الطبيعة القانونية للاعتماد المستندي

‫الطبيعة القانونية لالعتماد املستندي‬
‫وتكييفه يف الفقه املصريف اإلسالمي‬
‫الدكتور البشري عدي‬
‫أستاذ بكلية احلقوق جامعة ابن زهر‬
‫أغادير‪ -‬اململكة املغربية‬
‫متهيد‬
‫يعترب االعتماد املستندي الوسيلة املصرفية األكثر ذيوعا يف تسهيل عمليات بيوعات التجارة اخلارجية املعاصرة‪ .‬يلتجئ‬
‫إليه التجار حلل مشكل انعدام الثقة الذي تتسم به عمليات االسترياد والتصدير‪ ،‬لبعد كل من املصدر عن املستورد‬
‫جغرافيا‪ ،‬مما جيعل التاجر املستورد غري مطمئن لدفع الثمن قبل وصول السلعة إليه كاملة ساملة‪ ،‬وجيعل البائع املصدر غري‬
‫مطمئن إلرسال السلعة قبل قبض مثنها‪.‬‬
‫إضافة إىل أن هذا االعتماد ميكن التجار املستوردين من جتنب جتميد قيمة مبلغ العملية طوال املدة الفاصلة بني إبرام‬
‫العقد وتسلم البضاعة اليت تتسم غالبا ابلطول والتعقيد‪ .‬فيتدخل البنك عرب االعتماد املستندي حلل هذه اإلشكاالت‪،‬‬
‫ملا يعرف عنه من ثقة ومالءة‪.‬‬
‫وقد أثري جدل قانوين حول طبيعته القانونية لدى فقهاء القانون‪ ،‬كما هو احلال بشأن تكييفه الشرعي يف الفقه املصريف‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وسنعرف هبذا االعتماد بشكل وجيز ونعرض لصورته العملية‪ ،‬قبل بسط هذا اجلدل يف حمورين خنصص‬
‫األول للطبيعة القانونية لالعتماد املستندي‪ ،‬والثاين لتكييفه الشرعي يف الفقه املصريف اإلسالمي‪.‬‬
‫أ‪ :‬تعريف االعتماد املستندي‪:‬‬
‫االعتماد املستندي اعتماد يفتحه املصرف‪ ،‬متعهدا ابلوفاء أبمر من عميله لفائدة مستفيد وفق شروط معينة يف أجل‬
‫حمدد مقابل ضمان حيازي على املستندات املمثلة للبضاعة موضوع املعاملة بني اآلمر واملستفيد(‪.)1‬‬
‫فقد ورد يف املرشد العملي الذي وضعته غرفة التجارة الدولية يف شأن االعتماد املستندي سنة ‪ 1978‬ما يلي‪:‬‬
‫“االعتماد املستندي يف عبارة وجيزة هو تعهد مصريف مشروط ابلوفاء‪ .‬وبعبارة أوسع هو تعهد مكتوب من بنك‬
‫ص ِدر) يسلَّم للبائع (املستفيد)‪ ،‬وذلك بناء على طلب املشرتي (مقدم الطلب أو اآلمر) وابملطابقة‬
‫(يسمى الْ ُم ْ‬
‫لتعليماته‪ ،‬يستهدف القيام ابلوفاء (أي بوفاء نقدي أو قبول كمبيالة أو خصمها) ويف حدود مبلغ حمدد خالل فرتة‬
‫معينة ويف نظري مستندات مشرتطة”(‪.)2‬‬
‫(‪)1‬يسمى هذا االعتماد بالمستندي‪ ،‬تمييزا له عن االعتماد البسيط لما يتعلق به من مستندات واجبة التقديم من قبل المستفيد‪.‬‬
‫(‪ ) 2‬االعتمادات المستندية‪ :‬دراسة قانونية لألعراف الدولية والقضاء المقارن‪،‬د علي جمال الدين عوض‪،‬هامش ص‪ .7 :‬هذا التعريف‬
‫في عبارته الواسعة يعد من التعاريف الجامعة المانعة‪ ،‬التي يتبين من خاللها قصور العديد من التعاريف الموضوعة في هذا الباب عن‬
‫إعطاء تصوير دقيق لهذه العملية‪ ،‬ومنها تعريف األستاذ بوتيلي بلوكاي لالعتماد المستندي بأنه‪“ :‬تعهد بنكي بأداء مبلغ محدد لشخص‬
‫معين عند تقديم مستندات محددة في تاريخ محدد” ‪.Droit du crédit, Boutelet Blocaille, p. 264.‬‬
‫ويعترب تعريف األستاذ البارودي من أبرز التعاريف وأوضحها يف هذا الباب‪ ،‬حيث يعرف االعتماد املستندي أبنه‪:‬‬
‫“تعهد صادر من البنك بناء على طلب العميل (يسمى اآلمر‪ ،‬أو معطي األمر) لصاحل الغري املصدر (ويسمى‬
‫املستفيد)‪ ،‬يلتزم البنك مبقتضاه بدفع أو بقبول كمبياالت مسحوبة عليه من هذا املستفيد‪ ،‬وذلك بشروط معينة واردة‬
‫يف هذا التعهد‪ ،‬ومضمون برهن حيازي على املستندات املمثلة للبضائع املصدرة” (‪.)3‬‬
‫ب‪ :‬الصورة العملية لالعتماد املستندي‬
‫بعد إمتام الصفقة وإبرام العقد بني املستورد واملصدر‪ ،‬يُلتجأ إىل املؤسسة املصرفية لفتح االعتماد بغية تنفيذ العقد الذي‬
‫يتضمن عادة نصا على فتح اعتماد مستندي‪ ،‬ومن فتح االعتماد إىل غاية تنفيذ العقد موضوعه تتم العملية عرب املراحل‬
‫اآلتية(‪:)4‬‬
‫‪-1‬يتقدم التاجر املستورد إىل املصرف احمللي الذي يتعامل معه‪ ،‬يطلب منه فتح اعتماد بقيمة عقد البيع‪ ،‬وأن يقوم‬
‫بتوجيه االعتماد لصاحل البائع املصدر‪ ،‬شريطة تقدميه مستندات حيدد املستورد مواصفتها بدقة تكون مضمنة يف عقد‬
‫فتح االعتماد‪.‬‬
‫‪-2‬بعد موافقة املصرف على طلب العميل‪ ،‬يقوم بفتح اعتماد مستندي لفائدة البائع املصدر‪ ،‬ويشعره بذلك إبرسال‬
‫خطاب يسمى "خطاب اعتماد" يتعهد فيه بدفع أو قبول كمبيالة بقيمة البضاعة موضوع االعتماد إذا تقدم داخل‬
‫أجل حمدد ابملستندات املنصوص عليها يف هذا اخلطاب‪.‬‬
‫ويرى بعض الباحثني أن إصدار خطاب االعتماد هو اخلطوة العملية األوىل يف فتح االعتماد املستندي(‪.)5‬‬
‫‪-3‬بعد تلقي البائع املصدر خلطاب االعتماد يقوم إبعداد البضاعة املطلوبة وبتحرير املستندات املتعلقة هبا‪ ،‬مث يسلمها‬
‫لفرع البنك فاتح االعتماد أو مراسله ببلده‪ ،‬وإذا كان تعهد البنك قاصرا على قبول كمبيالة يقوم البائع بسحب كمبيالة‬
‫يرفقها ابملستندات مطالبا ابلوفاء‪.‬‬
‫‪-4‬يقوم املصرف بعد تلقي املستندات بفحصها بغية التأكد من مطابقتها للشروط واملواصفات اليت حددها التاجر‬
‫املستورد (اآلمر)‪ ،‬فإذا اطمأن إليها دفع قيمة البضاعة إن كان تعهد ابلدفع‪ ،‬وإن كان تعهد بقبول كمبيالة أو خبصمها‬
‫فعل‪ ،‬لتنتهي بذلك عالقة املصرف ابلغري‪ ،‬وتنحصر آاثر العملية بني البنك والعميل اآلمر الذي حيصل على املستندات‬
‫من البنك بعد الوفاء ابلتزاماته جتاهه‪ ،‬ليتسىن له بعد ذلك تسلم البضاعة أو مبلغ التأمني إذا كانت قد هلكت قبل‬
‫الوصول‪ ،‬وقد حيدث أن يتكلف املصرف ابستالم البضاعة وختليصها مجركيا على أساس املستندات املسلمة إليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬العقود وعمليات البنوك‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪ . 372 :‬وال يؤخذ على هذا التعريف سوى ربطه االعتماد المستندي بالتجارة الخارجية (وإن‬
‫كان هذا ما يجعله أكثر وضوحا)‪ ،‬ألن هذا االعتماد يمكن فتحه في المعامالت التجارية داخل بلد واحد وإن كانت أغلب استعماالته في‬
‫التجارة الخارجية‪ ،‬لذلك نجد األستاذ علي جمال الدين عوض يعرفه بعيدا عن المجال الجغرافي للعملية موضوع االعتماد بقوله‪:‬‬
‫“ االعتماد الذي يفتحه البنك بناء على طلب شخص يسمى اآلمر‪ ،‬أيا كانت طريقة تنفيذه‪ ،‬أي سواء كان بقبول الكمبياالت أو بالوفاء‪،‬‬
‫لصالح عميل لهذا اآلمر‪ ،‬ومضمون بحيازة المستندات الممثلة لبضاعة في الطريق أو معدة لإلرسال” االعتمادات المستندية‪ ،‬م س‪،‬‬
‫ص‪..12-11 :‬‬
‫(‪ )4‬العقـود وعمليـات البنـوك‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪ ،375 :‬االعتمادات المستندية‪ ،‬د‪ .‬علي جمال الدين عوض‪ ،‬ص‪ ،7 :‬موسوعة أعمال البنوك‬
‫من الناحيتين القانونية والعملية‪ ،‬د‪ .‬محيي الدين إسماعيل علم الدين‪.749/2 :‬‬
‫(‪Le crédit documentaire: étude comparative, Ligia Maura Costa, p. 15.)5‬‬
‫احملور األول‪ :‬الطبيعة القانونية لالعتماد املستندي‬
‫أثري جدل كبري يف الفقه القانوين حول الطبيعة القانونية لالعتماد املستندي‪ ،‬ومرد ذلك التزام البنك يف هذا االعتماد يف‬
‫مواجهة املستفيد دون أي عالقة قانونية بينهما‪ ،‬فتعددت بذلك النظرايت الفقهية املكيفة هلذا االلتزام‪ ،‬فقيل بنظرية‬
‫الكفالة‪ ،‬وقيل ابإلانبة‪ ،‬وقيل ابإلرادة املنفردة‪ ،‬وابالشرتاط ملصلحة الغري‪ ،‬وقيل بغريها‪ ،‬وسنعرض هلذه النظرايت بشكل‬
‫وجيز على النحو اآليت‪.‬‬
‫أوال‪ :‬نظرية الكفالة‬
‫مؤدى هذه النظرية أن البنك الذي يفتح اعتمادا قطعيا لصاحل البائع يصري كفيال للمشرتي‪ ،‬ويؤكد ذلك دفع قيمة‬
‫البضاعة بشرط أن يكون البائع قد نفذ التزامه صحيحا(‪.)6‬‬
‫وقد وجه الكثري من النقد هلذه الفكرة وأبرز ما ينقضها أن الكفالة عقد اتبع لاللتزام األصلي موضوع الكفالة‪ ،‬أما‬
‫االعتماد املستندي فهو عقد مستقل عن عقد البيع موضوع فتح االعتماد‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬نظرية اإلانبة‬
‫مفاد هذه النظرية أن أساس التزام البنك مرده إانبة اآلمر إايه يف الوفاء للمستفيد نيابة قاصرة ميكن معها للبنك الرجوع‬
‫على اآلمر إذا مل يقع الوفاء من البنك‪.‬‬
‫غري أن هذه الفكرة مل تسلم هي أيضا من نقد‪ ،‬ومما قيل يف حقها أن اإلانبة ال تنعقد إال بتوافر رضا األطراف الثالثة‪،‬‬
‫أما االعتماد املستندي فاملستفيد ليس طرفا مباشرا فيه‪ ،‬حبيث ال يلزم النعقاده رضاه وإن كان يفيد منه‪.‬‬
‫ويف نقد هاتني النظريتني تقول األستاذة مسيحة القليويب‪“ :‬ال يعترب البنك الذي يقوم بفتح اعتماد للوفاء بقيمة البضاعة‬
‫وكيال عن املشرتي أو كفيال له‪ ،‬فالبنك ملتزم التزاما مستقال عن العقد القائم بني البائع واملشرتي‪ ،‬وأساس التزام البنك‬
‫هو خطاب االعتماد املوجه منه إىل املستفيد‪ ،‬فإذا قام هذا األخري بتقدمي املستندات املوضحة لشروط االعتماد كان له‬
‫حق مباشر يف مواجهة البنك” (‪.)7‬‬
‫اثلثا‪ :‬نظرية اإلرادة املنفردة‬
‫مؤدى هذه النظرية أن مركـز البنك يف االعتماد املستندي مركز الواعد ابجلائزة يتعهد كالمها مستقال أبداء عمل معني إذا‬
‫نفذ شخص عمال معينا هو يف االعتماد تقدمي املستندات‪ ،‬وهو يف الوعد جبائزة العمل الذي تستحق به اجلائزة (‪.)8‬‬
‫ومما ينقض هذه الفكرة أن الوعد ابجلائزة يوجه للجمهور عن طريق علين‪ ،‬أما إذا كان املعين شخصا معينا فإهنا خترج‬
‫عن دائرة الوعد جبائزة‪ ،‬وتسري عليها قواعد اإلجياب املقرتن ابلقبول‪ ،‬مما ينفي فكرة اإلرادة املنفردة‪.‬‬
‫وقيل كذلك بفكرة القبول املصريف كما قيل حبوالة احلق‪ ،‬ومل يسلم أي منها من نقد‪ ،‬كما قيل أبن االعتماد املستندي‬
‫عقد ذو طبيعة خاصة‪ ،‬وعيب على هذا القول أنه يقرر الواقع وال يفسره‪.‬‬
‫(‪ )6‬االعتمادات المستندية‪ ،‬د علي جمال الدين عوض‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.78 :‬‬
‫(‪ )7‬األسس القانونية لعمليات البنوك‪ ،‬دة‪ .‬سميحة القليوبي‪ ،‬ص‪.112 :‬‬
‫(‪ )8‬االعتمادات المستندية‪ ،‬د علي جمال الدين عوض‪ ،‬م‪.‬س‪ .‬ص‪.81 :‬‬
‫رابعا‪ :‬نظرية االشرتاط ملصلحة الغري‬
‫ذهب بعض الباحثني إىل أن مجيع النظرايت يف هذا الباب عجزت عن تفسري استقالل التزام البنك‪ ،‬ويرى بعضهم أن‬
‫التزام البنك يف االعتماد املستندي “يرد مصدره يف كونه تصرفا قانونيا جمردا‪ ،‬مستندا فيه إىل األعراف التجارية” (‪.)9‬‬
‫ويرد األستاذ حميي الدين علم الدين على هذا االجتاه أبن العرف آخر ما يلتجأ إليه لتفسري املستجدات القانونية‪ ،‬بينما‬
‫يذهب إىل ترجيح فكرة االشرتاط ملصلحة الغري‪ ،‬وذلك ألن صورة عملية االعتماد املستندي “ال ينطبق عليها إال‬
‫وصف واحد هو االشرتاط ملصلحة الغري‪ ،‬فهو الشكل القانوين الذي ينعقد إبرادة طرفني ويرتب حقا لغريها دون أن‬
‫يشرتك هذا الغري يف إبرام التصرف‪ ،‬ولكن يكون له رفض احلق الناشئ منه احرتاما حلريته الشخصية‪ ،‬فال تدخل ذمته‬
‫حقوق رغما عنه‪ ،‬وبتطبيق فكرة االشرتاط ملصلحة الغري على االعتماد املستندي جند أن اآلمر (املشرتط) يشرتط على‬
‫البنك املنشئ (املتعهد) حقا للمستفيد (املنتفع)‪ ،‬فاآلمر املشرتط يتعاقد ابمسه هـو ال ابسـم املستفيـد‪ ،‬ويشرتط على‬
‫البنك حقا مباشرا للمستفيد يتلقاه هـذا األخري من عقـد االشرتاط ذاتـه دون أن مير هـذا احلـق بذمـة املشرتط أو املتعهد‪،‬‬
‫وحيقـق املشرتط هبذا العقد مصلحة مادية ظاهـرة هي الوفاء بدينه‪ ،‬وتسهيـل حصوله على بضاعتـه”(‪.)10‬‬
‫ويعاب على هذا الرأي أن التزام البنك جتاه املستفيد ال ينشأ عن عقد فتح االعتماد مع العميل املشرتي‪ ،‬بل عن‬
‫خطاب االعتماد الصادر عن البنك‪ ،‬وفضال عن استقالل هذا االلتزام يف مصدره‪ ،‬فإنه ال يعلق على قبول املستفيد له‪،‬‬
‫كما أنه ال يتأثر ابلعالقة بني البنك والعميل‪ ،‬وهذا خبالف القواعد العامة يف االشرتاط ملصلحة الغري(‪.)11‬‬
‫وحنن وإن كنا منيل إىل نظرية االشرتاط ملصلحة الغري لقرب تفسريها اللتزام البنك جتاه املستفيد ومطابقتها لصورة‬
‫االعتماد املستندي‪ ،‬نرى أنه ال ينبغي اعتمادها مستقلة دون إحاطتها ابلعرف التجاري العتبارين أساسيني‪:‬‬
‫األول‪ :‬أن فكرة االشرتاط قابلة لالهتزاز يف االعتماد املستندي من انحيتني‪:‬‬
‫أوالمها‪ :‬كون املشرتط ‪-‬وهو اآلمر‪ -‬يستطيع نقض احلق الناشئ للمستفيد‪.‬‬
‫اثنيهما‪ :‬كون املتعهد يستطيع أن يدفع يف مواجهة املنتفع ‪-‬وهو املستفيد‪ -‬ابلدفوع الناشئة عن عالقته ابآلمر املشرتط‪،‬‬
‫أو عن عالقة هذا األخري ابملستفيد‪.‬‬
‫وال ميكن تاليف هذا االهتزاز إال ابلرجوع إىل العرف املصريف‪ ،‬وهو ما أقره األستاذ علم الدين نفسه حني قال وهو‬
‫يتحدث عن هذا اإلشكال‪“ :‬ولكن العرف املصريف ‪-‬استجابة الحتياجات التجارة‪ -‬قد عاجل هذه الثغرة ومنع اآلاثر‬
‫السيئة اليت ميكن أن ترتتب عليها خصوصا يف معاملة تقع بني بالد خمتلفة‪ ،‬كاالعتماد املستندي” (‪.)12‬‬
‫(‪ )9‬أعمال البنوك في القانون المصري‪ ،‬د‪ .‬أحمد محمد محرز‪ ،‬ص‪.241-240 :‬‬
‫(‪ )10‬موسوعة أعمال البنوك‪ ،‬د علم الدين م‪.‬س‪.958/2 :.‬‬
‫(‪ )11‬القانون التجاري‪ :‬العقود التجارية وعمليات البنوك‪ ،‬د‪ .‬مراد منير فهيم‪ ،‬ص‪.309 :‬‬
‫(‪ )12‬االعتمادات المستندية‪ ،‬د‪ .‬علي جمال الدين عوض‪ ،،‬م‪.‬س‪ .‬ص‪.83 :‬‬
‫الثاين‪ :‬أنه ال الكفالة وال الوكالة وال غريها كانت القصد من فتح االعتماد املستندي‪ ،‬كذلك االشرتاط ملصلحة الغري‬
‫ليس أساس هذا العقد‪ ،‬وإمنا أساسه توفري عنصر الثقة الالزم بني التجار وخباصة يف التجارة الدولية‪ ،‬الذي يعترب الباعث‬
‫الرئيس والدافع األساس وراء استحداث هذا النوع من التعامل املصريف‪.‬‬
‫احملور الثاين‪ :‬التكييف الفقهي لالعتماد املستندي‪.‬‬
‫االعتماد املستندي‪ ،‬كما سبق‪ ،‬وسيلة من وسائل تسهيل البيوعات يف التجارة اخلارجية‪ ،‬وهذه الوسيلة إما أن تكون‬
‫وسيلة دفع دون ائتمان‪ ،‬وإما أن تكون وسيلة دفع يصحبها ائتمان‪.‬‬
‫ففي األوىل تكون قيمة االعتماد مغطاة ابلكامل‪ ،‬فيكون عمل البنك جمرد خدمة يقدمها للعميل‪.‬‬
‫ويف الثانية تكون قيمة االعتماد غري مغطاة أو مغطاة جزئيا‪ ،‬حيث يظهر الدور االئتماين للمصرف من خالل تسخري‬
‫بعض أمواله لتنفيذ العملية(‪.)13‬‬
‫وبناء على هذا التقسيم‪ ،‬سنتناول الدراسة الفقهية لالعتماد املستندي حكما وخترجيا‪ ،‬وذلك يف مبحثني‪ ،‬خنصص األول‬
‫للتكييف الشرعي لالعتماد املغطى ابلكامل‪ ،‬والثاين للصيغ الشرعية لتطبيق االعتماد غري املغطى كليا واملغطى جزئيا‪ ،‬و‬
‫قبل ذلك سنعرض لفتح هذا االعتماد و حكمه من الناحية الشرعية‪.‬‬
‫فتح االعتماد املستندي من الناحية الشرعية‬
‫يكيف فقهاء القانون فتح االعتماد على أنه وعد ابلقرض(‪ ،)14‬وهذا معروف يف الفقه اإلسالمي(‪ ،)15‬وإن اختلف‬
‫الفقهاء حول لزوم هذا الوعد‪ ،‬وهم يف ذلك على مذاهب ثالثة‪:‬‬
‫األول‪ :‬الوعد ملزم داينة ال قضاء‪ ،‬وهو مذهب اجلمهور‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬أن الوعد كله الزم‪ ،‬ويقضى به على الواعد‪ ،‬وجيرب عليه‪ ،‬وهو مذهب ابن شربمة وأصبغ من املالكية‪ ،‬قال ابن‬
‫حزم يف حماله‪“ :‬وقال ابن شربمة‪ :‬الوعد كله الزم‪ ،‬ويقضى به على الواعد وجيرب” (‪.)16‬‬
‫الثالث‪ :‬أن الوعد غري ملزم إال إذا دخل املوعود بسببه يف كلفة‪ ،‬قال الشيخ عليش‪“ :‬وقيل‪ :‬يقضى هبا إن كانت على‬
‫سبب ودخل املوعود بسبب العدة يف شيء‪ ،‬وهذا هو املشهور”‪ ،‬وهو مذهب ابن القاسم؛ ففي املدونة‪“ :‬لو أن رجال‬
‫اشرتى عبدا من رجل على أن يعينه فالن أبلف درهم‪ ،‬فقال له فالن‪ :‬أان أعينك أبلف درهم فاشرت العبد‪ ،‬أن ذلك‬
‫الزم لفالن” (‪.)17‬‬
‫(‪)13‬الغطاء ‪-‬كما يعرفه األستاذ علم الدين‪ -‬هو “ما يقتضيه البنك من اآلمر كضمان للحصول على ما يدفعه البنك للمستفيد” موسوعة‬
‫أعمال البنوك‪..911-910/2 :‬‬
‫والغطاء إما أن يكون كليا بحيث يغطي قيمة البضاعة كاملة‪ ،‬وإما جزئيا وهو الغالب‪ ،‬وقد ال يحتاج إليه إذا كان العميل ذا سمعة ومالءة‬
‫جيدة‪ .‬وهذا الغطاء إما أن يكون نقديا‪ ،‬وإما عينيا على شكل أوراق مالية أو تجارية‪.‬‬
‫(‪ )14‬العقود وعمليات البنوك‪ ،‬د‪ .‬علي البارودي‪ ،‬م‪.‬س‪ ،‬ص‪.370 :‬‬
‫(‪ )15‬مصادر الحق في الفقه اإلسالمي‪ ،‬د‪ .‬عبد الرزاق السنهوري‪.35/2 :‬‬
‫(‪ )16‬المحلى لإلمام ابن حزم‪ ،28/8 :‬المسألة‪.1125 :‬‬
‫(‪ )17‬فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب اإلمام مالك للشيخ عليش‪.255/1 :‬‬
‫وهذا القول الثالث هو الذي يرجحه أكثر الفقهاء املعاصرين‪ ،‬وبه أخذت جملة األحكام العدلية؛ فقد نصت املادة ‪84‬‬
‫على أن “املواعيد إذا اكتست بصور التعاليق تكون الزمة‪ ،‬مثال لو قال رجل آلخر‪ :‬بع هذا الشيء لفالن وإن مل‬
‫يعطك مثنه‪ ،‬فأان أعطيه لك‪ ،‬فلم يعط املشرتي الثمن‪ ،‬لزم على الرجل أداء الثمن املذكور بناء على وعده املعلق”‬
‫(‪.)18‬‬
‫واالعتماد املستندي مبا أنه مقرتن بعقد يضع على عاتق العميل التزامات يرتب عليه عدم الوفاء هبا تبعات جتعله يف‬
‫كلفة من أمره‪ ،‬فإن ذلك يدخله يف صميم القول الثالث من أقوال الفقهاء يف لزوم الوعد ابلعقد‪ ،‬فيكون بذلك فتح‬
‫االعتماد املستندي عمال مشروعا‪ ،‬خاصة وأن هذه العملية يف صورهتا اجملردة “عملية ال خترج عن الشروط اليت اشرتطها‬
‫الفقهاء يف العقود‪ ،‬كما أهنا ‪-‬عملية االعتماد‪ -‬حتقق املقاصد الشرعية للعقود‪ ،‬من التيسري يف التعامل وتلبية احتياجات‬
‫األفراد‪ ،‬ابإلضافة إىل أهنا ال تنطوي على حمظور شرعي كالراب أو الغنب أو االستغالل أو الغرر‪ ،‬وهي من قبل ومن بعد‪،‬‬
‫مسألة اجتهادية تندرج يف عموم قول الرسول صلى هللا عليه وسلم‪“ :‬أنتم أعلم أبمور دنياكم”(‪.)19‬‬
‫ونشري إىل أننا يف هذه الدراسة الفقهية اليت سيوجهها غطاء االعتماد أو عدمه‪ ،‬سنعتمد االعتماد املستندي املوصوف‬
‫ابلقطعية‪ ،‬أي االعتماد املستندي غري القابل لإللغاء‪ ،‬وهو الذي يكون فيه التزام املصرف ابات وهنائيا‪ ،‬اعتبارا لكون‬
‫أغلب االعتمادات املستندية قطعية‪ ،‬واعتبارا لندرة االعتمادات املستندية غري القطعية (أي القابلة لإللغاء) من الناحية‬
‫العملية‪)20( .‬‬
‫املبحث األول‪ :‬التكييف الشرعي لالعتماد املغطى ابلكامل‬
‫يكون االعتماد املستندي مغطى ابلكامل مىت كانت قيمة املبلغ املرصود ألجله من قبل العميل تغطي قيمة البضاعة‬
‫موضوع العقد‪ ،‬وبصيغة أخرى يكون االعتماد مغطى مىت ُوفِرر له عند إنشائه “غطاءً نقداي من جانب العميل يتمثل‬
‫يف وجود أموال يقوم هذا العميل إبيداعها يف حساب خاص‪ ،‬أو يقوم بتجنيبها من حسابه اجلاري‪ ،‬وتكون خمصصة‬
‫للوفاء للمص ردر األجنيب” (‪)21‬‬
‫(‪ )18‬شرح مجلة األحكام العدلية للمرحوم سليم رستم باز اللبناني‪ ،‬ص‪.56 :‬‬
‫(‪ )19‬فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث‪ ،‬د‪ .‬محمد الشحات الجندي‪ ،‬ص‪.141 :‬‬
‫(‪)20‬تعرف االعتمادات المستندية تنوعا كثيرا في أقسامها حسب ما يفرضه الواقع العملي والشروط المعتبرة في العقود المنشئة لها‪.‬‬
‫انظر في هذا الشأن‪ :‬موسوعة أعمال البنوك‪ ،‬د‪ .‬علم الدين‪ ،‬م‪.‬س‪.755/2 :.‬‬
‫وأغلب تقسيمات االعتماد المستندي تقسيمات شكلية تعتمد على الوصف من زاوية معينة‪ ،‬بحيث يمكن أن تسري هذه التقسيمات‬
‫باعتبارها أوصافا على نوع واحد‪ ،‬ومثال ذلك أن يكون االعتماد المستندي قابال للنقض ومؤيدا في الوقت نفسه‪ ،‬ويكون كذلك محليا‬
‫وقابال للتحويل وغير قابل للتجزئة‪ ،‬ومؤجال ودائريا ومغطى‪...‬‬
‫وال يؤثر في الحكم الشرعي كون االعتماد المستندي ينقسم إلى أقسام متعددة‪ ،‬ألن األصل واألساس واحد‪ ،‬وإنما تختلف باختالف ما‬
‫ترمي إليه من أهداف وما تتضمنه من شروط حسب محل كل منها‪ ،‬ومتى كان محلها مشروعا كان التعامل مشروعا لقوله صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪“ :‬المسلمون عند شروطهم إال شرطا حرم حالال أو أحل حراما” رواه الترمذي في السنن‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬باب‪:‬‬
‫ما ذكر عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في الصلح بين المسلمين‪ ،‬حديث رقم ‪ .1352‬ولعموم القاعدة القرآنية‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا‬
‫أوفوا بالعقود} سورة المائدة‪ ،‬اآلية‪ ،1 :‬وألن القاعدة عند جمهور الفقهاء أن األصل في المعامالت اإلباحة‪.‬‬
‫(‪)21‬النظام القانوني للعمليات المصرفية الدولية‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.139 :‬‬
‫وهذا الغطاء الكلي جينب املصرف خماطر استعمال أمواله اخلاصة‪ ،‬وينحصر دوره يف تقدمي خدمة حيصل على عمولة‬
‫مقابلها‪ ،‬مما جيعل العملية خترج عن إطار االئتمان البنكي‪ ،‬وتتخذ شكل اخلدمة البنكية الصرفة اخلالية من نظام‬
‫الفائدة‪.‬‬
‫الغطاء كما سبق نوعان‪ :‬نقدي وعيين‪ ،‬وحديثنا يف هذا املبحث ينحصر يف الغطاء النقدي‪ ،‬ألن الغطاء العيين ليس‬
‫سوى ضمان للتسهيل املمنوح من املصرف لآلمر مقابل فتح االعتماد‪ ،‬فال يؤثر يف الدور االئتماين للمصرف‪ ،‬يف حني‬
‫أن الغطاء النقدي جيعل دور املصرف خدماتيا ابألساس مما جيعله غري مصادم للشرع وال خمالف ألي أصل من أصوله‪،‬‬
‫فهو خال من الراب‪ ،‬بعيد من أكل أموال الناس ابلباطل‪ ،‬وال أثر ألي غرر فاحش به‪ ،‬إضافة إىل أنه حيقق املقاصد‬
‫الشرعية للعقود “من التيسري يف التعامل وتلبية حاجات األفراد” (‪ ،)22‬مما جيعله عقدا صحيحا من الناحية الشرعية‪.‬‬
‫لكن ما حمل هذا التعامل من الشرع وحتت أي من العقود أو التصرفات املعروفة يف الفقه اإلسالمي ميكن إدراجه‬
‫وتكييفه وفْقها؟‪.‬‬
‫يرتاوح التخريج الفقهي لعملية االعتماد املستندي املغطى ابلكامل بني تكييفها وفق عقود مسماة وتصرفات معروفة يف‬
‫الفقه اإلسالمي وبني القول أبهنا معاملة مستحدثة تشكل عقدا مستجدا قائما بذاته‪.‬‬
‫والسبب راجع إىل أن هذه العملية من جهة جتد لنفسها أساسا يف العديد من العقود والتصرفات املعروفة يف الفقه‬
‫اإلسالمي‪ ،‬كالوكالة واحلوالة والضمان واإلرادة املنفردة واالشرتاط ملصلحة الغري‪ .‬ومن جهة أخرى لصعوبة تكييفها وفق‬
‫أي من هذه العقود أو التصرفات تكييفا يشمل مجيع أطرافها وكل مراحلها وااللتزامات الناشئة عنها‪ ،‬وخيضعها مجلة‬
‫ألحكام ذلك العقد وحده‪ ،‬و سنتطرق هلذه التخرجيات كما يلي‪:‬‬
‫أوال‪ :‬التخريج على أساس عقود مسماة‪:‬‬
‫يستند هذا التخريج على أساس النظر إىل املراحل اليت متر هبا عملية االعتماد املستندي‪ ،‬حيث إهنا تعكس عقودا‬
‫معروفة يف الفقه اإلسالمي‪ ،‬ويتعلق األمر بكل من الوكالة والكفالة واحلوالة منفردة وجمتمعة‪.‬‬
‫أ‪ :‬التخريج على أساس الوكالة‪.‬‬
‫يرجع ختريج عملية االعتماد املستندي على أساس الوكالة اعتبارا لعالقة العميل (اآلمر) ابلبنك املنشئ‪ ،‬وتكيف هذه‬
‫العالقة على أن العميل يوكل البنك للنيابة عنه يف اختاذ كافة اإلجراءات الالزمة للحصول على البضاعة حمل الصفقة‬
‫بينه وبني البائع (املستفيد)‪ ،‬بداية من االتصال ابلبنك املراسل يف دولة البائع‪ ،‬مرورا بتسلم املستندات وفحصها‪ ،‬والتأكد‬
‫من مطابقتها لشروط االعتماد إىل أن يسلمها للعميل‪ ،‬أو يقوم بتخليص البضاعة مجركيا مىت تضمن االعتماد ذلك‪.‬‬
‫ويعترب من يذهب هذا االجتاه “أن اخلطاب الذي يوجهه العميل إىل البنك ما هو إال توكيل بدفع قيمة االعتماد مىت‬
‫حتققت شروطه” (‪.)23‬‬
‫ب‪ :‬التخريج على أساس الضمان‪.‬‬
‫(‪ )22‬فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.141 :‬‬
‫(‪ )23‬األعمال المصرفية واإلسالم‪ ،‬د‪ .‬مصطفى عبد هللا الهمشيري‪ ،‬ص‪.212 :‬‬
‫تتمثل عالقة الضمان ابالعتماد املستندي فيما يقدمه املصرف من ضماانت بفعل يساره ومالءته لكل من العميل‬
‫اآلمر واملستفيد‪ ،‬فاملصرف يكفل للمستفيد احلصول على ما يرتبه عقد البيع السابق لالعتماد من ديون جتاه العميل‬
‫اآلمر‪ ،‬كما يكفل لآلمر احلصول على البضاعة موضوع عقد البيع كاملة ساملة‪ ،‬ويكفل التعويض عند حصول التلف أو‬
‫العيب فيها‪.‬‬
‫وهذا ينطبق عليه بعض من ضمان الدين والعني والدرك‪ ،‬وهي من صور الضمان يف الفقه اإلسالمي‪.‬‬
‫ومعلوم أن الضمان يقوم على أساس بعث الثقة بني املتعاملني‪ ،‬وتقوية التزاماهتم ملا يبعثه التزام الضامن من ثقة وطمأنينة‬
‫يف استيفاء احلقوق‪ .‬وهذا عني ما تقوم به املصارف يف االعتماد املستندي‪“ ،‬فالبنك بذمته املالية املعروفة بيسارها‪،‬‬
‫يضمن طريف العملية ويضفي الثقة والطمأنينة يف اقتضاء كل طرف حقه‪ ،‬وهذه الكفالة من البنك للعميل املشرتي‬
‫واملستفيد البائع هي القناة املوصلة بني الطرفني‪ ،‬فينعقد العقد وتتم الصفقة اعتمادا على ضمان البنك”(‪.)24‬‬
‫ج‪ :‬التخريج على أساس احلوالة‬
‫يقوم تكييف االعتماد املستندي على أنه حوالة‪ ،‬على اعتبار املصرف حماال عليه من قبل العميل املستورد الذي يعترب‬
‫حميال واحملال هو البائع (املستفيد)‪ ،‬ذلك أن هذا األخري ‪-‬وهو صاحب البضاعة‪“ -‬مل يقبل التخلي عنها ملشرت ال يعرفه‬
‫وال يطمئن إليه‪ ،‬والذمة املالية للبنك يطمئن إليها كال الطرفني ‪-‬البائع واملشرتي‪ -‬فأحال املشرتي ابئع البضاعة ابستيفاء‬
‫مثنها من البنك الذي حتددت العالقة بينه وبني املشرتي‪ ،‬وبقبول ابئع البضاعة ينتقل الثمن من ذمة املشرتي إىل ذمة‬
‫البنك” (‪.)25‬‬
‫ويوضح األستاذ اجلندي هذا التكييف أكثر بقوله‪“ :‬تربز احلوالة يف عملية االعتماد املستندي يف أن العميل املستورد‬
‫حييل املستفيد املصدر‪ ،‬ابستيفاء مثن البضاعة من البنك‪ ،‬وهو صاحب الذمة امليسورة‪ ،‬فهو مليء ابلتعبري الشرعي‪،‬‬
‫فالعميل هو احملال عليه‪ ،‬والثمن هو احملال به‪ ،‬والشك أن املستفيد يقبل هذه احلوالة‪ ،‬فيرتتب عليه انتقال الثمن من ذمة‬
‫العميل إىل ذمة البنك” (‪.)26‬‬
‫هذا التكييف يعتمد أساسا من الناحية الشرعية على مذهب احلنفية يف صحة احلوالة ولو مل يكن احملال عليه مدينا‬
‫للمحيل‪ ،‬وهو خالف ما عليه اجلمهور‪ ،‬إذ إن طبيعة فتح االعتماد “تتفق وما قالوه [أي احلنفية] يف احلوالة‪ ،‬حيث إن‬
‫البنك (احملال عليه) رضي بشغل ذمته جتاه املستفيد (احملال) ومل يكن البنك يف األصل مدينا ملعطي األمر (احمليل)”‬
‫(‪.)27‬‬
‫اثنيا‪ :‬التخريج على أساس عقود خمتلطة‬
‫(‪ )24‬فقه التعامل المالي‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.142 :‬‬
‫(‪ )25‬البنوك اإلسالمية بين النظرية والتطبيق‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.148 :‬‬
‫(‪ )26‬فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.146 :‬‬
‫(‪ )27‬األعمال المصرفية واإلسالم‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.214 :‬‬
‫يستند هذا التخريج على املزج بني عقدين فأكثر لتفسري طبيعة االعتماد املستندي‪ ،‬و يتعلق األمر التخريج على أساس‬
‫الوكالة والكفالة و التخريج على أساس الوكالة واحلوالة‪.‬‬
‫أ‪-‬التخريج على أساس الوكالة والكفالة‬
‫يقوم هذا التخريج على تقطيع عملية االعتماد املستندي واجتزاء مراحلها‪ ،‬فيكون املصرف وكيال عن العميل يف فحص‬
‫املستندات وأداء الثمن‪ ،‬ويكون كفيال عنه يف تعزيز ثقة املستفيد لإلقدام على إرسال البضاعة‪ ،‬وكفيال له يف احلصول‬
‫على البضاعة كاملة ساملة من أي نقص أو عيب‪ ،‬فنكون حينئذ أمام الوكالة والكفالة يف عقد واحد‪.‬‬
‫ب‪-‬التخريج على أساس الوكالة واحلوالة‬
‫يقوم هذا التخريج على أساس تقطيع عقد احلوالة وجعله عقدين‪ :‬عقد بيع‪ ،‬وعقد استيفاء‪ .‬ومرد هذا التخريج العمل‬
‫على تربير العمولة اليت أيخذها البنك يف االعتماد املستندي‪ ،‬فإذا كانت حمرمة على ضوء أحكام احلوالة‪ ،‬وهي مستثناة‬
‫من بيع الدين ابلدين‪ ،‬ألن ذلك يفضي إىل زايدة أحد الدينني على اآلخر‪ ،‬وهو عني الراب‪ ،‬فإنه “على معىن االستيفاء‬
‫يذكر التوكيل‪ ،‬وبناء على هذا فأخذ العمولة "األجر" ليس على اعتبار انتقال الدين واملطالبة به من معطي األمر إىل‬
‫البنك (‪ )...‬وإمنا أخذت العمولة على اعتبار التوكيل واستيفاء احلقوق‪ ،‬وإطالق لفظ احلوالة ليس على احلقيقة”‬
‫(‪.)28‬‬
‫اثلثا‪ :‬التخريج على أساس تصرفات مستفادة من الشرع‬
‫يتعلق األمر ابلتخريج على أساس اإلرادة املنفردة والتخريج على أساس االشرتاط ملصلحة الغري‪ ،‬وهي تصرفات و إن مل‬
‫يتناوهلا الفقهاء املتقدمني ابلتنظيم إال أهنا مستفادة من األحكام و القواعد الشرعية‪ ،‬وهذه التخاريج أتثر أصحاهبا ‪-‬‬
‫على ما يبدو‪ -‬ابلدراسات والنظرايت القانونية يف تكييف االعتماد املستندي‪.‬‬
‫أ‪ :‬التخريج على أساس اإلرادة املنفردة‬
‫يقوم هذا التخريج على تفسري التزام البنك يف االعتماد املستندي بدفع قيمة مبلغ االعتماد للمستفيد أبنه التزام انبع من‬
‫إرادته املنفردة‪ ،‬ومستقل عن التزام العميل قبل املستفيد‪.‬‬
‫يقول األستاذ حممد الشحات اجلندي‪“ :‬وداللة الفقه الشرعي على اعتبار اإلرادة املنفردة مصدرا إلنشاء االلتزامات‬
‫يفيد بتكييف االعتماد املستندي يف جانب إلزام البنك نفسه استقالال عن العميل واملستفيد ابلقيام ابلتزامه يف دفع‬
‫الثمن وفحص املستندات‪ ،‬وفقا ملصدر اإلرادة املنفردة املعتربة كدليل على إنشاء االلتزامات يف الفقه اإلسالمي”‬
‫(‪.)29‬‬
‫ب‪ :‬التخريج على أساس االشرتاط ملصلحة الغري‬
‫يقوم هذا التخريج على تفسري عالقة البنك ابملستفيد املستندي وانتفاع هذا األخري من عقد مل يكن طرفا يف إنشائه‪،‬‬
‫على أساس االشرتاط ملصلحة الغري‪ ،‬أي اشرتاط العميل على البنك لفائدة املستفيد‪ ،‬ومن مث ينسحب هذا التخريج‬
‫(‪ )28‬األعمال المصرفية واإلسالم‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.215 :‬‬
‫(‪ )29‬فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.152 :‬‬
‫على سائر عالقات االعتماد املستندي وأطرافه وااللتزامات الناشئة عنه‪ ،‬حيث إن عالقات أطراف االشرتاط ملصلحة‬
‫الغري وهم املشرتط‪ ،‬واملنتفع‪ ،‬واملتعهد‪ ،‬تالئم عالقات أطراف االعتماد املستندي على اعتبار أن املشرتط يربم عقد‬
‫االشرتاط مع املتعهد على أداء التزام معني حنو شخص اثلث هو املنتفع‪ ،‬فاملشرتط يف االشرتاط ملصلحة الغري يقابله‬
‫اآلمر يف االعتماد املستندي واملتعهد ميثله البنك املنشئ‪ ،‬يف حني ميثل املنتفع من االشرتاط املستفيد من االعتماد‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬التخريج على أساس كون االعتماد املستندي معاملة مستحدثة‬
‫ابستعراض التخاريج املعتمدة على العقود والتصرفات املعروفة يف الشرع‪ ،‬يتضح قصور هذه التخاريج عن اإلحاطة‬
‫جبميع جوانب االعتماد املستندي‪ ،‬غاية األمر أهنا تفسر مرحلة من مراحله أو بعض عالقاته أو التزاما انشئا عنه‪ ،‬فال‬
‫يشمل أي منها كل األطراف وال سائر العالقات وال مجيع االلتزامات الناشئة عنه‪.‬‬
‫لذلك ال جند ابحثا يرجع تكييف االعتماد املستندي بشكل قاطع إىل أحد هذه العقود كيفما كانت درجة ميوله‬
‫واطمئنانه إليه‪.‬كما أن أغلب آراء الباحثني يف جتويز هذه العملية وتكييفها تتجه إىل استنادها إىل عقود شرعية عديدة‬
‫أتخذ يف كل منها جبانب‪ ،‬وحيث إن هذه العقود جائزة يف الشرع‪ ،‬فالنتيجة جواز هذه العملية اليت تعكسها جمتمعة‪.‬‬
‫هذا إمنا هو أتكيد على أن عملية االعتماد املستندي “ال ختضع يف تكييفها الشرعي ألي عقد مسمى بعينه من العقود‬
‫الفقهية (‪ )...‬فإذا تعمقنا يف حتليل طبيعة فتح االعتماد لوجدان أهنا ختتلف حبق عن طبيعة العقود املعروفة” (‪.)30‬‬
‫يبقى السؤال املطروح يف هذا الشأن‪ :‬هل كل تعامل مستجد يتوجب إرجاعه إىل أحد العقود أو التصرفات املعروفة يف‬
‫الفقه اإلسالمي؟‬
‫احلقيقة أن الذي يهم يف مثل هذه املعامالت املستجدة هو اجلواب عن حكم الشرع فيها إابحة أو منعا‪ .‬ومادامت‬
‫العملية من بدايتها إىل هنايتها ال تنطوي على حمظور شرعي من راب أو غرر فاحش‪ ،‬وال هي من قبيل أكل أموال الناس‬
‫ابلباطل‪ ،‬وال خترج عن إطار نظرية العقد يف الشرع اإلسالمي‪ ،‬وحتقق املقصد الشرعي يف التيسري يف املعامالت بني‬
‫الناس‪ ،‬فال يهم للحكم ابجلواز إرجاعها إىل عقد معروف‪ ،‬كما ال يهم أن تكون حتت هذا املسمى أو ذاك مادامت‬
‫العربة ابملقاصد واملعاين ال ابأللفاظ واملباين‪.‬‬
‫وملا كان االعتماد املستندي املغطى كليا ‪-‬يف الصورة اليت أسلفنا‪ -‬غري مصادم للشرع وال خمالف ألصل من أصوله‪،‬‬
‫وبعيدا عن الراب والغرر الفاحش وأكل أموال الناس ابلباطل وغريها من حماذير الشرع يف املعامالت‪ ،‬مما جيعله عقدا‬
‫صحيحا من الناحية الشرعية‪ ،‬وحيث عجزت أاي من العقود املسماة والتصرفات املعروفة يف الشرع عن استيعابه وتكييفه‬
‫وفق أحكامها يف مجيع مراحله وسائر عالقاته‪ ،‬فإنه يسوغ لنا أن نصنفه على أساس عقد شرعي مستحدث بناء على‬
‫أن األصل يف العقود اإلابحة حىت يرد دليل املنع‪ ،‬وال مينع من ذلك كونه عقدا مل يعرفه الفقهاء من قبل‪ ،‬ألن “ما ذكره‬
‫الفقهاء من العقود املسماة إمنا هي العقود اليت يغلب أن يقع هبا التعامل يف زمنهم‪ ،‬فإذا استحدثت احلضارة عقودا‬
‫أخرى توافرت فيها الشروط املقررة فقها‪ ،‬كانت مشروعة” (‪.)31‬‬
‫(‪ )30‬فقه التعامل المالي والمصرفي الحديث‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.153 :‬‬
‫(‪ )31‬مصادر الحق في الفقه اإلسالمي‪ ،‬م‪.‬س‪.81/1 :.‬‬
‫وهذا هو الرأي الذي نطمئن إليه ونرجحه‪ ،‬ألن الواقع يقول ابستقاللية االعتماد املستندي عن غريه من العقود‬
‫والتصرفات املنصوص عليها فقها‪ ،‬منفردة كانت أو خمتلطة‪ ،‬واليت عجزت عن التعبري عن طبيعته اليت ينفرد هبا عن غريه‬
‫من العقود والتصرفات‪.‬‬
‫املبحث الثاين‪ :‬التخريج الشرعي لالعتماد غري املغطى كليا‬
‫يكون االعتماد املستندي غري مغطى مىت فتح “على املكشوف”‪ ،‬أي دون تقدمي أي مبلغ من العميل ضماان‬
‫للصفقة‪ ،‬هنا يتدخل املصرف بصفته مموال للعملية جبانب دوره اخلدمايت‪ ،‬مما يعرضه ملخاطر استعمال أمواله إىل غاية‬
‫إمتام الصفقة واسرتدادها من عميله‪.‬‬
‫ويقوم البنك بتمويل الصفقة كاملة دون أي غطاء ولو جزئي اعتبارا ملالءة عميله ومسعته‪ ،‬وكذا نوع الصفقة موضوع‬
‫العقد‪ ،‬ويتقاضى نظري ذلك ‪-‬إضافة إىل العمولة‪ -‬فوائد مهمة مرتبطة بعامل الزمن الفاصل بني أدائه الفعلي ملبلغ‬
‫الصفقة واسرتداده من العميل‪ ،‬حتتسب على مبلغ الصفقة‪.‬‬
‫و لكي نتعرف على الصيغ الشرعية املناسبة لتطبيق هذه العملية يف املصرف اإلسالمي‪ ،‬البد من معرفة األسباب‬
‫الداعية إىل جلوء التاجر إىل مثل هذه العملية‪.‬‬
‫معلوم أن الداعي إىل استعمال الطرق الشرعية راجع إىل الدور االئتماين الذي يطبع دور البنك يف العملية نتيجة عدم‬
‫تقدمي العميل التاجر لغطاء االعتماد‪ .‬وعدم تقدمي العميل التاجر للغطاء ال يعدو أن يكون بسبب أمرين‪:‬‬
‫األول‪ :‬إما أنه اتجر خبري يف سلعة معينة وال ميلك مثنها‪ ،‬فيضطر للجوء إىل املصرف رغبة يف عمله االئتماين عن طريق‬
‫االعتماد املستندي‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬التاجر خبري يف السلعة موضوع الصفقة‪ ،‬وميلك من املال ما يكفي لتغطية العملية‪ ،‬لكنه يفضل عدم تقدمي أي‬
‫مبلغ وجتميده لغاية تسلم البضاعة‪.‬‬
‫وإذا حللنا املسألة هبذا الشكل سهل التنظري الفقهي هلا‪ ،‬حبيث يكون التناول الشرعي لكل حالة على حدهتا‪ ،‬كأن‬
‫خنلص إىل تطبيق املضاربة يف هذه احلالة‪ ،‬واملراحبة يف هذه‪ ،‬واملشاركة يف تلك‪ ،‬ومن مث تسمو العملية الفقهية عن‬
‫ضغوطات الواقع املصريف ومصاحل كل من املصرف أو العميل وما تقتضيه من تطبيق هذه الصيغة دون تلك‪.‬‬
‫ففي احلالة األوىل‪ ،‬أي اليت ال ميلك فيها التاجر قيمة الصفقة‪ ،‬نرى أن الصيغة املالئمة واملمكن تدخل املصرف‬
‫اإلسالمي هبا هي املضاربة‪ ،‬ألن املضاربة عقد مبال من جانب والعمل من جانب‪ ،‬وهو ما ينطبق على العملية هنا‪ .‬أما‬
‫املراحبة واملشاركة فال جمال لتطبيقها لعدم توافر املال لدى العميل‪ ،‬وحىت إن أمكن تطبيق املراحبة على أساس السداد‬
‫املؤجل فإن ذلك ينطوي على خماطرة من قبل البنك‪ ،‬ألن العميل التاجر ال يتوافر على ضماانت يقدمها للمصرف‪،‬‬
‫وألن صيغة املراحبة جتعل املصرف أجنبيا عن إدارة الصفقة ومراقبة العميل‪.‬‬
‫ويف أحسن األحوال اليت حيتاط فيها املصرف الذي يطبق املراحبة يف هذه العمليات‪ ،‬يكون احتياطه بعدم املوافقة على‬
‫طلب العميل بفتح االعتماد لعدم توافر الضماانت‪ ،‬ويف ذلك خسارة كربى لعائدات قد تكون مهمة إذا ما أثبتت‬
‫دراسة الصفقة مردوديتها وجناعتها‪ ،‬وفيه تعطيل ملشروع قد يفيد منه عدد ال أبس به من األشخاص‪ ،‬فضال عن اقتصاد‬
‫األمة أمجع‪.‬‬
‫أما احلالة الثانية‪ ،‬أي اليت ميلك فيها التاجر ما يكفي من املال لتغطية الصفقة‪ ،‬فإن الصيغة املناسبة هي صيغة املراحبة‬
‫لآلمر ابلشراء‪ ،‬ألن العميل لديه أموال‪ ،‬فال حيتاج إىل أموال يضارب هبا‪ ،‬كما أنه ال يرغب يف مشاركة أحد‪ ،‬ألن هدفه‬
‫من اللجوء إىل االعتماد املستندي هو أال يدفع املال إال بعد قبض السلعة‪ ،‬فيكون شراء املصرف للسلعة وبيعها للعميل‬
‫أمثل طريق لبلوغ ذلك اهلدف دون مشاركة أحد‪ ،‬مع استفادة املصرف من هامش الربح‪ ،‬واتقاء اجلميع للتعامل الربوي‪.‬‬
‫وإذا خلصنا إىل أن املراحبة مستبعدة يف احلالة األوىل‪ ،‬فإن املشاركة مستبعدة يف احلالتني معا؛ ملا ذكر من األسباب‪.‬‬
‫لذلك فإن اكتفاء بعض املصارف(‪ )32‬ابعتماد صيغة املراحبة ابعتبارها صيغة وحيدة لتنفيذ عمليات االعتماد‬
‫املستندي‪ ،‬واكتفاء بعضها(‪ )33‬ابعتماد صيغة املشاركة فقط يعرتيه نوع من القصور من جانب التنظري الفقهي‪ ،‬وأخذ‬
‫حيثيات كل حالة على حدة بعني االعتبار‪ ،‬وهو ما نلحظه أيضا عند أغلب الباحثني يف هذا اجملال‪ ،‬حبيث يطلقون يف‬
‫اعتماد صيغ التمويل الشرعية لتنفيذ عمليات االعتماد املستندي املنطوية على ائتمان املصرف‪ ،‬دون تفصيل وحتليل‬
‫لكل حالة على حدة‪.‬‬
‫وسنتناول هذا املبحث حبول هللا يف نقطتني‪:‬‬
‫األوىل‪ :‬خنصصها لتخريج العملية على أساس املضاربة‪ .‬والثانية‪ :‬خنصصها لتخريج العملية على أساس املراحبة‪.‬‬
‫أوال‪ :‬تطبيق االعتماد املستندي على أساس املضاربة‬
‫يكون تطبيق االعتماد املستندي على أساس املضاربة بتقدمي العميل للمصرف دراسة وافية للجوانب االقتصادية واملالية‬
‫للصفقة موضوع البضاعة املراد استريادها‪ ،‬فيقوم املصرف من جانبه بتقوميها‪ ،‬وعند اطمئنانه ألمهية الصفقة ومردوديتها‬
‫يقدم املال يف حساب يفتحه لديه لفائدة العميل على أساس اجتماع طرفني‪ :‬املال من أحدمها (وهو املصرف)‪ ،‬والعمل‬
‫من اآلخر (وهو العميل) يف عقد يكون موضوعه إجناز عملية جتارية‪ ،‬على أن يكون الربح الناتج عنها بينهما على ما‬
‫يتفقان عليه‪.‬‬
‫بعد ذلك يقوم املصرف بفتح االعتماد املستندي لديه يف حساب مستقل‪ ،‬ومباشرة العمل املصريف الذي يقتضيه‬
‫بشكل مستقل‪ ،‬وعند عقد املضاربة تسلم املستندات من اخلارج يقوم بتسليمها للتاجر املضارب الذي يقوم بدوره‬
‫ابستخالص البضاعة‪ ،‬ومباشرة اإلجراءات واألعمال الالزمة لتسويقها‪.‬‬
‫وبعد أن يتم تفويت البضاعة وبيعها من قبل التاجر‪ ،‬يقوم املصرف أبخذ مستحقاته من عمولة ومصاريف نظري قيامه‬
‫ابألعمال املصرفية الالزمة لتنفيذ االعتماد املستندي‪ ،‬وما تبقى بعد ذلك من أرابح يقتسمها بينه وبني التاجر املضارب‬
‫على ما اتفقا عليه من نسبة أثناء العقد‪.‬‬
‫(‪ )32‬بنك دبي اإلسالمي‪.‬‬
‫(‪ )33‬بنك ماليزيا اإلسالمي‪.‬‬
‫وتفاداي ملا قد ينتج عن تطبيق هذه الصيغة من مشاكل وما قد يلحق املصرف من أضرار وخسائر جراء ما قد يكون‬
‫من خيانة املضارب أو عدم أمانته‪ ،‬أو عن قلة جتربته املهنية‪ ،‬أو عن كساد السوق‪ ،‬يتعني على اهليئات املختصة يف‬
‫املصرف تقومي مشروع الصفقة الذي يتقدم به العميل املضارب بدقة متناهية‪ ،‬مع الرتكيز على شخص هذا العميل‬
‫وأمانته ومسعته وخربته يف تسويق البضاعة موضوع العقد‪.‬‬
‫إضافة إىل ذلك ميكن للمصرف أن يقيد هذا املضارب بشروط يضمنها عقد املضاربة متكنه من تتبع عمليات الصفقة‬
‫من بدايتها إىل متامها عمال بقواعد املضاربة املقيدة‪.‬‬
‫بتطبيق هذه الصيغة نتفادي تنفيذ االعتماد املستندي وفق املعايري الربوية‪ ،‬إضافة إىل ما ينتج عنها من فوائد عديدة‪،‬‬
‫أمهها‪:‬‬
‫الدخول يف عمليات االسترياد والتصدير‪ ،‬واالستفادة من أرابحها وعدم تركها ملن ال يبايل ابحلالل واحلرام‪.‬‬‫متكني التاجر اخلبري الغري املتوفر على املال من االجتار وإبرام الصفقات دون متويل من جانبه‪ ،‬فيتفادى بذلك عائق‬‫التمويل‪.‬‬
‫اعتماد هذا التاجر على شريك مليء يقوي تعامالته يف السوق ويسنده يف معامالته مع الغري‪.‬‬‫متكني ذوي األموال ممن ال خربة هلم من استثمار أمواهلم مبا يعود عليهم بربح شرعي‪.‬‬‫جتنب الصفقات غري املضمونة النجاح‪ ،‬وذلك عرب إعادة دراستها وتقوميها من قبل املصرف‪ ،‬ومن مث تتجنب إهدار‬‫الطاقات املالية واملعنوية دون طائل‪.‬‬
‫ومع هذه الفوائد كلها فإنين مل أجد ‪-‬حسب ما اطلعت عليه‪ -‬أن مثة مصرفا يقوم بتطبيق االعتماد املستندي عن طريق‬
‫املضاربة‪ ،‬بل إن صيغة املضاربة من الصيغ القليلة‪ ،‬إن مل نقل النادرة يف التطبيقات االستثمارية للبنوك اإلسالمية يف شىت‬
‫تعامالهتا‪ ،‬مع كوهنا الصيغة األساسية اليت متيز االستثمار يف النظام االقتصادي اإلسالمي‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬تطبيق االعتماد املستندي غري املغطى كليا على أساس املراحبة‬
‫يبدأ تطبيق هذه الصيغة بتقدمي العميل طلبا إىل املصرف من أجل استرياد البضاعة موضوع التعاقد‪ ،‬مرفقا إايه ابلفاتورة‬
‫املبدئية ‪ Proformat‬احملددة هلذه البضاعة بكامل أوصافها وكميتها وأسعارها‪ ،‬فيقوم املصرف بعد ذلك بدراسة‬
‫العملية يف شىت جوانبها االقتصادية والتقنية واملالية‪ ،‬والتأكد من مقدرة العميل على الوفاء والسؤال عن مركزه ومسعته يف‬
‫السوق‪.‬‬
‫وعند موافقة املصرف على العملية‪ ،‬يوقع العميل عقدا بشراء البضاعة عند ورودها مطابقة للمواصفات اليت طلبها‪ ،‬مع‬
‫احتفاظه حبق رفضها مىت وردت خمالفة للمواصفات املطلوبة‪.‬‬
‫ومبجرد توقيع العقد يباشر املصرف عملية االسترياد على حسابه الشخصي وحتت مسؤوليته الكاملة إىل حني ورود‬
‫املستندات املمثلة للبضاعة‪ ،‬وختليصها من اجلمارك حيث يتم بيعها للعميل مراحبة بعد إضافة مجيع ما أنفق على العملية‬
‫من مصاريف التأمني واجلمارك والنقل والتخزين وغريها‪.‬‬
‫هذه الصيغة هي األكثر استعماال لدى أغلب املصارف اإلسالمية‪ ،‬إال أن أهم ما يؤخذ عليها أهنا ال متكن من‬
‫عمليات االسترياد سوى التجار ذوي الذمم املالية املليئة‪ ،‬أما التجار ذوو اخلربات دون رؤوس األموال فال متكنهم هذه‬
‫الصيغة من الدخول يف مثل هذه العمليات إال اندرا‪ ،‬لعدم توفر الضماانت الكافية ملوافقة املصرف على طلباهتم‪.‬‬
‫هذه الصيغة تطبق يف بنك ديب اإلسالمي على الشكل اآليت(‪:)34‬‬
‫‪-1‬حيضر العميل إىل البنك ويتقدم بطلب يوضح فيه رغبته يف شراء بضائع من اخلارج‪ ،‬ويرفق بطلبه فاتورة مبدئية حيدد‬
‫فيها نوع البضاعة وأوصافها كاملة‪.‬‬
‫‪-2‬يعرض الطلب على إدارة البنك للموافقة عليه بعد التأكد من جدية الطلب والوقوف على مركز العميل املايل‪.‬‬
‫وعدا ابلشراء حيدد فيه املواصفات الكاملة للبضاعة اليت يرغب يف‬
‫‪-3‬بعد املوافقة على الطلب يوقع العميل مع البنك ً‬
‫شرائها من البنك‪ ،‬ويبني فيه أيضا كيفية وطريقة الشحن واالستالم‪ ،‬كما حيدد يف الوعد أيضا السعر الذي سيشرتي به‬
‫البضاعة من البنك‪.‬‬
‫‪-4‬يقوم البنك بفتح االعتماد لصاحله (أي ابسم بنك ديب اإلسالمي)‪ ،‬ويرسل االعتماد إىل املراسل الذي يسلمه إىل‬
‫املصدر‪ ،‬وحيتفظ بصورة طرفه‪.‬‬
‫‪-5‬يقوم املصدر بتحضري البضاعة املطابقة للمواصفات وشحنها‪ ،‬ويقدم مستندات الشحن للبنك املراسل ملطابقتها مع‬
‫شروط االعتماد‪ ،‬ويف حالة املطابقة تدفع له القيمة‪ ،‬وخيطر املراسل البنك ويرسل له مستندات الشحن‪.‬‬
‫‪-6‬بعد متلك بنك ديب اإلسالمي للبضاعة بطريقة شرعية‪ ،‬يقوم بتوقيع عقد البيع مع عميله طبقا للشروط املتفق عليها‬
‫يف عقد الوعد ابلشراء‪ ،‬ويتسلم املتعامل مع البنك البضائع املطلوبة‪.‬‬
‫املطلب الثالث‪ :‬التخريج الفقهي لالعتماد املستندي املغطى جزئيا‬
‫يكون االعتماد مغطى جزئيا مىت كانت املبالغ املرصودة لالعتماد ال تغطي سوى جزء من قيمة البضاعة موضوع‬
‫العقد‪ ،‬مما جيعل معه دور البنك ائتمانيا فيما يتعلق ابجلزء غري املغطى‪ ،‬حبيث يتوىل تغطيته ابستخدام أمواله اخلاصة‬
‫مقابل فائدة يتقاضاها جراء ذلك‪ ،‬إضافة إىل العمولة املقررة نظري اخلدمة‪.‬‬
‫وهذا النوع من االعتماد املستندي جيمع بني خصائص كل من النوعني السابقني‪ ،‬حبيث يضطلع املصرف فيه بدور‬
‫مزدوج‪ :‬األول خدمايت فيما يتعلق ابجلزء املغطى‪ ،‬والثاين ائتماين فيما خيص اجلزء غري املغطى‪.‬‬
‫وتقوم البنوك التقليدية بتمويل هذا االعتماد نظري فائدة‪ ،‬وهو ما ال ميكن للمصرف اإلسالمي اإلقدام عليه لعلة الراب‪.‬‬
‫واملخرج يف تنفيذ هذه العملية أن يتم عرب صيغ التمويل الشرعية اليت تطبقها املصارف اإلسالمية‪.‬‬
‫وملعرفة الصيغة الشرعية املالئمة لتنفيذ هذا النوع من االعتماد املستندي‪ ،‬يتعني معرفة األسباب الداعية إليه‪ ،‬وهو ما‬
‫سنتطرق له يف نقطة أوىل قبل احلديث عن خترجيه الفقهي يف نقطة اثنية‪.‬‬
‫أوال‪ :‬واقع االعتماد املغطى جزئيا‪.‬‬
‫(‪ )34‬التعريف ببنك دبي اإلسالمي‪ ،‬من كتاب‪ :‬المصارف اإلسالمية ضرورة حتمية‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.390 :‬‬
‫بتحليل واقع هذه املعاملة يتبني أن العميل ‪-‬وهو يقدم على هذا االعتماد‪ -‬ال يعدو أن يكون أمره على إحدى‬
‫حالتني‪:‬‬
‫األوىل‪ :‬أن تكون لديه األموال الكافية لتنفيذ عقد االعتماد‪ ،‬ولكنه ارأتى أن ال جيمد أمواله طيلة املدة الفاصلة بني‬
‫فتح االعتماد وتسلم البضاعة‪ ،‬فيعمل على فتح االعتماد بتقدمي جزء يسري من قيمة البضاعة‪ ،‬والباقي يدفعه مبجرد‬
‫تسليم البنك إايه ملستندات البضاعة‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن يكون لديه خصاص يف األموال الالزمة لتنفيذ العقد‪ ،‬فيضطر للجوء إىل االئتمان املصريف عرب هذا النوع من‬
‫االعتمادات املستندية‪.‬‬
‫يف احلالة األوىل‪ ،‬لكي نتعرف على الصيغة الشرعية املالئمة‪ ،‬البد كذلك من التمييز بني حالتني‪:‬‬
‫األوىل‪ :‬تكون فيها املدة الفاصلة بني أداء البنك لقيمة البضاعة للمصدر‪ ،‬وبني فرتة تسلم البضاعة مدة قصرية‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬تكون فيها تلك املدة متوسطة وطويلة‪.‬‬
‫ففي األوىل نرى أن الصيغة املثلى هي صيغة القرض احلسن‪ ،‬أي القرض دون فائدة‪ ،‬وذلك بتقدمي املصرف لقيمة اجلزء‬
‫غري املغطى من حسابه لتغطية قيمة البضاعة املراد استريادها دومنا مقابل‪ ،‬وذلك لالعتبارات اآلتية‪:‬‬
‫‪-1‬أن املصرف ال يعطل أمواله مدة طويلة‪.‬‬
‫‪-2‬أن املصرف قد استفاد من العملية من خالل العمولة يف فتح االعتماد ويف اجلزء املغطى‪.‬‬
‫‪-3‬أن يف ذلك إبراز للجانب األخالقي واالجتماعي يف عمل املصرف اإلسالمي‪.‬‬
‫على أنه قبل اإلقدام على العملية وإقراض العميل قرضا حسنا‪ ،‬يتعني على املصرف القيام بدراسة متكاملة للشروع‪ ،‬مع‬
‫الرتكيز على شخص العميل ومسعته وقدرته على سداد القرض عند ورود املستندات‪.‬‬
‫أما يف الثانية واليت تكون فيها املدة الفاصلة بني أداء املصرف لثمن البضاعة وتسلم املستندات مدة طويلة‪ ،‬مما يؤدي إىل‬
‫تعطيل أموال مهمة للمصرف‪ ،‬فنرى أن الصيغة املواتية هي املراحبة لآلمر ابلشراء يف اجلزء غري املغطى كما هو احلال يف‬
‫االعتماد املستندي غري املغطى كليا‪ ،‬حبيث يتجنب املصرف تعطيل جزء مهم من أمواله دون عائد استثماري‪ ،‬كما‬
‫متكن العميل من االنتفاع ابلدور االئتماين للمصرف‪.‬‬
‫أما احلالة الثانية واليت يكون فيها خصاص يف األموال لدى العميل‪ ،‬مما يضطره إىل اللجوء إىل هذا النوع من االعتماد‪،‬‬
‫فإن صيغة املشاركة هي الصيغة املالئمة لتنفيذ العقد‪ ،‬حبيث يدخل العميل شريكا بذلك اجلزء املغطى واملصرف ابجلزء‬
‫الباقي‪.‬‬
‫وحيث إن القرض احلسن ال حيتاج هنا إىل دراسة‪ ،‬وحيث إن املراحبة سبق ودرسناها يف املبحث السابق‪ ،‬فإننا سنكتفي‬
‫يف هذا املبحث بدراسة ختريج االعتماد املستندي املغطى جزئيا على أساس املشاركة‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬تطبيق االعتماد املستندي املغطى جزئيا على أساس املشاركة‬
‫يتم تطبيق االعتماد املستندي املغطى جزئيا على أساس املشاركة عرب تقدمي العميل دراسة وافية للعملية موضوع الصفقة‪،‬‬
‫فيقوم املصرف بدراستها بغرض االطمئنان إىل جناعة الصفقة ومردوديتها‪ ،‬وكذا املركز املايل للعميل‪.‬‬
‫بعد قبول الدراسة‪ ،‬يتم توقيع عقد متويل ابملشاركة يتضمن التكلفة اإلمجالية للصفقة تكون مسامهة العميل فيه مببلغ اجلزء‬
‫املغطى‪ ،‬والباقي يسهم به املصرف‪ ،‬ويتضمن العقد طريقة توزيع الربح‪.‬‬
‫بعد ذلك يتوىل املصرف فتح االعتماد املستندي‪ ،‬ويقوم ابإلجراءات املصرفية الالزمة لتنفيذه‪ ،‬ومبجرد ختليص البضاعة‬
‫من اجلمارك يقوم بتفويض الشريك تسويق البضاعة وتفويتها‪.‬‬
‫وبعد متام الصفقة أيخذ املصرف مستحقاته على فتح االعتماد املستندي‪ ،‬وأيخذ الشريك مستحقاته نظري قيامه إبدارة‬
‫العملية التجارية إىل حني تفويت البضاعة وما تبقى من األرابح يوزع بني الطرفني حسب ما اتفق عليه يف عقد‬
‫املشاركة‪.‬‬
‫هذا إذا كانت املشاركة اثبتة‪ ،‬وقد يفضل الشريك العميل االستفراد ابلشركة بعد مدة من قيامها حني تتوافر له األموال‬
‫الالزمة لذلك‪ ،‬وخباصة إذا كانت الشركة قد تدوم مدة من قيامها حني تتوافر له األموال الالزمة لذلك‪ ،‬وخباصة إذا‬
‫كانت الشركة قد تدوم مدة أطول‪ ،‬حينها ميكن تطبيق املشاركة املتناقصة حبيث ميكن املصرف الشريك العميل من شراء‬
‫أسهمه إىل أن تنتهي الشركة يف ملكه‪.‬‬
‫ويطبق بنك ماليزاي هذا األسلوب على النحو اآليت(‪:)35‬‬
‫يُطلب من العميل إبالغ البنك مبتطلبات خطاب االعتماد اخلاص به‪ ،‬ويتفاوض حول بنود عملية التمويل ابملشاركة‪،‬‬
‫فيضع العميل لدى البنك إيداعا بنصيبه يف تكلفة السلع املستوردة اليت يوافق البنك عليها مبقتضى مبدإ الوديعة‪ ،‬مث‬
‫يصدر البنك خطاب االعتماد‪ ،‬ويدفع العائدات إىل البنك املراسل مستخدما وديعة العميل وأموال البنك اخلاصة‪ ،‬ومن‬
‫مث يسلم األوراق للعميل بعد ذلك‪.‬وحيصل العميل على السلع‪،‬ويتصرف فيها ابألسلوب املذكور يف العقد‪،‬وتقسم‬
‫األرابح الناجتة عن هذه العملية حسب االتفاق‪.‬‬
‫خالصة‬
‫من خالل ما سبق بسطه ميكن اخلروج ابخلالصات التالية‪:‬‬
‫نظرية االشرتاط ملصلحة الغري راجحة يف الطبيعة القانونية لالعتماد املستندي‪ ،‬لقرب تفسريها اللتزام البنك جتاه‬‫املستفيد ومطابقتها لصورة االعتماد املستندي‪ ،‬غري أنه ال ينبغي اعتمادها مستقلة دون إحاطتها ابلعرف التجاري‬
‫العتبارين أساسيني‪:‬‬
‫األول‪ :‬أن فكرة االشرتاط قابلة لالهتزاز يف االعتماد املستندي من انحيتني‪:‬‬
‫أوالمها‪ :‬كون املشرتط ‪-‬وهو اآلمر‪ -‬يستطيع نقض احلق الناشئ للمستفيد‪.‬‬
‫اثنيهما‪ :‬كون املتعهد يستطيع أن يدفع يف مواجهة املنتفع ‪-‬وهو املستفيد‪ -‬ابلدفوع الناشئة عن عالقته ابآلمر املشرتط‪،‬‬
‫أو عن عالقة هذا األخري ابملستفيد‪.‬‬
‫(‪ )35‬الممارسات المعاصرة ألساليب التمويل اإلسالمية‪ ،‬د‪ .‬أوصاف أحمد‪ ،‬بحث منشور في مجلة دراسات اقتصادية إسالمية‪ ،‬المعهد‬
‫اإلسالمي للبحوث والتدريب‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬أنه ال الكفالة وال الوكالة وال غريها كانت القصد من فتح االعتماد املستندي‪ ،‬كذلك االشرتاط ملصلحة الغري‬
‫ليس أساس هذا العقد‪ ،‬وإمنا أساسه توفري عنصر الثقة الالزم بني التجار وخباصة يف التجارة الدولية‪ ،‬الذي يعترب الباعث‬
‫الرئيس والدافع األساس وراء استحداث هذا النوع من التعامل املصريف‪.‬‬
‫فتح االعتماد الذي يكيفه فقهاء القانون على أساس الوعد ابلقرض‪ ،‬جائز من الناحية الشرعية‪ ،‬بناء على قول‬‫الفقهاء بلزوم الوعد إذا دخل املوعود بسببه يف كلفة والتزام‪.‬‬
‫ جيوز فتح االعتماد املستندي املغطى ابلكامل لعدم مصادمته لقواعد الشرع وعدم خمالفته ألي أصل من أصوله‪،‬‬‫ويكيف شرعا على أنه معاملة مستحدثة‪.‬‬
‫ تكييف االعتماد املستندي املغطى ابلكامل وفق العقود الشرعية املسماة منفردة وجمتمعة‪ ،‬أو على أساس بعض‬‫التصرفات املستفادة من الشرع‪ ،‬ال يسلم من القصور لعدم مشول أي منها كل عالقاته ومجيع االلتزامات الناجتة عنه‪.‬‬
‫ ال جيوز فتح االعتماد املستندي املغطى جزئيا وغري املغطى كليا‪ ،‬لعلة الفوائد الناجتة عن الدور االئتماين للمصرف‬‫فيه‪ ،‬إال عن طريق صيغ التمويل الشرعية‪.‬‬
‫ ينبغي تطبيق االعتماد املستندي املغطى جزئيا وغري املغطى كليا‪ ،‬وفق الظروف احمليطة ابلعملية‪ ،‬عكس اإلطالق‬‫فيها‪ ،‬وذلك كما أييت‪:‬‬
‫‪ +‬تطبيق املضاربة يف االعتماد املستندي غري املغطى كليا‪ ،‬يف احلالة اليت ال يتوفر فيها العميل على أي مبلغ من قيمة‬
‫الصفقة موضوع االعتماد‪ ،‬حيث يكون قصده االستفادة من متويل املصرف‪.‬‬
‫‪ +‬تطبيق املراحبة يف االعتماد املستندي غري املغطى كليا يف احلالة اليت يتوفر فيها العميل على قيمة الصفقة‪ ،‬ويكون‬
‫قصده من اللجوء إىل املصرف ضمان حصوله على السلعة على الوجه املطلوب‪ ،‬وعدم تعطيل أمواله ما بني فرتة األداء‬
‫واحلصول على السلعة‪.‬‬
‫‪ +‬تطبيق املشاركة يف االعتماد املستندي املغطى جزئيا‪ ،‬حبيث يكون العميل شريكا بنصيبه املتمثل يف اجلزء املغطى‪،‬‬
‫واملصرف شريكا يف اجلزء املتبقى‪.‬‬
‫مت حبمد هللا الذي بنعمته تتم الصاحلات‬