الطبيعة القانونية لالعتماد املستندي
وتكييفه يف الفقه املصريف اإلسالمي
الدكتور البشري عدي
أستاذ بكلية احلقوق جامعة ابن زهر
أغادير -اململكة املغربية
متهيد
يعترب االعتماد املستندي الوسيلة املصرفية األكثر ذيوعا يف تسهيل عمليات بيوعات التجارة اخلارجية املعاصرة .يلتجئ
إليه التجار حلل مشكل انعدام الثقة الذي تتسم به عمليات االسترياد والتصدير ،لبعد كل من املصدر عن املستورد
جغرافيا ،مما جيعل التاجر املستورد غري مطمئن لدفع الثمن قبل وصول السلعة إليه كاملة ساملة ،وجيعل البائع املصدر غري
مطمئن إلرسال السلعة قبل قبض مثنها.
إضافة إىل أن هذا االعتماد ميكن التجار املستوردين من جتنب جتميد قيمة مبلغ العملية طوال املدة الفاصلة بني إبرام
العقد وتسلم البضاعة اليت تتسم غالبا ابلطول والتعقيد .فيتدخل البنك عرب االعتماد املستندي حلل هذه اإلشكاالت،
ملا يعرف عنه من ثقة ومالءة.
وقد أثري جدل قانوين حول طبيعته القانونية لدى فقهاء القانون ،كما هو احلال بشأن تكييفه الشرعي يف الفقه املصريف
اإلسالمي ،وسنعرف هبذا االعتماد بشكل وجيز ونعرض لصورته العملية ،قبل بسط هذا اجلدل يف حمورين خنصص
األول للطبيعة القانونية لالعتماد املستندي ،والثاين لتكييفه الشرعي يف الفقه املصريف اإلسالمي.
أ :تعريف االعتماد املستندي:
االعتماد املستندي اعتماد يفتحه املصرف ،متعهدا ابلوفاء أبمر من عميله لفائدة مستفيد وفق شروط معينة يف أجل
حمدد مقابل ضمان حيازي على املستندات املمثلة للبضاعة موضوع املعاملة بني اآلمر واملستفيد(.)1
فقد ورد يف املرشد العملي الذي وضعته غرفة التجارة الدولية يف شأن االعتماد املستندي سنة 1978ما يلي:
“االعتماد املستندي يف عبارة وجيزة هو تعهد مصريف مشروط ابلوفاء .وبعبارة أوسع هو تعهد مكتوب من بنك
ص ِدر) يسلَّم للبائع (املستفيد) ،وذلك بناء على طلب املشرتي (مقدم الطلب أو اآلمر) وابملطابقة
(يسمى الْ ُم ْ
لتعليماته ،يستهدف القيام ابلوفاء (أي بوفاء نقدي أو قبول كمبيالة أو خصمها) ويف حدود مبلغ حمدد خالل فرتة
معينة ويف نظري مستندات مشرتطة”(.)2
()1يسمى هذا االعتماد بالمستندي ،تمييزا له عن االعتماد البسيط لما يتعلق به من مستندات واجبة التقديم من قبل المستفيد.
( ) 2االعتمادات المستندية :دراسة قانونية لألعراف الدولية والقضاء المقارن،د علي جمال الدين عوض،هامش ص .7 :هذا التعريف
في عبارته الواسعة يعد من التعاريف الجامعة المانعة ،التي يتبين من خاللها قصور العديد من التعاريف الموضوعة في هذا الباب عن
إعطاء تصوير دقيق لهذه العملية ،ومنها تعريف األستاذ بوتيلي بلوكاي لالعتماد المستندي بأنه“ :تعهد بنكي بأداء مبلغ محدد لشخص
معين عند تقديم مستندات محددة في تاريخ محدد” .Droit du crédit, Boutelet Blocaille, p. 264.
ويعترب تعريف األستاذ البارودي من أبرز التعاريف وأوضحها يف هذا الباب ،حيث يعرف االعتماد املستندي أبنه:
“تعهد صادر من البنك بناء على طلب العميل (يسمى اآلمر ،أو معطي األمر) لصاحل الغري املصدر (ويسمى
املستفيد) ،يلتزم البنك مبقتضاه بدفع أو بقبول كمبياالت مسحوبة عليه من هذا املستفيد ،وذلك بشروط معينة واردة
يف هذا التعهد ،ومضمون برهن حيازي على املستندات املمثلة للبضائع املصدرة” (.)3
ب :الصورة العملية لالعتماد املستندي
بعد إمتام الصفقة وإبرام العقد بني املستورد واملصدر ،يُلتجأ إىل املؤسسة املصرفية لفتح االعتماد بغية تنفيذ العقد الذي
يتضمن عادة نصا على فتح اعتماد مستندي ،ومن فتح االعتماد إىل غاية تنفيذ العقد موضوعه تتم العملية عرب املراحل
اآلتية(:)4
-1يتقدم التاجر املستورد إىل املصرف احمللي الذي يتعامل معه ،يطلب منه فتح اعتماد بقيمة عقد البيع ،وأن يقوم
بتوجيه االعتماد لصاحل البائع املصدر ،شريطة تقدميه مستندات حيدد املستورد مواصفتها بدقة تكون مضمنة يف عقد
فتح االعتماد.
-2بعد موافقة املصرف على طلب العميل ،يقوم بفتح اعتماد مستندي لفائدة البائع املصدر ،ويشعره بذلك إبرسال
خطاب يسمى "خطاب اعتماد" يتعهد فيه بدفع أو قبول كمبيالة بقيمة البضاعة موضوع االعتماد إذا تقدم داخل
أجل حمدد ابملستندات املنصوص عليها يف هذا اخلطاب.
ويرى بعض الباحثني أن إصدار خطاب االعتماد هو اخلطوة العملية األوىل يف فتح االعتماد املستندي(.)5
-3بعد تلقي البائع املصدر خلطاب االعتماد يقوم إبعداد البضاعة املطلوبة وبتحرير املستندات املتعلقة هبا ،مث يسلمها
لفرع البنك فاتح االعتماد أو مراسله ببلده ،وإذا كان تعهد البنك قاصرا على قبول كمبيالة يقوم البائع بسحب كمبيالة
يرفقها ابملستندات مطالبا ابلوفاء.
-4يقوم املصرف بعد تلقي املستندات بفحصها بغية التأكد من مطابقتها للشروط واملواصفات اليت حددها التاجر
املستورد (اآلمر) ،فإذا اطمأن إليها دفع قيمة البضاعة إن كان تعهد ابلدفع ،وإن كان تعهد بقبول كمبيالة أو خبصمها
فعل ،لتنتهي بذلك عالقة املصرف ابلغري ،وتنحصر آاثر العملية بني البنك والعميل اآلمر الذي حيصل على املستندات
من البنك بعد الوفاء ابلتزاماته جتاهه ،ليتسىن له بعد ذلك تسلم البضاعة أو مبلغ التأمني إذا كانت قد هلكت قبل
الوصول ،وقد حيدث أن يتكلف املصرف ابستالم البضاعة وختليصها مجركيا على أساس املستندات املسلمة إليه.
( )3العقود وعمليات البنوك ،م.س ،.ص . 372 :وال يؤخذ على هذا التعريف سوى ربطه االعتماد المستندي بالتجارة الخارجية (وإن
كان هذا ما يجعله أكثر وضوحا) ،ألن هذا االعتماد يمكن فتحه في المعامالت التجارية داخل بلد واحد وإن كانت أغلب استعماالته في
التجارة الخارجية ،لذلك نجد األستاذ علي جمال الدين عوض يعرفه بعيدا عن المجال الجغرافي للعملية موضوع االعتماد بقوله:
“ االعتماد الذي يفتحه البنك بناء على طلب شخص يسمى اآلمر ،أيا كانت طريقة تنفيذه ،أي سواء كان بقبول الكمبياالت أو بالوفاء،
لصالح عميل لهذا اآلمر ،ومضمون بحيازة المستندات الممثلة لبضاعة في الطريق أو معدة لإلرسال” االعتمادات المستندية ،م س،
ص..12-11 :
( )4العقـود وعمليـات البنـوك ،م.س ،.ص ،375 :االعتمادات المستندية ،د .علي جمال الدين عوض ،ص ،7 :موسوعة أعمال البنوك
من الناحيتين القانونية والعملية ،د .محيي الدين إسماعيل علم الدين.749/2 :
(Le crédit documentaire: étude comparative, Ligia Maura Costa, p. 15.)5
احملور األول :الطبيعة القانونية لالعتماد املستندي
أثري جدل كبري يف الفقه القانوين حول الطبيعة القانونية لالعتماد املستندي ،ومرد ذلك التزام البنك يف هذا االعتماد يف
مواجهة املستفيد دون أي عالقة قانونية بينهما ،فتعددت بذلك النظرايت الفقهية املكيفة هلذا االلتزام ،فقيل بنظرية
الكفالة ،وقيل ابإلانبة ،وقيل ابإلرادة املنفردة ،وابالشرتاط ملصلحة الغري ،وقيل بغريها ،وسنعرض هلذه النظرايت بشكل
وجيز على النحو اآليت.
أوال :نظرية الكفالة
مؤدى هذه النظرية أن البنك الذي يفتح اعتمادا قطعيا لصاحل البائع يصري كفيال للمشرتي ،ويؤكد ذلك دفع قيمة
البضاعة بشرط أن يكون البائع قد نفذ التزامه صحيحا(.)6
وقد وجه الكثري من النقد هلذه الفكرة وأبرز ما ينقضها أن الكفالة عقد اتبع لاللتزام األصلي موضوع الكفالة ،أما
االعتماد املستندي فهو عقد مستقل عن عقد البيع موضوع فتح االعتماد.
اثنيا :نظرية اإلانبة
مفاد هذه النظرية أن أساس التزام البنك مرده إانبة اآلمر إايه يف الوفاء للمستفيد نيابة قاصرة ميكن معها للبنك الرجوع
على اآلمر إذا مل يقع الوفاء من البنك.
غري أن هذه الفكرة مل تسلم هي أيضا من نقد ،ومما قيل يف حقها أن اإلانبة ال تنعقد إال بتوافر رضا األطراف الثالثة،
أما االعتماد املستندي فاملستفيد ليس طرفا مباشرا فيه ،حبيث ال يلزم النعقاده رضاه وإن كان يفيد منه.
ويف نقد هاتني النظريتني تقول األستاذة مسيحة القليويب“ :ال يعترب البنك الذي يقوم بفتح اعتماد للوفاء بقيمة البضاعة
وكيال عن املشرتي أو كفيال له ،فالبنك ملتزم التزاما مستقال عن العقد القائم بني البائع واملشرتي ،وأساس التزام البنك
هو خطاب االعتماد املوجه منه إىل املستفيد ،فإذا قام هذا األخري بتقدمي املستندات املوضحة لشروط االعتماد كان له
حق مباشر يف مواجهة البنك” (.)7
اثلثا :نظرية اإلرادة املنفردة
مؤدى هذه النظرية أن مركـز البنك يف االعتماد املستندي مركز الواعد ابجلائزة يتعهد كالمها مستقال أبداء عمل معني إذا
نفذ شخص عمال معينا هو يف االعتماد تقدمي املستندات ،وهو يف الوعد جبائزة العمل الذي تستحق به اجلائزة (.)8
ومما ينقض هذه الفكرة أن الوعد ابجلائزة يوجه للجمهور عن طريق علين ،أما إذا كان املعين شخصا معينا فإهنا خترج
عن دائرة الوعد جبائزة ،وتسري عليها قواعد اإلجياب املقرتن ابلقبول ،مما ينفي فكرة اإلرادة املنفردة.
وقيل كذلك بفكرة القبول املصريف كما قيل حبوالة احلق ،ومل يسلم أي منها من نقد ،كما قيل أبن االعتماد املستندي
عقد ذو طبيعة خاصة ،وعيب على هذا القول أنه يقرر الواقع وال يفسره.
( )6االعتمادات المستندية ،د علي جمال الدين عوض ،م.س ،.ص.78 :
( )7األسس القانونية لعمليات البنوك ،دة .سميحة القليوبي ،ص.112 :
( )8االعتمادات المستندية ،د علي جمال الدين عوض ،م.س .ص.81 :
رابعا :نظرية االشرتاط ملصلحة الغري
ذهب بعض الباحثني إىل أن مجيع النظرايت يف هذا الباب عجزت عن تفسري استقالل التزام البنك ،ويرى بعضهم أن
التزام البنك يف االعتماد املستندي “يرد مصدره يف كونه تصرفا قانونيا جمردا ،مستندا فيه إىل األعراف التجارية” (.)9
ويرد األستاذ حميي الدين علم الدين على هذا االجتاه أبن العرف آخر ما يلتجأ إليه لتفسري املستجدات القانونية ،بينما
يذهب إىل ترجيح فكرة االشرتاط ملصلحة الغري ،وذلك ألن صورة عملية االعتماد املستندي “ال ينطبق عليها إال
وصف واحد هو االشرتاط ملصلحة الغري ،فهو الشكل القانوين الذي ينعقد إبرادة طرفني ويرتب حقا لغريها دون أن
يشرتك هذا الغري يف إبرام التصرف ،ولكن يكون له رفض احلق الناشئ منه احرتاما حلريته الشخصية ،فال تدخل ذمته
حقوق رغما عنه ،وبتطبيق فكرة االشرتاط ملصلحة الغري على االعتماد املستندي جند أن اآلمر (املشرتط) يشرتط على
البنك املنشئ (املتعهد) حقا للمستفيد (املنتفع) ،فاآلمر املشرتط يتعاقد ابمسه هـو ال ابسـم املستفيـد ،ويشرتط على
البنك حقا مباشرا للمستفيد يتلقاه هـذا األخري من عقـد االشرتاط ذاتـه دون أن مير هـذا احلـق بذمـة املشرتط أو املتعهد،
وحيقـق املشرتط هبذا العقد مصلحة مادية ظاهـرة هي الوفاء بدينه ،وتسهيـل حصوله على بضاعتـه”(.)10
ويعاب على هذا الرأي أن التزام البنك جتاه املستفيد ال ينشأ عن عقد فتح االعتماد مع العميل املشرتي ،بل عن
خطاب االعتماد الصادر عن البنك ،وفضال عن استقالل هذا االلتزام يف مصدره ،فإنه ال يعلق على قبول املستفيد له،
كما أنه ال يتأثر ابلعالقة بني البنك والعميل ،وهذا خبالف القواعد العامة يف االشرتاط ملصلحة الغري(.)11
وحنن وإن كنا منيل إىل نظرية االشرتاط ملصلحة الغري لقرب تفسريها اللتزام البنك جتاه املستفيد ومطابقتها لصورة
االعتماد املستندي ،نرى أنه ال ينبغي اعتمادها مستقلة دون إحاطتها ابلعرف التجاري العتبارين أساسيني:
األول :أن فكرة االشرتاط قابلة لالهتزاز يف االعتماد املستندي من انحيتني:
أوالمها :كون املشرتط -وهو اآلمر -يستطيع نقض احلق الناشئ للمستفيد.
اثنيهما :كون املتعهد يستطيع أن يدفع يف مواجهة املنتفع -وهو املستفيد -ابلدفوع الناشئة عن عالقته ابآلمر املشرتط،
أو عن عالقة هذا األخري ابملستفيد.
وال ميكن تاليف هذا االهتزاز إال ابلرجوع إىل العرف املصريف ،وهو ما أقره األستاذ علم الدين نفسه حني قال وهو
يتحدث عن هذا اإلشكال“ :ولكن العرف املصريف -استجابة الحتياجات التجارة -قد عاجل هذه الثغرة ومنع اآلاثر
السيئة اليت ميكن أن ترتتب عليها خصوصا يف معاملة تقع بني بالد خمتلفة ،كاالعتماد املستندي” (.)12
( )9أعمال البنوك في القانون المصري ،د .أحمد محمد محرز ،ص.241-240 :
( )10موسوعة أعمال البنوك ،د علم الدين م.س.958/2 :.
( )11القانون التجاري :العقود التجارية وعمليات البنوك ،د .مراد منير فهيم ،ص.309 :
( )12االعتمادات المستندية ،د .علي جمال الدين عوض ،،م.س .ص.83 :
الثاين :أنه ال الكفالة وال الوكالة وال غريها كانت القصد من فتح االعتماد املستندي ،كذلك االشرتاط ملصلحة الغري
ليس أساس هذا العقد ،وإمنا أساسه توفري عنصر الثقة الالزم بني التجار وخباصة يف التجارة الدولية ،الذي يعترب الباعث
الرئيس والدافع األساس وراء استحداث هذا النوع من التعامل املصريف.
احملور الثاين :التكييف الفقهي لالعتماد املستندي.
االعتماد املستندي ،كما سبق ،وسيلة من وسائل تسهيل البيوعات يف التجارة اخلارجية ،وهذه الوسيلة إما أن تكون
وسيلة دفع دون ائتمان ،وإما أن تكون وسيلة دفع يصحبها ائتمان.
ففي األوىل تكون قيمة االعتماد مغطاة ابلكامل ،فيكون عمل البنك جمرد خدمة يقدمها للعميل.
ويف الثانية تكون قيمة االعتماد غري مغطاة أو مغطاة جزئيا ،حيث يظهر الدور االئتماين للمصرف من خالل تسخري
بعض أمواله لتنفيذ العملية(.)13
وبناء على هذا التقسيم ،سنتناول الدراسة الفقهية لالعتماد املستندي حكما وخترجيا ،وذلك يف مبحثني ،خنصص األول
للتكييف الشرعي لالعتماد املغطى ابلكامل ،والثاين للصيغ الشرعية لتطبيق االعتماد غري املغطى كليا واملغطى جزئيا ،و
قبل ذلك سنعرض لفتح هذا االعتماد و حكمه من الناحية الشرعية.
فتح االعتماد املستندي من الناحية الشرعية
يكيف فقهاء القانون فتح االعتماد على أنه وعد ابلقرض( ،)14وهذا معروف يف الفقه اإلسالمي( ،)15وإن اختلف
الفقهاء حول لزوم هذا الوعد ،وهم يف ذلك على مذاهب ثالثة:
األول :الوعد ملزم داينة ال قضاء ،وهو مذهب اجلمهور.
الثاين :أن الوعد كله الزم ،ويقضى به على الواعد ،وجيرب عليه ،وهو مذهب ابن شربمة وأصبغ من املالكية ،قال ابن
حزم يف حماله“ :وقال ابن شربمة :الوعد كله الزم ،ويقضى به على الواعد وجيرب” (.)16
الثالث :أن الوعد غري ملزم إال إذا دخل املوعود بسببه يف كلفة ،قال الشيخ عليش“ :وقيل :يقضى هبا إن كانت على
سبب ودخل املوعود بسبب العدة يف شيء ،وهذا هو املشهور” ،وهو مذهب ابن القاسم؛ ففي املدونة“ :لو أن رجال
اشرتى عبدا من رجل على أن يعينه فالن أبلف درهم ،فقال له فالن :أان أعينك أبلف درهم فاشرت العبد ،أن ذلك
الزم لفالن” (.)17
()13الغطاء -كما يعرفه األستاذ علم الدين -هو “ما يقتضيه البنك من اآلمر كضمان للحصول على ما يدفعه البنك للمستفيد” موسوعة
أعمال البنوك..911-910/2 :
والغطاء إما أن يكون كليا بحيث يغطي قيمة البضاعة كاملة ،وإما جزئيا وهو الغالب ،وقد ال يحتاج إليه إذا كان العميل ذا سمعة ومالءة
جيدة .وهذا الغطاء إما أن يكون نقديا ،وإما عينيا على شكل أوراق مالية أو تجارية.
( )14العقود وعمليات البنوك ،د .علي البارودي ،م.س ،ص.370 :
( )15مصادر الحق في الفقه اإلسالمي ،د .عبد الرزاق السنهوري.35/2 :
( )16المحلى لإلمام ابن حزم ،28/8 :المسألة.1125 :
( )17فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب اإلمام مالك للشيخ عليش.255/1 :
وهذا القول الثالث هو الذي يرجحه أكثر الفقهاء املعاصرين ،وبه أخذت جملة األحكام العدلية؛ فقد نصت املادة 84
على أن “املواعيد إذا اكتست بصور التعاليق تكون الزمة ،مثال لو قال رجل آلخر :بع هذا الشيء لفالن وإن مل
يعطك مثنه ،فأان أعطيه لك ،فلم يعط املشرتي الثمن ،لزم على الرجل أداء الثمن املذكور بناء على وعده املعلق”
(.)18
واالعتماد املستندي مبا أنه مقرتن بعقد يضع على عاتق العميل التزامات يرتب عليه عدم الوفاء هبا تبعات جتعله يف
كلفة من أمره ،فإن ذلك يدخله يف صميم القول الثالث من أقوال الفقهاء يف لزوم الوعد ابلعقد ،فيكون بذلك فتح
االعتماد املستندي عمال مشروعا ،خاصة وأن هذه العملية يف صورهتا اجملردة “عملية ال خترج عن الشروط اليت اشرتطها
الفقهاء يف العقود ،كما أهنا -عملية االعتماد -حتقق املقاصد الشرعية للعقود ،من التيسري يف التعامل وتلبية احتياجات
األفراد ،ابإلضافة إىل أهنا ال تنطوي على حمظور شرعي كالراب أو الغنب أو االستغالل أو الغرر ،وهي من قبل ومن بعد،
مسألة اجتهادية تندرج يف عموم قول الرسول صلى هللا عليه وسلم“ :أنتم أعلم أبمور دنياكم”(.)19
ونشري إىل أننا يف هذه الدراسة الفقهية اليت سيوجهها غطاء االعتماد أو عدمه ،سنعتمد االعتماد املستندي املوصوف
ابلقطعية ،أي االعتماد املستندي غري القابل لإللغاء ،وهو الذي يكون فيه التزام املصرف ابات وهنائيا ،اعتبارا لكون
أغلب االعتمادات املستندية قطعية ،واعتبارا لندرة االعتمادات املستندية غري القطعية (أي القابلة لإللغاء) من الناحية
العملية)20( .
املبحث األول :التكييف الشرعي لالعتماد املغطى ابلكامل
يكون االعتماد املستندي مغطى ابلكامل مىت كانت قيمة املبلغ املرصود ألجله من قبل العميل تغطي قيمة البضاعة
موضوع العقد ،وبصيغة أخرى يكون االعتماد مغطى مىت ُوفِرر له عند إنشائه “غطاءً نقداي من جانب العميل يتمثل
يف وجود أموال يقوم هذا العميل إبيداعها يف حساب خاص ،أو يقوم بتجنيبها من حسابه اجلاري ،وتكون خمصصة
للوفاء للمص ردر األجنيب” ()21
( )18شرح مجلة األحكام العدلية للمرحوم سليم رستم باز اللبناني ،ص.56 :
( )19فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث ،د .محمد الشحات الجندي ،ص.141 :
()20تعرف االعتمادات المستندية تنوعا كثيرا في أقسامها حسب ما يفرضه الواقع العملي والشروط المعتبرة في العقود المنشئة لها.
انظر في هذا الشأن :موسوعة أعمال البنوك ،د .علم الدين ،م.س.755/2 :.
وأغلب تقسيمات االعتماد المستندي تقسيمات شكلية تعتمد على الوصف من زاوية معينة ،بحيث يمكن أن تسري هذه التقسيمات
باعتبارها أوصافا على نوع واحد ،ومثال ذلك أن يكون االعتماد المستندي قابال للنقض ومؤيدا في الوقت نفسه ،ويكون كذلك محليا
وقابال للتحويل وغير قابل للتجزئة ،ومؤجال ودائريا ومغطى...
وال يؤثر في الحكم الشرعي كون االعتماد المستندي ينقسم إلى أقسام متعددة ،ألن األصل واألساس واحد ،وإنما تختلف باختالف ما
ترمي إليه من أهداف وما تتضمنه من شروط حسب محل كل منها ،ومتى كان محلها مشروعا كان التعامل مشروعا لقوله صلى هللا
عليه وسلم“ :المسلمون عند شروطهم إال شرطا حرم حالال أو أحل حراما” رواه الترمذي في السنن ،وقال :حديث حسن صحيح ،باب:
ما ذكر عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في الصلح بين المسلمين ،حديث رقم .1352ولعموم القاعدة القرآنية{ :يا أيها الذين آمنوا
أوفوا بالعقود} سورة المائدة ،اآلية ،1 :وألن القاعدة عند جمهور الفقهاء أن األصل في المعامالت اإلباحة.
()21النظام القانوني للعمليات المصرفية الدولية ،م.س ،.ص.139 :
وهذا الغطاء الكلي جينب املصرف خماطر استعمال أمواله اخلاصة ،وينحصر دوره يف تقدمي خدمة حيصل على عمولة
مقابلها ،مما جيعل العملية خترج عن إطار االئتمان البنكي ،وتتخذ شكل اخلدمة البنكية الصرفة اخلالية من نظام
الفائدة.
الغطاء كما سبق نوعان :نقدي وعيين ،وحديثنا يف هذا املبحث ينحصر يف الغطاء النقدي ،ألن الغطاء العيين ليس
سوى ضمان للتسهيل املمنوح من املصرف لآلمر مقابل فتح االعتماد ،فال يؤثر يف الدور االئتماين للمصرف ،يف حني
أن الغطاء النقدي جيعل دور املصرف خدماتيا ابألساس مما جيعله غري مصادم للشرع وال خمالف ألي أصل من أصوله،
فهو خال من الراب ،بعيد من أكل أموال الناس ابلباطل ،وال أثر ألي غرر فاحش به ،إضافة إىل أنه حيقق املقاصد
الشرعية للعقود “من التيسري يف التعامل وتلبية حاجات األفراد” ( ،)22مما جيعله عقدا صحيحا من الناحية الشرعية.
لكن ما حمل هذا التعامل من الشرع وحتت أي من العقود أو التصرفات املعروفة يف الفقه اإلسالمي ميكن إدراجه
وتكييفه وفْقها؟.
يرتاوح التخريج الفقهي لعملية االعتماد املستندي املغطى ابلكامل بني تكييفها وفق عقود مسماة وتصرفات معروفة يف
الفقه اإلسالمي وبني القول أبهنا معاملة مستحدثة تشكل عقدا مستجدا قائما بذاته.
والسبب راجع إىل أن هذه العملية من جهة جتد لنفسها أساسا يف العديد من العقود والتصرفات املعروفة يف الفقه
اإلسالمي ،كالوكالة واحلوالة والضمان واإلرادة املنفردة واالشرتاط ملصلحة الغري .ومن جهة أخرى لصعوبة تكييفها وفق
أي من هذه العقود أو التصرفات تكييفا يشمل مجيع أطرافها وكل مراحلها وااللتزامات الناشئة عنها ،وخيضعها مجلة
ألحكام ذلك العقد وحده ،و سنتطرق هلذه التخرجيات كما يلي:
أوال :التخريج على أساس عقود مسماة:
يستند هذا التخريج على أساس النظر إىل املراحل اليت متر هبا عملية االعتماد املستندي ،حيث إهنا تعكس عقودا
معروفة يف الفقه اإلسالمي ،ويتعلق األمر بكل من الوكالة والكفالة واحلوالة منفردة وجمتمعة.
أ :التخريج على أساس الوكالة.
يرجع ختريج عملية االعتماد املستندي على أساس الوكالة اعتبارا لعالقة العميل (اآلمر) ابلبنك املنشئ ،وتكيف هذه
العالقة على أن العميل يوكل البنك للنيابة عنه يف اختاذ كافة اإلجراءات الالزمة للحصول على البضاعة حمل الصفقة
بينه وبني البائع (املستفيد) ،بداية من االتصال ابلبنك املراسل يف دولة البائع ،مرورا بتسلم املستندات وفحصها ،والتأكد
من مطابقتها لشروط االعتماد إىل أن يسلمها للعميل ،أو يقوم بتخليص البضاعة مجركيا مىت تضمن االعتماد ذلك.
ويعترب من يذهب هذا االجتاه “أن اخلطاب الذي يوجهه العميل إىل البنك ما هو إال توكيل بدفع قيمة االعتماد مىت
حتققت شروطه” (.)23
ب :التخريج على أساس الضمان.
( )22فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث ،م.س ،.ص.141 :
( )23األعمال المصرفية واإلسالم ،د .مصطفى عبد هللا الهمشيري ،ص.212 :
تتمثل عالقة الضمان ابالعتماد املستندي فيما يقدمه املصرف من ضماانت بفعل يساره ومالءته لكل من العميل
اآلمر واملستفيد ،فاملصرف يكفل للمستفيد احلصول على ما يرتبه عقد البيع السابق لالعتماد من ديون جتاه العميل
اآلمر ،كما يكفل لآلمر احلصول على البضاعة موضوع عقد البيع كاملة ساملة ،ويكفل التعويض عند حصول التلف أو
العيب فيها.
وهذا ينطبق عليه بعض من ضمان الدين والعني والدرك ،وهي من صور الضمان يف الفقه اإلسالمي.
ومعلوم أن الضمان يقوم على أساس بعث الثقة بني املتعاملني ،وتقوية التزاماهتم ملا يبعثه التزام الضامن من ثقة وطمأنينة
يف استيفاء احلقوق .وهذا عني ما تقوم به املصارف يف االعتماد املستندي“ ،فالبنك بذمته املالية املعروفة بيسارها،
يضمن طريف العملية ويضفي الثقة والطمأنينة يف اقتضاء كل طرف حقه ،وهذه الكفالة من البنك للعميل املشرتي
واملستفيد البائع هي القناة املوصلة بني الطرفني ،فينعقد العقد وتتم الصفقة اعتمادا على ضمان البنك”(.)24
ج :التخريج على أساس احلوالة
يقوم تكييف االعتماد املستندي على أنه حوالة ،على اعتبار املصرف حماال عليه من قبل العميل املستورد الذي يعترب
حميال واحملال هو البائع (املستفيد) ،ذلك أن هذا األخري -وهو صاحب البضاعة“ -مل يقبل التخلي عنها ملشرت ال يعرفه
وال يطمئن إليه ،والذمة املالية للبنك يطمئن إليها كال الطرفني -البائع واملشرتي -فأحال املشرتي ابئع البضاعة ابستيفاء
مثنها من البنك الذي حتددت العالقة بينه وبني املشرتي ،وبقبول ابئع البضاعة ينتقل الثمن من ذمة املشرتي إىل ذمة
البنك” (.)25
ويوضح األستاذ اجلندي هذا التكييف أكثر بقوله“ :تربز احلوالة يف عملية االعتماد املستندي يف أن العميل املستورد
حييل املستفيد املصدر ،ابستيفاء مثن البضاعة من البنك ،وهو صاحب الذمة امليسورة ،فهو مليء ابلتعبري الشرعي،
فالعميل هو احملال عليه ،والثمن هو احملال به ،والشك أن املستفيد يقبل هذه احلوالة ،فيرتتب عليه انتقال الثمن من ذمة
العميل إىل ذمة البنك” (.)26
هذا التكييف يعتمد أساسا من الناحية الشرعية على مذهب احلنفية يف صحة احلوالة ولو مل يكن احملال عليه مدينا
للمحيل ،وهو خالف ما عليه اجلمهور ،إذ إن طبيعة فتح االعتماد “تتفق وما قالوه [أي احلنفية] يف احلوالة ،حيث إن
البنك (احملال عليه) رضي بشغل ذمته جتاه املستفيد (احملال) ومل يكن البنك يف األصل مدينا ملعطي األمر (احمليل)”
(.)27
اثنيا :التخريج على أساس عقود خمتلطة
( )24فقه التعامل المالي ،م.س ،.ص.142 :
( )25البنوك اإلسالمية بين النظرية والتطبيق ،م.س ،.ص.148 :
( )26فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث ،م.س ،.ص.146 :
( )27األعمال المصرفية واإلسالم ،م.س ،.ص.214 :
يستند هذا التخريج على املزج بني عقدين فأكثر لتفسري طبيعة االعتماد املستندي ،و يتعلق األمر التخريج على أساس
الوكالة والكفالة و التخريج على أساس الوكالة واحلوالة.
أ-التخريج على أساس الوكالة والكفالة
يقوم هذا التخريج على تقطيع عملية االعتماد املستندي واجتزاء مراحلها ،فيكون املصرف وكيال عن العميل يف فحص
املستندات وأداء الثمن ،ويكون كفيال عنه يف تعزيز ثقة املستفيد لإلقدام على إرسال البضاعة ،وكفيال له يف احلصول
على البضاعة كاملة ساملة من أي نقص أو عيب ،فنكون حينئذ أمام الوكالة والكفالة يف عقد واحد.
ب-التخريج على أساس الوكالة واحلوالة
يقوم هذا التخريج على أساس تقطيع عقد احلوالة وجعله عقدين :عقد بيع ،وعقد استيفاء .ومرد هذا التخريج العمل
على تربير العمولة اليت أيخذها البنك يف االعتماد املستندي ،فإذا كانت حمرمة على ضوء أحكام احلوالة ،وهي مستثناة
من بيع الدين ابلدين ،ألن ذلك يفضي إىل زايدة أحد الدينني على اآلخر ،وهو عني الراب ،فإنه “على معىن االستيفاء
يذكر التوكيل ،وبناء على هذا فأخذ العمولة "األجر" ليس على اعتبار انتقال الدين واملطالبة به من معطي األمر إىل
البنك ( )...وإمنا أخذت العمولة على اعتبار التوكيل واستيفاء احلقوق ،وإطالق لفظ احلوالة ليس على احلقيقة”
(.)28
اثلثا :التخريج على أساس تصرفات مستفادة من الشرع
يتعلق األمر ابلتخريج على أساس اإلرادة املنفردة والتخريج على أساس االشرتاط ملصلحة الغري ،وهي تصرفات و إن مل
يتناوهلا الفقهاء املتقدمني ابلتنظيم إال أهنا مستفادة من األحكام و القواعد الشرعية ،وهذه التخاريج أتثر أصحاهبا -
على ما يبدو -ابلدراسات والنظرايت القانونية يف تكييف االعتماد املستندي.
أ :التخريج على أساس اإلرادة املنفردة
يقوم هذا التخريج على تفسري التزام البنك يف االعتماد املستندي بدفع قيمة مبلغ االعتماد للمستفيد أبنه التزام انبع من
إرادته املنفردة ،ومستقل عن التزام العميل قبل املستفيد.
يقول األستاذ حممد الشحات اجلندي“ :وداللة الفقه الشرعي على اعتبار اإلرادة املنفردة مصدرا إلنشاء االلتزامات
يفيد بتكييف االعتماد املستندي يف جانب إلزام البنك نفسه استقالال عن العميل واملستفيد ابلقيام ابلتزامه يف دفع
الثمن وفحص املستندات ،وفقا ملصدر اإلرادة املنفردة املعتربة كدليل على إنشاء االلتزامات يف الفقه اإلسالمي”
(.)29
ب :التخريج على أساس االشرتاط ملصلحة الغري
يقوم هذا التخريج على تفسري عالقة البنك ابملستفيد املستندي وانتفاع هذا األخري من عقد مل يكن طرفا يف إنشائه،
على أساس االشرتاط ملصلحة الغري ،أي اشرتاط العميل على البنك لفائدة املستفيد ،ومن مث ينسحب هذا التخريج
( )28األعمال المصرفية واإلسالم ،م.س ،.ص.215 :
( )29فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث ،م.س ،.ص.152 :
على سائر عالقات االعتماد املستندي وأطرافه وااللتزامات الناشئة عنه ،حيث إن عالقات أطراف االشرتاط ملصلحة
الغري وهم املشرتط ،واملنتفع ،واملتعهد ،تالئم عالقات أطراف االعتماد املستندي على اعتبار أن املشرتط يربم عقد
االشرتاط مع املتعهد على أداء التزام معني حنو شخص اثلث هو املنتفع ،فاملشرتط يف االشرتاط ملصلحة الغري يقابله
اآلمر يف االعتماد املستندي واملتعهد ميثله البنك املنشئ ،يف حني ميثل املنتفع من االشرتاط املستفيد من االعتماد.
رابعا :التخريج على أساس كون االعتماد املستندي معاملة مستحدثة
ابستعراض التخاريج املعتمدة على العقود والتصرفات املعروفة يف الشرع ،يتضح قصور هذه التخاريج عن اإلحاطة
جبميع جوانب االعتماد املستندي ،غاية األمر أهنا تفسر مرحلة من مراحله أو بعض عالقاته أو التزاما انشئا عنه ،فال
يشمل أي منها كل األطراف وال سائر العالقات وال مجيع االلتزامات الناشئة عنه.
لذلك ال جند ابحثا يرجع تكييف االعتماد املستندي بشكل قاطع إىل أحد هذه العقود كيفما كانت درجة ميوله
واطمئنانه إليه.كما أن أغلب آراء الباحثني يف جتويز هذه العملية وتكييفها تتجه إىل استنادها إىل عقود شرعية عديدة
أتخذ يف كل منها جبانب ،وحيث إن هذه العقود جائزة يف الشرع ،فالنتيجة جواز هذه العملية اليت تعكسها جمتمعة.
هذا إمنا هو أتكيد على أن عملية االعتماد املستندي “ال ختضع يف تكييفها الشرعي ألي عقد مسمى بعينه من العقود
الفقهية ( )...فإذا تعمقنا يف حتليل طبيعة فتح االعتماد لوجدان أهنا ختتلف حبق عن طبيعة العقود املعروفة” (.)30
يبقى السؤال املطروح يف هذا الشأن :هل كل تعامل مستجد يتوجب إرجاعه إىل أحد العقود أو التصرفات املعروفة يف
الفقه اإلسالمي؟
احلقيقة أن الذي يهم يف مثل هذه املعامالت املستجدة هو اجلواب عن حكم الشرع فيها إابحة أو منعا .ومادامت
العملية من بدايتها إىل هنايتها ال تنطوي على حمظور شرعي من راب أو غرر فاحش ،وال هي من قبيل أكل أموال الناس
ابلباطل ،وال خترج عن إطار نظرية العقد يف الشرع اإلسالمي ،وحتقق املقصد الشرعي يف التيسري يف املعامالت بني
الناس ،فال يهم للحكم ابجلواز إرجاعها إىل عقد معروف ،كما ال يهم أن تكون حتت هذا املسمى أو ذاك مادامت
العربة ابملقاصد واملعاين ال ابأللفاظ واملباين.
وملا كان االعتماد املستندي املغطى كليا -يف الصورة اليت أسلفنا -غري مصادم للشرع وال خمالف ألصل من أصوله،
وبعيدا عن الراب والغرر الفاحش وأكل أموال الناس ابلباطل وغريها من حماذير الشرع يف املعامالت ،مما جيعله عقدا
صحيحا من الناحية الشرعية ،وحيث عجزت أاي من العقود املسماة والتصرفات املعروفة يف الشرع عن استيعابه وتكييفه
وفق أحكامها يف مجيع مراحله وسائر عالقاته ،فإنه يسوغ لنا أن نصنفه على أساس عقد شرعي مستحدث بناء على
أن األصل يف العقود اإلابحة حىت يرد دليل املنع ،وال مينع من ذلك كونه عقدا مل يعرفه الفقهاء من قبل ،ألن “ما ذكره
الفقهاء من العقود املسماة إمنا هي العقود اليت يغلب أن يقع هبا التعامل يف زمنهم ،فإذا استحدثت احلضارة عقودا
أخرى توافرت فيها الشروط املقررة فقها ،كانت مشروعة” (.)31
( )30فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث ،م.س ،.ص.153 :
( )31مصادر الحق في الفقه اإلسالمي ،م.س.81/1 :.
وهذا هو الرأي الذي نطمئن إليه ونرجحه ،ألن الواقع يقول ابستقاللية االعتماد املستندي عن غريه من العقود
والتصرفات املنصوص عليها فقها ،منفردة كانت أو خمتلطة ،واليت عجزت عن التعبري عن طبيعته اليت ينفرد هبا عن غريه
من العقود والتصرفات.
املبحث الثاين :التخريج الشرعي لالعتماد غري املغطى كليا
يكون االعتماد املستندي غري مغطى مىت فتح “على املكشوف” ،أي دون تقدمي أي مبلغ من العميل ضماان
للصفقة ،هنا يتدخل املصرف بصفته مموال للعملية جبانب دوره اخلدمايت ،مما يعرضه ملخاطر استعمال أمواله إىل غاية
إمتام الصفقة واسرتدادها من عميله.
ويقوم البنك بتمويل الصفقة كاملة دون أي غطاء ولو جزئي اعتبارا ملالءة عميله ومسعته ،وكذا نوع الصفقة موضوع
العقد ،ويتقاضى نظري ذلك -إضافة إىل العمولة -فوائد مهمة مرتبطة بعامل الزمن الفاصل بني أدائه الفعلي ملبلغ
الصفقة واسرتداده من العميل ،حتتسب على مبلغ الصفقة.
و لكي نتعرف على الصيغ الشرعية املناسبة لتطبيق هذه العملية يف املصرف اإلسالمي ،البد من معرفة األسباب
الداعية إىل جلوء التاجر إىل مثل هذه العملية.
معلوم أن الداعي إىل استعمال الطرق الشرعية راجع إىل الدور االئتماين الذي يطبع دور البنك يف العملية نتيجة عدم
تقدمي العميل التاجر لغطاء االعتماد .وعدم تقدمي العميل التاجر للغطاء ال يعدو أن يكون بسبب أمرين:
األول :إما أنه اتجر خبري يف سلعة معينة وال ميلك مثنها ،فيضطر للجوء إىل املصرف رغبة يف عمله االئتماين عن طريق
االعتماد املستندي.
الثاين :التاجر خبري يف السلعة موضوع الصفقة ،وميلك من املال ما يكفي لتغطية العملية ،لكنه يفضل عدم تقدمي أي
مبلغ وجتميده لغاية تسلم البضاعة.
وإذا حللنا املسألة هبذا الشكل سهل التنظري الفقهي هلا ،حبيث يكون التناول الشرعي لكل حالة على حدهتا ،كأن
خنلص إىل تطبيق املضاربة يف هذه احلالة ،واملراحبة يف هذه ،واملشاركة يف تلك ،ومن مث تسمو العملية الفقهية عن
ضغوطات الواقع املصريف ومصاحل كل من املصرف أو العميل وما تقتضيه من تطبيق هذه الصيغة دون تلك.
ففي احلالة األوىل ،أي اليت ال ميلك فيها التاجر قيمة الصفقة ،نرى أن الصيغة املالئمة واملمكن تدخل املصرف
اإلسالمي هبا هي املضاربة ،ألن املضاربة عقد مبال من جانب والعمل من جانب ،وهو ما ينطبق على العملية هنا .أما
املراحبة واملشاركة فال جمال لتطبيقها لعدم توافر املال لدى العميل ،وحىت إن أمكن تطبيق املراحبة على أساس السداد
املؤجل فإن ذلك ينطوي على خماطرة من قبل البنك ،ألن العميل التاجر ال يتوافر على ضماانت يقدمها للمصرف،
وألن صيغة املراحبة جتعل املصرف أجنبيا عن إدارة الصفقة ومراقبة العميل.
ويف أحسن األحوال اليت حيتاط فيها املصرف الذي يطبق املراحبة يف هذه العمليات ،يكون احتياطه بعدم املوافقة على
طلب العميل بفتح االعتماد لعدم توافر الضماانت ،ويف ذلك خسارة كربى لعائدات قد تكون مهمة إذا ما أثبتت
دراسة الصفقة مردوديتها وجناعتها ،وفيه تعطيل ملشروع قد يفيد منه عدد ال أبس به من األشخاص ،فضال عن اقتصاد
األمة أمجع.
أما احلالة الثانية ،أي اليت ميلك فيها التاجر ما يكفي من املال لتغطية الصفقة ،فإن الصيغة املناسبة هي صيغة املراحبة
لآلمر ابلشراء ،ألن العميل لديه أموال ،فال حيتاج إىل أموال يضارب هبا ،كما أنه ال يرغب يف مشاركة أحد ،ألن هدفه
من اللجوء إىل االعتماد املستندي هو أال يدفع املال إال بعد قبض السلعة ،فيكون شراء املصرف للسلعة وبيعها للعميل
أمثل طريق لبلوغ ذلك اهلدف دون مشاركة أحد ،مع استفادة املصرف من هامش الربح ،واتقاء اجلميع للتعامل الربوي.
وإذا خلصنا إىل أن املراحبة مستبعدة يف احلالة األوىل ،فإن املشاركة مستبعدة يف احلالتني معا؛ ملا ذكر من األسباب.
لذلك فإن اكتفاء بعض املصارف( )32ابعتماد صيغة املراحبة ابعتبارها صيغة وحيدة لتنفيذ عمليات االعتماد
املستندي ،واكتفاء بعضها( )33ابعتماد صيغة املشاركة فقط يعرتيه نوع من القصور من جانب التنظري الفقهي ،وأخذ
حيثيات كل حالة على حدة بعني االعتبار ،وهو ما نلحظه أيضا عند أغلب الباحثني يف هذا اجملال ،حبيث يطلقون يف
اعتماد صيغ التمويل الشرعية لتنفيذ عمليات االعتماد املستندي املنطوية على ائتمان املصرف ،دون تفصيل وحتليل
لكل حالة على حدة.
وسنتناول هذا املبحث حبول هللا يف نقطتني:
األوىل :خنصصها لتخريج العملية على أساس املضاربة .والثانية :خنصصها لتخريج العملية على أساس املراحبة.
أوال :تطبيق االعتماد املستندي على أساس املضاربة
يكون تطبيق االعتماد املستندي على أساس املضاربة بتقدمي العميل للمصرف دراسة وافية للجوانب االقتصادية واملالية
للصفقة موضوع البضاعة املراد استريادها ،فيقوم املصرف من جانبه بتقوميها ،وعند اطمئنانه ألمهية الصفقة ومردوديتها
يقدم املال يف حساب يفتحه لديه لفائدة العميل على أساس اجتماع طرفني :املال من أحدمها (وهو املصرف) ،والعمل
من اآلخر (وهو العميل) يف عقد يكون موضوعه إجناز عملية جتارية ،على أن يكون الربح الناتج عنها بينهما على ما
يتفقان عليه.
بعد ذلك يقوم املصرف بفتح االعتماد املستندي لديه يف حساب مستقل ،ومباشرة العمل املصريف الذي يقتضيه
بشكل مستقل ،وعند عقد املضاربة تسلم املستندات من اخلارج يقوم بتسليمها للتاجر املضارب الذي يقوم بدوره
ابستخالص البضاعة ،ومباشرة اإلجراءات واألعمال الالزمة لتسويقها.
وبعد أن يتم تفويت البضاعة وبيعها من قبل التاجر ،يقوم املصرف أبخذ مستحقاته من عمولة ومصاريف نظري قيامه
ابألعمال املصرفية الالزمة لتنفيذ االعتماد املستندي ،وما تبقى بعد ذلك من أرابح يقتسمها بينه وبني التاجر املضارب
على ما اتفقا عليه من نسبة أثناء العقد.
( )32بنك دبي اإلسالمي.
( )33بنك ماليزيا اإلسالمي.
وتفاداي ملا قد ينتج عن تطبيق هذه الصيغة من مشاكل وما قد يلحق املصرف من أضرار وخسائر جراء ما قد يكون
من خيانة املضارب أو عدم أمانته ،أو عن قلة جتربته املهنية ،أو عن كساد السوق ،يتعني على اهليئات املختصة يف
املصرف تقومي مشروع الصفقة الذي يتقدم به العميل املضارب بدقة متناهية ،مع الرتكيز على شخص هذا العميل
وأمانته ومسعته وخربته يف تسويق البضاعة موضوع العقد.
إضافة إىل ذلك ميكن للمصرف أن يقيد هذا املضارب بشروط يضمنها عقد املضاربة متكنه من تتبع عمليات الصفقة
من بدايتها إىل متامها عمال بقواعد املضاربة املقيدة.
بتطبيق هذه الصيغة نتفادي تنفيذ االعتماد املستندي وفق املعايري الربوية ،إضافة إىل ما ينتج عنها من فوائد عديدة،
أمهها:
الدخول يف عمليات االسترياد والتصدير ،واالستفادة من أرابحها وعدم تركها ملن ال يبايل ابحلالل واحلرام.متكني التاجر اخلبري الغري املتوفر على املال من االجتار وإبرام الصفقات دون متويل من جانبه ،فيتفادى بذلك عائقالتمويل.
اعتماد هذا التاجر على شريك مليء يقوي تعامالته يف السوق ويسنده يف معامالته مع الغري.متكني ذوي األموال ممن ال خربة هلم من استثمار أمواهلم مبا يعود عليهم بربح شرعي.جتنب الصفقات غري املضمونة النجاح ،وذلك عرب إعادة دراستها وتقوميها من قبل املصرف ،ومن مث تتجنب إهدارالطاقات املالية واملعنوية دون طائل.
ومع هذه الفوائد كلها فإنين مل أجد -حسب ما اطلعت عليه -أن مثة مصرفا يقوم بتطبيق االعتماد املستندي عن طريق
املضاربة ،بل إن صيغة املضاربة من الصيغ القليلة ،إن مل نقل النادرة يف التطبيقات االستثمارية للبنوك اإلسالمية يف شىت
تعامالهتا ،مع كوهنا الصيغة األساسية اليت متيز االستثمار يف النظام االقتصادي اإلسالمي.
اثنيا :تطبيق االعتماد املستندي غري املغطى كليا على أساس املراحبة
يبدأ تطبيق هذه الصيغة بتقدمي العميل طلبا إىل املصرف من أجل استرياد البضاعة موضوع التعاقد ،مرفقا إايه ابلفاتورة
املبدئية Proformatاحملددة هلذه البضاعة بكامل أوصافها وكميتها وأسعارها ،فيقوم املصرف بعد ذلك بدراسة
العملية يف شىت جوانبها االقتصادية والتقنية واملالية ،والتأكد من مقدرة العميل على الوفاء والسؤال عن مركزه ومسعته يف
السوق.
وعند موافقة املصرف على العملية ،يوقع العميل عقدا بشراء البضاعة عند ورودها مطابقة للمواصفات اليت طلبها ،مع
احتفاظه حبق رفضها مىت وردت خمالفة للمواصفات املطلوبة.
ومبجرد توقيع العقد يباشر املصرف عملية االسترياد على حسابه الشخصي وحتت مسؤوليته الكاملة إىل حني ورود
املستندات املمثلة للبضاعة ،وختليصها من اجلمارك حيث يتم بيعها للعميل مراحبة بعد إضافة مجيع ما أنفق على العملية
من مصاريف التأمني واجلمارك والنقل والتخزين وغريها.
هذه الصيغة هي األكثر استعماال لدى أغلب املصارف اإلسالمية ،إال أن أهم ما يؤخذ عليها أهنا ال متكن من
عمليات االسترياد سوى التجار ذوي الذمم املالية املليئة ،أما التجار ذوو اخلربات دون رؤوس األموال فال متكنهم هذه
الصيغة من الدخول يف مثل هذه العمليات إال اندرا ،لعدم توفر الضماانت الكافية ملوافقة املصرف على طلباهتم.
هذه الصيغة تطبق يف بنك ديب اإلسالمي على الشكل اآليت(:)34
-1حيضر العميل إىل البنك ويتقدم بطلب يوضح فيه رغبته يف شراء بضائع من اخلارج ،ويرفق بطلبه فاتورة مبدئية حيدد
فيها نوع البضاعة وأوصافها كاملة.
-2يعرض الطلب على إدارة البنك للموافقة عليه بعد التأكد من جدية الطلب والوقوف على مركز العميل املايل.
وعدا ابلشراء حيدد فيه املواصفات الكاملة للبضاعة اليت يرغب يف
-3بعد املوافقة على الطلب يوقع العميل مع البنك ً
شرائها من البنك ،ويبني فيه أيضا كيفية وطريقة الشحن واالستالم ،كما حيدد يف الوعد أيضا السعر الذي سيشرتي به
البضاعة من البنك.
-4يقوم البنك بفتح االعتماد لصاحله (أي ابسم بنك ديب اإلسالمي) ،ويرسل االعتماد إىل املراسل الذي يسلمه إىل
املصدر ،وحيتفظ بصورة طرفه.
-5يقوم املصدر بتحضري البضاعة املطابقة للمواصفات وشحنها ،ويقدم مستندات الشحن للبنك املراسل ملطابقتها مع
شروط االعتماد ،ويف حالة املطابقة تدفع له القيمة ،وخيطر املراسل البنك ويرسل له مستندات الشحن.
-6بعد متلك بنك ديب اإلسالمي للبضاعة بطريقة شرعية ،يقوم بتوقيع عقد البيع مع عميله طبقا للشروط املتفق عليها
يف عقد الوعد ابلشراء ،ويتسلم املتعامل مع البنك البضائع املطلوبة.
املطلب الثالث :التخريج الفقهي لالعتماد املستندي املغطى جزئيا
يكون االعتماد مغطى جزئيا مىت كانت املبالغ املرصودة لالعتماد ال تغطي سوى جزء من قيمة البضاعة موضوع
العقد ،مما جيعل معه دور البنك ائتمانيا فيما يتعلق ابجلزء غري املغطى ،حبيث يتوىل تغطيته ابستخدام أمواله اخلاصة
مقابل فائدة يتقاضاها جراء ذلك ،إضافة إىل العمولة املقررة نظري اخلدمة.
وهذا النوع من االعتماد املستندي جيمع بني خصائص كل من النوعني السابقني ،حبيث يضطلع املصرف فيه بدور
مزدوج :األول خدمايت فيما يتعلق ابجلزء املغطى ،والثاين ائتماين فيما خيص اجلزء غري املغطى.
وتقوم البنوك التقليدية بتمويل هذا االعتماد نظري فائدة ،وهو ما ال ميكن للمصرف اإلسالمي اإلقدام عليه لعلة الراب.
واملخرج يف تنفيذ هذه العملية أن يتم عرب صيغ التمويل الشرعية اليت تطبقها املصارف اإلسالمية.
وملعرفة الصيغة الشرعية املالئمة لتنفيذ هذا النوع من االعتماد املستندي ،يتعني معرفة األسباب الداعية إليه ،وهو ما
سنتطرق له يف نقطة أوىل قبل احلديث عن خترجيه الفقهي يف نقطة اثنية.
أوال :واقع االعتماد املغطى جزئيا.
( )34التعريف ببنك دبي اإلسالمي ،من كتاب :المصارف اإلسالمية ضرورة حتمية ،م.س ،.ص.390 :
بتحليل واقع هذه املعاملة يتبني أن العميل -وهو يقدم على هذا االعتماد -ال يعدو أن يكون أمره على إحدى
حالتني:
األوىل :أن تكون لديه األموال الكافية لتنفيذ عقد االعتماد ،ولكنه ارأتى أن ال جيمد أمواله طيلة املدة الفاصلة بني
فتح االعتماد وتسلم البضاعة ،فيعمل على فتح االعتماد بتقدمي جزء يسري من قيمة البضاعة ،والباقي يدفعه مبجرد
تسليم البنك إايه ملستندات البضاعة.
الثانية :أن يكون لديه خصاص يف األموال الالزمة لتنفيذ العقد ،فيضطر للجوء إىل االئتمان املصريف عرب هذا النوع من
االعتمادات املستندية.
يف احلالة األوىل ،لكي نتعرف على الصيغة الشرعية املالئمة ،البد كذلك من التمييز بني حالتني:
األوىل :تكون فيها املدة الفاصلة بني أداء البنك لقيمة البضاعة للمصدر ،وبني فرتة تسلم البضاعة مدة قصرية.
الثانية :تكون فيها تلك املدة متوسطة وطويلة.
ففي األوىل نرى أن الصيغة املثلى هي صيغة القرض احلسن ،أي القرض دون فائدة ،وذلك بتقدمي املصرف لقيمة اجلزء
غري املغطى من حسابه لتغطية قيمة البضاعة املراد استريادها دومنا مقابل ،وذلك لالعتبارات اآلتية:
-1أن املصرف ال يعطل أمواله مدة طويلة.
-2أن املصرف قد استفاد من العملية من خالل العمولة يف فتح االعتماد ويف اجلزء املغطى.
-3أن يف ذلك إبراز للجانب األخالقي واالجتماعي يف عمل املصرف اإلسالمي.
على أنه قبل اإلقدام على العملية وإقراض العميل قرضا حسنا ،يتعني على املصرف القيام بدراسة متكاملة للشروع ،مع
الرتكيز على شخص العميل ومسعته وقدرته على سداد القرض عند ورود املستندات.
أما يف الثانية واليت تكون فيها املدة الفاصلة بني أداء املصرف لثمن البضاعة وتسلم املستندات مدة طويلة ،مما يؤدي إىل
تعطيل أموال مهمة للمصرف ،فنرى أن الصيغة املواتية هي املراحبة لآلمر ابلشراء يف اجلزء غري املغطى كما هو احلال يف
االعتماد املستندي غري املغطى كليا ،حبيث يتجنب املصرف تعطيل جزء مهم من أمواله دون عائد استثماري ،كما
متكن العميل من االنتفاع ابلدور االئتماين للمصرف.
أما احلالة الثانية واليت يكون فيها خصاص يف األموال لدى العميل ،مما يضطره إىل اللجوء إىل هذا النوع من االعتماد،
فإن صيغة املشاركة هي الصيغة املالئمة لتنفيذ العقد ،حبيث يدخل العميل شريكا بذلك اجلزء املغطى واملصرف ابجلزء
الباقي.
وحيث إن القرض احلسن ال حيتاج هنا إىل دراسة ،وحيث إن املراحبة سبق ودرسناها يف املبحث السابق ،فإننا سنكتفي
يف هذا املبحث بدراسة ختريج االعتماد املستندي املغطى جزئيا على أساس املشاركة.
اثنيا :تطبيق االعتماد املستندي املغطى جزئيا على أساس املشاركة
يتم تطبيق االعتماد املستندي املغطى جزئيا على أساس املشاركة عرب تقدمي العميل دراسة وافية للعملية موضوع الصفقة،
فيقوم املصرف بدراستها بغرض االطمئنان إىل جناعة الصفقة ومردوديتها ،وكذا املركز املايل للعميل.
بعد قبول الدراسة ،يتم توقيع عقد متويل ابملشاركة يتضمن التكلفة اإلمجالية للصفقة تكون مسامهة العميل فيه مببلغ اجلزء
املغطى ،والباقي يسهم به املصرف ،ويتضمن العقد طريقة توزيع الربح.
بعد ذلك يتوىل املصرف فتح االعتماد املستندي ،ويقوم ابإلجراءات املصرفية الالزمة لتنفيذه ،ومبجرد ختليص البضاعة
من اجلمارك يقوم بتفويض الشريك تسويق البضاعة وتفويتها.
وبعد متام الصفقة أيخذ املصرف مستحقاته على فتح االعتماد املستندي ،وأيخذ الشريك مستحقاته نظري قيامه إبدارة
العملية التجارية إىل حني تفويت البضاعة وما تبقى من األرابح يوزع بني الطرفني حسب ما اتفق عليه يف عقد
املشاركة.
هذا إذا كانت املشاركة اثبتة ،وقد يفضل الشريك العميل االستفراد ابلشركة بعد مدة من قيامها حني تتوافر له األموال
الالزمة لذلك ،وخباصة إذا كانت الشركة قد تدوم مدة من قيامها حني تتوافر له األموال الالزمة لذلك ،وخباصة إذا
كانت الشركة قد تدوم مدة أطول ،حينها ميكن تطبيق املشاركة املتناقصة حبيث ميكن املصرف الشريك العميل من شراء
أسهمه إىل أن تنتهي الشركة يف ملكه.
ويطبق بنك ماليزاي هذا األسلوب على النحو اآليت(:)35
يُطلب من العميل إبالغ البنك مبتطلبات خطاب االعتماد اخلاص به ،ويتفاوض حول بنود عملية التمويل ابملشاركة،
فيضع العميل لدى البنك إيداعا بنصيبه يف تكلفة السلع املستوردة اليت يوافق البنك عليها مبقتضى مبدإ الوديعة ،مث
يصدر البنك خطاب االعتماد ،ويدفع العائدات إىل البنك املراسل مستخدما وديعة العميل وأموال البنك اخلاصة ،ومن
مث يسلم األوراق للعميل بعد ذلك.وحيصل العميل على السلع،ويتصرف فيها ابألسلوب املذكور يف العقد،وتقسم
األرابح الناجتة عن هذه العملية حسب االتفاق.
خالصة
من خالل ما سبق بسطه ميكن اخلروج ابخلالصات التالية:
نظرية االشرتاط ملصلحة الغري راجحة يف الطبيعة القانونية لالعتماد املستندي ،لقرب تفسريها اللتزام البنك جتاهاملستفيد ومطابقتها لصورة االعتماد املستندي ،غري أنه ال ينبغي اعتمادها مستقلة دون إحاطتها ابلعرف التجاري
العتبارين أساسيني:
األول :أن فكرة االشرتاط قابلة لالهتزاز يف االعتماد املستندي من انحيتني:
أوالمها :كون املشرتط -وهو اآلمر -يستطيع نقض احلق الناشئ للمستفيد.
اثنيهما :كون املتعهد يستطيع أن يدفع يف مواجهة املنتفع -وهو املستفيد -ابلدفوع الناشئة عن عالقته ابآلمر املشرتط،
أو عن عالقة هذا األخري ابملستفيد.
( )35الممارسات المعاصرة ألساليب التمويل اإلسالمية ،د .أوصاف أحمد ،بحث منشور في مجلة دراسات اقتصادية إسالمية ،المعهد
اإلسالمي للبحوث والتدريب.
الثاين :أنه ال الكفالة وال الوكالة وال غريها كانت القصد من فتح االعتماد املستندي ،كذلك االشرتاط ملصلحة الغري
ليس أساس هذا العقد ،وإمنا أساسه توفري عنصر الثقة الالزم بني التجار وخباصة يف التجارة الدولية ،الذي يعترب الباعث
الرئيس والدافع األساس وراء استحداث هذا النوع من التعامل املصريف.
فتح االعتماد الذي يكيفه فقهاء القانون على أساس الوعد ابلقرض ،جائز من الناحية الشرعية ،بناء على قولالفقهاء بلزوم الوعد إذا دخل املوعود بسببه يف كلفة والتزام.
جيوز فتح االعتماد املستندي املغطى ابلكامل لعدم مصادمته لقواعد الشرع وعدم خمالفته ألي أصل من أصوله،ويكيف شرعا على أنه معاملة مستحدثة.
تكييف االعتماد املستندي املغطى ابلكامل وفق العقود الشرعية املسماة منفردة وجمتمعة ،أو على أساس بعضالتصرفات املستفادة من الشرع ،ال يسلم من القصور لعدم مشول أي منها كل عالقاته ومجيع االلتزامات الناجتة عنه.
ال جيوز فتح االعتماد املستندي املغطى جزئيا وغري املغطى كليا ،لعلة الفوائد الناجتة عن الدور االئتماين للمصرففيه ،إال عن طريق صيغ التمويل الشرعية.
ينبغي تطبيق االعتماد املستندي املغطى جزئيا وغري املغطى كليا ،وفق الظروف احمليطة ابلعملية ،عكس اإلطالقفيها ،وذلك كما أييت:
+تطبيق املضاربة يف االعتماد املستندي غري املغطى كليا ،يف احلالة اليت ال يتوفر فيها العميل على أي مبلغ من قيمة
الصفقة موضوع االعتماد ،حيث يكون قصده االستفادة من متويل املصرف.
+تطبيق املراحبة يف االعتماد املستندي غري املغطى كليا يف احلالة اليت يتوفر فيها العميل على قيمة الصفقة ،ويكون
قصده من اللجوء إىل املصرف ضمان حصوله على السلعة على الوجه املطلوب ،وعدم تعطيل أمواله ما بني فرتة األداء
واحلصول على السلعة.
+تطبيق املشاركة يف االعتماد املستندي املغطى جزئيا ،حبيث يكون العميل شريكا بنصيبه املتمثل يف اجلزء املغطى،
واملصرف شريكا يف اجلزء املتبقى.
مت حبمد هللا الذي بنعمته تتم الصاحلات
© Copyright 2026 Paperzz