1 بسم هللا الرمحن الرحيم واحلمد هلل رب العاملني وصلى هللا على سيدان حممد وآله وصحبه الدولة اإلسالمية شرعية الوجود وآلية التأسيس والتشريع والتسيري لفضيلة الشيخ عبد الكرمي مطيع احلمداوي الحلقة األولى النظام السياسي لدى المسلمين بني استبداد سافر ونقل أعمى واجتهاد تربيري سائب تعاين األمة اإلسالمية يف جمال تدبري شأهنا العام آفتني تعوقان مسرية هنضتها ،آفة فكرية بتأرجحها بني اجتهاد تربيري سائب ونقل أعمى ،وآفة تسلط أنظمة حكم صادرت أمرها اجلامع وعجزت عن توفري العيش الكرمي هلا داخليا ،ومحايتها من الغزو األجنيب خارجيا. هبذه احلالة املرضية سجلت األمة أكرب غياب هلا عن عصرها ،وجعلت بينها وبينه أمدا بعيدا وسدا متينا ،وفجوة شاسعة من الضعف والعجز والتخلف احلضاري والثقايف يف مجيع جماالت احلياة ،حقوقا وواجبات وعدالة وحرايت،ومنعة وندية لغريها من األمم والشعوب. ولئن كان أم ر األمة اجلامع ال يصلح إال مبا صلح به أوهلا ،وكان نظام احلكم أول ما انتقض من عرى اإلسالم ،كما أشار إىل ذلك رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ،فإن نقطة البدء ينبغي أن تكون معاجلة الشأن السياسي الذي اختل فكرا وتنظريا وتطبيقا منذ سقوط اخلالفة الراشدة وملا يشتد عودها. 2 ولئن كان األمل معقودا على مفكري الصحوة املعاصرة يف تطوير صياغة شرعية هلذا األمر انبثاقا من الكتاب والسنة ،فإن هذا األمل قد خاب بلجوء كثري منهم إىل تلفيقات تنظريية الستبداد سلطاين منتزع من التاريخ ،مموهة بدميقراطية غربية مستوردة ،أجنبت حلوال هجينة عاجزة ،مل ترض مرجعا عقداي وال مصدرا أجنبيا. أما على صعيد املمارسة امليدانية فإن األجنيب املتحكم مل يرتك لنا إال أن ننتهج دميقراطية على مقاس مصاحله االقتصادية والسياسية والعسكرية ،وأراتله الفكرية والثقافية والعقدية ،حتت غطاء عوملة فجة لقطيعي الذائب واخلرفان. يف ظل هذه الظروف القاسية ،وحتت مظلة هذه الفجوة احلضارية الشاسعة ،وعلى يد هذه األنظمة االستبدادية ،اهنارت احلواجز لدينا حكاما وحمكومني ،بني الوفاء واخليانة ،وبني الوالء والرباء ،وبني احلالل واحلرام ،والكرامة والنذالة ،بني الصدق مع النفس والوطن واألمة، والتعلق ابلغزاة والظلمة واحملتلني. حكام يستنجدون ابلعدو لقمع شعوهبم وترويضها ،وشعوب تستغيث ابألجنيب لنصرهتا على حكامها ،وبني استنصار أولئك ابخليانة ،واستقواء هؤالء ابلغدر ،تنهار قيم وتنحل جمتمعات وتتفسخ أخالق ،ويعبث ابملاضي واحلاضر واملستقل ،ويتالعب ابلثوابت واملتغريات، وتعيث فسادا يف أوطاننا مراكز غزو مرتبصة ودوائر استعمار متحفز. فهل من سبيل إىل هنوض من هذه الكبوة املزمنة اليت نقاسيها ،وردم هلذه الفجوة الرهيبة اليت تفصلنا عن عصران؟ نعتقد أن البيوت تؤتى من أبواهبا ،والرتميم يكون ملا اهندم من البناء ،وقد كان احلكم أول ما انفرط من العقد واهندم من الصرح ،فليكن مقدمة ما يصحح وأول ما يصلح ،وفاحتة ما يعاد تشييده. إن نظام اإلسالم السياسي احلق إن قام يف أمته ،احنلت عقد شعوهبا ،وحتررت طاقات علمائها وفقهائها ،وانطلقت من عقاهلا عبقرية مبدعيها ومنتجيها ،واستحثت اخلطا حنو اإلصالحات الكربى املنشودة ،واختزلت مراحل الطريق حنو العزة واملنعة ومحاية الذات وتطوير احلياة. إال أن مسرية الصحوة املعاصرة حنو هذا اهلدف تعرتضها عوائق لدى كثري من مفكريها والعاملني هلا .يف مقدمة هذه العوائق اعتبار النظام السياسي يف اإلسالم مشخصا يف دولة فوقية 3 تعد سلطة عليا هلا من التفويض اإلهلي وصالحية التقنني ،وأحقية االستئثار ابحلكم واحتكار القدرة على التمييز بني الواجب واحملرم واملهم واألهم ،وترتيب أولوايت البناء واإلجناز والتشييد، وأسبقيات املدافعة مطاولة ومصاولة ،ومشروعية استعمال القوة واإللزام ابلتطبيق والتنفيذ واالمتثال ،ما جيعلها مطلقة املسؤولية عن تدبري احلياة االجتماعية لألمة ،وصاحبة احلق األعلى يف اهليمنة واحتكار اخلريات واملنافع جلبا وتوزيعا. من هنا كانت بداية االنفراج يف زاوية االحنراف عن النهج اإلسالمي الرشيد ،ومن هنا أيضا ينبغي أن تبدأ حماولة اإلصالح والرتشيد ،بتوثيق عرى ما انتقض ،كما ورد عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم. أما العائق الثاين هلذه املسرية فاحنصار تفكري منظريها بني منهجني ال يغادروهنما وال يربحون ساحتهما ،منهج النظم الدميقراطية ومنهج فقه األحكام السلطانية ،وذاك ما عرقل االجتهاد وثبط اهلمم عن مواصلة السعي لبناء تصور سليم لنظام احلكم يف اإلسالم. إن سجن االجتهاد السياسي يف دائرة مصطلحني غريبني عن روح اإلسالم وهنجه،مصطلح الدميقراطية ومصطلح األحكام السلطانية ،ليس من شأنه إال أن حيول دون النظر السليم للحل األمثل واخلطو القومي حنو اهلدف. ذ لك أن النظام الدميقراطي وما استنبته الغرب من تراث اليوانن ،مما يهرف به احلداثيون املسلمون وبعض منظري الصحوة اإلسالمية املعاصرة ،ال يستطيع استيعاب الشأن العام لألمة املسلمة عقيدة وشريعة ونظام حياة ،نظرا حملدودية مضمونه ،واقتصاره على الشأن الدنيوي املادي الصرف ،واستبعاده أمر الدين عن نظام الدولة واجملتمع .ولئن كان ال يتعارض مع داينة الغرب املسيحية اليت انكفأت يف كنيستها وغيبياهتا ،فإن من املتعذر انسجامه مع اإلسالم الذي نظم دقيق أمور احلياة املادية والروحية وجليلها. أما مصطلح " األحكام السلطانية " الذي ابتدعه فقهاء املسلمني ومتكلموهم وفالسفتهم ،إلضفاء الشرعية على نظم فردية قامت بعد سقوط اخلالفة الراشدة ،وتربير تصرفات حكامها ،فإنه كذلك قاصر عن استيعاب مستجدات العصر يف مجيع جماالت النشاط اإلنساين، وعاجز عن مسايرة الرشد الذي بلغته البشرية املعاصرة. إن أقصى ما حبثه الفقهاء مل يتجاوز يف أهم مفرداته مواضيع أهنكوها شرحا وحبثا ،مبا ال يتجاوز نظام حكم فردي مستبد ،مستظهرين أبدلة ال تتعدى نصوصا متعسفة التأويل ،ظنية 4 الثبوت أو الداللة ،أو أمارات قياس فاسد واستصحاب غيب ،أو مصلحة هوى رئيس ،أو اتقاء فتنة تعكري مزاج أمري. إن هذا الفقه منذ أسسه معاوية ميدانيا ،واملاوردي تنظريا وتربيرا ،مل يتجاوز يف أهم مباحثه قضااي متعلقة ابإلمامة وأهل االختيار ووالية العهد وتقليد الوزراء واألمراء ووالة االستكفاء واالستيالء ،واملظامل وإمامة الصلوات اخلمس واحلج والقضاء والصدقات والفيء والغنيمة واجلزية واخلراج وملكية األرض مواات ومحى ووقفا وإقطاعا وركازا ،وأحكام العقوابت حدودا وتعزيرا ،وأحكام احلسبة أمرا ابملعروف وهنيا عن املنكر. هذه املباحث أوسعها السلف من الفقهاء واملتكلمني على مدار التاريخ اإلسالمي دراسة وحتليال وحماوالت فاشلة للتطوير ،وأهنكها اخللف املعاصرون تلقيحا ابلفكر الغريب دون جدوى. ذلك أن مثلبة عدم مالءمتها للنظام السياسي اإلسالمي احلق مما ال جيادل فيه متفقه ،أما املثلبة األخرى فقصور أحكام هذا الفقه عن تغطية مستجدات العصر وعجزه املطلق عن فهمها واستيعاهبا ووضع احللول املناسبة هلا. ذلك أن البشرية قد بلغت يف راهن زمننا ،بيقظة فطرهتا وعميق وعيها بكرامتها وثقتها بثقافتها واعتدادها بنضج عقلها ،مبلغا أصبح به متعذرا تعايشها مع كل ضروب احلكم الفردي، فقامت بذلك يف كثري من األقطار نظم حتاول ترويض االستبداد وجلم القهر واالستغالل ،وضمان العيش ا لكرمي لكافة طبقات اجملتمع؛ كما زلزلت عروش رفضت مسايرة عصرها يف أقطار أخرى بثورات وانتفاضات شعبية مستقاة شعاراهتا من فلسفة الدميقراطية أوفقه األحكام السلطانية الرتاثية ،وإن كان جوهر غاايهتا التمكن من حق تدبري شأهنا العام بنفسها دون وصاية أو حتكم. ولئن كان الغرب مبا أويت علماؤه ومفكروه من سلوكيات ثقافية راقية ،حتفزهم إىل مواصلة البحث والتنقيب ،مهما بلغوا ويبلغون ،دون كلل أو ملل أو قصور مهم وطموح ،قد ساهم يف تطوير تراثه اليوانين السياسي مبا يضمن مستوى من املشاركة يف تدبري الشأن العام، ابختيار احلكام ومراقبتهم وحماسبتهم وعزهلم أو إقرارهم عند احلاجة ،فإن الفقه السياسي لدى املسلمني ظل يراوح مكانه يف حلقة مفرغة من فقه سلطاين مموه بصباغ من الشريعة ابهت أو تلفيقات من ثقافة غربية شفافة. إن فقه األحكام السلطانية لدى القدامى واحملدثني عجز عن مغادرة شرنقة حاكم فرد بيده مجيع السلطات عظيمها وهينها عمليها ونظريها دينيها ودنيويها ،يعني املسؤولني أو يعزهلم، 5 ويوزع العقارات أو حيتكرها ،ويقيم احلد أو يعفي منه ،ويعزر على اجلنحة تعزيره على اجلناية، ويطلق زوجات املخالفني ويزوجهن ملن يشاء ،ويقتل العلماء أو يسجنهم أو جيلدهم للشبهة والظن. فقه سلطاين هذا شأنه ،كيف يستوعب الرشد الذي بلغته البشرية حاليا ،وصارت به تواقة إىل نظم سياسية جتعل قرارها بيدها أتسيسا وتنفيذا ومراقبة وحماسبة وتطويرا ،نظم تبين هبا حياة كرمية تضمن احلرايت العامة رأاي وتعبريا واجتماعا وتنقال وتعليما وتكافال ،على قواعد تسود فيها إرادة اجلماعة على إرادة أجهزة التسيري والتنفيذ والرتويض؟ كيف يستوعب نظما حديثة ومتطورة ،غايتها بناء الدولة اخلادمة لألمة ،مبؤسساهتا العامة وزارات وهيئات ،وقواعدها املعقدة للتوظيف والرتقية واحملاسبة ،وإداراهتا املركزية واحمللية منشآت ومرافق ومراكز جتارية واقتصادية وصناعية وعلمية ،وتشريعاهتا املتطورة ميزانية وضرائب ومستحقات وديوان وقروضا وطنية وأجنبية ،ومراكزها املتخصصة يف تطوير العلوم والصناعة واالقتصاد والبيئة مبا يوفر للدولة احرتامها وسيادهتا ومكانتها الالئقة هبا بني الدول؟ كيف يستوعب مناشط للحياة متطورة ومشاكل حوادث وأحداث مستجدة ،يضيق عنها جراب تراثه ،بنظام قضائي اتسعت شعبه ومراتبه ،فعرف القضاء اجلالس والواقف ،والتقاضي االبتدائي واالستئنايف ومراجعات النقض واإلبرام؟ واختذت له القواعد املكتوبة املنشئة لألحكام واملنظمة ملساطر اإلجراءات ،واستحدث فيه نظام االختصاص يف املنازعات اجلنائية واملالية والتجارية واألسرية… ضماان للعدل واملساواة واحلرية واألمن واحلقوق. هذه اجملاالت اليت عرفتها البشرية وحتاول ضبطها وتنظيمها وتطويرها ،ال قبل لفقه األحكام السلطانية الرتاثية ابستيعاهبا أو تغطية مساحاهتا وحل إشكاالهتا ،وذاك ما يؤكد أنه جمرد فقه بشري ال صلة له جوهرية ابلنظام السياسي الذي وضعه رب العباد ،وال عربة مبا موه به من تربيرات انتقائية وصباغ شرعي ابهت. إنه إذا كان اإلسالم قد نظم دقيق شؤون الفرد واجلماعة وجليلها ،يف مجيع جماالت العبادة واملال واالقتصاد والعالقات االجتماعية ،نصوصا واستنباطا من النصوص وقواعد وتنزيال للقواعد ،فمن غري املنطقي أن يكون قد أمهل أخطر آلية لبناء األمة الشاهدة ،والعبادة الكونية الشاملة ،وتركها للعفوية واالرجتال أو لالقتباس من أمم ال تدين بدينه وال تتجه صوب قبلته، وهذا يشري إىل عدوانية اجلاحدين ،وتقصري املوالني. 6 لكل هذا وذاك أصبح لزاما وحتما أن يتدارك األمر مفكرو الصحوة املعاصرة ،ويبذلوا اجلهود الكافية لبلورة نظام تدبريي لألمة املسلمة ،منبثق انبثاقا طبيعيا أصيال من الكتاب والسنة، وما حيمل عليهما ويقرانه. فهل آن أن نشمر عن ساعد اجلد ونقتحم العقبة الكتشاف ما وضعه رب العباد من نظم سياسية وتدبريية تكون لنا مرجعا وقاعدة ومنطلقا؟ إن الطريق إىل هذه الغاية شاق وطويل ،وإن الزاد إليه من العلم والتجربة ضئيل ،وقد ران على البصر ماران من الغبش والغشاوة ،أما معضالت السري واملسري فذات شعب مرتامية، ومسارب يف عتمة الرتاث ضاربة ،منها ما يتعلق ابلتأسيس والبناء ،ومنها ما يتعلق ابلتفسري والتثبيت ،ومنها ما يتعلق ابلتطوير والتسيري واحلماية. وليس لنا يف هذا البحث إال أن نستهله ابالقتصار على املفردات االرتكازية اليت متثل سدى النظام السياسي اإلسالمي وحلمته ،اتركني ما سوى ذلك إىل ما بعد اتضاح النهج واستواء اجلادة. ذلك أن هذا النظام إن كان مبنيا على الشورى اجلماعية اليت تعيد االعتبار للجماعة وال خترج عن الكتاب والسنة ،كما هو مشروح يف كتايب السابق " فقه األحكام السلطانية حماولة نقدية للتأصيل والتطوير " ،فإن اتضاح سبيله القاصدة املؤدية لقيام اخلالفة الراشدة الثانية املنتظرة ،ال يتم إال آبليتني ضروريتني متثالن سداه وحلمته: – 1آلية بناء هذا النظام على صعيد النظر والتطبيق ،ممارسة ميدانية مجاعية متساوية عادلة ،وتشييدا هلياكله متينة قوية متماسكة ،وتثبيتا ألركانه محاية وتطويرا ومناضلة ومدافعة. – 2آلية االجتهاد اخلاص مبلء الفراغ التشريعي ،بواسطة منهج رشيد شوروي يضع احللول املناسبة الناجعة ملا مل يرد به حكم يف الكتاب والسنة ،وال حيتمل الرد إليهما مبختلف ضروب االستنباط األصولية قياسا وامجاعا. 7 النظام السياسي في اإلسالم شرعية الوجود وآلية التأسيس والتشريع والتسيري إن ابن خلدون عندما صاغ نظريته يف نشوء الدول على العصبية بقوله ":إن الرائسة ال تكون إال ابلغلب ،والغلب ال يكون إال ابلعصبية ( املقدمة ص ،)132وزعم أن أعمار الدول كأعمار األشخاص يف التزيد إىل سن الوقوف مث إىل سن الرجوع هرما وانقراضا( املقدمة ،)171كان قد المس بكثري من الوضوح ،أهم معضلة سياسية يعانيها الفكر السياسي لدى املسلمني وإن مل يضع هلا حال ،معضلة نشوء الدولة وشرعية أتسيسها وانداثرها. ولئن كانت نظريته تصب يف اجتاه النشأة الفوقية ،شأن نظم االستبداد عادة ،ألن العصبية القبلية لديه معززة ابلدعوة الدينية ،ال تنتج إال سلطة عليا مهيمنة ومتحكمة ،فإن خمتلف أصناف الفكر السياسي الذي عرفته الساحة اإلسالمية منذ سقوط اخلالفة الراشدة كان على هذا النهج أو ما يقاربه. ذلك أن نظم امللك اجلربي والعضوض اليت أسسها األمويون واستمرت إىل عصران هذا ،مل يكن فقه األحكام السلطانية الذي نشأ عنها وبتأثريها إال تربيرا لسلطتها الغامشة الفوقية ومحاية أيديولوجية هلا. لقد نشأت مجيع دول هذا االجتاه اخللدوين -املاوردي خارج اجملتمع املسلم وفوقه ،مث انغرست مقلوبة يف أرض الواقع بقوة القهر والغلبة ،جذورها يف اهلواء وفروعها يف املاء .كما هو شأن النظم الوضعية اليت سادت األرض قبل البعثة النبوية واخلالفة الراشدة وبعدمها. كذلك ابختالف يسري نشأت النظم الدميقراطية التعددية ،يقوم حزب حتت غطاء دمياغوجي وقيادة فردية ودعم خلفي من جهاز رمسي أومجاعة ضغط ذات مصلحة ،ببسط هيمنته على الدولة، واالنغراس مقلواب يف أرض الواقع. ولئن كانت الدميقراطية يف جوهرها متعارضة مع طبيعة اجملتمعات املسلمة لكوهنا تعين سيادة الشعب احملتكرة بيد احلزب احلاكم وقيادته على حساب سيادة الشرع وحاكميته ،فإهنا يف موطنها على 8 األقل وصلت من التطور حدا جعل ها تستطيع حتقيق نوع من التداول الطوعي على السلطة بني قادة األحزاب واملنظمات. أما يف الدول اإلسالمية عربية وعجمية ،فإهنا مل تستطع أن تؤثر يف رأس السلطة إجيااب أو سلبا، وبقيت حماصرة يف دائرة معارك طواحني اهلواء ،برملاانت وأحزااب وصحفا خجولة متعثرة. كذلك كان النشاط الفكري لدعاهتا يف أوطاننا ،منذ بروز هذا االجتاه يف بداية القرن التاسع عشر على يد الطهطاوي وعبده واألفغاين ورضا ،إذ مل يتجاوز حلد اآلن حماولة مزاوجة فجة بني االستبداد السافر يف األحكام السلطانية الرتاثية واالستبداد املقنع يف دميقراطية بلد املنشأ. طفحت كذلك يف جمتمعاتنا فكرا وممارسة دول اشرتاكية ماركسية حتمل خصائص االستبداد، وطبائع األجسام الغريبة اليت تغرس يف الفضاء مقلوبة ،أنف يف املاء وقاعدة يف السماء ،فلم يتم هلا نتاج. ينطبق احلال كذلك على دول قومية مل تسلم من عاهة االغرتاب عن األرض واجملتمع ،أسسها مغامرون تسللوا إىل السلطة مستثمرين فساد أنظمة " ألحكام سلطانية " سادت يف عصرهم ،كما يف احلالة الرتكية آخر أايم العثمانيني. هذه النماذج السياسية اليت عرفتها الساحة املسلمة فشلت كلها يف إسعاد شعوهبا كما أخفقت يف إقامة األمة الشاهدة والدولة الرائدة اليت تقف أمام غريها من الدول بندية وكفاية وكامل سيادة ومتام حرمة. من أجل ذلك ظهرت حاليا دعوات جديدة تنظر لنظام تلفيقي من مجيع هذه التجارب الفاشلة، وكأمنا مجع األصفار إىل بعضها ينتج غري الصفر. إن حماولة تلفيق نظام جديد هويته الثقافية إسالمية كما يتخيلون ،وهويته الذاتية قومية كما خيرصون ،وهويته االجتماعية واالقتصادية ماركسية ،وهويته السياسية لربالية ،ليست إال شطحا هبلوانيا ينتج كياان أشوه غري قابل للحياة ،فيه شركاء متشاكسون وعقائد متعارضة متضاربة ومناهج متناقضة، حىت لو زرع يف الرتبة ال يف اهلواء – على رغم استحالة ذلك -فإن الرتبة متجه وتلفظه. كل هذه النظم اليت عرفتها الساحة املسلمة – سلطانية ودميقراطية وقومية واشرتاكية وتلفيقية – ت لألبناء من بعدهم مبختلف نشأت أوال عن طموح غري مشروع للتسلط من قبل مؤسسيها ،مث ُوِّرثَ ْ ضروب التحايل والقهر والقمع ،ملكيات كانت أو مجهورايت أو مشيخات أو إمارات ،وغرست اثنيا 9 يف األرض مقلوبة أعالها يف املاء وأسفلها يف السماء ،وهي لذلك ال تشعر بشعور األمة وال متثل ضمريها وآماهلا وآالمها وما تتوق إليه. من مث يبدو جليا خطل مطالبة بعض احلركات اإلسالمية املعاصرة ومفكريها بتطبيق الشريعة يف ظل هذه الن ظم ،ألن طبيعة نشأة هذه األنظمة وهنجها ال متكنها موضوعيا من تطبيق الشريعة والقيام مبستلزماهتا ،كما أن افتقادها لشرعية الوجود جيعلها يف حالة تناف مع نفسها إذا ما حاولت تطبيق الشريعة. هذه هي املعضلة اليت تعانيها شعوب املسلمني وتغفلها دعوات املفكرين والدعاة ،فهل يعقل أن يطبق الشريعة من ال يؤمن هبا أومن يفتقد يف أساس كيانه ونشأته عنصر الشرعية؟ لذلك كانت نقطة البدء يف كل إصالح ،أتسيس النظام الشرعي القادر على تطبيق الشرعية والشريعة ،وإقامة أمر اإلسالم اجلامع سياسيا واجتماعيا واقتصاداي... إن شرعية أي نظام ال تتأتى من عبارات تدبج يف الدساتري ،أو يرطن هبا يف اخلطب والتصرحيات، أو تعرض جيدة التنسيق يف اجملالت والصحف ،ولكنها تتحقق من طبيعة نشأته وبداية أمره ومراحل منوه وتفاعله مع جمتمعه ،وتعامله مع منهج ربه. إن النظام اإلسالمي -على عكس النظم األخرى – متاثل نشأته نشأة النبات ،تدفن بذرته يف الرتاب أوال ،ألن مبدأ احلياة دائما أن تنغرس بذرته يف عمق األرض واألرحام ،وما نبت مما مل يدفن ال يتم نتاجه وال تنبعث فيه حياة ،مث يرمي جذوره وخيرج شطأه ،وميد فروعه يف الفضاء الرحب ،ينشر الفيء والظالل ،ويغدق على الكائنات احلية اخلري والثمار والغالل ،فهو بذلك مائدة هللا للكون ،مهداة خبري عميم ،وتعايش حر كرمي ،ال خوف وال غنب وال ظلم وال غصب ،للمؤمن وغري املؤمن ،لألسود واألبيض واألمحر على السواء. إن أول خطوات التأسيس الشرعي للدولة أن تنشأ اجلماعة املسلمة ( األمة) حول بذرة العقيدة وتتفاعل هبا ومعها ومن أجلها ،وتنظم شأهنا العام بواسطة الشورى اجلماعية قرارا وتنفيذا وحماسبة ومراقبة ،مبنأى عن الرتاتبية السلطوية اهلرمية ،مبا حيقق التعاطي اإلجيايب البناء ،بني األمة وقيادهتا اخلدمية التنفيذية ،دون احتكار للخريات ،أو مصادرة للرأي واحلرايت ،أو سقوط يف شراك الفنت الطائفية أو املذهبية أو العرقية أو الطبقية أو احلزبية ،ألن كافة املواطنني يف دولة الشرعية سواسية أمام عقيدة مسحة وشريعة عادلة ونظام هو ملك هلم مجيعا. 10 ذلك ما نصت عليه وعملت به أول وثيقة إنسانية نظمت حياة الناس يف األرض ،وثيقة املدينة اليت كتبها رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يف أول هجرته إىل يثرب ،تنظيما لساكنتها من املسلمني وغري املسلمني ،جلما لطغيان الطوائف والعصبيات على بعضها ،وإقرارا ملبدأ املساواة يف احلقوق والواجبات، يف مساحة وعدالة مل تعرفهما أحدث القوانني الوضعية املعاصرة ومل تقرتب منها. إن هذه الوثيقة مل تشر من قريب أو بعيد إىل حكومة أو رائسة أو جمالس أهل حل وعقد أو مسؤولني على صعيد املناطق والقبائل واجليوش والدواوين ،بل أرست قواعد اجملتمع املتكامل املكون جلميع األطياف مهاجرين وأنصارا ،ومن حلق هبم واعتنق دعوهتم ،أو جاورهم أو ساكنهم من ذوي الدايانت املخالفة يهودا ومشركني ،يف ظل املواطنة الصاحلة تكافال وتعاوان وتناصرا ،تقريرا وتنفيذا .من غري ظلم أو حيف أو ختاذل أو تعال واستكبار ،مع احملافظة على نقطة االرتكاز العقدي مبا حيفظ لألمة مبدأ والئها وبرائها ،ويعصمها من التحلل والذوابن. لقد كانت هذه الوثيقة املدونة أول تعاقد سياسي رمسي أسس للدولة يف اإلسالم أركاهنا وقواعدها ومنهج سريها. قال حممد بن إسحاق فيما أورده ابن كثري يف اترخيه (:)224 -3 ( كتب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم كتااب بني املهاجرين واألنصار ،وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأمواهلم واشرتط عليهم وشرط هلم ). أما املبادئ املميزة واخلطوط العريضة اليت رمستها هذه الوثيقة فيمكن تلخيصها يف النقط التالية: – 1مبدأ املواطنة املشرتكة يف الدولة اإلسالمية: يقول صلى هللا عليه وسلم إهنا بني: املؤمنني واملسلمني من قريش( أي املهاجرين) ،ويثرب( أي األنصار) ،ومن تبعهم وحلق هبم(أي من عامة الناس) ،وجاهد معهم ( ابلدفاع عن اإلسالم واملسلمني). وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر واألسوة غري مظلومني وال متناصر عليهم.هبذه النصوص الواضحة الصرحية تبلورت ألول مرة يف التاريخ فكرة املواطنة مبعناها احلضاري، حقا يف اإلقامة على أرض خمصوصة ،واكتسااب جلنسيتها ،ومتتعا ابلعضوية الكاملة يف اجملتمع ،على أساس املساواة والتعاون املشرتك ،من غري متييز بني األلوان واألعراق واألداين ،مما مل تستطع الدميقراطية اليواننية استيعابه ،ومل تفكر فيه الدميقراطية احلديثة إال يف القرن العشرين. – 2مبدأ التكافل االجتماعي ،تقول الصحيفة: 11 وأن على اليهود نفقتهم وعلى املسلمني نفقتهم. وأن بينهم ( أي املسلمني وغري املسلمني ) النصح والنصيحة والرب دون اإلمث. وأن اجلار ( أي مسلما كان أو غري مسلم ) كالنفس غري مضار وال آمث. وأن املؤمنني ال يرتكون مفرحا ( أي مثقال ابلديون كثري العيال ) بينهم أن يعطوه ابملعروف يففداء أو عقل. وأن املؤمنني يبـيء ( أي يساوي ) بعضهم بعضا مبا انل دماءهم يف سبيل هللا. وأن النصر للمظلوم. – 3مبدأ احملافظة على أمن الدولة واجملتمع ،تقول الصحيفة: وأنه مل أيمث امرؤ حبليفه. وأن ذمة هللا واحدة جيري عليهم أدانهم. وأن املؤمنني املتقني على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو إمث أو عدوان أو فساد بنياملؤمنني ،وأن أيديهم عليه مجيعهم ولو كان ولد أحدهم. وأنه ال حيل ملؤمن أقر مبا يف هذه الصحيفة وآمن ابهلل واليوم اآلخر أن ينصر حمداث أو يؤويه،وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة هللا وغضبه يوم القيامة ،وال يؤخذ منه صرف وال عدل. وأنه ال حيول هذا الكتاب دون ظامل أو آمث. – 4مبدأ املساواة والتسيري الذايت للمجتمع ،يقول الرسول صلى هللا عليه وسلم: وأن املؤمنني يبـيء ( أي يساوي) بعضهم بعضا. املهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاملون بينهم ،وهم يفدون عانيهم ابملعروف والقسط ،وبنوعوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم األوىل ،وكل طائفة تفدي عانيها ابملعروف والقسط بني املؤمنني . مث ذكر كل بطن من بطون األنصار وأهل كل دار بين ساعدة وبين جشم وبين النجار وبين عمرو بن عوف وبين النيبت. – 5مبدأ الدفاع املشرتك بني مجيع املتساكنني ،تقول الصحيفة: وأن بينهم ( أي سكان املدينة مسلمني وغري مسلمني ) النصر على من دهم يثرب. وأن بينهم ( أي مسلمني وغري مسلمني) النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. – 6مبدأ حرية االختيار وتقرير املصري للمخالفني ،تقول الصحيفة: -وأن من تبعنا من يهود فإن هلم النصر واإلسوة غري مظلومني وال متناصر عليهم. 12 وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن ابملدينة إال من ظلم أو أمث. – 7مبدأ سيادة الشريعة وحاكمية الكتاب والسنة ،تقول الصحيفة: وأن ما كان من أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار خياف فساده فإن مرده إىل هللا وإىل حممدرسول هللا صلى هللا عليه وسلم. وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إىل هللا عز وجل وإىل حممد صلى هللا عليه وسلم.هذه بعض أركان البناء الشرعي للدولة كما وردت يف صحيفة املدينة ،مث توالت بعدها حركة التشييد عمال ميدانيا وقدوة نبوية ووحيا يتنزل. ت لَ ُك ْم وإذ أرسى صلى هللا عليه وسلم يف األمساع والقلوب واملهج آخر ما نزل من القرآن (الْيَـ ْو َم أَ ْك َم ْل ُ ت َعلَْي ُكم نِّ ْعم ِّيت ور ِّ يت لَ ُك ُم ِّ اإل ْسالَ َم ِّدينًا ) املائدة ،3أقام آخر أعمدة تدبري الشأن العام ض ُ ِّدينَ ُك ْم َوأ َْمتَ ْم ُ ْ َ ََ لألمة يف خطبته الغراء جببل الرمحة يوم عرفات يف حجة الوداع ( السنة العاشرة للهجرة ) ،مبشرا بكمال الدين ومتام النعمة ،حريصا على وضوح قوله ومساع صوته ،وتبليغ رسالته ،ابختاذه ربيعة بن أمية بن خلف اجلمحي مسمعا خلطبته وكان صيتا ،قائال له بني الفينة والفينة " :اصرخ " ،مشهدا سامعيه على نفسه وبالغه ،يقول هلم ( :هل بلغت؟ فيقولون :بلغ رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ،فيقول: ليبلغ الشاه د منكم الغائب) ،حمذرا املسلمني من إهدار هذه الفرصة واملناسبة قائال( :أما بعد :أيها الناس امسعوا مين ما أبني لكم فإين ال أدري لعلي ال ألقاكم بعد عامي هذا يف موقفي هذا ،أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إىل أن تلقوا ربكم.)... كانت معظم توجيهات الرسول األكرم صلى هللا عليه وسلم يف هذه اخلطبة متعلقة بتدبري األمر العام لألمة ،تتميما وتذكريا وبلورة ملا ورد يف الصحيفة التأسيسية األوىل ( وثيقة املدينة) .مما ميكن إجيازه فيما يلي: – 1وحدة أعضاء اجملتمع املسلم ومساواهتم بقوله صلى هللا عليه وسلم يف خطبته: أي ها الناس إن ربكم واحد وإن أابكم واحد كلكم آلدم وآدم من تراب أكرمكم عند هللاأتقاكم ،وليس لعريب على عجمي فضل إال ابلتقوى ،أال هل بلغت....اللهم فاشهد ،قالوا :نعم ،قال: فليبلغ الشاهد الغائب . -إن هللا يقول ( اي أيها الناس إان خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوابً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند هللا أتقاكم ) فليس لعريب على عجمي فضل وال لعجمي على عريب فضل وال ألسود على أبيض فضل وال ألبيض على أسود فضل إال ابلتقوى. 13 اي معشر قريش ال جتيئوا ابلدنيا حتملوهنا على رقابكم وجتيء الناس ابآلخرة ،فإين ال أغينعنكم من هللا شيئاً – 2تكريس العدل ونبذ الظلم: امسعوا مين تعيشوا ،أال ال تظلموا ،أال ال تظلموا ،أال ال تظلموا ،إنه ال حيل مال امرئ مسلمإال بطيب نفس منه ،أال وإن كل دم مأثرة ومال كانت يف اجلاهلية حتت قدمي هذه إىل يوم القيامة. أيها الناس ،إمنا املؤمنون إخوة وال حيل المرئ مال ألخيه إال عن طيب نفس منه ،أال هلبلغت اللهم فاشهد. -فال ترجعن بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ،فإين قد تركت فيكم ما إن أخذمت به لن تضلوا بعده ،كتاب هللا وسنة نبيه ،أال هل بلغت ...اللهم فاشهد. -إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. هذا يوم حرام وبلد حرام ،فدماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذااليوم إىل يوم تلقونه ،وحىت دفعة دفعها مسلم مسلماً يريد هبا سوءاً ،وسأخربكم من املسلم ،املسلم من سلم الناس من لسانه ويده ،واملؤمن من أمنه الناس على أمواهلم وأنفسهم ،واملهاجر من هجر اخلطااي والذنوب ،واجملاهد من جاهد نفسه في طاعة هللا. وأحدثكم من املهاجر؟ من هجر السيئات ،واملؤمن حرام على املؤمن كحرمة هذا اليوم ،حلمهعليه حرام أن أيكله ابلغيبة يغتابه ،وعرضه عليه حرام أن خيرقه ،ووجهه عليه حرام أن يلطمه ،ودمه عليه حرام أن يسفكه ،وماله عليه حرام أن يظلمه ،وأذاه عليه حرام أن يدفعه دفعاً. وحرام عليه أن يدفعه دفعة تعنته. هذا اليوم حرام؟ ،قالوا :بلى اي رسول هللا! قال :فإن حرمتكم بينكم كحرمة يومكم هذا.أنبئكم من املسلم؟ املسلم من سلم املسلمون من لسانه ويده .أنبئكم من املؤمن؟ املؤمن من أمنه املسلمون على أنفسهم وأمواهلم .أنبئكم من املهاجر؟ املهاجر من هجر السيئات مما حرم هللا عليه. واملؤمن على املؤمن حرام كحرمة هذا اليوم ،حلمه عليه حرام أن أيكله ابلغيب ويغتابه ،وعرضه عليه حرام أن خيرقه ،ووجهه عليه حرام أن يلطمه ،وأذاه عليه حرام أن يؤذيه ،وعليه حرام أن يدفعه دفعاً يعنـته". -اي أيها الناس من كانت عنده وديعة فليؤدها إىل من ائتمنه عليها. 14 فإن هللا تبارك وتعاىل حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر وهذاالبلد ،أال ليبلغ شاهدكم غائبكم ،ال نيب بعدي وال أمة بعدكم .مث رفع يديه فقال" :اللهم اشهد". إن أتسيس الدولة اإلسالمية مثال اندر يف مسرية اإلنسانية ونظام جتمعها السياسي ،ومنوذج فذ لنشوء الدول واجملتمعات ،فقد وضع لبنات قيم ومبادئ ونظم مل تستطع أعرق الدول الدستورية املعاصرة جتاوزها ،بتقريره حدود الدولة وأصناف ساكنتها ،وصفات املواطنة الصاحلة فيها ،وتفصيله الدقيق للحقوق والواجبات الفردية واجلماعية ،وإشارته آللية اختاذ القرارات اجلماعية الشوروية ،وبناء األجهزة اخلدمية التنفيذية. إن تكامل التصور اإلسالمي لنظام التدبري العام ،كان خامتة مسرية الرشد البشري على األرض، كي تعود حياة الناس إىل ما فطرت عليه يوم خلق هللا السموات واألرض وبرأ آدم وذريته على أحسن تقومي وقبل أن جتتال بعضهم الشياطني فريدوا أسفل سافلني. هذه كانت مهمة النبوة اخلامتة ،وغاية التنزيل احلكيم ،وهو ما أشار إليه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم بقوله يف أول خطبة حجة الوداع (:أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق هللا السماوات واألرض ,وإن عدة الشهور عند هللا اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أوهلن رجب مضر بني مجادي وشعبان ,وذوالقعدة ,وذواحلجة واحملرم ) وكما أن الزمان يف حجة الوداع قد استدار كهيئته األوىل كما خلقه هللا ،بعد أن انله التغيري ابلنسيء والتبديل والتغيري والتقدمي والتأخري على يد اجلاهلية العربية. وكما أن عاقبة احلج أن يرجع احلاج إىل أهله نقيا مغفور الذنب كيوم ولدته أمه ،وكما خلق أول مرة سواي يف أحسن تقومي. كذلك نظام تدبري الشأن العام لدى املسلمني ،ينبغي أن يعود إىل وضعه األول السوي ،وينبذ كل ضالالت االستبداد والتحكم والقهر والتفاضل اهلرمي احملتكر للسلطة واجلاه واخلريات .وذلك سبيل ظهور األمة الشاهدة املنضبطة مع فطرهتا السوية األوىل. إن أبرز ما مييز هذا النظام الرابين أن األمر التكليفي فيه ،خطااب قرآنيا حكيما ،وتوجيهات نبوية كرمية موجه إىل مجيع األمة بصفتها مسؤولة عن أمرها مسؤولية مشرتكة ،كما أنه مل يتضمن أي إشارة ولو عرضية إىل رائسة أو قيادة فردية سياسية كانت أو إدارية أو عسكرية ،بل ليس فيه ما يبيح اختزال السلطة يف أفراد معينني أو تكتل خاص للشورى أو احلل والعقد ،أو األعيان أو الطوائف واملذاهب.مما 15 يؤكد أن النظام اإلسالمي ال يقر النظم السياسية الرأسية اليت يقبع فيها على رؤوس الناس متسلط أو متسلطون .مما يدحض مزاعم دعاة القهر السلطاين السافر واالستبداد الدميقراطي املقنع. إن النظام اإلسالمي يف هذا اجملال ليس رأسي السلطة ،يوزع فيها النفوذ بني األقوايء ،يف طبقات بعضها فوق بعض ،هذا النزوع العدواين ال يقره القرآن الكرمي ،والتعاليم النبوية حتض على نبذه . إن النظام اإلسالمي احلق ،بذرته الت أسيسية اليت حتتضن بؤرة االنطالق فيه هي العقيدة وما أتت به من تشريعات ،العقيدة هي املوجهة واملرشدة واحلاكمة ،يف البدء كانت العقيدة ،ومن نبضها تكونت حوهلا احللقة الدعوية األوىل نبوة خامتة ،مث من دفق النبوة وشحناهتا الرابنية انطلقت حلقات موجات االنتشار األول لإلسالم ،مهاجرين وأنصارا والذين جاؤوا من بعدهم إىل يوم الدين. إن مثل التدبري العام األفقي غري اهلرمي يف اجملتمع اإلسالمي ،انتشارا دعواي ،وإجراء شورواي، كمثل حجر نزل من السماء يف املاء ،فتكونت من اهتزازه املادي أو نبضه الكهريب ،يف اجلسم الناقل الذي هو املا ء ،موجات تضاغطية أفقية كثرية ومتعاقبة ،على شكل حلقات تتسع موجاهتا فينشأ على رأس كل منها فضاء هو جمال تفاعل الطاقة املولدة للحركة والتوسع احللقي. فاحلجر يف مثالنا هذا هو العقيدة اليت أنزلت من السماء ،وبثت شحناهتا األوىل يف جماهلا األول الذي هو النبوة ،مث ان طلقت من النبوة اخلامتة ونبضها الرابين حلقات أجيال املؤمنني ،بفضاءاهتا الدعوية والتدبريية على قدم املساواة قرارا وتنفيذا. إن هذه الفضاءات املشكلة من حلقات االنتشار اإلسالمي أو فضاءات الدعوة ) الشكل 1 ).كما ميكن أن يطلق عليها ،يكون هلا يف اجملال السياسي دور آخر على قاعدة تدبري الشأن العام ،إذ تتخذ شكل فضاءات أخرى الختاذ القرارات وتنفيذها ،وتعيني رجال خدمتها ومراقبتهم وحماسبتهم، بواسطة الشورى اجلماعية ،وهي بذلك حينئذ فضاءات شوروية تشكل صلب نظام الدولة وعنصر احليوية فيه ،كما متثل يف نفس الوقت تروسا للدفاع عن البيضة ،ومحاية احلوزة ،وترشيد التماسك والتآزر والتكافل والوعي داخل األمة. هذا النظام ،نظام الفضاءات الشوروية ،ال جمال فيه للتسلط واحتكار اجملد ،كما ال التقاء له ابلنظم اهلرمية ذات الطبقات املختزلة أو امللغية ملن حتتها ) الشكل .) 2 16 17 ذاك هو النهج الذي عرفه عصر النبوة اخلامتة قدوة وتعليما ،مث عاشه عهد اخلالفة الراشدة الذي حيلب فيه أبو بكر رضي هللا عنه شويهات األعرابيات ،وينام فيه اإلمام علي كرم هللا وجهه على األرض بدون وطاء أو غطاء ،ويكتفي فيه عمر رضي هللا عنه ابخلبز اليابس واملاء. هذا النظام خبصائصه ومبادئه وقيمه الرابنية وفضاءاته الشوروية ،نقطة البدء فيه العقيدة ونقطة اخلتام فيه سعادة الدنيا واآلخرة ،لذلك ال يقبل إال أن يكون وحده يف مساحته ،ال يرقع أبنظمة وضعية وال ترقع به ،فهو غين عن الرتقيع ،عصي عن الرتويض والتبضيع ،والذين يلتمسون من أنظمة استبدادية أن تطبق الشريعة ،إمنا يسعون يف حقيقة األمر لتشويهها أو توظيفها واستغالهلا وحتريفها .وما مل يتوفر نظام ما على شرعية الوجود منهجا نبواي راشدا ،فال جمال ملطالبته مبا هو خارج عن طبيعته، وكما أن الصدقة ال جتوز من مثار األرض املغتصبة النتفاء شرعية متلكها ،كذلك يتعذر تطبيق النظام اإلسالمي من فاقد شرعية الوجود. إن النظام اإلسالمي مرتكز على أربعة دعائم بدوهنا يفتقد التمثيل الصحيح لإلسالم: – 1شرعية الوجود أوال ،ومصدرها حجر األساس الذي هو العقيدة. – 2شرعية التشريع املنبثقة من شرعية الوجود. – 3شرعية التسيري والتنفيذ املنبثقة من شرعية التشريع. – 4شرعية اهلدف املنبثقة من شرعية الوجود والتشريع والتسيري ،وهي اليت عرب عنها القرآن الكرمي بقوله تعاىل يف اآلية 28من سورة الفتحُ (:ه َو الَّ ِّذي أ َْر َس َل َر ُسولَهُ ِّاب ْهلَُدى َو ِّد ِّ ين ا ْحلَ ِّق لِّيُظ ِّْه َرهُ َعلَى ين ُكلِّ ِّه وَك َفى ِّاب َِّّ ِّ َّلل َش ِّهي ًدا ) ،والرسول صلى هللا عليه وسلم بقولهَ ( :ال يَـ ْبـ َقى َعلَى ظَ ْه ِّر ْاأل َْر ِّ ت ض بَـ ْي ُ الد ِّ َ اَّللُ َكلِّ َمةَ ِّْ اإل ْس َالِّم بِّ ِّع ِّز َع ِّزي ٍز أ َْو ذُ ِّل ذَلِّ ٍ يل إِّ َّما يُِّع ُّزُه ُم َّ َم َد ٍر َوَال َوبَ ٍر إَِّّال أَ ْد َخلَهُ َّ اَّللُ َع َّز َو َج َّل فَـيَ ْج َعلُ ُه ْم ِّم ْن أ َْهلِّ َها أ َْو يُ ِّذ ُّهلُ ْم فَـيَ ِّدينُو َن َهلَا ) أمحد. وكل هذه الدعائم مرتكزة على العقيدة وما ينبثق عنها. 18 لقد عرفت الدولة تنظريا وممارسة منذ سقوط اخلالفة الراشدة ،أشكاال كثرية مل تتوفر هلا هذه الركائز ،وهي بذلك نظم فاسدة ال حتسب تصرفاهتا على اإلسالم ،ألن أول شروط شرعية أي نظام أن يكون إهليا رابنيا. إن األلوهية والربوبية _ شرعا وعقال وحقيقة كونية ال مناص من االعرتاف هبا – ركنان من العقيدة ال يتم إميان امرئ بدون توحيدمها قلبا وقوال وعمال. ولئن كان توحيد األلوهية يستوجب وحدانية اخلالق واختصاصه ابلعبادة والتوجه ،فإن توحيد الربوبية من مقتضى ذلك بداهة ،ألن الذي خلق البد أن يكون هو املدبر ملا خلق ،ومشولية إبداعه للكون تتضمن مشولية تدبريه للكائنات .لذلك كان التدبري اإلهلي ( الربوبية) تعبريا صادقا عن األلوهية ِّ ِّ املطلقة (إِّ َّن ربَّ ُكم اَّلل الَّ ِّذي َخلَ َق َّ ِّ استَـ َوى َعلَى ال َْع ْر ِّ ش يُ َدبِّ ُر األ َْم َر) ض ِّيف ستَّة أ ََّايٍم ُمثَّ ْ الس َم َاوات َواأل َْر َ َ ُ ُ ض ُمثَّ يـعر ِّ (ولََق ْد َخلَ ْقنَا فَـ ْوقَ ُك ْم َس ْب َع يونس( 3يُ َدبِّ ُر ْاأل َْم َر ِّم َن َّ الس َماء إِّ َىل ْاأل َْر ِّ َ ْ ُ ُ ج إِّلَْيه )...السجدة َ 5 ِّ ِّ ِّ السماو ِّ ات َو ْاأل َْر ِّ طََرائِّ َق َوَما ُكنَّا َع ِّن ْ ني ) املؤمنون ( ،17الَّ ِّذي لَهُ ُمل ُ اخلَل ِّْق غَافل َ ض َوَملْ يَـتَّخ ْذ َولَ ًدا َوَملْ ْك َّ َ َ يك ِّيف الْمل ِّ ْك َو َخلَ َق ُك َّل َش ْي ٍء فَـ َق َّد َرهُ تَـ ْق ِّد ًيرا) الفرقان .2 يَ ُكن لَّهُ َش ِّر ٌ ُ من هذه الزاوية أتكد أن ما عرفه املسلمون عقب سقوط اخلالفة الراشدة من نظم ،ال متثل املنهج الرابين يف أبرز صفاته انسجاما مع رابنية السري العام للحياة ،ألن انتفاء صفة الرابنية فيها تنعكس عليها انتفاء النتساهبا لإلسالم نظاما للحياة. إن عجز هذه األنظمة السياسية عن تشخيص رابنية التدبري العام دليل بني على املروق عن النهج الذي اختاره هللا عز وجل لعباده. هذا الفسوق عن الرابنية كان له وقع الكارثة على البشرية ،منذ استسلمت ألاننيتها وتعايل بعضها على بعض. إن االستبداد ينشأ أول األمر تعاليا ونرجسية وعبادة للذات ،وطموحا غري مشروع للتحكم يف الغري ،حىت إذا مت للمستبد السيطرة على شعب ما ،فرض أتهله وجربوته ،واستخف قومه ،ابسم األسرة أو القبيلة أو الطبقة أو احلزب. هكذا ينشأ االستبداد ويستفحل ويتضخم على الصعيد القطري مث على الصعيد العاملي...ولنا يف املنطقة العربية مناذج أنظمة استبدت على شعوهبا ،مث انتقلت لالستبداد على جرياهنا وأبناء عمومتها، أما على الصعيد العاملي فلنا منوذج التسلط النازي الذي بدأ طموحا فرداي وانتهى حبربني عامليتني أحرقتا األخضر واليابس. 19 إن منهج التدبري العام إما أن يكون رابنيا ينشر اخلري والفضيلة والسلم والرخاء والعدالة واألخوة املنتسبة إىل أب واحد وأم واحدة خلقا من نفس واحدة بث هللا عز وجل منها رجاال كثريا ونساء ،وإما وس ْق ُي زرعه دماء املظلومني ودموع الثكاىل واحملرومني. أن يكون بشراي مسته العدوانية ،ومثاره الشقاء َ إن األلوهية املطلقة لرب العباد ينبغي أن يقابلها التوحيد اإلرادي الطوعي املتجلي يف اخلضوع املطلق للرسالة السماوية مبناهجها للحياة الفردية واجلماعية ،وذلك ما نطلق عليه رابنية التدبري العام يف حياة املؤمنني ،أو شرعية الوجود للنظام اإلسالمي املوجود.
© Copyright 2026 Paperzz