|1 فقه املعامالت املالية ()1 فقه املعامالت املالية دورة علمية ألقاها: فضيلة الشيخ األستاذ الدكتور سليمان الرحيلي أستاذ كرسي الفتوى ابجلامعة اإلسالمية واملدرس ابملسجد النبوي ابملدينة املنورة وذلك يف مدينة الشارقة -جبامع السلف الصاحل |2 فقه املعامالت املالية ()1 كلمة الدائرة احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم على أشرف األنبياء واملرسلني ،نبينا حممد وعلى آله وصحبه أمجعني ،وبعد: فانطالقاً من رسالة دائرة الشؤون اإلسالمية ،وحتقيق غاايهتا يف نشر األحكام الشرعية ،وتشجيع البحث العلمي يف العلوم الشرعية، عد بتقدمي هذا واحلفاظ على اإلرث اإلسالمي األصيل ،فإهنا تس ُ اإلصدار العلمي املوسوم بـ: ”فقه املعامالت املالية“ والذي يهدف إىل تقريب أحكام املعامالت املالية الشرعية من خالل القواعد الفقهية والضوابط العلمية ،اليت تضبط م للعاِل واملفيت وطالب العلم حكمهُ على املسائل املالية خصوصاً املستجدة منها. وهذه املادة العلمية؛ كانت يف أصلها دورة علمية أقامتها الدائرة لطالب العلم واجلمهور ،ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور سليمان الرحيلي –أستاذ كرسي الفتوى ابجلامعة اإلسالمية ،واملدرس |3 فقه املعامالت املالية ()1 ابملسجد النبوي يف املدينة املنورة -فنسأل هللا تعاىل أن ينفع هبذا اإلصدار ،وأن جيزي والة أمران خرياً على ما يقدمونه خلدمة اإلسالم، ونشر تعاليمه السمحة ،كما نسأله تعاىل أن حيفظ لدولة اإلمارات العربية املتحدة أمنها ،وأن يدمي عليها استقرارها ،واحلمد هلل رب العاملني. قسم الوعظ *** فقه املعامالت املالية ()1 |4 مقدمة فضيلة الشيخ سليمان الرحيلي إن احلمد هلل حنمده ونستعينه ونستغفره ،ونعوذ ابهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ،من يهده هللا فال مضل له ،ومن يُضلل فال هادي له ،وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له ،وأشهد أن حممداً عبده ورسوله. َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ذ ُ َ ََ َُ ُ وت ذن إ ذَل َوأَنتمُ ﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل حق تقاتِهِۦ وَل تم ِ ُّ ۡ ُ َ ون﴾(.)1 مسل ِم َ َ ُّ َ ذ ُ ذ ُ ْ َ ذ ُ ُ ذ َ ََ ُ كم مِن ذن ۡفس َوَٰحِدةَ ﴿ َٰٓ يأيها ٱنلاس ٱتقوا ربكم ٱَّلِي خلق َ َ َ َ ۡ َ َ ۡ َ َ َ َ ذ ۡ ُ َ َ ٗ َ ٗ َ َ ٓٗ َ ذ ُ ْ ذَ ذ وخلق مِنها زوجها وبث مِنهما رِجاَل َثِيا ون ِساء وٱتقوا ٱّلل ٱَّلِي َ ََ َُٓ َ َ ۡ ۡ َ َ ذ ذ َ َ َ َ َ ۡ ُ ۡ َ ٗ ()2 ون بِهِۦ وٱۡلرحام إِن ٱّلل َكن عليكم رقِيبا﴾ . تساءل َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ُ ُ ْ َ ۡ ٗ َ ٗ ِيدا ٧٠يُ ۡصل ِحۡ ﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل وقولوا قوَل َد َ ََ َ ُ ۡ َ ۡ َ َٰ َ ُ ۡ َ َ ۡ ۡ َ ُ ۡ ُ ُ َ ُ ك ۡم َو َمن يُ ِطعِ ذ َ ٱّلل َو َر َُو َُلۥ فق ۡد لكم أعملكم ويغ ِفر لكم ذنوب ۗۡ فَ َ از فَ ۡو ًزا َع ِظ ً يما ،)3(﴾٧١أما بعد: ( )1آل عمران.102 : ( )2النساء.1 : ( )3األحزاب.70-69 : |5 فقه املعامالت املالية ()1 فإن أحسن احلديث كتاب هللا ،وخري اهلدي هدي حممد ، وشر األمور حمداثهتا ،وكل حمدثة بدعة ،وكل بدعة ضاللة ،وكل ّ ضاللة يف النار. وبعد فإن ديننا اإلسالمي ،شامل كامل ،دلنا على اخلري كله، وحذران من الشر كله ،ولو تـعلّم املسلمون دينهم وعملوا به؛ لعاشوا حياة طيبة كرمية ،وإن املسلمني اليوم حباجة عظيمة لتعليمهم وتذكريهم ،وال سيما يف ابب املال الذي تتعلق به النفوس كثرياً، ويقل تـعلّم الناس وتكثر طرق احلرام فيه يف حياتنا املعاصرة، ّ ألحكامه ،ومن هنا رأت دائرة الشؤون اإلسالمية ابلشارقة ،وعلى رأسها الشيخ صقر بن حممد القامسي –رئيس دائرة الشؤون اإلسالمية ابلشارقة -وفقه هللا؛ أن تقيم دورات علمية عن املعامالت املالية املعاصرة ،وقد رأينا أن نُقسم هذه الدورات إىل ثالث دورات: ّأوهلا :يف األصول والقواعد اليت تقوم عليها املعامالت املالية عموماً واملعاصرة خصوصاً. |6 فقه املعامالت املالية ()1 واثنيها :يف بيان وتفصيل أصل املعامالت احملرمة من املعامالت املالية املعاصرة وهو الراب. واثلثها :يف بسط أهم مسائل املعامالت املالية املعاصرة. وقد فرغنا حبمد هللا من القسمني األول والثا،ي ،وحنن على أعتاب الدورة الثالثة ،وحلرص رئيس دائرة الشؤون اإلسالمية -وفقه هللا -على ما ينفع املسلمني؛ فقد وجه بتفريغ املادة الصوتية القراء ،فأسأل هللا أن يزيده خرياً وبركةً، وطباعتها ،وها هي بني يدي ّ وجيعلين وإايه وال ُقّراء مفاتيح للخري مغاليق للشر ،وصلى هللا على نبينا وسلم. *** |7 فقه املعامالت املالية ()1 الدرس األول مقدمة عن املعامالت املالية إن احلمد هلل حنمده ونستعينه ونستغفره ،ونعوذ ابهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ،من يهد هللا فال مضل له ،ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له ،وأشهد أن حممدا عبده ورسوله. َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ َ ذ ُ َ ََ َُ ُ وت ذن إ ذَل َوأ َ ُ نتم م ت َل و ِۦ ه ت ا ق ﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ٱّلل حق ت ِ ِ َ َ ُ ذ ذ ُ ذُ ْ ُّ ۡ ُ َ ون﴾ [آل عمرانَٰٓ ﴿ ،]102 : اس ٱتقوا َر ذبك ُم ٱَّلِي يأ ُّي َها ٱنل مسل ِم ذۡ َ َٰ َ َ َ َ َ ۡ َ َ ۡ َ َ َ َ ذ َ ََ ُ ث م ِۡن ُه َما ر َجا َٗل ََث ِ ٗ يا خلقكم مِن نفس وحِدة وخلق مِنها زوجها وب ِ َ َ ٓٗ َ ذ ُ ْ ذَ ذ َ ٓ ُ َ َ َۡۡ َ َ ذ ذَ َ َ ََ ُ ٱّلل َكن عل ۡيك ۡم ّلل ٱَّلِي ت َسا َءلون بِهِۦ وٱۡلرحام إِن ون ِساء وٱتقوا ٱ َ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ْ ذ ُ ْ ذ َ ُ ُ ْ َ ٗ ٗ َرق ٗ ِيبا﴾ [النساءَٰٓ ﴿ ،]1: ٱّلل َوقولوا ق ۡوَل ََدِيدا ٧٠ يأيها ٱَّلِين ءامنوا ٱتقوا ُ ۡ ۡ َ ُ ۡ َ ۡ َ َٰ َ ُ ۡ َ َ ۡ ۡ َ ُ ۡ ُ ُ َ ُ ك ۡم َو َمن يُ ِطعِ ذ َ ٱّلل َو َر َُ َ ُ وَلۥ يصل ِح لكم أعملكم ويغ ِفر لكم ذنوب ۗۡ َف َق ۡد فَ َ از فَ ۡو ًزا َع ِظ ً يما﴾ [األحزاب.]71: أما بعد ،فإن أحسن احلديث كتاب هللا ،وخري اهلدي هدي حممد ﷺ ٍ وشر األمور حمداثهتا ،وكل حمدثة بدعة ،وكل ٍ ضاللة يف بدعة ضاللة ،وكل النار. مث إنين أرحب بكم مجيعاً معاشر طالب العلم يف هذا اجمللس الذي أسأل هللا عز وجل أن جيعله مما ينفعنا عند لقائه سبحانه وتعاىل. فقه املعامالت املالية ()1 |8 ف به شر ُ أيها األفاضل ،إن العلم من فرائض الدين ومن شعائره ،ومما ي ُ املرء. فالعلم ،قال فيه النيب ﷺ :طلب العلم فريضة على كل مسلم رواه ابن ماجه. وقول النيب ﷺ :على كل مسلم أي :جنس املسلم ،فيشمل الذكر واألنثى من أهل الوجوب ،ففرض على املسلم أن يتعلم من أمور دينه ما يقوم به الدين ،وال يُعذر مسلم يف ترك التعلم هلذا الباب. فأصول العقيدة وأصول الدين وما يصح به العمل الذي جيب على اإلنسان؛ فرض على املسلم أن يتعلمه ،وما زاد على ذلك؛ فحكمه االستحباب يف حق األفراد ،وفرض الكفاية يف حق عموم األمة. وهو شرف ألهله ،وكيف ال يكون شرفاً والتعليم من مهام األنبياء ،م ومن بعدهم من مهام الفضالء ،ولذا جعله هللا عز وجل طريق الرفعة ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ ٱّلل ُ ۡ َ ذ َ ُ ْ ۡ ۡ ْ ذٱَّل َ ِين أوتُوا ٱلعِل َم َد َر َجَٰت﴾ [اجملادلة ،]11 :الرافع هو ِين َء َام ُنوا مِنكم وٱَّل هللا سبحانه وتعاىل ،ومن رفعه هللا لن خيفضه أحد ،رفعة حقيقية ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ ٱّلل ْ ُ ذٱَّل َ ِنك ۡم﴾ ،فشرط الرفعة اإلميان ،مث العلم ،فالعلم ال يرفع وال ِين َء َام ُنوا م ينفع إال مع اإلميان. أما من خال علمه عن اإلميان فال شك أنه ال يرتفع به الرفعة احلقيقية ،ولو ارتفع يف نظر الناس؛ فإنه لن يرتفع الرفعة احلقيقية النافعة ﴿يَ ۡرفَعِ ذ ُ ٱّلل ذٱَّل َ ِين ْ ُ ۡ َ ذ َ ُ ُ ْ ۡ َۡ َ َ َ َٰ َء َام ُنوا مِنكم وٱَّلِين أوتوا ٱلعِلم درجت﴾ وليس درجة واحدة ،وهللا عز |9 فقه املعامالت املالية ()1 ذ َ ََُۡ َ َ ذ َ َ ُۡ َۡ َ َ ِين َل َي ۡعل ُمونۗۡ﴾ [الزمر: وجل يقول﴿ :قل هل ي َ ۡس َتوِي ٱَّلِين يعلمون وٱَّل ،]9ال وهللا ال يستوون ،ال عمالً ،وال رفعة ،وال مقاماً ،فعمل العاِل ليس كعمل غريه ،وخشية العاِل ليست كخشية غريه ،ومنزلة العاِل ليست كمنزلة غريه. ولذلك ذُكر عند النيب ﷺ عاِل وعابد فقال :فضل العاِل على العابد العاِل وغري م كفضلي على أدانكم رواه الرتمذي .فشتان بني منزلة م العاِل، و م العاِل يعبد هللا بعلم فيقع عمله على الوجه املرضي ،واخلشية تعظم يف القلب َۡ ۡ َ ْ مبقدار العلم﴿ ،إ ذن َما َي ََش ذ َ ٱّلل م ِۡن ع َِبادِه ِ ٱل ُعل َ َٰٓ م ُ ۗۡؤا﴾ [فاطر ،]28:وكلما ِ عظُم العلم عظُمت اخلشية ،ولذا من أسرار هذه اآلية :أن من عالمات العلم النافع؛ اخلشية الواقعة يف القلب ،فالعلم النافع يورث خشية يف قلب صاحبه ،العلم أبمساء هللا وصفاته علماً صحيحاً يورث اخلشية يف قلب صاحبه ،العلم ابألحكام يورث اخلشية يف قلب صاحبه ،وإذا وجد اإلنسان أنه يتعلم ويتعلم وال يزداد خشية يف قلبه؛ فليقف مع نفسه وقفة .فإن هنالك خلالً ،إما فيه ،وإما يف معلمه ،وإما يف ما يتعلمه ،فرياجع نفسه وينظر يف حال معلمه وينظر فيما يتعلم. العلم خري كله ،أوله وآخره ،يقول النيب ﷺ :من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً ،سهل هللا له به طريقاً إىل اجلنة ،وإن املالئكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً مبا يصنع ،وفضل العاِل على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ،وإن العاِل ليستغفر له من يف السماوات ومن يف األرض فقه املعامالت املالية ()1 | 10 حىت احليتان يف املاء ،أال وإن العلماء ورثة األنبياء وإن األنبياء ِل يورثوا ديناراً وال درمهاً ،وإمنا ورثوا العلم فمن أخذه أخذ حبظ وافر. )1( انظروا إىل هذا الفضل من أول الطريق من سلك سلك الطريق، يلتمس وهذه الكلمة يلتمس تدل على أن العلم حيتاج إىل تواضع ،ال أبدا ،وإمنا يؤخذ العلم ابلتواضع ،يلتمس االلتماس طلب ينال العلم متكرب ً األدىن من األعلى ،يلتمس يسري يف طريقه متواضعاً يطلب العلم ،يلتمس هذا العلم. مث انظر :من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً ،فكل علم انفع دخل يف هذا ،فضله وثوابه؛ أن هللا عز وجل ييسر له طريق اجلنة ،وذلك أن العلم ذاته فضيلة وثواب ،وأنه يدل على الفضيلة والثواب ،فهو يف ذاته عمل صاحل ،وهو سبب لدخول اجلنة ،مث يدل على العمل الصاحل الذي يكون طريقاً إىل اجلنة. وطالب العلم تعرف املالئكة فضله ،ولذلك حتيطه أبجنحتها رضا مبا شرف الناس فيه مبقدار ما حيصلون منه ،ليس بنسب ،وال يصنع ،العلم ي ُ مال ،وال مقام ،وإمنا مبقدار ما حيصلون من العلم ،ولذا املالئكة حتف طالب العلم أبجنحتها لسبب؛ وهو :رضا مبا يصنع. ( )1رواه أمحد وأبو داود والرتمذي وابن ماجه. |11 فقه املعامالت املالية ()1 ويف احلديث اآلخر يقول النيب ﷺ :مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم حتفه املالئكة أبجنحتها مث يركب بعضهم بعضا حىت يبلغوا السماء الدنيا من ()1 حصل العلم انتقل إىل فضل عال حمبتهم ملا يصنع ، هذا يف الطلب ،فإذا ّ أعظم. وإن العاِل ليستغفر له من يف السماوات ومن يف األرض حىت احليتان يف املاء ،إن هللا ومالئكته وأهل السماوات وأهل األرض ،حىت النملة يف جحرها وحىت احلوت ليصلون على معلم الناس اخلري. يذكر العاِل ابخل مري -املعلم للخ مري -يف املأل األعلى ،واملالئكة هللا ُ تستغفر له ،ومن يف السماوات ومن يف األرض يستغفرون له ،مث حىت النملة يف جحرها ،انتبه! النملة من حيواانت الرب ،ومن أصغر حيواانت الرب ،وحىت احلوت من حيواانت البحر ،وأكرب حيواانت البحر ،فشمل هذا ما بينهما من احليواانت ،من حيواانت الرب وحيواانت البحر. ولذا يُعرف الفضالء مبوقفهم من العلماء ،مهما لمع لك الشخص، ومهما ظهر عليه من عز الدنيا؛ إمنا يُعرف فضله مبوقفه من علماء اخلري، علماء السنة ،فإذا كان حمباً هلم ،م ّداحاً هلم ابحلق ،جماهداً ابلذب عنهم، فهو من أهل الفضيلة ،وإن كان وقّاعاً فيهم ،ق ّداحا فيهمُ ،مبغضاً هلم، متباعداً عنهم ،فهو على شيء من الشر يقوده إىل هذا الباب. ( )1رواه الطربا،ي يف املعجم الكبري وابن عدي يف الكامل وابن عبد الرب يف جامع بيان العلم وفضله وحسنه األلبا،ي يف الصحيحة برقم.)3397( : فقه املعامالت املالية ()1 | 12 وفضل العاِل على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ،مث :أال وإن العلماء ورثة األنبياء املعلوم أن امليت إذا مات يرثه أقرابؤه ،ولذلك يقرر أهل العلم أن أقرب األمة إىل األنبياء هم العلماء ،ورأسهم صحابة رسول هللا ﷺ ،ألهنم هم الذين ورثوا األنبياء. وامليت إذا مات إمنا يرثه قريبه ،ومرياث نبينا ﷺ ال ينفذٍ ، ابق ،وهو ما شيخ؛ قد أخذ من تركه ﷺ من العلم ،وليس كل من محل كتاابً ،أو قرأ على ٍ مرياث حممد ﷺ ،وإمنا الذي أيخذ من مرياث حممد ﷺ؛ من يغرتف مما تركه ﷺ ،فالفضل عظيم. وملا كان فضل العلم عظيماً ،كان شرطه كرمياً ووزنه ثقيالً ،فشرط العلم: [أوالً ]:إخالص هلل عز وجل ،أبن يضع املسلم يف قلبه أنه يتعلم لينفع نفسه هبذا العلم وينفع اآلخرين ابتغاء وجه هللا سبحانه وتعاىل ،فالعلم عبادة ،وشرطها اإلخالص هلل سبحانه وتعاىل ،وقد ح ّذر النيب ﷺ من احنراف القلب يف هذا الباب أميا حتذير ،فقال ﷺ :أول الناس يقضى يوم القيامة ثالثة ،وذكر منهم :ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن قال :فأُيت به فعرفه نعمه ،قال :فعرفها ،قال :فما عملت فيها؟ قال :تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن ،فيقال :كذبت وإمنا تعلمت ليُقال عاِل وقرأت |13 فقه املعامالت املالية ()1 القرآن ليقال هو قارئ وقد قيل ،مث يؤمر به فيسحب على وجهه فيلقى يف النار.)1( وقال ﷺ :من تعلم علماً مما يبتغى به وجه هللا ال يتعلمه إال ليصيب به عرضاً من الدنياِ ،ل جيد عرف اجلنة يوم القيامة )2(يعين لن جيد رائحة اجلنة يوم القيامة. والشرط الثاين :العمل ،إن كان ما تعلمه اإلنسان فرضاً؛ فالعمل فرض، وإن كان دون ذلك فالعمل حبسبه ،وكان وزنه ثقيالً فالعلم ثقيل ،ولذلك حيتاج إىل صرب طويل ،فالعلم ال يناله متكرب كما قلنا يف أول الكالم ،وال يناله ملول وال عجول ،من ِل يُرزق الصرب؛ لن ينال العلم ،ألن العلم ثقيل إذا جلس اإلنسان للحلقة حيتاج إىل جماهدة ،حيتاج إىل صرب ،حيتاج إىل انتباه ،وقل أن يصرب على ذلك أحد ،ولذلك إذا نظرت إىل جمالس العلم وجدت روادها قليالً ،إذا نظرت إىل اجملالس املضحكات اليت تُطرب كثريا ،العلم ثقيل حيتاج إىل صرب عظيم، وتُعجب وال تتعب؛ وجدت روادها ً ضره، صرب يف حضوره ،وصرب يف اجملاهدة لالستماع ،ألنه ليس الشأن أن حت ُ ضره ،الشأن أن ُحت م ولكن الشأن أن ُحت م ضر قلبك ،فإن العلم من الذكرى فال بد فيه من ٍ قلب حاضر شهيد ،ومس ٍع ( )1رواه مسلم. ( )2رواه أمحد وأبو داود وابن ماجه. ى ل َِمن ََك َن َ َُلۥ قَ ۡل ٌ ﴿إ ِ ذن ِِف َذَٰل َِك ََّل ِۡك َر َٰ ب | 14 فقه املعامالت املالية ()1 ذ ۡ َ ََُ َ َۡ ََۡ أو ألَق ٱلسمع وهو ش ِهيد﴾ [ق ،]37 :فيحتاج إىل صرب يف هذا الباب، حيتاج إىل صرب يف تكرار احلضور ،وهذا ُحيرم منه كثري من الناس ،ولذلك كثريا ممن يـتس ّمون اليوم بطالب العلم عندهم تعليقات على أول جتد ً الكتب ،حيضر أول الدروس ،يعلق على أوهلا ،مث ال يصرب ،فيرتك ،فينقطع، فال حيصل العلم ،ال حيصل العلم إال من ُرزق الصرب على اإلدامة ،وحيتاج إىل صرب يف معاملة الشيخ ،ومعاملة الناس ،وغري ذلك. حيتاج إىل صرب وحيتاج إىل أانة ،الذي يتعجل يريد أن يكون عاملاً يف شهر أو شهرين أو سنة أو سنتني؛ لن يصرب على العلم ،العلم حيتاج إىل أن يتأىن اإلنسان ،يفرح مبا ُرزق وال يتعجل أن يكون عاملاً ،بل يعلم أنه يف خري ويسعى للكثار من العلم. وال شك أن الفقه يف الدين من عالمات اخلريية يف هذه األمة ،يقول النيب ﷺ :من يرد هللا به خرياً يفقهه يف الدين )1(م فمن عالمات إرادة هللا اخلري بعبده؛ أن يفقهه يف دينه. والفقه يف الدين :أن يُرزق العبد نية صحيحة ،وأن يتعلم علماً صحيحاً، وأن يعتقد اعتقاداً سليماً ،وأن يعمل عمالً صاحلاً ،هذا تفسري السلف للفقه .أن يرزق العبد نية صحيحة يرزق اإلخالص وأن يتعلم علماً صحيحاً ( )1متفق عليه. |15 فقه املعامالت املالية ()1 وأن يعتقد اعتقاداً سليماً وأن يعمل عمال صاحلاً ،فتعرف النفس ماهلا وما عليها ،وتقوم مبا هلا وما عليها. وال شك أن من أنواع هذا الفقه معرفة األحكام الشرعية ،فهي من الفقه يف الدين وهي حممودة .وال شك أن روح الفقه وركنه األعظم هو الدليل، شرف ابلدليل ،كل علم صحيح ال بد أن يكون فالفقه إمنا ي ُ فضل ويعظُم وي ُ مبنيا على الدليل من الكتاب والسنة ،أو ما دل عليه الكتاب والسنة من األدلة ،فهذا هو روح الفقه وركنه األعظم ،األدلة يف دين حممد ﷺ هي سفينة النجاةم والفالح ،العلم النافع هو الذي يكون مبنيا على األدلة. وال شك أن يف الفقه ابلذات حنتاج إىل األدلة أكثر؛ ألن الفقه يكثر فيه اخلالف ،وتتالطم فيه أمواج األقوال ،فالنجاة فيه ابلتمسك ابلدليل فيما يظهر للعبد خب مري فه ٍم وهو فهم سلف األمة .فمن وفق لفهم األدلة بفهم سلف األمة؛ فقد وفق للخري العظيم. ولو نظران يف اتريخ فقهنا إىل أئمتنا املعتربين كاألئمة األربعة وجدان أن فقههم فقه الدليل ،وأهنم حيرصون على الدليل ،ويعظمون الدليل ،وأمجعت كلمتهم على ترك كل قول خالف الدليل ولو كان قوالً هلم ،ولذلك يقول اإلمام الشافعي رمحه هللا" :أمجع الناس على أن من استبانت له سنة رسول هللا ﷺ ِل يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائناً من كان". "أمجع الناس" وهذا فوق قول القائل :أمجع العلماء. فقه املعامالت املالية ()1 | 16 "أمجع الناس على أن من"( ،من) تقتضي العموم ،كل أحد سواء كان عاملاً أو متعلماً ،اتبعاً أو متبوعاً. "من استبانة له سنةُ رسول هللا ﷺ ِل يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائناً من كان " ،فاملوفق من طالب العلم يف ابب الفقه؛ من ينتقي من أقوال األئمة ما وافق الدليل حبسب نظره وفهمه لألدلة ،مث يعلم أن من خالف الدليل -حبسب نظره -من األئمة؛ جمتهد معذور مأجور ،فيعرف للعلماء املعتربين فضلهم ،ويعرف للدليل منزلته ،فال يرتك الدليل من أجل فضل أحد ،وال يهدر فضل أحد ممن له فضل من أجل االنتصار للدليل، فهناك طائفتان أخطأات الطريق يف الباب: طائفة تزدري األئمة ،وتطعن يف العلماء املعتربين ،حبجة االنتصارللدليل ،وهؤالء نياهتم حسنة وحبهم للدليل طيب ،لكنهم أخطؤوا الطريق من ابب ،وهو إهدار فضل علماء األمة. وطائفة ال تقيم للدليل وزانً إال مبقدار ما يوافق قول إمامهم ،حىتكل آية أو حديث خالفت مذهبنا فهي مؤولة أو منسوخة قال قائلهمّ : فح مكم على القرآن والسنة ابملذهب ،وِل حيكم واألوىل محلها على التأويلُ ، على املذهب ابلقرآن والسنة. وكال الطائفتني أخطأ الطريق ،املوفق من عباد هللا يعرف ألئمة اإلسالم املعتربين فضلهم ،وحيفظ مقامهم ،ويذب عن أعراضهم ،وأيخذ مبا دل عليه الدليل من أقواهلم. |17 فقه املعامالت املالية ()1 مرة كان يناظر،ي أحد املتعصبة للمذاهب وقال :أنتم ال تعرفون فضل قلت له :حنن حبمد هللا ليس األئمة ألنكم تقولون أنخذ مبا دل عليه الدليلُ ، عندان إمام من أئمة اإلسالم املعتربين مهجوراً ،ولذلك جتد يف أقوالنا اختيار قول أليب حنيفة رمحه هللا ألن الدليل دل عليه ،وجتد اختيار ٍ ٍ قول للمام دل عليه ،وجتد اختيار ٍ قول للمام املطليب مالك رمحه هللا ألن الدليل ّ دل عليه ،وجتد قوالً للمام أمحد بن حنبل ألن الدليل الشافعي ألن الدليل ّ دل عليه ،لكن هات من عندك قوالً واحداً تعرتف فيه بفضل ٍ إمام من الثالثة غري إمامك ،فسكت. ومما ُحيكى أن أحد العامة أراد أن يتزوج ،فقال الشيخ الذي يعقد له، قبلت الزواج بفالنة على مذهب أيب حنيفة النعمان ،قال الشاب – قلُ : عامي :-قبلت الزواج بفالنة ،قال الشيخ :قل على مذهب أيب حنيفة النعمان ،قال :ال ،ال ،قبلت الزواج بفالنة يكفي ،قال :ال ،ال يصح ،ال بد أن تقول على مذهب أيب حنيفة ،فقال له :طيب ،والد أيب حنيفة كيف صح نكاحه ،ما كان على مذهب أيب حنيفة؟! التعصب آفة ،وإهدار فضل العلماء آفة ،وأهل احلق وسط بني الفريقني، يعرفون للعلماء واألئمة املعتربين فضلهم ،وأيخذون مبا دل عليه الدليل ،وال شك أن هذه هي وصية النيب ﷺ عند االختالف ،فإنه ﷺ قال :فإن من يعش منكم بعدي فسريى اختالفاً كثرياً ،فعليكم بسنيت ،وسنة اخللفاء الراشدين املهديني ،متسكوا هبا ،وعضوا عليها ابلنواجذ ،وإايكم وحمداثت فقه املعامالت املالية ()1 | 18 األمور ،فإن كل حمدثة بدعة ،)1(فإذا وجد االختالف وجب الرجوع إىل الدليل واألخذ مبا دل عليه الدليل. وحنن إن شاء هللا عز وجل سنتدارس يف جمالس هذه الدورة قواعد يف البيوع ،أو ما يسمى ابملعامالت املالية .وال شك أن الفقه يف البيوع؛ فقه من األمهية مبكان ،ألنه ال خيلو مكلف من بيع ،ال ميكن أن ميوت إنسان يعيش يف هذه الدنيا وِل يبع أو يشرتي ،ال بد من بيع ،فهو تعم به البلوى، وال بد من معرفة فقهه. وأحسن طريقة لضبط الفقه؛ ضبط الكليات ،فمن ضبط الفقه ابلكليات؛ استقامت له اجلزئيات ،ومن تتبع اجلزئيات غري انظر إىل الكليات؛ أوشك أن ينسى ما قرأ منها ،ولذلك دائماً إذا كنت تقرأ يف كتب الفقه فاحرص أول ما تقرأ يف الباب؛ أن تعرف ما هو األصل فيه عند العلماء ،إذا جئت تقرأ يف ابب اآلنية ،قبل أن تشرع يف املسائل وتقرأ املسائل وتفريعاهتا؛ اعرف ما هو األصل يف اآلنية عند العلماء ،واضبط هذه الكلية" :األصل يف األوا،ي الطهارة واإلابحة" ،خالص! أصبح هذا األصل مضبوطاً ،مث اقرأ املسائل ،سينضبط لك الفقه. وحنن إن شاء هللا عز وجل سنحاول ضبط البيوع بذكر القواعد، وسيكون املنهج إن شاء هللا: ( )1رواه أبو داود والرتمذي وابن ماجه وابن حبان يف صحيحه وقال الرتمذي حديث حسن صحيح. |19 فقه املعامالت املالية ()1 أان سنطرح القاعدة ونشري إىل خالف العلماء فيها إذا كان مثةخالف. ونذكر الراجح فيها مدللني عليه. مث بعد ذلك نربط القاعدة ببعض مسائل البيوع الواقعة ،كيفتدخل حتت القاعدة ،وكيف خترج من القاعدة. مث إذا بقي عندان وقت يف الدورة سنقرأ فيما سطره شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا يف قواعد املعامالت والقواعد النورانية ،وإال فاألصل إن شاء هللا أ ّان نطرح القاعدة مث نشري إىل اخلالف فيها ،ومعناها اإلمجايل ،واألدلة عليها ،ونربطها ببعض الصور الواقعة يف املعامالت املالية املعاصرة. ولكن قبل أن نشرع يف القواعد حنتاج إىل: مدخل يف ثالثة أمور: األمر األول :عن القواعد. واألمر الثا،ي :عن البيع. واألمر الثالث :عن املعامالت املالية. [األمر األول :القواعد] أما القواعد فنحتاج أن نعرف حقيقتها: عندما نقول قواعد ،ماذا يعين العلماء ابلقواعد؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 20 القاعدة يف لسان العلماء يقولون" :حكم كلي يتعرف منه حكم اجلزئيات الفقهية مباشرة يف أكثر من ابب". شرح التعريف: "احلكم" :نسبةُ أمر إىل آخر حيتمل اإلثبات أو النفي. ت الصدق إىل فالن ،ميكن أن يكون "فالن صادق" ،هذا حكم ،نسب ُ صادقاً وميكن أن ال يكون ،هذا حكم. ولذلك بعض أهل العلم يعرب فيقول عن القواعد الفقهية" :قضية" ،بدل "حكم" ،قضية كلية ،املعىن واحد. ألن القضية ما معناها؟ "أن ينسب اإلنسان إىل آخر أمراً حيتمل اإلثبات أو النفي" ،رفع قضية يف احملكمة نسب إىل آخر مثالً أنه غصب أرضه ،هذا حيتمل اإلثبات وحيتمل النفي. إذن إذا قلنا حكم أو قلنا قضية فاملعىن واحد. "حكم كلي" ،كلي معناه :أنه يصلح أن يُصدر بـ "كل" .والقواعد الفقهية كلية ابلقوة ،يعين تصلح جلميع الفروع. طيب يقول بعض الناس :كيف تقولون "كلّي" وهلا مستثنيات؟ - القواعد الفقهية هلا مستثنيات ،وسنذكر حنن إن شاء هللا يف الدروس املستثنيات -يقول كيف تقولون "كلّي" وهلا مستثنيات؟ |21 فقه املعامالت املالية ()1 نقول :كل مستثىن ال بد أن تكون فيه صفة خاصة أو مانع منع من دخوله ،وابلتايل هو غري داخل يف القاعدة أصالً. سبحان هللا! هذه الشريعة عدل كلها حىت يف األحكامِ ،ل يفرق ربنا يف احلكم بني شيئني متساويني من كل وجه ،إذا وجدان الشيئني قد اختلفا يف احلكم؛ فنعلم أن بينهما فرقاً ،ولو ِل يظهر لنا يف ابدئ الرأي ،الشريعة عدل كلها ،فإذا وجدان للقاعدة مستثىن؛ ال بد أن نعرف أن هناك فرقاً اقتضى أن خيرج من القاعدة ،وابلتايل هو غري داخل حتتها أصال لوجود الفارق. "حكم كلي يتعرف" ما قالوا :يع مرف ،وما قالوا :يُعرف ،قالوا :يُتعرف. يف اللغة قاعدة تقول :الزايدة يف املبىن زايدة يف املعىن إذا كانت املادة واحدة. يعين هذا ليس على إطالقه ،إذا كانت مادة الكلمتني واحدة؛ فالزايدة يف املبىن زايدة يف املعىن" ،يُعرف" و"يُتعرف" مادهتما واحدة ،و "يتعرف" فيها زايدة يف املبىن ،ففيها زايدة يف املعىن ،يُتعرف يعين :حتتاج إىل إعمال ذهن. ال تعرف مباشرة ،حتتاج أن تبذل جهدك يف إعمال ذهنك. "حكم كلي يتعرف منه حكم اجلزيييات الفقهية" ،يعين حكم املسائل الفقهية مسألة مسألة. "مباشرة" يعين من نفس القاعدة من لفظ القاعدة تعرف احلكم. فقه املعامالت املالية ()1 | 22 جاءان إنسان قال اي شيخ :أان توضأت لصالة الظهر وصليت الظهر، وعندما أذن العصر شككت يف انتقاض الوضوء ،لكين ِل أتوضأ وصليت العصر ،واآلن بدأ الشيطان يلعب يب ،يقول صليت العصر بال وضوء فهل صالة العصر صحيحة؟ أقول له :نعم ،صالة العصر صحيحة ،ألن "اليقني ال يزول ابلشك"، أنت متيقن أنك توضأت وشككت يف االنتقاض و"اليقني ال يزول ابلشك" ،من لفظ القاعدة تعرفت على حكم اجلزئية الفقهية مباشرة من لفظها. قولنا :مباشرة ،يفرقون فيه بني القاعدة الفقهية والقاعدة األصولية -ما يسمى أبصول الفقه -أصول الفقه ال يعرف منها احلكم مباشرة. يعين :لو جاء،ي شخص وقال اي شيخ :ما حكم إعفاء اللحية؟ قلت له: اي أخي احلبيب :إعفاء اللحية واجب ألن "األمر للوجوب" ،األمر غري ظاهر هنا ،يعين ما العالقة بني إعفاء اللحية واألمر للوجوب؟ أحتاج أن أقول له :إعفاءُ اللحية واجب ألن النيب ﷺ قال( :)1اعفوا اللحى ،وفروا اللحى ،أكرموا اللحى ،أرخوا اللحى ،وهي أوامر واألمر للوجوب. "يف أكثر من ابب" ،وهذا عند بعض أهل العلم وليس عند كل العلماء، ألن الذي يدخل ابابً واحداً يسمونه ضابطاً ،والقاعدة تدخل أبواابًكثرية. ( )1هذه الرواايت يف البخاري ومسلم وغريمها أبلفاظ خمتلفة. |23 فقه املعامالت املالية ()1 عندما أنيت فنقول "األصل يف األوا،ي الطهارة" هذا خاص بباب اآلنية، فبعض أهل العلم يقول :هذا ضابط وليس قاعدة ،ألنه ال يدخل أكثر من ابب. لو سألنا سائل قال :ما هي القواعد الفقهية؟ ما هي حقيقتها؟ نقول :كلمات موجزة ،تتضمن حكماً فقهياً ،ينطبق على مسائل كثرية. فالقواعد ال بد فيها من اإلجياز ،ال تأيت القاعدة يف صفحة[ ،تأيت] يف كلمتني ،ثالث كلمات ،نصف سطر ،سطر ،سطر ونصف. "تتضمن حكماً فقهياً" ،ال بد أن يكون فيها حكم فقهي يُسمع ويُفهم: "األمور مبقاصدها"" ،اليقني ال يزول ابلشك"" ،ال ضرر وال ضرار" ،أو "الضرر يزال"" ،العادة حمكمة" فيها حكم عندما تسمعه تعرفه. "ينطبق على مسائل كثرية" ،فليست هناك قاعدة ملسألة وال ملسألتني، القاعدة تدخل حتتها مسائل كثرية. مما يتعلق ابملدخل يف القواعد الفقهية شيء مهم جداً ،وهو: هل القواعد الفقهية حجة يستند إليها؟ اختلف العلماء يف هذا الباب: فقه املعامالت املالية ()1 | 24 فقال بعض أهل العلم :القواعد الفقهية ليست حجة ،ألهنا من كالم العلماء ،فال تكون حجة بذاهتا إال إذا أمجع عليها العلماء. وقال بعض أهل العلم :القواعد الفقهية حجة ،ألن أحكامها مقررة ابلدليل. والذي يظهر -وهللا أعلم -أن القواعد الفقهية حجة على تفصيل ،مبعىن: هل يصح يل وأان طالب علم إذا جاء،ي العامي يسأل عن مسألة أن استند إىل القاعدة الفقهية يف ذكر احلكم له؟ نقول إن الذي يظهر -وهللا أعلم :-أنه جيوز على تفصيل ،ألن القواعد هنا على ثالث مقامات: املقام األول :أن تكون القاعدة مأخوذة من النصوص بلفظها. مثل قاعدة" :اخلراج ابلضمان". "اخلراج ابلضمان" قاعدة فقهية مأخوذة بلفظها من حديث النيب ﷺ. جاء،ي رجل قال :اي شيخ ،أان اشرتيت سيارة واستعملتها ،سافرت هبا ورجعت ،وحتركت هبا يف البلد ،مث وجدت فيها عيباً فرددهتا إىل البائع ،فهل جيب عل ّي أن أعطيه أجرة مقابل استعمايل للسيارة؟ أل،ي اآلن سأرد السيارة وآخذ القيمة ،هل أدفع له أجرة ؟ أقول :ال ،ألن "اخلراج ابلضمان". |25 فقه املعامالت املالية ()1 (اخلراج) هو نفع الشيء( ،ابلضمان) يعين مقابل ضمان ،أنت عندما اشرتيت السيارة ،لو تلفت! على من يكون ضماهنا؟ عليك أنت ،وإمنا تعود أبرش( )1العيب فقط. فما دام أ ّن الضمان عليك؛ فاخلراج لك ،لو أجرهتا ،لو أخذت أجرة، كلها لك ،ألن الضمان عليك .فأان أقول له :ال جيب عليك أن ترد شيئاً ألن "اخلراج ابلضمان" ،هذه قاعدة. أو أيتيين إنسان فيقول :اي شيخ ،ما حكم شرب الدخان؟ فأقول له :شرب الدخان حرام ألنه "ال ضرر وال مضرار" ،والدخان فيه ضرر وفيه مضرار. وهذه -يف احلقيقة -نص يف حديث النيب ﷺ جعله العلماء قاعدة، وإن كان األوىل واألحسن أن يُذكر النص ،فاألفضل واألوىل أن يقال مثالً: ال جيب عليك أن ترد شيئاً ألن النيب ﷺ قال :اخلراج ابلضمان )2(فهو أحسن ،وإن كان احلكم واحداً. املقام الثاين :أن تكون القاعدة مأخوذة من النصوص ابملعىن. وهنا يصح االحتجاج هبا ،ألن االحتجاج ابملعىن الصحيح للدليل جائز. ( )1األرش :هو الفرق بني قيمة السلعة سليمة وقيمتها معيبة ،انظر الدرس العاشر. ( )2رواه أمحد وأصحاب السنن. فقه املعامالت املالية ()1 | 26 جاء،ي إنسان قال :اي شيخ ،هل جيوز للنسان أن يشرب املاء بنية أنه مخر؟ أقول له :ال جيوز ،ألن "األمور مبقاصدها". وهذه قاعدة مأخوذة من جمموع النصوص ،من معا،ي النصوص ،وهذه قضية مهمة جداً. أيتيين شخص يقول :هل جيوز أن أتزوج بنية الطالق؟ وإن كان هذا سيأتينا إن شاء هللا يف قاعدة من القواعد اليت سنتكلم عنها. نقول :ال ،ال جيوز -ولو قال مجهور العلماء أنه جيوز -نقول :ال جيوز، ال جيوز أن تتزوج بنية الطالق "ألن األمور مبقاصدها"" ،القصود مؤثرة يف العقود". املقام الثالث :أن تكون القاعدة استقرائية. يعين مبنية على تتبع األحكام ،وليس هلا دليل خاص. تج هبا إال إذا فُقد الدليل ،ألن وهنا يكون حكمها حكم القياس ،ال ُحي ّ اإلمام الشافعي –رمحه هللا -يقول" :القياس للفقيه؛ كامليتة للمضطر" ،ال جيوز للفقيه أن يقيس مع وجود النص ،لكن إذا فقد النص جاز له القياس، فهي تعامل معاملة القياس ،فإذا جاءتين مسألة أحبث هلا عن دليل خاص، فإن ِل أجد؛ أحلقتها بقواعدها االستقرائية. |27 فقه املعامالت املالية ()1 جاء،ي إنسان قال :اي شيخ ،أان بعت بييت ويف داخل السور خنل ،خنل مثمر ِل نتفق عليه يف البيع ،بعت البيت ،وأان اآلن أريد أن آخذ النخل ،هل جيوز يل أن آخذ النخل؟ أسأله سؤاالً أل،ي لست من أهل البلد مثال ،فأقول :هل يُعد النخل داخل الفناء يف العرف عندكم من البيت أو ال يعد من البيت؟ إن كان يعد من البيت فال جيوز لك أن تأخذه ،ملاذا؟ ألن "التابع اتبع" ،التابع لشيء يف وجوده وامسه؛ اتبع له يف حكمه ،فلما بعت البيت دخل يف البيع النخل فليس لك أن تأخذه ،أحلقنا هذه املسألة بنظائرها ،وهي أن "كل شيء يتبع شيئاً يف وجوده؛ يتبعه يف حكمه" ،إال ما استثين وقام الدليل على استثنائه. إذن ،القواعد الفقهية تصلح لالحتجاج على ما ذكران يف التفصيل. هناك أشياء كثرية تتعلق ابلقواعد لكن نقتصر على ما حنتاج إليه. األمر الثاين :البيع. ما هو البيع عند العلماء؟ البيع يف اللغة :مبادلة شيء بشيء. هذا هو البيع يف اللغة ،ألن البيع كان معروفاً قبل اإلسالم وهو له معىن يف اللغة ،وتعرفه العرب ،وهو عندهم مبادلة شيء بشيء ،فكل شيء فيه مبادلة يسمونه بيعاً. فقه املعامالت املالية ()1 | 28 والبيع أييت مبعىن اإلعطاء ،وأييت مبعىن األخذ ،يعين البيع يسمى بيعاً والشراء يسمى بيعاً ،ولذلك يقولون يف كتب اللغة هو من األضداد ،يعين يطلق على الضدين ،الذي يبذل السلعة يسمى ابئعاً ،والذي يقبضها يسمى بعت مبعىن اشرتيت السلعة، بعت مبعىن بذلت السلعة ،وتقولُ : ابئعاً ،تقولُ : كالمها صحيح يف اللغة. واختلف يف اشتقاقه من أين جاءت كلمة (البيع) للبيع االصطالحي؟ فقال أكثر الفقهاء :إنه مشتق من (الباع) ،قالوا جاءت الكلمة من الباع ،ملاذا؟ قالوا ألن كل واحد من املتبايعني كل منهما ميد ابعه إىل اآلخر ،كانوا عند عقد الصفقة يتصافحون ،فيمد كل واحد من املتبايعني ابعه إىل اآلخر، فسمي البيع بيعاً. واألقرب إىل كالم أهل اللغة :أن أصل البيع مسي بيعاً من "ابع" مبعىن ملك ،ألن البيع يقتضي امللك. وأما البيع يف اصطالح العلماء فله تعريفات كثرية ،لكن سأذكر أدق التعريفات يف نظري وهللا أعلم: إن البيع" :مبادلة مال ،ولو يف الذمة ،أو منفعة مباحة ،مبثل أحدمها على التأبيد ،غري راب ،وال قرض". شرح التعريف: |29 فقه املعامالت املالية ()1 "مبادلة" :هذه الصيغة تعرف عند أهل اللغة بـ "املفاعلة" ،واملفاعلة ال بد فيها من طرفني ،فالبيع ال بد فيه من طريفني ،ولذلك اإلنسان ال يبيع ماله لنفسه ،ال بد من طرفني. "مبادلة مال" :حنن اآلن -يف حكم العرف -إذا أطلق املال؛ نتصور مباشرة النقود ،وليس هذا هو املراد فقط عند الفقهاء ،بل املال يشمل كل عني ينتفع هبا ومتلك. النقود :مال ،الكتاب :مال ،السيارة :مال ،القلم :مال ،إذن ما هو املال؟ "العني املنتفع هبا ،القابلةُ للملك" :هذا هو املال. إذن لو ابدل اإلنسان سيارة بسيارة ،هذا بيع ،لو ابدل كتاابً بكراس هذا بيع ،لو ابدل سيارة بنقد هذا بيع. "مبادلة مال ولو يف الذمة" :هنا يشري الفقهاء إىل أن املبيع: قد يكون حاضراً معيناً ،بعتُك هذه السيارة ..إذن هاذه السيارةحاضرة ،ألن اإلشارة ال تكون إال ملوجود. وقد تكون املبادلة لع ٍني يف الذمة موصوفة وصفاً يرفع عنها اجلهالة والغرر ،مبعىن :أهنا ليست موجودة بعينها ولكنها يف ذمة صاحبها: oإما أن تكون غائبة ،مثال :بيت يف مدينة أخرى ،فيقول أبيعك بييت الكائن يف كذا املوصوف بكذا وكذا وكذا وكذا. فقه املعامالت املالية ()1 | 30 oأو تكون غري موجودة أصالً ،وإمنا تقع يف املستقبل ،وهذا ما يسمى ببيع السلم ،الذي هو بيع موصوف يف الذمة. إذن العني املبيعة: .1قد تكون موجودة بعينها. .2وقد تكون يف ذمة البائع. ويف ذمة البائع: إما أهنا موجودة حبقيقتها ولكنها غائبة فيصفها وصفا يرفعاجلهالة والغرر. وأما أن تكون غري موجودة أصالً وهذه خاصة ابلسلم."مبادلة مال ولو يف الذمة ،أو منفعة مباحة" :املنفعة ليست عيناً، ولكنها تنتج من عني وحنوها ،مثل :لو كان عند اإلنسان بيت ،وهذا البيت طويل ممتد ،فجاء جريانه يف اخللف وقالوا :وهللا حنن يشق علينا أن نذهب من خلف بيتك إىل املسجد –مثالً -وما شاء هللا بيتك طويل ،نريد أن نشرتي منك منفعة املرور أبرضك ،افتح لنا طريقاً ،نشرتي منك منفعة املرور ،هذا بيع. طيبِ :ل ال يكون إجارة؟ ألنه هنا يكون على التأبيد ،ليس حمدد املدة ،يشرتون منه هذه املنفعة، ال ميلكون األرض ولكن ميلكون منفعة املرور على التأبيد ما بقيت العني. |31 فقه املعامالت املالية ()1 ويدخل فيها اآلن ما يسمى بـ "بيع اخللو". إنسان مستأجر حمال ،هذا احملل يف السوق ،وأصبح له اسم ،وأصبح معروفاً ،وأصبح الناس يقبلون عليه ،وأصبح فيه فائدة ،هو ال ميلك احملل، مستأجر ،فيأتيه إنسان فيقول :اخرج منه وخذ 100ألف ،هذا معناه أن يبيع منفعته يف هذا احملل هبذا املبلغ ،يتنازل عن منفعته اليت حيصلها من هذا احملل هبذا املبلغ. والصحيح :أنه جائز بشرط أن يكون عقد اإلجارة سارايً ،ال يكون انتهى من االستئجار وأيخذ خلو ،يكون العقد قائماً. جيوز للنسان أن يبيع منفعة املكان الذي أسسه وأصبح الناس يقبلون عليه يف مقابل مال ،ولكن يشرتط يف هذه املنفعة؛ أن تكون مباحة إابحة مطلقة -كما سيأتينا إن شاء هللا -إابحة مطلقة يعين :بدون قيد ،وسيأيت إن شاء هللا الكالم على مسألة بيع الكلب ،وسنتكلم عنها إن شاء هللا ألهنا من املسائل املهمة اليوم ،يف هذا الزمان. "مبادلة مال ولو يف الذمة أو منفعة مباحة مبثل أحدمها" :إذن قد يكون البيع مبادلة مال مبنفعة ،وقد يكون مبادلة مال مبال ،وقد يكون مبادلة منفعة مبال ،املهم أن يكون أحد الطرفني ماالً أو منفعة ،ويكون الطرف اآلخر ماالً أو منفعة. فقه املعامالت املالية ()1 | 32 "على التأبيد" :وهذا إلخراج اإلجارة ،ألن اإلجارة مبادلة منفعة مبال مؤقتة ،ليست على التأبيد. "غري راب" :ملاذا استثىن العلماء الراب؟ ألن املعىن السابق ينطبق على الراب، مبادلة مال ولو يف الذمة مبال على التأبيد ،فاحتيج إىل إخراجه فقيل :غري راب ،فيخرج الراب. "وال قرض" :فإن القرض كذلك ،وال يسمى بيعاً يف لسان العلماء .هذا تعريف البيع. قل من يتطرق إليه – بـ هناك ما يسمى عند الفقهاء -وهذا ّ الصفات الالمزمة للبيع وهذه من حقيقة البيع .ومن تلك الصفات: - أن ال يضمن رأس املال وأن ال يضمن رحبه. البيع ،يكون فيه خماطرة ،أن يذهب رأس املال كله ،أو يبقى كله ،أو يزيد ،فال يصح أن يُضمن املبيع أبن يبقى على التأبيد ،يقول مثالً :أان أضمن لك هذه السلعة مدى احلياة! طبعاً اإلخبار ابلواقع شيء والضمان شيء آخر ،فال يُضمن رأس املال بل هو قابل للذهاب ،وال يُضمن الربح، بل قد يربح فيه وقد ال يربح فيه ،وسيأيت إن شاء هللا أمثلة ملسائل معاصرة تتعلق هبذه الصفة. |33 فقه املعامالت املالية ()1 األمر الثالث :املعامالت املالية. املعامالت املالية وهو مصطلح مركب من "املعامالت" و "املال". واملعامالت مجع معاملة ،واملعاملة كما قلنا :مفاعلة تكون بني طرفني. واملقصود ابملعامالت عند الفقهاء" :األحكام الشرعية الـ ُمنظّمة لتعامل الناس". هذه تسمى عند الفقهاء ابملعامالت ،ولكن تلحظون أن هذا املعىن أعم من املعامالت املالية ،ولذلك يقول بعض الفقهاء املعامالت مخسة: املعاوضات املالية ،واملناكحات ،واملخاصمات ،واألماانت ،والرتكات. املعاوضات املالية مثل :البيع واإلجارة. واملناكحات :فالزواج والنكاح من املعامالت. واملخاصمات :يعين النزاع والقضاء ،فهو من املعامالت. واألماانت :كالودائع وحنوها فهي من املعامالت. والرتكات :اليت هي قسمة املرياث من املعامالت. لذلك احتجنا إىل تقيد املعامالت بـ "املالية" حىت خنرج بقية اخلمسة. فمعىن املعامالت مبعناها العام" :األحكام الشرعية املنظمة لتعامل الناس" ،فإذا أضفنا املالية قيدانها. فقه املعامالت املالية ()1 | 34 فأصبح املعىن" :األحكام الشرعية املنظمة لتعامل الناس يف املال" ،واملال كما قلنا مبعناه العام الذي ذكران :وهو "العني املنتفع هبا القابلة للملك"، فعلى هذا البيوع جزء من املعامالت املالية. هناك بعض املصطلحات تكثر يف مسائل املعامالت ،أحب أن أشري إليها ليكون عندان معرفة فقهية هبا ،ألننا نريد أن يكون عندان شيء من اإلملام الكلي الصحيح ابلبيوع ،ألن من املهم جداً يف دراسة الفقه؛ أن يُدرس الفقه مبلكة ،الفقه حىت تنتفع به؛ ال بد أن يكون عندك ملكة، دراسة الفقه دراسة ه ّذيّة للمسائل تُنتج حافظاً وال تُنتج فقهياً. ولذلك كثري من طالب العلم قد يعرف بعض املسائل لكن ال يستطيع أن يفيت ،ليس عنده ملكة ،ألن امللكة يف الفقه معناها" :أن تفهم املسألة فهماً صحيحاً ،وأن تنزهلا على وقائع الناس تنزيالً سليماً". تفهم املسألة اليت يذكرها العلماء فهماً صحيحاً ،مث تكون عندك قدرة على أن تنزهلا على وقائع الناس تنزيالً سليماً ،ألن وقائع الناس ال تأتيك كما هو يف الكتب ،وقائع الناس تتشابه وتأيت بصوٍر خمتلفة ،فإذا ِل يكن عندك ملكة ال تستطيع أن تُفيت ،أو تفيت خطأ. ولذلك من لطيف القول -أذكره من ابب ختفيف اجمللس -يقول بعض املشايخ معنا يف التوعية واحلج ،يقول :حنن يف التوعية مثل الطالب الذين يذاكرون الدروس فإذا دخلوا االختبار؛ جاءت األسئلة من خارج املقرر، يعين :حنن أنيت وحنن نعرف مسائل احلج واحلمد هلل ،ونعرف تفاصيلها، |35 فقه املعامالت املالية ()1 ولكن أسئلةُ الناس كل سنة تأتينا أشياء جديدة ،الذي ما عنده ملكة ال يستطيع أن يتعامل معها ،لكن الذي يفهم املسائل مبلكة؛ يعرف أن هذه الصورة ترجع إىل ذاك ،ولذلك الفقه حيتاج إىل ملكة ،أن يُفهم فهماً صحيحاً بكلياته. وجدت أن اإلنسان ينتفع ابلعلم؛ إال إذا أحبه ،ال بد وهللا اي إخوة ،ما ُ أن حيب اإلنسان العلم الذي يدرسه ،حىت يُقبل عليه بكليته ،مث درسهُ تنمي امللكة عنده ،مث ع ممل على تطبيقه على وقائع الناس ،فنحن دراسةً ّ حناول أن يكون عندان معرفة مبثل هذا األمر. من املصطلحات اليت تطرح يف هذا الباب: النوامزل ،نوامزل البيوع.نوازل البيوع عند أهل العلم معناها" :األمور املستج ّدة يف البيوع بذاهتا أو بوصفها". "بذاهتا" :إما أهنا جديدة أصالً مثل :بيع األسهم ،بيع األسهم جديد ،ما كان موجوداً. "أو بوصفها" :أصلها قدمي لكن يتجدد الوصف ،مثل صور الراب ،الراب قدمي ولكن اآلن صوره كثرية يف البنوك ،نوازل. ومثل النوامزل ،القضااي املستجدة.القضااي املستجدة مثل النوازل يف املعىن. فقه املعامالت املالية ()1 | 36 ومنها ما يسميها الفقهاء ابلواقعات.الواقعات تكثر عند املالكية كثرياً عند املتقدمني ،معناها" :املسائل الواقعة اليت حتتاج إىل استنباط حكم". ومنها الفتاوى.والفتوى معناها :أن ينقل طالب العلم رأي العاِل يف املسألة بدون أن يقرر احلكم من عنده. مبعىن :ما درس املسألة ولكن يعرف رأايً ،مثالً :جاء إنسان وقال :اي طالب العلم ،اي شيخ ،أنت تدرس عند املشايخ ،أان وجدت صورة من البيوع عندي يف البنك ما حكمها؟ تقول :وهللا أان ما درست املسألة لكن مسعت الشيخ ابن ابز يقول – مثالً -يف هذه الصورة بعينها إهنا حرام. هذه تسمى ابلفتاوى .ينقل طالب العلم رأي العاِل دون أن خيتار ،وهذه شرطها :أن يكون طالب العلم ضابطاً لتلك الفتوى ،عن عاِل معترب. ال بد أن يكون ضابطاً لتلك الفتوى ،أما مسألة" :وهللا أظن أنالشيخ بن ابز قال كذا!" ،أو ال يضبط الصورة؛ هذا ال جيوز أبداً. -وال بد أن أيضاً أن يكون عن عاِل معترب. |37 فقه املعامالت املالية ()1 اآلن بعض طالب العلم يقول :أفىت العلماء يف هذه املسألة بكذا ،وإذا سألت من الذي أفىت بكذا؟ يقول :وهللا أان قرأت يف "تويرت" للداعية الفال،ي. الفتاوى واألحكام هلا أهلها املعتربون ،وال تؤخذ عن كل أحد ،وليس كل حيل من برز يف إعالم أو يف وعظ أويف حنو ذلك أخذت عنه الفتوى ،وال ّ لطالب العلم أن ينقل فتوى إال عن أهلها املعتربين من أهل العلم الذين شهد هلم ابألهلية يف هذا الباب. هذا ما يتعلق ابملعامالت ،مما حيسن أن نشري إليه :مسألة العقود املالية وأنواع العقود املالية. لعلنا نتوقف هنا إن شاء هللا ،بعد الصالة سنشرع يف إكمال املدخل يف أنواع العقود ،مث نشرع يف القاعدة األوىل ،وهللا أعلم ،وصلى هللا على نبينا وسلم. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 38 الدرس الثاين السالم عليكم ورمحة هللا احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم األمتّان األكمالن على املبعوث رمحة للعاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني ،أما بعد: فنواصل ذكر بعض الكليات املتعلقة ابملدخل ،وكنا وقفنا عند آخر نقطة أحب أن أحتدث عنها وهي: أنواع العقود املالية ألان نتكلم عن املعامالت املالية ،وعقودها ليست نوعاً واحداً ،بل هي أنواع متعددة تقسم ابعتبارات ،فمنها: تقسيم العقود ابعتبار احلكم تقسم العقود إىل عقد صحيح ،وعقد فاسد ،هذا عند مجهور أهل العلم. والعقد الصحيح :هو العقد الذي اجتمعت فيه الشروط ،وانتفت املوانع، وترتبت آاثره. فإذا قال الفقهاء" :هذا عقد صحيح" فمعىن ذلك أنه اجتمعت فيه الشروط وانتف املوانع ،وترتبت عليه اآلاثر. وعقد فاسد :وهو العقد الذي ختلف فيه شرط من الشروط ،أو قام مانع من املوانع ،وهذا عند اجلمهور. |39 فقه املعامالت املالية ()1 األحناف -من ابب الفائدة -عندهم العقود تنقسم من حيث احلُكم إىل ثالثة أقسام: عقد صحيح ،وعقد فاسد ،وعقد ابطل ،ويفرقون بني العقد الفاسد والعقد الباطل. فالعقد الباطل :يكون اخللل فيه يف أصله ووصفه. والعقد الفاسد :يكون اخللل فيه يف وصفه.والفرق بني العقد الباطل والعقد الفاسد عندهم: أن العقد الباطل :ال ميكن إصالحه. أما العقد الفاسد :فيمكن أن يصلح إبسقاط الوصف.أما اجلمهور :فالفاسد والباطل عندهم سواء. هنا أنبه إىل مسألة دقيقة يف احلكم ،وهي :أنه يف العقود هناك فرق بني اجلواز والصحة: فقد يكون العقد صحيحا الجتماع شروطه وانتفاء موانعه؛ لكنه ال يكون جائزا. على سبيل املثال -خارج البيوع -النكاح بنية الطالق ،أن يتزوج الرجل امرأة وهو ينوي أن يطلقها. فقه املعامالت املالية ()1 | 40 هذا النكاح إذا نظران إىل شروطه واملوانع؛ وجدانه صحيحا ،ألن الشروط جمتمعة ،واملوانع منتفية ،ومن هنا قال اجلمهور جبوازه وصحته. لكن التحقيق أنه غري جائز وإن كان صحيحا؛ يعين :لو وقع ترتتب عليه آاثره. لكن لو سألنا سائل عنه :هل جيوز يل أن أتزوج بنية الطالق؟ نقول :ال ،ال جيوز .ملاذا؟ .1ال جيوز ،ألن القصد يؤثر يف احلكم -كما سيأتينا إن شاء هللا - صود مؤثرة يف العقود ،فالنيب ﷺ يقول :إمنا األعمال ابلنيات وهذا فال ُق ُ يقصد نكاحا مؤقتا. .2وألنه مغش ،وإذا كان الشرع ِل ُجيز الغش يف ص ُربة الطعام؛ فكيف جييز الغش يف أعراض الناس؟! عندما أييت الرجل فينكح بنية الطالق؛ هو تقدم للناس بدون أن يعلموا ،ألهنم لو علموا لكان متعة ،لو علموا أنه ينوي الطالق لكان متعة ،لكن املسألة أن النية يف قلبه ،عندما يتقدم لوالد هذه املرأة وهو ينوي الطالق أصال؛ فهو غاش هلذا الرجل ،ألن الرجل يزوجه على أهنا دميومة ،وغاش للمرأة. .3وأيضاً :ألن فيه ضررا ابملرأة ،فاملرأة قبل أن تتزوج؛ ليست مثل املرأة بعد أن تتزوج ،فيدخل عليها الضرر. |41 فقه املعامالت املالية ()1 كنت مرة أُقرر .4وألن فيه إظهاراً لصورة ليست حسنة عن اإلسالم ،و ُ هذا احلكم؛ فلقيين أحد األخوة من الغرب قال :وهللا اي شيخ ،إ،ي أعرف أن نساءً دخلن يف اإلسالم مث ارتددن بسبب هذا. .5وألن اإلنسان ال يرضاه لبناته وال ألخواته ،النيب ﷺ يقول :ال يؤمن أحدكم حىت ُحيب ألخيه ما حيب لنفسه.)1( لكن إذا وقع؛ ليس عندان ُمب مطل حىت نقول" :إن العقد غري صحيح"، فالعقد عند وقوعه صحيح ،لكن مع الصحة؛ نقول إبمث الفاعل ،ومننع منه ونقول إنه ال جيوز. إذن الصحة يف العقود غري مسألة اجلواز ،الصحةُ يف العقود :يُنظر فيها إىل اجتماع الشروط وانتفاء املوانع ،فمىت ما اجتمعت الشروط وانتفت املوانع؛ فالعقد صحيح. أما اجلواز؛ فينظر فيه يف أموٍر أخرى قد تكون أوسع من مسألة الشروط وانتفاء املوانع. ( )1متفق عليه. فقه املعامالت املالية ()1 | 42 كذلك: تقسم العقود من حيث حقيقتها إىل أقسام عند الفقهاء ،فمنها: عقود املعاوضات وعقود املعاوضات تكون بني طرفني ،يبذل كل واحد منهما عوضاً. أردت أن أبيعك سياريت ،فأان مثل البيع :البيع عقد معاوضة ،فمثالً إذا ُ أبذل لك السيارة وأنت تبذل يل املال ،فهذا عقد معاوضة ،كذلك اإلجارة عقد معاوضة ،أل،ي أبذل إليك البيت وأنت تبذل يل املال ،فهذه تسمى بعقود املعاوضات. ومنها :عقود التربعات. وعقود التربعات :هي العقود اليت ال يكون فيها عوض ،كاهلبة ،واهلدية، واملكافأة ،فهذه ال يكون فيها معوض. ومن األحكام املتعلقة هبذا: أن عقود التربعات أوسع من عقود املعاوضات. يعين :يوسع فيها شرعاً أكثر من املعاوضات ،فالتربعات؛ تقبل اجلهالة، أما املعاوضات؛ فال تقبل اجلهالة. يعين :إنسان جاء فقال" :بمع يل هذه السلعة مبئة ولك ما زاد" – ،هذه تقع اآلن بني الناس – هل هذا جيوز؟ |43 فقه املعامالت املالية ()1 إن كان هذا من ابب املعاوضة – كأن كانت أجرة أو حنو ذلك – فهذا ال جيوز ،ألن ما يزيد هنا جمهول ،ميكن يزيد عشرة ،ميكن يزيد عشرين، ميكن يزيد مخسني ،فهذا جمهول ،واجلهالة يف املعاوضات تُبطلها ،نقول ال جيوز وال يصح. لكن إذا كانت من ابب املكافأة – يعين :ال يقابلها شيء – إما أن البائع متربع وال أيخذ عوض ،أو أنه أخذ أجرته ،فيقول له" :اي أخي ،أنت ستتعب يف بيع السلعة وأخذت األجرة ،الذي يزيد فوق املئة هدية مين لك" .هذا جيوز ،ألن التربعات يُوسع فيها ما ال يوسع يف املعاوضات ،ملاذا؟ ألن الشريعة – وهذا سيأتينا إن شاء هللا – متنع النزاع يف ابب املعاوضات ،ألن املعاوضات فيها حق املطالبة ،فإذا كان فيها جهالة؛ سيؤدي إىل النزاع ،أما التربعات فليس فيها مطالبة ،فال تؤدي إىل النزاع. ومنها أيضاً :عقود اإلرفاق وهي :العقود اليت يقصد هبا اإلرفاق والرفق واإلحسان ،مثل :القرض، يريد اإلنسان به الرفق ،يُقرضه ،هدفه من هذا الرفق هبذا املسلم. ومنها :عقود التوثيقات وعقود التوثيقات ال تكون العني فيها مقصودة ،وإمنا املقصود توثيق عقد آخر. فقه املعامالت املالية ()1 | 44 مثل الرهن[ :أقول" ]:أبيعك هذه األرض مبئة ألف مؤجلة إىل سنة، بشرط أن ترهن سيارتك عندي ،أو بشرط أن ترهن بيتك عندي" ،اآلن: مقصود وإمنا املقصود توثيق تسليم الثمن، هذا عقد الرهن ،البيت ليس ً فاملقصود توثيق عقد آخر ،فتسمى هذه العقود بعقود التوثيقات اليت يُوثق هبا عقد آخر. وهناك عقود األماانت وهي :العقود اليت تقوم على األمانة ،كالوديعة ،اإليداع :عقد أمانة. هذه أنواع العقود ابعتبار حقيقتها. وهناك تقسيم للعقود ابعتبار أثرها. يعين :بعد العقد ،تُقسم إىل عقود الزمة ،وعقود جائزة. العقد الالمزم :هو الذي ال ميكن ألحد الطرفني فسخه ،يعين :ال يستطيع أحد الطرفني أن يستقل بفسخه إال برضاً من الطرفني. لكن هنا أنبه إىل إن اللزوم قد يكون للطرفني ،وقد يكون لطرف دون طرف. فإذا كان اللزوم للطرفني ،فال يستطيع أحد الطرفني أن ينفرد بفسخه، مثل :عقد البيع[ ،تقول ]:بعتك سياريت هذه مبئة ٍ ألف[ ،أقول ]:قبلت، تفرقنا من اجمللس؛ لزم العقد. |45 فقه املعامالت املالية ()1 أنت -أيها البائع -تريد أن تفسخ بعد أن مت العقد؟ ال متلك هذا ،إال برضاً املشرتي. املشرتي يريد أن يفسخ العقد بدون عيب؟ ال يستطيع إال برضا البائع. وقد يكون اللزوم لطرف دون اآلخر ،فيكون كما يقولون" :العقد الزم لطرف جائز لطرف آخر" ،مثل :الرهن ،الرهن عقد الزم ألحد الطرفني، جائز للطرف اآلخر. [أقول ]:أان بعتك األرض مبئة ألف مؤجلة على أن ترهن عندي بيتك، وقبلت ومتّ ،بعد هذا ابلنسبة لك؛ هو عقد الزم ال تستطيع أن تفسخ الرهن ،لكن ابلنسبة يل عقد جائز إبمكا،ي أن أقول لك" :وهللا اي أخي ،قد حبست عنك بيتك ،وإن شاء هللا أنك ستسدد،ي ،خذ البيت ،فك الرهن" ،فهو جائز ابلنسبة ملشرتط الرهن ،الزم ملن رهن السلعة. وقد يكون العقد جائزا للطرفني ،مثل :الوكالة ،الوكالة :عقد جائز، والشركة :عقد جائز. العقد اجلائز :جيوز ألحد الطرفني فسخه بدون رضا الطرف اآلخر، بشرط مهم يغفل عنه كثري ممن يقررون هذه املسألة؛ وهو :أن ال يتضرر الطرف اآلخر. فقه املعامالت املالية ()1 | 46 الشركة :عقدت مع أخيك شركة ،جيوز لكل واحد منكما أن يفسخ الشركة ،عقد جائز ،مىت مينع الفسخ؟ إذا كان يرتتب على ذلك ضرر للطرف اآلخر ،فالضرر ممنوع شرعاً. فالوكالة :عقد جائز للطرفني ،الشركة :عقد جائز للطرفني ،جيوز لكل طرف أن يفسخ هذا العقد بدون رضا الطرف اآلخر ما ِل يرتتب على ذلك ضرر. هذه أنواع العقود ،ذكرت هذه املقدمات الكليات الكربى املهمة يف املدخل بشيء من اإلجياز. نشرع يف القواعد ،ونبدأ بقاعدة كربى ،أعين :من أهم القواعد يف البيوع، بل أهم قواعد البيوع ،وأكرب قواعد البيوع ،وهي قاعدة يقول فيها الفقهاء: [القاعدة األوىل ]:األصل يف البيوع اإلابحة. ما معىن األصل؟ "األصل" هنا املقصود به :القاعدة املستمرة .ألن األصل له معان يف لسان العلماء ،لكن ما املراد ابألصل يف القاعدة؟ معناه القاعدة املستمرة. القاعدة املستمرة يف البيوع اإلابحة. طيب :ما فائدة ذكر األصل يف القاعدة؟ |47 فقه املعامالت املالية ()1 إذا قال العلماء يف القاعدة" :األصل كذا"" ،األصل براءة الذمة"، "األصل يف األمور العارضة العدم"" ،األصل يف البيوع اإلابحة". ماذا تفيد كلمة األصل؟ هلا فوائد: الفائدة األوىل :أن ما يُذكر حتت األصل؛ ال حيتاج أن يُتوقف فيه ،بل ميضي على األصل. عندما نقول" :األصل يف البيوع اإلابحة"؛ فالبيع ال حيتاج املسلم أن يتوقف فيه ،ألن األصل فيه اإلابحة حىت يدل الدليل على املنع. الفائدة الثانية :أن املتمسك ابألصل ال يُطالب ابلدليل. فلو جاء إنسان يف البيوع مثال وقال" :هذا البيع جائز حالل" ،ال نقول له :ما الدليل؟ ألنه هو األصل. فإذا اختلفنا أان وأنت يف صورة من البيوع ،أان أقول :هي جائزة ،وأنت تقول :هي حرام ،من الذي يطالب ابلدليل؟ الذي يقول :إهنا حرام! ألن املتمسك ابألصل ال يطالب ابلدليل ،هذا األصل ،الناقل عن األصل هو الذي يطالب ابلدليل ،وهذه فائدة يف اخلالف الفقهي ،فدائما املتمسك ابألصل ال يطالب ابلدليل. ص ّدرت الفائدة الثالثة :يف الفقه ،أن القاعدة جتعل ميزاان للحكم إذا ُ ابألصل. فقه املعامالت املالية ()1 | 48 فنحن نقول" :األصل يف البيوع اإلابحة" ،إذن كل بيع أيتينا؛ القاعدة أننا حنكم عليه ابإلابحة حىت يرد دليل على املنع ،فهذه قاعدة مستمرة وميزان عندان. الفائدة الرابعة :أن حفظ األصل يغين عن حفظ اجلزئيات. إذا حفظت األصل؛ ال حتتاج إىل أن حتفظ املسائل اليت حتته ،ولكن حتتاج أن حتفظ ما خرج عن األصل ،ألن مسائل األصل هي املتعددة، والذي خيرج عنه هو القليل ،والذي ُحيفظ هو القليل ،ولذلك ملا ُسئل النيب ﷺ عما يلبس احملرم؟ أجاب ع ّما ال يلبسه؟ ألن األصل أنه جيوز له أن عما ال يلبس ما شاءُ ، وحّمرم عليه أمور ميكن ضبطها ،فأجاب الرسول ﷺ ّ يلبس احملرم. فأنت إذا حفظت األصل؛ ال حتتاج أن حتفظ املسائل اجلزئية ،لكن حتفظ املسائل املستثناة ،ففي البيوع :ال حنتاج أن حنفظ البيوع اجلائزة ألن صورها ال تتناهى ،ولكن حنفظ البيوع احملرمة ،ونضبط البيوع احملرمة بكلياهتا ،كما سيأتينا إن شاء هللا. الفائدة اخلامسة :أن كلمة األصل يف أول القاعدة تُشعرك أبنه قد يُرتك. إذا وجدت يف أول القاعدة كلمة األصل؛ فمعىن ذلك أنه يُعمل به لكنه قد يُرتك ،إذا قلنا" :األصل براءة الذمة" ،يعين :القاعدة املستمرة أن املسلم |49 فقه املعامالت املالية ()1 ذمته بريئة من احلقوق وااللتزامات ،لكن ميكن أن تُشغلُ ،ميكن أن يكون عليه دين ،ويثبت أن عليه دين. عندما نقول" :األصل يف األمور العارضة العدم" ،األصل يف األمور احلادثة اليت حتدث ليست أصالً؛ العدم ،ومعىن ذلك أهنا قد تقع. شعرت خبروج شيء ،نقول: جاءان إنسان قال :اي شيخ ،أان وأان أصلي ُ "األصل يف األمور العارضة العدم" ،ال يضرك إن شاء هللا. شعرت خبروج شيء ،عندما ذهبت إنسان قال :اي شيخ ،أان وأان أصلي ُ نظرت يف لباسي فوجدت شيئاً ،هنا نقول :إن هذا يدل على أن إىل البيت ُ هذا حدث قد وقع أثناء الصالة ألنك شعرت خبروجه. مث تأتينا قاعدة اثنية يقولون" :األصل إضافة احلادث إىل أقرب أوقاته" يعين :القاعدة املستمرة أن الشيء احلادث يضاف إىل أقرب األوقات. جاءان إنسان فقال :اي شيخ ،أان كنت أصلي املغرب وشككت أنه خرج وصلت وذهبت إىل البيت، مين شيء ،فصليت املغرب وصليت العشاء ُ ُ وجدت يف ثويب شيئاً. البيت بعد ساعة ونصف، ُ نقول :األصل أننا نضيف هذا إىل أقرب وقت بعد الصالة ،وأن الصالة صحيحة ،إال إذا ُوجدت قرينة تدل على أنه وقع يف أثناء الصالة ،كأن تكون أحسست أنه خرج منك شيء أثناء الصالة وِل حتس هبذا إال بعد الصالة. فقه املعامالت املالية ()1 | 50 فهذا معىن قولنا :األصل ،هو القاعدة املستمرة اليت يُعمل هبا ،ولكنه قد يُرتك. فعندما يقول الفقهاء" :األصل يف البيوع اإلابحة"؛ معىن ذلك :أن القاعدة املستمرة يف البيوع أهنا مباحة ،ولكن قد ُحيّرم البيع ،فقد تُرتك القاعدة ،فدائماً إذا وجدت يف أول القاعدة كلمة األصل؛ فافـهم أن هذا يرتك لسبب من األسباب. هو املعمول به لكنه قد ُ هذا ما يتعلق ابألصل ،فما معىن اإلابحة؟ اإلابحة يف اللغة :اإلطالق واإلذن واإلظهار ،يعين مثالً :أقول أحبت لك ت سياريت ،يعين :أذنت لك يف قيادهتا ،أطلقت يدك يف قيادهتا ،وتقولُ :حب ُ ّم بسري ،أي :أظهرته ،هذا من حيث اللغة. وأما اإلابحة من حيث االصطالح" :اإلذن يف الفعل والرتك على حد سواء" ،وهذا معىن قوهلم" :املباح ما استوى طرفاه" ،يعين :استوى فيه الفعل والرتك. فإذا أذن الشرع يف شيء على حد سواء أن يفعل أو يرتك؛ فهو مباح. يزيد بعض أهل العلم" :أن أيذن الشرع يف شيء على حد سواء أو يسكت عنه". يعين املباح أو اإلابحة ،إما أن أييت اإلذن على حد سواء بني الفعل والرتك ،وإما أن يسكت الشرع – ال أييت دليل -يف األشياء النافعة – |51 فقه املعامالت املالية ()1 العادات -فتكون مباحة ،يعين :لبس العقال مباح جيوز للنسان أن يلبس العقال وجيوز أن يرتكه ،ملاذا؟ ألنه شيء انفع قد سكت عنه الشرع ،وما سكت عنه الشرع فهو مباح. بعض أهل العلم يقولون :ال ،املسكوت عنه يقال له عفو. فعندان مرتبتان :مباح ،ومعفو عنه ،إابحة وعفو ،فاإلابحة" :إذن الشرع ابلنص يف شيء على حد سواء" ،والعفو" :سكوت الشارع" ،أخذاً من قول النيب ﷺ :وما سكت عنه فهو عفو .)1(قالوا :فسماه النيب ﷺ عفواً، فتكون مرتبة اثنية مع اإلابحة. معىن القاعدة" :أن القاعدة املستمرة يف البيوع اإلذن وعدم املنع". فيتمسك املسلم يف البيوع ابإلذن وعدم املنع وال جيب على املسلم أن يتوقف يف بيع من البيوع إال إذا علم يف ذلك مانعاً شرعياً. والعلماء متفقون على أن البيع الذي ورد فيه النص مباح ،وأن البيع الذي ورد عنه النهي ممنوع ،بقي ما سكت عنه الشارع: مجهور أهل العلم يقولون :األصل يف البيوع اإلابحة ،خالفاً للظاهرية. ( )1أخرجه الدارقطين يف سننه ،واحلاكم وقال" :صحيح اإلسناد" ووافقه الذهيب ،وخرجه األلبا،ي يف الصحيحة برقم.)2256( : | 52 فقه املعامالت املالية ()1 فاجلمهور يف املذاهب األربعة ،وعند كثري من سلف األمة :أن األصل يف البيوع اإلابحة ،فما سكت عنه الشرع يف البيوع فهو مباح ،وهذا الصحيح، وتدل عليه أدلة منها: األدلة اجلزيية الدالة على حل البيوع من الكتاب والسنة واإلمجاع. من ذلك: َ َ َ ذ ذ ُ ۡ َ ۡ َ َ َ ذ َ َ َٰ ْ ٱلربوا﴾ [البقرة،]275: -قول هللا تعاىل﴿ :وأحل ٱّلل ٱۡليع وحرم ِ وهذا يقتضي محل كل بيع ما ِل م أيت الدليل مبنعه ،ألن هللا تعاىل حكم ّ َ َ َ ذ ذ ُ ۡ َ ۡ َ َ َ ذ َ َ َٰ ْ ٱلربوا﴾ ،فالبيع حالل ما ِل حكماً مطلقاً فقال﴿ :وأحل ٱّلل ٱۡليع وحرم ِ م أيت دليل على حترميه. -والعلماء يقولون :االسم املفرد ،إذا أدخل عليه األلف والالم اقتضى ذ ۡ العمومَ ﴿ ،و ۡٱل َع ۡ ٱۡل َ َٰ نس َن ن إ ١ ۡص ِ ِ ِ ذ ۡ ﴿ َو ۡٱل َع ۡ ٱۡل َ َٰ نس َن﴾ :اسم مفرد ن إ ۡص ِ ِ ِ لَِف ُخ ۡ ۡس [ ﴾٢سورة العصر]، ِ ٍ دخل عليه األلف والالم فيقتضي العموم ،جنس اإلنسان يف خسر ،إال من استثناهم هللا سبحانه وتعاىل، ََ َ ذ ذُ ۡ ۡ َ َ فعندما قال هللا﴿ :وأحل ٱّلل ٱۡليع﴾ اسم مفرد دخل عليه األلف والالم فيقتضى العموم ،فكل بيع حالل إال ما جاء الدليل ابملنع منه. ذ ٓ َ َ ُ َ َ َٰ َ ً َ َ َ كذلك يف قول هللا عز وجل﴿ :إَِل أن تكون ت ِجرة عن تراضُ ِنك ۡم﴾ [النساء ،]29:فأابح هللا عز وجل التجارة الواقعة ابلرتاضي، م دل الدليل على منعه. فاألصل يف التجارة الواقعة ابلرتاضي أهنا مباحة إال ما ّ |53 فقه املعامالت املالية ()1 ومن ذلك أيضاً :قول النيب ﷺ :إمنا البيع عن تراض ،)1(هذااحلديث رواه ابن حبان وابن ماجه وصححه مجع من العلماء منهم الشيخ األلبا،ي رحم هللا اجلميع ،فدل ذلك على حصر البيع يف الرتاضي ،فمىت ما وقع الرتاضي؛ فاألصل يف البيع أنه جائز إال إذا منع منه الشرع. كذلك :قال مجهور أهل العلم :ثبت عن النيب ﷺ أنه ابع واشرتىمن غري توقف ،ففي صور كثرية ،ووقائع كثرية ابع النيب ﷺ واشرتى حىت من املشركني ،كما ثبت يف الصحيح أنه جاء رجل ممشعان -وهو الرجل الطويل -ومعه غنم ،فقال النيب ﷺ :بيعاً أم هدية؟ ،يعين :هتدينا هدية أم تبيعنا؟ قال :بل بيع ،فاشرتى منه ﷺ( ،)2فدل ذلك على أن األصل يف البيع اجلواز. ومن ذلك أيضاً أنه ثبت أن السلف -وعلى رأسهم الصحابة -كانوا يتبايعون من غري توقف ،فدل ذلك على أن األصل يف البيوع احلل. حىت يف زمن النيب ﷺ ِل يكن الصحابة يرجعون إىل النيب ﷺ يف كل بيع، مما يدل على أهنم فهموا أن األصل يف البيوع اإلابحة ،فكانوا يتعاقدون بدون رجوع إىل النيب ﷺ. أيضاً :اإلمجاع ،فقد قام اإلمجاع على مح ّل البيوع ،نقل ذلك مجعمن أهل العلم :كابن قدامة ،والنووي ،وغريهم من أهل العلم. ( )1رواه ابن حبان وابن ماجه وصححه األلبا،ي يف اإلرواء برقم.)1283( : ( )2رواه البخاري ومسلم. | 54 فقه املعامالت املالية ()1 النوع الثاين من األدلة [األدلة الكلية]: أن البيع من األشياء النافعة ،ال شك يف هذا ،البيع مما ينتفع بهالناس ،والقاعدة الشرعية" :أن األصل يف األشياء النافعة اإلابحة" ،وعلى هذا سلف األمة ومجهور العلماء. فالقاعدة املستمرة يف األشياء النافعة اإلابحة ،ويدل على ذلك أدلة منها: َۡ ُ ذ َ ََ َ ُ كم ذما ِِف ٱۡل ِ ۡرض ََج ِٗيعا﴾ قول هللا عزو وجل﴿ :ه َو ٱَّلِي خلق ل [البقرة ،]29:فدلت هذه اآلية على أن األصل يف األشياء النافع اإلابحة ، ملاذا ؟ ألن هللا امنت علينا أبنه خلق لنا ما يف األرض مجيعاً ،وهذا يدل على أنه حيل لنا أن ننتفع مبا يف األرض ما ِل مينع منه هللا عز وجل! ذ َ َ َ ُ ُ كم﴾ وهذه ومن وجه آخر :أن هللا عز وجل قال﴿ :ه َو ٱَّلِي خل َق ل الالم تقتضي امللك ،فاهلل عز وجل خلق ما يف األرض وملّكنا إايه ،فلنا أن ننتفع به إال ما منع منه الشرع. ولذلك النيب ﷺ ثبت عنه أنه قال :إن أعظم املسلمني ُجرماً؛ من سأل فحرم من أجل مسألته )1(هذا حديث يف الصحيحني، عن شيء ِل ُحيّرم ُ فدل ذلك على أن األصل اإلابحة. ( )1رواه البخاري ومسلم. |55 فقه املعامالت املالية ()1 فحّرم من أجل مسألته معىن ذلك :أنه لو ِل يسأل ألن النيب ﷺ قالُ : ملا كان حمرماً ،فدل ذلك على أن األصل اإلابحة. -أيضاً من األدلة الكلية هلذه القاعدة :أن البيع من العادات ،وقد تقرر عند السلف" :أن األصل يف العبادات املنع ،واألصل يف العادات اإلذن". املتقرر عند السلف ،واملعمول به عند السلف؛ ”أن األصل يف العبادات دل عليها املنع“ ،وبعضهم يعرب بـ ”التوقف“ ،فال جيوز فعل عبادة إال إذا ّ الدليل ،فالذي أيتينا بعبادة نقول :ما الدليل؟ فإن جاء ابلدليل؛ قبلنا ،وإال رددان عليه. األصل يف العبادات املنع والتوقيف ،واألصل يف العادات اإلذن ،وضابط العبادات والعادات: أن العبادات ال تكون مصلحتها العظمى أخروية ،قد تكون فيها مصاحل دنيوية ،لكن مصلحتها املقصودة العظمى أخروية ،األصل فيها املصلحة األخروية ،يعين :الصالة ،حنن ال نصلي -كما يقول بعض الوعاظ -اآلن من أجل أن منرن أجسادان ،وال من أجل أن خنفف أوزاننا ،وال من أجل حتريك املفاصل ،ولكنا نصلي رجاء الثواب. وابملناسبة هنا أقول :إن العبادات جيب على الواعظ أن يعلق قلوب الناس هبا رجاء ما عند هللا ،وإذا ذكرت هلا فوائد دنيوية؛ فإمنا تذكر على أهنا فقه املعامالت املالية ()1 | 56 تـبع ،حتصل للنسان غري مقصودة منه ،يعين ال أييت اإلنسان يصلي يقول: أان بقوم الليل ،كل ليلة إحدى عشرة ركعة من أجل الثواب ،ومن أجل أن صل من أجل الثواب وحتصل لك إن شاء هللا أخفف الكرش! ال ،نقول :مّ فوائد. اآلن بعض الوعاظ أييت يقول :مئة فائدة يف الصالة ،وجيعل الثواب فائدة من الفوائد! ينبغي يف ابب العبادات؛ أن تُعلق القلوب فيما عند هللا ،هذا املقصود، وهذه النية ،وما حيصل من الفوائد؛ إمنا هو تبع ينشط اإلنسان ،وال يكون مقصوداً إال إذا ذكره الشارع ،فإذا نص عليه الشارع أصبح مشروعاً ،مثل: صلة الرحم ،هنا ال إشكال يف قصد املصلحة الدنيوية املذكورة وال يؤثر يف الثواب. أما إذا كانت املصلحة املذكورة ِل يذكرها الشارع ،وِل حيث عليها ،وِل يلتفت إليها؛ فقصدها يف العبادة يُنقص الثواب. يقول أهل العلم :ثوابك من عبادتك؛ مبقدار ما خيلص من نيتك ! هناك فرق بني الرايء وبني قصد مصلحة دنيوية يف مسألة إبطال األعمال ،حنن نتكلم اآلن عن قصد مصلحة دنيوية اتبعة. يف ابب العبادات :املصلحة الدنيوية ال جيوز قصدها إال إذا أذن فيها الشرع ،وإن كان جيوز ذكرها على أهنا حتصل للنسان تبعا هلذه العبادة. |57 فقه املعامالت املالية ()1 مثل :الصيام ،اإلنسان ما يصوم بقصد الثواب وختفيف الوزن! يصوم بقصد الثواب ،وحيصل له إن شاء هللا أشياء يف الصحة وغريها ،حتصل تبعاً. أما العادات :فهي ما يكون مقصودها األعظم دنيوايً ،يعين األصل يف قصدها مصلحة دنيوية ،مثل التجارة ،البيع ،اإلنسان يبيع ليحصل املال، نعم قد حيصل للنسان نية أن يتصدق وأن وأن وأن ،ولكن مقصوده أن حيصل املال. لبس العقال :مقصود اإلنسان أن يتجمل به ،فهو من العادات ،اللباس من العادات ،ألن املقصود به ما يف الدنيا ،نعم ،من عباد هللا من يزكو حىت جيعل أعماله قرابت بنية صاحلة! لكن املقصود األصلي يف هذه األمور واألعظم هو دنيوي ،فهو من ابب العادات ،هذا الضابط الذي نفرق فيه بني العادة والعبادة ،األصل يف العادات اإلذن! والبيع من العادات ،فاألصل فيه اإلذن واإلابحة. أيضاً من األدلة اليت تدل على القاعدة :أن الشريعة جاءت ابليسر.فديننا كله يسر ،وال شك أن التيسري إمنا يتحقق ابإلذن يف البيوع ،ألن حاجة الناس تتفاوت وختتلف من بلد إىل بلد ،فإذا قيل :إن األصل يف البيوع اإلابحة ،ففي هذا تيسري على الناس ،والدين مبين على اليُسر. إذن ،ما األدلة الدالة على هذه القاعدة ؟ أوالً :األدلة الدالة على جواز البيع. فقه املعامالت املالية ()1 | 58 اثنياً :األدلة الدالة على أن األصل يف األشياء النافعة اإلابحة ،والبيع منها. اثلثاً :األدلة الدالة على أن األصل يف العادات اإلابحة ،والبيع منها. رابعاً :األدلة الدالة على اليُّسر ،م وح ّل البيع منها. يتفرع على هذه القاعدة شأن عظيم وهو :أنه جيوز للمسلم أن يبيع ويشرتي من غري توقف ما ِل يقم املانع. وسأعرض بعض األمثلة للبيوع الواقعة ،وأبني كيف تدخل حتت القاعدة، وكيف خترج منها. ألن الفهم؛ أن نفهم كيف ندخل املسألة حتت القاعدة ،وكيف خنرجها منها ،لكين أذكر لكم ضابطاً كلياً ملا خيرج عن القاعدة: ما خيرج عن القاعدة :كل بيع فقد شرطاً من شروط البيع ،أو ُوجد فيه مانع. ومن ابب الفائدة أقول :يضبمط هذا الضابط ضابط عظيم ،وهو :أن ما يؤدي إىل النزاع غالباً يف البيوع ممنوع .يعين :هذا يضبط لنا الشروط واملوانع. ملاذا ُم اشرتطت الشروط يف البيوع؟ لتقطع النزاع. ولذلك إذا استعرضنا قواعد -إن شاء هللا -سيتبني أن احلكمة فيها قطع النزاع ،ملاذا ُمنعت بعض البيوع؟ ملوانع ،ألهنا تؤدي إىل النزاع. |59 فقه املعامالت املالية ()1 فالضابط العام ملا خيرج عن القاعدة من البيوع أنه ما يؤدي إىل النزاع يف الغالب ،ما يؤدي إىل النزاع يف الغالب بني الناس يف البيوع ممنوع ،فال يكون مباحاً ،وأما ما عدا ذلك فاألصل اإلابحة. بعض البيوع املتعلقة يف هذا يف صور معاصرة منها: بيع التقسيط بيع التقسيط كثرت صوره يف زماننا ،وصورته العامة" :بيع ٍ سلعة بثم ٍن مؤجل منج ٍم -يعين مقسم -على ٍ ٍ أزمنة معينة أكثر من مثنها احلاضر". هذا بيع التقسيط ،تبيع السيارة "بثمن مؤجل مقسم على أزمنة" :كل شهر ،كل شهرين ،كل ثالثة أشهر" ،أكثر من مثنها احلاضر" :السيارة إذا كان مثنها حاضراً خبمسني ألفاً ،إذا كانت مقسطة بثمانني ألفاً ،منجمة على أشهر. إذا أردان أن ننظر يف بيع التقسيط نقول :بيع التقسيط مباح ،ملاذا؟ ألن األصل يف البيوع اإلابحة. وإذا قال قائل" :بيع التقسيط مباح" ،ال نقول له" :ما الدليل؟" ،لكن لو جاءان شخص فقال" :بيع التقسيط حرام" قلنا له" :ما الدليل؟" ،فإن جاءان بدليل وسلمم الدليل من املناقشة ،أُخذ حبكمه وإال ُرد حكمه عليه. بيع التقسيط اآلن له صور كثرية ،طيب :أان سأذكر لكم صوراً ونرى هل هي حالل أم ليست حالل: فقه املعامالت املالية ()1 | 60 شخص اشرتى طقم ذهب ،قيمته احلاضرة مبئة ألف ،اشرتاه مبئة ومخسني ألفاً مقسطة على سنة ،وقال" :األصل يف البيوع اإلابحة". نقول له :أنت نصف فقيه! نعم األصل يف البيوع اإلابحة؛ لكن ُوجد يف م املعاملة مانع شرعي؛ أل ّن السلعة هنا ال جيوز تأجيلها ،وهي الذهب، هذه بل يشرتط فيها التقابض يف جملس العقد ،فهنا خرجت عن القاعدة لوجود املانع الشرعي ،ليس ألحد أن أييت ويقول :العلماء قالوا بيع التقسيط جائز، إذن أان أشرتي يف الذهب والفضة! واآلن بعض الناس يشرتون عن طريق اإلنرتنت ذهباً وفضةً ونقوداً وال حيصل فيها التقابض! يقولون :األصل يف البيوع اإلابحة! نقول :ال ،ال جيوز ،ألن هذه العني يشرتط فيها أن تكون مقبوضة يف جملس العقد. شخص قال :أبيعك سياريت هذه مقسطة إذا سددت خالل سنة مئة وعشرين ألفاً ،إذا سددت خالل ثالث سنني مبئة ومخسني ألفاً ،إذا قبلت ،ومتّ العقد على هذا. سددت خالل أربع سنني مبئيت ألف ،وقالُ : هل نقول :إن األصل يف البيوع اإلابحة وبيع التقسيط جائز؟ نقول :ال، الثمن ألنه وجد هنا مانع شرعي ،ألن من شروط صحة البيع؛ أن يكون ُ مستقراً عند العقد ،فهنا نقول :هذا البيع ال جيوز ،ألن الثمن جمهول! قد يكون مئة وعشرين ،وقد يكون مئة ومخسني ،وقد يكون مئتني. |61 فقه املعامالت املالية ()1 لكن لو قال :تعال اي فالن ،هذه السيارة موجودة ،إن قسطتها على سنة فهي مبئة وعشرين ألفا ،إن قسطتها على سنتني فهي مبئة ومخسني ألفاً، إن قسطتها على ثالث سنوات فهي مبئيت ألف .قال :أريد ثالث سنوات، قال :بعتُك ،هنا البيع صحيح عند مجهور أهل العلم وهو الصحيح .ملاذا؟ ألن العقد قد وقع على مث ٍن مستقر ،أما ما قبل؛ فهو مساومة ،وإن كان من أهل العلم من قال إن هذا ممنوع وأنه داخل يف البيعتني يف بيعة ،لكن هذا غلط يف فهم احلديث ،وهذا مساومة. أييت اإلنسان يريد أن يشرتي شيئاً حاضراً يقول :هذا بكم؟ يقول :مبئة، يقول :ال بثمانني ،يقول :ال بتسعني ،يقول :من أجلك خبمس وتسعني، ذكروا أربعة أسعار ،ويقول :اشرتيت خبمس وتسعني ،هذا ال يضر ،الذي يضر؛ ما يقع عليه العقد. إذن ،فهمنا من كالمي اآلن :أن بيع التقسيط حىت يكون حالالً ال بد أن تكون السلعة مما ال يشرتط فيه القبض يف اجمللس ،فيخرج الذهب والفضة واألوراق النقدية ،ال يقع فيها بيع التقسيط! ال تبيع دراهم برايالت سعودية مقسطة ،ال تبيع ذهب مقسطة ،ال تبيع فضة مقسطة. أيضاً :فهمنا أنه يشرتط يف بيع التقسيط؛ أن يكون الثمن مستقراً ،فإذا ِل يكن مستقراً خرج عن القاعدة. فقه املعامالت املالية ()1 | 62 إنسان جاء إىل شخص وقال :وهللا اي شيخ ،أان أريد سيارة مواصفتها كذا وكذا وكذا ،أو بيت مواصفاته كذا وكذا وكذا ،قال :طيب أان قبلت ،فذهب يف السوق يبحث عن هذه السيارة أبيعك مبئة ألف ،قالُ : فاشرتاها وابعها له ،ما حكم هذا البيع؟ هذا البيع ال جيوز ألنه ابع ما ال ميلك. لكن جاء شخص وقال :وهللا أان ودي أشرتي سيارة مواصفاهتا كذا وكذا وكذا ،ما عنده ،ذهب فاشرتاها ،مث جاء وقال :اي فالن ترا السيارة اليت تريد اشرتيت ،هذا البيع عندي مبئة ألف إن شئت فاشرت وإن شئت فاترك ،قال: ُ صحيح عند مجهور العلماء ،ألنه يدخل يف األصل ،ألن األصل يف البيوع اإلابحة. من الصور - :قد أشران إليها إملاحة -ما يكثر اآلن يف البنوك وهو ما يسمى ب ـ: بيع املراحبة بح فوقه معلوم، بيع املراحبة معناه :أن يبيع البائع السلعة بثمن معلوم ور ٍ إما معلوم املقدار ،أو معلوم النسبة .فيقول: أبيعك السيارة مبئة ألف وفوقها اثنان ونصف يف املئة من قيمتهارحباً. -أو مئة ألف وأربح منك عشرة آالف. |63 فقه املعامالت املالية ()1 هذا األصل يف بيع املراحبة ،وهو كما يقولون :البيع بزايدة على الثمن األول ،وهذا تكون الزايدة فيه معلومة .واألصل يف بيع املراحبة أنه جائز ألن األصل يف البيوع اجلواز. ومنها أيضاً :ما يسمى عند البنوك اآلن بــ: بيع املراحبة للواعد ابلشراء اآلن يذهب الواحد منا إىل البنك ويقول :أان أريد سيارة ابلتقسيط، مواصفاهتا كذا وكذا. قبلت. فيقول :طيب نبيعها لك بكذا مقسطة كذا .فيقولُ : والبنك ل ّـما ميلكها ،مث يذهب البنك ويشرتيها ،فهنا: إن كان العقد قد وقع قبل؛ فهذا بيع غري جائز ،وغري صحيح ،ألنهابع ما ال ميلك. وإن كان الذي وقع ليس عقدا وإمنا هو وعد ابلشراء ،وضابطه أنهعند حضور السلعة حيتاجان إىل عقد جديد ،إجياب وقبول ،ويكون كل طرف منهما خمرياًِ ،ل يسبق التزاماًِ ،ل يدفع نقوداً ،وِل يوقع عقوداً ،وإمنا وعد ابلشراء ،فهنا عند مجهور أهل العلم جيوز هذا البيع ،ويدخل حتت القاعدة، ألن األصل يف البيوع اإلابحة واجلواز ما ِل مينع من ذلك مانع شرعي. انتبهوا! هذه الصور تقع اآلن يف البنوك ،لكن أكثر البنوك حىت اإلسالمية تُلزم املشرتي قبل أن متلك ،إما بورقة يوقع عليها ،أو بدفع ما فقه املعامالت املالية ()1 | 64 يسمونه العربون ،أو ما يسمونه مصاريف إدارية ،قبل أن يشرتي ،فهذا ال جيوز. أما إذا ِل يُلزم ،ولكنه وعد ابلشراء على الصفة املذكورة ،فإذا اشرتى البنك وكان اإلنسان خمرياً بني أن يشرتي أو أن يرتك؛ فهذا عند مجهور أهل العلم جائز ،وهو الصحيح ألن األصل يف البيوع اإلابحة. من ذلك أيضاً: مسألة األسهم اليت عمت اآلن وكثرت ،هل جيوز بيع األسهم؟ أوالً :ماهي حقيقة األسهم؟ حقيقة األسهم :جزء من شركة قائمة ،يشرتيه املشرتي بثمن معني. فهذا ُخيرج األسهم للشركات املوهومة اليت ليس هلا وجود وال قيمة ،هذه ال تدخل يف بيع األسهمُ ،خيرج األسهم اليت ال يكون هلا قيمة معلومة، يشرتيها اإلنسان وال يدري كم القيمة! حقيقة األسهم أهنا قابلة للبيع ،وذلك عند مجهور أهل العلم من املعاصرين ،جيوز بيع األسهم وشرائها من حيث األصل ما ِل مينع من ذلك مانع شرعي ،ولذلك احملققون من أهل العلم يقسمون األسهم إىل ثالثة أقسام: |65 فقه املعامالت املالية ()1 .1أسهم شركات نقية. .2وأسهم شركات خمتلطة. .3وأسهم شركات حمرمة. فالشركات النقية: هي اليت يكون عملها مباحاً ،ومتويلها مباحاً ،مبعىن :عملها مباح؛ تبيع اللحوم مثالً ،ومتويلها مباح؛ ال تأخذ من البنوك الربوية وحنو ذلك. احملرمة: هي اليت يكون عملها حراماً ،شركة تبيع الدخان عملها حرام ،شركة يف عملها املوجود حرام ما جيوز اإلسهام فيها ،ما جيوز شراء األسهم فيها، تتصل تُـنزل أمجل أغنية! وتتصل وتسمع قرآن! كلها من خدمات الشركة! ال جيوز اإلسهام فيها ،وال جيوز شراء أسهمها ،بل هي من الشركات احملرمة. شركة تتعامل ابلراب ال جيوز شراء أسهمها. شركة متويلها حمرم من األصل متويلها حمرم. لعلنا نتوقف هنا ونرتك إكمال املوضوع إىل الغد إن شاء هللا ،ولعل يف ذلك شيء من التشويق. | 66 فقه املعامالت املالية ()1 يبقى معنا أيضاً مسألة معاصرة وهي" :مسألة احلقوق املعنوية" أيضاً سنتكلم عنها ،بيع األشرطة ،بيع الكتب ،حق التأليف ،وما يتعلق بذلك. ما الذي يدخل حتت القاعدة وهو األصل؟ وما الذي ال يدخل حتت القاعدة؟ وملاذا ال يدخل حتت القاعدة؟ نبدأ به درسنا غدا أن شاء هللا. *** |67 فقه املعامالت املالية ()1 اإلجابة على األسيلة: السؤال األول :ذكران "أن األمور مبقاصدها" كقاعدة مستنبطة ،أليست القاعدة املنصوصة "إمنا األعمال ابلنيات" أم الفرق يف الكلمات لذا عُ ّدت مستنبطة؟ اجلواب: القاعدة عند الفقهاء "األمور مبقاصدها" ،وهذه ليست نصاً ال يف الكتاب وال يف السنة ،نعم ،أصلها األعظم قول النيب ﷺ :إمنا األعمال ابلنيات وإمنا لكل امرء ما نوى. أخذ العلماء معىن هذا احلديث ،فصاغوه مع أدلة أخرى يف قوهلم "األمور مبقاصدها" ،فهذا معىن القاعدة املستنبطة ،معناها موجود يف النصوص، ولكن لفظها من ألفاظ العلماء ،ال جتده يف القرآن ،وال جتده يف السنة. السؤال الثاين :ذكرت أن احلجة يف الكتاب والسنة ،فما صحة قول من يقول :إن العاِل الفال،ي حجة يف هذا الباب -وذكر ابابً من أبواب العلم - ولو تفضلتم ببيان معىن قول بعض العلماء عند الرتمجة لألئمة" :اإلمام احلجة" هل يعنون به أن قوله كالنص الذي يُقبل دون أن يكون لك اخلرية من أمرك؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 68 اجلواب: هنا ال بد أن ننظر إىل املقصود من احلجة ،فإذا كان املقصود ابحلجة الدليل والربهان؛ فليس قول أحد بعد الرسول ﷺ مث الصحابة -على الصحيح من أن قول الصحايب حجة = حجةً ،فليس هناك إمام من أئمة املسلمني يكون قوله مبفرده حجة بعد صحابة رسول هللا ﷺ ،وإذا كان املقصود ابحلجة أنه متمكن من هذا الباب ،عارف أبدلته ،جمتهد فيه ،فهذا اإلطالق صحيح ،وهو الذي يطلقه العلماء ،فيقولون" :فالن حجة مطلقاً" إذا عُرف ابلفقه والتدقيق ،يعين أن قوله معترب يف االجتهاد ،وال يعنون أن قوله دليل ،أو يُقال" :فالن حجة يف املواريث" مبعىن أنه متمكن من هذا الباب ،وأن قوله معترب يف هذا الباب. أما أن يكون املقصود أنه دليل؛ فليس قول أحد مبفرده ،وحنن هنا عندما نقول مبفرده؛ خنرج من اإلمجاع ،فإذا كان قول العلماء واحداً فهذا إمجاع، أما قول إمام مبفرده على أنه دليل وبرهان فهذا ال يكون. السؤال الثالث :أرجو من فضيلتكم إجياز معىن "اخلراج ابلضمان" بشكل عام للتوضيح؟ اجلواب: |69 فقه املعامالت املالية ()1 "اخلراج" معناه :الربح والفائدة" ،ابلضمان" الباء للمقابلة ،يعين :مقابل الضمان .فمن يضمن شيئاً فله رحبه ما ِل يكن الضمان عقوبة ،فإذا كان الضمان عقوبة؛ فال يكون اخلراج للضامن. يعين كما قلت :اشرتيت سيارًة؛ ملكتها ،ضماهنا اآلن عليك ،لو تلفت؛ ممن مالك[ .إذن] خراجها لك ،تركبها ،تذهب تبيع ،تؤجر ،هتب. فإذا وجدت عيباً فيها؛ جيوز لك أن تُعيدها وأن تسرتد قيمتها ،وال ترد شيئاً يف مقابل االستعمال ،ألن اخلراج ابلضمان ،الفائدة مقابل املنفعة، الغرم وهذا العدل. وهذا العدل ،الفائدة مقابل ُ ما ِل يكن الضمان عقوبة؛ فهنا ال يكون اخلراج مقابله :إنسان غصب أرضاً ،غصب سيارةً ،غصب دابةً ،الضمان على الغاصب ،لكن الربح ليس له ،غصب دابة فنتجت عنده ي ُّرد الدابة مع نتاجها ،غصب سيارة واستعملها مث أراد أن يتوب نقول :رد السيارة وأجرة االستعمال ،ألنه ليس لك أن تستعملها ،إذن الربح مقابل الضمان ما ِل يكن الضمان عقوبة. السؤال الرابع :يف تعريفكم للبيوعِ ،ل نفهم إضافة قيد "غري رابً وال قرض" أال يكفي على التأبيد عن هذين القيدين؟ اجلواب: الراب يقع فيه صورة البيع ،مبادلة مال مقابل مال على التأبيد فال بد من استثناءه. فقه املعامالت املالية ()1 | 70 والقرض يقع فيه نوع تأبيد ،ولذلك نص احملققون من أهل العلم على ذكره ،ألن فيه شبهاً من صورة البيع ،يعين الراب فيه صورة البيع ،والقرض فيه شبه من صورة البيع ،فنصوا عليه ليخرج من الصورة. السؤال اخلامس :هل هناك رسالة مجعت األصل يف أمور العبادات واألصل يف أمور املعامالت كالقاعدة اليت تطرقتم هلا؟ اجلواب: وهللا ما أتذكر كتاابً جامعاً يف هذا الباب ،لكن فيه كتب ،ومن أنفعها القواعد النورانية لشيخ اإلسالم ابن تيمية ،هذا الكتاب لو فُهم فهما صحيحاً فهو ُمشبع لطالب العلم يف ابب العبادات ويف ابب املعامالت، فهذا الكتاب من أنفع ما يوصى به يف هذا الباب. السؤال السادس :أمساء علماء مشاهري ومعاصرين يؤخذ عنهم أحكام البيوع ابلذات؟ اجلواب: وهللا أهل الفتوى كثر ممن عُرفوا ابلفقه ،وممن يصح أن يؤخذ عنهم العلم فطبعاً كان الشيخ بن ابز رمحه هللا وال زالت فتاواه إىل اآلن موجودة ،والشيخ ابن عثيمني رمحه هللا وال زالت فتاواه موجودة ،وهو من أفقه الناس يف ابب جبل العلم يف هذا الزمان الشيخ صاحل الفوزان رجل ملئ البيوع ،وأيضاً ُ فقها ،وهو مسدد يف فتاواه مع اختصارها -حفظه هللا وسدده ونفعنا به- |71 فقه املعامالت املالية ()1 هناك أيضاً مساحة املفيت الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ ،وهناك مجع من أهل العلم ممن عُرفوا ابلفتوى ويصح أخذ العلم عنهم يف هذا الباب. السؤال السابع :نالحظ أن العقود منها ما هو مندرج حتت أكثر من قسم من أقسام العقود ابعتبار حقيقتها ،مثل الرهن ،فإنه يندرج حتت عقود التوثيقات ،والعقود الالزمة ،فهل هذه املذكورات هي أوصاف للعقود؟ اجلواب: التقسيم هو تقسيم ابالعتبارات ،والقسم يف التقسيم ابالعتبارات ليس قسيماً ،مبعىن :أن كل اعتبار؛ تـُق ّسم فيه العقود أقساماً بوصفها. فعندما نتكلم عن "احلكم" نقول :جائز ،صحيح ،فاسد ،هذا يوجديف املعاوضات ويوجد يف غريها. عندما نقول ابعتبار احلقيقة :هذه األقسام تقابل بعضها ابعتباراحلقيقة فقط. أما ابالعتبار اآلخر فتتداخل ،مبعىن :عندما يقسم العلماء األشياءابعتبارات متعددة فكل اعتبار تكون األقسام فيها متقابلة. أما ابلنسبة لالعتبار اآلخر فال! فتكون توجد هنا ،وتوجد هنا ،فهذاتقسيم ابالعتبار. فقه املعامالت املالية ()1 | 72 السؤال التاسع :أرجوا إعادة مسألة اشرتاط استقرار الثمن حال البيع؟ اجلواب: هو عموماً من شروط صحة البيع أن يكون الثمن مستقرا عند العقد، معلوما ،ألنه لو ِل يكون مستقرا ألدى إىل النزاع ،فال بد عند التعاقد من أن يكون الثمن مستقرا ال يقبل الزايدة ،ال يقول مثال" :إذا ِل تسدد خالل سنتني أزيد عليك اثنني ونصف يف املئة" ،هذا مثن غري مستقر ،يقول: "أبيعك السيارة ابلتقسيط على مخس سنوات ،مئة ومخسني ألفا ،على أن يكون يف كل شهر كذا" هذا جيوز ،أما إذا كان عند التعاقد ِل يُتفق على الثمن حىت يكون الثمن مستقرا فإنه ال يصح البيع ال يف التقسيط وال يف غري التقسيط ،ال بد أن يكون الثمن مستقراً ،يعين :معلوماً ،ال يقبل الزايدة عند التعاقد. السؤال العاشر :بنك يبيع السيارات ابألقساط ،وهو نفسه لديه معرض للسيارات ،ويزيد سعرها إذا اشرتيتها أقساطاً ،فما حكمها ابرك هللا فيكم؟ اجلواب: ال مانع من أن يبيع اإلنسان السلعة ابآلجل واحلاضر ،بشرط أن يكون العقد مستقراً ،يعين :ال يقول له" :إن اشرتيتها ابلتقسيط فهي مبئة ألف، وإن اشرتيتها حاضرة فهي بثمانني ألف" ،ويقول" :اشرتيت" ،وال حيددان السعر! ال. |73 فقه املعامالت املالية ()1 [بل] يقول" :هذه السيارات عندان إن كنت تريد ابلتقسيط فهي مبئة ومخسني ألفاً ،إن كنت تريد حاضرة فهي مبئة ألف" ،قال" :اشرتيها حاضرة" ،قال" :اتفقنا" ،هذا جيوز عند مجهور أهل العلم وليس من ابب البيعتني يف بيعة كما فهم بعض العلماء األجالء. السؤال احلادي عشر :ذكرمت أن قاعدة "األصل يف البيوع اإلابحة" اجلمهور على العمل هبا وخالفهم الظاهرية ،مث ذكرمت أن العلماء نقلوا اإلمجاع على هذه القاعدة ،فكيف وقع اإلمجاع؟ وهل هم ِل يعتربوا خالف الظاهرية؟ اجلواب: انظر هنا إىل أمرين: األمر األول :ما أشار إليه األخ ،وأن من أهل العلم من ال يعترب خالف الظاهرية قادحاً يف اإلمجاع ،ألهنم يرون أن القياس ركن يف االجتهاد وأن الظاهرية ينكرون القياس ،فليسوا من أهل االجتهاد ،وعلى هذا النووي، فالنووي :ال يعترب خالف الظاهرية أبدا ،ولذلك أكثر إمجاعات النووي جتد أن الظاهرية خيالفون ولكنه ال يلتفت إليه ،ال يعتربهم من أهل االجتهاد، وهذا القول مرجوح ،الظاهرية مثلهم مثل بقية العلماء ،والنظر إىل الدليل، فال يقع اإلمجاع مع خمالفة الظاهرية إن كان الزمن زمن اخلالف. فقه املعامالت املالية ()1 | 74 واألمر الثا،ي - :وهذا مهم جداً -وهو أن يكون اإلمجاع واقعاً قبل الظاهرية ،مبعىن :أمجع على ذلك السلف ،ففي هذه احلالة ال التفاتة إىل خالف الظاهرية ،ألنه خالف حادث ،وهذا الذي يقع عند شيخ اإلسالم ابن تيمية وغريه ،حيكون اإلمجاع ،يعين إمجاع السلف قبل حدوث اخلالف، وهذا إمجاع معترب بل هو األصل ،وال شك أن النظر يف حال السلف أهنم كانوا ميضون البيع على اإلابحة. وهذا الذي يدل عليه ما نُقل عنهم ،ولذلك نقل بعض أهل العلم اإلمجاع على أن األصل يف البيوع اإلابحة ،مبعىن أن اإلمجاع قد وقع قبل خالف الظاهرية ،فهو خالف حادث ،واخلالف احلادث ال يلتفت اليه. السؤال الثاين عشر :ما قول شيخنا يف فهم راوي حديث" :بيعتني يف بيعة" حني قال :أن تقول بعتك هذا حاضراً بكذا وآجال بكذا وكذا؟ اجلواب: نعم ،هذا صحيح ،ويقع العقد على ذلك ،ولذلك النيب ﷺ قال له: أوكسهما أو الراب ،مبعىن :أن العقد وقع على الثمنني ،وهذا الذي نقوله، وهو الذي فسر به السلف هذا ،وليس كما فهم بعض العلماء األجالء أنه مطلقاً ،ألن احلديث يدل على هذا األمر وهو أن العقد وقع على الثمنني، ولذا قال :فله أوكسهما ،إذن فيه مثن عايل ومثن أقل يف العقد أو الراب، وكالمها ال جيوز ،مبعىن :أن الفهم الصحيح للحديث :أن هذا ليس ختيريا بل هو بيان أنه ال جيوز يف الصورتني. |75 فقه املعامالت املالية ()1 السؤال الثالث عشر :أشرمت إىل بيع املراحبة ،فهل بيع املراحبة الواقع يف املصارف اإلسالمية جائز؟ نرجو التفصيل؟ اجلواب: أصل بيع املراحبة جائز ،لكن هل كل ما مسي بيع مراحبة [هو] بيع مراحبة؟ [نقول ]:ال! فنجد يف بعض البنوك أهنا تسميه بيع مراحبة وجنده ربوايً، وجند أن الشروط خمتلة ،فليست العربة ابلتسمية ،ولكن العربة ابحلقيقة. ولذلك -حقيقةً -أان منهجي يف الفتوى يف مسائل العقود مع البنوك؛ أ،ي ال أفيت إال من أيتيين ابلعقد ،ألننا جربنا البنوك فوجدان أهنا تسمي األشياء بغري امسها ،فيشرتطون شروطاً ُخترج العقد عن االسم. فاآلن أان من قال يل :اي شيخ ،أان عندي معاملة يف البنك .أقول له: وجدت أهنا متفقة مع الصورة هات يل صورة العقد ،فأقرأ الشروط ،فإذا ُ وجدت أهنا ال تتفق مع الصورة الشرعية قلت قلت له :جيوز ،وإذا ُ الشرعية ُ له :ال جيوز لكذا. فبيع املراحبة من حيث أصله جيوز ،لكن هل كل ما يقع يف البنوك من بيع ويسموهنا مراحبة هو مراحبة؟ نقول :ال ،ولذلك ال بد من التنبه إىل مسألة العقود. فقه املعامالت املالية ()1 | 76 السؤال الرابع عشر :رجل يشرتي السيارة من أمريكا عن طريق شركة شحن ،فيدفع العربون فقط ،ومن مثّ يعرض السيارة للبيع ،يقول :مثاله قيمة السيارة ثالثون ألفاً ودفع مخسة آالف ،فما حكم هذه الصورة؟ اجلواب: ال إشكال هنا ،هذا الرجل يشرتي السيارة بثمن مؤجل ،ولكنها دخلت يف ضمانه ،ودفع جزءً من الثمن -ليس العربون -دفع جزء من الثمن، ألن العربون يكون قبل العقد ،لكن هو دفع جزءً من الثمن وبقي اجلزء اآلخر مؤجالً يدفعه بعد سنة ،هل جيوز له أن يبيع السيارة ؟ نعم ،جيوز له أن يبيع السيارة ،ألنه ملكها وانتقلت إىل ضمانه ،أما إذا كان ال يقع امللك فال جيوز. لكن الواقع اآلن :هذا األخ اشرتى السيارة مبئة ألف ،دفع مخسني ألفا، بقي عليه مخسون ألفاً ،بعد مخسة أشهر جاءته السيارة يريد أن يبيعها ،هل جيوز له أن يبيعها؟ نقول :نعم ،من اشرتى سلعة بثمن مؤجل ملكها ،فإذا ملكها جاز له أن يبيعها. [مداخلة :هل جيوز أن يبيعها قبل أن حيوزها؟] ال ،هذه مسألة أخرى ،أن يبيع السلعة قبل أن حيوزها ،هذه مسألة أخرى ستأتينا إن شاء هللا يف القواعد. |77 فقه املعامالت املالية ()1 أما كالم األخ اآلن يقول :اشرتى السيارة من أمريكا ودفع جزءً من مثنها وعرضها للبيع ،مبعىن :أنه ملكها ملكاً مستقراً ،يعين :وحازها ،أما إذا كانت الصورة كما يقولون :يعربن يف السيارات وهو لـمـّا ميلكها مث يعرضها قبل أن يتم امللك؛ فال جيوز للنسان أن يبيع ما ال ميلك. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 78 الدرس الثالث: احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث رمحة للعاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني ..أما بعد كنا البارحة -اي إخوة -نتكلم عن القاعدة األوىل ،وهي القاعدة العظيمة يف البيوع ،بل وهي أم قاعدة البيوع وهي" :أن األصل يف البيوع اإلابحة"، وقلنا أن هذا هو قول مجهور أهل العلم ،وهو الصحيح الذي تدل عليه األدلة. فالقاعدة املستمرة :أن املسلم جيوز له أن يبيع ويشرتي ما ِل مينع من ذلك كف املسلم عن البيع. الشرع ،فإن وجد املانع الشرعي ّ وقلت :إن هذه القاعدة تُطلق يد املسلم يف البيوع إال إذا وجد املانع. ُ وقلت :إن املانع يضبطه ضابط واحد وهو :أن يؤدي إىل النزاع ،فإذا ُ وجد يف البيع ما يؤدي إىل النزاع غالباً؛ ف مقف! وهذه -إن شاء هللا -قاعدة سنذكرها ونفصل أنواعها على ما ورد يف سنة النيب ﷺ ،وذكران أمثلة لبعض البيوع ،ما يدخل منها حتت القاعدة وما خيرج ،لنعرف كيف ننظر إىل الفروع ،ووقفنا عند مسألة األسهم ،بيع األسهم. |79 فقه املعامالت املالية ()1 تعرب عن مشاركة يف جزء مشاع يف الشركة. وقلنا إن األسهم هي :ورقة ّ مث اختلف املعاصرون :هل هذه املشاركة يف مجيع ما يف الشركة ،أو يف الذمة االعتبارية للشركة؟ وقلنا :إن األسهم يف بيعها تنقسم إىل ثالثة أقسام: .1أسهم لشركات نقية. .2وأسهم لشركات حمرمة. .3وأسهم لشركات خمتلطة. وقلنا :إن أسهم الشركات النقية :هي األسهم يف الشركات اليت يكون يف عملها مباحاً ،ونظامها مباحاً ،وإدارهتا مباحة. يكون عملها مباحاً :شركة تبيع األرز ،شركة تبيع الكتب ،أو غريذلك. ونظامها مباحاً :ليس يف النظام األساسي للشركة حمرم ،ال ينص يفالنظام مثالً على أهنا تقرتض من البنوك الربوية ،أو أهنا هلا أن تتعامل يف معامالت حمرمة ،بل نظامها مباحاً. -وإدارهتا مباحة :فتعمل وفق النظام وال تدخل أمراً حمرماً عليها. فقه املعامالت املالية ()1 | 80 هذه الشركة نقية جيوز عند مجهور العلماء املعاصرين بيع أسهمها وشرائها من غري إشكال. وأما الشركات احملرمة :فهي اليت يكون يف عملها حرام أو يف نظامها حرام. يكون يف عملها حرام :إما مطلقاً ،كشركات تبيع الدخان. أو فيه حالل وفيه حرام ،مثالً :شركة تسجيالت وصوتيات عندهاأشرطة دينية وعندها أشرطة أغا،ي. أو كان يف نظامها حرام :فيكون النظام الذي أنشئت به الشركةينص على أمور حمرمة يف العمل أو يف التمويل ،فهذه الشركات حمرمة ،مثل: أن ينص النظام على أن هذه الشركة يقوم متويلها على االقرتاض من البنوك الربوية ،فهذه الشركة حمرمة. وأما ما ذهب إليه بعض العلماء املعاصرين من أنه إذا كان يف عمل الشركة مباح وحمرم تصبح خمتلطة ،وأنه إذا كان يف نظامها نسبة معينة من الراب تصبح خمتلطة وهي نسبة الثالثني يف املئة فأقل؛ فهذا ال وجه له شرعاً. بل إذا ُوجد الراب يف شركة فهي شركة حمرمة ولو درهم واحد ،وهذه شركات ال جيوز شراء أسهمها وال بيع أسهمها ،لوجود املانع الشرعي. |81 فقه املعامالت املالية ()1 وأما الشركات املختلطة :فالتحقيق [أن ]:الشركات اليت يكون عملها مباحاً ،ويكون عملها مباحاً ،ولكن يقع اخللل من إدارهتا. عملها مباح ،ونظامها األساسي املكتوب مباح ليس فيه إشكال ،لكن جملس اإلدارة يقرتض ابلراب مثالً ،يتخذ قرارا فيه خمالفة ،فهذه الشركة خمتلطة ،ليست حمرمة؛ ألن نظامها وعملها ليس فيه احلرام ،وليست نقية؛ لدخول هذا األمر فيها .وهذا شأن املشتبهات. املشتبهات اليت قال فيها النيب ﷺ :احلالل بني واحلرام بني ،وبينهما أمور مشتبهات ،)1(أصح ما قاله العلماء يف ضبط املشتبهات هو الذي جيتذبه أصالن :أصل جيذبه إىل احلل ،وأصل جيذبه إىل احلرمة. إذا نظرت إىل األصل هذا قلت :إنه حالل. وإذا نظرت إىل األصل الثا،ي قلت :إنه حرام فيشتبه األمر. وأان دئماً أمثل هلذا -من ابب تقرير األصل وإن ِل يكن يف مسائل البيوع -مبا أحدثه النساء اليوم مما يُسمى بـ ( )1رواه البخاري ومسلم. فقه املعامالت املالية ()1 | 82 تشقري احلواجب: وهو أن تضع املرأة لوانً على حاجبها يشبه لون بشرهتا[ ،هي] ال تزيله؛ ولكن تضع لوان فتصغمّره. هنا إذا نظران إىل كونه :يصغمّر احلاجب ويغري اخللقة؛ فهذا أصل ينزع إىل للحسن. التحرمي ،ألن النامصة لُعنت لكوهنا مغرية خللق هللا ُ وإذا نظران إىل أنه :تغيري ابللون ال يزيل األصل ،بل األصل ابق ،اختلف عن النمص ،وجتمل املرأة ابللون األصل فيه اجلواز. فالصحيح عندي أنه من ابب املشتبهات ،ليس من احلرام البني ،وال من احلالل البني ،والقاعدة الشرعية يف املشتبهات؛ احلث على اجتناهبا من غري تأثيم. فبيع األسهم للشركات املختلطة وشراؤها؛ حنث على اجتنابه ،فإنه أبرء للدين والعرض ،ولكن ال نـُؤثمـّ ُم به ،فإذا اشرتى اإلنسان أسهما من هذه الشركات؛ ال نقول إنه آمث ،وال نقول إن البيع ابطل؛ بل البيع صحيح ،وإن كان األوىل أن ال يشرتي ،وحنثه على ترك هذا األمر حثاً بيناً. مث ترتب على هذا مسألة وهي :إذا اشرتى أسهما خمتلطة هل يلزمه أن يُطهرها؟ |83 فقه املعامالت املالية ()1 بعض أهل العلم قالوا إذا اشرتى أسهما من الشركات املختلطة فإنه ُخيرج شيئا من الربح من ابب تطهريه ،لكن الذي يظهر يل -وهللا أعلم -أن إلزام الناس هبذا ال وجه له. وأما إن أراد اإلنسان -من ابب اطمئنان القلب -أن يتصدق بشيء من الربح فهذا شيء حسن ،لكن أن يُلزم الناس إبخراج مبلغ من الربح للتطهري؛ فهذا ال وجه له. بل نقول :إن اإلنسان إذا اشرتى أسهما نقية فالربح له ،وإذا اشرتى أسهما من الشركات املختلطة فالربح له ،وإن شاء أن يتصدق فحسن ،وإن كنّا حنثه حثاً شديداً على أن جيتنب أسهم الشركات املختلطة ملا فيها من املشتبهات. عندان أيضاً مسألة عصرية ،وهي: مسألة بيع احلقوق املعنوية. ما هو احلق املعنوي؟ احلق املعنوي :سلطة لشخص على شيء غري عيين ،غري مادي: كالتأليف ،واالخرتاع ،والعالمات التجارية. هذا حق معنوي ،ألنه يقع على غري عني ،فهذا حق معنوي. فقه املعامالت املالية ()1 | 84 هذه احلقوق املعنويةُ ،وجدت يف هذا الزمان ،هي نوعان: حق أديب. وحق مايل.احلق األديب :هو قدرة صاحبها على التصرف فيها ،ومنع غريه منها، ألفت كتاابً؛ يُصبح يل احلق يف أن أتصرف يف هذا الكتاب، يعين :إذا ُ أمنع غريي من طباعته ،وهذا ال ُخيتلف فيه. فأدفعه إىل املطبعة لتطبعهُ ، وحق مادي :وهو أن يصبح للنسان السلطة يف بيعه ،واملنع من التصرف فيه ابلبيع والشراء ،وهذا حق مايل ،والذي عليه مجهور الفقهاء املعاصرين وأفتت به اجملامع الفقهية؛ أن هذا احلق اثبت ،وهو متفق مع قول اجلمهور – املالكية والشافعية واحلنابلة – ألن هذه احلقوق أصبح هلا قيمة مالية يف عرف الناس ،والقاعدة الشرعية :أن ما ورد به الشرع مطلقاً وال ضابط له فيه ،وال يف اللغة؛ يُرجع فيه إىل العرف. كل ما ورد يف الشرع مضبوط ،ال يوجد يف الشرع شيء غري منضبط، لكن ضبطه: إما يكون ابلشرع :وهذا إذا وجد؛ ال يُلتفت إىل غريه ،مثل الصالة، ضبط الصالة ورد ابلشرع. |85 فقه املعامالت املالية ()1 فإن ِل يوجد ضابط الشيء ابلشرع؛ فإنه يُضبط ابللغة ،يُنظر إىل معناه يف اللغة. فإذا ِل يوجد له ضابط يف اللغة؛ فإنه يُضبط ابلعادة والعرف. مثل احلرز :فمن شروط قطع اليد يف السرقة أن يُؤخذ املال من حرزه. طيب :ما هو احلرز؟ ما هو حرز اجملوهرات؟ ما هو حرز النقود؟ ما هو حرز الدواب؟ رجعنا إىل الشرع فلم جند ضابطاً فيه حيدد ،رجعنا إىل اللغة فوجدان أن احلرز مكان احلفظ لكن ِل حيدد حرز األنواعُ ،فريجع يف ذلك إىل العرف، فما عد يف عرف الناس حرزاً فهو حرز ،وما ِل يعد حرزاً فليس حبرز. يقول مجهور الفقهاء املعاصرين :إن املال الذي ُميلك؛ ورد يف الشرع، وورد يف الشرع حفظه ،ولكن ِل يرد يف الشرع ضبطه ،أي :أي ِل يرد حده يف شيء معني ،وال يف اللغةُ ،فريجع يف ذلك إىل العرف ،والعرف اليوم يعترب هذه احلقوق ماالً ،وابلتايل يكون هذا احلق ماالً. يرتتب على هذا أنه جيوز للنسان أن يبيع حق التأليف ،حق النشر، سواء كانت املادة مكتوبة أو مسموعة ،وأن يبيع حق براءة االخرتاع ،وأن يبيع حق العالمة التجارية. | 86 فقه املعامالت املالية ()1 ويرتتب على ذلك أن من كانت عنده عالمة جتارية ،فإن له احلق فيها، وال جيوز االعتداء عليه فيها بتقليد أو غري ذلك. إذا ُوجدت عالمة جتارية حمفوظة مثبتة فال جيوز للنسان أن يذهب ويقلد هذه العالمة فيبيع ويشرتي إال إبذن من صاحبها أو مالكها ،وهذا الذي جرت عليه الفتوى يف اجملامع الفقهية. هذه نظرة إىل بعض أنواع البيوع يف ضوء القاعدة "األصل يف البيوع اإلابحة". ننتقل منها إىل القاعدة الثانية وهي قاعدة متعلقة بوسائل عقد البيوع، هذه القاعدة يقول فيها العلماء: *** |87 فقه املعامالت املالية ()1 [القاعدة الثانية]: "العربة يف العقود للمقاصد واملعاين ال لأللفاظ واملباين". وهذه القاعدة خمتلف فيها بني فقهاء األمة ،ولذلك يصوغها بعض علماء القواعد بصيغة االستفهام؛ هل العربة يف العقود بصيغها ومبانيها أم مبقاصدها ومعانيها؟ هذه املسألة اختلف فيها الفقهاء ،والراجح فيها :أن العربة ابملقاصد واملعا،ي ال ابأللفاظ واملبا،ي. ومعىن هذه القاعدة عندما نصوغها بصيغة االستفهام :هل املعترب يف انعقاد العقود النظر إىل األلفاظ أم املعترب النظر إىل املعا،ي؟ وتظهر فائدة هذه القاعدة فيما لو كان اللفظ أطلق على معىن غري املعروف ،مثالً قال :بعتك بنيت بعشرين ألفا ،وقال :قبلت. هنا طبعا ال يُتصور أن املقصود ابلبيع هو البيع احلقيقي ،ولكن املقصود هنا النكاح ،اللفظ لفظ بيع ،واملعىن النكاح ،فهل ننظر إىل اللفظ فنقول: هذا العقد ابطل ألن بيع احلرة ال جيوز؛ أو ننظر إىل املقصود فنقول :ما دام أن املقصود مفهوم فإن العربة ابملقاصد؟ قال مثالً :كفلت فالان بشرط أنه بريء. فقه املعامالت املالية ()1 | 88 فالن استدان من شخص مئة ألف ،فجاء شخص فقال :أان أكفله بشرط أنه بريء ،يعين :بشرط أنه يربء اآلن .اللفظ لفظ كفالة ،واملعىن؟ ضم ذمة إىل ذمة. اللفظ لفظ كفالة ،والكفالة كما تعرفون ُّ هنا ليس فيه ضم ذمة إىل ذمة ،ألن الكفيل ماذا قال؟ أكفله بشرط أنه بريء ،إذن أبرء ذمة األول وحتمل هو ،فأصبحت حواله ،حول الدين إىل ذمته ،فاللفظ لفظ الكفالة واملعىن معىن احلوالة ،فهل النظر إىل الصيغ أو النظر إىل املعا،ي واملقاصد؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن النظر إىل املعا،ي واملقاصد ،فكل لفظ دل على معناً مفهوم؛ انعقد به العقد ،كل لفظ دل على املعىن املقصود داللة مفهومة انعقد به العقد ،املهم أن يُفهم املعىن ،وأن يُفهم املقصود ،وأن ال يؤدي إىل النزاع ،لقول النيب ﷺ :إمنا األعمال ابلنيات وإمنا لكل امرئ ما نوى .فجعل النيب ﷺ األصل يف األعمال -قوهلا وفعلها – النية ،وأنه حيصل للنسان ما نوى. نضرب أمثله يف البيوع: |89 فقه املعامالت املالية ()1 شخص قال" :وهبتك سياريت أبلف" .الصيغة؛ صيغة هبة ،واملعىن؛ بيع. فالصحيح من أقوال أهل العلم :أن هذا العقد بيع ،وترتتب عليه أحكام البيع ،ألن العربة ابملقاصد. أسلفت إليك هذا الكتاب أسلمت إليك أو إذا قال شخص آلخر" : ُ ُ هبذا الثوب" ،اللفظ لفظ السلم ،لكن املعىن بيع حاضر ،ألن السلم بيع أسلمت لك هذا الكتاب يف هذا الثوب، موصوف يف الذمة ،وهذا يقول ُ فهو بيع حاضر حباضر ،املعىن بيع ،واللفظ لفظ السلم ،الصحيح من أقوال أهل العلم :أن هذا العقد منعقد وله أحكام البيع. إذا قال إنسان آلخر" :بعتك سياريت بال مثن" .اللفظ لفظ البيع ،واملعىن هبة ،فالصحيح أن هذا العقد عقد هبة ،وتلحقه أحكام اهلبة ،وال تلحقه أحكام البيع. إذا قال شخص آلخر" :بعتك منفعة داري سنة خبمسة آالف" ،اللفظ لفظ البيع ،واملعىن إجارة ،فالصحيح من أقوال أهل العلم :أن هذا العقد عقد إجارة ،وتلحقه أحكام عقد اإلجارة ،وليست أحكام عقد البيع. كما قلنا :مجهور أهل العلم على هذا :احلنفية ،واملالكية ،واحلنابلة يف قول ،والشافعية يف قول على هذا ،وإن كان عند احلنابلة والشافعية خالف، فقه املعامالت املالية ()1 | 90 لكن اجلمهور على هذا ،وهو الذي تدل عليه األدلة ،واستدلوا على هذا كما قلنا: أوال :بقول النيب ﷺ :إمنا األعمال ابلنيات وإمنا لكل امرئ ما نوى. وأيضاً قالوا :اعتبار القصود واملعا،ي أوىل من اعتبار األلفاظ ،ملاذا؟ قالوا: أصال ملاذا أنيت ابللفظ؟ ما فائدة اللفظ؟ أن نُعرب عن املعىن الذي نريد .فما هو األصل؟ هل األصل هو املعىن الذي يريده اإلنسان أو اللفظ؟ [األصل] :املعىن ،واللفظ :وسيلة ،واعتبار املقصود أوىل من اعتبار الوسيلة، ولذلك اعتبار املعا،ي يف العقود أوىل من اعتبار األلفاظ. كذلك قالوا -ونص على هذا شيخ االسالم ابن تيميه رمحه هللا :-أن املقصود فهم مراد املتكلم ،فحيث ما فُهم مراد املتكلم؛ حصل املقصود الشرعي. ومما يدل على ذلك -أن اختالف اللفظ ال يغري من حقيقة املعىن ،بل يعاد ابللفظ إىل املعىن -أن النيب ﷺ استعمل رجالً من األزد على انحية، على الصدقة ،فلما جاء حاسبه ،فقال الرجل :هذا مالكم وهذا هدية .هذا مالكم ،يعين :الصدقة ،وهذا هدية أهديت له من الناس الذين ذهب أييت بصدقاهتم ،فمذا مساها؟ هدية ،والناس قدموها له على أهنا هدية .فماذا قال |91 فقه املعامالت املالية ()1 فهال جلست يف بيت أبيك وأمك حىت تأتيك هديتك الرسول ﷺ؟ قالّ : إن كنت صادقا؟ ،)1(هذه وإن ُمسيت هدية؛ فليست هدية ،ألن املقصود منها الرشوة ،وهدااي العمال غلول ،فلم يكن للفظ أثر ،وإمنا النظر إىل املعىن. اآلن بعض الناس يقدمون الرشاوى للمسؤولني يف الوظائف ويقول: هدية! عربون صداقة! وقد تكون هذه اهلدية -اليت هي رشوة – مبال ،وقد تكون بعني ،وقد تكون إبكرام .بعض الناس مثال يذبح للمسؤول ،ويوِل له من أجل أنه مسؤول ويقول هذا إكرام! العربة ابحلقيقة وهذا الذي دل عليه فعل النيب ﷺ. ومن دقيق عبارات شيخ االسالم بن تيمية رمحه هللا يف هذا الباب أنه قال" :إن العقد جنس ال يشرع فيه التعبد" .يعين ِل يرد التعبد يف العقود ابأللفاظ ،وما دام ِل يرد فيه التعبد؛ فالباب فيه واسع ،فحيثما عرب الناس مبا يُف مهم مقصودهم فاملعىن صحيح. ( )1رواه البخاري ومسلم. فقه املعامالت املالية ()1 | 92 ومما يدل على ذلك أيضاً :أنه مع ابتالء الناس ابلبيوع والعقود ِل يرد عن النيب ﷺ دليل على اإللزام بلفظ معني ،ولو كان اإللزام بلفظ معني شرعاً لبينه النيب ﷺ. يعين يقول مجهور العلماء :العقود موجودة يف زمن النيب ﷺ ويكثر ابتالء الناس هبا ،فلو كان هلا ألفاظ حمددة؛ لدل النيب ﷺ على حتديدها ،فلما ِل ينقل عن النيب ﷺ بيان؛ علمنا أن األمر فيها واسع ،وأهنا راجعة إىل أعراف الناس. بعض أهل العلم ممن يرون أن العربة يف العقود للمقاصد واملعا،ي يستثنون من ذلك النكاح ،يقولون نعم :العربة يف العقود للمعا،ي واملقاصد وال تُشرتط األلفاظ ،ولكن نستثين من ذلك النكاح ،فإن النكاح يُلتزم فيه ابأللفاظ الدالة على النكاح ،ملاذا؟ قالوا :احتياطاً لألعراض. قالوا :وجدان الشرع حيتاط لألعراض ما ال حيتاط لغريها ،حىت أن الزان - والعياذ ابهلل -ال يثبت إال بشهادة أربعة شهود ،بشروط دقيقة جداً حىت تثبت هذه الشهادة ،احتياطاً لألعراض .بينما القصاص يثبت بشهادة شاهدين. |93 فقه املعامالت املالية ()1 قالوا :فوجدان الشرع حيتاط لألعراض ما ال حيتاط لغريها ،ومن االحتياط لألعراض أن نشرتط للنكاح األلفاظ املعلومة ،ملاذا؟ ألن النكاح استباحة للعرض[ ،و] األصل يف العرض -يف البضع -التحرمي ،والنكاح سبب لالستباحة ،فلما كان ذلك كذلك قلنا :إن النكاح ال بد فيه من األلفاظ املعلومة. وهذا عندي أحوط وهللا أعلم وأجود .وهو أن النكاح يُستثىن من القاعدة. طبعاً هذا خارج عن مسائلنا من جهة العقود املالية ولكنه متعلق ابلقاعدة. فالنكاح ينبغي االلتزام فيه ابأللفاظ املعروفة اليت تدل على النكاح ،مبعىن ال أييت إنسان ويقول :بعتك بنيت بعشرين ألفاً ،وإمنا يقول :زوجتك، أنكحتك ،أو غري ذلك من األلفاظ املعروفة الدالة على النكاح. يتفرع عن هذه القاعدة :أنه ال يشرتط النعقاد البيع لفظ. بل قد ينعقد البيع ابلفعل .ألن اللفظ غري مقصود. ملا تبني لنا أن اللفظ غري مقصود؛ فإن البيع ال يُشرتط له اللفظ ،فينعقد ابلفعل ،وهذا ما يُسمى عند الفقهاء بـ: فقه املعامالت املالية ()1 | 94 بيع املعاطاة :أن يقع بيع السلعة ودفع الثمن من غري ختلل لفظ. اآلن هذا يقع كثرياً ،يدخل الواحد منا البمقالة ويعرف سعر اخلبز مثالً فيأيت وأيخذ اخلبز ،ويذهب إىل احملاسب ،ويدفع املبلغ ،وخيرج ،بدون أن يقول" :هذا بكم؟" وبدون أن يقول له" :بكذا" ،هذا بيع املعاطاة. ومجهور العلماء على جواز بيع املعاطاة ،وأن البيع ينعقد ابلفعل. ملاذا؟ ألمور منها: أوالً :أنه تبني لنا أن اللفظ غري مقصود ،وأن العربة ابملقاصد واملعا،ي، فإذا دل الفعل على املقصود حصل املراد الشرعي. ومنها :أن البيع ورد يف الشرع مطلقاً ،وال ضابط له فيه وال يف اللغة، فريجع فيه إىل العرف. ومنها :أن بيع املعاطاة يقع يف أقطار املسلمني من غري نكري فكان إمجاعاً .يعين :جنس بيع املعاطاة موجود يف كل مكان ،وإن كانت السلعة ختتلف – السلعة اليت يف اإلمارات غري السلعة اليت يف السعودية ،غري السلعة اليت يف إندونيسيا – لكن صورة بيع املعاطاة موجودة يف أقطار املسلمني من غري نكري فكان إمجاعاً. ويرتتب على هذا أيضاً :أن البيع ينعقد ابلكتابة ،وال سيما من الغائب. |95 فقه املعامالت املالية ()1 البيع ينعقد ابلكتابة من احلاضر على الصحيح ،ومن الغائب عند مجهور أهل العلم وهو الصحيح. فلو أن شخصاً كتب آلخر" :بعين سيارتك خبمسة آالف" ،وكتب له اآلخر" :قبلت" ،فإن البيع ينعقد هبذا على الصحيح من أقوال أهل العم. يقيم يف بلد ،وعلم أن شخصاً يريد أن يبيع بيته يف بلد ولو أن شخصاً ُ آخر ،إنسان من بلد ،مثالً جاء يف اإلمارات ،من مصر ،من سوراي ،من أي بلد ،مقيم يف اإلمارات ،وعلم أن رجالً من أهل قريته ،من أهل مدينته يريد أن يبيع بيته ،وهو يعرف هذا البيت ،فكتب رسالة من فالن بن فالن إىل فالن :بعين بيتك الكائن يف كذا املعروف بكذا مبئة ألف .ملا جاءت الرسالة ،قرء فقال :بعتك؛ يصح العقد وينعقد. لكن هنا ننبه إىل أمور: األمر األول :ال بد أن تكون الكتابة مستبينة. والكتابة املستبينة :هي اليت تكون احلروف فيها ظاهرة ويبقى هلا أثر. أما الكتابة اليت ال تكون احلروف فيها ظاهرة وال يبقى هلا أثر؛ فهي عند مجاهري العلماء مبنزلة حديث النفس. فقه املعامالت املالية ()1 | 96 ط الشيخ بيده يف اهلواء] مثال :إنسان أمام امرأته ،فكتب هكذا [ خ ّ وكتب" :أنت طالق" بدون أن يتكلم ،هنا يقول مجاهري العلماء من السلف واخللف هذه الكتابة غري معتربة وال يقع هبا الطالق ،بل هي مبنزلة حديث النفس ،ألن الكتابة غري مستبينة ،كتابة يف اهلواء ،ال تظهر احلروف. أو هي انئمة جبواره على املخدة ،على الوسادة ،فكتب هلا أبصبعه على الوسادة "أنت طالق" ،بدون أن يتلفظ ،عند مجاهري العلماء ال يقع هبذه الكتابة الطالق. أو كتب ابملسمار على ثلج يذوب مباشرة ،أو على سطح املاء كتب أبصبعه ،فهذه عند مجهور أهل العلم مبنزلة حديث النفس وال يقع هبا شيء. إذن أول شيء يف الكتابة املستبينة ،الكتابة اليت تعترب؛ أن تكون احلروف فيها ظاهرة وأن يبقى هلا أثر. وأن تكون مرسومة. مرسومة :يعين :معنونة ،معروفة أهنا من فالن إىل فالن ،وال زال هذا املصطلح يُستعمل يف القضاء ،فيقال هذا اخلطاب :مرسوم. قد يسأل القاضي أحياانً :هل اخلطاب الذي معك مرسوم أو غري مرسوم؟ |97 فقه املعامالت املالية ()1 مرسوم :يعين معروف أنه من فالن إىل فالن ،مكتوب أنه من فالن إىل فالن. فإذا كان مبهماً؛ يعين :كتب شخص رسالة إىل شخص يف بلده" :بعين بيتك الفال،ي مبئة ألف" بدون أن يكتب من هو! هذا الكتاب غري معترب. إذن ال بد أن تكون الكتابة مستبينة ،مرسومة ،معلومة أنه من فالن إىل فالن. األمر الثاين الذي ننبه عليه :أنه يشرتط أن يقع القبول يف اجمللس الذي يقرأ فيه الكتاب. يُشرتط أن يقع القبول يف اجمللس الذي يقرأ فيه الرسالة ،ملاذا؟ ألنه يشرتط يف صحة البيع احتاد اجمللس بني اإلجياب والقبول ،فلو قال شخص آلخر :بعين سيارتك ٍ أبلف ومها يف جملس ،فذهب صاحب السيارة، ومن الغد قال :قبلتِ ،ل ينعقد البيع .ال بد من إعادة املشرتي قول :بعين سيارتك أبلف. فيشرتط يف صحة البيع احتاد اجمللس. بل بعض الفقهاء – وإن كان هذا مرجوحاً – يشرتط االتصال بني اإلجياب والقبول ،لكن هذا مرجوح ،والصحيح احتاد اجمللس. فقه املعامالت املالية ()1 | 98 طيب :ما هو اجمللس؟ يقول اجلمهور :اجمللس الذي يُقرأ فيه الرسالة ،ليس الذي تبلغه فيه الرسالة ،ألنه ممكن تصله الرسالة مغلقة وهو يف املكتب فال يقرؤها ،وإمنا يقرؤها يف البيت. قبلت ،متّ العقد .وهذا هو يكون اجمللس عندما يقرأ ،فإذا قرأ وقالُ : جملس العقد. يتفرع على هذا: البيع بوسائل االتصال احلديثة كاهلاتف ،وجملس العقد يف االتصال اهلاتفي هو وقت املكاملة. [مثال ]:اتصل على أخيه يف بلد وقال :أريد أن أشرتي بيتك ،أو بعين بيتك الفال،ي بكذا ،وقال :قبلت[ ،هنا] متّ العقد. لكن اتصل عليه وقال :بعين بيتك الفال،ي بكذا وقال :نرى ،وبعد يوم اتصل عليه وقال :قبلت ،نقول ال بد من إعادة اإلجياب والقبول. ومنه البيع عن طريق اإلنرتنت ،حبيث يبيع ويشرتي :إما ابلربيد اإللكرتو،ي ،أو عن طريق احملاداثت الفورية ،أو عن طريق احملاداثت املرئية اليت تُسمى اليوم مبحاداثت الفيديو. فالبيع هبذه الطرق ينعقد عند مجهور أهل العلم ،ويكون اجمللس هو وقت االطالع على الطلب ،فإذا كان الربيد اإللكرتو،ي؛ وقت ما يفتح الربيد اإللكرتو،ي ويقرأ يكون هذا هو اجمللس. |99 فقه املعامالت املالية ()1 إذا كان ابحملادثة؛ وقت احملادثة ،سواء كانت صوتية أو [مرئية]. لكن ننبه قبل أن نغادر هذه النقطة إىل أمر :وهو أنه يُشرتط يف البيوع اليت تنعقد ابلكتابة من الغائب أو بوسائل االتصال احلديثة؛ أن ال تكون يف سلعة يشرتط فيها التقابض يف اجمللس ،لعدم إمكان التقابض. يعين مثالً الذهب :ال يصلح أن ينعقد ابلكتابة ،يكتب له رسالة مثالً: "بعين عقد الذهب املوجود عندك ،املعروف ،والذي يزن كذا؛ مبئة ألف" ويقول :قبلت .ألنه يُشرتط يف بيع الذهب التقابض يف اجمللس ،وهنا ال ميكن التقابض. وخرج بعض أهل العلم إمكانية جواز هذا يف حالة واحدة وهي :أن يكون للبائع وكيل وللمشرتي وكيل ،فيُقبض وكيل املشرتي البائع الثمن، ويُقبض وكيل البائ مع البائع( )1السلعة. أنيت هبا يف مسألة تقع كثرياً جداً اآلن ،وهي: مسألة صرف العمالت. أحياانً بعض الظروف االقتصادية جتعل اإلنسان حمتاجاً إىل الصرف من بلد إىل بلد بدون الطرق املعروفة ،يعين :رجل يكون يف اإلمارات ورجل يكون يف أمريكا ،الرجل الذي يف أمريكا عنده الدوالرات ويريد أن يصرفها بدراهم يف اإلمارات ،األصل هنا عدم اجلواز ألنه ال حيصل التقابض. ( )1لعل الصواب :املشرتي. | 100 فقه املعامالت املالية ()1 خرج بعض أهل العلم صورة ميكن أن يقع هبا اجلواز وهي :أن لكن ّ يكون للبائع وكيل ،وللمشرتي وكيل ،وكيل املشرتي عند البائع ،ووكيل البائع عند املشرتي ،فيُقبض وكيل املشرتي البائع الثمن اآلن ،ويُقبض البائع وكيل املشرتي السلعة اآلن ،فيحصل التقابض يف نفس اجمللس ،وهذا له وجه شرعي ،حبيث يتفقون على اجمللس ،فيقع التقابض يف نفس اجمللس ،وهذه الصورة ختريج جيد ملثل هذه املسألة ،ال سيما مسألة صرف العمالت اليت يُسأل عنها كثرياً اآلن ،خاصة بني الدول اليت تقع بينها التجارات ويصعب نوع من فيها التصارف أو إخراج مبلغ معني من املال .فيحتاج فيها إىل ٍ املعاملة املباشرة للصرف فيمكن أن يكون األمر هكذا. وإال فاألصل يف كل سلعة يشرتط لصحة البيع فيها التقابض يف جملس العقد؛ أهنا ال تنعقد ابلكتابة ،وال ابإلنرتنت ،وال ابهلاتف ،إال إذا وجدان طريقة حيصل فيها التقابض يف نفس اجمللس. فإذا وجدان هذه الطريقة فإن اإلشكال الشرعي يزول يف هذا الباب. قريب من هذه القاعدة: *** |101 فقه املعامالت املالية ()1 القاعدة الثالثة وهي :القصود مؤثرة يف العقود. وهي قاعدة خالفية ،وميكن أن تصوغها بصيغة اخلالف" :هل القصود مؤثرة يف العقود؟" ،يعين :هل العربة ابلظاهر أو العربة ابملقصود؟ القصود -على الراجح -هلا أثر يف العقود ،إما من حيث اجلواز ،وإما من حيث الصحة. القصد له نصيب من احلكم ،فإذا كان القصد فاسداً واطُلع عليه؛ فإنه ُحيكم بفساد العقد ظاهراً ،أما إذا ِل يطلع عليه فإن العقد يكون فاسداً يف الباطن ،أي بني العبد وبني ربه سبحانه وتعاىل. ونضرب لذلك مثاالً وإن ِل يكن يف البيوع ولكن يُقرب املعىن: امرأة طلقها زوجها ثالاثً ،فال حتل له حىت تنكح زوجاً غريه. [( )1سبحان هللا اي أخوة ،أحياانً اإلنسان يظن بعض األمور ال يقع فيها جهل ،وجتد فيها جهالً .مسألة الطالق الثالث ،أان فوجئت مرة بسائلة تتصل يب وتسأل عن شيء يتعلق ابلرجعة وهي من عندان من السعودية، قلت: قلت :الثانية؟ قالت :الُ ، سألتها :هل هذه الطلقة األوىل؟ قالت :الُ ، ( )1من هنا استطرد الشيخ من ابب ختفيف اجمللس. فقه املعامالت املالية ()1 | 102 قلت :كيف؟ قالت طلقين سبع مرات ،لكن يعين طلقك ثالاث؟ قالت :ال! ُ كل مرة لوحدها! يطلقها ويراجعها سبع مرات ،وهذه السابعة اتصلت تسألين ،عندها إشكال مبسألة الرجعة – أظن إذا ما نسيت هل هلا حق أن تطلب ماالً أو ليس هلا حق أن تطلب ماالً ،أما الرجوع ما عندها إشكال! ملاذا؟ ألهنا تظن أن طالق الثالث أن يطلقها ثالاثً معاً ،أما يطلقها مرة، يطلقها مرة ،يطلقها مرة ،هذا ليس ثالث. فقلت هلا :اي أخيت ،ما جيوز لك فتقول طلقها سبع مرات هذه السابعةُ ، أن ترجعي إليه ،بل جيب عليكم أن تستغفروا من املاضي الذي وقع ،و م أنت اآلن أصبحيت حمرمة عليه حىت تنكحي زوجاً غريه. وأان من هنا أنبه اي إخوة – خاصة يف موضوع الطالق – اي طالب العلم ،عليكم ابالستفصال :كثري من الناس اآلن يتساهلون يف طرح مسائل الطالق على الشيوخ من أجل أخذ فتوى ،على قاعدة ضعها يف رقبة عاِل واخرج ساِل. فيأتون بدون أن يوضحوا املسألة ،واملسألة من اخلطورة مبكان. |103 فقه املعامالت املالية ()1 يف الفتوى :أوالً :ال بد أن تتعلم اإلنصات ،دع السائل يتكلم حىت ينتهي ،وإايك أن تبادر ابلفهم ،إال أن تشرح له املقصود فيوافقك. بعض الناس مبجرد ما يقول السائل كذا ،يقول له :نعم نعم جيوز! طيب قد أيتيك شيء يف الكالم ،إال أن يقول له :قصدك كذا وكذا وكذا؟ فيقول نعم ،فيقول :هذا جيوز ،أو هذا ال جيوز. الشاهد :مرة كنت يف االفتاء فاتصل رجل يسأل عن مسألة تتعلق ابلرجعة ،هل يلزم دفع املهر املعروف املعتاد وإال ال يلزم؟ هو قد طلقها حىت وضعت ،يعين :خرجت من العدة ،فاتصل أبحد األشياخ فقال له اعقد وجئت أان بعده على اهلاتف ،فاتصل عليها عقداً جديداً ،وذهب الشيخ ُ نفس الرجل! كان عنده إشكال يف املهر ،فقلت له :اي أخي ،كيف وقع الطالق؟ هل هذه الطلقة األوىل؟ قال :ال ،قال أان طلقتها مرة ،وطلقتها مرة ،متفرقات ،وهذه الثالثة طلقتها ،وكانت حامالً فوضعت احلمل ،فـر ّق قليب من أجل املولود فأريد أن أرجعها! فقلت له :اي أخي ما جيوز أن تُرجعها ،هذه ثالث! حىت تنكح زوجاً غريك ،قال اي شيخ حرام عليك! أان سألت الشيخ الذي قبلك وقال اعقد عقداً جديداً ،قلت :أنت ما قلت له أنك طلقت ثالاثً ،أنت قلت له :كانت امرأيت حامالً فأوقعت عليها الطالق وقد وضعت فماذا أصنع ألرجعها؟ قال :اعقد عقداً جديداً ،لكن فقه املعامالت املالية ()1 | 104 ما أخربته أنه وقع منك طالق سابق ،وإن كان الشيخ أيضاً ينبغي أن يستفصل ،فإن الناس إما بقصد وإما جبهل يُغفلون بعض هذه األمور]. الشاهد :رجل طلق امرأته ثالاثً فال حتل له حىت تنكح زوجاً غريه ،فجاء رجل متربع وعقد عليها ،وقصده أن حيللها لزوجها ،ليس هناك اتفاق وال تلفظ ،ولكنه عقد بقصد التحليل ،فإن هذا العقد ال يصح ،وال يرتتب عليه التحليل ،ولذلك يقول العلماء :ال بد أن يتزوجها زواج رغبة فيها ،وأن يطلقها طالق رغبة عنها ،حىت يصح التحليل ،وإذا حصل هذا حيصل التحليل ،فالقصود مؤثرة يف العقود. ومن ذلك: بيع اهلامزل. اهلازل ال يقصد البيع وإمنا ميزح. شخص قال آلخر ومها يتمازحان وظاهر حاهلما املزاح :بعتك سياريت هذه خبمسة آالف ،السيارة تسوى مئة ألف ،لكن ميزح مع صديقه قال: بعتك سياريت خبمسة آالف ،قال :قبلت .مث بعد ذلك قام الصديق وقال: قد وقع اإلجياب والقبول وأان أريد السيارة وهذه مخسة آالف ،قال :وهللا |105 فقه املعامالت املالية ()1 أمزح ،أان هازل ما قصدت البيع ،وال أريد البيع ،وأنت تعرف حنن منزح، قال :ال ،وقع اإلجياب والقبول وتفرقنا من اجمللس فلزم العقد. نقول :إن علمنا ابلقرائن أنه ال يقصد البيع بل كان هازال؛ فإن البيع ال ينعقد على الصحيح ،يدل على ذلك أن النيب ﷺ قال :ثالث جدهن جد وهزهلن جد النكاح والطالق والعتاق ،)1(فهذه األمور الثالثة جدهن جد وهزهلن جد .فدل ذلك على أن غريها ليس مثلها ،فهزله ال يكون جداً، جدا ويكون القصد مؤثرا يف العقود. فاهلزل يف البيوع إذا ثبت ال يكون ً أيضاً من صور القاعدة ما يسمى عند الفقهاء بـ: بيع التلجية. يعين البيع الذي يكون اإلنسان مضطرا له ،يعين :إنسان ميلك بيتا ،وأراد ظاِل أن أيخذ بيته وهو قادر عليه ،فذهب إىل رجل ذي سلطان يف البلد وقوة وشوكة فقال له :اي أخي ،فالن يريد أن أيخذ بييت وأان ضعيف ،فأان سأظهر أ،ي بعتك البيت حىت ال يتسلط علي هذا الظاِل ،فجاء فقال له: بعتك بييت مبئة ألف ،وقال :قبلت .وقع اإلجياب والقبول. ( )1رواه أبو داود والرتمذي وابن ماجه. | 106 فقه املعامالت املالية ()1 هذا يسمى عند الفقهاء ببيع التلجئة ،ألنه اإلنسان ليس خمتارا له ،وهو ال يريد أن يبيع ولكنه ملجأ إليه ليسلم من ظلم الظاِل. فبيع التلجئة عند اجلمهور ال ينعقد .ألن البائع ِل يقصد البيع ،وإمنا قصد التخلص فال يكون البيع منعقدا. *** |107 فقه املعامالت املالية ()1 الدرس الرابع احلمد هلل رب العاملني والصالة والسالم األمتان األكمالن عن املبعوث رمحة للعاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني ،أما بعد،،، كنا -أيها األخوة -يف قاعدة "أن القصود مؤثرة يف العقود" ،وأشران كثريا عند الناس؛ ال سيما يف هذا الزمان وهي إىل مسألة بقيت فيها تقع ً مسألة :بيع التقسيط من أجل املال. وصورهتا: حمتاجا إىل املال ،فيشرتي سلعة ليس قصده اقتناءها أن يكون اإلنسان ً وإمنا قصده أن يبيعها ليحصل على املال ،فقصده يف احلقيقة هو املال وليس السلعة ،فهل جيوز للنسان أن يشرتي سلعة ابلتقسيط من أجل أن يبيعها حالّة ليحصل على الثمن؟ نقول :عند مجهور أهل العلم :جيوز هذا البيع؛ ألن هذا القصد ليس فاسدا ،بل هو قصد مباح -قصد اإلنسان أن حيصل على املال- قصدا ً ً ليس قصده أن يتحيّل على الراب ،وليس قصده أن يعطي هذا وأيخذ منه كما سنذكر يف بعض الصور؛ وإمنا قصده أن حيصل على املال وهذا قصد مباح .أال جيوز للنسان أن يشرتي سلعة من أجل أن يبيعها وحيصل على املال؟ جيوز هذا األصل يف البيوع؛ فهذا القصد ليس بفاسد فال يؤثر ابلعقد ،لكن يشرتط هلذا شروط: فقه املعامالت املالية ()1 | 108 الشرط األول :أن ال يبيع السلعة ملن اشرتاها منه أصالة أو بواسطة. مبعىن :ال جيوز للنسان أن أييت لصاحب معرض ويشرتي منه سيارة ابلتقسيط بثمن ،مث يبيعه نفس السيارة بثمن حاضر؛ ألن هذه هي العينة احملرمة ،فهذا ينتبه إليه. الشرط الثاين :أن تكون السلعة معلومة للمشرتي مقصودة وإن كان يقصد املال. مبعىن :ال بد أن يعرف ما الذي يشرتيه؛ أما ما يفعله بعض الناس اآلن! وجيرون له عملية متويل ما يدري ما يذهب إىل البنك ويقول :أريد متويلُ ، الذي اشرتاه .أيتينا بعض الناس؛ أقول له :ما هي السلعة؟ يقول :ما أدري يقولون أرز ،حديد ..إذن السلعة ِل تكن مقصودة وال يف احلسبان! وهذا ال معلوما .هذا بيع؛ فشرط أن يكون املبيع الذي جيوز ،ال بد أن يكون املبيع ً معلوما ،أنه يشرتي أرز ،يشرتي حديد ،يشرتي كذا. يشرتيه ً الشرط الثالث :أن يعلم أن البنك ميلك هذه السلعة أو أن البائع ميلك هذه السلعة. والعلم :إما أن يكون ابلرؤية ،وإما يكون ابخلرب ،فبالرؤية :تذهب إىل املعرض وترى السيارات ،مملوكة للبائع أو مملوكة للبنك؛ أو ابخلرب :خيربك الرجل الذي يبيع سواء كان بنك أو غري بنك أنه ميلكها. |109 فقه املعامالت املالية ()1 الرؤية ال إشكال فيها ،يبقى مسألة اخلرب :اخلرب ال جيوز قبوله إال من ثقة؛ وعليه -فالذي يظهر لنا وهللا أعلم -أنه ال جيوز اعتماد أخبار البنوك الربوية يف هذا ،ألن البنوك الربوية سقطت ثقتها بتعاملها ابلراب ،فإذا قال البنك حديدا يف دولة كذا أو بالتينيوم يف دولة كذا أو أ ًرزا يف الربوي :حنن منلك ً دولة كذا؛ فال يكفي هذا يف معرفة امللك؛ بل إما أن نرى األوراق الرمسية اليت تدل على امللك أو نرى السلعة. وهذه املسألة من األمهية مبكان؛ ألن البنوك الربوية تكذب على الناس تقول :نبيعك حديد .أين هذا احلديد؟ يف البحرين ..يف فرنسا؛ وهم ال ميلكون شيئًا؛ لكن يعرفون أن املشرتي ال يستطيع أن يذهب إىل البحرين لريى أو يذهب إىل كذا؛ فيكذبون على الناس ،وال جيوز االعتماد على خربهم لسقوط الثقة فيهم. مرة ُسئلت عن هذه املسألة؛ قالوا :ظهر عندان يف السعودية معاملة حديد يف البحرين ابلبنوك الربوية -كل البنوك الربوية تبيع للناس احلديد ابلبحرين -وقلت وهللا لو كان هذا احلديد يف البحرين كانت تغرق البحرين؛ لكنهم يكذبون على الناس؛ ألن مقصودهم املال. كذلك من ِل يكن متعامالً ابلراب؛ لكن ُجرب عليه التساهل ،مثل :بعض فروع البنوك اإلسالمية أو بعض الشخصيات ،جرب وعُرف عنه أنه يتساهل هبذا الباب؛ فال جيوز االعتماد على خربه؛ بل ال بد من املعاينة ،معاينة العني أو معاينة األوراق اليت تدل على اململك. فقه املعامالت املالية ()1 | 110 الشرط الرابع :أن ال يُوّكمل البنك الربوي يف بيعها؛ بل ال بد أن يبيعها بنفسه أو بوكيل له. بعض الناس -مثالً اآلن -يشرتي من البنك الربوي ويُوّكمل نفس البنك يف أن يبيعه؛ وهذا ال جيوز؛ ألن هذه البنوك ال تبايل يف احلالل واحلرام وتبيعها لنفسها؛ فال بد أن يبيعها اإلنسان بنفسه أو بوكيل منه من طريقه. كذلك إذا كانت اجلهة أو الشخص ال يتعامل ابلراب؛ لكن ثبت ابلتجربة أنه يتساهل هبذا الباب وال يبايل ،فال جيوز توكيله ،وقد كان بعض املشايخ مما يفتون ابملعامالت املعاصرة؛ يفتون جبواز توكيل البنك وكنا نراجعهم يف هذا؛ ونقول :إن القاعدة الشرعية تقتضي أنه ال جيوز؛ ألنه ال جيوز االعتماد شرعا ،وكانوا يقولون :ال ،فلما جربوا على كالمهم؛ ألن الثقة ساقطة فيهم ً ورأوا الواقع؛ رجعوا إىل الفتوى أبنه ال جيوز توكيل البنوك الربوية ببيع السلعة، بل ال بد أن يتوالها اإلنسان بنفسه أو يوكل من طرفه من يبيع هذه السلعة. هذه ابجلملة املسألة اليت أحببت أن أشري إليها يف هناية هذه القاعدة وهي قاعدة" :القصود مؤثرة يف العقود". ننتقل إىل نقطة أشري إليها مبسألة القصود ،ألنه قد يقول القائل :اي شيخ القصد يف القلب؛ فكيف حنكم عليه؟ نقول :ال خيلو احلال من أمرين: |111 فقه املعامالت املالية ()1 األمر األول :أن يظهر لنا قصده الفاسد ،بتصرحيه ،أو بداللة حاله،وهنا حنكم عليه يف الظاهر مبا ظهر لنا. األمر الثا،ي :أن ال يظهر لنا قصده ،وهنا نُديمّنُه ،ومعىن نُديمّنُه؟ حنكمعلى العقد بظاهره وهو أنه صحيح ،ونُديّنه فنخربه عند الريبة أنه إذا كان يقصد كذا؛ فإن العقد ال يصح بينه وبني هللا داينة. وهذا معىن قول بعض الفقهاء" :يصح قضاء ال داينة"" ،يصح قضاء": حكما" ،ال داينة" :يعين ليس فيما بينه وبني هللا سبحانه وتعاىل ،وهذه يعين ً القاعدة حقيقةً أكثر من بـيّنها وتكلم عنها واعتىن هبا؛ شيخا اإلسالم ابن تيمية وابن القيم ،فقد ذكراها يف عدد من املواطن وبينا الشواهد الشرعية هلا. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 112 القاعدة الرابعة" :إمنا البيع عن تراض" صاغها شيخ اإلسالم ابن تيميه -رمحه هللا -بقوله" :األصل يف العقود رضا الطرفني". وهذه القاعدة تدل على أعظم شروط صحة البيع؛ وهو الرتاضي بني الطرفني. ملاذا نقول إن الرتاضي بني الطرفني أعظم شروط صحة البيع؟ ألن النصوص نصت عليه ،بل جاء يف بعضها احلصر؛ وهذا يدل على معظم هذا الشرط؛ فال بد يف عقد البيع من تراضي الطرفني إال ما استثين مما سنشري إليه إن شاء هللا. والرضا يؤثر يف عقد البيع من جهتني: اجلهة األوىل :من جهة انعقاد البيع: فينعقد البيع على ما تراضيا عليه؛ فال جيوز ألحدمها أن خيدع اآلخر؛ فالعقد إمنا ينعقد على ما وقع عليه الرضا. جدا يف هذا الباب وهو" :أن احلكم يف وهنا أنبه إىل قاعدة شريفة ً املعامالت بني طرفني على الظاهر ،وال ينفع اإلنسان أن يـوري فيها". أصل هذا قول النيب ﷺ :ميينك على ما يصدقك به صاحبك.)1( ( )1رواه مسلم. |113 فقه املعامالت املالية ()1 ويذكر فورى واحد مبعىن يقصده يف قلبه فإذا كانت املعاملة بني طرفني ّ ُ لفظًا يوهم اآلخر خالفه؛ فإن هذا ال ينفعه. أرضا له وأنه وأعطيكم مثاالً للمعاملة يف غري البيوع :إنسان ادعى أن ً ورثها من أبيه ،وخاصمه آخر قال :األرض لنا ،واألرض عندان ،هذه أرضنا ادعى أهنا أرضه .قيل للمدعي :هات البينة ،قال :ما عندي البينة ،قيل للمدعى عليه :احلف أن هذه األرض لك وأنك ورثتها من أبيك ،فلبس حذاءً قد ورثه من أبيه ،وقال :وهللا إن ما حتت قدمي ملك يل ورثته من أيب .السامع يظن أنه يقصد األرض وهو يقصد احلذاء؛ هذا ال ينفعه بشيء فهو حلف على األرض. كالما يوهم املشرتي أو الطرف ففي البيوع ال ينفع أحد الطرفني أن يذكر ً الثا،ي معىن غري املعىن الذي يريده ،هذا ينبغي أن يتنبه له؛ ال بد من الصدق والبيان؛ فالبيع ينعقد على ما تراضيا عليه يف الظاهر. واجلهة الثانية :من جهة ما يرتتب على العقد وآاثر العقد: ب على العقد ما ِل مينع منه الشارع ،فإذا فما تراضيا عليه من اآلاثر يـُرت ُ تراضيا على تأخري القبض ،قال مثالً :أبيعك بييت مبئة ألف بشرط أن أسكنه شهرا ،أسلمك البيت بعد شهر .وقال :قبلت ،يرتتب على هذا أنه ال يلزم البائع أن يسلمه البيت إال بعد شهر ،ألن هذا هو الذي تراضيا عليه. فقه املعامالت املالية ()1 | 114 إذن أثر الرضا :يظهر يف ما ينعقد عليه العقد ،ينعقد على ما تراضيا عليه أيضا يف على هذه السيارة ،على هذه األرض ،على هذا البيت ،ويظهر ً اآلاثر املرتتبة على العقد. فترتتب حبسب ما تراضيا عليه بشرط: -1الشرط األول :أن ال يرتاضيا على حمرم ،فإن تراضي على حمرم فال عربة برضامها؛ ألن العربة ابلشرع ،لو تراضيا على بيع الذهب ابلذهب متفاضالً؛ قال :أان راضي وهو راضي! والبيع يقع عن الرضا! نقول :ال ،هذا حمرم ،وقد تراضيتما على حمرم فال جيوز ،أو مثالً :يرتاضيان على شراء سيارة ِل ميلكها البائع ويقولون قد وقع الرضا ،نقول :ال ،هذا الرضا وقع على حمرم فال جيوز. -2الشرط الثاين :أال يكون الرتاضي منافيًا ملقصود العقد :مقصود العقد يعين املقصود األعظم من العقد ،أو ما يسميه علماء املقاصد "املقاصد األصلية للعقد" ،فإذا كان الرتاضي على ما ينايف مقصود العقد فال يصح ،مثال ذلك :قال :أبيعك البيت بشرط أال تتصرف فيه؛ وقال :قبلت! من أعظم مقاصد البيع أن يتصرف اإلنسان يف السلعة ،يبيع ،يهب، يهدي ،يؤجر ،...فهذا منايف ملقصود العقد؛ فإذا تراضي على ما ينايف مقصود العقد؛ فإن هذا ال يصح. من الصور الذي يذكرها الفقهاء -وهذا من ابب التقريب وإن ِل تكن يف البيوع – يقولون :لو زوجه بشرط أال جيامعها! هذا جيعل النكاح كأن ِل |115 فقه املعامالت املالية ()1 يكن؛ فهذا ينايف مقصود العقد؛ فالرتاضي على ما ينايف مقصود العقد ممنوع شرعا. ً -3الشرط الثالث :أن ال يوجد سبب شرعي إللغاء الرضا ،فإذا وجد سبب شرعي إللغاء الرضا ال نلتفت إىل الرضا ،إنسان عليه ديون ومماطل ال يسدد الناس وعنده أر ٍ اض ،فأجربه السلطان أو القاضي على بيع بعض ما ميلك لتسديد ديونه أو ابعها عليه؛ فهنا البيع صحيح عند اجلمهور وهو الصحيح. ملاذا؟ ألنه وجد سبب شرعي هنا إلهدار رضاه توفية حلقوق الناس. كذلك لو امتنع التاجر عن بيع سلعة حيتاجها الناس فباعها السلطان عليه ،أخرجها السلطان من خمازنه وابعها ،هو غري راضي ابلبيع؛ لكن هنا وجد سبب شرعي إلهدار رضاه؛ ألنه حمتكر ،وال حيتكر إال خاطئ؛ فللسلطان أن يبيع عليه وال يلتفت إىل رضاه. [أدلة القاعدة]: َ َ ُّ َ ذ ٱَّلينَ وقد دل على هذه القاعدة أدلة منها قول هللا عز وجلَٰٓ ﴿ : يأيها ِ ۡ ذ ٓ َ َ ُ َ َ َٰ َ ً َ َ َ ُ ْ َ َ ۡ ُ ُ ٓ ْ َ ۡ َ َٰ َ ُ َ ۡ َ ُ َ َٰ ءامنوا َل تأكلوا أمولكم بينكم بِٱلب ِط ِل إَِل أن تكون ت ِجرة عن َ ُ ِنك ۡم﴾ [النساء]29:؛ فنهى هللا عز وجل املؤمنني أن أيكلوا أمواهلم ت َراض م بينهم ابلباطل ،واستثىن من ذلك التجارة بشرط أن تكون عن تراض؛ فدل ذلك على أن التجارة ال بد فيها من تراضي. فقه املعامالت املالية ()1 | 116 أيضا قول النيب ﷺ :إمنا البيع عن تر م اض رواه ابن ماجه ومن ذلك ً وابن حبان واُختلف يف إسناده ،وحقق شيخ األلبا،ي -رحم هللا اجلميع -أن احلديث صحيح ،فالنيب ﷺ هنا حصر البيع يف الرتاضي؛ ألن (إمنا) أداة حصر؛ فحصر النيب ﷺ البيع يف الرتاضي؛ فدل ذلك على أنه ال بد من الرضا. كذلك من األدلة قول النيب ﷺ :ال حيل مال امرئ مسلم إال ٍ بطيبة من نفسه وهذا احلديث رواه اإلمام أمحد وغريه ،واختُلف يف إسناده ،وإسناد األمام أمحد يف املسند فيه ضعف إال أن له شواهد؛ فالذي يظهر -وهللا أعلم -أنه حسن؛ فدل احلديث على أنه ال حيل أكل مال امرئ مسلم إال برضاه. كيف يعرف الرضا؟ يُعرف أنه رضي ابللفظ الصريح ،وكذلك ابلسكوت يف مقام احلاجة إىل البيان؛ ألن السكوت يف مقام احلاجة إىل البيان بيان. أعطيكم مثاالً :أحدكم أخذ سياريت وذهب هبا إىل السوق وابعها؛ هذا بيع الفضويل ،ما قال يل وال أان وكلته؛ أخذ سياريت ..ذهب إىل السوق.. ابعها ،فجاء شخص دفع مبلغًا طيبًا فباعها مث جاء،ي ابلثمن؛ وقال :اي وسكت، أخذت الثمن فالن أان وجدت فرصة وبعت السيارة وهذا الثمن، ُّ ُ هذا يدل على الرضا؛ أل،ي لو ِل أكن راضياً ألبيت وملا سكت. |117 فقه املعامالت املالية ()1 ومن هذا حديث عروة بن أيب اجلعد البارقي ( :)1حيث أعطاه النيب ﷺ دينارا ليشرتي له شاة ،يعين :وكله النيب ﷺ يف شراء شاة بدينار؛ فذهب ً عروة إىل السوق؛ فاشرتى شاتني بدينار وابع إحدامها بدينار ،فجاء إىل النيب ﷺ بشاة ودينار -هنا الحظوا -النيب ﷺ وكل عروة يف أن يشرتي شاة واحدة؛ فذهب واشرتى شاتني وابع الشاة ،النيب ﷺ ما وكله ليبيع الشاة فباع شا ًة ،املالك من؟ النيب ﷺ؛ فباع شاة بدينار؛ فجاء إىل النيب ﷺ بدينار وشاة ،فدعا له النيب ﷺ ابلربكة يف بيعه؛ فدل هذا على رضا النيب ﷺ ابلبيع ،وإمضاء النيب ﷺ للبيع. إذن يدل على الرضا التصريح ،ويدل على الرضا السكوت ،أو ما يقوله الفقهاء "داللة احلال" ،أن حال اإلنسان تدل على الرضا. ويدل على الرضا العُرف ،العرف :مما يدل على الرضا ،مثالً إذا وضعت فاكهة يف اجمللس ،يف العرف أهنا توضع للضيوف وأيكل منها الضيوف ،إذا وضعت هذه الفاكهة يف اجمللس هذا يدل على اإلذن يف األكل منها ،ما حيتاج أن يقول الضيف :عن إذنك ،أو ينتظر اإلذن ،إال إذا جرت عادة وعرف هبذا أن الضيف ال أيكل إال إذا قيل له كل فيعرف الرضا هبذا. ما هي أركان الرضا؟ أركان الرضا كما يقول الفقهاء :العلم واالختيار. ( )1رواه أمحد وأبو داود والرتمذي وابن ماجه. فقه املعامالت املالية ()1 | 118 الركن األول :العلم :الرضا فرع العلم ،فمن ال يعلم ال يقال أنهرضي .رجل أعجم ال يعرف العربية جاء ومعه السلعة فقابله رجل عريب؛ وقال :اشرتي منك هذه السلعة مبئة ،أبلف ،وهذا ال يدري ما يقول وهز رأسه كأنه طيب ،هذا ما رضي ألنه ما علم ،الرضا فرع العلم؛ فال بد من العلم ابلبيع حىت نقول إنه حصل الرضا. خمتارا ،الفقهاء يقولون: الركن الثاين االختيار :أبن يكون اإلنسان ً"اإلكراه يُسقط الرضا" إنسان عنده سيارة طيبة ،جاءه شخص قال :بعين سيارتك ،قال :ال ،سياريت ال أبيعها ،قال :بعين سيارتك ،قال :سياريت ال أبيعها ولو دفعت ما دفعت ،قال :طيب ،ذهب إىل البيت وجاب املسدس بعت؛ هنا عند مجهور ووضعه على رأسه قال بعين سيارتك مبئة ألف؛ قالُ : أهل العلم :ال ينعقد البيع؛ ألنه ال رضا ،حىت لو أظهر القبول؛ فهنا ينعدم الرضا. طبعا فهمتم مما تقدم أن اإلكراه حبق يُسقط الرضا :مبعىن ال نعترب الرضا ً هناك ،إكراه احلاكم أو القاضي من عليه الديون على بيع بعض ماله ال نقول إنه مبطل للعقد؛ ألن هذا يسقط اعتبار الرضا. هناك مسألة يذكرها الفقهاء يف ابب البيوع وهي" :إذا أُكره اإلنسان على شيء فاحتاج لبيع بعض ماله من أجل ذلك اإلكراه". انتبهوا! هنا اإلكراه ليس على البيع؛ اإلكراه على شيء آخر ،لكنه ابع من أجل ذلك اإلكراه؛ فهل هذا يبطل الرضا؟ |119 فقه املعامالت املالية ()1 يعين جاء ظاِل؛ وقال :لرجل تأتيين مبائة ألف رايل اليوم أو أقتلك، املسكني ما عنده مئة ألف ،فذهب فباع بعض ملكه من أجل أن حيصل هذه املئة ألف ،فهل جيوز للمسلم الذي علم حباله أن يشرتي منه؟ ألنه يعلم اآلن أنه لوال هذا اإلكراه ملا ابع ،أو ال جيوز؟ انظروا إىل دقة الفقهاء ،قال الفقهاء :إذا علم املسلم أنه إذا ِل يشرتي البيت منه أو السلعة منه اندفع اإلكراه فإنه ال جيوز له أن يشرتيه ،إذا علم ٍ بداللة ما أنه إذا ِل يش مرت السلعة منه يندفع اإلكراه؛ ِل يفعل ذلك ما هدد به؛ فإنه ال جيوز له أن يشرتي السلعة منه. أما إذا ِل يعلم ذلك فقال كثري من أهل العلم :يكره له أن يشرتيه ويصح. ملاذا يكره؟ قالوا :ألن املسلم يُستحب له أن يعني أخاه على دفع هذا اإلكراه بدون أن حيوجه إىل بيع ماله ،ما دام أن عندك املبلغ فيستحب لك أن تعطي مكروها؛ قرضا أو حنو ذلك لتدفع عنه اإلكراه ،فيكون البيع إذ ذاك ألخيك ً ً ألنه يقع موقع املستحب ،لكن العقد صحيح. غدا هذه املسألة متعلقة مبسألة الرضا .لعلنا نقف عند هذه النقطة ونعود ً للقواعد.. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 120 اإلجابة على األسيلة: السؤال األول :نرجو منكم التكرم بتوضيح ماهية الشركات املختلطة بشكل أكرب؟ اجلواب: الشركات املختلطة -ما دام أن السؤال أراد التفصيل -بعض الفقهاء املعاصرين الذين يفتون يف املعامالت؛ يرون أن الشركات املختلطة هي :اليت حمرما؛ وهذا يف رأيي -وهللا أعلم- مباحا وبعض عملها ً يكون بعض عملها ً مرجوح ،فإن مثل هذه الشركات من الشركات احملرمة ،أما الشركات املختلطة مباحا ليس فيه حرام، مباحا كله ،ويكون نظامها ً فهي :اليت يكون عملها ً ولكن يقع الغلط يف اإلدارة؛ فتأيت اإلدارة فتقرتض ابلراب [مثالً] :اإلنسان اشرتى األسهم على العمل والنظام؛ فجاءت اإلدارة واشرتت أو اقرتضت ابلراب ،فهنا يف هذه احلال نقول :هذه الشركة تصبح خمتلطة ،األحسن البُعد عنها ،ومن اشرتى فيها يبيع ويتخلص منها ،وأال يدخل فيها؛ لكن هل لو اشرتى يكون آمثا؟ اجلواب :ال؛ ال يكون آمثا يف مثل هذه الشركات. السؤال الثاين :ابرك هللا فيكم ،تعامل النيب ﷺ مع اليهود -ومعلوم السحت -أال يُستدل هبذا على جواز التعامل مع حال اليهود أهنم أهل ُ الشركات اليت فيها نسبة حمرمة؟ |121 فقه املعامالت املالية ()1 اجلواب: الحظ أوالً أننا نتكلم -ابرك هللا فيك -على أنك تكون شريكاً يف الشركة ابألسهم؛ أما الذي تتكلم عنه فهو أن تتعامل مع الشركة اليت فيها حالل وحرام يف جانب احلالل ،مثل اآلن :شركات االتصاالت يف كثري من البلدان ال ختلوا من حرام ،لكن أنت ال تتعامل معها يف احلرام؛ تتعامل معها يف االتصاالت ،هذا ال أبس به؛ النيب ﷺ ِل يشارك اليهود يف بيوعهم الربوية ،وِل يشرتي منهم ابلراب؛ لكن تعامل معهم فاشرتى منهم ﷺ ما هو مباح بفعل مباح ،فال ختلط -اي أخي -بني أن تشارك الشركة اليت فيها حالل وحرام بشراء األسهم؛ وبني أن تتعامل مع الشركة اليت فيها حالل وحرام فيما هو حالل؛ فسؤلك -ابرك هللا فيك -يتعلق ابلثا،ي ،وكالمنا ابألسهم يتعلق ابألول ،وهو مشاركة هذه الشركات وأن يكون اإلنسان شريكاً فيها. السؤال الثالث :حفظكم هللاِ ،ل أفهم الفرق اجلوهري بني قاعدة "القصود مؤثرة يف العقود" والقاعدة األخرى "أن العربة يف العقود ابملقاصد واملعا،ي ال يف األلفاظ واملبا،ي"؟ اجلواب: كالمها متعلقتان ابملقاصد وما يف القلوب واملرادات ،ولكن قاعدة: فقه املعامالت املالية ()1 | 122 "هل العربة يف العقود ابأللفاظ واملبا،ي أو ابملقاصد واملعا،ي"؛ متعلقة ابلصيغ اليت تنعقد هبا العقود. وقاعدة "القصود مؤثرة يف العقود"؛ متعلقة أبثر القصد يف العقد ،ليس يف مسألة الصيغة واالنعقاد؛ وإمنا أثر قصد االنسان يف العقد. فاألوىل :متعلقة ابالنعقاد والصيغة؛ هل ينعقد على ما قصده اإلنسان أو ينعقد على اللفظ؟ والثانية :متعلقة أبثر القصد القليب يف العقود. السؤال الرابع :سددكم هللا ،ما حكم تأجري االسم التجاري؛ كأن تكون عندي مؤسسة ،وأيتيين البعض فيشتغل حتت مسماي التجاري مقابل أُجرة شهرية؟ اجلواب: هذا من ابب بيع املنفعة؛ وقد قلنا :إن الصحيح من أقوال العلماء أنه جيوز بيع املنفعة ولكن يشرتط هلذا شروط: الشرط األول :أال يكون ذلك خمالفاً لنظام ويل األمر يف البلد؛ فإن أنظمة ويل األمر الـ ُمن مظّمة ملعامالت الناس؛ جيب فيها السمع والطاعة ،وال جتوز خمالفتها ،فإذا كان نظام الدولة مينع من أن تعطي االسم التجاري ملن يعمل به؛ فال جيوز لك ذلك ،سواء كان ذلك ملواطن أو مقيم ،وإذا كان |123 فقه املعامالت املالية ()1 نظام الدولة ُجييز ذلك مثالً للمواطن ومينع ذلك للمقيم؛ فيجوز للمواطن وحيرم أن تفعل ذلك للمقيم؛ يعين أن ال يكون ذلك خمال ًفا لنظام البلد. الشرط الثاين :أن ال يكون يف ذلك غش للمسلمني؛ مبعىن أن ال تكون العالمة التجارية لك موثوقاً هبا؛ فتعطيها ملن ال يوثق مبا أييت به[ .مثالً]: عندك عالمة جتارية بسلعة؛ فتبيع حق االنتفاع هبا لشخص يضعها على سلعة مشاهبة ولكنها أقل جودة؛ فهذا فيه غش للمسلمني ،وال جيوز؛ فإذا سلمت من هذه وهذه؛ فالصحيح جوازها. السؤال اخلامس :ابرك هللا فيكم ،ذكرمت أن البيع مبادلة مال مبال ،أو مال مبنفعة ،أو منفعة مبال ،مث قلتم املهم أن يكون طرف مال والطرف اآلخر منفعة؛ السؤال :إن كان هناك طرف منفعة واآلخر أيضا منفعة فهل بيعا؟ يسمى ً اجلواب: نعم ،يعين املقصود :أن يكون أحد الطرفني ماالً وأحد الطرفني منفعة؛ أو أحد الطرفني ماالً وأحد طرفني ماالً ،أو أحد طرفني منفعة وأحد الطرفني منفعة؛ ولوال ضيق الوقت لبينت لكم أهنا تسع صور ،لكن حنن نريد نغتنم الوقت يف سرد القواعد. السؤال السادس :ابرك هللا فيكم ،ما حكم السحب من ماكينة الصراف اآليل يف دولة أخرى ،حيث إنه يتم خصم رسوم السحب؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 124 اجلواب: السحب ابملاكينة إذا كان يف البطاقة العادية؛ فهذا السحب واحد ،يعين: القيمة واحدة مهما سحبت من مبلغ؛ فما يؤخذ منك واحد ،وهو أُجرة، ألهنا معاملة فضائية ،يعين :ليست مثل معاملة يف البلد ،املعاملة يف الدول األخرى؛ تفرض عليها رسوم أعلى ،ألن فيها اتصاالت وفيها كذا فهذا ال أبس به. منسواب إىل املبلغ :إن سحبت ألف؛ عشرة ..إن أما إذا كان السحب ً سحبت عشرة آالف ..فهي مثالً ثالثون ،فهذا ال جيوز ،ألنه إذ ذاك ال يكون ذلك أجرة العمل وإمنا يكون مقابل املال ،وهذا ال جيوز. لكن املعمول به يف البطاقات العادية أن هذه أُجرة السحب؛ ألن األُجرة يف خارج البلد ختتلف عن األُجرة يف داخل البلد من أجل اختالف االتصاالت والتكلفة الفضائية ،فهذا ال أبس به. السؤال السابع :هل جيوز لشخص أن أييت بعمال على كفالته ،مث ينشرهم يف البالد يف مهن خمتلفة ،ال يعملون عنده ،مقابل نسبة من املال شهرية على راتبه يؤديها هلذا الكفيل؟ اجلواب: أوال نقول :إن هذا األمر أول ما ينبغي أن ينظر إليه؛ هل نظام الدولة يسمح هبذا أو مينع من هذا؛ فإن كان نظام الدولة مينع من هذا فال جيوز ملن |125 فقه املعامالت املالية ()1 أخذ التأشريات أن يستعملها يف غري شرطها ،وال جيوز أن يعمل اإلنسان إال وفق النظام؛ فإن كان نظام الدولة جييز فال خيلو األمر من حالني: احلالة األوىل :أن يكون هلذا املال مقابل وهو الضمان ،لو حصل شيء يرتتب عليه هو الضمان ،وهذا -فيما ظهر يل وهللا أعلم -أنه جيوز إذا كان نظام الدولة ال مينع من ذلك ما ِل يكن فيه ظلم ،بعض الناس يظلم العمال ظلما بيّنا فيطلب منه ما ِل يستطيع أن حيصله يف يومه! فهذا ال جيوز ً والضرر مرفوع. فإذا كان له مقابل وهو ما خيرجه عند الدولة من تسريح ،وأنه املسؤول أمام الدولة لو حصل شيء فيظهر يل وهللا أعلم اجلواز ما ِل يكن فيه ظلم. [احلالة الثانية] :أما إذا ِل يكن له مقابل؛ فهذا من ابب أكل أموال الناس ابلباطل وال جيوز ،فاإلنسان فقط يعيش على أكتاف هؤالء املساكني بدون أن يتحمل شيئًا ،هم يكدون! ويعطونه جزءًا مما حيصلون! فهذا ال شرعا. جيوز وهو من الظلم املمنوع ً السؤال الثامن :ابرك هللا فيكم ،هل يصح اخلُلو إذا كان البائع غري مؤسس للمنفعة؛ كأن أيخذ احملالت أثناء اإلنشاء ،مث يطلب اخللو مبجرد الفراغ من البناء؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 126 اجلواب: على كل حال ،إذا ملك اإلنسان منفعتها ،وكانت هلا منفعة يرغب فيها الناس فأخذ مقابل هذه املنفعة؛ فالصحيح أنه جيوز. السؤال التاسع :أحسن هللا إليك ،هل يف فسخ العقد من طرف واحد ماداي هل هذا حيرم؟ يف الشراكة ،ووجد ضرر معنوي وليس ً اجلواب: ال؛ الفسخ نفسه فيه ضرر ،لكن مقصود الضرر املتعدي؛ فإذا كان يرتتب عليه ضرر متعدي ،فإنه ال جيوز فسخ الشركة حىت يندفع هذا الضرر. السؤال العاشر :هذا األخ يسأل عن اجلمعية اآلن منتشرة بني املوظفني؛ نفعا فهو راب" نرجو توضيح هذه يقول :هل هي من صور "كل قرض جر ً املسألة؟ اجلواب: اجلمعية اليت تقع بني املوظفني أو غري املوظفني ،حبيث جيمع أفراد ماالً صرف لكل و ٍ احد يف زمن معني ،فأحدهم أيخذ يف شه ٍر ،والثا،ي معينا ،يُ ُ أيخذ يف شه ٍر آخر أو حنو ذلك. اختلفت أنظار العلماء فيها: نفعا. فمن أهل العلم من قال :إهنا حرام ،ألهنا من ابب قرض جر ً |127 فقه املعامالت املالية ()1 وأكثر أهل العلم يقولون :إهنا جائزة ،ألهنا تعاون على الرب والتقوى ،وكل واحد منهم يقصد الرفق بصاحبه وال يُقصد منها زايدة ،يعين :كل واحد مقصوده أن يرفق بصاحبه حبيث جيمع املال؛ فيأخذه واحد منهم يف شهر. نفعا؛ فإن هذه الصورة ال ولو فرضنا أهنا من ابب القرض الذي جر ً حترم؛ ألنه ها هنا يكون هناك تساوي؛ فكل واحد ينتفع بنفس املنفعة؛ وإمنا نفعا ألن فيه زايدةً. حيرم القرض الذي جير ً نفعا؛ يرتتب عليه أن اإلنسان أيخذ زايدة فيكون راب. القرض الذي جير ً أما يف مثل هذه الصورة؛ هم عشرة ،كل واحد أيخذ املال ومنفعة؛ والثا،ي أيخذ املال ونفس املنفعة ،فال زايدة؛ ولذلك -الذي ظهر يل وهللا أعلم وقد درست هذه املسألة طويالً -أن هذه جائزة وال حرج فيها. السؤال احلادي عشر :ابرك هللا فيكم ،بعض البنوك اإلسالمية يف بيع شهرا أو عدة املراحبة والتقسيط جتعل شرط جزاء إذا تأخر عن السداد ً أشهر ،فهل هذا البيع صحيح؟ اجلواب: هذا غري صحيح ،وهذا ال جيوز ،وهذا جيعل الثمن غري مستقر ،فإنه ال يُدرى على ما يستقر الثمن ،هل يستقر على ما ذُكر؟ أو يدفع؟ فهذا ال جيوز. | 128 فقه املعامالت املالية ()1 وإن أفىت بعضهم جبوازه؛ فهذا ال جيوز ،وهو يف احلقيقة من صور البيعتني يف بيعة :إن سدد خالل مخس سنني؛ فاملبلغ بكذا ،إن زاد على مخس سنني فاملبلغ كذا ،وهذه من صور البيعتني يف بيعة احملرمة فال جيوز هذا. *** |129 فقه املعامالت املالية ()1 الدرس اخلامس احلمد هللا رب العاملني ،والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث رمحة على العاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني ،أما بعد،،، نعود إىل قواعد البيوع ،وهذه القواعد من حفظها إن شاء هللا؛ تنضبط له األصول الكلية لفقه البيوع ،ويكون عنده ملكه يف ابب البيوع ،ذكران منها: القاعدة االوىل" :األصل يف البيوع اإلابحة". وذكران القاعدة الثانية" :العربة يف العقود للمقاصد واملعا،ي ال لأللفاظ واملبا،ي". وذكران القاعدة الثالثة" :القصود مؤثرة يف العقود". وذكران القاعدة الرابعة" :إمنا البيع عن تراضي". القاعدة اخلامسة" :ال ينعقد البيع إال على مال": هذه القاعدة تضبط حمل عقد البيع ،وفيها بيان شرط من شروط البيع. واملقصود ابملال :ما فيه منفعة مباحة مطل ًقا ،سواء كان عينًا أو منفعة .ما فيه منفعة مباحة مطل ًقا :يعين من غري قيد. فهذه القاعدة تبني :أنه ال جيوز أن يقع البيع إال على شيء" :فيه منفعة"" ،مباحة"" ،مطلقاً" ،ثالث صفات. فقه املعامالت املالية ()1 | 130 "فيه منفعة" :خيرج ما ال منفعة فيه ،فما ال منفعة فيه؛ ال جيوز له أن يقع عليه عقد البيع وال يصح بيعه ،طيب :كيف نعرف أن فيه منفعة؟ يرجع ذلك إىل عُرف الناس ،فإذا كان الشيء يف عُرف الناس ينتفع به وله قيمة عندهم؛ فله منفعة ،وقد خيتلف هذا من مكان إىل مكان. أعطيكم مثاال :هل جيوز للنسان أن يشرتي طيور الزينة؟ هذه الطيور اليت حتبس يف األقفاص وتوضع يف البيوت للزينة ،ال منفعة منها يف ذاهتا. هل العُرف نقول :إذا كانت هذه الطيور يف العُرف تعد ذات منفعة ويعترب أ ُ هذه منفعة؛ فإنه يصح بيعها ،وإذا كان أهل العُرف ال يعدون هذه منفعة وال يلتفتون إليها؛ فإنه ال يصح بيعها. واشرتاط أن تكون العني أو أن يكون املبيع ذا منفعة؛ حمل إمجاع ،ابتفاق الفقهاء ال بد أن يكون املبيع ذا منفعة. يقول النووي يف بيان شروط البيع" :أن يكون املبيع منتفعاً به وهذا شرط لصحة البيع بال خالف"؛ وهذا الكالم موجود يف أواخر شرح النووي يف (اجملموع) ألن النووي ِل يكمل اجملموع؛ فهذا الشرط حمل اتفاق بني الفقهاء؛ فال بد أن يكون املبيع ماالً ينتفع به. ووجه هذا –اي إخوة -أن املبيع لو ِل يكن منتفعاً؛ به لكان يف شرائه إضاعة للمال ،إذا كان اإلنسان يشرتي شيئًا ليس فيه منفعة فما فائدة هذا؟ فيه إضاعة للمال ،وإضاعة املال حمرمة ،وقد كره هللا لنا قيل وقال ،وكثرة |131 فقه املعامالت املالية ()1 السؤال ،وإضاعة املال ،)1(وألن البيع املنعقد على ما ال منفعة فيه؛ ِل يكن من شأن النيب ﷺ وال من شأن الفضالء ،فهذا يدل على أنه غري مشروع وال جائز. هنا -اي إخوة -نقول: العني اليت يعقد عليها تكون على أربعة أقسام ابلنسبة هلذا الشرط أو هذه القاعدة: قسم فيه منفعة مباحة مطل ًقا: مثل الثياب ،فالثياب هلا منفعة مباحة مطلقة من غري قيد؛ يعين ليست يف حال دون حال ،وكذلك املأكوالت املباحة ،واملشروابت املباحة ،فيها منفعة مباحة مطل ًقا ،وهذه جيوز العقد عليها ابتفاق العلماء ،جيوز أن تُباع وتُشرتى ابتفاق العلماء. وقسم فيه منفعة حمرمة مطلقاً: كاخلنزير ،وامليتة ،والكالب غري املأذون فيها -كالب الزينة والكالب اليت أيخذها بعض الناس ليتباهون فيها -هذه حمرمة ،منفعتها حمرمة ،وهذه ال جيوز العقد عليها ،وال يصح العقد عليها ،ومن ذلك مثالً أيضاً :أشرطة الغناء وآالت الطرب؛ فإن فيها منفعة حمرمة وهذه ال جيوز العقد عليها. ( )1جزء من حديث متفق عليه. فقه املعامالت املالية ()1 | 132 وقسم فيه منفعة مباحة عند احلاجة: ليس مأذوانً فيه مطل ًقا ،وإمنا مأذون فيه عند احلاجة ،فاألصل فيه التحرمي ،واإلابحة مستثناة من أجل احلاجة - .أمثل له مث أعود إىل حكمه إن شاء هللا – مثل :لبس ثوب احلرير للرجل :ثوب احلرير للرجل حمرم؛ لكن يباح للحاجة ،مثال رجل أصابته حساسية يف جسمه ،لو لبس هذه األقمشة تصيبه احلكة الشديدة ،وهتدأ يف لبس احلرير؛ جيوز هنا أن يلبس ثوب احلرير للحاجة مبقدارها. وككلب الصيد :األصل يف اقتناء الكلب التحرمي؛ لكن إذا احتاجه اإلنسان يف الصيد أو احلراسة أو الزراعة؛ فإنه يباح ،ألن يف هذا حاجة، وسنعود إىل حكمه إن شاء هللا. القسم الرابع ما ال منفعة فيه أصالً: ال توجد فيه منفعة أصالً ،ال حمرمة وال مباحة ،خايل من املنفعة ،كبعض الفراش مثالً ،بعض احلشرات ،الدود ،مثل هذا الفراش الذي يطري حول الضوء ،ال منفعة فيه ال مباحة وال حمرمة. قلنا يف األول :ما فيه منفعة مباحة مطلقاً: وهذا كما قلنا :بيعه صحيح جائز إبمجاع العلماء ،لعموم قول هللا عز ََ َ ذ ذُ ۡ ۡ َ َ وجل﴿ :وأحل ٱّلل ٱۡليع﴾[البقرة]275:؛ ولو ِل يكن بيع هذه حالالً ملا كان هناك حالل ،يعين لو ِل يكن بيع ما فيه منفعة مباحة مطل ًقا حالالً؛ ما كان |133 فقه املعامالت املالية ()1 هناك حالل ،وألن النيب ﷺ ثبت عنه بيع وشراء األعيان املباحة ،وفعل النيب ﷺ يدل على اجلواز. النيب ﷺ ثبت عنه أنه اشرتى بعري جابر ؛ وثبت عنه أنه اشرتى فرسا؛ وثبت عنه أنه اشرتى شاة من مشرك ،إىل غري ذلك مما ثبت عن النيب ً قدحا؛ فدل ذلك على جواز بيع ﷺ أنه اشرتاه ،وثبت أن النيب ﷺ أنه ابع ً األعيان املباحة. وأما [القسم الثاين] :ما قلنا إن فيه منفعة حمرمة: فال جيوز بيعه وال يصح ابتفاق العلماء ،وبيعه من التعاون على اإلمث والعدوان؛ ال جيوز للمسلم أن يبيع اخلنزير ،وال جيوز للمسلم أن يبيع الكلب غري املأذون فيه ،وال جيوز للمسلم أن يبيع الصليب ،وال جيوز للمسلم أن صناما تُعبد. يبيع األصنام اليت جعلت أ ً وعندما نقول :ال جيوز للمسلم؛ معناه أنه ال جيوز له مطل ًقا؛ ال جيوز له أن يبيع ال للمسلم وال لكافر؛ ال جيوز للمسلم أن يبيع الصلبان للنصارى، وال جيوز للمسلم أن يبيع اخلنزير للنصارى؛ فما اعتقد املسلم حرمته؛ ِل جيز له أن يبيعه ال ملسلم وال لغري مسلم ،وقد ثبت أن النيب ﷺ قال :إن هللا ورسوله حرم بيع اخلمر ،وامليتة ،واخلنزير ،واألصنام.)1( ( )1متفق عليه. فقه املعامالت املالية ()1 | 134 وهنى النيب ﷺ عن مثن الكلب ومهر البغي وحلوان الكافر ( ،)1فدل ذلك على أنه ال جيوز بيع الكلب غري املأذون فيه ،وألن القاعدة الشرعية تقول" :إن هللا إذا حرم شيئًا حرم مثنه" ،كما جاء عن النيب ﷺ أنه قال: إن هللا إذا حرم على قوم شيئًا حرم عليهم مثنه؛ وهذا احلديث عند اإلمام أمحد وابن حبان ،وموجود مبعناه عند أيب داود وغريه :إن هللا إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم مثنه .فإذا ُحّمرم الشيء ُحّمرم مثنه؛ فإذا ُحرم مثنه ُحرم بيعه ،فيكون بيعه حر ًاما. وأما القسم الثالث :وهو ما فيه منفعة مباحة عند احلاجة: ففي بيعه خالف بني أهل العلم ،فمن أهل العلم من قال" :يبقى على التحرمي وال جيوز بيعه حىت عند احلاجة" ،ومن أهل العلم من قال" :يصح بيعه وجيوز إذا وجدت احلاجة". وأصل هذه املسألة؛ مسألة بيع الكلب املأذون فيه عند احلاجة ككلب الصيد. هل جيوز للمسلم أن يبيع كلب الصيد؟ إنسان عنده كالب صيد أو عنده كالب درهبا على الصيد هل جيوز له أن يبيعها؟ اختلف العلماء يف هذا ،فمن أهل العلم من قال" :ال جيوز وال يصح"، ملاذا؟ ( )1متفق عليه. |135 فقه املعامالت املالية ()1 قالوا :ألن النيب ﷺ هنى عن مثن الكلب ،وهذا مطلق يشمل كل كلب، فيكون مثنه منهيًا عنه ،قالوا" :وألن النيب ﷺ قال :مثن الكلب خبيث)1(؛ فوصف مثن الكلب أبنه خبيث ،فيكون حر ًاما. يضا ما جاء عن ابن عباس رضي هللا عنهما قال :هنى رسول هللا ﷺ أ ً عن مثن الكلب وإن جاء يطلب مثن الكلب فامأل ك ّفه تر ًااب )2(؛ قالوا: فدل ذلك على أن الكلب ال مثن له مطلقاً ،وما دام أنه ال مثن له؛ فإنه ال جيوز بيعه. يقولون :حنن جند أن النيب ﷺ مع إذنه يف كلب الصيد وكلب احلراسة وكلب الزراعة؛ جعل مثن الكلب خبيثًا مطل ًقا ،وهنى عن مثن الكلب مطل ًقا، فدل ذلك على أن الكلب ال جيوز بيعه ولو كان مأذوانً فيه. ومن أهل العلم من قال :يباح بيع الكلب املـُعلّم ،فالكلب املأذون فيه عند احلاجة جيوز بيعه؛ واستدلوا على ذلك أبدلة: منها ما ورد عن أيب هريرة أن النيب ﷺ :هنى عن مثن الكلب إال كلب الصيد .واحلديث عند الرتمذي والنسائي .قالوا فاستثىن النيب ﷺ مثن كلب الصيد ،فهذا يدل على اإلابحة. ( )1رواه مسلم. ( )2رواه أبو داود. فقه املعامالت املالية ()1 | 136 يضا ما رواه اإلمام أمحد والنسائي أن النيب ﷺ :هنى عن مثن الكلب أ ً إال الكلب املـُعلم .وقد اختلف يف إسناد هذين احلديثني ،فضعفهما بعض أهل العلم ،وحسن إسنادمها بعض أهل العلم ،وممن حسن أسنادمها الشيخ انصر األلبا،ي -رمحه هللا ،-فاجمليزون استدلوا هبذا. ومن وجه آخر استدلوا ابملعىن ،قالوا :إن اإلذن يف االقتناء ،يقتضي اإلذن يف البيع والشراء ،ملاذا؟ يقولون :أوسع طريقة وأكرب طريقة للملك عند الناس هي البيع والشراء؛ فما دام أنه أُذن يف االقتناء؛ فهذا يتضمن اإلذن يف البيع والشراء؛ فيكون ذلك داالً على استثناء الكلب امل ــُعلم واملأذون فيه من النهي. لكن املانعني أجابوا :أبن هذه األحاديث ال تصح ،وال تقاوم األحاديث الصحيحة املطلقة ،فذكروا أن األحاديث اليت فيها االستثناء من مثن الكلب ال تصح ،أو أنه حصل فيها قلب على الراوي :فاالستثناء ِل يكن من الثمن ولكنه كان من االقتناء ،فحصل قلب عند الراوي. والذي يظهر -وهللا أعلم -عند دراسة أسانيد هذين احلديثني؛ أهنا ال تثبت ،وأهنا ضعيفة ،وال ترتقي ألن تكون حسنة ،لكن يبقى املعىن :وهو أن اإلذن يف االقتناء مشعر ابإلذن ابلبيع و الشراء. هناك من العلماء من أملح إىل شيء يتعلق ابألحاديث اليت ذكرانها ،وهو الشيخ ابن عثيمني -رمحه هللا -حيث قال الشيخ" :إن يف منت األحاديث ما يدل على ضعفها ،هنى عن مثن الكلب إال الكلب املعلم ،"كيف اي |137 فقه املعامالت املالية ()1 شيخ؟ قال" :ألان لو أثبتنا االستثناء نكون كأ ّان قد رفعنا أول احلديث :هنى عن مثن الكلب ،"كيف؟ قال :الغالب على الناس أهنم ال يتبايعون إال كلبًا مأذوانً فيه ،ال يتبايعون الكالب غري املأذون فيها ،فإذا قلنا :هنى عن مثن الكلب إال الكلب املعلم كأان نقول :هنى عن مثن الكلبِ ،ل ينه عن مثن الكلب ،وهذا يدل على ضعف االستثناء يف احلديث. فالذي يظهر -وهللا أعلم -أنه من حيث االستدالل ابحلديث ال يُسلّم االستثناء ،لكن يبقى املعىن ،واملسألة اجتهادية ،وقد كنت أرى فيما مضى أنه ال جيوز بيع ما فيه منفعة مباحة عند احلاجه ،إال أنه ابلدراسة واملتابعة ظهر يل وهللا أعلم أن األقرب للصواب أنه جيوز ،واملسألة اجتهادية. وأما القسم الرابع :وهو ما ال منفعة فيه أصالً: ال يرى العقالء فيه منفعة ،فهذا ال جيوز بيعه؛ ألان قلنا :إن اشرتاط املنفعة ُجممع عليه عند أهل العلم. نذكر بعض الصفات: ما رأيكم يف شراء الطوابع؟ انس عندهم هواية مجع الطوابع ،يشرتون الطوابع الربيدية ويضعوهنا يف دفاتر ،ورمبا اشرتوها مبزادات أبسعار عالية إذا كانت اندرة أو كانت قدمية أو حنو ذلك. فقه املعامالت املالية ()1 | 138 بعض أهل العلم يقولون :هذه ال منفعة فيها ،ما املنفعة من الطوابع؟ ال منفعة ،وابلتايل يرون حترمي شراء الطوابع جلمعها ،ليست شراء الطوابع لوضعها على معروض أو رسالة أو حنو ذلك وإمنا جلمعها ،يقولون ألنه ال منفعة فيها. وبعض أهل العلم يقولون :إنه جيوز بيعها إذا كانت تعد يف العرف ذات منفعة ،فإذا كان الناس يعتربون هذه من املنفعة ،فإنه جيوز بيعها. من ذلك :ما كثر اآلن وبدأ يربز على الساحة: شراء األرقام املميزة ابهلاتف ،يعين الرقم العادي بعشرة ،والرقم املميز بعشرة آالف ،بعض الناس يذهب يشرتي من االتصاالت أرقام مميزة. بعض أهل العلم يقولون :هذا ال جيوز ومن السفه ،ألنه ال منفعة يف هذا. وبعض أهل العلم يقولون :إن كان له منفعة يف العُرف أو منفعة خاصة عنده فإنه جيوز. منفعة يف العرف واضح؛ إذا كان أهل العرف يعدون هذا منفعة. له منفعة خاصة؛ يعين أهل العرف ال يعدوهنا منفعة ولكن هو مثالً عنده قما سهالً لتحفظه وتستطيع أن والدة ال حتفظ األرقام ،فرييد أن يشرتي ر ً تتصل به ،هنا فيه منفعة خاصة به وإن كان للناس هذا ليس مبنفعة ،فيجوز، وهذا الذي يظهر يل -وهللا أعلم -أن شراء األرقام املميزة إذا كان يعد يف |139 فقه املعامالت املالية ()1 العرف منفعة وله اعتبار يف عرف الناس وال يسفهون فاعله ،أنه جيوز بيعه وشرائه ،أو كان فيه منفعة خاصة للنسان. متاما مسألة شراء لوحات السيارات املميزة ،يعين اللوحة اليت يكون مثله ً هلا رقم مميز تُشرتى بقيمة عالية ،هل جيوز بيعها وشرائها؟ بعض أهل العلم يقولون :ال جيوز؛ ألنه ال منفعة فيه ،ما الفرق بني لوحة فيها أرقام صعبة ولوحة فيها رقم واحد؟ ال منفعة ،وابلتايل يقولون :ال جيوز. وبعض أهل العلم يقولون :إذا كان أهل العرف يعدون هذه منفعة وأصبحت هلذه اللوحات قيمة عندهم معتربة وال يعدون من يضع املال فيها سفيهاً؛ جيوز بيعها وشرائها ،أو كان فيها منفعة خاصة. وهذا الذي يظهر ،وأنه خيتلف ابختالف الزمان واملكان؛ فلرمبا يكون عرف أهل بلد اعتبار هذه منفعة ،واالعتداد هبا ،فيجوز عندهم البيع والشراء فيها؛ ولرمبا كان يف نفس الوقت يف بلد آخر ال يعتربون هذه منفعة وال يعدوهنا ،فال جيوز بيعها وال شرائها. موس احلالقة فيه منفعة ،لكن مباحة أو حمرمة؟ الذي يستعمل املوسى يف إزالة الشعر املطلوب إزالته فهذه منفعة مباحة ،الرجل الذي حيلق حليته ابملوسى هذه منفعة حمرمة. اهلاتف :فيه منفعة مباحة وفيه منفعة حمرمة. احلاسب اآليل :فيه منفعة مباحة ومنفعة حمرمة. فقه املعامالت املالية ()1 | 140 وهذا ما يسمى بذي الوجهني يف ابب املنفعة .فيه منفعة مباحة ومنفعة حمرمة. العطر – ال مطّيب -ابلنسبة للمرأة فيه منفعة مباحة ومنفعة حمرمة ،إذا كانت تتطيب به يف بيتها أو بني النساء فهي منفعة مباحة ،أما إذا كانت تتطيب به وخترج به إىل الشارع فهذه منفعة حمرمة. حىت بعض ألبمسة النساء قد تكون فيها منفعة مباحة ومنفعة حمرمة ،إن كانت املرأة تلبسها لزوجها فهي منفعة مباحة ،وإذا كانت تلبسها وخترج هبا إىل الشارع فهي منفعة حمرمة. فهل ينظر هنا إىل املنفعة املباحة فيقال جيوز البيع والشراء؟ أو ينظر إىل املنفعة احملرمة فيقال حيرم البيع والشراء؟ هنا يظهر -وهللا أعلم -أن يف املسألة تفصيالً: فإن غلب على ظن البائع أن املشرتي يريد السلعة ملنفعة حمرمة؛ فإنه ال جيوز له أن يبيعه تلك السلعة: رجل يبيع األمواس ،فجاءه شخص وقال :هل لديك موس حالقة؟ هذا يريد حيلق حليته ،علم اآلن أنه يريد أن حيلق حليته ،فال جيوز له أن يبيعه. امرأة متربجة يف الدول :جاءت إىل ابئع مالبس وبعض املالبس قصري أو حنو ذلك يصلح للبيت مثالً ،حاهلا يدل على أهنا تلبس هذه املالبس تتربج هبا؛ فإنه ال جيوز له أن يبيعها. |141 فقه املعامالت املالية ()1 وإذا غلب على ظنه أن املشرتي يريدها للمنفعة املباحة: رجل ملتحي قال :أريد موس ،يغلب على الظن أنه يريدها ملنفعة مباحة، جيوز له أن يبيعه. امرأة جاءت إىل ابئع املالبس وهي حمتشمة وتريد أن تشرتي هذا اللباس يغلب على الظن أهنا ال تتربج به؛ فهنا جيوز أن يبع. لكن بقي حمل اإلشكال ،وهو إذا ِل يغلب على الظن شيء ،فالصحيح من أقوال أهل العلم أن األصل أنه جيوز بيعها ،جيوز للنسان أن يبيع احلواسيب ،جيوز للنسان أن يبيع املذايع ،واألطياب ،واهلواتف ،وإن كانت تستعمل يف احلرام ،ملاذا كان األصل يف مثل هذه جواز بيعها؟ يقول العلماء :ألن األصل يف املسلمني احلمل على اخلري ،األصل أن حيمل املسلمون على عدم املعصية ،وابلتايل جيوز بيع هذه اآلالت هلم من ابب إحسان الظن هبم. ولذا يقول شيخ اإلسالم بن تيمية -رمحه هللا" :-ما أبيح االنتفاع به من وجه دون وجه كاحلُ ُم مر" –يعين :كاحلمري ،احلمار جيوز االنتفاع به كالركوب وحنوه وال جيوز االنتفاع به يف األكل ،فهو من وجه فيه منفعة مباحة ومن وجه فيه منفعة حمرمة .يقول شيخ االسالم بن تيمية" :ما أبيح االنتفاع به من وجه دون وجه كاحلُ ُم مر وحنوها فإنه جيوز بيعها" ،ملاذا؟ قال" :ملنفعة الظهر املباحة ،ال ملنفعة اللحم احملرم". فقه املعامالت املالية ()1 | 142 وهذا هو األصل ،مثال :العنب قد يشرتيه اإلنسان أيكله أو يتخذه مخرا ،فاألصل أنه جيوز بيع العنب ً عصريا ،وقد يشرتيه اإلنسان خيمره وجيعله ً إال إذا غلب على الظن أن مشرتيه يريد أن يشرتيه ألمر حمرم ،فإنه أذ ذاك يكون حر ًاما. وبعض أهل العلم يقول :إن احلكم يف مثل هذه املسائل حبسب غلبة الظن مبا تأدي إليه الغلبة العامة ،فإن كان يغلب [على الظن] أن بيعها يُفضي إىل احلالل جاز بيعها ،وإن كان يغلب على الظن أن بيعها يُفضي إىل احلرام حرم بيعها ،ويُنزلوهنا على منزلة الذرائع. فيقولون :العنب يغلب على الظن أن بيعه يفضي إىل احلالل فيجوز بيعه، لكن لو كان اإلنسان يف بلد أهل طرب وأهل غناء ،فيغلب على الظن على أن الذي يشرتي املسجل مثال يريد أن يستمع إىل الغناء فيحرم بيعه على اإلطالق ألنه يفضي إىل احملرم ،إال إذا غلب على الظن أن هذا الشخص بعينه يريد أن يشرتيه ملباح. لكن الذي يظهر -وهللا أعلم -أن األصل جواز بيعها مطل ًقا ،إال إذا غلب على الظن أن املشرتي املعني يريدها للمنفعة احملرمة ،وإال فاألصل محل املسلمني على الوجه احلسن. هناك أشياء فيها منفعة مقيدة مبدة؛ فهل جيوز بيعها وشراؤها؟ على سبيل املثال: |143 فقه املعامالت املالية ()1 اآلن األلبان مكتوب عليها اتريخ صالحية من كذا إىل كذا ،إذن منفعتها هبذه املدة وبعد هذه املدة ال تصبح انفعة. مقيدا مبدة :خالل شهرين ،خالل بطاقات االتصاالت بعضها يكون ً ستة أشهر ،خالل سنة ،فهذه املنفعة مقيدة ابملدة؛ فهل جيوز بيعها وشرائها؟ يضا بطاقات اإلنرتنت اليت يشرتيها الناس وتكون حمددة مبدة ومن ذلك أ ً معينة ،إذا ِل تستعمل يف هذه املدة ال ميكن االنتفاع هبا. وهذه اختلفت فيها أنظار العلماء املعاصرين ،لكن الذي يظهر -وهللا أعلم -أنه جيوز بيعها وشرائها ،ألننا نعلم يقينا أن من السلع ما له مدة حمددة يقينًا وِل مينع من بيعه. اي إخوان ،العنب :العنب إذا اشرتيته يبقى عندك يومني أو ثالثة ال تصبح فيه منفعة ،ومع ذلك جيوز بيعه ،اللنب لرمبا كان يف القدمي أكثر تلفاً منه اآلن ،اآلن فيه أشياء حتفظه مدة أطول ،ومع ذلك ابتفاق العلماء املتقدمني جيوز بيع اللنب. فهذه األشياء اليت فيها منفعة مقيدة مبدة ،إذا تراضى عليها الطرفان؛ فالذي يظهر -وهللا أعلم -أنه جيوز بيعها وال حرج يف هذا. طبعا بطاقات االتصاالت فيها مسائل كثرية لكن الذي يهمنا يف القاعدة هو هذه املسألة ،واآلن يسأل الناس أن البطاقة يكون مكتوب عليها مثن | 144 فقه املعامالت املالية ()1 وتباع بثمن آخر؛ يعين مكتوب مبئة وتباع مبئة ومخسة ،وأحياان ابلعكس يكتب عليها مئة وتباع خبمسة وتسعني ،هذه مسألة خارجة عن القاعدة لكن نشري إليها لكثرة السؤال عليها والذي يظهر -وهللا أعلم -أنه جيوز؛ ألنه هذا ليس من ابب بيع املال ابملال ،بطاقة االتصاالت منفعة االتصال؛ فيجوز أن تباع بقيمة أعلى أو قيمة أقل. *** |145 فقه املعامالت املالية ()1 القاعدة السادسة" :ال ينعقد البيع إال من مالك أو مأذون له". هذه القاعدة تُبني أنه ال يصح البيع وال جيوز؛ إال من مالك للعني أو مأذون له من املالك ،هذا يف اجلملة. شرعا ،فإن ِل تكن السلعة يف واملالك :هو الذي تكون السلعة يف ملكه ً ملكه أصالً كأن كانت يف ملك ابئع آخر؛ فإنه ال ينعقد البيع منه إال إذا كان مأذوانً له يبيع لغريه. شرعا؛ فإنه كذلك ال يصح بيعه، وإن كانت حتت يده ،لكنه ال ميلكها ً السراق الذين يسرقون سيارات الناس -وتكون السيارة يف أيديهم ليست يف ُّ أيدي اآلخرين -ال جيوز أن يُشرتى منهم وال يصح البيع ،من عُلم منه أنه سارق للعني ال جيوز شراء العني منه وال جيوز له أن يبيع هذه العني. بعض الناس يعرف أن هذا الشخص سارق للسيارة ،ولكن ألنه يبيعها بقيمه أقل يشرتيها منه ،ورمبا يتأ ّول بعضهم ويقول :حنن يف دول جناور دول كافرة ،فيأيت بعض الناس فيسرق سيارات الكفار ،وينقلها إىل دولتنا ويبيعها وحنن نشرتيها ،هذا ال جيوز وال يصح. واملأذون له يف التصرف :هو الذي يتصرف يف املبيع ملصلحة غريه إبذن من ذلك الغري. فقه املعامالت املالية ()1 | 146 يتصرف يف املبيع ملصلحة غريه ،يعين :أان أملك سيارة فقلت لك" :بعها يل" ،أنت اآلن ال متلك السيارة لكن مأذون لك ببيعها ،ملصلحتك وإال ملصلحيت؟ ملصلحيت أان ،أل،ي قلت لك" :هذه سياريت بعها يل". لكن لو أ،ي صاحب املعرض وقلت للبنك" :بع السيارات اليت مبعرضي"، مأذوان له ،ال يصلح ،ألنه ِل فيقوم البنك فيجري البيع عن طريقه ،هذا ليس ً ميلك وِل يتصرف يف مصلحة الغري. يعين :بعض البنوك اآلن تكون عنده ورقة من املعرض ،اإلذن يف بيع السيارات ،ليس مبلك السيارات ،فتبيع السيارة للمتقدم للعميل والزال ملكها ملك السيارة للمعرض ،مث بعد ذلك حتاسب املعرض وتأخذ الزائد، هذا ليس اإلذن الشرعي املقصود. اإلذن :هو أن ُأيذن إلنسان أبن يتصرف ملصلحة غريه من ذلك الغري الذي هو املالك ،أما إذا أذن املالك لغريه أبن يبيع ملصلحة نفسه؛ فهذا ليس إذان شرعيًا ،وال يعترب يف البيع. واإلذن: قد يكون من املالك :أان سياريت عندي فقلت" :اي أخي بع يلسياريت" ،أذنت لك أبن تبيعها يل. وقد يكون اإلذن من الشرع ،ليس من املالك :فيأذن الشرع ابلتصرف،ويل اليتيم مأذون له يف التصرف يف مال اليتيم إبذن الشارع، ويل اليتيمّ ، مثل ّ |147 فقه املعامالت املالية ()1 اليتيم صغري ،اليتيم يسمى يتيما إذا كان قبل البلوغ ،فهو صغري فيُوىل عليه، رضيعا فيوىل عليه ،هذا الويل لليتيم؛ جيوز له أن يبيع مال قد يكون اليتيم ً اليتيم ويتاجر فيه ملصلحة اليتيم ،طيب من الذي أذن له؟ الشرع ،اليتيم ليس صاحب إذن ،وإمنا الذي أذن له الشرع ،وإمنا هذا اإلذن قد يكون من املالك وقد يكون من الشرع. إذن ابئع السلعة الذي يبيعها لآلخرين له حاالت: ابئعا ملصلحة نفسه ،وهذا ال يصح البيع منه إال احلالة األوىل :أن يكون ً إذا كان مالكاً .فإذا كان مالكاً للسلعة ملكاً شرعيًا؛ فإن له أن يبيعها وإال فال ،طيب :هل نقول هنا" :أو كان مأذوان له"؟ ال ،ال نقول ،ألان قلنا اإلذن املعترب الشرعي هو يف البيع ملصلحة الغري وليس ملصلحة النفس. احلالة الثانية :أن يبيع ملصلحة غريه ،وهنا يصح البيع منه إذا كان مأذوانً له من ذلك الغري أو من الشرع. ودليل هذه القاعدة: حديث حكيم ابن حزام قال :قال النيب ﷺ :ال تبع ما ليس عندك.)1( ( )1رواه أمحد والرتمذي والنسائي وابن ماجه. فقه املعامالت املالية ()1 | 148 ومعىن ما ليس عندك :ما ال متلكه ،يعين الشيء ممكن أن يكون عندك لكن ال متلكه؛ فاملراد مبا ليس عندك؛ مبا ال متلكه ،فقد يكون الشيء يف حوزة اإلنسان ،لكنه ال ميلكه فال جيوز له أن يبيعه. طبعا هذا وجه الشاهد للقاعدة ،ويدخل فيه :ما ميلكه اإلنسان -هذا إن ً كان ليس من القاعدة ولكن يدخل يف احلديث -ما ميلكه اإلنسان وهو غائب عنه ال يستطيع أن يصفه ،يعين :إذا كان اإلنسان ميلك شيئًا غري جمود هنا وال يستطيع أن يصفه ،يدخل يف قول النيب ﷺ :ال تبع ما ليس عندك. وكذلك يدخل فيه عند أهل العلم أن يكون الشيء مملوكاً للنسان لكنه ال يقدر على تسليمه ،يقولون كالعبد اآلبق -العبد اهلارب من سيده - ميلكه سيده ،لكن لو ابعه كيف يسلمه؟ وكذلك الطري يف اهلواء ،فإنه حىت لو كان مملوكاً للنسان فإنه ال يستطيع أن يسلمه. واملراد يف القاعدة ما يتعلق بعدم امللك. ويدل للقاعدة يف حق اإلذن :أن النيب ﷺ وّكل يف البيع ووّكل يف الشراء، كما ذكران البارحة حديث عروة بن أيب اجلعد البارقي. ويدل أيضا على مسألة اإلذن :أن الشرع أذن لويل اليتيم يف بيع مال اليتيم ملصلحة اليتيم. |149 فقه املعامالت املالية ()1 ويتفرع على هذه القاعدة مسائل نطرحها: إنسان ذهب إىل حمل يبيع أدوات السباكة مثالً وقال :أان أريد كذاوكذا وكذا ،بكم؟ قال :هذه الكمية بعشرة آالف ،قال :اشرتيت قال: طيب .ذهب [البائع] إىل جاره -هو ما ميلك ،ما عنده -وقال :عطنا كذا وكذا وكذا ،وأعطاه وأخذه ،وجاء وأعطى هذا الرجل وأخذ منه الثمن، وذهب وحاسب جاره وأخذ الربح ،ما حكم هذه املعاملة؟ ال جتوز ،وال تصح ،ألنه ابع ما ال ميلك. نفس الصورة :صاحب حمل جاءه رجل؛ فقال :أان أريد كذا وكذاوكذا ،وما عنده ،قال :اسرتح ،ذهب إىل احملل اآلخر؛ وقال :أعطين كذا وكذا وكذا ،واشرتاها ولو بثمن مؤجل وملكها ،وجاء وقال :أبيعك بكذا، قال اشرتيت وابعه ،ما حكم هذه املعاملة؟ صحيحه؛ ألنه ابع بعد أن ملك. تبقى صورة وسط وهي إذا تفاوضا على السعر قبل أن ميلك وعقدابعد امللك ،وهذه اليت تقع اآلن يف البنوك وغري البنوك ،أييت اإلنسان ويتفاهم مع البنك على القيمة وعلى كل شيء مث يشرتيها البنك؛ فهنا ال خيلو احلال من أمرين: األمر األول :أن يتقدم العقد على امللك.[ -األمر الثا،ي ]:أو أن يكتسب العقد صفة اإللزام قبل امللك. فقه املعامالت املالية ()1 | 150 بعض البنوك أيتيها الشخص ويقول :أان أريد أن اشرتي سيارة نوعها كذا وكذا وكذا ،يقولون :موجود ،يف املعرض الذي للسيارات ،يقولون :هات وقع على األوراق وجنري العقد ،وبعد ما جيرون العقد يقولون :خذ هذا شيكاً سلمه لصاحب املعرض واستلم السيارة ،يبيعون قبل أن ميلكون! وهذا ال جيوز ،ولو مسوه ما مسوه. أو اكتسب العقد صفة اإللزام قبل امللك ،ما يوقع على العقد ،لكن يُلزم تعهدا أنه يف حال عدم إمتام الشراء يتحمل قيمة السيارة ،أو بذلك ،يكتب ً يضا أنه يلتزم بشراء السيارة يف حال شراء البنك هلا ،أو يدفع عر ً بوان ،فهذا أ ً ال جيوز وال يصح. أما إذا أخرب عن حاجته بدون عقد وال التزام ،مث اشرتى الطرف الثا،ي ما حيتاج إليه وابع السلعة له؛ فهذا عند مجهور أهل العلم جيوز ويصح. وهذه من أدق مسائل البيوع -ما يتعلق ابمللك ،وهلا تأثري كبري يف ابب البيوع. يتفرع على هذه القاعدة: مسألة بيع الفضويل والفضويل :هو الذي يبيع ملصلحة الغري من غري إذن. جئت يوماً عند السيارة؛ فوجدت مثال :أان يل صديق يبيع السياراتُ ، عميالً يريد أن يشرتيها ،فقال :هذه السيارة للبيع؟ قلت :نعم للبيع ،قال: |151 فقه املعامالت املالية ()1 بكم؟ قلت :بكذا ،قال :اشرتيت؛ قلت اتفقنا؛ أان قصدي أنفع زميلي ،هذا العميل جاء وحضر ،لكن أان لست مأذوانً للبيع ،فضويل ،متصرف من غري إذن. ومسألة بيع الفضويل خالفيه بني أهل العلم: فبعض أهل العلم يقولون :ال يصح هذا البيع أصالً ،ألنه صدر من غري مالك وال مأذون له. ويرى بعض أهل العلم أنه يكون موقوفاً على إذن املالك؛ فإذا أذن املالك صح البيع ،وهذا األظهر -وهللا أعلم.- وخيّرج على هذا حديث عروة بن أيب جعد البارقي الذي ذكرانه أمس، ُ وهو أن النيب ﷺ وّكل عروة يف أن يشرتي له شاة بدينار فاشرتى شاتني بدينار وابع إحدامها بدينار؛ فجاء للنيب ﷺ بشاة ودينار؛ فأمضى النيب ﷺ بيعه بدليل أنه دعا له ابلربكة يف بيعه. اآلن عروة عندما ابع الشاة الثانية ،هل كان مأذوان له يف بيعها؟ ال، ومع ذلك ِل يبطل النيب ﷺ البيع؛ بل أمضاه وقبله وأخذ ما جاء به عروة . طبعا يتضح من هذا أن بيع الفضويل إذا ِل يرض به املالك؛ فهو ابطل ابالتفاق ،أما إذا رضي به املالك فهو حمل خالف ،والصحيح -وهللا أعلم- أنه يصح وجيوز. | 152 فقه املعامالت املالية ()1 القاعدة اليت تليها: قاعدة" :الشروط" جدا يف البيوع ،ما هو األصل يف الشروط؟ قاعدة الشروط مؤثرة ً هل األصل يف الشروط اجلواز والصحة واللزوم؟ أو األصل يف الشروط املنع؟ جدا نذكرها على سبيل العموم مث ننزهلا على البيوع، هذه مسألة مهمة ً يعين :لو أن امرأة اشرتطت على زوجها عند العقد أن ال يتزوج عليها، ورضي هبذا الشرط ،ومت العقد بناء على هذا ،فهل يلزم الرجل هذا الشرط؟ فليس له أن يتزوج عليها ،فإن تزوج فلها الفسخ؟ أو ال يلزمه هذا الشرط؟ هذا متفرع عن قاعدة الشروط وسنتكلم عليها إن شاء هللا بعد صالة املغرب وهللا أعلم. *** |153 فقه املعامالت املالية ()1 الدرس السادس احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث رمحة للعاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني ،أما بعد،،، فنواصل تقرير قواعد البيوع ونذكر القاعدة السابعة من قواعد البيوع وهي قاعدة يقال فيها: [القاعدة السابعة] :األصل يف الشروط اإلابحة والصحة. هذا إذا أردان الراجح من أقوال أهل العلم ،وإذا أردان أن نصوغها بصيغة اخلالف فنقول :هل األصل يف الشروط اإلابحة والصحة ،أو التحرمي والبطالن؟ هذه القاعدة خالفية بني أهل العلم ،ونبني أوالً معىن الشروط. الشروط :يف اللغة مجع شرط إبسكان الراء ،والشرط يف لغة العرب :إلزام الشيء والتزامه. وليس معىن الشرط :العالمة ،كما يُذكر يف بعض كتب الفقه ويقوله بعض طالب العلم! الذي مبعىن العالمة؛ الشرط بفتح الراء ،وضبط الكلمات له أثر يف املعا،ي ،مثالً عندان كلمة :العُرف والعرف ،العُرف مبعىن: تتابع الشيء متصالً ببعضه البعض ،والعرف مبعىن :الرائحة. فقه املعامالت املالية ()1 | 154 بعض طالب العلم الذين ال ينتبهون إىل الضبط يرجعون إىل كتب اللغة فيجدون العرف مبعىن الرائحة فيذكرون من معا،ي العُرف :الرائحة ،وهو ليس من معا،ي العُرف وإمنا من معا،ي العرف. عندان الشرط والشرط ،الشرط :هو إلزام الشيء والتزامه ،الشرط :هو العالمة ،بعض طالب العلم يذهب إىل القواميس فيجد كلمة رسم الشرط والشرط ،فيجد أهنم يقولون الشرط مبعىن :العالمة فيظن هو الشرط ،هذا من حيث اللغة. وأما من حيث االصطالح فأقول: إن الشروط يف البيوع قسمان: -1شروط البيوع. -2والشروط يف البيوع. أو كما يقول الفقهاء شروط شرعية ،وشروط جعلية. فما املراد ابلشروط الشرعية؟ هي الشروط اليت اشرتطت يف الشرع لصحة البيوع؛ فهي شروط لصحة البيوع. والشروط اجلعلية: هي الشروط اليت يشرتطها أحد الطرفني أو كالمها ملصلحته. |155 فقه املعامالت املالية ()1 عندما نقول" :يشرتط يف البيع أن يكون من مالك أو مأذون له" هذا شرط شرعي. شهرا" ،هذا شرط جعلي، عندما أقول" :أبيعك البيت بشرط أن أسكنه ً أل،ي أان جعلت هذا الشرط من أجل مصلحيت. املراد ابلشروط هنا؛ هي الشروط اجلعلية ،وليست الشروط الشرعية الذي يشرتطها الشرع لصحة البيوع. إذن الشروط الشرعية :هي الشروط اليت تُشرتط لصحة البيع ،فإن خال البيع منها ،أو من أحدها فإن البيع ابطل. أما الشروط اجلعلية :فهي الشروط اليت يشرتطها أحد الطرفني أو كالمها ملصلحة. هل ميكن أن يصح البيع بدون شرط شرعي؟ ال. هل ميكن أن يصح البيع بدون شرط جعلي؟ نعم ،ميكن أن نبيع ونشرتي بدون شروط ،ما نشرتط شرطًا. إذن هذا الفرق بني الشروط الشرعية والشروط اجلعلية ،الشروط الشرعية: ال ميكن أن خيلو منها عقد بيع صحيح ،أما الشروط اجلعلية :فيمكن أن صحيحا وال شرط فيه. يكون العقد ً الشروط الشرعية :صحيحة كلها ،ال يوجد شرط شرعي غري صحيح. فقه املعامالت املالية ()1 | 156 والشروط اجلعلية :قد تكون صحيحة وقد تكون غري صحيحة ،أقول: أبيعك الدار بشرط أن أسكنها شهراً ،فهذا الشرط صحيح .أقول :أبيعك البيت بشرط أن تفتح فيه حمالً للغناء ،هذا الشرط غري صحيح. إذن الشروط الشرعية صحيحة كلها ،والشروط اجلعلية قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة كما سيايت إن شاء هللا عز وجل. هذه القاعدة" :األصل يف الشروط" ،هل األصل يف الشروط الصحة واجلواز؟ فتكون القاعدة املستمرة يف الشروط صحتها وجوازها ولزومها؛ أم أن األصل يف الشروط التحرمي والبطالن وعدم اللزوم؟ اختلف العلماء يف هذه املسألة على ثالثة أقوال: دل النص على جوازه. القول األول :األصل يف الشروط املنع إال ما ّ دل األصل يف الشروط أهنا ال جتوز ،وأهنا ممنوعة ،وأهنا ابطلة ،إال ما ّ السنة .وهذا مذهب الظاهرية، النص على جوازه ،النص يعين :يف الكتاب و ُّ فاألصل عند الظاهرية أهنم حيكمون على الشرط ابلبطالن ،إال إذا وجد السنة على جوازه ،وهذا ال شك أضيق املذاهب. النص من الكتاب و ُّ القول الثا،ي :األصل يف الشروط املنع إال ما دل الدليل على جوازه. القول األول يقول :األصل يف الشروط املنع إال ما دل النص على جوازه. الدليل أعم من النص ،ولذلك هذا القول أوسع من األول؛ وهذا تدل عليه مسائل اجلمهور :احلنفية واملالكية والشافعية ،تنحو هذه املذاهب يف |157 فقه املعامالت املالية ()1 حكمها على الشروط إىل التضييق وإىل املنع من الشروط إال ما دل الدليل على جوازه. القول الثالث :األصل يف الشروط الصحة واجلواز إال ما دل الدليل على منعه. فالقاعدة املستمرة :أن الشرط جائز وصحيح ،إال إذا دل الدليل على منعه ،وهذا مذهب احلنابلة ،واختاره شيخ اإلسالم ابن تيمية -رمحه هللا- وانتصر له ،وهذا الذي يظهر -وهللا أعلم -أنه الراجح ،أن األصل يف الشروط اجلواز والصحة إال ما دل الدليل على منعه. مذهب املالكية فيه قُرب من هذا القول ،وإن كانوا يبطلون كثرياً من الشروط. فيه فائدة يف الفقه تقول: إن مذهب احلنابلة يف قسم العبادات أقرب إىل الشافعية ،ويف قسماملعامالت أقرب إىل املالكية. مذهب املالكية أوسع من مذهب احلنفية والشافعية يف الشروط،ولكنه أضيق من مذهب احلنابلة ،والذي ظهر يل أثناء دراسة مسائلهم :أهنم ينحون إال املنع أكثر ،ولذلك ذكرانهم مع اجلمهور ،األصل يف الشروط املنع إال ما دل الدليل على جوازه. فقه املعامالت املالية ()1 | 158 ما هي األدلة على أن األصل يف الشروط الصحة واجلوامز إال ما دل الدليل على منعه ،هناك أدلة دلت على ذلك منها: [الدليل األول] :أن الشروط من العادات .اإلنسان يشرتط يف البيوعملاذا؟ عبادة؟ يشرتط ملصلحته ،فهذه عادة ،واألصل يف العادات اإلابحة. الدليل الثاين :أن الشروط من األشياء النافعة .هل ميكن أن يشرتطضارا به؟ ال ميكن ،إال أن يكون يف عقله خلل ،فالشروط من اإلنسان شيئًا ً األشياء النافعة ،واألصل يف األشياء النافعة اإلابحة. -الدليل الثالث :أن الشروط من العقود ،وقد أمر هللا ابلوفاء ابلعقود َ َٰٓ َ ُّ َ ذ َ َ َ ُ ٓ ْ َ ۡ ُ ْ ۡ ُ ُ ﴿يأيها ٱَّلِين ءامنوا أوفوا بِٱلعقودِ﴾ [املائدة ]1:والشروط من العقود، فيكون األصل الوفاء هبا. الدليل الرابع :أن الشروط يف البيوع وقعت يف زمن النيب ﷺ من غرياشرتاط نص ،فكان الصحابة –رضوان هللا عليهم– يف زمن النيب ﷺ يتبايعون ويتشارطون من غري رجوع إىل النيب ﷺ؛ فدل ذلك على أن األصل يف الشروط اجلواز والصحة ،وهذا له وقائع كثرية يف زمن النيب ﷺ. [الدليل اخلامس] :أن النيب ﷺ قال :إن أحق الشروط أن توفوا بهما استحللتم به الفروج ،)1(وهذا مطلق يشمل كل شرط إذا ِل مينع منه ( )1متفق عليه. |159 فقه املعامالت املالية ()1 الشرع ،فإذا وجد الشرط وجب الوفاء به ،وما كان صحيحاً يف النكاح؛ فإنه كذلك يصح يف البيوع ،إذ يدل ذلك على عدم املانع الشرعي. أيضا يدل هلذه القاعدة قول النيب ﷺ: [الدليل السادس]ً :املسلمون على شروطهم .)1(فإذا وقعت الشروط بني املسلمني فإنه جيب عليهم الوفاء هبا ،وهذا احلديث جمموع أسانيده تدل على الصحة. أيضا هنا أشري إىل شيء وهو :أن النيب ﷺ قال :املسلمون على ً شروطهم إال شرطًا أحل حر ًاما أو حرم حالالً؛ فالنيب ﷺ قال :املسلمون على شروطهم مث استثىن؛ إذن ما هو األصل؟ احلمل ،وأن املسلمني على شروطهم ،واملمنوع مستثىن :إال شرطًا أحل حر ًاما أو حرم حالالً ،وهذا كثريا من الناس يتصور يف بعض الشروط ً أيضا سنقف وقفة مع معناه ،ألن ً أهنا داخلة يف هذا االستثناء وليست داخلة ،وهذا إن شاء هللا سنبينه. [الدليل السابع] :أيضاً ثبت عن عمر أنه قال" :مقاطع احلقوقعند الشروط"( .)2إذا تريد أن تُـثبـمّت حقوقك فاشرتط ،فإذا اشرتطت فإنه يلزم الوفاء مبا اشرتطت. فإن قال لنا قائل :فما تقولون يف قول النيب ﷺ :كل شرط ليس يف كتاب هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط ،قضاء هللا أحق ،وشرط هللا أوثق، ( )1رواه أمحد وأبو داود والرتمذي. ( )2رواه البخاري معلقاً. فقه املعامالت املالية ()1 | 160 وإمنا الوالء ملن أعتق ،)1(هنا تلحظون أن النيب ﷺ قال :كل شرط ليس يف كتاب هللا فهو ابطل؛ ففهم الظاهرية من هذا احلكم على الشروط السنة يف السنة؛ ألن ُّ ابلبطالن إال إذا كانت يف كتاب هللا أو كانت يف ُّ كتاب هللا. قلنا :إن معىن هذا احلديث كل شرط ليس يف كتاب هللا يعين :كل شرط ليس يف حكم هللا ،مبعىن أنه خيالف حكم هللا فهو ابطل ولو كان مئة شرط ،قضاء هللا أحق ،وشرط هللا أوثق ،وإمنا الوالء ملن اعتق. َ َ َٰ َ ذ َ ۡ ُ ك ۡم﴾ يدل على ذلك أن هللا – عز وجل– قالَِ﴿ :تب ٱّلل ِ علي [النساء ]24:ليس املقصود بكتاب هللا :القرآن؛ وإمنا املقصود بكتاب هللا: احلكم ،فهذا حكم هللا ،فكل شرط ليس يف كتاب هللا يعين :كل شرط خيالف حكم هللا فهو ابطل ،وإن كان مئة شرط ،قضاء هللا أحق ،وشرط هللا أوثق ،هذا يدل على ما نقول ،ملاذا؟ ألن أصل هذا احلديث قصة بريرة عندما كاتبت أهلها على مخس أواق فجاءت إىل عائشة تطلب عوهنا ،فقالت عائشة :إن شاء أهلك نقلتها هلم وكان والئك يل ،فأخربهتم فأبوا إال أن يكون الوالء هلم، فماذا قال النيب ﷺ قال لعائشة :خذيها واشرتطي هلم الوالء مث قام خطيبًا فقال :ما ابل أقوام يشرتطون شروطاً ليست يف كتاب هللا ،كل شرط ليس يف كتاب هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط ،قضاء هللا أحق وشرط هللا ( )1رواه البخاري ومسلم. |161 فقه املعامالت املالية ()1 أوثق .فمعىن هذا الكالم :أن الشرط اجلعلي إذا خالف حكم هللا؛ فإن حكم هللا مقدم عليه ويبطل هذا الشرط. ولذلك نقول :القاعدة "إذا تعارض شرط املخلوق مع شرط اخلالق؛ قدم شرط اخلالق ،ويهدر شرط املخلوق" هلذا احلديث .إذن معىن هذا احلديث: أن كل شرط خالف حكم هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط. فإن قال لنا قائل :فما تقولون يف قول النيب ﷺ :املسلمون على شروطهم إال شرطًا أحل حر ًاما أو حرم حالالً ،فإنه يدل على أن كل شرط حرم احلالل يكون ابطالً ،أو أحل احلرام يكون ابطالً؟ قلنا :ليس املقصود ابلشرط الذي ُحيرم احلالل املنع من املباح؛ وإمنا املقصود أن جيعله حر ًاما. كل شرط ال بد أن مينع من مباح ،مثال :أان إذا اشرتيت السيارة ومت العقد ،املباح أن أتصرف ابلسيارة كيفما أشاء ،صحيح؟ طيب قلت يل: أبيعك السيارة بشرط أن أركبها شهراً .منعتين من املباح أو ما منعتين؟ منعتين ،وهذا الشرط جائز. فلو كان املقصود ابلشرط الذي ُحيرم احلالل الشرط املانع من املباح؛ لكان املعىن :املسلمون على شروطهم وال شرط هلم ،ألن كل شرط ال بد له أن مينع من مباح. فقه املعامالت املالية ()1 | 162 ولذلك ملا أراد علي أن ينكح ابنة أيب جهل على فاطمة –رضي هللا عنها وأرضاها– قال النيب ﷺ :أما أ،ي ال أحل احلرام وال أحرم احلالل ولكن ال جتتمع ابنة رسول هللا مع ابنة عدو هللا هنا النيب ﷺ منع عليا من هذا النكاح أو ِل مينعه؟ ولكنه ِل حيرمه عليه؛ ولذلك قال :أما أ،ي ال أحل احلرام وال أحرم احلالل ،ولكنه منع علياً من هذا النكاح؛ فدل ذلك على أن املنع من املباح ليس حترميًا له ،فهذا يدل على أن هذا احلديث ال يشكل على القول الصحيح من أن األصل يف الشروط الصحة واجلواز. وأحسن من حبث هذه القضية حبثًا أطال فيه النفس؛ شيخ االسالم ابن تيمية –رمحه هللا– يف جمموع الفتاوى ،ويف القواعد النورانية ،فقد حبث هذه نفيسا قيما أطال فيه النفس؛ فمن أراد أن يستفيد يف هذا املسألة حبثًا ً فلريجع إىل :القواعد النورانية يف قسم املعامالت أو جمموع الفتاوى لشيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا. إذا قلنا :إن األصل يف الشروط الصحة واجلواز واللزوم؛ فمىت يكون حكما. ذلك؟ يكون ذلك إذا كان الشرط مقارًان للعقد حقيقة أو ً الشرط ال خيلو من ثالثة أحوال: -1أن يُذكر قبل العقد مبدة. -2أن يُذكر عند العقد. -3أن يُذكر بعد العقد. |163 فقه املعامالت املالية ()1 إنسان اشرتى سيارة ،وبعد ما مت العقد ولزم؛ قال البائع" :أان تذكرت! أان أشرتط أن أركبها أسبوعاً" ال يلزم املشرتي شيء؛ فالشرط عقب العقد ال قيمة له. سأذكر مثاالً يف الزواج ،مثاالً يف البيوع: إنسان أراد أن يشرتي سيارة من آخر ،ففاوضه فقال البائع :طيب أبيعك السيارة لكن بشرط أن أركبها أسبوعاً أل،ي حمتاج إىل هذا ،قال :طيب، انصرف ،يف اليوم التايل تعاقد قال :بعين سيارتك قال :أبيعك السيارة خبمسة آالف ،قال :قبلت ،مت العقد ،نسي البائع الشرط أو اعتمد على السابق ،هنا اختلف الفقهاء يف هذا الشرط: فمنهم من يقول :إنه ال قيمة له ،كالشرط الالحق ،فالعربة يف املقارنة. ومنهم من يقول :إنه معترب ،ألنه ِل يوجد ما يصرف عنه ،فهو موجود حكما عند العقد ،وهذا الراجح -وهللا أعلم -أنه إذا وقع الشرط قبل العقد ً مبدة ولو يسرية؛ أن الشرط معترب إال إذا وجد صارف عنه. أما الشرط املقارن فالشرط صحيح ،قال :أبيعك السيارة بشرط أن أركبها أسبوعاً ،قال :قبلت ،فالشرط صحيح. طيب مىت يبطل الشرط؟ مىت نقول إن الشرط ابطل؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يبطل الشرط يف البيوع يف حالني: فقه املعامالت املالية ()1 | 164 -1احلالة األوىل :أن خيالف مقصود البيع فيجعل البيع كاملعطل، خيلي البيع من أهم مصاحله ،يقول :أبيعك هذا البيت بشرط أن ال تبيعه وأن ال هتبه وأن ال تؤجره .هذا خيالف مقصود العقد ،فهذا العقد ابطل. قال :أزوجك ابنيت بشرط أن تطلقها .هذا خيالف مقصود العقد ،ألن مقصود العقد الدميومة. قال :أزوجك ابنيت بشرط أن ال تلد منك .هذا خيالف مقصود العقد! ألنه يعطل النكاح من أهم مصاحله ،فهذا الشرط خيالف مقصود العقد، والشرط إذا كان خيالف مقصود العقد فإنه يكون ابطال. -2احلالة الثانية :أن خيالف مقصود الشارع ،مىت يعارض مقصود الشارع؟ إذا كان يلزم منه إيقاع احلرام ،أو ترك الواجب الشرعي من غري إذن شرعي ،أو كان خمالفا للنص. مىت يكون الشرط خمالفا ملقصود الشارع؟ عند ثالثة أمور: أ – أن يلزم منه إيقاع احلرام .قال :أبيعك هذا احلانوت بشرط أن تفتح فيه مكاان آلالت الطرب! أو بشرط أن تبيع فيه الدخان! صاحب عمارة عنده حمل يف أسفل العمارة جاءه مستأجر قال :أان أريد أن استأجر هذا احملل أفتحه بقالة ،قال :أؤجرك أو أبيعك بشرط أن تبيع فيه الدخان -الرجل يشرب الدخان ويريد أن يكون حتت بيته – قال :أبيعك |165 فقه املعامالت املالية ()1 هذا احملل ،تفتح بقالة بشرط أن تبيع فيه الدخان .هذا الشرط خيالف مقصود الشارع ألنه يلزم منه إيقاع احلرام. إذا قال :أبيعك السيارة بشرط أن ال تركبها إىل والديك ،بينه وبني هذا الرجل خصومة ،هذا الشرط يلزم منه ترك الواجب وهو بر الوالد وصلة الوالد ،فيكون خمالفا ملقصود الشارع. أو اشرتط أهل اجلارية الوالء فإن هذا خيالف النص ألن النيب ﷺ قال: إمنا الوالء ملن أعتق .فيكون ذلك خمالفاً للنص. هنا سيأيت سؤال ،وسؤال من األمهية مبكان ،إذا عرفنا أن هناك شروطًا اشرتطت يف العقد؟ ابطلة؛ فما احلكم إذا ُ الشرط حكمه أنه ابطل؛ لكن ما احلكم إذا وجدت يف العقد؟ هل تُ م بطل العقد؟ أو تبطل هي فقط؟ هل يسري بُطالهنا للعقد أو تبطل هي فقط صحيحا؟ ويكون العقد ً األصل عند العلماء أن املشرتط إذا كان عاملاً ابلتحرمي فالشرط ابطل والعقد صحيح. إنسان يعرف أنه ال جيوز له أن يشرتط على املشرتي أن يبيع الدخان، فباعه بشرط أن يبيع الدخان ،الشرط ابطل يقينًا وال يلزم الوفاء به والعقد صحيح ،قال البائع :ال ،أان ال أريد أن أبيع البيت إال هبذا الشرط؛ نقول: العقد صحيح والشرط ابطل ألنك تعلم ابلتحرمي؛ فليس لك حق يف هذا. فقه املعامالت املالية ()1 | 166 يدل على هذا أن النيب ﷺ يف قصة بريرة مع عائشة ماذا قال ألمنا عائشة قال :خذيها واشرتطي هلم الوالء؛ كأنه يقول :هذا ال ينفعهم ،ألنه معروف يف الشرع أن الوالء للمعتق ،فإذا أخذهتا عائشة فمن املعتق؟ املعتق عائشة إذًا الوالء هلا ،لكن أهل اجلارية اشرتطوا أن يكون الوالء شرعا ملن أعتق ،فقال النيب ﷺ :خذيها واشرتطي هلم مع علمهم أن الوالء ً هلم الوالء ال ينفعهم هذا ،مث ملا حصل هذا قال :ما ابل أقوام يشرتطون شروطًا ليست يف كتاب هللا ،كل شرط ليس يف كتاب هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط ،قضاء هللا أحق ،وشرط هللا أوثق ،وإمنا الوالء ملن اعتق. فهنا النيب ﷺ ِل يبطل العقد ولكنه أبطل الشرط ،فنقول أنه إذا كان املشرتط صحيحا. عاملاً أن الشرط حرام؛ فإن الشرط يبطل ويكون العقد ً مباحا فاشرتطه هل يبطل أما إذا كان ال يعلم حترمي الشرط بل يظنه ً العقد؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن الشرط ابطل والعقد صحيح. إذا قلنا ما الفرق بني اجلاهل والعاِل؟ الفرق يف اإلمث ،العاِل مع بطالن الشرط أيمث ،واجلاهل مع بطالن الشرط ال أيمث ،أما العقد فهو صحيح وال يضره هذا البطالن. وذهب شيخ االسالم ابن تيمية -رمحه هللا– إىل أنه" :إذا كان املشرتط الزما ،بل للمشرتط الفسخ جاهال ابلتحرمي أن الشرط يبطل وال يكون العقد ً أو اإلمضاء". |167 فقه املعامالت املالية ()1 رأي شيخ اإلسالم ابن تيمية –رمحه هللا-؛ أنه إذا كان املشرتط جاهالً ابلتحرمي ،يظن الشرط مباحاً فاشرتطه ،يقول شيخ اإلسالم" :الشرط ابطل" ألنه خمالف للشرع" ،ولكن العقد غري الزم" ،بل يوقف على إذن املشرتط فإن شاء املشرتط فسخه ،وإن شاء أمضاه. وهذا القول مرجوح -وهللا أعلم -لعموم قول النيب ﷺ :كل شرط ليس يف كتاب هللا فهو ابطل وإن كان مئة شرط ،قضاء هللا أحق وشرط هللا أوثق ،والنيب ﷺ ِل يبطل العقد. هناك رأي وجيه لبعض الفقهاء قالوا فيه :إذا كان الشرط يقع به حمرم زجرا للناس على اشرتاطه. ً شرعا؛ فإن العقد يبطل ً كأن هؤالء الفقهاء يقولون :لو قلنا للناس يف مثل هذه الشروط أن الشرط ابطل والعقد صحيح؛ يتساهلون يف اشرتاطها ،لكن إذا قلنا هلم إذا ذكرمت الشرط يف العقد فإن الشرط ابطل والعقد ابطل ،مثال ذلك :مثالً أن يبيعه جاريةً بشرط أن تكون ُمغنّية .هذا يلزم منها احلرام ،قالوا :نقول العقد سدا لذريعة هذه الشروط. ابطل والشرط ابطلً ، هناك مسألة وهي: أن من علم حرمة الشرط ال جيوز له الدخول يف العقد ،سواء كان الشرط يبطل العقد أو ال يبطل العقد ،مىت يكون هذا؟ إذا اشرتط يف العقد حمرم. فقه املعامالت املالية ()1 | 168 مثال واقعي :البطاقات االئتمانية -الفيزا واملاسرت كارد -هذه البطاقات يوما أو مخسني يف عقدها شرط ربوي ،وهو أن يتم السداد خالل أربعني ً يوما يوما ،فإن زاد؛ احتسب عليه زايدة ،فهذا راب ،إذا سدد خالل أربعني ً ً يوما حتسب عليه زايدة ،هذا ال حتسب عليه زايدة ،إذا زاد عن األربعني ً الشرط ربوي ،فمن علم به ال جيوز له أن يدخل أصال يف هذه املعاملة ،فال جيوز للنسان أن أيخذ البطاقة االئتمانية اليت فيها هذا العقد ويوقع على العقد ،ملاذا؟ ألنه يلزم منه الرضا مبا حرم هللا. اآلن هذا العقد الذي فيه هذا الشرط إذا وقّعت عليه ،ما معىن هذا التوقيع؟ أ،ي ر ٍ اض وموافق على هذا العقد مبا فيه هذا الشرط ،فيلزم منه الرضا مبا حرم هللا وهذا حرام فال جيوز. فإذا كان الشرط يلزم منه إيقاع احلرام؛ مبعىن :أنه شرط يوقع حر ًاما ،فمن علم حترميه فال جيوز له الدخول يف العقد ،ألن الدخول يف العقد معناه الرضا مبا حرم هللا ،وهذا حرام ال جيوز. أقول هذا :وأن هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم؛ ألن بعض الناس مثالً يقول :أان أدخل مع البنك يف هذا العقد ،ولكين أسدد خالل األربعني يوما ،فبالتايل ال أقع ابلراب .نعم ،إنك ال تقع يف الراب ،لكنك وقـعت يف ً شرعا. املشارطة ابلراب ،فرضيت ابلشرط احملرم وهذا ال جيوز ً |169 فقه املعامالت املالية ()1 ولذلك الذي أفيت به :أن البطاقات االئتمانية مع البنوك الربوية ال جيوز أخذها ،ألن مجيع البنوك الربوية تشرتط هذا الشرط الربوي ،نعم ،هناك بنوك إسالمية ال تشرتط هذا الشرط فإذا سلم العقد من هذا الشرط فال أبس ،أما مع هذا الشرط؛ فإنه ال جيوز الدخول يف هذا العقد. فإن قال قائل :ما هي صفات الشرط الصحيح؟ فنقول: صفات الشرط الصحيح: [الصفة األوىل] :أن يكون فيه منفعة يف الدنيا أو الدين. يقول شيخ االسالم ابن تيمية – رمحه هللا " :-إذا خال العمل املشروط يف العقود كلها عن منفعة يف الدين أو يف الدنيا كان ابطالً ابالتفاق يف أصول كثرية" .ووجه هذا الشرط أن الشرط يتعلق ببذل املال ،وبذل املال يف ما ال منفعة فيه ال جيوز ،فال بد أن يكون يف الشرط منفعة يف الدين أو الدنيا. الصفة الثانية :أن يكون الشرط مما يباح فعله بدون اشرتاط. يعين يكون املشروط مما يباح فعله بدون اشرتاط ،مثال :رجل تزوج واحدة وقال :ما أريد أن أتزوج اثنية ،أريد أن أبقى على الواحدة حىت أموت ،جيوز هذا أو ال جيوز؟ جيوز ابالتفاق ،جيوز للرجل أن يكتفي بواحدة ،إذن صحيحا. اشرتط كان االكتفاء بواحدة جيوز فعله بدون الشرط؟ جيوز .فإذا ُ ً فقه املعامالت املالية ()1 | 170 مثال :بعتك سيارة وقلت يل" :اي شيخ أان اآلن ال أحتاج السيارة وأنت حمتاج للسيارة ،لن تأيت سيارتك إال بعد شهر؛ فخذ السيارة انتفع هبا إىل أن تصلك سيارتك بعد شهر" ،جيوز لك أن تفعل هذا أو ال جيوز؟ جيوز، خريا ،فيجوز اشرتاطه .فيجوز أن أقول :أبيعك السيارة إحسان ،جزاك هللا ً شهرا. بشرط أن أركبها ً إذن الصفة الثانية :أن يكون األمر املذكور يف الشرط مما يصح فعله بدون اشرتاط أو يباح فعله بدون اشرتاط. يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية -رمحه هللا" :-ال بد أن يكون املشروط مما يباح فعله بدون الشرط حىت يصح اشرتاطه". إذن صفات الشرط الصحيح: أن تكون فيه منفعة يف الدين أو الدنيا ،فإن ِل تكن فيه منفعة بل فيه مضرة أو تلف فال يصح. الصفة الثانية :أن يكون املشروط أو املذكور يف الشرط مما يباح فعله بدون الشرط؛ فإن كان املذكور يف الشرط مما ال يباح فعله؛ فإنه ال يصح اشرتاطه ،إذا ثبت هذا وهو أن األصل يف الشروط الصحة؛ فإنه يرتتب على ذلك أنه يلزم الوفاء هبا. |171 فقه املعامالت املالية ()1 مثال :تزوج امرأة وعند العقد اشرتطت عليه أن ال خترج من مدينتها ،بعد سنة ،بعد سنتني قال :اي فالنة أان أريد أن ننتقل إىل املدينة الفالنية قالت: ال ،أان اشرتطت عليك أ،ي ال أنتقل من مدينيت ،قال :ال؛ سننتقل .فإذا ِل يوف ابلشرط فما احلكم؟ اجلواب :للمشرتط أن يفسخ العقد. فكل شرط يلزم الوفاء به إذا ِل يوف به؛ ثبت الفسخ ،ما معىن ثبت الفسخ؟ يعين :كان للمشرتط حق الفسخ ،إن شاء فسخ وإن شاء أسقط شرطه. مثال :امرأة تزوجها رجل على أن ال خترج من مدينتها ،بعد سنة قال الرجل :أان سأسافر ،قالت له :ال ،أان اشرتطت عليك ،هنا املرأة ابخليار إن شاءت أسقطت الشرط ألنه حقها وتسافر معه والعقد صحيح ،وإن شاءت فسخت العقد ،فينفسخ العقد ،فكل شرط صحيح يلزم الوفاء به إذا ِل يوف به يثبت للمشرتط حق الفسخ. الفسخ :هو حل عرى العقد ،والطالق :رفع العقد. نكاحا أو غري ذلك ،أما الفسخُ :حي ّل به العقد ،سواء كان بيعاً أو ً الطالق :فهو رفع للعقد وهو من حق الزوج .هذه خالصة ما يتعلق ابلشروط. | 172 فقه املعامالت املالية ()1 لكن فقط أذكر للفائدة أن الشروط اجلعلية عند الفقهاء تنقسم إىل قسمني: -1شروط التقييد :كل شرط ملنفعة املشرتط يقع بعد العقد .مثال: شهرا ،هذا شرط تقييد ،ملاذا؟ ألنه قيد أبيعك السيارة بشرط أن أركبها ً تصرف املشرتي. -2شروط التعليق :كل شرط يعلق به العقد .فيكون ساب ًقا على العقد .مثال :بعين هذه السيارة ،فيقول :أبيعك السيارة إن جاء زيد ،فعلق البيع على جميء زيد ،هذا يسمى شرط التعليق. فالشروط :إما شروط تقييد ،وإما شروط تعليق ،واألصل يف الشروط الصحة واجلواز وأنه يلزم الوفاء هبا إذا اشرتطت. هذه خالصة ما يتعلق ابلشروط ،وطبعاً هناك تفريعات يف الشروط، مثل :اشرتاط شرطني يف العقد ،وهل يصح أو ال يصح؟ هذا من التفريعات. والصحيح أن األصل يف الشروط الصحة ،سواء وجد شرط أو شرطان أو أكثر .هذا خالصة ما يتعلق هبذه القاعدة. *** |173 فقه املعامالت املالية ()1 اإلجابة على األسيلة: السؤال األول :ابرك هللا فيكم ،ذكرمت تقسيم العقود ابعتبار آاثرها يف اليوم األول من الدورة ولكنكم ِل تذكروا إال العقود الالزمة فهل هناك عقود أخرى؟ اجلواب: أظن اي إخوة أن قلت :إن العقود: عقود الزمة للطرفني. عقد الزم لطرف جائز لطرف. وعقود جائزة للطرفني.معا كالبيع ،وإما عقد الزم لطرف فهذه أقسامها :إما عقد الزم للطرفني ً جائز لطرف مثل الرهن ،وإما عقد جائز للطرفني مثل الشركة ،وهذه أقسامها وأظن أ،ي ذكرهتا. السؤال الثاين :ابرك هللا فيكم ،قلتم ال جيوز بيع املسلم اخلنزير وال الصليب للكافر فهل جيوز أن يبيعها يف بالدهم للكفار وإذا كان لديهم حل فهل يتخلصوا منه؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 174 اجلواب: ال جيوز أن يبيعها مطلقاً ال يف بالدهم وال يف غري بالدهم؛ ألن هللا فحرم مثنها عليك ،فال حيل لك أن تأكل مثنها ،هذا ابلنسبة حرمها عليك؛ ّ ّ للخنزير. أما الصليب فال شك أنه ال جيوز أبي حال من األحوال ،وكذلك األصنام اليت تعبد ،لكن ابلنسبة للخنزير؛ فأان أقول :إن هللا ما دام حرم عليك الذات؛ فقد حرم عليك الثمن. السؤال الثالث :ابرك هللا فيكم ،ما حكم بطاقة املاسرت كارد املدفوعة علما أبن هذه البطاقة ال ميكن مسبقاً الصادرة من املصارف اإلسالمية؛ ً استخدامها إال بعد تعبئة رصيد فيها ،ويتم اإلنفاق منها بقيمة هذا الرصيد سنواي، فقط ،و ً أيضا هناك رسوم عند إصدار البطاقة ،ورسوم لتجديد البطاقة ً ورسوم لتعبئة البطاقة ابلرصيد ،ورسوم عند السحب النقدي من هذه البطاقة ،فما حكم هذه اجلوانب من هذه البطاقة؟ اجلواب: هذه البطاقات االئتمانية هي على نوعني: نوع :له رصيد مغطى. -ونوع :له رصيد مكشوف. |175 فقه املعامالت املالية ()1 يعين نوع يلزم أن تكون هناك قيمة مالية معبأة للبطاقة يسحب املال يوما؛ ألن الثمن أيخذ منها ،وهذه البطاقة ال يكون فيها زايدة على أربعني ً من الرصيد مباشرة يعين يف املدة احملددة فما حتتمل الراب. والثانية :الرصيد املكشوف ،هذه هي اليت حتتمل أنه ميكن أن يزيد على يوما فيأخذ منها. أربعني ً أما قضية الرسوم فهي نوعان: النوع األول :رسوم مقطوعة ،يعين تدفع مئة عند إصدار البطاقة ،فهذه صدرت قرارات اجملامع الفقهية جبوازها. النوع الثا،ي :رسوم منسوبة إىل املبلغ الذي تأخذه ،إن كنت تأخذ مخسني ألفا؛ فالرسوم كذا ،مخسة يف املئة من املبلغ ،إن كنت تدفع مئة ألف؛ فالرسوم مخسة يف املئة من البلغ ،فهذه ال جتوز ،يشرتط يف رسوم اإلصدار أن تكون مقطوعة غري منسوبة إىل املبلغ الذي أيخذ ابلبطاقة. وأما قضية السحب ابلبطاقة االئتمانية يف داخل البالد؛ فاحلقيقة أهنا حمل إشكال ،ألنك إذا سحبت هبا خيصم عليك مبلغ أكثر من البطاقات العادية ،فالبطاقات العادية اآلن ال أيخذ عليها شيء ،مع أن التكاليف يف احلقيقة واحدة ،وإن كان عندما راجعت املسؤولني عنها يف البنوك قالوا :ألن البطاقة االئتمانية فيها مصارف اتصاالت فضائية ،كيف؟ قالوا :إنك فقه املعامالت املالية ()1 | 176 صحيح أنك تصرف من املاكينة اليت يف البلد؛ لكن هذه البطاقة ال بد من االتصال ابلشركة األصلية ،وهذا مقابل االتصال الفضائي. ولكن يف نفسي شيء من هذا -وهللا أعلم -ألن الذي يظهر -وهللا أعلم -أن البطاقة من حيث االستعمال ال حتتاج إىل هذا ،وهلذا دائماً أقول لألخوة الذين يستفتونين يف هذا الباب :ال تسحب هبا ،استعملها يف البيع والشراء إذا كانت مما جيوز وال تسحب هبا. فهمت يف مسألة بيع طيور الزينة؟ السؤال الرابع :ابرك هللا فيكم ،ما ُ كيف يكون فيها منفعة؟ وكيف أعرف أنه ال منفعة فيها؟ اجلواب: وحنن إذا نظران يف طيور الزينة؛ األصل أنك ال ترى فيها منفعة ،لكن قد يرى أانس يف جمتمع أن فيها منفعة من حيث اقتنائها والتمتع بصوهتا وما حتدثه يف البيت ،ويرون يف هذا منفعة ،فإذا كان الناس يرون يف العرف أن فيها منفعة فإنه جيوز بيعها وشرائها. أما إذا ِل جي مر هذا يف عرف الناس؛ فإن األصل أنه ال منفعة فيها وال جيوز بيعها وال شراؤها. |177 فقه املعامالت املالية ()1 السؤال اخلامس :يقول هل القول بصحة بيع الفضويل وأنه موقوف على إذن املالك يلزم منه القول بصحة اإلجياب والقبول مع اختالف اجمللس؟ اجلواب: ال ،ال يلزم منه هذا ،ألن اإلجياب والقبول قد حصل يف اجمللس ولكن هذا إمضاء له ،له أن ميضيه وله أن يلغيه ،هذا ليس إجيااب جديدا هذا إمضاء للسابق. السؤال السادس :حفظكم هللا ،كثر ذكركم لكتاب القواعد النورانية لشيخ اإلسالم ابن تيمية ،فلو حدثتنا عن هذا الكتاب وما هي أفضل طبعة له؟ اجلواب: جدا ألفه شيخ اإلسالم –رمحه هللا- أما هذا الكتاب فهو كتاب نفيس ً دائما مع أصحاب الدليل ،فمن وافق الدليل كانت ليبني أن الوسطية ً الوسطية احلقة معه ،وهذا مقصود نفيس ،وقد بينه شيخ اإلسالم ابن تيمية جدا ،وليس ابألصول الكلية ال ابملسائل اجلزئية ،وذكر قواعد نفيسة ً الكتاب للحنابلة -كما ينحو بعض من يكتبون يف القواعد الفقهية ويعدونه م ابلدليل من قواعد احلنابلة -بل هو كتاب يذكر املذاهب األربعة ،ويُبني الراجح ،وأنه الوسط يف الباب. | 178 فقه املعامالت املالية ()1 وأما الطبعات -يف احلقيقة -فإ،ي ال أفيت فيه ،وأان ال أتتبع طبعات كتااب ال أغريه لفوائد الكتب ،بل أان عندي عادة -يف احلقيقة -إذا اشرتيت ً أراها يف هذا األمر ،إال أن ينزل حتقيق فيه إفادة وزايدة فيُشرتى ملا فيه من الزايدة وإال ال أستطيع أن أتكلم يف الطبعات. *** |179 فقه املعامالت املالية ()1 الدرس السابع احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث رمحة للعاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني .أما بعد،،، هذه القواعد لو حفظها اإلنسان قاعدة قاعدة ،حىت لو ِل يدخل يف ط له مسائل البيوع ضبطًا على الراجح من أقوال أهل العلم التفاصيل؛ تضب ُ الذي دل عليه الدليل. وحنن كنا قد ذكران سبع قواعد يف اجملالس املاضية .نذكر اليوم: القاعدة الثامنة" :األصل أنه ال يقع البيع إال من راشد". القاعدة املستمرة؛ أنه ال يقع البيع وال يصح إال من راشد. والراشد -كما يقول الفقهاء -هو جائز التصرف ،فمن هو جائز التصرف أيها الفقهاء؟ يقولون :هو احلُر البالغ العاقل الرشيد؛ وجيمعها كلها الرشد ،الرشد املطلق. ُ حرا ُفرشده انقص؛ ألنه انقص جبانب املالية اليت فيه. من ِل يكن ً من ِل يكن ابلغًا؛ فرشده انقص؛ ألن البالغ أصالً غري مكلف ،ملاذا الصيب غري مكلف؟ ألن آلة الفهم عنده انقصة ُفرشده انقص. اجملنون ال رشد عنده النعدام اآللة. فقه املعامالت املالية ()1 | 180 الرشيد هو الذي حيسن التصرف ،الذي ال حيسن التصرف ليس عنده موجودا فيه ليس عنده رشد. ُرشد ،ولو كان ابلغًا ولو كان أصل العقل ً فمعىن ال ُرشد كما يقول الفقهاء :أن يكون العاقد جائز التصرف ،ملاذا؟ قالوا :ألن البيع يشرتط له الرضا كما تقدم معنا ،وانقص الرشد؛ انقص الرضا فال يعترب بيعُه ،يقولون :كاإلقرار ،اإلقرار ال يُقبل من غري الرشيد؛ فكذلك البيع. يرتتب على هذا أنه ال يصح بيع اجملنون؛ فاجملنون لو ابع أو اشرتى فبيعه ابطل إبمجاع العلماء النعدام الرشد فيه ،وال يصح بيع العبد إال إبذن سيده، ألن نقصه من جهة أنه مملوك؛ فإذا أذن له سيده انتفى هذا النقص؛ فإذا أذن له سيده؛ صح ذلك. وال يصح بيع الصيب ،والصيب ينقسم إىل قسمني: صيب غري مميز :وهو الذي كما يقول الفقهاء :ال يعرف اخلري منالشر ،وال التمرة من اجلمرة ،لو أعطيته مترة أخذها ولو أعطيته مجرة أخذها، إال أن جيرهبا فال يعود إليها ،هذا غري مميز ،وهذا ال يصح بيعه ابتفاق العلماء. وصيب مميز :وهو الصيب الذي يدرك املعا،ي ويفهم الكالم ،لكنه دونالبلوغ ،هو صيب يعرف الضار من النافع ،بدأ يعرف لكن معرفته انقصة، هذا ال يصح بيعه لكونه انقص العقل ،ولذلك ِل يكلف ابألحكام الشرعية. |181 فقه املعامالت املالية ()1 كبريا، وال يصح بيع السفيه ،والسفيه :الذي ال ُحيسن التصرف ولوكان ً تعطيه شيء مثني يباع أبلف فيبيعه بعشرة ،ورمبا يكون يف العشرين أو اخلمسة والعشرين ،تعطيه مئة رايل يذهب وأيخذ هبا حالوة؛ عنده سفه يف ََ ُُۡ ْ التصرف ال حيسن التصرف ،فهذا ال يصح بيعه لقول هللا ﴿ :وَل تؤتوا ُّ َ َ ٓ َ َ ۡ َ َٰ َ ُ ُ ذ َ َ َ ذ ُ َ ُ َ ٗ ۡ َٰ ٱلسفهاء أمولكم ٱل ِِت جعل ٱّلل لكم ق ِيما ﴾ [النساء]5:؛ فنهى هللا عن أن نؤيت السفهاء أموالنا؛ ألن هللا -عز وجل -قد جعلها قو ًاما حلياتنا ومعايشنا ،تقوم عليها حياتنا وتقوم عليها معايشنا؛ فال جيوز تضييعها، وإعطاء السفهاء األموال فيه تضييع ،وهني هللا عن أن نؤيت السفهاء األموال؛ يتضمن النهي عن بيعهم ،ألن بيعهم تصرف يف املال يرتتب عليه ضياع املال. لكن قال الفقهاء :السفيه والصيب يصح بيعهما إبذن الويل ،يعين :الصيب يصح بيعه إبذن األب ،والسفيه يصح بيعه إبذن القيّم عليه .ملاذا؟ قالوا :ألن هللا أمر اببتالئهما ،اببتالء اليتامى والسفهاء ،وابتالؤمها يكون بتجربتهما يف البيع .السفيه الذي عُرف منه السفه ال نُؤتيه املال حىت نبتليه، كيف نبتليه؟ نعطيه بعض املال ليبيع ويشرتي؛ فإن أحسن؛ عرفنا أن السفه اندفع عنه ،وكذلك األب يبتلي ابنه أو يبتلي اليتيم الذي له مال؛ فيعطيه بعض املال ليتصرف فيه؛ فإن أحسن التصرف فإنه يُدفع إليه املال وإال فال. أيضا؛ قال الفقهاء :تصرف الصيب والسفيه ابلبيع يصح يف اليسري ،يصح ً يف القليل ،يصح أن الصيب يشرتي حالوة ،يشرتي شيء يسري ،وكذلك فقه املعامالت املالية ()1 | 182 السفيه .وكذلك يظهر -وهللا أعلم -أنه يصح فيما حيتاجان إليه ،يعين: الصيب حيتاج أن أيكل ووالده غري موجود؛ يصح أن يشرتي ما حيتاج إليه، السفيه حيتاج أن أيكل أو حيتاج أن يلبس ووليه غري حاضر؛ يصح البيع. إذن األصل أن بيع السفيه وبيع الصيب ال يصح ،ويستثىن من ذلك ثالثة حاالت: احلالة األول :إذا أذن الويل -األب أو ويل اليتيم أو ويل السفيه -وال جيوز هلم أن أيذنوا إال عند األمن على املال أو االختبار .يعين حنن نقول للويل :ال جيوز لك أن تأذن له يف أن يتصرف إال عند االختبار أو عند األمن ،عرفت أنه حيسن التصرف. احلالة الثانية :إن يبيع اليسري ،وقد ثبت أن أاب الدرداء اشرتىكثريا جيوز بيعه ً عصفورا من صيب وأطلقه .فاليسري الذي ال يلتفت إليه ً وشراءه مع الصيب. احلالة الثالثة :ما حيتاجان إليه ،فما حيتاج إليه الصيب أو ما حيتاج إليهالسفيه فإنه يصح؛ ويدخل يف ذلك حاجة أهله ،يعين :امرأة غاب زوجها وليس عندها من يقوم حباهلا ،وعندها صيب ترسله ليشرتي هلا للبيت ،فهنا |183 فقه املعامالت املالية ()1 جيوز لوجهني :الوجه األول :احلاجة .والوجه الثا،ي :أن األم هنا تنزل منزلة الويل. فهذه قاعدة تضبط البيوع ،األصل أنه ال يصح البيع إال من راشد. مث ننتقل إىل القاعدة التاسعة ،وهذه قاعدة طويلة انفعة ،تضبط يف كثريا من البيوع املنهي عنها. احلقيقة ً *** فقه املعامالت املالية ()1 | 184 القاعدة التاسعة" :األصل منع ما يؤدي إىل النزاع يف البيوع". هذه القاعدة معناها :أن القاعدة املستمرة يف البيوع منع ما يؤدي إىل النزاع غالبًا فيها. فإذا وجدت صورة من صور البيوع وغلب على ظنك أن هذا يؤدي إىل النزاع فقف؛ فاألصل هنا املنع .األصل أنه ال جيوز وال يصح. ودليل هذه القاعدة: أوالً :األدلة العامة اليت دلت على األُلفة بني املسلمني ،والنزاع خيالفاأللفة. اثنيًا :البيوع املنهي عنها دلت على منع النزاع يف البيوع .كما سنبنيإن شاء هللا. ما هو دليل القاعدة؟ نقول دليالن من جهتني من أصلني: اجلهة األوىل :األدلة العامة اليت دلت على األلفة بني املسلمني والبعد عن التفرق. والوجه الثا،ي :البيوع املنهي عنها اليت هني عنها ألهنا تؤدي إىل النزاع، كما سيأيت إن شاء هللا . ويدخل يف هذه القاعدة ما يسمى بـ: بيع الغرر: |185 فقه املعامالت املالية ()1 جدا يف ابب البيوع ،تتفرع عليه مسائل كثرية وبيع الغرر :أصل عظيم ً جدا. ً والغرر يف اللغة: قيل :إنه مأخوذ معناه من الغرور ،وهو اخلداع ،واألكل ابلباطل. وقيل :من التغرير ،والتغرير هو التعريض للهلكة ،يقال :غرر بنفسه ،أي عرض ماله للهالك. عرض نفسه للهالك ،غرر مباله ،أي ّ وقيل :إنه من معىن اخلطر ،ألن من معا،ي الغرر اخلطر .وكلها موجودة يف بيع الغرر؛ فبيع الغرر :قد يوجد فيه اخلداع ،ويوجد فيه تعريض املال للهلكة؛ ألن اإلنسان ال يدري؛ ويوجد فيه اخلطر الحتمال الوقوع واحتمال عدم الوقوع. وقد تنوعت تعبريات العلماء يف التعبري عن الغرر ،فمثالً: قال اخلطايب :يف "معاِل السنن"” :كل بيع كان املقصود منه جمهوالً غري عرب معلوم أو معجوزاً عنه غري مقدور عليه فهو غرر“ .ما ضابط الغرر؟ ّ اخلطايب هبذا الضابط ..ما معىن هذا الكالم؟ "كل بيع كان املقصود منه" :يعين العني املبيعة أو الثمن. "جمهوالً غري معلوم" :أبيعك سيارة مبئة ألف ،وتقول :قبلت .أي سيارة؟ جديدة قدمية؟ من أي األنواع؟ جمهولة! غري معلوم! هذا غرر ،أنت ختاطر مبالك. فقه املعامالت املالية ()1 | 186 أو أقول :أبيعك سياريت هذه .وتقول :قبلت .بكم؟ ما ذكران! هذا غرر، هذا معىن قول اخلطايب رمحه هللا" :كل بيع كان املقصود منه جمهوالً غري معلوم أو معجوزاً عنه غري مقدور". قد يكون معلوماً لكنه معجوز عنه ،ال يقدر عليه ،مثل السمك يف املاء الكثري: إنسان واقف على البحر ،صياد قال :أبيعك السمك الذي يف هذا البحر! هذا ما يقدر على أن يسلمه! والحظوا أن الفقهاء قالوا" :السمك صيادا يصيد يف املاء الكثري" إلخراج السمك يف املاء القليل؛ فلو أن ً السمك وأييت به حيًا إىل السوق يف أحواض فيها ماء ،يقول :أبيعك هذا السمك بكذا ،وهذا السمك بكذا؛ هذا يقدر أن يسلمه ،إذا اشرتاه أعطاه إايه ،كبيع السمك يف املاء الكثري والطري يف اهلواء؛ فإنه غري مقدور على تسليمه. وقال النووي يف شرحه على صحيح مسلم” :النهي عن الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع ،وهلذا قدمه مسلم ،ويدخل فيه مسائل كثرية غري منحصرة كـبيع اآلبق“. جتدون يف لسان الفقهاء بيع اآلبق وبيع الشارد .اآلبق :هو العبد الذي هرب عن سيده .والشارد :هو البعري الذي ن ّد -يعين هرب -عن صاحبه. |187 فقه املعامالت املالية ()1 قال” :كبيع اآلبق ،واملعدوم ،واجملهول ،وما ال يُقدر على تسليمه ،وما ِل يتم ملك البائع عليه ،وبيع السمك يف املاء الكثري ،واللنب يف الضرع ،ونظائر ذلك ،وكل هذا بيعه ابطل“ .هذا من كالم النووي. يقول” :النهي عن الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع وهلذا قدمه مسلم -يعين يف الصحيح -ويدخل فيه مسائل كثرية غري منحصرة كبيع اآلبق واملعدوم واجملهول وما ال يقدر على تسليمه وما ِل يتم ملك البائع عليه وبيع السمك يف املاء الكثري واللنب يف الضرع ونظائر ذلك وكل هذا بيعه ابطل“. مرتددا بني :أن يُسلّم وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية عن الغرر” :ما كان ً للمشرتي فيحصل املقصود ابلعقد منه؛ وبني :أن يعطب فال حيصل املقصود ابلعقد“. مثل :بيع الثمر قبل بدو الصالح؛ غرر! -كما سيأيت إن شاء هللا -ألنه ميكن أن تكتمل وميكن أن تتلف؛ فهذا ضابط ذكره شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا. وقال ابن القيم -رمحه هللا” :-الغرر :ما ِل يُعلم حصوله ،أو ال يُقدر على تسليمه ،أو ال تُعرف حقيقته ومقداره“ ثالثة أشاء: "الغرر ما ال يعلم حصوله" :أبيعك مثر البستان بعد سنة ليس هذا الثمر املوجود .أبيعك مثر البستان السنة القادمة .ميكن حيصل وميكن ال حيصل. فقه املعامالت املالية ()1 | 188 "أو ال يقدر على تسليمه" :كما قلنا كبيع السمك يف املاء الكثري. "أو ال تعرف حقيقته ومقدراه" :أبيعك اللنب يف ضرع البقرة ،قد يكون كثريا ،فهذا غرر. ضرع البقرة ً منتفخا من مرض ،وقد حتلب قليالً وقد حتلب ً فالغرر قد يكون من جهة العقد وأثره: يعين :عند التعاقد ،كبيع احلصاة ،بيع احلصاة :فيه أثر ،فيه غرر من جهة العقد واألثر -كما سيأيت إن شاء هللا .- وقد يكون من جهة الثمن ومقداره: كبيع السلعة بثمنني ،ينعقد عليهما العقد ،أبيعك هذه السلعة حاضرة مبئة وأبيعك هذه السلعة غائبة مبئة ومخسني ويقول :قبلت .ما مثن السلعة؟ ممكن أن يكون مئة وممكن أن يكون مئة ومخسني؛ فهذا غرر. وقد يكون من جهة عدم معرفة املبيع: أبيعك ما يف ُك مّمي بعشر رايل ،ومنه -ما أدري ماذا يسمى عندكم – لكن كان قدمياً ما أدري اآلن ما أراه موجوداً يسمونه "شختك خبتك" علبة فيها أشياء كثرية مغطاة ،جتيء بنصف رايل ،برايل ،وتأخذ واحد وتفتح هذا املكان ،ممكن جتد لعبة تساوي مخس رايل ،وممكن جتد لعبة تساوي قرش شكرا ،مثل "اليانصيب" لكنها بيوع. واحد ،ممكن أن جتد ورقة فيها ً |189 فقه املعامالت املالية ()1 هذا ال شك أنه غرر ال يعرف فيه املبيع؛ كان الفقهاء يقولون :بيع ما يف ال ُك ّم ،أبيعك ما يف كمي بعشرة ،حظك ،ميكن يكون أحسن من عشرة وميكن يكون أقل من عشرة؛ فهذا غرر من جهة معرفة املبيع. وقد يكون من جهة اجلهل بصفة املبيع وقدره: كاللنب يف الضرع؛ فاللنب يف الضرع ال يعرف مقداره. وقد يكون من جهة عدم القدرة على التسليم: قادرا على التسليم؛ فإذا طلب منه التسليم فإنه ال ال يكون اإلنسان ً يقدر على ذلك ،كبيع السمك يف املاء الكثري ،وبيع البعري الشارد ،وبيع السيارة املسروقة :ليست من جهة سارقها بل من جهة مالكها ،يعين :بعض الناس مثالً تُسرق سيارته وقيمتها مئة ألف ما يدري ترجع أو ما ترجع؛ فيقول لرجل :أبيعها لك خبمسني ألف وأنت وحظك ،إن رجعت فقد رحبت مخسني ألفاً ،وإن ما رجعت فقد خسرت مخسني ألفاً ،هذا غري قادر على تسليم السيارة ،فهذا غرر. وقد يكون من جهة جهالة وقت التسليم: كالبيع إىل حني ميسرة؛ يقول :أبيعك هذه السيارة خبمسني ألفاً إىل حني ميسرة ،حني ميسرة مىت؟ ممكن بعد سنة ،بعد سنتني ،ميكن بعد عشر سنني ،ميكن بعد عشرين سنة ،هذا أجل غري معلوم ،ففيه غرر. فقه املعامالت املالية ()1 | 190 أو يقول :أبيعك إىل موت فالن ،يعين أبيعك السيارة وأُؤجل الثمن إىل أن ميوت فالن ،هللا أعلم مىت ميوت؟ ميكن ميوت البائع قبل أن ميوت من علق دفع الثمن مبوته؛ فهنا فيه جهالة يف وقت التسليم. هذه ضابطة ألنواع الغرر يف البيوع ،وقد هنى النيب ﷺ عن بيع الغرر كما يف صحيح مسلم ،وأشار إليه البخاري يف الرتمجة وِل ُخيرجه؛ فاحلديث ليس يف البخاري ،ولكن البخاري ترجم لبيع الغرر يف الصحيح؛ فاحلديث ليس على شرطه ولكن معناه صحيح عنده؛ ولذلك ترجم له. ومن صور بيع الغرر؛ بيوع جاء النهي عنها: منها بيع احلصاة: وقد هنى رسول هللا ﷺ عن بيع احلصاة كما عند مسلم ،وبيع احلصاة له صور كلها فيها غرر ،منها: أن يتفق الطرفان على بيع سلعة معينة وبثمن معني ،وجيعال رمياحلصاة وقت لزوم العقد .يعين مىت يلزم العقد؟ إذا رمى أحدمها احلصاة! املبيع معلوم ،والثمن معلوم ،يقول :أبيعك هذه السيارة خبمسني ألفا على أن العقد ال يلزم إال إذا رميت احلصاة ،معه حصاة يف يده؛ قال :ال يلزم العقد إال إذا رميت احلصاة .أين الغرر هنا؟ الغرر ليس يف املبيع وليس يف الثمن وإمنا يف وقت العقد ،وقد ال يرمي احلصاة وقد يرميها بعد وقت. |191 فقه املعامالت املالية ()1 ومنها :أن يتفق الطرفان على بيع سلعة غري معينة من سل ٍع متعددة،ُحتدد تلك السلعة برمي احلصاة .يعين :عنده سلع ،سيارات؛ فيقول :أبيعك سيارة من هذا املعرض بعشرين ألفاً على أن حنددها برمي احلصاة؛ إما أان البائع وإما أنت أيها املشرتي ،فالذي تقع عليه احلصاة هو السلعة؛ فهنا الغرر يف عني السلعة. ومنها :أن يتفق الطرفان على مثن معني ألرض حدودها تبدأ من كذاإىل مكان وقوع احلصاة ،يقول :أبيعك األرض مبئة ألف ،وحدود األرض من هنا إىل حيث تقع احلصاة؛ فيقول :قبلت ،مث ترمى احلصاة وحيث ما وصلت فهو حد األرض ،وهنا الغرر يف هذا ظاهر. ومنها :أن يتفق الطرفان على البيع ،ويشرتط اخليار هلما أو ألحدمهاإىل أن تُرمى احلصاة .يقول :أبيعك األرض خبمسني ألفاً بشرط أن يكون يل غدا إن شاء هللا -لكنه يقول :بشرط أن يكون اخليار -واخليار سنتكلم عنه ً يل اخليار؛ إىل مىت؟ إىل أن أرمي احلصاة .يقول :أبيعك السيارة خبمسني ألفاً بشرط أن يكون يل اخليار إىل أن أرمي احلصاة؛ هذا أجل جمهول ففيه غرر. ومنها :أن يتفق الطرفان على بيع سلعة معينة بثمن ُحيدد ابحلصى.يقول :أبيعك هذا الكتاب بعدد احلصى الذي آخذه من األرض؛ الثمن اآلن جمهول ،هللا يعلم كم حصاة. ومن الصور اليت تقع اآلن :توضع دائرة فيها أرقام ،يقول :تأخذ هذه السلعة ابلرقم الذي تضرب السهم فيه :مكتوب مئة ،مخسني ،عشرين، فقه املعامالت املالية ()1 | 192 والعشرة الصغري ،فأنت ترمي السهم ،فالرقم الذي يقع عليه السهم هو مثن السلعة ،هذا من بيع احلصاة. ومما ذكره الفقهاء :أن يبيع السلعة بثمن مبعد مد ما يُك ّسر من هذه احلصاة ،يقول :أبيعك هذا الكتاب بعدد ما أكسره من هذه احلصاة، حصاة واحدة ميكن يكسر منها عشرة ،ميكن يكسر منها مخسة ،ميكن يكسر منها أكثر؛ فهذا كله من صور بيع احلصاة. ومن صور بيع احلصاة :وجود آلة دوارة تدور أبرقام ،وما استقر عليهعددا هلا: الرقم يكون مثنًا للسلعة أو ً إما أن يقال :تدفع مئة وتأخذ من هذا اجلنس بعدد ما يقف عليه السهم ،فيديرون اآللة فإذا وقف على عشرة أيخذ عشرة مبئة ،وإذا وقف على مخسة أيخذ مخسة مبئة ،إذا وقف على سبعني أيخذ سبعة مبئة. أو يكون للثمن ،فالسلعة واحدة فيقول :حيث ما وقف السهم لك؛ فالسلعة لك هبذا الثمن ،هذا من بيع احلصاة الذي ال جيوز. ومن صور بيع الغرر بيع املالمسة واملنابذة وقد هنى النيب ﷺ عن املالمسة واملنابذة يف البيع كما يف الصحيحني. واملالمسة :مفاعلة من اللمس ابليد ،وهلا صور عند الفقهاء منها: |193 فقه املعامالت املالية ()1 أن جيعل الطرفان ملس املبيع موجبًا للبيع .فيقول أحدمها لآلخر :ثويبلك بكذا إن ملسته ،فيجعالن اللمس للسلعة هو املوجب للبيع من غري نظر يف الثوب ،جمهول! فهنا فيه جهالة. قائما مقام العلم .فيؤتى بشيء يف ظالم أو يف ومنها أن ُجيعل اللمس ًكيس فيقال :الذي تلمسه لك بعشرة ،فيُدخل يده يف الكيس فيلمسه وخيرجه؛ أو يف ظالم ما يدري ما هو ما صفته؟ فيقول :الذي تلمسه لك بعشرة؛ فهذا من صور بيع املالمسة. واملنابذة :من النبذ وهو الطرح ،وهلا صور: بيعا، منها أن جيعل الطرفان -يعين البائع واملشرتي -النبذ بينهما ًفيطرح البائع السلعة ويطرح املشرتي الثمن من غري نظر[ .يقول ]:تعال أان أرمي عليك السلعة وأنت ترمي علي الثمن من غري نظر ،كانوا ميثلون ويقولون :أن يطرح البائع ثوبه ويطرح املشرتي ثوبه من غري نظر وال تأمل، علي ثوبك ،ميكن أن يكون ثويب حمروقًا ،ميكن أطر ُح عليك الثوب فتطر ُح ّ أن يكون فيه من العيوب الشيء الكثري ،وميكن أن يكون الثمن كذلك، هذا فيه جهالة. وقد يكون النبذ من أحد الطرفني .فيقول :أبيع لك أحد األثواب اليتأنبذه عليك بعشرة ،عنده كومة فيها أنواع من الثياب ،يقول :الثوب الذي أيضا من صور ثواب فيطرحه عليك؛ فهذا ً أطرحه عليك بعشرة ،فيأخذ ً املنابذة. فقه املعامالت املالية ()1 | 194 ومن صور بيع الغرر مسألة :البيعتني يف بيعة. وقد هنى رسول هللا ﷺ عن بيعتني يف بيعة ويف رواية :من ابع بيعتني يف بيعة فله أوكسهما أو الراب رواه أمحد والبيهقي وابن خزمية والنسائي والرتمذي وغريهم ،وقوى إسناده مجع من أهل العلم. وقد فسر العلماء قول البيعتني يف بيعة بصور منها: أن يبيع الرجل السلعة فيقول :هي نقد بكذا ومؤجلة بكذا ،فيذكرللسلعة مثنني ينعقد عليهما العقد .وهذا تفسري أكثر السلف :أن يقول للسلعة :هي حاضرة مبئة ومؤجلة مبئة ومخسني؛ فيقول :اشرتيت؛ فينعقد العقد عليهما. هذا فيه غرر؛ هل هي مبئة أو مبئة ومخسني؟ وهذا تفسري أكثر السلف، إمجاعا على بل هو تفسري مجهور أهل العلم ،بل حكاه بعض أهل العلم ً تفسري البيعتني يف بيعة. وهلذا قال الرتمذي” :فسر بعض أهل العلم قالوا :بيعتني يف بيعة أن يقول :أبيعك الثوب ٍ بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين؛ وال يفارقه على أحد البيعني“ بل يفارقه عليهما معاً؛ قال الرتمذي” :فإذا فارقه على أحدمها فال أبس إذا كانت العُقدةُ على أحدمها“. |195 فقه املعامالت املالية ()1 قال :أبيعك هذه السيارة خبمسني ألفاً حاضرة وبسبعني ألفاً مؤجلة على ثالث سنني؛ قال :اشرتيتها مؤجلة ،مت العقد على بيع واحد ،هذا ال أبس إمجاعا يف هذا الباب. به عند اجلمهور؛ بل قد حكاه بعضهم ً وبعض أهل العلم فسروا النهي عن بيعتني يف بيعة بصورة من صور التقسيط املعاصرة؛ وهي أن يقول البائع للمشرتي :أبيعك هذه السلعة مبئة حاضرة ،ومبئة ومخسني غائبة مؤجلة ،ولو مت العقد على واحد منهما. يعين عندهم يقولون :إذا كان صاحب املعرض يبيع ابلتقسيط واحلاضر ال جيوز ،يعين :إذا كان صاحب املعرض يبيع ابلتقسيط واحلاضر ،فإذا جاءه العميل قال :ابلتقسيط مبئة ومخسني وابحلاضر مبئة ،يقولون :ال جيو،ز حىت لو قال العميل أان أريد حاضراً أو أريده مؤجالً. وهذا القول انتصر له الشيخ األلبا،ي -رمحه هللا -ونقل آاثراً فهم أهنا تدل على هذا املقصود ،وهذا القول مرجوح -وهللا أعلم.- فإن املتأمل لكالم السلف يدرك أن املقصود منه ما ذكره الرتمذي ،وهذا أيضاً الذي يتفق مع احلكمة؛ فإن ذكر ٍ أمثان للسلعة عند املساومة ليس ممنوعاً شرعاً ،كل إنسان يقول :مبئة ،بعشرة ،بعشرين ،بثالثني ،خبمسني، هذا ليس مبمنوع ،املمنوع أن ينعقد العقد على أمثان. وهنا يف هذه الصورة اليت ذكرها الشيخ انصر -رمحه هللا-؛ ذكرت أمثان قبل العقد ،أما عند العقد فهو مثن واحد ،ولذا قال ابن القيم رمحه هللا: فقه املعامالت املالية ()1 | 196 ”وأبعد كل م البعد من محل احلديث على البيع مبئة مؤجلة ومخسني حالة، فليس ها هنا راب ،وال جهالة ،وال غرر ،وال قمار ،وال شيء من املفاسد، فإنه خ ّريه بني أي الثمنني شاء“. بل حكى اخلطايب -رمحه هللا -إمجاع املتقدمني على أنه إذا اختار أحد الثمنني؛ ال يكون من ابب البيعتني يف بيعة ،قال اخلطايب” :أما إذا ابعه على أحد األمرين يف جملس العقد فهو صحيح ال ُخلف فيه“ يعين :ال اختالف فيه. ومن صور البيعتني يف بيعة: أن يقول البائع للمشرتي :إحدى هاتني السلعتني عليك بكذا .عنده سلعتان خمتلفتان يف الوصف أو يف اجلنس ،يف اجلنس :عنده ثوب وعمامة مثالً ،فيقول :إحدى هاتني السلعتني لك بعشرة ،فيقول :قبلت ،طيب اشرتى الثوب وال اشرتى العمامة؟ هذه بيعتان يف بيعة. أو يقول له :الدار احلاضرة أو الدار املوصوفة عليك بكذا ،أان عندي بيتان ،بيت هنا تراه ،وبيت يف مدينة أخرى ،أصفه أبنه كذا وكذا ،فيه من الغرف واحلدود ووو ،أحدمها عليك مبئة ألف ،قال :قبلت ،طيب اشرتى احلاضرة وال املوصوفة؟ ما ذُكر! فاجتمع العقد على البيتني يف بيع واحد ذكر فيه مثن واحد ،فهو من صور البيعتني يف بيعة. ذكر بعض أهل العلم أن من صور البيعتني يف بيعة: |197 فقه املعامالت املالية ()1 أن يشرتط عقداً يف عقد :أبيعك داري هذه مبئة ألف على أن تبيعين سيارتك خبمسني ألفاً ،فاشرتط يف عقد البيع؛ عقد بيع آخر. أو يقول :أبيعك داري هذه مبئة ألف بشرط أن تزوجين أختك ،فجمع يف العقد الواحد بني البيع واشرتاط الزواج ،فهذا عند بعض أهل العلم هو من ابب البيعتني يف بيعة. وقريب منه :تفسري بعض أهل العلم للبيعتني يف بيعة أبهنا" :اجتماع عقدين يف عقد" ،من صور هذا؛ الشرط الذي ذكرانه ،إذا قال أبيعك بييت مبئة ألف على أن تبيعين سيارتك خبمسني ألف وقال :قبلت؛ اجتمع عقدان :عقد على البيع ،وعقد على السيارة ،لكنه أوسع من االشرتاط. مثل اآلن :الصور الواقعة يف األسواق مبا يُسمى "اإلجيار املنتهي ابلتمليك" ،حيث جيتمع يف العقد عقدان ،عقد اإلجيار وعقد البيع ،فهل اإلجيار املنتهي ابلتمليك صحيح وجائز أم غري صحيح وال جائز؟ سنعود إىل صوره بعد الصالة حبول هللا وقوته ،ونكمل الكالم على هذه القاعدة وصلى هللا وسلم على نبينا حممد. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 198 الدرس الثامن احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث رمحة للعاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني ،أما بعد،،، فكنا نتكلم عن قاعدة "أن األصل منع ما يؤدي إىل النزاع يف البيوع"، صورا له ،وكنا وذكران أن من صور ما يؤدي إىل النزاع :بيع الغرر ،وذكران ً نتكلم عن البيعتني يف بيعة ،ووقفنا عند صورة من صورها ،وهو: اجتماع عقدين يف عقد؛ وهذا ذكره بعض أهل العلم ،ويقوم عليه مذهب احلنابلة ،والذي يظهر يل يف املسألة ابتداءً أن هذا غري صحيح ،أن اجتماع العقدين يف عقد واحد ليس من ابب اجتماع البيعتني يف بيعة؛ وإمنا السنة على هذا وال من ينظر إىل توفر شروطها ،ألنه ال دليل من الكتاب و ُّ أقوال السلف الصاحل رضوان هللا عليهم ما يدعم هذا ،فهو مرجوح. لكن يتفرع على هذا مسألة اإلجيار املنتهي ابلتمليك: وصورته أن يستأجر الطرف الثا،ي من الطرف األول سيارة -مثالً -ملدة معلومة أبقساط معلومة مث ميلك السيارة يف آخر العقد بثمن أو ُدفعة معلومة؛ فيجتمع هنا عقد اإلجارة يف أول األمر مث عقد البيع ،وقد اختلف الفقهاء املعاصرون يف هذه الصورة: |199 فقه املعامالت املالية ()1 صورا ُخيّرج عليها ،وأكثر العلماء الذين يُلتفت إىل فبعضهم أجازها وذكر ً أقواهلم يف الفتيا على حترمي هذه الصورة وأهنا ال جتوز ،وهو الظاهر -وهللا أعلم -أهنا ال جتوز وال تصح ،لكن ما هي العلة؟ بعض أهل العلم قالوا :العلة أنه اجتمع يف هذا العقد عقدان ،عقد إجارة وعقد بيع ،وهذا من ابب البيعتني يف بيعة؛ فيدخل يف هني النيب ﷺ عن بيعتني يف بيعة ،وهذا التعليل -وهللا أعلم -مرجوح. صورا وبعضهم قال :ملا فيه من اجلهاالت والغرر؛ فإن هذا العقد يتضمن ً من اجلهالة ،واجلهالة متنع صحة البيوع. والذي ظهر يل -وهللا أعلم -أن العلة الصحيحة لتحرميه؛ هي اجتماع عقدين ختتلف أحكامهما يف عقد واحد ،ألنه عندان هنا توجد اإلجارة، ويوجد البيع ،وأحكام اإلجارة من حيث الضمان ومن حيث أمور كثرية؛ ختتلف عن أحكام البيع ،فيجتمع يف هذا العقد الواحد عقدان لكل واحد منهما أحكام ختالف اآلخر ،وهذا يؤدي إىل عدم الضبط ،وإىل النزاع ،وإىل الغرر ،فهو ال جيوز. إذن العلة الصحيحة ليست وجود عقدين مطل ًقا يف عقد؛ وإمنا وجود عقدين ختتلف أحكامهما يف عقد واحد ،فأحكام اإلجيار غري أحكام البيع، والتحرمي هو الذي صدر به قرار هيئة كبار العلماء يف السعودية. فقه املعامالت املالية ()1 | 200 وهناك صورة أخرى تسمى" :اإلجيار املنتهي ابلوعد ابلتمليك" ،ليس منتهيًا ابلتمليك ،منتهي ابلوعد ابلتمليك ،حقيقتها أنه كأن البائع يقول :أان أؤجرك سياريت هذه بكذا ملدة كذا على أ،ي أعدك أنه إذا انتهى عقد اإلجارة؛ فأنت أحق ابلسيارة من غريك ،فهنا جمرد وعد ،فإذا انتهى العقد يُنشأ عقد البيع ،فهذا يسمى اإلجارة املنتهي ابلوعد ابلتمليك ،وهو جائز، ألنه ال علة متنعه هنا؛ فالعقد عقد إجارة فقط ،والوعد ليس بعقد عند اجلمهور خالفًا للمالكية :الذين يرون أن الوعد عقد. لكن عند اجلمهور الوعد ليس بعقد؛ فالبيع يقع بعد االنتهاء إن شاء خمريا. خمريا واملستأجر ً الطرفان ،فيكون صاحب السيارة ً انتبهوا هلذه الصفات :يكون العقد على اإلجارة ،مع الوعد ابلبيع ،وعند خمريا ،هذا خمريا واملستأجر هلا ً انتهاء عقد اإلجارة؛ يكون صاحب السيارة ً جائز. وأان أنبه على هذا ملاذا؟ أل،ي وجدت أن البنوك أصبحت تتحيّل على الفتوى بتحرمي اإلجيار املنتهي ابلتمليك؛ فتسمي عقودها :اإلجيار املنتهي ابلوعد ابلتمليك ،وحقيقتها اإلجيار املنتهي ابلتمليك! فتغيري األمساء ال يغري من احلقائق شيء ،وإمنا العربة ابحلقيقة. فأنت لو ذهبت مثالً إىل بنك تريد أن تشرتي؛ فقالوا :عندان اإلجيار املنتهي ابلوعد ابلتمليك ،اقرأ العقد ،فإن كان مضمون العقد إجارة مع وعد خمريا فيه بعد انتهاء عقد خمريا فيه ويكون البنك ً ابلتمليك تكون أنت ً |201 فقه املعامالت املالية ()1 اإلجارة؛ فهذا الـ ُمفىت به اجلواز ،أما إذا كان عقد اإلجارة ينتهي ابلتمليك؛ فهو اإلجيار املنتهي ابلتمليك سواء مسوه املنتهي ابلتمليك أو املنتهي ابلوعد ابلتمليك. شيخ اإلسالم ابن تيمية -رمحه هللا -فسر البيعتني يف بيعة بتفسري ،وهو: "أن يبيع البائع السلعة مؤجلة للمشرتي مبئة على أن يشرتيها منه حاضرة خبمسني" يقول :أبيعك السيارة هذه ابلتقسيط مبائة ألف ملدة مخس سنني، على أن أشرتيها منك أان خبمسني أل ًفا ،وهذا هو بيع العينة. فشيخ اإلسالم ابن تيمية فسر البيعتني يف بيعة؛ ببيع العينة. واحلق أن هذه صورة من صور البيعتني يف بيعة ،وليست هي البيعتني يف بيعة ،وإمنا صورة من صور البيعتني يف بيعة فيجتمع عليها النهيان ،النهي عن بيع العينة ،والنهي عن بيعتني يف بيعة ،وال ُخيرج ذلك بقية الصور اليت ذكرانها. وهنا أنبه تنبيهات انفعة تتعلق هبذا قبل أن نكمل صور الغرر ،منها: [التنبيه األول] :أن العلماء متفقون على أنه يستثىن من النهي عنبيع الغرر؛ الغرر اليسري ،فالغرر اليسري ال مينع البيع. ما هو الغرر اليسري؟ هل املقصود ابلغرر اليسري القليل؟ اجلواب :ال ،املقصود ابلغرر اليسري" :كل غرر لو منع البيع من أجله ملا صح البيع أصالً". فقه املعامالت املالية ()1 | 202 [مثال ]:اإلنسان أييت يشرتي طبق بيض ،ال يدري ما يف داخله ،لو قلنا ال جيوز بيعه ملا فيه من الغرر؛ معىن ذلك أنه ال يباع البيض! ما يف طريقه ،يكسره؟ يفسد! املغيبات يف األرض كاللفت والفجل واجلزر الغرر فيها يسري. طيب :هات لنا مثاالً الغرر فيه ليس قليالً ومع ذلك هو مغتفر؟ أقول بيع العمارة ،العمارة فيها غرر ،القواعد كيف حاهلا؟ احلديد فيها كيف؟ كمية احلديد؟ كمية اإلمسنت؟ ما ندري؛ رمبا الذي يف املخطط شيء واملنفذ شيء آخر ،ما وراء اجلدران من األسالك واألانبيب؟ ما ندري؛ هل هي من النوع األصلي أو من النوع التقليد؟ كمية احلديد يف األعمدة ما ندري ،هذا كثري؛ لكن لو قلنا :إن هذا الغرر مينع البيع؛ ما صح بيع عمارة ،ألنه ما يصح أن نقول :كسروها ننظر يف القواعد وكمية احلديد ،أو كسروا اجلدران ننظر يف األانبيب خنترب جودهتا؛ فلو اعتربان الغرر هنا ملا صح بيع العقار، فهذا غرر يسري يغتفر ويصح بيع العمارات مع وجود هذا الغرر. التنبيه الثاين :ي ملحق الفقهاء هبذه املسائل اليت ذكرانها: ُ مسألة :بيع املبيع قبل قبضه. وقد جاء عن ابن عمر -رضي هللا عنهما -قال النيب ﷺ :من ابتاع طعاما فال يبعه حىت يقبضه متفق عليه؛ ويف رواية للبخاري :حىت ً |203 فقه املعامالت املالية ()1 يستوفيه ،ويف رواية ملسلم :حىت يستوفيه ويقبضه .يعين رواية الصحيحني: حىت يقبضه ،يف رواية للبخاري :حىت يستوفيه ،ويف رواية ملسلم مجع بينهما :حىت يستوفيه ويقبضه .واالستيفاء معناها :الكيل ،أن يكيله، والقبض :أن حيرزه ويكون يف ملكه. وجاء عن ابن عباس رضي هللا عنهما أن رسول هللا ﷺ قال :من ابتاع طعاما فال يبعه حىت يستوفيه ،مث قال ابن عباس -رضي هللا عنهما:- ً وأحسب أن كل شيء مثله يعين مثل الطعام .رواه مسلم. طعاما ،وقد يكون غري طعام ،ولكنه هنا -اي إخوة -املبيع :قد يكون ً مكيل أو موزون أو معدود أو مذروع ،مكيل يباع ابلكيل وهو غري طعام، أو يباع ابلوزن ابلكيلو أو ابلع ّد ابحلبة ،أو مذروع ابل ّمذرعة مثل القماش ،وقد يكون غري الطعام وال يباع هبذا. يعين ثالث صور: طعاما. .1إما أن يكون ً .2وإما أن يكون غري طعام لكنه يكال ،أو يوزن ،أو يذرع ،أو يعد. .3وقد يكون غري هذا. طعاما ،فهذا املبيع ال يصح التصرف فيه [احلالة األوىل ]:فإذا كان املبيع ً طعاما؛ فال يصح ابملعاوضة قبل قبضه إبمجاع العلماء ،إذا كان املبيع ً فقه املعامالت املالية ()1 | 204 التصرف فيه ابملعاوضة ،انتبهوا هلذا ،ال يصح التصرف فيه ابملعاوضة ،قبل قبضه ابإلمجاع. طعاما؛ قال ابن املنذر -رمحه هلل :-أمجع العلماء على أن من اشرتى ً فليس له أن يبيعه حىت يقبضه. وقال ابن القيم -رمحه هللا :-حكى ذلك غري واحد من أهل العلم إمجاعا. ً وحكي عن بعضهم خالف ولكنه يعترب خالفًا شا ًذا ال يقدح يف ُ اإلمجاع. مبيعا بغري اجلزاف -يعين مبيع ابلكيل ،صاع، والطعام إما أن يكون ً طعاما إما ابلكيل وإما ابلوزن ،وهذا مخسة آصع – ابلوزن ،هذا إذا كان ً الذي يقول فيه الفقهاء" :مبيع بغري جزاف" يعين بكيل أو وزن ،وهذا ال يعلم يف منع التصرف من املعاوضة فيه خالف معترب ،بل حمل إمجاع. والطعام املبيع جزافًا ،هذا الذي يسمى ببيع الصربة ،كومة ،هذه الكومة من األرز بستني ،بسبعني ،بثمانني ،مبئة .هذا املبيع اجلزاف؛ نقل عن اإلمام مالك-رمحه هللا -يف التصرف فيه قبل قبضه ابملعاوضة روايتان :رواية ابملنع السنة قاضية كقول اجلمهور ،ورواية ابجلواز ،وعلى هذا بعض املالكية ،لكن ُّ بعدم اجلواز. |205 فقه املعامالت املالية ()1 ولذلك قال ابن عبد الرب-رمحه هللا" :-ذهب هذا املذهب بعض املالكيني وحكاه عن مالك" ،مث ذكر القول ابملنع وقال" :وهو الصحيح عندي يف هذه املسألة لثبوت اخلرب بذلك عن النيب ﷺ"؛ وهكذا العلماء الذين عرفوا املنهج الشرعي يف النظر إىل اخلالف؛ والذين عرفوا طريقة األئمة يف اخلالف يعرفون للعلماء فضلهم ويعرفون ألئمتهم فضلهم ،وأيخذون مبا دل عليه الدليل. وقد دلت األدلة اليت ذكرانها على هذا منها: طعاما فال يبعه حديث أيب هريرة أن رسول هللا ﷺ قال :من ابتاع ً حىت يقبضه. وعن ابن عباس رضي هللا عنهما أن رسول هللا ﷺ هنى أن يبيع أحد طعاما اشرتاه بكيل حىت يستوفيه رواه مسلم. ً طعاما فال وعن جابر قال :كان رسول هللا ﷺ يقول :إذا ابتعت ً تبعه حىت تستوفيه رواه مسلم. طعاما من طعام الصدقة فرحبت وعن حكيم بن حزام قال :ابتعت ً فيه قبل أن أقبضه فأتيت رسول هللا ﷺ فذكرت ذلك له ،فقال :ال تبعه حىت تقبضه رواه النسائي وصحح األلبا،ي -رحم هللا اجلميع -إسناده. كما قلنا معىن يستوفيه ،أي يويف ابلكيل أو ابلوزن ،وجاء عن ابن عمر قال" :لقد رأيت الناس يف عهد رسول هللا ﷺ يبتاعون جزافًا -يعين فقه املعامالت املالية ()1 | 206 الطعام -يُضربون أن يبيعوه يف مكاهنم حىت يؤوه إىل رحاهلم"؛ يعين كان الناس يبيعون؛ فكانوا يُضربون عن أن يبيعوه يف مكاهنم حىت يؤوه إىل رحاهلم وهذا يف الصحيحني. واملقصود حىت يؤوه إىل رحاهلم :حىت يقبضوه ،القبض حبسب العرف وال يشرتط النقل من املكان ،وإمنا الشرط هو القبض ،واملرجع يف القبض ما جرت به العادة؛ فقبض كل شيء حبسبه ،حبسب ما جرت به العادة .وقد طعاما جزافًا وقـبضه جيوز له أن يبيعه يف أمجع العلماء على أن من اشرتى ً مكانه. ابن عمر يقول" :حىت يؤوه إىل رحاهلم" ،أمجع العلماء على أن من طعاما ُجزافًا؛ له أن يبيعه يف مكانه بشرط أن يقبضه ،فإذا قبضه جاز ابتاع ً له أن يبيعه يف مكانه؛ وعلى هذا عمل املسلمني يف أسواقهم ،يشرتون الطعام ابلصربة مث يبيعونه بعد قبضه يف مكانه ،هذه احلالة األوىل. موزوان أو -احلالة الثانية :أن يكون املبيع غري الطعام ،ويكون مكيالً أو ً مذروعا ،مثل :السكر؛ السكر ليس بطعام؛ ولذلك ال خيرج يف معدودا أو ً ً زكاة الفطر؛ ألنه ليس بطعام ولكنه يكال أو يوزن ،وامللح؛ امللح ليس بطعام وال خيرج يف زكاة الفطر؛ لكنه يكال ويوزن ،وهذا املبيع الذي يكال ويوزن أو يعد أو يذرع؛ ال يصح التصرف فيه ابملعاوضة عند مجهور العلماء قبل قياسا على الطعام ،جبامع أهنا كلها حتتاج إىل توفية قبضه؛ ملاذا؟ قالواً : ابلكيل أو الوزن أو العد أو الذرع. |207 فقه املعامالت املالية ()1 احلالة الثالثة :أن يكون املبيع من غري الطعام وال يكال وال يوزن واليعد وال يذرع ،وهذا يصح التصرف فيه قبل قبضه ابملعاوضة عند اجلمهور، كالبيوت مثالً ،والسيارات وحنو ذلك .وال يصح التصرف فيه قبل قبضه عند مجع من أهل العلم كابن عباس ؛ فإنه قال" :وأحسب كل شيء مثله" .فيشمل مجيع املبيعات ،وكذلك عند الشافعي ورواية عن اإلمام أمحد واختار هذا ابن القيم وصححه. وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية" :من اشرتى شيئًا؛ ِل يبعه حىت يقبضه". وحجة اجلمهور؛ ما تقدم من األحاديث ،إذ ُخص فيها النهي يف الطعام وما عدا ذلك الطعام ،يعين وردت يف الطعام ،ويُلحق هبا ما أشبه ُ ٍ ابق على األصل وهو اجلواز. وأما حجة املانعني :فمن ذلك ما جاء عن حكيم بن حزام قال: قلت اي رسول هللا ،إ،ي أبتاع هذه البيوع فما حيل يل منها وما حيرم؟ سؤال عظيم! إ،ي أبتاع هذه البيوع فما حيل يل منها وما حيرم؛ قال :اي ابن أخي وهذا من ابب الفائدة يذكره أهل العلم أن العاِل ينبغي عليه أن يتلطفصغريا فيقول له :اي بين ،إذا ابلسائل؛ ملا يف ذلك من أثر للقبول ،فإذا كان ً كبريا؛ يقول له :اي أخي ،وإذا قال له :اعلم حىت ينبهه أن املوضوع كان ً مهم؛ فهذا من سنن األنبياء واملرسلني= فالنيب ﷺ قال :اي ابن أخي ،ال تبع شيئًا حىت تقبضه وشيئًا نكرة يف سياق النفي فتعم ،ويف رواية :إذا فقه املعامالت املالية ()1 | 208 بيعا فال تبعه حىت تقبضه .يعين أي مبيع فال تبعه حىت تقبضه. اشرتيت ً رواه أمحد والنسائي والبيهقي وغريهم وصحح إسناده األلبا،ي. أيضا احتجوا مبا جاء عن زيد بن اثبت قال :هنى رسول هللا ﷺ أن ً تباع السلع حيث تبتاع وهذا يشمل كل سلعة ،وهذا احلديث رواه أبو داوود وقال األلبا،ي حسن مبا قبله. وأيضا احتجوا بقول ابن عباس " :وأحسب كل شيء مثله". واجلمهور أجابوا عن هذه األدلة :أن هذه األحاديث مطلقة ،وأحاديث بيع الطعام مقيدة ،واحلال واحدة فيحمل املطلق على املقيد. كما أجابوا أبن املعهود يف السلع اليت تباع يف زمن النيب ﷺ يف الغالب هو الطعام ،فتُحمل عليه. واملسألة اجتهادية ،واألدلة فيها متقاربة ،واالحتياط أن ال يتصرف اإلنسان يف أي مبيع إال بعد قبضه. لكن هذا كله يف التصرف يف املبيع قبل قبضه ابملعاوضة؛ ألنه قد يؤدي إىل النزاع ،قد يطمع البائع األول ،يعين يبيعك السلعة مبائة ،فتبيعها أنت مبائة وعشرين قبل أن تقبضها من البائع فيطمع؛ فيقول" :بدل أان أبيعه مبائة؛ ال أسلمه السلعة وأبيعها أان مبائة وعشرين"؛ فيؤدي إىل النزاع بني البائع واملشرتي |209 فقه املعامالت املالية ()1 أما التصرف بغري املعاوضة فجائز ،مثل اهلبة ،إنسان اشرتى أرزاً وِل يقبضه فقال لفقري :اذهب وخذه من البائع ،جيوز ألنه ال يؤدي إىل نزاع؛ وألن احلديث نص يف البيع الذي هو تصرف ابملعاوضة؛ أما التصرف بغري املعاوضة فال إشكال فيه عند أهل العلم. أيضا من صور الغرر "بيع اجملهول" ً وقد جاء يف حديث أيب هريرة أن النيب ﷺ هنى عن بيع املالقيح، واملضامني ،وحب مل احلبلة .رواه هبذا اللفظ البزار وإسحاق بن راهويه وصححه ابن حجر واأللبا،ي. وعن ابن عمر أن رسول هللا ﷺ هنى عن بيع حبل احلبلة متفق عليه. حبل احلبلة :هو جنينها الذي يف بطنها. واملضامني :ما يف أصالب الفحول ،يعين يقول :أبيعك ما ينتجه هذا الفحل ،قد يكون هناك فحل مثالً من اإلبل أصيل أو سباق يعرف ابلسباق وله قيمة عالية فيقول له :أبيعك ما ينتجه هذا الفحل مبائة ألف ،مبليون، فيبيعه ما يف صلب الفحل قبل أن يلقح األنثى. واملالقيح :بيع األجنة يف البطون ،والنيب ﷺ هنى عن كل هذا. وقد فسر العلماء بيع حبل احلبلة بتفسريات: فقه املعامالت املالية ()1 | 210 منها :أن يُعلّق بيع سلعة ما إىل أن تلد وحيمل ما ولدت فيلد ،أبيعكالسيارة إذا ولدت هذه الناقة ما يف بطنها وولد ولدها ،فهذا جمهول. -ومنها أن يُعلق بيع السلعة على محل الناقة ومحل نتاجها. انتبهوا[ :يف الصورة] األوىل يعلق بيع السلعة على الولد ،إىل أن تلد الناقة ويلد ولدها. يف الصورة الثانية :إىل أن حتمل الناقة -اآلن الناقة ِل حتمل -فيقول: أبيعك السلعة ،أبيعك البيت إىل أن حتمل الناقة ،مث حيمل ولدها ،يعين ما تنتجه. ومنها أن يُعلق بيع السلعة إىل أن تلد الناقة؛ فيقول :أبيعك البيت إىلأن تلد الناقة نفسها -ليس ولدها -وهذه كلها فيها جهالة يف األجل؛ فاألجل جمهول. ومنها أن يباع ولد الولد ،انقة أصيلة حبلى يف بطنها جنني ،فيقول:أبيعك ولد ما يف هذه الناقة مبائة ألف ،ليس ولد الناقة ولد ولدها مبائة ألف؛ فهذا ال جيوز من ابب بيع حبل احلبلة؛ ألن ولد الناقة قد يلد أنثى ذكرا ،قد يلد وقد ال يلد ،فهنا اجلهالة يف املبيع. وقد يلد ً يضا أن يبيع ولد الناقة الذي يف بطنها فأقول :أبيعك ولد هذه ومنها أ ًيضا فيه جهالة فهو من ابب بيع حبل احلبلة. الناقة مبئة ألف مثالً ،وهذا أ ً |211 فقه املعامالت املالية ()1 وقد قال النووي -رمحه هللا" :-أمجع العلماء على بطالن بيع اجلنني فيشمل مجيع هذه الصور". قال ابن دقيق العيد -رمحه هللا" :-كأن السر فيه أنه يفضي إىل أكل املال ابلباطل أو إىل التشاجر والتنازع". أيضا من صور بيع الغرر ما يسمى بـ"بيع املعوامة" أو "بيع ً - السنني". وقد هنى رسول هللا ﷺ عن بيع السنني ،رواه مسلم يف الصحيح .وبيع السنني معناه :أن يبيع مثرة الشجرة عامني أو أكثر ،يقول :أبيعك مثار هذا البستان سنتني أو ثالث سنني. املعاومة :بنفس هذا املعىن ،هي :مفاعلة من العام؛ يعين أبيعك الثمر سنتني أو ثالث سنني؛ فهذا الثمر غري موجود؛ ففيه جهالة وهو ابطل ابإلمجاع ،إبمجاع أهل العلم ال يصح هذا البيع. ومن صور الغرر "بيع الثـنيا -على ومزن كربى -اجملهولة".واملقصود ابلثنيا :االستثناء اجملهول ،وقد هنى النيب ﷺ عن بيع الثنيا كما يف صحيح مسلم. معلوما؛ فيقول :أبيعك سيارايت إال واالستثناء كما يقول العلماء قد يكون ً هذه السيارة ،أو يقول :أبيعك سيارايت إال السيارة اليت كذا وكذا وكذا مبا فقه املعامالت املالية ()1 | 212 يرفع اجلهالة؛ فتكون معلومة ،فهذه ال أبس هبا ،ألنه ليس فيها غرر وال جهالة. وقد يكون غري معلوم .فيقول :أبيعك سيارايت مبليون إال سيارة واحدة، هل هي هذه أو هذه؟ جمهولة ،وهذا فيه غرر فال جيوز وال يصح. ومن صور الغرر اليت ميكن أن تؤدي إىل النزاع "بيع ما ينموويزداد". مثل الصوف على ظهر الدابة ،الصوف على ظهر الدابة ينمو ويزداد، واللنب يف الضرع ،فاللنب يف الضرع يزيد؛ وقد جاء عن ابن عباس قال: هنى النيب ﷺ أن تباع مثرة حىت تُطعم ،وال صوف على ظهر ،وال لنب يف فوعا ،لكن قال مجع من ضرع رواه الطربا،ي ،وهو صحيح موقوفًا ضعيف مر ً أهل العلم :يتقوى املرفوع ابملوقوف. وذهب مجهور أهل العلم من السلف واخللف :إىل حرمة بيع الصوفعلى الظهر هلذا احلديث ،وللجهالة ،ألن الصوف إذا بيع يزداد فتكون كميته عند العقد جمهولة. وذهب أبو يوسف من أئمة األحناف وأمحد يف رواية -رحم هللا اجلميع- فورا ،يقولون :يصح بيع إىل أنه يصح بيع الصوف على الظهر بشرط قطعه ً الصوف على الظهر بشرط أن يقطعه فور العقد ،ملاذا؟ ليُخرج من اجلهالة، |213 فقه املعامالت املالية ()1 فال تكون هناك جهالة ،ومحلوا احلديث على التبقية؛ أبنه يبقى بعد العقد؛ فيؤدي هذا إىل الزايدة. كذلك ذهب مجهور من أهل العلم من السلف واخللف إىل منع بيعاللنب يف الضرع هلذا احلديث وألنه يزداد. وذهب املالكية يف اجلملة إىل جواز بيع اللنب يف الضرع قالوا :ألن العرف جرى يف التساهل فيه فال يؤدي إىل النزاع؛ قالوا :والعلة يف هني بيع اللنب يف الضرع؛ أنه يؤدي إىل النزاع ،حلبت كذا! ما حلبت كذا! لكن جرى العرف ابلتساهل فيه؛ فالناس يقبلون ما أييت فال يؤدي إىل النزاع. واألظهر -وهللا أعلم -هو قول اجلمهور أنه ال جيوز بيع اللنب يف الضرع. هنا تأيت مسألة أشري إليها وهي مسألة :استئجار الدابة من أجل اللنب. ال يشرتي اللنب! يستأجر الدابة ملدة أسبوع ،أسبوعني ،يريد لبنها؛ اجلمهور على أن اإلجارة مثل البيع ما دام أن املقصود هو اللنب فاإلجارة ال تصح ،وهذا جزء من أن القصود مؤثرة يف العقود. لكن شيخ اإلسالم ابن تيمية -رمحه هللا -يرى جواز هذا ،يرى جواز استئجار الدابة من أجل لبنها ،ألن النهي إمنا ورد عن البيع؛ واإلجارة ختالف البيع. والذي يظهر -وهللا أعلم -أن قول اجلمهور أقوى ،ألن اجلهالة حاصلة بيعا ،والعلة إمنا هي يف اجلهالة. هنا سواء كانت إجارة أو كانت ً فقه املعامالت املالية ()1 | 214 ومن صور بيع الغرر اليت قد تؤدي اىل النزاع "بيع الثمار قبل بدوصالحها". وقد جاء عن ابن عمر أن رسول هللا ﷺ هنى عن بيع الثمار حىت يبدو صالحها ،هنى البائع واملبتاع متفق عليه. ووجه النهي :أن الثمرة ال تكتمل إال إذا بدا صالحها وإال فقد تتلف قبل بدو الصالح؛ فيؤدي ذلك إىل النزاع. وجاء عن أنس أن رسول هللا ﷺ هنى عن بيع الثمار حىت تُزهى، قيل وما تُزهى؟ قال حىت حتمر ،فقال رسول هللا ﷺ :أرأيت إن منع هللا الثمرة فبما أيخذ أحدكم مال صاحبه؟! .يعين إذا بيعت قبل بدو صالحها قد مينع هللا الثمرة! ما خترج! فبم أيخذ أحدكم مال صاحبه أو مال أخيه، واحلديث متفق عليه. فهذا يدل على النهي عن بيع الثمار حىت يبدو صالحها. واملقصود ببدو الصالح ابلنسبة للرطب :أن حيمر أو يصفر ،وابلنسبة ب :أن يشتد ،وابلنسبة للعنب :أن يبيض فيظهر فيها املاء ،وليس للح مّ املقصود أن يبدو الصالح يف كل الشجرة؛ ألن هذه مما يتعذر ،وإمنا املقصود أن يظهر الصالح يف الشجرة ،بل الصحيح أن يظهر الصالح يف جنس الشجرة. |215 فقه املعامالت املالية ()1 يعين :إذا كان النخل أجناس -فيه من برحي مثالً وفيه خالص -إذا ظهر الصالح يف جنس الربحي جاز بيع مثره ،إذا ظهر الصالح يف جنس اخلالص جاز بيعه ،ألن العادة أن الصالح فيها يتتابع ،العادة اليت يعرفها أهل الزرع أن الصالح يتتابع ،فإذا ُوجد الصالح تتابع يف جنسه ،وهذا الصحيح الذي عليه مجع من أهل العلم. بقي عندان يف هذه القاعدة" :بيع ما يؤدي إىل النزاع": مسألة :البيع على بيع املسلم ،والسوم على سوم املسلم. فإن البيع على بيع املسلم مما يؤدي إىل النزاع والشقاق واخلالف بني املسلمني ،وكذلك السوم على سومه ،فال جيوز وال يصح بيع على بيع املسلم؛ مثاله :أن يقول أحد ملن اشرتى شيئًا بعشرة :أعطيك مثله بتسعة. ثواب بعشرة وحصل الرضا والركون ،فيأيت شخص فيقول: شخص اشرتى ً بكم اشرتيت هذا؟ قال :بعشرة. قال :ال ،أان أبيعك بتسعة ،تعال أان أبيعك بتسعة. هذا بيع على بيع أخيه. وكذلك لو قال :أان أعطيك أجود منه بعشرة ،ابعك هذا بعشرة؟! أان عندي أجود منه بعشرة. فقه املعامالت املالية ()1 | 216 أيضا من بيع املسلم على بيع أخيه ،والنيب ﷺ قال :وال يبيع هذا ً بعضكم على بيع بعض على أن "ال" انفية ،وجاء يف رواية :وال يبع بعضكم على بيع بعض. (سؤال من أحد احلضور إذا كان يف املبيع عيب؟) إذا كان فيه عيب حبيث يرد ابلعيب هذا شيء آخر ،لكن أييت وقد حصل الرضا والركون فيقول :أان أبيعك بكذا لكي يشرتي منه. كذلك الشراء على الشراء ال جيوز ،وال يصح أن يشرتي املسلم على شراء املسلم ،كقوله مثالً :إذا اشرتى مسلم بتسعة يقول :للبائع أان اشرتي بعشرة ،وقد حصل الرضا والركون. قال :بكم هذه السلعة؟ قال :بعشرة .قال :ال ،بتسعة .قال :بعتك ،حصل الرضا والركون وِل يلزم العقد ،ال زالوا يف اجمللس. فيأيت [آخر] يقول :أان اشرتيه منك بعشرة! فهذا من ابب الشراء على شراء املسلم ،ألنه يدخل يف قول النيب ﷺ: وال يبيع بعضكم على بيع بعض ،فإان قلنا ساب ًقا أن البيع يطلق على البيع ويطلق على الشراء. |217 فقه املعامالت املالية ()1 وألن فيه إضر ًارا ابملسلم ،والنيب ﷺ قال :ال ضرر وال ضرار ،والصحيح غدا إن شاء أن احلديث اثبت ،وهذه إن شاء هللا قاعدة كربى سنتكلم عنها ً هللا وهو منع ما يؤدي إىل الضرر يف البيوع. غدا إن شاء هللا ستكون اليوم قاعدتنا :يف بيع ما يؤدي إىل النزاعً ، إحدى القواعد :يف منع ما يؤدي إىل الضرر ،الضرر اخلاص أو الضرر العام ابجملتمع ،سنبني إن شاء هللا صور هذا. قال النووي -رمحه هللا" :-أمجع العلماء على منع البيع على بيع أخيه، والشراء على شرائه ،والسوم على سومه" ،وكذلك حكى احلافظ ابن حجر رمحه هللا -اإلمجاع على هذا؛ وهذا اإلمجاع على التحرمي.أما الصحة -أعين الفساد إذا وقع ِ -ل يقع عليه إمجاع ،فبعض أهل العلم يرون أنه حمرم ولكن إن وقع فهو صحيح ،إذن ينبغي أن نتنبه أن اإلمجاع الذي حيكيه العلماء إمنا هو على التحرمي؛ أما الصحة فشأن آخر. هذا إذا كان البيع يف جملس العقد بعد حصول الرضا والركون. إما إذا كان بعد جملس العقد ،مت العقد ولزم وقال :بكم اشرتيت هذا؟ قال :اشرتيته بعشرة ،قال :لو جئت عندي أان أبيعك بتسعة .فبعض أهل العلم يقول :كذلك هذا ال جيوز ألنه يوغر الصدور ،إنسان اشرتى من ابئع بعشرة فيأتيه شخص فيقول :ال بتسعة ،يوغر صدره على البائع ،وإن كان فقه املعامالت املالية ()1 | 218 هذا ال يضر البيع ألن البيع قد مت؛ لكن الصحيح أنه بيع جديد ،وعرض جديد ،وسوم جديد ،ليس له عالقة ابلبيع األول. إذا كان البيع أو السوم قبل الرضا والركون -كما يسمونه اآلن ابملصطلحات "يف حالة العرض" -ما ركن البائع إىل املشرتي وال املشرتي إىل البائع ،ولو ِل يكن يف املزاد ولكن ِل حيصل الركون حىت اآلن؛ فالصحيح من أقوال العلماء أنه ليس حبرام. يعين :يقول بكم هذه السلعة؟ قال :بعشرة .قال :قبلت .حصل الرضا والركون ،ال جيوز هنا التدخل. لكن قال :بكم هذه السلعة؟ -ويوجد ابئعان -قال :ابئع بعشرة .قال: البائع اآلخر عندي بتسعة .وِل حيصل الرضا والركون ،هذا الصحيح من أقوال أهل العلم أنه جائز .ملاذا؟ ألنه ليس فيه ظلم وال ضرر؛ وإمنا هذا معروض يف السوق فهو كما يعرض البائع سلعته ،هذا يعرض سلعته؛ وهذا يعرض سلعته. لكن ابملناسبة :ال جيوز أن يعيب سلعة اآلخرين من أجل أن يُروج لسلعته ،ما يقول مثالً :الطيب عندي والبطّال عند جاري ،ألن هذا يؤدي إىل النزاع وفرقة القلوب ،لكن ميدح سلعته ال أبس. ذكران األخ قبل قليل مسألة النصيحة هذه األصل فيها اجلواز؛ لكن أيضا ،إذا قصده النصح للمسلم؛ يعين هذه السلعة يالحظ فيها القصود ً |219 فقه املعامالت املالية ()1 معروفة فيها عيوب؛ فيقول له :هذه السلعة فيها عيوب ،ليس قصده أن يشرتي منه وإمنا قصده النصيحة للمسلم؛ فهذا جائز ،أما إذا كان قصده أن يبيع على بيع أخيه فهذا ال جيوز. هذه خالصة ما ميكن أن نسرده يف مسألة قاعدة املنع مما يؤدي إىل النزاع غالبًا يف البيوع ،فمىت ما وجد يف صورة البيع أنه يف الغالب يؤدي إىل النزاع؛ فاألصل أنه ممنوع. غدا إن شاء هللا -عز وجل -سنتكلم عن قاعدة الضرر ،وقاعدة اخليار ً حبول هللا وقوته -ولعلنا نقف هنا وجنيب عن األسئلة إن شاء هللا -وهللاأعلم -وصلى هللا على نبينا وسلم. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 220 اإلجابة على األسيلة: السؤال األول :هل مطعم البوفيه اآلن املنتشر يف املطاعم وغريها يعد من أبواب الغرر؟ اجلواب: ما يسمى ابلبوفيه املفتوح :وهو أن يكون هناك طعام موضوع ويدخل اإلنسان بثمن معني وأيكل ما شاء؛ فهنا بعض أهل العلم يقولون :إنه حرام غررا وجهالة فال يُدرى كم سيأكل ،وبعض أهل العلم؛ يقولون :أنه ألن فيه ً جائز وذلك لوجهني: الوجه األول :أنه معروف ابلعادة ..أن الناس أيكلون كذا ،وق ّل منخيرج عن العادة ،ولرمبا أن أصحاب البوفيه إذا رأوا من خيرج عن العادة منعوه؛ فيقولون هو معروف ابلعادة. الوجه الثا،ي :أنه جرى التساهل فيه؛ فال يؤدي إىل النزاع ،ال املشرتيوال البائع .فاملشرتي يدخل وأيكل وخيتار لنفسه وخيرج راضيًا والبائع كذلك ،فال يؤدي إىل نزاع .والعلة يف منع البيع من الغرر أنه يؤدي إىل النزاع .وقد كنت متوق ًفا يف املسألة -وأذكر أن الشيخ /يوسف سألين يف املسألة عن هذا عند املسجد الذي أدرس فيه؛ فقلت له :أان متوقف والذي ظهر يل -وهللا أعلم -اآلن القول ابجلواز. |221 فقه املعامالت املالية ()1 السؤال الثاين :أحسن هللا إليكم ،إذا قلنا أنه يشرتط البلوغ وأن الصيب ال يصح بيعه مث قلنا ابالستثناء يف بعض احلاالت؛ فلمم يصبح شرطًا؟ وملاذا ال نقول بصحة البيع وأنه موقوف على اإلذن؟ اجلواب: ال ،هو ليس موقوفًا على اإلذن ،األصل أنه ممنوع ،وأان ذكرت لكم ساب ًقا؛ إذا ذكران يف القواعد" :األصل" فمعىن ذلك أنه هو القاعدة املستمرة؛ ولكنه قد يستثىن منه ويرتك ،فاألصل هو املنع النعدام آلة الرضا أو نقصها إال ما تدل األدلة الشرعية على جوازه إما خبصوصها أو عمومها. السؤال الثالث :أرجو التكرم إبعادة قول الرتمذي يف تفسري مسألة البيعتني يف بيعة. اجلواب: قول الرتمذي هو ما ذكرته ساب ًقا وذكرته اليوم وهو أنه تفسري السلف للبيعتني يف بيعة ،وهو أن يقول :أبيعك هذا الثوب حاضرا خبمسني ،ومؤجالً ً مبئة ،وينصرفان على هذا ،يعين يقع العقد على هذا ،أما إذا اختار املشرتي أحد الثمنني وتعاقد عليه فال يضر. السؤال الرابع :ابرك هللا فيكم ،هل ميكن أن يضاف من صفات الشرط مباحا وفيه منفعة، الصحيح :أن يكون مقدورا عليه عرفًا؛ ألنه قد يكون ً ً ولكن قد يكون غري مقدور عليه أو فيه كلفة؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 222 اجلواب: أان ما تصورت هذا من الشروط ،يعين ما تصورت هذا يف الشروط؛ ولذلك ال أعرف أن العلماء ذكروه. السؤال اخلامس :ابرك هللا فيكم ،ذكرمت حتت القاعدة الثانية "العربة يف العقود للمقاصد واملعا،ي ال لأللفاظ واملبا،ي" مسألة البيع بوسائل االتصال احلديثة ،وأنه يشرتط أن ال يكون املبيع من السلع اليت يشرتط فيها التقابض، تربعا أو مقابل فهل يدخل يف هذا من يقوم إبرسال النقود إىل بلد آخر ً منفعة عن طريق شركات الصرافة أو البنوك؟ حيث يستلمها املستلم يف ذلك البلد بعملة ذلك البلد اآلخر وقد يتأخر التسليم أحياان؟ اجلواب: التحويل إما أن يكون عن طريق البنوك؛ أو أن يكون عن طريق األشخاص ،إما أن يكون عن طريق البنوك وهذا له ثالث صور واقعة: الصورة األوىل :التحويل مبا يسمى التحويل السريع ،الذي يعتمد علىاحلاسب اآليل ،مبجرد أن حتول؛ اآلن يصل املبلغ إىل ذلك البلد ،وهذا حيصل فيه القبض ابلفعل أو ابلقوة: ابلفعل :أبن يكون الطرف احملول له عند البنك مباشرة يستطيع أن يقبض قبل أن خيرج ّم احملول ،أو يدخل يف احلساب احملول إليه مباشرة. |223 فقه املعامالت املالية ()1 فورا ،فهذا الذي يظهر -وهللا أعلم- أو ابلقوة :وهي القدرة على القبض ً جوازه وال إشكال فيه. الصورة الثانية :التحويل :ويُعطى ّماحملول شي ًكا مصدقًا ابملبلغ ابلعملة اليت هناك ،ويرسله إىل أهله ويقبضون به ،وهنا حصل التقابض يف جملس العقد؛ ألن قبض الشيك قبض للنقد ،فهذا الشيك املصدق الذي فيه قبضا قبل التفرق؛ وهذا اآلن أصبح تقريبًا ال تعمل به العملة ابلدوالر يكون ً البنوك. الصورة الثالثة :التحويل الذي يتأخر ليوم أو يومني وال يُعطى ّماحملول شي ًكا؛ ولكنه يُعطى وثيقةً فيها بيان املعاملة تضمن حقه ،لكن ليس هلا حمل تردد عندي والزلت إىل اليوم أرى أن األقرب املنع؛ قيمة مالية ،فهذا ُّ ألن التقابض ال حيصل يف أي صورة من الصور ،يعين :ال حيصل يف حال من األحوال يف هذه الصورة الثالثة ،وإن كان بعض العلماء يقولون :إن الوثيقة كالشيك؛ لكن احلقيقة أنه ال قيمة هلا مالية حىت نقول إهنا كالشيك؛ ولكنها تثبت العملية فقط ،هذا إذا كان التعامل مع البنك. هناك صورة أخرى :وهي التعامل مع األفراد ،رجل من أمريكا ،من بريطانيا ،من أذربيجان ،من أي مكان ،يتعامل مع رجل يف اإلمارات حيول له بعملة بلده ،وهذا الرجل الذي يف اإلمارات يُسلم ابلدرهم ،الصورة ّم للمحول وكيل يف اإلمارات ،وللمحول إليه وكيل الصحيحة هلذا؛ أن يكون يف ذلك البلد ،ويتفقا على وقت واحد جيتمع فيه كل واحد بوكيل اآلخر، فقه املعامالت املالية ()1 | 224 فيعطي هذا وكيل هذا املبلغ ،ويعطي هذا وكيل هذا املبلغ ،يقع التقابض يف نفس الوقت وينصرفان ليس يف ذمة أحدمها لآلخر شيء؛ فيحصل املقصود الشرعي وإن تباعد املكان -وهللا أعلم.- السؤال السادس :ابرك هللا فيكم ،ما الفرق بني قاعدة" :األصل منع ما يؤدي إىل النزاع يف البيوع" ،والقاعدة األخرى" :ال ينعقد البيع إال عن تر ٍ اض"؟ اجلواب: ال؛ ألهنما قد يرتاضيان على أمر يؤدي إىل النزاع؛ فالشرع إذا كان األمر يؤدي إىل النزاع؛ مينعه سواء تراضيا عليه أو ِل يرتاضيا ،فهناك فرق بينهما. السؤال السابع :هل يدخل حتت بيع املالمسة شراء األعمى للبضائع حيث إنه يتحسس البضاعة ،فهل يدخل يف هذا املنهي؟ اجلواب: العُمي أذكى من هذا ،العمي ال يشرتي مبجرد اللمس إال إذا كانت السلعة تُعرف ابللمس ،لكن على كل حال؛ إذا كان املبيع مما ال يُعلم ابللمس فاشرتى األعمى ابللمس؛ فإن هذا ال يصح ،وإن كان عند العُمي من الذكاء والفطنة ما يعرفون به األشياء ،وقد وجدان من العُمي من يدرك أكثر من املبصرين ،لكن نقول القاعدة الشرعية العامة :أنه إذا كانت الصفة |225 فقه املعامالت املالية ()1 ال تعلم مبجرد اللمس فال يصح شراء األعمى هلا مبجرد اللمس ،بل ال بد معلوما له. أن يكون املبيع ً السؤال الثامن :يقول السائل أان أبيع عسالً ،والعسل ليس يل وإمنا هو لزميلي ،ويريد يف كل قارورة عسل 120درمهًا ويل أن أبيعه أبكثر من ذلك وما زاد فهو يل ما احلكم يف هذا؟ اجلواب: هذا فيه تفصيل: إن كان هذا من ابب األجرة يعين يستأجرك ويقول بمع بـ 120والباقي أجرة لك فهذا ال جيوز ،ألهنا أجرة جمهولة ويشرتط يف األجرة أن تكون معلومة املقدار. وإن كان هذا من ابب املكافأة؛ فيقول :أنت جزاك هللا خري حمسن يل وتبيع فأان أريد ،120الزائد خذه حالل ليس أجرة لك ولكنها مكافأة، فاملكافأة ابهبا واسع ويوسع فيها وحتتمل فيها اجلهالة وال حرج ألهنا ال تؤدي إىل النزاع. السؤال التاسع :يقول كثر يف اآلونة األخرية ما يسمى برتبية الثعابني وبيعها بقصد الزينة وهي خالية من السم؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 226 اجلواب: ما أدري من يتزين ابلثعابني؟! األصل منع هذا ،واقتناؤها مما تنفر منه الفطر السليمة؛ فإذا كان اإلنسان يقتنيها ملا فيها من السم ليُباع للمختربات اليت تستفيد من هذا؛ فال أبس ألن فيها هذه املنفعة ،أما إذا كان يقتنيها من ابب اهلواية أو من ابب أن توضع يف البيت أو حنو ذلك وهي ليست سامة؛ فأان الذي يظهر يل اآلن نسأل هللا -عز وجل أن يسددان -أهنا ال جتوز. السؤال العاشر :يقول السائل يقع يف األزمنة اخلاصة أبعياد الكفار التخفيض يف السلع ،فهل جيوز املسلم أن يشرتي السلع يف هذه الفرتة على اعتبار ختفيضها هبذه املناسبة؟ اجلواب: التخفيض لك وعيدهم عليهم ،جيوز ما فيه حرج ،هذه ليست من طقوس األعياد ولكنها مرافقة لألعياد ،فهذه سلع تباع يف األسواق ويكون عندهم أزمنة خيفضون فيها تكون مبناسبة أعيادهم إما عيد امليالد أو عيد كذا وكذا ..خيفضون فيه ،جيوز ،ما يف أبس ،ألنك تشرتي السلعة بثمنها، وليس هذا من طقوس األعياد ولكنه مرافق للزمن؛ فهذا ال أبس به وقد درست هذه املسألة وظهر يل -وهللا أعلم -اجلواز. طبعا حنن نتكلم عن السلع العامة ،مالبس وحنو ذلك ،ليس أشياء تباع ً من أجل العيد .نعرف يف أمريكا وغريها يف وقت أعياد معينة يكون هناك |227 فقه املعامالت املالية ()1 أحياان يصل إىل سبعني يف املئة للسلع ،املالبس وغريها ،جيوز ،أما ختفيض ً ما يعد للعيد فهو من طقوس العيد؛ فال جيوز. السؤال احلادي عشر :إحدى األخوات تقول :املسألة املعاصرة اليت تكلمنا عليها ابألمس "بيع األرقام املميزة" إذا كان بيعها ليؤخذ ريعها لألعمال اخلريية؛ فهل جيوز ذلك عند من يرى بعدم جوازها ،وهل حتتسب للمشرتي صدقة؟ اجلواب: إذا كانت تقام من ابب التشجيع على الدفع وليست السلعة مقصودة لكن جمرد وسيلة ،يعين أن يتربع اإلنسان مبا يصل إىل هذا املبلغ فأرجو هللا أن يوسع يف هذا ،ألن احلقيقة أنه ليس املراد البيع هنا وليس املراد الشراء؛ ولكن املراد أن يتنافس أهل اخلري على هذه السلعة لدفع أعلى مبلغ من ابب التربع ليس من ابب اقتناء هذه اللوحة ،فيظهر يل -وهللا أعلم -أنه مثل هذا أرجو أن يوسع فيه. السؤال الثاين عشر :ما رأي فضيلتكم ببطاقات جتميع النقاط ،كلما اشرتيت أكثر ُحسبت نقاط أكثر ،فبالتايل يعطى مقابل ذلك مبلغ من املال يشرتي به؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 228 اجلواب: أان الذي ظهر يل -وهللا أعلم -أن كل مكافأة مالية يدفع مقابلها شيء فهي حمرمة ،مسيت جائزة! مسيت نقاط! البيع ال جيوز ،أما إذا كان املقابل ثواب منفعة ً - مثال نقاط -فيُعطى أن يسكن ،أو يعطى تذكرة ،أو يعطى ً فهذا فيه تفصيل :إن كان حيصل عليه كل أحد يصل إىل هذا املقدار فهو جائز ،وإن كان ال حيصل عليه كل أحد وإمنا حيصل عليه البعض دون البعض؛ فهذا ال جيوز ألنه قممار ،واضح؟ إذا كانت منفعة هذه البطاقات اليت تُدفع فيها نقود مالية؛ فال جتوزألهنا من الراب. إذا كانت ليست مالية: فإن كان حيصل عليها كل أحد؛ فهي جائزة النعدام املانع الشرعي. وإن كان حيصل عليها البعض ،ولو ابلقرعة؛ فهذه غري جائزة ملا فيهامن املقامرة -وهللا أعلم.- السؤال الثالث عشر :سؤال قريب مما سبق وهو ما يسمى اآلن وانتشر: ابألميال هل النقاط اليت حيصل عليها عن طريق األميال مقابل مشرتايت من البطاقة االئتمانية تدخل يف التحرمي. |229 فقه املعامالت املالية ()1 اجلواب: مثل ما ذكرانه ،األميال هذه ليست منفعة مالية ،وإذا كان املقصود ابلنسبة خلطوط الطريان فاملعلوم أهنا حتصل لكل من حيصل على هذه النقاط ،ولذلك والذي يظهر يل -وهللا أعلم -جوازها وال حرج فيها. السؤال الرابع عشر :هل يشرتط لصحة عقد البيع أن أييت القبول مباشرة بعد اإلجياب أم ال أبس ابلفاصل اليسري بعد انعقاد البيع؟ اجلواب: ما دام أنه يف جملس العقد فال حرج على الصحيح ،نعم من أهل العلم من يقول جيب التوايل بني اإلجياب والقبول ،لكن الصحيح من أقوال أهل العلم :أنه يصح ما دام أهنما اجتمعا -أعين اإلجياب والقبول -يف جملس واحد. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 230 الدرس التاسع احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم األمتان األكمالن على املبعوث رمحة للعاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني ،أما بعد،،، ففي هذا اليوم إن شاء هللا خنتم هذه الدورة ،نسأل هللا عز وجل حسن اخلتام ،وخنتمها بقاعدتني ،ونكون بذكرمها قد ذكران القواعد اليت حتيط بفقه لب ما يسمى بفقه املعامالت املالية. البيوع ،وهو ّ وأقرتح على – اإلخوة يف اهليئة -أن يقيموا دورة عن قواعد الراب وما يتعلق به ،ودورة عن املعامالت املالية املعاصرة ،من حيث تفصيلها وبياهنا وبيان حقيقة أحكامها ،وهبذا تكتمل الدائرة ،فإذا أقيمت دورة عن قواعد الراب وما يتعلق به ،ودورة عن أعيان املعامالت املالية املعاصرة ،جيمع – اإلخوة -ابب املعامالت املالية من حيث التأصيل ،ومن حيث التطبيق على املسائل الواقعة ،وإن كنا أشران إىل بعض املسائل؛ لكن هناك أعيان للمسائل املالية املعاصرة حتتاج إىل شيء من التفصيل ،وبيان صورها وواقعها يف البنوك واألسواق العاملية ،ومثل املعامالت املالية املستحدثة يف الشبكات، من التسويق الشبكي وغري ذلك من صور املعامالت املالية املعاصرة ،فإذا حصل هذا؛ فإنه حيصل -إن شاء هللاُ -مكنة للدارسني يف هذا الباب يف زمن يسري ،وهذا من نعم هللا عز وجل على طالب العلم. اليوم أنخذ القاعدة العاشرة فيما أحسب.. |231 فقه املعامالت املالية ()1 القاعدة العاشرة :هي "أن األصل منع الضرر يف البيوع": القاعدة املستمرة :أن ما يؤدي إىل الضرر أبحد العاقدين أو ابلناسُ ،مينع يف البيوع وال جيوز وال يصح ،ألن الضرر جيب دفعه قبل وقوعه ،وجيب رفعه ضررا إال بعد وقوعه ،هذه قاعدة الشريعة العامة ،الشريعة اإلسالمية ال تُقر ً من ابب حتمله لدفع ضرر أعظم منه ،فالضرر يدفع قبل وقوعه ،ويرفع بعد وقوعه ،ويدخل يف ذلك ما يتعلق ابلبيوع؛ فالضرر يف البيوع ممنوع ،ويدل هلذه القاعدة: أوالً :األدلة الدالة على منع الضرر. كقول النيب ﷺ :ال ضرر وال ضرار ،واحلديث اثبت ويدل على أن الضرر ممنوع؛ فإنه يدل على نفي الضرر ،والعلماء األصوليون يقولون: "النفي أبلغ من النهي" ،ألن النفي يشعر بعدم الوقوع؛ فعندما نقول :ال ضرر؛ كأننا نقول :ال يوجد ضرر ،مع أن الضرر يوجد ،لكن املقصود من معدوما" ،ال ضرر" :فال جيوز للنسان أن الناحية الشرعية ينبغي أن يكون ً يضر غريه" ،وال ضرار" :فال جيوز للنسان أن يضر غريه وال أن يضر نفسه، وال أن يضر ابتداءً وال أن يضر مقابلةً ،هذا األصل يف الشريعة ،فهذا النوع األول من األدلة. فقه املعامالت املالية ()1 | 232 اثنيًا :يدل على القاعدة اتفاق العلماء على "أن الضرر يزال". فمن القواعد اخلمس الكربى اليت اتفق عليها فقهاء األمة قاعدة "الضرر يزال" ،هناك قواعد مخس يف الفقه تسمى :ابلقواعد اخلمس الكربى ،وهذه جدا القواعد اخلمس حمل اتفاق بني الفقهاء ،وهي كربى ألن فروعها كثرية ً جدا ،هذه القواعد اخلمس: ً .1األمور مبقاصدها. .2واليقني ال يزول ابلشك. .3واملشقة جتلب التيسري. .4والضرر يزال. .5والعادة حمكمة. فمن القواعد اخلمس الكربى اليت اتفق عليها الفقهاء قاعدة" :الضرر يزال" ،فهذا الدليل الثا،ي ،القاعدة املتفق عليها بني الفقهاء. اثلثًا :أان وجدان الشرع هنى عن بيوع ملا فيها من الضرر ،فدل ذلك على أن الضرر يف البيوع ممنوع. |233 فقه املعامالت املالية ()1 ومن البيوع اليت جاء النهي عنها من أجل الضرر: "بيع احلاضر للبادي وتلقي الركبان": فقد جاء عن ابن عمر قال :هنى رسول هللا ﷺ أن يبيع حاضر لبادي .رواه البخاري. وعن ابن عباس قال :قال رسول هللا ﷺ :ال تلقوا الركبان ،وال يبع حاضر ٍ لباد؛ قال طاووس وهو راوي احلديث عن ابن عباس :قلت البن عباس :ما قوله ال يبع حاضر ٍ مسسارا .رواه لباد؟ قال :ال يكون له ً البخاري. وجاء عن جابر قال :قال رسول هللا ﷺ :ال يبع حاضر ٍ لباد، دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض .رواه مسلم ،ففي حديث جابر زايدة اإلشارة إىل العلة ،دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض. وعن أنس قال" :هنينا أن يبيع حاضر ٍ لباد ولو كان أابه أو أخاه"، ويف هذه األحاديث هنى النيب ﷺ أن يبيع احلاضر للبادي. من هو احلاضر؟ احلاضر :هو املقيم يف املدن والقرى ،والبادي :هو الذي أييت من البادية. ومعىن هذا :هني احلاضر أن يتوىل بيع سلع من يقدم إىل البلد من مسسارا ،ال يكون وسيطًا بينه وبني الناس ،فإذا البادية ،مبعىن :ال يكون له ً قدم أهل البادية بسلعهم إىل البلد ،فإهنم يُرتكون يبيعون أبنفسهم ،وال أييت فقه املعامالت املالية ()1 | 234 حاضر فيقول :هات أان أبيع لك ،وهذه صورهتا إما أبجرة وإما بدون أجرة، وسنتكلم عنها إن شاء هللا. خاصا أبهل البادية ،وإمنا واحملققون من أهل العلم يقولون هذا ليس ً البادي هنا ذكر على سبيل املثال ،بل يشمل كل غريب يقدم إىل البلد م بسلعم مه ليبيعها ،فإذا جاء إنسان من دولة أخرى بسل ٍع ليبيعها يف البلد؛ فإنه ينهى من كان يف البلد أن يبيع له ،ألن العلة واحدة وهي التوسيع على أهل البلد ودفع الضرر عنهم ،فهذا معىن احلديث. وقال ابن دقيق العيد مبينًا العلة وأهنا لدفع الضرر" :أما بيع احلاضر للبادي فمن البيوع املنهي عنها ألجل الضرر" ،مث ذكر صورة هي اليت كثريا ،قال" :وصورته :أن حيمل البدوي أو القروي يذكرها علماء الشافعية ً متاعه إىل البلد ليبيعه بسعر يومه ويرجع ،فيأتيه البلدي فيقول :ضعه عندي ألبيعه لك على التدريج بزايدة سعر ،قال :ويف ذلك إضرار أبهل البلد". انظروا -أيها اإلخوة -البدوي أييت من القرية بسلعة ليبيعها ويعود، فيبيعها بسعر اليوم ،فيأتيه احلضري فيقول :ال ،ضعها عندي وأان أبيعها لك غدا سريتفع إن شاء هللا على التدريج والسعر يزداد ،اليوم السعر منخفضً ، فأان أبيعها لك بسعر مرتفع ،فهنا حيصل اإلضرار أبهل البلد؛ ألنه لو ابعها بسعر يومها ينتفع أهل البلد ويوسع عليهم ،فإذا ِل حيصل هذا حيصل الضيق والضرر على أهل البلد. |235 فقه املعامالت املالية ()1 واجلمهور من أهل العلم على أن هذا التحرمي ٍ ابق ِل يُنسخ وِل يُرفع، فيحرم على احلاضر أن يبيع للبادي. بعض الفقهاء قالوا :جيوز ،وهذا احلكم منسوخ أبحاديث النصيحة، أيضا أحاديث أخرى. والنصح لكل مسلم ،وذكروا ً أما أحاديث النصيحة فال تصلح للنسخ هنا ،ألن أحاديث النصيحة عامة وهذا النهي خاص ،مث هذا ليس من ابب النصيحة وإمنا من ابب البيع والسمسرة ،وأما األحاديث األخرى اليت ذكروها فهي ضعيفة. اإلمام البخاري -رمحه هللا -من فقهاء األمة ،ويظهر فقهه يف ترامجه كثريا عجيبًا ،قد ال لألبواب ،والذي يفهم تراجم البخاري جيد أن فيها ً فقها ً يتفطن إليه كثري من الناس ،فالبخاري -رمحه هللا -من الفقهاء ،وهذا ديدن احملدثني -أيها اإلخوة ،-احملدثني الكبار يف األمة حمدثون وفقهاء ،وهذا هو فقيها يف معانيه ،عارفًا الذي ُحيتاج إليه؛ أن يكون اإلنسان حافظًا للقرآنً ، فقيها يف معانيها ،فالبخاري -رمحه هللا -ذكر قوالً كأنه جيمع ابألحاديثً ، فيه بني القولني :القول ّم احملرم والقول ّم اجملوز؛ فيفهم من ترامجه أنه حيرم أن مسسارا ابألجرة ،أما إذا كان بدون أجرة على سبيل يكون احلاضر للبادي ً النصيحة فجائز. البخاري يقول :هذا احلاضر إذا جاء يبيع للبادي من أجل مصلحة نفسه ،من أجل أن أيخذ أجرة فهذا حرام ،وإذا كان يبيع للبادي من أجل النصح له فهذا جائز. فقه املعامالت املالية ()1 | 236 والذي يظهر -وهللا أعلم -أنه ال جيوز للحاضر أن يتوىل البيع للبادي سواءً أبجرة أو بدون أجرة ،ال جيوز للحاضر أن يتوىل البيع للبادي بنفسه؛ فيقول :هات أبيع لك! سواء كان أبجرة أو بدون أجرة لعموم النصوص وعموم العلة ،فإن العلة واحدة سواء ابع أبجرة أو ابع بدون أجرة. أما أن ينصح له فيقول له :ترى سعر السلعة اليوم كذا ،ال تُغنب! انتبه! ال يضحك عليك أحد! أنت أتيت اليوم مثالً بطماطم أو شيء من الزروع من الثمار إىل البلد ليباع ترى سعرها اليوم عشرة ،فيخربه بسعر اليوم ،فهذا جائز. أما أن ينصحه أبن ال يبيع اليوم؛ فهذا ال جيوز. أن ينصحه أبن خيربه بسعر اليوم حىت ال يُغنب؛ فيأيت واحد فيشرتي منه أبقل من سعر اليوم فيغشه فهذا من النصيحة ،أما أن خيربه بغري سعر اليوم مثال" :ترى البضاعة اليوم هذي تباع بعشرة لكن فهذا ال جيوز ،أن يقول له ً لو صربت يومني ستباع إن شاء هللا أبربعة عشر" ،هذا ال جيوز ،ملاذا؟ ألنه ينايف قول النيب ﷺ :دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض. فاملقصود أن ترتك هذا الرجل يبيع بسعر اليوم؛ فإذا قلت له سعر اليوم انزل ترى ولو صربت ليوم أو يومني سريتفع ،هذا يناقض مقصود النيب ﷺ. إذن هل جيوز للنسان أن يتوىل البيع للبادي أو من يقوم مقامه؟ اجلواب :ال ،ال أبجرة وال بدون أجرة ،لعموم هني النيب ﷺ. |237 فقه املعامالت املالية ()1 هل جيوز للنسان أن ينصح البادي ابلداللة والكالم؟ فيقول له سعر هذه السلعة كذا؟ نقول هذا فيه تفصيل: إن كان خيربه بسعر اليوم حىت ال يغنب فيه؛ فهذا جائز وهو منالنصيحة للمسلم. إن كان خيربه أبن يؤخر البيع إىل أايم أخر؛ فهذا ال جيوز ألنهيناقض مراد النيب ﷺ يف هنيه أن يبيع احلاضر للبادي. فإن قيل :أنتم تقولون :أن العلة هنا منع الضرر عن أهل البلد حىت يُوسع عليهم يف أرزاقهم ،أليس يف منع بيع احلاضر للبادي ضرر عليه هو؟ إذا منع احلاضر أن يبيع للبادي يقع على البادي ضرر من جهة أنه يبيع بسعر اليوم، ولو ابع له احلاضر فقد يرفع السعر. نقول :حىت لو كان هناك ضرر على البادي؛ فإن قاعدة الشريعة أنه يُرتكب الضرر األخف لدفع الضرر األعلى ،فإذا اجتمع ضرران؛ ارتكب أخفهما لدفع أعالمها. وهلذا شواهد كثرية :يف حديث جابر ملا قال :لقد رأيتنا نتماشى أان ٍ يقوم أحدكم ،قال: قائما كما ُ ورسول هللا ﷺ فأتى ُسباطة قوم فبال ً إيل فأتيت حىت وقفت عند عقبه. فتنحيت عنه ،فأشار ّ فقه املعامالت املالية ()1 | 238 قوما من أصحابه وأطال اجللوس عندهم فلما خرج؛ هنا النيب ﷺ زار ً احتاج ﷺ للبول -فهو ﷺ بشر شرفه هللا ابلرسالة ،رسول هللا ﷺ بشر يصيبه ما يصيب البشر ،شرفه هللا ابلرسالة – فكان: أوالً :األمر بني أمرين :أن يصرب النيب ﷺ حىت يبتعد عن البيوت ويف هذا ضرر عليه من جهة حبس البول عند احلاجة إليه ،وبني أن يبول يف سباطة هؤالء القوم قريب من البيوت ،فاختار النيب ﷺ أخف الضررين ،وهو أن يبول قريبًا من البيوت هذا وجه. الوجه الثا،ي :قُرب جابر من النيب ﷺ أثناء بوله فيه ضرر ،ولكن بعده أيضا فيه ضرر ،جابر إذا اقرتب من النيب ﷺ وهو يبول فيه ضرر؛ لكن لو ً ابتعد فإنه قد أييت رجل ال يدري عن النيب ﷺ شيئًا فيقع نظره على النيب ساترا له عن الناس ،يقف وراءه ﷺ ،فأراد النيب ﷺ أن يكون جابر ً كالساتر ،ألن جابر يعلم حال النيب ﷺ فال يقع نظره على النيب ﷺ ،فإذا جاء أحد قادم فجأة يرى من؟ يرى جابر ،فاختار النيب ﷺ أخف الضررين؛ فأشار إىل جابر أن تقدم بعد أن تنحى جابر فجاء حىت وقف عند عقبه. جدا؛ فمن املتفق عليه بني العلماء؛ بل يذكر شيخ وهذا له صور كثرية ً اإلسالم ابن تيمية أنه متفق عليه بني العقالء" :ارتكاب الضرر األخف معا. لدفع الضرر األعلى إن تعني هذا" ،يعين :إن ما أمكن دفع الضررين ً |239 فقه املعامالت املالية ()1 فهنا عندان ضرر حيصل أبهل البلد ،وضرر حيصل للبادي فقط ،فهنا الضرر احلاصل ألهل البلد أعظم من جهتني: اجلهة األوىل :أن أهل البلد أكثر من البادي؛ فيكون الضرر احلاصل عليهم أعظم. يدفع فيها اجلهة الثانية :أن الضرر احلاصل للبادي إمنا هو يف سلعة ال ُ شيئًا ،سلعة قادم هبا ،والضرر احلاصل ألهل البلد يف دفع األمثان ،يف زايدة األمثان عليهم وهذا أعظم. ولذلك قال القرطيب يف "املفهم"" :قصد الشرع أن يباشروا -أي أهل م م ابلرخ م ص فيما ال ضرر البوادي -بـيع سلعهم أبنفسهم لريتفق أهل احلاضرة ّ على أهل البادية فيه ،وأعرض الشرع عما يلحق أهل البادية يف ذلك -يعين وترجيحا ألعظم دفعا ألشد الضررين من ضرر عدم رفع السعر ً - ً املصلحتني". مثل بيع احلاضر للبادي؛ تلقي الركبان: وتلقي الركبان :يعين أن يتلقى اإلنسان الركبان القادمني بسلعهم إىل البلد ليشرتيها منهم قبل وصوهلم إىل البلد. والعلة يف النهي عن تلقي الركبان؛ منع الضرر الالحق ابجلالب ،ومنع الضرر الالحق ابلبلد: فقه املعامالت املالية ()1 | 240 منع الضرر الالحق ابجلالب :ألن الذي يتلقاه يستغل جهله ابألسعار؛ فمنع من هذا ليدفع الضرر عن اجلالب حىت أييت فيشرتي منه أبرخصُ ، ويرى البلد ويعرف السعر ويبيع. ومنع الضرر الالحق أبهل البلد :ألن الذي يتلقى الركبان يشرتي منهم مث يبيع ألهل البلد أبغلى ،فنهي عن تلقي الركبان ،فال جيوز أن يُتلقى الركبان. ومن األمور املعاصرة اليت تُلحق هبذا :أنهُ إذا قدم ُجتّار من غري أهل البلد إىل البلدُ ،جتّار أيتون من بلد خارجي :من فرنسا من بريطانيا أيتون من أذربيجان أيتون إىل اإلمارات مثالً ،يقدمون بسلعهم ،هذا يلحق مبسألة تلقي الركبان وبيع احلاضر للبادي ،فال جيوز لتاجر من جتار البلد أن يتلقاهم قبل وصوهلم للبلد إذا كانوا جاهلني بسعر السلعة يف البلد ،ليستغل جهلهم دفعا للضرر عنهم ،هذه صورة. فيشرتيها منهم بسعر أقلً ، وال جيوز له أن يتلقاهم ليشرتيها منهم بسعر اليوم ليبيعها على أهل البلد دفعا للضرر عن أهل البلد .ال جيوز للتاجر أن يتلقى الركبان أو بسعر أعلى ً التجار القادمني من دول أخرى ابلسلع ليشرتي منهم سلعهم أبسعار أقل دفعا للضرر عن أولئك التجار. من السوق مستغالً جهلهم ابألسعارً ، وال جيوز للتاجر أن يتلقى أولئك التجار ليشرتي منهم السلع بسعر البلد من أجل أن يبيعها بسعر أعلى ،يعين :جتار قدموا بسيارات ،فيذهب اتجر هلم قبل الوصول إىل البلد؛ فقيمة السيارات يف البلد مثالً تباع بعشرين ألفاً، قيمتها عشرون ألفاً ،فيذهب إليهم مستغالً جهلهم ابألسعار ويقول :أشرتي |241 فقه املعامالت املالية ()1 منكم خبمسة عشر ألف! فهذا ال جيوز ،أو سعرها يف البلد بعشرين ألفا فيذهب ويشرتيها بعشرين ألفا ليأيت إىل البلد فيبيعها خبمسة وعشرين ألفا، دفعا للضرر يف احلالتني. فريفع السعر على أهل البلدً ، كذلك :حيرم تلقي الباعة الذين يقدمون ابلسلع من خارج البلد عند أفواه األسواق قبل بلوغها األسواق .يعين :األول يتلقاهم خارج البلد ،الثا،ي يتلقاهم عند أفواه األسواق. يعين :السيارات عندها سوق؛ فيتلقاهم قبل دخوهلا ،الزروع هلا سوق؛ فيتلقاهم قبل دخوهلا ،ليشرتي منهم السلع بسعر أقل من سعر السوق، جلهلهم ابألسعار ،أو ليشرتيها بسعر السوق ليبيعها أبغلى على أهل البلد دفعا للضرر عن اجلانبني. ً طبعا العلة اجلامعة؟ ألنه قد يقول لنا قائل :يعين اي شيخ أنتم وسعتم ً النهي ،والنهي أن يبيع حاضر لبادي ،طيب هذا الذي يقدم ابلسلعة من دولة ليس ببادي؟! نقول :العلة واحدة ،وهذا ما يسمى بـ"العموم املعنوي" ،وهو من أقوى أنواع العموم ،العموم املعنوي جبامع احتاد العلة ،فالعلة واحدة فيكون احلكم احدا. و ً وهبذا نعلم أن املمنوع يف هذا ما يكون فيه ضرر على اجلالب أو على أهل البلد. فقه املعامالت املالية ()1 | 242 فإن اندفع الضرر جاز ،إن ِل يكن فيه ضرر فإنه جيوز ،يعين قدم أانس جتار -صحيح أهنم من دولة أخرى لكن يعرفون دولة اإلمارات ،يعرفون األسعار فيها ويعرفون كل شيء -فقدموا بسلعهم فاستقبلهم اتجر من التجار قبل أن يصلوا إىل البلد ،أو كلّمهم ابهلاتف فقال :أان أشرتي منكم سلعكم كلها دفعة واحدة بثمانية عشر ألف ،وهي يف السوق بعشرين ألف وهم يعرفون أهنا بعشرين ألف ،لكن هذا اتجر من أهل البلد سيشرتي السلع كلها بثمانية عشر ألف؛ فقالوا طيب بعناك ،مث يبيعها ألهل البلد بسعر البلد ،ما يزيد على أهل البلد ،فهذا جائز ألنه ال ضرر على اجلالب، وال ضرر على أهل البلد. إذن ،مدار احلكم على وجود الضرر ،فما وجد فيه الضرر ُمنع وما انتفى عنه الضرر أجيز. طيب :النهي هنا للتحرمي ،عند مجهور أهل العلم؛ فيحرم هذا الفعل، لكن هل العقد صحيح أو فاسد؟ سبق أن ذكرت لكم أن احلكم ابجلواز واحلرمة غري احلكم ابلصحة والفساد ،هل العقد صحيح أو فاسد؟ نقول :إن كان املنع من أجل دفع الضرر عن اجلالب؛ فالعقد صحيح وللجالب اخليار ،إذا كان يشرتي من اجلالب أبقل من األسعار مستغالً جهل اجلالب مث هو أيخذها ويبيعها بنفس السعر ،الضرر هنا على من؟ |243 فقه املعامالت املالية ()1 على اجلالب فقط .العقد صحيح ،البيع صحيح ولكن اجلالب ابخليار ،إن شاء فسخ وإن شاء أمضى. ما الدليل على هذا؟ الدليل على هذا حديث أيب هريرة أن رسول هللا ﷺ قال :ال تلقوا اجللب ،فمن تلقى فاشرتى منه ،فإذا أتى سيده السوق فهو ابخليار رواه مسلم. هنا النيب ﷺ يقول :ال تلقوا اجللب الذين يقدمون ابلسلع إىل البلد، فمن تلقاه فاشرتى منهُ وجد البيع ،فسيده من سيده؟ البائع ،ألنه هو املالك الذي له اليد على السلعة ،فسيده ابخليار ،إن شاء أمضى وإن شاء فسخ. ما الدليل على أن العقد صحيح من هذا احلديث؟ صحيحا ملا ُوجد اخليار، أن النيب ﷺ جعل له اخليار ،فلو ِل يكن العقد ً فلما جعل له النيب ﷺ اخليار؛ علمنا أن العقد صحيح لكن يوقف على رضا اجلالب ،فإن أمضى مت العقد ومضى وإن شاء فسخه. أما إذا كان املنع لدفع الضرر عن أهل البلد -الصورة اليت ذكرانها - يتلقاهم فيقول :أشرتي منكم بسعر البلد ،السلعة هذه اآلن بعشرين ،ولرمبا قال :أشرتي منكم بزايدة ،ألنه يعرف أن السوق حمتاج ،فيقول" :اآلن لو نزلتم إىل السوق تبيعون بعشرين ،أشرتي منكم إبثنني وعشرين" ،فهنا املنع من أجل دفع الضرر عن أهل البلد فهنا يظهر -وهللا أعلم -أن الراجح أن فقه املعامالت املالية ()1 | 244 العقد غري صحيح ،ألنه ال ميكن دفع الضرر عنهم إال هبذا ،يعين ابلنسبة للجالب خريانه ،لكن ابلنسبة ألهل البلد ليس هناك وجه لتخيريهم ،فإهنم ال ميلكون اخليار ،فال ميكن دفع الضرر عنهم إال بعدم صحة العقد ،وهذا الذي يظهر -وهللا أعلم -أنه الراجح حتقي ًقا ملقصود الشارع دعوا الناس يرزق هللا بعضهم من بعض. ومن البيوع املنهي عنها للضرر؛ ما قد ذكرانه البارحة ،وذكرانه يف مسألة الغرر وهو :النهي عن البيع على البيع: فهذا منهي عنه ألنه يؤدي إىل النزاع ،ومنهي عنه ملا فيه من الضرر ،فال جيوز للمسلم أن يبيع على بيع أخيه املسلم إذا ركن البائع واملشرتي إىل بعضهما ،قبل التفرق ،يعين :العقد ما لزم كما ذكران البارحة. وكذلك :إذا تفرقا وكان يف البيع خيار. مثالً قال :هذه السيارة بعتها لك بعشرين ألفا وقال :قبلت وتفرقا ،ذهب للسيارة لكن املشرتي قال :بشرط أن يكون اخليار يل ثالثة أايم ،فذهب شخص إىل املشرتي فقال :هذه السيارة أنت اشرتيتها بعشرين ألف؟ عندي أحسن منها بـخمسة عشر .هذا ال جيوز ،ألنه يؤدي إىل فسخ العقد األول؛ أما إذا كان بعد التفرق ولزوم العقد فهذا عقد جديد ما يضر العقد األول، فهو جائز. |245 فقه املعامالت املالية ()1 ثواب بعشرين فيقول :ترى عندي ثياب مثل هذا خبمسة يراه مثال اشرتى ً عشر ،إن أردت أبيعك خبمسة عشر ،فهذا عقد جديد ال يضر العقد بيعا على البيع فهذا جائز ،وكذلك السوم على السوم ،وكما األول؛ فليس ً قلنا العلة هنا علتان: العلة األوىل :أن البيع على بيع املسلم والسوم على سومه؛ يؤدي إىلتنافر القلوب والتنازع بني املسلمني. والعلة الثانية :ألن فيه إضرارا ابلبائع األول.ومما أنبه عليه هنا :أن مجاهري العلماء من السلف واخللف على أن الذمي هنا كاملسلم ،فال جيوز ملسلم أن يبيع على بيعه وال أن يسوم على سومه، فالذمي الذي يعيش بني املسلمني بعقد الذمة؛ ال جيوز للمسلم أن يبيع على دفعا للضرر عنه. بيعه ،وال أن يسوم على سومه ً ومن البيوع املنهي عنها للضرر بيع "السلعة املعيبة والغش". صربة طعام -أي كومة فعن أيب هريرة أن رسول هللا ﷺ :مر على ُ طعام كومة حب -فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بلال؛ فقال :ما هذا اي صاحب الطعام؟ ،قال :أصابته السماء اي رسول هللا ،قال :أفال جعلته فوق الطعام كي يراه الناس! من غش فليس مين ،ويف رواية :من غش فليس منا رواه مسلم. فقه املعامالت املالية ()1 | 246 هذا رجل يبيع الطعام يبيع احلب فنزل املطر على حبه فأصابه البلل ،ماذا صنع؟ جعل الناشف فوق واملبلول ادخله حتت وجعل عليه ما ِل يصبه املاء؛ فلما جاء النيب ﷺ أدخل يده يف الصربة فأصابت بلالً يف الداخل فقال :ما ابل هذا اي صاحب الطعام؟ فاعتذر صاحب الطعام قال :أصابته السماء ليس بيدي؛ فقال له النيب ﷺ :هل جعلته فوق حىت يراه الناس من غش فليس مين يعين :ليس على طريقيت وليس على ما جيوز يف ديين ،وليس معىن هذا أنه كافر! وإمنا املقصود :أنه ليس على طريقة النيب ﷺ وليس على دينه يف هذا؛ فالغش ليس من دين النيب ﷺ وليس املقصود احلكم عليه ابلكفر. وجاء عن عقبة أن رسول هللا ﷺ قال :املسلم أخو املسلم ،ال حيل بيعا فيه عيب إال بينه له هذا احلديث رواه ابن ماجه للمسلم ابع من أخيه ً واحلاكم والبيهقي وصححه احلاكم ووافقه البيهقي وحسنه احلافظ ابن حجر يف "التغليق". هذا احلديث دليل على أنه ال جيوز بيع املعيب إال بعد البيان ،وهذا من مقتضى األخوة اإلسالمية ،أنه ال يبيع املسلم ألخيه املسلم سلعة معيبة إال إذا ّبني له العيب؛ فال جيوز للمسلم أن يُظهر ُحسنًا يف السلعة ليس فيها، أو ُخيفي خلال أو عيبًا فيها ،بل الواجب البيان ،أما العقد؛ فالعقد صحيح، إذا ابع سلعة مع الغش؛ العقد صحيح مع ثبوت خيار العيب الذي سنذكره اليوم إن شاء هللا. |247 فقه املعامالت املالية ()1 ومن صور ذلك :التصرية: أبن حيبس صاحب الناقة أو صاحب الشاة احلليب يف ضرعها أايماً حىت ميتلئ الضرع وينتفخ ،مث جيلبها إىل السوق فرياها الناس فيظن الرائي أهنا حلُوب النتفاخ ضرعها فيشرتيها؛ فإذا ذهب هبا حلبها اليوم األول ابتت حبليب كثري؛ فإذا حلبها اليوم الثا،ي قل حليبها ،إذا حلبها اليوم الثالث قل حليبها وكان أقل ،فهذا من الغش والتدليس؛ فيُظهر أهنا حلوب وليست كذلك. وقد جاء يف حديث أيب هريرة أن النيب ﷺ قال :ال تُصُّروا اإلبل والغنم؛ فمن ابتاعها فهو خبري النظرين بعد أن حيتلبها؛ إن شاء أمسك وإن مترا .واحلديث متفق عليه. شاء ردها وصاع ً وال تصروا هني عن تصرية اإلبل والغنم؛ فمن ابتاعها بعد أي بعد التصريه؛ فهو خبري النظرين هلا ،هو خيتار :إن شاء أمسكها وميضي وصاعا من متر؛ يردها وأيخذ البيع ،إذن البيع صحيح وإن شاء ردها، ً صاعا من متر؟ مقابل احلليب. القيمة؛ ملاذا يرد ً طيب قائل يقول :أنتم قلتم ساب ًقا -وسيأيت إن شاء هللا شيء من هذا :اخلراج ابلضمان؛ فاإلنسان إذا اشرتى سلعة واستعملها ووجد هبا عيبًا؛له أن يرد السلعة وال يرد شيئاً يف مقابل االستعمال؛ فكيف جنمع بني األمرين؟ | 248 فقه املعامالت املالية ()1 نقول :هذا الرد صاعاً من متر مقابل اللنب الذي كان يف الضرع قبل الشراء ،هذا اللنب حصل مىت؟ قبل البيع عندما كانت من ضمان البائع؛ صاعا من متر ،لكن احلليب الذي حلبه يف اليوم الثا،ي؛ ما فريد مقابل اللنب ً يرد شيئاً مقابله ألنه أصبح يف ضمانه. إذن ،كال احلالتني من ابب أن اخلراج ابلضمان ،يف احلالة األوىل :احلليب األول حصل عند البائع والضمان عليه فاخلراج له ،لكن يف اليوم الثا،ي عندما حلب ،الضمان على املشرتي ،فاحلليب له ،إذن حديث التصرية ال خيالف حديث اخلراج ابلضمان. سيأيت إن شاء هللا ذكر بعض املسائل املتعلقة ابلعيوب عندما نتكلم عن القاعدة الكربى يف البيوع وهي القاعدة التالية ،سنتكلم عنها اآلن وهي قاعدة اخليار. *** |249 فقه املعامالت املالية ()1 القاعدة احلادية عشر" :األصل ثبوت اخليار يف البيوع" ومعىن هذه القاعدة: أن القاعدة املستمرة يف البيوع يلحقها اخليار؛ فقد تلزم ويكون فيها خيار؛ واخليار :هو طلب خري األمرين يف العقد من اإلمضاء أو الفسخ. واخليار أقسامه يف البيوع حمصورة بسبعة أقسام: أول هذه األقسام :خيار اجمللس. واملقصود ابجمللس مكان التعاقد ،مكان التبايع ،وليس املراد به اجللوس؛ فلو تعاقدا واقفني؛ يف خيار اجمللس ،ولو تعاقدا مضطجعني؛ يف خيار اجمللس ،إذن املقصود ابجمللس مكان التبايع وليس صفة للمتبايعني. خيار اجمللس هو اخليار الذي يكون يف مكان التبايع وهو يثبت للبائع واملشرتي ،فللبائع اخليار وللمشرتي اخليار ،خيار للطرفني. ما حكم خيار اجمللس؟ خيار اجمللس اثبت يف البيع عند أكثر العلماء ،اجلمهور يُثبتون خيار اجمللس ،وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه األدلة وكان عليه صحابة رسول هللا ﷺ ،وقد جاء يف الصحيحني أن النيب ﷺ قال :البيعان ابخليار ما ِل يتفرقا ،فإذا حصل اإلجياب والقبول وِل حتصل ال ُفرقة؛ فالبيّعان ابخليار ،هذا عند مجهور أهل العلم وهو الصواب. فقه املعامالت املالية ()1 | 250 لكن خيار اجمللس ما مزمنه؟ نقول ابختصار :زمنه جملس العقد من حني اإلجياب والقبول إىل التفرق، قصرت املدة أو طالت. قد يكون جملس العقد ملدة مخس دقائق ،فتكون مدة اخليار مخس دقائق، من حني اإلجياب والقبول إىل االنصراف ،وقد يكون ممتد لساعات ،مثالً: ابئع ومشرتي يف طائرة ،هذه الطائرة مثالً من ديب إىل ماليزاي ،رمبا يعين أكثر من تسع ساعات ،عندما أقلعت الطائرة؛ قال أحدمها :بعين بيتك الفال،ي الذي كذا وكالمها يعرفه مبئة ألف ،مبليون ،بكذا ،قال :بعتُك ،حصل اإلجياب والقبول ،ميتد اخليار إىل أن يتفرقا. فإن قال قائل :إن قام أحدمها وذهب ودخل احلمام – أعز هللا السامعني–؟ نقول :ال ينقطع اخليار ،ألن هذا يف عرف الناس من اجمللس ،من خارجا عن اجمللس ،فالشاهد أن مدة خيار اجمللس مرتبطة الطائرة؛ فهو ليس ً ابجمللس ،فقد تكون طويلة وقد تكون قصرية ،بل قال الفقهاء :ولو امتد أايما ،فلو كان يسريون مثالً -يف السابق كانوا يسريون على فرسني مثالً - ً معا وِل حيصل بينهما تفرق؛ فإن خيار اجمللس ميتد ،وقد معا وينزالن ً يسريان ً قصصا وقعت يف زمن الصحابة -رضوان هللا عليهم.- ذكروا يف ذلك ً كيف حيصل التفرق؟ |251 فقه املعامالت املالية ()1 ط ابلعرف ،فما عُ ّد يف العرف يقول احملققون من أهل العلم :إنه يُضب ُ تفرقًا فهو تفرق ،يعين :ما يذكره العلماء يف قوهلم :فإن كانوا يف ٍ بيت فالتفرق كذا ،وإن كانوا يف سفينة فالتفرق كذا؛ هذا عرفهم ،ولكنه ليس بالزم، فيُنظر يف كل زمان إىل عرف الناس ،فاخلروج الذي يعدُّه الناس يف الزمان تفرقًا يقطع خيار اجمللس ،والذي ال يع ّده الناس تفرقًا ال يقطع خيار اجمللس، ملاذا؟ ألن خيار اجمللس أثبته الشرع وال ضابط له فيه ،يعين مىت يُعترب التفرق تفرقًا؟ ما جاءان دليل على هذا ،وال يف اللغة ُفريجع فيه إىل العرف. وشرط التفرق الذي يقطع اخليار؛ أن يكون عن اختيار ،أما عند اإلكراه فال ينقطع ،يعين :إنسان كان يف جملس ومتّ اإلجياب والقبول؛ فجاء إنسان فأكرهه -سواء البائع أو غري البائع -على أن خيرج من اجمللس وهدده ابلقتل فخرج ،يقول اجلمهور :ال ينقطع اخليار ألن اإلكراه ال يؤثر يف التصرفات ،التصرف مع اإلكراه ملغي ،فيُعترب كأنه ِل يكن. هل ميلك املتبايعان إسقاط اخليار؟ الشرع أثبت اخليار! يقول الفقهاء :نعم ،كيف يُسقطان اخليار؟ ُخي ّريان بعضهما ،فيقول: اخرت ،فيقول :اخرتت اإللزام؛ فينقطع اخليار. حق لنا قد يكون من الطرفني وقد يكون من واحد ،فيقول الطرفان :ال ّ يف اخليار ،فينقطع خيار اجمللس ،يلزم العقد ولو بقيا يف اجمللس ،أو يقول فقه املعامالت املالية ()1 | 252 البائع :ال خيار يل ،فينقطع خيار البائع ،أو يقول املشرتي :ال خيار يل، فينقطع خيار الـ ُمشرتي ،ملاذا؟ لقول النيب ﷺ :البيّعان ابخليار ما ِل يتفرقا أو ُخي ّري أحدمها صاحبه ،فإن خري أحدمها صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع؛ ويف لفظ: ّ املتبايعان ابخليار ما ِل يتفرقا إال أن يكون البيع كان عن خيار ،فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع متفق عليه. إذن النيب ﷺ أثبت خيار اجمللس إال إذا اختارا قطعه ،فإذا اختارا قطعه: فإنه ينقطع حلديث النيب ﷺ ،فهذا دليل على أن خيار اجمللس يقبل االنقطاع ابالختيار. هنا سؤال :هل جيوز ألحد الطرفني أن خيرج من اجمللس وال غرض له إال أن يقطع اخليار على صاحبه؟ اإلنسان يستطيع أن يقطع اخليار على نفسه إنساان خرج من اجمللس مث عاد ما هدفه من يقول :ال خيار يل ،لكن لو أن ً اخلروج؟ ليس حلاجة وال لشيء إال ليقطع اخليار ،هل جيوز ألحد الطرفني أن خيرج من اجمللس وال قصد له من اخلروج إال أن يقطع خيار صاحبه؟ هذه املسألة فيها خالف: فقال بعض الفقهاء :حيرم عليه أن خيرج من اجمللس خشية االستقالة، حيرم عليه أن خيرج من اجمللس خشية أن يرجع الطرف اآلخر يف البيع ،من |253 فقه املعامالت املالية ()1 أجل أن يقطع خيار اجمللس ،أما إذا خرج لغرض آخر مث عاد فإن اخليار ينقطع وال حرج يف هذا ،ملاذا؟ حيل مرفوعا وفيه :وال ُّ قالوا :حلديث عمرو بن ُشعيب عن أبيه عن جده ً له أن يُفارق صاحبه خشية أن يستقيله ،رواه النسائي والرتمذي وحسنه الرتمذي وهو حسن اإلسناد على التحقيق. وقال بعض أهل العلم :إنه جيوز ،ملاذا؟ قالوا :ألنه ُرموي عن ابن عمر :أنه كان إذا اشرتى شيئًا يُعجبه مشى خطوات ليلزم البيع ،جاء عن ابن عمر أنه إذا اشرتى شيئًا يعجبه وأراد أن يلزم البيع ميشي خطوات ليفارق اجمللس من أجل أن يلزم البيع ،وهذا ال شك أنه اثبت عن ابن عمر ألنه يف الصحيحني. لكن دليل املانعني أقوى ،ألن دليل املانعني حديث ،ودليل الـ ُمجيزين أثر ،وإن كان األثر أقوى من حيث السند. يعين عندان اآلن احلديث املرفوع حسن ،واألثر يف الصحيحني ،فمن حيث السند :األثر أقوى من احلديث ،لكن من حيث املنت :فال شك أن احلديث أقوى من األثر ،وما دام أن اإلسناد صاحل عندان؛ فإن الواجب أن نعمل ابحلديث ،فإن الواجب أن نعمل ابحلديث ،ولذلك الذي يظهر - وهللا أعلم -أن الراجح أنه ال جيوز للنسان أن خيرج من اجمللس بقصد قطع اخليار على صاحبه. فقه املعامالت املالية ()1 | 254 إن قال لنا قائل :إذا وقع هذا ،شخص خرج من اجمللس من أجل أن يقطع اخليار ،فهل ينقطع اخليار؟ يقول الفقهاء القائلون ابلتحرمي :نعم ينقطع اخليار ملاذا؟ قالوا ألن النيب ﷺ جعل ح ّد القطع التفرق ،وقد وقع التفرق فيأمث بفعله وينقطع اخليار. النوع الثاين :خيار الشرط. ما معىن خيار الشرط؟ أن يشرتط املتعاقدان أو أحدمها اخليار إىل مدة معلومة. يقول :بعتك سياريت بعشرين أل ًفا ،ويقول املشرتي :قبملت على أن اخليار يل ملدة مخسة أايم أنظر يف أمري ،فهذا شرط اخليار ،أو يقول البائع :بعتك السيارة على أن اخليار يل ملدة مخسة أايم -رمبا أن البائع له أبناء يريد أن يرى رأيهم أو حنو ذلك -فيشرتط لنفسه اخليار مخسة أايم ،فيتفرقان وال يلزم العقد بل يبقى ملن اشرتط اخليار. معا فهو عقد جائز يف حق الطرفني ،وإن اشرتطه أحدمها فإن اشرتطاه ً فهو عقد جائز يف حق املشرتط ،الزم يف حق من ِل يشرتط ،هذا معىن خيار الشرط. وال بُ ّد أن تكون املدة معلومة ،ال يصح أن يقول :أبيعك بعشرين ألف، قبلت بشرط أن يكون يل اخليار! ألن هذا فيه جهالة ،إىل مىت؟ إىل يوم، |255 فقه املعامالت املالية ()1 يومني ،ثالثة ،أربعة ،مخسة ،أسبوع ،شهر؟ فهذا فيه جهالة وجيعل البيع غري ُمستقر. وخيار الشرط اثبت ملشرتطه ابإلمجاع ،وإن طالت املدة ،ولكن طول املدة ليس حمل إمجاع ،والصحيح أنه ال ح ّد للمدة ،فحىت لو طالت املدة ما دام أهنا معلومة فاخليار اثبت. واحلديث ورد بصحة شرط اخليار ،فقد جاء عن ابن عمر قال: ذُكر رجل لرسول هللا ﷺ أنه ُخيدع يف البيوع؛ فقال له النيب ﷺ :إذا ابيعت ف ُقل ال خالبة أي :ال غُنب وال خديعة ،وهذا يف الصحيحني وله ألفاظ متعددة. فهنا يشرتط لنفسه؛ ألنه عندما يقول ال مخالبة أو ال خالبة –تُضبط ابألمرين بكسر اخلاء أو بفتح اخلاء -فإنه يشرتط لنفسه اخليار ،معىن ال مخالبة يعين :يل اخليار. األمر الثا،ي :أنه يصح أن يكون الشرط أو خيار الشرط ألحد الطرفني، فهنا النيب ﷺ جعل الشرط هلذا الرجل. أما مدة خيار الشرط؛ فهي حمل خالف بني الفقهاء ،الفقهاء متفقون على أن خيار الشرط اثبت جيوز للمشرتي أن يشرتط لنفسه اخليار ،جيوز للبائع أن يشرتط لنفسه اخليار ،لكن ما هي مدة اخليار؟ هذه حمل خالف بني أهل العلم: فقه املعامالت املالية ()1 | 256 فمن أهل العلم من حدها بثالثة أايم ،قال أقصى مدة خليار الشرط ثالثة أايم. م السلع ،فبعض السلع هلا يوم، ومنهم من يقول :هو خيتلف ابختالف ّ م السلع هلا يومان ،وبعض السلع هلا ثالثة ،وهكذا. وبعض ّ ومنهم من يقول :ال ح ّد ملدته بل ما يتفق عليه الطرفان. وهذا الذي يظهر -وهللا أعلم ،-أنه ال ح ّد ملدته بل ما يتفق عليه الطرفان ،بشرط أن تكون املدة معلومة ،ملاذا؟ ألنه ورد به الشرع مطل ًقا وال ضابط له فيه وال يف اللغة؛ ُفريجع فيه إىل العرف ،وما يتفق عليه الطرفان من عرف الناس ،فهذا الذي يظهر -وهللا أعلم -يف املدة. هل جيومز للبائع واملشرتي أن يتصرفا يف السلعة مدة اخليار؟ قال :أشرتي منك السيارة بعشرين أل ًفا على أن يل اخليار مخسة أايم، وقال :قبلت ،خرج من اجمللس جاءه شخص قال :ما شاء هللا هذه سيارتك ،قال :نعم ،قال :تبيعها بثالثني أل ًفا ،قال بعتك! تصرف يف وقت اخليار ،أو ابئع قال :أبيعك السيارة بعشرين ألفا بشرط أ ّن يل اخليار مخسة أايم ،وقال :قبلت ،مث جاءه شخص بعده وقال :أشرتي منك السيارة بثالثني أل ًفا أو أربعني أل ًفا ،فباعها له ،هل له أن يبيعها له؟ |257 فقه املعامالت املالية ()1 هذه تُعرف عند أهل العلم مبسألة" :التصرف يف املبيع مدة خيار الشرط" ،يقول الفقهاء :حيرم تصرف البائع واملشرتي يف الثمن ويف السلعة مدة خيار الشرط ،فالتصرف حرام ،مىت؟ إذا كان اخليار هلما ،ملاذا؟ ملاذا حيرم إذا كان اخليار هلما؟ قد يقول قائل: البائع ُمشرتط اخليار يريد أن يبيع ،املشرتي ُمشرتط اخليار يريد أن يبيع، فلماذا يُقال حيرم عليهما التصرف؟ يُقال :ألن اخليار هلما فلو تصرف أحدمها اعتدى على خيار اآلخر ،فال بُ ّد أن متضي املدة حىت يلزم العقد ،يف تصرف أحدمها بغي على اآلخر فال جيوز إال أن يتفقا يف املدة. مثالً :يقول البائع للمشرتي أو يقول املشرتي للبائع :يوجد شخص يريد أن يشرتي مين السيارة بثالثني أل ًفا ،فيقول :بمعهُ ،هنا اختار فينتهي اخليار. إذا كان اخليار للمشرتي وليس للبائع فهل جيوز له أن يتصرف؟ قالوا :نعم؛ جيوز له أن يتصرف ،ملاذا؟ ألنه إذا ابع فقد اختار فقد لزم العقد وهو ميلك وال مانع شرعي. اآلن عندما أشرتي أان السيارة وأقول :أشرتيها بعشرين أل ًفا على أن يل اخليار مخسة أايم ،والبائع ِل يشرتط اخليار ،خرجت من احملل ومشيت ابلسيارة جاء،ي شخص وقال :أشرتي منك بثالثني أل ًفا إذا بعتُهُ ما الذي قطعت خيار الشرط الذي هو يل ،فل مزم البيع ،وليس للبائع حق حصل؟ ُ فقه املعامالت املالية ()1 | 258 متعلق هنا؛ ألنه ليس له خيار ،فيكون اإلنسان ابع ما ميلك بال ضرٍر ابلغري صحيحا ،ويسقط بذلك اخليار. بيعا فيكون ً ً ويف هذا خمرج يعمل به املتعاملون اليوم ببيع التقسيط ،البنوك اآلن م السلع ال أصبحت تريد أن تكون املعاملة شرعية وختشى أهنا لو اشرتت ّ مثال :العميل يريد يشرتي العمالء هذه السلع؛ فإهنم يشرتون بشرط اخليارً ، سيارة وص ُفها كذا وكذا وكذا ابلتقسيط ،هي ليست عندهم ،يقولون :تعال بعد يومني ،يذهبون إىل املعرض ويشرتون السيارة بشرط اخليار مخسة أايم، مث أييت العميل بعد يومني فيقولون :السيارة عندان تريدها ،فيقول :نعم، فيقولون :تعال وقع وأمتّ اإلجراءات ،قال :ما أريدها ،يقولون :ال أبس، ويردون السيارة ألهنم قد اشرتطوا اخليار ،وهذا جائز ال أبس به ،ألن هللا قد أجاز شرط اخليار بدليل ما ورد يف احلديث وإمجاع األمة. بقي مسألة :حنن قلنا إذا كان اخليار للطرفني ال جيوز التصرف ،وإذا كان اخليار للمشرتي جيوز التصرف ،بقي إذا كان اخليار للبائع فقط دون املشرتي ،فهل جيوز للبائع أن يتصرف؟ كثري من أهل العلم يقولون :حيرم عليه أن يتصرف؛ ملاذا؟ قالوا :حبسب تعليلهم ألنه ال ميلك السلعة؛ فالذي ميلكها اآلن هو املشرتي ألنه حصل اإلجياب والقبول وحصل التفرق ،فتكون منتقلة إىل املشرتي. |259 فقه املعامالت املالية ()1 لكن ذهب بعض العلماء إىل أنه جيوز له أن يتصرف كما جيوز للمشرتي ،وهذا مذهب الشافعية ،واختاره بعض احملققني من أهل العلم، ملاذا؟ قالوا :ألن تصرفه دليل على اختياره ،وهو له أن خيتار. انتبهوا! عندان اآلن مسألتان يف هذا املسألة: املسألة األوىل :مسلم اشرتى من مسلم سيارة واشرتط البائع اخليار لنفسه مخسة أايم ،وتفرقا ،فجاء مسلم إىل البائع -يعلم ابلبيع -وقال :أنت بعت سيارتك لفالن بعشرين أل ًفا واشرتطت اخليار ،قال :نعم ،قال :أشرتيها بثالثني أل ًفا ،ما حكم هذا؟ ال جيوزِ ،ل؟ ألنه بيع على بيع املسلم وال جيوز له أن يفعل هذا. [املسألة الثانية ]:البائع خرج بسيارته فعرضها على شخص مدة اخليار، قال تشرتي هذه السيارة بثالثني أل ًفا ،قال :نعم أشرتي ،جيوز هذا للبائع ويصح وينعقد عند الشافعية واختاره مجع من احملققني ألن اخليار له ،وال العقد البائع فله أن فائدة من اخليار إال هذا ،الفائدة من اخليار أن ال يلزم ُ يتصرف وهذا الذي يظهر -وهللا أعلم.- ال جيوز ملسلم أن يشرتي على شراء أخيه ،وجيوز للبائع أن يبيع السلعة بعد اتفاقه مع املشرتي واشرتاطه اخليار ،ملاذا؟ ألنه جمرد أن يبيعها انفسخ فقه املعامالت املالية ()1 | 260 العقد األول فما مبقي بيع ،فليس هنا بيع على البيع ،بل مبجرد أن يتصرف يكون قد سقط البيع وهذا الذي يظهر. كثري من العلماء يقولون :ال جيوز للبائع أن يتصرف يف املدة ،ولكن الصحيح -وهللا أعلم -أنه جيوز له أن يتصرف يف املدة .هذا أهم ما يتعلق خبيار الشرط. م السلعة مما حيصل هلا هنا مسألة -تذكرهتا اآلن نشري إليها :-إذا كانت ّ مناء كدابة مسنت أو ولدت؟ قال :أبيعك هذه الناقة مثالً خبمسة آالف فاشرتطا اخليار ملدة عشرة أايم فولدت الناقة يف مدة اخليار ملن يكون الولد؟ يقول :الفقهاء :يكون ملن تنتقل إليه السلعة ،فإن متّ العقد وانتقلت السلعة للمشرتي فالنماء للمشرتي ،وإن ِل يتم العقد فالنماء للبائع ألن السلعة تعود إليه ،فاخلراج ابلضمان. وهذه إحدى املسائل ذات الشأن ملسألة خيار الشرط. مىت ينقطع خيار الشرط؟ وهذه آخر مسألة. ينقطع خيار الشرط: [أوالً ]:مبُ م ضي املدة ،أو قال أحدمها على "أن اخليار يل مخسة أايم" مبجرد م م ضي اخلمسة أايم ينقطع اخليار ويلزم العقد. ُ |261 فقه املعامالت املالية ()1 [اثنياً ]:وينقطع ابختيار الـ ُمشرتط ،سواء كان املشرتط الطرفني أو كان املشرتط البائع أو كان املشرتط املشرتي ،قال :أبيعك سياريت بعشرين أل ًفا على أن يل اخليار مخسة أايم ،بعد يومني اتصل به قال :اي فالن ترى أان عزمت على البيع وتوكل على هللا وال خيار يل ،ينقطع اخليار. وهنا تأيت قاعدة يقول فيها الفقهاء" :الساقط ال يعود" ،البائع يف املثال بعد يومني قال :أسقطت اخليار وابرك هللا لك يف البيع وال خيار يل ،وكان قد اشرتط اخليار كم؟ مخس أايم ،يف اليوم الرابع قال :ال وهللا أان أريد سياريت ،فاتصل وقال :اي فالن أان اشرتطت عليك اخليار مخسة أايم وأان أريد السيارة ،قال له املشرتي :أنت أسقطت اخليار قبل يومني ،قال :ال أان ُمشرتط مخس أايم؟ ،نقول له :يقول الفقهاء" :الساقط ال يعود" ،فمن أسقط حقه يُصبح كأنه ِل يكن ،فليس له أن يرجع فيه مرة أخرى ،فليس له احلق يف الرجوع بعد االسقاط. األمر الثالث :أن اخليار خيار الشرط يسقط ابلتصرف ،فإن كان الشرط للثنني فال يسقط بتصرف أحدمها إال أن يتصرف بوجود الطرف الثا،ي مع سكوته. قال :بعتك السيارة بعشرين أل ًفا ،قال :قبلت ،واشرتطا اخليار مخسة أايم، بعد يوم جاء املشرتي يبيع السيارة والبائع موجود[ ،يقول املشرتي للمشرتي اجلديد] وبكم تشرتي السيارة بكذا بكذا قال :بعتك قال [املشرتي | 262 فقه املعامالت املالية ()1 اجلديد] :قبلت؛ قال :ابرك هللا فيك ،والبائع موجود! قادر على اإلنكار وساكت ،فهنا يدل على أهنما قطعا اخليار ،اإلثنني. ط خياره. وكذلك :إذا كان الشرط لواحد منهما فتصرف فإنه يُسق ُ هذا ما يتعلق خبيار الشرط ،ولعلنا نُكمل ما بقي بعد الصالة ،وأهم ما يتعلق هبذا مسألة خيار العيب ،ألنه سيأيت إن شاء هللا؛ مسألة الرباءة؛ ومسألة البضاعة الـمـُباعة ال تُرد وال تُستبدل ،وهذه إن شاء هللا سنتكلم عنها بعد الصالة- ،وهللا أعلم -وصلى هللا على نبينا وسلم. *** |263 فقه املعامالت املالية ()1 الدرس العاشر احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم األمتّان األكمالن على املبعوث رمحة للعاملني ،وعلى آله وصحبه أمجعني ،أما بعد،،، نواصل الكالم عن القاعدة األخرية من القواعد اليت تضبط قواعد البيوع إىل أبواب الراب ،وهذه القاعدة قلنا فيها "األصل ثبوت اخليار يف البيوع"؛ وقلنا :إن اخليار عند الفقهاء سبعة أقسام ،وتكلمنا عن خيار اجمللس ،وعن خيار الشرط ،ونكمل الكالم عن بقية أنواع اخليار: النوع الثالث :يسميه الفقهاء بـ "خيار الغنب" نساان يقال :غبنه، والغنب يف أصل املعىن :هو الغلبة؛ فإذا غلب إنسان إ ً مبعىن غلبه؛ ومعىن الغنب :أن يبيع البائع ما يساوي عشرة مثالً بثمانية ،هذا يف طرف البائع ،ويف طرف املشرتي :أن يشرتي ما يساوي مثانية بعشرة، وسنتكلم إن شاء هللا عن حد هذا األمر ،وهذا تعريف ابملثال. ضابط الغنب :أن يبيع البائع السلعة على املشرتي بثمن يزيد عن مثنها املعتاد أو املستحق؛ فهذا غنب. مىت تكون الزايدة غبنًا؟ تكون الزايدة غبنًا إذا كانت زايدة على الثمن اليت تساويه السلعة حبكم العادة. فقه املعامالت املالية ()1 | 264 السلع يف األسواق تنقسم إىل قسمني: القسم األول :قسم له مثن معتاد معروف تباع به السلعة ،هذا الثوبمثنه عشرون درمها مثالً ،هكذا يباع يف السوق؛ فيأيت إنسان ال يعرف السوق ،فيعرف البائع أنه غريب؛ فيبيعه الثوب بثالثني مستغالً جهله ابألسعار؛ فهذا غنب ،ويثبت له اخليار بسبب الغنب. القسم الثا،ي :أن تكون السلعة حرًة ،مبعىن أن مثنها ُحر ،هذا يبيعبثمانية وهذا يبيع بعشرة وهذا يبيع مخسة عشر ،وهكذا سعرها يف السوق، فهنا ال يوجد فيها غنب إال إذا بيعت بثمن مبالغ فيه ،يعين ال تباع مبثله يف العادة؛ يعين لو كان نوع من الثياب ليس له مثن معتاد واحد؛ فناس تبيعه بعشرة وانس تبيعه بعشرين وانس تبيعه بثالثني ،فهذا ليس فيه غنب إال إذا بيعت السلعة مبا ال تباع به يف العادة. مثالً أحياان بعض الناس إذا جاء احلجاج إىل املدينة أييت حاج ما يعرف األسعار فيبيعونه الشيء الذي يباع بعشرة أو عشرين إن زاد بثالثني ،مبئتني صحيحا أو ثالث مئة! هذا فيه غنب حىت لو كانت السلعة حرة ،وليس ً تقدير الغنب بنسبة من الربح ،كأن يقال مثالً :إذا زاد الثمن على ثلث مثن السلعة اليت اشرتيت به ،ألن الصحيح أن الربح ال حد له. ولذلك مسعنا يف حديث عروة بن أيب اجلعد البارقي عندما أعطاه دينارا ليشرتي شا ًة فاشرتى شاتني بدينار وابع إحدامها بدينار؛ النيب ﷺ ً |265 فقه املعامالت املالية ()1 فكسب نصف دينار ،فكسب -بتعبرياهتم اآلن" -مئة يف املئة من الربح" وِل ينكر عليه النيب ﷺ ذلك. إذن العربة يف الغنب :أن يبيع البائع السلعة للمشرتي بثمن يزيد على مثنها املعتاد إن كان هلا مثن معتاد ،أو على مثنها املستحق إن ِل يكن هلا مثن معتاد فيكون غبنًا. قل أن يلحق البائع ،إال إذا كان واألصل يف الغنب؛ أنه يلحق املشرتي ،و ّ البائع صاحب غفلة ،فيغبنه املشرتي مستغالً غفلته وهذا قليل الوقوع. اخليار يثبت للمغبون ،فله أن يرد البيع ويفسخه وله أن ميضيه. وليس هناك أرش عند كثري من أهل العلم يف مسألة الغنب. طبعا من الغنب :ما قدمناه قبل قليل من مسألة تلقي الركبان ،فقد يقع ً فيها الغنب ملن جيلب فيكون ابخليار إن شاء أمضى وإن شاء فسخ. كذلك من الغنب عند أهل العلم :ما يسمى بـ"النجش" أبن يزيد من ال يريد شراء السلعة يف السلعة لريفع الثمن على املشرتي ،فتكون السلعة - مثالً -يف املزاد ،كما حيدث اآلن يف أسواق السيارات ،أييت من يبيعون ويشرتون يف السوق ،كل يريد أن يـُنـ ّمفع اآلخر؛ فإذا عرضت السيارة أييت هذا يغر املشرتين اآلخرين فيزيد ،هو ال يريد أن يشرتي السيارة لكن يريد أن ّ ويرفع عليهم السعر؛ فهذا من الغنب ،فإذا ثبت النجش حىت ارتفعت السلعة فقه املعامالت املالية ()1 | 266 عن الثمن الذي تباع فيه ابلعادة فإنه يكون من ابب الغنب ويكون له اخليار يف حق الغنب. كذلك يقولون يقع الغنب للمغفل الذي ُخيدع فإنه يقع له الغنب ويكون له خيار الغنب. وكذلك يقع الغنب للجاهل ابألسعار. إذن قد يقع الغنب ابلتلقي ،وهذا نوع من اجلهل ابألسعار ،وقد يقع ابلغنب ابلنجش ،وقد يقع الغنب ابستغالل غفلة ابلبائع أو املشرتي ،وقد يقع الغنب ابستغالل اجلهل ابألسعار ،ومن وقع له الغنب ثبت له اخليار. النوع الرابع" :خيار التدليس". ومعىن خيار التدليس :أن يُدلّمس البائع على املشرتي ما يزيد به الثمن. مبعىن أن يُظهر البائع للمشرتي يف السلعة ما ليس فيها فيزداد مثنها ،وله صور: مثالً اآلن :بعض الباعة يضع على السلعة مثالً أهنا مصنوعة يف الياابن، وهي مصنوعة مثالً يف اتيوان ،ومعروف يف السوق أن البضاعة اليت ترد من الياابن أغلى قيمة من البضاعة اليت ترد من اتيوان ،فهذا تدليس. أو يضع على البضاعة اسم عالمة معروفة ابجلودة ،وليست من بضاعته، وهذا يقع من بعض التجار ،أييت مثالً بقميص ال يساوي مخسة دراهم! فيضع عليه "ماركة" فالن أو "ماركة" كذا فيباع خبمسني ،هذا تدليس. |267 فقه املعامالت املالية ()1 يكاد يُدركه إال من يُدقق أو يُكتب امساً يُشابه اسم عالمة بفرق يسري ال ُ النظر ،مثال :يعين هناك شركة امسها "مونيلكس" شركة معروفة ببضاعتها، م (الت) مثل (اإلكس) جاءت شركة فأمست نفسها "مونيلت" ،وتأيت فتجعل ّ فالذي أييت وينظر هكذا يظن أهنا "مونيلكس" وهي يف احلقيقة ليست منها ،هذا نوع من التدليس. ومن صور تدليس الواقع اليت ورد فيها النص التصرية ،اليت مرت معنا، وقد ورد فيها النص عن النيب ﷺ. الفقهاء يضربون مثاالً للتدليس :بتحمري الوجه ،حتمري الوجه كان هذا عندما كان هناك جواري ويُبعن يف السوق فيأيت صاحب اجلارية –املالك- فيُح ّمر وجهها بشيء حىت يظن أهنا حسناء؛ فإذا اشرتاها ليوم أو يومني ذهب هذا التحمري فبانت شوهاء وهذا نوع من التدليس. كثريا يف ابب النكاح :صبغ كذلك من التدليس الذي يقع اآلن ويقع ً عمرا وظهر الشيب الشعر ،ابلنسبة للرجال يكون الرجل ضرب ابلسن ً األبيض وكثر يف رأسه وحليته ،فيذهب ويصبغ حليته ابلسواد كأنه ابن عشرين ويذهب وخيطب! هذا تدليس ،والنساء كذلك :تصبغ شعرها ابألصفر حبسب ما يريده الناس ليظهر أن شعرها هكذا ،وهذا نوع من التدليس الذي يقع يف العقود. وإذا وقع التدليس يف البيع؛ ثبت اخليار للمشرتي عند مجاهري أهل العلم، وهذا هو الصواب ،وال يُلتفت إىل قول غريهم ،ألن األحاديث اثبتة هبذا فقه املعامالت املالية ()1 | 268 اخليار ،وحجة على من خيالف ،كحديث أيب هريرة الذي ذكرانه يف التصرية ،فإن النيب ﷺ جعل للمشرتي اخليار خبري النضرين إن شاء أمضى وإن شاء رد السلعة ،فمن ابتاع الشاة املصراة يثبت له اخليار ،إن شاء أمسك وإن شاء ردها ،فمىت ما ثبت التدليس ثبت اخليار. هل يلزمه عند اخليار إذا رد السلعة أن يرد معها شييًا؟ موجودا عند البائع فإنه يرده بعينه إن نقول إن كان مع السلعة شيء كان ً وجد أو يرد ما يقابله ،أما ما حيدث عنده فال يلزمه أن يرد ما حصل من النماء. النوع اخلامس :وهذا كثري الوقوع "خيار العيب" وهو اخليار بسبب العيب ،العيب :هو النقص يف السلعة املوجب لنقص الثمن. مثالً :إذا كانت السيارة سليمة قيمتها عشرون ألفاً ،إذا كانت السيارة فيها عيب يف "املاكينة" ،يف "اجلري بكس" ،يف أي شيء؛ تكون قيمتها خبمسة عشر ألفاً؛ فهذا عيب ،ألنه نقص يف السلعة يرتتب عليه النقص يف الثمن. ويُرجع يف هذا إىل عادة الناس ،يعين :هل هذا النقص ينقص به الثمن أو ال ينقص به الثمن؟ كيف نعرف؟ يُرجع إىل عادة الناس .واملقصود بعادة الناس؛ عادة أهل اخلربة. |269 فقه املعامالت املالية ()1 مثالً :إذا كانت املسألة يف السيارات ،أهل اخلربة يف السيارات هل يعتربون هذا العيب أو هذا النقص يُنقص املالية أو ال ينقص املالية؟ إن قالوا :إنه ينقص املالية؛ فهو عيب ،وإن قالوا :ال ينقص املالية وال يضر؛ فليس بعيب. إذن نعرف كون النقص موجباً لنقص املالية ابلرجوع إىل عادة الناس، واملقصود الرجوع إىل أهل اخلربة من الناس. البيع إذا وجد يف السلعة حيرم على البائع أن يكتمه ،جيب على البائع أن مرفوعا يف قوله ﷺ :املسلم يبينه؛ كما تقدم معنا يف حديث عقبة بن عامر ً أخو املسلم ،وال حيل ملسلم ابع ألخية شيئًا فيه عيب إال بينه له ،ولقول النيب ﷺ :البيعان ابخليار ما ِل يتفرقا ،فإن صدقا وبينا؛ بُورك هلما يف بيعهما وإن كذاب وكتما؛ ُحمقت بركت بيعهما متفق عليه. وجه الداللة أن النيب ﷺ قال :فإن صدقا وبينا ،يعين :بيّنا ما يف السلعة بورك هلما يف بيعهما ،وإن كذاب وكتما يعين :كتما العيب حمقت بركة بيعهما ،واحمل ُق عقوبة!. إذن الفعل حمرم ،فيحرم كتمان العيب؛ وهذا دليل على أنه حيرم على البائع أن يكتم العلم .فإذا اشرتى املشرتي سلعة ووجد فيها عيبًا جيهله ِل معلوما فهذا شأن آخر -أما إذا وجد عيبًا ِل يعلم به -أما إذا كان العيب ً يعلم به ،فإنه يثبت له اخليار. فقه املعامالت املالية ()1 | 270 إذا اشرتى اإلنسان السلعة املعيبة وقد رأى عيبها وعلم بعيبها عند العقد، فإنه ال يثبت له اخليار ألنه اشرتى السلعة هبذه الصفة ،إذا اشرتى املشرتي السلعة وأخربه البائع بعيبها ،مثالً :ابع السيارة وقال :ترى السيارة مصدومة ومسمكرة" ،فاشرتاها على هذا؛ كما يقولون مبصطلحاهتم" -مصدومة ُفليس له خيار إال إذا تبني له شيء آخر ِل يعلم به ،وإمنا يثبت خيار العيب إذا كان اإلنسان ِل يعلم هبذا العيب؛ فإذا وجد يف السلعة عيبًا كان جيهله فإنه خمري :إن شاء ردها مع منائها ويستعيد القيمة ،وإن شاء أمسكها وله األرش. ما هو األرش؟ األرش :هو الفرق بني قيمة السلعة سليمة وقيمتها معيبة. اشرتى الثوب مبئة ووجد به عيبًا وقال أهل اخلربة أنه هبذا العيب يساوي مثانني ،األرش عشرون ،فإن شاء رد الثوب وأخذ املئة وإن شاء أبقى الثوب وأخذ العشرين ،الذي هو النقص احلاصل يف السلعة بسبب العيب. هناك مسائل تتعلق ابلبيع ومنها مسألة :أن يشرتط البائع الرباءة من العيوب: اآلن مثل ما يقع يف السيارات :أييت الـ ُمحّمرج يقول :كوم خردة ،سيارة هبا عيوب الدنيا تشرتيها على حاهلا وحنن بريؤون من عيوهبا ،ما يذكر عيوهبا |271 فقه املعامالت املالية ()1 لكن من ابب أن يربأ ،أو يقول :أبيعك السيارة بشرط اإلبراء من العيوب، مبعىن ليس لك احلق يف الرد بسبب العيب. فهنا إذا علم املشرتي ابلعيب واشرتط عليه البائع الرباءة من العيب؛ فإن العقد يلزم ،ألنه علم ابلعيب واشرتاها هكذا ،ما يف إشكال ،حىت لو ِل خيربه ابلعيب لكن املشرتي علم ابلعيب فاشرتط عليه البائع الرباءة؛ فإنه يلزم. أما إذا كان البائع عاملاً ابلعيب وكتمه عن املشرتي ،فاشرتى املشرتي بشرط الرباءة من العيب ،البائع يعرف أن يف سلعته عيبًا ،يعرف مثالً أن السيارة يذهب زيت "اجلري بوكس" منها ،بعد شهر بعد شهرين ينقص الزيت ،يعرف هذا العيب فقال :أبيعك هذه السيارة بعشرين ألف بشرط السالمة من العيب ،بشرط الرباءة من العيب ،أن تربئين ،خالص يلزم، فاشرتى املشرتي وِل يعلم ابلعيب. فهذا الذي يقول أهل العلم فيه أنه بيع السلعة مع اشرتاط الرباءة من العيب مع علم البائع ابلعيب وكتمانه عن املشرتي ،وهنا يقول بعض أهل العلم :إن اخليار يثبت للمشرتي وال عربة الشرتاط الرباءة من العيب ،وهذا قول مجهور أهل العلم. واختار شيخ اإلسالم ابن تيمية وابن القيم –رمحهما هللا" :-أن البائع إذا كان عاملاً ابلعيب فكتمه ،واشرتط الرباءة من العيب؛ أن الشرط ينفعه ويسقط اخليار". فقه املعامالت املالية ()1 | 272 اجلمهور يقولون :ال ينفع هذا الشرط وال يسقط اخليار ،ولكن شيخ اإلسالم ابن تيمية -رمحه هللا -ووافقه ابن القيم-رمحه هللا -ووافقه الشيخ ابن عثيمني -رمحه هللا -يقولون :أنه ينفعه وحتصل الرباءة ،ونقلوا يف ذلك اثرا عن الصحابة -رضوان هللا عليهم -يستدلون هبا على قوهلم. آ ً واملسألة فيها اجتهاد ،لكن الذي يظهر -وهللا أعلم -أن القاعدة العامة تقتضي أن هذا الشرط ال ينفع البائع ،وأن اخليار يثبت للمشرتي ألن العلة موجودة وهي رفع هذا الضرر احلاصل على املشرتي. ومثل الرباءة من العيوب: مسألة :البضاعة املباعة ال ترد وال تستبدل: مبعىن :ال تُرد ولو كانت معيبة وال تُستبدل ،فهنا إذا كان فيها عيب يعلمه املشرتي؛ فنعم ،هذا ينفع ويلزم العقد ،أما إذا كان فيها عيب يعلمه البائع وكتمه وكتب البضاعة ال ترد وال تستبدل؛ فتدخل يف اخلالف. والذي عليه اجلمهور :أن هذا الشرط ال ينفع البائع ،وأن للمشرتي أن يرد السلعة ابلعيب ،وله أن يطلب أرش النقص ،وهذا أقرب -وهللا أعلم- إىل القواعد العامة. طبعا أهل العلم يقولون :إن التحقيق يف خيار البيع على الرتاخي؛ يعين ال مدة له ،حىت يعلم ابلعيب فإذا علم ابلعيب؛ فإنه بعد ذلك يثبت له اخليار ولو طالت املدة. |273 فقه املعامالت املالية ()1 النوع السادس :خيار اخللف يف الصفة. مبعىن خيار اختالف الصفة املذكورة يف السلعة ،مثال :يصف البائع السلعة بكذا وكذا وكذا وكذا ،فتتبني على خالف هذا. هنا العلماء يقولون :الوصف للسلعة ال خيلوا من حالني: احلالة األوىل :أن يكون الوصف لسلعة حاضرة ،ومما يدركابملشاهدة ،فالعربة هنا ابلعني وليست ابلوصف. مثالً :السيارة هنا موجودة؛ فيقول :إن السيارة محراء وهي يف احلقيقة زرقاء فاشرتاها ،هل ينظر اآلن إىل اختالف الصفة؟ اجلواب :ال؛ ألن السلعة حاضرة والوصف ميكن أن يُرى ،البائع أخطأ قال :زرقاء وهي محراء واملشرتي يرى. أما لو كان املشرتي أعمى والسلعة حاضرة وقال :بعتك هذه السيارة الزرقاء واشرتاها على أهنا زرقاء ،وملا جاء أوالده قال :خذوا سيارتنا الزرقاء. قالوا :ال يوجد سيارة زرقاء .قال للبائع :أين السيارة؟ قال :هذه. قالوا :هذه محراء! األعمى كالغائب ،يكون فيه خلف يف الصفة. احلالة الثانية :أن يكون الوصف لسلعة غائبة ،وهنا العربة ابلوصف.ولذا عند الفقهاء قاعدة تقول :الوصف يف الغائب معترب ويف احلاضر لغو. فقه املعامالت املالية ()1 | 274 طبعا يُشرتط يف إلغاء الوصف يف احلاضر: ً أن يكون الوصف مما يُدرك ابملشاهدة؛ فإذا كان الوصف ال يدرك ابملشاهدة فتكون العني كأهنا غائبة. مثالً قال :أبيعك هذه السيارة وقمطعها كلها أصلية ،فوصف القطع أهنا أصلية ،اشرتاها وذهب إىل املهندس ليصلح شيئًا فقال :من ركب لك هذا "اجلري بوكس". قال :أان اشرتيت السيارة هكذا ،قال :هذا نوع تقليد ما يصلح. قال :وهللا البائع قال إن القطع أصلية ،قال :أبداً هذا ثالث أشهر ويتلف. هنا هذا الوصف معترب وإن كانت السلعة حاضرة ،ألنه ال يدرك ابملشاهدة. قادرا على اإلدراك؛ فيخرج األعمى ،وإذا كان وأن يكون املشرتي ً الوصف متعل ًقا ابللون خيرج من به عمى األلوان مثالً أو حنو ذلك. معتربا ففات الوصف يف السلعةِ ،ل يوجد ،هنا يقول إذا كان الوصف ً الفقهاء :ال خيلو احلال من أمرين: احلالة األوىل :أن يفوت الوصف إىل أحسن .وهنا األصل أنه ال خيار؛ ألنه ِل يتضرر املشرتي ،إال إذا أثبت املشرتي أن هذا الوصف ابلنسبة له فات إىل أسوأ وإن كان عند الناس فات إىل أحسن. |275 فقه املعامالت املالية ()1 مي -ال يقرأ وال يكتب،- مثال :شخص اشرتى ً عبدا وصفه سيده أبنه أُ ّ ملا جاء املشرتي يقبض العبد وأخذه وجد أن العبد يقرأ ويكتب ،فهذا الوصف فات إىل أحسن أم إىل أسوأ؟ فات إىل أحسن ،ليس له اخليار ألنه ِل يتضرر ،لكن قال املشرتي :ال ،أان رجل مؤمتن على أسرار ،وعملي فيه عبدا ال يقرأ وال يكتب حىت ال يطلع على األسرار خادما ً أسرار ،وأان أريد ً اليت أريد ،هنا فات الوصف ابلنسبة هلذا الرجل إىل أسوأ ،وإن كان هذا الوصف ابلنسبة لعموم الناس أحسن فيثبت له اخليار. بكرا ،فات ومن أمثلة الفقهاء :لو وصف الرجل ابنته أبهنا ثيب فبانت ً بكرا الوصف أو ما فات؟ فات إىل أحسن بدليل قول النيب ﷺ :هال ً تالعبها وتالعبك ففات الوصف إىل أحسن ،فهنا األصل أنه ال خيار. يف احلقيقة كنت أقرأ هذا املثال للفقهاء ويقال :أن هذا شيء بعيد؛ يعين أب يقول على ابنته أهنا ثيب وهي بكر ،سبحان هللا! البارحة وصلين سؤال من فتاة يتعلق هبذا األمر ،تقول :إهنا تزوجت وطُلقت بعد أن بقيت مع زوجها مدة وِل ميسها وِل ُخترب أهلها ،واآلن سيعقد عليها على أهنا ثيب، والدها سيزوجها على أهنا ثيب ،ألن هذا هو الظن ،فتقول :هل هذا يؤثر وسيقال يف العقد إهنا ثيب ،تقول مع إخبار الزوج يف العقد؟ ألهنا بكر ُ هبذا ،يعين هي أخربت الزوج هبذا لكنها ختشى أن يكون هذا مؤ ًثرا يف العقد ،فالشاهد قد يقع مثل هذا األمر. فقه املعامالت املالية ()1 | 276 إذن ،أريد فقط هبذا املثال –وألن هذا املثال ما يغيب عن الذهن -أنه إذا فات الوصف إىل أحسن ال يكون هناك خيار. واحلالة الثانية :أن يفوت الوصف إىل أقل وأنقص أو أسوأ. وصف القطع أبهنا أصلية فتبينت مقلدة؛ ففات الوصف إىل أسوأ فهنا يثبت خيار اخللف يف الصفة. النوع السابع :وهو آخر األنواع" :خيار اخللف يف قدر الثمن". يعين االختالف يف قدر الثمن ،هنا املقصود ابخللف :االختالف ،أن خيتلف البائع واملشرتي يف قدر الثمن ،بقدر مثن السلعة ،فقال املشرتي مثالً: اشرتيت السلعة بثمانني وقال البائع :بعتك السلعة مبئة ،واختلفا فيه وال بينة ،ألنه لو وجدت البينة عملنا هبا؛ لكن ال بينة ،اآلن املشرتي يقول قيمة ،والبائع يقول قيمة ،وال بينة ،فهنا: قال بعض الفقهاء :إهنما يتحالفان ،يعين يُقسم كل واحد منهما لآلخر، فيبدأ البائع فيحلف على نفي ما ادعاه املشرتي ،فيقول :وهللا ما بعتك السلعة بثمانني ،مث حيلف املشرتي على نفي ما ادعاه البائع ،هذا ما قرره العلماء ،ملاذا؟ قالوا :ألن كل واحد منهما مدعي من جهة منكر من جهة ،والبينة على املدعي وال بينة ،واليمني على من أنكر ،فنطلب من كل واحد منهما أن حيلف ،هذا قول لبعض أهل العلم ،فإذا حتالفا فإان نفسخ العقد. |277 فقه املعامالت املالية ()1 وذهب بعض أهل العلم إىل :أن القول قول البائع مع ميينه ،فإذا حلف البائع فإنه يُلزم املشرتي ابلثمن الذي يقوله البائع ،وال ُحنلف املشرتي. وهذا هو املقصود بتصوير املسألة يف مسألة خيار اخللف يف قدر الثمن، واملسألة فيها آاثر كثرية عن الصحابة . والصحيح فيها :أن القول قول البائع مع ميينه ،فيحلف البائع أنه ابع السلعة بكذا ،فإذا حلف البائع أنه ابع السلعة بكذا فإنه يستحق الثمن، وجاء يف ذلك حديث ولكن يف إسناده مقال ،وهذا الذي يظهر رجحانه يف املسألة. هناك بعض املسائل املتعلقة هبذا ولكن نقف هنا. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 278 الوصية بتقوى هللا عز وجل أختم بتذكري نفسي وإخوا،ي بتقوى هللا عز وجل ،وأن نستشعر نعمة هللا علينا ،هللا سبحانه وتعاىل أنعم علينا بنعم كثرية ،ومنها أن هللا أنعم علينا ٍ بنعمة فقدها كثري من الناس ،ال سيما يف هذا الزمان اليت كثرت فيه األهواء، ابلسنة .وهذه من أعظم نعم هللا عز السنة والتمسك ُّ ب ُّ أال وهي نعمة ُح ّ وجل على العبد ،ال سيما إذا نظر إىل اآلخرين فوجد أهنم ُحرموا من هذه لسنّة النيب النعمة ،وأهنم يضربون ابألهواء ،ويلعبون ابلعواطف ،وال يقيمون ُ ردوها ،من ﷺ وزًان ،وإذا خالفت ُّ السنة أهواءهم أ ّولوها ،أو ض ّعفوها ،أو ّ أجل موافقة حزب أو مجاعة أو غري ذلك ،ال يقفون عند ُّسنة النيب ﷺ ،وال يقيمون هلا وزًان إال مبقدار ما توافق أهواءهم؛ فنحمد هللا على هذه السنة العظيمة. النعمة وعلى هذه ُّ ومن شكر هللا على هذه النعمة أن ندعو إليها ،وأن حنرص على السنة ،من املقامات الشريفة واألعمال بياهنا للناس ،وأن نذب عن أهل ُّ ابلسنة السنة الذين عُرفوا ُّ الصاحلة املنيفة؛ أن يذب اإلنسان عن أعراض أهل ُّ من العلماء وطالب العلم ،فإذا انل أهل األهواء منهم ووصفوهم -كعادة أهل األهواء -ابألوصاف اليت يقصدون أن يُنفروا الناس عنهم هبا؛ فإن اإلنسان يتقرب إىل هللا ابلذب عن هؤالء ،وبيان ما هم فيه من اخلري ونشر فضائلهم ،وليس هذا من التعصب يف شيء ،وليس هذا من ذكر الرجال |279 فقه املعامالت املالية ()1 السنة واجلماعة ونشر ابملدح؛ بل هو من ابب الذب عن أعراض أهل ُّ فضائلهم. ومن شكر هللا على هذه النعمة؛ أن حنرص على االجتماع عليها وعدم ابلسنة ،وأن نبتعد عن السنة ُّ التفرق ،وأن حنرص على أن جتتمع كلمتنا على ُّ كل ما يُفرق الصف ،ونعالُ األمور معاجلة صحيحة. وقد زران العالمة الشيخ صاحل الفوزان -حفظه هللا -قبل فرتة ليست السنة من تنازع طويلة ،قريبة ،واستشرانه أو طلبنا نُصحه فيما يقع بني أهل ُّ أو أم ٍر فيه اختالف؛ فقال الشيخ -حفظه هللا :-ما يقع بني أهل السنة واجلماعة ما ميكن أن يُدفن؛ فعليهم أن يدفنوه ،وما ال ميكن أن يُدفن؛ فعليهم أن يعاجلوه ابلطريق الشرعي املناسب الذي ال يُفرح أهل البدع فيهم. فما قد يقع بيننا حنن طالب العلم من أمور فإذا كانت شخصية؛ فأننا ندفنها ونتواصل ونتحاب ،ومن ذلك أن اإلنسان ال يسمح ألحد أن ينقل حرصا على ائتالف القلوب ،وإذا تكلم له عن إخوانه شيئاً من الكالم فيه؛ ً فيك أخوك يف حقك الشخصي؛ تُسقط هذا وال تلتفت إليه ،وتتواصل معه وتتآلف معه ،ألن مصلحة االجتماع أعظم من مصلحة االنتصار للنفس، وصفة متسك الرجل ابلسنة غالية عالية ،تستحق أن اإلنسان يتنامزل عن حقوقه الشخصية من أجلها ،وإن كان األمر مما فيه خالف علمي؛ فهنا جيب أن يُعال ولكن ابلطريق الشرعي الصحيح الذي ال يُولّد املفاسد فقه املعامالت املالية ()1 | 280 الـم ُخوفة ،وجتتمع به الكلمة ،ويُعال به األمر ،فإذا ِل يكن ذلك كذلك؛ فيكون لألمر موقفه الشرعي حبسب ما يقتضيه الشرع. ولذلك حنن نعرف مشاخينا أن الواحد منهم يعرف على طالب -عرف ابلسنة -أموراً فيناصحه وأيمره ويبني له ،ولكنه يصرب عليه فرتة يناصحه ُّ فيها لعله أن يرجع ،فإذا رجع محد هللا على هذا ،وإذا ِل يرجع فهذا له شأن آخر؛ فمن ن ّد عن الصف فهذا أمر آخر. ابلسنة من األصول السنة ُّ الشاهد -اي إخوة -احلرص على التآلف على ُّ الشرعية العظيمة ،ومن ذلك أن الواحد ال حيرص على أن يكون نقاالً للكالم بغري تثبت وبغري مصلحة ،فبعض الناس الطيّبني أيتيهم الشيطان للسنة؛ فقد يذهب يف ويُصور هلم بعض األمور على أهنا من اخلري واالنتصار ُّ درس فيسمع شيء ،فقد يكون فهمه على وجه فينقله وحيدث به مفسدة؛ بل الذي ينبغي التأ،ي والتثبت -أعين من الناقل -يف أن هذا الكالم قيل، ويف فهمه هلذا الكالم ،وأن يعرض ذلك على عاِل انصح يبني له قبل أن ينقله. فإن كان الشرع يقتضي نقله بعد ثبوته؛ نقله ،وإن كان الشرع يقتضي السنة وعلى االئتالف على حرصا على ُّ دفنه؛ دفـنه ،هكذا ينبغي أن نكون ً لسنة. ا ُّ السنة :أن حنرص على طلب العلم على ومن شكر هللا على نعمة حمبة ُّ السنة، السنة ،وأن حنرص على حضور اجملالس ،وأن نُكثّر سواد أهل ُّ أهل ُّ |281 فقه املعامالت املالية ()1 شيخ أو فرحا درسا لعاِل أو ٍ ً وأن نفرح ً شديدا بكثرة دعاهتا ،وإذا وجدان ً السنة؛ حرصنا على تكثري سواد هذا الدرس من أجل طالب علم من أهل ُّ السنة، السنة ونفع أهل ُّ االنتفاع واالستفادة ،ومن أجل إظهار مكانة أهل ُّ فهذا من األمور العظيمة. السنة فأعود وأقول وهللا! وهللا! ما نراه اآلن من ابتعاد كثري من الناس عن ُّ كما نراه يف الساحة -وما نراه يف وسائل اإلعالم احلديثة؛ إن هذا جيعلنااستشعارا بنعمة هللا العظمى علينا أن هداان هلذا، ابلسنة ،و نزداد متس ًكا ُّ ً ُ َ َٓ َۡ ِي ل ۡوَل أن َه َدى َٰ َنا ذ ُ ﴿ َو َما َ ذنا ِنلَ ۡه َتد َ ٱّلله﴾ ،وحرم من ذلك أانسا كثريين، فهذه نعمة من هللا ،فنحرص على احلفاظ عليها بقدر ما نستطيع. أسأل هللا عز وجل أبمسائه احلسىن وصفاته العلى ،أن جيعلنا مفاتيح شر الفنت للخري ،مغاليق للشر ،وأن يكتب لنا األجر ،وأن يكفينا واملسلمني ّ شر الفنت وأهلها ،وأن يعيذ هذا البلد – بلد اإلمارات -وبالد املسلمني من ّ ما ظهر منها وما بطن ،وأن يزيد اخلري يف بالد املسلمني وأن يكفيهم الشر، وهللا تعاىل أعلى وأعلم وصلى هللا على نبينا وسلم. *** فقه املعامالت املالية ()1 | 282 األسيلة واألجوبة السؤال األول :هل وضع اللوحات اإلعالنية قبل دخول البلد من تلقي احلاضر للبادي؟ وإذا ِل يكن كذلك؟ هل هو من األمور اجلائزة مثل الفنادق واحملالت التجارية وهو ال يتأتى لكل أحد؟ اجلواب: ال؛ هذا ليس من التلقي ،كون أصحاب البالد يدلون على سلعهم ،مثالً الفنادق :الفندق الفال،ي يقع يف املنطقة الفالنية والفندق الفال،ي يقع يف املنطقة الفالنية؛ هذا ليس من ابب تلقي اجللب وليس له حكم تلقي اجللب وال حرج فيه. السؤال الثاين :كتاب "موسوعة املعامالت املالية" للشيخ الدكتور الدبيان هل أطلعتم عليه؟ وهل تنصحون فيه؟ اجلواب: ال؛ ِل نطلع عليه. السؤال الثالث :قلتم -حفظكم هللا -إنه حيرم تلقي جتار البلد للتجار القادمني من اخلارج وشراء السلع منهم بسلع البلد مث بيعها بسعر مرتفع عن سعر البلد؛ أال يقال إن هذه الزايدة هي ربح التاجر الذي اشرتى السلع بتكلفتها وزاد عليه رحبه؟ |283 فقه املعامالت املالية ()1 اجلواب: ال شك أبن هذا ربح؛ لكن هو ليس له أن يسبق الناس إىل هؤالء التجار ،بل يدع التجار يعرضون سلعهم يف البلد ويرزق هللا الناس بعضهم من بعض؛ فيشرتي كما يشرتي الناس ،العلة ليست قضية الزايدة؛ العلة أنه يسبق الناس إىل هؤالء قبل أن يصلوا أهل البلد؛ فيحرم أهل البلد من أن يشرتوها هبذه القيمة. السؤال الرابع :سددكم هللا ،إذا توىل احلاضر البيع للبادي دون أن يلحق ضررا أبحد من الناس فهل البيع صحيح؟ وحال أن الزايدة ليست زايدة فاحشة وال ضارة ابجملتمع؛ فما حكم البيع من هذا الوجه؟ اجلواب: ال ينبغي أن نـُفتّق األمور على خالف النصوص ،ما دام أن النص هنى أن يبيع احلاضر للبادي؛ فإننا نقول :ال جيوز أن يتوىل احلاضر البيع للبادي سواء أبجرة أو بدون أجرة ،إال إذا علمنا أن الضرر منتفي من كل وجه؛ فالعلة الشرعية غري موجودة؛ فهذا ابب آخر ،أما نقول :الضرر يسري والزايدة قليلة وحنو ذلك؛ فاألصل املنع. السؤال اخلامس :نفع هللا بعلمك ،هل جيوز أن جيعل إسقاط اخليار شرطًا جعلياً يف العقد؟ فإن كان جيوز؛ فهل يثبت خيار اجمللس يف ترك ذلك الشرط أو إمضاءه؟ فقه املعامالت املالية ()1 | 284 اجلواب: حنن قلنا -اي إخوة -أن خيار اجمللس ينقطع إذا اختار املتعاقدان قطعه، فإذا اختار املتعاقدان قطعه بطلب من واحد منهما أو بطلب منهما مع انقطع خيار اجمللس؛ فهذا املذكور جائز إذا اتفقا عليه. السؤال السادس :يقول إذا كان اجمللس صفقة يف اإلنرتنت ،فهل ينقضي خيار اجمللس عند مسح الصفحة أم عند اإلجياب والقبول؟ اجلواب: سبق أن قلنا -اي إخوة -إذا كان الشراء بواسطة اإلنرتنت ،إذا كان ابلربيد اإللكرتو،ي؛ فاجمللس هو وقت قراءة الطرف الثا،ي للطلب ،فهذا هو اجمللس ،إذا كان ابحملادثة فاجمللس هو وقت احملادثة ،فإذا أغلقت احملادثة يكون اجمللس قد انتهى. السؤال السابع :هل اخليارات املذكورة متفق عليها بني العلماء أم أن هناك خيارات أخرى؟ اجلواب: بعض أهل العلم يقولون مثانية ،لكن ما ذكروه ابلقسم الثامن يف احلقيقة أنه عائد إىل األقسام السبعة املذكورة ،فالذي يظهر -وهللا أعلم -أن اخليار منحصر هبذه األقسام السبعة. |285 فقه املعامالت املالية ()1 السؤال الثامن :لو تفضلتم إبعادة مسألة "خيار اخللف يف الصفة إذا ظهر أن السلعة فيها نقص" ،فهل هنا خيار؟ اجلواب: قلنا :أن اخللف يف الصفة؛ إذا كانت الصفة معتربة وهي الصفة يف السلعة الغائبة إذا فات إىل أسوأ؛ فإنه يثبت فيه اخليار ،أما إذا فات إىل أحسن فإنه ال يثبت فيه اخليار. السؤال التاسع :حديث ال خالبة ليس فيه مدة يف اخليار ،فلماذا اشرتط الفقهاء تعيني املدة؟ اجلواب: اتفق الفقهاء على أنه ال بد له من مدة؛ ألن األدلة تدل على أنه ال جتوز اجلهالة يف البيوع ،فتحديد املدة حمل اتفاق ولكن اخلالف يف املدة كم تكون؟ السؤال العاشر :يقول :هل يدخل يف النهي عن بيع احلاضر للبادي الشراء له؛ كأن ُجيمع له السلعة من أفراد البلد ليأيت ويشرتيها هو دون غريه من التجار؟ اجلواب: أيضا بعض أهل العلم يقولون :إنه يدخل يف ذلك الشراء؛ ويقولون :العلة ً موجودة ،ألنه إذا اشرتى فإنه حيصل؛ يعين أن هللا يرزق الناس بعضهم من بعض؛ وألن البيع يطلق على البيع املعروف وعلى الشراء. فقه املعامالت املالية ()1 | 286 وبعض أهل العلم يقولون :ال أبس أن يشرتي له. مسسارا ال يف البيع وال يف والذي يظهر -وهللا أعلم -أنه ال يكون له ً الشراء إال إذا انتفى الضرر. السؤال احلادي عشر :هل املزادات من بيع املسلم على بيع أخيه؟ اجلواب: ال؛ هذه املسألة هي مسألة :البيع يف من يزيد ،وقد حكى مجع من أهل العلم كابن عبد الرب وغريه اإلمجاع على جوازه؛ فهذا ليس فيه ركون كما تعرفون؛ وحنن قلنا أن البيع على البيع ال جيوز إذا حصل الرضا والركون، واملزادات ليس فيها رضا وركون بل تعرض ويزاد فيها حىت تستقر على مثن، مجاعا -وإن كان وجدان بعض فقول مجاهري العلماء وحكاه بعضهم إ ً اخلالف -أن البيع يف من يزيد جائز وال حرج فيه. السؤال الثاين عشر :يقول :أود االستفسار عن كتاب "كوبوانت" خصومات تباع يف السوق ،حيث حتتوي على العديد من "كوبوانت" اخلصم مثل" :كوبوانت" خصم املطاعم أو الفنادق أو املالبس ،أو يُعطى جماان، عرض على ذلك ،فيكون أحد "الكوبون" يُشرتى واآلخر يُعطى ً السؤال هنا :ما حكم شراء هذه "الكوبوانت"؟ وما احلكم إذا حصلت جماان من شخص أو من العمل مع العلم أن مثن اخلصومات أعلى من عليها ً مثن الكتاب؟ |287 فقه املعامالت املالية ()1 اجلواب: هذا الكوبون: إما أن تكون منفعته ماالً -مثل ما قال األخ :خصومات مالية -فهذا الذي يظهر يل -وهللا أعلم -أنه ال جيوز ،ألنه من ابب القمار وابب الراب. فهذا ال جيوز. وإما أن تكون منفعة الكوبون منفعة وليست ماالً :حيصل على سلعة، يبيت ليلة ،أو حنو ذلك؛ فهنا إن كانت حتصل لكل من حصل على هذا الكوبون؛ فالذي يظهر يل -وهللا أعلم -اجلواز ،أما إن كانت ميكن أن تقع أو ال تقع؛ يكون من القمار. السؤال الثالث عشر :يقول ما حكم التنزيالت؟ اجلواب: ما فيها أبس ،التخفيضات إذا ِل يكن فيها غش وال تدليس -حبيث ال تكون حقيقية -فال أبس هبا؛ أن ينزل التُ ّجار أو ينقص التُ ّجار من القيمة يف زمن من األزمان؛ وهذا حقيقي؛ فهذا ال أبس به وال حرج. فقه املعامالت املالية ()1 | 288 السؤال الرابع عشر :يقول اشرتيت سلعة من أحد احملالت التجارية، وحصلت على قسيمة شراء بنصف السلعة اليت اشرتيتها ،فما حكم االستفادة من هذه القسائم؟ اجلواب: إذا كان اإلنسان حيصل على سلعة ،فالذي يظهر يل أنه ما فيه أبس إذا ثواب آخر أو بنصف ثواب تأخذ ً كانت حتصل لكل أحد ،مثالً :إذا اشرتيت ً القيمة أو حنو ذلك وهو سلعة فال أبس؛ أما إذا كانت ماالً فال جتوز. السؤال اخلامس عشر :تقول السائلة :يف مسألة حترمي بيع الطعام أو ما يلحق به قبل القبض أو االستيفاء؛ فهل تكون الفاتورة مقام القبض؟ وما الضابط حىت تكون الفاتورة هلا اعتبارها هنا؟ اجلواب: ضا يُرجع فيه إىل ضا وما ال يعد قب ً الرجوع يف ذلك إىل العرف؛ ما يُعد قب ً ضا ،ألنه ال قيمة هلا العرف ،ولكن األصل يف جمرد الفاتورة أهنا ليست قب ً ضا وما ال معتربة حىت يف العرف ،لكن كقاعدة عامة؛ الرجوع فيما يعد قب ً ضا إمنا هو إىل عرف البلد. يعد قب ً السؤال السادس عشر :أخت تقوم ببيع عباءات عن طريق اهلاتف ويتم عن طريق الوصف؛ فمىت يثبت البيع؟ هل مبجرد االتصال أم بعد االستالم؟ |289 فقه املعامالت املالية ()1 اجلواب: إذا ابعت العباءات المرأة ابهلاتف ووصفت كذا وقالت :أبيعها بكذا وقالت املشرتية :قبلت ،مث أُغلق اهلاتف فقد لزم العقد؛ ألن اجمللس هو وقت االتصال؛ فإذا حصل االنقطاع بعد وصول اإلجياب والقبول ابختيار -أما لو انقطع االتصال بغري اختيار؛ فإنه ال ينقطع اجمللس -أما إذا انقطع اجمللس ابختيار فقد مت العقد. السؤال السابع عشر :ما حكم االتفاق على البيع يف املساجد سواء هلذه السلع أو غريها ،وهل جيوز أن يُطلب منه مباشرة لتوكيله ابلشراء؟ وسؤال قريب منه :ما حكم القبض داخل املسجد وقد مت البيع خارجه؟ اجلواب: الذي يظهر يل -وهللا أعلم -أن املعاوضات بكل صورها ال جتوز يف املسجد ،أما إذا ِل تكن معاوضة كأن كان توكيالً يف بيع أو قبض للسلعة، كتااب من املكتبة فيأتيه صاحب املكتبة بكتابه داخل مثالً :أن يشرتي ً املسجد ويعطيه هذا؛ فالذي يظهر يل -وهللا أعلم -هو اجلواز ،ألنه هذا ليس مما ُهني عنه ،املنهي عنه :الوسائل ،وذات املعاوضة. كتااب إذا ذهب أو يقبض السلعة؛ أما أن يوكل صدي ًقا له أن يشرتي له ً فالذي يظهر يل أنه جيوز ،وإن كان من املشايخ يقول :إنه ال جيوز ألن فقه املعامالت املالية ()1 | 290 املساجد ِل تُنب هلذا؛ لكن الذي يظهر يل -وهللا أعلم -أنه ال يصدق عليه النهي -وهللا أعلم.- السؤال الثامن عشر :ملاذا ال يدخل بيع اجلزاف يف البيع املنهي عنه ألنه ال تعلم كمية املبيع ابلتحديد؟ اجلواب: ال ،تعرف هنا مبا جرى به العرف والعادة ،والعلم قد يكون ابلكيل أو الوزن أو يكون ابلعد أو ال ّذرع أو حبكم العرف ،والعرف له اعتبار يف بناء األحكام؛ وقد كان اجلزاف يباع يف زمن النيب ﷺ وال زال عليه عمل املسلمني من زمن النيب ﷺ إىل يومنا هذا. السؤال التاسع عشر :يقول السائل :أليس قوهلم إذا كان الشرط يقع به مصادما للنص ،ألن النيب ﷺ أمضى حمرم؛ فإن العقد ابطل والشرط ابطل؛ ً عقد شراء بريرة وأبطل الشرط؟ اجلواب: الشرط إذا كان يقع به ُحمرم مبعىن أنه يقع به احلرام؛ بعض أهل العلم يرون أن العقد يبطل به ،ألن يف ذلك سداً لذرائع اشرتاطه ،أما اشرتاط الوالء لغري املعتق؛ فهذا ال يلزم منه وقوع احلرام يف الناس وإن كان خالف املشروع. يعين ،قوهلم :إذا كان يلزم منه إيقاع احلرام؛ أن يلزم منه وقوع احلرام، كاشرتاط أن جيعل احملل لبيع الغناء أو اشرتاط أن تكون اجلارية مغنية أو حنو |291 فقه املعامالت املالية ()1 ذلك ،يقولون أنه يبطل به العقد من أجل سد الذرائع؛ ألنه لو قلنا للناس أنه حيرم مع صحة العقد فإهنم جيرؤون عليه ،أما ما ورد يف مثل حديث بريرة رضي هللا عنها -يف قصتها يف الوالء يقولون هنا ال يلزم منه وقوع احلراموإن كان الشرط خمال ًفا للشرع. السؤال العشرون :يقول عند القاعدة الثالثة "القصود مؤثرة يف العقود"، حكما ال ذكرمت عبارة للعلماء ما صحتها" :يصح داينة ال حكماً ويصح ً داينة" فما معناها؟ اجلواب: حكما ال داينة ،ما معىن العلماء قد يقولون يف الشيء :يصح قضاء أو ً هذا؟ معىن ذلك :أنه يصح يف الظاهر ألنه ِل نطّلع على املبطن ،وال يصح داينة :أي بني العبد وبني ربه؛ ألن هللا عالم الغيوب ،ويعلم هذا يف قلب العبد ،فالشيء: قد يصح داينة وقضاءً؛ إذا كان ابطنه يوافق ظاهره. وقد يصح قضاء ويبطل داينة؛ وذلك إذا كان ابطنه خيالف ظاهره. وقد يبطل داينة وقضاء؛ وذلك إذا كان ظاهره ابطالً وابلتايل يكون ابطنه ابطالً. | 292 فقه املعامالت املالية ()1 السؤال احلادي والعشرون :ابرك هللا فيكم ،هل حتويل املال من دولة لدولة أخرى عن طريق الصرافة من غري تغيري العملة ميكن أن يسقط شرط التقابض؟ اجلواب: موجودا ،يعين حتويل العملة من بلد إىل بلد؛ فتحويل نعم؛ لكن ال أعلمه ً الدرهم اإلمارايت من اإلمارات إىل بريطانيا وهو درهم إمارايت هنا وهناك؛ هذا نعم ال يشرتط فيه التقابض ألنه ال يوجد صرف. أما ابلنسبة للبنوك فاليقني أنه غري موجود؛ ألن فائدة البنوك هي يف الصرف. موجودا ،على كل حال إذا لكن ابلنسبة لألفراد؛ فنعم ميكن أن يكون ً خال التحويل من الصرف ال يشرتط فيه القبول. *** |293 فقه املعامالت املالية ()1 فهرس املواضيع كلمة الدائرة 2 .................................................................. مقدمة فضيلة الشيخ سليمان الرحيلي4 ............................................ الدرس األول 7 ................................................................. مقدمة عن املعامالت املالية7 ..................................................... مدخل يف ثالثة أمور19 ........................................................: األمر األول :القواعد19 ......................................................... هل القواعد الفقهية حجة يُستند إليها؟ 23 ........................................ األمر الثا،ي :البيع27 ............................................................ الصفات الالزمة للبيع 32 ........................................................ األمر الثالث :املعامالت املالية33 ............................................... . الدرس الثاين 38 ............................................................... أنواع العقود املالية 38 ........................................................... تقسيم العقود ابعتبار احلكم 38 .................................................. تقسم العقود من حيث حقيقتها إىل أقسام عند الفقهاء42 .......................... هناك تقسيم للعقود ابعتبار أثرها44 ............................................. . القاعدة األوىل :األصل يف البيوع اإلابحة46 .................................... . فقه املعامالت املالية ()1 | 294 األدلة اجلزيئة الدالة على مح مّل البيوع من الكتاب والسنة واإلمجاع52 ................. . األدلة الكلية الدالة على مح ّل البيوع54 ............................................ بعض البيوع املتعلقة يف هذا يف صور معاصرة 59 ................................... بيع التقسيط 59 ................................................................ بيع املراحبة 62 .................................................................. بيع املراحبة للواعد ابلشراء63 ..................................................... مسألة األسهم64 ............................................................... اإلجابة على األسئلة 67 ......................................................... الدرس الثالث 78 .............................................................. تشقري احلواجب 82 ............................................................. مسألة بيع احلقوق املعنوية83 ................................................... . القاعدة الثانية :العربة يف العقود للمقاصد واملعاين ال لأللفاظ واملباين87 .......... . يتفرع عن هذه القاعدة :أنه ال يُشرتط النعقاد البيع لفظ93 ......................... البيع بوسائل االتصال احلديثة 98 ................................................. مسألة صرف العمالت99 ....................................................... القاعدة الثالثة :القصود مؤثرة يف العقود101 ..................................... بيع اهلازل104 .................................................................. بيع التلجئة105 ............................................................... . |295 فقه املعامالت املالية ()1 الدرس الرابع 107 .............................................................. مسألة :بيع التقسيط من أجل املال107 ........................................... القاعدة الرابعة :إمنا البيع عن تراض 112 ......................................... أدلة القاعدة 115 ............................................................... ما هي أركان الرضا؟ 117 ........................................................ اإلجابة على األسئلة 120 ........................................................ الدرس اخلامس 129 ............................................................ القاعدة اخلامسة :ال ينعقد البيع إال على مال129 ................................ القاعدة السادسة :ال ينعقد البيع إال من مالك أو مأذون له145 ................. . يتفرع على هذه القاعدة مسائل 149 ............................................. مسألة بيع الفضويل 150 ......................................................... قاعدة" :الشروط" 152 .......................................................... الدرس السادس 153 ........................................................... القاعدة السابعة :األصل يف الشروط اإلابحة والصحة153 ....................... . الشروط يف البيوع قسمان 154 ................................................... املراد ابلشروط الشرعية 154 ...................................................... املراد ابلشروط اجلعلية 154 ....................................................... الشرط ال خيلو من ثالثة أحوال 162 .............................................. فقه املعامالت املالية ()1 | 296 صفات الشرط الصحيح169 ..................................................... الشروط اجلعلية عند الفقهاء تنقسم إىل قسمني 172 ................................ اإلجابة على األسئلة 173 ........................................................ الدرس السابع179 ............................................................. القاعدة الثامنة :األصل أنه ال يقع البيع إال من راشد179 ......................... القاعدة التاسعة :األصل منع ما يؤدي إىل النزاع يف البيوع184 ................... . دليل هذه القاعدة 184 .......................................................... بيع الغرر 184 .................................................................. من صور بيع الغرر؛ بيوع جاء النهي عنها190 .................................... : بيع احلصاة 190 ................................................................ بيع املالمسة واملنابذة192 ........................................................ البيعتني يف بيعة194 ............................................................. الدرس الثامن 198 ............................................................. بيع املبيع قبل قبضه202 ........................................................ . بيع اجملهول 209 ................................................................ بيع املعوامة أو بيع السنني211 .................................................. . بيع الثـُنيا اجملهولة211 .......................................................... . بيع ما ينمو ويزداد212 ......................................................... . |297 فقه املعامالت املالية ()1 بيع الثمار قبل بدو صالحها214 ................................................. مسألة :البيع على بيع املسلم ،والسوم على سوم املسلم215 ........................ . اإلجابة على األسئلة220 ....................................................... : الدرس التاسع 230 ............................................................. القاعدة العاشرة :أن األصل منع الضرر يف البيوع 231 ............................ من البيوع اليت جاء النهي عنها من أجل الضرر................................ : بيع احلاضر للبادي وتلقي الركبان233 ............................................. النهي عن البيع على البيع 244 ................................................... بيع السلعة املعيبة والغش245 ................................................... . التصرية 247 ................................................................... القاعدة احلادية عشر :األصل ثبوت اخليار يف البيوع 249 ......................... اخليار أقسامه يف البيوع حمصورة بسبعة أنواع 249 ................................... النوع األول :خيار اجمللس249 .................................................. . النوع الثا،ي :خيار الشرط254 .................................................... مىت ينقطع خيار الشرط؟ 260 .................................................... الدرس العاشر 263 ............................................................. النوع الثالث :يسميه الفقهاء بـ "خيار الغنب" 263 .................................. السلع يف األسواق تنقسم إىل قسمني264 ........................................ : | 298 فقه املعامالت املالية ()1 النوع الرابع" :خيار التدليس"266 ............................................... . النوع اخلامس :وهذا كثري الوقوع "خيار العيب" 268 ................................ ما هو األرش؟ 270 ............................................................. هناك مسائل تتعلق ابلبيع270 .................................................... مسألة :أن يشرتط البائع الرباءة من العيوب 270 .................................... مسألة :البضاعة املباعة ال ترد وال تستبدل272 ..................................... النوع السادس :خيار اخلُلف يف الصفة273 ....................................... . النوع السابع" :خيار اخللف يف قدر الثمن"276 .................................... الوصية بتقوى هللا عز وجل 278 .................................................. األسئلة واألجوبة 282 ........................................................... فهرس املواضيع 293 ........................................................... *** |299 فقه املعامالت املالية ()1 ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ............................................................................................................................. ...................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... .............................................................................................................................................. ..... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... فقه املعامالت املالية ()1 | 300 ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ............................................................................................................................. ...................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... .............................................................................................................................................. ..... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... |301 فقه املعامالت املالية ()1 ................................................................................................................................................... ..................................................................................................................... .............................. ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ...................................................................................................................................... ............. ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... فقه املعامالت املالية ()1 | 302 ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ............................................................................................................................. ...................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... .............................................................................................................................................. ..... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... |303 فقه املعامالت املالية ()1 ................................................................................................................................................... ..................................................................................................................... .............................. ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ...................................................................................................................................... ............. ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... ................................................................................................................................................... فقه املعامالت املالية ()1 | 304
© Copyright 2026 Paperzz