنها يف البنوك قالوا‪ :‬ألن‬
‫البطاقة االئتمانية فيها مصارف اتصاالت فضائية‪ ،‬كيف؟ قالوا‪ :‬إنك‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪176‬‬
‫صحيح أنك تصرف من املاكينة اليت يف البلد؛ لكن هذه البطاقة ال بد من‬
‫االتصال ابلشركة األصلية‪ ،‬وهذا مقابل االتصال الفضائي‪.‬‬
‫ولكن يف نفسي شيء من هذا ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬ألن الذي يظهر ‪-‬وهللا‬
‫أعلم‪ -‬أن البطاقة من حيث االستعمال ال حتتاج إىل هذا‪ ،‬وهلذا دائماً أقول‬
‫لألخوة الذين يستفتونين يف هذا الباب‪ :‬ال تسحب هبا‪ ،‬استعملها يف البيع‬
‫والشراء إذا كانت مما جيوز وال تسحب هبا‪.‬‬
‫فهمت يف مسألة بيع طيور الزينة؟‬
‫السؤال الرابع‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬ما‬
‫ُ‬
‫كيف يكون فيها منفعة؟ وكيف أعرف أنه ال منفعة فيها؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫وحنن إذا نظران يف طيور الزينة؛ األصل أنك ال ترى فيها منفعة‪ ،‬لكن قد‬
‫يرى أانس يف جمتمع أن فيها منفعة من حيث اقتنائها والتمتع بصوهتا وما‬
‫حتدثه يف البيت‪ ،‬ويرون يف هذا منفعة‪ ،‬فإذا كان الناس يرون يف العرف أن‬
‫فيها منفعة فإنه جيوز بيعها وشرائها‪.‬‬
‫أما إذا ِل جي مر هذا يف عرف الناس؛ فإن األصل أنه ال منفعة فيها وال جيوز‬
‫بيعها وال شراؤها‪.‬‬
‫‪|177‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫السؤال اخلامس‪ :‬يقول هل القول بصحة بيع الفضويل وأنه موقوف على‬
‫إذن املالك يلزم منه القول بصحة اإلجياب والقبول مع اختالف اجمللس؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال‪ ،‬ال يلزم منه هذا‪ ،‬ألن اإلجياب والقبول قد حصل يف اجمللس ولكن‬
‫هذا إمضاء له‪ ،‬له أن ميضيه وله أن يلغيه‪ ،‬هذا ليس إجيااب جديدا هذا‬
‫إمضاء للسابق‪.‬‬
‫السؤال السادس‪ :‬حفظكم هللا‪ ،‬كثر ذكركم لكتاب القواعد النورانية‬
‫لشيخ اإلسالم ابن تيمية‪ ،‬فلو حدثتنا عن هذا الكتاب وما هي أفضل طبعة‬
‫له؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫جدا ألفه شيخ اإلسالم –رمحه هللا‪-‬‬
‫أما هذا الكتاب فهو كتاب نفيس ً‬
‫دائما مع أصحاب الدليل‪ ،‬فمن وافق الدليل كانت‬
‫ليبني أن الوسطية ً‬
‫الوسطية احلقة معه‪ ،‬وهذا مقصود نفيس‪ ،‬وقد بينه شيخ اإلسالم ابن تيمية‬
‫جدا‪ ،‬وليس‬
‫ابألصول الكلية ال ابملسائل اجلزئية‪ ،‬وذكر قواعد نفيسة ً‬
‫الكتاب للحنابلة ‪-‬كما ينحو بعض من يكتبون يف القواعد الفقهية ويعدونه‬
‫م‬
‫ابلدليل‬
‫من قواعد احلنابلة‪ -‬بل هو كتاب يذكر املذاهب األربعة‪ ،‬ويُبني‬
‫الراجح‪ ،‬وأنه الوسط يف الباب‪.‬‬
‫| ‪178‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وأما الطبعات ‪-‬يف احلقيقة‪ -‬فإ‪،‬ي ال أفيت فيه‪ ،‬وأان ال أتتبع طبعات‬
‫كتااب ال أغريه لفوائد‬
‫الكتب‪ ،‬بل أان عندي عادة ‪-‬يف احلقيقة‪ -‬إذا اشرتيت ً‬
‫أراها يف هذا األمر‪ ،‬إال أن ينزل حتقيق فيه إفادة وزايدة فيُشرتى ملا فيه من‬
‫الزايدة وإال ال أستطيع أن أتكلم يف الطبعات‪.‬‬
‫***‬
‫‪|179‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الدرس السابع‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ .‬أما بعد‪،،،‬‬
‫هذه القواعد لو حفظها اإلنسان قاعدة قاعدة‪ ،‬حىت لو ِل يدخل يف‬
‫ط له مسائل البيوع ضبطًا على الراجح من أقوال أهل العلم‬
‫التفاصيل؛ تضب ُ‬
‫الذي دل عليه الدليل‪.‬‬
‫وحنن كنا قد ذكران سبع قواعد يف اجملالس املاضية‪ .‬نذكر اليوم‪:‬‬
‫القاعدة الثامنة‪" :‬األصل أنه ال يقع البيع إال من راشد"‪.‬‬
‫القاعدة املستمرة؛ أنه ال يقع البيع وال يصح إال من راشد‪.‬‬
‫والراشد ‪-‬كما يقول الفقهاء‪ -‬هو جائز التصرف‪ ،‬فمن هو جائز‬
‫التصرف أيها الفقهاء؟ يقولون‪ :‬هو احلُر البالغ العاقل الرشيد؛ وجيمعها كلها‬
‫الرشد‪ ،‬الرشد املطلق‪.‬‬
‫ُ‬
‫حرا ُفرشده انقص؛ ألنه انقص جبانب املالية اليت فيه‪.‬‬
‫من ِل يكن ً‬
‫من ِل يكن ابلغًا؛ فرشده انقص؛ ألن البالغ أصالً غري مكلف‪ ،‬ملاذا‬
‫الصيب غري مكلف؟ ألن آلة الفهم عنده انقصة ُفرشده انقص‪.‬‬
‫اجملنون ال رشد عنده النعدام اآللة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪180‬‬
‫الرشيد هو الذي حيسن التصرف‪ ،‬الذي ال حيسن التصرف ليس عنده‬
‫موجودا فيه ليس عنده رشد‪.‬‬
‫ُرشد‪ ،‬ولو كان ابلغًا ولو كان أصل العقل‬
‫ً‬
‫فمعىن ال ُرشد كما يقول الفقهاء‪ :‬أن يكون العاقد جائز التصرف‪ ،‬ملاذا؟‬
‫قالوا‪ :‬ألن البيع يشرتط له الرضا كما تقدم معنا‪ ،‬وانقص الرشد؛ انقص‬
‫الرضا فال يعترب بيعُه‪ ،‬يقولون‪ :‬كاإلقرار‪ ،‬اإلقرار ال يُقبل من غري الرشيد؛‬
‫فكذلك البيع‪.‬‬
‫يرتتب على هذا أنه ال يصح بيع اجملنون؛ فاجملنون لو ابع أو اشرتى فبيعه‬
‫ابطل إبمجاع العلماء النعدام الرشد فيه‪ ،‬وال يصح بيع العبد إال إبذن سيده‪،‬‬
‫ألن نقصه من جهة أنه مملوك؛ فإذا أذن له سيده انتفى هذا النقص؛ فإذا‬
‫أذن له سيده؛ صح ذلك‪.‬‬
‫وال يصح بيع الصيب‪ ،‬والصيب ينقسم إىل قسمني‪:‬‬
‫ صيب غري مميز‪ :‬وهو الذي كما يقول الفقهاء‪ :‬ال يعرف اخلري من‬‫الشر‪ ،‬وال التمرة من اجلمرة‪ ،‬لو أعطيته مترة أخذها ولو أعطيته مجرة أخذها‪،‬‬
‫إال أن جيرهبا فال يعود إليها‪ ،‬هذا غري مميز‪ ،‬وهذا ال يصح بيعه ابتفاق‬
‫العلماء‪.‬‬
‫ وصيب مميز‪ :‬وهو الصيب الذي يدرك املعا‪،‬ي ويفهم الكالم‪ ،‬لكنه دون‬‫البلوغ‪ ،‬هو صيب يعرف الضار من النافع‪ ،‬بدأ يعرف لكن معرفته انقصة‪،‬‬
‫هذا ال يصح بيعه لكونه انقص العقل‪ ،‬ولذلك ِل يكلف ابألحكام الشرعية‪.‬‬
‫‪|181‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫كبريا‪،‬‬
‫وال يصح بيع السفيه‪ ،‬والسفيه‪ :‬الذي ال ُحيسن التصرف ولوكان ً‬
‫تعطيه شيء مثني يباع أبلف فيبيعه بعشرة‪ ،‬ورمبا يكون يف العشرين أو‬
‫اخلمسة والعشرين‪ ،‬تعطيه مئة رايل يذهب وأيخذ هبا حالوة؛ عنده سفه يف‬
‫ََ ُُۡ ْ‬
‫التصرف ال حيسن التصرف‪ ،‬فهذا ال يصح بيعه لقول هللا ‪﴿ :‬وَل تؤتوا‬
‫ُّ َ َ ٓ َ َ ۡ َ َٰ َ ُ ُ ذ َ َ َ ذ ُ َ ُ‬
‫َ‬
‫ٗ‬
‫ۡ‬
‫َٰ‬
‫ٱلسفهاء أمولكم ٱل ِِت جعل ٱّلل لكم ق ِيما ﴾ [النساء‪]5:‬؛ فنهى هللا ‪‬‬
‫عن أن نؤيت السفهاء أموالنا؛ ألن هللا ‪-‬عز وجل‪ -‬قد جعلها قو ًاما حلياتنا‬
‫ومعايشنا‪ ،‬تقوم عليها حياتنا وتقوم عليها معايشنا؛ فال جيوز تضييعها‪،‬‬
‫وإعطاء السفهاء األموال فيه تضييع‪ ،‬وهني هللا ‪ ‬عن أن نؤيت السفهاء‬
‫األموال؛ يتضمن النهي عن بيعهم‪ ،‬ألن بيعهم تصرف يف املال يرتتب عليه‬
‫ضياع املال‪.‬‬
‫لكن قال الفقهاء‪ :‬السفيه والصيب يصح بيعهما إبذن الويل‪ ،‬يعين‪ :‬الصيب‬
‫يصح بيعه إبذن األب‪ ،‬والسفيه يصح بيعه إبذن القيّم عليه‪ .‬ملاذا؟‬
‫قالوا‪ :‬ألن هللا أمر اببتالئهما‪ ،‬اببتالء اليتامى والسفهاء‪ ،‬وابتالؤمها يكون‬
‫بتجربتهما يف البيع‪ .‬السفيه الذي عُرف منه السفه ال نُؤتيه املال حىت نبتليه‪،‬‬
‫كيف نبتليه؟ نعطيه بعض املال ليبيع ويشرتي؛ فإن أحسن؛ عرفنا أن السفه‬
‫اندفع عنه‪ ،‬وكذلك األب يبتلي ابنه أو يبتلي اليتيم الذي له مال؛ فيعطيه‬
‫بعض املال ليتصرف فيه؛ فإن أحسن التصرف فإنه يُدفع إليه املال وإال فال‪.‬‬
‫أيضا؛ قال الفقهاء‪ :‬تصرف الصيب والسفيه ابلبيع يصح يف اليسري‪ ،‬يصح‬
‫ً‬
‫يف القليل‪ ،‬يصح أن الصيب يشرتي حالوة‪ ،‬يشرتي شيء يسري‪ ،‬وكذلك‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪182‬‬
‫السفيه‪ .‬وكذلك يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه يصح فيما حيتاجان إليه‪ ،‬يعين‪:‬‬
‫الصيب حيتاج أن أيكل ووالده غري موجود؛ يصح أن يشرتي ما حيتاج إليه‪،‬‬
‫السفيه حيتاج أن أيكل أو حيتاج أن يلبس ووليه غري حاضر؛ يصح البيع‪.‬‬
‫إذن األصل أن بيع السفيه وبيع الصيب ال يصح‪ ،‬ويستثىن من ذلك‬
‫ثالثة حاالت‪:‬‬
‫ احلالة األول‪ :‬إذا أذن الويل ‪ -‬األب أو ويل اليتيم أو ويل السفيه ‪-‬‬‫وال جيوز هلم أن أيذنوا إال عند األمن على املال أو االختبار‪ .‬يعين حنن نقول‬
‫للويل‪ :‬ال جيوز لك أن تأذن له يف أن يتصرف إال عند االختبار أو عند‬
‫األمن‪ ،‬عرفت أنه حيسن التصرف‪.‬‬
‫ احلالة الثانية‪ :‬إن يبيع اليسري‪ ،‬وقد ثبت أن أاب الدرداء ‪ ‬اشرتى‬‫كثريا جيوز بيعه‬
‫ً‬
‫عصفورا من صيب وأطلقه‪ .‬فاليسري الذي ال يلتفت إليه ً‬
‫وشراءه مع الصيب‪.‬‬
‫ احلالة الثالثة‪ :‬ما حيتاجان إليه‪ ،‬فما حيتاج إليه الصيب أو ما حيتاج إليه‬‫السفيه فإنه يصح؛ ويدخل يف ذلك حاجة أهله‪ ،‬يعين‪ :‬امرأة غاب زوجها‬
‫وليس عندها من يقوم حباهلا‪ ،‬وعندها صيب ترسله ليشرتي هلا للبيت‪ ،‬فهنا‬
‫‪|183‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫جيوز لوجهني‪ :‬الوجه األول‪ :‬احلاجة‪ .‬والوجه الثا‪،‬ي‪ :‬أن األم هنا تنزل منزلة‬
‫الويل‪.‬‬
‫فهذه قاعدة تضبط البيوع‪ ،‬األصل أنه ال يصح البيع إال من راشد‪.‬‬
‫مث ننتقل إىل القاعدة التاسعة‪ ،‬وهذه قاعدة طويلة انفعة‪ ،‬تضبط يف‬
‫كثريا من البيوع املنهي عنها‪.‬‬
‫احلقيقة ً‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪184‬‬
‫القاعدة التاسعة‪" :‬األصل منع ما يؤدي إىل النزاع يف البيوع"‪.‬‬
‫هذه القاعدة معناها‪ :‬أن القاعدة املستمرة يف البيوع منع ما يؤدي إىل‬
‫النزاع غالبًا فيها‪.‬‬
‫فإذا وجدت صورة من صور البيوع وغلب على ظنك أن هذا يؤدي إىل‬
‫النزاع فقف؛ فاألصل هنا املنع‪ .‬األصل أنه ال جيوز وال يصح‪.‬‬
‫ودليل هذه القاعدة‪:‬‬
‫ أوالً‪ :‬األدلة العامة اليت دلت على األُلفة بني املسلمني‪ ،‬والنزاع خيالف‬‫األلفة‪.‬‬
‫ اثنيًا‪ :‬البيوع املنهي عنها دلت على منع النزاع يف البيوع‪ .‬كما سنبني‬‫إن شاء هللا‪.‬‬
‫ما هو دليل القاعدة؟ نقول دليالن من جهتني من أصلني‪:‬‬
‫اجلهة األوىل‪ :‬األدلة العامة اليت دلت على األلفة بني املسلمني والبعد عن‬
‫التفرق‪.‬‬
‫والوجه الثا‪،‬ي‪ :‬البيوع املنهي عنها اليت هني عنها ألهنا تؤدي إىل النزاع‪،‬‬
‫كما سيأيت إن شاء هللا ‪.‬‬
‫ويدخل يف هذه القاعدة ما يسمى بـ‪:‬‬
‫بيع الغرر‪:‬‬
‫‪|185‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫جدا يف ابب البيوع‪ ،‬تتفرع عليه مسائل كثرية‬
‫وبيع الغرر‪ :‬أصل عظيم ً‬
‫جدا‪.‬‬
‫ً‬
‫والغرر يف اللغة‪:‬‬
‫قيل‪ :‬إنه مأخوذ معناه من الغرور‪ ،‬وهو اخلداع‪ ،‬واألكل ابلباطل‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬من التغرير‪ ،‬والتغرير هو التعريض للهلكة‪ ،‬يقال‪ :‬غرر بنفسه‪ ،‬أي‬
‫عرض ماله للهالك‪.‬‬
‫عرض نفسه للهالك‪ ،‬غرر مباله‪ ،‬أي ّ‬
‫وقيل‪ :‬إنه من معىن اخلطر‪ ،‬ألن من معا‪،‬ي الغرر اخلطر‪ .‬وكلها موجودة‬
‫يف بيع الغرر؛ فبيع الغرر‪ :‬قد يوجد فيه اخلداع‪ ،‬ويوجد فيه تعريض املال‬
‫للهلكة؛ ألن اإلنسان ال يدري؛ ويوجد فيه اخلطر الحتمال الوقوع واحتمال‬
‫عدم الوقوع‪.‬‬
‫وقد تنوعت تعبريات العلماء يف التعبري عن الغرر‪ ،‬فمثالً‪:‬‬
‫قال اخلطايب‪ :‬يف "معاِل السنن"‪” :‬كل بيع كان املقصود منه جمهوالً غري‬
‫عرب‬
‫معلوم أو معجوزاً عنه غري مقدور عليه فهو غرر“‪ .‬ما ضابط الغرر؟ ّ‬
‫اخلطايب هبذا الضابط‪ ..‬ما معىن هذا الكالم؟‬
‫"كل بيع كان املقصود منه"‪ :‬يعين العني املبيعة أو الثمن‪.‬‬
‫"جمهوالً غري معلوم"‪ :‬أبيعك سيارة مبئة ألف‪ ،‬وتقول‪ :‬قبلت‪ .‬أي سيارة؟‬
‫جديدة قدمية؟ من أي األنواع؟ جمهولة! غري معلوم! هذا غرر‪ ،‬أنت ختاطر‬
‫مبالك‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪186‬‬
‫أو أقول‪ :‬أبيعك سياريت هذه‪ .‬وتقول‪ :‬قبلت‪ .‬بكم؟ ما ذكران! هذا غرر‪،‬‬
‫هذا معىن قول اخلطايب رمحه هللا‪" :‬كل بيع كان املقصود منه جمهوالً غري‬
‫معلوم أو معجوزاً عنه غري مقدور"‪.‬‬
‫قد يكون معلوماً لكنه معجوز عنه‪ ،‬ال يقدر عليه‪ ،‬مثل السمك يف املاء‬
‫الكثري‪:‬‬
‫إنسان واقف على البحر‪ ،‬صياد قال‪ :‬أبيعك السمك الذي يف هذا‬
‫البحر! هذا ما يقدر على أن يسلمه! والحظوا أن الفقهاء قالوا‪" :‬السمك‬
‫صيادا يصيد‬
‫يف املاء الكثري" إلخراج السمك يف املاء القليل؛ فلو أن ً‬
‫السمك وأييت به حيًا إىل السوق يف أحواض فيها ماء‪ ،‬يقول‪ :‬أبيعك هذا‬
‫السمك بكذا‪ ،‬وهذا السمك بكذا؛ هذا يقدر أن يسلمه‪ ،‬إذا اشرتاه أعطاه‬
‫إايه‪ ،‬كبيع السمك يف املاء الكثري والطري يف اهلواء؛ فإنه غري مقدور على‬
‫تسليمه‪.‬‬
‫وقال النووي يف شرحه على صحيح مسلم‪” :‬النهي عن الغرر أصل‬
‫عظيم من أصول كتاب البيوع‪ ،‬وهلذا قدمه مسلم‪ ،‬ويدخل فيه مسائل كثرية‬
‫غري منحصرة كـبيع اآلبق“‪.‬‬
‫جتدون يف لسان الفقهاء بيع اآلبق وبيع الشارد‪ .‬اآلبق‪ :‬هو العبد الذي‬
‫هرب عن سيده‪ .‬والشارد‪ :‬هو البعري الذي ن ّد ‪ -‬يعين هرب ‪ -‬عن صاحبه‪.‬‬
‫‪|187‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫قال‪” :‬كبيع اآلبق‪ ،‬واملعدوم‪ ،‬واجملهول‪ ،‬وما ال يُقدر على تسليمه‪ ،‬وما ِل‬
‫يتم ملك البائع عليه‪ ،‬وبيع السمك يف املاء الكثري‪ ،‬واللنب يف الضرع‪ ،‬ونظائر‬
‫ذلك‪ ،‬وكل هذا بيعه ابطل“‪ .‬هذا من كالم النووي‪.‬‬
‫يقول‪” :‬النهي عن الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع وهلذا قدمه‬
‫مسلم ‪ -‬يعين يف الصحيح ‪ -‬ويدخل فيه مسائل كثرية غري منحصرة كبيع‬
‫اآلبق واملعدوم واجملهول وما ال يقدر على تسليمه وما ِل يتم ملك البائع عليه‬
‫وبيع السمك يف املاء الكثري واللنب يف الضرع ونظائر ذلك وكل هذا بيعه‬
‫ابطل“‪.‬‬
‫مرتددا بني‪ :‬أن يُسلّم‬
‫وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية عن الغرر‪” :‬ما كان ً‬
‫للمشرتي فيحصل املقصود ابلعقد منه؛ وبني‪ :‬أن يعطب فال حيصل املقصود‬
‫ابلعقد“‪.‬‬
‫مثل‪ :‬بيع الثمر قبل بدو الصالح؛ غرر! ‪ -‬كما سيأيت إن شاء هللا‪ -‬ألنه‬
‫ميكن أن تكتمل وميكن أن تتلف؛ فهذا ضابط ذكره شيخ اإلسالم ابن‬
‫تيمية رمحه هللا‪.‬‬
‫وقال ابن القيم ‪-‬رمحه هللا‪” :-‬الغرر‪ :‬ما ِل يُعلم حصوله‪ ،‬أو ال يُقدر‬
‫على تسليمه‪ ،‬أو ال تُعرف حقيقته ومقداره“ ثالثة أشاء‪:‬‬
‫"الغرر ما ال يعلم حصوله"‪ :‬أبيعك مثر البستان بعد سنة ليس هذا الثمر‬
‫املوجود‪ .‬أبيعك مثر البستان السنة القادمة‪ .‬ميكن حيصل وميكن ال حيصل‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪188‬‬
‫"أو ال يقدر على تسليمه"‪ :‬كما قلنا كبيع السمك يف املاء الكثري‪.‬‬
‫"أو ال تعرف حقيقته ومقدراه"‪ :‬أبيعك اللنب يف ضرع البقرة‪ ،‬قد يكون‬
‫كثريا‪ ،‬فهذا غرر‪.‬‬
‫ضرع البقرة ً‬
‫منتفخا من مرض‪ ،‬وقد حتلب قليالً وقد حتلب ً‬
‫فالغرر قد يكون من جهة العقد وأثره‪:‬‬
‫يعين‪ :‬عند التعاقد‪ ،‬كبيع احلصاة‪ ،‬بيع احلصاة‪ :‬فيه أثر‪ ،‬فيه غرر من جهة‬
‫العقد واألثر ‪ -‬كما سيأيت إن شاء هللا ‪.-‬‬
‫وقد يكون من جهة الثمن ومقداره‪:‬‬
‫كبيع السلعة بثمنني‪ ،‬ينعقد عليهما العقد‪ ،‬أبيعك هذه السلعة حاضرة‬
‫مبئة وأبيعك هذه السلعة غائبة مبئة ومخسني ويقول‪ :‬قبلت‪ .‬ما مثن السلعة؟‬
‫ممكن أن يكون مئة وممكن أن يكون مئة ومخسني؛ فهذا غرر‪.‬‬
‫وقد يكون من جهة عدم معرفة املبيع‪:‬‬
‫أبيعك ما يف ُك مّمي بعشر رايل‪ ،‬ومنه ‪ -‬ما أدري ماذا يسمى عندكم –‬
‫لكن كان قدمياً ما أدري اآلن ما أراه موجوداً يسمونه "شختك خبتك" علبة‬
‫فيها أشياء كثرية مغطاة‪ ،‬جتيء بنصف رايل‪ ،‬برايل‪ ،‬وتأخذ واحد وتفتح هذا‬
‫املكان‪ ،‬ممكن جتد لعبة تساوي مخس رايل‪ ،‬وممكن جتد لعبة تساوي قرش‬
‫شكرا‪ ،‬مثل "اليانصيب" لكنها بيوع‪.‬‬
‫واحد‪ ،‬ممكن أن جتد ورقة فيها ً‬
‫‪|189‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫هذا ال شك أنه غرر ال يعرف فيه املبيع؛ كان الفقهاء يقولون‪ :‬بيع ما يف‬
‫ال ُك ّم‪ ،‬أبيعك ما يف كمي بعشرة‪ ،‬حظك‪ ،‬ميكن يكون أحسن من عشرة‬
‫وميكن يكون أقل من عشرة؛ فهذا غرر من جهة معرفة املبيع‪.‬‬
‫وقد يكون من جهة اجلهل بصفة املبيع وقدره‪:‬‬
‫كاللنب يف الضرع؛ فاللنب يف الضرع ال يعرف مقداره‪.‬‬
‫وقد يكون من جهة عدم القدرة على التسليم‪:‬‬
‫قادرا على التسليم؛ فإذا طلب منه التسليم فإنه ال‬
‫ال يكون اإلنسان ً‬
‫يقدر على ذلك‪ ،‬كبيع السمك يف املاء الكثري‪ ،‬وبيع البعري الشارد‪ ،‬وبيع‬
‫السيارة املسروقة‪ :‬ليست من جهة سارقها بل من جهة مالكها‪ ،‬يعين‪ :‬بعض‬
‫الناس مثالً تُسرق سيارته وقيمتها مئة ألف ما يدري ترجع أو ما ترجع؛‬
‫فيقول لرجل‪ :‬أبيعها لك خبمسني ألف وأنت وحظك‪ ،‬إن رجعت فقد‬
‫رحبت مخسني ألفاً‪ ،‬وإن ما رجعت فقد خسرت مخسني ألفاً‪ ،‬هذا غري قادر‬
‫على تسليم السيارة‪ ،‬فهذا غرر‪.‬‬
‫وقد يكون من جهة جهالة وقت التسليم‪:‬‬
‫كالبيع إىل حني ميسرة؛ يقول‪ :‬أبيعك هذه السيارة خبمسني ألفاً إىل حني‬
‫ميسرة‪ ،‬حني ميسرة مىت؟ ممكن بعد سنة‪ ،‬بعد سنتني‪ ،‬ميكن بعد عشر‬
‫سنني‪ ،‬ميكن بعد عشرين سنة‪ ،‬هذا أجل غري معلوم‪ ،‬ففيه غرر‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪190‬‬
‫أو يقول‪ :‬أبيعك إىل موت فالن‪ ،‬يعين أبيعك السيارة وأُؤجل الثمن إىل‬
‫أن ميوت فالن‪ ،‬هللا أعلم مىت ميوت؟ ميكن ميوت البائع قبل أن ميوت من‬
‫علق دفع الثمن مبوته؛ فهنا فيه جهالة يف وقت التسليم‪.‬‬
‫هذه ضابطة ألنواع الغرر يف البيوع‪ ،‬وقد هنى النيب ﷺ عن بيع الغرر كما‬
‫يف صحيح مسلم‪ ،‬وأشار إليه البخاري يف الرتمجة وِل ُخيرجه؛ فاحلديث ليس‬
‫يف البخاري‪ ،‬ولكن البخاري ترجم لبيع الغرر يف الصحيح؛ فاحلديث ليس‬
‫على شرطه ولكن معناه صحيح عنده؛ ولذلك ترجم له‪.‬‬
‫ومن صور بيع الغرر؛ بيوع جاء النهي عنها‪:‬‬
‫منها بيع احلصاة‪:‬‬
‫وقد هنى رسول هللا ﷺ عن بيع احلصاة كما عند مسلم‪ ،‬وبيع احلصاة له‬
‫صور كلها فيها غرر‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ أن يتفق الطرفان على بيع سلعة معينة وبثمن معني‪ ،‬وجيعال رمي‬‫احلصاة وقت لزوم العقد‪ .‬يعين مىت يلزم العقد؟ إذا رمى أحدمها احلصاة!‬
‫املبيع معلوم‪ ،‬والثمن معلوم‪ ،‬يقول‪ :‬أبيعك هذه السيارة خبمسني ألفا على أن‬
‫العقد ال يلزم إال إذا رميت احلصاة‪ ،‬معه حصاة يف يده؛ قال‪ :‬ال يلزم العقد‬
‫إال إذا رميت احلصاة‪ .‬أين الغرر هنا؟ الغرر ليس يف املبيع وليس يف الثمن‬
‫وإمنا يف وقت العقد‪ ،‬وقد ال يرمي احلصاة وقد يرميها بعد وقت‪.‬‬
‫‪|191‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ ومنها‪ :‬أن يتفق الطرفان على بيع سلعة غري معينة من سل ٍع متعددة‪،‬‬‫ُحتدد تلك السلعة برمي احلصاة‪ .‬يعين‪ :‬عنده سلع‪ ،‬سيارات؛ فيقول‪ :‬أبيعك‬
‫سيارة من هذا املعرض بعشرين ألفاً على أن حنددها برمي احلصاة؛ إما أان‬
‫البائع وإما أنت أيها املشرتي‪ ،‬فالذي تقع عليه احلصاة هو السلعة؛ فهنا‬
‫الغرر يف عني السلعة‪.‬‬
‫ ومنها‪ :‬أن يتفق الطرفان على مثن معني ألرض حدودها تبدأ من كذا‬‫إىل مكان وقوع احلصاة‪ ،‬يقول‪ :‬أبيعك األرض مبئة ألف‪ ،‬وحدود األرض من‬
‫هنا إىل حيث تقع احلصاة؛ فيقول‪ :‬قبلت‪ ،‬مث ترمى احلصاة وحيث ما‬
‫وصلت فهو حد األرض‪ ،‬وهنا الغرر يف هذا ظاهر‪.‬‬
‫ ومنها‪ :‬أن يتفق الطرفان على البيع‪ ،‬ويشرتط اخليار هلما أو ألحدمها‬‫إىل أن تُرمى احلصاة‪ .‬يقول‪ :‬أبيعك األرض خبمسني ألفاً بشرط أن يكون يل‬
‫غدا إن شاء هللا‪ -‬لكنه يقول‪ :‬بشرط أن يكون‬
‫اخليار ‪-‬واخليار سنتكلم عنه ً‬
‫يل اخليار؛ إىل مىت؟ إىل أن أرمي احلصاة‪ .‬يقول‪ :‬أبيعك السيارة خبمسني ألفاً‬
‫بشرط أن يكون يل اخليار إىل أن أرمي احلصاة؛ هذا أجل جمهول ففيه غرر‪.‬‬
‫ ومنها‪ :‬أن يتفق الطرفان على بيع سلعة معينة بثمن ُحيدد ابحلصى‪.‬‬‫يقول‪ :‬أبيعك هذا الكتاب بعدد احلصى الذي آخذه من األرض؛ الثمن‬
‫اآلن جمهول‪ ،‬هللا يعلم كم حصاة‪.‬‬
‫ومن الصور اليت تقع اآلن‪ :‬توضع دائرة فيها أرقام‪ ،‬يقول‪ :‬تأخذ هذه‬
‫السلعة ابلرقم الذي تضرب السهم فيه‪ :‬مكتوب مئة‪ ،‬مخسني‪ ،‬عشرين‪،‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪192‬‬
‫والعشرة الصغري‪ ،‬فأنت ترمي السهم‪ ،‬فالرقم الذي يقع عليه السهم هو مثن‬
‫السلعة‪ ،‬هذا من بيع احلصاة‪.‬‬
‫ ومما ذكره الفقهاء‪ :‬أن يبيع السلعة بثمن م‬‫بعد مد ما يُك ّسر من هذه‬
‫احلصاة‪ ،‬يقول‪ :‬أبيعك هذا الكتاب بعدد ما أكسره من هذه احلصاة‪،‬‬
‫حصاة واحدة ميكن يكسر منها عشرة‪ ،‬ميكن يكسر منها مخسة‪ ،‬ميكن‬
‫يكسر منها أكثر؛ فهذا كله من صور بيع احلصاة‪.‬‬
‫ ومن صور بيع احلصاة‪ :‬وجود آلة دوارة تدور أبرقام‪ ،‬وما استقر عليه‬‫عددا هلا‪:‬‬
‫الرقم يكون مثنًا للسلعة أو ً‬
‫‪ ‬إما أن يقال‪ :‬تدفع مئة وتأخذ من هذا اجلنس بعدد ما يقف‬
‫عليه السهم‪ ،‬فيديرون اآللة فإذا وقف على عشرة أيخذ عشرة مبئة‪ ،‬وإذا‬
‫وقف على مخسة أيخذ مخسة مبئة‪ ،‬إذا وقف على سبعني أيخذ سبعة‬
‫مبئة‪.‬‬
‫‪ ‬أو يكون للثمن‪ ،‬فالسلعة واحدة فيقول‪ :‬حيث ما وقف السهم‬
‫لك؛ فالسلعة لك هبذا الثمن‪ ،‬هذا من بيع احلصاة الذي ال جيوز‪.‬‬
‫ومن صور بيع الغرر بيع املالمسة واملنابذة‬
‫وقد هنى النيب ﷺ عن املالمسة واملنابذة يف البيع كما يف الصحيحني‪.‬‬
‫واملالمسة‪ :‬مفاعلة من اللمس ابليد‪ ،‬وهلا صور عند الفقهاء منها‪:‬‬
‫‪|193‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ أن جيعل الطرفان ملس املبيع موجبًا للبيع‪ .‬فيقول أحدمها لآلخر‪ :‬ثويب‬‫لك بكذا إن ملسته‪ ،‬فيجعالن اللمس للسلعة هو املوجب للبيع من غري نظر‬
‫يف الثوب‪ ،‬جمهول! فهنا فيه جهالة‪.‬‬
‫قائما مقام العلم‪ .‬فيؤتى بشيء يف ظالم أو يف‬
‫ ومنها أن ُجيعل اللمس ً‬‫كيس فيقال‪ :‬الذي تلمسه لك بعشرة‪ ،‬فيُدخل يده يف الكيس فيلمسه‬
‫وخيرجه؛ أو يف ظالم ما يدري ما هو ما صفته؟ فيقول‪ :‬الذي تلمسه لك‬
‫بعشرة؛ فهذا من صور بيع املالمسة‪.‬‬
‫واملنابذة‪ :‬من النبذ وهو الطرح‪ ،‬وهلا صور‪:‬‬
‫بيعا‪،‬‬
‫ منها أن جيعل الطرفان ‪-‬يعين البائع واملشرتي‪ -‬النبذ بينهما ً‬‫فيطرح البائع السلعة ويطرح املشرتي الثمن من غري نظر‪[ .‬يقول‪ ]:‬تعال أان‬
‫أرمي عليك السلعة وأنت ترمي علي الثمن من غري نظر‪ ،‬كانوا ميثلون‬
‫ويقولون‪ :‬أن يطرح البائع ثوبه ويطرح املشرتي ثوبه من غري نظر وال تأمل‪،‬‬
‫علي ثوبك‪ ،‬ميكن أن يكون ثويب حمروقًا‪ ،‬ميكن‬
‫أطر ُح عليك الثوب فتطر ُح ّ‬
‫أن يكون فيه من العيوب الشيء الكثري‪ ،‬وميكن أن يكون الثمن كذلك‪،‬‬
‫هذا فيه جهالة‪.‬‬
‫ وقد يكون النبذ من أحد الطرفني‪ .‬فيقول‪ :‬أبيع لك أحد األثواب اليت‬‫أنبذه عليك بعشرة‪ ،‬عنده كومة فيها أنواع من الثياب‪ ،‬يقول‪ :‬الثوب الذي‬
‫أيضا من صور‬
‫ثواب فيطرحه عليك؛ فهذا ً‬
‫أطرحه عليك بعشرة‪ ،‬فيأخذ ً‬
‫املنابذة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪194‬‬
‫ومن صور بيع الغرر مسألة‪ :‬البيعتني يف بيعة‪.‬‬
‫وقد ‪‬هنى رسول هللا ﷺ عن بيعتني يف بيعة‪ ‬ويف رواية‪ :‬من ابع بيعتني‬
‫يف بيعة فله أوكسهما أو الراب‪ ‬رواه أمحد والبيهقي وابن خزمية والنسائي‬
‫والرتمذي وغريهم‪ ،‬وقوى إسناده مجع من أهل العلم‪.‬‬
‫وقد فسر العلماء قول ‪‬البيعتني يف بيعة‪ ‬بصور منها‪:‬‬
‫ أن يبيع الرجل السلعة فيقول‪ :‬هي نقد بكذا ومؤجلة بكذا‪ ،‬فيذكر‬‫للسلعة مثنني ينعقد عليهما العقد‪ .‬وهذا تفسري أكثر السلف‪ :‬أن يقول‬
‫للسلعة‪ :‬هي حاضرة مبئة ومؤجلة مبئة ومخسني؛ فيقول‪ :‬اشرتيت؛ فينعقد‬
‫العقد عليهما‪.‬‬
‫هذا فيه غرر؛ هل هي مبئة أو مبئة ومخسني؟ وهذا تفسري أكثر السلف‪،‬‬
‫إمجاعا على‬
‫بل هو تفسري مجهور أهل العلم‪ ،‬بل حكاه بعض أهل العلم ً‬
‫تفسري البيعتني يف بيعة‪.‬‬
‫وهلذا قال الرتمذي‪” :‬فسر بعض أهل العلم قالوا‪ :‬بيعتني يف بيعة أن‬
‫يقول‪ :‬أبيعك الثوب ٍ‬
‫بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين؛ وال يفارقه على أحد‬
‫البيعني“ بل يفارقه عليهما معاً؛ قال الرتمذي‪” :‬فإذا فارقه على أحدمها فال‬
‫أبس إذا كانت العُقدةُ على أحدمها“‪.‬‬
‫‪|195‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫قال‪ :‬أبيعك هذه السيارة خبمسني ألفاً حاضرة وبسبعني ألفاً مؤجلة على‬
‫ثالث سنني؛ قال‪ :‬اشرتيتها مؤجلة‪ ،‬مت العقد على بيع واحد‪ ،‬هذا ال أبس‬
‫إمجاعا يف هذا الباب‪.‬‬
‫به عند اجلمهور؛ بل قد حكاه بعضهم ً‬
‫وبعض أهل العلم فسروا النهي عن بيعتني يف بيعة بصورة من صور‬
‫التقسيط املعاصرة؛ وهي أن يقول البائع للمشرتي‪ :‬أبيعك هذه السلعة مبئة‬
‫حاضرة‪ ،‬ومبئة ومخسني غائبة مؤجلة‪ ،‬ولو مت العقد على واحد منهما‪.‬‬
‫يعين عندهم يقولون‪ :‬إذا كان صاحب املعرض يبيع ابلتقسيط واحلاضر ال‬
‫جيوز‪ ،‬يعين‪ :‬إذا كان صاحب املعرض يبيع ابلتقسيط واحلاضر‪ ،‬فإذا جاءه‬
‫العميل قال‪ :‬ابلتقسيط مبئة ومخسني وابحلاضر مبئة‪ ،‬يقولون‪ :‬ال جيو‪،‬ز حىت‬
‫لو قال العميل أان أريد حاضراً أو أريده مؤجالً‪.‬‬
‫وهذا القول انتصر له الشيخ األلبا‪،‬ي ‪-‬رمحه هللا‪ -‬ونقل آاثراً فهم أهنا تدل‬
‫على هذا املقصود‪ ،‬وهذا القول مرجوح ‪-‬وهللا أعلم‪.-‬‬
‫فإن املتأمل لكالم السلف يدرك أن املقصود منه ما ذكره الرتمذي‪ ،‬وهذا‬
‫أيضاً الذي يتفق مع احلكمة؛ فإن ذكر ٍ‬
‫أمثان للسلعة عند املساومة ليس‬
‫ممنوعاً شرعاً‪ ،‬كل إنسان يقول‪ :‬مبئة‪ ،‬بعشرة‪ ،‬بعشرين‪ ،‬بثالثني‪ ،‬خبمسني‪،‬‬
‫هذا ليس مبمنوع‪ ،‬املمنوع أن ينعقد العقد على أمثان‪.‬‬
‫وهنا يف هذه الصورة اليت ذكرها الشيخ انصر ‪-‬رمحه هللا‪-‬؛ ذكرت أمثان‬
‫قبل العقد‪ ،‬أما عند العقد فهو مثن واحد‪ ،‬ولذا قال ابن القيم رمحه هللا‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪196‬‬
‫”وأبعد كل م‬
‫البعد من محل احلديث على البيع مبئة مؤجلة ومخسني حالة‪،‬‬
‫فليس ها هنا راب‪ ،‬وال جهالة‪ ،‬وال غرر‪ ،‬وال قمار‪ ،‬وال شيء من املفاسد‪،‬‬
‫فإنه خ ّريه بني أي الثمنني شاء“‪.‬‬
‫بل حكى اخلطايب ‪-‬رمحه هللا‪ -‬إمجاع املتقدمني على أنه إذا اختار أحد‬
‫الثمنني؛ ال يكون من ابب البيعتني يف بيعة‪ ،‬قال اخلطايب‪” :‬أما إذا ابعه‬
‫على أحد األمرين يف جملس العقد فهو صحيح ال ُخلف فيه“ يعين‪ :‬ال‬
‫اختالف فيه‪.‬‬
‫ومن صور البيعتني يف بيعة‪:‬‬
‫أن يقول البائع للمشرتي‪ :‬إحدى هاتني السلعتني عليك بكذا‪ .‬عنده‬
‫سلعتان خمتلفتان يف الوصف أو يف اجلنس‪ ،‬يف اجلنس‪ :‬عنده ثوب وعمامة‬
‫مثالً‪ ،‬فيقول‪ :‬إحدى هاتني السلعتني لك بعشرة‪ ،‬فيقول‪ :‬قبلت‪ ،‬طيب‬
‫اشرتى الثوب وال اشرتى العمامة؟ هذه بيعتان يف بيعة‪.‬‬
‫أو يقول له‪ :‬الدار احلاضرة أو الدار املوصوفة عليك بكذا‪ ،‬أان عندي‬
‫بيتان‪ ،‬بيت هنا تراه‪ ،‬وبيت يف مدينة أخرى‪ ،‬أصفه أبنه كذا وكذا‪ ،‬فيه من‬
‫الغرف واحلدود ووو‪ ،‬أحدمها عليك مبئة ألف‪ ،‬قال‪ :‬قبلت‪ ،‬طيب اشرتى‬
‫احلاضرة وال املوصوفة؟ ما ذُكر! فاجتمع العقد على البيتني يف بيع واحد ذكر‬
‫فيه مثن واحد‪ ،‬فهو من صور البيعتني يف بيعة‪.‬‬
‫ذكر بعض أهل العلم أن من صور البيعتني يف بيعة‪:‬‬
‫‪|197‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أن يشرتط عقداً يف عقد‪ :‬أبيعك داري هذه مبئة ألف على أن تبيعين‬
‫سيارتك خبمسني ألفاً‪ ،‬فاشرتط يف عقد البيع؛ عقد بيع آخر‪.‬‬
‫أو يقول‪ :‬أبيعك داري هذه مبئة ألف بشرط أن تزوجين أختك‪ ،‬فجمع‬
‫يف العقد الواحد بني البيع واشرتاط الزواج‪ ،‬فهذا عند بعض أهل العلم هو‬
‫من ابب البيعتني يف بيعة‪.‬‬
‫وقريب منه‪ :‬تفسري بعض أهل العلم للبيعتني يف بيعة أبهنا‪" :‬اجتماع‬
‫عقدين يف عقد"‪ ،‬من صور هذا؛ الشرط الذي ذكرانه‪ ،‬إذا قال أبيعك بييت‬
‫مبئة ألف على أن تبيعين سيارتك خبمسني ألف وقال‪ :‬قبلت؛ اجتمع‬
‫عقدان‪ :‬عقد على البيع‪ ،‬وعقد على السيارة‪ ،‬لكنه أوسع من االشرتاط‪.‬‬
‫مثل اآلن‪ :‬الصور الواقعة يف األسواق مبا يُسمى "اإلجيار املنتهي‬
‫ابلتمليك"‪ ،‬حيث جيتمع يف العقد عقدان‪ ،‬عقد اإلجيار وعقد البيع‪ ،‬فهل‬
‫اإلجيار املنتهي ابلتمليك صحيح وجائز أم غري صحيح وال جائز؟‬
‫سنعود إىل صوره بعد الصالة حبول هللا وقوته‪ ،‬ونكمل الكالم على هذه‬
‫القاعدة وصلى هللا وسلم على نبينا حممد‪.‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪198‬‬
‫الدرس الثامن‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬أما بعد‪،،،‬‬
‫فكنا نتكلم عن قاعدة "أن األصل منع ما يؤدي إىل النزاع يف البيوع"‪،‬‬
‫صورا له‪ ،‬وكنا‬
‫وذكران أن من صور ما يؤدي إىل النزاع‪ :‬بيع الغرر‪ ،‬وذكران ً‬
‫نتكلم عن البيعتني يف بيعة‪ ،‬ووقفنا عند صورة من صورها‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫اجتماع عقدين يف عقد؛ وهذا ذكره بعض أهل العلم‪ ،‬ويقوم عليه‬
‫مذهب احلنابلة‪ ،‬والذي يظهر يل يف املسألة ابتداءً أن هذا غري صحيح‪ ،‬أن‬
‫اجتماع العقدين يف عقد واحد ليس من ابب اجتماع البيعتني يف بيعة؛ وإمنا‬
‫السنة على هذا وال من‬
‫ينظر إىل توفر شروطها‪ ،‬ألنه ال دليل من الكتاب و ُّ‬
‫أقوال السلف الصاحل رضوان هللا عليهم ما يدعم هذا‪ ،‬فهو مرجوح‪.‬‬
‫لكن يتفرع على هذا مسألة اإلجيار املنتهي ابلتمليك‪:‬‬
‫وصورته أن يستأجر الطرف الثا‪،‬ي من الطرف األول سيارة ‪ -‬مثالً ‪ -‬ملدة‬
‫معلومة أبقساط معلومة مث ميلك السيارة يف آخر العقد بثمن أو ُدفعة‬
‫معلومة؛ فيجتمع هنا عقد اإلجارة يف أول األمر مث عقد البيع‪ ،‬وقد اختلف‬
‫الفقهاء املعاصرون يف هذه الصورة‪:‬‬
‫‪|199‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫صورا ُخيّرج عليها‪ ،‬وأكثر العلماء الذين يُلتفت إىل‬
‫فبعضهم أجازها وذكر ً‬
‫أقواهلم يف الفتيا على حترمي هذه الصورة وأهنا ال جتوز‪ ،‬وهو الظاهر ‪-‬وهللا‬
‫أعلم‪ -‬أهنا ال جتوز وال تصح‪ ،‬لكن ما هي العلة؟‬
‫بعض أهل العلم قالوا‪ :‬العلة أنه اجتمع يف هذا العقد عقدان‪ ،‬عقد إجارة‬
‫وعقد بيع‪ ،‬وهذا من ابب البيعتني يف بيعة؛ فيدخل يف هني النيب ﷺ عن‬
‫بيعتني يف بيعة‪ ،‬وهذا التعليل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬مرجوح‪.‬‬
‫صورا‬
‫وبعضهم قال‪ :‬ملا فيه من اجلهاالت والغرر؛ فإن هذا العقد يتضمن ً‬
‫من اجلهالة‪ ،‬واجلهالة متنع صحة البيوع‪.‬‬
‫والذي ظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن العلة الصحيحة لتحرميه؛ هي اجتماع‬
‫عقدين ختتلف أحكامهما يف عقد واحد‪ ،‬ألنه عندان هنا توجد اإلجارة‪،‬‬
‫ويوجد البيع‪ ،‬وأحكام اإلجارة من حيث الضمان ومن حيث أمور كثرية؛‬
‫ختتلف عن أحكام البيع‪ ،‬فيجتمع يف هذا العقد الواحد عقدان لكل واحد‬
‫منهما أحكام ختالف اآلخر‪ ،‬وهذا يؤدي إىل عدم الضبط‪ ،‬وإىل النزاع‪ ،‬وإىل‬
‫الغرر‪ ،‬فهو ال جيوز‪.‬‬
‫إذن العلة الصحيحة ليست وجود عقدين مطل ًقا يف عقد؛ وإمنا وجود‬
‫عقدين ختتلف أحكامهما يف عقد واحد‪ ،‬فأحكام اإلجيار غري أحكام البيع‪،‬‬
‫والتحرمي هو الذي صدر به قرار هيئة كبار العلماء يف السعودية‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪200‬‬
‫وهناك صورة أخرى تسمى‪" :‬اإلجيار املنتهي ابلوعد ابلتمليك"‪ ،‬ليس‬
‫منتهيًا ابلتمليك‪ ،‬منتهي ابلوعد ابلتمليك‪ ،‬حقيقتها أنه كأن البائع يقول‪ :‬أان‬
‫أؤجرك سياريت هذه بكذا ملدة كذا على أ‪،‬ي أعدك أنه إذا انتهى عقد‬
‫اإلجارة؛ فأنت أحق ابلسيارة من غريك‪ ،‬فهنا جمرد وعد‪ ،‬فإذا انتهى العقد‬
‫يُنشأ عقد البيع‪ ،‬فهذا يسمى اإلجارة املنتهي ابلوعد ابلتمليك‪ ،‬وهو جائز‪،‬‬
‫ألنه ال علة متنعه هنا؛ فالعقد عقد إجارة فقط‪ ،‬والوعد ليس بعقد عند‬
‫اجلمهور خالفًا للمالكية‪ :‬الذين يرون أن الوعد عقد‪.‬‬
‫لكن عند اجلمهور الوعد ليس بعقد؛ فالبيع يقع بعد االنتهاء إن شاء‬
‫خمريا‪.‬‬
‫خمريا واملستأجر ً‬
‫الطرفان‪ ،‬فيكون صاحب السيارة ً‬
‫انتبهوا هلذه الصفات‪ :‬يكون العقد على اإلجارة‪ ،‬مع الوعد ابلبيع‪ ،‬وعند‬
‫خمريا‪ ،‬هذا‬
‫خمريا واملستأجر هلا ً‬
‫انتهاء عقد اإلجارة؛ يكون صاحب السيارة ً‬
‫جائز‪.‬‬
‫وأان أنبه على هذا ملاذا؟ أل‪،‬ي وجدت أن البنوك أصبحت تتحيّل على‬
‫الفتوى بتحرمي اإلجيار املنتهي ابلتمليك؛ فتسمي عقودها‪ :‬اإلجيار املنتهي‬
‫ابلوعد ابلتمليك‪ ،‬وحقيقتها اإلجيار املنتهي ابلتمليك! فتغيري األمساء ال يغري‬
‫من احلقائق شيء‪ ،‬وإمنا العربة ابحلقيقة‪.‬‬
‫فأنت لو ذهبت مثالً إىل بنك تريد أن تشرتي؛ فقالوا‪ :‬عندان اإلجيار‬
‫املنتهي ابلوعد ابلتمليك‪ ،‬اقرأ العقد‪ ،‬فإن كان مضمون العقد إجارة مع وعد‬
‫خمريا فيه بعد انتهاء عقد‬
‫خمريا فيه ويكون البنك ً‬
‫ابلتمليك تكون أنت ً‬
‫‪|201‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اإلجارة؛ فهذا الـ ُمفىت به اجلواز‪ ،‬أما إذا كان عقد اإلجارة ينتهي ابلتمليك؛‬
‫فهو اإلجيار املنتهي ابلتمليك سواء مسوه املنتهي ابلتمليك أو املنتهي ابلوعد‬
‫ابلتمليك‪.‬‬
‫شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪-‬رمحه هللا‪ -‬فسر البيعتني يف بيعة بتفسري‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫"أن يبيع البائع السلعة مؤجلة للمشرتي مبئة على أن يشرتيها منه حاضرة‬
‫خبمسني" يقول‪ :‬أبيعك السيارة هذه ابلتقسيط مبائة ألف ملدة مخس سنني‪،‬‬
‫على أن أشرتيها منك أان خبمسني أل ًفا‪ ،‬وهذا هو بيع العينة‪.‬‬
‫فشيخ اإلسالم ابن تيمية فسر البيعتني يف بيعة؛ ببيع العينة‪.‬‬
‫واحلق أن هذه صورة من صور البيعتني يف بيعة‪ ،‬وليست هي البيعتني يف‬
‫بيعة‪ ،‬وإمنا صورة من صور البيعتني يف بيعة فيجتمع عليها النهيان‪ ،‬النهي عن‬
‫بيع العينة‪ ،‬والنهي عن بيعتني يف بيعة‪ ،‬وال ُخيرج ذلك بقية الصور اليت‬
‫ذكرانها‪.‬‬
‫وهنا أنبه تنبيهات انفعة تتعلق هبذا قبل أن نكمل صور الغرر‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ [التنبيه األول]‪ :‬أن العلماء متفقون على أنه يستثىن من النهي عن‬‫بيع الغرر؛ الغرر اليسري‪ ،‬فالغرر اليسري ال مينع البيع‪.‬‬
‫ما هو الغرر اليسري؟ هل املقصود ابلغرر اليسري القليل؟‬
‫اجلواب‪ :‬ال‪ ،‬املقصود ابلغرر اليسري‪" :‬كل غرر لو منع البيع من أجله ملا‬
‫صح البيع أصالً"‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪202‬‬
‫[مثال‪ ]:‬اإلنسان أييت يشرتي طبق بيض‪ ،‬ال يدري ما يف داخله‪ ،‬لو‬
‫قلنا ال جيوز بيعه ملا فيه من الغرر؛ معىن ذلك أنه ال يباع البيض! ما يف‬
‫طريقه‪ ،‬يكسره؟ يفسد! املغيبات يف األرض كاللفت والفجل واجلزر الغرر‬
‫فيها يسري‪.‬‬
‫طيب‪ :‬هات لنا مثاالً الغرر فيه ليس قليالً ومع ذلك هو مغتفر؟ أقول‬
‫بيع العمارة‪ ،‬العمارة فيها غرر‪ ،‬القواعد كيف حاهلا؟ احلديد فيها كيف؟‬
‫كمية احلديد؟ كمية اإلمسنت؟ ما ندري؛ رمبا الذي يف املخطط شيء واملنفذ‬
‫شيء آخر‪ ،‬ما وراء اجلدران من األسالك واألانبيب؟ ما ندري؛ هل هي من‬
‫النوع األصلي أو من النوع التقليد؟ كمية احلديد يف األعمدة ما ندري‪ ،‬هذا‬
‫كثري؛ لكن لو قلنا‪ :‬إن هذا الغرر مينع البيع؛ ما صح بيع عمارة‪ ،‬ألنه ما‬
‫يصح أن نقول‪ :‬كسروها ننظر يف القواعد وكمية احلديد‪ ،‬أو كسروا اجلدران‬
‫ننظر يف األانبيب خنترب جودهتا؛ فلو اعتربان الغرر هنا ملا صح بيع العقار‪،‬‬
‫فهذا غرر يسري يغتفر ويصح بيع العمارات مع وجود هذا الغرر‪.‬‬
‫ التنبيه الثاين‪ :‬ي م‬‫لحق الفقهاء هبذه املسائل اليت ذكرانها‪:‬‬
‫ُ‬
‫مسألة‪ :‬بيع املبيع قبل قبضه‪.‬‬
‫وقد جاء عن ابن عمر ‪-‬رضي هللا عنهما ‪ -‬قال النيب ﷺ‪ :‬من ابتاع‬
‫طعاما فال يبعه حىت يقبضه‪ ‬متفق عليه؛ ويف رواية للبخاري‪ :‬حىت‬
‫ً‬
‫‪|203‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يستوفيه‪ ،‬ويف رواية ملسلم‪ :‬حىت يستوفيه ويقبضه‪ .‬يعين رواية الصحيحني‪:‬‬
‫‪‬حىت يقبضه‪ ،‬يف رواية للبخاري‪ :‬حىت يستوفيه‪ ،‬ويف رواية ملسلم مجع‬
‫بينهما‪ :‬حىت يستوفيه ويقبضه‪ .‬واالستيفاء معناها‪ :‬الكيل‪ ،‬أن يكيله‪،‬‬
‫والقبض‪ :‬أن حيرزه ويكون يف ملكه‪.‬‬
‫وجاء عن ابن عباس رضي هللا عنهما أن رسول هللا ﷺ قال‪ :‬من ابتاع‬
‫طعاما فال يبعه حىت يستوفيه‪ ،‬مث قال ابن عباس ‪-‬رضي هللا عنهما‪:-‬‬
‫ً‬
‫‪‬وأحسب أن كل شيء مثله‪ ‬يعين مثل الطعام‪ .‬رواه مسلم‪.‬‬
‫طعاما‪ ،‬وقد يكون غري طعام‪ ،‬ولكنه‬
‫هنا ‪-‬اي إخوة‪ -‬املبيع‪ :‬قد يكون ً‬
‫مكيل أو موزون أو معدود أو مذروع‪ ،‬مكيل يباع ابلكيل وهو غري طعام‪،‬‬
‫أو يباع ابلوزن ابلكيلو أو ابلع ّد ابحلبة‪ ،‬أو مذروع ابل ّمذرعة مثل القماش‪ ،‬وقد‬
‫يكون غري الطعام وال يباع هبذا‪.‬‬
‫يعين ثالث صور‪:‬‬
‫طعاما‪.‬‬
‫‪ .1‬إما أن يكون ً‬
‫‪ .2‬وإما أن يكون غري طعام لكنه يكال‪ ،‬أو يوزن‪ ،‬أو يذرع‪ ،‬أو يعد‪.‬‬
‫‪ .3‬وقد يكون غري هذا‪.‬‬
‫طعاما‪ ،‬فهذا املبيع ال يصح التصرف فيه‬
‫[احلالة األوىل‪ ]:‬فإذا كان املبيع ً‬
‫طعاما؛ فال يصح‬
‫ابملعاوضة قبل قبضه إبمجاع العلماء‪ ،‬إذا كان املبيع ً‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪204‬‬
‫التصرف فيه ابملعاوضة‪ ،‬انتبهوا هلذا‪ ،‬ال يصح التصرف فيه ابملعاوضة‪ ،‬قبل‬
‫قبضه ابإلمجاع‪.‬‬
‫طعاما؛‬
‫قال ابن املنذر ‪-‬رمحه هلل ‪ :-‬أمجع العلماء على أن من اشرتى ً‬
‫فليس له أن يبيعه حىت يقبضه‪.‬‬
‫وقال ابن القيم ‪ -‬رمحه هللا ‪ :-‬حكى ذلك غري واحد من أهل العلم‬
‫إمجاعا‪.‬‬
‫ً‬
‫وحكي عن بعضهم خالف ولكنه يعترب خالفًا شا ًذا ال يقدح يف‬
‫ُ‬
‫اإلمجاع‪.‬‬
‫مبيعا بغري اجلزاف ‪ -‬يعين مبيع ابلكيل‪ ،‬صاع‪،‬‬
‫والطعام إما أن يكون ً‬
‫طعاما إما ابلكيل وإما ابلوزن‪ ،‬وهذا‬
‫مخسة آصع – ابلوزن‪ ،‬هذا إذا كان ً‬
‫الذي يقول فيه الفقهاء‪" :‬مبيع بغري جزاف" يعين بكيل أو وزن‪ ،‬وهذا ال‬
‫يعلم يف منع التصرف من املعاوضة فيه خالف معترب‪ ،‬بل حمل إمجاع‪.‬‬
‫والطعام املبيع جزافًا‪ ،‬هذا الذي يسمى ببيع الصربة‪ ،‬كومة‪ ،‬هذه الكومة‬
‫من األرز بستني‪ ،‬بسبعني‪ ،‬بثمانني‪ ،‬مبئة‪ .‬هذا املبيع اجلزاف؛ نقل عن اإلمام‬
‫مالك‪-‬رمحه هللا‪ -‬يف التصرف فيه قبل قبضه ابملعاوضة روايتان‪ :‬رواية ابملنع‬
‫السنة قاضية‬
‫كقول اجلمهور‪ ،‬ورواية ابجلواز‪ ،‬وعلى هذا بعض املالكية‪ ،‬لكن ُّ‬
‫بعدم اجلواز‪.‬‬
‫‪|205‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ولذلك قال ابن عبد الرب‪-‬رمحه هللا‪" :-‬ذهب هذا املذهب بعض‬
‫املالكيني وحكاه عن مالك"‪ ،‬مث ذكر القول ابملنع وقال‪" :‬وهو الصحيح‬
‫عندي يف هذه املسألة لثبوت اخلرب بذلك عن النيب ﷺ"؛ وهكذا العلماء‬
‫الذين عرفوا املنهج الشرعي يف النظر إىل اخلالف؛ والذين عرفوا طريقة األئمة‬
‫يف اخلالف يعرفون للعلماء فضلهم ويعرفون ألئمتهم فضلهم‪ ،‬وأيخذون مبا‬
‫دل عليه الدليل‪.‬‬
‫وقد دلت األدلة اليت ذكرانها على هذا منها‪:‬‬
‫طعاما فال يبعه‬
‫حديث أيب هريرة ‪ ‬أن رسول هللا ﷺ قال‪ :‬من ابتاع ً‬
‫حىت يقبضه‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي هللا عنهما أن رسول هللا ﷺ ‪‬هنى أن يبيع أحد‬
‫طعاما اشرتاه بكيل حىت يستوفيه‪ ‬رواه مسلم‪.‬‬
‫ً‬
‫طعاما فال‬
‫وعن جابر ‪ ‬قال‪ :‬كان رسول هللا ﷺ يقول‪ :‬إذا ابتعت ً‬
‫تبعه حىت تستوفيه‪ ‬رواه مسلم‪.‬‬
‫طعاما من طعام الصدقة فرحبت‬
‫وعن حكيم بن حزام ‪ ‬قال‪ :‬ابتعت ً‬
‫فيه قبل أن أقبضه فأتيت رسول هللا ﷺ فذكرت ذلك له‪ ،‬فقال‪ :‬ال تبعه‬
‫حىت تقبضه‪ ‬رواه النسائي وصحح األلبا‪،‬ي ‪-‬رحم هللا اجلميع‪ -‬إسناده‪.‬‬
‫كما قلنا معىن يستوفيه‪ ،‬أي يويف ابلكيل أو ابلوزن‪ ،‬وجاء عن ابن عمر‬
‫‪ ‬قال‪" :‬لقد رأيت الناس يف عهد رسول هللا ﷺ يبتاعون جزافًا ‪-‬يعين‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪206‬‬
‫الطعام‪ -‬يُضربون أن يبيعوه يف مكاهنم حىت يؤوه إىل رحاهلم"؛ يعين كان‬
‫الناس يبيعون؛ فكانوا يُضربون عن أن يبيعوه يف مكاهنم حىت يؤوه إىل رحاهلم‬
‫وهذا يف الصحيحني‪.‬‬
‫واملقصود حىت يؤوه إىل رحاهلم‪ :‬حىت يقبضوه‪ ،‬القبض حبسب العرف وال‬
‫يشرتط النقل من املكان‪ ،‬وإمنا الشرط هو القبض‪ ،‬واملرجع يف القبض ما‬
‫جرت به العادة؛ فقبض كل شيء حبسبه‪ ،‬حبسب ما جرت به العادة‪ .‬وقد‬
‫طعاما جزافًا وقـبضه جيوز له أن يبيعه يف‬
‫أمجع العلماء على أن من اشرتى ً‬
‫مكانه‪.‬‬
‫ابن عمر ‪ ‬يقول‪" :‬حىت يؤوه إىل رحاهلم"‪ ،‬أمجع العلماء على أن من‬
‫طعاما ُجزافًا؛ له أن يبيعه يف مكانه بشرط أن يقبضه‪ ،‬فإذا قبضه جاز‬
‫ابتاع ً‬
‫له أن يبيعه يف مكانه؛ وعلى هذا عمل املسلمني يف أسواقهم‪ ،‬يشرتون‬
‫الطعام ابلصربة مث يبيعونه بعد قبضه يف مكانه‪ ،‬هذه احلالة األوىل‪.‬‬
‫موزوان أو‬
‫‪ -‬احلالة الثانية‪ :‬أن يكون املبيع غري الطعام‪ ،‬ويكون مكيالً أو ً‬
‫مذروعا‪ ،‬مثل‪ :‬السكر؛ السكر ليس بطعام؛ ولذلك ال خيرج يف‬
‫معدودا أو‬
‫ً‬
‫ً‬
‫زكاة الفطر؛ ألنه ليس بطعام ولكنه يكال أو يوزن‪ ،‬وامللح؛ امللح ليس بطعام‬
‫وال خيرج يف زكاة الفطر؛ لكنه يكال ويوزن‪ ،‬وهذا املبيع الذي يكال ويوزن‬
‫أو يعد أو يذرع؛ ال يصح التصرف فيه ابملعاوضة عند مجهور العلماء قبل‬
‫قياسا على الطعام‪ ،‬جبامع أهنا كلها حتتاج إىل توفية‬
‫قبضه؛ ملاذا؟ قالوا‪ً :‬‬
‫ابلكيل أو الوزن أو العد أو الذرع‪.‬‬
‫‪|207‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ احلالة الثالثة‪ :‬أن يكون املبيع من غري الطعام وال يكال وال يوزن وال‬‫يعد وال يذرع‪ ،‬وهذا يصح التصرف فيه قبل قبضه ابملعاوضة عند اجلمهور‪،‬‬
‫كالبيوت مثالً‪ ،‬والسيارات وحنو ذلك‪ .‬وال يصح التصرف فيه قبل قبضه‬
‫عند مجع من أهل العلم كابن عباس ‪‬؛ فإنه قال‪" :‬وأحسب كل شيء‬
‫مثله"‪ .‬فيشمل مجيع املبيعات‪ ،‬وكذلك عند الشافعي ورواية عن اإلمام أمحد‬
‫واختار هذا ابن القيم وصححه‪.‬‬
‫وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية‪" :‬من اشرتى شيئًا؛ ِل يبعه حىت يقبضه"‪.‬‬
‫وحجة اجلمهور؛ ما تقدم من األحاديث‪ ،‬إذ ُخص فيها النهي يف‬
‫الطعام وما عدا ذلك‬
‫الطعام‪ ،‬يعين وردت يف الطعام‪ ،‬ويُلحق هبا ما أشبه‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫ابق على األصل وهو اجلواز‪.‬‬
‫وأما حجة املانعني‪ :‬فمن ذلك ما جاء عن حكيم بن حزام ‪ ‬قال‪:‬‬
‫قلت اي رسول هللا‪ ،‬إ‪،‬ي أبتاع هذه البيوع فما حيل يل منها وما حيرم؟ سؤال‬
‫عظيم! إ‪،‬ي أبتاع هذه البيوع فما حيل يل منها وما حيرم؛ قال‪ :‬اي ابن أخي‪‬‬
‫ وهذا من ابب الفائدة يذكره أهل العلم أن العاِل ينبغي عليه أن يتلطف‬‫صغريا فيقول له‪ :‬اي بين‪ ،‬إذا‬
‫ابلسائل؛ ملا يف ذلك من أثر للقبول‪ ،‬فإذا كان ً‬
‫كبريا؛ يقول له‪ :‬اي أخي‪ ،‬وإذا قال له‪ :‬اعلم حىت ينبهه أن املوضوع‬
‫كان ً‬
‫مهم؛ فهذا من سنن األنبياء واملرسلني= فالنيب ﷺ قال‪ :‬اي ابن أخي‪ ،‬ال‬
‫تبع شيئًا حىت تقبضه‪ ‬وشيئًا نكرة يف سياق النفي فتعم‪ ،‬ويف رواية‪ :‬إذا‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪208‬‬
‫بيعا فال تبعه حىت تقبضه‪ .‬يعين أي مبيع فال تبعه حىت تقبضه‪.‬‬
‫اشرتيت ً‬
‫رواه أمحد والنسائي والبيهقي وغريهم وصحح إسناده األلبا‪،‬ي‪.‬‬
‫أيضا احتجوا مبا جاء عن زيد بن اثبت ‪ ‬قال‪ :‬هنى رسول هللا ﷺ أن‬
‫ً‬
‫تباع السلع حيث تبتاع‪ ‬وهذا يشمل كل سلعة‪ ،‬وهذا احلديث رواه أبو‬
‫داوود وقال األلبا‪،‬ي حسن مبا قبله‪.‬‬
‫وأيضا احتجوا بقول ابن عباس ‪" :‬وأحسب كل شيء مثله"‪.‬‬
‫واجلمهور أجابوا عن هذه األدلة‪ :‬أن هذه األحاديث مطلقة‪ ،‬وأحاديث‬
‫بيع الطعام مقيدة‪ ،‬واحلال واحدة فيحمل املطلق على املقيد‪.‬‬
‫كما أجابوا أبن املعهود يف السلع اليت تباع يف زمن النيب ﷺ يف الغالب‬
‫هو الطعام‪ ،‬فتُحمل عليه‪.‬‬
‫واملسألة اجتهادية‪ ،‬واألدلة فيها متقاربة‪ ،‬واالحتياط أن ال يتصرف‬
‫اإلنسان يف أي مبيع إال بعد قبضه‪.‬‬
‫لكن هذا كله يف التصرف يف املبيع قبل قبضه ابملعاوضة؛ ألنه قد يؤدي‬
‫إىل النزاع‪ ،‬قد يطمع البائع األول‪ ،‬يعين يبيعك السلعة مبائة‪ ،‬فتبيعها أنت‬
‫مبائة وعشرين قبل أن تقبضها من البائع فيطمع؛ فيقول‪" :‬بدل أان أبيعه‬
‫مبائة؛ ال أسلمه السلعة وأبيعها أان مبائة وعشرين"؛ فيؤدي إىل النزاع بني‬
‫البائع واملشرتي‬
‫‪|209‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أما التصرف بغري املعاوضة فجائز‪ ،‬مثل اهلبة‪ ،‬إنسان اشرتى أرزاً وِل‬
‫يقبضه فقال لفقري‪ :‬اذهب وخذه من البائع‪ ،‬جيوز ألنه ال يؤدي إىل نزاع؛‬
‫وألن احلديث نص يف البيع الذي هو تصرف ابملعاوضة؛ أما التصرف بغري‬
‫املعاوضة فال إشكال فيه عند أهل العلم‪.‬‬
‫أيضا من صور الغرر "بيع اجملهول"‬
‫ً‬
‫وقد جاء يف حديث أيب هريرة ‪ ‬أن النيب ﷺ ‪‬هنى عن بيع املالقيح‪،‬‬
‫واملضامني‪ ،‬وحب مل احلبلة‪ .‬رواه هبذا اللفظ البزار وإسحاق بن راهويه‬
‫وصححه ابن حجر واأللبا‪،‬ي‪.‬‬
‫وعن ابن عمر ‪ ‬أن رسول هللا ﷺ ‪‬هنى عن بيع حبل احلبلة‪ ‬متفق‬
‫عليه‪.‬‬
‫حبل احلبلة‪ :‬هو جنينها الذي يف بطنها‪.‬‬
‫واملضامني‪ :‬ما يف أصالب الفحول‪ ،‬يعين يقول‪ :‬أبيعك ما ينتجه هذا‬
‫الفحل‪ ،‬قد يكون هناك فحل مثالً من اإلبل أصيل أو سباق يعرف ابلسباق‬
‫وله قيمة عالية فيقول له‪ :‬أبيعك ما ينتجه هذا الفحل مبائة ألف‪ ،‬مبليون‪،‬‬
‫فيبيعه ما يف صلب الفحل قبل أن يلقح األنثى‪.‬‬
‫واملالقيح‪ :‬بيع األجنة يف البطون‪ ،‬والنيب ﷺ هنى عن كل هذا‪.‬‬
‫وقد فسر العلماء بيع حبل احلبلة بتفسريات‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪210‬‬
‫ منها‪ :‬أن يُعلّق بيع سلعة ما إىل أن تلد وحيمل ما ولدت فيلد‪ ،‬أبيعك‬‫السيارة إذا ولدت هذه الناقة ما يف بطنها وولد ولدها‪ ،‬فهذا جمهول‪.‬‬
‫‪ -‬ومنها أن يُعلق بيع السلعة على محل الناقة ومحل نتاجها‪.‬‬
‫انتبهوا‪[ :‬يف الصورة] األوىل يعلق بيع السلعة على الولد‪ ،‬إىل أن تلد الناقة‬
‫ويلد ولدها‪.‬‬
‫يف الصورة الثانية‪ :‬إىل أن حتمل الناقة ‪ -‬اآلن الناقة ِل حتمل‪ -‬فيقول‪:‬‬
‫أبيعك السلعة‪ ،‬أبيعك البيت إىل أن حتمل الناقة‪ ،‬مث حيمل ولدها‪ ،‬يعين ما‬
‫تنتجه‪.‬‬
‫ ومنها أن يُعلق بيع السلعة إىل أن تلد الناقة؛ فيقول‪ :‬أبيعك البيت إىل‬‫أن تلد الناقة نفسها ‪-‬ليس ولدها‪ -‬وهذه كلها فيها جهالة يف األجل؛‬
‫فاألجل جمهول‪.‬‬
‫ ومنها أن يباع ولد الولد‪ ،‬انقة أصيلة حبلى يف بطنها جنني‪ ،‬فيقول‪:‬‬‫أبيعك ولد ما يف هذه الناقة مبائة ألف‪ ،‬ليس ولد الناقة ولد ولدها مبائة‬
‫ألف؛ فهذا ال جيوز من ابب بيع حبل احلبلة؛ ألن ولد الناقة قد يلد أنثى‬
‫ذكرا‪ ،‬قد يلد وقد ال يلد‪ ،‬فهنا اجلهالة يف املبيع‪.‬‬
‫وقد يلد ً‬
‫يضا أن يبيع ولد الناقة الذي يف بطنها فأقول‪ :‬أبيعك ولد هذه‬
‫ ومنها أ ً‬‫يضا فيه جهالة فهو من ابب بيع حبل احلبلة‪.‬‬
‫الناقة مبئة ألف مثالً‪ ،‬وهذا أ ً‬
‫‪|211‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وقد قال النووي ‪-‬رمحه هللا‪" :-‬أمجع العلماء على بطالن بيع اجلنني‬
‫فيشمل مجيع هذه الصور"‪.‬‬
‫قال ابن دقيق العيد ‪-‬رمحه هللا‪" :-‬كأن السر فيه أنه يفضي إىل أكل‬
‫املال ابلباطل أو إىل التشاجر والتنازع"‪.‬‬
‫أيضا من صور بيع الغرر ما يسمى بـ"بيع املعوامة" أو "بيع‬
‫‪ً -‬‬
‫السنني"‪.‬‬
‫وقد ‪‬هنى رسول هللا ﷺ عن بيع السنني‪ ،‬رواه مسلم يف الصحيح‪ .‬وبيع‬
‫السنني معناه‪ :‬أن يبيع مثرة الشجرة عامني أو أكثر‪ ،‬يقول‪ :‬أبيعك مثار هذا‬
‫البستان سنتني أو ثالث سنني‪.‬‬
‫املعاومة‪ :‬بنفس هذا املعىن‪ ،‬هي‪ :‬مفاعلة من العام؛ يعين أبيعك الثمر‬
‫سنتني أو ثالث سنني؛ فهذا الثمر غري موجود؛ ففيه جهالة وهو ابطل‬
‫ابإلمجاع‪ ،‬إبمجاع أهل العلم ال يصح هذا البيع‪.‬‬
‫ ومن صور الغرر "بيع الثـنيا ‪ -‬على ومزن كربى ‪ -‬اجملهولة"‪.‬‬‫واملقصود ابلثنيا‪ :‬االستثناء اجملهول‪ ،‬وقد ‪‬هنى النيب ﷺ عن بيع الثنيا‪‬‬
‫كما يف صحيح مسلم‪.‬‬
‫معلوما؛ فيقول‪ :‬أبيعك سيارايت إال‬
‫واالستثناء كما يقول العلماء قد يكون ً‬
‫هذه السيارة‪ ،‬أو يقول‪ :‬أبيعك سيارايت إال السيارة اليت كذا وكذا وكذا مبا‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪212‬‬
‫يرفع اجلهالة؛ فتكون معلومة‪ ،‬فهذه ال أبس هبا‪ ،‬ألنه ليس فيها غرر وال‬
‫جهالة‪.‬‬
‫وقد يكون غري معلوم‪ .‬فيقول‪ :‬أبيعك سيارايت مبليون إال سيارة واحدة‪،‬‬
‫هل هي هذه أو هذه؟ جمهولة‪ ،‬وهذا فيه غرر فال جيوز وال يصح‪.‬‬
‫ ومن صور الغرر اليت ميكن أن تؤدي إىل النزاع "بيع ما ينمو‬‫ويزداد"‪.‬‬
‫مثل الصوف على ظهر الدابة‪ ،‬الصوف على ظهر الدابة ينمو ويزداد‪،‬‬
‫واللنب يف الضرع‪ ،‬فاللنب يف الضرع يزيد؛ وقد جاء عن ابن عباس‪ ‬قال‪:‬‬
‫‪‬هنى النيب ﷺ أن تباع مثرة حىت تُطعم‪ ،‬وال صوف على ظهر‪ ،‬وال لنب يف‬
‫فوعا‪ ،‬لكن قال مجع من‬
‫ضرع‪ ‬رواه الطربا‪،‬ي‪ ،‬وهو صحيح موقوفًا ضعيف مر ً‬
‫أهل العلم‪ :‬يتقوى املرفوع ابملوقوف‪.‬‬
‫ وذهب مجهور أهل العلم من السلف واخللف‪ :‬إىل حرمة بيع الصوف‬‫على الظهر هلذا احلديث‪ ،‬وللجهالة‪ ،‬ألن الصوف إذا بيع يزداد فتكون‬
‫كميته عند العقد جمهولة‪.‬‬
‫وذهب أبو يوسف من أئمة األحناف وأمحد يف رواية ‪-‬رحم هللا اجلميع‪-‬‬
‫فورا‪ ،‬يقولون‪ :‬يصح بيع‬
‫إىل أنه يصح بيع الصوف على الظهر بشرط قطعه ً‬
‫الصوف على الظهر بشرط أن يقطعه فور العقد‪ ،‬ملاذا؟ ليُخرج من اجلهالة‪،‬‬
‫‪|213‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فال تكون هناك جهالة‪ ،‬ومحلوا احلديث على التبقية؛ أبنه يبقى بعد العقد؛‬
‫فيؤدي هذا إىل الزايدة‪.‬‬
‫ كذلك ذهب مجهور من أهل العلم من السلف واخللف إىل منع بيع‬‫اللنب يف الضرع هلذا احلديث وألنه يزداد‪.‬‬
‫وذهب املالكية يف اجلملة إىل جواز بيع اللنب يف الضرع قالوا‪ :‬ألن العرف‬
‫جرى يف التساهل فيه فال يؤدي إىل النزاع؛ قالوا‪ :‬والعلة يف هني بيع اللنب يف‬
‫الضرع؛ أنه يؤدي إىل النزاع‪ ،‬حلبت كذا! ما حلبت كذا! لكن جرى العرف‬
‫ابلتساهل فيه؛ فالناس يقبلون ما أييت فال يؤدي إىل النزاع‪.‬‬
‫واألظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬هو قول اجلمهور أنه ال جيوز بيع اللنب يف الضرع‪.‬‬
‫هنا تأيت مسألة أشري إليها وهي مسألة‪ :‬استئجار الدابة من أجل اللنب‪.‬‬
‫ال يشرتي اللنب! يستأجر الدابة ملدة أسبوع‪ ،‬أسبوعني‪ ،‬يريد لبنها؛‬
‫اجلمهور على أن اإلجارة مثل البيع ما دام أن املقصود هو اللنب فاإلجارة ال‬
‫تصح‪ ،‬وهذا جزء من أن القصود مؤثرة يف العقود‪.‬‬
‫لكن شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪-‬رمحه هللا ‪ -‬يرى جواز هذا‪ ،‬يرى جواز‬
‫استئجار الدابة من أجل لبنها‪ ،‬ألن النهي إمنا ورد عن البيع؛ واإلجارة‬
‫ختالف البيع‪.‬‬
‫والذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن قول اجلمهور أقوى‪ ،‬ألن اجلهالة حاصلة‬
‫بيعا‪ ،‬والعلة إمنا هي يف اجلهالة‪.‬‬
‫هنا سواء كانت إجارة أو كانت ً‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪214‬‬
‫ ومن صور بيع الغرر اليت قد تؤدي اىل النزاع "بيع الثمار قبل بدو‬‫صالحها"‪.‬‬
‫وقد جاء عن ابن عمر ‪ ‬أن رسول هللا ﷺ ‪‬هنى عن بيع الثمار‬
‫حىت يبدو صالحها‪ ،‬هنى البائع واملبتاع‪ ‬متفق عليه‪.‬‬
‫ووجه النهي‪ :‬أن الثمرة ال تكتمل إال إذا بدا صالحها وإال فقد تتلف‬
‫قبل بدو الصالح؛ فيؤدي ذلك إىل النزاع‪.‬‬
‫وجاء عن أنس ‪ ‬أن رسول هللا ﷺ ‪‬هنى عن بيع الثمار حىت تُزهى‪،‬‬
‫قيل وما تُزهى؟ قال حىت حتمر‪ ،‬فقال رسول هللا ﷺ‪ :‬أرأيت إن منع هللا‬
‫الثمرة فبما أيخذ أحدكم مال صاحبه؟!‪ .‬يعين إذا بيعت قبل بدو صالحها‬
‫قد مينع هللا الثمرة! ما خترج! فبم أيخذ أحدكم مال صاحبه أو مال أخيه‪،‬‬
‫واحلديث متفق عليه‪.‬‬
‫فهذا يدل على النهي عن بيع الثمار حىت يبدو صالحها‪.‬‬
‫واملقصود ببدو الصالح ابلنسبة للرطب‪ :‬أن حيمر أو يصفر‪ ،‬وابلنسبة‬
‫ب‪ :‬أن يشتد‪ ،‬وابلنسبة للعنب‪ :‬أن يبيض فيظهر فيها املاء‪ ،‬وليس‬
‫للح مّ‬
‫املقصود أن يبدو الصالح يف كل الشجرة؛ ألن هذه مما يتعذر‪ ،‬وإمنا املقصود‬
‫أن يظهر الصالح يف الشجرة‪ ،‬بل الصحيح أن يظهر الصالح يف جنس‬
‫الشجرة‪.‬‬
‫‪|215‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يعين‪ :‬إذا كان النخل أجناس ‪ -‬فيه من برحي مثالً وفيه خالص ‪ -‬إذا‬
‫ظهر الصالح يف جنس الربحي جاز بيع مثره‪ ،‬إذا ظهر الصالح يف جنس‬
‫اخلالص جاز بيعه‪ ،‬ألن العادة أن الصالح فيها يتتابع‪ ،‬العادة اليت يعرفها‬
‫أهل الزرع أن الصالح يتتابع‪ ،‬فإذا ُوجد الصالح تتابع يف جنسه‪ ،‬وهذا‬
‫الصحيح الذي عليه مجع من أهل العلم‪.‬‬
‫بقي عندان يف هذه القاعدة‪" :‬بيع ما يؤدي إىل النزاع"‪:‬‬
‫مسألة‪ :‬البيع على بيع املسلم‪ ،‬والسوم على سوم املسلم‪.‬‬
‫فإن البيع على بيع املسلم مما يؤدي إىل النزاع والشقاق واخلالف بني‬
‫املسلمني‪ ،‬وكذلك السوم على سومه‪ ،‬فال جيوز وال يصح بيع على بيع‬
‫املسلم؛ مثاله‪ :‬أن يقول أحد ملن اشرتى شيئًا بعشرة‪ :‬أعطيك مثله بتسعة‪.‬‬
‫ثواب بعشرة وحصل الرضا والركون‪ ،‬فيأيت شخص فيقول‪:‬‬
‫شخص اشرتى ً‬
‫بكم اشرتيت هذا؟ قال‪ :‬بعشرة‪.‬‬
‫قال‪ :‬ال‪ ،‬أان أبيعك بتسعة‪ ،‬تعال أان أبيعك بتسعة‪.‬‬
‫هذا بيع على بيع أخيه‪.‬‬
‫وكذلك لو قال‪ :‬أان أعطيك أجود منه بعشرة‪ ،‬ابعك هذا بعشرة؟! أان‬
‫عندي أجود منه بعشرة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪216‬‬
‫أيضا من بيع املسلم على بيع أخيه‪ ،‬والنيب ﷺ قال‪ :‬وال يبيع‬
‫هذا ً‬
‫بعضكم على بيع بعض‪ ‬على أن "ال" انفية‪ ،‬وجاء يف رواية‪ :‬وال يبع‬
‫بعضكم على بيع بعض‪.‬‬
‫(سؤال من أحد احلضور إذا كان يف املبيع عيب؟)‬
‫إذا كان فيه عيب حبيث يرد ابلعيب هذا شيء آخر‪ ،‬لكن أييت وقد‬
‫حصل الرضا والركون فيقول‪ :‬أان أبيعك بكذا لكي يشرتي منه‪.‬‬
‫كذلك الشراء على الشراء ال جيوز‪ ،‬وال يصح أن يشرتي املسلم على‬
‫شراء املسلم‪ ،‬كقوله مثالً‪ :‬إذا اشرتى مسلم بتسعة يقول‪ :‬للبائع أان اشرتي‬
‫بعشرة‪ ،‬وقد حصل الرضا والركون‪.‬‬
‫قال‪ :‬بكم هذه السلعة؟‬
‫قال‪ :‬بعشرة‪ .‬قال‪ :‬ال‪ ،‬بتسعة‪ .‬قال‪ :‬بعتك‪ ،‬حصل الرضا والركون وِل يلزم‬
‫العقد‪ ،‬ال زالوا يف اجمللس‪.‬‬
‫فيأيت [آخر] يقول‪ :‬أان اشرتيه منك بعشرة!‬
‫فهذا من ابب الشراء على شراء املسلم‪ ،‬ألنه يدخل يف قول النيب ﷺ‪:‬‬
‫‪‬وال يبيع بعضكم على بيع بعض‪ ،‬فإان قلنا ساب ًقا أن البيع يطلق على البيع‬
‫ويطلق على الشراء‪.‬‬
‫‪|217‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وألن فيه إضر ًارا ابملسلم‪ ،‬والنيب ﷺ قال‪ :‬ال ضرر وال ضرار‪ ،‬والصحيح‬
‫غدا إن شاء‬
‫أن احلديث اثبت‪ ،‬وهذه إن شاء هللا قاعدة كربى سنتكلم عنها ً‬
‫هللا وهو منع ما يؤدي إىل الضرر يف البيوع‪.‬‬
‫غدا إن شاء هللا ستكون‬
‫اليوم قاعدتنا‪ :‬يف بيع ما يؤدي إىل النزاع‪ً ،‬‬
‫إحدى القواعد‪ :‬يف منع ما يؤدي إىل الضرر‪ ،‬الضرر اخلاص أو الضرر العام‬
‫ابجملتمع‪ ،‬سنبني إن شاء هللا صور هذا‪.‬‬
‫قال النووي ‪-‬رمحه هللا‪" :-‬أمجع العلماء على منع البيع على بيع أخيه‪،‬‬
‫والشراء على شرائه‪ ،‬والسوم على سومه"‪ ،‬وكذلك حكى احلافظ ابن حجر‬
‫رمحه هللا‪ -‬اإلمجاع على هذا؛ وهذا اإلمجاع على التحرمي‪.‬‬‫أما الصحة ‪ -‬أعين الفساد إذا وقع ‪ِ -‬ل يقع عليه إمجاع‪ ،‬فبعض أهل‬
‫العلم يرون أنه حمرم ولكن إن وقع فهو صحيح‪ ،‬إذن ينبغي أن نتنبه أن‬
‫اإلمجاع الذي حيكيه العلماء إمنا هو على التحرمي؛ أما الصحة فشأن آخر‪.‬‬
‫هذا إذا كان البيع يف جملس العقد بعد حصول الرضا والركون‪.‬‬
‫إما إذا كان بعد جملس العقد‪ ،‬مت العقد ولزم وقال‪ :‬بكم اشرتيت هذا؟‬
‫قال‪ :‬اشرتيته بعشرة‪ ،‬قال‪ :‬لو جئت عندي أان أبيعك بتسعة‪ .‬فبعض أهل‬
‫العلم يقول‪ :‬كذلك هذا ال جيوز ألنه يوغر الصدور‪ ،‬إنسان اشرتى من ابئع‬
‫بعشرة فيأتيه شخص فيقول‪ :‬ال بتسعة‪ ،‬يوغر صدره على البائع‪ ،‬وإن كان‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪218‬‬
‫هذا ال يضر البيع ألن البيع قد مت؛ لكن الصحيح أنه بيع جديد‪ ،‬وعرض‬
‫جديد‪ ،‬وسوم جديد‪ ،‬ليس له عالقة ابلبيع األول‪.‬‬
‫إذا كان البيع أو السوم قبل الرضا والركون ‪ -‬كما يسمونه اآلن‬
‫ابملصطلحات "يف حالة العرض" ‪ -‬ما ركن البائع إىل املشرتي وال املشرتي‬
‫إىل البائع‪ ،‬ولو ِل يكن يف املزاد ولكن ِل حيصل الركون حىت اآلن؛ فالصحيح‬
‫من أقوال العلماء أنه ليس حبرام‪.‬‬
‫يعين‪ :‬يقول بكم هذه السلعة؟ قال‪ :‬بعشرة‪ .‬قال‪ :‬قبلت‪ .‬حصل الرضا‬
‫والركون‪ ،‬ال جيوز هنا التدخل‪.‬‬
‫لكن قال‪ :‬بكم هذه السلعة؟ ‪ -‬ويوجد ابئعان ‪ -‬قال‪ :‬ابئع بعشرة‪ .‬قال‪:‬‬
‫البائع اآلخر عندي بتسعة‪ .‬وِل حيصل الرضا والركون‪ ،‬هذا الصحيح من‬
‫أقوال أهل العلم أنه جائز‪ .‬ملاذا؟‬
‫ألنه ليس فيه ظلم وال ضرر؛ وإمنا هذا معروض يف السوق فهو كما‬
‫يعرض البائع سلعته‪ ،‬هذا يعرض سلعته؛ وهذا يعرض سلعته‪.‬‬
‫لكن ابملناسبة‪ :‬ال جيوز أن يعيب سلعة اآلخرين من أجل أن يُروج‬
‫لسلعته‪ ،‬ما يقول مثالً‪ :‬الطيب عندي والبطّال عند جاري‪ ،‬ألن هذا يؤدي‬
‫إىل النزاع وفرقة القلوب‪ ،‬لكن ميدح سلعته ال أبس‪.‬‬
‫ذكران األخ قبل قليل مسألة النصيحة هذه األصل فيها اجلواز؛ لكن‬
‫أيضا‪ ،‬إذا قصده النصح للمسلم؛ يعين هذه السلعة‬
‫يالحظ فيها القصود ً‬
‫‪|219‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫معروفة فيها عيوب؛ فيقول له‪ :‬هذه السلعة فيها عيوب‪ ،‬ليس قصده أن‬
‫يشرتي منه وإمنا قصده النصيحة للمسلم؛ فهذا جائز‪ ،‬أما إذا كان قصده أن‬
‫يبيع على بيع أخيه فهذا ال جيوز‪.‬‬
‫هذه خالصة ما ميكن أن نسرده يف مسألة قاعدة املنع مما يؤدي إىل‬
‫النزاع غالبًا يف البيوع‪ ،‬فمىت ما وجد يف صورة البيع أنه يف الغالب يؤدي إىل‬
‫النزاع؛ فاألصل أنه ممنوع‪.‬‬
‫غدا إن شاء هللا ‪-‬عز وجل‪ -‬سنتكلم عن قاعدة الضرر‪ ،‬وقاعدة اخليار‬
‫ً‬
‫حبول هللا وقوته‪ -‬ولعلنا نقف هنا وجنيب عن األسئلة إن شاء هللا ‪-‬وهللا‬‫أعلم‪ -‬وصلى هللا على نبينا وسلم‪.‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪220‬‬
‫اإلجابة على األسيلة‪:‬‬
‫السؤال األول‪ :‬هل مطعم البوفيه اآلن املنتشر يف املطاعم وغريها يعد من‬
‫أبواب الغرر؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ما يسمى ابلبوفيه املفتوح‪ :‬وهو أن يكون هناك طعام موضوع ويدخل‬
‫اإلنسان بثمن معني وأيكل ما شاء؛ فهنا بعض أهل العلم يقولون‪ :‬إنه حرام‬
‫غررا وجهالة فال يُدرى كم سيأكل‪ ،‬وبعض أهل العلم؛ يقولون‪ :‬أنه‬
‫ألن فيه ً‬
‫جائز وذلك لوجهني‪:‬‬
‫ الوجه األول‪ :‬أنه معروف ابلعادة‪ ..‬أن الناس أيكلون كذا‪ ،‬وق ّل من‬‫خيرج عن العادة‪ ،‬ولرمبا أن أصحاب البوفيه إذا رأوا من خيرج عن العادة‬
‫منعوه؛ فيقولون هو معروف ابلعادة‪.‬‬
‫ الوجه الثا‪،‬ي‪ :‬أنه جرى التساهل فيه؛ فال يؤدي إىل النزاع‪ ،‬ال املشرتي‬‫وال البائع‪ .‬فاملشرتي يدخل وأيكل وخيتار لنفسه وخيرج راضيًا والبائع‬
‫كذلك‪ ،‬فال يؤدي إىل نزاع‪ .‬والعلة يف منع البيع من الغرر أنه يؤدي إىل‬
‫النزاع‪ .‬وقد كنت متوق ًفا يف املسألة ‪ -‬وأذكر أن الشيخ‪ /‬يوسف سألين يف‬
‫املسألة عن هذا عند املسجد الذي أدرس فيه؛ فقلت له‪ :‬أان متوقف والذي‬
‫ظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬اآلن القول ابجلواز‪.‬‬
‫‪|221‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫السؤال الثاين‪ :‬أحسن هللا إليكم‪ ،‬إذا قلنا أنه يشرتط البلوغ وأن الصيب‬
‫ال يصح بيعه مث قلنا ابالستثناء يف بعض احلاالت؛ فلمم يصبح شرطًا؟ وملاذا‬
‫ال نقول بصحة البيع وأنه موقوف على اإلذن؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال‪ ،‬هو ليس موقوفًا على اإلذن‪ ،‬األصل أنه ممنوع‪ ،‬وأان ذكرت لكم‬
‫ساب ًقا؛ إذا ذكران يف القواعد‪" :‬األصل" فمعىن ذلك أنه هو القاعدة‬
‫املستمرة؛ ولكنه قد يستثىن منه ويرتك‪ ،‬فاألصل هو املنع النعدام آلة الرضا‬
‫أو نقصها إال ما تدل األدلة الشرعية على جوازه إما خبصوصها أو عمومها‪.‬‬
‫السؤال الثالث‪ :‬أرجو التكرم إبعادة قول الرتمذي يف تفسري مسألة‬
‫البيعتني يف بيعة‪.‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫قول الرتمذي هو ما ذكرته ساب ًقا وذكرته اليوم وهو أنه تفسري السلف‬
‫للبيعتني يف بيعة‪ ،‬وهو أن يقول‪ :‬أبيعك هذا الثوب‬
‫حاضرا خبمسني‪ ،‬ومؤجالً‬
‫ً‬
‫مبئة‪ ،‬وينصرفان على هذا‪ ،‬يعين يقع العقد على هذا‪ ،‬أما إذا اختار املشرتي‬
‫أحد الثمنني وتعاقد عليه فال يضر‪.‬‬
‫السؤال الرابع‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬هل ميكن أن يضاف من صفات الشرط‬
‫مباحا وفيه منفعة‪،‬‬
‫الصحيح‪ :‬أن يكون‬
‫مقدورا عليه عرفًا؛ ألنه قد يكون ً‬
‫ً‬
‫ولكن قد يكون غري مقدور عليه أو فيه كلفة؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪222‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫أان ما تصورت هذا من الشروط‪ ،‬يعين ما تصورت هذا يف الشروط؛‬
‫ولذلك ال أعرف أن العلماء ذكروه‪.‬‬
‫السؤال اخلامس‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬ذكرمت حتت القاعدة الثانية "العربة يف‬
‫العقود للمقاصد واملعا‪،‬ي ال لأللفاظ واملبا‪،‬ي" مسألة البيع بوسائل االتصال‬
‫احلديثة‪ ،‬وأنه يشرتط أن ال يكون املبيع من السلع اليت يشرتط فيها التقابض‪،‬‬
‫تربعا أو مقابل‬
‫فهل يدخل يف هذا من يقوم إبرسال النقود إىل بلد آخر ً‬
‫منفعة عن طريق شركات الصرافة أو البنوك؟ حيث يستلمها املستلم يف ذلك‬
‫البلد بعملة ذلك البلد اآلخر وقد يتأخر التسليم أحياان؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫التحويل إما أن يكون عن طريق البنوك؛ أو أن يكون عن طريق‬
‫األشخاص‪ ،‬إما أن يكون عن طريق البنوك وهذا له ثالث صور واقعة‪:‬‬
‫ الصورة األوىل‪ :‬التحويل مبا يسمى التحويل السريع‪ ،‬الذي يعتمد على‬‫احلاسب اآليل‪ ،‬مبجرد أن حتول؛ اآلن يصل املبلغ إىل ذلك البلد‪ ،‬وهذا‬
‫حيصل فيه القبض ابلفعل أو ابلقوة‪:‬‬
‫ابلفعل‪ :‬أبن يكون الطرف احملول له عند البنك مباشرة يستطيع أن‬
‫يقبض قبل أن خيرج ّم‬
‫احملول‪ ،‬أو يدخل يف احلساب احملول إليه مباشرة‪.‬‬
‫‪|223‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فورا‪ ،‬فهذا الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪-‬‬
‫أو ابلقوة‪ :‬وهي القدرة على القبض ً‬
‫جوازه وال إشكال فيه‪.‬‬
‫ الصورة الثانية‪ :‬التحويل‪ :‬ويُعطى ّم‬‫احملول شي ًكا مصدقًا ابملبلغ ابلعملة‬
‫اليت هناك‪ ،‬ويرسله إىل أهله ويقبضون به‪ ،‬وهنا حصل التقابض يف جملس‬
‫العقد؛ ألن قبض الشيك قبض للنقد‪ ،‬فهذا الشيك املصدق الذي فيه‬
‫قبضا قبل التفرق؛ وهذا اآلن أصبح تقريبًا ال تعمل به‬
‫العملة ابلدوالر يكون ً‬
‫البنوك‪.‬‬
‫ الصورة الثالثة‪ :‬التحويل الذي يتأخر ليوم أو يومني وال يُعطى ّم‬‫احملول‬
‫شي ًكا؛ ولكنه يُعطى وثيقةً فيها بيان املعاملة تضمن حقه‪ ،‬لكن ليس هلا‬
‫حمل تردد عندي والزلت إىل اليوم أرى أن األقرب املنع؛‬
‫قيمة مالية‪ ،‬فهذا ُّ‬
‫ألن التقابض ال حيصل يف أي صورة من الصور‪ ،‬يعين‪ :‬ال حيصل يف حال‬
‫من األحوال يف هذه الصورة الثالثة‪ ،‬وإن كان بعض العلماء يقولون‪ :‬إن‬
‫الوثيقة كالشيك؛ لكن احلقيقة أنه ال قيمة هلا مالية حىت نقول إهنا كالشيك؛‬
‫ولكنها تثبت العملية فقط‪ ،‬هذا إذا كان التعامل مع البنك‪.‬‬
‫هناك صورة أخرى‪ :‬وهي التعامل مع األفراد‪ ،‬رجل من أمريكا‪ ،‬من‬
‫بريطانيا‪ ،‬من أذربيجان‪ ،‬من أي مكان‪ ،‬يتعامل مع رجل يف اإلمارات حيول‬
‫له بعملة بلده‪ ،‬وهذا الرجل الذي يف اإلمارات يُسلم ابلدرهم‪ ،‬الصورة‬
‫ّم‬
‫للمحول وكيل يف اإلمارات‪ ،‬وللمحول إليه وكيل‬
‫الصحيحة هلذا؛ أن يكون‬
‫يف ذلك البلد‪ ،‬ويتفقا على وقت واحد جيتمع فيه كل واحد بوكيل اآلخر‪،‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪224‬‬
‫فيعطي هذا وكيل هذا املبلغ‪ ،‬ويعطي هذا وكيل هذا املبلغ‪ ،‬يقع التقابض يف‬
‫نفس الوقت وينصرفان ليس يف ذمة أحدمها لآلخر شيء؛ فيحصل املقصود‬
‫الشرعي وإن تباعد املكان ‪-‬وهللا أعلم‪.-‬‬
‫السؤال السادس‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬ما الفرق بني قاعدة‪" :‬األصل منع ما‬
‫يؤدي إىل النزاع يف البيوع"‪ ،‬والقاعدة األخرى‪" :‬ال ينعقد البيع إال عن‬
‫تر ٍ‬
‫اض"؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال؛ ألهنما قد يرتاضيان على أمر يؤدي إىل النزاع؛ فالشرع إذا كان األمر‬
‫يؤدي إىل النزاع؛ مينعه سواء تراضيا عليه أو ِل يرتاضيا‪ ،‬فهناك فرق بينهما‪.‬‬
‫السؤال السابع‪ :‬هل يدخل حتت بيع املالمسة شراء األعمى للبضائع‬
‫حيث إنه يتحسس البضاعة‪ ،‬فهل يدخل يف هذا املنهي؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫العُمي أذكى من هذا‪ ،‬العمي ال يشرتي مبجرد اللمس إال إذا كانت‬
‫السلعة تُعرف ابللمس‪ ،‬لكن على كل حال؛ إذا كان املبيع مما ال يُعلم‬
‫ابللمس فاشرتى األعمى ابللمس؛ فإن هذا ال يصح‪ ،‬وإن كان عند العُمي‬
‫من الذكاء والفطنة ما يعرفون به األشياء‪ ،‬وقد وجدان من العُمي من يدرك‬
‫أكثر من املبصرين‪ ،‬لكن نقول القاعدة الشرعية العامة‪ :‬أنه إذا كانت الصفة‬
‫‪|225‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ال تعلم مبجرد اللمس فال يصح شراء األعمى هلا مبجرد اللمس‪ ،‬بل ال بد‬
‫معلوما له‪.‬‬
‫أن يكون املبيع ً‬
‫السؤال الثامن‪ :‬يقول السائل أان أبيع عسالً‪ ،‬والعسل ليس يل وإمنا هو‬
‫لزميلي‪ ،‬ويريد يف كل قارورة عسل ‪ 120‬درمهًا ويل أن أبيعه أبكثر من ذلك‬
‫وما زاد فهو يل ما احلكم يف هذا؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫هذا فيه تفصيل‪:‬‬
‫إن كان هذا من ابب األجرة يعين يستأجرك ويقول بمع بـ ‪ 120‬والباقي‬
‫أجرة لك فهذا ال جيوز‪ ،‬ألهنا أجرة جمهولة ويشرتط يف األجرة أن تكون‬
‫معلومة املقدار‪.‬‬
‫وإن كان هذا من ابب املكافأة؛ فيقول‪ :‬أنت جزاك هللا خري حمسن يل‬
‫وتبيع فأان أريد ‪ ،120‬الزائد خذه حالل ليس أجرة لك ولكنها مكافأة‪،‬‬
‫فاملكافأة ابهبا واسع ويوسع فيها وحتتمل فيها اجلهالة وال حرج ألهنا ال تؤدي‬
‫إىل النزاع‪.‬‬
‫السؤال التاسع‪ :‬يقول كثر يف اآلونة األخرية ما يسمى برتبية الثعابني‬
‫وبيعها بقصد الزينة وهي خالية من السم؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪226‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ما أدري من يتزين ابلثعابني؟! األصل منع هذا‪ ،‬واقتناؤها مما تنفر منه‬
‫الفطر السليمة؛ فإذا كان اإلنسان يقتنيها ملا فيها من السم ليُباع للمختربات‬
‫اليت تستفيد من هذا؛ فال أبس ألن فيها هذه املنفعة‪ ،‬أما إذا كان يقتنيها من‬
‫ابب اهلواية أو من ابب أن توضع يف البيت أو حنو ذلك وهي ليست سامة؛‬
‫فأان الذي يظهر يل اآلن نسأل هللا ‪ -‬عز وجل أن يسددان‪ -‬أهنا ال جتوز‪.‬‬
‫السؤال العاشر‪ :‬يقول السائل يقع يف األزمنة اخلاصة أبعياد الكفار‬
‫التخفيض يف السلع‪ ،‬فهل جيوز املسلم أن يشرتي السلع يف هذه الفرتة على‬
‫اعتبار ختفيضها هبذه املناسبة؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫التخفيض لك وعيدهم عليهم‪ ،‬جيوز ما فيه حرج‪ ،‬هذه ليست من‬
‫طقوس األعياد ولكنها مرافقة لألعياد‪ ،‬فهذه سلع تباع يف األسواق ويكون‬
‫عندهم أزمنة خيفضون فيها تكون مبناسبة أعيادهم إما عيد امليالد أو عيد‬
‫كذا وكذا‪ ..‬خيفضون فيه‪ ،‬جيوز‪ ،‬ما يف أبس‪ ،‬ألنك تشرتي السلعة بثمنها‪،‬‬
‫وليس هذا من طقوس األعياد ولكنه مرافق للزمن؛ فهذا ال أبس به وقد‬
‫درست هذه املسألة وظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬اجلواز‪.‬‬
‫طبعا حنن نتكلم عن السلع العامة‪ ،‬مالبس وحنو ذلك‪ ،‬ليس أشياء تباع‬
‫ً‬
‫من أجل العيد‪ .‬نعرف يف أمريكا وغريها يف وقت أعياد معينة يكون هناك‬
‫‪|227‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أحياان يصل إىل سبعني يف املئة للسلع‪ ،‬املالبس وغريها‪ ،‬جيوز‪ ،‬أما‬
‫ختفيض ً‬
‫ما يعد للعيد فهو من طقوس العيد؛ فال جيوز‪.‬‬
‫السؤال احلادي عشر‪ :‬إحدى األخوات تقول‪ :‬املسألة املعاصرة اليت‬
‫تكلمنا عليها ابألمس "بيع األرقام املميزة" إذا كان بيعها ليؤخذ ريعها‬
‫لألعمال اخلريية؛ فهل جيوز ذلك عند من يرى بعدم جوازها‪ ،‬وهل حتتسب‬
‫للمشرتي صدقة؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫إذا كانت تقام من ابب التشجيع على الدفع وليست السلعة مقصودة‬
‫لكن جمرد وسيلة‪ ،‬يعين أن يتربع اإلنسان مبا يصل إىل هذا املبلغ فأرجو هللا‬
‫‪ ‬أن يوسع يف هذا‪ ،‬ألن احلقيقة أنه ليس املراد البيع هنا وليس املراد‬
‫الشراء؛ ولكن املراد أن يتنافس أهل اخلري على هذه السلعة لدفع أعلى مبلغ‬
‫من ابب التربع ليس من ابب اقتناء هذه اللوحة‪ ،‬فيظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه‬
‫مثل هذا أرجو أن يوسع فيه‪.‬‬
‫السؤال الثاين عشر‪ :‬ما رأي فضيلتكم ببطاقات جتميع النقاط‪ ،‬كلما‬
‫اشرتيت أكثر ُحسبت نقاط أكثر‪ ،‬فبالتايل يعطى مقابل ذلك مبلغ من املال‬
‫يشرتي به؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪228‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫أان الذي ظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن كل مكافأة مالية يدفع مقابلها شيء‬
‫فهي حمرمة‪ ،‬مسيت جائزة! مسيت نقاط! البيع ال جيوز‪ ،‬أما إذا كان املقابل‬
‫ثواب‬
‫منفعة ‪ً -‬‬
‫مثال نقاط‪ -‬فيُعطى أن يسكن‪ ،‬أو يعطى تذكرة‪ ،‬أو يعطى ً‬
‫فهذا فيه تفصيل‪ :‬إن كان حيصل عليه كل أحد يصل إىل هذا املقدار فهو‬
‫جائز‪ ،‬وإن كان ال حيصل عليه كل أحد وإمنا حيصل عليه البعض دون‬
‫البعض؛ فهذا ال جيوز ألنه قممار‪ ،‬واضح؟‬
‫ إذا كانت منفعة هذه البطاقات اليت تُدفع فيها نقود مالية؛ فال جتوز‬‫ألهنا من الراب‪.‬‬
‫ إذا كانت ليست مالية‪:‬‬‫ فإن كان حيصل عليها كل أحد؛ فهي جائزة النعدام املانع الشرعي‪.‬‬‫ وإن كان حيصل عليها البعض‪ ،‬ولو ابلقرعة؛ فهذه غري جائزة ملا فيها‬‫من املقامرة ‪-‬وهللا أعلم‪.-‬‬
‫السؤال الثالث عشر‪ :‬سؤال قريب مما سبق وهو ما يسمى اآلن وانتشر‪:‬‬
‫ابألميال هل النقاط اليت حيصل عليها عن طريق األميال مقابل مشرتايت‬
‫من البطاقة االئتمانية تدخل يف التحرمي‪.‬‬
‫‪|229‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫مثل ما ذكرانه‪ ،‬األميال هذه ليست منفعة مالية‪ ،‬وإذا كان املقصود‬
‫ابلنسبة خلطوط الطريان فاملعلوم أهنا حتصل لكل من حيصل على هذه‬
‫النقاط‪ ،‬ولذلك والذي يظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬جوازها وال حرج فيها‪.‬‬
‫السؤال الرابع عشر‪ :‬هل يشرتط لصحة عقد البيع أن أييت القبول‬
‫مباشرة بعد اإلجياب أم ال أبس ابلفاصل اليسري بعد انعقاد البيع؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ما دام أنه يف جملس العقد فال حرج على الصحيح‪ ،‬نعم من أهل العلم‬
‫من يقول جيب التوايل بني اإلجياب والقبول‪ ،‬لكن الصحيح من أقوال أهل‬
‫العلم‪ :‬أنه يصح ما دام أهنما اجتمعا ‪-‬أعين اإلجياب والقبول‪ -‬يف جملس‬
‫واحد‪.‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪230‬‬
‫الدرس التاسع‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬أما بعد‪،،،‬‬
‫ففي هذا اليوم إن شاء هللا خنتم هذه الدورة‪ ،‬نسأل هللا عز وجل حسن‬
‫اخلتام‪ ،‬وخنتمها بقاعدتني‪ ،‬ونكون بذكرمها قد ذكران القواعد اليت حتيط بفقه‬
‫لب ما يسمى بفقه املعامالت املالية‪.‬‬
‫البيوع‪ ،‬وهو ّ‬
‫وأقرتح على – اإلخوة يف اهليئة ‪ -‬أن يقيموا دورة عن قواعد الراب وما‬
‫يتعلق به‪ ،‬ودورة عن املعامالت املالية املعاصرة‪ ،‬من حيث تفصيلها وبياهنا‬
‫وبيان حقيقة أحكامها‪ ،‬وهبذا تكتمل الدائرة‪ ،‬فإذا أقيمت دورة عن قواعد‬
‫الراب وما يتعلق به‪ ،‬ودورة عن أعيان املعامالت املالية املعاصرة‪ ،‬جيمع –‬
‫اإلخوة ‪ -‬ابب املعامالت املالية من حيث التأصيل‪ ،‬ومن حيث التطبيق‬
‫على املسائل الواقعة‪ ،‬وإن كنا أشران إىل بعض املسائل؛ لكن هناك أعيان‬
‫للمسائل املالية املعاصرة حتتاج إىل شيء من التفصيل‪ ،‬وبيان صورها وواقعها‬
‫يف البنوك واألسواق العاملية‪ ،‬ومثل املعامالت املالية املستحدثة يف الشبكات‪،‬‬
‫من التسويق الشبكي وغري ذلك من صور املعامالت املالية املعاصرة‪ ،‬فإذا‬
‫حصل هذا؛ فإنه حيصل ‪-‬إن شاء هللا‪ُ -‬مكنة للدارسني يف هذا الباب يف‬
‫زمن يسري‪ ،‬وهذا من نعم هللا عز وجل على طالب العلم‪.‬‬
‫اليوم أنخذ القاعدة العاشرة فيما أحسب‪..‬‬
‫‪|231‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫القاعدة العاشرة‪ :‬هي "أن األصل منع الضرر يف البيوع"‪:‬‬
‫القاعدة املستمرة‪ :‬أن ما يؤدي إىل الضرر أبحد العاقدين أو ابلناس‪ُ ،‬مينع‬
‫يف البيوع وال جيوز وال يصح‪ ،‬ألن الضرر جيب دفعه قبل وقوعه‪ ،‬وجيب رفعه‬
‫ضررا إال‬
‫بعد وقوعه‪ ،‬هذه قاعدة الشريعة العامة‪ ،‬الشريعة اإلسالمية ال تُقر ً‬
‫من ابب حتمله لدفع ضرر أعظم منه‪ ،‬فالضرر يدفع قبل وقوعه‪ ،‬ويرفع بعد‬
‫وقوعه‪ ،‬ويدخل يف ذلك ما يتعلق ابلبيوع؛ فالضرر يف البيوع ممنوع‪ ،‬ويدل‬
‫هلذه القاعدة‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬األدلة الدالة على منع الضرر‪.‬‬
‫كقول النيب ﷺ‪ :‬ال ضرر وال ضرار‪ ،‬واحلديث اثبت ويدل على أن‬
‫الضرر ممنوع؛ فإنه يدل على نفي الضرر‪ ،‬والعلماء األصوليون يقولون‪:‬‬
‫"النفي أبلغ من النهي"‪ ،‬ألن النفي يشعر بعدم الوقوع؛ فعندما نقول‪ :‬ال‬
‫ضرر؛ كأننا نقول‪ :‬ال يوجد ضرر‪ ،‬مع أن الضرر يوجد‪ ،‬لكن املقصود من‬
‫معدوما‪" ،‬ال ضرر"‪ :‬فال جيوز للنسان أن‬
‫الناحية الشرعية ينبغي أن يكون‬
‫ً‬
‫يضر غريه‪" ،‬وال ضرار"‪ :‬فال جيوز للنسان أن يضر غريه وال أن يضر نفسه‪،‬‬
‫وال أن يضر ابتداءً وال أن يضر مقابلةً‪ ،‬هذا األصل يف الشريعة‪ ،‬فهذا النوع‬
‫األول من األدلة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪232‬‬
‫اثنيًا‪ :‬يدل على القاعدة اتفاق العلماء على "أن الضرر يزال"‪.‬‬
‫فمن القواعد اخلمس الكربى اليت اتفق عليها فقهاء األمة قاعدة "الضرر‬
‫يزال"‪ ،‬هناك قواعد مخس يف الفقه تسمى‪ :‬ابلقواعد اخلمس الكربى‪ ،‬وهذه‬
‫جدا‬
‫القواعد اخلمس حمل اتفاق بني الفقهاء‪ ،‬وهي كربى ألن فروعها كثرية ً‬
‫جدا‪ ،‬هذه القواعد اخلمس‪:‬‬
‫ً‬
‫‪ .1‬األمور مبقاصدها‪.‬‬
‫‪ .2‬واليقني ال يزول ابلشك‪.‬‬
‫‪ .3‬واملشقة جتلب التيسري‪.‬‬
‫‪ .4‬والضرر يزال‪.‬‬
‫‪ .5‬والعادة حمكمة‪.‬‬
‫فمن القواعد اخلمس الكربى اليت اتفق عليها الفقهاء قاعدة‪" :‬الضرر‬
‫يزال"‪ ،‬فهذا الدليل الثا‪،‬ي‪ ،‬القاعدة املتفق عليها بني الفقهاء‪.‬‬
‫اثلثًا‪ :‬أان وجدان الشرع هنى عن بيوع ملا فيها من الضرر‪ ،‬فدل ذلك‬
‫على أن الضرر يف البيوع ممنوع‪.‬‬
‫‪|233‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ومن البيوع اليت جاء النهي عنها من أجل الضرر‪:‬‬
‫"بيع احلاضر للبادي وتلقي الركبان"‪:‬‬
‫فقد جاء عن ابن عمر ‪ ‬قال‪ :‬هنى رسول هللا ﷺ أن يبيع حاضر‬
‫لبادي‪ .‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن ابن عباس ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ﷺ‪ :‬ال تلقوا الركبان‪ ،‬وال‬
‫يبع حاضر ٍ‬
‫لباد‪‬؛ قال طاووس وهو راوي احلديث عن ابن عباس‪ :‬قلت‬
‫البن عباس‪ :‬ما قوله ال يبع حاضر ٍ‬
‫مسسارا‪ .‬رواه‬
‫لباد؟ قال‪ :‬ال يكون له‬
‫ً‬
‫البخاري‪.‬‬
‫وجاء عن جابر ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ﷺ‪ :‬ال يبع حاضر ٍ‬
‫لباد‪،‬‬
‫دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض‪ .‬رواه مسلم‪ ،‬ففي حديث جابر‬
‫زايدة اإلشارة إىل العلة‪ ،‬دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض‪.‬‬
‫وعن أنس ‪ ‬قال‪" :‬هنينا أن يبيع حاضر ٍ‬
‫لباد ولو كان أابه أو أخاه"‪،‬‬
‫ويف هذه األحاديث هنى النيب ﷺ أن يبيع احلاضر للبادي‪.‬‬
‫من هو احلاضر؟ احلاضر‪ :‬هو املقيم يف املدن والقرى‪ ،‬والبادي‪ :‬هو الذي‬
‫أييت من البادية‪.‬‬
‫ومعىن هذا‪ :‬هني احلاضر أن يتوىل بيع سلع من يقدم إىل البلد من‬
‫مسسارا‪ ،‬ال يكون وسيطًا بينه وبني الناس‪ ،‬فإذا‬
‫البادية‪ ،‬مبعىن‪ :‬ال يكون له‬
‫ً‬
‫قدم أهل البادية بسلعهم إىل البلد‪ ،‬فإهنم يُرتكون يبيعون أبنفسهم‪ ،‬وال أييت‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪234‬‬
‫حاضر فيقول‪ :‬هات أان أبيع لك‪ ،‬وهذه صورهتا إما أبجرة وإما بدون أجرة‪،‬‬
‫وسنتكلم عنها إن شاء هللا‪.‬‬
‫خاصا أبهل البادية‪ ،‬وإمنا‬
‫واحملققون من أهل العلم يقولون هذا ليس ً‬
‫البادي هنا ذكر على سبيل املثال‪ ،‬بل يشمل كل غريب يقدم إىل البلد‬
‫م‬
‫بسلعم مه ليبيعها‪ ،‬فإذا جاء إنسان من دولة أخرى بسل ٍع ليبيعها يف البلد؛ فإنه‬
‫ينهى من كان يف البلد أن يبيع له‪ ،‬ألن العلة واحدة وهي التوسيع على أهل‬
‫البلد ودفع الضرر عنهم‪ ،‬فهذا معىن احلديث‪.‬‬
‫وقال ابن دقيق العيد مبينًا العلة وأهنا لدفع الضرر‪" :‬أما بيع احلاضر‬
‫للبادي فمن البيوع املنهي عنها ألجل الضرر"‪ ،‬مث ذكر صورة هي اليت‬
‫كثريا‪ ،‬قال‪" :‬وصورته‪ :‬أن حيمل البدوي أو القروي‬
‫يذكرها علماء الشافعية ً‬
‫متاعه إىل البلد ليبيعه بسعر يومه ويرجع‪ ،‬فيأتيه البلدي فيقول‪ :‬ضعه عندي‬
‫ألبيعه لك على التدريج بزايدة سعر‪ ،‬قال‪ :‬ويف ذلك إضرار أبهل البلد"‪.‬‬
‫انظروا ‪-‬أيها اإلخوة‪ -‬البدوي أييت من القرية بسلعة ليبيعها ويعود‪،‬‬
‫فيبيعها بسعر اليوم‪ ،‬فيأتيه احلضري فيقول‪ :‬ال‪ ،‬ضعها عندي وأان أبيعها لك‬
‫غدا سريتفع إن شاء هللا‬
‫على التدريج والسعر يزداد‪ ،‬اليوم السعر منخفض‪ً ،‬‬
‫فأان أبيعها لك بسعر مرتفع‪ ،‬فهنا حيصل اإلضرار أبهل البلد؛ ألنه لو ابعها‬
‫بسعر يومها ينتفع أهل البلد ويوسع عليهم‪ ،‬فإذا ِل حيصل هذا حيصل الضيق‬
‫والضرر على أهل البلد‪.‬‬
‫‪|235‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫واجلمهور من أهل العلم على أن هذا التحرمي ٍ‬
‫ابق ِل يُنسخ وِل يُرفع‪،‬‬
‫فيحرم على احلاضر أن يبيع للبادي‪.‬‬
‫بعض الفقهاء قالوا‪ :‬جيوز‪ ،‬وهذا احلكم منسوخ أبحاديث النصيحة‪،‬‬
‫أيضا أحاديث أخرى‪.‬‬
‫والنصح لكل مسلم‪ ،‬وذكروا ً‬
‫أما أحاديث النصيحة فال تصلح للنسخ هنا‪ ،‬ألن أحاديث النصيحة‬
‫عامة وهذا النهي خاص‪ ،‬مث هذا ليس من ابب النصيحة وإمنا من ابب البيع‬
‫والسمسرة‪ ،‬وأما األحاديث األخرى اليت ذكروها فهي ضعيفة‪.‬‬
‫اإلمام البخاري ‪-‬رمحه هللا‪ -‬من فقهاء األمة‪ ،‬ويظهر فقهه يف ترامجه‬
‫كثريا عجيبًا‪ ،‬قد ال‬
‫لألبواب‪ ،‬والذي يفهم تراجم البخاري جيد أن فيها ً‬
‫فقها ً‬
‫يتفطن إليه كثري من الناس‪ ،‬فالبخاري ‪-‬رمحه هللا‪ -‬من الفقهاء‪ ،‬وهذا ديدن‬
‫احملدثني ‪-‬أيها اإلخوة‪ ،-‬احملدثني الكبار يف األمة حمدثون وفقهاء‪ ،‬وهذا هو‬
‫فقيها يف معانيه‪ ،‬عارفًا‬
‫الذي ُحيتاج إليه؛ أن يكون اإلنسان حافظًا للقرآن‪ً ،‬‬
‫فقيها يف معانيها‪ ،‬فالبخاري ‪-‬رمحه هللا‪ -‬ذكر قوالً كأنه جيمع‬
‫ابألحاديث‪ً ،‬‬
‫فيه بني القولني‪ :‬القول ّم‬
‫احملرم والقول ّم‬
‫اجملوز؛ فيفهم من ترامجه أنه حيرم أن‬
‫مسسارا ابألجرة‪ ،‬أما إذا كان بدون أجرة على سبيل‬
‫يكون احلاضر للبادي‬
‫ً‬
‫النصيحة فجائز‪.‬‬
‫البخاري يقول‪ :‬هذا احلاضر إذا جاء يبيع للبادي من أجل مصلحة‬
‫نفسه‪ ،‬من أجل أن أيخذ أجرة فهذا حرام‪ ،‬وإذا كان يبيع للبادي من أجل‬
‫النصح له فهذا جائز‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪236‬‬
‫والذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه ال جيوز للحاضر أن يتوىل البيع للبادي‬
‫سواءً أبجرة أو بدون أجرة‪ ،‬ال جيوز للحاضر أن يتوىل البيع للبادي بنفسه؛‬
‫فيقول‪ :‬هات أبيع لك! سواء كان أبجرة أو بدون أجرة لعموم النصوص‬
‫وعموم العلة‪ ،‬فإن العلة واحدة سواء ابع أبجرة أو ابع بدون أجرة‪.‬‬
‫أما أن ينصح له فيقول له‪ :‬ترى سعر السلعة اليوم كذا‪ ،‬ال تُغنب! انتبه!‬
‫ال يضحك عليك أحد! أنت أتيت اليوم مثالً بطماطم أو شيء من الزروع‬
‫من الثمار إىل البلد ليباع ترى سعرها اليوم عشرة‪ ،‬فيخربه بسعر اليوم‪ ،‬فهذا‬
‫جائز‪.‬‬
‫أما أن ينصحه أبن ال يبيع اليوم؛ فهذا ال جيوز‪.‬‬
‫أن ينصحه أبن خيربه بسعر اليوم حىت ال يُغنب؛ فيأيت واحد فيشرتي منه‬
‫أبقل من سعر اليوم فيغشه فهذا من النصيحة‪ ،‬أما أن خيربه بغري سعر اليوم‬
‫مثال‪" :‬ترى البضاعة اليوم هذي تباع بعشرة لكن‬
‫فهذا ال جيوز‪ ،‬أن يقول له ً‬
‫لو صربت يومني ستباع إن شاء هللا أبربعة عشر"‪ ،‬هذا ال جيوز‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألنه ينايف قول النيب ﷺ‪ :‬دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض‪.‬‬
‫فاملقصود أن ترتك هذا الرجل يبيع بسعر اليوم؛ فإذا قلت له سعر اليوم‬
‫انزل ترى ولو صربت ليوم أو يومني سريتفع‪ ،‬هذا يناقض مقصود النيب ﷺ‪.‬‬
‫إذن هل جيوز للنسان أن يتوىل البيع للبادي أو من يقوم مقامه؟‬
‫اجلواب‪ :‬ال‪ ،‬ال أبجرة وال بدون أجرة‪ ،‬لعموم هني النيب ﷺ‪.‬‬
‫‪|237‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫هل جيوز للنسان أن ينصح البادي ابلداللة والكالم؟ فيقول له سعر‬
‫هذه السلعة كذا؟‬
‫نقول هذا فيه تفصيل‪:‬‬
‫ إن كان خيربه بسعر اليوم حىت ال يغنب فيه؛ فهذا جائز وهو من‬‫النصيحة للمسلم‪.‬‬
‫ إن كان خيربه أبن يؤخر البيع إىل أايم أخر؛ فهذا ال جيوز ألنه‬‫يناقض مراد النيب ﷺ يف هنيه أن يبيع احلاضر للبادي‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬أنتم تقولون‪ :‬أن العلة هنا منع الضرر عن أهل البلد حىت يُوسع‬
‫عليهم يف أرزاقهم‪ ،‬أليس يف منع بيع احلاضر للبادي ضرر عليه هو؟ إذا منع‬
‫احلاضر أن يبيع للبادي يقع على البادي ضرر من جهة أنه يبيع بسعر اليوم‪،‬‬
‫ولو ابع له احلاضر فقد يرفع السعر‪.‬‬
‫نقول‪ :‬حىت لو كان هناك ضرر على البادي؛ فإن قاعدة الشريعة أنه‬
‫يُرتكب الضرر األخف لدفع الضرر األعلى‪ ،‬فإذا اجتمع ضرران؛ ارتكب‬
‫أخفهما لدفع أعالمها‪.‬‬
‫وهلذا شواهد كثرية‪ :‬يف حديث جابر ‪ ‬ملا قال‪ :‬لقد رأيتنا نتماشى أان‬
‫ٍ‬
‫يقوم أحدكم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قائما كما ُ‬
‫ورسول هللا ﷺ فأتى ُسباطة قوم فبال ً‬
‫إيل فأتيت حىت وقفت عند عقبه‪.‬‬
‫فتنحيت عنه‪ ،‬فأشار ّ‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪238‬‬
‫قوما من أصحابه وأطال اجللوس عندهم فلما خرج؛‬
‫هنا النيب ﷺ زار ً‬
‫احتاج ﷺ للبول ‪ -‬فهو ﷺ بشر شرفه هللا ابلرسالة‪ ،‬رسول هللا ﷺ بشر‬
‫يصيبه ما يصيب البشر‪ ،‬شرفه هللا ابلرسالة – فكان‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬األمر بني أمرين‪ :‬أن يصرب النيب ﷺ حىت يبتعد عن البيوت ويف هذا‬
‫ضرر عليه من جهة حبس البول عند احلاجة إليه‪ ،‬وبني أن يبول يف سباطة‬
‫هؤالء القوم قريب من البيوت‪ ،‬فاختار النيب ﷺ أخف الضررين‪ ،‬وهو أن‬
‫يبول قريبًا من البيوت هذا وجه‪.‬‬
‫الوجه الثا‪،‬ي‪ :‬قُرب جابر من النيب ﷺ أثناء بوله فيه ضرر‪ ،‬ولكن بعده‬
‫أيضا فيه ضرر‪ ،‬جابر إذا اقرتب من النيب ﷺ وهو يبول فيه ضرر؛ لكن لو‬
‫ً‬
‫ابتعد فإنه قد أييت رجل ال يدري عن النيب ﷺ شيئًا فيقع نظره على النيب‬
‫ساترا له عن الناس‪ ،‬يقف وراءه‬
‫ﷺ‪ ،‬فأراد النيب ﷺ أن يكون جابر ً‬
‫كالساتر‪ ،‬ألن جابر يعلم حال النيب ﷺ فال يقع نظره على النيب ﷺ‪ ،‬فإذا‬
‫جاء أحد قادم فجأة يرى من؟ يرى جابر ‪ ،‬فاختار النيب ﷺ أخف‬
‫الضررين؛ فأشار إىل جابر أن تقدم بعد أن تنحى جابر ‪ ‬فجاء حىت‬
‫وقف عند عقبه‪.‬‬
‫جدا؛ فمن املتفق عليه بني العلماء؛ بل يذكر شيخ‬
‫وهذا له صور كثرية ً‬
‫اإلسالم ابن تيمية أنه متفق عليه بني العقالء‪" :‬ارتكاب الضرر األخف‬
‫معا‪.‬‬
‫لدفع الضرر األعلى إن تعني هذا"‪ ،‬يعين‪ :‬إن ما أمكن دفع الضررين ً‬
‫‪|239‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فهنا عندان ضرر حيصل أبهل البلد‪ ،‬وضرر حيصل للبادي فقط‪ ،‬فهنا‬
‫الضرر احلاصل ألهل البلد أعظم من جهتني‪:‬‬
‫اجلهة األوىل‪ :‬أن أهل البلد أكثر من البادي؛ فيكون الضرر احلاصل‬
‫عليهم أعظم‪.‬‬
‫يدفع فيها‬
‫اجلهة الثانية‪ :‬أن الضرر احلاصل للبادي إمنا هو يف سلعة ال ُ‬
‫شيئًا‪ ،‬سلعة قادم هبا‪ ،‬والضرر احلاصل ألهل البلد يف دفع األمثان‪ ،‬يف زايدة‬
‫األمثان عليهم وهذا أعظم‪.‬‬
‫ولذلك قال القرطيب يف "املفهم"‪" :‬قصد الشرع أن يباشروا ‪ -‬أي أهل‬
‫م م‬
‫ابلرخ م‬
‫ص فيما ال ضرر‬
‫البوادي ‪ -‬بـيع سلعهم أبنفسهم لريتفق أهل احلاضرة ّ‬
‫على أهل البادية فيه‪ ،‬وأعرض الشرع عما يلحق أهل البادية يف ذلك ‪ -‬يعين‬
‫وترجيحا ألعظم‬
‫دفعا ألشد الضررين‬
‫من ضرر عدم رفع السعر ‪ً -‬‬
‫ً‬
‫املصلحتني"‪.‬‬
‫مثل بيع احلاضر للبادي؛ تلقي الركبان‪:‬‬
‫وتلقي الركبان‪ :‬يعين أن يتلقى اإلنسان الركبان القادمني بسلعهم إىل البلد‬
‫ليشرتيها منهم قبل وصوهلم إىل البلد‪.‬‬
‫والعلة يف النهي عن تلقي الركبان؛ منع الضرر الالحق ابجلالب‪ ،‬ومنع‬
‫الضرر الالحق ابلبلد‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪240‬‬
‫منع الضرر الالحق ابجلالب‪ :‬ألن الذي يتلقاه يستغل جهله ابألسعار؛‬
‫فمنع من هذا ليدفع الضرر عن اجلالب حىت أييت‬
‫فيشرتي منه أبرخص‪ُ ،‬‬
‫ويرى البلد ويعرف السعر ويبيع‪.‬‬
‫ومنع الضرر الالحق أبهل البلد‪ :‬ألن الذي يتلقى الركبان يشرتي منهم مث‬
‫يبيع ألهل البلد أبغلى‪ ،‬فنهي عن تلقي الركبان‪ ،‬فال جيوز أن يُتلقى الركبان‪.‬‬
‫ومن األمور املعاصرة اليت تُلحق هبذا‪ :‬أنهُ إذا قدم ُجتّار من غري أهل البلد‬
‫إىل البلد‪ُ ،‬جتّار أيتون من بلد خارجي‪ :‬من فرنسا من بريطانيا أيتون من‬
‫أذربيجان أيتون إىل اإلمارات مثالً‪ ،‬يقدمون بسلعهم‪ ،‬هذا يلحق مبسألة‬
‫تلقي الركبان وبيع احلاضر للبادي‪ ،‬فال جيوز لتاجر من جتار البلد أن يتلقاهم‬
‫قبل وصوهلم للبلد إذا كانوا جاهلني بسعر السلعة يف البلد‪ ،‬ليستغل جهلهم‬
‫دفعا للضرر عنهم‪ ،‬هذه صورة‪.‬‬
‫فيشرتيها منهم بسعر أقل‪ً ،‬‬
‫وال جيوز له أن يتلقاهم ليشرتيها منهم بسعر اليوم ليبيعها على أهل البلد‬
‫دفعا للضرر عن أهل البلد‪ .‬ال جيوز للتاجر أن يتلقى الركبان أو‬
‫بسعر أعلى ً‬
‫التجار القادمني من دول أخرى ابلسلع ليشرتي منهم سلعهم أبسعار أقل‬
‫دفعا للضرر عن أولئك التجار‪.‬‬
‫من السوق مستغالً جهلهم ابألسعار‪ً ،‬‬
‫وال جيوز للتاجر أن يتلقى أولئك التجار ليشرتي منهم السلع بسعر البلد‬
‫من أجل أن يبيعها بسعر أعلى‪ ،‬يعين‪ :‬جتار قدموا بسيارات‪ ،‬فيذهب اتجر‬
‫هلم قبل الوصول إىل البلد؛ فقيمة السيارات يف البلد مثالً تباع بعشرين ألفاً‪،‬‬
‫قيمتها عشرون ألفاً‪ ،‬فيذهب إليهم مستغالً جهلهم ابألسعار ويقول‪ :‬أشرتي‬
‫‪|241‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫منكم خبمسة عشر ألف! فهذا ال جيوز‪ ،‬أو سعرها يف البلد بعشرين ألفا‬
‫فيذهب ويشرتيها بعشرين ألفا ليأيت إىل البلد فيبيعها خبمسة وعشرين ألفا‪،‬‬
‫دفعا للضرر يف احلالتني‪.‬‬
‫فريفع السعر على أهل البلد‪ً ،‬‬
‫كذلك‪ :‬حيرم تلقي الباعة الذين يقدمون ابلسلع من خارج البلد عند‬
‫أفواه األسواق قبل بلوغها األسواق‪ .‬يعين‪ :‬األول يتلقاهم خارج البلد‪ ،‬الثا‪،‬ي‬
‫يتلقاهم عند أفواه األسواق‪.‬‬
‫يعين‪ :‬السيارات عندها سوق؛ فيتلقاهم قبل دخوهلا‪ ،‬الزروع هلا سوق؛‬
‫فيتلقاهم قبل دخوهلا‪ ،‬ليشرتي منهم السلع بسعر أقل من سعر السوق‪،‬‬
‫جلهلهم ابألسعار‪ ،‬أو ليشرتيها بسعر السوق ليبيعها أبغلى على أهل البلد‬
‫دفعا للضرر عن اجلانبني‪.‬‬
‫ً‬
‫طبعا العلة اجلامعة؟ ألنه قد يقول لنا قائل‪ :‬يعين اي شيخ أنتم وسعتم‬
‫ً‬
‫النهي‪ ،‬والنهي أن يبيع حاضر لبادي‪ ،‬طيب هذا الذي يقدم ابلسلعة من‬
‫دولة ليس ببادي؟!‬
‫نقول‪ :‬العلة واحدة‪ ،‬وهذا ما يسمى بـ"العموم املعنوي"‪ ،‬وهو من أقوى‬
‫أنواع العموم‪ ،‬العموم املعنوي جبامع احتاد العلة‪ ،‬فالعلة واحدة فيكون احلكم‬
‫احدا‪.‬‬
‫و ً‬
‫وهبذا نعلم أن املمنوع يف هذا ما يكون فيه ضرر على اجلالب أو على‬
‫أهل البلد‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪242‬‬
‫فإن اندفع الضرر جاز‪ ،‬إن ِل يكن فيه ضرر فإنه جيوز‪ ،‬يعين قدم أانس‬
‫جتار ‪ -‬صحيح أهنم من دولة أخرى لكن يعرفون دولة اإلمارات‪ ،‬يعرفون‬
‫األسعار فيها ويعرفون كل شيء ‪ -‬فقدموا بسلعهم فاستقبلهم اتجر من‬
‫التجار قبل أن يصلوا إىل البلد‪ ،‬أو كلّمهم ابهلاتف فقال‪ :‬أان أشرتي منكم‬
‫سلعكم كلها دفعة واحدة بثمانية عشر ألف‪ ،‬وهي يف السوق بعشرين ألف‬
‫وهم يعرفون أهنا بعشرين ألف‪ ،‬لكن هذا اتجر من أهل البلد سيشرتي‬
‫السلع كلها بثمانية عشر ألف؛ فقالوا طيب بعناك‪ ،‬مث يبيعها ألهل البلد‬
‫بسعر البلد‪ ،‬ما يزيد على أهل البلد‪ ،‬فهذا جائز ألنه ال ضرر على اجلالب‪،‬‬
‫وال ضرر على أهل البلد‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬مدار احلكم على وجود الضرر‪ ،‬فما وجد فيه الضرر ُمنع وما انتفى‬
‫عنه الضرر أجيز‪.‬‬
‫طيب‪ :‬النهي هنا للتحرمي‪ ،‬عند مجهور أهل العلم؛ فيحرم هذا الفعل‪،‬‬
‫لكن هل العقد صحيح أو فاسد؟‬
‫سبق أن ذكرت لكم أن احلكم ابجلواز واحلرمة غري احلكم ابلصحة‬
‫والفساد‪ ،‬هل العقد صحيح أو فاسد؟‬
‫نقول‪ :‬إن كان املنع من أجل دفع الضرر عن اجلالب؛ فالعقد صحيح‬
‫وللجالب اخليار‪ ،‬إذا كان يشرتي من اجلالب أبقل من األسعار مستغالً‬
‫جهل اجلالب مث هو أيخذها ويبيعها بنفس السعر‪ ،‬الضرر هنا على من؟‬
‫‪|243‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫على اجلالب فقط‪ .‬العقد صحيح‪ ،‬البيع صحيح ولكن اجلالب ابخليار‪ ،‬إن‬
‫شاء فسخ وإن شاء أمضى‪.‬‬
‫ما الدليل على هذا؟ الدليل على هذا حديث أيب هريرة ‪ ‬أن رسول هللا‬
‫ﷺ قال‪ :‬ال تلقوا اجللب‪ ،‬فمن تلقى فاشرتى منه‪ ،‬فإذا أتى سيده السوق‬
‫فهو ابخليار‪ ‬رواه مسلم‪.‬‬
‫هنا النيب ﷺ يقول‪ :‬ال تلقوا اجللب‪ ‬الذين يقدمون ابلسلع إىل البلد‪،‬‬
‫‪‬فمن تلقاه فاشرتى منه‪ُ ‬وجد البيع‪ ،‬فسيده‪ ‬من سيده؟ البائع‪ ،‬ألنه هو‬
‫املالك الذي له اليد على السلعة‪ ،‬فسيده ابخليار‪ ،‬إن شاء أمضى وإن شاء‬
‫فسخ‪.‬‬
‫ما الدليل على أن العقد صحيح من هذا احلديث؟‬
‫صحيحا ملا ُوجد اخليار‪،‬‬
‫أن النيب ﷺ جعل له اخليار‪ ،‬فلو ِل يكن العقد‬
‫ً‬
‫فلما جعل له النيب ﷺ اخليار؛ علمنا أن العقد صحيح لكن يوقف على‬
‫رضا اجلالب‪ ،‬فإن أمضى مت العقد ومضى وإن شاء فسخه‪.‬‬
‫أما إذا كان املنع لدفع الضرر عن أهل البلد ‪ -‬الصورة اليت ذكرانها ‪-‬‬
‫يتلقاهم فيقول‪ :‬أشرتي منكم بسعر البلد‪ ،‬السلعة هذه اآلن بعشرين‪ ،‬ولرمبا‬
‫قال‪ :‬أشرتي منكم بزايدة‪ ،‬ألنه يعرف أن السوق حمتاج‪ ،‬فيقول‪" :‬اآلن لو‬
‫نزلتم إىل السوق تبيعون بعشرين‪ ،‬أشرتي منكم إبثنني وعشرين"‪ ،‬فهنا املنع‬
‫من أجل دفع الضرر عن أهل البلد فهنا يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن الراجح أن‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪244‬‬
‫العقد غري صحيح‪ ،‬ألنه ال ميكن دفع الضرر عنهم إال هبذا‪ ،‬يعين ابلنسبة‬
‫للجالب خريانه‪ ،‬لكن ابلنسبة ألهل البلد ليس هناك وجه لتخيريهم‪ ،‬فإهنم‬
‫ال ميلكون اخليار‪ ،‬فال ميكن دفع الضرر عنهم إال بعدم صحة العقد‪ ،‬وهذا‬
‫الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه الراجح حتقي ًقا ملقصود الشارع ‪‬دعوا الناس‬
‫يرزق هللا بعضهم من بعض‪.‬‬
‫ومن البيوع املنهي عنها للضرر؛ ما قد ذكرانه البارحة‪ ،‬وذكرانه يف‬
‫مسألة الغرر وهو‪ :‬النهي عن البيع على البيع‪:‬‬
‫فهذا منهي عنه ألنه يؤدي إىل النزاع‪ ،‬ومنهي عنه ملا فيه من الضرر‪ ،‬فال‬
‫جيوز للمسلم أن يبيع على بيع أخيه املسلم إذا ركن البائع واملشرتي إىل‬
‫بعضهما‪ ،‬قبل التفرق‪ ،‬يعين‪ :‬العقد ما لزم كما ذكران البارحة‪.‬‬
‫وكذلك‪ :‬إذا تفرقا وكان يف البيع خيار‪.‬‬
‫مثالً قال‪ :‬هذه السيارة بعتها لك بعشرين ألفا وقال‪ :‬قبلت وتفرقا‪ ،‬ذهب‬
‫للسيارة لكن املشرتي قال‪ :‬بشرط أن يكون اخليار يل ثالثة أايم‪ ،‬فذهب‬
‫شخص إىل املشرتي فقال‪ :‬هذه السيارة أنت اشرتيتها بعشرين ألف؟ عندي‬
‫أحسن منها بـخمسة عشر‪ .‬هذا ال جيوز‪ ،‬ألنه يؤدي إىل فسخ العقد األول؛‬
‫أما إذا كان بعد التفرق ولزوم العقد فهذا عقد جديد ما يضر العقد األول‪،‬‬
‫فهو جائز‪.‬‬
‫‪|245‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ثواب بعشرين فيقول‪ :‬ترى عندي ثياب مثل هذا خبمسة‬
‫يراه مثال اشرتى ً‬
‫عشر‪ ،‬إن أردت أبيعك خبمسة عشر‪ ،‬فهذا عقد جديد ال يضر العقد‬
‫بيعا على البيع فهذا جائز‪ ،‬وكذلك السوم على السوم‪ ،‬وكما‬
‫األول؛ فليس ً‬
‫قلنا العلة هنا علتان‪:‬‬
‫ العلة األوىل‪ :‬أن البيع على بيع املسلم والسوم على سومه؛ يؤدي إىل‬‫تنافر القلوب والتنازع بني املسلمني‪.‬‬
‫ والعلة الثانية‪ :‬ألن فيه إضرارا ابلبائع األول‪.‬‬‫ومما أنبه عليه هنا‪ :‬أن مجاهري العلماء من السلف واخللف على أن الذمي‬
‫هنا كاملسلم‪ ،‬فال جيوز ملسلم أن يبيع على بيعه وال أن يسوم على سومه‪،‬‬
‫فالذمي الذي يعيش بني املسلمني بعقد الذمة؛ ال جيوز للمسلم أن يبيع على‬
‫دفعا للضرر عنه‪.‬‬
‫بيعه‪ ،‬وال أن يسوم على سومه ً‬
‫ومن البيوع املنهي عنها للضرر بيع "السلعة املعيبة والغش"‪.‬‬
‫صربة طعام ‪-‬أي كومة‬
‫فعن أيب هريرة ‪ ‬أن رسول هللا ﷺ‪ :‬مر على ُ‬
‫طعام كومة حب‪ -‬فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بلال؛ فقال‪ :‬ما هذا اي‬
‫صاحب الطعام؟‪ ،‬قال‪ :‬أصابته السماء اي رسول هللا‪ ،‬قال‪ :‬أفال جعلته‬
‫فوق الطعام كي يراه الناس! من غش فليس مين‪ ،‬ويف رواية‪ :‬من غش‬
‫فليس منا‪ ‬رواه مسلم‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪246‬‬
‫هذا رجل يبيع الطعام يبيع احلب فنزل املطر على حبه فأصابه البلل‪ ،‬ماذا‬
‫صنع؟ جعل الناشف فوق واملبلول ادخله حتت وجعل عليه ما ِل يصبه املاء؛‬
‫فلما جاء النيب ﷺ أدخل يده يف الصربة فأصابت بلالً يف الداخل فقال‪ :‬ما‬
‫ابل هذا اي صاحب الطعام؟ فاعتذر صاحب الطعام قال‪ :‬أصابته السماء‬
‫ليس بيدي؛ فقال له النيب ﷺ‪ :‬هل جعلته فوق حىت يراه الناس من غش‬
‫فليس مين‪ ‬يعين‪ :‬ليس على طريقيت وليس على ما جيوز يف ديين‪ ،‬وليس‬
‫معىن هذا أنه كافر! وإمنا املقصود‪ :‬أنه ليس على طريقة النيب ﷺ وليس على‬
‫دينه يف هذا؛ فالغش ليس من دين النيب ﷺ وليس املقصود احلكم عليه‬
‫ابلكفر‪.‬‬
‫وجاء عن عقبة ‪ ‬أن رسول هللا ﷺ قال‪ :‬املسلم أخو املسلم‪ ،‬ال حيل‬
‫بيعا فيه عيب إال بينه له‪ ‬هذا احلديث رواه ابن ماجه‬
‫للمسلم ابع من أخيه ً‬
‫واحلاكم والبيهقي وصححه احلاكم ووافقه البيهقي وحسنه احلافظ ابن حجر‬
‫يف "التغليق"‪.‬‬
‫هذا احلديث دليل على أنه ال جيوز بيع املعيب إال بعد البيان‪ ،‬وهذا من‬
‫مقتضى األخوة اإلسالمية‪ ،‬أنه ال يبيع املسلم ألخيه املسلم سلعة معيبة إال‬
‫إذا ّبني له العيب؛ فال جيوز للمسلم أن يُظهر ُحسنًا يف السلعة ليس فيها‪،‬‬
‫أو ُخيفي خلال أو عيبًا فيها‪ ،‬بل الواجب البيان‪ ،‬أما العقد؛ فالعقد صحيح‪،‬‬
‫إذا ابع سلعة مع الغش؛ العقد صحيح مع ثبوت خيار العيب الذي‬
‫سنذكره اليوم إن شاء هللا‪.‬‬
‫‪|247‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ومن صور ذلك‪ :‬التصرية‪:‬‬
‫أبن حيبس صاحب الناقة أو صاحب الشاة احلليب يف ضرعها أايماً حىت‬
‫ميتلئ الضرع وينتفخ‪ ،‬مث جيلبها إىل السوق فرياها الناس فيظن الرائي أهنا‬
‫حلُوب النتفاخ ضرعها فيشرتيها؛ فإذا ذهب هبا حلبها اليوم األول ابتت‬
‫حبليب كثري؛ فإذا حلبها اليوم الثا‪،‬ي قل حليبها‪ ،‬إذا حلبها اليوم الثالث قل‬
‫حليبها وكان أقل‪ ،‬فهذا من الغش والتدليس؛ فيُظهر أهنا حلوب وليست‬
‫كذلك‪.‬‬
‫وقد جاء يف حديث أيب هريرة ‪ ‬أن النيب ﷺ قال‪ :‬ال تُصُّروا اإلبل‬
‫والغنم؛ فمن ابتاعها فهو خبري النظرين بعد أن حيتلبها؛ إن شاء أمسك وإن‬
‫مترا‪ .‬واحلديث متفق عليه‪.‬‬
‫شاء ردها وصاع ً‬
‫‪‬وال تصروا‪ ‬هني عن تصرية ‪‬اإلبل والغنم؛ فمن ابتاعها بعد‪ ‬أي بعد‬
‫التصريه؛ ‪‬فهو خبري النظرين‪ ‬هلا‪ ،‬هو خيتار‪ :‬إن شاء أمسكها‪ ‬وميضي‬
‫وصاعا من متر‪‬؛ يردها وأيخذ‬
‫البيع‪ ،‬إذن البيع صحيح ‪‬وإن شاء ردها‪،‬‬
‫ً‬
‫صاعا من متر؟ مقابل احلليب‪.‬‬
‫القيمة؛ ملاذا يرد ً‬
‫طيب قائل يقول‪ :‬أنتم قلتم ساب ًقا ‪ -‬وسيأيت إن شاء هللا شيء من هذا‬
‫‪ :‬اخلراج ابلضمان؛ فاإلنسان إذا اشرتى سلعة واستعملها ووجد هبا عيبًا؛‬‫له أن يرد السلعة وال يرد شيئاً يف مقابل االستعمال؛ فكيف جنمع بني‬
‫األمرين؟‬
‫| ‪248‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫نقول‪ :‬هذا الرد ‪‬صاعاً من متر‪ ‬مقابل اللنب الذي كان يف الضرع قبل‬
‫الشراء‪ ،‬هذا اللنب حصل مىت؟ قبل البيع عندما كانت من ضمان البائع؛‬
‫صاعا من متر‪ ،‬لكن احلليب الذي حلبه يف اليوم الثا‪،‬ي؛ ما‬
‫فريد مقابل اللنب ً‬
‫يرد شيئاً مقابله ألنه أصبح يف ضمانه‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬كال احلالتني من ابب أن اخلراج ابلضمان‪ ،‬يف احلالة األوىل‪ :‬احلليب‬
‫األول حصل عند البائع والضمان عليه فاخلراج له‪ ،‬لكن يف اليوم الثا‪،‬ي‬
‫عندما حلب‪ ،‬الضمان على املشرتي‪ ،‬فاحلليب له‪ ،‬إذن حديث التصرية ال‬
‫خيالف حديث اخلراج ابلضمان‪.‬‬
‫سيأيت إن شاء هللا ذكر بعض املسائل املتعلقة ابلعيوب عندما نتكلم عن‬
‫القاعدة الكربى يف البيوع وهي القاعدة التالية‪ ،‬سنتكلم عنها اآلن وهي‬
‫قاعدة اخليار‪.‬‬
‫***‬
‫‪|249‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫القاعدة احلادية عشر‪" :‬األصل ثبوت اخليار يف البيوع"‬
‫ومعىن هذه القاعدة‪:‬‬
‫أن القاعدة املستمرة يف البيوع يلحقها اخليار؛ فقد تلزم ويكون فيها‬
‫خيار؛ واخليار‪ :‬هو طلب خري األمرين يف العقد من اإلمضاء أو الفسخ‪.‬‬
‫واخليار أقسامه يف البيوع حمصورة بسبعة أقسام‪:‬‬
‫أول هذه األقسام‪ :‬خيار اجمللس‪.‬‬
‫واملقصود ابجمللس مكان التعاقد‪ ،‬مكان التبايع‪ ،‬وليس املراد به اجللوس؛‬
‫فلو تعاقدا واقفني؛ يف خيار اجمللس‪ ،‬ولو تعاقدا مضطجعني؛ يف خيار‬
‫اجمللس‪ ،‬إذن املقصود ابجمللس مكان التبايع وليس صفة للمتبايعني‪.‬‬
‫خيار اجمللس هو اخليار الذي يكون يف مكان التبايع وهو يثبت للبائع‬
‫واملشرتي‪ ،‬فللبائع اخليار وللمشرتي اخليار‪ ،‬خيار للطرفني‪.‬‬
‫ما حكم خيار اجمللس؟‬
‫خيار اجمللس اثبت يف البيع عند أكثر العلماء‪ ،‬اجلمهور يُثبتون خيار‬
‫اجمللس‪ ،‬وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه األدلة وكان عليه صحابة رسول‬
‫هللا ﷺ‪ ،‬وقد جاء يف الصحيحني أن النيب ﷺ قال‪ :‬البيعان ابخليار ما ِل‬
‫يتفرقا‪ ،‬فإذا حصل اإلجياب والقبول وِل حتصل ال ُفرقة؛ فالبيّعان ابخليار‪ ،‬هذا‬
‫عند مجهور أهل العلم وهو الصواب‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪250‬‬
‫لكن خيار اجمللس ما مزمنه؟‬
‫نقول ابختصار‪ :‬زمنه جملس العقد من حني اإلجياب والقبول إىل التفرق‪،‬‬
‫قصرت املدة أو طالت‪.‬‬
‫قد يكون جملس العقد ملدة مخس دقائق‪ ،‬فتكون مدة اخليار مخس دقائق‪،‬‬
‫من حني اإلجياب والقبول إىل االنصراف‪ ،‬وقد يكون ممتد لساعات‪ ،‬مثالً‪:‬‬
‫ابئع ومشرتي يف طائرة‪ ،‬هذه الطائرة مثالً من ديب إىل ماليزاي‪ ،‬رمبا يعين أكثر‬
‫من تسع ساعات‪ ،‬عندما أقلعت الطائرة؛ قال أحدمها‪ :‬بعين بيتك الفال‪،‬ي‬
‫الذي كذا وكالمها يعرفه مبئة ألف‪ ،‬مبليون‪ ،‬بكذا‪ ،‬قال‪ :‬بعتُك‪ ،‬حصل‬
‫اإلجياب والقبول‪ ،‬ميتد اخليار إىل أن يتفرقا‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬إن قام أحدمها وذهب ودخل احلمام – أعز هللا‬
‫السامعني–؟‬
‫نقول‪ :‬ال ينقطع اخليار‪ ،‬ألن هذا يف عرف الناس من اجمللس‪ ،‬من‬
‫خارجا عن اجمللس‪ ،‬فالشاهد أن مدة خيار اجمللس مرتبطة‬
‫الطائرة؛ فهو ليس ً‬
‫ابجمللس‪ ،‬فقد تكون طويلة وقد تكون قصرية‪ ،‬بل قال الفقهاء‪ :‬ولو امتد‬
‫أايما‪ ،‬فلو كان يسريون مثالً ‪ -‬يف السابق كانوا يسريون على فرسني مثالً ‪-‬‬
‫ً‬
‫معا وِل حيصل بينهما تفرق؛ فإن خيار اجمللس ميتد‪ ،‬وقد‬
‫معا وينزالن ً‬
‫يسريان ً‬
‫قصصا وقعت يف زمن الصحابة ‪-‬رضوان هللا عليهم‪.-‬‬
‫ذكروا يف ذلك ً‬
‫كيف حيصل التفرق؟‬
‫‪|251‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ط ابلعرف‪ ،‬فما عُ ّد يف العرف‬
‫يقول احملققون من أهل العلم‪ :‬إنه يُضب ُ‬
‫تفرقًا فهو تفرق‪ ،‬يعين‪ :‬ما يذكره العلماء يف قوهلم‪ :‬فإن كانوا يف ٍ‬
‫بيت فالتفرق‬
‫كذا‪ ،‬وإن كانوا يف سفينة فالتفرق كذا؛ هذا عرفهم‪ ،‬ولكنه ليس بالزم‪،‬‬
‫فيُنظر يف كل زمان إىل عرف الناس‪ ،‬فاخلروج الذي يعدُّه الناس يف الزمان‬
‫تفرقًا يقطع خيار اجمللس‪ ،‬والذي ال يع ّده الناس تفرقًا ال يقطع خيار اجمللس‪،‬‬
‫ملاذا؟‬
‫ألن خيار اجمللس أثبته الشرع وال ضابط له فيه‪ ،‬يعين مىت يُعترب التفرق‬
‫تفرقًا؟ ما جاءان دليل على هذا‪ ،‬وال يف اللغة ُفريجع فيه إىل العرف‪.‬‬
‫وشرط التفرق الذي يقطع اخليار؛ أن يكون عن اختيار‪ ،‬أما عند اإلكراه‬
‫فال ينقطع‪ ،‬يعين‪ :‬إنسان كان يف جملس ومتّ اإلجياب والقبول؛ فجاء إنسان‬
‫فأكرهه ‪ -‬سواء البائع أو غري البائع ‪ -‬على أن خيرج من اجمللس وهدده‬
‫ابلقتل فخرج‪ ،‬يقول اجلمهور‪ :‬ال ينقطع اخليار ألن اإلكراه ال يؤثر يف‬
‫التصرفات‪ ،‬التصرف مع اإلكراه ملغي‪ ،‬فيُعترب كأنه ِل يكن‪.‬‬
‫هل ميلك املتبايعان إسقاط اخليار؟ الشرع أثبت اخليار!‬
‫يقول الفقهاء‪ :‬نعم‪ ،‬كيف يُسقطان اخليار؟ ُخي ّريان بعضهما‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫اخرت‪ ،‬فيقول‪ :‬اخرتت اإللزام؛ فينقطع اخليار‪.‬‬
‫حق لنا‬
‫قد يكون من الطرفني وقد يكون من واحد‪ ،‬فيقول الطرفان‪ :‬ال ّ‬
‫يف اخليار‪ ،‬فينقطع خيار اجمللس‪ ،‬يلزم العقد ولو بقيا يف اجمللس‪ ،‬أو يقول‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪252‬‬
‫البائع‪ :‬ال خيار يل‪ ،‬فينقطع خيار البائع‪ ،‬أو يقول املشرتي‪ :‬ال خيار يل‪،‬‬
‫فينقطع خيار الـ ُمشرتي‪ ،‬ملاذا؟‬
‫لقول النيب ﷺ‪ :‬البيّعان ابخليار ما ِل يتفرقا أو ُخي ّري أحدمها صاحبه‪ ،‬فإن‬
‫خري أحدمها صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع‪‬؛ ويف لفظ‪:‬‬
‫ّ‬
‫‪‬املتبايعان ابخليار ما ِل يتفرقا إال أن يكون البيع كان عن خيار‪ ،‬فإن كان‬
‫البيع عن خيار فقد وجب البيع‪ ‬متفق عليه‪.‬‬
‫إذن النيب ﷺ أثبت خيار اجمللس إال إذا اختارا قطعه‪ ،‬فإذا اختارا قطعه‪:‬‬
‫فإنه ينقطع حلديث النيب ﷺ‪ ،‬فهذا دليل على أن خيار اجمللس يقبل‬
‫االنقطاع ابالختيار‪.‬‬
‫هنا سؤال‪ :‬هل جيوز ألحد الطرفني أن خيرج من اجمللس وال غرض له إال‬
‫أن يقطع اخليار على صاحبه؟ اإلنسان يستطيع أن يقطع اخليار على نفسه‬
‫إنساان خرج من اجمللس مث عاد ما هدفه من‬
‫يقول‪ :‬ال خيار يل‪ ،‬لكن لو أن ً‬
‫اخلروج؟‬
‫ليس حلاجة وال لشيء إال ليقطع اخليار‪ ،‬هل جيوز ألحد الطرفني أن خيرج‬
‫من اجمللس وال قصد له من اخلروج إال أن يقطع خيار صاحبه؟‬
‫هذه املسألة فيها خالف‪:‬‬
‫فقال بعض الفقهاء‪ :‬حيرم عليه أن خيرج من اجمللس خشية االستقالة‪،‬‬
‫حيرم عليه أن خيرج من اجمللس خشية أن يرجع الطرف اآلخر يف البيع‪ ،‬من‬
‫‪|253‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫أجل أن يقطع خيار اجمللس‪ ،‬أما إذا خرج لغرض آخر مث عاد فإن اخليار‬
‫ينقطع وال حرج يف هذا‪ ،‬ملاذا؟‬
‫حيل‬
‫مرفوعا وفيه‪ :‬وال ُّ‬
‫قالوا‪ :‬حلديث عمرو بن ُشعيب عن أبيه عن جده ً‬
‫له أن يُفارق صاحبه خشية أن يستقيله‪ ،‬رواه النسائي والرتمذي وحسنه‬
‫الرتمذي وهو حسن اإلسناد على التحقيق‪.‬‬
‫وقال بعض أهل العلم‪ :‬إنه جيوز‪ ،‬ملاذا؟‬
‫قالوا‪ :‬ألنه ُرموي عن ابن عمر ‪ :‬أنه كان إذا اشرتى شيئًا يُعجبه‬
‫مشى خطوات ليلزم البيع‪ ،‬جاء عن ابن عمر ‪ ‬أنه إذا اشرتى شيئًا‬
‫يعجبه وأراد أن يلزم البيع ميشي خطوات ليفارق اجمللس من أجل أن يلزم‬
‫البيع‪ ،‬وهذا ال شك أنه اثبت عن ابن عمر ‪ ‬ألنه يف الصحيحني‪.‬‬
‫لكن دليل املانعني أقوى‪ ،‬ألن دليل املانعني حديث‪ ،‬ودليل الـ ُمجيزين‬
‫أثر‪ ،‬وإن كان األثر أقوى من حيث السند‪.‬‬
‫يعين عندان اآلن احلديث املرفوع حسن‪ ،‬واألثر يف الصحيحني‪ ،‬فمن‬
‫حيث السند‪ :‬األثر أقوى من احلديث‪ ،‬لكن من حيث املنت‪ :‬فال شك أن‬
‫احلديث أقوى من األثر‪ ،‬وما دام أن اإلسناد صاحل عندان؛ فإن الواجب أن‬
‫نعمل ابحلديث‪ ،‬فإن الواجب أن نعمل ابحلديث‪ ،‬ولذلك الذي يظهر ‪-‬‬
‫وهللا أعلم‪ -‬أن الراجح أنه ال جيوز للنسان أن خيرج من اجمللس بقصد قطع‬
‫اخليار على صاحبه‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪254‬‬
‫إن قال لنا قائل‪ :‬إذا وقع هذا‪ ،‬شخص خرج من اجمللس من أجل أن‬
‫يقطع اخليار‪ ،‬فهل ينقطع اخليار؟ يقول الفقهاء القائلون ابلتحرمي‪ :‬نعم‬
‫ينقطع اخليار ملاذا؟ قالوا ألن النيب ﷺ جعل ح ّد القطع التفرق‪ ،‬وقد وقع‬
‫التفرق فيأمث بفعله وينقطع اخليار‪.‬‬
‫النوع الثاين‪ :‬خيار الشرط‪.‬‬
‫ما معىن خيار الشرط؟ أن يشرتط املتعاقدان أو أحدمها اخليار إىل مدة‬
‫معلومة‪.‬‬
‫يقول‪ :‬بعتك سياريت بعشرين أل ًفا‪ ،‬ويقول املشرتي‪ :‬قبملت على أن اخليار‬
‫يل ملدة مخسة أايم أنظر يف أمري‪ ،‬فهذا شرط اخليار‪ ،‬أو يقول البائع‪ :‬بعتك‬
‫السيارة على أن اخليار يل ملدة مخسة أايم ‪ -‬رمبا أن البائع له أبناء يريد أن‬
‫يرى رأيهم أو حنو ذلك ‪ -‬فيشرتط لنفسه اخليار مخسة أايم‪ ،‬فيتفرقان وال‬
‫يلزم العقد بل يبقى ملن اشرتط اخليار‪.‬‬
‫معا فهو عقد جائز يف حق الطرفني‪ ،‬وإن اشرتطه أحدمها‬
‫فإن اشرتطاه ً‬
‫فهو عقد جائز يف حق املشرتط‪ ،‬الزم يف حق من ِل يشرتط‪ ،‬هذا معىن خيار‬
‫الشرط‪.‬‬
‫وال بُ ّد أن تكون املدة معلومة‪ ،‬ال يصح أن يقول‪ :‬أبيعك بعشرين ألف‪،‬‬
‫قبلت بشرط أن يكون يل اخليار! ألن هذا فيه جهالة‪ ،‬إىل مىت؟ إىل يوم‪،‬‬
‫‪|255‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يومني‪ ،‬ثالثة‪ ،‬أربعة‪ ،‬مخسة‪ ،‬أسبوع‪ ،‬شهر؟ فهذا فيه جهالة وجيعل البيع غري‬
‫ُمستقر‪.‬‬
‫وخيار الشرط اثبت ملشرتطه ابإلمجاع‪ ،‬وإن طالت املدة‪ ،‬ولكن طول‬
‫املدة ليس حمل إمجاع‪ ،‬والصحيح أنه ال ح ّد للمدة‪ ،‬فحىت لو طالت املدة ما‬
‫دام أهنا معلومة فاخليار اثبت‪.‬‬
‫واحلديث ورد بصحة شرط اخليار‪ ،‬فقد جاء عن ابن عمر ‪ ‬قال‪:‬‬
‫ذُكر رجل لرسول هللا ﷺ أنه ُخيدع يف البيوع؛ فقال له النيب ﷺ‪ :‬إذا‬
‫ابيعت ف ُقل ال خالبة‪ ‬أي‪ :‬ال غُنب وال خديعة‪ ،‬وهذا يف الصحيحني وله‬
‫ألفاظ متعددة‪.‬‬
‫فهنا يشرتط لنفسه؛ ألنه عندما يقول ال مخالبة أو ال خالبة –تُضبط‬
‫ابألمرين بكسر اخلاء أو بفتح اخلاء‪ -‬فإنه يشرتط لنفسه اخليار‪ ،‬معىن ‪‬ال‬
‫مخالبة‪ ‬يعين‪ :‬يل اخليار‪.‬‬
‫األمر الثا‪،‬ي‪ :‬أنه يصح أن يكون الشرط أو خيار الشرط ألحد الطرفني‪،‬‬
‫فهنا النيب ﷺ جعل الشرط هلذا الرجل‪.‬‬
‫أما مدة خيار الشرط؛ فهي حمل خالف بني الفقهاء‪ ،‬الفقهاء متفقون‬
‫على أن خيار الشرط اثبت جيوز للمشرتي أن يشرتط لنفسه اخليار‪ ،‬جيوز‬
‫للبائع أن يشرتط لنفسه اخليار‪ ،‬لكن ما هي مدة اخليار؟ هذه حمل خالف‬
‫بني أهل العلم‪:‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪256‬‬
‫فمن أهل العلم من حدها بثالثة أايم‪ ،‬قال أقصى مدة خليار الشرط ثالثة‬
‫أايم‪.‬‬
‫م‬
‫السلع‪ ،‬فبعض السلع هلا يوم‪،‬‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬هو خيتلف ابختالف ّ‬
‫م‬
‫السلع هلا يومان‪ ،‬وبعض السلع هلا ثالثة‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫وبعض ّ‬
‫ومنهم من يقول‪ :‬ال ح ّد ملدته بل ما يتفق عليه الطرفان‪.‬‬
‫وهذا الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ ،-‬أنه ال ح ّد ملدته بل ما يتفق عليه‬
‫الطرفان‪ ،‬بشرط أن تكون املدة معلومة‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألنه ورد به الشرع مطل ًقا وال ضابط له فيه وال يف اللغة؛ ُفريجع فيه إىل‬
‫العرف‪ ،‬وما يتفق عليه الطرفان من عرف الناس‪ ،‬فهذا الذي يظهر ‪-‬وهللا‬
‫أعلم‪ -‬يف املدة‪.‬‬
‫هل جيومز للبائع واملشرتي أن يتصرفا يف السلعة مدة اخليار؟‬
‫قال‪ :‬أشرتي منك السيارة بعشرين أل ًفا على أن يل اخليار مخسة أايم‪،‬‬
‫وقال‪ :‬قبلت‪ ،‬خرج من اجمللس جاءه شخص قال‪ :‬ما شاء هللا هذه‬
‫سيارتك‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬تبيعها بثالثني أل ًفا‪ ،‬قال بعتك! تصرف يف وقت‬
‫اخليار‪ ،‬أو ابئع قال‪ :‬أبيعك السيارة بعشرين ألفا بشرط أ ّن يل اخليار مخسة‬
‫أايم‪ ،‬وقال‪ :‬قبلت‪ ،‬مث جاءه شخص بعده وقال‪ :‬أشرتي منك السيارة‬
‫بثالثني أل ًفا أو أربعني أل ًفا‪ ،‬فباعها له‪ ،‬هل له أن يبيعها له؟‬
‫‪|257‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫هذه تُعرف عند أهل العلم مبسألة‪" :‬التصرف يف املبيع مدة خيار‬
‫الشرط"‪ ،‬يقول الفقهاء‪ :‬حيرم تصرف البائع واملشرتي يف الثمن ويف السلعة‬
‫مدة خيار الشرط‪ ،‬فالتصرف حرام‪ ،‬مىت؟‬
‫إذا كان اخليار هلما‪ ،‬ملاذا؟ ملاذا حيرم إذا كان اخليار هلما؟ قد يقول قائل‪:‬‬
‫البائع ُمشرتط اخليار يريد أن يبيع‪ ،‬املشرتي ُمشرتط اخليار يريد أن يبيع‪،‬‬
‫فلماذا يُقال حيرم عليهما التصرف؟‬
‫يُقال‪ :‬ألن اخليار هلما فلو تصرف أحدمها اعتدى على خيار اآلخر‪ ،‬فال‬
‫بُ ّد أن متضي املدة حىت يلزم العقد‪ ،‬يف تصرف أحدمها بغي على اآلخر فال‬
‫جيوز إال أن يتفقا يف املدة‪.‬‬
‫مثالً‪ :‬يقول البائع للمشرتي أو يقول املشرتي للبائع‪ :‬يوجد شخص يريد‬
‫أن يشرتي مين السيارة بثالثني أل ًفا‪ ،‬فيقول‪ :‬بمعهُ‪ ،‬هنا اختار فينتهي اخليار‪.‬‬
‫إذا كان اخليار للمشرتي وليس للبائع فهل جيوز له أن يتصرف؟‬
‫قالوا‪ :‬نعم؛ جيوز له أن يتصرف‪ ،‬ملاذا؟‬
‫ألنه إذا ابع فقد اختار فقد لزم العقد وهو ميلك وال مانع شرعي‪.‬‬
‫اآلن عندما أشرتي أان السيارة وأقول‪ :‬أشرتيها بعشرين أل ًفا على أن يل‬
‫اخليار مخسة أايم‪ ،‬والبائع ِل يشرتط اخليار‪ ،‬خرجت من احملل ومشيت‬
‫ابلسيارة جاء‪،‬ي شخص وقال‪ :‬أشرتي منك بثالثني أل ًفا إذا بعتُهُ ما الذي‬
‫قطعت خيار الشرط الذي هو يل‪ ،‬فل مزم البيع‪ ،‬وليس للبائع حق‬
‫حصل؟‬
‫ُ‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪258‬‬
‫متعلق هنا؛ ألنه ليس له خيار‪ ،‬فيكون اإلنسان ابع ما ميلك بال ضرٍر ابلغري‬
‫صحيحا‪ ،‬ويسقط بذلك اخليار‪.‬‬
‫بيعا‬
‫فيكون ً‬
‫ً‬
‫ويف هذا خمرج يعمل به املتعاملون اليوم ببيع التقسيط‪ ،‬البنوك اآلن‬
‫م‬
‫السلع ال‬
‫أصبحت تريد أن تكون املعاملة شرعية وختشى أهنا لو اشرتت ّ‬
‫مثال‪ :‬العميل يريد‬
‫يشرتي العمالء هذه السلع؛ فإهنم يشرتون بشرط اخليار‪ً ،‬‬
‫سيارة وص ُفها كذا وكذا وكذا ابلتقسيط‪ ،‬هي ليست عندهم‪ ،‬يقولون‪ :‬تعال‬
‫بعد يومني‪ ،‬يذهبون إىل املعرض ويشرتون السيارة بشرط اخليار مخسة أايم‪،‬‬
‫مث أييت العميل بعد يومني فيقولون‪ :‬السيارة عندان تريدها‪ ،‬فيقول‪ :‬نعم‪،‬‬
‫فيقولون‪ :‬تعال وقع وأمتّ اإلجراءات‪ ،‬قال‪ :‬ما أريدها‪ ،‬يقولون‪ :‬ال أبس‪،‬‬
‫ويردون السيارة ألهنم قد اشرتطوا اخليار‪ ،‬وهذا جائز ال أبس به‪ ،‬ألن هللا ‪‬‬
‫قد أجاز شرط اخليار بدليل ما ورد يف احلديث وإمجاع األمة‪.‬‬
‫بقي مسألة‪ :‬حنن قلنا إذا كان اخليار للطرفني ال جيوز التصرف‪ ،‬وإذا كان‬
‫اخليار للمشرتي جيوز التصرف‪ ،‬بقي إذا كان اخليار للبائع فقط دون‬
‫املشرتي‪ ،‬فهل جيوز للبائع أن يتصرف؟‬
‫كثري من أهل العلم يقولون‪ :‬حيرم عليه أن يتصرف؛ ملاذا؟‬
‫قالوا‪ :‬حبسب تعليلهم ألنه ال ميلك السلعة؛ فالذي ميلكها اآلن هو‬
‫املشرتي ألنه حصل اإلجياب والقبول وحصل التفرق‪ ،‬فتكون منتقلة إىل‬
‫املشرتي‪.‬‬
‫‪|259‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫لكن ذهب بعض العلماء إىل أنه جيوز له أن يتصرف كما جيوز‬
‫للمشرتي‪ ،‬وهذا مذهب الشافعية‪ ،‬واختاره بعض احملققني من أهل العلم‪،‬‬
‫ملاذا؟‬
‫قالوا‪ :‬ألن تصرفه دليل على اختياره‪ ،‬وهو له أن خيتار‪.‬‬
‫انتبهوا! عندان اآلن مسألتان يف هذا املسألة‪:‬‬
‫املسألة األوىل‪ :‬مسلم اشرتى من مسلم سيارة واشرتط البائع اخليار لنفسه‬
‫مخسة أايم‪ ،‬وتفرقا‪ ،‬فجاء مسلم إىل البائع ‪-‬يعلم ابلبيع‪ -‬وقال‪ :‬أنت بعت‬
‫سيارتك لفالن بعشرين أل ًفا واشرتطت اخليار‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أشرتيها‬
‫بثالثني أل ًفا‪ ،‬ما حكم هذا؟ ال جيوز‪ِ ،‬ل؟ ألنه بيع على بيع املسلم وال جيوز‬
‫له أن يفعل هذا‪.‬‬
‫[املسألة الثانية‪ ]:‬البائع خرج بسيارته فعرضها على شخص مدة اخليار‪،‬‬
‫قال تشرتي هذه السيارة بثالثني أل ًفا‪ ،‬قال‪ :‬نعم أشرتي‪ ،‬جيوز هذا للبائع‬
‫ويصح وينعقد عند الشافعية واختاره مجع من احملققني ألن اخليار له‪ ،‬وال‬
‫العقد البائع فله أن‬
‫فائدة من اخليار إال هذا‪ ،‬الفائدة من اخليار أن ال يلزم ُ‬
‫يتصرف وهذا الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪.-‬‬
‫ال جيوز ملسلم أن يشرتي على شراء أخيه‪ ،‬وجيوز للبائع أن يبيع السلعة‬
‫بعد اتفاقه مع املشرتي واشرتاطه اخليار‪ ،‬ملاذا؟ ألنه جمرد أن يبيعها انفسخ‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪260‬‬
‫العقد األول فما مبقي بيع‪ ،‬فليس هنا بيع على البيع‪ ،‬بل مبجرد أن يتصرف‬
‫يكون قد سقط البيع وهذا الذي يظهر‪.‬‬
‫كثري من العلماء يقولون‪ :‬ال جيوز للبائع أن يتصرف يف املدة‪ ،‬ولكن‬
‫الصحيح ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه جيوز له أن يتصرف يف املدة‪ .‬هذا أهم ما يتعلق‬
‫خبيار الشرط‪.‬‬
‫م‬
‫السلعة مما حيصل هلا‬
‫هنا مسألة ‪-‬تذكرهتا اآلن نشري إليها‪ :-‬إذا كانت ّ‬
‫مناء كدابة مسنت أو ولدت؟ قال‪ :‬أبيعك هذه الناقة مثالً خبمسة آالف‬
‫فاشرتطا اخليار ملدة عشرة أايم فولدت الناقة يف مدة اخليار ملن يكون الولد؟‬
‫يقول‪ :‬الفقهاء‪ :‬يكون ملن تنتقل إليه السلعة‪ ،‬فإن متّ العقد وانتقلت‬
‫السلعة للمشرتي فالنماء للمشرتي‪ ،‬وإن ِل يتم العقد فالنماء للبائع ألن‬
‫السلعة تعود إليه‪ ،‬فاخلراج ابلضمان‪.‬‬
‫وهذه إحدى املسائل ذات الشأن ملسألة خيار الشرط‪.‬‬
‫مىت ينقطع خيار الشرط؟‬
‫وهذه آخر مسألة‪.‬‬
‫ينقطع خيار الشرط‪:‬‬
‫[أوالً‪ ]:‬مبُ م‬
‫ضي املدة‪ ،‬أو قال أحدمها على "أن اخليار يل مخسة أايم"‬
‫مبجرد م م‬
‫ضي اخلمسة أايم ينقطع اخليار ويلزم العقد‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪|261‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫[اثنياً‪ ]:‬وينقطع ابختيار الـ ُمشرتط‪ ،‬سواء كان املشرتط الطرفني أو كان‬
‫املشرتط البائع أو كان املشرتط املشرتي‪ ،‬قال‪ :‬أبيعك سياريت بعشرين أل ًفا‬
‫على أن يل اخليار مخسة أايم‪ ،‬بعد يومني اتصل به قال‪ :‬اي فالن ترى أان‬
‫عزمت على البيع وتوكل على هللا وال خيار يل‪ ،‬ينقطع اخليار‪.‬‬
‫وهنا تأيت قاعدة يقول فيها الفقهاء‪" :‬الساقط ال يعود"‪ ،‬البائع يف املثال‬
‫بعد يومني قال‪ :‬أسقطت اخليار وابرك هللا لك يف البيع وال خيار يل‪ ،‬وكان‬
‫قد اشرتط اخليار كم؟ مخس أايم‪ ،‬يف اليوم الرابع قال‪ :‬ال وهللا أان أريد‬
‫سياريت‪ ،‬فاتصل وقال‪ :‬اي فالن أان اشرتطت عليك اخليار مخسة أايم وأان‬
‫أريد السيارة‪ ،‬قال له املشرتي‪ :‬أنت أسقطت اخليار قبل يومني‪ ،‬قال‪ :‬ال أان‬
‫ُمشرتط مخس أايم؟‪ ،‬نقول له‪ :‬يقول الفقهاء‪" :‬الساقط ال يعود"‪ ،‬فمن‬
‫أسقط حقه يُصبح كأنه ِل يكن‪ ،‬فليس له أن يرجع فيه مرة أخرى‪ ،‬فليس له‬
‫احلق يف الرجوع بعد االسقاط‪.‬‬
‫األمر الثالث‪ :‬أن اخليار خيار الشرط يسقط ابلتصرف‪ ،‬فإن كان الشرط‬
‫للثنني فال يسقط بتصرف أحدمها إال أن يتصرف بوجود الطرف الثا‪،‬ي مع‬
‫سكوته‪.‬‬
‫قال‪ :‬بعتك السيارة بعشرين أل ًفا‪ ،‬قال‪ :‬قبلت‪ ،‬واشرتطا اخليار مخسة أايم‪،‬‬
‫بعد يوم جاء املشرتي يبيع السيارة والبائع موجود‪[ ،‬يقول املشرتي للمشرتي‬
‫اجلديد] وبكم تشرتي السيارة بكذا بكذا قال‪ :‬بعتك قال [املشرتي‬
‫| ‪262‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اجلديد]‪ :‬قبلت؛ قال‪ :‬ابرك هللا فيك‪ ،‬والبائع موجود! قادر على اإلنكار‬
‫وساكت‪ ،‬فهنا يدل على أهنما قطعا اخليار‪ ،‬اإلثنني‪.‬‬
‫ط خياره‪.‬‬
‫وكذلك‪ :‬إذا كان الشرط لواحد منهما فتصرف فإنه يُسق ُ‬
‫هذا ما يتعلق خبيار الشرط‪ ،‬ولعلنا نُكمل ما بقي بعد الصالة‪ ،‬وأهم ما‬
‫يتعلق هبذا مسألة خيار العيب‪ ،‬ألنه سيأيت إن شاء هللا؛ مسألة الرباءة؛‬
‫ومسألة البضاعة الـمـُباعة ال تُرد وال تُستبدل‪ ،‬وهذه إن شاء هللا سنتكلم‬
‫عنها بعد الصالة‪- ،‬وهللا أعلم‪ -‬وصلى هللا على نبينا وسلم‪.‬‬
‫***‬
‫‪|263‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الدرس العاشر‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم األمتّان األكمالن على املبعوث‬
‫رمحة للعاملني‪ ،‬وعلى آله وصحبه أمجعني‪ ،‬أما بعد‪،،،‬‬
‫نواصل الكالم عن القاعدة األخرية من القواعد اليت تضبط قواعد البيوع‬
‫إىل أبواب الراب‪ ،‬وهذه القاعدة قلنا فيها "األصل ثبوت اخليار يف البيوع"؛‬
‫وقلنا‪ :‬إن اخليار عند الفقهاء سبعة أقسام‪ ،‬وتكلمنا عن خيار اجمللس‪ ،‬وعن‬
‫خيار الشرط‪ ،‬ونكمل الكالم عن بقية أنواع اخليار‪:‬‬
‫النوع الثالث‪ :‬يسميه الفقهاء بـ "خيار الغنب"‬
‫نساان يقال‪ :‬غبنه‪،‬‬
‫والغنب يف أصل املعىن‪ :‬هو الغلبة؛ فإذا غلب إنسان إ ً‬
‫مبعىن غلبه؛ ومعىن الغنب‪ :‬أن يبيع البائع ما يساوي عشرة مثالً بثمانية‪ ،‬هذا‬
‫يف طرف البائع‪ ،‬ويف طرف املشرتي‪ :‬أن يشرتي ما يساوي مثانية بعشرة‪،‬‬
‫وسنتكلم إن شاء هللا عن حد هذا األمر‪ ،‬وهذا تعريف ابملثال‪.‬‬
‫ضابط الغنب‪ :‬أن يبيع البائع السلعة على املشرتي بثمن يزيد عن مثنها‬
‫املعتاد أو املستحق؛ فهذا غنب‪.‬‬
‫مىت تكون الزايدة غبنًا؟ تكون الزايدة غبنًا إذا كانت زايدة على الثمن اليت‬
‫تساويه السلعة حبكم العادة‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪264‬‬
‫السلع يف األسواق تنقسم إىل قسمني‪:‬‬
‫ القسم األول‪ :‬قسم له مثن معتاد معروف تباع به السلعة‪ ،‬هذا الثوب‬‫مثنه عشرون درمها مثالً‪ ،‬هكذا يباع يف السوق؛ فيأيت إنسان ال يعرف‬
‫السوق‪ ،‬فيعرف البائع أنه غريب؛ فيبيعه الثوب بثالثني مستغالً جهله‬
‫ابألسعار؛ فهذا غنب‪ ،‬ويثبت له اخليار بسبب الغنب‪.‬‬
‫ القسم الثا‪،‬ي‪ :‬أن تكون السلعة حرًة‪ ،‬مبعىن أن مثنها ُحر‪ ،‬هذا يبيع‬‫بثمانية وهذا يبيع بعشرة وهذا يبيع مخسة عشر‪ ،‬وهكذا سعرها يف السوق‪،‬‬
‫فهنا ال يوجد فيها غنب إال إذا بيعت بثمن مبالغ فيه‪ ،‬يعين ال تباع مبثله يف‬
‫العادة؛ يعين لو كان نوع من الثياب ليس له مثن معتاد واحد؛ فناس تبيعه‬
‫بعشرة وانس تبيعه بعشرين وانس تبيعه بثالثني‪ ،‬فهذا ليس فيه غنب إال إذا‬
‫بيعت السلعة مبا ال تباع به يف العادة‪.‬‬
‫مثالً أحياان بعض الناس إذا جاء احلجاج إىل املدينة أييت حاج ما يعرف‬
‫األسعار فيبيعونه الشيء الذي يباع بعشرة أو عشرين إن زاد بثالثني‪ ،‬مبئتني‬
‫صحيحا‬
‫أو ثالث مئة! هذا فيه غنب حىت لو كانت السلعة حرة‪ ،‬وليس‬
‫ً‬
‫تقدير الغنب بنسبة من الربح‪ ،‬كأن يقال مثالً‪ :‬إذا زاد الثمن على ثلث مثن‬
‫السلعة اليت اشرتيت به‪ ،‬ألن الصحيح أن الربح ال حد له‪.‬‬
‫ولذلك مسعنا يف حديث عروة بن أيب اجلعد البارقي ‪ ‬عندما أعطاه‬
‫دينارا ليشرتي شا ًة فاشرتى شاتني بدينار وابع إحدامها بدينار؛‬
‫النيب ﷺ ً‬
‫‪|265‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فكسب نصف دينار‪ ،‬فكسب ‪-‬بتعبرياهتم اآلن‪" -‬مئة يف املئة من الربح" وِل‬
‫ينكر عليه النيب ﷺ ذلك‪.‬‬
‫إذن العربة يف الغنب‪ :‬أن يبيع البائع السلعة للمشرتي بثمن يزيد على مثنها‬
‫املعتاد إن كان هلا مثن معتاد‪ ،‬أو على مثنها املستحق إن ِل يكن هلا مثن معتاد‬
‫فيكون غبنًا‪.‬‬
‫قل أن يلحق البائع‪ ،‬إال إذا كان‬
‫واألصل يف الغنب؛ أنه يلحق املشرتي‪ ،‬و ّ‬
‫البائع صاحب غفلة‪ ،‬فيغبنه املشرتي مستغالً غفلته وهذا قليل الوقوع‪.‬‬
‫اخليار يثبت للمغبون‪ ،‬فله أن يرد البيع ويفسخه وله أن ميضيه‪.‬‬
‫وليس هناك أرش عند كثري من أهل العلم يف مسألة الغنب‪.‬‬
‫طبعا من الغنب‪ :‬ما قدمناه قبل قليل من مسألة تلقي الركبان‪ ،‬فقد يقع‬
‫ً‬
‫فيها الغنب ملن جيلب فيكون ابخليار إن شاء أمضى وإن شاء فسخ‪.‬‬
‫كذلك من الغنب عند أهل العلم‪ :‬ما يسمى بـ"النجش" أبن يزيد من ال‬
‫يريد شراء السلعة يف السلعة لريفع الثمن على املشرتي‪ ،‬فتكون السلعة ‪-‬‬
‫مثالً‪ -‬يف املزاد‪ ،‬كما حيدث اآلن يف أسواق السيارات‪ ،‬أييت من يبيعون‬
‫ويشرتون يف السوق‪ ،‬كل يريد أن يـُنـ ّمفع اآلخر؛ فإذا عرضت السيارة أييت هذا‬
‫يغر املشرتين اآلخرين‬
‫فيزيد‪ ،‬هو ال يريد أن يشرتي السيارة لكن يريد أن ّ‬
‫ويرفع عليهم السعر؛ فهذا من الغنب‪ ،‬فإذا ثبت النجش حىت ارتفعت السلعة‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪266‬‬
‫عن الثمن الذي تباع فيه ابلعادة فإنه يكون من ابب الغنب ويكون له اخليار‬
‫يف حق الغنب‪.‬‬
‫كذلك يقولون يقع الغنب للمغفل الذي ُخيدع فإنه يقع له الغنب ويكون‬
‫له خيار الغنب‪.‬‬
‫وكذلك يقع الغنب للجاهل ابألسعار‪.‬‬
‫إذن قد يقع الغنب ابلتلقي‪ ،‬وهذا نوع من اجلهل ابألسعار‪ ،‬وقد يقع‬
‫ابلغنب ابلنجش‪ ،‬وقد يقع الغنب ابستغالل غفلة ابلبائع أو املشرتي‪ ،‬وقد يقع‬
‫الغنب ابستغالل اجلهل ابألسعار‪ ،‬ومن وقع له الغنب ثبت له اخليار‪.‬‬
‫النوع الرابع‪" :‬خيار التدليس"‪.‬‬
‫ومعىن خيار التدليس‪ :‬أن يُدلّمس البائع على املشرتي ما يزيد به الثمن‪.‬‬
‫مبعىن أن يُظهر البائع للمشرتي يف السلعة ما ليس فيها فيزداد مثنها‪ ،‬وله‬
‫صور‪:‬‬
‫مثالً اآلن‪ :‬بعض الباعة يضع على السلعة مثالً أهنا مصنوعة يف الياابن‪،‬‬
‫وهي مصنوعة مثالً يف اتيوان‪ ،‬ومعروف يف السوق أن البضاعة اليت ترد من‬
‫الياابن أغلى قيمة من البضاعة اليت ترد من اتيوان‪ ،‬فهذا تدليس‪.‬‬
‫أو يضع على البضاعة اسم عالمة معروفة ابجلودة‪ ،‬وليست من بضاعته‪،‬‬
‫وهذا يقع من بعض التجار‪ ،‬أييت مثالً بقميص ال يساوي مخسة دراهم!‬
‫فيضع عليه "ماركة" فالن أو "ماركة" كذا فيباع خبمسني‪ ،‬هذا تدليس‪.‬‬
‫‪|267‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫يكاد يُدركه إال من يُدقق‬
‫أو يُكتب امساً يُشابه اسم عالمة بفرق يسري ال ُ‬
‫النظر‪ ،‬مثال‪ :‬يعين هناك شركة امسها "مونيلكس" شركة معروفة ببضاعتها‪،‬‬
‫م‬
‫(الت) مثل (اإلكس)‬
‫جاءت شركة فأمست نفسها "مونيلت"‪ ،‬وتأيت فتجعل ّ‬
‫فالذي أييت وينظر هكذا يظن أهنا "مونيلكس" وهي يف احلقيقة ليست‬
‫منها‪ ،‬هذا نوع من التدليس‪.‬‬
‫ومن صور تدليس الواقع اليت ورد فيها النص التصرية‪ ،‬اليت مرت معنا‪،‬‬
‫وقد ورد فيها النص عن النيب ﷺ‪.‬‬
‫الفقهاء يضربون مثاالً للتدليس‪ :‬بتحمري الوجه‪ ،‬حتمري الوجه كان هذا‬
‫عندما كان هناك جواري ويُبعن يف السوق فيأيت صاحب اجلارية –املالك‪-‬‬
‫فيُح ّمر وجهها بشيء حىت يظن أهنا حسناء؛ فإذا اشرتاها ليوم أو يومني‬
‫ذهب هذا التحمري فبانت شوهاء وهذا نوع من التدليس‪.‬‬
‫كثريا يف ابب النكاح‪ :‬صبغ‬
‫كذلك من التدليس الذي يقع اآلن ويقع ً‬
‫عمرا وظهر الشيب‬
‫الشعر‪ ،‬ابلنسبة للرجال يكون الرجل ضرب ابلسن ً‬
‫األبيض وكثر يف رأسه وحليته‪ ،‬فيذهب ويصبغ حليته ابلسواد كأنه ابن عشرين‬
‫ويذهب وخيطب! هذا تدليس‪ ،‬والنساء كذلك‪ :‬تصبغ شعرها ابألصفر‬
‫حبسب ما يريده الناس ليظهر أن شعرها هكذا‪ ،‬وهذا نوع من التدليس‬
‫الذي يقع يف العقود‪.‬‬
‫وإذا وقع التدليس يف البيع؛ ثبت اخليار للمشرتي عند مجاهري أهل العلم‪،‬‬
‫وهذا هو الصواب‪ ،‬وال يُلتفت إىل قول غريهم‪ ،‬ألن األحاديث اثبتة هبذا‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪268‬‬
‫اخليار‪ ،‬وحجة على من خيالف‪ ،‬كحديث أيب هريرة ‪ ‬الذي ذكرانه يف‬
‫التصرية‪ ،‬فإن النيب ﷺ جعل للمشرتي اخليار خبري النضرين إن شاء أمضى‬
‫وإن شاء رد السلعة‪ ،‬فمن ابتاع الشاة املصراة يثبت له اخليار‪ ،‬إن شاء‬
‫أمسك وإن شاء ردها‪ ،‬فمىت ما ثبت التدليس ثبت اخليار‪.‬‬
‫هل يلزمه عند اخليار إذا رد السلعة أن يرد معها شييًا؟‬
‫موجودا عند البائع فإنه يرده بعينه إن‬
‫نقول إن كان مع السلعة شيء كان‬
‫ً‬
‫وجد أو يرد ما يقابله‪ ،‬أما ما حيدث عنده فال يلزمه أن يرد ما حصل من‬
‫النماء‪.‬‬
‫النوع اخلامس‪ :‬وهذا كثري الوقوع "خيار العيب"‬
‫وهو اخليار بسبب العيب‪ ،‬العيب‪ :‬هو النقص يف السلعة املوجب لنقص‬
‫الثمن‪.‬‬
‫مثالً‪ :‬إذا كانت السيارة سليمة قيمتها عشرون ألفاً‪ ،‬إذا كانت السيارة‬
‫فيها عيب يف "املاكينة"‪ ،‬يف "اجلري بكس"‪ ،‬يف أي شيء؛ تكون قيمتها‬
‫خبمسة عشر ألفاً؛ فهذا عيب‪ ،‬ألنه نقص يف السلعة يرتتب عليه النقص يف‬
‫الثمن‪.‬‬
‫ويُرجع يف هذا إىل عادة الناس‪ ،‬يعين‪ :‬هل هذا النقص ينقص به الثمن أو‬
‫ال ينقص به الثمن؟ كيف نعرف؟ يُرجع إىل عادة الناس‪ .‬واملقصود بعادة‬
‫الناس؛ عادة أهل اخلربة‪.‬‬
‫‪|269‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫مثالً‪ :‬إذا كانت املسألة يف السيارات‪ ،‬أهل اخلربة يف السيارات هل‬
‫يعتربون هذا العيب أو هذا النقص يُنقص املالية أو ال ينقص املالية؟ إن‬
‫قالوا‪ :‬إنه ينقص املالية؛ فهو عيب‪ ،‬وإن قالوا‪ :‬ال ينقص املالية وال يضر؛‬
‫فليس بعيب‪.‬‬
‫إذن نعرف كون النقص موجباً لنقص املالية ابلرجوع إىل عادة الناس‪،‬‬
‫واملقصود الرجوع إىل أهل اخلربة من الناس‪.‬‬
‫البيع إذا وجد يف السلعة حيرم على البائع أن يكتمه‪ ،‬جيب على البائع أن‬
‫مرفوعا يف قوله ﷺ‪ :‬املسلم‬
‫يبينه؛ كما تقدم معنا يف حديث عقبة بن عامر ً‬
‫أخو املسلم‪ ،‬وال حيل ملسلم ابع ألخية شيئًا فيه عيب إال بينه له‪ ،‬ولقول‬
‫النيب ﷺ‪ :‬البيعان ابخليار ما ِل يتفرقا‪ ،‬فإن صدقا وبينا؛ بُورك هلما يف‬
‫بيعهما وإن كذاب وكتما؛ ُحمقت بركت بيعهما‪ ‬متفق عليه‪.‬‬
‫وجه الداللة أن النيب ﷺ قال‪ :‬فإن صدقا وبينا‪ ،‬يعين‪ :‬بيّنا ما يف‬
‫السلعة ‪‬بورك هلما يف بيعهما‪ ،‬وإن كذاب وكتما‪ ‬يعين‪ :‬كتما العيب ‪‬حمقت‬
‫بركة بيعهما‪ ،‬واحمل ُق عقوبة!‪.‬‬
‫إذن الفعل حمرم‪ ،‬فيحرم كتمان العيب؛ وهذا دليل على أنه حيرم على‬
‫البائع أن يكتم العلم‪ .‬فإذا اشرتى املشرتي سلعة ووجد فيها عيبًا جيهله ِل‬
‫معلوما فهذا شأن آخر ‪ -‬أما إذا وجد عيبًا ِل‬
‫يعلم به ‪ -‬أما إذا كان العيب ً‬
‫يعلم به‪ ،‬فإنه يثبت له اخليار‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪270‬‬
‫إذا اشرتى اإلنسان السلعة املعيبة وقد رأى عيبها وعلم بعيبها عند العقد‪،‬‬
‫فإنه ال يثبت له اخليار ألنه اشرتى السلعة هبذه الصفة‪ ،‬إذا اشرتى املشرتي‬
‫السلعة وأخربه البائع بعيبها‪ ،‬مثالً‪ :‬ابع السيارة وقال‪ :‬ترى السيارة مصدومة‬
‫ومسمكرة"‪ ،‬فاشرتاها على هذا؛‬
‫كما يقولون مبصطلحاهتم‪" -‬مصدومة ُ‬‫فليس له خيار إال إذا تبني له شيء آخر ِل يعلم به‪ ،‬وإمنا يثبت خيار العيب‬
‫إذا كان اإلنسان ِل يعلم هبذا العيب؛ فإذا وجد يف السلعة عيبًا كان جيهله‬
‫فإنه خمري‪ :‬إن شاء ردها مع منائها ويستعيد القيمة‪ ،‬وإن شاء أمسكها وله‬
‫األرش‪.‬‬
‫ما هو األرش؟‬
‫األرش‪ :‬هو الفرق بني قيمة السلعة سليمة وقيمتها معيبة‪.‬‬
‫اشرتى الثوب مبئة ووجد به عيبًا وقال أهل اخلربة أنه هبذا العيب يساوي‬
‫مثانني‪ ،‬األرش عشرون‪ ،‬فإن شاء رد الثوب وأخذ املئة وإن شاء أبقى الثوب‬
‫وأخذ العشرين‪ ،‬الذي هو النقص احلاصل يف السلعة بسبب العيب‪.‬‬
‫هناك مسائل تتعلق ابلبيع‬
‫ومنها مسألة‪ :‬أن يشرتط البائع الرباءة من العيوب‪:‬‬
‫اآلن مثل ما يقع يف السيارات‪ :‬أييت الـ ُمحّمرج يقول‪ :‬كوم خردة‪ ،‬سيارة هبا‬
‫عيوب الدنيا تشرتيها على حاهلا وحنن بريؤون من عيوهبا‪ ،‬ما يذكر عيوهبا‬
‫‪|271‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫لكن من ابب أن يربأ‪ ،‬أو يقول‪ :‬أبيعك السيارة بشرط اإلبراء من العيوب‪،‬‬
‫مبعىن ليس لك احلق يف الرد بسبب العيب‪.‬‬
‫فهنا إذا علم املشرتي ابلعيب واشرتط عليه البائع الرباءة من العيب؛ فإن‬
‫العقد يلزم‪ ،‬ألنه علم ابلعيب واشرتاها هكذا‪ ،‬ما يف إشكال‪ ،‬حىت لو ِل خيربه‬
‫ابلعيب لكن املشرتي علم ابلعيب فاشرتط عليه البائع الرباءة؛ فإنه يلزم‪.‬‬
‫أما إذا كان البائع عاملاً ابلعيب وكتمه عن املشرتي‪ ،‬فاشرتى املشرتي‬
‫بشرط الرباءة من العيب‪ ،‬البائع يعرف أن يف سلعته عيبًا‪ ،‬يعرف مثالً أن‬
‫السيارة يذهب زيت "اجلري بوكس" منها‪ ،‬بعد شهر بعد شهرين ينقص‬
‫الزيت‪ ،‬يعرف هذا العيب فقال‪ :‬أبيعك هذه السيارة بعشرين ألف بشرط‬
‫السالمة من العيب‪ ،‬بشرط الرباءة من العيب‪ ،‬أن تربئين‪ ،‬خالص يلزم‪،‬‬
‫فاشرتى املشرتي وِل يعلم ابلعيب‪.‬‬
‫فهذا الذي يقول أهل العلم فيه أنه بيع السلعة مع اشرتاط الرباءة من‬
‫العيب مع علم البائع ابلعيب وكتمانه عن املشرتي‪ ،‬وهنا يقول بعض أهل‬
‫العلم‪ :‬إن اخليار يثبت للمشرتي وال عربة الشرتاط الرباءة من العيب‪ ،‬وهذا‬
‫قول مجهور أهل العلم‪.‬‬
‫واختار شيخ اإلسالم ابن تيمية وابن القيم –رمحهما هللا‪" :-‬أن البائع إذا‬
‫كان عاملاً ابلعيب فكتمه‪ ،‬واشرتط الرباءة من العيب؛ أن الشرط ينفعه‬
‫ويسقط اخليار"‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪272‬‬
‫اجلمهور يقولون‪ :‬ال ينفع هذا الشرط وال يسقط اخليار‪ ،‬ولكن شيخ‬
‫اإلسالم ابن تيمية ‪-‬رمحه هللا‪ -‬ووافقه ابن القيم‪-‬رمحه هللا‪ -‬ووافقه الشيخ‬
‫ابن عثيمني ‪-‬رمحه هللا‪ -‬يقولون‪ :‬أنه ينفعه وحتصل الرباءة‪ ،‬ونقلوا يف ذلك‬
‫اثرا عن الصحابة ‪-‬رضوان هللا عليهم‪ -‬يستدلون هبا على قوهلم‪.‬‬
‫آ ً‬
‫واملسألة فيها اجتهاد‪ ،‬لكن الذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن القاعدة العامة‬
‫تقتضي أن هذا الشرط ال ينفع البائع‪ ،‬وأن اخليار يثبت للمشرتي ألن العلة‬
‫موجودة وهي رفع هذا الضرر احلاصل على املشرتي‪.‬‬
‫ومثل الرباءة من العيوب‪:‬‬
‫مسألة‪ :‬البضاعة املباعة ال ترد وال تستبدل‪:‬‬
‫مبعىن‪ :‬ال تُرد ولو كانت معيبة وال تُستبدل‪ ،‬فهنا إذا كان فيها عيب‬
‫يعلمه املشرتي؛ فنعم‪ ،‬هذا ينفع ويلزم العقد‪ ،‬أما إذا كان فيها عيب يعلمه‬
‫البائع وكتمه وكتب البضاعة ال ترد وال تستبدل؛ فتدخل يف اخلالف‪.‬‬
‫والذي عليه اجلمهور‪ :‬أن هذا الشرط ال ينفع البائع‪ ،‬وأن للمشرتي أن‬
‫يرد السلعة ابلعيب‪ ،‬وله أن يطلب أرش النقص‪ ،‬وهذا أقرب ‪-‬وهللا أعلم‪-‬‬
‫إىل القواعد العامة‪.‬‬
‫طبعا أهل العلم يقولون‪ :‬إن التحقيق يف خيار البيع على الرتاخي؛ يعين ال‬
‫مدة له‪ ،‬حىت يعلم ابلعيب فإذا علم ابلعيب؛ فإنه بعد ذلك يثبت له اخليار‬
‫ولو طالت املدة‪.‬‬
‫‪|273‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫النوع السادس‪ :‬خيار اخللف يف الصفة‪.‬‬
‫مبعىن خيار اختالف الصفة املذكورة يف السلعة‪ ،‬مثال‪ :‬يصف البائع‬
‫السلعة بكذا وكذا وكذا وكذا‪ ،‬فتتبني على خالف هذا‪.‬‬
‫هنا العلماء يقولون‪ :‬الوصف للسلعة ال خيلوا من حالني‪:‬‬
‫ احلالة األوىل‪ :‬أن يكون الوصف لسلعة حاضرة‪ ،‬ومما يدرك‬‫ابملشاهدة‪ ،‬فالعربة هنا ابلعني وليست ابلوصف‪.‬‬
‫مثالً‪ :‬السيارة هنا موجودة؛ فيقول‪ :‬إن السيارة محراء وهي يف احلقيقة‬
‫زرقاء فاشرتاها‪ ،‬هل ينظر اآلن إىل اختالف الصفة؟ اجلواب‪ :‬ال؛ ألن‬
‫السلعة حاضرة والوصف ميكن أن يُرى‪ ،‬البائع أخطأ قال‪ :‬زرقاء وهي محراء‬
‫واملشرتي يرى‪.‬‬
‫أما لو كان املشرتي أعمى والسلعة حاضرة وقال‪ :‬بعتك هذه السيارة‬
‫الزرقاء واشرتاها على أهنا زرقاء‪ ،‬وملا جاء أوالده قال‪ :‬خذوا سيارتنا الزرقاء‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ال يوجد سيارة زرقاء‪ .‬قال للبائع‪ :‬أين السيارة؟ قال‪ :‬هذه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬هذه محراء! األعمى كالغائب‪ ،‬يكون فيه خلف يف الصفة‪.‬‬
‫ احلالة الثانية‪ :‬أن يكون الوصف لسلعة غائبة‪ ،‬وهنا العربة ابلوصف‪.‬‬‫ولذا عند الفقهاء قاعدة تقول‪ :‬الوصف يف الغائب معترب ويف احلاضر‬
‫لغو‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪274‬‬
‫طبعا يُشرتط يف إلغاء الوصف يف احلاضر‪:‬‬
‫ً‬
‫أن يكون الوصف مما يُدرك ابملشاهدة؛ فإذا كان الوصف ال يدرك‬
‫ابملشاهدة فتكون العني كأهنا غائبة‪.‬‬
‫مثالً قال‪ :‬أبيعك هذه السيارة وقمطعها كلها أصلية‪ ،‬فوصف القطع أهنا‬
‫أصلية‪ ،‬اشرتاها وذهب إىل املهندس ليصلح شيئًا فقال‪ :‬من ركب لك هذا‬
‫"اجلري بوكس"‪.‬‬
‫قال‪ :‬أان اشرتيت السيارة هكذا‪ ،‬قال‪ :‬هذا نوع تقليد ما يصلح‪.‬‬
‫قال‪ :‬وهللا البائع قال إن القطع أصلية‪ ،‬قال‪ :‬أبداً هذا ثالث أشهر‬
‫ويتلف‪.‬‬
‫هنا هذا الوصف معترب وإن كانت السلعة حاضرة‪ ،‬ألنه ال يدرك‬
‫ابملشاهدة‪.‬‬
‫قادرا على اإلدراك؛ فيخرج األعمى‪ ،‬وإذا كان‬
‫وأن يكون املشرتي ً‬
‫الوصف متعل ًقا ابللون خيرج من به عمى األلوان مثالً أو حنو ذلك‪.‬‬
‫معتربا ففات الوصف يف السلعة‪ِ ،‬ل يوجد‪ ،‬هنا يقول‬
‫إذا كان الوصف ً‬
‫الفقهاء‪ :‬ال خيلو احلال من أمرين‪:‬‬
‫احلالة األوىل‪ :‬أن يفوت الوصف إىل أحسن‪ .‬وهنا األصل أنه ال خيار؛‬
‫ألنه ِل يتضرر املشرتي‪ ،‬إال إذا أثبت املشرتي أن هذا الوصف ابلنسبة له‬
‫فات إىل أسوأ وإن كان عند الناس فات إىل أحسن‪.‬‬
‫‪|275‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫مي ‪-‬ال يقرأ وال يكتب‪،-‬‬
‫مثال‪ :‬شخص اشرتى ً‬
‫عبدا وصفه سيده أبنه أُ ّ‬
‫ملا جاء املشرتي يقبض العبد وأخذه وجد أن العبد يقرأ ويكتب‪ ،‬فهذا‬
‫الوصف فات إىل أحسن أم إىل أسوأ؟ فات إىل أحسن‪ ،‬ليس له اخليار ألنه‬
‫ِل يتضرر‪ ،‬لكن قال املشرتي‪ :‬ال‪ ،‬أان رجل مؤمتن على أسرار‪ ،‬وعملي فيه‬
‫عبدا ال يقرأ وال يكتب حىت ال يطلع على األسرار‬
‫خادما ً‬
‫أسرار‪ ،‬وأان أريد ً‬
‫اليت أريد‪ ،‬هنا فات الوصف ابلنسبة هلذا الرجل إىل أسوأ‪ ،‬وإن كان هذا‬
‫الوصف ابلنسبة لعموم الناس أحسن فيثبت له اخليار‪.‬‬
‫بكرا‪ ،‬فات‬
‫ومن أمثلة الفقهاء‪ :‬لو وصف الرجل ابنته أبهنا ثيب فبانت ً‬
‫بكرا‬
‫الوصف أو ما فات؟ فات إىل أحسن بدليل قول النيب ﷺ‪ :‬هال ً‬
‫تالعبها وتالعبك‪ ‬ففات الوصف إىل أحسن‪ ،‬فهنا األصل أنه ال خيار‪.‬‬
‫يف احلقيقة كنت أقرأ هذا املثال للفقهاء ويقال‪ :‬أن هذا شيء بعيد؛ يعين‬
‫أب يقول على ابنته أهنا ثيب وهي بكر‪ ،‬سبحان هللا! البارحة وصلين سؤال‬
‫من فتاة يتعلق هبذا األمر‪ ،‬تقول‪ :‬إهنا تزوجت وطُلقت بعد أن بقيت مع‬
‫زوجها مدة وِل ميسها وِل ُخترب أهلها‪ ،‬واآلن سيعقد عليها على أهنا ثيب‪،‬‬
‫والدها سيزوجها على أهنا ثيب‪ ،‬ألن هذا هو الظن‪ ،‬فتقول‪ :‬هل هذا يؤثر‬
‫وسيقال يف العقد إهنا ثيب‪ ،‬تقول مع إخبار الزوج‬
‫يف العقد؟ ألهنا بكر ُ‬
‫هبذا‪ ،‬يعين هي أخربت الزوج هبذا لكنها ختشى أن يكون هذا مؤ ًثرا يف‬
‫العقد‪ ،‬فالشاهد قد يقع مثل هذا األمر‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪276‬‬
‫إذن‪ ،‬أريد فقط هبذا املثال –وألن هذا املثال ما يغيب عن الذهن‪ -‬أنه‬
‫إذا فات الوصف إىل أحسن ال يكون هناك خيار‪.‬‬
‫واحلالة الثانية‪ :‬أن يفوت الوصف إىل أقل وأنقص أو أسوأ‪.‬‬
‫وصف القطع أبهنا أصلية فتبينت مقلدة؛ ففات الوصف إىل أسوأ فهنا‬
‫يثبت خيار اخللف يف الصفة‪.‬‬
‫النوع السابع‪ :‬وهو آخر األنواع‪" :‬خيار اخللف يف قدر الثمن"‪.‬‬
‫يعين االختالف يف قدر الثمن‪ ،‬هنا املقصود ابخللف‪ :‬االختالف‪ ،‬أن‬
‫خيتلف البائع واملشرتي يف قدر الثمن‪ ،‬بقدر مثن السلعة‪ ،‬فقال املشرتي مثالً‪:‬‬
‫اشرتيت السلعة بثمانني وقال البائع‪ :‬بعتك السلعة مبئة‪ ،‬واختلفا فيه وال‬
‫بينة‪ ،‬ألنه لو وجدت البينة عملنا هبا؛ لكن ال بينة‪ ،‬اآلن املشرتي يقول‬
‫قيمة‪ ،‬والبائع يقول قيمة‪ ،‬وال بينة‪ ،‬فهنا‪:‬‬
‫قال بعض الفقهاء‪ :‬إهنما يتحالفان‪ ،‬يعين يُقسم كل واحد منهما لآلخر‪،‬‬
‫فيبدأ البائع فيحلف على نفي ما ادعاه املشرتي‪ ،‬فيقول‪ :‬وهللا ما بعتك‬
‫السلعة بثمانني‪ ،‬مث حيلف املشرتي على نفي ما ادعاه البائع‪ ،‬هذا ما قرره‬
‫العلماء‪ ،‬ملاذا؟‬
‫قالوا‪ :‬ألن كل واحد منهما مدعي من جهة منكر من جهة‪ ،‬والبينة على‬
‫املدعي وال بينة‪ ،‬واليمني على من أنكر‪ ،‬فنطلب من كل واحد منهما أن‬
‫حيلف‪ ،‬هذا قول لبعض أهل العلم‪ ،‬فإذا حتالفا فإان نفسخ العقد‪.‬‬
‫‪|277‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫وذهب بعض أهل العلم إىل‪ :‬أن القول قول البائع مع ميينه‪ ،‬فإذا حلف‬
‫البائع فإنه يُلزم املشرتي ابلثمن الذي يقوله البائع‪ ،‬وال ُحنلف املشرتي‪.‬‬
‫وهذا هو املقصود بتصوير املسألة يف مسألة خيار اخللف يف قدر الثمن‪،‬‬
‫واملسألة فيها آاثر كثرية عن الصحابة ‪.‬‬
‫والصحيح فيها‪ :‬أن القول قول البائع مع ميينه‪ ،‬فيحلف البائع أنه ابع‬
‫السلعة بكذا‪ ،‬فإذا حلف البائع أنه ابع السلعة بكذا فإنه يستحق الثمن‪،‬‬
‫وجاء يف ذلك حديث ولكن يف إسناده مقال‪ ،‬وهذا الذي يظهر رجحانه‬
‫يف املسألة‪.‬‬
‫هناك بعض املسائل املتعلقة هبذا ولكن نقف هنا‪.‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪278‬‬
‫الوصية بتقوى هللا عز وجل‬
‫أختم بتذكري نفسي وإخوا‪،‬ي بتقوى هللا عز وجل‪ ،‬وأن نستشعر نعمة هللا‬
‫علينا‪ ،‬هللا سبحانه وتعاىل أنعم علينا بنعم كثرية‪ ،‬ومنها أن هللا أنعم علينا‬
‫ٍ‬
‫بنعمة فقدها كثري من الناس‪ ،‬ال سيما يف هذا الزمان اليت كثرت فيه األهواء‪،‬‬
‫ابلسنة‪ .‬وهذه من أعظم نعم هللا عز‬
‫السنة والتمسك ُّ‬
‫ب ُّ‬
‫أال وهي نعمة ُح ّ‬
‫وجل على العبد‪ ،‬ال سيما إذا نظر إىل اآلخرين فوجد أهنم ُحرموا من هذه‬
‫لسنّة النيب‬
‫النعمة‪ ،‬وأهنم يضربون ابألهواء‪ ،‬ويلعبون ابلعواطف‪ ،‬وال يقيمون ُ‬
‫ردوها‪ ،‬من‬
‫ﷺ وزًان‪ ،‬وإذا خالفت ُّ‬
‫السنة أهواءهم أ ّولوها‪ ،‬أو ض ّعفوها‪ ،‬أو ّ‬
‫أجل موافقة حزب أو مجاعة أو غري ذلك‪ ،‬ال يقفون عند ُّسنة النيب ﷺ‪ ،‬وال‬
‫يقيمون هلا وزًان إال مبقدار ما توافق أهواءهم؛ فنحمد هللا ‪ ‬على هذه‬
‫السنة العظيمة‪.‬‬
‫النعمة وعلى هذه ُّ‬
‫ومن شكر هللا ‪ ‬على هذه النعمة أن ندعو إليها‪ ،‬وأن حنرص على‬
‫السنة‪ ،‬من املقامات الشريفة واألعمال‬
‫بياهنا للناس‪ ،‬وأن نذب عن أهل ُّ‬
‫ابلسنة‬
‫السنة الذين عُرفوا ُّ‬
‫الصاحلة املنيفة؛ أن يذب اإلنسان عن أعراض أهل ُّ‬
‫من العلماء وطالب العلم‪ ،‬فإذا انل أهل األهواء منهم ووصفوهم ‪-‬كعادة‬
‫أهل األهواء‪ -‬ابألوصاف اليت يقصدون أن يُنفروا الناس عنهم هبا؛ فإن‬
‫اإلنسان يتقرب إىل هللا ابلذب عن هؤالء‪ ،‬وبيان ما هم فيه من اخلري ونشر‬
‫فضائلهم‪ ،‬وليس هذا من التعصب يف شيء‪ ،‬وليس هذا من ذكر الرجال‬
‫‪|279‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫السنة واجلماعة ونشر‬
‫ابملدح؛ بل هو من ابب الذب عن أعراض أهل ُّ‬
‫فضائلهم‪.‬‬
‫ومن شكر هللا على هذه النعمة؛ أن حنرص على االجتماع عليها وعدم‬
‫ابلسنة‪ ،‬وأن نبتعد عن‬
‫السنة ُّ‬
‫التفرق‪ ،‬وأن حنرص على أن جتتمع كلمتنا على ُّ‬
‫كل ما يُفرق الصف‪ ،‬ونعالُ األمور معاجلة صحيحة‪.‬‬
‫وقد زران العالمة الشيخ صاحل الفوزان ‪-‬حفظه هللا‪ -‬قبل فرتة ليست‬
‫السنة من تنازع‬
‫طويلة‪ ،‬قريبة‪ ،‬واستشرانه أو طلبنا نُصحه فيما يقع بني أهل ُّ‬
‫أو أم ٍر فيه اختالف؛ فقال الشيخ ‪-‬حفظه هللا‪ :-‬ما يقع بني أهل السنة‬
‫واجلماعة ما ميكن أن يُدفن؛ فعليهم أن يدفنوه‪ ،‬وما ال ميكن أن يُدفن؛‬
‫فعليهم أن يعاجلوه ابلطريق الشرعي املناسب الذي ال يُفرح أهل البدع فيهم‪.‬‬
‫فما قد يقع بيننا حنن طالب العلم من أمور فإذا كانت شخصية؛ فأننا‬
‫ندفنها ونتواصل ونتحاب‪ ،‬ومن ذلك أن اإلنسان ال يسمح ألحد أن ينقل‬
‫حرصا على ائتالف القلوب‪ ،‬وإذا تكلم‬
‫له عن إخوانه شيئاً من الكالم فيه؛ ً‬
‫فيك أخوك يف حقك الشخصي؛ تُسقط هذا وال تلتفت إليه‪ ،‬وتتواصل معه‬
‫وتتآلف معه‪ ،‬ألن مصلحة االجتماع أعظم من مصلحة االنتصار للنفس‪،‬‬
‫وصفة متسك الرجل ابلسنة غالية عالية‪ ،‬تستحق أن اإلنسان يتنامزل عن‬
‫حقوقه الشخصية من أجلها‪ ،‬وإن كان األمر مما فيه خالف علمي؛ فهنا‬
‫جيب أن يُعال ولكن ابلطريق الشرعي الصحيح الذي ال يُولّد املفاسد‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪280‬‬
‫الـم ُخوفة‪ ،‬وجتتمع به الكلمة‪ ،‬ويُعال به األمر‪ ،‬فإذا ِل يكن ذلك كذلك؛‬
‫فيكون لألمر موقفه الشرعي حبسب ما يقتضيه الشرع‪.‬‬
‫ولذلك حنن نعرف مشاخينا أن الواحد منهم يعرف على طالب ‪ -‬عرف‬
‫ابلسنة ‪ -‬أموراً فيناصحه وأيمره ويبني له‪ ،‬ولكنه يصرب عليه فرتة يناصحه‬
‫ُّ‬
‫فيها لعله أن يرجع‪ ،‬فإذا رجع محد هللا على هذا‪ ،‬وإذا ِل يرجع فهذا له شأن‬
‫آخر؛ فمن ن ّد عن الصف فهذا أمر آخر‪.‬‬
‫ابلسنة من األصول‬
‫السنة ُّ‬
‫الشاهد ‪-‬اي إخوة‪ -‬احلرص على التآلف على ُّ‬
‫الشرعية العظيمة‪ ،‬ومن ذلك أن الواحد ال حيرص على أن يكون نقاالً‬
‫للكالم بغري تثبت وبغري مصلحة‪ ،‬فبعض الناس الطيّبني أيتيهم الشيطان‬
‫للسنة؛ فقد يذهب يف‬
‫ويُصور هلم بعض األمور على أهنا من اخلري واالنتصار ُّ‬
‫درس فيسمع شيء‪ ،‬فقد يكون فهمه على وجه فينقله وحيدث به مفسدة؛‬
‫بل الذي ينبغي التأ‪،‬ي والتثبت ‪-‬أعين من الناقل‪ -‬يف أن هذا الكالم قيل‪،‬‬
‫ويف فهمه هلذا الكالم‪ ،‬وأن يعرض ذلك على عاِل انصح يبني له قبل أن‬
‫ينقله‪.‬‬
‫فإن كان الشرع يقتضي نقله بعد ثبوته؛ نقله‪ ،‬وإن كان الشرع يقتضي‬
‫السنة وعلى االئتالف على‬
‫حرصا على ُّ‬
‫دفنه؛ دفـنه‪ ،‬هكذا ينبغي أن نكون ً‬
‫لسنة‪.‬‬
‫ا ُّ‬
‫السنة‪ :‬أن حنرص على طلب العلم على‬
‫ومن شكر هللا على نعمة حمبة ُّ‬
‫السنة‪،‬‬
‫السنة‪ ،‬وأن حنرص على حضور اجملالس‪ ،‬وأن نُكثّر سواد أهل ُّ‬
‫أهل ُّ‬
‫‪|281‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫شيخ أو‬
‫فرحا‬
‫درسا لعاِل أو ٍ‬
‫ً‬
‫وأن نفرح ً‬
‫شديدا بكثرة دعاهتا‪ ،‬وإذا وجدان ً‬
‫السنة؛ حرصنا على تكثري سواد هذا الدرس من أجل‬
‫طالب علم من أهل ُّ‬
‫السنة‪،‬‬
‫السنة ونفع أهل ُّ‬
‫االنتفاع واالستفادة‪ ،‬ومن أجل إظهار مكانة أهل ُّ‬
‫فهذا من األمور العظيمة‪.‬‬
‫السنة‬
‫فأعود وأقول وهللا! وهللا! ما نراه اآلن من ابتعاد كثري من الناس عن ُّ‬
‫كما نراه يف الساحة‪ -‬وما نراه يف وسائل اإلعالم احلديثة؛ إن هذا جيعلنا‬‫استشعارا بنعمة هللا العظمى علينا أن هداان هلذا‪،‬‬
‫ابلسنة‪ ،‬و‬
‫نزداد متس ًكا ُّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ َٓ َۡ‬
‫ِي ل ۡوَل أن َه َدى َٰ َنا ذ ُ‬
‫﴿ َو َما َ ذنا ِنلَ ۡه َتد َ‬
‫ٱّلله﴾‪ ،‬وحرم من ذلك أانسا كثريين‪،‬‬
‫فهذه نعمة من هللا‪ ،‬فنحرص على احلفاظ عليها بقدر ما نستطيع‪.‬‬
‫أسأل هللا عز وجل أبمسائه احلسىن وصفاته العلى‪ ،‬أن جيعلنا مفاتيح‬
‫شر الفنت‬
‫للخري‪ ،‬مغاليق للشر‪ ،‬وأن يكتب لنا األجر‪ ،‬وأن يكفينا واملسلمني ّ‬
‫شر الفنت‬
‫وأهلها‪ ،‬وأن يعيذ هذا البلد – بلد اإلمارات‪ -‬وبالد املسلمني من ّ‬
‫ما ظهر منها وما بطن‪ ،‬وأن يزيد اخلري يف بالد املسلمني وأن يكفيهم الشر‪،‬‬
‫وهللا تعاىل أعلى وأعلم وصلى هللا على نبينا وسلم‪.‬‬
‫***‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪282‬‬
‫األسيلة واألجوبة‬
‫السؤال األول‪ :‬هل وضع اللوحات اإلعالنية قبل دخول البلد من تلقي‬
‫احلاضر للبادي؟ وإذا ِل يكن كذلك؟ هل هو من األمور اجلائزة مثل الفنادق‬
‫واحملالت التجارية وهو ال يتأتى لكل أحد؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال؛ هذا ليس من التلقي‪ ،‬كون أصحاب البالد يدلون على سلعهم‪ ،‬مثالً‬
‫الفنادق‪ :‬الفندق الفال‪،‬ي يقع يف املنطقة الفالنية والفندق الفال‪،‬ي يقع يف‬
‫املنطقة الفالنية؛ هذا ليس من ابب تلقي اجللب وليس له حكم تلقي‬
‫اجللب وال حرج فيه‪.‬‬
‫السؤال الثاين‪ :‬كتاب "موسوعة املعامالت املالية" للشيخ الدكتور‬
‫الدبيان هل أطلعتم عليه؟ وهل تنصحون فيه؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال؛ ِل نطلع عليه‪.‬‬
‫السؤال الثالث‪ :‬قلتم ‪-‬حفظكم هللا‪ -‬إنه حيرم تلقي جتار البلد للتجار‬
‫القادمني من اخلارج وشراء السلع منهم بسلع البلد مث بيعها بسعر مرتفع عن‬
‫سعر البلد؛ أال يقال إن هذه الزايدة هي ربح التاجر الذي اشرتى السلع‬
‫بتكلفتها وزاد عليه رحبه؟‬
‫‪|283‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال شك أبن هذا ربح؛ لكن هو ليس له أن يسبق الناس إىل هؤالء‬
‫التجار‪ ،‬بل يدع التجار يعرضون سلعهم يف البلد ويرزق هللا الناس بعضهم‬
‫من بعض؛ فيشرتي كما يشرتي الناس‪ ،‬العلة ليست قضية الزايدة؛ العلة أنه‬
‫يسبق الناس إىل هؤالء قبل أن يصلوا أهل البلد؛ فيحرم أهل البلد من أن‬
‫يشرتوها هبذه القيمة‪.‬‬
‫السؤال الرابع‪ :‬سددكم هللا‪ ،‬إذا توىل احلاضر البيع للبادي دون أن يلحق‬
‫ضررا أبحد من الناس فهل البيع صحيح؟ وحال أن الزايدة ليست زايدة‬
‫فاحشة وال ضارة ابجملتمع؛ فما حكم البيع من هذا الوجه؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال ينبغي أن نـُفتّق األمور على خالف النصوص‪ ،‬ما دام أن النص هنى‬
‫أن يبيع احلاضر للبادي؛ فإننا نقول‪ :‬ال جيوز أن يتوىل احلاضر البيع للبادي‬
‫سواء أبجرة أو بدون أجرة‪ ،‬إال إذا علمنا أن الضرر منتفي من كل وجه؛‬
‫فالعلة الشرعية غري موجودة؛ فهذا ابب آخر‪ ،‬أما نقول‪ :‬الضرر يسري‬
‫والزايدة قليلة وحنو ذلك؛ فاألصل املنع‪.‬‬
‫السؤال اخلامس‪ :‬نفع هللا بعلمك‪ ،‬هل جيوز أن جيعل إسقاط اخليار‬
‫شرطًا جعلياً يف العقد؟ فإن كان جيوز؛ فهل يثبت خيار اجمللس يف ترك ذلك‬
‫الشرط أو إمضاءه؟‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪284‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫حنن قلنا ‪-‬اي إخوة‪ -‬أن خيار اجمللس ينقطع إذا اختار املتعاقدان قطعه‪،‬‬
‫فإذا اختار املتعاقدان قطعه بطلب من واحد منهما أو بطلب منهما مع‬
‫انقطع خيار اجمللس؛ فهذا املذكور جائز إذا اتفقا عليه‪.‬‬
‫السؤال السادس‪ :‬يقول إذا كان اجمللس صفقة يف اإلنرتنت‪ ،‬فهل‬
‫ينقضي خيار اجمللس عند مسح الصفحة أم عند اإلجياب والقبول؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫سبق أن قلنا ‪-‬اي إخوة‪ -‬إذا كان الشراء بواسطة اإلنرتنت‪ ،‬إذا كان‬
‫ابلربيد اإللكرتو‪،‬ي؛ فاجمللس هو وقت قراءة الطرف الثا‪،‬ي للطلب‪ ،‬فهذا هو‬
‫اجمللس‪ ،‬إذا كان ابحملادثة فاجمللس هو وقت احملادثة‪ ،‬فإذا أغلقت احملادثة‬
‫يكون اجمللس قد انتهى‪.‬‬
‫السؤال السابع‪ :‬هل اخليارات املذكورة متفق عليها بني العلماء أم أن‬
‫هناك خيارات أخرى؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫بعض أهل العلم يقولون مثانية‪ ،‬لكن ما ذكروه ابلقسم الثامن يف احلقيقة‬
‫أنه عائد إىل األقسام السبعة املذكورة‪ ،‬فالذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن اخليار‬
‫منحصر هبذه األقسام السبعة‪.‬‬
‫‪|285‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫السؤال الثامن‪ :‬لو تفضلتم إبعادة مسألة "خيار اخللف يف الصفة إذا‬
‫ظهر أن السلعة فيها نقص"‪ ،‬فهل هنا خيار؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫قلنا‪ :‬أن اخللف يف الصفة؛ إذا كانت الصفة معتربة وهي الصفة يف‬
‫السلعة الغائبة إذا فات إىل أسوأ؛ فإنه يثبت فيه اخليار‪ ،‬أما إذا فات إىل‬
‫أحسن فإنه ال يثبت فيه اخليار‪.‬‬
‫السؤال التاسع‪ :‬حديث ‪‬ال خالبة‪ ‬ليس فيه مدة يف اخليار‪ ،‬فلماذا‬
‫اشرتط الفقهاء تعيني املدة؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫اتفق الفقهاء على أنه ال بد له من مدة؛ ألن األدلة تدل على أنه ال جتوز‬
‫اجلهالة يف البيوع‪ ،‬فتحديد املدة حمل اتفاق ولكن اخلالف يف املدة كم‬
‫تكون؟‬
‫السؤال العاشر‪ :‬يقول‪ :‬هل يدخل يف النهي عن بيع احلاضر للبادي‬
‫الشراء له؛ كأن ُجيمع له السلعة من أفراد البلد ليأيت ويشرتيها هو دون غريه‬
‫من التجار؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫أيضا‬
‫بعض أهل العلم يقولون‪ :‬إنه يدخل يف ذلك الشراء؛ ويقولون‪ :‬العلة ً‬
‫موجودة‪ ،‬ألنه إذا اشرتى فإنه حيصل؛ يعين أن هللا يرزق الناس بعضهم من‬
‫بعض؛ وألن البيع يطلق على البيع املعروف وعلى الشراء‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪286‬‬
‫وبعض أهل العلم يقولون‪ :‬ال أبس أن يشرتي له‪.‬‬
‫مسسارا ال يف البيع وال يف‬
‫والذي يظهر ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه ال يكون له‬
‫ً‬
‫الشراء إال إذا انتفى الضرر‪.‬‬
‫السؤال احلادي عشر‪ :‬هل املزادات من بيع املسلم على بيع أخيه؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال؛ هذه املسألة هي مسألة‪ :‬البيع يف من يزيد‪ ،‬وقد حكى مجع من أهل‬
‫العلم كابن عبد الرب وغريه اإلمجاع على جوازه؛ فهذا ليس فيه ركون كما‬
‫تعرفون؛ وحنن قلنا أن البيع على البيع ال جيوز إذا حصل الرضا والركون‪،‬‬
‫واملزادات ليس فيها رضا وركون بل تعرض ويزاد فيها حىت تستقر على مثن‪،‬‬
‫مجاعا ‪ -‬وإن كان وجدان بعض‬
‫فقول مجاهري العلماء وحكاه بعضهم إ ً‬
‫اخلالف ‪ -‬أن البيع يف من يزيد جائز وال حرج فيه‪.‬‬
‫السؤال الثاين عشر‪ :‬يقول‪ :‬أود االستفسار عن كتاب "كوبوانت"‬
‫خصومات تباع يف السوق‪ ،‬حيث حتتوي على العديد من "كوبوانت"‬
‫اخلصم مثل‪" :‬كوبوانت" خصم املطاعم أو الفنادق أو املالبس‪ ،‬أو يُعطى‬
‫جماان‪،‬‬
‫عرض على ذلك‪ ،‬فيكون أحد "الكوبون" يُشرتى واآلخر يُعطى ً‬
‫السؤال هنا‪ :‬ما حكم شراء هذه "الكوبوانت"؟ وما احلكم إذا حصلت‬
‫جماان من شخص أو من العمل مع العلم أن مثن اخلصومات أعلى من‬
‫عليها ً‬
‫مثن الكتاب؟‬
‫‪|287‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫هذا الكوبون‪:‬‬
‫إما أن تكون منفعته ماالً ‪-‬مثل ما قال األخ‪ :‬خصومات مالية‪ -‬فهذا‬
‫الذي يظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه ال جيوز‪ ،‬ألنه من ابب القمار وابب الراب‪.‬‬
‫فهذا ال جيوز‪.‬‬
‫وإما أن تكون منفعة الكوبون منفعة وليست ماالً‪ :‬حيصل على سلعة‪،‬‬
‫يبيت ليلة‪ ،‬أو حنو ذلك؛ فهنا إن كانت حتصل لكل من حصل على هذا‬
‫الكوبون؛ فالذي يظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬اجلواز‪ ،‬أما إن كانت ميكن أن تقع‬
‫أو ال تقع؛ يكون من القمار‪.‬‬
‫السؤال الثالث عشر‪ :‬يقول ما حكم التنزيالت؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ما فيها أبس‪ ،‬التخفيضات إذا ِل يكن فيها غش وال تدليس ‪-‬حبيث ال‬
‫تكون حقيقية‪ -‬فال أبس هبا؛ أن ينزل التُ ّجار أو ينقص التُ ّجار من القيمة يف‬
‫زمن من األزمان؛ وهذا حقيقي؛ فهذا ال أبس به وال حرج‪.‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪288‬‬
‫السؤال الرابع عشر‪ :‬يقول اشرتيت سلعة من أحد احملالت التجارية‪،‬‬
‫وحصلت على قسيمة شراء بنصف السلعة اليت اشرتيتها‪ ،‬فما حكم‬
‫االستفادة من هذه القسائم؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫إذا كان اإلنسان حيصل على سلعة‪ ،‬فالذي يظهر يل أنه ما فيه أبس إذا‬
‫ثواب آخر أو بنصف‬
‫ثواب تأخذ ً‬
‫كانت حتصل لكل أحد‪ ،‬مثالً‪ :‬إذا اشرتيت ً‬
‫القيمة أو حنو ذلك وهو سلعة فال أبس؛ أما إذا كانت ماالً فال جتوز‪.‬‬
‫السؤال اخلامس عشر‪ :‬تقول السائلة‪ :‬يف مسألة حترمي بيع الطعام أو ما‬
‫يلحق به قبل القبض أو االستيفاء؛ فهل تكون الفاتورة مقام القبض؟ وما‬
‫الضابط حىت تكون الفاتورة هلا اعتبارها هنا؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ضا يُرجع فيه إىل‬
‫ضا وما ال يعد قب ً‬
‫الرجوع يف ذلك إىل العرف؛ ما يُعد قب ً‬
‫ضا‪ ،‬ألنه ال قيمة هلا‬
‫العرف‪ ،‬ولكن األصل يف جمرد الفاتورة أهنا ليست قب ً‬
‫ضا وما ال‬
‫معتربة حىت يف العرف‪ ،‬لكن كقاعدة عامة؛ الرجوع فيما يعد قب ً‬
‫ضا إمنا هو إىل عرف البلد‪.‬‬
‫يعد قب ً‬
‫السؤال السادس عشر‪ :‬أخت تقوم ببيع عباءات عن طريق اهلاتف ويتم‬
‫عن طريق الوصف؛ فمىت يثبت البيع؟ هل مبجرد االتصال أم بعد االستالم؟‬
‫‪|289‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫إذا ابعت العباءات المرأة ابهلاتف ووصفت كذا وقالت‪ :‬أبيعها بكذا‬
‫وقالت املشرتية‪ :‬قبلت‪ ،‬مث أُغلق اهلاتف فقد لزم العقد؛ ألن اجمللس هو وقت‬
‫االتصال؛ فإذا حصل االنقطاع بعد وصول اإلجياب والقبول ابختيار ‪ -‬أما‬
‫لو انقطع االتصال بغري اختيار؛ فإنه ال ينقطع اجمللس ‪ -‬أما إذا انقطع‬
‫اجمللس ابختيار فقد مت العقد‪.‬‬
‫السؤال السابع عشر‪ :‬ما حكم االتفاق على البيع يف املساجد سواء‬
‫هلذه السلع أو غريها‪ ،‬وهل جيوز أن يُطلب منه مباشرة لتوكيله ابلشراء؟‬
‫وسؤال قريب منه‪ :‬ما حكم القبض داخل املسجد وقد مت البيع خارجه؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫الذي يظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن املعاوضات بكل صورها ال جتوز يف‬
‫املسجد‪ ،‬أما إذا ِل تكن معاوضة كأن كان توكيالً يف بيع أو قبض للسلعة‪،‬‬
‫كتااب من املكتبة فيأتيه صاحب املكتبة بكتابه داخل‬
‫مثالً‪ :‬أن يشرتي ً‬
‫املسجد ويعطيه هذا؛ فالذي يظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬هو اجلواز‪ ،‬ألنه هذا‬
‫ليس مما ُهني عنه‪ ،‬املنهي عنه‪ :‬الوسائل‪ ،‬وذات املعاوضة‪.‬‬
‫كتااب إذا ذهب أو يقبض السلعة؛‬
‫أما أن يوكل صدي ًقا له أن يشرتي له ً‬
‫فالذي يظهر يل أنه جيوز‪ ،‬وإن كان من املشايخ يقول‪ :‬إنه ال جيوز ألن‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪290‬‬
‫املساجد ِل تُنب هلذا؛ لكن الذي يظهر يل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أنه ال يصدق عليه‬
‫النهي ‪-‬وهللا أعلم‪.-‬‬
‫السؤال الثامن عشر‪ :‬ملاذا ال يدخل بيع اجلزاف يف البيع املنهي عنه ألنه‬
‫ال تعلم كمية املبيع ابلتحديد؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫ال‪ ،‬تعرف هنا مبا جرى به العرف والعادة‪ ،‬والعلم قد يكون ابلكيل أو‬
‫الوزن أو يكون ابلعد أو ال ّذرع أو حبكم العرف‪ ،‬والعرف له اعتبار يف بناء‬
‫األحكام؛ وقد كان اجلزاف يباع يف زمن النيب ﷺ وال زال عليه عمل‬
‫املسلمني من زمن النيب ﷺ إىل يومنا هذا‪.‬‬
‫السؤال التاسع عشر‪ :‬يقول السائل‪ :‬أليس قوهلم إذا كان الشرط يقع به‬
‫مصادما للنص‪ ،‬ألن النيب ﷺ أمضى‬
‫حمرم؛ فإن العقد ابطل والشرط ابطل؛‬
‫ً‬
‫عقد شراء بريرة وأبطل الشرط؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫الشرط إذا كان يقع به ُحمرم مبعىن أنه يقع به احلرام؛ بعض أهل العلم يرون‬
‫أن العقد يبطل به‪ ،‬ألن يف ذلك سداً لذرائع اشرتاطه‪ ،‬أما اشرتاط الوالء لغري‬
‫املعتق؛ فهذا ال يلزم منه وقوع احلرام يف الناس وإن كان خالف املشروع‪.‬‬
‫يعين‪ ،‬قوهلم‪ :‬إذا كان يلزم منه إيقاع احلرام؛ أن يلزم منه وقوع احلرام‪،‬‬
‫كاشرتاط أن جيعل احملل لبيع الغناء أو اشرتاط أن تكون اجلارية مغنية أو حنو‬
‫‪|291‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫ذلك‪ ،‬يقولون أنه يبطل به العقد من أجل سد الذرائع؛ ألنه لو قلنا للناس‬
‫أنه حيرم مع صحة العقد فإهنم جيرؤون عليه‪ ،‬أما ما ورد يف مثل حديث بريرة‬
‫رضي هللا عنها‪ -‬يف قصتها يف الوالء يقولون هنا ال يلزم منه وقوع احلرام‬‫وإن كان الشرط خمال ًفا للشرع‪.‬‬
‫السؤال العشرون‪ :‬يقول عند القاعدة الثالثة "القصود مؤثرة يف العقود"‪،‬‬
‫حكما ال‬
‫ذكرمت عبارة للعلماء ما صحتها‪" :‬يصح داينة ال حكماً ويصح ً‬
‫داينة" فما معناها؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫حكما ال داينة‪ ،‬ما معىن‬
‫العلماء قد يقولون يف الشيء‪ :‬يصح قضاء أو ً‬
‫هذا؟‬
‫معىن ذلك‪ :‬أنه يصح يف الظاهر ألنه ِل نطّلع على املبطن‪ ،‬وال يصح‬
‫داينة‪ :‬أي بني العبد وبني ربه؛ ألن هللا عالم الغيوب‪ ،‬ويعلم هذا يف قلب‬
‫العبد‪ ،‬فالشيء‪:‬‬
‫قد يصح داينة وقضاءً؛ إذا كان ابطنه يوافق ظاهره‪.‬‬
‫وقد يصح قضاء ويبطل داينة؛ وذلك إذا كان ابطنه خيالف ظاهره‪.‬‬
‫وقد يبطل داينة وقضاء؛ وذلك إذا كان ظاهره ابطالً وابلتايل يكون ابطنه‬
‫ابطالً‪.‬‬
‫| ‪292‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫السؤال احلادي والعشرون‪ :‬ابرك هللا فيكم‪ ،‬هل حتويل املال من دولة‬
‫لدولة أخرى عن طريق الصرافة من غري تغيري العملة ميكن أن يسقط شرط‬
‫التقابض؟‬
‫اجلواب‪:‬‬
‫موجودا‪ ،‬يعين حتويل العملة من بلد إىل بلد؛ فتحويل‬
‫نعم؛ لكن ال أعلمه‬
‫ً‬
‫الدرهم اإلمارايت من اإلمارات إىل بريطانيا وهو درهم إمارايت هنا وهناك؛ هذا‬
‫نعم ال يشرتط فيه التقابض ألنه ال يوجد صرف‪.‬‬
‫أما ابلنسبة للبنوك فاليقني أنه غري موجود؛ ألن فائدة البنوك هي يف‬
‫الصرف‪.‬‬
‫موجودا‪ ،‬على كل حال إذا‬
‫لكن ابلنسبة لألفراد؛ فنعم ميكن أن يكون‬
‫ً‬
‫خال التحويل من الصرف ال يشرتط فيه القبول‪.‬‬
‫***‬
‫‪|293‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫فهرس املواضيع‬
‫كلمة الدائرة ‪2 ..................................................................‬‬
‫مقدمة فضيلة الشيخ سليمان الرحيلي‪4 ............................................‬‬
‫الدرس األول ‪7 .................................................................‬‬
‫مقدمة عن املعامالت املالية‪7 .....................................................‬‬
‫مدخل يف ثالثة أمور‪19 ........................................................:‬‬
‫األمر األول‪ :‬القواعد‪19 .........................................................‬‬
‫هل القواعد الفقهية حجة يُستند إليها؟ ‪23 ........................................‬‬
‫األمر الثا‪،‬ي‪ :‬البيع‪27 ............................................................‬‬
‫الصفات الالزمة للبيع ‪32 ........................................................‬‬
‫األمر الثالث‪ :‬املعامالت املالية‪33 ............................................... .‬‬
‫الدرس الثاين ‪38 ...............................................................‬‬
‫أنواع العقود املالية ‪38 ...........................................................‬‬
‫تقسيم العقود ابعتبار احلكم ‪38 ..................................................‬‬
‫تقسم العقود من حيث حقيقتها إىل أقسام عند الفقهاء‪42 ..........................‬‬
‫هناك تقسيم للعقود ابعتبار أثرها‪44 ............................................. .‬‬
‫القاعدة األوىل‪ :‬األصل يف البيوع اإلابحة‪46 .................................... .‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪294‬‬
‫األدلة اجلزيئة الدالة على مح مّل البيوع من الكتاب والسنة واإلمجاع‪52 ................. .‬‬
‫األدلة الكلية الدالة على مح ّل البيوع‪54 ............................................‬‬
‫بعض البيوع املتعلقة يف هذا يف صور معاصرة ‪59 ...................................‬‬
‫بيع التقسيط ‪59 ................................................................‬‬
‫بيع املراحبة ‪62 ..................................................................‬‬
‫بيع املراحبة للواعد ابلشراء‪63 .....................................................‬‬
‫مسألة األسهم‪64 ...............................................................‬‬
‫اإلجابة على األسئلة ‪67 .........................................................‬‬
‫الدرس الثالث ‪78 ..............................................................‬‬
‫تشقري احلواجب ‪82 .............................................................‬‬
‫مسألة بيع احلقوق املعنوية‪83 ................................................... .‬‬
‫القاعدة الثانية‪ :‬العربة يف العقود للمقاصد واملعاين ال لأللفاظ واملباين‪87 .......... .‬‬
‫يتفرع عن هذه القاعدة‪ :‬أنه ال يُشرتط النعقاد البيع لفظ‪93 .........................‬‬
‫البيع بوسائل االتصال احلديثة ‪98 .................................................‬‬
‫مسألة صرف العمالت‪99 .......................................................‬‬
‫القاعدة الثالثة‪ :‬القصود مؤثرة يف العقود‪101 .....................................‬‬
‫بيع اهلازل‪104 ..................................................................‬‬
‫بيع التلجئة‪105 ............................................................... .‬‬
‫‪|295‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫الدرس الرابع ‪107 ..............................................................‬‬
‫مسألة‪ :‬بيع التقسيط من أجل املال‪107 ...........................................‬‬
‫القاعدة الرابعة‪ :‬إمنا البيع عن تراض ‪112 .........................................‬‬
‫أدلة القاعدة ‪115 ...............................................................‬‬
‫ما هي أركان الرضا؟ ‪117 ........................................................‬‬
‫اإلجابة على األسئلة ‪120 ........................................................‬‬
‫الدرس اخلامس ‪129 ............................................................‬‬
‫القاعدة اخلامسة‪ :‬ال ينعقد البيع إال على مال‪129 ................................‬‬
‫القاعدة السادسة‪ :‬ال ينعقد البيع إال من مالك أو مأذون له‪145 ................. .‬‬
‫يتفرع على هذه القاعدة مسائل ‪149 .............................................‬‬
‫مسألة بيع الفضويل ‪150 .........................................................‬‬
‫قاعدة‪" :‬الشروط" ‪152 ..........................................................‬‬
‫الدرس السادس ‪153 ...........................................................‬‬
‫القاعدة السابعة‪ :‬األصل يف الشروط اإلابحة والصحة‪153 ....................... .‬‬
‫الشروط يف البيوع قسمان ‪154 ...................................................‬‬
‫املراد ابلشروط الشرعية ‪154 ......................................................‬‬
‫املراد ابلشروط اجلعلية ‪154 .......................................................‬‬
‫الشرط ال خيلو من ثالثة أحوال ‪162 ..............................................‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪296‬‬
‫صفات الشرط الصحيح‪169 .....................................................‬‬
‫الشروط اجلعلية عند الفقهاء تنقسم إىل قسمني ‪172 ................................‬‬
‫اإلجابة على األسئلة ‪173 ........................................................‬‬
‫الدرس السابع‪179 .............................................................‬‬
‫القاعدة الثامنة‪ :‬األصل أنه ال يقع البيع إال من راشد‪179 .........................‬‬
‫القاعدة التاسعة‪ :‬األصل منع ما يؤدي إىل النزاع يف البيوع‪184 ................... .‬‬
‫دليل هذه القاعدة ‪184 ..........................................................‬‬
‫بيع الغرر ‪184 ..................................................................‬‬
‫من صور بيع الغرر؛ بيوع جاء النهي عنها‪190 .................................... :‬‬
‫بيع احلصاة ‪190 ................................................................‬‬
‫بيع املالمسة واملنابذة‪192 ........................................................‬‬
‫البيعتني يف بيعة‪194 .............................................................‬‬
‫الدرس الثامن ‪198 .............................................................‬‬
‫بيع املبيع قبل قبضه‪202 ........................................................ .‬‬
‫بيع اجملهول ‪209 ................................................................‬‬
‫بيع املعوامة أو بيع السنني‪211 .................................................. .‬‬
‫بيع الثـُنيا اجملهولة‪211 .......................................................... .‬‬
‫بيع ما ينمو ويزداد‪212 ......................................................... .‬‬
‫‪|297‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫بيع الثمار قبل بدو صالحها‪214 .................................................‬‬
‫مسألة‪ :‬البيع على بيع املسلم‪ ،‬والسوم على سوم املسلم‪215 ........................ .‬‬
‫اإلجابة على األسئلة‪220 ....................................................... :‬‬
‫الدرس التاسع ‪230 .............................................................‬‬
‫القاعدة العاشرة‪ :‬أن األصل منع الضرر يف البيوع ‪231 ............................‬‬
‫من البيوع اليت جاء النهي عنها من أجل الضرر‪................................ :‬‬
‫بيع احلاضر للبادي وتلقي الركبان‪233 .............................................‬‬
‫النهي عن البيع على البيع ‪244 ...................................................‬‬
‫بيع السلعة املعيبة والغش‪245 ................................................... .‬‬
‫التصرية ‪247 ...................................................................‬‬
‫القاعدة احلادية عشر‪ :‬األصل ثبوت اخليار يف البيوع ‪249 .........................‬‬
‫اخليار أقسامه يف البيوع حمصورة بسبعة أنواع ‪249 ...................................‬‬
‫النوع األول‪ :‬خيار اجمللس‪249 .................................................. .‬‬
‫النوع الثا‪،‬ي‪ :‬خيار الشرط‪254 ....................................................‬‬
‫مىت ينقطع خيار الشرط؟ ‪260 ....................................................‬‬
‫الدرس العاشر ‪263 .............................................................‬‬
‫النوع الثالث‪ :‬يسميه الفقهاء بـ "خيار الغنب" ‪263 ..................................‬‬
‫السلع يف األسواق تنقسم إىل قسمني‪264 ........................................ :‬‬
‫| ‪298‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫النوع الرابع‪" :‬خيار التدليس"‪266 ............................................... .‬‬
‫النوع اخلامس‪ :‬وهذا كثري الوقوع "خيار العيب" ‪268 ................................‬‬
‫ما هو األرش؟ ‪270 .............................................................‬‬
‫هناك مسائل تتعلق ابلبيع‪270 ....................................................‬‬
‫مسألة‪ :‬أن يشرتط البائع الرباءة من العيوب ‪270 ....................................‬‬
‫مسألة‪ :‬البضاعة املباعة ال ترد وال تستبدل‪272 .....................................‬‬
‫النوع السادس‪ :‬خيار اخلُلف يف الصفة‪273 ....................................... .‬‬
‫النوع السابع‪" :‬خيار اخللف يف قدر الثمن"‪276 ....................................‬‬
‫الوصية بتقوى هللا عز وجل ‪278 ..................................................‬‬
‫األسئلة واألجوبة ‪282 ...........................................................‬‬
‫فهرس املواضيع ‪293 ...........................................................‬‬
‫***‬
‫‪|299‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪............................................................................................................................. ......................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪.............................................................................................................................................. .....‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪300‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪............................................................................................................................. ......................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪.............................................................................................................................................. .....‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪|301‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪..................................................................................................................... ..............................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................... .............‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪302‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪............................................................................................................................. ......................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪.............................................................................................................................................. .....‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪|303‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪..................................................................................................................... ..............................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................... .............‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫‪...................................................................................................................................................‬‬
‫فقه املعامالت املالية (‪)1‬‬
‫| ‪304‬‬