البنوك التشاركية

‫البنوك التشاركية وآفاقها ابملغرب‬
‫الدكتور البشري عدي‬
‫أستاذ بكلية احلقوق جامعة ابن زهر ‪ -‬أغادير اململكة املغربية‬
‫متهيد‬
‫أضحت البنوك اإلسالمية‪ ،‬بعد عقود من التجاهل واجلحود‪ ،‬حقيقة واقعية نتيجة الطفرة النوعية اليت حققتها‬
‫خاصة يف عقدها األخري‪.‬‬
‫وصارت هذه األخرية مطلبا مجاهرياي وخنبواي على الصعيد العاملي قبل اإلسالمي‪ ،‬إثر جناحها الباهر يف ختطي‬
‫األزمة املالية العاملية‪ ،‬اليت أطاحت بعمالقة املؤسسات املصرفية العاملية‪ ،‬وكبدت أعىت اقتصادايت العامل خسائر‬
‫تقدر مباليري الدوالرات‪.‬‬
‫ومع أن جتربة البنوك اإلسالمية صار هلا من التواجد ما يناهز نصف القرن‪ ،‬عمت خالله معظم بقاع العامل‬
‫اإلسالمي والغريب‪ ،‬إال أهنا مل تعرف طريقها لبالدان اليت شكلت استثناء غري مقبول على مر العقود السالفة ‪-‬أمام‬
‫اإلقبال العاملي املتزايد على هذه التجربة‪ ،‬وأمام جناعتها املالية ومردوديتها االقتصادية ‪-‬قبل أن تقتنع السلطات‬
‫املالية مؤخرا هبذه التجربة‪ ،‬وختصها ابلتنظيم من خالل مقتضيات مشروع القانون البنكي اجلديد‪ ،‬الذي نتمىن أن‬
‫يرى النور مؤذان بدخول هذه التجربة حيز التطبيق كاملة غري منقوصة‪ ،‬يف هذا البلد الذي يعترب خبصائصه‬
‫ومؤهالته تربة خصبة وسوقا فتيا للعمل املصريف اإلسالمي‪ ،‬الذي سيثري االقتصاد املغريب‪ ،‬وجيعل من املغرب قطبا‬
‫ماليا واعدا ابمتياز‪.‬‬
‫وسنلقي يف هذه الدراسة نظرة موجزة عن جتربة هذه البنوك وآفاقها ابملغرب‪ ،‬من خالل ثالثة حماور خنصص األول‬
‫للحديث عن أسس النظام املصريف التقليدي واملوقف الشرعي منها‪ ،‬والثاين للحديث عن نشأة البنوك اإلسالمية‬
‫وتطورها‪ ،‬والثالث للحديث عن البنوك التشاركية يف مشروع القانون البنكي املغريب‪ ،‬خمتتمني مبحاولة تقييم‬
‫واستشراف آفاق هذه األخرية ابملغرب‪.‬‬
‫أوال‪ :‬أسس النظام املصريف احلديث واملوقف اإلسالمي منها‪.‬‬
‫تشكل الوساطة املالية بني املدخرين واملستثمرين أساس النظام املصريف احلديث‪ ،‬وذلك عرب جتميع األموال من‬
‫املدخرين ووضعها حتت تصرف املستثمرين‪ ،‬عالوة على تقدمي بعض اخلدمات والتسهيالت اليت تيسر تعامالت‬
‫الفاعلني االقتصاديني املتعاملني معها‪.‬‬
‫وإذا نظران إىل املبدأ الذي يقوم عليه هذا النظام ‪-‬بغض النظر عن التطبيق‪ ،‬وبغض النظر عما آل إليه العمل‬
‫املصريف من التخصص يف خلق النقود واالجتار يف الديون ‪ -‬سواء من حيث جتميع املدخرات من األموال وإعادة‬
‫استثمارها وتوزيعها‪ ،‬أو من حيث تقدمي خدمات تسهم يف تيسري املعامالت بني املتعاملني معها‪ ،‬جنده يتفق متاما‬
‫وغاية عمارة األرض اليت خ لق الباري عز وجل اإلنسان من أجلها‪ ،‬وكذا أهم مقاصد الشرع يف األموال وهو‬
‫(‪)1‬‬
‫رواجها ويف املعامالت عموما وهو تيسريها ‪.‬‬
‫فعمارة األرض ‪-‬خاصة يف الوقت احلاضر‪ -‬تقتضي إقامة مشاريع ضخمة‪ ،‬تتطلب أمواال وجمهودات مهمة‪ ،‬قد ال‬
‫تتوافر جملموعة معينة‪ ،‬فضال عن فرد معني‪ ،‬وقيام مؤسسة من نوع املصرف مبهمة جتميع األموال من املدخرين‬
‫وتوجيهها لالستثمار بغية حتقيق مناء اقتصادي‪ ،‬ما هو إال أحد جتليات العمارة اليت هي إحدى وظائف اإلنسان‬
‫على األرض‪ ،‬كما يعترب تطبيقا ألهم مقاصد الشرع يف األموال وهو رواجها حىت ال تكون دولة بني فئة حمدودة‬
‫من الن اس‪ ،‬كما أنه الصيغة املثلى لتجنب االكتناز‪ ،‬الذي حرمته الشريعة وتوعدت عليه أبشد أنواع العقاب‪،‬‬
‫للذين ميلكون من األموال ما ال قدرة هلم على استثمارها وأداء حقوقها‪.‬‬
‫يقول األستاذ سامي محود‪“ :‬ومن يتأمل يف املسألة بعمق وتفهم‪ ،‬جيد أن النقود هلا نظر خاص يف اإلسالم؛ فهي‬
‫أي النقود‪ -‬حمرم كنزها من انحية‪ ،‬وحمظور إنفاقها تبذيرا وإسرافا من انحية اثنية‪ ،‬ولو نظران بني هذين احلدين‬‫لوجدان أن األسلوب املصريف يف مجع املال وحفظه حفظا حسابيا أبمساء املالكني مث القيام بتشغيله عن طريق‬
‫إعادته للعمل يف اجملتمع من ابب آخر يتفق متاما ‪-‬من حيث غاايته‪ -‬مع املقاصد الشرعية العامة‪ ،‬وال نرى أننا‬
‫نتجاوز ابلقول حني نقرر أبن األسلوب املصريف يف مجع األموال وتوظيفها هو حتقيق عملي تطبيقي لنظرة الشريعة‬
‫إىل ما جيب أن يكون عليه دور املال يف اجملتمع‪ ،‬وهو أسلوب يتحقق فيه التوفيق بني حقوق األفراد يف متلك املال‬
‫(‪)2‬‬
‫وحق اجلماعة يف االنتفاع هبذا املال حىت ال يبقى معطال ابالكتناز” ‪.‬‬
‫غري أن األمر إن كان على هذا الشأن من التناغم من حيث املبدأ‪ ،‬فإنه على العكس متاما من حيث التطبيق‪،‬‬
‫يناقض مقاصد الشرع يف األموال واملعامالت‪ ،‬بل يناقض من األحكام ما هو معلوم من الدين ضرورة‪ ،‬سواء من‬
‫حيث الوسائل املستعملة أو الغاايت اليت ينتهي إليها‪.‬‬
‫أما الوسائل فألن هذا النظام يعتمد يف مجع املدخرات وتوزيعها‪ ،‬مبدأ سعر الفائدة‪ ،‬والفائدة مبا ال يدع جماال‬
‫للشك عني راب اجلاهلية‪ ،‬والراب حرام شرعا بغض النظر عن طبيعة القرض‪ ،‬إنتاجيا كان أم استهالكيا‪ ،‬وبغض‬
‫النظر عن طبيعة أطراف القرض‪ ،‬أشخاصا طبيعيني أم اعتباريني كانوا‪ ،‬أفرادا أم مؤسسات أم دوال‪ ،‬وبغض النظر‬
‫عن يسر أو عسر املقرتض‪ .‬والتعامل ابلراب يعين إعالن احلرب على هللا عز وجل؛ حيث يقول عز من قائل‪{ :‬اي‬
‫أيها الذين آمنوا اتقوا هللا وذروا ما بقي من الراب إن كنتم مومنني‪ ،‬فإن مل تفعلوا فاذنوا حبرب من هللا ورسوله‪،‬‬
‫(‪)3‬‬
‫وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ال تظلمون وال تظلمون} ‪.‬‬
‫(‪ )1‬ينظر في مقاصد الشرع في األموال‪ :‬مقاصد الشريعة اإلسالمية للشيخ محمد الطاهر بن عاشور‪ ،‬ص‪ 175 :‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )2‬تطوير األعمال المصرفية بما يتفق والشريعة اإلسالمية‪ ،‬د‪ .‬سامي حسن حمود‪ ،‬ص‪.82 :‬‬
‫(‪ )3‬سورة البقرة‪ ،‬اآليتان‪ .279-278 :‬هذا عالوة على األضرار االقتصادية للفائدة حيث خلص العديد من كبار االقتصاديين الغربيين‬
‫من أمثال‪ :‬كينز وسيمونز وفريدمان وليبلنج وآرثر كينستون وهايلز وموريس آلي‪ ،‬فضال عن أمثالهم من العرب والمسلمين‪ ،‬إلى أن‬
‫سعر الفائدة ال يشجع االدخار ويعيق االستثمار‪ ،‬ويزيد من البطالة‪ ،‬ويولد األزمات االقتصادية ويؤدي إلى تدهور النقود‪،‬و سوء‬
‫تخصيص الموارد وسوء توزيع الدخل‪ ،‬ويخفض من معدل نمو االقتصاد القومي‪ ،‬ويكرس الطبقية ويمنع الحراك االجتماعي ويخلق‬
‫االستغالل المقيت بين طبقات المجتمع‪ ،‬ويقف حجر عثرة في طريق التنمية ويسلب الدول حريتها وإرادتها‪ ،‬ويهوي باقتصادها ويراكم‬
‫هذا من حيث الوسائل‪ ،‬أما من حيث الغاايت فألن الوسائل املتبعة والقيود املشرتطة‪ ،‬تؤدي إىل حصر االستفادة‬
‫من هذه األموال يف فئة معينة‪ ،‬هي فئة األغنياء اليت توفرت هلا املالءة والضماانت املشرتطة من قِبل املصرف‬
‫(‪)4‬‬
‫لالستفادة من قروضه ‪ ،‬ومن مث تكديس األموال لدى الفئة غري احملتاجة أصال يف مقابل حرمان الفئة احملتاجة‬
‫منها‪.‬‬
‫فيصري املصرف أداة حلصر تداول املال بني األغنياء فقط‪ ،‬بل أداة لنقلها من الفئات ذات الدخل احملدود إىل‬
‫(‪)5‬‬
‫الفئة الغنية‪ ،‬وهو عكس مراد الشرع يف تداول األموال ‪.‬‬
‫أمام هذا التعارض والتناقض بني األمرين‪ ،‬وقف املعنيون يف بالد اإلسالم أمام هذا النظام ثالثة مواقف جعلتهم‬
‫فرقا ثالثة‪:‬‬
‫ فريقا قبل هبذا النظام مجلة وتفصيال دون أدىن حتفظ‪ ،‬جراي على مذهبه يف التسليم بكل ما أنتجه الغرب أو‬‫طوره‪.‬‬
‫ فريقا رفض هذا النظام مجلة وتفصيال إدراكا منه ملخالفته أحكام الشرع ومقاصده‪ ،‬وطالب إبقامة بديل الربوي‬‫يراعي حاجيات الناس طبقا للشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫ فريقا حاول تسويغه وإضفاء الشرعية عليه حتت هذه الذريعة أو تلك‪ ،‬إما إرضاء للسلطة اليت تبنت املشروع‪،‬‬‫وإما حتت أتثري بريق احلضارة الغربية وقتها‪.‬‬
‫ومل يقف الفريق األول عند جمرد القبول هبذا النظام‪ ،‬بل وقف سادان ببابه وانربى للدفاع عنه ضد كل من حاول‬
‫انتقاده أو بيان عيوبه‪ ،‬وخاصة ضد الفريق الرافض والذي التحق به أكثر الذين حاولوا إضفاء الشرعية عليه بعد‬
‫سنوات من النقاش واألخذ والرد انتهت إىل أتكيد ربوية العمل البنكي التقليدي‪،‬وما فتئوا يؤكدون‪ ،‬جاهرين‪ ،‬ربوية‬
‫النظام املصريف التقليدي ويدعون إىل إحالل بديل إسالمي ال ربوي عادل‪ .‬ومبوازاة ذلك “كتبت حبوث‬
‫ومقاالت‪ ،‬وألفت كتب ورسائل للدفاع عن موقف اإلسالم يف حترمي الراب‪ ،‬وبيان ما وراء إابحته من أضرار ومفاسد‬
‫اجتماعية واقتصادية وسياسية وأخالقية‪ ،‬وبيان فضل االقتصاد اإلسالمي وما يتميز به من وسطية وواقعية مثالية‪،‬‬
‫(‪)6‬‬
‫جتمع بني رعاية الواقع وعدم إغفال العنصر األخالقي” ‪.‬‬
‫ديونها‪ .‬فيكون بذلك " إيدز" المعامالت االقتصادية‪ ،‬بحيث يفقد الحياة االقتصادية مناعتها‪ ،‬ويسلبها قدرتها على محاربة األمراض‬
‫االقتصادية‪ .‬أنظر في هذا الشأن‪ :‬األرباح والفوائد المصرفية بين التحليل االقتصادي والحكم الشرعي‪ ،‬د‪ .‬عبد الحميد الغزالي‪ ،‬ص‪:‬‬
‫‪ .15‬و‪ :‬األزمة المالية العالمية " رؤية إسالمية" د‪ :‬أشرف دويبة‪ ،‬ص ‪ .107/106‬و‪ :‬الربا وأثره على المجتمع اإلنساني‪ ،‬د‪ :‬عمر‬
‫سليمان األشقر‪ ،‬ص ‪ 118‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪) 4‬هذا قبل أن تعمد اآللة التسويقية المصرفية وتتفنن في ابتداع أساليب خلق الضمانات الوهمية لتوسيع دائرة معامالتها وتعظيم‬
‫أرباحها من خالل اجتذاب فئة الزبناء‪ ،‬التي يمكن أن تحظى قروضها بالشراء من قبل المؤسسات المالية والمتخصصة في شراء‬
‫الديون‪.‬‬
‫(‪ ) 5‬وهو ما عبر عنه المستشار األلماني برانت بكلمات بليغة حين قال عن حقيقة الفائدة من خالل العمل المصرفي‪ ":‬إن ما يجري هو‬
‫عملية نقل دم عكسية من المريض إلى الطبيب"‪ .‬انظر‪ :‬د أشرف دويبة‪ :‬األزمة المالية العالمية " رؤية إسالمية"‪ ،‬ص ‪.107/106‬‬
‫(‪ )6‬فوائد البنوك هي الربا الحرام‪ ،‬د‪ .‬يوسف القرضاوي‪ ،‬ص‪.39 :‬‬
‫غري أن مثل هذا الكالم النظري‪ ،‬رغم إشادة بعض كبار االقتصاديني املنصفني به كالفرنسي جاك أوسرتي الذي‬
‫قال حينذاك‪ “ :‬إن طريق اإلمناء االقتصادي ليس حمصورا يف النظامني املعروفني‪ ،‬الرأمسايل واالشرتاكي‪ ،‬بل‬
‫هناك مذهب اقتصادي اثلث راجح هو املذهب االقتصادي اإلسالمي‪ ،‬وسيسود عامل املستقبل ألنه طريق‬
‫(‪)7‬‬
‫للحياة املعاصرة” ‪ ،‬مل يكن ليحرك ساكنا أمام أبواق صورت وسوقت النظام الربوي املتمثل يف سعر الفائدة‬
‫على أنه “ اجلهاز العصيب للنظام املصريف احلديث‪ ،‬وهو األداة األساسية إلدارة النظام النقدي‪ ،‬وهو العامل املؤثر‬
‫يف املدخرات‪ ،‬وهو املعيار الذي يضمن انتقاء أكفأ املشروعات‪ ،‬وهو الذي سيخلص الدول النامية من مزيد من‬
‫(‪)8‬‬
‫املديونية اخلارجية ومن مث من التبعية‪. ”...‬‬
‫اثنيا‪ :‬نشأة البنوك اإلسالمية وتطورها‪.‬‬
‫كانت النقلة النوعية اليت بدأ البديل اإلسالمي يرى هبا النور‪ ،‬تلك اليت عملت على تنزيل التنظريات الفقهية على‬
‫(‪)9‬‬
‫أرض الواقع‪ ،‬واملتمثلة ابألساس يف جتربة "بنوك االدخار احمللية" ‪ ،‬اليت أنشئت يف األرايف املصرية سنة ‪1963‬‬
‫إبشراف الدكتور أمحد عبد العزيز النجار واليت أخذت بنظام ال ربوي يقوم على روابط وعالقات مباشرة وعلى ثقة‬
‫متبادلة بني البنك والفالحني‪.‬‬
‫وفكرة هذه البنوك مستوحاة من جتربة بنوك االدخار احمللية اليت تعرف بطابعها احمللي والشعيب وتعاملها الالربوي‬
‫(‪.)10‬‬
‫وتنوع تعامالهتا‬
‫وقد أتثر الدكتور النجار بتجربة هذا النوع من البنوك يف أملانيا بعد احلرب العاملية الثانية وجناحها يف تعبئة‬
‫(‪)11‬‬
‫املدخرات بشكل الفت‪ ،‬وعمل على تطبيقها وفقا لقواعد الشريعة اإلسالمية وأحكام معامالهتا ‪.‬‬
‫واستطاعت هذه البنوك من خالل استعماالهتا لألموال املتجمعة لديها عن طريق االستثمار املباشر والتشاركي‬
‫والقرض احلسن‪ ،‬أن حتقق جناحا الفتا إذ بلغ عدد فروعها يف السنوات األربع اليت عملت فيها تسعة فروع كبرية‪،‬‬
‫وما يزيد على عشرين فرعا صغريا‪،‬يديرها طاقم مكون من ‪ 200‬فرد‪ ،‬وجتاوب معها مجهور املدخرين واملستثمرين‬
‫مبختلف فئاهتم حىت وصل عدد املتعاملني معها مليون متعامل‪ ،‬واستطاعت أن تغطي مصروفاهتا اإلدارية وأن توزع‬
‫(‪)12‬‬
‫عائدا على املستثمرين فيها بدأ حبوايل‪ %7‬وأخذ يف التزايد بعد ذلك‬
‫‪.‬‬
‫(‪ )7‬عن مفهوم االقتصاد في اإلسالم‪ :‬د‪ .‬محمود الخالدي‪ ،‬ص‪.29 :‬‬
‫(‪ )8‬األرباح والفوائد المصرفية بين التحليل االقتصادي والحكم الشرعي‪ ،‬د‪ .‬عبد الحميد الغزالي‪ ،‬ص‪.15 :‬‬
‫(‪ )9‬ظهرت بآسيا في هذا السياق تجارب في الخمسينيات من القرن المنصرم‪ ،‬كصندوق الحج في ماليزيا‪ ،‬لكنها لم ترق إلى مستوى‬
‫تجربة بنوك االدخار المحلية في مصر‪ ،‬تنظيما وممارسة‪.‬‬
‫(‪ )10‬ذ‪ :‬علي يوعال‪ :‬تجربة المصارف اإلسالمية‪" .‬في االقتصاد اإلسالمي"‪ .‬أعمال ندوة من منشورات كلية اآلداب جامعة محمد‬
‫الخامس الرباط‪ .1989 .‬ص‪.186‬‬
‫(‪)11‬البنوك اإلسالمية‪ ،‬التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق‪ .‬د عائشة الشرقاوي المالقي‪ .‬ص ‪.64‬‬
‫(‪ )12‬المصارف اإلسالمية ضرورة حتمية‪ ،‬د‪ .‬محمود محمد بابللي‪ ،‬ص‪.143 :‬و البنوك اإلسالمية‪ ،‬التجربة بين الفقه والقانون‬
‫والتطبيق‪ .‬د عائشة الشرقاوي المالقي‪ .‬ص ‪.65‬‬
‫ورغم بساطة هذه التجربة‪ ،‬وقصر عمرها الذي مل يتجاوز أربع سنوات‪ ،‬فإن أمهيتها تكمن يف كوهنا “أقامت‬
‫احلجة على جدارة النظام التجاري اإلسالمي يف حتقيق االستثمارات حسب مبدأ املشاركة يف الربح واخلسارة بدال‬
‫من مبدأ الفائدة الذي جعل املال دولة بني األغنياء‪ ...‬وأحدثت أتثريا ملموسا على خمتلف املستوايت‪ ،‬وفتحت‬
‫اجملال فسيحا أمام انطالق مسرية بنوك اجتماعية وجتارية مشاهبة كمشروع كراتشي وبنك التمويل اللبناين‪ ،‬وبنك‬
‫(‪)13‬‬
‫الصناعة والعمل برتكيا وبنك انصر االجتماعي‪. ”...‬‬
‫هكذا اعتربت هذه التجربة حتوال نوعيا يف النظام االقتصادي اإلسالمي؛ حيث نقلت البديل الالربوي يف التعامل‬
‫املصريف من النظرية إىل التطبيق وأعطت الدليل واملثال‪ ،‬وفسحت اجملال أمام جتارب مماثلة بدأت يف العقد السابع‬
‫من القرن املنصرم إبنشاء بنك انصر االجتماعي املصري سنة ‪ ،1971‬بسعي من السلطات املصرية بغرض‬
‫توسيع قاعدة التكافل االجتماعي بني املواطنني املصريني‪ ،‬على أساس عدم التعامل ابلفائدة‪ ،‬واستثمار األموال‬
‫عن طريق املشاركة‪ ،‬ومت استثناء معامالته من اخلضوع ملقتضيات القوانني املصرفية اجلاري هبا العمل مبا يف ذلك‬
‫اخلضوع لرقابة البنك املركزي‪.‬‬
‫وبعد ذلك أ ِ‬
‫ُنش َئ البنك اإلسالمي للتنمية سنة ‪ ،1975‬يف مدينة جدة ابململكة العربية السعودية سنة ‪1975‬‬
‫(‪)14‬‬
‫بعد مصادقة ‪ 36‬وزيرا ملالية الدول اإلسالمية‪ ،‬ومت افتتاحه سنة ‪. 1976‬‬
‫ويف ذات السنة أنشئ بنك ديب اإلسالمي الذي يعد الطفرة النوعية احلقيقية اليت كرست العمل املصريف‬
‫اإلسالمي املتخصص على أرض الواقع‪ ،‬وقد متيز هذا املصرف النموذجي خالل مسريته وأهبر بنجاحه حىت اعتلى‬
‫يف ظرف وجيز من نشأته املرتبة األوىل بني بنوك اإلمارات العربية سنة ‪ 1988‬من حيث صايف الربح إىل جمموع‬
‫حقوق املسامهني بنسبة بلغت ‪ %81.1‬واملرتبة الثانية من بني ‪ 18‬بنكا جتاراي من حيث حجم اإلقراض‬
‫(‪)15‬‬
‫والتسليف ‪.‬‬
‫ويف سنة ‪ 1977‬أنشئ بنك فيصل اإلسالمي املصري‪ ،‬ونظريه السوداين‪ ،‬وكذا بيت التمويل الكوييت‪ .‬وهي‬
‫السنة اليت أنشئ فيها اإلحتاد الدويل للبنوك اإلسالمية‪ ،‬ابتفاق رؤساء البنوك اإلسالمية القائمة وقتها‪ ،‬ومت‬
‫(‪)16‬‬
‫االعرتاف به دوليا يف االجتماع التاسع لوزراء خارجية الدول اإلسالمية املنعقد بدكار سنة ‪. 1978‬‬
‫(‪ )13‬االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬د‪ .‬عالل الخياري‪ ،‬ص‪.133 :‬‬
‫(‪ )14‬هذا البنك مؤسسة مالية دولية للتمويل اإلنمائي‪ ،‬يهدف إلى المساعدة على تنمية التِّجارة الخارجية‪ ،‬وتوفير وسائل التدريب‪ ،‬والقيام‬
‫باألبحاث الال زمة للنشاط االقتصادي والمالي والمصرفي اإلسالمي‪ ،‬وتشارك فيه جميع الدول اإلسالمية المتمتعة بعضوية منظمة‬
‫المؤتمر اإلسالمي بعد االكتتاب في رأس ماله؛ وذلك لدعم التنمية االقتصادية والتقدُّم االجتماعي لشعوب الدول األعضاء والمجتمعات‬
‫اإلسالمية مجتمعة ومنفردة بما ال يتعارض مع مباد الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫(‪ ) 15‬ال يزال هذا المصرف محتال للصدارة بين البنوك اإلسالمية‪ ،‬حيث تظهر أحدث اإلحصائيات أنه يعتلي برسم سنة ‪ 2012‬المرتبة‬
‫األولى بين المصارف اإلسالمية اإلماراتية الخمسة (المساهمة العامة)‪ ،‬من حيث حجم األصول بواقع ‪ 95.37‬مليار درهم إمارتي بما‬
‫نسبته ‪% 41.17‬من إجمالي أصول المصارف المذكورة‪ .‬والمرتبة األولى من حيث حجم الودائع بواقع ‪ 66.8‬مليار درهم‪ ،‬والمرتبة‬
‫األولى من حيث حجم التمويالت التي قدمها بواقع ‪ 55.56‬مليار درهم‪ .‬والمرتبة األولى من حيث النمو في حجم األرباح التي تم‬
‫توزيعها‪ ،‬وقام في نفس السنة بفتح ‪ 9‬فروع جديدة بدولة اإلمارات العربية ليصل عدد فروعه في بداية ‪ 2012‬إلى ‪ 74‬فرعا‪.‬‬
‫(‪ ) 16‬أنشئ هذا البنك بهدف تقديم المساعدة التقنية والخبرات للمجتمعات اإلسالمية الراغبة في البنوك اإلسالمية ومتابعة أنشطتها‬
‫وتطويرها وتذليل الصعوبات التي تعترضها ووضع أسس التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات بينها وتمثيل المصالح المشتركة لها‬
‫مث أنشئ البنك اإلسالمي األردين سنة ‪ ،1978‬وبعده بنك البحرين اإلسالمي سنة ‪ ،1979‬وهي السنة اليت‬
‫بدأ فيه التحول الفعلي للبنوك التقليدية يف ابكستان وإيران حنو األسلمة واستبعاد التعامل ابلفائدة‪ .‬ففي هذه‬
‫السنة حتولت املؤسسة الوطنية الباكستانية " الرتوست الوطين لالستثمار"‪ ،‬إىل أول بنك متخصص يعمل بدون‬
‫(‪)17‬‬
‫فائدة‪ ،‬وأقيم يف إيران بعد جناح الثورة اإلسالمية بنك مركزي لتنسيق العمل البنكي اإلسالمي ‪.‬‬
‫و تواىل بعد ذلك إنشاء املؤسسات املالية اإلسالمية لتتجاوز عتبة العشرين يف بداية العقد الثامن‪ ،‬ولتعرف طريقها‬
‫حنو األسواق العاملية حيث أنشئ بيت املال اإلسالمي بسويسرا سنة ‪.1981‬و مت أتسيس بيت التمويل‬
‫اإلسالمي بلندن واملصرف اإلسالمي الدويل ابلدامنارك والبنك اإلسالمي العريب األفريقي ابلباهاماس سنة‬
‫(‪)18‬‬
‫‪ .1983‬ولتتجاوز عتبة اخلمسني حبلول سنة ‪ ، 1986‬وما فتئت تتزايد حىت وصلت إىل غاية مايو ‪1997‬‬
‫حوايل ‪ 150‬مؤسسة مصرفية ومالية تدير استثمارات تقدر حبوايل ‪ 750‬مليار دوالر غطت قارات آسيا وإفريقيا‬
‫(‪)19‬‬
‫وأورواب وأمريكا وانتشرت يف أكثر من ‪ 27‬دولة‬
‫‪.‬‬
‫فشهد هلا اجلميع – إال من أىب‪ -‬ابلكينونة والتميز مبا يف ذلك املصارف التقليدية‪ ،‬وذلك من خالل اإلسراع بفتح‬
‫فروع ونوافذ تتعامل بصيغة إسالمية مبا فيها عمالقة البنوك الدولية من أمثال‪“ :‬تشيس منهاتن‪ ،‬وسييت بنك‪،‬‬
‫وإيه إن زد جرنداليز‪ ،‬ولكني ورت بينسون‪ ،‬و‪ ...‬يونيون بنك أوف سويزرالند‪ ،‬وجريوزنتال‪ ،‬واإليه يب سي‬
‫انرتانشيوانل”‬
‫(‪)20‬‬
‫‪ ،‬يف أورواب وأمريكا وغريها من دول العامل مبا فيها الدول العربية؛ حيث بلغ عدد الفروع‬
‫اإلسالمية يف البنوك التقليدية العربية إىل غاية أبريل ‪ 1999‬يف مصر وحدها ‪ 70‬فرعا‪ ،‬و‪ 46‬يف اململكة العربية‬
‫(‪)21‬‬
‫السعودية‬
‫‪ ،‬وبلغ من جناح هذه التجربة وتفوقها‪ ،‬أن وصل ‪-‬نتيجة تدفق الودائع بشكل الفت‪ -‬معدل الزايدة‬
‫يف إمجايل أرصدة امليزانية التجميعية (مبلغ األموال املستقطبة) الثين عشر بنكا إسالميا يف سنة ‪ 1983‬عنه يف‬
‫سنة ‪ ،)%49.1( 1982‬بينما كان معدل الزايدة على مستوى البنوك التقليدية (‪ )%19.9‬يف الفرتة‬
‫(‪)22‬‬
‫نفسها‬
‫‪.‬‬
‫والدفاع عن مصالحها‪ ،‬والسعي لتحقيق ضمان حرية انتقال األموال بين البنوك اإلسالمية‪ ،‬والعمل على تنسيق وتوحيد نظم العمل‬
‫والنماذج المصرفية‪ ،‬وإبداء المشورة وإعداد الدراسات فيما يتعلق بمشروعاتها‪ ،‬واقتراح وسائل تدبير الموارد‪ ،‬والقيام بالوساطة‬
‫والتحكيم بين البنوك اإلسالمية طبقا لنظام يضعه اإلتحاد‪ ،‬وبحث مشاكل النقد واالئتمان في البنوك محليا ودوليا واقتراح حلول لمشاكل‬
‫المتعلقة بها‪ ،‬والنهوض بأوضاع العاملين بالبنوك اإلسالمية األعضاء‪.‬‬
‫(‪ )17‬البنوك اإلسالمية‪ ،‬التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق‪ .‬د عائشة الشرقاوي المالقي‪ .‬ص ‪.98/87‬‬
‫(‪ ) 18‬ذ علي يوعال‪ :‬تجربة المصارف اإلسالمية‪" .‬في االقتصاد اإلسالمي"‪ .‬أعمال ندوة من منشورات كلية اآلداب جامعة محمد‬
‫الخامس الرباط‪.1989 .‬‬
‫(‪ )19‬تطور العمل المصرفي اإلسالمي‪ :‬مشاكل وآفاق‪ ،‬الشيخ صالح عبد هللا كامل‪ ،‬ص‪.9 :‬‬
‫(‪ )20‬التحديات التي تواجه العمل المصرفي اإلسالمي‪ ،‬منور إقبال‪ ،‬وأوصاف أحمد‪ ،‬وطارق هللا خان‪ ،‬ص‪.61 :‬‬
‫(‪ )21‬مجلة اقتصادنا الصادرة بالدار البيضاء‪ ،‬حوار مع د‪ .‬سعيد المرطان‪ ،‬عدد ‪ ،52‬أبريل‪-‬ماي ‪.1999‬‬
‫(‪ )22‬البنوك اإلسالمية بين الحرية والتنظيم‪ ،‬التقليد واالجتهاد‪ ،‬النظرية والتطبيق‪ ،‬د‪ .‬جمال الدين عطية‪ ،‬ص‪.19 :‬‬
‫ومع بداية القرن احلايل بلغ عدد هذه املصارف قبل متم سنة ‪ 2002‬ما يناهز ‪ 176‬بنكا ‪ 51‬منها جبنوب‬
‫آسيا‪ ،‬و‪ 35‬أبفريقيا‪ ،‬و‪ 31‬جبنوب شرقي آسيا‪ ،‬و‪ 26‬ابلشرق األوسط‪ ،‬و‪ 21‬مبجلس التعاون اخلليجي‪ ،‬و‪9‬‬
‫(‪)23‬‬
‫أبورواب وأمريكا‪ ،‬و‪ 2‬آبسيا‪ ،‬و‪ 1‬أبسرتاليا‪ .‬وبلغ عدد أصوهلا وودائعها ما يفوق ‪ 260‬مليار دوالر‪.‬‬
‫ليصل عددها قبل متم عام ‪ ،2008‬يف عز األزمة املالية العاملية‪ ،‬ما يناهز ‪ 396‬مصرفا‪ ،‬موزعة عرب أرجاء العامل‬
‫على ‪ 53‬دولة‪ ،‬فيما بلغ عدد املصارف التقليدية اليت تقدم منتجات إسالمية ‪ 320‬مصرفا‪ .‬وبلغ رصيد التمويل‬
‫هبا ما جمموعه ‪ 642‬مليار دوالر‪.‬‬
‫وأثبت األزمة املالية العاملية صمود هذه املؤسسات وقوهتا يف مقابل املؤسسات الربوية اليت سقط العديد من‬
‫عمالقتها واحدا تلو اآلخر‪ ،‬وأثبتت األساليب والصيغ املصرفية اإلسالمية القائمة على املشاركة واملخاطرة جدارهتا‬
‫وجدواها وكذبت مزاعم السماسرة والدجالني‪ ،‬وأكدت تنبؤات احملللني العقالء املتجردين من أمثال االقتصادي‬
‫األمريكي " سيمونز" الذي قال ذات يوم أبن‪":‬خطر االضطراب االقتصادي ميكن تفاديه إىل حد كبري إذا مل يتم‬
‫اللجوء إىل االقرتاض‪ ،‬وإذا متت االستثمارات كلها يف شكل متويل ذايت وابملشاركة‪ ،".‬ومن أمثال الباحثة اإليطالية‬
‫" لوريتا انبوليوين" اليت قالت أبن‪ ":‬التمويل اإلسالمي هو القطاع األكثر ديناميكية يف عامل املال الكوين"‪،‬‬
‫(‪)24‬‬
‫وأن‪ ":‬املصارف اإلسالمية ميكن أن تصبح البديل املناسب للبنوك الغربية‪".‬‬
‫‪.‬‬
‫فسارت املؤسسات املالية اإلسالمية يف خطى منوها املطرد يف الوقت الذي اندحرت فيه العديد من أعىت‬
‫املؤسسات املصرفية الربوية يف العامل وعلى رأسها عمالق بنوك األعمال " ليمان برادرز" الذي أعلن إفالسه بعد‬
‫عقود من الرايدة املصرفية املزعومة‪ ،‬ليبلغ عددها حسب آخر إحصائيات جملس إدارة اجلمعية املصرية للتمويل‬
‫اإلسالمي‪ 500 ،‬بنك عرب العامل تتواجد يف حنو ‪ 60‬دولة يتجاوز حجم أصوهلا ترليون دوالر‪ ،‬فيما بلغ عدد‬
‫البنوك التقليدية اليت تقدم خدمات إسالمية ‪ 320‬بنكا يف خمتلف أحناء العامل ويصل حجم متويالهتا ‪ 200‬مليار‬
‫دوالر (‪.)25‬‬
‫وتوسع نطاق معامالهتا وخدماهتا‪ ،‬بعد أن كانت أعمال أول جتربة إسالمية منحصرة يف االستثمار املباشر‬
‫واملشاركة والقرض احلسن‪ ،‬ليشمل أغلب العمليات املصرفية مبا فيها‪ :‬احلساابت اجلارية وحساابت االدخار‬
‫االستثماري والودائع االستثمارية وخطاابت الضمان واالعتمادات املستندية وخدمات الصرف األجنيب والبطاقات‬
‫االلكرتونية وخدمات الصراف اآليل وشبكة التحويالت العاملية والشيكات السياحية ومتويل املباين السكنية‬
‫والتجارية والصناعية‪ ،‬ومتويل البضائع والسلع ومتويل السيارات ومتويل التجارة احمللية والدولية‪ ،‬عن طريق العقود‬
‫املدنية العادية وعقود املضاربة واملراحبة واملشاركة واالستصناع واإلجارة واملغارسة واملزارعة‪ ،‬وغريها من صيغ التمويل‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫(‪)23‬مجلة االقتصاد واألعمال – كانون األول ‪ /‬ديسمبر ‪2002‬‬
‫(‪ )24‬األزمة المالية العالمية " رؤية إسالمية"‪ ،‬د‪ :‬أشرف محمد دويبة‪ ،‬ص ‪.107‬‬
‫(‪ )25‬صحيفة المصريون العدد المؤرخ في ‪ 26‬مايو ‪.2013‬‬
‫وهكذا بعد أن ظن الكثري أن ال مفر من نظام الفائدة إال إليه‪ ،‬وأن أي حماولة للتخلص من نظام الفائدة يعين‬
‫اهنيار النظام املصريف وشل النظام النقدي وتالشي املدخرات‪ ،‬وبعد أن قيل لثلة من الغيورين‪“ :‬ال حتلموا بقيام‬
‫بنك إسالمي‪ ،‬بنك يقوم على غري الفائدة‪ .‬ومن مث ال حتلموا ابقتصاد إسالمي يوما‪ ،‬إن االقتصاد عصب احلياة‪،‬‬
‫(‪)26‬‬
‫وال بنوك عصب االقتصاد‪ ،‬والفوائد عصب البنوك‪ .‬فإذا نشدمت بنوكا بال فائدة فقد نشدمت املستحيل” ‪ ،‬أصبح‬
‫النظام املصريف اإلسالمي حقيقة قائمة‪ ،‬بل أكثر متيزا واستقرارا من النظام الربوي بشهادة صندوق النقد الدويل‬
‫الذي صرح يف تقرير له أن‪“:‬النظام املايل اإلسالمي املرتكز على املشاركة يف الربح واخلسارة دون حساب‬
‫(‪)27‬‬
‫سعر الفائدة أكثر استقرارا من النظام املايل الغريب”‬
‫‪ .‬وبشهادة جملس الشيوخ الفرنسي الذي أكد أن هذا‬
‫النظام املستمد من الشريعة اإلسالمية يعيش ازدهارا واضحا وأنه مريح للجميع مسلمني وغري مسلمني ودعا إىل‬
‫(‪)28‬‬
‫ضمه للنظام املصريف يف فرنسا ‪.‬‬
‫وتزايدت أعداد غري املسلمني الذين يعتربون البنوك اإلسالمية مالذا آمنا حلماية أمواهلم من خطر أزمة السيولة كما‬
‫أوردت صحيفة "آر يب ديلي" الروسية يف تقرير هلا حتت عنوان‪ " :‬جناح البنوك اإلسالمية يف مواجهة األزمة‬
‫العاملية"‪ ،‬وصار تطبيق النظام املصريف اإلسالمي‪ -‬املتسم ابألخالقية فضال عن النجاعة والرحبية‪ -‬مطلبا غربيا‪،‬‬
‫بعدما وضع أهل النظر األصبع على مكمن الداء واخللل‪ ،‬حبيث جند على سبيل املثال السيد " بوفيس فانسون"‪،‬‬
‫رئيس حترير جملة " تشالينجر" الفرنسية‪ ،‬يكتب يف افتتاحية العدد الصادر يف عز األزمة العاملية يف سبتمرب‪2008‬‬
‫موضوعا حتت عنوان‪ " :‬البااب أو القرآن"‪ ،‬مما جاء فيها‪ ":‬أظن أننا حباجة أكثر إىل قراءة القرآن بدال من‬
‫اإلجنيل لفهم ما حيدث بنا ومبصارفنا‪،‬ألنه لو حاول القائمون على مصارفنا احرتام ما ورد يف القرآن من‬
‫تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات‪ ،‬وما وصل بنا احلال إىل هذا الوضع املزري‪،‬‬
‫ألن النقود ال تلد النقود‪".‬‬
‫(‪)29‬‬
‫‪.‬‬
‫كما جند السيد" روالن السكني" رئيس حترير صحيفة " لوجورانل دي فينونس" الفرنسية‪ ،‬يف افتتاحية العدد‬
‫الصادر يف نفس التاريخ يطالب بضرورة تطبيق الشريعة يف اجملال املايل واالقتصادي يف مقال افتتاحية الصحيفة‬
‫حتت عنوان‪ ":‬هل أتهلت وول سرتيت العتناق مبادئ الشريعة‪.".‬‬
‫(‪ )26‬فوائد البنوك هي الربا الحرام‪ ،‬م‪.‬س‪ ،.‬ص‪.33 :‬‬
‫(‪ )27‬انظر‪ :‬من أجل بنك إسالمي أفضل‪ ،‬د‪ .‬عبد الرحمن لحلو‪ ،‬ص‪.45 :‬‬
‫(‪)28‬األزمة المالية العالمية " رؤية إسالمية"‪ ،‬د‪ :‬أشرف محمد دويبة‪ ،‬ص ‪.140‬‬
‫(‪)29‬نفسه‪ ،‬ص ‪.140/139‬‬
‫وعقدت منتدايت وندوات متخصصة يف كربى العواصم املالية األوروبية‪ ،‬كباريس ولندن‪ ،‬فصارت املصطلحات‬
‫االقتصادية واملالية اإلسالمية من مراحبة ومشاركة ومضاربة وإجارة وسلم واستصناع وغريها متداولة يف الساحة‬
‫(‪)30‬‬
‫املالية واالقتصادية الغربية‪ ،‬ويتم التعاطي معها كأمر واقع وحاجة ضرورية يف عامل املال واألعمال ‪.‬‬
‫ما دفع العديد من احلكومات اليت كانت متخلفة عن الركب‪ ،‬كما هو الشأن يف فرنسا‪ -‬وهي املعروفة ابحلساسية‬
‫املفرطة جتاه كل ما هو إسالمي‪ -‬إىل تعديل التشريعات اخلاصة ابلقطاع املصريف‪ ،‬لتتيح الفرصة لتسويق املنتجات‬
‫املصرفية اإلسالمية‪ ،‬وتفسح اجملال أمام دخول الصكوك اإلسالمية للتداول يف بورصة ابريس‪ ،‬وهو ما فسح اجملال‬
‫أمام املؤسسات املصرفية الفرنسية العتماد الصيغ اإلسالمية ضن سلة تعامالهتا‪.‬‬
‫وصارت العديد من الدول األوروبية خاصة بريطانيا وسويسرا وفرنسا تتسابق لتحظى بلقب عاصمة املالية‬
‫(‪)31‬‬
‫اإلسالمية يف أورواب‬
‫‪.‬‬
‫اثلثا‪ :‬البنوك التشاركية يف مشروع القانون البنكي‪.‬‬
‫رغم ما ذكر آنفا مل يكتب لتجربة البنوك اإلسالمية اليت انهز عمرها نصف قرن من الزمن‪ ،‬أن ترى النور ببالدان‬
‫على امتداد عمر هذه التجربة‪ ،‬رغم املناداة أبسلمة املعامالت املالية منذ فجر االستقالل‪ ،‬ورغم مساعي بعض‬
‫املهتمني والغيورين على هذه التجربة منذ سنة ‪ 1985‬إلقامة بنك إسالمي‪ ،‬أو على األقل فتح شبابيك تتعامل‬
‫ابلصيغ اإلسالمية يف البنوك التقليدية‪ ،‬على غرار ما كان عليه األمر ابلعديد من الدول الغربية والعربية واإلسالمية‬
‫املوغلة وقتها يف التوجه العلماين كرتكيا وتونس‪ ،‬بعدما أبدت جمموعة بنك الوفاء وقتها استعدادها لتبين التجربة‪،‬‬
‫نتيجة املعارضة الشرسة للويب البنوك التقليدية اليت تسيطر على سوق تبلغ أرابحه السنوية‪ ،‬ما يناهز ‪ 1000‬مليار‬
‫درهم ومماألة السلطات النقدية املركزية هلا؛ كما مل تفلح العديد من البنوك اإلسالمية اليت تقدمت بطلبات إلنشاء‬
‫فروع هلا ابملغرب‪ ،‬يف احلصول على موافقة السلطات املالية اليت ما فتئت تتذرع بعدم قدرة السوق املغربية على‬
‫استيعاب املزيد من الفاعلني اجلدد يف هذا القطاع‪.‬‬
‫ورغم ما أثبتته الدراسات املتخصصة املنصبة يف هذا الشأن على السوق املغربية‪ ،‬من جدوى املنتوجات املصرفية‬
‫اإلسالمية وقدرهتا على استقطاب مبالغ مهمة غري مسامهة يف النشاط االقتصادي الوطين‪ ،‬واليت قدرهتا بعض‬
‫الدراسات يف مبلغ ‪ 30‬مليار درهم أي ما يعادل ‪ %6‬من الناتج اخلام الداخلي‪ ،‬وكذا على استقطاب فئات‬
‫عريضة من مقاطعي األبناك التقليدية للموقف الشرعي منها‪ ،‬مبا سيمكن من اجتذاب سيولة مهمة‪ ،‬ويرفع نسبة‬
‫االستبناك لتتجاوز عتبة ‪% 30‬وهو ما سيؤتر ابلنتيجة على معدالت االدخار واالستثمار؛‬
‫فإن السلطات املالية املغربية مل تقدم على فتح اجملال أمام هذه الصيغ للتداول املصريف‪ ،‬إال حبلول سنة ‪ 2007‬من‬
‫خالل توصية بنك املغرب رقم ‪ ،2007/33‬حتت مسمى‪ ":‬توصية متعلقة مبنتجات اإلجارة واملشاركة‬
‫(‪ )30‬في هذا السياق انتشر الحديث لدى األوساط المراقبة في أوروبا عن اإلسالم االقتصادي على غرار اإلسالم السياسي‪ ،‬دون أن يثير‬
‫األول ما كان يثيره الثاني من حساسية وتوجس‪ ،‬فكأن التاريخ يعيد نفسه ليتوسع اإلسالم وينتشر في أوروبا عن طريق المؤسسات‬
‫والصيغ المالية‪ ،‬كما انتشر ذات زمن في آسيا غيرها عن طريق التجار وهدي الشريعة في المعامالت‪.‬‬
‫(‪ )31‬مجلة االقتصاد اإلسالمي الصادرة بدبي‪ :‬افتتاحية العدد ‪ ،388‬مايو ‪.2013‬‬
‫(‪)32‬‬
‫واملراحبة"‬
‫‪.‬‬
‫(‪)33‬‬
‫هذه التوصية اليتيمة والغري ملزمة‪ -‬واليت استندت للمرجعية الدولية يف إقرار هذه الصيغ‬
‫‪ -‬مل تراع طبيعة هذه‬
‫األخرية وخصوصياهتا‪ ،‬مما جعلها حتمل منذ الوالدة أعراض احتضارها متمثلة ابألساس يف‪:‬‬
‫‪ - 1‬االزدواجية والتداخل التنظيمي بني الشرعي والربوي‪ ،‬فال هي من خالل أغلب تطبيقاهتا بربوية حمضة ابلنظر‬
‫لشكلها‪ ،‬وال هي بشرعية حمضة ابلنظر ملصادر متويلها ؛‬
‫‪ - 2‬عدم إحاطتها أبية رقابة شرعية ميكن أن تكسبها الشرعية وتضفي عليها طابع اإلسالمية‪ ،‬ويطمئن معها‬
‫روادها من العمالء؛‬
‫‪ - 3‬قدرهتا التنافسية غري املشجعة ابلنظر الرتفاع تكلفتها مقارنة ابملنتوجات الربوية من خالل فرض ضريبة تصل‬
‫إىل ‪ %20‬مبا يعادل ضعف الضريبة املفروضة على املنتوجات التقليدية‪.‬‬
‫وهو ما ساهم إىل جانب عوامل أخرى يف تعثرها وفشلها مباشرة بعد دخوهلا حيز التنفيذ‪.‬‬
‫فلم تلق هذه التجربة – كما أريد هلا‪ -‬اإلقبال اجلماهريي‪ ،‬رغم بعض اإلجراءات املتخذة لتشجيعها من قبيل‬
‫اخلفض من قيمة الضريبة إىل حدود ‪ ،%10‬حبيث مل يتجاوز حجم متويالهتا سنة ‪ 2011‬حسب تقرير البنك‬
‫(‪)34‬‬
‫اإلفريقي للتنمية ‪ %0.1‬من إمجايل التمويالت املصرفية املغربية‬
‫‪.‬‬
‫وكان علينا االنتظار إىل غاية اإلفراج عن مشروع القانون البنكي اجلديد‪ ،‬لنسجل إقرار املشرع املغريب ابلعمل‬
‫املصريف اإلسالمي من خالل تنظيمه للبنوك اإلسالمية حتت مسمى "البنوك التشاركية"‪ ،‬على غرار ما عليه األمر‬
‫يف بعض الدول ذات النظام املصريف املزدوج كأندونيسيا اليت تطلق عليها "بنوك املعاملة"‪ ،‬ملا ملصطلح اإلسالمية‬
‫من حساسية‪ ،‬وملا قد يشكله من عامل اجيايب يف اجتذاب العمالء لصاحل البنوك اإلسالمية يف مواجهة غريها من‬
‫البنوك‪.‬‬
‫وقد خصص هلا الباب الثالث من املشروع وأفرد هلا ‪ 22‬مادة من خالل ثالث فصول‪ ،‬األول حتت عنوان‪ :‬جمال‬
‫التطبيق‪ ،‬والثاين حتت عنوان‪ :‬هيئات املطابقة‪ ،‬والثالث حتت عنوان‪ :‬أحكام متفرقة‪.‬‬
‫(‪ ) 32‬انظر بشأن هذه التوصية‪ :‬البنوك اإلسالمية في ضوء المستجدات التنظيمية للمنتجات التمويلية بالمغرب"‪ ،‬مريدد جدواد‪ ،‬ص ‪220‬‬
‫وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )33‬تتضح هذه المرجعية من خالل مقتضيات المادة ‪ 15‬من هذه التوصية والتي جاء فيها‪ " :‬ينبغي على مؤسسدات االئتمدان التدي تقددم‬
‫المنتجات المنصوص عليها في المادة األولى أعاله أن تتأكد بكدل وسديلة مدن مطابقة امنتتاةاا امنةرة ر ملنقةايس امولمسة امنعنة‬
‫بها"‪ .‬وهي ذات المرجعية التي استند إليها مشروع القانون البنكي حيث عزا واضدعه مدن خدالل مذكرتده التقديميدة تنظديم نشداط البندوك‬
‫التشاركية إلى وعي السلطات العمومية بما يمكن أن تقدمه المنتوجات والخدمات المالية التشاركية فيما يخدص تعبئدة االدخدار والتمويدل‬
‫اإلضافي لالقتصاد الوطني‪ ،‬وسعيها إلى إحداث قطب مالي يتميز بإشعاع على المستوى الجهوي والعالمي‪ ،‬والذي يستوجب توافر هذه‬
‫الفئة من المنتوجات والخدمات المالية‪ ،‬والتي وصفها بامفئ من امنامس امعامنس ‪.‬‬
‫(‪ ) 34‬هكذا ذهبت اإلستراتيجية المالية الوطنية المؤطرة لهذه التوصية سدى‪ ،‬إذ لم تنجح هذه األخيرة في رفدع درجدة االسدتبناك‪ ،‬كمدا لدم‬
‫تنجح في تلبية حاجيات المواطنين الراغبين في ممارسات مالية منسجمة مع قناعاتها الدينية‪ ،‬فضال عن اسدتقطاب االسدتثمارات الماليدة‬
‫المتاحة بدول الخليج بيد رواد المصرفية اإلسالمية‪.‬‬
‫وإن كان من شيء يشفع لهذه التجربدة فدي فشدلها الدذريع فدي تحقيدق هدذه األهدداف الثالثدة‪ ،‬فهدو أنهدا نجحدت فدي تحقيدق الهددف الرابدع‬
‫والمتمثل في عدم زعزعة استقرار معامالت البنوك التقليدية !!!‪.‬‬
‫و عزا املشرع من خالل املذكرة التقدميية للمشروع‪ ،‬وضعه إلطار قانوين حيكم نشاط البنوك التشاركية إىل وعي‬
‫السلطات العمومية مبا ميكن أن تقدمه املنتوجات واخلدمات املالية التشاركية فيما خيص تعبئة االدخار والتمويل‬
‫اإلضايف لالقتصاد الوطين‪ ،‬آخذا بعني االعتبار عناصر عديدة يف سن املقتضيات املتعلقة هبا واملتمثلة أساسا يف‪:‬‬
‫ نضج النظام املايل الوطين؛‬‫ آفاق االستثمار والتمويل اليت خيتزهلا هذا اجملال ببالدان؛‬‫ إحداث قطب مايل يتميز إبشعاع على املستوى اجلهوي والعاملي والذي يستوجب توافر هذه الفئة من املالية‬‫العاملية؛‬
‫ ضرورة توفري منتوجات وخدمات مالية لفائدة املواطنني املقيمني وكذلك اجلالية املغربية املقيمة ابخلارج اليت يوفر‬‫هلا القطاع املايل لبلد إقامتها منتوجات منبثقة من املالية التشاركية‪.‬‬
‫وسنتناول ابقتضاب مقتضيات هذا املستجد التشريعي من خالل احلديث عن مقتضيات الفصول الثالثة املكونة‬
‫للباب الثالث من هذا املشروع املخصص للبنوك التشاركية‪ ،‬قبل أن خنتم مبحاولة تقييم هذا املستجد واستشراف‬
‫آفاقه‪.‬‬
‫أ‪-‬‬
‫تعريف البنوك التشاركية وإجراءات أتسيسها‪.‬‬
‫عرف مشروع القانون البنكي‪ ،‬البنوك التشاركية أبهنا االشخاص املعنوية املؤهلة ملزاولة أنشطة مؤسسات االئتمان‬
‫واملتمثلة يف‪:‬‬
‫ تلقي األموال من اجلمهور‪ ،‬مبا يف ذلك الودائع االستثمارية؛‬‫ عمليات االئتمان؛‬‫ وضع مجيع وسائل األداء رهن تصرف العمالء أو القيام أبدائهما‪ .‬مبا ال يتعارض مع أحكام الشريعة؛‬‫ابإلضافة إىل مزاولة العمليات التجارية واملالية واالستثمارية‪ ،‬ابستثناء كل عملية تعامل ابلفائدة أخذا وعطاء‪.‬‬
‫كما عرف ابقتضاب أبهم صيغ متويل البنوك التشاركية لعمالئها واملتمثلة أساسا يف املراحبة واإلجارة واملشاركة‬
‫واملضاربة‪ .‬فاسحا اجملال أمام ابقي الصيغ التمويلية األخرى اليت ال تتعارض مع أحكام الشرعية بعد أن تتحدد‬
‫مواصفاهتا التقنية وكيفية تقدميها للعمالء‪ ،‬مبنشور يصدره وايل بنك املغرب بعد استطالع رأي جلنة الشريعة للمالية‬
‫وجلنة مؤسسات االئتمان‪.‬‬
‫وعرض لإلجراءات اإلدارية لتأسيس البنوك التشاركية واعتمادها‪ ،‬حميال على مقتضيات املادة ‪ 32‬من ذات‬
‫املشروع‪ ،‬واليت ميكن إمجاهلا يف تقدمي طلب االعتماد ملزاولة نشاط مؤسسة ائتمان لبنك املغرب‪ ،‬مرفقا جبميع‬
‫الواثئق اليت يراها وايل بنك املغرب ضرورية للبت يف طلب االعتماد‪ ،‬مبا يف ذلك ما يطلبه من معلومات إضافية‬
‫بعد وضع الطلب وأثناء دراسته‪ .‬وبعد التأكد من توفر الشروط الالزمة يبلغ وايل بنك املغرب مقرر منح االعتماد‬
‫أو رفضه عند االقتضاء إىل املؤسسة مبقرر معلل بوجه قانوين داخل أجل ال يزيد على أربعة أشهر من اتريخ تسليم‬
‫مجيع الواثئق واملعلومات املطلوبة‪.‬‬
‫وتبعا ملقتضيات املادة ‪ 60‬من هذا القانون‪ ،‬فيمكن للبنوك التقليدية وشركات التمويل أن تقوم بفتح شبابيك‬
‫تتعامل بصيغ البنوك التشاركية‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الرقابة على البنوك التشاركية‪.‬‬
‫عالوة على إلزام املشروع يف املادة ‪ 67‬البنوك التشاركية على غرار البنوك التقليدية بتكوين جلنة افتحاص‪ ،‬حتدد‬
‫شروط وكيفيات سريها مبنشور يصدره وايل بنك املغرب بعد استطالع رأي جلنة مؤسسة االئتمان‪ ،‬واليت يعهد إليه‬
‫القيام مبا يلي‪:‬‬
‫‬‫‬‫‪-‬‬
‫التعرف والوقاية من خماطر عدم املطابقة ألحكام الشرعية؛‬
‫ضمان تتبع تطبيق أراء جلنة الشريعة للمالية ومراقبة مدى احرتام هذا التطبيق؛‬
‫وضع املساطر واملرشد املتعلقة أبحكام الشرعية الواجب احرتامها؛‬
‫اعتماد التدابري املطلوبة يف حالة عدم احرتام الشروط املفروضة عند وضع منتوج صدر خبصوص رأي‬
‫‬‫شرعي‪.‬‬
‫عالوة على ما ذكر‪ ،‬نص املشروع على آلية الرقابة الشرعية‪ ،‬واليت مسى إطارها هبيئات املطابقة‪ ،‬من خالل إحداث‬
‫جلنة الشريعة املالية استنادا ألحكام املادة ‪ 7‬و‪ 8‬من الظهري الشريف املتعلق إبعادة تنظيم اجملالس العلمية واليت‬
‫ستحدد تركيبة وكيفية سريها مبرسوم‪ ،‬حمددا مهامها يف ما يلي‪:‬‬
‫البت حول مطابقة العمليات واملنتوجات املقدمة للجمهور للشريعة؛‬
‫‬‫الرد على استشارات البنوك؛‬
‫‬‫إبداء رأي مسبق حول حمتوى احلمالت الدعائية ملؤسسات االئتنان اليت تزاول النشاط التشاركي؛‬
‫‬‫اقرتاح أي تدبري من شأنه اإلسهام يف تنمية أي منتوج أو خدمة مالية مطابقة للشريعة‪.‬‬
‫‬‫هذه اللجنة اليت يتوىل بنك املغرب أعمال سكراتريتها‪ ،‬وتكون آراؤها مقدمة على أي تفسري مناف للمقتضيات‬
‫املتعلقة ابملنتوجات واخلدمات املطابقة للشريعة‪ ،‬وقابلة لالحتجاج هبا ابلنسبة للبنوك التشاركية ولكل مؤسسة مالية‬
‫تقدم منتوجات وخدمات مطابقة للشريعة‪.‬‬
‫وتنشر هذه اهليئة تقريرا سنواي آبرائها املبداة خالل السنة املالية السابقة‪ ،‬وتقديرها وتقييمها بشأن مطابقة أعمال‬
‫البنوك التشاركية ألحكام الشريعة‪.‬‬
‫وتكون البنوك التشاركية ملزمة برفع تقرير تقييم هلذه اللجنة حول مطابقة أعماهلا ألحكام الشريعة‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ضمان الودائع ومحاية املودعني‪.‬‬
‫أوجب املشروع يف فصله األخري من الباب املخصص للبنوك التشاركية على هذه األخرية االنضمام للجمعية املهنية‬
‫لبنوك املغرب‪ .‬وحتدث عن إحداث صندوق ضمان الودائع اخلاص ابلبنوك التشاركية‪ ،‬لتعويض املودعني يف حالة‬
‫عدم توفر ودائعهم أو مجيع األموال األخرى القابلة لإلرجاع‪ ،‬ابستثناء الودائع االستثمارية واألموال املستثناة من‬
‫الضمان مبقتضى املادة ‪ 13‬من ذات القانون‪.‬‬
‫ويكون املشرع املغريب بذلك قد هنج مسلك مجهور الفقهاء املعاصرين املانعني لضمان الودائع االستثمارية خالفا‬
‫ملا عليه األمر يف القانون املصريف السوداين وما عليه العمل يف البنوك اإلسالمية األردنية‪.‬‬
‫هذا الصندوق وعلى غرار صندوق ضمان الودائع يف البنوك التقليدية‪ ،‬ميكنه على وجه االحتياط واالستثناء أن‬
‫يقدم لبنك تشاركي يف وضعية صعبة ويف حدود املتوفر مساعدات قابلة لإلرجاع‪ ،‬أو أخذ مسامهة يف رأمساهلا‪.‬‬
‫ومينح امتياز هذا الصندوق إىل الشركة املسرية للصندوق اجلماعي لضمان الودائع املنصوص عليها يف املادة ‪،135‬‬
‫وحتدد شروط وكيفيات سري هذا الصندوق مبنشور يصدره وايل بنك املغرب بعد استطالع رأي جلنة مؤسسة‬
‫االئتمان وجلنة الشريعة املالية‪.‬‬
‫خامتة‬
‫من خالل استعراض املقتضيات اخلاصة ابلبنوك التشاركية ميكن القول أبن املشروع قد أوىل اهتماما ابلغا لتنظيم‬
‫هذه املؤسسات‪ ،‬من خالل التأكيد وبشكل واضح على الصيغ الشرعية لتعامالهتا وضرورة مطابقتها ألحكام‬
‫الشريعة وبعدها عن التعامل ابلفائدة أخذا وعطاء؛‬
‫و كذا من خالل إحاطة هذه املؤسسات برقابة شرعية داخلية ومركزية‪ ،‬حبيث ال يسعنا‪ -‬رغم ما يعرتي هذا‬
‫املشروع من نقص وما قد يرد عليه من مالحظات انتقادات‪ ،‬إن على مستوى اإلطار العام‪ ،‬أو على املستوى‬
‫التنظيمي‪ ،‬أو على مستوى العالقة مع البنك املركزي والبنوك الربوية‪ ،‬أو على مستوى الرقابة الشرعية‪ - ...‬إال‬
‫التنويه به وما جاء به من مقتضيات هبذا الشأن‪ ،‬وكلنا أمل أن ترى النور وتعرف طريقها إىل التطبيق وأن ال‬
‫تعرتضها عقبات تشريعية تعرقل إقرارها أو تشوه صياغتها وتفرغها من حمتواها‪ ،‬أو تقرهنا بشروط تعجيزية حتول‬
‫دون قيام هذه البنوك أو قيامها مشلولة ومتعثرة‪.‬‬
‫ونتمىن أن ال يتم االكتفاء ابلرتخيص مؤسس ة وحيدة حتت أية ذريعة كانت‪ ،‬ملا سينتج عن هذه التجربة من آاثر‬
‫إجيابية على السوق املايل املغريب أمام أزمة السيولة واخلصاص احلاد يف املوارد املالية الذي تعيشه املؤسسات املركزية‬
‫رغم إعمال مجيع آليات السياسات النقدية‪ ،‬مبا يف ذلك خفض معدل االحتياط اإلجباري للبنوك ابلبنك املركزي‪،‬‬
‫(‪)35‬‬
‫‪.‬‬
‫وأمام ثقل أعباء مبالغ التسبيقات املقدمة للبنوك واليت وصلت يف بعض األوقات ‪ 50‬مليار درهم يف األسبوع‬
‫وذلك ملا هلذه البنوك واملؤسسات اليت يف حكمها من أمهية يف اجتذاب السيولة النقدية من خالل‪:‬‬
‫‪ - 1‬جذب املدخرات احمللية املعطلة واليت قدرهتا بعض الدراسات كما أسلفنا يف مبلغ ‪ 30‬مليار درهم‪ ،‬وهو ما‬
‫سريفع نسبة اال ستبناك بنسبة تقارب ضعف النسبة احلالية‪ ،‬بعدما أكدت دراسة حديثة متخصصة استعداد‬
‫‪ %84‬من العينة املشمولة ابلدراسة للتعامل مع البنوك اإلسالمية حال قيامها ابملغرب؛‬
‫‪ - 2‬اجتذاب أموال املواطنني املغاربة ابخلارج املتعاملني مع املؤسسات غري الربوية واملودعة ابملؤسسات املصرفية‬
‫الغربية‪ ،‬واليت بلغت حسب تصرحيات مدير مكتب الصرف سنة ‪ ،2011‬حوايل ‪ 38‬مليار درهم‪ ،‬يف الوقت‬
‫(‪ ) 35‬عبد الواحد كنفاوي‪" :‬أزمة السيولة تفتح الباب للبنوك اإلسالمية"‪ ،‬مقال بالموقع اإلليكتروني لجريدة الصباح مؤرخ في‬
‫‪.2012/09/11‬‬
‫الذي عرفت فيه حتويالت اجلالية املقيمة ابخلارج اخنفاضا مهوال يف السنوات األخرية؛‬
‫‪ - 3‬جلب استثمارات كربايت البنوك اإلسالمية ذات السيولة العالية‪ ،‬كبنك فيصل اإلسالمي‪ ،‬وبنك قطر‬
‫اإلسالمي الدويل‪ ،‬وجمموعة الربكة املصرفية‪ ،‬وغريها من املؤسسات اليت أعلنت استعدادها لالستثمار يف السوق‬
‫املصريف املغريب بعد إقرار البنوك اإلسالمية؛‬
‫د ‪ -‬استقطاب األموال اخلليجية اليت تبحث عن أسواق آمنة متعاملة لالستثمار وفق الصيغ الشرعية واليت‬
‫(‪)36‬‬
‫تقدرها بعض اإلحصائيات يف مبلغ ‪ 400‬مليار دوالر‬
‫‪.‬‬
‫وهذا ما سينعش السوق املالية املغربية‪ ،‬وينوع سلة تعامالته‪ ،‬ويفتح الباب أمام تدفق األموال والسلع واخلدمات‪،‬‬
‫مما جيعل من املغرب ابلفعل قطبا ماليا يتميز إبشعاع على املستوى اجلهوي والعاملي‪ ،‬وسيؤثر إجيااب‪ ،‬ابلضرورة‬
‫والتبع‪ ،‬على االقتصاد املغريب عموما من خالل املسامهة يف التخفيف من التبعية االقتصادية واملالية للدول‬
‫واجلهات الدائنة اخلارجية والتخفيف من أعباء خدمة الديون الربوية‪ .‬وذلك من خالل‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إجياد ص يغ متويلية للقطاعات غري املهيكلة اليت ال توفر هلا الصيغ املعمول هبا حاليا يف البنوك التقليدية آليات‬
‫متويل مشاريعها‪ ،‬متمثلة ابإلضافة للمشاركة واملضاربة واملراحبة واإلجارة‪ ،‬يف السلم واالستصناع واملغارسة واملزارعة‪.‬‬
‫ب ‪ -‬املسامهة يف تنويع االستثمارات يف خمتلف اجملاالت الصناعية واحلرفية والفالحية‪ ،‬وتشجيع املشاريع اإلنتاجية‬
‫احمللية للتخفيف من آاثر عجز امليزان التجاري وتشجيع التشغيل الذايت وابلتايل إدماج موارد وطاقات بشرية مهمة‬
‫يف سوق الشغل مبا خيفف من أزمة البطالة‪ ،‬ويرفع من وثرية النمو ويدفع ابلعجلة االقتصادية حنو األفضل مبا حيقق‬
‫السلم واالستقرار االجتماعيني‪.‬‬
‫هذا فضال عن ربط االقتصاد املغريب مبحيطه العريب وعمقه اإلسالمي‪ ،‬وإعادة صلته جبذوره وأصوله التشريعية‪ ،‬مبا‬
‫يكرس هوية هذا البلد وأهله‪ ،‬وميكن لتطبيق شرع هللا يف معامالت عباد هللا‪ ،‬ويرفع احلرج واحليف عن فئة‬
‫أقصيت‪-‬قسرا وبقوة القانون‪ -‬لعقود من الزمن يف ولوج احلقل املصريف واالستفادة من معامالته وخدماته‪ ،‬ال‬
‫لشيء إال ألهنم ال يقبلون التعامل ابلفائدة‪ ،‬وال توفر هلم السلطات النقدية البدائل املتاحة أسوة بباقي بلدان العامل‬
‫الغريب فضال عن العريب واإلسالمي‪.‬‬
‫(‪ )36‬د عمر الكتاني‪ :‬حوار مع جريدة الصباح منشور بالموقع اإلليكتروني للجريدة بتاريخ ‪2012/09/11‬‬