المفاهيم االقتصادية عند شيخ اإلسالم ابن تيمية بقلم :الدكتور فريد عمار -الرباط -المغرب *دكتوراه في االقتصاد اإلسالمي . *يحضر دكتوراه في البحث العلمي واالقتصاد المعرفي بجامعة محمد الخامس بالرباط-المغرب * مختص في التنمية االجتماعية واالقتصاد اإلسالمي* *رئيس مركز رواد التنمية للتدريب و االستشارات واألبحاث-الرباط* تعرض ابن تيمية في كتاباته إلى مجموعة من المفاهيم التي لها عالقة باالقتصاد ،سواء كانت تتعلق بالنظرية االقتصادية أو ببعض التطبيقات العملية في مجال المعامالت بين الناس؛ مالية كانت أو غيرها. والذي يميز ابن تيمية أنه كان سبقا لتحليل بعض المفاهيم المؤسسة في النظريات االقتصادية الحديثة وكانت نظرته عميقة توضح عمق استيعابه لألسس التي تبنى عليها تلك المفاهيم رغم عصره لم يكن في غالبية أوقاته ينعم باالستقرار الذي يمكن أن يسمح بمناخ التطور واالزدهار االقتصادي. والذي يتميز به ابن تيمية في هذا المجال مسألتين أساسيتين هما: األولى :كون ابن تيمية لم يتعرض لهذه المفاهيم بشكل خاص ومتفرد ،حيث لم يخصها بالدراسة في مباحث خاصة ،وإنما ناقشها في إطار تناوله لمسائل مختلفة ،قد تكون لها عالقة بشكل أو بآخر بهذه المفاهيم االقتصادية .لذلك نجد مفاهيما قد تعرض لها في موقع باقتضاب وفي موقع آخر بإسهاب .فتحديد المفهوم عند ابن تيمية يستوجب الجمع بين ثنايا التفاصيل المتعلقة فقط بما يربط هذه المفاهيم بالمواضيع األساسية موضوع الدراسة في مواقع مختلفة ،وهذا ما يجعل تحديد المفاهيم االقتصادية عند ابن تيمية أمرا يكتنفه بعض التعقيد. الثانية :نجد ابن تيمية عندما يناقش هذه المفاهيم أو حتى غيرها ،ينطلق أساسا من الكتاب والسنة كإطار مرجعي لهذه المفاهيم كلها ،ثم بعد ذلك يورد تعليقاته وتحليالته دون إسهاب مخاطبا العقل ،ثم يعرض ألمثلة عملية من واقع الناس ومعامالتهم من خالل واقع الصحابة والتابعين والسلف الصالح. وفيما يلي عرض ألهم هذه المفاهيم التي تعرض لها ابن تيمية: 1 المفهوم األول :مفهوم االقتصاد الحديث عن المفاهيم االقتصادية عند ابن تيمية جعلنا نقف في البداية عند مفهوم االقتصاد نفسه كإطار محوري لهذه ا لدراسة .وفي إطار البحث عن هذا المفهوم ،وجدنا أن ابن تيمية قد تحدث عنه في كتاب الصيام ،وذلك في معرض جوابه عن مسألة متعلقة بالمبالغة في الصيام واإلكثار منه ،بدعوى نيل رضا هللا والتقرب منه ،فاعتبر أن المقصد الشرعي والذي حث عليه هللا ورسوله صلى هللا عليه وسلم هو "االقتصاد في العبادة" ،1وقد احتج بمجموعة من األحاديث كقوله صلى هللا عليه وسلم " :عليكم هديا قاصدا ،عليكم هديا قاصدا" ،2وقوله " :إن هذا الدين متين ،ولن يشاد الدين أحد إال غلبه فاستعينوا بالغدوة والروحة ،وشيء من الدلجة ،والقصد القصد تبلغوا" ،3وكالهما في الصحيحين .وقال ابن أبي كعب سنة ،خير من اجتهاد في بدعة) ،4وبذلك ارتبط مفهوم االقتصاد بالعبادة ،فكان بذلك يشمل (اقتصاد في ُ جميع أمور وأحوال اإلنسان ،حيث أن الهدف العام من الخلق هو العبادة لقوله تعالى :وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون ،5فكان االقتصاد بذلك الصفة المشتركة بين كل أعمال الطاعات ،وكان األصل في العبادات التوسط واالعتدال. وقد اعتبر ابن تيمية العبادة ال يجب أن تحدث ضررا باإلنسان وتمنعه عن فعل واجب أنفع له منها كانت محرمة؛ كالصيام الذي يضعف عن الكسب الواجب ،أو يمنعه عن العقل أو الفهم الواجب ،أو يمنعه عن الجهاد الواجب ،و إذا كانت توقعه في محل محرم ال يقاوم مفسدته مصلحتها؛ مثل أن يخرج ماله كله ثم يستشرف إلى أموال الناس ويسألهم .ولما كانت العبادة اسم جامع لكل أعمال الخير المقربة إلى هللا من صالة وصيام و زكاة و حج و إنفاق و جهاد في سبيل هللا ،كان االقتصاد في األموال وعدم اإلسراف في إنفاقها ،حتى فيما يعتقد أنه طاعة تقود إلى الهالك أو تقعد عن اإلتيان بالواجبات األخرى ،فكان االقتصاد -1ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ،ج ،5 :م ،25 :ص.272 : ِ ِ صار رقم22454: -2رواه أحمد في مسنده َ -باقي ُم ْسَند ْاْل َْن َ -3مجموع فتاوى اب ِن تيمية -اْلِفْقه ِ -كتَاب ِ الصَيا ِم -االقتصاد في العبادة ج ،5 :م ،25 :ص 272 :ـ و رواه أحمد في َ ُْ ُ ُ ْ ُ ِ ِ ِ ِ الرَق ِ ين 10556 -بلفظ مغاير ،وجاء في صحيح البخاري -كتَاب ِ اق رقم 6098بلفظ مختلف مسنده َ -باقي ُم ْسَند اْل ُم ْكث ِر َ " -4مجموعة فتاوى ابن تيمية ،:ج ،5 :م ،25 :ص.272 : -5سورة الذاريات ،اآلية.56 : 2 من القصد كما في الحديث ،بما يعني االعتدال والوسطية في كل األمور دون مبالغة ُمفرط أو تقصير ُمفرط.6 فكان مفهوم االقتصاد عند ابن تيمية يتأطر بمسألتين: أوالهما؛ شموله لكافة أمور العبادة وشؤونها مما يجعله ال يقف عند األمور الدنيوية فحسب من معامالت أو تجارة ،بل يهم باألساس صلب الدين وتدبير كل أموره ،على عكس "االقتصاد السياسي" الذي يهتم فقط بالثروات المادية ،وذلك كما عرفه رواد المدرسة الكالسيكية باعتباره" :علم الثروة واإلثراء؛ أي أنه العلم الذي يهتم بدراسة إنتاج وتوزيع وتداول واستهالك الخيرات المادية" ،7فكانت هذه أقوى االنتقادات التي وجهت لهذه المقاربة حيث أغفلت -باقتصارها على الخيرات المادية -الخدمات أو الخيرات غير المادية كاإلعالم واالتصال والخدمات الصحية و البنكية ...باإلضافة إلى إغفال جانب القيم واألخالق وذلك باالقتصار على العناصر المكونة للنشاط االقتصادي (اإلنتاج ،التوزيع ،التداول، االستهالك) كما لو كانت معطيات مستقلة على النظام االجتماعي واالقتصادي الذي يمثل -أي النظام - اإلطار العقدي والفكري ألي مجتمع ،وهذا ما يؤكد ارتباط االقتصاد بالعبادة ،أي أن موضوع االقتصاد هو العبادة مما يعطي لهذا المفهوم معنى الشمول واإلحاطة التامة ،لشمولية العبادة ألمور الدين والدنيا ،وذلك حسب ما عرف به ابن تيمية نفسه مفهوم العبادة باعتبارها" :اسم جامع لكل ما يحبه هللا ويرضاه من األقوال الباطنة والظاهرة" .8فهذه األعمال يمكن أن تكون عبادات خالصة؛ كالصالة والصيام ،ويمكن أن تكون معامالت دنيوية؛ كأداء األمانة ووفاء بالعهد وأمور البيع والتجارة... أما المسألة الثانية :فهي القصد بمعنى االعتدال والتوسط ،فإذا كان هذا المبدأ يعني أمور الناس في شموليتها لقوله تعالى ﴿ :وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ ،9فإنه يهم أمر االقتصاد في خصوصيته ،لذلك كان االقتصاد يعني االعتدال في كل األمور دون إفراط وال تفريط ،فكان اإلسالم ضد اإلسراف والمبالغة في األمور حتى ولو كانت عبادة وتقربا إلى هللا؛ كاإلسراف في صرف األموال وتبذيرها واإلكثار من العبادات بما يكون فيه ضرر لإلنسان يثنيه عن القيام بأمور أكثر أهمية وأكثر وجوبا .كما أن اإلسالم ينهى عن الشح والبخل وحرمان اإلنسان نفسه من متع الدنيا بدعوى التصوف والرهبنة تقربا إلى هللا لقوله " -6مجموع فتاوي ابن تيمية" ،ج /5 :م ،25ص.272 : -7محمد عبده وعبد اإلله بكار "االقتصاد السياسي والمصطلحات االقتصادية" ، ،ص.5 : -8ابن تيمية "العبودية في اإلسالم" ،ص.4 : - 9سورة البقرة ،اآلية .143 : 3 تعالى﴿ :وابتغي فيما أتاك هللا الدار اآلخرة وال تنسى نصيبك من الدنيا ،وأحسن كما أحسن هللا إليك﴾،10 لذلك نخلص إلى أن االعتدال يميز مفهوم االقتصاد في اإلسالم عن ما جاءت به المدارس الغربية ،حيث نجد االقتصاد الرأسمالي في تجلياته الواقعية يبيح االحتكار ،ويبالغ في الحرية الفردية ،وحرية االمتالك مما يؤدي إلى إغناء البعض على حساب اآلخر ،وهذا ما يحدث في المجتمع تفاوتات فاحشة بين أفراد المجتمع ،فالمجتمع الرأسمالي هو مجتمع األقوياء وال مكان للضعفاء فيه ،فاإلفراط في الحرية ما هو إال قناع لهضم حقوق اآلخرين .لذلك كان شرط االعتدال ضروريا إلحداث التوازن في كل األمور. ومن خالل ما سبق يمكن أن نجمل القول في أن مفهوم االقتصاد عند ابن تيمية هو "تدبير األمور الدينية والدنيوية دون إفراط وال تفريط". المفهوم الثاني :مفهوم الحرية الفردية يعتبر مفهوم الحرية الفردية من المفاهيم التي أثارت جدال حادا بين األنظمة االقتصادية المعاصرة (الليبرالية واالشتراكية) ،ففي الحين الذي يعتبرها النظام األول مركزية باعتبار الفرد مركز الوجود ومحور دورانه ،يرى النظام الثاني أنها يجب أن تكون محدودة بالقدر الذي تخدم فيه الحاجيات الجماعية للمجتمع. ومن هنا يأتي تصور اإلسال م الذي لم يلغها بالمطلق ،كما أنه لم يقرها بالمطلق ،وإنما أقرها وفق ضوابط وقواعد تضمن حقوق الفرد والمجتمع معا ،إال أن الذي يهمنا هنا هو الطريقة الفردية التي تطرق بها اإلمام ابن تيمية إلى هذه المسألة حيث انطلق من منطلق يعتقد البعض أنه مقوض لهذه الحرية ليبين على عكس ذلك أنه هو اإلطار األوحد لنيل هذه الحرية والتمتع بها .فقد ارتبط مفهوم الحرية عند ابن تيمية بمسألة العبادة التي هي الغاية من خلق العباد ،فالحرية هي االنعتاق من عبودية غير هللا سواء كان المال أو المنصب والرياسة ،لهذا يسوق ابن تيمية حديث رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الذي جاء في الصحيح "تعكس عبد الدرهم ،تعس عبد الدينار ،تعس عبد القطيفة ،تعس عبد الخميصة ،تعس وانتكس ،وإذا شيك فال انتفش ،إذا أعطي رضي ،وإذا منع سخط" ،11لذلك اعتبر ابن تيمية أن "الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب و عبودتيه ،فما استرق القلب و استعبده فهو عبده ،لهذا يقال: –10سورة القصص ،اآلية77: السيَ ِر2730 - - 11رواه البخاري في صحيحه ِ -كت َاب ْال ِج َها ِد َو ِ 4 "العبد حر ما قنع #والحر عبد ما طمع".12 فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب .لذلك كان مدار الحرية عند ابن تيمية هو العبودية هلل حيث يقول" :فكلما ازداد القلب حبا هلل ازداد له عبودية وحرية عما سواه ،وكلما ازداد له عبودية ،ازداد له حبا وحرية عما سواه" ، 13وإذا كانت الحرية مرتبطة بعبودية هللا فإن ذلك ال يعني حرمان الفرد من حقوقه بل العكس حيث أن الفرد ال يشعر بقيمته و وجوده إال في ظل عبوديته لخالقه ،لذلك نجد ابن تيمية قد تعرض إلى حقوق الفرد في مقابل عبادته وقيامه بالواجبات الشرعية ،وهذا ما أكده المستشرق الفرنسي "هنري الووست" 14 حين قال" :فقد تميز مذهب ابن تيمية االجتماعي بخصائص وميوالت فردية في نزعتها" ،15والحقيقة أن هذا الميول مستمد من روح الشريعة اإلسالمية التي تصون حقوق الفرد ،وأكبرها حرية االعتقاد ،قال تعالى﴿ :إنك لن تهدي من أحببت ولكن هللا يهدي من يشاء﴾ 16وقوله تعالى﴿ :فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ ،17وعدم االعتداء على أموال الغير﴿ :وال تقربوا مال اليتيم إال بالتي هي أحسن﴾ ،18وكذلك حرية التصرف في األموال الشخصية في غير معصية هللا .فالحقوق الفردية إذن مكفولة من طرف الشريعة. وقد أفرد ابن تيمية مبحثا خاصا عن الحدود و الحقوق التي تكون آلدمي معين ،19فمن الحدود التي تطبق على المعتدي على حقوق الفرد؛ القصاص كما هو مقرر في الشريعة اإلسالمية ،كقتل النفس التي حرمها هللا إال بالحق إلى جانب القصاص في الجراح 20واألعراض 21والفرية 22التي توجب العقوبة .أما فيما يخص الحقوق الفردية ،فقد تحدث ابن تيمية فيها عن اإلبضاع (الفروج) حيث حدد الواجب فيها بالحكم بين الزوجين بما أمر هللا تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ،فيجب على كل من -12المرجع السابق ،ص.22 : -13المرجع السابق ،ص.22 : -14مستشرق فرنسي اهتم بدراسة كتب ابن تيمية خصوصا (دراسة وترجمة) والمذهب الحنبلي عموما. -15هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع ، ،ص.364 : - 16سورة القصص،اآلي 56 - 17سورة الكهف اآلي 29 - 18سورة اإلسراء :اآلي 34 -19ابن تيمية "السياسة الشرعية في إصالح الراعي والرعية ، ،:ص.133 : -20المرجع السابق ،ص.138 : -21المرجع السابق ،ص.139 : -22المرجع السابق ،ص.139 : 5 الزوجين أن يؤدي إلى اآلخر حقوقه بطيب نفس وانشراح صدر .23وأما األموال فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر هللا ورسوله؛ مثل تقسيم المواريث بين الورثة كما جاء في الكتاب والسنة. لذلك نرى أن اجتماع هذه الحقوق فيه ضمان لحرية الفرد داخل المجتمع فهي بالقدر الذي تمنح الفرد حرية التصرف ،فإنها تنظم وضعيته داخل مجتمع ينتمي إليه مما يهيئ له الظروف ال ُمثلى لممارسة حريته في أسمى صورها وهي العبادة. المفهوم الثالث :مفهوم الملكية أشار شيخ اإلسالم ابن تيمية إلى تعريف الملكية وذلك عند حديثه عن ملكية الرقبة حيث قال" :إن الملك هو القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة بمنزلة القدرة الحسية فيمكن أن تثبت القدرة على تصرف دون تصرف شرعا ،كما يثبت ذلك حسا" 24فالملكية إذن هي إقرار شرعي بالحق في تصرف معين ،و هذا اإلقرار الشرعي هو الذي يعطي القدرة واالستطاعة للفرد ليقوم بهذا التصرف على غرار التصرفات الحسية. وأما عن أنواع الملكية في الشرع ،فقد أقر ابن تيمية بوجود أشكال مختلفة ،حيث خلص إلى أنه "إذا كان الملك يتنوع أنواعا وفيه من اإلطالق والتقييد ما وصفته وما لم أصفه ،لم يمنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضا إلى اإلنسان يثبت منه ما رأى فيه مصلحة له ويمتنع من إثبات ما ال مصلحة له فيه ،و الشارع ال يحضر على اإلنسان إال ما فيه فساد راجح أو محض ،فإذا لم يكن فيه فساد ،أو كان فساده مغمورا بالمصلحة لم يحضره أبدا" ،25لذلك فمسألة الحديث عن تحديد ألنواع محدودة من الملكية أمر فيه تضييق وسوء فهم حسب ابن تيمية ،ألن األمر في النهاية يعود إلى اإلنسان حسب مصلحته مع مراعاة أوامر الشارع. و يعتبر ابن تيمية الملكية من األمانات التي يجب أداؤها إلى أهلها وتمكينهم منها لذلك يرى أن التصرف في الملك يكون على وجهين" :26تصرف المالك الذي أبيح له التصرف في ماله (وهي الملكية الفردية) ،وتصرف الوالة فهم أمناء ونواب ووكالء وليسوا مالك أعمال قال رسول هللا صلى هللا عليه -23المرجع السابق ،ص.142-141 : -24مجموع فتاوى ابن تيمية" ،ج ،9 :م ،29 :ص.178 : -25المرجع السابق ،ص.180 : -26ابن تيمية "السياسة الشرعية في إصالح الراعي والرعية" ، ،ص.39 : 6 وسلم " :إني وهللا ال أعطي أحدا وال أمنع أحدا ،وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت" .27و المقصود هنا ملكية الدولة أو الملكية الجماعية ،فإذا كانت هذه األخيرة تبدو واضحة ال خالف فيها فإن األولى الملكية الفردية توجب بعض التركز والدراسة. فإذا كنا قد تحدثنا عن إقرار اإلسالم للحرية الفردية وفق شروط ومقتضيات محددة ،فما هي تجليات هذه الحرية في مجال حرية التملك عند األفراد؛ يقول هنري الووست "يرى ابن تيمية أن الملكية الخاصة ليست في حاجة إلى دفاع عنها ضد المذاهب النافية لشرعيتها فخيرات األرض مخلوقة لصالح الجنس البشري وهللا يتولى توزيع ملكيتها على مختلف األفراد ،28وحسب الووست أيضا فإن ابن تيمية "يعتبر الملكية الفردية حقيقة واقعية" .29ويذهب ابن تيمية في إقراره لحق الفرد في التملك إلى أولوية الشريك في الشفعة كما هو في المذهب المالكي .30كما رجح قول مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وطائفة يح َع ْن الرسول من أصحاب أحمد في مسألة الشفعة في العقار الذي ال يقبل القسمة ألنه ثَبَتَ فِي ال َّ ص ِح ِ صلى هللا عليه وسلم قوله "من كان له شريك األرض ،أو ربعة أو حائط فال يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ،فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ،فإن باع ولم يؤذونه فهو أحق به" .31أما ما يقبل القسمة فقد اتفق األئمة على ثبوت ذلك .32ومن الحقوق الموجبة للملكية ما أشار إليه ابن تيمية في حديثه عن مسألة فناء الدار؛ هل هي ملك لصاحب الدار أو حق من حقوقها فذكر أنه مملوك لصاحبها وهو مذهب مالك والشافعي ،أما الوجه الثاني فهو ما ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحاب أحمد ،وهو أن األرض تملك دون الطريق إال أن صاحب األرض أحق بالمرفق من غيره ،وبذلك فهو أحق بفناء الدار من غيره وهذا مذهب أحمد في الكالء النابت في ملكه فهو أحق به من غيره وإن كان ال يملكه على قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد 33ـ وهذا ما يجلي حقيقة الملكية الفردية والتي تعطي لصاحبها حقوقا أخرى تابعة لملكيته كما في فناء الدار أو تعطي الحق واألولوية في امتالك حق شريكه كما هو الحال في الشفعة. فالملكية الفردية ليست فقط حقا في ذاتها بل تكفل حقوق أخرى .كما أن الملكية الفردية ال تسقط بأي حال -27مجموع فتاوى ابن تيمية" ،ج ،9 :م ،29 :ص 180 :و "السياسة الشرعية في إصالح الراعي والرعية" ،ص.39 : -28هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع ، ،ص.390 : -29المرجع السابق ،ص.391 : -30المرجع السابق ،هامش ص.277 : _31مجموع فتاوى ابن تيمية" ،م ،30 :ص381 : -32مجموع فتاوى ابن تيمية" ،م ،30 :ص.382-381 : -33المرجع السابق ،ص.407 : 7 من األحوال .فإذا كانت الردة مثال توجب قبل المرتد فهي مع ذلك ال تجيز مصادرة أموال المرتد بل تؤول إلى ورثته الشرعيين ،كما أنه من النادر في حالة استمرار عدم معرفة المالك على الرغم من وسائل اإلشهار المتبعة أن يضم إلى بيت المال ،فضال عن ضرورة إنفاقه للصالح العام ،و زيادة على كل هذا فإن الملكية الجماعية نفسها يمكن أن تتحول إلى ملكية فردية كما أشار إلى ذلك هنري الووست 34مثل حالة استصالح األرض الجدباء (إحياء الموات) بفضل العمل الفردي ،أو إذا اقتطع الحاكم لبعض المقاتلين قطعة أرض كنصيب لهم في الغنيمة ،وفي المقابل فإنه يقيد إلى أقصى حد ممكن الحاالت التي يمكن فيها أن تنتقل الملكية الخاصة إلى المجال العام" ،وقد تسأل الووست عن إمكانية اعتبار الملكية وظيفة اجتماعية ـ وإن لم يستخدم ابن تيمية هذا اللفظ قط ،حيث اعتبر هذا التفسير هو المناسب لما ذهب إليه ،وقد دعم اتجاهه هذا من خالل منطلقين هما:35 إذا قصر المالك في واجبه ،فحسابه ال يترك لضميره فحسب وال يترك بينه وبين ربه فحسب، وإنما يتعين على الدولة أن تتدخل وتعيد المالك إلى النظام. على الدولة أن تحدد األسعار للبضائع (التسعير) تحديدا عادال وأن تنسق بين مصالح المنتج والمستهلك ،حيث إن وظيفتها هي األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد خلص إلى كون األموال التي تستخدم في أوجه تخالف نصوص الشرع يجوز شرعا سلبها من أصحابها باعتبار الوظيفة االجتماعية للملكية .وإذا كان ابن تيمية لم يعبر عن هذه النتيجة بوضوح فإنها كانت هي المقصودة حسب الووست حينما «قرر ابن تيمية أن الجهاد أكبر مورد لبيت المال وذلك إما بطريق مباشر بإباحته الغنيمة ،وإما بطريق غير مباشر عند إضفاء الشرعية على الفيء الذي ال يعدو أن يكون استعادة الجماعة لألموال التي أسيء استخدامها والتي يتعين وضعها في إطار عبادة هللا» .36وإذا أرد نا تقييم مسألة الوظيفة االجتماعية للملكية كما حددها الووست ،فيمكن أن ننطلق من الغاية العامة للملكية في اإلسالم والتي تشكل أحد عناصر الغاية من خلق اإلنسان نفسه وهي عبادة هللا سبحانه وتعالى ،كما هو مذهب ابن تيمية حيث اعتبر" أن العبادة هلل هي الغاية المحبوبة هلل والمرضية له ،التي خلق الخلق لها ،كما قال تعالى :وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون .لذلك فكل شيء مسخر لإلنسان إنما هو لتحقيق هذه الغاية السامية ،والملكية إذن من -34هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع" ، ،ص.391 : -35هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع" ، ،ص.392 : -36المرجع السابق ،ص.392 : 8 أموال وثروات ما هي إال وسيلة للعبادة "فحقوق المالك ليست إال واجبات" 37كما قال الووست، والملك ية باعتبارها وظيفة اجتماعية لها التزامات" ترتبط من جهة بحقوق الملكية ومن جهة أخرى بمزاولة الفرد والجماعة لهذه الحقوق" ،38لذلك فهي ال تبيح االستبداد في استخدام األموال أو التصرف في الممتلكات مع اإلضرار بالغير ،فالجمادات نفسها لها حقوق على أصحابها إذ ال يجوز إتالفها إال في حدود ما أباحه هللا بناء على ما ينتج من ذلك من منافع ومزايا؛ إما بتحقيق متعه المباحة أو إشباع حاجته .وتصبح هذه االلتزامات أكثر إلحاحا و وجوبا كلما صعدنا في سلم الكائنات من الحيوانات إلى اإلنسان. المفهوم الرابع :مفهوم القيمة والمنفعة لقد سخر هللا لإلنسان الكون الستغالله لما فيه مصلحته ومنفعته ،لذلك نجد أن اإلنسان يفضل بعض الخيرات عن بعضها ،وهذا ما يجعلنا نتساءل عن القيمة وعن المصادر التي تأخذ منها الخيرات قيمتها. لقد كان مبحث "القيمة" من المباحث الذي حظي باهتمام من طرف االقتصاديين الغربيين سواء الرأسماليين أو الماركسيين وذلك لمركزيتها في النظرية االقتصادية ألنظمتهم ،إال أننا عندما نتصفح كتابات ابن تيمية نجده قد سبق كل هؤالء إال مثل هذه الدراسات ،بل وقد تعمق في ذلك وتجاوز من سبقوه. يقول ابن تيمية "األمر ليس على قدر المشقة في كل شيء ولكن األمر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته وعلى قدر طاعة أمر هللا ورسوله" .39لذلك أورد قصة أخت عقبة بن عامر لما نذرت أن تحج ماشية حافية ،فقال النبي صلى هللا عليه وسلم " :إن هللا لغني عن تعذيب أختك نفسها ،مرها فلتركب" ،40و روي "أنه أمرها بالهدى" و روي بالصوم" ،41فقد اعتبر ابن تيمية أن القيمة ال تحدد بالمشقة والتعب وإنما بقدر تحقق طاعة هللا ورسوله صلى هللا عليه وسلم في ذلك العمل .لذلك فالمشقة ليست مقصودة لذاتها ،كما أن العمل الذي ال يحقق منفعة تعود بالفائدة على صاحبها في الدنيا أوال وفي اآلخرة ثانيا فهو عمل غير -37المرجع السابق ،ص.392 : -38المرجع السابق ،ص.392 : " -39مجموع فتاوى ابن تيمية" ،ج ،5 :م ،25 :ص.283-282 : " -40مجموع فتاوى ابن تيمية" ،ج ،5 :م ،25 :ص.278 : " -41مجموع فتاوى ابن تيمية" ،ج ،5 :م ،25 :ص.283-282 : 9 مرغوب ف يه .وقد أضاف ابن تيمية بأن هناك أعماال ال تحصل إال بمشقة ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة؛ أي أن األصل في الثواب هو المنفعة وليس المشقة وإن كان يثاب عليها أيضا ،لذلك قال النبي صلى هللا عليه وسلم لعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع "أجرك على قدر نصبك" ،42أما حينما تكون فائدة العمل منفعة ال تقاوم مشقته ،فهذا فساد وهللا ال يحب الفساد ،لذلك فتحمل المشاق يكون محمودا إذا كان سيجر ربحا كثيرا ويدفع ضررا عظيما ،وأما تحملها لتحصيل يسير أو دفع يسير فذلك من الضرر المنهي عنه ،فكان بمنزلة من أعطى ألف درهم ليعتاض بمائة درهم ،أو مشى مسيرة يوم ليتغذى غدوة يمكنه أن يتغذ خيرا منها في بلده.43 أما ح ينما نبحث في دراسات االقتصاد السياسي نجد أن القيمة أساس العمل ،فقد ميز "آدم سميث" بين القيمة االستعمالية والقيمة التبادلية واعتبر أنها تحدد في المجتمعات البدائية بالعمل المبذول ،أما "ريكاردو" فقد اعتبر من جهته أن القيمة التبادلية للسلع تحدد على أساس نذرتها وكمية العمل الضروري إلنتاجها ،ولم يضف "كارل ماركس" الشيء الكثير ،إنما أضفى على المفهوم طابعه الفكري الخاص فأدخل عليه بعض التوضيحات حيث انطلق من مفهوم البضاعة ليعتبر أن القيمة تحدد بالعمل المجرد المباشر وغير المباشر الالزم اجتماعيا إلنتاج البضاعة ،ويشكل العمل المجرد حصيلة إنفاق قوة العمل بصرف النظر عن الخصائص الملموسة لهذا األخير ،أما العمل المباشر أو الحي فهو العمل المبذول مباشرة في عملية اإلنتاج .44فإذا اتفق هؤالء على كون أساس القيمة هو العمل وإن اختلفت تحليالتهم؛ فإن اقتصارهم على العمل المبذول في إنتاج السلع أي المجهود الذي يقوم به العامل أثناء اإلنتاج يحيل على أنه كلما كان المجهود المبذول أكثر كلما كانت القيمة أكبر ،وهذا خالف ما أكده ابن تيمية حيث اعتبر أن المشقة ال تحدد قيمة العمل وإنما منفعته ،فالجزاء واألجر يكون على أساس المنفعة ال على أساس المشقة، لذ لك نرى أن ما ذهب إليه ابن تيمية أكثر مرونة واستجابة لتطورات الحياة االجتماعية ،فمع تطور وسائل اإلنتاج لم يبقى المجهود المبذول في العمل هو األساسي ،وإنما هو قيمة المنتوج في حد ذاته ومدى نفعيته. فال تكمن مشكلة دعاة االقتصاد السياسي في العمل المبذول فقط ،وإنما في إبعاد كل عناصر اإلنتاج غير العمل كاألرض و رأس المال في تكوين القيمة ،وهذا ما جعل "ريكاردو" يأتي بنظرية جديدة في تفسير الري ع العقاري والتي قلب بها المفهوم االقتصادي السائد عن الريع كي يبرهن أن األرض ال تساهم في " -42مجموع فتاوى ابن تيمية" ،ج ،5 :م ،25 :ص.283-282 : " -43مجموع فتاوى ابن تيمية" ،ج ،5 :م ،25 :ص.283-282 : -44محمد عبده وعبد اإلله بكار "االقتصاد السياسي والمصطلحات االقتصادية" ،ص.42 : 10 تكوين القيمة التبادلية في حالة المنافسة الكاملة ،فقد كان عادة االقتصاد السياسي قبل ريكاردو يفسرون ريع األرض بأنه هبة من الطبيعة تنشأ من اشتراك األرض مع الجهود اإلنسانية في اإلنتاج الزراعي، وبالتالي في تكوين القيمة التبادلية المنتجة ،وهذا يعني ضمنيا أن العمل ليس هو األساس الوحيد للقيمة، لذلك قرر ريكاردو بأن الريع هو نتيجة لالحتكار ،وال يمكن أن يظهر في حالة المنافسة الكاملة .45وهذا ما يبين أن هناك عناصر في الطبيعة ال تحتاج إلى تدخل بشري ويمكن استغاللها مباشرة أي أن هذه العناصر تستعمل كخام مما يجعل قيمتها ذاتية بدون أي عمل زائد ،ويعتبر كل عمل إضافي زيادة في قيمتها األولية وليس قيمة ابتدائية. لذلك نجد أن ابن تيمية في معرض حديثه عن العبادة يعتبر كل الثروات التي خلقها هللا جعلها وسيلة لعبادته ونيل مرضاته باستعمالها في صالح األعمال ،لذلك فهذه المخلوقات المسخرة لإلنسان تتضمن قيمة ذاتية كخيرات طبيعية من جهة ،وتتضمن قيمة اعتبارية كوسيلة لنيل رضى هللا من جهة أخرى. ويمكن أن نلخص مفهوم ابن تيمية للقيمة في كونها المنفعة المترتبة عن العمل المعتدل الذي ال مشقة فيه وهو ما يمثل المصلحة المادية الدنيوية ،و المنفعة االعتبارية المرتبطة نيل مرضاه هللا وهو ما يمثل المصلحة األخروية. المفهوم الخامس :مفهوم الحاجة تحدث ابن تيمية عن الحاجة التي تكون إلى المال و اعتبر أنها تكون على وجهين: أولهما" :ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومسكنه و منكحه ونحو ذلك فهذا يطلب من هللا ويرغب إليه فيه ،فيكون المال عنده يستعمله في حاجاته بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده فيكون هلوعا ،إذا مسه الخير منوعا.46"... ثانيهما هو" :ما ال يحتاج إليه العبد فهذه ال ينبغي له أن يعلق قلبه بها ،فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها ،و ربما صار معتمدا على غير هللا فيها".47 -45محمد باقر الصدر "اقتصادنا" ،ص ،188 :بتصرف. -46ابن تيمية "العبودية" ،ص.27 : -47المرجع السابق ،ص.271 : 11 وهذا يبين أن ابن تيمية يقسم الحاجات إلى: فالقسم األول :يضم الحاجات األساسية التي ال غنى لإلنسان عنها؛ كاألكل والشرب والملبس والمسكن شريطة ابتغاء ما عند هللا تعالى دون أن يستعبد نفسه في طلبها فيفقد عبوديته هلل ،والمقصود هنا هو حسن التوكل من خالل السعي والكسب عوض التواكل وابتغاء ما عند الناس ففي الحديث" ما أَك َل أحد من بني آدم َ طعاما خيرا عمل يده، لهُ من أن يأك َل من َ َّ إن ي النَّب َّ داودَ عليه سال ُم ال َّ كانَ يأ ُك ُل من عمل يده".48 أما القسم الثاني فهي الحاجات الكمالية التي يمكن لإلنسان االستغناء عنها ،فال ينبغي له أن يعلق قلبه بها ألنها تكون أكثر إغراء وجاذبية مما يجعله عبدا لها من دون هللا. وفي معرض تفسيره لقوله تعالى :والذي قدر فهدى يقول ابن تيمية أن هللا سبحانه "قدر ما سيكون للمخلوقات وهداها إليه .علم ما يحتاج إليه الناس والدواب من الرزق ،فخلق ذلك الرزق وسواه وخلق الحيوان وسواه وهداه إلى ذلك الرزق وهدى غيره من األحياء ...وخلق األرض وقدر حاجتها من المطر وقدر السحاب وما يحمله من المطر ،وخلق مالئكة فهداهم ليسوقوا ذلك السحاب إلى تلك األرض فيمطر المطر الذي قدره .وقدر من يسوق ذلك الرزق إليهم" .49فاهلل سبحانه خلق كل شيء بقدر وميزان وكفل حاجة اإلنسان خالل حياته وهذا ما يؤكد أن حاجات اإلنسان محدودة وأن ما سخر هللا لإلنسان كاف لسد كل حاجاته وبهذا فإن مسألة الندرة النسبية التي يعتبرها النظام الرأسمالي هي المشكلة االقتصادية تعد مسألة واهية وذلك بنص قرآني صريح. فالمشكلة الحقيقية تكمن في سوء توزيع األموال والثروات على األفراد إلشباع حاجاتهم األساسية إشباعا كليا ،لذلك يرى الدكتور "محمود الخالدي" أن ابن تيمية كان له فهم عميق في هذه المسألة حيث أكد "أن األصل هو أن هللا تعالى إنما خلق األموال إعانة على عبادته ،ألنه إنما خلق الخلق لعبادته" ،50وهذا الفهم يؤكد استحالة تحقق الندرة مادامت الحياة قائمة ومادام هناك بشر على ظهر هذه األرض. ومن أجل سد هذه الحاجيات وتحقيق الكفاية بسبب سوء التوزيع أو لفاقة أصابت البالد أو لحرب؛ فيرى ابن تيمية أن "الواجب على من عندهم فضول أطعمة مخزونة بيعها ،وعلى السلطان إجبارهم على -48رواه المقدام بن معد يكرب الكندي ،أبو نعيم" حلية اْلولياء" - 5/246وسنده صحيح . " -49مجموعة التفسير" البن تيمية ،ص ،58 :نقال عن "ابن تيمية" لمحمد يوسف مرسي. -50الدكتور محمود الخالدي "االقتصاد الرأسمالي في مرآة اإلسالم" ،ص ،75 :الهامش. 12 ذلك أو يبيعها عليهم ألنه فعل واجب عليهم" ،51بل ذهب ابن تيمية إلى حد أنه إذا "احتاج المسلمون إلى الصناعات :كالفالحة والنساجة والبناية :فعلى أهلها بذلها لهم بقيمتها ،كما عليهم بذل األموال التي يحتاج إليها بقيمتها ،إذ ال فرق بين بذل األموال وبذل المنافع ،بل بذلك تكون المنافع التي ال يضر بذلها أولى بالوجوب معاوضة ،ويكون بذل هذه فرضا على الكفاية.52 فاألصل أن إعانة الناس بعضهم لبعض على الطعام واللباس والسكن أمر واجب ،ولإلمام أن يلزم بذلك ويجبر عل يه وال يكون ذلك ظلما ،لذلك يرى ابن تيمية أن "وجوب المعاوضات من ضرورة الدنيا والدين ،إذ اإلنسان ال ينفرد بمصلحة نفسه بل البد له من االستعانة ببني جنسه ،فلو لم يجب على بني آدم أن يبذل لهذا ما يحتاج إليه لفسد الناس ،وفسد أمر دنياهم ،ودينهم ،فال تتم مصالحهم إال بالمعارضة وصالحها بالعدل الذي أنزل هللا له الكتب ،وبعث به الرسل ،فقد قال تعالى﴿:لقد أرسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ .53ولقد كانت هذه إشارة عميقة من ابن تيمية في وجوب إيتاء األموال ،حيث يوضح أنه "يغلط البعض حين يعتقد أن ال حق في المال سوى الزكاة وهذا عام ،فلم يعلموا بالحديث الذي رواه الترمذي عن فاطمة "إن في المال حق سوى الزكاة" ،فإذا كان من قال باألول :أراد الحق المالي الذي يجب بسببه المال فيكون راتبا ،وإال فنحن نعلم باالضطرار من دين اإلسالم أن هللا قد أوجب إيتاء المال في غير الزكاة المفروضة في مواضيع مثل الجهاد والحج ونفقة الزوجة واألقارب والمماليك من اآلدميين ومثل ما يجب في الكفارات من عتق وصدقة ...إال أن الغرض من الحديث ما يجب من المعاوضات؛ مثل المبايعة والمؤاجرة وما يشبه ذلك ،ومثل المشاركات كالمساقات والمزارعة ونحو ذلك ،فإن هذا كثيرا ما يغلط فيه الغالطون لما استقر في الشريعة أن الظلم حرام وأن األصل أن هذه العقود ال تجوز إال بالتراضي ،إال في مواضع استثناها الشارع ،وهو اإلكراه عليه بحق".54 المفهوم السادس :مفهوم الفقر لما تعرض ابن تيمية لموضوع الفقر اعتبر أن كل ما يرجوه المرء ويتعلق قلبه به يصير فقيرا إلى حصوله وإلى كل ما يظن أنه سبب في حصوله ،وهذا يكون في المال والجاه وغير ذلك ،قال الخليل عليه -51مجموع فتاوي ابن تيمية ،ج ،9 :م ،29 :ص.194-193 : -52المرجع السابق ،ص.194-193 : -53سورة الحديد ،اآلية 25 -54مجموع فتاوي ابن تيمية ،ج ،9 :م ،29 :ص 188-187 :بتصرف. 13 السالم" :فابتغوا عند هللا الرزق واشكروا له" .55وقد استوحى ابن تيمية هذا من خالل ما روى عن عمر ابن الخطاب رضي هللا عنه أنه قال" :الطمع فقر واليأس غنى ،وإن أحدكم إذا يئس من الشيء استغنى عنه" وهذا أمر يجده اإلنسان من نفسه ،فإن األمر الذي ييأس منه ال يطلبه وال يطمع به فال يبقى قلبه فقيرا إليه ،وال إلى من يفعله" .56فالذي يطلب الرزق من هللا يصير عبدا له فقيرا إليه ،وأما من يطلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا له ،لذلك كانت مسألة المخلوق محرمة في األصل ،وإنما أبيحت للضرورة، وقد أورد ابن تيمية عدة أسانيد في الصحاح والسنن والمساندة تدل على النهي عن مسألة الخلق .57أما فيما يخص مصطلحي الفقير والمسكين الذين يردان في النصوص الشرعية ،فيرى ابن تيمية« :أنه عندما يفرد أحدهما بالذكر فيدل على العموم وإذا قرن على التخصيص كما في قوله تعالى﴿:للفقراء الذين احصروا في سبيل هللا﴾ ،58وقوله تعالى﴿ :إطعام عشرة مساكين﴾ ،59فلما أفرد أحدهما دخل فيه اآلخر ،ولما قرن بينهما في قوله تعالى﴿ :إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ ،60صار نوعين وقد قيل إن الخاص المعطوف على العام ال يدخل في العام حال االقتران بل يكون من هذا الباب ،61أي صارا نوعين ـ وقد ذكر الووست تعريف ابن تيمية للفقراء والمساكين ،وذكر بعده تعريف "موفق الدين" ،حيث يقصد بالفقراء« :62الذين ال يملكون ما ال غنى عنه للحياة» ويقصد بالمساكين «من يتوفر لديهم بعض أسباب الحياة بشكل غير كاف»، ويجمع ابن تيمية بين الطائفتين في تعريف واحد فيقول «الفقراء والمساكين يجمعهم معنى الحاجة إلى الكفاية» .ويرى الووست أن ابن تيمية في كتاب الفتاوى يعارض بعض معاصريه في اعتبار لفظ "فقراء" ينصرف فقط إل ى الذين يهبون حياتهم للفقر وينعزلون في صومعة يتفرغون فيها لحياة التأمل ،وهؤالء ال يستبعدهم ولكنه يضم إليهم كل المعوزين سواء كان لبسه لبس الفقراء االصطالحي أو لباس الجند المقاتلة أو لبس الشهود أو لبس التجار والصناع أو الفالحين .63فالفقر إذن مرتبط بالحاجة والعوز ،لذلك كانت االلتزامات المرتبطة بتقسيم الثروة هي التزامات بالتضامن والمساعدة المتبادلة ،فاألغنياء ليسوا أعداء -55سورة العنكبوت ،اآلية.17 : -56ابن تيمية "العبودية" ، ،ص.22 : -57المرجع السابق ،أنظر ص.23 : -58سورة البقرة ،اآلية.273 : -59سورة المائدة ،اآلية.89 : -60سورة التوبة ،اآلية.6 : -61ابن تيمية "العبودية" ،أنظر ص ،18 :بتصرف. -62هنري الووست "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع" ،ص.349 : -63المرجع السابق ،ص.349 : 14 للفقراء بل شركائهم وللفقراء عليهم حقوق ولألمة في شخص رئيسها أن يجبر األغنياء على مزاولة وظيفتهم ،لذلك يرى الووست أن األموال إن كانت بالملكية فهي جماعية باالستخدام ،64فالغني هو الذي يرى في أمالكه وأمواله حق الفقير الذي يجب عليه كفاية حاجته وإشباعها .قال تعالى ﴿ :والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ ،65وقال أيضا﴿ :خذ من أموالهم صدقة تزكيهم وتطهرهم بها﴾،66 وأبعد من كل ذلك فالشرع ال يعاقب السارق الجائع المحروم الذي يسرق لسد رمقه ،إذ يجب على الدولة كفالة حاجته وإشباع جوعه ،لذلك نجد عمر ابن الخطاب رضي هللا عنه لم يقطع يد السارق في عام الرمدة (عام الجوع) .وال يجب أن يعتقد أيضا أن مال الغني سيقف عائقا في طريق فالحه األخروي ،وإنما هو السبب الذي سيجعله يستزيد من حقوقه في جزاء اآلخرة إذا اضطلع بالرسالة التي تفرضها عليه ثروته،67 لذلك نجد السلف الصالح من الصحابة يتنافسون في اإلنفاق في سبيل هللا على الفقراء وعلى عتق العبيد من المسلمين (مثل أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضوان هللا عليهم) ،ويرى كثير من الزهاد والمتصوفة أن الفقر أفضل من الغنى وفي هذا يذكر الدكتور مصطفى حلمي 68أن ابن تيمية يرى عكس ذلك "إنه لما كان جنس الزهد في الفقر أغلب ،صار الفقر في اصطالح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد وهو جنس التصوف .فإذا قيل :فهذا فيه فقر ،لم يرد به عدم المال ،ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفي من المعارف واألحوال واألخالق ونحو ذلك وعلى هذا االصطالح قد تنازعوا :أيهما أفضل الفقير أو الصوفي؟ فاعتبر أن األفضلية بالتقوى" .69وقد اعتبر "الووست" أن جزاء الفقر ال يرجع إلى شعور صاحبه بالذلة واالستكانة واالستسالم ،وإنما شعور المسلم الحقيقي هو العزة الناشئة عن إحساسه بتفوق دينه ،وهذا ما يجعله يؤكد أن ابن تيمية يستنكر رهبنة الزوايا وقيود الطعام التي يزاولها الفقراء وفكرة تفضيل الفقر على الغنى ،وأن الفقير أعلى مقاما من الصوفي ،لذلك ارتبط الثواب في اإلسالم بالعمل ﴿كل نفس بما اكتسبت رهينة﴾ ،70فالثروة أفضل من الفقر ألن الغني يقرر واجبات في حين أن الفقر ينشئ حقوقا. -64المرجع السابق ،ص.395 : -65سورة المعارج :اآليتان 25-24 _66 سورة التوبة ،اآلية103 : -67المرجع السابق ،ص.395 : -68صاحب التقديم والتعليق على كتاب "هنري الووست". -69الشيخ زهير شفيق البكي "فقه التصوف" -موسوعة فقه السنة -تهذيب وتعليق ،ص( ،21 :بتصرف). -70سورة المدثر ،اآلي 38 : 15 مصادر ومراجع البحث أوال :القرآن الكريم ثانيا: أ ـ كتب ابن تيمية: 1ـ "مجموع فتاوى شيخ اإلسالم احمد ابن تيمية" ،جمع وترتيب عبد الرحمان محمد بن قاسم أشرف على الطباعة واإلخراج :المكتب التعليمي السعودي بالمغرب ،مكتبة دار المعارف ،الرباط. 2ـ "مجموع الرسائل الكبرى "البن تيمية" ،دار الفكر للطباعة والنشر1980 ،م. 3ـ "السياسة الشرعية في إصالح الراعي والرعية" ،البن تيمية ،دار اآلفاق الجديدة ،المغرب. 4ـ "الحسبة ومسؤولية الحكومة اإلسالمية" ،تحقيق صالح عزام ،مطبوعات الشعب. 5ـ "العبودية" ابن تيمية ،ط ،I :دار الكتب1981. ، 6ـ "مقدمة في أصول التفسير" ،طبع بدمشق.1926 ، ب ـ تراجم ابن تيمية: 7ـ "ابن تيمية" ،محمد أبو زهرة ،دار الفكر العربي. 8ـ "ابن تيمية" محمد يوسف موسى ،سلسلة أعالم العرب ،وزارة الثقافة واإلرشاد القومي بمصر. ج ـ كتب حول فكر ابن تيمية: 9ـ "نظريات شيخ اإلسالم في السياسة واالجتماع" هنري الووست ،ترجمة محمد عبد العظيم، تقديم وتعليق :د .مصطفى حلمي دار األنصار ،عابدين القاهرة. 10ـ "آراء ابن تيمية في الدولة ومدى تدخلها في المجال االقتصادي" ،محمد بن المبارك. 11ـ "ابن تيمية وإسالمية المعرفة" ،طه جابر العلواني ،ط ،1995 ،II :المعهد العالمي للفكر اإلسالمي. 12ـ "تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية" ،إبراهيم عقيلي ،ط ،1994 ،I :المعهد العالمي للفكر اإلسالمي. 13ـ "موسوعة فقه ابن تيمية" ،للدكتور محمد رواس قلعه جي ،ط.I : 14ـ "فقه التصوف" ،لشيخ اإلسالم ،تهذيب وتعليق :الشيخ زهير شفيق البكي ،ط ،1دار الفكر. د-كتب عامة في الفكر اإلسالمي واالقتصادي 15ـ "االقتصاد الرأسمالي في مرآة اإلسالم" ،د .محمود الخالدي ،ط ،I :دار الجليل 1984. 16ـ "االقتصاد السياسي والمصطلحات االقتصادية" ،محمد عبده ،عبد اإلله بكار-كلية الحقوق مكناس 1997. 17ـ "الفكر اإلسالمي في تطوره" ،محمد البهي ،ط ،II :دار التضامن للطباعة. 18ـ "الوظائف االقتصادية للعقود المطبقة في البنوك اإلسالمية" ،صبري حنين ،ط ،I :المعهد العالمي للفكر اإلسالمي.1996 ، 19ـ "في التراث االقتصادي اإلسالمي الخراج واإلقطاع والدولة ،دراسة في االقتصاد السياسي للدولة اإلسالمية" ،تقديم محمد شلق ،ط1990. ،I : 20ـ "اقتصادنا" محمد باقر الصدر ،مؤسسة دار الكتاب اإلسالمي. 16
© Copyright 2026 Paperzz