تحميل الملف المرفق

‫الملتقى المنظم بالتعاون مابين المؤسسة الوطنية لألوقاف و المعهد اإلسالمي للبحوث والتدريب التابع‬
‫للبنك اإلسالمي للتنمية واألمانة العامة لألوقاف بالكويت‬
‫حول‬
‫" النصوص القانونية المنظمة للوقف والزكاة"‬
‫والدورة التدريبية‬
‫حول"دور الوقف و الزكاة في التخفيف من حدة الفقر"‬
‫في الفترة ما بين ‪ 21- 16‬مارس‪2008‬‬
‫بمقر المؤسسة‬
‫د‪ .‬عمر الكتاني‬
‫رئيس الجمعية المغربية للدراسات‬
‫والبحوث في االقتصاد اإلسالمي‬
‫المقدمة ‪:‬‬
‫يمكن اعتبار الوقف من أهم المؤسسات االقتصادية و االجتماعية التي ساهمت على مر العصور و‬
‫األقطار في بناء الحضارة اإلنسانية و االجتماعية في المجتمعات اإلسالمية‪ .‬و هي كمؤسسة كاملة و‬
‫مستقلة للضمان االجتماعي يمكن وضعها من الناحية االقتصادية في خانة االقتصاد االجتماعي‪ ،‬أو‬
‫اعتبارها نظام للضمان االجتماعي مستقل تمام االستقالل عن الدولة‪ .‬و قد كان للوقف تأثير كبير سواء‬
‫على نظام الملكية أو نظام اإلنتاج أو نظام التوزيع‪ .‬و قد توسعت بفضله الخدمات االجتماعية لتصل إلى‬
‫مئات من الخدمات ‪ ،‬و لتنتقل من الحاجيات األساسية إلى حاجيات دقيقة تنم عن رقي المجتمع اإلسالمي و‬
‫تنامي حاجياته الحضارية‪.‬‬
‫ويظهر أن التأثير االقتصادي للحضارة اإلسالمية عل المجتمع‪ ،‬لم يكن يضاهيه أي تأثير آخر في‬
‫الحضارات األخرى‪ ،‬بل إن غيبة التاريخ االقتصادي في القراءة التاريخية للعالم اإلسالمي تركت جملة من‬
‫األحداث التاريخية الكبيرة بدون تفسير‪ ،‬والعديد من األسئلة بدون إجابات واضحة‪.‬‬
‫لقد طرح العديد من الباحثين الغربيين‪ ،‬المستشرقين منهم على الخصوص السؤال التالي‪ :‬من أين‬
‫استمد العالم اإلسالمي وسائله المادية لتحقيق تمويل سريع لفتوحاته‪ ،‬ولتقدمه العلمي والفكري‪ ،‬ولتوسعه‬
‫الجغرافي؟‬
‫هذا السؤال الكبير يوحى لنا بأسئلة أخرى‪ ،‬تفرض نفسها عند دراسة تاريخ التنمية في العالم‬
‫اإلسالمي في مثل ‪:‬‬
‫ كيف استطاع العالم اإلسالمي المحافظة على األقليات اإلسالمية في العالم بأسره‪ /‬ومقاومة ذوبانها‪ ،‬رغم‬‫عداء عدد من األنظمة السياسية لها‪.‬‬
‫ كيف حافظ في مختلف مناطق العالم على نشاط وفاعلية دعاة المسلمين وعلمائهم في مختلف الظروف و‬‫األحوال؟‬
‫ وكيف استطاع بشكل عام‪ ،‬رغم الظروف الصعبة التي مر منها‪ ،‬تحقيق االستمرارية‪ ،‬وتحقيق التوسع‪،‬‬‫في الوقت الذي انقرضت فيه أو تقلصت العديد من الحضارات العلمية؟‬
‫الجواب على ذلك نجده في المؤسسات اإلسالمية‪ ،‬وبالخصوص في مؤسستين ماليتين ‪ :‬مؤسسة الزكاة‪،‬‬
‫ومؤسسة الوقف‪ ،‬التي سنذكر خصائصها وتأثيرها على التنمية‪.‬‬
‫التعريف بمؤسسة الوقف‬
‫الوقف صدقة من صدقات التطوع‪ ،‬يقوم بها اإلنسان بمحض إرادته‪ ،‬حيث يهب جزءا من أمواله‬
‫يخصصه لعمل من أعمال البر خدمة للصالح العام‪ ،‬وتقربا هلل مصداقا لقوله تعالى ‪ « :‬وما تقدموا ألنفسكم‬
‫من خير تجدوه عند هللا هو خيرا وأعم أجرا» وقال النبي صلى هللا عليه وسلم [إذا مات ابن آدم انقطع‬
‫عمله إال من ثالث‪ :‬صدقة جارية‪ ،‬أو علم ينتفع به‪ ،‬أو ولد صالح يدعو له]‪.‬‬
‫وخصوصية الوقف تكمن في صفة الدوام واالستمرار‪ ،‬من خالل وقف العين‪ ،‬واإلنفاق من المنفعة‬
‫وتحقيق دوام العين‪.‬‬
‫فال يجوز التصرف في العين بأي شكل يؤدي لزوالها من بيع أو هبة أو إرث‪ ،‬ألنها تصبح ملكا‬
‫خالصا لجهة الخير الموقوف لها‪ .‬وبالتالي فهي تنفرد به الحضارة اإلسالمية عن باقي النظم الدينية‬
‫والوضعية المعروفة اليوم‪ ،‬حيث أنه يختلف في آن واحد عن نظامي (الملكية العامة) و(والملكية الخاصة)‪.‬‬
‫وهكذا تحول الوقف إلى مصدر أساسي لبناء ورعاية أهم المؤسسات التربوية اإلسالمية انطالقا من‬
‫المساجد التي تفرغت عنها الكتاتيب القرآنية ثم المدارس‪ ،‬ليصبح بعد ذلك مؤسسة مالية مستقلة تؤدي‬
‫خدمات عامة اقتصادية واجتماعية وثقافية‪ ،‬وأحيانا واستراتيجية‪ ،‬وتغطي فضاء واسعا من المصالح‬
‫االجتماعية والتربوية والصحية و البيئية وخدمات البنية التحتية وغيرها‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪ -I‬الوظائف العامة لمؤسسة الوقف‬
‫يمكن تصنيف هذه الوظائف إلى أربع مجموعات‪:‬‬
‫‪ )1‬الوظيفة األولى (خلقية وتعبدية) من خالل التقرب إلى هللا عن طريق الصدقة مصداقا لقوله تعالى‪:‬‬
‫وما تقدموا ألنفسكم من خير تجدوه عند هللا هو خيرا وعظم أجرا وقول النبي صلى هللا عليه وسلم [إذا‬
‫مات ابن آدم انقطع عمله إال من ثالث ‪ :‬صدقة جارية‪ ،‬أو علم ينتفع به‪ ،‬أو ولد صالح يدعو له]‪.‬‬
‫وظهر هذا العنصر من خالل تبني (مؤسسة الوقف) بناء المساجد وتعهدها في كل مدينة أو قرية أو حي‬
‫يأوي مسلمين في كل العصور‪ ،‬وفي أي منطقة من العالم يقيم بها مسلمون‪.‬‬
‫‪ )2‬الوظيفة التربوية حيث يساهم نظام الوقف بشكل كبير في تمويل المؤسسات التربوية من خالل بناء‬
‫المدارس التي انبثقت من صلب المساجد والتي كانت أصال كتاتيب قرآنية لحفظ القرآن‪ ،‬وتعلم اللغة‬
‫العربية‪ 1،‬كما يساهم في توفير العديد من الخدمات التابعة لهذه الوظيفة مثل بناء األحياء الجامعية‪،‬‬
‫وتوفير الكتب المدرسية‪ ،‬إن الوقف كان وراء بناء أكبر خزانات كتب في تاريخ األمة اإلسالمية‪،‬‬
‫والتاريخ يحكي لنا العديد من األمثلة عن عالقة النخبة الحاكمة‪ ،‬أو النخبة العلمية‪ ،‬واألوقاف‬
‫التربوية‪ ،‬ونالحظ ولألسف انكماش هذه الظاهرة في العالم اإلسالمي المعاصر وتحولها إلى ظاهرة‬
‫غربية‪ ،‬من خالل مساهمة المؤسسات الدولية في إنشاء المؤسسات الثقافية‪ ،‬مع ما يمكن أن يحمل ذلك‬
‫من أخطار‪ ،‬فالعلماء واألمراء كانوا يتسابقون في توجيه األوقاف الخيرية في خدمة المجاالت‬
‫العلمية‪ ،‬وخاصة المكتبات‪ ،‬ونذكر من بين أشهر المكتبات في تاريخ العالم عن اإلطالق‪( ،‬مكتبة بنو‬
‫عمار) في طرابلس بسوريا‪ ،‬حيث كان يشتغل في نسخ الكتب ‪ 180‬شخصا ليل نهار‪ ،‬والتي كانت‬
‫تتوفر على مليون كتاب‪ 2‬وكذلك الشأن بالنسبة لمكتبة القاهرة التي كانت وقفا للخليفة الحاكم بأمر هللا‪،‬‬
‫وكانت تتوفر على ‪ 2,12‬مليون كتاب‪ ،‬وهو ما يمثل عشرين مرة عدد الكتب التي كانت تتوفر عليها‬
‫مكتبة االسكندر في عهد الرومان‪ ،‬بل حتى القبائل البربرية اآلتية من شمال روسيا‪ ،‬والتي اجتاحت‬
‫العالم اإلسالمي‪ ،‬تغير سلوكها بعد اعتناقها اإلسالم وبدأت تساهم في األعمال الخيرية عن طريق‬
‫‪3‬‬
‫الوقف‬
‫‪ )3‬الوظيفة االجتماعية ‪ :‬عن طريق مساعدة الفقراء والمساكين والمرضى والمعوقين والمحتاجين من‬
‫خالل عدة مئات من النماذج الوقفية‪ ،‬بهدف تحقيق مبدأ التكافل الذي يمثل محول المنهج‬
‫االجتماعي اإلسالمي‪ .‬وهكذا استطاع نظام الوقف‪:‬‬
‫ إعادة توزيع الثروة‪ ،‬خاصة في مجال األراضي الفالحية وفي مجال السكن االقتصادي ومجال‬‫الحمامات العمومية وغيرها من المصالح االجتماعية‪.‬‬
‫ المحافظ ة على وجود الجاليات اإلسالمية‪ ،‬سواء األقليات منها أو األغلبيات‪ ،‬ويذكر الشيخ المكي‬‫الناصري في كتاب األحباس اإلسالمية في المملكة المغربية دور األقليات اإلسالمية في الهند واليابان‪،‬‬
‫وفي أوروبا في الدفاع على أمالك الوقف‪ ،‬في بداية العقد الثالث من القرن العشرين‪ ،‬كل هذه‬
‫المجهودات يقول الشيخ المكي الناصري كللت بالنجاح‪ ،‬خاصة في يوغسالفيا‪ ،‬حيث كانت جالية‬
‫إسالمية في البوسنة والهرسك‪.‬‬
‫وحاول االستعمار اإلنجليزي في الهند تفكيك هذه البنية‪ ،‬بفضل المدارس الوقفية المنتشرة في‬
‫مختلف أنحاء إندونيسيا و اإلبقاء على الهوية اإلسالمية ألكبر دولة إسالمية في العالم‪ .‬ويفسر الغربيون‬
‫النهضة اإلسالمية التي تعرفها إندونسيا حاليا رغم حمالت التنصير التي تتعرض لها‪ ،‬بالنشاط المتزايد‬
‫للمتخرجين من المدارس القروية والمسماة (مدرسة) وهي مؤسسات وقفية‪ ،‬ويمكن قياس النموذج‬
‫االندونيسي على باقي دول آسيا مثل ماليزيا والفلبين حيث تنشط المدارس الدينية الوقفية بشكل خاص‪.‬‬
‫‪ )4‬الوظيفة السياسية ‪ :‬من خالل عدة مظاهر نذكر منها‪:‬‬
‫ مقاومة النخبوية في النظام التربوي اإلسالمي عن طريق فتح مدارس وأحياء سكنية للطلبة‪ .‬تأوي‬‫الطلبة الفقراء‪ ،‬وخاصة أولئك القادمين من البادية‪ ،‬والذين يجدون في األوقاف الجامعية أما كن للتعليم‬
‫والسكن بالمجان‪.‬‬
‫‪ « -1‬يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتهم‪ ،‬ومما أخرجنا لكم من األرض » (البقرة‪ 267 :‬لذلك نجد الكتاب القرآني في المغرب يحمل اسم‬
‫مسيد وهي اختصار لكلمة مسجد‬
‫‪ -2‬عبد المالك أحمد السيد في بحثه ‪" :‬الدور االجتماعي لألوقاف" في كتاب جماعي تحت عنوان " إدارة واستثمار ممتلكات األوقاف " المعهد‬
‫اإلسالمي للبحوث والتدريب‪ ،‬البنك اإلسالمي للتنمية‪ ،‬جدة‪ ،‬المملكة العربية السعودية ص‪.268 :‬‬
‫‪ -3‬في بخاري مثال قامت أم هوالكو ببناء مدرستين كبيرتين تستوعب كل منهما ألف طالب‪ ،‬وجعلتهما وقفا كما ذكر عبد المالك أحمد السيد في نفس‬
‫المصدر ص‪259 :‬‬
‫‪2‬‬
‫ ضمان استقاللية (جهاز القضاء)‪ ،‬وبالتالي نزاهته‪ ،‬بسبب أن جل القضاة كانوا أساتذة جامعين‪،‬‬‫وكانت أجورهم من صندوق األوقاف أو كانوا يدبرون أمالك الوقف‪.‬‬
‫ ضمان استقاللية (جهاز التعليم) الذي لم يكن خاضعا بفضل أموال الوقف للدولة‪ ،‬وانعكس ذلك على‬‫مستوى التكوين عند الطالب‪.‬‬
‫ تخريج نخبة من الرجال ذات كفاءة عالية من المعاهد التربوية‪ ،‬ساهمت مثال بشكل مباشر‪ ،‬في‬‫تأطير ثورة األمير عبد القادر في الجزائر‪ ،‬وثورة ‪ 1871‬التي قادها محمد المقراني‪ ،‬وثورة عمر‬
‫المختار في ليبيا‪ ،‬وثورة األمير عبد الكريم الخطابي في الريف المغربي‪ .‬بل إن أغلب الزعماء‬
‫السياسيين والعسكريين في شمال أفريقيا‪ ،‬مثل أحمد بن بال ‪ ،‬وبومدين وعالل الفاسي تابعوا دراساتهم‬
‫في المدارس والجامعات الوقفية‪ ،‬وسوندوا بشكل قوي من طرف طلبة هذه المدارس من خالل‬
‫التحاقهم بالمقاومة العسكرية‪.‬‬
‫‪ )5‬الوظيفة االقتصادية‪ ،‬ويمكن توزيعها على عدة قطاعات ‪:‬‬
‫ تحريك وتنشيط قطاع العقار في مجال البناء والصيانة خاصة عن طريق بناء المساجد والكتاتيب‬‫القرآنية والمدارس وغيرها‪.‬‬
‫ االستثمار في مختلف أوجه القطاع التربوي (مدارس‪ ،‬خزانات‪ ،‬سكن طالبي‪ ،‬خدمات مدرسية‪..‬إلخ)‬‫أي االستثمار في الموارد البشرية‪.‬‬
‫ االستثمار في المجال اإلنتاجي خاصة أراضي الوقف الفالحية‪.‬‬‫ االستثمار في المجال المالي عن طريق تأسيس البنوك اإلسالمية من أموال الوقف‬‫انطالقا من هذه الوظيفة االقتصادية‪ ،‬يمكننا أن ننتقل إلى تحليل دور األوقاف في التنمية االقتصادية‬
‫‪ -II‬دور األوقاف في التنمية االقتصادية‬
‫أ‪ -‬ولو أخذنا من وظائف الوقف المتعددة الوظيفة االقتصادية على النحو الذي اتبعناه بالنسبة للزكاة‬
‫وقمنا بتتبع مسيرة األموال الوقفية ألمكننا تصور دورة اقتصادية مبنية على االستثمار االجتماعي‬
‫بحكم الطابع الخيري للوقف على الشكل التالي ‪:‬‬
‫األراضي الفالحية‬
‫االستثمار‬
‫االستثمار‬
‫قطاعات أخرى‬
‫االقتصادي‬
‫العقاري‬
‫المساجد‬
‫المدارس‬
‫تنمية وعاء‬
‫األموال‬
‫الوقف‬
‫الموقوفة‬
‫االستثمار‬
‫المكتبات‬
‫البشري‬
‫المصحات‬
‫قطاعات أخرى‬
‫الصيانة‬
‫الخدمات‬
‫المحافظة على‬
‫الرعاية‬
‫األصول المنتجة‬
‫الضمان‬
‫خدمات أخرى‬
‫إنتاج‬
‫أو على البينة‬
‫عمل‬
‫إنشاء البنوك‬
‫االستثمار‬
‫المالي‬
‫اإلسالمية‬
‫تمويل‬
‫خدمات مالية‬
‫االستثمار‬
‫أخرى‬
‫وقف جزء من األرباح‬
‫‪3‬‬
‫دخل‬
‫استهالك‬
‫ادخار‬
‫حسب هذا الرسم البياني يمكن تقسيم توجهات األموال الموقوفة إلى ثالثة أقسام رئيسية ‪ :‬االستثمار‬
‫العقاري ‪ ،‬وتمويل الخدمات‪ ،‬واالستثمار المالي في مجال البنوك اإلسالمية‪.‬‬
‫التنمية االقتصادية من خالل االستثمار العقاري‬
‫يمكن توز يع االستثمار العقاري إلى استثمار اقتصادي مباشر‪ ،‬خاصة في ميدان أوقاف األراضي‬
‫الفالحية‪ ،‬وهي ال تزال مهمة‪ ،‬حسب الوثائق العقارية في الدول اإلسالمية‪ ،‬ولكنها في حاجة إلى تحديث‬
‫أساليب استثمار و استغالل هذه األراضي وإخضاعها إلى المعايير الدولية في االنتاج‪ ،‬وتقييم مرد وديتها‪،‬‬
‫وهناك قطاعات أخرى وقفية ذات طابع عقاري في مجاالت أخرى مثل الصناعة التقليدية‪.‬‬
‫االستثمار العقاري الثاني والمهم‪ :‬هو االستثمار البشري أي التنمية البشرية انطالقا من المسجد‪،‬‬
‫ومرروا عبر المؤسسات التعليمية والصحية وغيرها‪ ،‬وهنا نجد توجها كبيرا لألموال الوقفية نحو المدارس‬
‫والمؤسسات العليا‪ ،‬بما فيها الطبية والتقنية والصيدلية‪ ،‬والبيطرية ومصحات األمراض العقلية والمكتبات‪.‬‬
‫والمدارس الخاصة في العالم اإلسالمي حاليا ليست بدعة ولكن البدعة في ذلك هي تسخير هذه‬
‫المدارس ألغراض تجارية‪ ،‬وطغيان النزعة التجارية على توجهاتها‪ ،‬فبسبب الوقف كانت الدولة واألفراد‬
‫معفون من كلفة التعليم أساسا وبالتالي لم يكن االنتقاء المعرفي خاضعا لإلمكانيات المادية‪ ،‬بقدر ما كان‬
‫خاضعا للمؤهالت العلمية‪ ،‬واليوم تعيش النظم التعليمية في بعض الدول اإلسالمية تحت تهديد تخصيصها‬
‫وإخضاعها لقانون الطلب والعرض في السوق‪.‬‬
‫أما في مجال التنمية الصحية‪ ،‬ولها انعكاس مباشر على التنمية االقتصادية‪ ،‬انطالقا من المردودية‪،‬‬
‫نجد على سبيل المثال ال الحصر‪ ،‬أن كل الحمامات العمومية في المغرب‪ ،‬هي ملك وقف ‪ ،‬الشيء الذي‬
‫يجعلها في متناول الجميع‪.‬‬
‫التوجه الثاني األساسي لألموال الموقوفة هي الخدمات االجتماعية المختلفة مثل خدمات صيانة‬
‫المواقف العمومية أو رعايتها‪ ،‬وخدمات الضمان من الحوادث ذات التكلفة االجتماعية‪ ،‬كل هذه الخدمات‬
‫من شأنها المحافظة على األمالك العمومية وعلى البيئة حتى إذا كانت أحيانا ال تحقق إنتاجا مباشرا‪.‬‬
‫ويمكن تصور دور كبير لألوقاف في مجال المحافظة على البيئة‪ ،‬في قطاعين حيويين بالنسبة‬
‫للعالم اإلسالمي‪ ،‬قطاع المحافظة على الماء وتوفيره‪ ،‬وقطاع التشجير‪.‬‬
‫وهناك توجه ثالث في استثمار أموال األوقاف حديث العهد‪ ،‬وهو االستثمار المالي في البنوك‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وهو في آن واحد استثمار في مجال اندماج المؤسسات المالية اإلسالمية فيما بينها‪ ،‬لتكوين‬
‫(شبكة مؤسساتية مالية) في طريق تحقيق السوق المالية اإلسالمية‪ .‬وهكذا يمكن ألموال الوقف أن تساهم‬
‫في خلق (بنوك إسالمية)‪ ،‬ويمكن للبنوك اإلسالمية بدورها المساهمة في إدارة وتوظيف (أموال الوقف)‪.‬‬
‫وهناك فعال عدد من البنوك اإلسالمية التي انطلقت من أموال الوقف‪ ،‬منها (بنك فيصل اإلسالمي‬
‫في مصر) الذي أسس من طرف أوقاف مصر‪ ،‬و (بنك التضامن اإلسالمي في السودان) و(والشركة‬
‫اإلسالمية في لوكسمبورغ) التي أسست من طرف أوقاف اإلمارات العربية المتحدة‪.‬‬
‫وإنشاء هذه المؤسسات من طرف األموال الوقفية دليل على سمو الفكر العلمي اإلسالمي في‬
‫المجال االقتصادي‪ .‬فاألموال الوقفية تحتاج إلى مؤسسات مالية لتسييرها‪ ،‬وقد دلت التجربة العملية من‬
‫خالل مؤسسة الوقف نفسها سواء في شكل وزارة أو مديرية عامة أنها غير مؤهلة إلدارة وتسيير األموال‬
‫الوقفية‪ ،‬بينها البنوك اإلسالمية من اختصاصها توظيف األموال وفق الشريعة اإلسالمية وبالتالي يكون هذا‬
‫االستثمار لألموال الوقفية قد حقق خدمتين جليلتين للمسلمين ‪ :‬خدمة وقف المال على مصلحة عامة‪،‬‬
‫وخدمة اختيار مصلحة عامة من شأنها إنتاج مصالح عامة أخرى وهي البنك اإلسالمي‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن االستثمار العقاري واالستثمار المالي من شأنهما تحقيق إنتاج إضافي أو توسيعه أو‬
‫صيانة آليات إنتاجه وبالتالي توسيع الرأسمال العام الذي يكون وعاء الوقف‪ ،‬هذا مع العلم بأن البنوك‬
‫اإلسالمية توقف عادة جزءا من أموالها لخدمة المصالح االجتماعية‪ ،‬كمثال على ذلك (البنك اإلسالمي‬
‫‪4‬‬
‫للتنمية) الذي خصص حقيبة مال قدرها ‪ 800‬مليون دوالر وقفا على المشاريع االجتماعية في الدول‬
‫اإلسالمية ويتوقع أن تصل هذه الحقيبة إلى ‪ 1000‬مليون دوالر‬
‫بالنسبة لألوقاف المغربية مع األسف تملك ثورة ضخمة من العقارات واألراضي في مختلف المدن‬
‫والمناطق المغربية ربما تفوق مثيالتها في الدول اإلسالمية األخرى وخالل عهد الحماية الفرنسية قامت‬
‫األوقاف باستثمار أموالها في بناء أحياء سكنية في أغلب المدن الكبرى لفائدة الطبقات الشعبية ولكننا ال‬
‫نعلم كيف تستثمر هذه األموال في عهد االستقالل والطريقة التي تدار بها ومن ينتفع بها‪.‬‬
‫لم نطلع على كيفية استغالل هذه األموال وهل هناك إدارة خيرة قادرة على استثمارها‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال فقد قامت الدولة المغربية ببناء مسرح وطني بأموال الوقف مع العلم أنه ليس‬
‫منفعة عمومية وال يدخل في باب األولويات االجتماعية‪.‬‬
‫مراجع ‪:‬‬
‫ القرآن الكريم‬‫ المواد العلمية لبرنامج التدريب على تطبيق الزكاة في المجتمع اإلسالمي المعاصر‪ ،‬وقائع ندوة رقم ‪:‬‬‫‪ ، 33‬المعهد اإلسالمي للبحوث والتدريب – البنك اإلسالم للتنمية حرة‪ ،‬المملكة العربية السعودية‬
‫‪1416‬هـ (‪1995‬م)‪.‬‬
‫ إدارة وتثمير ممتلكات األوقاف‪ ،‬وقائع الحلقة الدراسية لتثمير ممتلكات األوقاف‪ ،‬المعهد اإلسالمي‬‫للبحوث والتدريب‪ ،‬البنك اإلسالمي للتنمية‪ ،‬جدة‪ ،‬المملكة العربية السعودية ‪1404‬هـ _‪)1984‬‬
‫ محمد الملكي الناصري " األحباس اإلسالمية في المملكة المغربية" وزارة الشؤون اإلسالمية‪،‬‬‫المحمدية‪ ،‬المغرب – ‪1412‬هـ (‪1992‬م)‬
‫ مدخل عام إلى التطبيقات االقتصادية اإلسالمية بالفرنسية‪ ،‬كتاب مقدم إلى ندوة التطبيقات االقتصادية‬‫اإلسالمية المعاصرة‪ ،‬الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬الدار البيضاء‬
‫‪ 8-5‬مايو ‪.1998‬‬
‫ تنمية نظام آليات مالية إسالمية‪ ،‬وقائع ندوة ‪( ،25‬بالفرنسية) المعهد اإلسالمي للبحوث والتدريب‪ ،‬البنك‬‫اإلسالمي للتنمية جدة‪ ،‬المملكة العربية السعودية ‪1416‬هـ (‪.)1995‬‬
‫ وثائق ندوة التطبيقات االقتصادية اإلسالمية المعاصرة الدار البيضاء ‪ 5-8‬مايو ‪ 1998‬المنظمة من‬‫طرف الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في االقتصاد اإلسالمي والمعهد اإلسالمي للبحوث‬
‫والتدريب التابع للبنك اإلسالمي‬
‫‪5‬‬