تحميل الملف المرفق

‫بحوث ودراسات‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
1
*‫ سامي السويلم‬.‫د‬
ABSTRACT
This research undertakes to clarify the SharÊÑah ruling on two types of ÎukËk ijÉrah:
1) a sale with a lease-back clause, and 2) forward ijÉrah; with special focus on
those features that raise fiqh issues. The researcher explains the two modes of a sale
with a lease-back clause. He explains the parameters required to avoid conducting
prohibited ÑÊnah sales as well as other legal ruses that could lead to issuing ÎukËk
that do not differ in essence from usurious bonds. The second half of the paper deals
with forward ijÉrah. The author clarifies the aspect of the transaction that raises a
SharÊÑah issue, which is the sale of a debt for a debt, which jurists unanimously agree
is prohibited. He explains the three types of ijÉrah, the contractual format of forward
ijÉrah, and the SharÊÑah ruling on the latter. The author concludes by calling attention
to the large number of transactions in Islamic banks that need to undergo review
and correction and advises that research be focused upon providing alternatives and
solutions derived from the principles and objectives of the SharÊÑah.
‫املستخلص‬
‫ البيع بشرط‬:‫يهدف هذا البحث إىل بيان احلكم الشرعي يف نوعني من صكوك اإلجارة‬
‫ وإجارة املوصوف يف الذمة مع الرتكيز على تقومي الصور حمل اإلشكال دون‬،‫التأجري‬
‫ والفرق بني اشرتاط اإلجارة يف البيع وبني البيع‬،‫ وببني حاليت‏البيع بشرط التأجري‬.‫غريها‬
‫ ليصل إىل أنه يشرتط يف البيع بشرط استئجار العني ما يشرتط يف بيع‬.‫مع استثناء املنفعة‬
‫ أما حالة اإلجارة املنتهية‬.‫ مث شراء إحدامها حىت ال يدخل يف العينة احملرمة شرعا‬،‫سلعتني‬
‫ ليصل‬،‫ مث يقارن بينها وبني بيع الوفاء‬،‫بالتمليك فيوضح البحث أن هلا صيغا متعددة‬
‫إىل أن البيع بشرط التأجري إذا كانت األجرة أعلى من الثمن متضمن للحيلة وهو ما قد‬
‫ أما يف القسم الثاين من‬.‫يؤدي إىل إنتاج صكوك ال ختتلف جوهريا عن السندات الربوية‬
‫البحث فيتناول إجارة املوصوف يف الذمة؛ وفيه يوضح صورة املعاملة حمل اإلشكال وأهنا‬
‫ وخيتم بالتنبيه إىل وجود كثري من املعامالت يف‬.‫من باب بيع الدين بالدين احملرم إمجاعا‬
.‫ جمموعة للبنك اإلسالمي للتنمية‬- ‫ نائب مدير املعهد اإلسالمي للبحوث والتدريب‬
93
2010 ‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب‬
*
‫سامي السويلم‬
‫البنوك اإلسالمية حتتاج إىل مراجعة وتصحيح‪ ،‬وتوجيه اجلهد للبحث عن بدائل وحلول‬
‫مستمدة من أصول الشريعة ومقاصدها‪.‬‬
‫مقدمة‬
‫احلمد هلل والصالة والسالم على رسول اهلل وعلى آله وصحبه ومن وااله‬
‫وبعد‪.‬‬
‫يتناول هذا البحث بعض صيغ صكوك اإلجارة خاصة بيع العني بشرط‬
‫إعادة استئجارها ‏سواء انتهت اإلجارة بالتمليك أو ال‪ ،‬‏باإلضافة إىل إجارة‬
‫املوصوف يف الذمة‪ .‬وقد ُكتبت عدة أحباث وعقدت ندوات حول هذه‬
‫املوضوعات‪ .‬لذلك سريكز هذا البحث على تقومي الصور حمل اإلشكال دون‬
‫غريها‪،‬‏مع االكتفاء مبا ورد يف األحباث السابقة من العزو وتفاصيل األقوال إال‬
‫إذا اقتضى األمر ذكرها‪.‬‬
‫‏أنواع الصكوك‬
‫‏ميكن تقسيم الصكوك إمجاال إىل نوعني‪:‬‬
‫‪1 .1‬نوع يقوم فيه ُمصدر الصكوك بتوريق أو تصكيك أصول قائمة‬
‫بالفعل مدرة للدخل ويمُ لّكها للمستثمرين‪ .‬ويف هذا النوع فإن‬
‫مصدر االلتزام أمام محلة الصكوك نظريا على األقل‪ ،‬هو أصحاب‬
‫االلتزامات يف هذه األصول وليس ُمصدر الصكوك‪.‬‬
‫‪2 .2‬نوع يكون الطرف املقابل فيه حلملة الصكوك هو مصدر الصكوك‬
‫نفسه‪ ،‬حبيث يتحمل هو االلتزامات أمام محلة الصكوك ويكون‬
‫هو َمصدر العائد هلم‪.‬‬
‫‏سيقتصر البحث على النوع الثاين‪ ،‬ويتناول خصوصا منتَجينْ من‬
‫املنتجات الشائعة يف صكوك اإلجارة‪ :‬البيع بشرط التأجري‪ ،‬وإجارة املوصوف‬
‫يف الذمة‪.‬‬
‫‪94‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫‏البيع برشط التأجري‬
‫‏صورة املنتج‪ :‬أن يقوم الراغب يف التمويل ( ُمصدر الصكوك) ببيع أصول عينية‬
‫للمستثمرين أو املمول بثمن نقدي مث استئجارها بأجرة مؤجلة أو مقسطة‪ .‬ويف‬
‫الغالب تنتهي العملية بعودة ملكية األصل ملصدر الصكوك‪ .‬وال تقتصر هذه‬
‫الصيغة على الصكوك بل تستخدم أيضا يف التمويل لدى املصارف اإلسالمية‪.‬‬
‫سنتناول احلالتني‪ ،‬التمليك وعدم التمليك‪ ،‬تباعا‪.‬‬
‫‏الحالة األوىل‪ :‬إجارة غري منتهية بالتمليك‬
‫‏حمل اإلشكال يف هذه الصيغة أن بيع العني يتم بثمن نقدي حاضر على أن‬
‫يستأجر املصدر العني نفسها من املمول بأجرة مؤجلة تتجاوز يف جمموعها‬
‫الثمن النقدي للعني‪ .‬واهلدف هو التمويل‪ :‬حصول العميل أو بائع العني على‬
‫اضح ومتفق عليه‬
‫نقد حاضر مقابل نقد أكثر منه مستقبالً‪ .‬وهذا اهلدف و ٌ‬
‫لدى مجيع األطراف‪ ،‬سواء كان يف العقود أو يف الوثائق األخرى املصاحبة‬
‫هلا‪.‬‬
‫‏ووجه اإلشكال الفقهي يف هذه الصيغة أن املعاملة تتضمن عينة يف‬
‫املنفعة‪ .‬بيان ذلك‪ :‬أن عقد البيع يتضمن أمرين‪ :‬نقل ملكية الرقبة‪ ،‬‏ونقل‬
‫ملكية املنفعة‪ .‬أما عقد اإلجارة فيتضمن نقل ملكية املنفعة وحدها‪ .‬فإذا‬
‫اشرتط إجارة العني بعد بيعها فهذا يعين أن منفعة العني خرجت من يد املالك‬
‫ضمن عقد البيع بثمن حاضر‪،‬‏مث رجعت املنفعة نفسها إليه بثمن مؤجل أعلى‬
‫‪1‬‬
‫من الثمن احلاضر فتكون عينة يف املنفعة (انظر الشكل ‪.)1‬‬
‫ونظري ذلك لو باع سلعتني بثمن حاضر مث اشرتى إحدامها بثمن مؤجل‪،‬‬
‫فهي عينة ثنائية يف هذه السلعة‪ ،‬‏وهي من صور العينة املمنوعة‪ .‬قال اإلمام‬
‫مالك‪« :‬إن بعت عبدين بعشرة إىل شهر فال تبتع أحدمها بتسعة نقدا وال‬
‫‪ 1‬وهذه الصورة من العينة تسمى "عكس العينة" ألن البائع هو املقرتض‪ ،‬أما إذا كان البائع هو‬
‫املقرض فهي اليت تسمى "عينة" عند اإلطالق‪.‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪95‬‬
‫سامي السويلم‬
‫بدينار نقدا‪ ،‬‏ألن بيع الراجع إليك يعد لغوا»‪ ،1‬ويف مواهب اجلليل‪ :‬من باع‬
‫ثوبني مث ً‬
‫ال بعشرة إىل شهر مث اشرتى أحدمها بثمن مؤجل ألبعد من األجل‬
‫األول كأن يشرتيه لشهرين مثال‪ ،‬‏فإن ذلك ال جيوز سواء اشرتاه مبثل الثمن‬
‫‪2‬‬
‫األول أو أقل منه أو بأكثر‪.‬‬
‫وهذا املعىن حاصل يف بيع العني بشرط استئجارها‪ ،‬‏ألن املنفعة والرقبة‬
‫متغايرتان‪،‬‏وقد يباع كل منهما مبعزل عن اآلخر‪ .‬فقد تباع الرقبة دون املنفعة‬
‫كما يف البيع مع استثناء املنفعة‪،‬‏وكما يف بيع العني املؤجرة على طرف ثالث‪.‬‬
‫وقد تباع املنفعة دون الرقبة كما يف اإلجارة‪ .‬وقد تباعان معاً كما يف مطلق‬
‫البيع للعني‪.‬‬
‫وكما تتحقق العينة يف بيع العني وشرائها‪ ،‬فإهنا تتحقق يف بيع املنفعة‬
‫وشرائها‪ ،‬وهو ما يسمى‪ :‬العينة اإلجيارية‪ .‬فقد يؤجر العميل العني بأجرة معجلة‬
‫مث يستأجرها ثانية بأجرة مؤجلة أعلى‪ ،‬وهي صورة عكس العينة‪ .‬أو يؤجر العني‬
‫بأجرة مؤجلة مث يستأجرها نقداً بأقل‪ ،‬وهي صورة العينة‪ .‬ويف كال احلالني فهي‬
‫عينة يف املنفعة ال جتوز عند من مينع العينة من مجهور الفقهاء‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪96‬‬
‫ عن التاج واإلكليل ‪.284/6‬‬
‫ مواهب اجلليل ‪ ،284/6‬وانظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبري ‪.76/3‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫وبناء على ذلك‪ ،‬فإن بيع العني بشرط استئجارها مظنة للعينة يف املنفعة‬
‫حتت ستار متلك الرقبة‪ .‬وهلذا وجدنا مجهور الفقهاء من احلنفية والشافعية‬
‫واحلنابلة مينعون اشرتاط اإلجارة يف البيع‪ 1.‬وأكد ذلك سحنون من فقهاء‬
‫املاكية حني سئل عن البيع واإلجارة‪ ،‬فقال‪« :‬جائز يف غريذلك الشيء‪ ،‬وال‬
‫‪2‬‬
‫جيوز يف ذلك الشيء بعينه»‪.‬‬
‫ونصوص مالك وأصحابه ليس فيها اجتماع إجارة العني مع بيعها‪،‬‬
‫بل نصوصهم تتعلق باجتماع إجارة العمل مع البيع‪ ،‬وليس إجارة العني‪.‬‬
‫كما لو اشرتى ثوباً وشرط على البائع حياكته‪ ،‬أو فضة وشرط عليه‬
‫صياغتها‪ 3 .‬وفرق بني إجارة العمل وإجارة العني‪ ،‬كما سيأيت‪ .‬ومن ذكر‬
‫من علماء املالكية بعدهم جواز اجتماع إجارة العني وبيعها‪ ،‬كالقاضي‬
‫ابن العريب والقاضي عبد الوهاب البغدادي‪ ،‬فإمنا ذكروه يف سياق حديث‬
‫جابر رضي اهلل عنه يف استثناء املنفعة‪ 4 .‬وسيأيت أن استثناء املنفعة ينايف‬
‫حصول العينة‪.‬‬
‫‏وعلى كل تقدير فليست كل صور اجتماع بيع العني وإجارهتا حمل هتمة‪،‬‬
‫وسيأيت بيان ذلك‪ ،‬ووجه اجلمع بني األقوال املختلفة بإذن اهلل‪.‬‬
‫الفرق بني اشرتاط اإلجارة يف البيع وبني البيع‬
‫مع استثناء املنفعة‬
‫ومما يؤكد الشبهة يف انتقال املنفعة من البائع مث عودهتا إليه‪،‬‏أن فقهاء احلنابلة‬
‫الذين منعوا اشرتاط اإلجارة يف البيع؛‏أجازوا‪،‬‏وفاقاً مع املالكية‪،‬‏البيع مع استثناء‬
‫‪ 1‬نظرية الشرط يف الفقه اإلسالمي‪ ،‬حسن الشاذيل‪ ،‬ص ‪ ،294-293 ،266-265 ،193‬وانظر‬
‫قضايا فقهية معاصرة‪ ،‬نزيه محاد‪.255 ،‬‬
‫‪ 2‬البيان والتحصيل‪.496/8 ،‬‬
‫‪ 3‬راجع البيان والتحصيل ‪284/7‬‏‪ .496 ،40/8 ،‬ومدونة الفقه املالكي ‪3/499‬‏‪ .‬وانظر أيضا‪ :‬حبث‬
‫عبد اهلل العمار وحبث نزيه محاد ضمن ندوة مصرف الراجحي‪.‬‬
‫‪ 4‬عارضة األحوذي ‪ ،10/6‬الفروق للقاضي عبد الوهاب‪ ،‬ص ‪89‬‏‪ ،‬عن نزيه محاد يف فقه املعامالت‬
‫املالية‏واملصرفية‪ ،‬ص ‪387‬‏‪.‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪97‬‬
‫سامي السويلم‬
‫املنفعة‪ ،‬كما لو باع شخص داراً واستثىن سكناها شهراً أو سنة‪،1‬‏مع أن مثن الدار‬
‫مع االستثناء أقل من مثنها من دونه‪ ،‬والفرق بينهما هو أجرة الشهر أو السنة‪.‬‬
‫فهذا بيع ُشرط فيه اإلجارة ضمناً‪ .‬وهبذا احتج احلنفية والشافعية على احلنابلة يف‬
‫جتويزيهم لالستثناء‪ .‬قالوا‪ :‬اتفقنا وإياكم على منع اشرتاط اإلجارة يف البيع‪،‬‏فلم‬
‫أجزمتوه هنا؟ واجلواب أن اإلجارة هنا ال تتتقل فيها ملكية املنفعة من البائع إىل‬
‫املشرتي مث تعود إليه‪،‬‏بل باقية يف ملكه ابتداء للمدة املتفق عليها‪ .2‬فانتفاء خروج‬
‫املنفعة وعودهتا ينفي شبهة العينة أصال‪،‬‏ولذلك اختلف احلكم‪ .‬فال تناقض بني‬
‫منع اشرتاط اإلجارة يف البيع وبني جواز استثناء املنفعة‪.‬‬
‫الفرق بني إجارة العني وإجارة العمل‬
‫ومما يؤكد ما سبق أن احلنابلة جييزون اشرتاط إجارة العمل يف البيع‪،‬‏ولو كان‬
‫العمل يف العني املباعة‪ ،‬كما لو اشرتى ثوبا على أن خييطه البائع وحنوذلك‪.‬‬
‫واحلنفية كذلك إذا كان مما جرى به العمل‪ ،3‬‏مع أن الفريقني مينعان اشرتاط‬
‫اإلجارة يف البيع كما سبق‪ .‬وواضح أن هذا االشرتاط تنتفي فيه شبهة العينة‪،‬‬
‫ألن حمل العقد هو العمل‪ .‬وليس منفعة العني‪ .‬وهذه املنفعة ال تعود للبائع‪،‬‏بل‬
‫باقية على ملك املشرتي‪ .‬فالقول جبواز اشرتاط إجارة العمل يف العني املباعة‬
‫دون إجارة العني ال تناقض فيه‪ ،‬بل هو حمض القياس‪.‬‬
‫‏ضابط املنع يف اشرتاط اإلجارة والبيع عىل عني واحدة‬
‫والضابط يف حكم اشرتاط اإلجارة يف البيع على عني واحدة هو نفسه ضابط‬
‫العينة يف سلعتني الذي سبقت اإلشارة إليه‪ .‬فمن باع سلعتني بثمن حاضر‪ ،‬مث‬
‫اشرتى إحدامها بثمن مؤجل أعلى من الثمن النقدي فهذه عينة بال ريب ألن‬
‫الثمن املؤجل تضمن قيمة السلعة األوىل والثانية معا‪ .‬ويف البيع بشرط استئجار‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪98‬‬
‫ انظر نظرية الشرط يف الفقه اإلسالمي‪ ،‬ص‪221‬‏‪271،‬‏‪.‬‬
‫ انظر حبث الكاتب "صناعة اهلندسة املالية"‪.‬‬
‫ نظرية الشرط‪ ،‬ص ‪.282 ،116‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫العني بأجرة أعلى من مثن الشراء؛ فإن األجرة تضمنت قيمة الرقبة‪ ،‬ولذلك ال‬
‫يهم يف هذه احلالة هل ترجع العني لبائعها األول أو ال؟‪ ،‬ألن املمول املشرتي‬
‫قد حصل على رأمساله وزيادة‪ ،‬فال يضره أن يرد العني من خالل هبة أو تنازل‬
‫دون مقابل‪.‬‬
‫وعلى ذلك فإن البيع بشرط استئجار العني يشرتط فيه ما يشرتط يف بيع‬
‫سلعتني مث شراء إحدامها حىت ال يدخل يف العينة احملرمة شرعا‪ .‬ومن ذلك ما‬
‫ذكره يف مواهب اجلليل‪:‬‬
‫«من باع ثوبني مث ً‬
‫ال بعشرة إىل شهر مث اشرتى أحدمها بثمن مؤجل‬
‫ألبعد من األجل األول‪ ،‬كأن يشرتيه لشهرين مثال‪ ،‬فإن ذلك ال جيوز سواء‬
‫اشرتاه مبثل الثمن األول أو أقل منه أو بأكثر‪ .‬أما إذا اشرتاه مبثل الثمن‪ :‬فألن‬
‫أحد ثوبيه قد رجع إليه وصار كأنه دفع ثوباً للمشرتي على أن يسلفه بعد شهر‬
‫عشرة يردها إليه بعد شهرين وذلك سلف جير نفعا‪ .‬وإذا اشرتاه بأكثر‪ ،‬فذلك‬
‫واضح‪ .‬وإن اشرتاه بأقل‪ ،‬ففيه البيع والسلف‪ :‬ألنه إذا اشرتاه خبمسة مث ً‬
‫ال إىل‬
‫أبعد من األجل‪ ،‬فالعشرة اليت يأخذها يف األجل بعضها مثن للثوب وبعضها‬
‫سلف يرده بعد شهر»‪.‬‬
‫قال‪« :‬وكذا ميتنع أن يشرتي أحدمها بأقل من الثمن األول نقداً للبيع‬
‫والسلف‪ :‬ألن أحد ثوبيه رجع إليه وخرج من يده ثوب ودراهم أقل من عشرة‬
‫يأخذ عن ذلك بعد شهر عشرة معا‪ .‬فما يقابل الدراهم اليت دفعها سلف‬
‫والباقي مثن‪ .‬وكذا احلكم فيما إذا اشرتاه بأقل إىل أجل دون األجل‪ .‬أما إذا‬
‫كان األجل واحداً لثمن السلعتني معا ولثمن السلعة الثانية‪ ،‬‏فاحلكم هو‬
‫اجلواز‪ .1‬وخالصة ذلك بالنسبة لعكس العينة‪ ،‬‏أن من باع سلعتني نقداً مث‬
‫اشرتى إحدامها بثمن مؤجل‪ :‬فال خيلو إما أن يكون املؤجل أعلى من النقدي‬
‫أو يساويه أو أقل‪ .‬فإن كان أعلى فهو سلف بزيادة فتكون ممنوعة‪ .‬وإن كان‬
‫يساويه‪ ،‬فهي ممنوعة ملا فيها من اجتماع السلف والبيع‪ .‬وإن كان الثمن املؤجل‬
‫‪1‬‬
‫ مواهب اجلليل ‪.284/6‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪99‬‬
‫سامي السويلم‬
‫أقل‪ ،‬فهي أيضا تنطوي على سلف وبيع‪ ،‬ولكن خيضع احلكم يف هذه احلالة‬
‫ملدى قصد الطرفني للسلف‪.‬‬
‫وتطبيق ذلك يف مسألتنا أن املنفعة والرقبة بيعتا بثمن نقدي مث اسرتد‬
‫البائع املنفعة بثمن أعلى‪ ،‬وهو األجرة املؤجلة‪ ،‬فتكون ممنوعة ملا فيها من‬
‫السلف والزيادة‪.‬‬
‫قاعدة ُم ّد عجوة‬
‫ومما يوضح وجه املنع يف حالة كون األجرة أعلى من الثمن النقدي أنه لو‬
‫فرض جدالً أن األجرة حاضرة‪ ،‬لكانت حصيلة الصفقتني مبادلة الرقبة ونقد‬
‫مقابل نقد (انظر الشكل ‪ .)1‬لكن النقد املضموم للرقبة‪ ،‬وهو األجرة‪ ،‬أكرب‬
‫من النقد املفرد وهو الثمن‪ .‬وهذه الصورة حتكمها قاعدة ُم ّد عجوة املعروفة يف‬
‫مبادلة سلعة ونقد بنقد‪ .‬وال خالف بني الفقهاء يف منع املعاملة إذا كان النقد‬
‫املفرد أقل من النقد املضموم للسلعة‪ .1‬وهذا هو احلاصل هنا‪ ،‬فإن حصيلة‬
‫الصفقتني هي مبادلة ملكية العني مع األجرة مقابل الثمن‪ .‬فإذا كانت األجرة‬
‫أعلى من الثمن النقدي مل تكن جائزة باتفاق الفقهاء‪ .‬هذا إذا افرتضنا أن‬
‫األجرة حاضرة‪ ،‬فكيف إذا كانت مؤجلة؟ فال ريب أهنا أوىل باملنع حينئذ‬
‫لوجود السلف بزيادة‪.‬‬
‫الجمع بني األقوال‬
‫مما سبق يتبني أنه ليس كل بيع وإجارة على عني واحدة يتضمن العينة‪ ،‬بل‬
‫هناك حاالت تنتفي منها‪ ،‬من ذلك‪:‬‬
‫‪1 .1‬إذا انتفى السلف من الصفقتني‪ ،‬حبيت حتصل مقاصة بني مثن‬
‫العني وبني األجرة‪.‬‬
‫‪2 .2‬إذا انتفى خروج املنفعة وعودهتا كما يف البيع مع استثناء املنفعة‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪100‬‬
‫ املوسوعة الفقهية‪ ،‬ج ‪ ،2‬ف ‪.38‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫‪3 .3‬إذا كان مثن العني من غري جنس األجرة‪ ،‬حبيث ال جيري بينهما‬
‫الربا‪ ،‬كما لو باع بنقود وأجر ببرتول أو قمح مثالً‪.‬‬
‫‪4 .4‬إذا اشرتط العمل يف العني قبل انعقاد اإلجارة‪ ،‬كما لو اشرتى‬
‫مستثمر أرضاً على أن يستخدم البائع الثمن النقدي يف بنائها‬
‫لكي يستأجرها البائع بعد ذلك بأجرة مؤجلة‪ .‬ففي هذه احلالة‬
‫وردت اإلجارة على منفعة خمتلفة عن منفعة العني اليت بيعت‬
‫أوالً‪ ،‬فال تكون من جنس اليت خرجت من يد البائع‪.‬كما أن الثمن النقدي‬
‫‪1‬‬
‫استخدم يف العمل فال توجد شبهة السلف بني مثن العني وبني األجرة املؤجلة‪.‬‬
‫وهبذا ميكن اجلمع بني قول اجلمهوريف منع اشرتاط اإلجارة يف البيع وقول‬
‫من قال باجلواز من املالكية ومن وافقهم‪ .2‬وكذلك ما يف االختيارات لشيخ‬
‫اإلسالم من جواز اجتماع البيع واإلجارة يف عقد واحد‪ .3‬ويؤكد ذلك أن‬
‫أصول املالكية متنع الذرائع الربوية من أصلها‪،‬‏وهذا هو ما قرره شيخ اإلسالم‪،‬‬
‫كما سيأيت بيانه‪.‬‬
‫شبهة املخاطر‬
‫‏والقائلون جبواز هذه الصيغة حيتجون حبجج أمهها‪ :‬أن املمول يتحمل خماطر‬
‫العني مدة اإلجارة‪،‬‏فلو هلكت العني انفسخ العقد‪،‬‏وبذلك ال يكون الدين‬
‫ثابتا مضمونا يف الذمة على كل األحوال‪،‬‏فال تكون من الربا‪ .‬كما أن نفقات‬
‫الصيانة األساسية والتأمني اليت يتحملها املؤجر قد تزيد إىل حد جيعل ما دفعه‬
‫املشرتي أكثر من مقدار األجرة‪،‬‏فال يكون قد حصل أكثر من الثمن النقدي‬
‫‪4‬‬
‫بل أقل‪.‬‬
‫‪ 1‬وهي من بعض الوجوه امتداداً لصيغة‪" :‬أبيعك على أن تتجر سنة" عند املالكية‪ .‬انظر الذخرية‬
‫للقرايف ‪.415/5‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬يف فقه املعامالت‪.287-286 ،‬‬
‫‪ 3‬األخبار العلمية‪ ،‬ص ‪.226‬‬
‫‪ 4‬انظر تعقيب حسني حامد حسان على حبث نزيه محاد ضمن ندوة الراجحي‪ .‬وهذه احلجة‬
‫تستخدم أيضاً فيما إذا عادت ملكية العني للبائع‪.‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪101‬‬
‫سامي السويلم‬
‫‏واجلواب عن ذلك‪:‬‬
‫‪1 .1‬ال يلزم يف الربا انتفاء املخاطر مطلقاً‪ .‬فلو باع شخص دراهم‬
‫حاضرة بدنانري مؤجلة لكان هذا ربا حىت لو كانت خماطر صرف‬
‫الدراهم بالدنانري عند األجل تستهلك أي زيادة قد حيصل عليها‬
‫صاحب الدراهم‪ .‬بل قد خيسر جزءا كبرياً من رأمساله بسبب تقلب‬
‫سعر الصرف‪ ،‬ومع ذلك فهذه املعاملة ربا بالنص واإلمجاع‪ ،‬سواء‬
‫ربح صاحب الدراهم أكثر من رأمساله أو خسر معظم رأمساله‪.‬‬
‫‪2 .2‬كما أن دين السلم دين غريمستقر عند مجهور الفقهاء‪ ،‬ومع‬
‫ذلك ال جيوز بيعه جبنسه إذا كانا من األموال الربوية‪ .‬فلو أسلم‬
‫شخص يف قمح مثالً‪ ،‬مث أراد أن يبيع القمح املؤجل بقمح أو متر‬
‫حاضر لكان رباً بإمجاع العلماء‪ ،‬مع أن دين السلم غري مستقر‪،‬‬
‫بل هو معرض للفسخ إذا انقطع املسلم فيه وقت السداد‪.‬‬
‫‪3 .3‬ولو أجر شخص عيناً بأجرة مؤجلة‪ ،‬مث أراد املؤجر أن يبيع‬
‫األجرة املستحقة بثمن حاضر على طرف ثالث (كما يف حسم‬
‫الكمبيالة)‪ ،‬لكان هذا ربا بال خالف بني أهل العلم‪ ،‬ألنه نقد‬
‫بنقد مع التفاضل والتأخري‪ ،‬بالرغم من أن األجرة املؤجلة ليست‬
‫مضمونة يف ذمة املستأجر‪ ،‬بل قد تنفسخ اإلجارة هبالك العني‬
‫أو تعطل منافعها‪ .‬ولكن هذا ال ينفي كون املعاملة ربا‪ .‬فضمان‬
‫َّ‬
‫الدين واستقراره يف الذمة ليس شرطاً يف ثبوت الربا‪.‬‬
‫‪4 .4‬وأقرب صورة إىل ما حنن بصدده العينة اإلجيارية‪ :‬وهي أن‬
‫يؤجرشخص عيناً بأجرة مؤجلة على أن يستأجرها بأجرة حاضرة‬
‫أقل منها‪ .‬فهذه عينة يف املنفعة ال إشكال يف منعها عند من مينع‬
‫العينة‪ ،‬بالرغم من أن الدائن يتحمل خماطر العني مدة اإلجارة‪،‬‬
‫وقد تزيد نفقات الصيانة والتأمني وحنوها على مقدار األجرة‪ .‬كما‬
‫أن األجرة املؤجلة هنا ليست مضمونة يف ذمة املستأجر‪ ،‬إذ قد‬
‫‪102‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫هتلك العني فتنفسخ اإلجارة‪ .‬ومجيع احلجج اليت ذكرها املدافعون‬
‫عن إجارة العني على بائعها حاصلة هنا‪ ،‬ومع ذلك فهذه عينة‬
‫يف املنفعة ال حتل شرعاً‪.‬‬
‫واحلاصل أن جمرد حتمل املخاطر‪ ،‬سواء خماطر العني أو خماطر الربح‪ ،‬ال‬
‫يكفي لنفي الربا‪ .‬فمىت ما آلت املعاملة إىل احلصول على نقد حاضر مقابل أكثر‬
‫منه يف الذمة فهذا هو الربا‪ ،‬فإن انضمت إليه خماطر إضافية صدق عليه قول‬
‫بل وعر‪ ،‬ال سهل فيرُ تقى وال مسني فيُنتقى!‬
‫َث على َسفح َج ٍ‬
‫القائل‪ :‬لحَ ُم جمََ ٍل غ ّ‬
‫وهذا لألسف هو احلاصل يف احليل الربوية‪ ،‬حيث تكون فيها التكاليف واملخاطر‬
‫أعلى من اليت يف القرض الربوي‪ ،‬فال هي حققت الكفاءة االقتصادية وال هي‬
‫سلمت من الناحية الشرعية‪ .‬قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه اهلل‪:‬‬
‫«من كان مقصوده أخذ ألف بألف ومائتني‪ ،‬فأخذُها على وجه الربا‬
‫الظاهر أنفع له من املعامالت الربوية‪ .‬فإنه يأخذها ألفاً ويبقى يف ذمته ألف‬
‫ومائتان‪ .‬وإذا اشرتى منه سلعة مث باعها لثالث‪ ،‬يعيدها لألول أو ال يعيدها‪،‬‬
‫فإنه يف الغالب يزداد تعبه وعمله وتنقص نفقته‪ .‬فإنه يذهب بعض املال أجرة‬
‫الدالل وبعضه من إعطاء الثالث املعني أو من خازهنا إذا بيعت‪ ،‬فال تسلم له‬
‫األلف املقصودة من املعاملة الربوية كما تسلم له مع الربا الظاهر‪ ،‬فيكون الربا‬
‫أنفع هلم من هذه احليل‪ .‬والشارع حكيم رحيم‪ ،‬ال حيرم ما ينفع ويبيح ما هو‬
‫أقل نفعاً‪ ،‬وال حيرم ما فيه ضرر‪ ،‬ويبيح ما هو أكثر ضرراً منه‪ .‬فإذا كان قد‬
‫حرم الربا فتحرميه هلذه املعامالت أشد‪ .‬ولو ق ّدر أنه أباحها‪ ،‬لكانت إباحته‬
‫ّ‬
‫‪1‬‬
‫للربا الظاهر أوىل»‪.‬‬
‫ما خرج من اليد وعاد إليها فهو لغو‏‬
‫ومما يبني ارتفاع تكاليف احليل الربوية ونقص كفاءهتا هذه القاعدة الذهبية يف‬
‫تقومي املعامالت املالية‪ .‬وهي قاعدة أصيلة يف الفقه اإلسالمي وليست مما انفرد‬
‫‪1‬‬
‫ بيان الدليل يف بطالن التحليل‪ ،‬ص ‪.268‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪103‬‬
‫سامي السويلم‬
‫به املذهب املالكي‪ ،‬‏وإن كان املالكية هلم فضل اإلظهار والتحرير والتطبيق‪،‬‬
‫لكن التأصيل موجود عند العلماء قبلهم‪.‬‬
‫قال ابن شاس‪« :‬أصل هذا الباب‪ ،‬وهو املعروف عند أهل املذهب‬
‫ببيوع اآلجال‪ ،‬‏اعتبار ما خرج من اليد وما خرج إليها‪ ،‬‏فإن جاز التعامل‬
‫عليه مضى‪ ،‬وإال بطل»‪ .1‬وقال القرايف‪« :‬واألصل أن ينظر ما خرج من اليد‬
‫وما خرج إليها‪ ،‬‏فإن جاز التعامل به صح‪ ،‬‏وإال فال‪ .‬وال تعترب أقواهلما (أي‬
‫املتبايعني) بل أفعاهلما فقط‪ .‬فهذا هو تلخيص الفرق بني الذرائع اليت جيب‬
‫‪2‬‬
‫سدها والذرائع اليت ال جيب سدها»‪.‬‬
‫فحقيقة هذه القاعدة هو عدم النطر ملا كان لغواً من تصرفات الطرفني‪،‬‬
‫‏بل ينظر للمحصلة النهائية‪ .‬فإذا كانت حمصلة التعامل بني الطرفني هي نقد‬
‫حاضر بزيادة يف الذمة كان رباً‪ ،‬‏وال عربة مبا توسط من عقود‪ .‬وإذا كانت‬
‫احملصلة بينهما هي ضمان جبعل فهو غرر‪ ،‬‏وال عربة مبا توسط ذلك من‬
‫عقود‪.‬‬
‫وهذه القاعدة مل ينفرد هبا املالكية‪ ،‬بل هي مقررة من حيث املعىن لدى‬
‫السلف‪ :‬إذ كرهوا أن يقول الشخص‪ :‬بعتُك السلعة إال نصفها أوبعتك السلعة‬
‫ويل نصفها‪ ،‬بل ينبغي أن يقول‪ :‬بعتك نصفها‪ .‬ألنه يف احلالة األوىل تتضمن‬
‫الصيغة نقل ملكية السلعة من البائع إىل املشرتي‪ ،‬مث عودة نصفها إىل البائع‪،‬‬
‫فيكون انتقال النصف غري املبيع لغواً‪ .‬فإذا قال‪ :‬بعتك نصفها‪ ،‬وقع العقد‬
‫على النصف املبيع فقط‪ ،‬فينتفي منها اللغو‪ ،‬ويصبح العقد مبنياً على حاصل‬
‫الصفقة ونتيجتها النهائية‪.‬‬
‫قال سليمان التيمي وقتادة‪« :‬كره أن يقول‪ :‬أبيعك هذه السلعة ويل‬
‫نصفها‪ ،‬ولكن يقول‪ :‬أبيعك نصفه»‪ .‬وقال ابن سريين‪« :‬كان يُكره أن تبيع‬
‫سلعتك ما كانت وتشرتك فيها بالربع»‪ .‬ومراده كراهة أن يقول‪ :‬أبيعك هذه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪104‬‬
‫ عقد اجلواهر الثمينة‪.442/2 ،‬‬
‫ الفروق‪.269/3 ،‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫السلعة ويل ربعها‪ ،‬بل ينبغي أن يقول‪ :‬بعتك ثالثة أرباعها‪ .‬وقال معمر‪:‬‬
‫يت شيئاً ودخلت‬
‫«يكره أن تقول باعت مشالك من ميينك» وقال احلسن‪« :‬ولّ َ‬
‫‪1‬‬
‫فيه»‪.‬‬
‫ونُقل مثل هذا عن اإلمام أمحد‪ .‬ففي مسائل إسحاق بن منصور أنه‬
‫سأله عمن باع شيئاً واستثىن نصفه أو ثلثه (فقال‪« :‬يبيع النصف وال يستثين»‪.2‬‬
‫وهذا يؤيد أن اإلمام أمحد يتبىن ‪-‬من حيث املبدأ‪ -‬هذه القاعدة‪ ،‬وأن العربة‬
‫عنده حباصل املبادلة أو الصفقة ونتيجتها النهائية‪ ،‬ويشهد لذلك موقفه احلاسم‬
‫من احليل عموماً‪ .‬وهذا يؤكد اتفاق أصول اإلمام أمحد وأصول اإلمام مالك‪،‬‬
‫خاصة يف أبواب البيوع‪.‬‬
‫وحكمة هذه القاعدة أن انتقال السلعة أو جزء منها مث عودته عبث‪.‬‬
‫والعبث ال يشرع‪ ،‬كما يقول ابن تيمية والشاطيب‪ .3‬وليس ذلك حجراً على‬
‫الناس يف معامالهتم‪ :‬ألن الناس عقالء‪ ،‬والعبث ليس من شأن العقالء‪ .‬فإذا‬
‫لغرض آخر‪ :‬وهو التحايل على احملرم‪ :‬إذ ما من حيلة‬
‫وجد العبث كان ستاراً ٍ‬
‫إال وتضمنت ما هو لغو ألجل التحليل‪ .‬فاملنع من العبث واللغو منع من‬
‫شيء ال ينفع العقالء‪ ،‬بل يضرهم‪ :‬ألنه يستغل يف الوصول للمحرم‪ .‬ولذلك‬
‫سد السلف رضي اهلل عنهم هذا الباب من أصله‪ ،‬كما هو شأهنم دائماً‪.‬‬
‫ومن الناحية االقتصادية فهذه القاعدة هي أساس منطق الكفاءة‬
‫االقتصادية‪ ،‬ألن العبث تكلفة دون مربر‪ ،‬فهي عبء ينايف الكفاءة‪.‬‬
‫وإذا نظرنا إىل صيغة بيع العني بشرط استئجارها‪ ،‬سواء انتهت بالتمليك‬
‫أوال‪ ،‬فإهنا ال تنفك عن اللغو‪ :‬ألن املنفعة خترج من املالك ضمن البيع مث تعود‬
‫إليه‪ .‬فإن انتهت بالتمليك‪ :‬عادت الرقبة أيضاً‪ .‬وهذا مما يثبت أن هذه الصيغ‬
‫أقل كفاءة من التمويل الربوي‪ ،‬وهو ما يشوه مظهر التمويل اإلسالمي وجيعله‬
‫جمموعة من اإلجراءات الشكلية ال لشيء إال جملرد حماكاة الصيغ الربوية‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫ مصنف عبد الرزاق‪.261-60/8 ،‬‬
‫ مسائل إسحاق بن منصور‪ ،‬رقم ‪.91‬‬
‫ بيان الدليل‪ ،‬ص‪ ،165‬املوافقات‪.395 ،249/1 ،‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪105‬‬
‫سامي السويلم‬
‫فلسفة التمويل اإلسالمي‬
‫من املمتنع أن يكون التمويل اإلسالمي الذي نزلت به الشريعة الغراء أقل‬
‫كفاءة وأقل جدوى من التمويل الربوي‪ ،‬فهذا يناقض أصل اإلميان بكمال‬
‫هذه الشريعة املطهرة ومسوها فوق كل النظم األرضية‪ .‬وإمنا فلسفة التمويل‬
‫اإلسالمي هي الربط املباشر بني التمويل وبني اهلدف املراد استخدام‬
‫التمويل ألجله‪ .‬فإن التمويل باتفاق االقتصاديني‪ ،‬وسيلة لإلنتاج والتبادل‬
‫احلقيقي‪ ،‬وليس هدفاً يف ذاته‪ .‬وحينئذ فمنطق الكفاءة يقتضي أن يتم‬
‫دمج التمويل باهلدف منه مباشرة‪ .‬وهذا هو احلاصل يف البيع اآلجل مثالً‪،‬‬
‫حيث يتضمن البيع اآلجل احلصول على السلعة‪ ،‬‏أو األصل املطلوب‬
‫بثمن مؤجل‪ .‬وهذا التأجيل للثمن متويل‪ ،‬‏لكنه مدمج ضمن املبادلة‬
‫احلقيقية‪ .‬وكذلك القول يف صيغ اإلجارة احلقيقية وصيغ املشاركة وحنوها‪.‬‬
‫فهذه الصيغ قائمة على تكامل التمويل بالغرض منه‪ ،‬‏وهذا بال ريب أعلى‬
‫كفاءة من فصل التمويل عن التبادل‪.‬‬
‫أضف إىل ذلك أن فصل التمويل عن التبادل يؤدي إىل تضاعف‬
‫املديونية واستفحاهلا على حساب الناتج احلقيقي‪ ،‬وهو ما يؤدي إىل االهنيار‬
‫والكوارث االقتصادية‪ ،‬‏كما هو حاصل عرب التاريخ وكما حصل يف األزمة‬
‫‪1‬‬
‫املالية العاملية‪.‬‬
‫فالتمويل وسيلة للحصول على النقد‪،‬‏والنقد وسيلة للتبادل‪،‬‏وللحصول‬
‫على السلع واخلدمات كما هو معلوم‪ .‬أما يف احليل الربوية لألسف فاألصل هو‬
‫النقيض‪ :‬حيث تصبح السلع واخلدمات وسيلة للحصول على النقد والتمويل‪.‬‬
‫فال عجب بعد ذلك أن تصبح هذه الصيغ أقل كفاءة‪ ،‬‏وأقل جدوى من‬
‫التمويل الربوي‪ ،‬‏فض ً‬
‫ال عن مناقضتها للمنطق االقتصادي وملقاصد الشريعة‬
‫الغراء‪.‬‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬قضايا يف االقتصاد والتمويل للكاتب‪ ،‬ص ‪ ،322 - 321‬األزمات املالية يف ضوء االقتصاد‬
‫اإلسالمي للكاتب أيضاً‪.‬‬
‫‪106‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫الحالة الثانية‪ :‬اإلجارة املنتهية بالتمليك‬
‫هناك أكثر من صورة هلذه الصيغة‪ .‬فقد تكون هي نفسها الصيغة السابقة يف‬
‫احلالة األوىل‪ ،‬لكن يضاف إليها عودة الرقبة أو ملكية العني إىل البائع‪ ،‬ويف‬
‫هذه احلالة يكون التمليك للرقبة من خالل هبة أو مقابل مثن رمزي‪ .‬وقد يكون‬
‫التمليك بالقيمة االمسية (مثن البيع النقدي) وتكون األجرة حينئذ غري متضمنة‬
‫لقيمة الرقبة (انظر الشكل ‪2‬‏)‪ .‬وهذه الصورة شائعة يف صكوك اإلجارة‪ ،‬حيث‬
‫حيصل محلة الصكوك على عوائد دورية متثل األجرة‪ ،‬مث يف هناية املدة حيصلون‬
‫على رأس املال من خالل البيع بالقيمة االمسية‪.‬‬
‫بيع الوفاء‬
‫وهذه الصيغة ال ختتلف كثرياً عن بعض صور بيع الوفاء‪ ،‬وتسمى بيع االستغالل‬
‫أو بيع الثنيا‪ ،‬أو غري ذلك من األمساء‪ .1‬وهي أن يقوم احملتاج للتمويل ببيع‬
‫عقار بثمن نقدي مث يستأجره من املشرتي مدة معينة بأجرة متفق عليها‪ ،‬على‬
‫أن البائع مىت رد الثمن للمشرتي فإن األخري يرد عليه العقار‪.‬‬
‫عمت به‬
‫قال يف مواهب اجلليل‪« :‬وأما ما يقع يف عصرنا هذا وهو مما ّ‬
‫البلوى من أن الشخص يشرتي البيت مث ً‬
‫ال بألف دينار مث يؤجره مبائة دينار لبائعه‬
‫قبل أن يقبضه املشرتي وقبل أن خيليه البائع من أمتعته بل يستمر البائع على‬
‫سكناه إياه إن كان على سكناه‪ ،‬أو على وضع يده عليه وإجازته ويأخذ املشرتي‬
‫منه كل سنة أجرة مسماة يتفقان عليها‪ :‬فهذا ال جيوز بال خالف لعدم انتقال‬
‫الضمان إليه واخلراج بالضمان‪ ،‬وهنا‏مل ينتقل الضمان لبقاء املبيع حتت يد بائعه‬
‫فال حيكم له بالغلة‪ .‬بل ولو قبض املشرتي املبيع مث أجره للبائع على الوجه املتقدم‬
‫لغو كما هو مقرر يف بيوع اآلجال وآل‬
‫مل جيز ألن ما خرج من اليد وعاد إليها ٌ‬
‫‪2‬‬
‫احلال إىل صريح الربا وهذا واضح ملن تدبره وأنصف‪ ،‬واهلل أعلم»‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫ راجع جملة جممع الفقه اإلسالمي والبحوث اليت تضمنتها‪ :‬العدد السابع‪.486-11/3 ،‬‬
‫ مواهب اجلليل‪.244-243/6 ،‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪107‬‬
‫سامي السويلم‬
‫شكل (‪ :)2‬بيع العني بشرط استئجارها مع التمليك‬
‫وواضح من هذا النص أنه حىت لو مت القبض وانتقل الضمان‪ ،‬فإن ما‬
‫حاضر بأكثر‬
‫خرج من اليد وعاد إليها فهو لغو‪ ،‬وتكون احلصيلة هي نق ٌد‬
‫ٌ‬
‫منه مؤجالً‪ ،‬وهذا هو صريح الربا كما قال املالكية وإن أجازوا اجتماع البيع‬
‫واإلجارة لكنهم ال جييزون اجتماعهما على وجه يؤدي إىل الربا‪ .‬ونظري ذلك‬
‫أن املالكية جييزون للوكيل اجلمع بني طريف العقد بإذن املوكل‪ ،‬خالفا للحنفية‬
‫والشافعية‪ ،‬لكنهم مع ذلك مينعون التوكيل يف التورق‪ .1‬فالشروط عندهم‬
‫صحيحة ما مل تؤد إىل الربا فتمنع حينئذ‪ .‬واملالكية أيضاً جييزون ملن استأجرعيناً‬
‫أن يؤجرها على املؤجر نفسه ما مل توجد هتمة سلف جر منفعة‪،2‬‏وهي العينة‬
‫اإلجيارية‪ ،‬فتمنع حينئذ‪.‬‬
‫وهذا هو أصل اإلمام أمحد‪ ،‬‏ولذلك جيوز يف املذهب تأجري ا لعني‬
‫ملؤجرها‪ ،‬‏قال املرداوي‪« :‬فإن كان حيلة مل جيز قوالً واحداً»‪ .3‬وهلذا تُقيد‬
‫العبارات املطلقة يف كالم فقهاء املذهب مبا ال يفضي إىل العينة اإلجيارية‪ .‬ومن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪108‬‬
‫ املوسوعة الفقهية‪ ،94 ،77/45 ،‬قضايا يف اإلقتصاد والتمويل اإلسالمي‪.427-426 ،‬‬
‫ الشرح الكبري‪ ،10-9/4 ،‬عن صكوك اإلجارة‪ ،‬حامد مرية‪ ،‬ص ‪.142‬‬
‫ اإلنصاف‪ ،‬ط الفقي‪.35/6 ،‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫ذلك ما قال املرداوي حول بيع الوفاء‪« :‬لو شرط خيار الشرط لريبح فيما‬
‫أقرضه مل جيز‪،‬‏نص عليه‪ ،‬وعليه األصحاب‪ .‬قلت‪ :‬وأكثر الناس يستعملونه يف‬
‫هذه األزمان ويتداولونه فيما بينهم فال حول وال قوه إال باهلل»‪.1‬‬
‫وهذا هو منهج شيخ اإلسالم ابن تيمية‪ .‬ولذلك ملا سئل عن بيع األمانة‬
‫أو الوفاء مع انتفاع املشرتي بأجرة العقار‪،‬‏قال‪ :‬إذا شرط أنه إذا جاء بالثمن‬
‫أعاد إليه العقار كان هذا بيعاً باطالً‪ ،‬‏والشرط املتقدم على العقد كاملقارن‬
‫له يف أصح قويل العلماء»‪ .‬وقال‪ « :‬إذا كان املقصود أن يأخذ أحدمها من‬
‫اآلخر دراهم وينتفع املعطي بعقار اآلخر مدة بقاء الدراهم يف ذمته‪،‬‏فإذا أعاد‬
‫إليه الدراهم أعاد إليه العقار‪ :‬فهذا حرام بال ريب‪،‬‏وهو دراهم بدراهم مثلها‬
‫ومنفعة الدار‪ ،‬وهو الربا البني‪ .‬وال فرق بني أخذ املنفعة وعوض املنفعة‪،‬‏اجلميع‬
‫حرام»‪،2‬‏مع كونه اختار جواز اجلمع بني البيع واإلجارة‪ ،‬كما سبق‪.‬‬
‫فال جيوز حتميل أقوال األئمة وعلماء املذاهب ما يناقض أصوهلم وقواعد‬
‫مذاهبهم اليت نصوا عليها يف مناسبات متعددة‪ ،‬‏بل حيمل املطلق على املقيد‬
‫والعام على اخلاص‪ ،‬وتُصان نصوص الفقهاء عن أن تكون مطية وذريعة لنقض‬
‫حمكمات الشريعة الثابتة بالنص واإلمجاع‪.‬‬
‫مقارنة بيع الوفاء بمنتج صكوك اإلجارة مع التمليك‬
‫من حيث الشكل فإن بيع الوفاء املتضمن لإلجارة أبعد عن الربا من صيغة‬
‫البيع والتأجري املنتهي بالتمليك‪ ،‬‏ألن األول فيه خيار عدم السداد‪ ،‬‏خبالف‬
‫الثاين القائم على الوعد امللزم‪ .‬وهذا يعين أن املُصدر للصكوك يف حالة بيع‬
‫الوفاء أو االستغالل له اخليار يف سداد رأس املال واسرتجاع األصل أو العني‪،‬‬
‫‏أو عدم السداد‪،‬‏ومن مث عدم اسرتداد العني‪ .‬ويرتتب على ذلك أن املُصدر ال‬
‫يتحمل مديونية يف ذمته من الناحية احملاسبية‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫ اإلنصاف‪.374/4 ،‬‬
‫ الفتاوى‪ ،396 ،335/29 ،‬األخبار العلمية‪ ،‬ص ‪.181‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪109‬‬
‫سامي السويلم‬
‫تطور صكوك اإلجارة‬
‫نوقش بيع الوفاء يف اجملمع يف ‪1412‬هـ‪992 ،‬‏‪1‬م‪ ،‬وصدر القرار ‪68‬‏‪4/‬‏‪ 7/‬مبنعه‪.‬‬
‫وكان من املناقشات املهمة اليت سبقت صدور القرار ما يلقي الضوء على ختوف‬
‫املشاركني من مصريالتمويل اإلسالمي فيما لو تبنت املؤسسات اإلسالمية هذه‬
‫الصيغة‪ .‬وكان من أبرز من أكد ذلك من املشاركني آنذاك فضيلة أستاذنا‬
‫الدكتور حممد أنس الزرقا‪ ،‬الذي أوضح كيف ميكن ألي شركة أن تبيع املبىن‬
‫الذي تقطنه أو أياً من املعدات لديها‪ ،‬للمصرف بثمن حال‪ ،‬مث تستأجره بأجرة‬
‫تعادل الفائدة‪ ،‬مث يف هناية املدة تعيد املبلغ وتنتهي ملكية املصرف للمبىن‪ .‬وهبذا‬
‫ال حاجة للبحث عن البدائل الشرعية‪ ،‬وميكن ألي مصرف ولو كان أكرب‬
‫مصرف ربوي‪ ،‬أن يصبح يف ليلة واحدة إسالميا‪ .1‬وممن أكد هذا املعىن فضيلة‬
‫ال أو مبدأً‬
‫الشيخ تقي عثماين‪ ،‬حني أوضح أن احليل ال ميكن أن تتخذ أص ً‬
‫عاما يف املعامالت املالية يف اجملتمع‪ ،‬وأنه لو حدث ذلك ألخذت املصارف‬
‫‪2‬‬
‫كلها هذا الطريق‪.‬‬
‫‏وهذه النظرة االستشرافية للمستقبل أثبت الواقع املؤسف أهنا يف غاية‬
‫الدقة‪ .‬فصناعة الصكوك مضت يف الطريق نفسه الذي حذر منه العلماء قبل حنو‬
‫عقدين من الزمن‪ .‬فالبداية‪ 3‬كانت يف ‪2001‬‏م بصيغة البيع بشرط التأجري املنتهي‬
‫بالتمليك‪،‬‏حيث يقوم املصدر ببيع أصل بثمن نقدي ليستأجره بأجرة دورية‪،‬‏مث‬
‫يف هناية املدة يشرتي املصدر األصل بقيمته االمسية‪ .4‬من الناحية النظرية فإن محلة‬
‫الصكوك حيق هلم التصرف يف العني ببيعها على غريا ملصدر‪.‬‬
‫لكن بسبب قيود أنظمة السندات الدولية تطور األمر يف ‪2002‬م‬
‫وأصبحت ملكية هذه األصول مقيدة‪،‬‏حبيث ال يستطيع محلة الصكوك الذين‬
‫ جملة اجملمع‪ ،‬ع ‪.529/3 ،7‬‬
‫ نفسه‪ ،‬ص ‪.539‬‬
‫ هذه الفقرة تعتمد على حبث رفيع حنيف‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪Rafe Haneef (2009) “From ‘Asset-Backed’ to ‘Asset-Light’ Structures: The Intricate‬‬
‫‪History of Sukuk”. ISRA International Journal of Islamic Finance. vol. 1. pp. 103126-.‬‬
‫‪ 4‬وهي ما عرفت باسم‪asset-backed sukuk :‬‬
‫‪110‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫اشرتوها التصرف فيها إال ببيعها على مصدر الصكوك نفسه بثمن مؤجل‪،‬‬
‫‏حبيث يبقى محلة الصكوك كسائر الدائنني‪ .1‬وهبذا أصبحت الصكوك يف‬
‫حقيقتها سندات دين حمض على املصدر‪.‬‬
‫سوء بعض الشروط اليت حتمي محلة الصكوك من أي اخنفاض‬
‫وزاد األمر ً‬
‫يف قيمة األصول‪ ،‬وتلزم املصدر يف هذه احلالة بشرائها‪ ،‬كما حصل يف صكوك‬
‫شركة خنيل‪ ،‬حيث ينص عقد اإلجارة على أن اخنفاض قيمة األصل (األرض)‬
‫‪2‬‬
‫ميثل فش ً‬
‫ال يف شروط العقد يلزم املستأجر‪ ،‬وهو شركة خنيل‪ ،‬بشراء األرض‪.‬‬
‫‏مث استمرت املسرية يف التدهور وظهرت يف ‪2005‬م‪ ،‬صيغة «صكوك‬
‫املشاركة»‪ ،‬حيث يشرتك مصدر الصكوك بأصل عيين بنسبة ضئيلة‪ ٪10 ،‬مثال‬
‫من قيمة املشروع أو الشركة ذات األغراض اخلاصة مقابل ‪90‬‏‪ ٪‬حلملة الصكوك‪،‬‬
‫على أن يتعهد املُصدر بشراء حصة محلة الصكوك بأكثر من قيمتها االمسية‬
‫على دفعات‪ .‬وهذه األخرية تتضمن شراء نقد بنقد مع التفاضل والتأخري‪ ،‬ألن‬
‫املصدر بشرائه حصة محلة الصكوك يكون قد اسرتد كامل األصل العيين الذي‬
‫اشرتك به‪ ،‬وفوق ذلك التزم بشراء املسامهة النقدية حلملة الصكوك قبل أن يتم‬
‫حتويل النقد إىل أعيان ومنافع‪ .‬وحىت لو كان البيع بعد حتول النقود إىل أعيان‬
‫ومنافع‪ ،‬فإن تعهد املصدر بشراء نصيب محلة الصكوك من حني إنشاء الشركة‬
‫جيعلها على أحسن األحوال عينة ثنائية ألن املصدر يكون قد باع أسهماً يف‬
‫الشركة بثمن نقدي وتعهد يف الوقت نفسه بشرائها بثمن مؤجل أعلى‪ .‬ولبالغ‬
‫األسف فإن فورة سوق الصكوك جاءت بعد ظهور هذه الصيغة‪.‬‬
‫محاوالت التصحيح‬
‫يف عام ‪2007‬‏م أصدر فضيلة الشيخ تقي عثماين تصرحيه املشهور الذي انتقد‬
‫فيه واقع الصكوك اليت رأى أن ‪85‬‏‪ ٪‬منها ليس إسالمياً يف احلقيقة‪ .‬ويف‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫ وهي ما عرفت باسم‪asset-based sukuk :‬‬
‫ وفقاً لتصريح احملامي جواد علي لصحيفة الشرق األوسط‪.2010/ 5 /5 ،‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪111‬‬
‫سامي السويلم‬
‫ورقة له وصف الصكوك بأهنا «اجتمعت فيها معظم خصائص السندات‬
‫الربوية»‪ ،‬وأصبحت «مشاهبة للسندات الربوية سواء بسواء من حيث نتائجها‬
‫االقتصادية»‪ .‬وانتقد فضيلة الشيخ تقي مسرية الصناعة بقوله‪:‬‬
‫«ال شك أن هيئات الرقابة الشرعية واجملامع والندوات الفقهية أجازت‬
‫للمصارف اإلسالمية بعض العمليات اليت هي باحليل أشبه منها بالعمليات‬
‫احلقيقية‪ .‬ولكن هذه اإلجازة كانت لتسيري عجلتها يف ظروف صعبة عدد‬
‫املصارف اإلسالمية فيها قلي ٌل جداً‪ .‬وكان املفروض أن تتقدم املصارف اإلسالمية‬
‫املؤسسة على أهداف االقتصاد اإلسالمي‪،‬‏وإىل االبتعاد‬
‫إىل العمليات احلقيقية َّ‬
‫عن مشاهبة العمليات الربوية‪،‬‏ولو خطوة فخطوة‪ .‬ولكن الذي حيدث اآلن هو‬
‫عكس ذلك‪،‬‏فإن املؤسسات املالية اإلسالمية أصبحت تتنافس يف أن تتقدم‬
‫جبميع خصائص السوق الربوية ُبعجرها وبجُ رها‪ ،‬وتأيت مبنتجات ترجع القهقرى‬
‫إىل االقرتاب من العلميات الربوية بدال من أن تبتعد عنها‪ .‬وكثرياً ما تُب ّدر هذه‬
‫‪1‬‬
‫املنتجات باحليل الىت ميجها الفكر السليم ويضحك عليها األعداء»‪.‬‬
‫‏واستجاب ًة لورقة الشيخ تقي عثماين أعد اجمللس الشرعي هليئة املعايري‬
‫احملاسبية يف شعبان ‪1428‬هـ‪ ،‬سبتمرب ‪2001‬‏م‪ ،‬بياناً لتصحيح كثرياً من االحنرافات‬
‫اليت شابت الصكوك خاصة صكوك املشاركة‪ .‬ومن ذلك منع تعهد املضارب‬
‫أو الشريك أو وكيل االستثمار بشراء األصول بقيمتها االمسية وكذلك منع‬
‫إقراض املضارب أو الشريك حلملة الصكوك عند تراجع األرباح‪.‬‬
‫ويف مسودة البيان اليت أعدت حينئذ ورد النص على أنه‪« :‬ال جيوز أن‬
‫يشتمل عقد نقل امللكية إىل محلة الصكوك أو من ميثلهم على شرط تأجري‬
‫العني بعد البيع إىل ناقل امللكية‪ ،‬وال على شرط وعد املستأجر بشرائها»‪ ،‬وفقا‬
‫‪2‬‬
‫ملا ورد يف حماضرة فضيلة الشيخ عبد اهلل بن منيع‪.‬‬
‫لكن هذه الفقرة حذفت من بيان اهليئة الرمسي الذي صدر يف صفر‬
‫‪1429‬هـ‪ ،‬فرباير ‪2008‬م‪ .‬وبدالً من ذلك أضاف البيان الفقرة التالية‪« :‬جيوز‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪112‬‬
‫ الصكوك وتطبيقاهتا املعاصرة‪ ،2008 ،‬ص ‪.14‬‬
‫ حماضرة الشيخ عبد اهلل بن منيع بالبنك اإلسالمي للتنمية‪ ،‬شعبان ‪ ،1430‬أغسطس ‪.2009‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫للمستأجر يف التعهد يف صكوك اإلجارة شراء األصول املؤجرة عند إطفاء‬
‫الصكوك بقيمتها االمسية على أن ال يكون شريكاً أو مضاربا أو وكي ً‬
‫ال‬
‫باالستثمار»‪ .1‬وإذا كان اجلميع يعلم أن املستأجر يف صكوك اإلجارة كان قد‬
‫باع األصل نقداً قبل استئجاره‪ ،‬فإن البيان بذلك يكون قد أقر العينة بالشرط‬
‫والتعهد املسبق‪ ،‬وهو ما ال جييزه أحد من أهل العلم‪.‬‬
‫ومع كون البيان كان إجيابيا يف اجلملة‪ ،‬لكن سكوته عن أوجه اخللل‬
‫املتعددة واجلسيمة يف صكوك اإلجارة مل يكن يليق باملسؤولية امللقاة على‬
‫عاتق العلماء‪ .‬فصكوك اإلجارة املنتهية بالتمليك‪ ،‬من حيث الواقع العملي‪،‬‬
‫ال ختتلف عن السندات الربوية‪:‬‬
‫‪1 .1‬فاملصدر يتعهد قبل إصدار الصكوك وقبل البيع بشراء األصل‬
‫يف هناية املدة بالقيمة االمسية‪ ،‬وبناء على هذا التعهد يتم‬
‫تصنيف الصكوك ائتمانياً‪ ،‬ومن مث تسويقها للمستثمرين‪ .‬أي‬
‫أن املصدر يلتزم بشراء األصل قبل أن تنتقل ملكية األصل إىل‬
‫محلة الصكوك‪ ،‬ولوال هذا االلتزام مل يكن محلة الصكوك ليقبلوا‬
‫شراء الصكوك أو االكتتاب فيها‪ .‬وهذه عينة بالشرط ال يقبلها‬
‫أحد من املذاهب‪.‬‬
‫‪2 .2‬ومحلة الصكوك ال ميلكون بيع األصل إال على املصدر‪ ،‬كما‬
‫سبق‪،‬‏وهو ما جيعلها عينة صرحية‪.‬‬
‫‪3 .3‬كما أن محلة الصكوك يلزمون املصدر بشراء األصل إذا اخنفضت‬
‫قيمته السوقية‪ ،‬‏وهذا ينفي مقتضى ملكيتهم لألصل وحتملهم‬
‫ملخاطره السوقية‪.‬‬
‫‪4 .4‬وبسبب تعهدات املصدر بإعادة الشراء‪ ،‬‏سواء يف هناية املدة أو‬
‫أثنائها إذا اخنفضت قيمة األصل‪،‬‏فإن الصكوك تدرج ضمن قائمة‬
‫امليزانية حتت بند االلتزامات‪ ،‬‏أو اخلصوم باعتبارها مديونية يف‬
‫‪1‬‬
‫ بيان اهليئة‪ ،2008 ،‬فقرة خامساً‪.‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪113‬‬
‫سامي السويلم‬
‫ذمته‪ .‬مع أن املفروض أن املصدر قد باع األصل بثمن نقدي ومن‬
‫مث قد حسن وضع قائمة امليزانية ومل يرهقها مبديونية إضافية‪.‬‬
‫‪5 .5‬كما أن األجرة مرتبطة بالفائدة وليست بأجرة املثل‪ ،‬‏مع لزوم‬
‫العقد للطرفني طول املدة‪ .1‬وهذا ما يؤكد طبيعة الصكوك أهنا‬
‫متويل حمض ال عالقة له باألصول احلقيقية‪.‬‬
‫هذه االختالالت الشائعة يف صكوك اإلجارة تتطلب البيان الواضح‬
‫والصريح ممن محلهم اهلل تعاىل مسؤولية بيان العلم وعدم كتمانه بضرورة‬
‫التصحيح واجتناب أوجه اخللل بكل صورها‪.‬‬
‫‏خالصة‬
‫ذكر شيخ اإلسالم رمحه اهلل أن مجاع احليل نوعان‪ :‬أن يضم إىل أحد العوضني‬
‫ما ليس مبقصود‪ ،‬كما يف مسألة ُم ّد عجوة‪ .‬الثاين أن يضم إىل العقد ما ليس‬
‫‪2‬‬
‫مبقصود‪ ،‬مثل صور العينة املختلفة‪.‬‬
‫وهذان النوعان جيتمعان يف البيع بشرط التأجري إذا كانت األجرة أعلى من‬
‫الثمن‪ .‬فإن كانت منتهية بالتمليك فهي عينة‪ ،‬وإال فهي ُمد عجوة‪ ،‬فاجتمعت‬
‫فيها أصول احليل‪ .‬والنتيجة هي ما نرى من صكوك ال ختتلف جوهرياً عن‬
‫السندات الربوية‪ ،‬ال عند املستثمرين‪ ،‬وال عند املُصدر‪ ،‬وال عند شركات التصنيف‬
‫االئتماين‪ .‬حنن حباجة إىل إعادة نظر جوهرية يف مسرية الصكوك والبحث اجلاد‬
‫عن بدائل حقيقية تنتقل بالصناعة حنو القرن احلادي والعشرين‪.‬‬
‫‪ .2‬إجارة موصوفة يف الذمة‬
‫صورة املعاملة حمل اإلشكال هي‪ :‬أن يقوم البنك بتمويل بناء مصنع مثالً‪،‬‬
‫من خالل عقد استصناع‪ ،‬على أنه إذا مت بناء املصنع‪ ،‬يقوم البنك بتأجري‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪114‬‬
‫ حول العائد املتغري‪ ،‬انظر حبث الكاتب‪" :‬املراحبة بربح متغري"‪.2009 ،‬‬
‫ القواعد النورانية‪ ،‬ص ‪.174 - 173‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫املصنع على العميل ملدة حمددة (عشر سنوات مثالً) مقابل أقساط حمددة‪،‬‬
‫غالباً مرتبطة مبؤشر الفائدة‪ .‬ويتم االلتزام بذلك من حني إنشاء عقد‬
‫االستصناع‪.‬‬
‫‏ووجه اإلشكال أن تأجري املصنع يتم قبل بنائه وقبل وجوده أصالً‪،‬‬
‫‏فاملصنع ال يزال موصوفاً يف الذمة‪،‬‏ومع ذلك فإن األجرة تثبت يف ذمة العميل‬
‫مؤجلة‪ .‬وهذا من بيع الدين بالدين اجملمع على حترميه‪ .‬ومما يوضح ذلك أن‬
‫هذه الصيغة تغين عن الوعد امللزم يف املراحبة‪ .‬إذ ال حاجة هنا للوعد‪،‬‏بل يتم‬
‫العقد بني البنك والعميل ابتداء من أول يوم‪ ،‬‏مع كون الثمن واملثمن كالمها‬
‫دين يف الذمة‪ .‬ومن قال جبواز هذه الصيغة من الفقهاء املعاصرين استند إىل‬
‫ما عرف يف الفقه اإلسالمي بإجارة املوصوف يف الذمة‪ .‬وإليضاح ذلك حنتاج‬
‫إىل التعرف على أقسام اإلجارة وصورها‪.‬‬
‫أقسام اإلجارة‬
‫سبق القول بأن اإلجارة نوعان‪ :‬إجارة عني‪ ،‬وإجارة عمل‪ .‬وكل منهما قد‬
‫يكون معيناً وقد يكون يف الذمة (انظر الشكل)‪ .‬فاألقسام إمجاالً أربعة‪ .‬ذكر‬
‫منها العالمة ابن مفلح احلنبلي ثالثة؛ فقال‪:‬‬
‫«واإلجارة أقسام‪ :‬عني موصوفة يف الذمة‪،‬‏فيُشرتط صفات سلم‪،‬‏‪،...‬‬
‫‏وعني معينة فهي كمبيع‪ ،‬‏‪ ،...‬‏الثالث‪ :‬عقد على منفعة يف الذمة يف شيء‬
‫معني أو موصوف‪ ،‬‏كخياطة‪ ،‬‏ويشرتط ضبطه مبا ال خيتلف ويلزمه الشروع‬
‫عقب العقد»‪ 1.‬وفيما يلي تفصيل األقسام‪:‬‬
‫‪1 .1‬أما النوع األول فهو تأجري عني قائمة معينة‪ ،‬مثل تأجري املنازل‬
‫واملكاتب واآلالت واملعدات وحنو ذلك‪ .‬وهذه بيع للمنافع ال‬
‫خالف يف جوازه‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫ الفروع‪ ،‬ت الرتكي‪.163 ،161-160/7 ،‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪115‬‬
‫سامي السويلم‬
‫‪.2‬‬
‫‪.3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪116‬‬
‫‪2‬النوع الثاين إجارة عني موصوفة يف الذمة دون اشرتاط عمل‪ .‬وحيث‬
‫إن العني املؤجرة موصوفة يف الذمة‪ ،‬وليست معينة‪ ،‬فإن منافعها‬
‫تكون دينا يف الذمة فتكون سلماً يف املنافع‪ ،‬وهو جائز عند اجلمهور‬
‫خالفاً للحنفية الذين ال جييزون السلم يف املنافع ألهنا ليست أمواالً‪.1‬‬
‫فاجلميع متفقون على التكييف بأهنا سلم يف املنافع‪ ،‬ولكن خيتلفون‬
‫يف احلكم‪ :‬فاجلمهور جييزون واحلنفية مينعون‪.‬‬
‫‪3‬النوع الثالث إجارة عمل من شخص بعينه‪ ،‬كأن يتعاقد مع مقاول‬
‫لبناء بيت‪ ،‬أو مهندس لبناء آلة وحنو ذلك‪ ،‬ويكون العقد متعلقاً‬
‫ اإلجارة‪ ،‬حامد مرية‪ ،‬ص ‪.168 ،167‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫بذات العامل‪ ،‬فليس للمقاول أو املهندس أن يتعاقد من الباطن‬
‫مع طرف آخر‪ ،‬بل جيب أن يتوىل العمل بنفسه‪ .‬وهلا حالتان‪ :‬أن‬
‫تكون العني حمل العمل (مواد البناء أو اآللة) معينة‪ :‬كأن يقول‬
‫له‪ :‬ابن البيت هبذه املواد‪ ،‬أويطلب تصميم اآللة باستخدام مواد‬
‫حيددها املستأجر‪ .‬أو تكون املواد موصوفة حيضرها العامل أو‬
‫األجري‪.‬‬
‫‏أما احلالة األوىل فهي إجارة عمل ال خالف فيها عند‬
‫اجلميع‪ .‬أما احلالة الثانية فهي جائزة عند اجلميع أيضا لكنها‬
‫تدخل إمجاالً ضمن االستصناع عند احلنفية‪ ،‬حيث يكون العمل‬
‫‪1‬‬
‫واملادة من الصانع‪.‬‬
‫‪4 .4‬النوع الرابع إجارة عمل يف الذمة‪ ،‬حبيث حيق للعامل أو األجري‬
‫أن يتعاقد من الباطن مع غريه لتنفيذ العمل‪ ،‬وال يلزم أن يقوم به‬
‫بنفسه‪ ،‬وهلذا يعد العمل يف ذمته وليس معيّناً بشخصه‪ .‬وهذه‬
‫الصيغة يعرب عنها الفقهاء يف مناسبات عدة بكوهنا إجارة منفعة‬
‫يف الذمة‪ .‬وهذا النوع له حالتان كما يف النوع السابق‪ ،‬حيث قد‬
‫تكون املادة معينة وقد تكون موصوفة‪ .‬وظاهر من صنيع الفقهاء‬
‫أنه ال فرق بني هاتني احلالتني بل احلكم واحد هلذا النوع‪.‬‬
‫واملالكية والشافعية يسوون بني هذا النوع وبني النوع الثاين‪ ،‬وهو العني‬
‫املوصوفة يف الذمة يف اشرتاط تعجيل األجرة‪ ،‬لكون العمل مضمونا يف ذمة‬
‫األجري‪ .‬قال ابن رشد اجلد‪« :‬العمل على عمل شيء بعينه كنسج الغزل‬
‫وخياطة الثوب تنقسم إىل قسمني‪ :‬أحدمها أن يكون مضموناً يف ذمة األجري‪،‬‬
‫والثاين متعيناً يف عينه‪ .‬فأما إذا كان مضمونا يف ذمته فال جيوز إال بتعجيل‬
‫األجر أو الشروع يف العمل‪ ،‬ألنه مىت تأخرا مجيعا كان الدين بالدين‪ ،‬فال‬
‫‪ 1‬املوسوعة الفقهية‪" ،‬استصناع"‪ ،‬ج ‪ ،3‬ف ‪ .2‬وقد يفرق بينهما بأن حمل العقد يف االستصناع هو‬
‫العني املصنوعة‪ ،‬أما اإلجارة فمحل العقد هو العمل‪ ،‬لكن املآل واحد إذا كانت املادة من العامل‪.‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪117‬‬
‫سامي السويلم‬
‫جيوز إال تعجيل أحد الطرفني أو تعجيلهما مجيعا»‪ .1‬وقال النووي‪« :‬فاإلجارة‬
‫قسمان‪ :‬واردة على العني كمن استأجر دابة بعينها‪ ،...،‬أو شخصاً بعينه‬
‫خلياطة ثوب‪ ...‬وواردة على الذمة كمن استأجر دابة موصوفة للحمل أو‬
‫‪2‬‬
‫الركوب‪ ،‬أو قال‪ :‬ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب»‪.‬‬
‫أما احلنابلة فيشرتطون يف هذا النوع الشروع يف العمل‪ .‬قال ابن مفلح‪:‬‬
‫الثالث‪« :‬عقد على منفعة يف الذمة يف شيء معني أو موصوف‪ ،‬‏كخياطة‪،‬‬
‫ويشرتط ضبطه مبا ال خيتلف ويلزمه الشروع عقب العقد»‪.3‬وهم مع ذلك‬
‫‪4‬‬
‫يثبتون خيار الشرط يف اإلجارة يف الذمة‪.‬‬
‫وهذا النوع هو الذي ذكره ابن قدامة رمحه اهلل فيه وجهني‪ :‬اشرتاط‬
‫‪5‬‬
‫تعجيل األجرة أو عدمه‪ ،‬كما توضحه مصادر الفقه احلنبلي األخرى‪.‬‬
‫وجمموع أحكام هذا النوع عند احلنابلة يبني أهنم ال يسقطون عليه‬
‫كل أحكام السلم‪،‬‏بل يتوسعون فيه أكثر من املذاهب األخرى‪ .‬وهم بذلك‬
‫يقرتبون كثرياً من احلنفية ألن هذا النوع يدخل ضمن االستصناع إذا مل يشرتط‬
‫املستصنع قيام الصانع بالعمل بنفسه‪.‬‬
‫وعلى كل تقدير فال خالف بني الفقهاء يف أن النوع الثاين‪،‬‏وهو إجارة‬
‫عني موصوفة يف الذمة ليس فيها عمل‪،‬‏أنه دين يف الذمة‪،‬‏فيأخذ حكم السلم‪.‬‬
‫وإمنا وقع اخلالف حول صيغة العقد إذا تعني الثمن‪،‬‏وهو املسألة التالية‪.‬‬
‫صيغة العقد‬
‫يفرق الشافعية واحلنابلة يف صور السلم يف املنافع بني ما إذا عقد العقد بلفظ‬
‫السلم أو بلفظ اإلجارة‪ .‬وكذلك احلال إذا كان املعقود عليه سلعة موصوفة‬
‫‪ 1‬البيان والتحصيل‪.410-409/8 ،‬‬
‫‪ 2‬روضة الطالبني‪ ،‬ط عامل الكتب‪.248/4 ،‬‬
‫‪ 3‬الفروع‪ ،163/7 ،‬ونص عليه املرداوي يف اإلنصاف‪.44/6 ،‬‬
‫‪ 4‬الشرح الكبري مع اإلنصاف‪.290-289/11 ،‬‬
‫‪ 5‬الكايف‪ ،‬ت الرتكي‪ ،393 - 392/ 3 ،‬الشرح الكبري مع اإلنصاف‪ .510 - 508/ 14 ،‬وقارن‪:‬‬
‫"ضوابط إجارة اخلدمات واإلجارة املوصوفة يف الذمة"‪ ،‬عبد الستار أبو غدة‪ ،‬جملة اإلقتصاد اإلسالمي‪،‬‬
‫صفر ‪1430‬هـ‪ ،‬ص ‪.19‬‬
‫‪118‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫وليس منفعة‪،‬‏فيفرقون بني ما إذا عقد العقد بلفظ السلم أو بلفظ البيع‪ .‬وظن‬
‫البعض أن هذا التفريق شكلي أو لفظي‪،‬‏وليس كذلك‪،‬‏بل هذا التفريق خيتص‬
‫مبا إذا كانت النقود (األجرة أو الثمن) معينة عند العقد‪ ،‬كأن يقول‪ :‬أسلمت‬
‫إليك هذا الدينار‪ ،‬أو اشرتيت هبذا الدينار‪ ،‬ويتم التصريح باسم اإلشارة إىل‬
‫الدينار‪ .‬وذلك أن النقود تتعني بالتعيني عند الشافعية واحلنابلة‪ ،1‬فإذا قال‪:‬‬
‫هذا الدينار فقد تعني الثمن‪،‬‏ويف هذه احلالة ال يبقى الثمن أو األجرة يف ذمة‬
‫املشرتي أو املستأجر‪ .‬فلو تفرقا قبل قبض الدينار مل يكونا قد تفرقا عن دين‬
‫بدين ألن الثمن تعني وخرج من ذمة املشرتي أو املستأجر‪،‬‏خبالف املعقود عليه‬
‫إذ ال يزال يف ذمة األجري أو البائع‪.‬‬
‫لكن لو قال‪ :‬أمسلت إليك هذا الدينار‪،‬‏فإن لفظ أسلمت إليك يقتضي‬
‫تسليم الثمن أو األجرة‪،‬‏فإن تفرقا قبل القبض مل جيز ليس ألنه دين بدين ولكن‬
‫ألنه ينايف التسليم الذي هو مقتضى العقد‪ .‬أما احلنفية واملالكية فالنقود عندهم ال‬
‫تتعني بالتعيني‪،‬‏ولذلك ال فرق عندهم بني قوله‪« :‬أسلمت إليك هذا الدينار»‪،‬‬
‫أو «أسلمت إليك ديناراً» أو «اشرتيت هبذا الدينار» و«اشرتيت بدينار»‪ ،‬فالكل‬
‫سواء ألن النقود عندهم دائماً يف الذمة وال خترج منها إال بالقبض‪ .‬فلو تفرقا قبل‬
‫القبض لكانا قد تفرقا عن دين بدين‪،‬‏سواء عقد بلفظ السلم أو البيع أو اإلجارة‪.‬‬
‫فاخلالف بني احلنفية واملالكية من جهة‪ ،‬وبني الشافعية واحلنابلة من‬
‫جهة أخرى‪ ،‬ليس خالفا حول صيغة العقد‪ ،‬بل هو خالف مبين على كون‬
‫النقود تتعني بالتعيني أو ال‪ .‬فمن قال تتعني بالتعيني فرق بني لفظ السلم‬
‫ولفظ البيع أو اإلجارة إذا تعني الثمن‪ .‬وهذا التفريق خاص مبا إذا تعني‬
‫الثمن‪ ،‬ولذلك ينص الفقهاء على عبارة‪« :‬أسلمت إليك هذا الدينار»‪ ،‬كما‬
‫هو صريح عند الشافعية واحلنابلة‪ .2‬ولذلك قال يف أسىن املطالب‪ « :‬جيب‬
‫تعيني رأس املال يف اجمللس إذا كان (أي املبيع) يف الذمة‪ ،‬ليخرج عن بيع‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫ املوسوعة الفقهية‪" ،‬مثن"‪.11-9/15 ،‬‬
‫ روضة الطالبني‪ ،‬ط عامل الكتب‪ ،251/4 ،‬شرح منتهى اإليرادات‪ ،‬ت الرتكي‪.29/4 ،‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪119‬‬
‫سامي السويلم‬
‫الدين بالدين»‪ .1‬وقد تتبع فضيلة الدكتور العياشي فداد نصوص الفقهاء من‬
‫املذهبني‪ ،‬الشافعي واحلنبلي‪ ،‬مبا يشهد هلذا املعىن‪ .2‬لكن بعض املتأخرين مل‬
‫يتنبه إىل مسألة التعيني فظن املسألة لفظية وليست كذلك‪.‬‬
‫وهذا اخلالف يف كون النقود تتعني بالتعيني أو ال يعكس تعدد وظائف‬
‫النقود‪ .‬فالنقود وسيط للتبادل‪ ،‬وهي أيضاً خمزن ومستودع للثروة‪ .‬فمن حيث‬
‫هي وسيط للتبادل فال قيمة هلا يف ذاهتا‪،‬‏ولذلك ال تتعني بالتعيني إذ ليس هلا‬
‫يف نفسها قيمة مستقلة‪ .‬لكن من حيث كوهنا خمزناً ومستودعاً للثروة فلها قيمة‬
‫مستقلة ولذلك تتعني بالتعيني‪ .‬وهذا مما يبني عظمة الفقه اإلسالمي وعالقته‬
‫العميقة بالنشاط االقتصادي‪.‬‬
‫حكم إجارة املوصوف يف الذمة‬
‫وبناء على املناقشة السابقة فإن الصيغة الشائعة إلجارة املوصوف يف الذمة‬
‫تندرج ضمن النوع الثاين اليت ال إشكال يف وجوب تعجيل األجرة فيها إال إذا‬
‫تعني الثمن عند التعاقد‪ .‬واعتماد من قال باجلواز من املعاصرين على التفريق‬
‫بني لفظ السلم ولفظ اإلجارة‪،‬‏دون التفات للمعىن الذي أوجب هذا التفريق‪،‬‬
‫‏فيه تشويه للشريعة املطهرة‪،‬وكأن األحكام الشرعية ختتلف باختالف األلفاظ‬
‫اجملردة مع كون املعاين واحدة‪ ،‬وهو ما جتل عنه الشريعة الكاملة‪ ،‬هذا باإلضافة‬
‫إىل كونه ينايف ما نص عليه الفقهاء أنفسهم‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫خاتمة‬
‫لقد حققت الصناعة املالية اإلسالمية جناحات متعددة‪ ،‬وقام العلماء بدور‬
‫مشكور يف ترشيد الصناعة حبسب اإلمكان‪ .‬لكن الواقع يبني أن هناك الكثري‬
‫مما حيتاج إىل مراجعة وتصحيح‪ .‬وال ينبغي الوقوف عند هذا احلد‪،‬‏بل ال بد‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪120‬‬
‫ أسىن املطالب‪ ،124/2 ،‬نق ً‬
‫ال عن البيع على الصفة‪ ،‬العياشي فداد‪ ،‬ص ‪.60‬‬
‫ البيع على الصفة‪ ،‬ص ‪.62-59‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫منتجات صكوك اإلجارة‬
‫من توجيه اجلهد للبحث عن بدائل وحلول مستمدة من أصول الشريعة املطهرة‬
‫ومقاصدها‪،‬‏وال يكفي أن نظل يف دائرة النقد والتوجيه‪ .‬والصناعة متلك اليوم‬
‫من املقومات ما يكفي لكي تأخذ زمام املبادرة يف االبتكار والتطوير املايل‬
‫النافع‪ ،‬‏وأن تتجاوز مرحلة التقليد واحملاكاة للصناعة التقليدية‪ ،‬‏خاصة بعدما‬
‫أثبتت األيام عقم املنتجات التقليدية والعواقب الوخيمة اليت ميكن أن تفضي‬
‫إليها‪.‬‬
‫‏واحلمد هلل رب العاملني‪.‬‬
‫مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب ‪2010‬‬
‫‪121‬‬