المفاهيم الاقتصادية عند ابن تيمية كامل

‫المفاهيم االقتصادية عند شيخ اإلسالم ابن تيمية‬
‫بقلم ‪ :‬الدكتور فريد عمار ‪ -‬الرباط ‪ -‬المغرب‬
‫*دكتوراه في االقتصاد اإلسالمي ‪.‬‬
‫*يحضر دكتوراه في البحث العلمي واالقتصاد المعرفي بجامعة محمد الخامس بالرباط‪-‬المغرب‬
‫* مختص في التنمية االجتماعية واالقتصاد اإلسالمي*‬
‫*رئيس مركز رواد التنمية للتدريب و االستشارات واألبحاث‪-‬الرباط*‬
‫تعرض ابن تيمية في كتاباته إلى مجموعة من المفاهيم التي لها عالقة باالقتصاد‪ ،‬سواء كانت تتعلق‬
‫بالنظرية االقتصادية أو ببعض التطبيقات العملية في مجال المعامالت بين الناس؛ مالية كانت أو غيرها‪.‬‬
‫والذي يميز ابن تيمية أنه كان سبقا لتحليل بعض المفاهيم المؤسسة في النظريات االقتصادية الحديثة‬
‫وكانت نظرته عميقة توضح عمق استيعابه لألسس التي تبنى عليها تلك المفاهيم رغم عصره لم يكن في‬
‫غالبية أوقاته ينعم باالستقرار الذي يمكن أن يسمح بمناخ التطور واالزدهار االقتصادي‪.‬‬
‫والذي يتميز به ابن تيمية في هذا المجال مسألتين أساسيتين هما‪:‬‬
‫‪ ‬األولى‪ :‬كون ابن تيمية لم يتعرض لهذه المفاهيم بشكل خاص ومتفرد‪ ،‬حيث لم يخصها بالدراسة‬
‫في مباحث خاصة‪ ،‬وإنما ناقشها في إطار تناوله لمسائل مختلفة‪ ،‬قد تكون لها عالقة بشكل أو بآخر بهذه‬
‫المفاهيم االقتصادية‪ .‬لذلك نجد مفاهيما قد تعرض لها في موقع باقتضاب وفي موقع آخر بإسهاب‪ .‬فتحديد‬
‫المفهوم عند ابن تيمية يستوجب الجمع بين ثنايا التفاصيل المتعلقة فقط بما يربط هذه المفاهيم بالمواضيع‬
‫األساسية موضوع الدراسة في مواقع مختلفة‪ ،‬وهذا ما يجعل تحديد المفاهيم االقتصادية عند ابن تيمية أمرا‬
‫يكتنفه بعض التعقيد‪.‬‬
‫‪ ‬الثانية‪ :‬نجد ابن تيمية عندما يناقش هذه المفاهيم أو حتى غيرها‪ ،‬ينطلق أساسا من الكتاب والسنة‬
‫كإطار مرجعي لهذه المفاهيم كلها‪ ،‬ثم بعد ذلك يورد تعليقاته وتحليالته دون إسهاب مخاطبا العقل‪ ،‬ثم‬
‫يعرض ألمثلة عملية من واقع الناس ومعامالتهم من خالل واقع الصحابة والتابعين والسلف الصالح‪.‬‬
‫وفيما يلي عرض ألهم هذه المفاهيم التي تعرض لها ابن تيمية‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪ ‬المفهوم األول‪ :‬مفهوم االقتصاد‬
‫الحديث عن المفاهيم االقتصادية عند ابن تيمية جعلنا نقف في البداية عند مفهوم االقتصاد نفسه‬
‫كإطار محوري لهذه ا لدراسة‪ .‬وفي إطار البحث عن هذا المفهوم‪ ،‬وجدنا أن ابن تيمية قد تحدث عنه في‬
‫كتاب الصيام‪ ،‬وذلك في معرض جوابه عن مسألة متعلقة بالمبالغة في الصيام واإلكثار منه‪ ،‬بدعوى نيل‬
‫رضا هللا والتقرب منه‪ ،‬فاعتبر أن المقصد الشرعي والذي حث عليه هللا ورسوله صلى هللا عليه وسلم هو‬
‫"االقتصاد في العبادة"‪ ،1‬وقد احتج بمجموعة من األحاديث كقوله صلى هللا عليه وسلم ‪" :‬عليكم هديا‬
‫قاصدا‪ ،‬عليكم هديا قاصدا"‪ ،2‬وقوله ‪" :‬إن هذا الدين متين‪ ،‬ولن يشاد الدين أحد إال غلبه فاستعينوا بالغدوة‬
‫والروحة‪ ،‬وشيء من الدلجة‪ ،‬والقصد القصد تبلغوا" ‪ ،3‬وكالهما في الصحيحين‪ .‬وقال ابن أبي كعب‬
‫سنة‪ ،‬خير من اجتهاد في بدعة)‪ ،4‬وبذلك ارتبط مفهوم االقتصاد بالعبادة‪ ،‬فكان بذلك يشمل‬
‫(اقتصاد في ُ‬
‫جميع أمور وأحوال اإلنسان‪ ،‬حيث أن الهدف العام من الخلق هو العبادة لقوله تعالى‪ :‬وما خلقت الجن‬
‫واإلنس إال ليعبدون‪ ،5‬فكان االقتصاد بذلك الصفة المشتركة بين كل أعمال الطاعات‪ ،‬وكان األصل في‬
‫العبادات التوسط واالعتدال‪.‬‬
‫وقد اعتبر ابن تيمية العبادة ال يجب أن تحدث ضررا باإلنسان وتمنعه عن فعل واجب أنفع له منها‬
‫كانت محرمة؛ كالصيام الذي يضعف عن الكسب الواجب‪ ،‬أو يمنعه عن العقل أو الفهم الواجب‪ ،‬أو يمنعه‬
‫عن الجهاد الواجب‪ ،‬و إذا كانت توقعه في محل محرم ال يقاوم مفسدته مصلحتها؛ مثل أن يخرج ماله كله‬
‫ثم يستشرف إلى أموال الناس ويسألهم‪ .‬ولما كانت العبادة اسم جامع لكل أعمال الخير المقربة إلى هللا من‬
‫صالة وصيام و زكاة و حج و إنفاق و جهاد في سبيل هللا‪ ،‬كان االقتصاد في األموال وعدم اإلسراف في‬
‫إنفاقها‪ ،‬حتى فيما يعتقد أنه طاعة تقود إلى الهالك أو تقعد عن اإلتيان بالواجبات األخرى‪ ،‬فكان االقتصاد‬
‫‪ -1‬ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ‪ ،‬ج‪ ،5 :‬م‪ ،25 :‬ص‪.272 :‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صار رقم‪22454:‬‬
‫‪ -2‬رواه أحمد في مسنده ‪َ -‬باقي ُم ْسَند ْاْل َْن َ‬
‫‪ -3‬مجموع فتاوى اب ِن تيمية ‪ -‬اْلِفْقه ‪ِ -‬كتَاب ِ‬
‫الصَيا ِم ‪ -‬االقتصاد في العبادة ج‪ ،5 :‬م‪ ،25 :‬ص‪ 272 :‬ـ و رواه أحمد في‬
‫َ ُْ ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الرَق ِ‬
‫ين ‪ 10556 -‬بلفظ مغاير‪ ،‬وجاء في صحيح البخاري ‪ -‬كتَاب ِ‬
‫اق رقم ‪ 6098‬بلفظ مختلف‬
‫مسنده ‪َ -‬باقي ُم ْسَند اْل ُم ْكث ِر َ‬
‫‪" -4‬مجموعة فتاوى ابن تيمية‪ ،:‬ج‪ ،5 :‬م‪ ،25 :‬ص‪.272 :‬‬
‫‪ -5‬سورة الذاريات‪ ،‬اآلية‪.56 :‬‬
‫‪2‬‬
‫من القصد كما في الحديث‪ ،‬بما يعني االعتدال والوسطية في كل األمور دون مبالغة ُمفرط أو تقصير‬
‫ُمفرط‪.6‬‬
‫فكان مفهوم االقتصاد عند ابن تيمية يتأطر بمسألتين‪:‬‬
‫أوالهما؛ شموله لكافة أمور العبادة وشؤونها مما يجعله ال يقف عند األمور الدنيوية فحسب من‬
‫معامالت أو تجارة‪ ،‬بل يهم باألساس صلب الدين وتدبير كل أموره‪ ،‬على عكس "االقتصاد السياسي"‬
‫الذي يهتم فقط بالثروات المادية‪ ،‬وذلك كما عرفه رواد المدرسة الكالسيكية باعتباره‪" :‬علم الثروة‬
‫واإلثراء؛ أي أنه العلم الذي يهتم بدراسة إنتاج وتوزيع وتداول واستهالك الخيرات المادية"‪ ،7‬فكانت هذه‬
‫أقوى االنتقادات التي وجهت لهذه المقاربة حيث أغفلت ‪ -‬باقتصارها على الخيرات المادية‪ -‬الخدمات أو‬
‫الخيرات غير المادية كاإلعالم واالتصال والخدمات الصحية و البنكية‪ ...‬باإلضافة إلى إغفال جانب القيم‬
‫واألخالق وذلك باالقتصار على العناصر المكونة للنشاط االقتصادي (اإلنتاج‪ ،‬التوزيع‪ ،‬التداول‪،‬‬
‫االستهالك) كما لو كانت معطيات مستقلة على النظام االجتماعي واالقتصادي الذي يمثل ‪-‬أي النظام ‪-‬‬
‫اإلطار العقدي والفكري ألي مجتمع‪ ،‬وهذا ما يؤكد ارتباط االقتصاد بالعبادة‪ ،‬أي أن موضوع االقتصاد هو‬
‫العبادة مما يعطي لهذا المفهوم معنى الشمول واإلحاطة التامة‪ ،‬لشمولية العبادة ألمور الدين والدنيا‪ ،‬وذلك‬
‫حسب ما عرف به ابن تيمية نفسه مفهوم العبادة باعتبارها‪" :‬اسم جامع لكل ما يحبه هللا ويرضاه من‬
‫األقوال الباطنة والظاهرة"‪ .8‬فهذه األعمال يمكن أن تكون عبادات خالصة؛ كالصالة والصيام‪ ،‬ويمكن أن‬
‫تكون معامالت دنيوية؛ كأداء األمانة ووفاء بالعهد وأمور البيع والتجارة‪...‬‬
‫أما المسألة الثانية‪ :‬فهي القصد بمعنى االعتدال والتوسط‪ ،‬فإذا كان هذا المبدأ يعني أمور الناس في‬
‫شموليتها لقوله تعالى‪ ﴿ :‬وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾‪ ،9‬فإنه يهم أمر االقتصاد في خصوصيته‪ ،‬لذلك كان‬
‫االقتصاد يعني االعتدال في كل األمور دون إفراط وال تفريط‪ ،‬فكان اإلسالم ضد اإلسراف والمبالغة في‬
‫األمور حتى ولو كانت عبادة وتقربا إلى هللا؛ كاإلسراف في صرف األموال وتبذيرها واإلكثار من‬
‫العبادات بما يكون فيه ضرر لإلنسان يثنيه عن القيام بأمور أكثر أهمية وأكثر وجوبا‪ .‬كما أن اإلسالم ينهى‬
‫عن الشح والبخل وحرمان اإلنسان نفسه من متع الدنيا بدعوى التصوف والرهبنة تقربا إلى هللا لقوله‬
‫‪" -6‬مجموع فتاوي ابن تيمية"‪ ،‬ج‪ /5 :‬م‪ ،25‬ص‪.272 :‬‬
‫‪ -7‬محمد عبده وعبد اإلله بكار "االقتصاد السياسي والمصطلحات االقتصادية"‪ ، ،‬ص‪.5 :‬‬
‫‪ -8‬ابن تيمية "العبودية في اإلسالم" ‪ ،‬ص‪.4 :‬‬
‫‪ - 9‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية ‪.143 :‬‬
‫‪3‬‬
‫تعالى‪﴿ :‬وابتغي فيما أتاك هللا الدار اآلخرة وال تنسى نصيبك من الدنيا‪ ،‬وأحسن كما أحسن هللا إليك﴾‪،10‬‬
‫لذلك نخلص إلى أن االعتدال يميز مفهوم االقتصاد في اإلسالم عن ما جاءت به المدارس الغربية‪ ،‬حيث‬
‫نجد االقتصاد الرأسمالي في تجلياته الواقعية يبيح االحتكار‪ ،‬ويبالغ في الحرية الفردية‪ ،‬وحرية االمتالك‬
‫مما يؤدي إلى إغناء البعض على حساب اآلخر‪ ،‬وهذا ما يحدث في المجتمع تفاوتات فاحشة بين أفراد‬
‫المجتمع‪ ،‬فالمجتمع الرأسمالي هو مجتمع األقوياء وال مكان للضعفاء فيه‪ ،‬فاإلفراط في الحرية ما هو إال‬
‫قناع لهضم حقوق اآلخرين‪ .‬لذلك كان شرط االعتدال ضروريا إلحداث التوازن في كل األمور‪.‬‬
‫ومن خالل ما سبق يمكن أن نجمل القول في أن مفهوم االقتصاد عند ابن تيمية هو "تدبير األمور‬
‫الدينية والدنيوية دون إفراط وال تفريط"‪.‬‬
‫‪ ‬المفهوم الثاني‪ :‬مفهوم الحرية الفردية‬
‫يعتبر مفهوم الحرية الفردية من المفاهيم التي أثارت جدال حادا بين األنظمة االقتصادية المعاصرة‬
‫(الليبرالية واالشتراكية)‪ ،‬ففي الحين الذي يعتبرها النظام األول مركزية باعتبار الفرد مركز الوجود‬
‫ومحور دورانه‪ ،‬يرى النظام الثاني أنها يجب أن تكون محدودة بالقدر الذي تخدم فيه الحاجيات الجماعية‬
‫للمجتمع‪.‬‬
‫ومن هنا يأتي تصور اإلسال م الذي لم يلغها بالمطلق‪ ،‬كما أنه لم يقرها بالمطلق‪ ،‬وإنما أقرها وفق‬
‫ضوابط وقواعد تضمن حقوق الفرد والمجتمع معا‪ ،‬إال أن الذي يهمنا هنا هو الطريقة الفردية التي تطرق‬
‫بها اإلمام ابن تيمية إلى هذه المسألة حيث انطلق من منطلق يعتقد البعض أنه مقوض لهذه الحرية ليبين‬
‫على عكس ذلك أنه هو اإلطار األوحد لنيل هذه الحرية والتمتع بها‪ .‬فقد ارتبط مفهوم الحرية عند ابن تيمية‬
‫بمسألة العبادة التي هي الغاية من خلق العباد‪ ،‬فالحرية هي االنعتاق من عبودية غير هللا سواء كان المال أو‬
‫المنصب والرياسة‪ ،‬لهذا يسوق ابن تيمية حديث رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الذي جاء في الصحيح‬
‫"تعكس عبد الدرهم‪ ،‬تعس عبد الدينار‪ ،‬تعس عبد القطيفة‪ ،‬تعس عبد الخميصة‪ ،‬تعس وانتكس‪ ،‬وإذا شيك‬
‫فال انتفش‪ ،‬إذا أعطي رضي‪ ،‬وإذا منع سخط" ‪ ،11‬لذلك اعتبر ابن تيمية أن "الرق والعبودية في الحقيقة‬
‫هو رق القلب و عبودتيه‪ ،‬فما استرق القلب و استعبده فهو عبده‪ ،‬لهذا يقال‪:‬‬
‫‪ –10‬سورة القصص‪ ،‬اآلية‪77:‬‬
‫السيَ ِر‪2730 -‬‬
‫‪ - 11‬رواه البخاري في صحيحه ‪ِ -‬كت َاب ْال ِج َها ِد َو ِ‬
‫‪4‬‬
‫"العبد حر ما قنع ‪ #‬والحر عبد ما طمع"‪.12‬‬
‫فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب‪ .‬لذلك كان مدار الحرية عند ابن تيمية هو العبودية هلل‬
‫حيث يقول‪" :‬فكلما ازداد القلب حبا هلل ازداد له عبودية وحرية عما سواه‪ ،‬وكلما ازداد له عبودية‪ ،‬ازداد له‬
‫حبا وحرية عما سواه"‪ ، 13‬وإذا كانت الحرية مرتبطة بعبودية هللا فإن ذلك ال يعني حرمان الفرد من حقوقه‬
‫بل العكس حيث أن الفرد ال يشعر بقيمته و وجوده إال في ظل عبوديته لخالقه‪ ،‬لذلك نجد ابن تيمية قد‬
‫تعرض إلى حقوق الفرد في مقابل عبادته وقيامه بالواجبات الشرعية‪ ،‬وهذا ما أكده المستشرق الفرنسي‬
‫"هنري الووست"‬
‫‪14‬‬
‫حين قال‪" :‬فقد تميز مذهب ابن تيمية االجتماعي بخصائص وميوالت فردية في‬
‫نزعتها"‪ ،15‬والحقيقة أن هذا الميول مستمد من روح الشريعة اإلسالمية التي تصون حقوق الفرد‪ ،‬وأكبرها‬
‫حرية االعتقاد‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬إنك لن تهدي من أحببت ولكن هللا يهدي من يشاء﴾‪ 16‬وقوله تعالى‪﴿ :‬فمن شاء‬
‫فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾‪ ،17‬وعدم االعتداء على أموال الغير‪﴿ :‬وال تقربوا مال اليتيم إال بالتي هي‬
‫أحسن﴾‪ ،18‬وكذلك حرية التصرف في األموال الشخصية في غير معصية هللا‪ .‬فالحقوق الفردية إذن مكفولة‬
‫من طرف الشريعة‪.‬‬
‫وقد أفرد ابن تيمية مبحثا خاصا عن الحدود و الحقوق التي تكون آلدمي معين‪ ،19‬فمن الحدود التي‬
‫تطبق على المعتدي على حقوق الفرد؛ القصاص كما هو مقرر في الشريعة اإلسالمية‪ ،‬كقتل النفس التي‬
‫حرمها هللا إال بالحق إلى جانب القصاص في الجراح‪ 20‬واألعراض‪ 21‬والفرية‪ 22‬التي توجب العقوبة‪ .‬أما‬
‫فيما يخص الحقوق الفردية‪ ،‬فقد تحدث ابن تيمية فيها عن اإلبضاع (الفروج) حيث حدد الواجب فيها‬
‫بالحكم بين الزوجين بما أمر هللا تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‪ ،‬فيجب على كل من‬
‫‪ -12‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.22 :‬‬
‫‪ -13‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.22 :‬‬
‫‪ -14‬مستشرق فرنسي اهتم بدراسة كتب ابن تيمية خصوصا (دراسة وترجمة) والمذهب الحنبلي عموما‪.‬‬
‫‪ -15‬هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع‪ ، ،‬ص‪.364 :‬‬
‫‪ - 16‬سورة القصص‪،‬اآلي ‪56‬‬
‫‪ - 17‬سورة الكهف اآلي ‪29‬‬
‫‪ - 18‬سورة اإلسراء‪ :‬اآلي ‪34‬‬
‫‪ -19‬ابن تيمية "السياسة الشرعية في إصالح الراعي والرعية‪ ، ،:‬ص‪.133 :‬‬
‫‪ -20‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.138 :‬‬
‫‪ -21‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.139 :‬‬
‫‪ -22‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.139 :‬‬
‫‪5‬‬
‫الزوجين أن يؤدي إلى اآلخر حقوقه بطيب نفس وانشراح صدر‪ .23‬وأما األموال فيجب الحكم بين الناس‬
‫فيها بالعدل كما أمر هللا ورسوله؛ مثل تقسيم المواريث بين الورثة كما جاء في الكتاب والسنة‪.‬‬
‫لذلك نرى أن اجتماع هذه الحقوق فيه ضمان لحرية الفرد داخل المجتمع فهي بالقدر الذي تمنح‬
‫الفرد حرية التصرف‪ ،‬فإنها تنظم وضعيته داخل مجتمع ينتمي إليه مما يهيئ له الظروف ال ُمثلى لممارسة‬
‫حريته في أسمى صورها وهي العبادة‪.‬‬
‫المفهوم الثالث‪ :‬مفهوم الملكية‬
‫أشار شيخ اإلسالم ابن تيمية إلى تعريف الملكية وذلك عند حديثه عن ملكية الرقبة حيث قال‪" :‬إن‬
‫الملك هو القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة بمنزلة القدرة الحسية فيمكن أن تثبت القدرة على‬
‫تصرف دون تصرف شرعا‪ ،‬كما يثبت ذلك حسا"‪ 24‬فالملكية إذن هي إقرار شرعي بالحق في تصرف‬
‫معين‪ ،‬و هذا اإلقرار الشرعي هو الذي يعطي القدرة واالستطاعة للفرد ليقوم بهذا التصرف على غرار‬
‫التصرفات الحسية‪.‬‬
‫وأما عن أنواع الملكية في الشرع‪ ،‬فقد أقر ابن تيمية بوجود أشكال مختلفة‪ ،‬حيث خلص إلى أنه "إذا‬
‫كان الملك يتنوع أنواعا وفيه من اإلطالق والتقييد ما وصفته وما لم أصفه‪ ،‬لم يمنع أن يكون ثبوت ذلك‬
‫مفوضا إلى اإلنسان يثبت منه ما رأى فيه مصلحة له ويمتنع من إثبات ما ال مصلحة له فيه‪ ،‬و الشارع ال‬
‫يحضر على اإلنسان إال ما فيه فساد راجح أو محض‪ ،‬فإذا لم يكن فيه فساد‪ ،‬أو كان فساده مغمورا‬
‫بالمصلحة لم يحضره أبدا"‪ ،25‬لذلك فمسألة الحديث عن تحديد ألنواع محدودة من الملكية أمر فيه تضييق‬
‫وسوء فهم حسب ابن تيمية‪ ،‬ألن األمر في النهاية يعود إلى اإلنسان حسب مصلحته مع مراعاة أوامر‬
‫الشارع‪.‬‬
‫و يعتبر ابن تيمية الملكية من األمانات التي يجب أداؤها إلى أهلها وتمكينهم منها لذلك يرى أن‬
‫التصرف في الملك يكون على وجهين‪" :26‬تصرف المالك الذي أبيح له التصرف في ماله (وهي الملكية‬
‫الفردية)‪ ،‬وتصرف الوالة فهم أمناء ونواب ووكالء وليسوا مالك أعمال قال رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫‪ -23‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.142-141 :‬‬
‫‪ -24‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬ج‪ ،9 :‬م‪ ،29 :‬ص‪.178 :‬‬
‫‪ -25‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.180 :‬‬
‫‪ -26‬ابن تيمية "السياسة الشرعية في إصالح الراعي والرعية"‪ ، ،‬ص‪.39 :‬‬
‫‪6‬‬
‫وسلم ‪" :‬إني وهللا ال أعطي أحدا وال أمنع أحدا‪ ،‬وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"‪ .27‬و المقصود هنا ملكية‬
‫الدولة أو الملكية الجماعية‪ ،‬فإذا كانت هذه األخيرة تبدو واضحة ال خالف فيها فإن األولى الملكية الفردية‬
‫توجب بعض التركز والدراسة‪.‬‬
‫فإذا كنا قد تحدثنا عن إقرار اإلسالم للحرية الفردية وفق شروط ومقتضيات محددة‪ ،‬فما هي تجليات‬
‫هذه الحرية في مجال حرية التملك عند األفراد؛ يقول هنري الووست "يرى ابن تيمية أن الملكية الخاصة‬
‫ليست في حاجة إلى دفاع عنها ضد المذاهب النافية لشرعيتها فخيرات األرض مخلوقة لصالح الجنس‬
‫البشري وهللا يتولى توزيع ملكيتها على مختلف األفراد‪ ،28‬وحسب الووست أيضا فإن ابن تيمية "يعتبر‬
‫الملكية الفردية حقيقة واقعية"‪ .29‬ويذهب ابن تيمية في إقراره لحق الفرد في التملك إلى أولوية الشريك في‬
‫الشفعة كما هو في المذهب المالكي‪ .30‬كما رجح قول مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وطائفة‬
‫يح َع ْن الرسول‬
‫من أصحاب أحمد في مسألة الشفعة في العقار الذي ال يقبل القسمة ألنه ثَبَتَ فِي ال َّ‬
‫ص ِح ِ‬
‫صلى هللا عليه وسلم قوله "من كان له شريك األرض‪ ،‬أو ربعة أو حائط فال يحل له أن يبيع حتى يؤذن‬
‫شريكه‪ ،‬فإن شاء أخذ وإن شاء ترك‪ ،‬فإن باع ولم يؤذونه فهو أحق به" ‪ .31‬أما ما يقبل القسمة فقد اتفق‬
‫األئمة على ثبوت ذلك‪ .32‬ومن الحقوق الموجبة للملكية ما أشار إليه ابن تيمية في حديثه عن مسألة فناء‬
‫الدار؛ هل هي ملك لصاحب الدار أو حق من حقوقها فذكر أنه مملوك لصاحبها وهو مذهب مالك‬
‫والشافعي‪ ،‬أما الوجه الثاني فهو ما ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحاب أحمد‪ ،‬وهو أن األرض‬
‫تملك دون الطريق إال أن صاحب األرض أحق بالمرفق من غيره‪ ،‬وبذلك فهو أحق بفناء الدار من غيره‬
‫وهذا مذهب أحمد في الكالء النابت في ملكه فهو أحق به من غيره وإن كان ال يملكه على قول الجمهور‬
‫مالك والشافعي وأحمد‪ 33‬ـ وهذا ما يجلي حقيقة الملكية الفردية والتي تعطي لصاحبها حقوقا أخرى تابعة‬
‫لملكيته كما في فناء الدار أو تعطي الحق واألولوية في امتالك حق شريكه كما هو الحال في الشفعة‪.‬‬
‫فالملكية الفردية ليست فقط حقا في ذاتها بل تكفل حقوق أخرى‪ .‬كما أن الملكية الفردية ال تسقط بأي حال‬
‫‪ -27‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬ج‪ ،9 :‬م‪ ،29 :‬ص‪ 180 :‬و "السياسة الشرعية في إصالح الراعي والرعية"‪ ،‬ص‪.39 :‬‬
‫‪ -28‬هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع‪ ، ،‬ص‪.390 :‬‬
‫‪ -29‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.391 :‬‬
‫‪ -30‬المرجع السابق‪ ،‬هامش ص‪.277 :‬‬
‫‪ _31‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬م‪ ،30 :‬ص‪381 :‬‬
‫‪ -32‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬م‪ ،30 :‬ص‪.382-381 :‬‬
‫‪ -33‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.407 :‬‬
‫‪7‬‬
‫من األحوال‪ .‬فإذا كانت الردة مثال توجب قبل المرتد فهي مع ذلك ال تجيز مصادرة أموال المرتد بل تؤول‬
‫إلى ورثته الشرعيين‪ ،‬كما أنه من النادر في حالة استمرار عدم معرفة المالك على الرغم من وسائل‬
‫اإلشهار المتبعة أن يضم إلى بيت المال‪ ،‬فضال عن ضرورة إنفاقه للصالح العام‪ ،‬و زيادة على كل هذا فإن‬
‫الملكية الجماعية نفسها يمكن أن تتحول إلى ملكية فردية كما أشار إلى ذلك هنري الووست‪ 34‬مثل حالة‬
‫استصالح األرض الجدباء (إحياء الموات) بفضل العمل الفردي‪ ،‬أو إذا اقتطع الحاكم لبعض المقاتلين‬
‫قطعة أرض كنصيب لهم في الغنيمة‪ ،‬وفي المقابل فإنه يقيد إلى أقصى حد ممكن الحاالت التي يمكن فيها‬
‫أن تنتقل الملكية الخاصة إلى المجال العام"‪ ،‬وقد تسأل الووست عن إمكانية اعتبار الملكية وظيفة‬
‫اجتماعية ـ وإن لم يستخدم ابن تيمية هذا اللفظ قط‪ ،‬حيث اعتبر هذا التفسير هو المناسب لما ذهب إليه‪ ،‬وقد‬
‫دعم اتجاهه هذا من خالل منطلقين هما‪:35‬‬
‫‪ ‬إذا قصر المالك في واجبه‪ ،‬فحسابه ال يترك لضميره فحسب وال يترك بينه وبين ربه فحسب‪،‬‬
‫وإنما يتعين على الدولة أن تتدخل وتعيد المالك إلى النظام‪.‬‬
‫‪ ‬على الدولة أن تحدد األسعار للبضائع (التسعير) تحديدا عادال وأن تنسق بين مصالح المنتج‬
‫والمستهلك‪ ،‬حيث إن وظيفتها هي األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫وقد خلص إلى كون األموال التي تستخدم في أوجه تخالف نصوص الشرع يجوز شرعا سلبها من‬
‫أصحابها باعتبار الوظيفة االجتماعية للملكية‪ .‬وإذا كان ابن تيمية لم يعبر عن هذه النتيجة بوضوح‬
‫فإنها كانت هي المقصودة حسب الووست حينما «قرر ابن تيمية أن الجهاد أكبر مورد لبيت المال‬
‫وذلك إما بطريق مباشر بإباحته الغنيمة‪ ،‬وإما بطريق غير مباشر عند إضفاء الشرعية على الفيء‬
‫الذي ال يعدو أن يكون استعادة الجماعة لألموال التي أسيء استخدامها والتي يتعين وضعها في‬
‫إطار عبادة هللا»‪ .36‬وإذا أرد نا تقييم مسألة الوظيفة االجتماعية للملكية كما حددها الووست‪ ،‬فيمكن‬
‫أن ننطلق من الغاية العامة للملكية في اإلسالم والتي تشكل أحد عناصر الغاية من خلق اإلنسان‬
‫نفسه وهي عبادة هللا سبحانه وتعالى‪ ،‬كما هو مذهب ابن تيمية حيث اعتبر" أن العبادة هلل هي الغاية‬
‫المحبوبة هلل والمرضية له‪ ،‬التي خلق الخلق لها‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وما خلقت الجن واإلنس إال‬
‫ليعبدون‪ .‬لذلك فكل شيء مسخر لإلنسان إنما هو لتحقيق هذه الغاية السامية‪ ،‬والملكية إذن من‬
‫‪ -34‬هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع"‪ ، ،‬ص‪.391 :‬‬
‫‪ -35‬هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع"‪ ، ،‬ص‪.392 :‬‬
‫‪ -36‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.392 :‬‬
‫‪8‬‬
‫أموال وثروات ما هي إال وسيلة للعبادة "فحقوق المالك ليست إال واجبات"‪ 37‬كما قال الووست‪،‬‬
‫والملك ية باعتبارها وظيفة اجتماعية لها التزامات" ترتبط من جهة بحقوق الملكية ومن جهة أخرى‬
‫بمزاولة الفرد والجماعة لهذه الحقوق"‪ ،38‬لذلك فهي ال تبيح االستبداد في استخدام األموال أو‬
‫التصرف في الممتلكات مع اإلضرار بالغير‪ ،‬فالجمادات نفسها لها حقوق على أصحابها إذ ال يجوز‬
‫إتالفها إال في حدود ما أباحه هللا بناء على ما ينتج من ذلك من منافع ومزايا؛ إما بتحقيق متعه‬
‫المباحة أو إشباع حاجته‪ .‬وتصبح هذه االلتزامات أكثر إلحاحا و وجوبا كلما صعدنا في سلم الكائنات‬
‫من الحيوانات إلى اإلنسان‪.‬‬
‫المفهوم الرابع‪ :‬مفهوم القيمة والمنفعة‬
‫لقد سخر هللا لإلنسان الكون الستغالله لما فيه مصلحته ومنفعته‪ ،‬لذلك نجد أن اإلنسان يفضل بعض‬
‫الخيرات عن بعضها‪ ،‬وهذا ما يجعلنا نتساءل عن القيمة وعن المصادر التي تأخذ منها الخيرات قيمتها‪.‬‬
‫لقد كان مبحث "القيمة" من المباحث الذي حظي باهتمام من طرف االقتصاديين الغربيين سواء‬
‫الرأسماليين أو الماركسيين وذلك لمركزيتها في النظرية االقتصادية ألنظمتهم‪ ،‬إال أننا عندما نتصفح‬
‫كتابات ابن تيمية نجده قد سبق كل هؤالء إال مثل هذه الدراسات‪ ،‬بل وقد تعمق في ذلك وتجاوز من سبقوه‪.‬‬
‫يقول ابن تيمية "األمر ليس على قدر المشقة في كل شيء ولكن األمر على قدر منفعة العمل ومصلحته‬
‫وفائدته وعلى قدر طاعة أمر هللا ورسوله"‪ .39‬لذلك أورد قصة أخت عقبة بن عامر لما نذرت أن تحج‬
‫ماشية حافية‪ ،‬فقال النبي صلى هللا عليه وسلم ‪" :‬إن هللا لغني عن تعذيب أختك نفسها‪ ،‬مرها فلتركب"‪ ،40‬و‬
‫روي "أنه أمرها بالهدى" و روي بالصوم"‪ ،41‬فقد اعتبر ابن تيمية أن القيمة ال تحدد بالمشقة والتعب وإنما‬
‫بقدر تحقق طاعة هللا ورسوله صلى هللا عليه وسلم في ذلك العمل‪ .‬لذلك فالمشقة ليست مقصودة لذاتها‪ ،‬كما‬
‫أن العمل الذي ال يحقق منفعة تعود بالفائدة على صاحبها في الدنيا أوال وفي اآلخرة ثانيا فهو عمل غير‬
‫‪ -37‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.392 :‬‬
‫‪ -38‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.392 :‬‬
‫‪" -39‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬ج‪ ،5 :‬م‪ ،25 :‬ص‪.283-282 :‬‬
‫‪" -40‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬ج‪ ،5 :‬م‪ ،25 :‬ص‪.278 :‬‬
‫‪" -41‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬ج‪ ،5 :‬م‪ ،25 :‬ص‪.283-282 :‬‬
‫‪9‬‬
‫مرغوب ف يه‪ .‬وقد أضاف ابن تيمية بأن هناك أعماال ال تحصل إال بمشقة ويثاب عليها لما يعقبه من‬
‫المنفعة؛ أي أن األصل في الثواب هو المنفعة وليس المشقة وإن كان يثاب عليها أيضا‪ ،‬لذلك قال النبي‬
‫صلى هللا عليه وسلم لعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع "أجرك على قدر نصبك"‪ ،42‬أما‬
‫حينما تكون فائدة العمل منفعة ال تقاوم مشقته‪ ،‬فهذا فساد وهللا ال يحب الفساد‪ ،‬لذلك فتحمل المشاق يكون‬
‫محمودا إذا كان سيجر ربحا كثيرا ويدفع ضررا عظيما‪ ،‬وأما تحملها لتحصيل يسير أو دفع يسير فذلك من‬
‫الضرر المنهي عنه‪ ،‬فكان بمنزلة من أعطى ألف درهم ليعتاض بمائة درهم‪ ،‬أو مشى مسيرة يوم ليتغذى‬
‫غدوة يمكنه أن يتغذ خيرا منها في بلده‪.43‬‬
‫أما ح ينما نبحث في دراسات االقتصاد السياسي نجد أن القيمة أساس العمل‪ ،‬فقد ميز "آدم سميث"‬
‫بين القيمة االستعمالية والقيمة التبادلية واعتبر أنها تحدد في المجتمعات البدائية بالعمل المبذول‪ ،‬أما‬
‫"ريكاردو" فقد اعتبر من جهته أن القيمة التبادلية للسلع تحدد على أساس نذرتها وكمية العمل الضروري‬
‫إلنتاجها‪ ،‬ولم يضف "كارل ماركس" الشيء الكثير‪ ،‬إنما أضفى على المفهوم طابعه الفكري الخاص‬
‫فأدخل عليه بعض التوضيحات حيث انطلق من مفهوم البضاعة ليعتبر أن القيمة تحدد بالعمل المجرد‬
‫المباشر وغير المباشر الالزم اجتماعيا إلنتاج البضاعة‪ ،‬ويشكل العمل المجرد حصيلة إنفاق قوة العمل‬
‫بصرف النظر عن الخصائص الملموسة لهذا األخير‪ ،‬أما العمل المباشر أو الحي فهو العمل المبذول‬
‫مباشرة في عملية اإلنتاج‪ .44‬فإذا اتفق هؤالء على كون أساس القيمة هو العمل وإن اختلفت تحليالتهم؛ فإن‬
‫اقتصارهم على العمل المبذول في إنتاج السلع أي المجهود الذي يقوم به العامل أثناء اإلنتاج يحيل على أنه‬
‫كلما كان المجهود المبذول أكثر كلما كانت القيمة أكبر‪ ،‬وهذا خالف ما أكده ابن تيمية حيث اعتبر أن‬
‫المشقة ال تحدد قيمة العمل وإنما منفعته‪ ،‬فالجزاء واألجر يكون على أساس المنفعة ال على أساس المشقة‪،‬‬
‫لذ لك نرى أن ما ذهب إليه ابن تيمية أكثر مرونة واستجابة لتطورات الحياة االجتماعية‪ ،‬فمع تطور وسائل‬
‫اإلنتاج لم يبقى المجهود المبذول في العمل هو األساسي‪ ،‬وإنما هو قيمة المنتوج في حد ذاته ومدى نفعيته‪.‬‬
‫فال تكمن مشكلة دعاة االقتصاد السياسي في العمل المبذول فقط‪ ،‬وإنما في إبعاد كل عناصر اإلنتاج غير‬
‫العمل كاألرض و رأس المال في تكوين القيمة‪ ،‬وهذا ما جعل "ريكاردو" يأتي بنظرية جديدة في تفسير‬
‫الري ع العقاري والتي قلب بها المفهوم االقتصادي السائد عن الريع كي يبرهن أن األرض ال تساهم في‬
‫‪" -42‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬ج‪ ،5 :‬م‪ ،25 :‬ص‪.283-282 :‬‬
‫‪" -43‬مجموع فتاوى ابن تيمية"‪ ،‬ج‪ ،5 :‬م‪ ،25 :‬ص‪.283-282 :‬‬
‫‪ -44‬محمد عبده وعبد اإلله بكار "االقتصاد السياسي والمصطلحات االقتصادية"‪ ،‬ص‪.42 :‬‬
‫‪10‬‬
‫تكوين القيمة التبادلية في حالة المنافسة الكاملة‪ ،‬فقد كان عادة االقتصاد السياسي قبل ريكاردو يفسرون‬
‫ريع األرض بأنه هبة من الطبيعة تنشأ من اشتراك األرض مع الجهود اإلنسانية في اإلنتاج الزراعي‪،‬‬
‫وبالتالي في تكوين القيمة التبادلية المنتجة‪ ،‬وهذا يعني ضمنيا أن العمل ليس هو األساس الوحيد للقيمة‪،‬‬
‫لذلك قرر ريكاردو بأن الريع هو نتيجة لالحتكار‪ ،‬وال يمكن أن يظهر في حالة المنافسة الكاملة‪ .45‬وهذا ما‬
‫يبين أن هناك عناصر في الطبيعة ال تحتاج إلى تدخل بشري ويمكن استغاللها مباشرة أي أن هذه العناصر‬
‫تستعمل كخام مما يجعل قيمتها ذاتية بدون أي عمل زائد‪ ،‬ويعتبر كل عمل إضافي زيادة في قيمتها األولية‬
‫وليس قيمة ابتدائية‪.‬‬
‫لذلك نجد أن ابن تيمية في معرض حديثه عن العبادة يعتبر كل الثروات التي خلقها هللا جعلها وسيلة‬
‫لعبادته ونيل مرضاته باستعمالها في صالح األعمال‪ ،‬لذلك فهذه المخلوقات المسخرة لإلنسان تتضمن قيمة‬
‫ذاتية كخيرات طبيعية من جهة‪ ،‬وتتضمن قيمة اعتبارية كوسيلة لنيل رضى هللا من جهة أخرى‪.‬‬
‫ويمكن أن نلخص مفهوم ابن تيمية للقيمة في كونها المنفعة المترتبة عن العمل المعتدل الذي ال‬
‫مشقة فيه وهو ما يمثل المصلحة المادية الدنيوية‪ ،‬و المنفعة االعتبارية المرتبطة نيل مرضاه هللا وهو ما‬
‫يمثل المصلحة األخروية‪.‬‬
‫المفهوم الخامس‪ :‬مفهوم الحاجة‬
‫تحدث ابن تيمية عن الحاجة التي تكون إلى المال و اعتبر أنها تكون على وجهين‪:‬‬
‫أولهما‪" :‬ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومسكنه و منكحه ونحو ذلك فهذا يطلب‬
‫من هللا ويرغب إليه فيه‪ ،‬فيكون المال عنده يستعمله في حاجاته بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي‬
‫يجلس عليه بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده فيكون هلوعا‪ ،‬إذا مسه الخير‬
‫منوعا‪.46"...‬‬
‫ثانيهما هو‪" :‬ما ال يحتاج إليه العبد فهذه ال ينبغي له أن يعلق قلبه بها‪ ،‬فإذا تعلق قلبه بها صار‬
‫مستعبدا لها‪ ،‬و ربما صار معتمدا على غير هللا فيها"‪.47‬‬
‫‪ -45‬محمد باقر الصدر "اقتصادنا" ‪ ،‬ص‪ ،188 :‬بتصرف‪.‬‬
‫‪ -46‬ابن تيمية "العبودية" ‪ ،‬ص‪.27 :‬‬
‫‪ -47‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.271 :‬‬
‫‪11‬‬
‫وهذا يبين أن ابن تيمية يقسم الحاجات إلى‪:‬‬
‫فالقسم األول‪ :‬يضم الحاجات األساسية التي ال غنى لإلنسان عنها؛ كاألكل والشرب والملبس‬
‫والمسكن شريطة ابتغاء ما عند هللا تعالى دون أن يستعبد نفسه في طلبها فيفقد عبوديته هلل‪ ،‬والمقصود هنا‬
‫هو حسن التوكل من خالل السعي والكسب عوض التواكل وابتغاء ما عند الناس ففي الحديث" ما أَك َل‬
‫أحد من بني‬
‫آدم‬
‫َ‬
‫طعاما‬
‫خيرا‬
‫عمل يده‪،‬‬
‫لهُ من أن يأك َل من َ‬
‫َّ‬
‫إن‬
‫ي‬
‫النَّب َّ‬
‫داودَ‬
‫عليه‬
‫سال ُم‬
‫ال َّ‬
‫كانَ يأ ُك ُل من عمل يده"‪.48‬‬
‫أما القسم الثاني فهي الحاجات الكمالية التي يمكن لإلنسان االستغناء عنها‪ ،‬فال ينبغي له أن يعلق قلبه‬
‫بها ألنها تكون أكثر إغراء وجاذبية مما يجعله عبدا لها من دون هللا‪.‬‬
‫وفي معرض تفسيره لقوله تعالى‪ :‬والذي قدر فهدى‪ ‬يقول ابن تيمية أن هللا سبحانه "قدر ما سيكون‬
‫للمخلوقات وهداها إليه‪ .‬علم ما يحتاج إليه الناس والدواب من الرزق‪ ،‬فخلق ذلك الرزق وسواه وخلق‬
‫الحيوان وسواه وهداه إلى ذلك الرزق وهدى غيره من األحياء‪ ...‬وخلق األرض وقدر حاجتها من المطر‬
‫وقدر السحاب وما يحمله من المطر‪ ،‬وخلق مالئكة فهداهم ليسوقوا ذلك السحاب إلى تلك األرض فيمطر‬
‫المطر الذي قدره‪ .‬وقدر من يسوق ذلك الرزق إليهم"‪ .49‬فاهلل سبحانه خلق كل شيء بقدر وميزان وكفل‬
‫حاجة اإلنسان خالل حياته وهذا ما يؤكد أن حاجات اإلنسان محدودة وأن ما سخر هللا لإلنسان كاف لسد‬
‫كل حاجاته وبهذا فإن مسألة الندرة النسبية التي يعتبرها النظام الرأسمالي هي المشكلة االقتصادية تعد‬
‫مسألة واهية وذلك بنص قرآني صريح‪.‬‬
‫فالمشكلة الحقيقية تكمن في سوء توزيع األموال والثروات على األفراد إلشباع حاجاتهم األساسية‬
‫إشباعا كليا‪ ،‬لذلك يرى الدكتور "محمود الخالدي" أن ابن تيمية كان له فهم عميق في هذه المسألة حيث أكد‬
‫"أن األصل هو أن هللا تعالى إنما خلق األموال إعانة على عبادته‪ ،‬ألنه إنما خلق الخلق لعبادته"‪ ،50‬وهذا‬
‫الفهم يؤكد استحالة تحقق الندرة مادامت الحياة قائمة ومادام هناك بشر على ظهر هذه األرض‪.‬‬
‫ومن أجل سد هذه الحاجيات وتحقيق الكفاية بسبب سوء التوزيع أو لفاقة أصابت البالد أو لحرب؛‬
‫فيرى ابن تيمية أن "الواجب على من عندهم فضول أطعمة مخزونة بيعها‪ ،‬وعلى السلطان إجبارهم على‬
‫‪ -48‬رواه المقدام بن معد يكرب الكندي‪ ،‬أبو نعيم" حلية اْلولياء" ‪ - 5/246‬وسنده صحيح ‪.‬‬
‫‪" -49‬مجموعة التفسير" البن تيمية‪ ،‬ص‪ ،58 :‬نقال عن "ابن تيمية" لمحمد يوسف مرسي‪.‬‬
‫‪ -50‬الدكتور محمود الخالدي "االقتصاد الرأسمالي في مرآة اإلسالم" ‪ ،‬ص‪ ،75 :‬الهامش‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫ذلك أو يبيعها عليهم ألنه فعل واجب عليهم"‪ ،51‬بل ذهب ابن تيمية إلى حد أنه إذا "احتاج المسلمون إلى‬
‫الصناعات‪ :‬كالفالحة والنساجة والبناية‪ :‬فعلى أهلها بذلها لهم بقيمتها‪ ،‬كما عليهم بذل األموال التي يحتاج‬
‫إليها بقيمتها‪ ،‬إذ ال فرق بين بذل األموال وبذل المنافع‪ ،‬بل بذلك تكون المنافع التي ال يضر بذلها أولى‬
‫بالوجوب معاوضة‪ ،‬ويكون بذل هذه فرضا على الكفاية‪.52‬‬
‫فاألصل أن إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسكن أمر واجب‪ ،‬ولإلمام أن يلزم‬
‫بذلك ويجبر عل يه وال يكون ذلك ظلما‪ ،‬لذلك يرى ابن تيمية أن "وجوب المعاوضات من ضرورة الدنيا‬
‫والدين‪ ،‬إذ اإلنسان ال ينفرد بمصلحة نفسه بل البد له من االستعانة ببني جنسه‪ ،‬فلو لم يجب على بني آدم‬
‫أن يبذل لهذا ما يحتاج إليه لفسد الناس‪ ،‬وفسد أمر دنياهم‪ ،‬ودينهم‪ ،‬فال تتم مصالحهم إال بالمعارضة‬
‫وصالحها بالعدل الذي أنزل هللا له الكتب‪ ،‬وبعث به الرسل‪ ،‬فقد قال تعالى‪﴿:‬لقد أرسلنا بالبينات وأنزلنا‬
‫معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾‪ .53‬ولقد كانت هذه إشارة عميقة من ابن تيمية في وجوب إيتاء‬
‫األموال‪ ،‬حيث يوضح أنه "يغلط البعض حين يعتقد أن ال حق في المال سوى الزكاة وهذا عام‪ ،‬فلم يعلموا‬
‫بالحديث الذي رواه الترمذي عن فاطمة "إن في المال حق سوى الزكاة"‪ ،‬فإذا كان من قال باألول‪ :‬أراد‬
‫الحق المالي الذي يجب بسببه المال فيكون راتبا‪ ،‬وإال فنحن نعلم باالضطرار من دين اإلسالم أن هللا قد‬
‫أوجب إيتاء المال في غير الزكاة المفروضة في مواضيع مثل الجهاد والحج ونفقة الزوجة واألقارب‬
‫والمماليك من اآلدميين ومثل ما يجب في الكفارات من عتق وصدقة‪ ...‬إال أن الغرض من الحديث ما يجب‬
‫من المعاوضات؛ مثل المبايعة والمؤاجرة وما يشبه ذلك‪ ،‬ومثل المشاركات كالمساقات والمزارعة ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬فإن هذا كثيرا ما يغلط فيه الغالطون لما استقر في الشريعة أن الظلم حرام وأن األصل أن هذه العقود‬
‫ال تجوز إال بالتراضي‪ ،‬إال في مواضع استثناها الشارع‪ ،‬وهو اإلكراه عليه بحق"‪.54‬‬
‫المفهوم السادس‪ :‬مفهوم الفقر‬
‫لما تعرض ابن تيمية لموضوع الفقر اعتبر أن كل ما يرجوه المرء ويتعلق قلبه به يصير فقيرا إلى‬
‫حصوله وإلى كل ما يظن أنه سبب في حصوله‪ ،‬وهذا يكون في المال والجاه وغير ذلك‪ ،‬قال الخليل عليه‬
‫‪ -51‬مجموع فتاوي ابن تيمية‪ ،‬ج‪ ،9 :‬م‪ ،29 :‬ص‪.194-193 :‬‬
‫‪ -52‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.194-193 :‬‬
‫‪ -53‬سورة الحديد ‪ ،‬اآلية ‪25‬‬
‫‪ -54‬مجموع فتاوي ابن تيمية‪ ،‬ج‪ ،9 :‬م‪ ،29 :‬ص‪ 188-187 :‬بتصرف‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫السالم‪" :‬فابتغوا عند هللا الرزق واشكروا له"‪ .55‬وقد استوحى ابن تيمية هذا من خالل ما روى عن عمر‬
‫ابن الخطاب رضي هللا عنه أنه قال‪" :‬الطمع فقر واليأس غنى‪ ،‬وإن أحدكم إذا يئس من الشيء استغنى‬
‫عنه" وهذا أمر يجده اإلنسان من نفسه‪ ،‬فإن األمر الذي ييأس منه ال يطلبه وال يطمع به فال يبقى قلبه فقيرا‬
‫إليه‪ ،‬وال إلى من يفعله"‪ .56‬فالذي يطلب الرزق من هللا يصير عبدا له فقيرا إليه‪ ،‬وأما من يطلبه من مخلوق‬
‫صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا له‪ ،‬لذلك كانت مسألة المخلوق محرمة في األصل‪ ،‬وإنما أبيحت للضرورة‪،‬‬
‫وقد أورد ابن تيمية عدة أسانيد في الصحاح والسنن والمساندة تدل على النهي عن مسألة الخلق‪ .57‬أما فيما‬
‫يخص مصطلحي الفقير والمسكين الذين يردان في النصوص الشرعية‪ ،‬فيرى ابن تيمية‪« :‬أنه عندما يفرد‬
‫أحدهما بالذكر فيدل على العموم وإذا قرن على التخصيص كما في قوله تعالى‪﴿:‬للفقراء الذين احصروا في‬
‫سبيل هللا﴾‪ ،58‬وقوله تعالى‪﴿ :‬إطعام عشرة مساكين﴾‪ ،59‬فلما أفرد أحدهما دخل فيه اآلخر‪ ،‬ولما قرن بينهما‬
‫في قوله تعالى‪﴿ :‬إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾‪ ،60‬صار نوعين وقد قيل إن الخاص المعطوف على‬
‫العام ال يدخل في العام حال االقتران بل يكون من هذا الباب‪ ،61‬أي صارا نوعين ـ وقد ذكر الووست‬
‫تعريف ابن تيمية للفقراء والمساكين‪ ،‬وذكر بعده تعريف "موفق الدين"‪ ،‬حيث يقصد بالفقراء‪« :62‬الذين ال‬
‫يملكون ما ال غنى عنه للحياة» ويقصد بالمساكين «من يتوفر لديهم بعض أسباب الحياة بشكل غير كاف»‪،‬‬
‫ويجمع ابن تيمية بين الطائفتين في تعريف واحد فيقول «الفقراء والمساكين يجمعهم معنى الحاجة إلى‬
‫الكفاية»‪ .‬ويرى الووست أن ابن تيمية في كتاب الفتاوى يعارض بعض معاصريه في اعتبار لفظ "فقراء"‬
‫ينصرف فقط إل ى الذين يهبون حياتهم للفقر وينعزلون في صومعة يتفرغون فيها لحياة التأمل‪ ،‬وهؤالء ال‬
‫يستبعدهم ولكنه يضم إليهم كل المعوزين سواء كان لبسه لبس الفقراء االصطالحي أو لباس الجند المقاتلة‬
‫أو لبس الشهود أو لبس التجار والصناع أو الفالحين‪ .63‬فالفقر إذن مرتبط بالحاجة والعوز‪ ،‬لذلك كانت‬
‫االلتزامات المرتبطة بتقسيم الثروة هي التزامات بالتضامن والمساعدة المتبادلة‪ ،‬فاألغنياء ليسوا أعداء‬
‫‪ -55‬سورة العنكبوت‪ ،‬اآلية‪.17 :‬‬
‫‪ -56‬ابن تيمية "العبودية"‪ ، ،‬ص‪.22 :‬‬
‫‪ -57‬المرجع السابق‪ ،‬أنظر ص‪.23 :‬‬
‫‪ -58‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية‪.273 :‬‬
‫‪ -59‬سورة المائدة‪ ،‬اآلية‪.89 :‬‬
‫‪ -60‬سورة التوبة‪ ،‬اآلية‪.6 :‬‬
‫‪ -61‬ابن تيمية "العبودية" ‪ ،‬أنظر ص‪ ،18 :‬بتصرف‪.‬‬
‫‪ -62‬هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع"‪ ،‬ص‪.349 :‬‬
‫‪ -63‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.349 :‬‬
‫‪14‬‬
‫للفقراء بل شركائهم وللفقراء عليهم حقوق ولألمة في شخص رئيسها أن يجبر األغنياء على مزاولة‬
‫وظيفتهم‪ ،‬لذلك يرى الووست أن األموال إن كانت بالملكية فهي جماعية باالستخدام‪ ،64‬فالغني هو الذي‬
‫يرى في أمالكه وأمواله حق الفقير الذي يجب عليه كفاية حاجته وإشباعها‪ .‬قال تعالى‪ ﴿ :‬والذين في‬
‫أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾‪ ،65‬وقال أيضا‪﴿ :‬خذ من أموالهم صدقة تزكيهم وتطهرهم بها﴾‪،66‬‬
‫وأبعد من كل ذلك فالشرع ال يعاقب السارق الجائع المحروم الذي يسرق لسد رمقه‪ ،‬إذ يجب على الدولة‬
‫كفالة حاجته وإشباع جوعه‪ ،‬لذلك نجد عمر ابن الخطاب رضي هللا عنه لم يقطع يد السارق في عام الرمدة‬
‫(عام الجوع)‪ .‬وال يجب أن يعتقد أيضا أن مال الغني سيقف عائقا في طريق فالحه األخروي‪ ،‬وإنما هو‬
‫السبب الذي سيجعله يستزيد من حقوقه في جزاء اآلخرة إذا اضطلع بالرسالة التي تفرضها عليه ثروته‪،67‬‬
‫لذلك نجد السلف الصالح من الصحابة يتنافسون في اإلنفاق في سبيل هللا على الفقراء وعلى عتق العبيد من‬
‫المسلمين (مثل أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضوان هللا عليهم)‪ ،‬ويرى كثير من الزهاد والمتصوفة‬
‫أن الفقر أفضل من الغنى وفي هذا يذكر الدكتور مصطفى حلمي‪ 68‬أن ابن تيمية يرى عكس ذلك "إنه لما‬
‫كان جنس الزهد في الفقر أغلب‪ ،‬صار الفقر في اصطالح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد وهو‬
‫جنس التصوف‪ .‬فإذا قيل‪ :‬فهذا فيه فقر‪ ،‬لم يرد به عدم المال‪ ،‬ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفي من‬
‫المعارف واألحوال واألخالق ونحو ذلك وعلى هذا االصطالح قد تنازعوا‪ :‬أيهما أفضل الفقير أو‬
‫الصوفي؟ فاعتبر أن األفضلية بالتقوى"‪ .69‬وقد اعتبر "الووست" أن جزاء الفقر ال يرجع إلى شعور‬
‫صاحبه بالذلة واالستكانة واالستسالم‪ ،‬وإنما شعور المسلم الحقيقي هو العزة الناشئة عن إحساسه بتفوق‬
‫دينه‪ ،‬وهذا ما يجعله يؤكد أن ابن تيمية يستنكر رهبنة الزوايا وقيود الطعام التي يزاولها الفقراء وفكرة‬
‫تفضيل الفقر على الغنى‪ ،‬وأن الفقير أعلى مقاما من الصوفي‪ ،‬لذلك ارتبط الثواب في اإلسالم بالعمل ﴿كل‬
‫نفس بما اكتسبت رهينة﴾ ‪ ،70‬فالثروة أفضل من الفقر ألن الغني يقرر واجبات في حين أن الفقر ينشئ‬
‫حقوقا‪.‬‬
‫‪ -64‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.395 :‬‬
‫‪ -65‬سورة المعارج‪ :‬اآليتان ‪25-24‬‬
‫‪_66‬‬
‫سورة التوبة‪ ،‬اآلية‪103 :‬‬
‫‪ -67‬المرجع السابق‪ ،‬ص‪.395 :‬‬
‫‪ -68‬صاحب التقديم والتعليق على كتاب "هنري الووست"‪.‬‬
‫‪ -69‬الشيخ زهير شفيق البكي "فقه التصوف"‪ -‬موسوعة فقه السنة‪ -‬تهذيب وتعليق ‪ ،‬ص‪( ،21 :‬بتصرف)‪.‬‬
‫‪ -70‬سورة المدثر‪ ،‬اآلي ‪38 :‬‬
‫‪15‬‬
‫مصادر ومراجع البحث‬
‫‪ ‬أوال‪ :‬القرآن الكريم‬
‫‪ ‬ثانيا‪:‬‬
‫أ ـ كتب ابن تيمية‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ "مجموع فتاوى شيخ اإلسالم احمد ابن تيمية"‪ ،‬جمع وترتيب عبد الرحمان محمد بن قاسم‬
‫أشرف على الطباعة واإلخراج‪ :‬المكتب التعليمي السعودي بالمغرب‪ ،‬مكتبة دار المعارف‪ ،‬الرباط‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ "مجموع الرسائل الكبرى "البن تيمية"‪ ،‬دار الفكر للطباعة والنشر‪1980 ،‬م‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ "السياسة الشرعية في إصالح الراعي والرعية"‪ ،‬البن تيمية‪ ،‬دار اآلفاق الجديدة‪ ،‬المغرب‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ "الحسبة ومسؤولية الحكومة اإلسالمية"‪ ،‬تحقيق صالح عزام‪ ،‬مطبوعات الشعب‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ "العبودية" ابن تيمية‪ ،‬ط‪ ،I :‬دار الكتب‪1981. ،‬‬
‫‪ 6‬ـ "مقدمة في أصول التفسير"‪ ،‬طبع بدمشق‪.1926 ،‬‬
‫ب ـ تراجم ابن تيمية‪:‬‬
‫‪ 7‬ـ "ابن تيمية"‪ ،‬محمد أبو زهرة‪ ،‬دار الفكر العربي‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ "ابن تيمية" محمد يوسف موسى‪ ،‬سلسلة أعالم العرب‪ ،‬وزارة الثقافة واإلرشاد القومي بمصر‪.‬‬
‫ج ـ كتب حول فكر ابن تيمية‪:‬‬
‫‪ 9‬ـ "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع" هنري الووست‪ ،‬ترجمة محمد عبد العظيم‪،‬‬
‫تقديم وتعليق‪ :‬د‪ .‬مصطفى حلمي دار األنصار‪ ،‬عابدين القاهرة‪.‬‬
‫‪ 10‬ـ "آراء ابن تيمية في الدولة ومدى تدخلها في المجال االقتصادي"‪ ،‬محمد بن المبارك‪.‬‬
‫‪ 11‬ـ "ابن تيمية وإسالمية المعرفة"‪ ،‬طه جابر العلواني‪ ،‬ط‪ ،1995 ،II :‬المعهد العالمي للفكر‬
‫اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ 12‬ـ "تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية"‪ ،‬إبراهيم عقيلي‪ ،‬ط‪ ،1994 ،I :‬المعهد العالمي للفكر‬
‫اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ 13‬ـ "موسوعة فقه ابن تيمية"‪ ،‬للدكتور محمد رواس قلعه جي‪ ،‬ط‪.I :‬‬
‫‪ 14‬ـ "فقه التصوف"‪ ،‬لشيخ اإلسالم‪ ،‬تهذيب وتعليق‪ :‬الشيخ زهير شفيق البكي‪ ،‬ط‪ ،1‬دار الفكر‪.‬‬
‫د‪-‬كتب عامة في الفكر اإلسالمي واالقتصادي‬
‫‪ 15‬ـ "االقتصاد الرأسمالي في مرآة اإلسالم"‪ ،‬د‪ .‬محمود الخالدي‪ ،‬ط‪ ،I :‬دار الجليل ‪1984.‬‬
‫‪ 16‬ـ "االقتصاد السياسي والمصطلحات االقتصادية"‪ ،‬محمد عبده‪ ،‬عبد اإلله بكار‪-‬كلية الحقوق‬
‫مكناس ‪1997.‬‬
‫‪ 17‬ـ "الفكر اإلسالمي في تطوره"‪ ،‬محمد البهي‪ ،‬ط‪ ،II :‬دار التضامن للطباعة‪.‬‬
‫‪ 18‬ـ "الوظائف االقتصادية للعقود المطبقة في البنوك اإلسالمية"‪ ،‬صبري حنين‪ ،‬ط‪ ،I :‬المعهد‬
‫العالمي للفكر اإلسالمي‪.1996 ،‬‬
‫‪ 19‬ـ "في التراث االقتصادي اإلسالمي الخراج واإلقطاع والدولة‪ ،‬دراسة في االقتصاد السياسي‬
‫للدولة اإلسالمية"‪ ،‬تقديم محمد شلق‪ ،‬ط‪1990. ،I :‬‬
‫‪ 20‬ـ "اقتصادنا" محمد باقر الصدر‪ ،‬مؤسسة دار الكتاب اإلسالمي‪.‬‬
‫‪16‬‬