تحميل الملف المرفق

‫‪1‬‬
‫بسم هللا الرمحن الرحيم واحلمد هلل رب العاملني‬
‫وصلى هللا على سيدان حممد وآله وصحبه‬
‫الدولة اإلسالمية‬
‫شرعية الوجود وآلية التأسيس والتشريع والتسيري‬
‫لفضيلة الشيخ عبد الكرمي مطيع احلمداوي‬
‫الحلقة األولى‬
‫النظام السياسي لدى المسلمين‬
‫بني استبداد سافر ونقل أعمى واجتهاد تربيري سائب‬
‫تعاين األمة اإلسالمية يف جمال تدبري شأهنا العام آفتني تعوقان مسرية هنضتها‪ ،‬آفة فكرية‬
‫بتأرجحها بني اجتهاد تربيري سائب ونقل أعمى‪ ،‬وآفة تسلط أنظمة حكم صادرت أمرها اجلامع‬
‫وعجزت عن توفري العيش الكرمي هلا داخليا‪ ،‬ومحايتها من الغزو األجنيب خارجيا‪.‬‬
‫هبذه احلالة املرضية سجلت األمة أكرب غياب هلا عن عصرها‪ ،‬وجعلت بينها وبينه أمدا بعيدا‬
‫وسدا متينا‪ ،‬وفجوة شاسعة من الضعف والعجز والتخلف احلضاري والثقايف يف مجيع جماالت‬
‫احلياة‪ ،‬حقوقا وواجبات وعدالة وحرايت‪،‬ومنعة وندية لغريها من األمم والشعوب‪.‬‬
‫ولئن كان أم ر األمة اجلامع ال يصلح إال مبا صلح به أوهلا‪ ،‬وكان نظام احلكم أول ما‬
‫انتقض من عرى اإلسالم‪ ،‬كما أشار إىل ذلك رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فإن نقطة البدء‬
‫ينبغي أن تكون معاجلة الشأن السياسي الذي اختل فكرا وتنظريا وتطبيقا منذ سقوط اخلالفة‬
‫الراشدة وملا يشتد عودها‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫ولئن كان األمل معقودا على مفكري الصحوة املعاصرة يف تطوير صياغة شرعية هلذا‬
‫األمر انبثاقا من الكتاب والسنة‪ ،‬فإن هذا األمل قد خاب بلجوء كثري منهم إىل تلفيقات تنظريية‬
‫الستبداد سلطاين منتزع من التاريخ‪ ،‬مموهة بدميقراطية غربية مستوردة ‪ ،‬أجنبت حلوال هجينة‬
‫عاجزة‪ ،‬مل ترض مرجعا عقداي وال مصدرا أجنبيا‪.‬‬
‫أما على صعيد املمارسة امليدانية فإن األجنيب املتحكم مل يرتك لنا إال أن ننتهج دميقراطية‬
‫على مقاس مصاحله االقتصادية والسياسية والعسكرية‪ ،‬وأراتله الفكرية والثقافية والعقدية‪ ،‬حتت‬
‫غطاء عوملة فجة لقطيعي الذائب واخلرفان‪.‬‬
‫يف ظل هذه الظروف القاسية‪ ،‬وحتت مظلة هذه الفجوة احلضارية الشاسعة‪ ،‬وعلى يد‬
‫هذه األنظمة االستبدادية‪ ،‬اهنارت احلواجز لدينا حكاما وحمكومني‪ ،‬بني الوفاء واخليانة‪ ،‬وبني‬
‫الوالء والرباء‪ ،‬وبني احلالل واحلرام‪ ،‬والكرامة والنذالة‪ ،‬بني الصدق مع النفس والوطن واألمة‪،‬‬
‫والتعلق ابلغزاة والظلمة واحملتلني‪.‬‬
‫حكام يستنجدون ابلعدو لقمع شعوهبم وترويضها‪ ،‬وشعوب تستغيث ابألجنيب‬
‫لنصرهتا على حكامها‪ ،‬وبني استنصار أولئك ابخليانة‪ ،‬واستقواء هؤالء ابلغدر‪ ،‬تنهار قيم وتنحل‬
‫جمتمعات وتتفسخ أخالق‪ ،‬ويعبث ابملاضي واحلاضر واملستقل‪ ،‬ويتالعب ابلثوابت واملتغريات‪،‬‬
‫وتعيث فسادا يف أوطاننا مراكز غزو مرتبصة ودوائر استعمار متحفز‪.‬‬
‫فهل من سبيل إىل هنوض من هذه الكبوة املزمنة اليت نقاسيها‪ ،‬وردم هلذه الفجوة الرهيبة‬
‫اليت تفصلنا عن عصران؟‬
‫نعتقد أن البيوت تؤتى من أبواهبا‪ ،‬والرتميم يكون ملا اهندم من البناء‪ ،‬وقد كان احلكم‬
‫أول ما انفرط من العقد واهندم من الصرح‪ ،‬فليكن مقدمة ما يصحح وأول ما يصلح‪ ،‬وفاحتة ما‬
‫يعاد تشييده‪.‬‬
‫إن نظام اإلسالم السياسي احلق إن قام يف أمته‪ ،‬احنلت عقد شعوهبا‪ ،‬وحتررت طاقات‬
‫علمائها وفقهائها‪ ،‬وانطلقت من عقاهلا عبقرية مبدعيها ومنتجيها‪ ،‬واستحثت اخلطا حنو‬
‫اإلصالحات الكربى املنشودة‪ ،‬واختزلت مراحل الطريق حنو العزة واملنعة ومحاية الذات وتطوير‬
‫احلياة‪.‬‬
‫إال أن مسرية الصحوة املعاصرة حنو هذا اهلدف تعرتضها عوائق لدى كثري من مفكريها‬
‫والعاملني هلا‪ .‬يف مقدمة هذه العوائق اعتبار النظام السياسي يف اإلسالم مشخصا يف دولة فوقية‬
‫‪3‬‬
‫تعد سلطة عليا هلا من التفويض اإلهلي وصالحية التقنني ‪ ،‬وأحقية االستئثار ابحلكم واحتكار‬
‫القدرة على التمييز بني الواجب واحملرم واملهم واألهم‪ ،‬وترتيب أولوايت البناء واإلجناز والتشييد‪،‬‬
‫وأسبقيات املدافعة مطاولة ومصاولة‪ ،‬ومشروعية استعمال القوة واإللزام ابلتطبيق والتنفيذ‬
‫واالمتثال‪ ،‬ما جيعلها مطلقة املسؤولية عن تدبري احلياة االجتماعية لألمة‪ ،‬وصاحبة احلق األعلى يف‬
‫اهليمنة واحتكار اخلريات واملنافع جلبا وتوزيعا‪.‬‬
‫من هنا كانت بداية االنفراج يف زاوية االحنراف عن النهج اإلسالمي الرشيد‪ ،‬ومن هنا‬
‫أيضا ينبغي أن تبدأ حماولة اإلصالح والرتشيد‪ ،‬بتوثيق عرى ما انتقض‪ ،‬كما ورد عن رسول هللا‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬
‫أما العائق الثاين هلذه املسرية فاحنصار تفكري منظريها بني منهجني ال يغادروهنما وال‬
‫يربحون ساحتهما‪ ،‬منهج النظم الدميقراطية ومنهج فقه األحكام السلطانية‪ ،‬وذاك ما عرقل‬
‫االجتهاد وثبط اهلمم عن مواصلة السعي لبناء تصور سليم لنظام احلكم يف اإلسالم‪.‬‬
‫إن سجن االجتهاد السياسي يف دائرة مصطلحني غريبني عن روح اإلسالم‬
‫وهنجه‪،‬مصطلح الدميقراطية ومصطلح األحكام السلطانية‪ ،‬ليس من شأنه إال أن حيول دون النظر‬
‫السليم للحل األمثل واخلطو القومي حنو اهلدف‪.‬‬
‫ذ لك أن النظام الدميقراطي وما استنبته الغرب من تراث اليوانن‪ ،‬مما يهرف به احلداثيون‬
‫املسلمون وبعض منظري الصحوة اإلسالمية املعاصرة‪ ،‬ال يستطيع استيعاب الشأن العام لألمة‬
‫املسلمة عقيدة وشريعة ونظام حياة‪ ،‬نظرا حملدودية مضمونه‪ ،‬واقتصاره على الشأن الدنيوي‬
‫املادي الصرف‪ ،‬واستبعاده أمر الدين عن نظام الدولة واجملتمع‪ .‬ولئن كان ال يتعارض مع داينة‬
‫الغرب املسيحية اليت انكفأت يف كنيستها وغيبياهتا‪ ،‬فإن من املتعذر انسجامه مع اإلسالم الذي‬
‫نظم دقيق أمور احلياة املادية والروحية وجليلها‪.‬‬
‫أما مصطلح " األحكام السلطانية " الذي ابتدعه فقهاء املسلمني ومتكلموهم‬
‫وفالسفتهم‪ ،‬إلضفاء الشرعية على نظم فردية قامت بعد سقوط اخلالفة الراشدة‪ ،‬وتربير تصرفات‬
‫حكامها‪ ،‬فإنه كذلك قاصر عن استيعاب مستجدات العصر يف مجيع جماالت النشاط اإلنساين‪،‬‬
‫وعاجز عن مسايرة الرشد الذي بلغته البشرية املعاصرة‪.‬‬
‫إن أقصى ما حبثه الفقهاء مل يتجاوز يف أهم مفرداته مواضيع أهنكوها شرحا وحبثا‪ ،‬مبا ال‬
‫يتجاوز نظام حكم فردي مستبد ‪ ،‬مستظهرين أبدلة ال تتعدى نصوصا متعسفة التأويل‪ ،‬ظنية‬
‫‪4‬‬
‫الثبوت أو الداللة‪ ،‬أو أمارات قياس فاسد واستصحاب غيب‪ ،‬أو مصلحة هوى رئيس‪ ،‬أو اتقاء‬
‫فتنة تعكري مزاج أمري‪.‬‬
‫إن هذا الفقه منذ أسسه معاوية ميدانيا‪ ،‬واملاوردي تنظريا وتربيرا‪ ،‬مل يتجاوز يف أهم‬
‫مباحثه قضااي متعلقة ابإلمامة وأهل االختيار ووالية العهد وتقليد الوزراء واألمراء ووالة‬
‫االستكفاء واالستيالء‪ ،‬واملظامل وإمامة الصلوات اخلمس واحلج والقضاء والصدقات والفيء‬
‫والغنيمة واجلزية واخلراج وملكية األرض مواات ومحى ووقفا وإقطاعا وركازا‪ ،‬وأحكام العقوابت‬
‫حدودا وتعزيرا‪ ،‬وأحكام احلسبة أمرا ابملعروف وهنيا عن املنكر‪.‬‬
‫هذه املباحث أوسعها السلف من الفقهاء واملتكلمني على مدار التاريخ اإلسالمي دراسة‬
‫وحتليال وحماوالت فاشلة للتطوير‪ ،‬وأهنكها اخللف املعاصرون تلقيحا ابلفكر الغريب دون جدوى‪.‬‬
‫ذلك أن مثلبة عدم مالءمتها للنظام السياسي اإلسالمي احلق مما ال جيادل فيه متفقه‪ ،‬أما املثلبة‬
‫األخرى فقصور أحكام هذا الفقه عن تغطية مستجدات العصر وعجزه املطلق عن فهمها‬
‫واستيعاهبا ووضع احللول املناسبة هلا‪.‬‬
‫ذلك أن البشرية قد بلغت يف راهن زمننا‪ ،‬بيقظة فطرهتا وعميق وعيها بكرامتها وثقتها‬
‫بثقافتها واعتدادها بنضج عقلها‪ ،‬مبلغا أصبح به متعذرا تعايشها مع كل ضروب احلكم الفردي‪،‬‬
‫فقامت بذلك يف كثري من األقطار نظم حتاول ترويض االستبداد وجلم القهر واالستغالل‪ ،‬وضمان‬
‫العيش ا لكرمي لكافة طبقات اجملتمع؛ كما زلزلت عروش رفضت مسايرة عصرها يف أقطار أخرى‬
‫بثورات وانتفاضات شعبية مستقاة شعاراهتا من فلسفة الدميقراطية أوفقه األحكام السلطانية‬
‫الرتاثية‪ ،‬وإن كان جوهر غاايهتا التمكن من حق تدبري شأهنا العام بنفسها دون وصاية أو حتكم‪.‬‬
‫ولئن كان الغرب مبا أويت علماؤه ومفكروه من سلوكيات ثقافية راقية‪ ،‬حتفزهم إىل‬
‫مواصلة البحث والتنقيب‪ ،‬مهما بلغوا ويبلغون‪ ،‬دون كلل أو ملل أو قصور مهم وطموح‪ ،‬قد‬
‫ساهم يف تطوير تراثه اليوانين السياسي مبا يضمن مستوى من املشاركة يف تدبري الشأن العام‪،‬‬
‫ابختيار احلكام ومراقبتهم وحماسبتهم وعزهلم أو إقرارهم عند احلاجة‪ ،‬فإن الفقه السياسي لدى‬
‫املسلمني ظل يراوح مكانه يف حلقة مفرغة من فقه سلطاين مموه بصباغ من الشريعة ابهت أو‬
‫تلفيقات من ثقافة غربية شفافة‪.‬‬
‫إن فقه األحكام السلطانية لدى القدامى واحملدثني عجز عن مغادرة شرنقة حاكم فرد‬
‫بيده مجيع السلطات عظيمها وهينها عمليها ونظريها دينيها ودنيويها‪ ،‬يعني املسؤولني أو يعزهلم‪،‬‬
‫‪5‬‬
‫ويوزع العقارات أو حيتكرها‪ ،‬ويقيم احلد أو يعفي منه‪ ،‬ويعزر على اجلنحة تعزيره على اجلناية‪،‬‬
‫ويطلق زوجات املخالفني ويزوجهن ملن يشاء‪ ،‬ويقتل العلماء أو يسجنهم أو جيلدهم للشبهة‬
‫والظن‪.‬‬
‫فقه سلطاين هذا شأنه‪ ،‬كيف يستوعب الرشد الذي بلغته البشرية حاليا‪ ،‬وصارت به تواقة إىل‬
‫نظم سياسية جتعل قرارها بيدها أتسيسا وتنفيذا ومراقبة وحماسبة وتطويرا‪ ،‬نظم تبين هبا حياة كرمية‬
‫تضمن احلرايت العامة رأاي وتعبريا واجتماعا وتنقال وتعليما وتكافال‪ ،‬على قواعد تسود فيها إرادة‬
‫اجلماعة على إرادة أجهزة التسيري والتنفيذ والرتويض؟‬
‫كيف يستوعب نظما حديثة ومتطورة‪ ،‬غايتها بناء الدولة اخلادمة لألمة ‪ ،‬مبؤسساهتا‬
‫العامة وزارات وهيئات‪ ،‬وقواعدها املعقدة للتوظيف والرتقية واحملاسبة‪ ،‬وإداراهتا املركزية واحمللية‬
‫منشآت ومرافق ومراكز جتارية واقتصادية وصناعية وعلمية‪ ،‬وتشريعاهتا املتطورة ميزانية وضرائب‬
‫ومستحقات وديوان وقروضا وطنية وأجنبية‪ ،‬ومراكزها املتخصصة يف تطوير العلوم والصناعة‬
‫واالقتصاد والبيئة مبا يوفر للدولة احرتامها وسيادهتا ومكانتها الالئقة هبا بني الدول؟‬
‫كيف يستوعب مناشط للحياة متطورة ومشاكل حوادث وأحداث مستجدة‪ ،‬يضيق عنها‬
‫جراب تراثه‪ ،‬بنظام قضائي اتسعت شعبه ومراتبه‪ ،‬فعرف القضاء اجلالس والواقف‪ ،‬والتقاضي‬
‫االبتدائي واالستئنايف ومراجعات النقض واإلبرام؟ واختذت له القواعد املكتوبة املنشئة لألحكام‬
‫واملنظمة ملساطر اإلجراءات‪ ،‬واستحدث فيه نظام االختصاص يف املنازعات اجلنائية واملالية‬
‫والتجارية واألسرية… ضماان للعدل واملساواة واحلرية واألمن واحلقوق‪.‬‬
‫هذه اجملاالت اليت عرفتها البشرية وحتاول ضبطها وتنظيمها وتطويرها‪ ،‬ال قبل لفقه‬
‫األحكام السلطانية الرتاثية ابستيعاهبا أو تغطية مساحاهتا وحل إشكاالهتا‪ ،‬وذاك ما يؤكد أنه جمرد‬
‫فقه بشري ال صلة له جوهرية ابلنظام السياسي الذي وضعه رب العباد‪ ،‬وال عربة مبا موه به من‬
‫تربيرات انتقائية وصباغ شرعي ابهت‪.‬‬
‫إنه إذا كان اإلسالم قد نظم دقيق شؤون الفرد واجلماعة وجليلها‪ ،‬يف مجيع جماالت‬
‫العبادة واملال واالقتصاد والعالقات االجتماعية‪ ،‬نصوصا واستنباطا من النصوص وقواعد وتنزيال‬
‫للقواعد‪ ،‬فمن غري املنطقي أن يكون قد أمهل أخطر آلية لبناء األمة الشاهدة‪ ،‬والعبادة الكونية‬
‫الشاملة‪ ،‬وتركها للعفوية واالرجتال أو لالقتباس من أمم ال تدين بدينه وال تتجه صوب قبلته‪،‬‬
‫وهذا يشري إىل عدوانية اجلاحدين‪ ،‬وتقصري املوالني‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫لكل هذا وذاك أصبح لزاما وحتما أن يتدارك األمر مفكرو الصحوة املعاصرة‪ ،‬ويبذلوا‬
‫اجلهود الكافية لبلورة نظام تدبريي لألمة املسلمة‪ ،‬منبثق انبثاقا طبيعيا أصيال من الكتاب والسنة‪،‬‬
‫وما حيمل عليهما ويقرانه‪.‬‬
‫فهل آن أن نشمر عن ساعد اجلد ونقتحم العقبة الكتشاف ما وضعه رب العباد من‬
‫نظم سياسية وتدبريية تكون لنا مرجعا وقاعدة ومنطلقا؟‬
‫إن الطريق إىل هذه الغاية شاق وطويل‪ ،‬وإن الزاد إليه من العلم والتجربة ضئيل‪ ،‬وقد‬
‫ران على البصر ماران من الغبش والغشاوة‪ ،‬أما معضالت السري واملسري فذات شعب مرتامية‪،‬‬
‫ومسارب يف عتمة الرتاث ضاربة‪ ،‬منها ما يتعلق ابلتأسيس والبناء‪ ،‬ومنها ما يتعلق ابلتفسري‬
‫والتثبيت‪ ،‬ومنها ما يتعلق ابلتطوير والتسيري واحلماية‪.‬‬
‫وليس لنا يف هذا البحث إال أن نستهله ابالقتصار على املفردات االرتكازية اليت متثل‬
‫سدى النظام السياسي اإلسالمي وحلمته‪ ،‬اتركني ما سوى ذلك إىل ما بعد اتضاح النهج واستواء‬
‫اجلادة‪.‬‬
‫ذلك أن هذا النظام إن كان مبنيا على الشورى اجلماعية اليت تعيد االعتبار للجماعة وال‬
‫خترج عن الكتاب والسنة‪ ،‬كما هو مشروح يف كتايب السابق " فقه األحكام السلطانية حماولة‬
‫نقدية للتأصيل والتطوير "‪ ،‬فإن اتضاح سبيله القاصدة املؤدية لقيام اخلالفة الراشدة الثانية‬
‫املنتظرة‪ ،‬ال يتم إال آبليتني ضروريتني متثالن سداه وحلمته‪:‬‬
‫‪ – 1‬آلية بناء هذا النظام على صعيد النظر والتطبيق‪ ،‬ممارسة ميدانية مجاعية متساوية‬
‫عادلة‪ ،‬وتشييدا هلياكله متينة قوية متماسكة‪ ،‬وتثبيتا ألركانه محاية وتطويرا ومناضلة ومدافعة‪.‬‬
‫‪ – 2‬آلية االجتهاد اخلاص مبلء الفراغ التشريعي‪ ،‬بواسطة منهج رشيد شوروي يضع‬
‫احللول املناسبة الناجعة ملا مل يرد به حكم يف الكتاب والسنة‪ ،‬وال حيتمل الرد إليهما مبختلف‬
‫ضروب االستنباط األصولية قياسا وامجاعا‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫النظام السياسي في اإلسالم‬
‫شرعية الوجود وآلية التأسيس والتشريع والتسيري‬
‫إن ابن خلدون عندما صاغ نظريته يف نشوء الدول على العصبية بقوله‪ ":‬إن الرائسة ال تكون إال‬
‫ابلغلب‪ ،‬والغلب ال يكون إال ابلعصبية ( املقدمة ص ‪ ،)132‬وزعم أن أعمار الدول كأعمار األشخاص‬
‫يف التزيد إىل سن الوقوف مث إىل سن الرجوع هرما وانقراضا( املقدمة‪ ،)171‬كان قد المس بكثري من‬
‫الوضوح‪ ،‬أهم معضلة سياسية يعانيها الفكر السياسي لدى املسلمني وإن مل يضع هلا حال‪ ،‬معضلة نشوء‬
‫الدولة وشرعية أتسيسها وانداثرها‪.‬‬
‫ولئن كانت نظريته تصب يف اجتاه النشأة الفوقية‪ ،‬شأن نظم االستبداد عادة‪ ،‬ألن العصبية القبلية‬
‫لديه معززة ابلدعوة الدينية‪ ،‬ال تنتج إال سلطة عليا مهيمنة ومتحكمة‪ ،‬فإن خمتلف أصناف الفكر‬
‫السياسي الذي عرفته الساحة اإلسالمية منذ سقوط اخلالفة الراشدة كان على هذا النهج أو ما يقاربه‪.‬‬
‫ذلك أن نظم امللك اجلربي والعضوض اليت أسسها األمويون واستمرت إىل عصران هذا‪ ،‬مل يكن‬
‫فقه األحكام السلطانية الذي نشأ عنها وبتأثريها إال تربيرا لسلطتها الغامشة الفوقية ومحاية أيديولوجية‬
‫هلا‪.‬‬
‫لقد نشأت مجيع دول هذا االجتاه اخللدوين ‪ -‬املاوردي خارج اجملتمع املسلم وفوقه‪ ،‬مث انغرست‬
‫مقلوبة يف أرض الواقع بقوة القهر والغلبة‪ ،‬جذورها يف اهلواء وفروعها يف املاء‪ .‬كما هو شأن النظم‬
‫الوضعية اليت سادت األرض قبل البعثة النبوية واخلالفة الراشدة وبعدمها‪.‬‬
‫كذلك ابختالف يسري نشأت النظم الدميقراطية التعددية‪ ،‬يقوم حزب حتت غطاء دمياغوجي‬
‫وقيادة فردية ودعم خلفي من جهاز رمسي أومجاعة ضغط ذات مصلحة‪ ،‬ببسط هيمنته على الدولة‪،‬‬
‫واالنغراس مقلواب يف أرض الواقع‪.‬‬
‫ولئن كانت الدميقراطية يف جوهرها متعارضة مع طبيعة اجملتمعات املسلمة لكوهنا تعين سيادة‬
‫الشعب احملتكرة بيد احلزب احلاكم وقيادته على حساب سيادة الشرع وحاكميته‪ ،‬فإهنا يف موطنها على‬
‫‪8‬‬
‫األقل وصلت من التطور حدا جعل ها تستطيع حتقيق نوع من التداول الطوعي على السلطة بني قادة‬
‫األحزاب واملنظمات‪.‬‬
‫أما يف الدول اإلسالمية عربية وعجمية‪ ،‬فإهنا مل تستطع أن تؤثر يف رأس السلطة إجيااب أو سلبا‪،‬‬
‫وبقيت حماصرة يف دائرة معارك طواحني اهلواء‪ ،‬برملاانت وأحزااب وصحفا خجولة متعثرة‪.‬‬
‫كذلك كان النشاط الفكري لدعاهتا يف أوطاننا‪ ،‬منذ بروز هذا االجتاه يف بداية القرن التاسع عشر‬
‫على يد الطهطاوي وعبده واألفغاين ورضا‪ ،‬إذ مل يتجاوز حلد اآلن حماولة مزاوجة فجة بني االستبداد‬
‫السافر يف األحكام السلطانية الرتاثية واالستبداد املقنع يف دميقراطية بلد املنشأ‪.‬‬
‫طفحت كذلك يف جمتمعاتنا فكرا وممارسة دول اشرتاكية ماركسية حتمل خصائص االستبداد‪،‬‬
‫وطبائع األجسام الغريبة اليت تغرس يف الفضاء مقلوبة‪ ،‬أنف يف املاء وقاعدة يف السماء‪ ،‬فلم يتم هلا‬
‫نتاج‪.‬‬
‫ينطبق احلال كذلك على دول قومية مل تسلم من عاهة االغرتاب عن األرض واجملتمع‪ ،‬أسسها‬
‫مغامرون تسللوا إىل السلطة مستثمرين فساد أنظمة " ألحكام سلطانية " سادت يف عصرهم‪ ،‬كما يف‬
‫احلالة الرتكية آخر أايم العثمانيني‪.‬‬
‫هذه النماذج السياسية اليت عرفتها الساحة املسلمة فشلت كلها يف إسعاد شعوهبا كما أخفقت‬
‫يف إقامة األمة الشاهدة والدولة الرائدة اليت تقف أمام غريها من الدول بندية وكفاية وكامل سيادة ومتام‬
‫حرمة‪.‬‬
‫من أجل ذلك ظهرت حاليا دعوات جديدة تنظر لنظام تلفيقي من مجيع هذه التجارب الفاشلة‪،‬‬
‫وكأمنا مجع األصفار إىل بعضها ينتج غري الصفر‪.‬‬
‫إن حماولة تلفيق نظام جديد هويته الثقافية إسالمية كما يتخيلون‪ ،‬وهويته الذاتية قومية كما‬
‫خيرصون‪ ،‬وهويته االجتماعية واالقتصادية ماركسية‪ ،‬وهويته السياسية لربالية‪ ،‬ليست إال شطحا هبلوانيا‬
‫ينتج كياان أشوه غري قابل للحياة‪ ،‬فيه شركاء متشاكسون وعقائد متعارضة متضاربة ومناهج متناقضة‪،‬‬
‫حىت لو زرع يف الرتبة ال يف اهلواء – على رغم استحالة ذلك ‪ -‬فإن الرتبة متجه وتلفظه‪.‬‬
‫كل هذه النظم اليت عرفتها الساحة املسلمة – سلطانية ودميقراطية وقومية واشرتاكية وتلفيقية –‬
‫ت لألبناء من بعدهم مبختلف‬
‫نشأت أوال عن طموح غري مشروع للتسلط من قبل مؤسسيها ‪ ،‬مث ُوِّرثَ ْ‬
‫ضروب التحايل والقهر والقمع‪ ،‬ملكيات كانت أو مجهورايت أو مشيخات أو إمارات‪ ،‬وغرست اثنيا‬
‫‪9‬‬
‫يف األرض مقلوبة أعالها يف املاء وأسفلها يف السماء‪ ،‬وهي لذلك ال تشعر بشعور األمة وال متثل‬
‫ضمريها وآماهلا وآالمها وما تتوق إليه‪.‬‬
‫من مث يبدو جليا خطل مطالبة بعض احلركات اإلسالمية املعاصرة ومفكريها بتطبيق الشريعة يف‬
‫ظل هذه الن ظم‪ ،‬ألن طبيعة نشأة هذه األنظمة وهنجها ال متكنها موضوعيا من تطبيق الشريعة والقيام‬
‫مبستلزماهتا‪ ،‬كما أن افتقادها لشرعية الوجود جيعلها يف حالة تناف مع نفسها إذا ما حاولت تطبيق‬
‫الشريعة‪.‬‬
‫هذه هي املعضلة اليت تعانيها شعوب املسلمني وتغفلها دعوات املفكرين والدعاة‪ ،‬فهل يعقل أن‬
‫يطبق الشريعة من ال يؤمن هبا أومن يفتقد يف أساس كيانه ونشأته عنصر الشرعية؟‬
‫لذلك كانت نقطة البدء يف كل إصالح‪ ،‬أتسيس النظام الشرعي القادر على تطبيق الشرعية‬
‫والشريعة‪ ،‬وإقامة أمر اإلسالم اجلامع سياسيا واجتماعيا واقتصاداي‪...‬‬
‫إن شرعية أي نظام ال تتأتى من عبارات تدبج يف الدساتري‪ ،‬أو يرطن هبا يف اخلطب والتصرحيات‪،‬‬
‫أو تعرض جيدة التنسيق يف اجملالت والصحف‪ ،‬ولكنها تتحقق من طبيعة نشأته وبداية أمره ومراحل‬
‫منوه وتفاعله مع جمتمعه‪ ،‬وتعامله مع منهج ربه‪.‬‬
‫إن النظام اإلسالمي ‪ -‬على عكس النظم األخرى – متاثل نشأته نشأة النبات‪ ،‬تدفن بذرته يف‬
‫الرتاب أوال‪ ،‬ألن مبدأ احلياة دائما أن تنغرس بذرته يف عمق األرض واألرحام‪ ،‬وما نبت مما مل يدفن ال‬
‫يتم نتاجه وال تنبعث فيه حياة‪ ،‬مث يرمي جذوره وخيرج شطأه‪ ،‬وميد فروعه يف الفضاء الرحب‪ ،‬ينشر‬
‫الفيء والظالل‪ ،‬ويغدق على الكائنات احلية اخلري والثمار والغالل‪ ،‬فهو بذلك مائدة هللا للكون‪ ،‬مهداة‬
‫خبري عميم‪ ،‬وتعايش حر كرمي‪ ،‬ال خوف وال غنب وال ظلم وال غصب‪ ،‬للمؤمن وغري املؤمن‪ ،‬لألسود‬
‫واألبيض واألمحر على السواء‪.‬‬
‫إن أول خطوات التأسيس الشرعي للدولة أن تنشأ اجلماعة املسلمة ( األمة) حول بذرة العقيدة‬
‫وتتفاعل هبا ومعها ومن أجلها‪ ،‬وتنظم شأهنا العام بواسطة الشورى اجلماعية قرارا وتنفيذا وحماسبة‬
‫ومراقبة‪ ،‬مبنأى عن الرتاتبية السلطوية اهلرمية‪ ،‬مبا حيقق التعاطي اإلجيايب البناء‪ ،‬بني األمة وقيادهتا اخلدمية‬
‫التنفيذية‪ ،‬دون احتكار للخريات‪ ،‬أو مصادرة للرأي واحلرايت‪ ،‬أو سقوط يف شراك الفنت الطائفية أو‬
‫املذهبية أو العرقية أو الطبقية أو احلزبية‪ ،‬ألن كافة املواطنني يف دولة الشرعية سواسية أمام عقيدة مسحة‬
‫وشريعة عادلة ونظام هو ملك هلم مجيعا‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫ذلك ما نصت عليه وعملت به أول وثيقة إنسانية نظمت حياة الناس يف األرض‪ ،‬وثيقة املدينة‬
‫اليت كتبها رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يف أول هجرته إىل يثرب‪ ،‬تنظيما لساكنتها من املسلمني وغري‬
‫املسلمني‪ ،‬جلما لطغيان الطوائف والعصبيات على بعضها‪ ،‬وإقرارا ملبدأ املساواة يف احلقوق والواجبات‪،‬‬
‫يف مساحة وعدالة مل تعرفهما أحدث القوانني الوضعية املعاصرة ومل تقرتب منها‪.‬‬
‫إن هذه الوثيقة مل تشر من قريب أو بعيد إىل حكومة أو رائسة أو جمالس أهل حل وعقد أو‬
‫مسؤولني على صعيد املناطق والقبائل واجليوش والدواوين‪ ،‬بل أرست قواعد اجملتمع املتكامل املكون‬
‫جلميع األطياف مهاجرين وأنصارا ‪ ،‬ومن حلق هبم واعتنق دعوهتم‪ ،‬أو جاورهم أو ساكنهم من ذوي‬
‫الدايانت املخالفة يهودا ومشركني‪ ،‬يف ظل املواطنة الصاحلة تكافال وتعاوان وتناصرا‪ ،‬تقريرا وتنفيذا‪ .‬من‬
‫غري ظلم أو حيف أو ختاذل أو تعال واستكبار ‪ ،‬مع احملافظة على نقطة االرتكاز العقدي مبا حيفظ لألمة‬
‫مبدأ والئها وبرائها‪ ،‬ويعصمها من التحلل والذوابن‪.‬‬
‫لقد كانت هذه الوثيقة املدونة أول تعاقد سياسي رمسي أسس للدولة يف اإلسالم أركاهنا وقواعدها‬
‫ومنهج سريها‪.‬‬
‫قال حممد بن إسحاق فيما أورده ابن كثري يف اترخيه (‪:)224 -3‬‬
‫( كتب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم كتااب بني املهاجرين واألنصار ‪ ،‬وادع فيه اليهود وعاهدهم‬
‫وأقرهم على دينهم وأمواهلم واشرتط عليهم وشرط هلم )‪.‬‬
‫أما املبادئ املميزة واخلطوط العريضة اليت رمستها هذه الوثيقة فيمكن تلخيصها يف النقط التالية‪:‬‬
‫‪ – 1‬مبدأ املواطنة املشرتكة يف الدولة اإلسالمية‪:‬‬
‫يقول صلى هللا عليه وسلم إهنا بني‪:‬‬
‫ املؤمنني واملسلمني من قريش( أي املهاجرين)‪ ،‬ويثرب( أي األنصار)‪ ،‬ومن تبعهم وحلق هبم(‬‫أي من عامة الناس)‪ ،‬وجاهد معهم ( ابلدفاع عن اإلسالم واملسلمني)‪.‬‬
‫ وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر واألسوة غري مظلومني وال متناصر عليهم‪.‬‬‫هبذه النصوص الواضحة الصرحية تبلورت ألول مرة يف التاريخ فكرة املواطنة مبعناها احلضاري‪،‬‬
‫حقا يف اإلقامة على أرض خمصوصة‪ ،‬واكتسااب جلنسيتها‪ ،‬ومتتعا ابلعضوية الكاملة يف اجملتمع‪ ،‬على‬
‫أساس املساواة والتعاون املشرتك‪ ،‬من غري متييز بني األلوان واألعراق واألداين‪ ،‬مما مل تستطع الدميقراطية‬
‫اليواننية استيعابه‪ ،‬ومل تفكر فيه الدميقراطية احلديثة إال يف القرن العشرين‪.‬‬
‫‪ – 2‬مبدأ التكافل االجتماعي‪ ،‬تقول الصحيفة‪:‬‬
‫‪11‬‬
‫ وأن على اليهود نفقتهم وعلى املسلمني نفقتهم‪.‬‬‫ وأن بينهم ( أي املسلمني وغري املسلمني ) النصح والنصيحة والرب دون اإلمث‪.‬‬‫ وأن اجلار ( أي مسلما كان أو غري مسلم ) كالنفس غري مضار وال آمث‪.‬‬‫ وأن املؤمنني ال يرتكون مفرحا ( أي مثقال ابلديون كثري العيال ) بينهم أن يعطوه ابملعروف يف‬‫فداء أو عقل‪.‬‬
‫ وأن املؤمنني يبـيء ( أي يساوي ) بعضهم بعضا مبا انل دماءهم يف سبيل هللا‪.‬‬‫ وأن النصر للمظلوم‪.‬‬‫‪ – 3‬مبدأ احملافظة على أمن الدولة واجملتمع‪ ،‬تقول الصحيفة‪:‬‬
‫ وأنه مل أيمث امرؤ حبليفه‪.‬‬‫ وأن ذمة هللا واحدة جيري عليهم أدانهم‪.‬‬‫ وأن املؤمنني املتقني على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو إمث أو عدوان أو فساد بني‬‫املؤمنني‪ ،‬وأن أيديهم عليه مجيعهم ولو كان ولد أحدهم‪.‬‬
‫ وأنه ال حيل ملؤمن أقر مبا يف هذه الصحيفة وآمن ابهلل واليوم اآلخر أن ينصر حمداث أو يؤويه‪،‬‬‫وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة هللا وغضبه يوم القيامة‪ ،‬وال يؤخذ منه صرف وال عدل‪.‬‬
‫ وأنه ال حيول هذا الكتاب دون ظامل أو آمث‪.‬‬‫‪ – 4‬مبدأ املساواة والتسيري الذايت للمجتمع‪ ،‬يقول الرسول صلى هللا عليه وسلم‪:‬‬
‫ وأن املؤمنني يبـيء ( أي يساوي) بعضهم بعضا‪.‬‬‫ املهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاملون بينهم‪ ،‬وهم يفدون عانيهم ابملعروف والقسط‪ ،‬وبنو‬‫عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم األوىل‪ ،‬وكل طائفة تفدي عانيها ابملعروف والقسط بني املؤمنني ‪.‬‬
‫مث ذكر كل بطن من بطون األنصار وأهل كل دار بين ساعدة وبين جشم وبين النجار وبين عمرو بن‬
‫عوف وبين النيبت‪.‬‬
‫‪ – 5‬مبدأ الدفاع املشرتك بني مجيع املتساكنني ‪ ،‬تقول الصحيفة‪:‬‬
‫ وأن بينهم ( أي سكان املدينة مسلمني وغري مسلمني ) النصر على من دهم يثرب‪.‬‬‫ وأن بينهم ( أي مسلمني وغري مسلمني) النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‪.‬‬‫‪ – 6‬مبدأ حرية االختيار وتقرير املصري للمخالفني‪ ،‬تقول الصحيفة‪:‬‬
‫‪ -‬وأن من تبعنا من يهود فإن هلم النصر واإلسوة غري مظلومني وال متناصر عليهم‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫ وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن ابملدينة إال من ظلم أو أمث‪.‬‬‫‪ – 7‬مبدأ سيادة الشريعة وحاكمية الكتاب والسنة‪ ،‬تقول الصحيفة‪:‬‬
‫ وأن ما كان من أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار خياف فساده فإن مرده إىل هللا وإىل حممد‬‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬
‫ وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إىل هللا عز وجل وإىل حممد صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬‫هذه بعض أركان البناء الشرعي للدولة كما وردت يف صحيفة املدينة‪ ،‬مث توالت بعدها حركة‬
‫التشييد عمال ميدانيا وقدوة نبوية ووحيا يتنزل‪.‬‬
‫ت لَ ُك ْم‬
‫وإذ أرسى صلى هللا عليه وسلم يف األمساع والقلوب واملهج آخر ما نزل من القرآن (الْيَـ ْو َم أَ ْك َم ْل ُ‬
‫ت َعلَْي ُكم نِّ ْعم ِّيت ور ِّ‬
‫يت لَ ُك ُم ِّ‬
‫اإل ْسالَ َم ِّدينًا ) املائدة‪ ،3‬أقام آخر أعمدة تدبري الشأن العام‬
‫ض ُ‬
‫ِّدينَ ُك ْم َوأ َْمتَ ْم ُ‬
‫ْ َ ََ‬
‫لألمة يف خطبته الغراء جببل الرمحة يوم عرفات يف حجة الوداع ( السنة العاشرة للهجرة )‪ ،‬مبشرا‬
‫بكمال الدين ومتام النعمة‪ ،‬حريصا على وضوح قوله ومساع صوته‪ ،‬وتبليغ رسالته‪ ،‬ابختاذه ربيعة بن أمية‬
‫بن خلف اجلمحي مسمعا خلطبته وكان صيتا‪ ،‬قائال له بني الفينة والفينة ‪ " :‬اصرخ "‪ ،‬مشهدا سامعيه‬
‫على نفسه وبالغه‪ ،‬يقول هلم‪ ( :‬هل بلغت؟ فيقولون‪ :‬بلغ رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫ليبلغ الشاه د منكم الغائب) ‪ ،‬حمذرا املسلمني من إهدار هذه الفرصة واملناسبة قائال‪( :‬أما بعد‪ :‬أيها‬
‫الناس امسعوا مين ما أبني لكم فإين ال أدري لعلي ال ألقاكم بعد عامي هذا يف موقفي هذا‪ ،‬أيها الناس‬
‫إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إىل أن تلقوا ربكم‪.)...‬‬
‫كانت معظم توجيهات الرسول األكرم صلى هللا عليه وسلم يف هذه اخلطبة متعلقة بتدبري األمر‬
‫العام لألمة‪ ،‬تتميما وتذكريا وبلورة ملا ورد يف الصحيفة التأسيسية األوىل ( وثيقة املدينة)‪ .‬مما ميكن إجيازه‬
‫فيما يلي‪:‬‬
‫‪ – 1‬وحدة أعضاء اجملتمع املسلم ومساواهتم بقوله صلى هللا عليه وسلم يف خطبته‪:‬‬
‫ أي ها الناس إن ربكم واحد وإن أابكم واحد كلكم آلدم وآدم من تراب أكرمكم عند هللا‬‫أتقاكم‪ ،‬وليس لعريب على عجمي فضل إال ابلتقوى‪ ،‬أال هل بلغت‪....‬اللهم فاشهد‪ ،‬قالوا‪ :‬نعم ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فليبلغ الشاهد الغائب ‪.‬‬
‫‪ -‬إن هللا يقول ( اي أيها الناس إان خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوابً وقبائل لتعارفوا إن‬
‫أكرمكم عند هللا أتقاكم ) فليس لعريب على عجمي فضل وال لعجمي على عريب فضل وال ألسود على‬
‫أبيض فضل وال ألبيض على أسود فضل إال ابلتقوى‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫ اي معشر قريش ال جتيئوا ابلدنيا حتملوهنا على رقابكم وجتيء الناس ابآلخرة‪ ،‬فإين ال أغين‬‫عنكم من هللا شيئاً‬
‫‪ – 2‬تكريس العدل ونبذ الظلم‪:‬‬
‫ امسعوا مين تعيشوا‪ ،‬أال ال تظلموا‪ ،‬أال ال تظلموا‪ ،‬أال ال تظلموا‪ ،‬إنه ال حيل مال امرئ مسلم‬‫إال بطيب نفس منه‪ ،‬أال وإن كل دم مأثرة ومال كانت يف اجلاهلية حتت قدمي هذه إىل يوم القيامة‪.‬‬
‫ أيها الناس‪ ،‬إمنا املؤمنون إخوة وال حيل المرئ مال ألخيه إال عن طيب نفس منه‪ ،‬أال هل‬‫بلغت اللهم فاشهد‪.‬‬
‫‪ -‬فال ترجعن بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض‪ ،‬فإين قد تركت فيكم ما إن أخذمت به لن‬
‫تضلوا بعده‪ ،‬كتاب هللا وسنة نبيه‪ ،‬أال هل بلغت ‪ ...‬اللهم فاشهد‪.‬‬
‫‪ -‬إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق‪.‬‬
‫ هذا يوم حرام وبلد حرام‪ ،‬فدماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا‬‫اليوم إىل يوم تلقونه‪ ،‬وحىت دفعة دفعها مسلم مسلماً يريد هبا سوءاً‪ ،‬وسأخربكم من املسلم‪ ،‬املسلم من‬
‫سلم الناس من لسانه ويده‪ ،‬واملؤمن من أمنه الناس على أمواهلم وأنفسهم‪ ،‬واملهاجر من هجر اخلطااي‬
‫والذنوب‪ ،‬واجملاهد من جاهد نفسه في طاعة هللا‪.‬‬
‫ وأحدثكم من املهاجر؟ من هجر السيئات‪ ،‬واملؤمن حرام على املؤمن كحرمة هذا اليوم‪ ،‬حلمه‬‫عليه حرام أن أيكله ابلغيبة يغتابه‪ ،‬وعرضه عليه حرام أن خيرقه‪ ،‬ووجهه عليه حرام أن يلطمه‪ ،‬ودمه‬
‫عليه حرام أن يسفكه‪ ،‬وماله عليه حرام أن يظلمه‪ ،‬وأذاه عليه حرام أن يدفعه دفعاً‪.‬‬
‫ وحرام عليه أن يدفعه دفعة تعنته‪.‬‬‫ هذا اليوم حرام؟‪ ،‬قالوا‪ :‬بلى اي رسول هللا! قال‪ :‬فإن حرمتكم بينكم كحرمة يومكم هذا‪.‬‬‫أنبئكم من املسلم؟ املسلم من سلم املسلمون من لسانه ويده‪ .‬أنبئكم من املؤمن؟ املؤمن من أمنه‬
‫املسلمون على أنفسهم وأمواهلم‪ .‬أنبئكم من املهاجر؟ املهاجر من هجر السيئات مما حرم هللا عليه‪.‬‬
‫واملؤمن على املؤمن حرام كحرمة هذا اليوم‪ ،‬حلمه عليه حرام أن أيكله ابلغيب ويغتابه‪ ،‬وعرضه عليه‬
‫حرام أن خيرقه‪ ،‬ووجهه عليه حرام أن يلطمه‪ ،‬وأذاه عليه حرام أن يؤذيه‪ ،‬وعليه حرام أن يدفعه دفعاً‬
‫يعنـته"‪.‬‬
‫‪ -‬اي أيها الناس من كانت عنده وديعة فليؤدها إىل من ائتمنه عليها‪.‬‬
‫‪14‬‬
‫ فإن هللا تبارك وتعاىل حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر وهذا‬‫البلد‪ ،‬أال ليبلغ شاهدكم غائبكم‪ ،‬ال نيب بعدي وال أمة بعدكم‪ .‬مث رفع يديه فقال‪" :‬اللهم اشهد"‪.‬‬
‫إن أتسيس الدولة اإلسالمية مثال اندر يف مسرية اإلنسانية ونظام جتمعها السياسي‪ ،‬ومنوذج فذ‬
‫لنشوء الدول واجملتمعات‪ ،‬فقد وضع لبنات قيم ومبادئ ونظم مل تستطع أعرق الدول الدستورية‬
‫املعاصرة جتاوزها‪ ،‬بتقريره حدود الدولة وأصناف ساكنتها‪ ،‬وصفات املواطنة الصاحلة فيها‪ ،‬وتفصيله‬
‫الدقيق للحقوق والواجبات الفردية واجلماعية‪ ،‬وإشارته آللية اختاذ القرارات اجلماعية الشوروية‪ ،‬وبناء‬
‫األجهزة اخلدمية التنفيذية‪.‬‬
‫إن تكامل التصور اإلسالمي لنظام التدبري العام‪ ،‬كان خامتة مسرية الرشد البشري على األرض‪،‬‬
‫كي تعود حياة الناس إىل ما فطرت عليه يوم خلق هللا السموات واألرض وبرأ آدم وذريته على أحسن‬
‫تقومي وقبل أن جتتال بعضهم الشياطني فريدوا أسفل سافلني‪.‬‬
‫هذه كانت مهمة النبوة اخلامتة‪ ،‬وغاية التنزيل احلكيم‪ ،‬وهو ما أشار إليه رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم بقوله يف أول خطبة حجة الوداع‪ (:‬أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق‬
‫هللا السماوات واألرض‪ ,‬وإن عدة الشهور عند هللا اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أوهلن رجب مضر بني‬
‫مجادي وشعبان‪ ,‬وذوالقعدة‪ ,‬وذواحلجة واحملرم )‬
‫وكما أن الزمان يف حجة الوداع قد استدار كهيئته األوىل كما خلقه هللا ‪ ،‬بعد أن انله التغيري‬
‫ابلنسيء والتبديل والتغيري والتقدمي والتأخري على يد اجلاهلية العربية‪.‬‬
‫وكما أن عاقبة احلج أن يرجع احلاج إىل أهله نقيا مغفور الذنب كيوم ولدته أمه‪ ،‬وكما خلق أول‬
‫مرة سواي يف أحسن تقومي‪.‬‬
‫كذلك نظام تدبري الشأن العام لدى املسلمني‪ ،‬ينبغي أن يعود إىل وضعه األول السوي‪ ،‬وينبذ كل‬
‫ضالالت االستبداد والتحكم والقهر والتفاضل اهلرمي احملتكر للسلطة واجلاه واخلريات‪ .‬وذلك سبيل‬
‫ظهور األمة الشاهدة املنضبطة مع فطرهتا السوية األوىل‪.‬‬
‫إن أبرز ما مييز هذا النظام الرابين أن األمر التكليفي فيه‪ ،‬خطااب قرآنيا حكيما‪ ،‬وتوجيهات نبوية‬
‫كرمية موجه إىل مجيع األمة بصفتها مسؤولة عن أمرها مسؤولية مشرتكة‪ ،‬كما أنه مل يتضمن أي إشارة‬
‫ولو عرضية إىل رائسة أو قيادة فردية سياسية كانت أو إدارية أو عسكرية‪ ،‬بل ليس فيه ما يبيح اختزال‬
‫السلطة يف أفراد معينني أو تكتل خاص للشورى أو احلل والعقد‪ ،‬أو األعيان أو الطوائف واملذاهب‪.‬مما‬
‫‪15‬‬
‫يؤكد أن النظام اإلسالمي ال يقر النظم السياسية الرأسية اليت يقبع فيها على رؤوس الناس متسلط أو‬
‫متسلطون‪ .‬مما يدحض مزاعم دعاة القهر السلطاين السافر واالستبداد الدميقراطي املقنع‪.‬‬
‫إن النظام اإلسالمي يف هذا اجملال ليس رأسي السلطة‪ ،‬يوزع فيها النفوذ بني األقوايء‪ ،‬يف طبقات‬
‫بعضها فوق بعض‪ ،‬هذا النزوع العدواين ال يقره القرآن الكرمي‪ ،‬والتعاليم النبوية حتض على نبذه ‪.‬‬
‫إن النظام اإلسالمي احلق‪ ،‬بذرته الت أسيسية اليت حتتضن بؤرة االنطالق فيه هي العقيدة وما أتت‬
‫به من تشريعات‪ ،‬العقيدة هي املوجهة واملرشدة واحلاكمة ‪ ،‬يف البدء كانت العقيدة‪ ،‬ومن نبضها تكونت‬
‫حوهلا احللقة الدعوية األوىل نبوة خامتة‪ ،‬مث من دفق النبوة وشحناهتا الرابنية انطلقت حلقات موجات‬
‫االنتشار األول لإلسالم‪ ،‬مهاجرين وأنصارا والذين جاؤوا من بعدهم إىل يوم الدين‪.‬‬
‫إن مثل التدبري العام األفقي غري اهلرمي يف اجملتمع اإلسالمي‪ ،‬انتشارا دعواي‪ ،‬وإجراء شورواي‪،‬‬
‫كمثل حجر نزل من السماء يف املاء‪ ،‬فتكونت من اهتزازه املادي أو نبضه الكهريب‪ ،‬يف اجلسم الناقل‬
‫الذي هو املا ء‪ ،‬موجات تضاغطية أفقية كثرية ومتعاقبة‪ ،‬على شكل حلقات تتسع موجاهتا فينشأ على‬
‫رأس كل منها فضاء هو جمال تفاعل الطاقة املولدة للحركة والتوسع احللقي‪.‬‬
‫فاحلجر يف مثالنا هذا هو العقيدة اليت أنزلت من السماء‪ ،‬وبثت شحناهتا األوىل يف جماهلا األول‬
‫الذي هو النبوة‪ ،‬مث ان طلقت من النبوة اخلامتة ونبضها الرابين حلقات أجيال املؤمنني‪ ،‬بفضاءاهتا الدعوية‬
‫والتدبريية على قدم املساواة قرارا وتنفيذا‪.‬‬
‫إن هذه الفضاءات املشكلة من حلقات االنتشار اإلسالمي أو فضاءات الدعوة ) الشكل ‪1‬‬
‫)‪.‬كما ميكن أن يطلق عليها‪ ،‬يكون هلا يف اجملال السياسي دور آخر على قاعدة تدبري الشأن العام‪ ،‬إذ‬
‫تتخذ شكل فضاءات أخرى الختاذ القرارات وتنفيذها‪ ،‬وتعيني رجال خدمتها ومراقبتهم وحماسبتهم‪،‬‬
‫بواسطة الشورى اجلماعية‪ ،‬وهي بذلك حينئذ فضاءات شوروية تشكل صلب نظام الدولة وعنصر‬
‫احليوية فيه‪ ،‬كما متثل يف نفس الوقت تروسا للدفاع عن البيضة‪ ،‬ومحاية احلوزة‪ ،‬وترشيد التماسك‬
‫والتآزر والتكافل والوعي داخل األمة‪.‬‬
‫هذا النظام‪ ،‬نظام الفضاءات الشوروية‪ ،‬ال جمال فيه للتسلط واحتكار اجملد ‪ ،‬كما ال التقاء له‬
‫ابلنظم اهلرمية ذات الطبقات املختزلة أو امللغية ملن حتتها ) الشكل ‪.) 2‬‬
16
‫‪17‬‬
‫ذاك هو النهج الذي عرفه عصر النبوة اخلامتة قدوة وتعليما‪ ،‬مث عاشه عهد اخلالفة الراشدة الذي‬
‫حيلب فيه أبو بكر رضي هللا عنه شويهات األعرابيات‪ ،‬وينام فيه اإلمام علي كرم هللا وجهه على األرض‬
‫بدون وطاء أو غطاء‪ ،‬ويكتفي فيه عمر رضي هللا عنه ابخلبز اليابس واملاء‪.‬‬
‫هذا النظام خبصائصه ومبادئه وقيمه الرابنية وفضاءاته الشوروية‪ ،‬نقطة البدء فيه العقيدة ونقطة‬
‫اخلتام فيه سعادة الدنيا واآلخرة‪ ،‬لذلك ال يقبل إال أن يكون وحده يف مساحته‪ ،‬ال يرقع أبنظمة وضعية‬
‫وال ترقع به‪ ،‬فهو غين عن الرتقيع‪ ،‬عصي عن الرتويض والتبضيع‪ ،‬والذين يلتمسون من أنظمة‬
‫استبدادية أن تطبق الشريعة‪ ،‬إمنا يسعون يف حقيقة األمر لتشويهها أو توظيفها واستغالهلا وحتريفها‪ .‬وما‬
‫مل يتوفر نظام ما على شرعية الوجود منهجا نبواي راشدا‪ ،‬فال جمال ملطالبته مبا هو خارج عن طبيعته‪،‬‬
‫وكما أن الصدقة ال جتوز من مثار األرض املغتصبة النتفاء شرعية متلكها‪ ،‬كذلك يتعذر تطبيق النظام‬
‫اإلسالمي من فاقد شرعية الوجود‪.‬‬
‫إن النظام اإلسالمي مرتكز على أربعة دعائم بدوهنا يفتقد التمثيل الصحيح لإلسالم‪:‬‬
‫‪ – 1‬شرعية الوجود أوال‪ ،‬ومصدرها حجر األساس الذي هو العقيدة‪.‬‬
‫‪ – 2‬شرعية التشريع املنبثقة من شرعية الوجود‪.‬‬
‫‪ – 3‬شرعية التسيري والتنفيذ املنبثقة من شرعية التشريع‪.‬‬
‫‪ – 4‬شرعية اهلدف املنبثقة من شرعية الوجود والتشريع والتسيري‪ ،‬وهي اليت عرب عنها القرآن‬
‫الكرمي بقوله تعاىل يف اآلية ‪ 28‬من سورة الفتح‪ُ (:‬ه َو الَّ ِّذي أ َْر َس َل َر ُسولَهُ ِّاب ْهلَُدى َو ِّد ِّ‬
‫ين ا ْحلَ ِّق لِّيُظ ِّْه َرهُ َعلَى‬
‫ين ُكلِّ ِّه وَك َفى ِّاب َِّّ‬
‫ِّ‬
‫َّلل َش ِّهي ًدا )‪ ،‬والرسول صلى هللا عليه وسلم بقوله‪َ ( :‬ال يَـ ْبـ َقى َعلَى ظَ ْه ِّر ْاأل َْر ِّ‬
‫ت‬
‫ض بَـ ْي ُ‬
‫الد ِّ َ‬
‫اَّللُ َكلِّ َمةَ ِّْ‬
‫اإل ْس َالِّم بِّ ِّع ِّز َع ِّزي ٍز أ َْو ذُ ِّل ذَلِّ ٍ‬
‫يل إِّ َّما يُِّع ُّزُه ُم َّ‬
‫َم َد ٍر َوَال َوبَ ٍر إَِّّال أَ ْد َخلَهُ َّ‬
‫اَّللُ َع َّز َو َج َّل فَـيَ ْج َعلُ ُه ْم ِّم ْن‬
‫أ َْهلِّ َها أ َْو يُ ِّذ ُّهلُ ْم فَـيَ ِّدينُو َن َهلَا ) أمحد‪.‬‬
‫وكل هذه الدعائم مرتكزة على العقيدة وما ينبثق عنها‪.‬‬
‫‪18‬‬
‫لقد عرفت الدولة تنظريا وممارسة منذ سقوط اخلالفة الراشدة ‪ ،‬أشكاال كثرية مل تتوفر هلا هذه‬
‫الركائز‪ ،‬وهي بذلك نظم فاسدة ال حتسب تصرفاهتا على اإلسالم‪ ،‬ألن أول شروط شرعية أي نظام أن‬
‫يكون إهليا رابنيا‪.‬‬
‫إن األلوهية والربوبية _ شرعا وعقال وحقيقة كونية ال مناص من االعرتاف هبا – ركنان من‬
‫العقيدة ال يتم إميان امرئ بدون توحيدمها قلبا وقوال وعمال‪.‬‬
‫ولئن كان توحيد األلوهية يستوجب وحدانية اخلالق واختصاصه ابلعبادة والتوجه‪ ،‬فإن توحيد‬
‫الربوبية من مقتضى ذلك بداهة‪ ،‬ألن الذي خلق البد أن يكون هو املدبر ملا خلق‪ ،‬ومشولية إبداعه‬
‫للكون تتضمن مشولية تدبريه للكائنات‪ .‬لذلك كان التدبري اإلهلي ( الربوبية) تعبريا صادقا عن األلوهية‬
‫ِّ ِّ‬
‫املطلقة (إِّ َّن ربَّ ُكم اَّلل الَّ ِّذي َخلَ َق َّ ِّ‬
‫استَـ َوى َعلَى ال َْع ْر ِّ‬
‫ش يُ َدبِّ ُر األ َْم َر)‬
‫ض ِّيف ستَّة أ ََّايٍم ُمثَّ ْ‬
‫الس َم َاوات َواأل َْر َ‬
‫َ ُ ُ‬
‫ض ُمثَّ يـعر ِّ‬
‫(ولََق ْد َخلَ ْقنَا فَـ ْوقَ ُك ْم َس ْب َع‬
‫يونس‪( 3‬يُ َدبِّ ُر ْاأل َْم َر ِّم َن َّ‬
‫الس َماء إِّ َىل ْاأل َْر ِّ َ ْ ُ ُ‬
‫ج إِّلَْيه ‪ )...‬السجدة ‪َ 5‬‬
‫ِّ ِّ‬
‫ِّ‬
‫السماو ِّ‬
‫ات َو ْاأل َْر ِّ‬
‫طََرائِّ َق َوَما ُكنَّا َع ِّن ْ‬
‫ني ) املؤمنون ‪( ،17‬الَّ ِّذي لَهُ ُمل ُ‬
‫اخلَل ِّْق غَافل َ‬
‫ض َوَملْ يَـتَّخ ْذ َولَ ًدا َوَملْ‬
‫ْك َّ َ َ‬
‫يك ِّيف الْمل ِّ‬
‫ْك َو َخلَ َق ُك َّل َش ْي ٍء فَـ َق َّد َرهُ تَـ ْق ِّد ًيرا) الفرقان ‪.2‬‬
‫يَ ُكن لَّهُ َش ِّر ٌ‬
‫ُ‬
‫من هذه الزاوية أتكد أن ما عرفه املسلمون عقب سقوط اخلالفة الراشدة من نظم ‪ ،‬ال متثل‬
‫املنهج الرابين يف أبرز صفاته انسجاما مع رابنية السري العام للحياة‪ ،‬ألن انتفاء صفة الرابنية فيها‬
‫تنعكس عليها انتفاء النتساهبا لإلسالم نظاما للحياة‪.‬‬
‫إن عجز هذه األنظمة السياسية عن تشخيص رابنية التدبري العام دليل بني على املروق عن‬
‫النهج الذي اختاره هللا عز وجل لعباده‪.‬‬
‫هذا الفسوق عن الرابنية كان له وقع الكارثة على البشرية‪ ،‬منذ استسلمت ألاننيتها وتعايل‬
‫بعضها على بعض‪.‬‬
‫إن االستبداد ينشأ أول األمر تعاليا ونرجسية وعبادة للذات‪ ،‬وطموحا غري مشروع للتحكم يف‬
‫الغري‪ ،‬حىت إذا مت للمستبد السيطرة على شعب ما‪ ،‬فرض أتهله وجربوته‪ ،‬واستخف قومه‪ ،‬ابسم األسرة‬
‫أو القبيلة أو الطبقة أو احلزب‪.‬‬
‫هكذا ينشأ االستبداد ويستفحل ويتضخم على الصعيد القطري مث على الصعيد العاملي‪...‬ولنا يف‬
‫املنطقة العربية مناذج أنظمة استبدت على شعوهبا‪ ،‬مث انتقلت لالستبداد على جرياهنا وأبناء عمومتها‪،‬‬
‫أما على الصعيد العاملي فلنا منوذج التسلط النازي الذي بدأ طموحا فرداي وانتهى حبربني عامليتني أحرقتا‬
‫األخضر واليابس‪.‬‬
‫‪19‬‬
‫إن منهج التدبري العام إما أن يكون رابنيا ينشر اخلري والفضيلة والسلم والرخاء والعدالة واألخوة‬
‫املنتسبة إىل أب واحد وأم واحدة خلقا من نفس واحدة بث هللا عز وجل منها رجاال كثريا ونساء‪ ،‬وإما‬
‫وس ْق ُي زرعه دماء املظلومني ودموع الثكاىل واحملرومني‪.‬‬
‫أن يكون بشراي مسته العدوانية‪ ،‬ومثاره الشقاء َ‬
‫إن األلوهية املطلقة لرب العباد ينبغي أن يقابلها التوحيد اإلرادي الطوعي املتجلي يف اخلضوع‬
‫املطلق للرسالة السماوية مبناهجها للحياة الفردية واجلماعية‪ ،‬وذلك ما نطلق عليه رابنية التدبري العام يف‬
‫حياة املؤمنني‪ ،‬أو شرعية الوجود للنظام اإلسالمي املوجود‪.‬‬