تحميل الملف المرفق

‫دور الزكاة يف حماربة الفقر ومتويل التنمية يف البلدان اإلسالمية‬
‫أ‪.‬بن مساعني حياة‪ ،‬أ‪ .‬بن عبيد فريد‪ ،‬جامعة حممد خيضر‪ ،‬بسكرة‬
‫أ‪ .‬السبيت وسيلة‪ ،‬جامعة احلاج خلضر‪ ،‬ابتنة‬
‫مدخل‪:‬‬
‫إن البحث يف جمال التنمية يرتبط ارتباطا وثيقا بدراسة املوارد التمويلية الالزمة‬
‫إلجناحها وذلك أن القيام بعملية تنموية انجحة تتطلب توفري املوارد املادية و البشرية الكافية‪.‬‬
‫ميكن لالقتصاد احلصول على املوارد املالية الالزمة للعملية اإلمنائية من موارد حملية أو‬
‫اللجوء إىل تكملة احتياطية من موارد خارجية حكومية كانت أم فردية‪ ،‬إال أن الدراسات‬
‫االقتصادية تؤكد على أن ما يكتنف اللجوء إىل هذه املوارد اخلارجية من خماطر قد هتدد‬
‫مسرية التنمية نفسها وتعرقل جناحها‪ ،‬أما توفري املوارد التمويلية حمليا‪ ،‬فقد يشوبه العديد من‬
‫العقبات خاصة يف حالة اجملتمعات شديدة الفقر إال أن إتباع سياسة مالية توفر تلك املوارد‪-‬‬
‫تدرجييا‪ -‬يكون هلا مزاايها املعنوية‪ ،‬فضال عن املادية منها‪ ،‬وهو ما حتققه فريضة الزكاة و‬
‫أموال الوقف حيث جند أنه إىل جانب اقتناع الفرد بضرورة حتقيق التنمية و اإلسهام الفعال‬
‫يف متويلها‪ ،‬يتحمل طواعية عبء املشاركة االجيابية يف إجناح العملية اإلمنائية ذلك أن العملية‬
‫اإلمنائية ليست إال هجوما إراداي ومنظما على أسباب التخلف يف اجملتمع‪.‬‬
‫ومن خالل هذه الورقة البحثية سوف نتناول ابلدراسة التنمية من منظور إسالمي يف‬
‫إطار تباين دور الزكاة كأداة متويل التنمية و جتارب الفقر من وجهة نظر إسالمية متبعني‬
‫اخلطوات التالية‪:‬‬
‫أوال‪ :‬مفهوم وأبعاد التنمية وحماربة الفقر يف االقتصاد اإلسالمي‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬الدور التنموي للزكاة يف االقتصاد اإلسالمي‪.‬‬
‫أوال‪ :‬مفهوم وأبعاد التنمية وحماربة الفقر يف االقتصاد اإلسالمي‪:‬‬
‫إن التنمية يف اإلسالم هي عمارة البالد لقوله سبحانه‪" :‬هو أنشأكم يف األرض‬
‫واستعمركم فيها "( ‪ )1‬حيث أن السني و التاء يف قوله تعاىل دليل على الوجوب( ‪.)2‬‬
‫ومن هنا كانت عمارة األرض فريضة دينية من حيث أهنا أمر من هللا واجب التنفيذ‪،‬‬
‫على املستخلفني أن يتخذوا التدابري الالزمة لتحقيقه و القيام به على الوجه األمثل‪ ،‬إال أن‬
‫اجلهد اإلمنائي يف اإلسالم ال يقتصر على إعمار األرض وما هبا من خملوقات سخرها هللا‬
‫خلدمة البشر وإمنا ميتد ليحقق أسس التوزيع العادل هلذا النمو املادي ذلك أن العدل‬
‫وإنصاف املظلوم وجتنب الظلم مع ما يف ذلك من األجر يزيد به اخلراج وتكثر به عمارة‬
‫البالد‪ ،‬والربكة مع العدل وهي تفقد مع اجلور‪ ،‬و اخلراج املأخوذة مع اجلور تنقص به البالد و‬
‫حتزب‬
‫(‪.)3‬‬
‫فالتنمية يف اإلسالم هي عمارة البالد من خالل حتقيق التقدم االقتصادي وتوفري‬
‫عدالة التوزيع‪ ،‬ويتمثل ذلك يف الوصول ابملستوايت اإلنتاجية و التوزيعية إىل حتقيق مستو‬
‫الكفاية لكل فرد يضمه اجملتمع اإلسالمي(‪.)4‬‬
‫إن اإل سالم يعاجل مشكلة التنمية من جانبها اإلنساين حيث يوجهها يف مسالكها‬
‫الصحيحة(‪.)5‬‬
‫ويستند املدخل اإلسالمي للتنمية على األسس الفلسفية التالية‪)6( :‬‬
‫‪ .1‬التوحيد (وحدانية هللا و حاكميته) وهذا حيكم قواعد العالقة بني هللا واإلنسان وبني‬
‫اإلنسان و اإلنسان‪.‬‬
‫‪ .2‬الربوبية ( الرتتيبات اإلهلية للغذاء و العيش و توجيه األشياء لكي تبلغ كماهلا) وهذا‬
‫هو القانون األساسي للكون الذي يلقي ضوءا على النموذج اإلهلي للتنمية النافعة‬
‫للموارد و االشرتاك يف دعمها و قسمتها‪.‬‬
‫‪ .3‬اخلالصة‪ :‬دور اإلنسان يوصفه خليفة هللا يف أرضه و هذا ما حيدد منزلة اإلنسان‬
‫ودوره بتعيني مسؤوليات اإلنسان‪ ،‬من حيث هو إنسان‪ ،‬و املسهم‪ ،‬واألمة اإلسالمية‬
‫على أهنا حمل هذه اخلالفة‪.‬‬
‫‪ .4‬التزكية ( التطهري والنماء)‪ ،‬فإن مهمة مجيع رسل هللا كانت اإلنسان يف عالقاته ابهلل‪،‬‬
‫ابإلنسان‪ ،‬ببيئته الطبيعية‪ ،‬ابجملتمع و ابلدولة‪.‬‬
‫إن املفهوم اإلسالمي للتنمية إمنا جيب أن يستقى من مفهوم اإلنسان يف التزكية‪،‬‬
‫ألهنا تتوجه ملشكلة التنمية اإلنسانية بكل أبعادها و ألهنا معنية ابلنماء و التوسع يف‬
‫اجتاه الكمال من خالل تطهري املواقف و العالقات‪ ،‬ونتيجة التزكية هي الفالح يف هذا‬
‫العامل و العامل اآلخر‪.‬‬
‫ويف ضوء هذه املبادئ األسا سية يظهر أن للتنمية أبعادا حتددها ومعامل متيزها كمشروع‬
‫للنهوض احلضاري البد من مراعاته عند اختاذ أي خطوات إصالحية يف اجملتمع ومنها‪)7( :‬‬
‫‪ .1‬التنمية عملية بناء حضاري‪ ،‬تصمن التواصل الثقايف و االجتماعي و االقتصادي‬
‫والسياسي‪ ،‬و التطور احلضاري لألمة مبعىن أن أي خطوات إصالحية حقيقية ينبغي أن‬
‫تتم يف إطار التنمية الشاملة الفعلية اليت تنطلق من الواقع املوضوعي احلضاري لألمة‬
‫وتركز على املقومات و التقاليد و القيم االجيابية املستمدة من ثقافتها‪.‬‬
‫‪ .2‬التنمية عملية ذات طبيعة شاملة فهي تتناول اجلوانب االقتصادية و االجتماعية والثقافية‬
‫و السياسية كما تتضمن املظاهر اخللقية و الروحية و املادية يف آن واحد‪ ،‬حيث أن‬
‫عملية التغيري متس مجيع تلك اجلوانب واملظاهر اليت تتسم ابلرتابط املتكامل والتأثري‬
‫املتبادل‪.‬‬
‫‪ .3‬التنمية عملية تغيري إداري منظم متواصل و مرتاكم‪ ،‬تتم يف إطار إسرتاتيجية واضحة املعامل‬
‫واملنطلقات حمددة األهداف و الوسائل تؤدي إىل االستخدام األمثل للموارد والتوزيع‬
‫العادل للدخول و الثروات‪.‬‬
‫‪ .4‬التنمية عملية تغيري تعتمد على اإلمكانيات الذاتية‪ :‬فالتنمية الذاتية تعين أن اجملتمع‬
‫يعتمد على نفسه‪ ،‬وقدرات أفراده للحد من التبعية والفقر وحتقيق االستقالل الشامل‬
‫واالكتفاء الذايت من خالل ترشيد طاقاته املادية و املعنوية و تثمني االستفادة منها‪،‬‬
‫ضمن مشروع حضاري يعيد االعتبار للنظم والتشريعات والقيم املرتبطة هبما‪.‬‬
‫التنمية عملية تنطلق من اإلنسان‪ ،‬فالتنمية الصحيحة تنطلق من اإلنسان حبفظ كرامته و‬
‫رعاية حقوقه وحريته و رفع قيمته و زايدة كفاءته‪ ،‬وتنمية قدراته من أجل رفع درجة مسامهته‬
‫االجيابية‪ ،‬ذلك أن التنمية تنطلق من اإلنسان مث تتجه لتغيري حميطه املادي وهتدف يف النهاية‬
‫إىل حتقيق سعادته‪.‬‬
‫إن موضوع التنمية يف املفهوم اإلسالمي هو اإلنسان بكل مقوماته مبا فيها عنصر‬
‫األموال‪ ،‬فاملستهدف هو ترقية هذه املقومات اإلنسانية و حتسينها و محايتها و اليت مجعها‬
‫علماء اإلسالم يف مخس مقاصد هي‪ :‬الدين و النفس و العقل و النسل واملال و الوسيلة‬
‫لتحقيق ذلك هي اإلنسان مبا لديه من مقومات‪ ،‬فاملنهج اإلسالمي للتنمية موضوع يبدأ‬
‫ابإلنسان‪ ،‬ويستمر ابإلنسان و وينتهي ابإلنسان‪ ،‬فهو ابإلنسان و لإلنسان (‪.)8‬‬
‫وعليه ميكن القول أن‪ » :‬التنمية هي تغيري هيكلي يف املناخ االقتصادي و االجتماعي‬
‫يتبع تطبيق شريعة اإلسالم و التمسك بعقيدته ويعبئ الطاقات البشرية للتوسع يف عمارة‬
‫األرض والكسب احلالل أبفضل الطرق املمكنة يف إطار التوازن بني األهداف املادية‬
‫واألهداف غري املادية (‪.)9‬‬
‫ثــانيا‪ :‬الدور التنموي للزكاة يف االقتصاد اإلسالمي‪:‬‬
‫‪ -1‬فريضة الزكاة‪:‬‬
‫إن الزكاة ركن من أركان اإلسالم اخلمسة فرضها هللا على املسلمني تزكية ألمواهلم‬
‫وأنفسهم يتقربون هبا إليه‪ ،‬ومتتاز أبهنا فريضة مالية و دينية معا‪ ،‬يثاب فاعلها ويعاقب اتركها‬
‫وهي حق معلوم يف أموال األغنياء وقدر الشرع مقدارها و جنسها وموعدها و وعاءها‪ .‬فهي‬
‫فريضة إهلية و طهارة للنفس و املال يف آن واحد‬
‫(‪.)10‬‬
‫‪ -2‬عالقة الزكاة ابلتنمية يف االقتصاد اإلسالمي‪:‬‬
‫متارس فريضة الزكاة دورها اهلام يف متويل التنمية حيث توفر موردا ماليا ضخما أومتجددا‬
‫سنة بعد أخر ‪ ،‬فهي فريضة منوطة بكل مال اتم مملوكا ملكا اتما ملسلم حر‪ ،‬خال من‬
‫الدين‪ ،‬مىت بلغ النصاب‪ ،‬و حال عليه احلول‪ ،‬ويف شروط جباية الزكاة أتكيد على وفرة‬
‫حيث‪)11( :‬‬
‫حصيلتها بل و تزايدها مع تقدم اجملتمع‪،‬‬
‫‪ .1‬تتمتع فريضة الزكاة بسعة وعائها‪ ،‬حيث ترتبط أساسا ابملال النامي أاي كانت‬
‫صورته‪ ،‬ففي حني كانت األموال املناطة يف عهد الرسول ( صلى هللا عليه و سلم) أربعة‬
‫أنواع فقط‪ :‬األنعام السائمة والنقود من ذهب و فضة‪ ،‬الزروع والثمار‪ ،‬عروض التجارة‪،‬‬
‫الكنوز‪ .‬إال أن هذا الوعاء اتسع ليشمل كل مال اتم حتقيقا أو تقديرا ابلفعل أوابلقوة‪،‬‬
‫وذلك أن مبدأ دوران فريضة الزكاة مع النماء وجواب يضم على األموال التقليدية كل ما‬
‫استحدث أو سيستحدث من أنواع األموال واستثماراهتا‪ ،‬ولو مل يكن جاء به نص عن‬
‫رسول ( صلى هللا عليه و سلم)‪ ،‬ويف ذلك مسايرة ملا يفرزه التقدم وضمان لتزايد حصيلة‬
‫الزكاة‪ ،‬مع ارتفاع مستو النشاط االقتصادي‪ ،‬كذلك فإن مبدأ ربط الزكاة ابألموال‬
‫النامية فعال أو تقديرا يؤدي إىل تنظيم حصيلتها و لو مل حيقق االقتصاد أرابحا تذكر‪،‬‬
‫ذلك أهنا تفرض على الرصيد النقدي و لو مل حيقق رحبا بسبب عدم استغالله‪.‬‬
‫‪ .2‬إن حتديد نصاب للزكاة عند املستو الذي ال يكفل سو احلاجات األساسية‬
‫يضمن انسياب حصيلة وفرية من الزكاة و تزايدها ابنضمام أموال جديدة يتوافر هلا‬
‫النصاب مع بداية العملية اإلمنائية و ارتفاع املستو االقتصادي ألعداد متزايدة من أفراد‬
‫اجملتمع‪.‬‬
‫‪ .3‬إن جتدد فريضة الزكاة مع بداية كل حول هجري و مع كل حصاد يوفر للتنمية‬
‫موردا منتظما يتجدد‪ ،‬ليس سنة بعد أخر فحسب‪ ،‬إمنا خالل السنة الواحدة‬
‫الختالف بداية السنة من مزكي إىل آخر‪ ،‬و جينب ذلك العملية اإلمنائية خماطر نقص‬
‫املوارد التمويلية و خطورة استكماهلا من اخلارج‪ ،‬مما يعرقل منو االستثمارات القائمة‬
‫ويعوق قيام استثمارات جديدة‪ ،‬بل إنه يضفي على االقتصاد كله ثقة يف املوارد‬
‫التمويلية‪ ،‬تتأكد سنة بعد أخر ‪.‬‬
‫‪ .4‬إن مقدار الزكاة املفروض على األموال الزكائية يرتاوح بني العشر ونصف العشر فيما‬
‫سقت السماء و األهنار و العيون و إن كان عشراي‪ ،‬و نصف العشر فيما سقي‬
‫ابلسواق ي و ربع العشر يف النقدين الذهب و الفضة‪ ،‬و يف عروض التجارة على‬
‫اختالفها‪ .‬و يعترب هذا املقدار موردا هاما ال يقل عن ‪ % 2,5‬من كل مال اتم يف‬
‫اجملتمع و يتزايد هذا املورد بداهة مع منو االقتصاد ‪ ،‬كما يتجدد سنواي‪ ،‬فيجنب االقتصاد‬
‫اهلزات االقتصادية‪ ،‬و حيميه من خماطر الدورات التجارية‪ ،‬إذ يتم تصحيح املتغريات‬
‫االقتصادية ابستمرار‪ ،‬دون االنتظار حىت تصل إىل وضع تراكمي يصعب معها عالجها‪.‬‬
‫‪ .5‬كذلك تتميز الزكاة بتخصيص مواردها‪ ،‬حيث قام الشارع سبحانه بتحديد مصارفها‬
‫حتديدا شامال مانعا‪ ،‬ويسهم هذا التخصيص يف زايدة اإليرادات العامة‪ ،‬لذا يطالب‬
‫اقتصاديو الفكر الوضعي بتطبيقه يف الدول النامية‪ ،‬و أتكيد يف احلفز على إخراج الزكاة‬
‫كاملة‪ ،‬و أتكيد على وفرة حصيلتها‪.‬‬
‫‪ .6‬يضيف إىل أمهية الزكاة كمورد لتمويل التنمية صبغتها اإلميانية األصيلة اليت تدفع‬
‫األفراد إىل العمل على إخراج زكاهتم كاملة غري منقوصة كما يقطع الطريق على كل من‬
‫تسول له نفسه اللجوء إىل التحايل للتهرب مما عليه من واجب الزكاة‪ ،‬فتأيت حصيلتها‬
‫كاملة دون أي تسرابت‪.‬‬
‫و مما يؤكد وفرة الزكاة كمورد لتمويل التنمية اخنفاض نفقات جبايتها‪ ،‬حبيث ال تزيد عن‬
‫الثمن‪ ،‬إذ أن للعاملني عليها سهما من مثانية حددها املشرع سبحانه و تعاىل فال يزادون‬
‫عليه‪ ،‬و بذلك ختصص حصيلة الزكاة – دون استقطاع كبري‪ -‬لتحقيق دورها يف متويل التنمية‬
‫يف اجملتمع اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ -3‬دور الزكاة يف متويل التنمية و حماربة الفقر‪:‬‬
‫إن من أهم أهداف التنمية هو حدوث حتسن يف توزيع الدخل لصاحل الطبقة الفقرية‬
‫( التخفيف من ظاهرة الفقر) فقد لوحظ يف فرتة اخلمسينيات و الستينيات من هذا القرن أنه‬
‫ابلرغم من أن كثري من الدول النامية قد حققت معدالت منو اقتصادي مرتفعة إال أن‬
‫النصيب النسيب من هذا الدخل لطبقة الفقراء فيها كان يف تناقص مستمر‪ ،‬وهذا يعين أنه‬
‫ابلرغم من حدوث منو اقتص ادي إال أن حالة الفقراء كانت تزداد بؤسا‪ ،‬وقد أاثر هذا األمر‬
‫شكوك االقتصاديني يف مد جدو اجلهود اليت تبذهلا هذه الدول يف جمال النمو‪ ،‬ابلنسبة‬
‫ل لطبقة العريضة من السكان‪ ،‬ولذا أصبح شرطا من شروط التنمية أن يصاحب النمو‬
‫االقتصادي حتسن يف توزيع الدخل لصاحب الطبقة الفقرية‪.‬‬
‫ولكن السؤال الذي يطرح هنا هو‪ :‬كيف نتعرف على حدوث اخنفاض يف ظاهرة‬
‫الفقر ممثال يف حتسن توزيع الدخل لصاحل الطبقة الفقرية؟‪.‬‬
‫هنالك مداخل عديدة حتاول اإلجابة عن هذا السؤال وسوف نقتصر فقط على‬
‫ثالثة مداخل منها‪ ،‬مدخل الفقر املطلق‪ ،‬مدخل الفقر النسيب و مدخل الدخل النسيب‪.‬‬
‫ مدخل الفقر املطلق‪:‬‬‫وفقا للمدخل األول يعترب الشخص ( األسرة) فقريا إذا اخنفض دخله احلقيقي عن حد‬
‫أدىن معني يسمى حبد الفقر و يتحدد هذا احلد وفقا لدراسات متخصصة أتخذ يف حساهبا‬
‫االحتياجات الضرورية للفرد أو األسرة من املأكل و امللبس و املسكن و االنتقال و العالج و‬
‫غريها من الضرورايت‪ .‬و يتعني مالحظة أن حد الفقر خيتلف من دولة إىل دولة أخر وفقا‬
‫ملستواها االقتصادي‪ ،‬فاالحتياجات الضرورية للفرد ابلوالايت املتحدة مثال أكثر بكثري من‬
‫االحتياجات الضرورية للفرد ابهلند‪ ،‬ولذا يتوقع أن يكون حد الفقر يف األوىل أعلى منه يف‬
‫األخرية‪ ،‬بل إنه وفقا حلد الفقر ابلوالايت املتحدة قد يكون كل سكان اهلند فقراء‪ ،‬و وفقا‬
‫حلد الفقر ابهلند قد ال يوجد فقريا واحدا ابلوالايت املتحدة‪ ،‬كما خيتلف حد الفقر داخل‬
‫البلد الواحد من فرتة زمنية إىل أخر تبعا الرتفاع األسعار و تبعا لتغري املستو االقتصادي‬
‫للبلد‪ ،‬بل أن حد الفقر قد خيتلف من إقليم إىل آخر داخل نفس البلد‪ ،‬فهو يف املناطق‬
‫الريفية أقل منه يف املناطق احلضرية‪ .‬ووفقا ملدخل الفقر املطلق تؤدي التنمية االقتصادية‬
‫لتخفيف حدة الفقر يف اجملتمع إذا صاحبها حتقيق النتائج التالية‪)12(:‬‬
‫‪ ‬إذا قل عدد األف راد أو األسر الذين يعيشون حتت حد الفقر أو قلت نسبتهم من إمجايل‬
‫السكان‪ ،‬وهذا يتضمن حدوث زايدة يف الدخول املطلقة لبعض أفراد الطبقة الفقرية حبيث‬
‫ترتفع دخوهلم من مستو أعلى من حد الفقر‪.‬‬
‫‪ ‬إذا ارتفع مستو الدخل لألفراد الذين ظلوا يعيشون حتت حد الفقر‪ ،‬ولعل هذا يضمن‬
‫حلد ما أن الزايدة اليت حدثت يف دخول بعض أفراد الطبقة الفقرية ورفعتهم فوق حد الفقر مل‬
‫تتم على حساب نقص يف دخول األفراد اآلخرين من نفس الطبقة والذين ظلوا حتت حد‬
‫الفقر‪ ،‬فارتفاع متوسط الدخل لألفراد الذين يعيشون حتت حد الفقر يعين أن التحسن يف‬
‫الدخل مل يقتصر على القلة الذين خرجوا من حتت حد الفقر و لكنه امتد ليشمل الذين ظلوا‬
‫حتت حد الفقر أيضا‪.‬‬
‫‪ ‬اخنفاض التباين بني دخول األفراد الذين يعيشون حتت حد الفقر‪ ،‬ولعل هذا الشرط‬
‫يضمن أن الزايدة يف الدخل الكلي للطبقة الفقرية مل يستأثر هبا قلة منهم ولكنها توزعت‬
‫بينهم حبث حيصل األفراد األقل دخال على نصيب أكرب من هذه الزايدة مما يقلل من فوارق‬
‫الدخول بني كل أفراد الطبقة‪.‬‬
‫ووفقا ملدخل الفقر املطلق إذا جنحت جهود التنمية يف رفع دخول مجيع أفراد اجملتمع‬
‫فوق حد الفقر احملدد فإهنا تكون بذلك قد قضت على ظاهرة الفقر يف اجملتمع‪.‬‬
‫لقد أجريت دراسة على ‪ 40‬دولة انمية عام ‪ 1969‬أتضح منها أن ‪ 600‬مليون‬
‫نسمة من إمجايل ‪ 1200‬مليون عدد سكاهنا ( بنسبة ‪ )%50‬يعيشون حتت حد الفقر‬
‫والذي قدر آنذاك بقيمة ‪ 75‬دوالر يف السنة‬
‫و ميكن توضيح فكرة مدخل الفقر املطلق من اجلدول رقم (‪ )1‬و الذي حيتوي على‬
‫مثال افرتاضي (‪)14‬‬
‫(‪)13‬‬
‫إذا افرتضنا أن جمتمعنا االفرتاضي كان يتكون من مخسة أفراد عام ‪ 1990‬وانه مت‬
‫تقدير حدا لفقر للفرد مببلغ ‪ 1700‬جنيه يف هذا العام فإن هذا يعين أن األفراد ‪،2 ،1‬‬
‫‪3‬كانوا يعيشون حتت حد الفقر كما هو واضح ابجلدول رقم (‪)1‬‬
‫فإذا زاد عدد السكان إىل ‪ 10‬أفراد عام ‪ 1995‬و زاد تقدير حد الفقر إىل‬
‫‪ 3500‬جنيه للفرد فان هذا يعين أن جهود التنمية جنحت يف القضاء على ظاهرة الفقر متاما‬
‫وفقا للبياانت املعروضة ابجلدول رقم (‪ ) 1‬حيث أن دخلت اقل األفراد دخال يفوق‪ ،‬أي أن‬
‫عدد األفراد الذين يعيشون حتت حد الفقر قد اخنفض من ‪ 3‬أفراد عام ‪ 1990‬إىل صفر‬
‫عام ‪ 1995‬رغم زايدة السكان‪.‬‬
‫جدول رقم (‪)1‬‬
‫مفهوم مدخل الفقر املطلق‬
‫األفراد‬
‫‪1990‬‬
‫‪1995‬‬
‫الدخل املطلق (جنيه)‬
‫الدخل املطلق (جنيه)‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫دخل كلي‬
‫‪500‬‬
‫‪1000‬‬
‫‪1500‬‬
‫‪2000‬‬
‫ــ‬
‫‪4000‬‬
‫‪4000‬‬
‫‪8000‬‬
‫‪800‬‬
‫‪10.000‬‬
‫‪10.000‬‬
‫‪18000‬‬
‫‪18000‬‬
‫‪60.000‬‬
‫‪60.000‬‬
‫‪8000‬‬
‫‪200.000‬‬
‫ــ‬
‫ــ‬
‫ــ‬
‫ــ‬
‫ مدخل الفقر النسيب‪:‬‬‫أما عن مدخل الفقر النسيب فهو يعترب الفقر ظاهرة نسبية حيث يوجد يف كل جمتمع‬
‫فقراء‪ ،‬حىت أغىن اجملتمعات يف العامل‪ ،‬و وفقا هلذا املدخل يتم ترتيب أفراد اجملتمع تنازليا أو‬
‫تصاعداي يف جمموعات وفقا ملتوسط الدخل بدءا ابجملموعة األعلى دخال مث األقل مث األقل أو‬
‫العكس و ذلك كما هو واضع يف املثال االفرتاضي ابجلدول رقم(‪)2‬‬
‫و يعترب هذا املدخل أن جمموعة ال‪ ،40‬من السكان األقل دخال هي طبقة الفقراء‬
‫حىت ولو كان أقل دخل يف هذه اجملموعة أعلى من حد الفقر‪ ،‬وهذا يعين أنه وفقا هلذا‬
‫املدخل يعترب الفقراء األقل دخال بغض النظر عن مستوايت دخوهلم‪ ،‬و من مث تؤدي جهود‬
‫التنمية االقتصادية لتخفيف حدة الفقر إذا ترتب عليها ارتفاع يف متوسط الدخل األفقر‬
‫‪ %40‬من السكان‪.‬‬
‫و لكن ال تؤدي التنمية أبدا للقضاء على ظاهرة الفقر إال إذا تساوت مجيع دخول‬
‫أفراد اجملتمع مساواة مطلقة‪ ،‬ففي هذه احلالة لن يوجد هناك من هو أفقر من األخر و ميكن‬
‫أن تستخدم بياانت جدول (‪ )1‬يف احلصول على جدول رقم (‪ )2‬لتفهم مضمون حد‬
‫مدخل الفقر النسيب‬
‫فالحظ من اجلدول رقم(‪ )2‬أن متوسط الدخل جملموعة أفقر ‪ %40‬من السكان عام‬
‫‪ 1990‬هو ‪ 750‬جنيه [(‪ ])2 /)1000+500‬و حتتوي هذه الطبقة على الفردين ‪1‬‬
‫‪2 ،‬و لقد أدت جهود التنمية إىل زايدة متوسط دخل الطبقة األفقر ‪ %40‬من السكان إىل‬
‫‪ 6000‬جنيه عام ‪ 2/)800+ 4000( 1995‬و هذا يعين أن مثل هذه اجلهود أدت‬
‫لتخفيف حدة ظاهرة الفقر وفقا ملدخل الفقر النسيب و لكنها مل تقض عليه‪ ،‬وتنطوي الطبقة‬
‫الفقرية على األربعة أفراد ‪ 4 ،3، 2 ،1‬عام ‪ 1995‬و هم ميثلون أفقر ‪ %40‬من السكان‪.‬‬
‫‪ ‬ال يشرتط هذا املدخل ضرورة زايدة النصيب النسيب للطبقة الفقرية من الدخل‬
‫الكلي حىت ختف ظاهرة الفقر و يكتفي ابشرتاط زايدة متوسط الدخل املطلق هلذه الطبقة‪،‬‬
‫غري أنه إذا زادت يف نفس الوقت دخول الطبقة الغنية مبعدل أكرب فإن النصيب النسيب‬
‫للطبقة الفقرية سوف ينخفض يف حني يزداد النصيب النسيب للطبقة الغنية األمر الذي يؤدي‬
‫لزايدة الفجوة بني دخول الطبقتني والشك أن هذا يعترب تدهورا يف الوضع النسيب للطبقة‬
‫الفقرية و ابجلدول رقم (‪ )2‬يالحظ أن النصيب النسيب من الدخل ألفقر ‪ %40‬من‬
‫السكان اخنفض من ‪ %18.75‬عام ‪ 1990‬إىل ‪ %12‬عام ‪ 1995‬و ابلرغم من أن هذا‬
‫أعترب مدخل الفقر النسيب إن حدة ظاهرة الفقر قد خفت جملرد زايدة متوسط الدخل هلذه‬
‫الطبقة من ‪ 750‬جنيه إىل ‪ 6000‬جنيه للفرد‬
‫‪ ‬يالحظ أن‪ ،‬نسبة الـ ‪ %40‬اليت حددها هذا املدخل هي نسبة حتكمية و هي قد‬
‫ال تستوعب كل طبقة الفقراء وفقا ملفهوم حد الفقر‪ ،‬إذا كان هناك أكثر من ‪ %40‬من‬
‫أفراد اجملتمع ينخفض دخلهم املطلق عند حد الفقر و يتضح هذا من اجلدول رقم (‪)03‬‬
‫يالحظ من اجلدول رقم (‪ )03‬أن فقر ‪ %40‬من السكان ينحصرون يف اجملموعة األوىل‬
‫و الثانية و ابلرغم من أن متوسط دخل اجملموعة الثالثة اقل من حد الفقر ‪ 3500‬جنيه إال‬
‫أهنا ال تقع داخل الطبقة الفقرية وفقا ملفهوم الفقر النسيب‪.‬‬
‫ مدخل الدخل النسيب‪:‬‬‫و هنا أييت دور مدخل الدخل النسيب و الذي يشري إىل أن التنمية االقتصادية تؤدي‬
‫إىل التخفيف من حدة مش كلة الفقر إذا صاحبها زايدة يف النصيب النسيب للمجموعتني‬
‫الرابعة و اخلامسة ابجلدول رقم (‪ )02‬من ‪ %18.75‬إىل ‪ %20‬مثال ويؤخذ هذا على أنه‬
‫مؤشر على حتسن توزيع الدخل يف صاحل الطبقة الفقرية‪ ،‬و اخنفاض حدة الفقر‪ ،‬و حىت‬
‫حيدث هذا فالبد أن تزداد دخول الطبقة الفقرية مبعدل أعلى من معدل الزايدة يف دخول‬
‫الطبقة الغنية و املتوسطة‬
‫جدول رقم (‪ )02‬مفهوم مدخل الفقر النسيب‬
‫‪1995‬‬
‫‪1990‬‬
‫الفرد‬
‫اجملموعة‬
‫نسبة من‬
‫السكان‬
‫متوسط‬
‫الدخل‬
‫املطلق‬
‫نسبة من‬
‫الدخل‬
‫الطبقة‬
‫الفرد‬
‫اجملموعة‬
‫نسبة من‬
‫السكان‬
‫متوسط الدخل‬
‫املطلق‬
‫‪ 1‬أفقر‬
‫‪%20‬‬
‫‪500‬‬
‫‪18.75‬‬
‫فقرية‬
‫‪%20‬‬
‫‪1000‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫األوىل‬
‫‪%20‬‬
‫‪4000‬‬
‫الثانية‬
‫‪%20‬‬
‫‪8000‬‬
‫‪%20‬‬
‫‪%20‬‬
‫‪%20‬‬
‫‪1500‬‬
‫‪2000‬‬
‫‪3000‬‬
‫متوسطة‬
‫و غنية‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬
‫الثالثة‬
‫‪%20‬‬
‫‪10.000‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪ 5‬أغىن‬
‫‪85.25‬‬
‫‪%‬‬
‫الرابعة‬
‫اخلامسة‬
‫‪%20‬‬
‫‪%20‬‬
‫‪1800‬‬
‫‪60.000‬‬
‫نسبة‬
‫من‬
‫الدخل‬
‫‪%20‬‬
‫‪%88‬‬
‫الطبقة‬
‫فقرية‬
‫متوسطة‬
‫وغنية‬
‫دخل كلي‬
‫‪200.000‬‬
‫‪8000‬‬
‫املصدر‪ :‬حممد عبد القادر عطية مرجع سابق ص ‪23‬‬
‫جدول رقم (‪)03‬‬
‫الفقر النسيب و حدة الفقر‬
‫اجملموعة‬
‫متوسط‬
‫املطلق‬
‫الدخل النسبة من الطبقة الفقرة‬
‫وفقا حلد الفقر‬
‫السكان‬
‫أفقر من‬
‫‪%40‬‬
‫و فقا ملدخل‬
‫الفقر النسيب‬
‫األوىل‬
‫الثانية‬
‫الثالثة‬
‫الرابعة‬
‫اخلامسة‬
‫‪1000‬‬
‫‪2000‬‬
‫‪3000‬‬
‫‪40000‬‬
‫‪50.000‬‬
‫‪%20‬‬
‫‪%20‬‬
‫أقل ‪%40‬‬
‫أقل من ‪3500‬‬
‫‪%20‬‬
‫‪%20‬‬
‫‪%20‬‬
‫املصدر‪ :‬حممد عبد القادر عطية مرجع سابق ص ‪24‬‬
‫من خالل استعراض مداخل الفقر و اليت كان الغرض منها معرفة مد حتسن توزيع‬
‫الدخول لصاحل الطبقة الفقرية وحدوث التنمية جند أن هناك آاثرا تنموية مباشرة و أخر غري‬
‫مباشرة لفريضة الزكاة يف االقتصاد اإلسالمي‪.‬‬
‫أ‪ -‬متويل الزكاة املباشر للتنمية‪:‬‬
‫تؤكد املدارس االقتصادية لتمويل التنمية إما على التمويل من جانب العرض أوالتمويل من‬
‫جانب الطلب‪ ،‬وقد كان لكل من االجتاهني ظروفه التارخيية اخلاصة اليت نشأت يف ظلها‬
‫نظريته و استقى منها مربراته‪ ،‬أما التشريع اإلالهي للزكاة فقد نزل من لدن حكيم عليهم‬
‫ليكون صاحلا يف كل زمان و مكان فال ينتظر ظروف يعمل على مواجهتها و ال مشاكل‬
‫جيهد يف حلها ذلك انه جعل من مصارف الزكاة املنافذ اليت متول العملية اإلمنائية من جانب‬
‫العرض و الطلب على السواء‪.‬‬
‫أ‪ -1-‬من انحية العرض‪:‬‬
‫تعمل الزكاة على متويل النواحي اإلنتاجية للعملية اإلمنائية عن طريق توفري األدوات‬
‫اإلنتاجية و بناء اهلياكل األساسية‪ ،‬و التطوير العلمي لإلنتاج كما و كيفا ومتويل صناعات‬
‫عسكرية و إسرتاجتية تكون هلا شأهنا يف دفع العملية اإلمنائية بقوة يف الطريق الصحيح كما‬
‫تسهم الزكاة من خالل مصارفها يف توفري جو الثقة و األمان الالزم لبدء العملية اإلمنائية و‬
‫الذي يعترب من الشروط األساسية الستمرارها وجناحها‪.‬‬
‫‪ ‬توفري األدوات اإلنتاجية و متويل االستثمارات‬
‫فرضت الزكاة لتوفري كفاية أفراد اجملتمع و ال يكون ذلك ببضع لقيمات تسد جوعهم‬
‫أودراهم تقيل عثرهتم وإمنا يكون ذلك بتوفري ما حتصل به الكفاية على الدوام وتوفري األداة‬
‫اإلنتاجية اليت حيسن استغالهلا يف التكسب‪ ،‬حيث ير احد الفقهاء املعاصرين أن الدولة‬
‫املسلمة تستطيع أن تنشئ من أموال الزكاة مصانع و عقارات ومؤسسات جتارية و حنوها و‬
‫متلكها للفقراء كلها أو بعضها لتدر عليهم دخال يقوم بكفايتهم كاملة و ال جتعل هلم احلق يف‬
‫عليهم(‪)15‬‬
‫بيعها و تقل ملكيتها لتظل شبه موقوفة‬
‫وبذلك تؤدي الزكاة دورها يف توفري املوارد اإلنتاجية الالزمة لتنفيذ العملية اإلمنائية‪،‬‬
‫من خالل املصرف األول اخلاص ابلفقراء و املساكني‪ .‬كما متول الزكاة راس املال االجتماعي‬
‫الثابت من خالل إنفاق سهم" يف سبيل هللا" ليس يف إعداد اجليوش فحسب وإمنا يف إقامة‬
‫مجيع املؤسسات و املنشآت االستثمارية الالزمة لتقوية األمة اإلسالمية مثل حفر الرتع‬
‫والقنوات وتشييد اجلسور والقناطر و املباين العامة( ‪.)16‬‬
‫كذلك ذكر أبو يوسف" عن من أسهم الزكاة‪ ،‬سهم يف إصالح طرق املسلمني (‪)17‬‬
‫"وهو سهم بن السبيل" الذي يسهم يف توفري البنية األساسية من خالل الطرق املعبدة و‬
‫شبكات املواصالت الضرورية لتسهيل مراحل العملية اإلمنائية‪.‬‬
‫وهبذا يتضح لنا أن سهمني يف سبيل هللا و ابن السبيل يضيفان إىل توفري املوارد‬
‫اإلنتاجية يف بناء اهلياكل األساسية املعروفة برأس املال االجتماعي الثابت – الالزمة لتهيئة‬
‫املناخ العام لالستثمار‪.‬‬
‫كما يضيف سهم ( يف سبيل هللا) مصدرا جديدا للتمويل املباشر للزكاة حيث أن‬
‫اجلهاد يف سبيل هللا وما يتطلبه إعداد القوة إلرهاب العدو‪ ،‬من إنشاء صناعات حربية‬
‫متعددة والقيام ابستثمارات مباشرة يف دفع العملية اإلمنائية قدما‪ ،‬و هو ما اعتمدت عليه‬
‫بعض االقتصادايت األوربية و األمريكية يف التغلب على فرتات‪ ،‬الكساد اليت منيت هبا ودفع‬
‫العملية اإلمنائية بغية حتقيق هنضتها االقتصادية‪.‬‬
‫ولسهم املؤلفة قلوهبم دوره يف أتمني استقرار االقتصاد وتوفري األمن ملا هو قائم من‬
‫استثمارات و مشاريع و صناعات‪.‬‬
‫و يضيف سهم " الغارمني" إىل حالة الثقة اليت توفرها الزكاة و اليت ال يوجد هلا مثيل‬
‫يف أي اقتصاد آخر‪ ،‬طاملا كان دينه يف غري معصية ولذا فهي تشيع جوا من االطمئنان والثقة‬
‫يشجع أصحاب رؤوس األموال على بذهلا يف قروض حسنة ملن يقدمون على إقامة‬
‫املشروعات النافعة لألمة‪.‬‬
‫كذلك إذا كان اقرتاض الغارم إلقامة إحد املشروعات اليت تعمل على تنمية رأس‬
‫املال البشري مؤسسة لأليتام أو مستشفى لعالج الفقراء أو مسجدا إلقامة الصالة أومدرسة‬
‫فان نص الشافعية يقرر أن يعطي من استدان من اجل إقامة هذه املشروعات من مال الزكاة‬
‫ما يسد به دينه وان كان غنيا( ‪.)19‬‬
‫كما تسهم الزكاة يف متويل اإلمكانيات املادية اليت تعتمد عليها التنمية‪ ،‬فإهنا تسهم‬
‫يف التمويل املباشر لتنمية راس املال البشري الذي هو حمرك وهدف العملية اإلمنائية‪.‬‬
‫وتضمن الزكاة توفري حد الكفاية لكل فرد يف اجملتمع سواء كان مزكيا أو مستحقا‬
‫للزكاة فهي تضمن توفري حاجات املسلم للحفاظ على دينه و نفسه وعقله ونسله وماله‪،‬‬
‫ذلك أهنا تؤخذ إال من املال الذي تتوافر فيه شروط النصاب‪.‬‬
‫كذلك كان لسهم " يف الرقاب" الفضل يف حترير قوة عاملة ال تقتصر دائرة نشاطها‬
‫اإلنتاجي عن مالكها فحسب فضال عن أن حتريرها يؤدي إىل تفجري امكاانهتا االبتكارية‬
‫وطاقاهتا اإلنتاجية لإلسهام بقصار جهدها يف االرتفاع مبستو جمتمع املتقني الذي تدين‬
‫لشريعته حبريتها‪.‬‬
‫أ‪ -2-‬من انحية الطلب‪:‬‬
‫لقد كان اإلسالم أول تشريع عمل على متويل التنمية من جانب الطلب بنجاح‬
‫حيث أثبت أن حتقيق العدالة االقتصادية و االجتماعية يسرع ابلتنمية و ال يعطلها‪ ،‬كما زعم‬
‫معظم االقتصاديني (الغربيني‪ ،‬ذلك أن تشريع الزكاة ال حيقق العدالة االقتصادية من خالل‬
‫ضرائب بضائعية و إمنا يتم ذلك من خالل فريضة دينية‪ ،‬ير املسلمون يف بذهلا بركة ومناء‬
‫ألمواهلم‪.‬‬
‫و من هنا فإن إعادة الزكاة لتوزيع الدخول يكون له دوره اهلام يف خلق سوق واسعة‬
‫شديدة االستيعاب فضال عن حتقيقه للعدالة االجتماعية‬
‫ب‪ -‬متويل الزكاة غري املباشر للتنمية‪:‬‬
‫تقوم الزكاة بتوفري املوارد املالية الالزمة لتحقيق التنمية من خالل حماربتها الفعلية‬
‫لالكتناز و من خالل عمل مضاعف الزكاة‪.‬‬
‫تعمل الزكاة على حماربة االكتناز هبدف تنمية األموال و استثمارها ألن تنمية األموال‬
‫جت عل صاحبها يدفع الزكاة من العائد ‪ ،‬فالزكاة تشجع على استثمار األموال هبدف إخراجها‬
‫من العائد مع احملافظة على أصول رؤوس األموال‬
‫ومن خالل فريضة الزكاة اليت هتدد رأس املال املكتنز ابلفناء‪ ،‬إن مل يشارك يف النشاط‬
‫االقتصادي‪ ،‬جعل هللا سبيال يضمن مشاركة املال يف حركية التنمية وحماربة الفقر‪ ،‬فالزكاة أداة‬
‫ترهيب لألموال املعطلة حىت تندفع لتمويل التنمية (‪ )20‬من خالل دفع األموال السائلة إىل‬
‫( ‪.) 20‬‬
‫( ‪.) 22‬‬
‫املشروعات االقتصادية لتنمو و تزدهر‬
‫إن التأكيد على إمكانية مورد الزكاة حيقق التنمية الشاملة بنجاح اجتماعيا واقتصاداي‬
‫أي إعمار البالد إذا ما مت تطبيقه أبمانة وإذا ما سعى املسلمون إىل تطبيقه واعتناقه بغية دفع‬
‫عجلة التنمية االقتصادية يف الدول اإلسالمية‪.‬‬
‫اهلوامش‪:‬‬
‫‪ -1‬سورة هود‪ ،‬جزء من اآلية رقم‪.61 :‬‬
‫‪ -2‬اإلمام القرظيب ( أبو عبد هللا حممد بن أمحد األنصاري)‪ :‬اجلامع ألحكام القرآن‪ ( ،‬دار‬
‫الشعب‪ ،‬القاهرة‪ ،‬بدون اتريخ) ص ‪.3284‬‬
‫‪ -3‬القاضي أبو يوسف بن يعقوب إبراهيم‪ :‬كتاب اخلراج ‪ ،‬ضمن موسوعة اخلراج ( دار‬
‫املعرفة للطباعة و النشر‪ ،‬بريوت‪ ،‬لبنان‪ ،‬بدون اتريخ)‪ ،‬ص‪11‬‬
‫‪ -4‬نعمت عبد اللطيف مشهور – الزكاة و متويل التنمية‪ ( -‬أحباث ندوة‪ :‬إسهام الفكر‬
‫اإلسالمي يف االقتصاد املعاصر ) القاهرة ‪ ،1992‬ص ‪.679‬‬
‫‪ -5‬خورشيد أمحد – التنمية االقتصادية يف يف إطار إسالمي‪ ،‬قراءات يف االقتصاد اإلسالمي‬
‫جدة‪ :‬جامعة امللك عبد العزيز‪ ،1987 ،‬ص ‪ ( ،102‬حماضرات ألقيت يف إطار املؤمتر‬
‫العاملي األول لالقتصاد اإلسالمي املنعقد مبكة املكرمة بتاريخ‪ 26-21 :‬شباط ‪.)1976‬‬
‫‪ -6‬نفس املرجع ص ‪.103‬‬
‫‪ -7‬صاحلي صاحل – املنهج التنموي البديل يف االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار الفجر‪،‬‬
‫‪ 2006‬ص ص‪.115-109،‬‬
‫‪ -8‬عبد احلميد الغزايل – االنسان أساس املنهج اإلسالمي يف التنمية االقتصادية –‬
‫جدة‪:‬املعهد اإلسالمي للبحوث و التدريب‪ ،‬البنك اإلسالمي للتنمية‪،‬‬
‫‪1994/14/14‬ص‪.60‬‬
‫‪ -9‬عبد الرمحن يسري أمحد – دراسات يف علم االقتصاد اإلسالمي – اإلسكندرية‪ :‬الدار‬
‫اجلامعية‪ ،2001 ،‬ص ‪.127‬‬
‫‪ -10‬غازي حسني عناية – أصول اإليرادات املالية العامة يف الفكر املايل اإلسالمي –‬
‫اإلسكندرية‪ :‬مؤسسة شباب اجلامعة‪ ،2003 ،‬ص ‪.55‬‬
‫‪ -11‬نعمت عبد اللطيف مشهور – الزكاة و متويل التنمية‪ -‬مرجع سابق‪.‬‬
‫‪ -12‬عبد القادر حممد عبد القادر عطية ‪-‬احتاهات حديثة يف التنمية – اإلسكندرية‪ :‬الدار‬
‫اجلامعية‪ ،2003 ،‬ص ‪.19‬‬
‫‪ -13‬نفس املرجع السابق الذكر‪ ،‬ص ‪.20‬‬
‫‪ -14‬نفس املرجع السابق الذكر‪ ،‬ص ‪.20‬‬
‫‪ -15‬يوسف القرضاوي – فقه الزكاة‪ -‬بريوت‪ :‬مؤسسة الرسالة‪ ،1981 ،‬ص‪.567‬‬
‫‪ -16‬عوض حممد هاشم – النمو العادل يف اإلسالم – حبث مقدم إىل املؤمتر العلمي‬
‫السنوي الثالث‪ :‬املنهج االقتصادي يف اإلسالم بني الفكر و التطبيق‪ ،‬القاهرة‪ ،‬أفريل‬
‫‪ ،1983‬ص ‪.5‬‬
‫‪ -17‬أبو يوسف بن يعقوب إبراهيم‪ :‬كتاب اخلراج ( دار املعرفة للطباعة و النشر‪ ،‬بريوت‪،‬‬
‫بدون اتريخ)‪.81 ،‬‬
‫‪ -18‬القرضاوي – فقه الزكاة‪ -‬مرجع سابق‪ ،‬اجمللد الثاين‪ ،‬ص ‪.630‬‬
‫‪ -19‬اإلمام النووي‪ :‬روضة الطالبني( املكتب اإلسالمي‪،‬دمشق بدون اتريخ) اجمللد الثاين‪،‬‬
‫ص ‪.319‬‬
‫‪ -20‬مدحت حافظ إبراهيم – دور الزكاة يف خدمة اجملتمع‪-‬القاهرة‪ ،‬دار غريب ‪،‬‬
‫‪ ،1995‬ص ص ‪.143-139‬‬
‫‪ -21‬علي خضر خبيت – التمويل الداخلي للتنمية االقتصادية يف اإلسالم – جدة‪ :‬الدار‬
‫السعودية‪ ،1985 ،‬ص ‪.150‬‬
‫‪ -22‬حسني حسني شحاتة – حماسبة الزكاة‪ :‬القاهرة‪ ،‬مكتبة اإلعالم‪ ( ،‬بدون اتريخ)‪،‬‬
‫ص ‪.61‬‬