تحميل الملف المرفق

‫أتليف الفقري إىل عفو ربه املنان‬
‫ف ِ‬
‫اىل‬
‫َوقْ ٌ‬
‫هلل تَ َع َ ى‬
‫‪2‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫بسم هللا الرمحن الرحيم‬
‫احلمد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم على أشرف املرسلني‪ :‬نبينا حممد‪ ،‬وعلى آله‬
‫وصحبه أمجعني‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫كثريا‬
‫كثريا من الناس املؤدين للزكاة جيهلون ً‬
‫فالداعي لتأليف هذا الكتاب هو أين رأيت ً‬
‫من أحكامها وحيرصون على تصريف الذي خيرجون يف رمضان؛ رغبة منهم يف مزيد األجر‬
‫لفضيلة الزمان‪.‬‬
‫فرأيت من املناسب أن أخلص من كتب الفقه ما أرى أنه تتناسب قراءته مع عموم‬
‫خصوصا يف الوقت الذي يقصدونه غالبًا إلخراجها‪ ،‬وهو شهر رمضان ‪-‬شرفه هللا‪-‬‬
‫الناس‪،‬‬
‫ً‬
‫وعشر ذي احلجة‪ ،‬ملا يف ذلك من مضاعفة األجر‪.‬‬
‫مجيعا‪،‬‬
‫وحرصت على هتذيبه‪ ،‬واالعتناء بذكر دليله من الكتاب أو السنة أو منهما ً‬
‫راجيًا من هللا أن جيعله سببًا مبارًكا حااث على إخراجها والتنسخ منها دقيقها وجليلها‪ ،‬إنه‬
‫صا لوجهه الكرمي‪ ،‬مقراب لنا وجلميع من‬
‫قريب جميب على كل شيء قدير‪ ،‬وأن جيعله خال ً‬
‫انتفع به من املسلمني لديه يف جنات النعيم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله وصحبه أمجعني‪.‬‬
‫ومسيته‪« :‬التلخيصات جلل أحكام الزكاة»‬
‫‪3‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫بسم هللا الرمحن الرحيم‬
‫(‪ )1‬ابب‬
‫الزكاة وشروط وجوهبا‬
‫أما بعد‪ :‬فقد أوجب هللا على املؤمنني ذوي األموال الركوية زكاة‪ ،‬تدفع ملن ذكرهم هللا‬
‫يف كتابه‪ ،‬وقسمها بينهم‪ ،‬ورتب الثواب على أدائها والعقاب على منعها‪ ،‬وقرهنا ابلصالة يف‬
‫مواضع كثرية من كتابه‪.‬‬
‫وهي أحد أركان اإلسالم ومبانيه العظام‪ ،‬املشار إليها بقوله ‪« :‬بين اإلسالم على‬
‫مخس» فذكر منها «وإيتاء الزكاة»‪ ،‬وفرضت ابملدينة‪.‬‬
‫شرعا حق واجب يف مال خاص لطائفة خمصوصة يف وقت خمصوص‪.‬‬
‫وهي ً‬
‫وشرط وجوهبا مخسة أشياء‪:‬‬
‫تدا‪ ،‬ألهنا من فروع اإلسالم‪ ،‬ملا ورد عن‬
‫أحدها‪ :‬اإلسالم‪ ،‬فال جتب على كافر ولو مر ً‬
‫ابن عباس أن النيب ‪ ‬بعث معاذا إىل اليمن فقال‪« :‬ادعهم إىل شهادة أن ال إله إال هللا‪،‬‬
‫وأين رسول هللا‪ ،‬فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن هللا افرتض عليهم مخس صلوات يف‬
‫كل يوم وليلة‪ ،‬فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن هللا افرتض عليهم صدقة يف أمواهلم‬
‫تؤخذ من أغنيائهم فرتد على فقرائهم» رواه البخاري‪.‬‬
‫فجعل اإلسالم شرطًا لوجوب الزكاة‪ ،‬وألهنا أحد أركان اإلسالم فلم جتب على كافر‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬احلرية‪ ،‬فال جتب على عبد‪ ،‬ألن ما يف يده لسيده‪ ،‬والسيد يزكي عما يف يد‬
‫عبده‪ ،‬ألنه مالك ملا يف يد عبده‪ ،‬فإن ملكه سيده وقلنا ال ميلك فزكاته على سيده كذلك‪.‬‬
‫وحتديدا يف غريها‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬ملك نصاب تقريبا يف أمثان‪،‬‬
‫ً‬
‫الرابع‪ :‬امللك التام فال زكاة على السيد يف دين الكتابة‪.‬‬
‫اخلامس‪ :‬متام احلول إال يف اخلارج من األرض‪ ،‬حلديث ابن عمر أن النيب ‪ ‬قال‪« :‬ال‬
‫زكاة يف مال حىت حيول عليه احلول»‪ .‬رواه الرتمذي‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬و صلى هللا على حممد‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫(‪ )2‬ابب‬
‫أدلة وجوب الزكاة‬
‫ِ‬
‫لص َال َة َوَآتُوا َّ‬
‫الراكِ ِع َي﴾ [البقرة‪ ،]43 :‬وقال‪:‬‬
‫يموا ا َّ‬
‫الزَكا َة َو ْارَكعُوا َم َع َّ‬
‫قال هللا تعاىل‪َ ﴿ :‬وأَق ُ‬
‫الزَكاةَ وما تُ َق ِدموا ِِلَنْ ُف ِس ُكم ِمن َخ ٍري ََِت ُدوه ِع ْن َد َِّ‬
‫ِ‬
‫اَّلل إِ َّن َّ‬
‫اَّللَ َِِا تَ ْع َملُو َن‬
‫يموا َّ‬
‫ُ‬
‫ْ ْ ْ‬
‫ُ‬
‫الص َال َة َوَآتُوا َّ َ َ‬
‫﴿ َوأَق ُ‬
‫بَ ِصريٌ﴾ [البقرة‪.]110 :‬‬
‫وقال‪َ﴿ :‬ي أَيُّها الَّ ِذين آَمنُوا أَنِْف ُقوا ِمن طَيِب ِ‬
‫ات َما َك َس ْب تُ ْم َوِِمَّا أَ ْخ َر ْجنَا لَ ُك ْم ِم َن ْاِل َْر ِ‬
‫ض﴾‬
‫َ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫ص َدقَ ًة تُطَ ِه ُرُه ْم َوتُ َزكِي ِه ْم ِهبَا﴾ [التوبة‪،]103 :‬‬
‫[البقرة‪ ]267 :‬اآلية‪ ،‬وقال‪ُ ﴿ :‬خ ْذ م ْن أ َْم َواهل ْم َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الدين حنَ َف ِ‬
‫ِ‬
‫اَّلل ُُمْلِ ِ‬
‫الص َال َة َويُ ْؤتُوا َّ‬
‫الزَكاةَ﴾ [البينة‪:‬‬
‫يموا َّ‬
‫صَ‬
‫وقال‪َ ﴿ :‬وَما أُم ُروا إَِّال ليَ ْعبُ ُدوا ََّ‬
‫اء َويُق ُ‬
‫ي لَهُ َ ُ َ‬
‫الزَكاةَ فَِإ ْخوانُ ُكم ِيف ِ‬
‫الص َالةَ َوآَتَ ُوا َّ‬
‫الدي ِن﴾ [التوبة‪ ]11 :‬اآلية‪.‬‬
‫‪ ،]5‬وقال‪﴿ :‬فَِإ ْن ََتبُوا َوأَقَ ُاموا َّ‬
‫َ ْ‬
‫وأما األدلة من السنة فكثرية‪ ،‬منها ما ورد عن ابن عمر رضي هللا عنهما قال‪ :‬قال‬
‫رسول هللا ‪« :‬بين اإلسالم على مخس‪ :‬شهادة أن ال إله إال هللا‪ ،‬وأن حمم ًدا عبده‬
‫ورسوله‪ ،‬وإقام الصالة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وحج البيت وصوم رمضان» رواه البخاري ومسلم‬
‫وغريمها‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي هللا عنهما أن النيب ‪ ‬بعث معا ًذا إىل اليمن فقال‪« :‬ادعهم إىل‬
‫شهادة أن ال إله إال هللا وأين رسول هللا‪ ،‬فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن هللا افرتض‬
‫عليهم مخس صلوات يف كل يوم وليلة‪ ،‬فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن هللا افرتض‬
‫عليهم صدقة يف أمواهلم تؤخذ من أغنيائهم فرتد على فقرائهم» رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن أيب أيوب ‪ ‬أن رجال قال للنيب ‪ :‬أخربين بعمل يدخلين اجلنة؟ قال‪« :‬ماله‬
‫ماله» قال النيب ‪« :‬أرب ماله تعبد هللا وال تشرك به شيئا‪ ،‬وتقيم الصالة وتؤيت الزكاة‪،‬‬
‫وتصل الرحم»‪.‬‬
‫وعن أيب هريرة ‪ ‬أن أعرابيا أتى النيب ‪ ‬فقال‪ :‬دلين على عمل إذا عملته دخلت‬
‫اجلنة؟ قال‪« :‬تعبد هللا وال تشرك به شيئا‪ ،‬وتقيم الصالة املكتوبة‪ ،‬وتؤدي الزكاة املفروضة‬
‫وتصوم رمضان»‪ .‬قال‪ :‬والذي نفسي بيده ال أزيد على هذا‪ ،‬فلما وىل قال النيب ‪« :‬من‬
‫سره أن ينظر إىل رجل من أهل اجلنة فلينظر إىل هذا»‪.‬‬
‫وعنه ‪ ‬قال‪ :‬ملا تويف رسول هللا ‪ ‬وكان أبو بكر‪ ،‬وكفر من كفر من العرب‪ ،‬فقال‬
‫عمر‪ :‬كيف تقاتل الناس‪ ،‬وقد قال رسول هللا ‪« :‬أمرت أن أقاتل الناس حىت يقولوا ال إله‬
‫‪5‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫إال هللا‪ ،‬فمن قاهلا فقد عصم مين ماله ونفسه إال حبقه‪ ،‬وحسابه على هللا» فقال‪ :‬وهللا‬
‫ألقاتلن من فرق بني الصالة والزكاة‪ ،‬فإن الزكاة حق املال‪ ،‬وهللا لو منعوين عناقًا كانوا يؤدوهنا‬
‫إىل رسول هللا ‪ ‬لقاتلتهم على منعها‪.‬‬
‫قال عمر‪ :‬فوهللا ما هو إال أن قد شرح هللا صدر أيب بكر للقتال فعرفت أنه احلق‪ ،‬رواه‬
‫اجلماعة إال ابن ماجه‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل يف حكم إنكار وجوهبا ومنعها‬
‫خبال أو هتاوان وتوضيح ذلك‬
‫اعلم أن من أنكر وجوهبا فال خيلو من أحد أمرين‪ :‬إما أن يكون ممن جيهله‪ ،‬ذلك‬
‫حلداثة عهده ابإلسالم أو ألنه نشأ ببادية انئية عن القرى واألمصار‪ ،‬عرف وجوهبا وال حيكم‬
‫بكفره ألنه معذور‪.‬‬
‫فإن أصر على جحده الوجوب بعد أن عرف أو كان عاملا بوجوهبا وجحده كفر‬
‫ً‬
‫إمجاعا‪ ،‬ألنه مكذب هلل ورسوله وإمجاع األمة ولو أخرجها‪ ،‬وهذا إذا جحد وجوهبا على‬
‫ً‬
‫اإلطالق‪.‬‬
‫وجواب كغريه من‬
‫وتؤخذ منه الزكاة إن كانت وجبت عليه قبل كفره واستتيب ثالثة أايم ً‬
‫وجواب لقوله ‪« :‬أمرت‬
‫كفرا ً‬
‫املرتدين‪ ،‬فإن مل يتب أبن يقر بوجوهبا مع اإلتيان ابلشهادتني قتل ً‬
‫أن أقاتل الناس حىت يقولوا ال إله إال هللا ويقيموا الصالة ويؤتوا الزكاة»‪ ،‬وقال أبو بكر‬
‫الصديق رضي هللا عنه‪ :‬ألقاتلن من فرق بني الصالة والزكاة‪ .‬متفق عليهما‪.‬‬
‫قهرا كدين اآلدمي وكما يؤخذ العشر‪ ،‬ويعزر‬
‫ومن منع الزكاة خبال أو ً‬
‫هتاوان أخذت منه ً‬
‫لرتكه الواجب‪ ،‬وهي معصية ال حد فيها‪ ،‬وال كفارة‪ ،‬فإن كان مانع الزكاة خبال أو هتاوان‬
‫جاهال بتحرمي ذلك فال يعزر ألنه معذور‪.‬‬
‫وإن غيب ماله أو كتمه وأمكن أخذها أخذت الزكاة منه‪ ،‬وإن مل ميكن أخذها منه‬
‫وجواب‪ ،‬فإن اتب وأخرج كف عنه‪ ،‬وإن مل خيرج قتل التفاق الصحابة على‬
‫استتيب ثالثة أايم ً‬
‫كفرا‪ ،‬وأخذت من تركته‪.‬‬
‫قتل مانعي الزكاة ً‬
‫حدا ال ً‬
‫‪7‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫(‪ )3‬ابب‬
‫ما ورد من اآلَيت واِلحاديث يف منع الزكاة‬
‫قال هللا تعاىل‪﴿ :‬وَال َْحيس َّ َّ ِ‬
‫ين يَ ْب َخلُو َن َِِا آ َََت ُه ُم َّ‬
‫ض ِل ِه ُه َو َخْي ًرا َهلُ ْم بَ ْل ُه َو َش ٌّر‬
‫اَّللُ ِم ْن فَ ْ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫َب الذ َ‬
‫َهلم سيطََّوقُو َن ما َِخبلُوا بِِه ي وم ال ِْقيام ِة﴾ [آل عمران‪ ]180 :‬اآلية‪ ،‬وقال‪﴿ :‬وويل لِل ِ‬
‫ي*‬
‫ْم ْش ِرك َ‬
‫ُْ َ ُ‬
‫َْ َ َ َ‬
‫َ‬
‫ََْ ٌ ُ‬
‫َّ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين يَ ْكنِ ُزو َن َّ‬
‫ين َال يُ ْؤتُو َن َّ‬
‫ب َوال ِْف َّ‬
‫ضةَ َوَال يُْن ِف ُقونَ َها‬
‫الذ َه َ‬
‫الزَكاةَ﴾ [فصلت‪ ،]7 ،6 :‬وقال‪َ ﴿ :‬والذ َ‬
‫الذ َ‬
‫يل َِّ ِ ِ ٍ ِ‬
‫ِيف َسبِ ِ‬
‫اه ُه ْم َو ُجنُوبُ ُه ْم‬
‫َّم فَتُ ْك َوى ِهبَا ِجبَ ُ‬
‫اَّلل فَبَش ْرُه ْم ب َع َذاب أَل ٍيم * يَ ْوَم ُْحي َمى َعلَْي َها ِيف َان ِر َج َهن َ‬
‫ورُه ْم َه َذا َما َكنَ ْزُُْت ِِلَنْ ُف ِس ُك ْم فَ ُذوقُوا َما ُكْن تُ ْم تَ ْكنِ ُزو َن﴾ [التوبة‪ ،]35 ،34 :‬وقال‪َ ﴿ :‬وِمْن ُه ْم‬
‫َوظُ ُه ُ‬
‫اه َد َّ‬
‫ضلِ ِه َِخبلُوا بِ ِه‬
‫ص َّدقَ َّن َولَنَ ُكونَ َّن ِم َن َّ‬
‫ضلِ ِه لَنَ َّ‬
‫ي * فَلَ َّما آ َََت ُه ْم ِم ْن فَ ْ‬
‫اَّللَ لَئِ ْن آ َََت َان ِم ْن فَ ْ‬
‫َم ْن َع َ‬
‫الصاحلِِ َ‬
‫ضو َن * فَأَ ْع َقبَ ُه ْم نَِفاقًا ِيف قُلُوهبِِ ْم إِ َىل يَ ْوِم يَ ْل َق ْونَهُ َِِا أَ ْخلَ ُفوا َّ‬
‫اَّللَ َما َو َع ُدوهُ َوَِِا َكانُوا‬
‫َوتَ َولَّْوا َو ُه ْم ُم ْع ِر ُ‬
‫يَ ْك ِذبُو َن﴾ [التوبة‪.]77 -75 :‬‬
‫وعن أيب هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬ما من صاحب ذهب وال فضة ال يؤدي‬
‫منها حقها إال إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من انر فأمحي عليها يف انر جهنم‬
‫فيكوى هبا جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له يف يوم كان مقداره مخسي ألف‬
‫سنة حىت يقضى بي العباد فريى سبيله‪ :‬إما إىل اجلنة‪ ،‬وإما إىل النار»‪.‬‬
‫قيل‪ :‬اي رسول هللا فاإلبل؟ قال‪« :‬وال صاحب إبل ال يؤدي حقها ومن حقها حلبها يوم‬
‫وردها‪ ،‬إال إذا كان يوم القيامة بطح هلا بقاع قرقر أوفر ما كانت ال يفقد منها فصيالً واح ًدا‬
‫تطؤه أبخفافها وتعضه أبفواهها كلما مرت عليه أوالها رد عليه أخراها يف يوم كان مقداره‬
‫مخسي ألف سنة حىت يقضى بي العباد‪ ،‬فريى سبيله‪ :‬إما إىل اجلنة وإما إىل النار»‪.‬‬
‫قيل‪ :‬اي رسول هللا فالبقر والغنم ؟ قال‪« :‬وال صاحب بقر وال غنم ال يؤدي منها‬
‫حقها إال إذا كان يوم القيامة بطح هلا بقاع قرقر ال يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء وال‬
‫جلحاء وال عضباء تنطحه بقروهنا وتطؤه أبظالفها‪ ،‬كلما مر عليه أوالها رد عليه أخراها‬
‫يف يوم كان مقداره مخسي ألف سنة‪ ،‬حىت يقضى بي العباد‪ ،‬فريى سبيله‪ :‬إما إىل اجلنة‪،‬‬
‫وإما إىل النار» احلديث‪ ،‬رواه مسلم‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)4‬‬
‫وعن جابر ‪ ‬قال‪ :‬مسعت رسول هللا ‪ ‬يقول‪« :‬ما من صاحب إبل ال يفعل فيها‬
‫حقها إال جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت‪ ،‬وقعد هلا بقاع قرقر تسنت عليه بقوائمها‬
‫وأخفافها‪ ،‬وال صاحب بقر ال يفعل فيها حقها إال جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت‬
‫وقعد هلا بقاع قرقر تنطحه بقروهنا وتطؤه أبظالفها ليس فيها مجاء وال منكسر قرهنا‪ ،‬وال‬
‫شجاعا أقرع يتبعه فاحتًا فاه فإذا‬
‫صاحب كنز ال يفعل فيه حقه إال جاء كنزه يوم القيامة‬
‫ً‬
‫أَته فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأان عنه غين فإذا رأى أن ال بد له منه سلك‬
‫يده يف فيه فيقضمها قضم الفحل» رواه مسلم‪.‬‬
‫ويف رواية للنسائي قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬ما من رجل ال يؤدي زكاة ماله إال جاء‬
‫شجاعا من انر‪ ،‬فيكوى هبا جبهته وجنبه وظهره يف يوم كان مقداره مخسي‬
‫يوم القيامة‬
‫ً‬
‫ألف سنة حىت يقضى بي الناس»‪.‬‬
‫وعن جابر ‪ ‬قال‪ :‬قال رجل‪ :‬اي رسول هللا‪ ،‬أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله ؟ فقال‬
‫رسول هللا ‪« :‬من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره» رواه الطرباين يف «األوسط»‪ ،‬وابن‬
‫خمتصرا‪« :‬إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره» وقال‪:‬‬
‫خزمية يف صحيحه‪ ،‬واحلاكم‬
‫ً‬
‫على شرط مسلم‪.‬‬
‫وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪ ،‬أن امرأة أتت النيب ‪ ‬ومعها ابنة هلا‪،‬‬
‫ويف يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب‪ ،‬فقال هلا‪« :‬أتعطي زكاة هذا؟» قالت‪ :‬ال‪ ،‬قال‪:‬‬
‫«أيسرك أن يسورك هللا هبما يوم القيامة سوارين من انر؟» قال‪ :‬فحذفتهما فألقتهما إىل‬
‫النيب ‪ ‬فقالت‪ :‬مها هلل ورسوله‪ ،‬رواه أمحد وأبو داود والرتمذي والدارقطين‪.‬‬
‫وعن األحنف بن قيس ‪ ‬قال‪ :‬جلست إىل مأل من قريش‪ ،‬فجاء رجل خشن الشعر‬
‫والثياب واهليئة حىت قام عليهم‪ ،‬فسلم مث قال‪ :‬بشر الكانزين برضف حيمى عليه يف انر جهنم‪،‬‬
‫مث يوضع على حلمة ثدي أحدهم حىت خيرج من نغض كتفه‪ ،‬ويوضع على نغض كتفيه حىت‬
‫خيرج من حلمة ثديه‪ ،‬فيتزلزل‪ ،‬مث وىل فجلس إىل سارية‪ ،‬وتبعته‪ ،‬وجلست إليه‪ ،‬وأان ال أدري من‬
‫هو‪ ،‬فقلت‪ :‬ال أرى القوم إال قد كرهوا الذي قلت‪.‬‬
‫قال‪ :‬إهنم ال يعقلون شيئا قاله يل خليلي‪ ،‬قلت‪ :‬ما خليلك؟ قال‪ :‬النيب ‪ ،‬أتبصر‬
‫أحدا ؟ قال‪ :‬فنظرت إىل الشمس ما بقي من النهار‪ ،‬وأان أرى أن رسول هللا ‪ ‬يرسلين يف‬
‫ً‬
‫حاجة له‪ ،‬قلت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬ما أحب أن يل مثل أحد ذهبًا أنفقه كله إال ثالثة داننري‪ ،‬وإن‬
‫‪9‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫هؤالء ال يعقلون‪ ،‬إمنا جيمعون الدنيا‪ ،‬ال وهللا ال أسأهلم دنيا‪ ،‬وال أستفتيهم عن دين حىت‬
‫ألقى هللا عز وجل‪ ،‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫ويف رواية مسلم أنه قال‪ :‬بشر الكانزين بكي يف ظهورهم خيرج من جنوهبم‪ ،‬وبكي من‬
‫قبل أقفائهم حىت خيرج من جباههم‪ ،‬قال‪ :‬مث تنحى فقعد‪.‬‬
‫قال‪ :‬قلت‪ :‬من هذا ؟ قالوا‪ :‬هذا أبو ذر‪ ،‬قال‪ :‬فقمت إليه فقلت‪ :‬ما شيء مسعتك‬
‫تقول قبيل‪ .‬قال‪ :‬ما قلت إال شيئا مسعته من نبيهم ‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬ما تقول يف هذا العطاء ؟‬
‫قال‪ :‬خذه فإن فيه اليوم معونة‪ ،‬فإذا كان مثنًا لدينك فدعه‪.‬‬
‫وروي عن أيب هريرة ‪ ‬قال‪ :‬مسعت من عمر بن اخلطاب حديثًا عن رسول هللا ‪ ‬ما‬
‫مسعته منه‪ ،‬وكنت أكثرهم لزوما لرسول هللا ‪ .‬قال عمر قال رسول هللا ‪« :‬ما تلف مال‬
‫يف بر وال حبر إال حببس الزكاة»‪ ،‬رواه الطرباين يف األوسط‪ ،‬وهو حديث غريب‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬مانع الزكاة يوم القيامة يف النار»‪ ،‬رواه‬
‫الطرباين يف «الصغري»‪.‬‬
‫وروي عن عائشة رضي هللا عنها‪ ،‬قالت‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬ما خالطت الصدقة‬
‫أو قال‪ -:‬الزكاة ماال إال أفسدته» رواه البزار والبيهقي‪.‬‬‫وقال احلافظ‪ :‬وهذا احلديث حيتمل معنيني‪:‬‬
‫أحدمها‪ :‬أن الصدقة ما تركت يف مال ومل خترج منه إال أهلكته‪ ،‬ويشهد هلذا حديث‬
‫عمر املتقدم‪« :‬ما تلف مال يف بر وال حبر إال حببس الزكاة»‪.‬‬
‫والثاين‪ :‬أن الرجل أيخذ الزكاة وهو غين عنها فيضعها مع ماله فتهلكه‪ ،‬وهبذا فسره‬
‫اإلمام أمحد‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)5‬‬
‫وعن عمارة بن حزم ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬أربع فرضهن هللا يف اإلسالم‪ ،‬فمن‬
‫جاء بثالث مل يغني عنه شيئا حىت أييت هبن‪ :‬الصالة‪ ،‬والزكاة‪ ،‬وصيام رمضان‪ ،‬وحج‬
‫البيت» رواه أمحد‪ ،‬ويف إسناده ابن هليعة‪.‬‬
‫ورواه أيضا عن نعيم بن زايد احلضرمي مرسال‪ ،‬وعن بريدة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪:‬‬
‫«ما منع قوم الزكاة إال ابتالهم هللا ابلسني» رواه الطرباين يف «األوسط»‪ ،‬ورواته ثقات‪،‬‬
‫واحلاكم والبيهقي يف حديث إال أهنما قاال‪« :‬وال منع قوم الزكاة إال حبس هللا عنهم‬
‫القطر»‪ ،‬وقال احلاكم‪ :‬صحيح على شرط مسلم‪.‬‬
‫ورواه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث ابن عمر‪ ،‬ولفظ البيهقي‪ :‬أن رسول هللا ‪‬‬
‫قال‪َ« :‬ي معشر املهاجرين خصال مخس إن ابتليتم هبن ونزلن بكم‪ ،‬وأعوذ ابهلل أن‬
‫تدركوهن‪ :‬مل تظهر الفاحشة يف قوم قط حىت يعلنوا هبا إال فشا فيهم اِلوجاع اليت مل تكن‬
‫يف أسالفهم‪ ،‬ومل ينقصوا املكيال وامليزان إال أخذوا ابلسني وشدة املؤنة وجور السلطان‪،‬‬
‫ومل مينعوا زكاة أمواهلم إال منعوا القطر من السماء ولوال البهائم مل ميطروا‪ ،‬وال نقضوا عهد‬
‫هللا وعهد رسوله إال سلط هللا عليهم عدوا من غريهم‪ ،‬فيأخذ بعض ما يف أيديهم‪ ،‬وما مل‬
‫حتكم أئمتهم بكتاب هللا إال جعل أبسهم بينهم»‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي هللا عنهما قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬مخس خبمس»‪ .‬قيل‪ :‬اي‬
‫رسول هللا‪ ،‬ما مخس خبمس ؟ قال‪« :‬ما نقض قوم العهد إال سلط عليهم عدوهم وما‬
‫حكموا بغري ما أنزل هللا إال فشا فيهم املوت‪ ،‬وال منعوا الزكاة إال حبس عنهم القطر وال‬
‫طففوا املكيال إال حبس عنهم النبات وأخذوا ابلسني»‪ ،‬رواه الطرباين يف «الكبري» وسنده‬
‫قريب من احلسن‪ ،‬وله شواهد‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله وسلم‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)6‬‬
‫فيما َتب فيه الزكاة من اِلموال‬
‫األموال اليت جتب فيها الزكاة أربعة‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬سائمة هبيمة األنعام‪ ،‬وهي‪ :‬اإلبل‪ ،‬والبقر‪ ،‬والغنم‪ ،‬فتجب بثالثة شروط‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن تتخذ للدر والنسل والتسمني‪.‬‬
‫فوعا‪:‬‬
‫الثاين‪ :‬أن ترعى املباح أكثر احلول‪ ،‬حلديث هبز بن حكيم عن أبيه عن جده مر ً‬
‫«يف كل إبل سائمة يف كل أربعي ابنة لبون»‪ .‬رواه أمحد وأبو داود والنسائي‪.‬‬
‫نصااب‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن تبلغ ً‬
‫الثاين‪ :‬مما جتب فيه الزكاة‪ :‬الزرع والثمار والعسل‪.‬‬
‫َّ ِ‬
‫ِ ِ ِ ِ‬
‫س ْب تُ ْم َوِِمَّا أَ ْخ َر ْجنَا لَ ُك ْم ِم َن‬
‫قال هللا تعاىل‪ََ ﴿ :‬ي أَيُّ َها الذ َ‬
‫ين آ ََمنُوا أَنْف ُقوا م ْن طَيبَات َما َك َ‬
‫ْاِل َْر ِ‬
‫ض﴾ [البقرة‪.]267 :‬‬
‫وعن جابر عن النيب ‪ ‬قال‪« :‬فيما سقت اِلهنار والغيم العشور‪ ،‬وفيما سقي‬
‫ابلساقية نصف العشور»‪ .‬رواه أمحد ومسلم وأبو داود‪ ،‬وقال‪« :‬اِلهنار والعيون»‪.‬‬
‫وعن عتاب بن أسيد أن النيب ‪« :‬كان يبعث على الناس من خيرص عليهم كرومهم‬
‫أيضا قال‪« :‬أمر رسول هللا ‪ ‬أن خيرص العنب‬
‫ومثارهم» رواه الرتمذي وابن ماجه‪ ،‬وعنه ً‬
‫مترا»‪ .‬رواه أبو داود‬
‫كما خيرص النخل‪ ،‬فتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النخل ً‬
‫والرتمذي‪.‬‬
‫وعن سهل بن أيب حثمة قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث‪،‬‬
‫فإن مل تدعوا الثلث فدعوا الربع» رواه اخلمسة إال ابن ماجه‪ ،‬وأما ما جاء يف زكاة العسل‬
‫فعن أيب سيار قال‪ :‬قلت‪ :‬اي رسول هللا أحم يل جبلها‪ ،‬قال‪« :‬فحمى يل جبلها»‪ ،‬رواه أمحد‬
‫وابن ماجه‪ ،‬وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النيب ‪« :‬أنه أخذ من العسل‬
‫العشر» رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫الثالث ِما َتب فهي الزكاة‪ :‬األمثان وهي النقود من الذهب والفضة وما يقوم‬
‫نصااب بنفسه أو مبا يضم‬
‫مقامهما من أوراق وفلوس نقدية وكذا حلي الذهب والفضة إذا بلغ ً‬
‫معدا لالستعمال وال لإلعارة‪ ،‬فإن أعد لالستعمال أو‬
‫إليه من جنسه أو يف حكمه ومل يكن ً‬
‫لإلعارة فال زكاة فيه‪ ،‬ملا روى مالك عن انفع عن ابن عمر أنه كان حيلي بناته وجواريه‬
‫الذهب وال خيرج من حليهن الزكاة‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫ورواه عبد الرزاق‪ ،‬أنبأان عبيد هللا‪ ،‬عن انفع عن ابن عمر قال‪ :‬ال زكاة يف احللي‪.‬‬
‫روى مالك أيضا عن عبد الرمحن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي هللا عنها كانت‬
‫تلي بنات أخيها يتامى يف حجرها فال خترج من حليهن الزكاة‪ ،‬كالمها يف «املوطأ»‪.‬‬
‫أثر آخر أخرجه الدارقطين عن شريك عن علي بن سليمان‪ ،‬قال‪ :‬سألت أنس بن‬
‫مالك عن احللي فقال‪ :‬ليس فيه زكاة‪.‬‬
‫أثر آخر رواه الشافعي مث البيهقي من جهة أيب سفيان عن عمرو بن دينار قال‪ :‬مسعت‬
‫ابن خالد يسأل جابر بن عبد هللا عن احللي أفيه الزكاة ؟ قال جابر‪ :‬ال‪ .‬فقال‪ :‬وإن كان يبلغ‬
‫ألف دينار؟ فقال جابر‪ :‬كثري‪.‬‬
‫أثر آخر أخرجه الدارقطين عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت املنذر عن أمساء بنت‬
‫أيب بكر أهنا كانت حتلي بناهتا الذهب وال تزكيه حنوا من مخسني ألفا‪.‬‬
‫قال صاحب "التنقيح" قال األثرم‪ :‬مسعت أاب عبد هللا أمحد بن حنبل يقول‪ :‬مخسة من‬
‫الصحابة كانوا ال يرون يف احللي زكاة‪ :‬أنس بن مالك‪ ،‬وجابر‪ ،‬وابن عمر‪ ،‬وعائشة‪ ،‬وأمساء‪،‬‬
‫انتهى كالمه‪.‬‬
‫وهبذا القول قال القاسم والشعيب وقتادة وحممد بن علي وعمرة ومالك والشافعي وأبو‬
‫معدا لذلك لظاهر اآلايت ولألحاديث‬
‫عبيد وإسحاق وأبو ثور‪ ،‬وقيل فيه‪ :‬الزكاة‪ ،‬وإن كان ً‬
‫العامة واخلاصة‪.‬‬
‫فمن األحاديث العامة حديث أيب سعيد اخلدري‪« :‬ليس فيما دون مخس أواق‬
‫صدقة»‪ .‬أخرجاه يف الصحيحني وملسلم عن جابر حنوه‪.‬‬
‫ومن اخلاصة حديث املسكتني وتقدم ما ورد عن عائشة زوج النيب ‪ ‬قالت‪« :‬دخل‬
‫رسول هللا ‪ ‬فرأى يف يدي فتخات من ورق فقال‪ :‬ما هذا َي عائشة؟» فقلت‪ :‬صنعتهن‬
‫أتزين لك‪ .‬قال‪« :‬حسبك من النار»‪ .‬رواه أبو داود والدارقطين‪ ،‬ويف إسناده حممد بن حيىي‬
‫الغافقي‪ ،‬وقد احتج به الشيخان وغريمها‪.‬‬
‫أوضاحا من ذهب فقلت‪ :‬اي رسول هللا أكنز هو ؟‬
‫وعن أم سلمة قالت‪ :‬كنت ألبس‬
‫ً‬
‫فقال‪« :‬ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» رواه مالك وأبو داود‪.‬‬
‫اآلاثر‪ :‬روى ابن أيب شيبة يف مصنفه‪ ،‬حدثنا وكيع عن مساور الوراق قال‪ :‬كتب عمر‬
‫بن اخلطاب ‪ ‬إىل أيب موسى األشعري أن مر من قبلك من نساء املسلمني أن يزكني حليهن‬
‫‪13‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫وال حيملن الزايدة واهلدية بينهن تقارضا‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫قال البخاري يف اترخيه‪ :‬هو مرسل‪.‬‬
‫أثر آخر أخرجه عبد الرزاق يف مصنفه عن ابن مسعود قال‪ :‬يف احللي الزكاة‪ .‬انتهى من‬
‫طريق عبد الرزاق ورواه الطرباين يف معجمه‪.‬‬
‫أثر آخر أخرجه الدارقطين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‪ ،‬أنه كان يكتب إىل‬
‫خازنه سامل أن خيرج زكاة حلي بناته كل سنة‪ ،‬وكما روي هذا عن عمر وابن مسعود فقد روي‬
‫أيضا عن ابن عباس وعبد هللا بن عمرو بن العاص وسعيد بن املسيب وسعيد بن جبري‬
‫وعطاء وجماهد وعبد هللا بن شداد وجابر بن زيد وابن سريين وميمون بن مهران والزهري‬
‫والثوري وأصحاب الرأي‪.‬‬
‫معدا لالستعمال أو لإلعارة فال‬
‫والذي يرتجح عندي القول األول وهو أنه إذا كان ً‬
‫زكاة فيه ملا تقدم من األدلة‪ ،‬وألنه مرصد لالستعمال املباح‪ ،‬ومل يرصد للنماء‪ ،‬والزكاة إمنا‬
‫شرعت يف األموال النامية وهللا أعلم‪.‬‬
‫الرابع ِما َتب يف الزكاة‪ :‬عروض التجارة‪ ،‬وهي ما أعد للبيع والشراء من السلع‬
‫التجارية كاجملوهرات وحنوها وكذلك السيارات واملكائن واألقمشة واملفروشات واألطعمة‬
‫وغريها من املنقوالت والثابتات كالعقارات من أراض وبيوت وحنوها‪.‬‬
‫وإمنا جتب الزكاة يف قيمة عروض التجارة إذا متلكها بفعله بنية التجارة‪ ،‬وبلغت قيمتها‬
‫نصااب‪.‬‬
‫ً‬
‫ملا ورد عن مسرة بن جندب قال‪ :‬إن رسول هللا ‪ ‬أمران أن خنرج الصدقة مما نعده‬
‫نصااب ابألحظ‬
‫للبيع‪ ،‬رواه أبو داود‪ ،‬فتقوم إذا حال احلول عليها وأوله من حني بلوغ القيمة ً‬
‫للمساكني من ذهب أو فضة‪.‬‬
‫نصااب وجب ربع العشر وإال فال احتج أمحد بقول عمر حلماس‪ :‬أد‬
‫فإذا بلغت القيمة ً‬
‫زكاة مالك‪ .‬فقال‪ :‬مايل إال جعاب وأدم‪ ،‬فقال‪ :‬قومها وأد زكاهتا‪ ،‬رواه أمحد وسعيد وأبو‬
‫عبيد وغريهم وهو املشهور‪ ،‬وكذا أموال الصيارف ألهنا معدة للبيع والشراء ألجل الربح‪ ،‬وهللا‬
‫أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد‪.‬‬
‫فمثالً إذا كان لإلنسان أرض للتجارة يقومها عند متام احلول‪ ،‬وخيرج ربع عشر قيمتها‪،‬‬
‫وإن كان له سهم من أرض أو أسهم قوم األرض عند متام احلول وعرف مقدار قيمة ما ميلك‪،‬‬
‫وأخرج ربع عشر قيمته‪ ،‬وكذا البيوت املعدة للتجارة تثمن عند متام احلول‪ ،‬وخيرج ربع عشر‬
‫‪14‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫قيمتها وال يعترب ما اشرتيت به األراضي والبيوت‪ ،‬بل قيمتها عند متام احلول وإن مل تكن‬
‫مشرتاة للتجارة ومعدة هلا فإذا بذل القسط من األجرة أو استحقه أو بذلت كلها ابتدأ هلا‬
‫حوال كالراتب‪ ،‬فإذا مت احلول أخرج زكاة ما دار عليه احلول‪ ،‬وإن مل يسلم له أجرة أدى الزكاة‬
‫إذا قبضها‪ ،‬وإن أراد أن خيرجها قبل ذلك فله ذلك‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وعلى‬
‫آله وسلم‪.‬‬
‫‪15‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)7‬‬
‫يف زكاة املعدن والواجب يف الركاز‬
‫ويف املعدن وهو كل متولد من األرض ال من جنسها وال نبات‪ :‬كذهب وفضة وزرنيخ‬
‫وبلور وعقيق وصفر ورصاص وحديد وكحل وزنيخ ومغرة وكربيت وزفت وملح وزئبق وقار‬
‫ونفط وحنو ذلك إذ استخرج ربع العشر‪.‬‬
‫ِ ِ ِ ِ‬
‫س ْب تُ ْم َوِِمَّا أَ ْخ َر ْجنَا لَ ُك ْم ِم َن ا ِْل َْر ِ‬
‫ض﴾ [البقرة‪:‬‬
‫لعموم قوله تعاىل‪﴿ :‬أَنْف ُقوا م ْن طَيبَات َما َك َ‬
‫‪.]267‬‬
‫وعن ابن عمر قال‪ :‬أتى النيب ‪ ‬بقطعة من ذهب كانت أول صدقة جاءته من معدن‬
‫فقال‪« :‬ما هذا؟» قالوا‪ :‬صدقة من معدن لنا‪ ،‬فقال‪« :‬إهنا ستكون معادن‪ ،‬وسيكون فيها‬
‫شر خلق هللا عز وجل» رواه الطرباين يف املعجم الصغري‪.‬‬
‫وملا روى ربيعة بن أيب عبد الرمحن عن غريه واحد أن النيب ‪ ‬أقطع بالل بن احلارث‬
‫املعادن القبلية قال‪« :‬فتلك ال يؤخذ منها إال الزكاة إىل اليوم»‪ .‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد‪ :‬بالد معروفة ابحلجاز وألنه حق حيرم على أغنياء ذوي القرىب ففيه الزكاة‬
‫ال اخلمس كسائر الزكوات‪.‬‬
‫نصااب بعد سبك‬
‫وال يعترب خلمس الركاز احلول‪ :‬كالزرع بشرط بلوغ النقد‪ ،‬وقيمة غريه ً‬
‫وتصفية‪ :‬كحب ومثر‪ ،‬ووقت وجوهبا بظهوره‪ ،‬ووقت استقرارها إبحرازه‪.‬‬
‫ويشرتط كون خمرج معدن من أهل الزكاة‪ ،‬وال حيتسب مبؤنة السبك والتصفية‪ ،‬وال مبؤنة‬
‫استخراج إن مل تكن دينًا‪ ،‬وال جيوز إخراج زكاة معدن ذهب وفضة إال بعد سبك وتصفية‪.‬‬
‫والركاز‪ :‬الكنز من دفن اجلاهلية أو من تقدم من كفار يف اجلملة عليه أو على بعضه‬
‫عالمة كفر فقط‪ ،‬وما كان على شيء منه عالمة املسلمني أو مل تكن عالمة‪ :‬كاألواين واحللي‬
‫والسبائك‪ ،‬فهو لقطة‪ ،‬ال ميلك إال بعد التعريف ؛ ألنه مال مسلم مل يعلم زوال ملكه عنه‬
‫وتغليبا حلكم دار اإلسالم‪.‬‬
‫وجيب يف الركاز اخلمس يف احلال وال مينع وجوبه الدين ملا يف حديث أيب هريرة قال‪:‬‬
‫قال رسول هللا ‪« :‬العجماء جرحها جبار‪ ،‬والبئر جبار‪ ،‬واملعدن جبار‪ ،‬ويف الركاز‬
‫اخلمس» متفق عليه‪.‬‬
‫ويصرف اخلمس مصرف الفيء للمصاحل كلها‪ ،‬ملا روى أبو عبيد إبسناده عن الشعيب‬
‫‪16‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫أن رجال وجد ألف دينار مدفونة خارج املدينة‪ ،‬فأتى هبا عمر بن اخلطاب‪ ،‬فأخذ منها مائيت‬
‫دينار‪ ،‬ودفع إىل الرجل بقيتها‪.‬‬
‫وجعل عمر يقسم املائتني بني من حضر من املسلمني إىل أن فضل منها فضلة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أين صاحب الداننري؟ فقام إليه فقال عمر‪ :‬خذ هذه الداننري فهن لك‪ ،‬فلو كان اخلمس زكاة‬
‫خلص به أهل الزكاة وجيوز لواجده تفرقته بنفسه‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وعلى آله‬
‫وسلم‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)8‬‬
‫يف مقدار نصب الزكاة وبيان الواجب فيها‬
‫أقل نصاب ذهب عشرون مثقاال وفيها نصف مثقال‪ ،‬وهو ربع العشر‪ ،‬حلديث عائشة‬
‫مرفوعا ؛ أنه كان أيخذ من كل عشرين مثقاال نصف مثقال‪ ،‬رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫وابن عمر ً‬
‫والنصاب من الذهب ابجلنيه السعودي‪ ،‬وكذلك ابجلنيه اإلفرجني أحد عشر جنيها‬
‫ونصف جنيه تقريبا‪.‬‬
‫وأقل نصاب الفضة مائتا درهم‪ ،‬وابلرايل العريب ستة ومخسون رايال‪ ،‬وابلرايل الفرنسي‬
‫ثالثة وعشرون رايال وثلث رايل تقريبا‪.‬‬
‫وأما األوراق املوجودة فإذا ملك منها ما يقابل نصااب من الفضة وحال عليها احلول‬
‫فإنه خيرج منها ربع العشر‪.‬‬
‫صاعا‪ ،‬فيكون النصاب ابلصاع‬
‫ونصاب احلبوب والثمار مخسة أوسق‪ ،‬والوسق ستون ً‬
‫النبوي ثالمثائة صاع‪.‬‬
‫وجيب العشر فيما سقي بال مؤنة‪ ،‬ونصف العشر فيما سقي ابملؤنة‪ ،‬وثالثة أرابع‬
‫العشر فيما سقي ابملؤنة وغريها‪.‬‬
‫منوا ومع‬
‫فإن تفاوت السقي ابملؤنة والسقي بغريها اعترب األكثر من السقيني ً‬
‫نفعا و ً‬
‫اجلهل العشر‪.‬‬
‫ونصاب العسل مائة وستون رطال عراقيا وفيه العشر‪.‬‬
‫وأقل نصاب إبل مخس وفيها شاة‪ ،‬مث يف كل مخس شاة إىل مخس وعشرين فيجب‬
‫بنت خماض‪.‬‬
‫حلديث أنس أن أاب بكر الصديق كتب له حني وجهه إىل البحرين‪ :‬بسم هللا الرمحن‬
‫الرحيم هذه الصدقة اليت فرضها رسول هللا ‪ ‬على املسلمني اليت أمر هللا هبا رسوله فمن‬
‫سئلها من املسلمني على وجهها فليعطها‪ ،‬ومن سئل فوقها فال يعط‪.‬‬
‫يف أربع وعشرين من اإلبل فما دون من الغنم يف كل مخس شاة‪ ،‬فإذا بلغ مخسا‬
‫وعشرين إىل مخس وثالثني ففيها بنت خماض فإن مل يكن بنت خماض فابن لبون ذكر‪.‬‬
‫فإذا بلغت ستا وثالثني إىل مخس وأربعني ففيها بنت لبون أنثى‪ ،‬فإذا بلغ ستا وأربعني‬
‫ففيها حقة طروقة الفحل‪.‬‬
‫‪18‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فإذا بلغت إحدى وستني إىل مخس وسبعني ففيها جذعة‪.‬‬
‫فإذا بلغت ستا وسبعني إىل تسعني ففيها بنت لبون‪.‬‬
‫فإذا بلغت إحدى وتسعني إىل عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل‪ ،‬فإذا زادت‬
‫على عشرين ومائة ففي كل أربعني بنت لبون ويف كل مخسني حقة‪ ،‬رواه أبو داود والنسائي‬
‫والبخاري‪ ،‬وقطعه يف مواضع‪.‬‬
‫وأقصل نصاب بقر أهلية أو وحشية ثالثون‪ ،‬وفيها تبيع وهو ماله سنة‪ ،‬ويف كل أربعني‬
‫مسنة هلا سنتان ويف ستني تبيعان‪ ،‬مث يف كل ثالثني تبيع‪ ،‬ويف كل أربعني مسنة‪.‬‬
‫لقول معاذ‪ :‬بعثين رسول هللا ‪ ‬أصدق أهل اليمن فأمرين أن آخذ من البقر من كل‬
‫تبيعا‪ ،‬ومن كل أربعني مسنة‪ ،‬احلديث‪ .‬رواه أمحد‪.‬‬
‫ثالثني ً‬
‫وأقل نصاب غنم أربعون وفيها شاة‪ ،‬ويف مائة وإحدى وعشرين شااتن‪ ،‬ويف مائتني‬
‫وواحدة ثالث شياه‪ ،‬مث يف كل مائة شاة‪.‬‬
‫وجيب اإلخراج من وسط املال‪ ،‬وال جيزي من األدون‪ ،‬وال يلزم اخليار إال أن يشاء‬
‫املزكي لقوله ‪« :‬وإَيك وكرائم أمواهلم»‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله وسلم‪.‬‬
‫‪19‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)9‬‬
‫يف بيان أهل الزكاة‬
‫ِِ‬
‫ات لِ ْل ُف َقر ِاء َوال َْمساكِ ِ‬
‫ي َعلَْي َها َوال ُْم َؤلََّف ِة‬
‫أهل الزكاة مثانية‪ ،‬قال تعاىل‪﴿ :‬إِ ََّّنَا َّ‬
‫ي َوال َْعامل َ‬
‫َ‬
‫الص َدقَ ُ َ‬
‫ِ‬
‫يل فَ ِري َ ِ ِ‬
‫يل َِّ‬
‫اَّلل و َّ ِ‬
‫ِ‬
‫الرقَ ِ‬
‫قُلُوبُ ُه ْم َوِيف ِ‬
‫السبِ ِ‬
‫ي َوِيف َسبِ ِ‬
‫يم﴾‬
‫اَّلل َواِبْ ِن َّ‬
‫اب َوالْغَا ِرم َ‬
‫يم َحك ٌ‬
‫اَّللُ َعل ٌ‬
‫ضةً م َن َّ َ‬
‫[التوبة‪.]60 :‬‬
‫وحديث‪« :‬إن هللا مل يرض حبكم نيب وال غريه يف الصدقات حىت حكم هو فيها‪،‬‬
‫فجزأها مثانية أجزاء‪ ،‬فإن كنت من تلك اِلجزاء أعطيتك» رواه أبو داود‪.‬‬
‫فأوالً‪ :‬الفقري‪ ،‬وهو من مل جيد نصف الكفاية‪ ،‬فهو أشد حاجة من املسكني‪ ،‬ألن هللا‬
‫بدأ به‪ ،‬وإمنا يبدأ ابألهم فاألهم‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬املسكني وهو من جيد نصفها أو أكثرها‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬العامل عليها‪ ،‬كجايب وحافظ وكاتب وقاسم‪ ،‬لدخوهلم يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫﴿ َوال َْع ِاملِ َي﴾ وكان النيب ‪ ‬يبعث على الصدقة سعاة‪ ،‬ويعطيهم عمالتهم‪.‬‬
‫ابعا‪ :‬املؤلف‪ ،‬وهو السيد املطاع يف عشريته ممن يرجى إسالمه أو كف شره أو يرجى‬
‫رً‬
‫بعطيته قوة إميانه أو جبايتها ممن ال يعطيها أو إسالم نظريه أو يرجى بعطيته نصحه يف اجلهاد‬
‫أو يف الدفع عن املسلمني‪.‬‬
‫ملا روى أبو سعيد قال‪ :‬بعث علي وهو ابليمن بذهيبة فقسمها النيب ‪ ‬بني أربعة نفر‪:‬‬
‫األقرع بن حابس احلنظلي‪ ،‬وعيينة بن حصن الفزاري‪ ،‬وعلقمة بن عالثة العامري‪ ،‬مث أحد بين‬
‫نبهان‪ ،‬فغضبت قريش‪ ،‬وقالوا‪ :‬تعطي صناديد جند وتدعنا؟ فقال‪« :‬إين إَّنا فعلت ذلك‬
‫ِلأتلفهم» متفق عليه‪.‬‬
‫قال أبو عبيد القاسم بن سالم‪ :‬وإمنا يؤخذ من أموال أهل اليمن صدقة‪ ،‬ألن النيب ‪‬‬
‫أعطى صفوان بن أمية يوم حنني قبل إسالمه ترغيبا له يف اإلسالم‪ ،‬وأاب بكر أعطى عدي بن‬
‫حامت والزبرقان بن بدر مع حسن نياهتما وإسالمهما رجاء إسالم نظرائهما‪.‬‬
‫الرقَ ِ‬
‫خامسا‪ :‬املكاتب‪ ،‬وجيوز العتق منها‪ ،‬لقوله تعاىل‪َ ﴿ :‬وِيف ِ‬
‫اب﴾ وجيوز أن يفدى هبا‬
‫ً‬
‫مسلما‪ ،‬ألنه فك رقبة‪.‬‬
‫أسريا ً‬
‫ً‬
‫السادس‪ :‬الغارم‪ ،‬وهو من تدين إلصالح بني الناس‪ ،‬أو تدين لنفسه وأعسر‪ ،‬لدخوله‬
‫ِ‬
‫مرفوعا‪« :‬إن املسألة ال حتل إال لثالثة‪ :‬لذي فقر مدقع‪،‬‬
‫يف قوله‪َ ﴿ :‬والْغَا ِرم َي﴾ وعن أنس ً‬
‫أو لذي غرم مفظع‪ ،‬أو لذي دم موجع» رواه أمحد وأبو داود‪.‬‬
‫‪20‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫ويف حديث قبيصة بن خمارق اهلاليل قال‪ :‬حتملت محالة فأتيت النيب ‪ ‬أسأله فيها‪،‬‬
‫فقال‪« :‬أقم حىت أتتينا الصدقة فنأمر لك هبا» مث قال‪َ« :‬ي قبيصة‪ ،‬إن املسألة ال حتل إال‬
‫ِلحد ثالثة‪ :‬رجل حتمل محالة فحلت له املسألة حىت يصيبها‪ ،‬مث ميسك» احلديث‪ ،‬رواه‬
‫أمحد ومسلم وأبو داود والنسائي‪.‬‬
‫السابع‪ :‬يف سبيل هللا‪ ،‬وهم الغزاة املتطوعة الذين ال ديوان هلم‪.‬‬
‫مرفوعا‪« :‬ال حتل‬
‫الثامن‪ :‬ابن السبيل‪ ،‬وهو الغريب املنقطع بغري بلده حلديث أيب سعيد ً‬
‫الصدقة لغين إال يف سيبل هللا أو ابن السبيل أو جار فقري تصدق عليه فيهدي لك أو‬
‫يدعوك»‪ .‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫ويف لفظ‪« :‬ال حتل الصدقة لغين إال خلمسة‪ :‬للعامل عليها‪ ،‬ورجل اشرتاها ِاله‪ ،‬أو‬
‫غارم أو غاز يف سبيل هللا‪ ،‬أو مسكي تصدق عليه فأهدى منها لغين» رواه أبو داود وابن‬
‫ماجه‪.‬‬
‫فيعطى اجلميع بقدر احلاجة‪ ،‬فيعطي من الزكاة الغازي ما حيتاج إليه لغزوه‪ ،‬ويعطي‬
‫الفقري واملسكني ما يكفى حوال‪ ،‬والغارم واملكاتب ما يقضيان به دينهما وابن السبيل ما‬
‫يوصله إىل بلده‪ .‬وللمؤلف ما حيصل به التأليف‪.‬‬
‫وأما العامل فيعطى بقدر أجرته ولو غنيان ألن النيب ‪ ‬بعث عمر ساعيًا‪ ،‬ومل جيعل له‬
‫أجرة‪ ،‬فلما جاء أعطاه‪ ،‬متفق عليه‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله وسلم‪.‬‬
‫‪21‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)10‬‬
‫يف أن دافع الزكاة إىل السلطان يربأ بذلك‬
‫ويربأ رب املال بدفع الزكاة إىل السلطان عدل فيها أو جار‪ ،‬ملا ورد عن أنس ؛ أن‬
‫رجال قال لرسول هللا ‪ :‬إذا أديت الزكاة إىل رسولك فقد برئت منها إىل هللا ورسوله ؟ قال‪:‬‬
‫«نعم إذا أديت إيل فقد برئت منها إىل هللا ورسوله‪ ،‬فلك أجرها‪ ،‬وإمثها على من بدهلا»‬
‫خمتصرا ألمحد‪.‬‬
‫ً‬
‫وعن ابن مسعود أن رسول هللا ‪ ‬قال‪« :‬إهنا ستكون بعدي أثرة وأمور تنكروهنا»‬
‫قالوا‪ :‬اي رسول هللا ! فما أتمران ؟ قال‪« :‬تؤدون احلق الذي عليكم‪ ،‬وتسألون هللا الذي‬
‫لكم» متفق عليه‪.‬‬
‫وعن وائل بن حجر قال‪ :‬مسعت رسول هللا ‪ ‬ورجل يسأله فقال‪ :‬أرأيت إن كان علينا‬
‫أمراء مينعوان حقنا ويسألوان حقهم ؟ فقال‪« :‬امسعوا وأطيعوا فإَّنا عليهم ما محلوا وعليكم‬
‫ما محلتم» رواه مسلم والرتمذي وصححه‪.‬‬
‫قوما من أصحاب الصدقة‬
‫وعن بشري بن اخلصاصية قال‪ :‬قلنا‪ :‬اي رسول هللا‪ ،‬إن ً‬
‫يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا ؟ فقال‪« :‬ال»‪ .‬رواه أبو داود‪.‬‬
‫وقال أمحد‪ :‬قيل البن عمر إهنم يقلدون هبا الكالب ويشربون هبا اخلمور! قال‪ :‬ادفعها‬
‫إليهم‪ ،‬وقال سهل بن أيب صاحل‪ :‬أتيت سعد بن أيب وقاص فقلت‪ :‬عندي مال وأريد إخراج‬
‫زكاته وهؤالء القوم على ما ترى ؟ قال‪ :‬ادفعها إليهم‪ ،‬فأتيت ابن عمر وأاب هريرة‪ ،‬وأاب سعيد‬
‫رضي هللا عنهم فقالوا مثل ذلك‪ ،‬وبه قال الشعيب واألوزاعي‪ ،‬وهللا أعلم وصلى هللا على حممد‬
‫وآله وسلم‪.‬‬
‫‪22‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)11‬‬
‫فيمن ال جيزي دفع الزكاة إليه‬
‫وال جيزي دفع الزكاة للكافر غري املؤلف‪ ،‬حلديث معاذ‪ :‬تؤخذ من أغنيائهم فرتد يف فقرائهم‪،‬‬
‫وقال ابن املنذر‪ :‬أمجعوا على أن الذمي ال يعطى من الزكاة‪ ،‬وال الرقيق ألن نفقته على سيده‪.‬‬
‫قال يف الشرح‪ :‬وال يعطى الكافر واململوك ال نعلم فيه خالفًا وال للغين مبال أو كسب‬
‫سوى ما تقدم لقوله ‪« :‬ال حظ فيها لغين وال لقوي مكتسب»‪ ،‬وقوله‪« :‬ال حتل الصدقة‬
‫لغين وال لذي مرة سوي»‪ ،‬روامها أمحد وأبو داود‪.‬‬
‫وال ملن تلزمه نفقته كزوجته ووالديه وإن علوا وأوالده وإن سفلوا الوارث منهم وغريه‪ ،‬وقال ابن‬
‫املنذر‪ :‬أمجعوا على أهنا ال تدفع إىل الوالدين يف احلال اليت جيرب على النفقة عليهم‪.‬‬
‫وألن الدفع إىل من تلزمه نفقته يغنيهم عن النفقة ويسقطها عنه فيعود النفع إليه فكأنه دفعها‬
‫إىل نفسه‪ ،‬وقال يف االختيارات الفقهية‪ :‬وجيوز صرف الزكاة إىل الوالدين وإن علوا وإىل الولد‬
‫وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم لوجود املتقضى السامل عن املعارض املقاوم‪،‬‬
‫انتهى‪ ،‬وال لزوج ألهنا تنتفع ابلدفع إليه‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬جيوز لقوله ‪ ‬لزينب امرأة ابن مسعود‪« :‬زوجك وولدك أحق من تصدقت به‬
‫عليهم» أخرجه البخاري‪ ،‬وألهنا تلزمها نفقته فلم حترم عليه زكاهتا كاألجنيب‪.‬‬
‫وأما الزوجة فال جيوز دفع الزكاة إليها لوجوب نفقتها عليه وال لبين هاشم لعموم قوله ‪« :‬إن‬
‫الصدقة ال تنبغي آلل حممد إَّنا أوساخ الناس» رواه مسلم‪ ،‬ما مل يكونوا عماال أو مؤلفة أو‬
‫غارمني إلصالح ذات البني‪ ،‬فيعطون لذلك‪ ،‬وكذلك مواليهم‪.‬‬
‫فوعا‪« :‬إان ال حتل لنا الصدقة‪ ،‬وإن موايل القوم منهم» رواه أبو داود‬
‫حلديث أيب رافع مر ً‬
‫والنسائي والرتمذي وصححه‪.‬‬
‫فإن دفعها لغري مستحقيها وهو جيهل مث علم مل جيزئه‪ ،‬ويسرتدها منه بنمائها ألهنا ال ختفى‬
‫فقريا فبان غنيًا أجزأه لقوله ‪ ‬للرجلني‪« :‬إن شئتما‬
‫حاله غالبًا‪ ،‬وإن دفعها ملن يظنه ً‬
‫أعطيتكما منها‪ ،‬وال حظ فيها لغين»‪.‬‬
‫وقال للذي سأله عن الصدقة‪« :‬إن كنت من تلك اِلجزاء أعطيتك» فاكتفى ابلظاهر‪،‬‬
‫وألن الغين خيفى‪ ،‬فاعتبار حقيقته يشق‪.‬‬
‫‪23‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)12‬‬
‫يف وضع الصدقة يف القرابة‬
‫يسن أن يفرق زكاته على أقاربه الذين ال تلزمه نفقتهم وعلى ذوي أرحامه على قدر‬
‫حاجتهم‪ ،‬ملا ورد عن سلمان بن عامر‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬الصدقة على املسكي‬
‫صدقة‪ ،‬وهي على ذي الرحم اثنتان‪ :‬صدقة وصلة» رواه أمحد والرتمذي والنسائي وابن‬
‫ماجه والدارمي‪.‬‬
‫وعن أنس قال‪ :‬كان أبو طلحة أكثر األنصار ابملدينة ماالً من خنل‪ ،‬وكان أحب ماله‬
‫إليه بريحاء‪ ،‬وكانت مستقبلة املسجد‪ ،‬وكان رسول هللا ‪ ‬يدخل ويشرب من ماء فيها طيب‪.‬‬
‫ْرب َح َّىت تُ ْن ِف ُقوا ِِمَّا ُِحتبُّو َن﴾ [آل عمران‪:‬‬
‫قال أنس‪ :‬فلما نزلت هذه اآلية‪﴿ :‬لَ ْن تَنَالُوا الِ َّ‬
‫‪ .]92‬قام أبو طلحة إىل رسول هللا ‪ ‬فقال‪ :‬اي رسول هللا‪ ،‬إن هللا تعاىل يقول‪﴿ :‬لَ ْن تَنَالُوا‬
‫ْرب َح َّىت تُ ْن ِف ُقوا ِِمَّا ُِحتبُّو َن﴾ وإن أحب مايل إيل بريحاء‪ ،‬وإهنا صدقة هلل تعاىل أرجو برها‬
‫الِ َّ‬
‫وذخرها عند هللا‪ ،‬فضعها اي رسول هللا حيث أراك هللا‪ .‬فقال رسول هللا ‪« :‬بخ بخ ! ذلك‬
‫مال رابح‪ ،‬وقد مسعت ما قلت‪ ،‬وإين أرى أن َتعلها يف اِلقربي» فقال أبو طلحة‪ :‬أفعل اي‬
‫رسول هللا‪ ،‬فقسمها أبو طلحة يف أقاربه وبين عمه‪ ،‬متفق عليه‪.‬‬
‫وتقدم قوله ‪ ‬لزينب امرأة ابن مسعود‪« :‬زوجك وولدك أحق من تصدقت به‬
‫عليهم»‪.‬‬
‫وعن أيب أيوب قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إن أفضل الصدقة على ذي الرحم‬
‫الكاشح» رواه أمحد‪.‬‬
‫وعن حكيم بن حزام ‪‬؛ أن رجال سأل رسول هللا ‪ ‬عن الصدقات أيُها أفضل؟ قال‪:‬‬
‫«على ذي الرحم الكاشح» رواه الطرباين وأمحد‪ ،‬وإسناده حسن‪.‬‬
‫وعن هبز بن حكيم عن أبيه عن جده ‪ ‬قال‪ :‬قلت‪ :‬اي رسول هللا‪ ،‬من أبر ؟ قال‪:‬‬
‫«أمك» قلت‪ :‬مث من ؟ قال‪« :‬أمك» قلت‪ :‬مث من ؟‪ .‬قال‪« :‬أمك»‪ .‬قلت‪ :‬مث من ؟ قال‪:‬‬
‫«أابك مث اِلقرب فاِلقرب» رواه أبو داود والرتمذي‪.‬‬
‫وقال رسول هللا ‪« :‬ال يسأل رجل مواله من فضل هو عنده فيمنعه إَيه إال دعي‬
‫أقرع» رواه أبو داود واللفظ له والنسائي والرتمذي‪،‬‬
‫له يوم القيامة فضله الذي منعه‬
‫شجاعا َ‬
‫ً‬
‫وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫‪24‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫وعن ابن عباس قال‪ :‬إذا كان ذو قرابة ال تعوهلم فأعطهم من زكاة مالك‪ ،‬وإن كنت‬
‫تعوهلم فال تعطهم وال جتعلها ملن تعول‪ ،‬رواه األثرم يف سننه وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد‬
‫وآله وسلم‪.‬‬
‫‪25‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)13‬‬
‫يف إخراج الزكاة وما ينبغي ملريد إخراجها‬
‫فورا عند متام احلول‪ ،‬وحيرم التأخري إال لعذر‪ ،‬لقوله تعاىل‪َ ﴿ :‬وَآتُوا‬
‫جيب إخراج الزكاة ً‬
‫ص ِادهِ﴾ [األنعام‪.]141 :‬‬
‫َح َّقهُ يَ ْو َم َح َ‬
‫وعن عقبة بن احلارث قال‪ :‬صلى النيب ‪ ‬العصر فأسرع‪ ،‬مث دخل البيت فلم يلبث أن‬
‫خرج‪ ،‬فقلت‪ :‬أو قيل له‪ ،‬فقال‪« :‬كنت خلفت يف البيت تربا من الصدقة فكرهت أن‬
‫أبيته فقسمته»‪ .‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن عائشة قالت‪ :‬مسعت رسول هللا ‪ ،‬يقول‪« :‬ما خالطت الصدقة ماال قط إال‬
‫أهلكته»‪ .‬رواه الشافعي والبخاري يف اترخيه واحلميدي وزاد قال‪ :‬يكون قد وجبت عليك يف‬
‫مالك صدقة فال خترجها فيهلك احلالل واحلرام‪ ،‬وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة ابلعني‪.‬‬
‫وجتب يف مال الصيب واجملنون‪ ،‬وخيرج عنهما وليهما يف ماهلما‪.‬‬
‫ويشرتط إلخراج الزكاة النية حلديث‪« :‬إَّنا اِلعمال ابلنيات وإَّنا لكل امرئ ما‬
‫نوى»‪ ،‬فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة املال وويل الصيب والسلطان ينواين عند‬
‫احلاجة‪.‬‬
‫والنية أن يعتقد أهنا زكاته أو زكاة من خيرج عنه كالصيب واجملنون‪.‬‬
‫وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي هللا عنهما أن رسول هللا ‪ ‬قال‪« :‬من‬
‫ويل يتيما له مال فليتجر به‪ ،‬وال يرتكه حىت أتكله الصدقة» رواه الرتمذي‪ ،‬والدارقطين‬
‫وإسناده ضعيف‪ ،‬وله شاهد مرسل عند الشافعي‪.‬‬
‫ويستحب أن يقول معطي الزكاة عند إعطائه إىل من يريد إعطاءه منها‪ :‬اللهم اجعلها‬
‫مغنما وال جتعلها مغرما‪ ،‬ملا يروى أبو هريرة قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إذا أعطيت الزكاة فال‬
‫مغرما»‪ ،‬رواه ابن ماجه ويقول آخذ‬
‫مغنما وال َتعلها ً‬
‫تنسوا ثواهبا أن تقولوا‪ :‬اللهم اجعلها ً‬
‫طهورا‪ ،‬قوله تعاىل‪ُ ﴿ :‬خ ْذ‬
‫الزكاة‪ :‬آجرك هللا فيما أعطيت‪ ،‬وابرك لك فيما أبقيت‪ ،‬وجعله لك ً‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫ِ ِ‬
‫ص َالتَ َك َس َك ٌن َهلُ ْم﴾ [التوبة‪.]103 :‬‬
‫ص ِل َعلَْي ِه ْم إِ َّن َ‬
‫ص َدقَ ًة تُطَ ِه ُرُه ْم َوتُ َزكي ِه ْم هبَا َو َ‬
‫م ْن أ َْم َواهل ْم َ‬
‫وعن عبد هللا بن أيب أوىف قال‪ :‬كان رسول هللا ‪ ‬إذا أاته قوم بصدقتهم قال‪« :‬اللهم‬
‫صل على آل فالن» فأاته أيب بصدقته‪ ،‬فقال‪« :‬اللهم صل على آل أيب أوىف» متفق‬
‫‪26‬‬
‫عليه‪.‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫وعن جرير بن عبد هللا قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إذا أَتكم املصدق فليصدق عنكم‬
‫وهو راض» رواه مسلم‪ ،‬وهللا أعلم‪.‬‬
‫‪27‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)14‬‬
‫يف جواز تعجيل الزكاة حلولي فقط‬
‫وحكم نقل الزكاة من بلد إىل بلد‬
‫وجيوز تعجيل الزكاة حلولني فقط إذا كمل النصاب‪ ،‬ملا ورد عن علي عليه السالم أن‬
‫العباس بن عبد املطلب سأل النيب ‪ ‬يف تعجيل صدقته قبل أن حتل‪ ،‬فرخص له يف ذلك‪.‬‬
‫رواه اخلمسة إال النسائي‪.‬‬
‫وعن أيب هريرة قال‪ :‬بعث رسول هللا ‪ ‬عمر على الصدقة فقيل‪ :‬منع ابن مجيل وخالد‬
‫فقريا فأغناه هللا‬
‫بن الوليد والعباس‪ .‬فقال رسول هللا ‪« :‬ما ينقم ابن مجيل إال أنه كان ً‬
‫تعاىل‪ ،‬وأما خالد فإنكم تظلمون خال ًدا‪ ،‬وقد احتبس أدراعه وأعتده يف سبيل هللا‪ ،‬وأما‬
‫العباس فهي علي ومثلها معها»‪ ،‬مث قال‪َ« :‬ي عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه»‬
‫متفق عليه‪.‬‬
‫واألفضل جعل زكاة كل مال يف فقراء بلده ما مل تتشقص زكاة سائمة كأربعني ببلدين‬
‫متقاربني‪ ،‬فيخرج يف بلد واحد شاة‪.‬‬
‫وحيرم نقلها إىل بلد تقصر فيه الصالة مع وجود مستحق حلديث معاذ «أعلمهم أن‬
‫هللا قد افرتض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فرتد على فقرائهم»‪.‬‬
‫وعن أيب جحيفة قال‪ :‬قدم علينا مصدق رسول هللا ‪ ‬فأخذ الصدقة من أغنيائنا‪،‬‬
‫قلوصا‪ ،‬رواه الرتمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث‬
‫يتيما فأعطاين منها ً‬
‫فجعلها يف فقرائنا‪ ،‬فكنت ً‬
‫غالما ً‬
‫حسن‪.‬‬
‫وعن عمران بن حصني أنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له‪ :‬أين املال؟ قال‪:‬‬
‫وللمال أرسلتين‪ ،‬أخذانه من حيث كنا أنخذه على عهد رسول هللا ‪ ‬ووضعناه حيث كنا‬
‫نضعه‪ .‬رواه أبو داود‪ ،‬وابن ماجه‪.‬‬
‫وعن طاوس قال‪ :‬كان يف كتاب معاذ من خرج من خمالف إىل خمالف فإن صدقته‬
‫وعشره يف خمالف عشريته‪ ،‬رواه األثرم يف سننه‪ ،‬وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه رد زكاة أيت‬
‫هبا من خراسان إىل الشام إىل خراسان فإن خالف ونقلها أجزأته يف قول أكثر أهل العلم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬تنقل ملصلحة راجحة كقريب حمتاج وحنوه‪ ،‬ملا علم ابلضرورة من أن النيب ‪ ‬كان‬
‫يستدعي الصدقات من األعراب إىل املدينة ويصرفها يف فقراء املهاجرين واألنصار‪ ،‬أخرج‬
‫‪28‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫النسائي من حديث عبد هللا بن هالل الثقفي قال‪ :‬جاء رجل إىل رسول هللا ‪ ‬فقال‪ :‬كدت‬
‫أقتل بعدك يف عناق أو شاة من الصدقة‪ ،‬فقال رسول هللا ‪« :‬لوال أهنا تعطى فقراء‬
‫املهاجرين ما أخذهتا»‪.‬‬
‫ووري عن احلسن والنخعي أهنما كرها نقل الزكاة من بلد إىل بلد إال لذي قرابة‪ ،‬وكان‬
‫أبو العالية يبعث بزكاته إىل املدينة‪ ،‬واختار هذا القول الشيخ تقي الدين‪ ،‬وقال‪ :‬حتديد املنع‬
‫مبسافة القصر ليس عليه دليل شرعي‪ ،‬وجعل حمل ذلك األقاليم فال تنقل من إقليم إىل إقليم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويف وقتنا هذا من أراد األخذ ابلقول األول يف أن الزكاة ال تدفع إال إىل فقراء‬
‫البلد الذي فيه املال‪ ،‬فعليه أن يسأل عن فقراء البلد الذي فيه املال فيدفعها إليهم‪ ،‬وحيرص‬
‫كل احلرص على من ليس هلم موارد وهم متعففون وأصحاب دين ليستعينوا هبا على طاعة‬
‫هللا‪ ،‬دون من أيتون إليها وهم من فقراء البلدان الثانية‪ ،‬كما نشاهد عندان يف شهر رمضان‪،‬‬
‫أيتون من البلدان األخرى‪ ،‬مث يرجعون لبلداهنم انقلني هلا إىل بلداهنم‪.‬‬
‫ومسافر ابملال يفرقها ببلد أكثر إقامته به فيه‪.‬‬
‫ومن سأل واجبًا كمن طلب شيئًا مدعيا كت ابة أو غرما أو مدعيا أنه ابن سبيل أو‬
‫مدعيا فقرا أو عرف بغىن‪ ،‬مل يقبل قوله إال ببينة ألن األصل عدم ما ادعاه‪ ،‬والبينة فيمن‬
‫عرف بغىن وادعى فقرا ثالث رجال‪ ،‬ملا يف حديث قبيصة من قوله ‪« :‬ال حتل املسألة إال‬
‫ِلحد ثالثة‪ :‬رجل أصابته فاقة حىت يشهد له ثالثة من ذوي احلجى من قومه‪ :‬لقد‬
‫قواما من عيش» رواه مسلم‪.‬‬
‫أصابت ً‬
‫فالان فاقةٌ‪ ،‬فحلت له املسألة حىت يصيب ً‬
‫ومن غرم يف معصية أو سافر يف معصية مل تدفع إليه‪ ،‬إال أن يتوب‪ ،‬ألنه إعانة على‬
‫معصيته إال أن يتوب‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله وسلم‪.‬‬
‫‪29‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)15‬‬
‫يف بعض آداب الزكاة‬
‫قال يف خمتصر منهاج القاصدين‪ :‬اعلم أن على مريد الزكاة وظائف‪:‬‬
‫اِلوىل‪ :‬أن يفهم املراد من الزكاة‪ ،‬وهو ثالثة أشياء‪ :‬ابتالء مدعي حمبة هللا تعاىل إبخراج‬
‫حمبوبه‪ ،‬والتنزه عن صفة البخل املهلك‪ ،‬وشكر نعمة املال‪.‬‬
‫والوظيفة الثانية‪ :‬اإلسرار إبخراجها‪ ،‬لكونه أبعد عن الرايء والسمعة‪ ،‬ويف األظهار‬
‫إذالل للفقري‪ ،‬فمن خاف أن يتهم بعدم اإلخراج أعطى من ال يبايل من الفقراء ابألخذ بني‬
‫سرا‪.‬‬
‫اجلماعة عالنية‪ ،‬وأعطى غريه ً‬
‫والوظيفة الثالثة‪ :‬أن ال يفسدها ابملن واألذى‪ ،‬وذلك أن اإلنسان إذا رأى نفسه حمسنا‬
‫منعما عليه ابإلعطاء‪ ،‬رمبا حصل منه ذلك‪ ،‬ولو حقق النظر لرأى أن الفقري حمسن‬
‫إىل الفقري ً‬
‫إليه بقبول حق هللا الذي هو طهر له‪.‬‬
‫وإذا استحضر مع ذلك أن إخراجه للزكاة شكر لنعمة املال‪ ،‬فال يبقى بينه وبني الفقري‬
‫معاملة‪ ،‬وال ينبغي أن حيتقر الفقري لفقره‪ ،‬ألن الفضل ليس ابملال وال النقص بعدمه‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬أن يستصغر العطية‪ ،‬فإن املستعظم للفعل معجب به‪ ،‬وقد قيل‪ :‬ال يتم‬
‫املعروف إال بثالث‪ :‬بتصغريه وتعجيله وسرته‪.‬‬
‫اخلامسة‪ :‬أن ينتقي من ماله أحله وأجوده وأحبه إليه‪ ،‬أما احلل فإن هللا تعاىل طيب ال‬
‫يقبل إال طيبا‪ ،‬وأما األجود فقد قال هللا تعاىل‪َ ﴿ :‬وَال تَيَ َّم ُموا ْ‬
‫يث ِم ْنهُ تُ ْن ِف ُقو َن﴾ [البقرة‪:‬‬
‫اخلَبِ َ‬
‫‪.]267‬‬
‫وينبغي أن يالحظ يف ذلك أمرين‪:‬‬
‫أحدمها‪ :‬حق هللا سبحانه وتعاىل ابلتعظيم له‪ ،‬فإنه أحق من اختري له‪ ،‬ولو أن اإلنسان‬
‫طعاما رديئًا ألوغر صدره‪.‬‬
‫قدم إىل ضيفه ً‬
‫غدا يف القيامة‪ ،‬فينبغي أن خيتار‬
‫والثاين‪ :‬حق نفسه‪ ،‬فإن الذي يقدمه هو الذي يلقاه ً‬
‫األجود لنفسه‪.‬‬
‫ْرب َح َّىت تُ ْن ِف ُقوا ِِمَّا ُِحتبُّو َن﴾ [آل عمران‪]92 :‬‬
‫وأما أحبه إليه فلقوله تعاىل‪﴿ :‬لَ ْن تَنَالُوا الِ َّ‬
‫وكان ابن عمر رضي هللا عنهما إذا اشتد حبه لشيء من ماله قربه هلل عز وجل‪ ،‬وروي أنه نزل‬
‫اان‪ ،‬فالتمسوا له‪ ،‬فلم جيدوا إال حوات‪ ،‬فأخذته امرأته‬
‫اجلحفة وهو شاك فقال‪ :‬إين ألشتهي حيت ً‬
‫‪30‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصنعته مث قربته إليه‪ ،‬فأتى مسكني فقال ابن عمر رضي هللا عنهما‪ :‬خذه‪ .‬فقال له أهله‪:‬‬
‫سبحان هللا قد عنيتنا ومعنا زاد نعطيه‪ ،‬فقال‪ :‬إن عبد هللا حيبه‪ ،‬وروي أن سائال وقف بباب‬
‫سكرا‪ ،‬فإن الربيع حيب السكر‪.‬‬
‫الربيع بن خيثم رمحه هللا فقال‪ :‬أطعموه ً‬
‫الوظيفة السادسة‪ :‬أن يطلب لصدقته من تزكو به نفوسهم‪ ،‬وهم خصوص من عموم‬
‫األصناف الثمانية‪ ،‬وهلم صفات‪:‬‬
‫اِلوىل‪ :‬التقوى‪ ،‬فيخص بصدقته املتقني ليصرف مههم إىل هللا تعاىل‪ ،‬وقد كان عامر‬
‫بن عبد هللا بن الزبري يتخري العباد وهم سجود‪ ،‬فيأهتم ابلصرة فيها الداننري والدراهم فيضعها‬
‫عند نعاهلم حبيث حيسون هبا وال يشعرون مبكانه !‬
‫فقيل له‪ :‬ما مينعك أن ترسل هبا إليهم ؟ فيقول‪ :‬أكره أن يتمعر وجه أحدهم إذا نظر‬
‫إىل وجه رسويل أو لقيين‪.‬‬
‫الصفة الثانية‪ :‬العلم‪ ،‬فإن يف إعطاء العامل إعانته على العلم ونشر الدين‪ ،‬وذلك تقوية‬
‫للشريعة‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أن يكون ممن يرى اإلنعام من هللا وحده وال يلتفت إىل األسباب إال بقدر ما‬
‫ندب إليه من شكرها‪.‬‬
‫ساترا حلاجته‪ ،‬كامتًا للشكوى‪ ،‬كما قال تعاىل‪:‬‬
‫الرابعة‪ :‬أن يكون صائنًا لفقره‪ً ،‬‬
‫﴿ َْحي َسبُ ُه ُم ا ْجلَ ِاه ُل أَ ْغنِيَ َاء ِم َن الت ََّع ُّف ِف﴾ [البقرة‪ .]273 :‬وهؤالء ال حيصون يف شبكة الطالب‬
‫إال بعد البحث عنهم وسؤال أهل كل حملة عمن هذه صفته‪.‬‬
‫اخلامسة‪ :‬أن يكون ذا عائلة أو حمبوسا ملرض أو دين‪ ،‬فهذا من احملصرين‪ ،‬والتصدق‬
‫عليه إطالق حلصره‪.‬‬
‫السادسة‪ :‬أن يكون من األقارب وذوي األرحام‪ ،‬فإن الصدقة عليهم صدقة وصلة‪،‬‬
‫وكل من مجع من هذه اخلالل خلتني أو أكثر‪ ،‬كان إعطاؤه أفضل على قدر ما مجع وهللا‬
‫أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله وسلم‪.‬‬
‫‪31‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)16‬‬
‫يف آداب القابض للزكاة‬
‫ال بد أن يكون آخذ الزكاة من األصناف الثمانية‪ ،‬وعليه يف ذلك وظائف‪:‬‬
‫اِلوىل‪ :‬أن يفهم أن هللا تعاىل أوجب صرف الزكاة إليه ليكفيه ما أمهه‪ ،‬وجيعل مهه مها واحدا‬
‫يف طلب رضا هللا عز وجل‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن يشكر املعطي ويدعو له ويثين عليه‪ ،‬ولكن ذلك مبقدار شكر السبب‪ ،‬فإن‬
‫من مل يشكر الناس مل يشكر هللا‪ ،‬كما ورد يف احلديث‪.‬‬
‫ومن متام الشكر أن ال حيتقر العطاء‪ ،‬وإن قل‪ ،‬وال يذمه‪ ،‬ويغطي ما فيه من عيب‪ ،‬وكما أن‬
‫وظيفة املعطي االستعظام‪ ،‬وكل ذلك ال يناقض روية النعمة من هللا‪ ،‬فأما من ال يرى الواسطة‬
‫واسطة فهو جاهل‪ ،‬وإمنا املنكر أن يرى الواسطة أصال‪.‬‬
‫الوظيفة الثالثة‪ :‬أن ينظر فيما يعطاه فإن مل يكن من حل مل أيخذه أصال‪ ،‬ألن إخراج‬
‫مال الغري ليس بزكاته‪ ،‬وإن كان من شبهة تورع عنه إال أن يضيق عليه األمر‪ ،‬فمن كان أكثر‬
‫كسبه حر ًاما فأخرج الزكاة ومل يعرف ملا أخرج مالك معني‪ .‬كانت الفتوى فيه أن يتصدق به‪،‬‬
‫فيجوز هلذا الفقري أن أيخذ قدر حاجته عند ضيق األمر عليه وعجزه عن الصايف‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬أن يتوقى مواضع الشبه يف قدر ما أيخذ القدر املباح له‪ ،‬وال أيخذ أكثر من‬
‫غارما مل يزد على مقدار الدين‪ ،‬أو غازاي مل أيخذ إال مقدار ما حيتاج إليه يف‬
‫حاجته‪ ،‬فإن كان ً‬
‫غزوه‪ ،‬وإن أخذ ابملسكنة أخذ قدر حاجته دون ما يستغين عنه‪ ،‬وكل ذلك موكول إىل‬
‫اجتهاده‪ ،‬والورع ترك ما يريب‪.‬‬
‫واختلف العلماء يف قدر الغىن املانع من الزكاة‪ ،‬والصحيح فيه أن يكون له كفاية على‬
‫الدوام‪ ،‬إما من جتارة أو صناعة أو أجرة عقار أو غري ذلك‪.‬‬
‫وإن كان له بعض الكفاية أخذ ما يتمها‪ ،‬وإن مل يكن له ذلك أخذ ما يكفيه‪ ،‬وليكن‬
‫ما أيخذه بقدر ما يكفي سنة وال يزيد على ذلك‪.‬‬
‫وإمنا اعترب ابلسنة ألهنا إذا ذهبت جاء وقت األخذ وإذا أخذ أكثر منها ضيق على‬
‫الفقراء‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫‪32‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)17‬‬
‫يف احلث على الصدقة‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ول َر ِ‬
‫َّرتَِين‬
‫ت فَ يَ ُق َ‬
‫َح َد ُك ُم ال َْم ْو ُ‬
‫قال تعاىل‪َ ﴿ :‬وأَنْف ُقوا م ْن َما َرَزقْنَا ُك ْم م ْن قَ ْب ِل أَ ْن َأيِْيتَ أ َ‬
‫ب لَ ْوَال أَخ ْ‬
‫َّ ِ‬
‫ين يُ ْؤِمنُو َن ِابلْغَْي ِ‬
‫َج ٍل قَ ِري ٍ‬
‫ب‬
‫َص َّد َق َوأَ ُك ْن ِم َن َّ‬
‫ب فَأ َّ‬
‫الصاحلِِ َ‬
‫إِ َىل أ َ‬
‫ي﴾ [املنافقون‪ ،]10 :‬وقال‪﴿ :‬الذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ض َّ‬
‫ضا‬
‫يمو َن َّ‬
‫اَّللَ قَ ْر ً‬
‫الص َال َة َوِمَّا َرَزقْنَ ُ‬
‫اه ْم يُ ْنف ُقو َن﴾ [البقرة‪ ،]3 :‬وقال‪َ ﴿ :‬م ْن ذَا الَّذي يُ ْق ِر ُ‬
‫َويُق ُ‬
‫ض ِاع َفهُ لَهُ أَ ْض َعافًا َكثِ َريًة﴾ [البقرة‪.]245 :‬‬
‫سنًا فَ يُ َ‬
‫َح َ‬
‫ِ‬
‫الص َدقَ ِ‬
‫وها الْ ُف َق َر َاء فَ ُه َو َخ ْي ٌر لَ ُك ْم﴾‬
‫وقال‪﴿ :‬إِ ْن تُ ْب ُدوا َّ‬
‫وها َوتُ ْؤتُ َ‬
‫ات فَنِ ِع َّما ه َي َوإِ ْن ُُتْ ُف َ‬
‫[البقرة‪ ،]271 :‬وقال‪﴿ :‬الَّ ِذين ي ْن ِف ُقو َن أَموا َهلم ِابللَّي ِل والن ِ‬
‫َج ُرُه ْم ِع ْن َد‬
‫َّها ِر س ًّرا َو َع َالنِيَةً فَ لَ ُه ْم أ ْ‬
‫ْ َ ُْ ْ َ َ‬
‫َ ُ‬
‫ِ‬
‫اد َّ ِ‬
‫ِِ ِ‬
‫يموا‬
‫َرهبِِ ْم َوَال َخ ْو ٌ‬
‫ين آ ََمنُوا يُق ُ‬
‫ي الذ َ‬
‫ف َعلَْي ِه ْم َوَال ُه ْم َْحي َزنُو َن﴾ [البقرة‪ ،]274 :‬وقال‪﴿ :‬قُ ْل لعبَ َ‬
‫الص َال َة َويُ ْن ِف ُقوا ِِمَّا َرَزقْنَ ُاه ْم ِس ًّرا َو َع َالنِيَةً ِم ْن قَ ْب ِل أَ ْن َأيِْيتَ يَ ْوٌم َال بَ ْي ٌع فِ ِيه َوَال ِخ َال ٌل﴾ [إبراهيم‪:‬‬
‫َّ‬
‫ي ِِا صب روا ويدرءو َن ِاب ْحلسن ِة َّ ِ‬
‫اه ْم‬
‫‪ ،]31‬وقال‪﴿ :‬أُولَئِ َ‬
‫َ ََ‬
‫السيِئَ َة َوِمَّا َرَزقْنَ ُ‬
‫ك يُ ْؤتَ ْو َن أ ْ‬
‫َج َرُه ْم َم َّرتَ ْ ِ َ َ َ ُ َ َ ْ َ ُ‬
‫يُْن ِف ُقو َن﴾ [القصص‪ ]54 :‬إىل غري ذلك من اآلايت‪.‬‬
‫وأما األحاديث‪ ،‬فعن أيب هريرة ‪ ‬قال‪ :‬جاء رجل إىل النيب ‪ ‬قال‪ :‬اي رسول هللا‪ ،‬أي‬
‫أجرا؟ قال‪« :‬أن تصدق وأنت صحيح شحيح ُتشى الفقر وأتمل الغىن‪،‬‬
‫الصدقات أعظم ً‬
‫وال متهل حىت إذا بلغت احللقوم قلت‪ :‬لفالن كذا‪ ،‬ولفالن كذا‪ ،‬وقد كان لفالن»‬
‫أخرجاه يف الصحيحني‪.‬‬
‫وروى البخاري من حديث ابن مسعود ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬أيكم مال وارثه‬
‫أحب إليه من ماله»؟ قالوا‪ :‬اي رسول هللا‪ ،‬ما منا أحد إال ماله أحب إليه‪ ،‬قال‪« :‬فإن ماله‬
‫ما قدم‪ ،‬ومال وارثه ما أخر»‪.‬‬
‫ويف الصحيحني من رواية أيب هريرة ‪ ‬أن رسول هللا ‪ ‬قال‪« :‬من تصدق بعدل مترة من‬
‫كسب طيب‪ ،‬وال يصعد إىل هللا إال الطيب‪ ،‬فإن هللا يتقبلها بيمينه مث يربيها لصاحبها‪،‬‬
‫كما يريب أحدكم فلوه حىت تكون مثل اجلبل»‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إن الصدقة تطفئ غضب الرب‪،‬‬
‫وتدفع ميتة السوء» رواه الرتمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن غريب‪.‬‬
‫وعن أيب سعيد اخلدري ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪ِ« :‬لن يتصدق املرء يف حياته‬
‫بدرهم خري له من أن يتصدق ِائة عند موته» رواه أبو داود‪.‬‬
‫‪33‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫وعن أيب الدرداء ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬مثل الذي يتصدق عند موته أو يعتق‬
‫كالذي يهدي إذا شبع»‪ ،‬رواه أمحد والنسائي والدرامي والرتمذي‪ ،‬وصححه‪.‬‬
‫وعن أيب ذر قال‪ :‬انتهيت إىل النيب ‪ ‬وهو جالس يف ظل الكعبة‪ ،‬فلما رآين قال‪:‬‬
‫«هم اِلخسرون ورب الكعبة»‪ .‬فقلت‪ :‬فداك أيب وأمي من هم ؟ قال‪« :‬هم اِلكثرون‬
‫أمواالً‪ ،‬إال من قال هكذا وهكذا‪ ،‬من بي يديه ومن خلفه وعن ميينه وعن مشاله‪ ،‬وقليل‬
‫ما هم» متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أيب هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬لو كان مثل أحد ذهبا لسرين أن ال مير‬
‫علي ثالث ليال وعندي شيء إال شيء أرصده لدين»‪ .‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن أيب أمامة قال‪ :‬قال رسول هللا ‪َ« :‬ي ابن آدم إن تبذل الفضل خري لك‪ ،‬وإن‬
‫متسكه شر لك وال تالم على كفاف وابدأ ِن تعول»‪ .‬رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن عائشة رضي هللا عنها أهنم ذحبوا شاة فقال النيب ‪« :‬ما بقي منها؟» قالت‪ :‬ما بقي‬
‫منها إال كتفها‪ .‬قال‪« :‬بقي كلها غري كتفيها»‪ ،‬رواه الرتمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وعن عقبة بن احلارث قال‪ :‬صليت وراء النيب ‪ ‬ابملدينة العصر‪ ،‬فسلم مث قام‬
‫مسرعا فتخطى رقاب الناس إىل بعض حجر نسائه‪ ،‬ففزع الناس من سرعته‪ ،‬فخرج‬
‫عليهم فرأى أهنم قد عجبوا من سرعته‪ ،‬قال‪ « :‬ذكرت شيئا من ترب عندان فكرهت أن‬
‫حيبسين فأمرت بقسمته» رواه البخاري‪.‬‬
‫ويف رواية‪« :‬كنت خلفت يف البيت تربا من الصدقة فكرهت أن أبيته»‪.‬‬
‫وعن أيب هريرة ‪ ‬رفعه‪« :‬سبعة يظلهم هللا يف ظله يوم ال ظل إال ظله‪ :‬إمام عادل‪،‬‬
‫وشاب نشأ يف عبادة هللا‪ ،‬ورجل قلبه معلق ابملسجد‪ ،‬ورجالن حتااب يف هللا اجتمعا عليه‬
‫وتفرقا عليه‪ ،‬ورجل دعته امرأة ذات منصب ومجال‪ ،‬فقال‪ :‬إين أخاف هللا‪ ،‬ورجل تصدق‬
‫بصدقة فأخفاها حىت ال تعلم مشاله ما تنفق ميينه‪ ،‬ورجل ذكر هللا خاليا ففاضت عيناه»‬
‫رواه البخاري ومسلم‪ ،‬وهذا لفظ البخاري‪.‬‬
‫‪34‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)18‬‬
‫ضا‬
‫يف احلث على الصدقة أي ً‬
‫وعن أنس بن مالك قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إن الصدقة تطفئ غضب الرب‪،‬‬
‫وتدفع ميتة السوء» رواه الرتمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن غريب‪.‬‬
‫عن أنس ‪ ‬قال‪ :‬سئل النيب ‪ :‬أي الصدقة أفضل؟ قال‪« :‬صدقة يف رمضان» رواه‬
‫الرتمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث غريب‪.‬‬
‫عن عبد هللا بن مسعود ‪ ‬قال‪ :‬مسعت رسول هللا ‪ ‬يقول‪« :‬ال حسد إال يف اثنتي؛‬
‫رجل أَته هللا ماال فسلطه على هلكته يف احلق‪ ،‬ورجل أَته هللا حكمة فهو يقضي هبا‬
‫ويعلمها» رواه البخاري‪.‬‬
‫وعن جرير بن عبد هللا ‪ ‬قال‪ :‬كنا عند رسول هللا ‪ ‬يف صدر النهار‪ ،‬قال‪ :‬فجاء قوم‬
‫حفاة عراة جمتايب النمار أو العباء متقلدي السيوف‪ ،‬عامتهم من مضر‪ ،‬بل كلهم من مضر‪،‬‬
‫فتمعر وجه رسول هللا ‪ ‬ملا رأى هبم من الفاقة‪ ،‬فدخل مث خرج‪ ،‬فأمر بالالً فأذن وأقام‬
‫َّاس اتَّ ُقوا َربَّ ُك ُم الَّ ِذي َخلَ َق ُك ْم ِم ْن نَ ْف ٍ‬
‫س َوا ِح َدةٍ﴾ إىل آخر‬
‫فصلى‪ .‬مث خطب فقال‪ََ ﴿ :‬ي أَيُّ َها الن ُ‬
‫اَّللَ َكا َن َعلَْي ُك ْم َرِقيبًا﴾ [النساء‪ ،]1 :‬واآلية اليت يف احلشر‪﴿ :‬اتَّ ُقوا َّ‬
‫اآلية ﴿إِ َّن َّ‬
‫س‬
‫اَّللَ َولْتَ ْنظُْر نَ ْف ٌ‬
‫َما قَ َّد َم ْت لِغَ ٍد﴾ [احلشر‪« .]18 :‬تصدق رجل من ديناره‪ ،‬من درمهه‪ ،‬من ثوبه‪ ،‬من صاع‬
‫بره‪ ،‬من صاع متره» حىت قال‪« :‬ولو بشق مترة»‪ .‬قال‪ :‬فجاء رجل من األنصار بصرة كادت‬
‫كفه تعجز عنها‪ ،‬بل قد عجزت‪ ،‬قال‪ :‬مث تتابع الناس حىت رأيت كومني من طعام وثياب‪،‬‬
‫حىت رأيت وجه رسول هللا ‪ ‬يتهلل كأنه مذهبة‪.‬‬
‫فقال رسول هللا ‪« :‬من سن يف اإلسالم سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل هبا‬
‫بعده من غري أن ينقص من أجورهم شيء‪ ،‬ومن سن يف اإلسالم سنة سيئة كان عليه‬
‫وزرها ووزر من عمل هبا بعده من غري أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن أيب هريرة قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬ما نقصت صدقة من مال‪ ،‬وما زاد هللا‬
‫عزا‪ ،‬وما تواضع أحد هلل إال رفعه» رواه مسلم‪.‬‬
‫عب ًدا بعفو إال ً‬
‫وعنه قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬يقول العبد‪ :‬مايل مايل‪ ،‬وإَّنا له من ماله ثالث‪ :‬ما‬
‫أكل فأفىن‪ ،‬أو لبس فأبلى‪ ،‬أو أعطى فأقىن‪ ،‬وما سوى ذلك فهو ذاهب وَتركه للناس»‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫‪35‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫وعن عقبة بن عامر قال‪ :‬مسعت رسول هللا ‪ ‬يقول‪« :‬كل امرئ يف ظل صدقته‬
‫حىت يقضى بي الناس»‪ ،‬قال يزيد‪ :‬فكان أبو اخلري مرثد ال خيطئه يوم إال تصدق فيه بشيء‬
‫ولو بكعكة أو بصلة‪ ،‬رواه أمحد وابن خزمية وابن حبان يف صحيحيهما واحلاكم‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫صحيح على شرط مسلم‪.‬‬
‫وعن معاذ بن جبل قال‪ :‬كنت مع النيب ‪ ‬يف سفر فذكر احلديث إىل أن قال فيه‪ ،‬مث‬
‫قال ‪ -‬يعين النيب ‪« :- ‬أال أدلك على أبواب اخلري؟» قلت‪ :‬بلى اي رسول هللا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫«الصوم جنة‪ ،‬والصدقة تطفئ اخلطيئة‪ ،‬كما يطفئ املاء النار» رواه الرتمذي‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وعن أيب هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬بينا رجل يف فالة من اِلرض‪ ،‬فسمع‬
‫صوَت يف سحابة‪ ،‬اسق حديقة فالن‪ ،‬فتنحى ذلك السحاب‪ ،‬فأفرغ ماءه يف حرة‪ ،‬فإذا‬
‫ً‬
‫شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك املاء كله‪ ،‬فتتبع املاء فإذا رجل قائم يف‬
‫حديقة حيول املاء ِسحاته‪ ،‬فقال له‪َ :‬ي عبد هللا‪ ،‬ما امسك ؟ قال‪ :‬فالن‪ ،‬لالسم الذي‬
‫مسع يف السحابة‪ ،‬فقال له‪َ :‬ي عبد هللا‪ ،‬مل سألتين عن امسي قال‪ :‬مسعت يف السحاب‬
‫الذي هذا ماؤه‪ ،‬يقول‪ :‬اسق حديقة فالن‪ ،‬المسك! فما تصنع فيها؟ قال‪ :‬أما إذ قلت‬
‫هذا فإين أنظر إىل ما خيرج منها فأتصدق بثلثه‪ ،‬وآكل أان وعيايل ثلثه‪ ،‬وأرد فيها ثلثه»‪.‬‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫وعن احلسن ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪ ،‬فيما يروي عن ربه عز وجل أنه يقول‪َ« :‬ي ابن‬
‫آدم افرغ من كنزك عندي وال حرق وال غرق وال سرق أوفيكه أحوج ما تكون إليه» رواه‬
‫الطرباين والبيهقي‪ ،‬وقال‪ :‬هذا مرسل‪ .‬وقد روينا عن ابن عمر عن النيب ‪ ‬أنه قال‪« :‬إن هللا‬
‫إذا استودع شيئا حفظه»‪.‬‬
‫وروي عن ميمونة بنت سعد أهنا قالت‪ :‬اي رسول هللا أفتنا عن الصدقة ؟ فقال‪« :‬إهنا‬
‫حجاب من النار ملن احتسبها يبتغي هبا وجه هللا عز وجل» رواه الطرباين‪.‬‬
‫وعن أيب أمامة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« ‬صنائع املعروف تقي مصارع السوء‬
‫وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد يف العمر» رواه الطرباين يف الكبري‬
‫إبسناد حسن‪.‬‬
‫وروي عن أم سلمة رضي هللا عنها قالت‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬صنائع املعروف تقي‬
‫‪36‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫مصارع السوء والصدقة خفيًا تطفئ غضب الرب‪ ،‬وصلة الرحم تزيد يف العمر‪ ،‬وكل معروف‬
‫صدقة‪ ،‬وأهل املعروف يف الدنيا هم أهل املعروف يف اآلخرة‪ ،‬وأهل املنكر يف الدنيا هم أهل‬
‫املنكر يف اآلخرة‪ ،‬وأول من يدخل اجلنة أهل املعروف» رواه الطرباين يف األوسط‪.‬‬
‫وعن أيب ذر ‪ ‬أن النيب ‪ ‬قال‪« :‬ثالثة حيبهم هللا‪ ،‬وثالثة يبغضهم هللا‪ ،‬فأما الذين‬
‫قوما فسأهلم ابهلل‪ ،‬ومل يسأهلم بقرابة بينهم وبينه فمنعوه فتخلف رجل‬
‫حيبهم‪ :‬فرجل أتى ً‬
‫سرا ال يعلم بعطيته إال هللا والذي أعطاه‪ »...‬احلديث‪ .‬رواه أبو داود‪،‬‬
‫أبعقاهبم فأعطاه ً‬
‫وابن خزمية يف صحيحه‪ ،‬واللفظ هلما إال ابن خزمية مل يقل‪« :‬فمنعوه»‪ ،‬والنسائي والرتمذي‬
‫ذكره يف ابب كالم احلور العني‪.‬‬
‫‪37‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)19‬‬
‫الرتهيب من املسألة مع الغىن‬
‫عن مسرة بن جندب قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إَّنا املسائل كدوح يكدح هبا الرجل‬
‫وجهه‪ ،‬فمن شاء أبقى على وجهه‪ ،‬ومن شاء تركه إال أن يسأل الرجل ذا سلطان أو يف‬
‫أمر ال جيد منه ب ًدا» رواه أبو داود والرتمذي والنسائي‪.‬‬
‫وعن عبد هللا بن مسعود قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬من سأل الناس وله ما يغنيه جاء‬
‫يوم القيامة ومسألته يف وجهه مخوش أو خدوش أو كدوح»‪ .‬قيل‪ :‬اي رسول هللا وما يغنيه؟‬
‫قال‪« :‬مخسون درمها أو قيمتها من الذهب» رواه أبو داود والرتمذي والنسائي وابن ماجه‬
‫والدارمي‪.‬‬
‫وعن سهب بن احلنظلية قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬من سأل وعنده ما يغنيه فإَّنا‬
‫يستكثر من النار»‪ ،‬قال النفيلي‪ ،‬وهو أحد رواته يف موضع آخر‪ :‬وما الغىن الذي ال ينبغي‬
‫معه املسألة؟ قال‪ :‬قدر ما يغديه ويعشيه‪ ،‬وقال يف موضع آخر‪ :‬أن يكون له شبع يوم وليلة‪،‬‬
‫رواه أبو داود‪.‬‬
‫وعن عطاء بن يسار عن رجل من بين أسد قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬من سأل منكم‬
‫وله أوقية أو عدهلا فقد سأل إحلافًا» رواه مالك وأبو داود والنسائي‪.‬‬
‫وعن حبشي بن جنادة قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إن املسألة ال حتل لغين وال لذي‬
‫مرة سوي إال لذي فقر مدقع أو غرم مفظع‪ ،‬ومن سأل الناس ليثري به ماله كان مخو ًشا‬
‫يف وجه يوم القيامة‪ ،‬ورضفا أيكله من جهنم‪ ،‬فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر» رواه‬
‫الرتمذي‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬من أصابته فاقة فأنزهلا ابلناس مل تسد‬
‫فاقته‪ ،‬ومن أنزهلا ابهلل أوشك هللا له ابلغىن‪ :‬إما ِوت عاجل أو غىن آجل» رواه أبو داود‬
‫والرتمذي‪.‬‬
‫وعن ابن عمر رضي هللا عنهما أن النيب ‪ ‬قال‪« :‬ال تزال املسألة أبحدكم حىت يلقى‬
‫هللا تعاىل وليس يف وجهه مزعة حلم» رواه البخاري ومسلم والنسائي‪.‬‬
‫وعن أنس أن رجالً من األنصار أتى النيب ‪ ‬يسأله‪ ،‬فقال‪« :‬أما يف بيتك شيء؟»‬
‫فقال‪ :‬بلى حلس نلبس بعضه‪ ،‬ونبسط بعضه‪ ،‬وقعب نشرب فيه من املاء‪ ،‬قال‪« :‬ائتين‬
‫‪38‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫هبما» فأاته هبما‪ ،‬فأخذمها رسول هللا ‪ ‬بيده‪ ،‬وقال‪« :‬من يشرتي هذين؟» قال رجل‪ :‬أان‬
‫آخذمها بدرهم‪ ،‬وقال ‪« :‬من يزيد على درهم»؟ مرتني أو ثال ًاث قال رجل‪ :‬أان آخذمها‬
‫طعاما‬
‫بدرمهني‪ .‬فأعطامها إايه‪ ،‬فأخذ الدرمهني فأعطامها األنصاري‪ ،‬وقال‪« :‬اشرت أبحدمها ً‬
‫فانبذه إىل أهلك‪ ،‬واشرت ابآلخر قدوما فأتين به‪ ،‬فشد فيه رسول هللا ‪ ‬عودا بيده‪ ،‬مث‬
‫يوما»‪.‬‬
‫قال‪ :‬اذهب فاحتطب وبع وال أرينك مخسة عشر ً‬
‫فذهب الرجل حيتبط ويبيع‪ ،‬فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم‪ ،‬فاشرتى ببعضها ثوًاب‬
‫طعاما‪ ،‬فقال رسول هللا ‪« :‬هذا خري لك من أن َتيء املسألة نكتة يف وجهك‬
‫وببعضها ً‬
‫يوم القيامة‪ ،‬إن املسألة ال تصلح إال لثالثة‪ :‬لذي فقر مدقع‪ ،‬أو لذي غرم مفظع‪ ،‬أو‬
‫لذي دم موجع» رواه أبو داود وروى ابن ماجه‪ :‬إىل يوم القيامة‪.‬‬
‫وعن ثوابن ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬من يتكفل يل أن ال يسأل الناس شيئًا‬
‫أحدا شيئا‪ ،‬رواه أبو داود إبسناد صحيح‪.‬‬
‫وأتكفل له ابجلنة؟» فقلت‪ :‬أان‪ .‬فكان ال يسأل ً‬
‫مجرا‪،‬‬
‫تكثرا فإَّنا يسأل ً‬
‫وعن أيب هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬من سأل الناس ً‬
‫فليستقل أو ليستكثر» رواه مسلم وابن ماجه‪.‬‬
‫وعن علي ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬من سأل الناس عن ظهر غىن استكثر به من‬
‫رضف جهنم!» قالوا‪ :‬وما ظهر غىن ؟ قال‪ :‬عشاء ليلة‪ ،‬رواه عبد هللا بن أمحد يف زوائده‬
‫على املسند‪ ،‬والطرباين يف األوسط‪ ،‬وإسناده جيد‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله‬
‫وسلم‪.‬‬
‫‪39‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)20‬‬
‫يف الرتهيب من املسألة‬
‫عن حكيم بن حزام ‪ ‬قال‪ :‬سألت رسول هللا ‪ ‬فأعطاين‪ ،‬مث سألته فأعطاين‪ ،‬مث قال‪:‬‬
‫«َي حكيم‪ ،‬إن هذا املال خضر حلو‪ ،‬فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه‪ ،‬ومن أخذه‬
‫إبشراف نفس مل يبارك له فيه‪ ،‬وكان كالذي أيكل وال يشبع‪ ،‬واليد العليا خري من اليد‬
‫السفلى»‪.‬‬
‫أحدا بعدك شيئا حىت‬
‫قال حكيم‪ :‬فقلت‪ :‬اي رسول هللا‪ ،‬والذي بعثك ابحلق ال أرزأ ً‬
‫حكيما ليعطيه العطاء فيأىب أن يقبل منه شيئا‪ ،‬مث إن عمر‬
‫أفارق الدنيا‪ ،‬فكان أبو بكر ‪ ‬يدعو ً‬
‫‪ ‬دعاه ليعطيه فأىب أن يقبله فقال‪ :‬اي معشر املسلمني أشهدكم على حكيم أين أعرض عليه‬
‫أحدا من الناس بعد‬
‫حقه الذي قسم هللا له يف هذا الفيء فيأىب أن أيخذه‪ ،‬ومل يرزأ حكيم ً‬
‫النيب ‪ ‬حىت تويف رضي هللا عنه‪ ،‬رواه البخاري ومسلم والرتمذي والنسائي ابختصار‪.‬‬
‫وعن الزبري بن العوام ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪ِ« :‬لن أيخذ أحدكم أحبله فيأيت حبزمة‬
‫من حطب على ظهره فيبعها فيكف هبا وجهه خري له من أن يسأل الناس أعطوه أم‬
‫منعوه» رواه البخاري وابن ماجه وغريمها‪.‬‬
‫وعن أيب هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪ِ« :‬لن حيتطب أحدكم حزمة على ظهره‬
‫خري له من أن يسأل أح ًدا فيعطيه أو مينعه» رواه مالك والبخاري ومسلم والرتمذي‬
‫والنسائي‪.‬‬
‫وعن أسلم قال‪ :‬قال يل عبد هللا بن األرقم‪ :‬أدللين على بعري من العطااي أستحمل عليه‬
‫ابدان‬
‫أمري املؤمنني‪ .‬قلت‪ :‬نعم من إبل الصدقة‪ ،‬فقال عبد هللا بن األرقم‪ :‬أحتب لو أن رجال ً‬
‫يف يوم حار غسل ما حتت إزاره ورفغيه مث أعطاكه فشربته؟ قال‪ :‬فغضبت وقلت‪ :‬يغفر هللا‬
‫لك‪ ،‬مل تقول مثل هذا يل ؟ قال‪ :‬فإمنا الصدقة أوساخ الناس يغسلوهنا عنهم‪ .‬رواه مالك‪.‬‬
‫فالان يشكر‬
‫وعن عمر بن اخلطاب ‪ ‬أنه دخل على النيب ‪ ‬فقال‪ :‬اي رسول هللا رأيت ً‬
‫فالان قد أعطيته ما بي العشرة إىل‬
‫ذكر أنك أعطيته دينارين‪ :‬فقال رسول هللا ‪« :‬لكن ً‬
‫املائة فما شكره وما يقوله؟ إن أحدكم ليخرج من عندي حباجته متأبطها وما هي إال‬
‫النار» قال‪ :‬قلت‪ :‬اي رسول هللا مل تعطيهم ؟ قال‪« :‬أيبون إال أن يسألوين‪ ،‬وأيىب هللا يل‬
‫البخل» رواه ابن حبان يف صحيحه‪.‬‬
‫وعن أيب سعيد اخلدري ‪ ‬قال‪ :‬بينما رسول هللا ‪ ‬يقسم ذهبًا إذ أاته رجل فقال‬
‫‪40‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫مدبرا فقال رسول هللا ‪‬‬
‫لرسول هللا‪ :‬أعطين فأعطاه‪ ،‬مث قال‪ :‬زدين فزاده ثالث مرات‪ ،‬مث وىل ً‬
‫مدبرا وقد جعل‬
‫‪« :‬أيتين الرجل فيسألين فأعطيه مث يسألين فأعطيه ثالث مرات مث وىل ً‬
‫انرا إذا انقلب إىل أهله»‪ ،‬رواه ابن حبان يف صحيحه‪.‬‬
‫يف ثوبه ً‬
‫وعن جابر بن عبد هللا رضي هللا عنهما قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬إن الرجل أيتيين‬
‫فيسألين فأعطيه فينطلق‪ ،‬وما حيمل يف حضنه إال النار»‪ .‬رواه ابن حبان يف صحيحه‪.‬‬
‫وعن عائشة رضي هللا عنها عن النيب ‪« :‬إن هذا املال خضرة حلوة‪ ،‬فمن أعطيناه‬
‫منها شيئا بطيب نفس منا وحسن طعمة منه من غري شره نفس بورك له فيه‪ ،‬ومن‬
‫أعطيناه منها شيئا بغري طيب نفس منا وحسن طعمة منه وشره نفس كان غري مبارك له‬
‫فيه»‪ .‬رواه ابن حبان يف صحيحه‪ ،‬وروى أمحد والبزار منه الشطر األخري بنحوه إبسناد‬
‫حسن‪.‬‬
‫وعن معاوية بن أيب سفيان ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬ال تلحفوا يف املسألة فوهللا‬
‫ال يسألين أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مين شيئا وأان له كاره فيبارك له فيما‬
‫أعطيته»‪ ،‬رواه مسلم والنسائي واحلاكم‪ ،‬وقال‪ :‬صحيح على شرطهما‪.‬‬
‫ويف رواية ملسلم قال‪ :‬ومسعت رسول هللا ‪ ‬يقول‪« :‬إَّنا أان خازن‪ ،‬فمن أعطيته عن‬
‫طيب نفس فمبارك له فيه‪ ،‬ومن أعطيته عن مسألة وشره نفس كان كالذي أيكل وال‬
‫يشبع»‪.‬‬
‫وعن ابن عمر رضي هللا عنهما قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬ال تلحفوا يف املسألة‪ ،‬فإنه‬
‫من يستخرج منها شيئا هبا مل يبارك له فيه» رواه أبو يعلى ورواته حمتج هبم يف الصحيح‪.‬‬
‫‪41‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫ابب (‪)21‬‬
‫صدقة الفطر‬
‫زكاة الفطر صدقة واجبة ابلفطر من رمضان‪ ،‬ملا روى ابن عمر أن رسول هللا ‪ ‬فرض‬
‫صاعا من شعري على‬
‫صاعا من إقط أو ً‬
‫صاعا من متر أو ً‬
‫زكاة الفطر من رمضان على الناس ً‬
‫كل حر وعبد‪ ،‬ذكر وأنثى من املسلمني‪ ،‬متفق عليه‪ ،‬وللبخاري‪« :‬والصغري والكبري من‬
‫املسلمني»‪.‬‬
‫وعنه أن رسول هللا ‪ ‬أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إىل الصالة‪.‬‬
‫صاعا من شعري‬
‫صاعا من طعام أو ً‬
‫وعن أيب سعيد اخلدري قال‪ :‬كنا خنرج زكاة الفطر ً‬
‫صاعا من زبيب‪ ،‬متفق عليهما‪.‬‬
‫صاعا من إقط أو ً‬
‫صاعا من متر أو ً‬
‫أو ً‬
‫قال سعيد بن املسيب وعمر بن عبد العزيز يف قوله تعاىل‪﴿ :‬قَ ْد أَفْ لَ َح َم ْن تَ َزَّكى﴾‬
‫[األعلى‪ ،]14 :‬هو زكاة الفطر‪ ،‬وأضيفت هذه الزكاة إىل الفطر ألهنا جتب ابلفطر من‬
‫رمضان‪ ،‬وهذه يراد هبا الصدقة عن البدن والنفس‪ ،‬كما كانت األوىل صدقة عن املال‪.‬‬
‫ات لِ ْل ُف َق َر ِاء﴾ [التوبة‪ ]60 :‬اآلية‪ ،‬وال مينع‬
‫ومصرفها كزكاة املال لعموم‪﴿ :‬إِ ََّّنَا َّ‬
‫الص َدقَ ُ‬
‫وجوهبا دين إال مع طلب‪ ،‬وهي واجبة على كل حر وعبد ذكر وأنثى من املسلمني فضل له‬
‫عن قوته ومن تلزمه مؤنته يوم العيد وليلته صاع‪ ،‬ألن النفقة أهم فيجب البداءة هبا لقوله ‪:‬‬
‫«ابدأ بنفسك» رواه مسلم‪ ،‬ويف رواية‪« :‬وابدأ ِن تعول» رواه الرتمذي‪.‬‬
‫ويعترب كون ذلك الصاع فاضالً عما حيتاجه لنفسه وملن تلزمه مؤنته من مسكن وخادم‬
‫ودابة وثياب بذلة وحنوه وكتب حيتاجها لنظر وحفظ‪ ،‬ألن هذه حوائج أصلية حيتاج إليها‬
‫كالنفقة‪ ،‬وتلزمه عن فسه وعن من ميونه من املسلمني كزوجة عبد وولد‪.‬‬
‫لعموم حديث ابن عمر‪ :‬أمر رسول هللا ‪ ‬بصدقة الفطر عن الصغري والكبري واحلر‬
‫والعبد ممن متونون‪ .‬رواه الدارقطين‪.‬‬
‫فإن مل جيد جلميعهم بدأ بنفسه فزوجته فرقيقه فأمه فأبيه فولده فأقرب يف مرياث ويقرع‬
‫مع االستواء‪.‬‬
‫أما دليل البداءة ابلنفس فلحديث‪ :‬ابدأ بنفسك مث مبن تعول‪.‬‬
‫وأما الزوجة فلوجوب نفقتها مع اإليسار واإلعسار‪ ،‬ألهنا على سبيل املعاوضة‪.‬‬
‫وأما الرقيق فلوجوب نفقته مع اإلعسار خبالف األقارب‪ ،‬ألهنا صلة جتب مع اإليسار‬
‫‪42‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫دون اإلعسار‪.‬‬
‫وأما األم فلقوله ‪ ‬لألعرايب حني قال له‪ :‬من أبر ؟ قال‪« :‬أمك»‪ .‬قال‪ :‬مث من ؟‬
‫قال‪« :‬أمك»‪ ،‬قال‪ :‬مث من ؟ قال‪« :‬أمك»‪ .‬قال‪ :‬مث من ؟ قال‪« :‬أابك»‪ ،‬وألهنا ضعيفة عن‬
‫الكسب‪.‬‬
‫وأما األب فلما سبق‪ ،‬وحديث «أنت ومالك ِلبيك»‪ ،‬وأما الولد فلقربه ووجوب‬
‫نفقته يف اجلملة‪.‬‬
‫وأما األقرب يف املرياث فألنه أوىل من غريه كاملرياث‪ ،‬وتسن عن اجلنني لفعل عثمان ‪،‬‬
‫وعن أيب قالبة قال‪ :‬كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغري والكبري‪ ،‬حىت عن احلمل‬
‫يف بطن أمه‪ .‬قال ابن املنذر كل من حنفظ عنه ال يوجبها عن اجلنني‪.‬‬
‫وجتب على اليتيم وخيرج عنه وليه من ماله‪ ،‬وال يلزم الزوج فطرة زوجة انشز وقت‬
‫الوجوب‪.‬‬
‫وال يلزم الزوج فطرة من ال تلزمه نفقتها كغري املدخول هبا إذا مل تسلم إليه والصغرية اليت‬
‫ال ميكن االستمتاع هبا‪.‬‬
‫ومن لزم غريه فطرته كالزوجة فأخرجه عن نفسه بغري إذن من وجبت عليه أجزأ‪.‬‬
‫وجتب زكاة الفطر بغروب مشس ليلة الفطر لقول ابن عباس‪ :‬فرض رسول هللا ‪ ‬صدقة‬
‫الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث‪ ،‬وطعمة للمساكني‪ ،‬رواه أبو داود واحلاكم‪ ،‬وقال‪ :‬على‬
‫شرط البخاري‪ ،‬فأضاف الصدقة إىل الفطر فكانت واجبة به‪ ،‬ألن اإلضافة تقتضي‬
‫االختصاص‪ ،‬وأول فطر يقع من مجيع رمضان مبغيب الشمس من ليلة الفطر‪.‬‬
‫معسرا‬
‫فمن أسلم بعد الغروب أو تزوج بعده أو ولد له بعده أو ملك ً‬
‫عبدا بعده وكان ً‬
‫مث أيسر بعد الغروب فال فطرة‪.‬‬
‫عبدا أو أيسر قبل الغروب‬
‫وإن وجد ذلك أبن أسلم أو تزوج أو ولد له ولد أو ملك ً‬
‫وجبت الفطرة لوجود السبب‪ ،‬فاالعتبار حبال الوجوب‪.‬‬
‫وإن مات قبل الغروب هو أو زوجته أو رقيقه أو قريبه أو حنوه أو أعسر أو أابن الزوجة‬
‫أو أعتق العبد أو ابعه أو وهبه مل جتب الفطرة ملا تقدم وال تسقط الفطرة بعد وجوهبا مبوت‬
‫وال غريه‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله وسلم‪.‬‬
‫‪43‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)22‬‬
‫يف صدقة الفطر‬
‫فوعا‬
‫واألفضل إخراجها يوم العيد قبل الصالة ملا يف املتفق عليه من حديث ابن عمر مر ً‬
‫ويف آخره وأمر هبا أن تؤدى قبل خروج الناس إىل الصالة‪ ،‬ويف حديث ابن عباس من أداها‬
‫قبل الصالة فهي زكاة مقبولة‪ ،‬ومن أداها بعد الصالة فهي صدقة من الصدقات‪.‬‬
‫وقال سعيد بن املسيب وعمر بن عبد العزيز يف قوله تعاىل‪﴿ :‬قَ ْد أَفْ لَ َح َم ْن تَ َزَّكى *‬
‫ِ‬
‫صلَّى﴾ [األعلى‪ ]15 ،14 :‬هو زكاة الفطر‪.‬‬
‫َوذَ َك َر ْ‬
‫اس َم َربِه فَ َ‬
‫خروجا من اخلالف‪ ،‬ولقوله ‪« :‬أغنوهم عن الطلب يف هذا اليوم»‪.‬‬
‫وتكره بعدها ً‬
‫رواه سعيد بن منصور‪ ،‬فإذا أخرها بعد الصالة مل حيصل اإلغناء هلم يف اليوم كله‪.‬‬
‫وحيرم أتخريها عن يوم العيد مع القدرة‪ ،‬ألنه أتخري للحق الواجب عن وقته‪ ،‬وكان عليه‬
‫الصالة والسالم يقسمها بني مستحقيها بعد الصالة‪ ،‬فدل على أن األمر بتقدميها على‬
‫الصالة لالستحباب ويقضيها من أخرها‪ ،‬ألنه حق مايل وجب‪ ،‬فال يسقط بفوات وقته‬
‫كالدين‪.‬‬
‫وجتزئ قبل العيد بيومني لقول ابن عمر‪ :‬كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومني‪ ،‬رواه‬
‫إمجاعا‪ ،‬وألن ذلك ال خيل ابملقصود‪ ،‬إذ الظاهر‬
‫البخاري وهذا إشارة على مجيعهم‪ ،‬فيكون ً‬
‫بقاؤها أو بعضها إىل يوم العيد‪.‬‬
‫ومن وجب عليه فطرة غريه أخرجها مع فطرته مكان نفسه‪ ،‬ألهنا طهرة له خبالف زكاة‬
‫فهي خترج يف البلد الذي فيه املال وتقدم‪.‬‬
‫وفطرة من بعضه حر وبعضه رقيق‪ ،‬وفطرة قن مشرتك وفطرة من له أكثر من وارث أو‬
‫ملحق أبكثر من واحد تقسط‪.‬‬
‫ومن عجز منهم مل يلزم اآلخر سوى قسطه‪.‬‬
‫والواجب عن كل شخص صاع بر أو مثل مكيله من متر أو زبيب أو إقط‪ ،‬حلديث أيب‬
‫صاعا من شعري‪ ،‬أو‬
‫صاعا من طعام‪ ،‬أو ً‬
‫سعيد‪ :‬كنا خنرج الفطر‪ ،‬إذ كان فينا رسول هللا ‪ً ،‬‬
‫صاعا من إقط‪ ،‬متفق عليه‪.‬‬
‫صاعا من زبيب‪ ،‬أو ً‬
‫صاعا من متر‪ ،‬أو ً‬
‫ً‬
‫وجيزئ دقيق الرب والشعري إذا كان وزن احلب‪ ،‬نص عليه‪ ،‬واحتج على إجزائه بزايدة‬
‫أحدا ال‬
‫صاعا من دقيق‪ ،‬قيل البن عيينة‪ :‬إن ً‬
‫تفرد هبا ابن عيينة من حديث أيب سعيد‪ ،‬أو ً‬
‫‪44‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫يذكره فيه‪ ،‬قال‪ :‬بل هو فيه‪ ،‬رواه الدارقطين‪.‬‬
‫قال اجملد‪ :‬بل هو أوىل ابإلجزاء‪ ،‬ألنه كفي مؤنته كتمر منزوع نواه‪ ،‬وخيرج مع عدم‬
‫ذلك ما يقوم مقامه من حب يقتات به كذرة‪ ،‬ودخن‪ ،‬وابقالء‪ ،‬ألنه أشبه املنصوص عليه‬
‫فكان أوىل‪.‬‬
‫وجيوز أن يعطي اجلماعة فطرهم لواحد‪ ،‬نص عليه‪ ،‬وبه قال مالك وأصحاب الرأي‬
‫وابن املنذر‪.‬‬
‫وأن يعطي الواحد فطرته جلماعة‪ ،‬قال يف الشرح‪ :‬ال نعلم فيه خالفًا‪.‬‬
‫وال جيزئ إخراج القيمة يف الزكاة مطل ًقا‪ ،‬سواء كانت يف املواشي أو املعشرات ملخالفته‬
‫النصوص‪.‬‬
‫وحيرم على الشخص شراء زكاته وصدقته‪ ،‬ولو اشرتاها من غري من أخذها‪ ،‬حلديث‬
‫عمر‪ :‬ال تشرته وال تعد يف صدقتك وإن أعطاكه بدرهم‪ ،‬فإن العائد يف صدقته كالعائد يف‬
‫قيئه‪ ،‬متفق عليه‪.‬‬
‫وجيزئ إخراج صاع جمموع من متر وزبيب وبر وشعري وإقط‪ ،‬كما لو كان خالصا من‬
‫أحدها‪.‬‬
‫وال جيزئ إخراج خبز خلروجه عن الكيل واالدخار‪ ،‬وال جيزئ إخراج معيب كمسوس‬
‫ومبلول وقدمي تغري طعمه وال خمتلط أبكثر مما ال جيزئ‪.‬‬
‫احدا‬
‫عاما و ً‬
‫واألفضل متر لفعل ابن عمر‪ ،‬قال انفع‪ :‬كان ابن عمر يعطي التمر إال ً‬
‫أعوز التمر‪ ،‬فأعطى الشعري‪ ،‬رواه أمحد والبخاري‪.‬‬
‫وقال أبو جملز‪ :‬إن هللا قد أوسع والرب أفضل‪ ،‬فقال‪ :‬إن أصحايب سلكوا طري ًقا فأان‬
‫أحب أن أسلكه‪ ،‬رواه أمحد واحتج به‪ ،‬وظاهره إن مجاعة الصحابة كانوا خيرجون التمر وألنه‬
‫قوت‪ ،‬وأقرب تناوال‪ ،‬وأقل كلفة‪.‬‬
‫قوات وحالوة وقلة كلفة‪ ،‬مث الرب ألن القياس تقدميه‬
‫ويليه يف األفضلية الزبيب‪ ،‬ألن فيه ً‬
‫على الكل‪ ،‬لكن ترك اقتداء ابلصحابة يف التمر وما شاركه يف املعىن وهو الزبيب‪ ،‬مث األنفع‬
‫يف االقتيات ودفع حاجة الفقري‪ ،‬مث شعري مث دقيق بر مث دقيق شعري‪ ،‬مث سويقهما مث إقط‪.‬‬
‫واألفضل أن ال ينقص معطى من فطرة عن مد بر أو نصف صاع من غريه ليغنيه عن‬
‫السؤال يف ذلك اليوم‪ ،‬ولفقري إخراج فطرة وزكاة عن نفسه إىل من أخذات منه‪ ،‬ألنه رد بسبب‬
‫‪45‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫متجدد أشبه ما لو عادت إليه مبرياث ما مل يكن حيلة‪ ،‬كأن يشرتط عليه عند اإلعطاء أن‬
‫يردها إليه عن نفسه‪.‬‬
‫ولإلمام وانئبه رد زكاة وفطرة إىل من أخذات منه إذا مل يكن له قدر كفايته‪.‬‬
‫هذا آخر ما تيسر مجعه مما يتعلق ابلزكاة وخنتمه مبا نقدر على مجعه ونستحضره من‬
‫الفوائد املرتتبة على بذل الصدقات واملضار املرتتبة على منع الزكاة‪ ،‬وهللا أعلم وصلى هللا على‬
‫حممد وآله وسلم‪.‬‬
‫‪46‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فصل (‪)23‬‬
‫فيما يتعلق ابلزكاة من الفوائد‬
‫وما يتعلق ِنعها من املضار‬
‫‪ -1‬امتثال أمر هللا ورسوله‪.‬‬
‫‪ -2‬تقدمي ما حيبه هللا على حمبة املال‪.‬‬
‫‪ -3‬أن الصدقة برهان على إميان صاحبها‪ ،‬كما يف احلديث «والصدقة برهان»‪.‬‬
‫‪ -4‬شكر نعمة املتفضل على املخرج هبذا املال‪.‬‬
‫‪ -5‬السالمة من وابل املال يف اآلخرة‪.‬‬
‫‪ -6‬تنمية األخالق احلسنة واألعمال الصاحلة‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫ص َدقَ ًة‬
‫‪ -7‬التطهري من دنس الذنوب واألخالق الرذيلة‪ .‬قال تعاىل‪ُ ﴿ :‬خ ْذ م ْن أ َْم َواهل ْم َ‬
‫تُطَ ِه ُرُه ْم َوتُ َزكِي ِه ْم ِهبَا﴾ [التوبة‪.]103 :‬‬
‫‪ -8‬إضعاف مادة احلسد واحلقد والبغض أو قطعها كليا‪.‬‬
‫‪ -9‬حتصني املال وحفظه حلديث‪« :‬حصنوا أموالكم ابلزكاة»‪.‬‬
‫‪ -10‬أن الصدقة دواء من األمراض حلديث‪« :‬داووا مرضاكم ابلصدقة»‪.‬‬
‫‪ -11‬االتصاف أبوصاف الكرماء‪.‬‬
‫‪ -12‬التمرن على البذل والعطاء‪.‬‬
‫‪ -13‬أهنا سبب لدفع البالء واألسقام‪ ،‬حلديث‪« :‬ابكروا ابلصدقة فإن البالء ال‬
‫يتخطاها»‪.‬‬
‫‪ -14‬أهنا سبب جللب املودة‪ ،‬ألهنا إحسان‪ ،‬والنفوس جمبولة على حمبة من أحسن‬
‫إليها‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫ص َدقَةً تُطَ ِه ُرُه ْم‬
‫‪ -15‬أهنا سبب للدعاء من املمتثلني لقوله تعاىل‪ُ ﴿ :‬خ ْذ م ْن أ َْم َواهل ْم َ‬
‫ِ ِ‬
‫ص ِل َعلَْي ِه ْم﴾ [التوبة‪ ،]103 :‬وكان ‪ ‬إذا أاته قوم بصدقتهم قال‪« :‬اللهم‬
‫َوتُ َزكي ِه ْم هبَا َو َ‬
‫صل على آل فالن»‪.‬‬
‫‪ -16‬أن منعها سبب ملنع القطر حلديث‪« :‬وال منعوا الزكاة إال حبس عنهم‬
‫القطر»‪.‬‬
‫‪ -17‬االبتعاد عن الشح والبخل والفوز ابلفالح قال تعاىل‪َ ﴿ :‬وَم ْن يُو َق ُش َّح نَ ْف ِس ِه‬
‫‪47‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫فَأُولَئِ َك ُه ُم ال ُْم ْف ِل ُحو َن﴾ [احلشر‪.]9 :‬‬
‫‪ -18‬أهنا تدفع ميتة السوء كما يف احلديث أن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع‬
‫ميتة السوء‪.‬‬
‫‪ -19‬أن املتصدق يكون يف ظل هللا يوم القيامة كما يف حديث‪« :‬سبعة يظلهم هللا‬
‫يف ظله‪ »...‬إخل‪ .‬ويف احلديث اآلخر‪« :‬وإَّنا يستظل املؤمن يوم القيامة يف ظل صدقته»‪.‬‬
‫‪ -20‬الفوز ابلثناء من هللا‪ ،‬ألن هللا مدح املنفقني واملتصدقني‪.‬‬
‫‪ -23-22 -21‬الفوز ابألجر من هللا‪ ،‬واألمن من اخلوف واحلزن‪ ،‬كما يف اآلية‪:‬‬
‫﴿الَّ ِذين ي ْن ِف ُقو َن أَموا َهلم ِابللَّي ِل والن ِ‬
‫َج ُرُه ْم ِع ْن َد َرهبِِ ْم﴾ [البقرة‪.]274 :‬‬
‫َّها ِر س ًّرا َو َع َالنِيَةً فَ لَ ُه ْم أ ْ‬
‫ْ َ ُْ ْ َ َ‬
‫َُ‬
‫‪ -24‬أن أداء الزكاة سبب لنزول القطر‪ ،‬كما أن منعها سبب حلبسه‪.‬‬
‫‪-25‬أهنا سبب حملبة هللا‪ ،‬ألن الصدقة إحسان إىل املتصدق عليه‪ ،‬وهللا حيب احملسنني‪.‬‬
‫‪ -26‬السالمة من كفر نعمة هللا‪.‬‬
‫‪ -27‬اخلروج من حقوق هللا وحقوق الضعفاء‪.‬‬
‫‪ -30-29-28‬أهنا سبب للرزق والنصر واجلرب‪ ،‬كما يف احلديث‪« :‬وكثرة الصدقة‬
‫يف السر والعالنية ترزقوا وتنصروا وَتربوا»‪.‬‬
‫‪ -31‬أهنا تطفئ عن أهلها حر القبور‪ ،‬كما يف احلديث‪« :‬أن الصدقة لتطفئ عن‬
‫أهلها حر القبور»‪.‬‬
‫‪ -32‬أهنا تزيد يف العمر كما يف احلديث‪« :‬أن صدقة املسلم تزيد يف العمر»‪.‬‬
‫‪ -33‬السالمة من اللعن الوارد يف مانع الزكاة‪.‬‬
‫‪ -34‬الفوز ابلقرب من رمحة هللا‪ .‬قال تعاىل‪﴿ :‬إِ َّن ر ْمح َة َِّ‬
‫يب ِم َن ال ُْم ْح ِسنِ َي﴾‬
‫ََ‬
‫اَّلل قَ ِر ٌ‬
‫َِّ ِ‬
‫ين يَتَّ ُقو َن َويُ ْؤتُو َن َّ‬
‫الزَكاةَ ‪﴾ ...‬‬
‫سأَ ْكتُ بُ َها للذ َ‬
‫[األعراف‪ ،]56 :‬وقال عن رمحته تعاىل‪﴿ :‬فَ َ‬
‫[األعراف‪ ]156 :‬اآلية‪.‬‬
‫‪ -35‬الوعد ابخللف للمنفق حلديث‪« :‬اللهم أعط منف ًقا خل ًفا»‪.‬‬
‫‪ -36‬أن يف إخراج الزكاة حل لألزمات االقتصادية وسوء احلالة االجتماعية فلو أن‬
‫أهل األموال الزكوية تنسخوا منها ووضعوها يف مواضعها لقامت املصاحل الدينية والدنيوية‪،‬‬
‫وزالت الضرورات واندفعت شرور الفقراء‪ ،‬وكان ذلك أعظم حاجز وسد مينع عبث‬
‫املفسدين‪ ،‬ويف احلديث‪« :‬واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم‪ ،‬محلهم على أن سفكوا‬
‫‪48‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫دماءهم‪ ،‬واستحلوا حمارمهم»‪.‬‬
‫‪ -37‬أن هللا يعني املتصدق على الطاعة‪ ،‬ويهيئ له طرق السداد والرشاد‪ ،‬ويذلل له‬
‫ص َّد َق ِاب ْحلُ ْس َىن * فَ َسنُ يَ ِس ُرهُ لِلْيُ ْس َرى ‪...‬‬
‫سبيل السعادة‪ ،‬قال تعاىل‪﴿ :‬فَأ ََّما َم ْن أَ ْعطَى َواتَّ َقى * َو َ‬
‫﴾ [الليل‪ ]7 -5 :‬إخل‪.‬‬
‫‪ -39 -38‬أن الصدقة يذهب هللا هبا الكرب والفخر‪ ،‬كما يف احلديث‪.‬‬
‫‪ -40‬أن الزكاة إذا خالطت املال تفسده‪ ،‬كما ورد بذلك احلديث املتقدم‪.‬‬
‫‪ -41‬أن منع الزكاة سبب لالبتالء ابلسنني كما يف احلديث‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪:‬‬
‫«ما منع قوم الزكاة إال ابتالهم هللا ابلسني»‪ ،‬رواه الطرباين يف األوسط ورواته ثقات‪.‬‬
‫‪ -42‬أن من مل يؤد حق هللا يف ماله أنه أحد الثالثة الذين هم أول من يدخل النار‪،‬‬
‫حلديث أيب هريرة قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬عرض علي أول ثالثة يدخلون اجلنة‪ ،‬وأول ثالثة‬
‫يدخلون النار‪ ،‬فأما أول ثالثة يدخلون اجلنة‪ :‬فالشهيد‪ ،‬وعبد ِملوك أحسن عبادة ربه‬
‫ونصح لسيده‪ ،‬وعفيف متعفف ذو عيال‪ ،‬وأما أول ثالثة يدخلون النار‪ :‬فأمري مسلط‪،‬‬
‫وذو ثروة من مال ال يؤدي حق هللا يف ماله‪ ،‬وفقري فخور» رواه ابن خزمية يف صحيحه‪،‬‬
‫‪ -44-43‬أن الصدقة تزيد يف العمر ومتنع ميتة السوء‪ ،‬حلديث‪« :‬إن صدقة املسلم‬
‫تزيد يف العمر ومتنع ميتة السوء»‪.‬‬
‫‪ -45‬السالمة من التطويق ابلشجاع األقرع كما يف احلديث «ما من أحد ال يؤدي‬
‫شجاعا أقرع يطوق به عنقه»‪.‬‬
‫زكاة ماله إال مثل له يوم القيامة‬
‫ً‬
‫‪ -46‬السالمة من صفة املنافقني ملا يف احلديث‪« :‬ظهرت هلم الصالة فقبلوها‪،‬‬
‫وخفيت هلم الزكاة فأكلوها‪ ،‬أولئك هم املنافقون»‪ .‬رواه البزار‪.‬‬
‫‪ -48-47‬أن البالء ال يتخطى الصدقة‪ ،‬وأهنا تسد سبعني اباب من السوء‪ ،‬ملا ورد‬
‫اباب من السوء» رواه‬
‫عن رافع بن خديج قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬الصدقة تسد سبعي ً‬
‫الطرباين يف الكبري‪ ،‬وعن أنس بن مالك قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬ابكروا ابلصدقة‪ ،‬فإن البالء‬
‫مرفوعا وموقوفًا على أنس‪.‬‬
‫ال يتخطاها»‪ ،‬رواه البيهقي ً‬
‫‪ -49‬أن الصدقة حجاب من النار ملن احتسبها ملا ورد عن ميمونة بنت سعد أهنا‬
‫قالت‪ :‬اي رسول هللا أفتنا عن الصدقة‪ ،‬فقال‪« :‬إهنا حجاب من النار ملن احتسبها‪ ،‬يبتغي‬
‫هبا وجه هللا عز وجل»‪ .‬رواه الطرباين‪.‬‬
‫‪49‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫‪ -50‬أن هللا يسخر للمتصدق ما يكون سببا لنمو ماله كربكة يف ماء هنر وسقي‬
‫أرض‪ ،‬كما ورد عن أيب هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول هللا ‪« :‬بينما رجل يف فالة من اِلرض‪،‬‬
‫صوَت يف سحابة‪ ،‬اسق حديقة فالن‪ ،‬فتنحى ذلك السحاب‪ ،‬فأفرغ ماءه يف حرة‪،‬‬
‫فسمع ً‬
‫فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك املاء كله‪ ،‬فتتبع املاء فإذا رجل قائم يف‬
‫حديقة حيول املاء ِسحاته‪ ،‬فقال له‪َ :‬ي عبد هللا‪ ،‬ما امسك؟ قال‪ :‬فالن‪ ،‬لالسم الذي‬
‫مسع يف السحابة‪ ،‬فقال له‪َ :‬ي عبد هللا‪ ،‬مل سألتين عن امسي قال‪ :‬مسعت يف السحاب‬
‫الذي هذا ماؤه‪ ،‬يقول‪ :‬اسق حديقة فالن المسك! فما تصنع فيها؟ قال‪ :‬أما إذ قلت‬
‫هذا فإين أنظر إىل ما خيرج منها فأتصدق بثلثه‪ ،‬وآكل أان وعيايل ثلثه‪ ،‬وأرد فيها ثلثه»‪.‬‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫‪-51‬أن الصدقة ال تنقص املال خالفاً ملا يظنه بعض اجلهال‪ ،‬حلديث أيب هريرة ‪ ‬أن‬
‫رسول هللا ‪ ‬قال‪« :‬ما نقصت صدقة من مال» احلديث رواه مسلم‪.‬‬
‫‪ -52‬أن املصدقني يضاعف هلم ثواب أعماهلم‪ ،‬احلسنة بعشر أمثاهلا إىل سبعمائة‬
‫ضعف إىل حيث شاء هللا عز وجل‪ .‬قال تعاىل‪﴿ :‬إِ َّن الْم َّ ِ ِ‬
‫ص ِدقَ ِ‬
‫ضوا َّ‬
‫ي َوال ُْم َّ‬
‫ات َوأَق َْر ُ‬
‫صدق َ‬
‫اَّللَ‬
‫ُ‬
‫َج ٌر َك ِريٌ﴾ [احلديد‪.]18 :‬‬
‫اع ُ‬
‫سنًا يُ َ‬
‫قَ ْر ً‬
‫ضَ‬
‫ف َهلُ ْم َوَهلُ ْم أ ْ‬
‫ضا َح َ‬
‫‪ -53‬أن الصدقة تطفئ غضب الرب عز وجل‪ ،‬كما يف احلديث‪« :‬إن الصدقة‬
‫لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء» رواه الرتمذي‪.‬‬
‫‪ -54‬أن منع الصدقات سبب لزوال النعم وخيرب الداير‪ ،‬وأتمل قصة أصحاب اجلنة‬
‫يف سورة «ن» والقلم‪ ،‬وما يسطرون وقصة ثعلبة يف سورة التوبة آية ‪.75‬‬
‫انتهى هذا اجملموع يف ضحوة األربعاء املوافق ‪ 1383/3/24‬من هجرة سيدان حممد‬
‫‪ ‬واحلمد هلل الذي هداان هلذا‪ ،‬وما كنا لنهتدي لوال أن هداان هللا‪.‬‬
‫خالصا لوجهك الكرمي‪ ،‬وانفع به من قرأه‪ ،‬ومسعه‪ ،‬إنك على كل شيء‬
‫اللهم اجعله‬
‫ً‬
‫قدير‪ ،‬وصلى هللا على حممد وآله وصحبه أمجعني‪.‬‬
‫عبد العزيز احملمد السلمان‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫‪50‬‬
‫فهرس الكتاب‬
‫املوضوع‬
‫خطبة الكتاب‬
‫ابب الزكاة وشروطها ووجوهبا‬
‫أدلة وجوب الزكاة من الكتاب والسنة‬
‫هتاوان‬
‫حكم إنكار وجوب الزكاة ومنعها خبالً أو ً‬
‫األحاديث واآلايت الواردة يف منعها‬
‫ما جتب فيه الزكاة من األموال وشروط وجوهبا فيه‬
‫اخلالف يف زكاة احللي وذكر أدلة الرتجيح‬
‫ما جتب فيه زكاة عروض التجارة‬
‫زكاة املعدن وما جيب يف الركاز وتعريفه ومصرفه‬
‫مقدار النصاب من الذهب والفضة وما انب عنهما‬
‫واحلبوب والثمار واإلبل والبقر والغنم‬
‫حكم إخراج األدون واخليار‬
‫بيان أهل الزكاة وتعريفهم و األدلة على ذلك‬
‫مقدار ما يعطي كل واحد من أهل الزكاة‬
‫دافع الزكاة إىل السلطان يربأ بذلك‬
‫فيمن ال جيزئ دفع الزكاة إليه اخلالف والرتجيح دفع الزكاة إىل الوالدين أو أحد الزوجني‬
‫واخلالف والرتجيح وحكم دفع الزكاة لبين هاشم‬
‫إذا دفع الزكاة لغري مستحقها جبهل مث علم‬
‫استحباب وضع الصدقة يف القرابة الفقراء‬
‫جيب إخراج الزكاة فورا إن مل يكن عذر شرعي‬
‫ما يقوله دافع الزكاة وما يقوله املعطي‬
‫الصفحة‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪11‬‬
‫‪12‬‬
‫‪13‬‬
‫‪15‬‬
‫‪17‬‬
‫‪17‬‬
‫‪18‬‬
‫‪19‬‬
‫‪20‬‬
‫‪21‬‬
‫‪22‬‬
‫‪22‬‬
‫‪23‬‬
‫‪25‬‬
‫‪25‬‬
‫‪51‬‬
‫ِ‬
‫َح َكام َّ‬
‫الزَكاة‬
‫ص ُ‬
‫ات جلُ ِل أ ْ‬
‫التَّلخ َ‬
‫حكم تعجيل الزكاة وحكم نقلها من بلد إىل آخر‬
‫اخلالف يف نقلها وبيان القول الراجح يف ذلك‬
‫‪27‬‬
‫‪27‬ـ‬
‫‪28‬‬
‫بعض آداب الزكاة واالبتعاد عن الرايء‬
‫يف آداب القابض للزكاة‬
‫يف احلث على الصدق بني اخلوف والرجاء‬
‫أيضا‬
‫يف احلث على الصدقة ً‬
‫الرتهيب من املسألة مع الغىن‬
‫الرتهيب من املسألة مطل ًقا‬
‫الصنعة مهما كانت وال املسألة‬
‫النهي عن اإلحلاح يف املسألة‬
‫صدقة الفطر وبيان من جتب عليه‬
‫مصرفها وبيان من يبدأ به على الرتتيب‬
‫األدلة على ذلك وما يعترب فيها وإذا مل جيد جلميعهم حكمها على اجلنني واليتيم وأمثلة على‬
‫الوجوب وعدمه‬
‫استحبااب‬
‫وجواب و‬
‫ً‬
‫صدقة الفطر ووقت أدائها ً‬
‫وكراهة ومقدار صدقة الفطر من الرب وغريه‬
‫إعطاء اجلماعة ما يلزم الواحد وعكسه وردها إىل من أخذت منه وحكم إخراج القيمة‬
‫حكم شراء الشخص زكاته وحكم إخراج صاع جمموع مما جيزئ وإخراج معيب واألفضل من‬
‫األصناف‬
‫ما يتعلق ابلزكاة من الفوائد وما يتعلق مبنعها من املضار‬
‫فهرس الكتاب‬
‫‪29‬‬
‫‪31‬‬
‫‪32‬‬
‫‪34‬‬
‫‪37‬‬
‫‪39‬‬
‫‪39‬‬
‫‪39‬‬
‫‪41‬‬
‫‪41‬‬
‫‪41‬‬
‫‪42‬‬
‫‪42‬‬
‫‪43‬‬
‫‪44‬‬
‫‪44‬‬
‫‪46‬‬
‫‪50‬‬