تحميل الملف المرفق

‫مجمع الفقه اإلسالمي بجـدة‬
‫منتدى الفكر اإلسالمي‬
‫مصطلح التنوير‪:‬‬
‫مفاهيمه واتجاهاته في العالم اإلسالمي الحديث‬
‫" نظرة تقويمية "‬
‫حماضرة أعدها وق ّدمها‬
‫الدكتور عبد اللطيف الشيخ توفيق الشيرازي الصباغ‬
‫أستاذ امللل والنحل واملذاهب املعاصرة بقسم الدراسات اإلسالمية‬
‫بكلية اآلداب جبامعة امللك عبد العزيز جبدة‬
‫حمرم احلرام ‪1426‬هـ‬
‫جدة يف يوم األربعاء ‪ّ 7‬‬
‫‪16‬شباط (فرباير) ‪2005‬‬
‫‪‬‬
‫مصطلح التنوير‪ :‬مفاهيمه واتجاهاته في العالم اإلسالمي الحديث‬
‫احلمدهلل رب العاملني‪( ،‬احلمدهلل الذي خلق السموات واألرض وجعل الظلمات والنور مث الذين‬
‫ويل الذين آمنوا خيرجهم من الظلمات إىل النور (والذين كفروا أولياؤهم‬
‫كفروا برهبم يعدلون)‪ ،‬احلمدهلل ّ‬
‫الطاغوت خيرجوهنم من النور إىل الظلمات)‪ ،‬والصالة والسالم على نيب اهلدى والرمحة الذي أنزل هللا إليه‬
‫كتاابً ليخرج الناس من الظلمات إىل النور إبذن رهبم إىل صرا العزيز احلميد‪ ،‬وعلى آله الطينب الطاهرين‬
‫الغر امليامني أعالم التنوير احلقيقي يف هذ األمة ويف اإلنسانية عمعا‪ ،،‬وبعد‪:‬‬
‫وأصحابه ّ‬
‫فإ ّن مصطلح التنوير أو االستنارة هو من األلفاظ والشعارات واملصطلحات الوافدة اليت انتشرت يف‬
‫ِ‬
‫املشكلة امللتبسة اليت‬
‫العاملني العريب واإلسالمي يف العصر احلديث‪ ،‬وهي عملة من املصطلحات اجململة‬
‫ظاهرها ومبناها اخلري والعلم واملعرفة‪ ،‬ولكنها حتمل يف طياهتا كثرياً من املفاهيم واألفكار املقبولة أو املرذولة‬
‫والصحيحة أو الفاسدة؛ ولذلك اقتضت ضرورة البحث العلمي املوضوعي التوضيح والبيان والشرح‬
‫حي عن بينة ويهلِك من هلك‬
‫والتفصيل حىت يزول اللبس وتتضح معامل الصورة وتنزاح الشبهة‪ ،‬فيحيا من ّ‬
‫نفصل اآلايت ولتستبني سبيل اجملرمني) األنعام ‪55/‬‬
‫عن بيّنة‪( ،‬وكذلك ّ‬
‫مفهوم التنوير عند الغربيين‪:‬‬
‫وبداية نقول إن هذا املصطلح (التنوير أواالستنارة)‪ ،‬ابملعىن الفكري والفلسفي الشائع‪ ،‬هو ترعمة‬
‫للمصطلح الغريب الذي يذكر عادة حتت عنوان‪ :‬حركة األنوار أو فلسفة األنوار أو عصر األنوار أو فكر‬
‫األنوار‪:‬‬
‫ابلفرنسية ”‪ ،“philosophie des lumieres‬وابإلنكليزية “‪،”Enlightenment‬‬
‫وابألملانية ”‪ “Aufklarung‬وقد ترعمت إىل العربية حبركة التنوير أو حركة االستنارة‪.‬‬
‫وحىت نفهم هذا املصطلح ابلعربية يستحسن أن نتعرف على مفهومه وأبعاد يف اللغات األوروبية‬
‫ويف تطور الفكر الغريب عموماً‪ ،‬والواقع أن حركة التنوير تشري إىل تلك احلركة الفلسفية اليت بدأت يف أورواب‬
‫يف القرن الثامن عشر امليالدي‪ ،‬وجا‪،‬ت بعد املذهب اإلنساين وحركة النهضة األوروبية يف القرنني اخلامس‬
‫عشر والسادس عشر‪ ،‬وقد متيزت هذ احلركة بفكرة التقدم وعدم الثقة ابلتقاليد‪ ،‬وابلتفاؤل واإلميان‬
‫ابلعقل‪ ،‬وابلدعوة إىل التفكري الذايت املستقل‪ ،‬واحلكم على أساس التجربة الشخصية (املعجم الفلسفي‬
‫الصادر عن جممع اللغة العربية مبصر) ويقابلها نزعة التعمية‪ ،‬وهي نزعة تتعارض مع نشر املعارف واألخذ‬
‫ذمي يعين النزعة الظالمية يف مقابل التنوير أو حركة األنوار (املعجم‬
‫ابملبادئ العقلية‪ ،‬وهو مصطلح قدحي ّ‬
‫الفلسفي الصادر عن جممع اللغة العربية مبصر)‪.‬‬
‫وسنعرض فيما يلي شرحاً مكثفاً ومركزاً لفلسفة األنوار يف أورواب نقتبسه من مرجع مهم من مراجع‬
‫الفلسفة الغربية احلديثة‪ ،‬وهو معجم الفلسفات الكربى ‪Dictionnaire Des Grandes‬‬
‫‪Lucien‬‬
‫‪ Philosophies‬الذي أعد حتت إشراف األستاذ (لوسيان جريفانيون‬
‫‪ .PRIVAT ,1973 , Toulouse )Jerphagnon‬فقد جا‪ ،‬يف هذا املعجم حول هذا‬
‫املصطلح مايلي‪:‬‬
‫يشري هذا املصطلح إىل املذهب العقالين يف القرن الثامن عشر‪ ،‬والذي مهدت له بشكل واسع‬
‫أعمال الفالسفة السابقني من أمثال‪ :‬سبينوزا‪ ،‬وريتشارد سيمون‪ ،‬وفونتنل‪ ،‬وبيري ابيل وقبل كل ذلك‬
‫نيوتن ولوك‪.‬‬
‫وليس من املمكن أن حنلل يف صفحات قليلة‪ ،‬وبشكل متتابع‪،‬مذاهب املمثلني الرئيسيني لفلسفة‬
‫األنوار‪ ،‬أو أولئك الذين ميكن أن نلحقهم‪ ،‬رغم تنوعهم‪ ،‬هبذا التيار‪ :‬يف إجنلرتا مثالً‪ :‬جون توالند‬
‫(‪ ،)1722 -1670‬دافيد هيوم (‪ ،)1776-1711‬ويف أملانيا‪ :‬كريستيان وولف (‪-1679‬‬
‫‪ ،)1754‬ليسينغ (‪ ،)1781 -1729‬ويف فرنسا‪ :‬مونتسكيو (‪ ،)1755 -1689‬فولتري‬
‫(‪ ،)1778 -1694‬ديدرو (‪ ،)1784 -1713‬دوالمرتي (‪ ،)1751 -1709‬دولباخ‬
‫(‪ ،)1789 -1723‬وبصورة أقل يقيناً روسو واملركيز دوساد‪ ،‬هؤال‪ ،‬هم الذين كانوا متأثرين بشكل‬
‫واسع هبذ الفلسفة "فلسفة األنوار" مع أهنم خالفوها يف بعض النقا اجلوهرية‪.‬‬
‫ونريد هنا ابألحرى أن حنلل املقتضيات األساسية ملفهوم فلسفة األنوار‪:‬‬
‫إن فلسفة األنوار هي فلسفة عقالنية متفائلة تريد الظهور علناً‪ ،‬وتريد إانرة كل العقول وختليصها‬
‫من النزعة الظالمية‪ .‬ويف إطار هذا املقصد‪ ،‬مقصد التعميم الواسع ونشر األنوار بشكل عام ويف عميع‬
‫‪3‬‬
‫األوسا ‪ ،‬كتبت املوسوعة حتت إشراف "ديدرو"‪ ،‬تلك املوسوعة اليت تشكل معجماً عاماً للعلوم والفنون‬
‫والتقنيات (وقد صدرت بني عامي ‪ 1715‬و ‪.)1772‬‬
‫ولنالحظ مع ذلك أن حركة البنّائني األحرار (املاسونية) (اليت قدم هلا "أندرسون" مؤسساهتا و‬
‫قوانينها منذ عام (‪ )1723‬كانت تنمو بشكل سريع جداً وتساند األفكار اجلديدة وقد أدانتها رسالة‬
‫اببوية أطلقها "البااب كلمنت الثاين عشر" عام ‪ )1738‬وهي تقدم خليطاً غريباً من فكر األنوار ومن‬
‫الروح العرفانية اإلشراقية ”‪.“ILLUMINISME‬‬
‫وميكن أن نلخص معامل فلسفة األنوار عند األوروبيني مبا يلي‪:‬‬
‫‪ ‬اهلجوم على الدين وعلى السلطات القائمة وتسفيهها وذمها‪.‬‬
‫‪ ‬اإلشادة ابلعقل الطبيعي‪ ،‬وشعارهم يف ذلك‪" :‬إن أنوار العقل الطبيعي وحدها هي‬
‫القادرة على قيادة بين اإلنسان إىل كمال العلم واحلكمة"‪ .‬وهذا يلخص أبلفاظ‬
‫بسيطة جداً كل برانمج حركة التنوير الغربية‪.‬‬
‫‪ ‬ميكن أن نعترب حركة التنوير حركة عقالنية ديكارتية معممة‪ ،‬أي متديداً واسعاً‬
‫يغطي عميع امليادين لعقالنية بقيت حمدودة وخجولة عند "ديكارت" نفسه‪.‬‬
‫‪ ‬الدعوة إىل عقالنية جتريبية حسب النموذج النيوتوين‪.‬‬
‫‪ ‬حلول التحليل حمل االستنتاج العقلي النظري‪.‬‬
‫‪ ‬إعتبار النظم الفلسفية امليتافيزيقية اليت كانت سائدة يف القرن السابع عشر أبنية‬
‫خيالية‪.‬‬
‫‪ ‬استبدال العقالنية التحليلية والنقدية ب"العقالنية الكربى" اليت كانت سائدة يف‬
‫القرن السابق‪.‬‬
‫‪ ‬اإلنسان معترب ببساطة آلة أكثر تعقيداً من احليوان‪.‬‬
‫‪ ‬النظرة احلسية التجريبية الوضعية لألشيا‪ ،‬حتل حمل النظرة املتعالية التقديسية‪.‬‬
‫‪ ‬الصراع األساسي الذي تلتزم به حركة التنوير هو الصراع بني العقل التجرييب‬
‫الوضعي النقدي وبني مضمون اإلميان الديين الغييب‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫‪ ‬كانت حركة اإلصالح الديين قد طالبت ابلعودة إىل مصادر اإلميان‪ ،‬أي إىل‬
‫نصوص العهد القدمي والعهد اجلديد‪ ،‬لكن "سبينوزا" كان يطالب أبن يدرس النص‬
‫الديين كأي نص عادي آخر‪ ،‬وكأي جمموعة من الوقائع بكل معطيات العقل‬
‫النقدي ووسائله‪.‬‬
‫‪ ‬نزعة الشك يف النص املقدس يف ثبوته ويف مصداقيته لكونه مثقالً ابلشروح‬
‫والزايدات والتحريفات‪.‬‬
‫‪ ‬الكتاب املقدس ليس سوى نسيج من األساطري‪ ،‬والعقل املستنري جيب عليه أن‬
‫يرفض هذ اخلرافات اليت هي من قبيل الطرية‪،‬أو نزعة التطري‪.‬‬
‫‪ ‬إذا كان معظم أبطال حركة التنوير قد بقوا مؤمنني إبله شخصي‪" ،‬كفولتري" مثالً‪،‬‬
‫وبقوا يقبلون ديناً طبيعياً‪ ،‬أي يرون يف فرضية إله خالق مطلباً طبيعياً من مطالب‬
‫العقل فإهنم كانوا يرفضون أي دين موحى به‪.‬‬
‫هكذا كانت فلسفة التنوير (األنوار) تؤكد إذن قيمة العقل الطبيعي و األنوار الطبيعية‪ ،‬ولكنها‬
‫ترفض كل وحي‪ ،‬ترفض كل ما كان علم الالهوت التقليدي ينسبه إىل العناية اإلهلية واللطف اإلهلي‪.‬‬
‫فالعقل الطبيعي يكفي إليصالنا إىل املعرفة‪ .‬وبنفس الطريقة فإن هناك أخالقاً طبيعية تكفي لضمان‬
‫سعادتنا‪ ،‬بصرف النظر عن احملرمات التعسفية والتوجيهات املصطنعة‪ ،‬كما ي ّدعون‪.‬‬
‫صور وهو يؤدي واجباته الدينية على قمة جبل‬
‫((أشار اللورد "بروجهام" إىل الفيلسوف " فولتري" و ّ‬
‫سنة ‪ 1775‬حتت إشعاع الشمس املشرقة وهو يقول متوجهاً إىل الكائن األعظم‪:‬‬
‫إين أؤمن بك‪ ،‬إين أؤمن بك‪ ...‬مثّ فجأة ينتصب واقفاً ويضع قبعته على رأسه وينفض الغبار عن‬
‫ركبتيه ويستعيد قسمات وجهه املغضن مث يقول‪ :‬هذا ابلنسبة لك‪ ،‬أما ابلنسبة للسيد االبن وللسيدة أمه‪،‬‬
‫فاملسألة هلا عندي شأن آخر))‪.‬‬
‫هذ الثقة ابلطبيعة متيز بشكل واضح حركة التنوير‪ ،‬فهي تتضمن وتقتضي رفض عقيدة اخلطيئة‬
‫األصلية‪ ،‬وهبذا وحول هذ النقطة بشكل جوهري كانت حركة األنوار معادية للنصرانية‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫لقد تبنت موقف املذهب اإلنساين املعارض الذي كان معروفاً يف القرن السادس عشر وعمقته‪.‬‬
‫فاإلنسان عندها سيد مصري املطلق وليس اتبعاً لرمحة تعسفية‪ .‬والطبيعة اإلنسانية بقواها الذاتية وحدها‬
‫قادرة على حتقيق التقدم‪ ،‬وليست فاسدة يف منبعها بسبب اخلطيئة األصلية‪ .‬لقد أكدت هذ احلركة أن‬
‫فلسفة معقولة وعاقلة ينبغي أن ترفض هذ األسطورة املعيبة اليت تقرر اخلطيئة املوروثة واليت جتعل منها‬
‫بشكل ما أمراً ًً عضوايً بيولوجياً‪.‬‬
‫وقد كان رفض اخلطيئة األصلية يعين أيضاً رد طغيان احلكام املستبدين‪ ،‬الذين كانوا يسوغون‬
‫سلطتهم املطلقة بفساد رعاايهم فساداً أصلياً‪ ،‬وهم كلهم أبنا‪ ،‬آدم‪ ،‬أما إعادة الثقة ابإلنسان فإهنا تعين‬
‫املناداة بضرورة التسامح واملطالبة حبرية التفكري والتعبري‪ .‬لقد كانت فلسفة متفائلة‪ ،‬بل إن كلمة التفاؤل قد‬
‫وضعت من قبلها يف القرن الثامن عشر‪ ،‬فقد كان هناك ثقة كبرية يف العقل اإلنساين والعلم اإلنساين‬
‫والتحوالت العلمية الكبرية والتحوالت االجتماعية واالقتصادية املتنامية ملواجهة حاالت اخللل اليت حتدث‬
‫يف الطبيعة ويف اجملتمع‪،‬‬
‫فالتقدم العلمي والتقدم االقتصادي املادي سيحل كل املشكالت وسيليب كل احلاجات‪ ،‬وهكذا‬
‫أعلن "كوندورسيه" سنة ‪:1794‬‬
‫((أن اإلنسانية‪ ،‬وهي تزداد علماً ومعرفة كل يوم وبدون توقف‪ ،‬سوف ترى سلطتها على الطبيعة‬
‫تزداد وتقوى كل يوم وكذلك األمر ابلنسبة لثرواهتا وإمكاانت سعادهتا‪ :‬فصالحية اإلنسان لبلوغ الكمال‬
‫هي يف الواقع بغري هناية))‪.‬‬
‫وقد ورثت هذ الفلسفةَ بشكل مباشر ومثلتها يف األزمان الالحقة كل من‪:‬‬
‫‪ ‬الفلسفة الوضعية والوضعيني على اختالفهم‪.‬‬
‫‪ ‬االشرتاكية واالشرتاكيني على تنوعهم‪.‬‬
‫‪ ‬النزعة اإلنسانية من كل شكل ولون‪.‬‬
‫واضح إذن أن الطابع املميز حلركة التنوير وفلسفتها يف أورواب هو طابع عقالين طبيعي مادي إنساين‬
‫حتليلي نقدي بعيد عن الدين إن مل يكن معادايً له‪ ،‬يؤمن ابلتقدم اإلنساين الواسع واملستمر على أساس‬
‫اخلاصة‪ ،‬وأهليته الكاملة لبلوغ سعادته بنفسه‪ ،‬وعميع‬
‫التفاؤل والثقة بقدرة اإلنسان الذاتية وإمكاانته‬
‫ّ‬
‫‪6‬‬
‫احلركات الفلسفية واألدبية األوروبية اليت مثّلت حركة التنوير وقادهتا تتميّز ابلتشكيك يف القيم التقليدية‬
‫واملعتقدات الدينية‪ ،‬وابمليل حنو الفردية املطلقة‪ ،‬وإببراز فكرة التقدم البشري العام‪ ،‬وابملناهج التجريبية‬
‫الوضعية للعلوم‪ ،‬وبتحكيم العقل يف كل شي‪( .،‬معجم مصطلحات األدب‪ ،‬جمدي وهبه)‪ .‬هذا هو معىن‬
‫التنوير ومبادئه يف أوروبة‪ ،‬فلننظر إىل داللة هذا املصطلح واستخداماته يف اخلطاب العريب احلديث‪.‬‬
‫معنى التنوير في اللغة العربية وفي التراث اإلسالمي‪:‬‬
‫معىن التنوير يف اللغة العربية‪ :‬ال بد لنا قبل حتديد معىن التنوير كمصطلح ثقايف أو فلسفي يف‬
‫اللغة العربية احلديثة‪ ،‬أن نتعرف أوالً على معىن التنوير يف اللغة ويف الرتاث اإلسالمي‪.‬‬
‫التنوير يف اللغة العربية مصدر الفعل املضعف ( ّنور)‪ ،‬والفعل ّنور معنا أضا‪ ،،‬يقال ّنور هللا قلبه‪:‬‬
‫ونور الصبح أسفر‪ ،‬والتنوير هو وقت إسفار الصبح يقال‪ :‬صلى الفجر يف‬
‫يعين هدا إىل احلق واخلري‪ّ ،‬‬
‫التنوير أي صلى الفجر يف وقت اإلسفار‪ .‬واستنار مبعىن أضا‪ ،،‬ويقال‪ :‬استنار الشعب‪ ،‬أي صار واعياً‬
‫مثقفاً (املعجم الوسيط)‪.‬‬
‫النّور يف القرآن الكرمي‪ :‬يقول العالّمة الراغب األصفهاين يف كتابه "مفردات ألفاظ القرآن "‪:‬‬
‫أخروي‪.‬‬
‫دنيوي و ّ‬
‫[النّور‪ :‬الضو‪ ،‬املنتشر الذي يعني على اإلبصار‪ ،‬وذلك ضرابن‪ّ :‬‬
‫فالدنيوي ضرابن‪ :‬ضرب معقول بعني البصرية‪ ،‬وهو ماانتشر من األمور اإلهلية‪ :‬كنور العقل و نور‬
‫ّ‬
‫النريات‪.‬‬
‫القرآن‪،‬‬
‫النرية كالقمرين والنجوم و ّ‬
‫وحمسوس بعني البصر وهو ماانتشر من األجسام ّ‬
‫ٌ‬
‫نور وكتاب مبني) وقوله تعاىل‪( :‬وجعلنا له نوراً‬
‫فمن النور اإلهلي قوله تعاىل‪( :‬قد جا‪،‬كم من هللا ُ‬
‫ميشي به يف الناس كمن مثله يف الظلمات ليس خبارٍج منها) وقوله تعاىل‪( :‬ما كنت تدري مالكتاب وال‬
‫اإلميان ولكن جعلنا نوراً هندي به من نشا‪ ،‬من عبادان) وقوله تعاىل‪( :‬أفمن شرح هللا صدر لإلسالم فهو‬
‫نور على نور يهدي هللا لنور من يشا‪.)،‬‬
‫على نور من ربه) وقوله تعاىل‪:‬‬
‫( ُ‬
‫ومن احملسوس الذي بعني البصر قوله تعاىل‪( :‬هو الذي جعل الشمس ضيا‪ ً،‬والقمر نورا)‪،‬‬
‫وختصيص الشمس ابلضو‪ ،‬والقمر ابلنور من حيث إن الضو‪ ،‬أخص من النور‪ ،‬قال تعاىل‪( :‬وقمراً منريا)‬
‫عام فيهما قوله تعاىل‪( :‬وجعل الظلمات والنّور) وقوله تعاىل‪( :‬وجيعل لكم نوراً متشون‬
‫أي ذا نوٍر‪ .‬وممّا هو ُّ‬
‫به) وقوله تعاىل‪( :‬وأشرقت األرض بنور رهبا)‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫ومن النور األخروي قوله تعاىل‪( :‬يسعى نورهم بني أيديهم) وقوله تعاىل‪( :‬والذين آمنوا معه نروهم‬
‫يسعى بني أيديهم وأبمياهنم يقولون‪ :‬ربّنا أمتم لنا نوران) وقوله تعاىل‪( :‬انظروان نقتبس من نوركم) وقوله‬
‫تعاىل‪( :‬فالتمسوا نورا)‪.‬‬
‫املنور سبحانه‪ ،‬قال تعاىل‪:‬‬
‫ونور ‪ .‬ومسّى هللا تعاىل نفسه نورا من حيث إنّه هو ّ‬
‫ويُقال‪ :‬أانر هللا كذا ّ‬
‫(هللا نور السموات واألرض)‪ ،‬وتسميته تعاىل بذلك ملبالغة فعله ]‪ .‬انتهى كالم الراغب يف مفرداته‪.‬‬
‫معىن التنوير عند الصوفية‪ :‬وتطلق عبارة فلسفة النور على فلسفة اإلشراق عند السهروردي مثالً‪،‬‬
‫ومؤمن منور القلب‪ :‬إذا دخل النور يف قلبه انشرح وانفسح‪ ،‬وقد جا‪ ،‬يف احلديث‪:‬‬
‫"من أحب أن ينظر إىل عبد نور هللا قلبه فلينظر إىل حارثة" قيل وما عالمة ذلك اي رسول هللا‪:‬‬
‫فقال‪ :‬التجايف عن دار الغرور واإلانبة إىل دار اخللود‪ ،‬واالستعداد للموت قبل نزوله"‪.‬‬
‫ومسيت الصوفية ابلنورية أخذاً من هذا احلديث‪ ،‬كما أن الصوفية يطلقون كلمة النور على احلق‬
‫سبحانه وتعاىل‪ ،‬ويسمونه أيضاً نور األنوار‪ ،‬والنور احمليط والنور القيوم‪ ،‬والنور املقدس‪ ،‬والنور األعظم‬
‫األعلى‪ ،‬ونور النهار‪( ،‬د‪.‬عبداملنعم احلفين‪ :‬معجم مصطلحات الصوفية)‪.‬‬
‫ويف معجم" ألفاظ الصوفية" للدكتور حسن الشرقاوي أن النور يقصد به اليقني ابحلق‪ ،‬واهلدى‪،‬‬
‫واطمئنان القلب به‪ ،‬ويذكر النور بضد دائماً‪ ،‬وهي الظلمات اليت يراد هبا الشكوك والشبهات‪ .‬كما يراد‬
‫ابلنور املعارف واحلقائق اليت جتلب اليقني يف العقائد‪ ،‬كما يقصد ابلنور الكتاب السماوي كما يف قوله‬
‫تعاىل‪ [ :‬اي أيها الناس قد جا‪،‬كم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ] النسا‪." 174 " ،‬‬
‫وميكن أن حيمل معىن النور على النيب الذي جيي‪ ،‬مبا ينري السبيل‪.‬‬
‫وعند اإلمام الغزايل‪ :‬النور هو العلم اللدين أو الوهيب أو العلم اإلهلامي وهو نور يقذفه هللا يف قلب‬
‫املؤمن‪.‬‬
‫الصويف الشهري إبن عطا‪ ،‬هللا االسكندري‪ ،‬وهو‬
‫والننسى يف هذا اإلطار العنوان املوحي لكتاب‬
‫ّ‬
‫"التنوير يف إسقا التدبري"‪.‬‬
‫معىن التنوير يف الثقافة العربية احلديثة‪ :‬يقرتب معىن التنوير يف االستخدام الثقايف العريب احلديث‬
‫من معىن الوعي ابحلاجة إىل التقدم وإىل اإلصالح والتجديد واليقظة والنهضة‪ .‬واالستنارة تفيد معىن الفهم‬
‫‪8‬‬
‫والثقافة واالطالع واالقتناع بضرورة التغيري والتقدم‪ ،‬ويقابلها التزمت واجلمود والتمسك ابلعادات والتقاليد‬
‫القدمية بدون متييز‪ ،‬واالنغالق على النفس ورفض احلوار والتفاعل مع اآلخرين‪.‬‬
‫لكن للتنوير معىن اصطالحياً فلسفياً خاصاً‪ ،‬فهو االستخدام العام لعقل اإلنسان يف عميع القضااي‪،‬‬
‫وتبين شعار "ال سلطان على العقل إال للعقل"‪ ،‬وهو شجاعة استخدام العقل ولو كان ذلك ضد الدين‬
‫وضد النص‪ ،‬والدعوة إىل جتاوز العقائد الغيبية‪ ،‬واإلميان بقدرة اإلنسان الذاتية على الفهم والتحليل‬
‫والتشريع‪ ،‬والدعوة إىل الدولة العلمانية‪ ،‬وجتاوز النص الديين أو إمهاله أو تفسري تفسريات بعيدة عن سياقه‬
‫وعن قواعد التفسري املوضوعية‪ ،‬وهو الدعوة إىل املنهج التجرييب احلسي املادي واعتبار املنهج الوحيد‬
‫اجلدير ابلثقة واالتباع‪.‬‬
‫والواقع أن هذا املصطلح قد اكتنفه يف العصر احلديث كثري من الغموض والتعمية وكثري من اخللط‬
‫والتلبيس حىت أصبح من الكلمات الفضفاضة اليت حتشى مبعاين خمتلفة‪ ،‬أو بتعبريان األصويل أصبح من‬
‫األلفاظ اجململة واملشرتكة‪ ،‬وسوا‪ ،‬أكان ذلك بقصد أم بدون قصد‪.‬‬
‫وقد أصبحت كلمة التنوير أو االستنارة مؤخراً كلمة حمورية يف اخلطاب السياسي والفلسفي العريب‪،‬‬
‫لكن تعريفات التنوير واالستنارة يف األدبيات العربية تعريفات عامة مثل‪:‬‬
‫حق االجتهاد واالختالف‪ ،‬وشجاعة استخدام العقل‪ ،‬وال سلطان على العقل إال لسلطان العقل‪،‬‬
‫واالستخدام العام لعقل اإلنسان يف عميع القضااي‪.‬‬
‫ولذلك وجدان كلمة التنوير ختتلط أحياانً بكلمات الوعي والنهضة واليقظة واإلصالح والتجديد‬
‫والتقدم والرتقي والتمدن وغريها من الكلمات واملصطلحات املقاربة‪ ،‬فكان لزاماً علينا أن حندد املعىن‬
‫احلقيقي هلذا املصطلح وأن منيز عن غري وحندد اجتاهاته وألوانه وأطيافه‪ ،‬حىت ال ختتلط األمور وال تلتبس‬
‫املفاهيم‪ ،‬وحىت يكون احلكم مؤسساً على تصور سليم ومعرفة بينة‪.‬‬
‫يطلق مصطلح التنوير يف اخلطاب العريب احلديث بشكل عام على حركة التوعية والتثقيف‬
‫والتحديث والتجديد اليت حدثت يف العامل اإلسالمي منذ قرنني من الزمان واتسمت بتأثرها ابلطريقة الغربية‬
‫‪9‬‬
‫وإبعجاهبا ابلغرب وعلومه وتقدمه الفكري والعلمي وبتيار النهضة واإلحيا‪ ،‬الذي عرف فيه يف القرون‬
‫األخرية‪ ،‬بل إن هناك من يقول أبن تيار التنوير يف العامل العريب احلديث بدأ مع احلملة الفرنسية البوانابرتية‬
‫على مصر ‪1798‬م‪ ،‬وما أحدثته هذ احلملة من صدمة ثقافية وحضارية ووعي فكري وثقايف‪ ،‬وقد‬
‫وجدان من ينظر إىل هذ احلملة اليوم نظرة إجيابية استحسانية‪ ،‬ويطالب إبعادة تقومي هذ احلملة وإعادة‬
‫حتليل أمهيتها وآاثرها واحلكم عليها من وجهة النظر التنويرية التقدمية التارخيية!!‪.‬‬
‫ولكن لنا أن نتسا‪،‬ل‪ :‬هل فهم رجال اإلصالح والتجديد املسلمون التنوير كما فهمه رواد حركة‬
‫التنوير يف أورواب؟ وهل اقتفوا أثرهم حذو النعل ابلنعل وال ُق ّذة ابل ُقذة؟ أم أهنم فهمو مبعىن اإلصالح‬
‫والتجديد والتحديث من الداخل ويف إطار منظومة العقائد والقيم اإلسالمية األساسية مع اختالف يف‬
‫الدرجة واملقدار؟ وهل جيوز أن نضع عميع دعاة اإلصالح والتجديد يف العامل اإلسالمي احلديث يف سلة‬
‫واحدة وأن نضمهم يف ُحزمة واحدة؟ وهل هناك تنوير واحد أم "تنويرات" أي أنواع متعددة من التنوير قد‬
‫ختتلف قطبياً وجذرايً‪ ،‬وقد تتنوع يف املسارات والطرائق؟ هل ميكن احلديث عن تنوير إسالمي وتنوير‬
‫علماين وضعي؟‬
‫لقد ذكر أحد الباحثني يف التنوير احلديث أن التنوير الغريب هو تنوير علماين يستبدل العقل ابلدين‬
‫ويقيم قطيعة مع الرتاث‪ ،‬وأن التنوير اإلسالمي هو تنوير إهلي ألن هللا والقرآن والرسول أنوار تصنع للمسلم‬
‫تنويراً إسالمياً متميزاً يرسم معامله أعالم التجديد اإلسالمي املعاصر‪ :‬ولنالحظ هنا التقارب بني مصطلحي‬
‫التنوير والتجديد‪.‬‬
‫وقد ميّز كاتب آخر "حممد جالل كشك "بني رجال التنوير احلقيقيني وبني التنويريني املضللني‬
‫الذين تدق هلم الطبول هنا وهناك (جهاالت عصر التنوير‪ :‬قرا‪،‬ة يف فكر قاسم أمني وعلي عبد الرازق) ص‬
‫‪.10-3‬‬
‫وقد كتب الدكتور"حممد عمارة" كتاابً كامالً عن "اإلسالم بني التنوير والتزوير" دار الشروق‪،‬‬
‫القاهرة ‪2002‬م‪ ،‬كما أصدر كتيباً حول فكر التنوير بني العلمانيني واإلسالميني يف سلسلة (حنو عقلية‬
‫إسالمية واعية) رقم "‪ – "17‬دار الصحوة للنشر ‪ .1995‬وكأن التنوير عند يعين تكوين عقلية‬
‫إسالمية واعية تكون أساس هنضة إسالمية شاملة‪ ،‬وشتان بني هذا املفهوم للتنوير وبني مفهوم رواد التنوير‬
‫‪10‬‬
‫الغريب العلماين‪ ،‬كما يتجلى ذلك يف سلسلة من الرسائل القيمة عنواهنا (يف التنوير اإلسالمي) متييزاً له عن‬
‫التنوير العلماين!‬
‫والذي يلفت النظر أن هذا االجتا يذكر مناذج من رجال التنوير احلقيقيني من أمثال "الشيخ حممد‬
‫اخلضر حسني"‪ ،‬و "الشيخ عبداحلميد بن ابديس" وكثري من رجال اإلصالح والتجديد الذين ظهروا يف‬
‫العامل اإلسالمي يف القرنني األخريين‪ ،‬لذلك فإننا نالحظ أ ّن هذا االجتا ال يفرق كثرياً بني رجال التنوير‬
‫ورجال النهضة واإلصالح والتجديد‪.‬‬
‫هبي الدين سامل‪ ،‬دار‬
‫(أنظر كتاب "ابن ابديس‪ ،‬فارس اإلصالح والتنوير" ملؤلفه الدكتور حممد ّ‬
‫الشروق ‪ 1420‬هـ)‪.‬‬
‫بل إ ّن كثرياً من األمسا‪ ،‬والرموز اليت ينتحلها دعاة التنوير الغريب العلماين وحياولون تصويرها على أهنا‬
‫من رواد حركة التنوير مبفهومهم العلماين الغريب للتنوير‪ ،‬هي عند التحقيق والبحث الرصني‪ ،‬بعيدة كل‬
‫البعد عن مفهوم التنوير الغريب ومفرداته وأهدافه‪ ،‬وهذا ما يشري إىل أ ّن التنويريني الغربيني اجلدد يقومون‬
‫أقل ما توصف به هو أهنا عملية غري دقيقة وغري أمينة وغري منهجية‪.‬‬
‫بعملية خلط وتدليس وتلبيس ُّ‬
‫فهل نرتك مصطلح التنوير ألولئك املفكرين والدعاة املتغربني املتنكرين لعقيدة اإلسالم وقيمه‬
‫املقتفني أثر حركة التنوير الغربية وخصائصها‪ ،‬وحنتفظ مبصطلح التجديد واإلصالح ملفكري اإلسالم يف‬
‫العامل اإلسالمي احلديث على اختالف طرائق تفكريهم وعملهم ماداموا مل يتنكروا للمرجعية اإلسالمية يف‬
‫أصوهلا ومقاصدها األساسية؟‬
‫املوضوع مل حيسم بعد‪ ،‬وحنن ال نرى أبساً يف استخدام مصطلح التنوير مبعنا العام اجململ املشرتك‬
‫مع حتديد املراد منه وتقييد ابألوصاف اليت تبني نوعه وحتدد ‪.‬‬
‫فلقد كثرت دعاوى التنوير يف العامل اإلسالمي احلديث وأصبح هلا منابر ودعاة كثريون رغم اختالف‬
‫البواعث واخلطط واألهداف‪ ،‬وقد سلكت هذ الدعاوى‪ ،‬منذ قرنني من الزمان‪ ،‬أي منذ بداية النهضة‬
‫اإلسالمية احلديثة‪ ،‬عدة مسالك‪ ،‬وكان هلا عدة اجتاهات‪.‬‬
‫أنواع التنوير يف العامل االسالمي احلديث‪:‬‬
‫لعلين أجتهد يف ذلك وأصنف هذ االجتاهات والتيارات يف صنفني رئيسيني‪:‬‬
‫‪11‬‬
‫‪ ‬الصنف األول‪ :‬وأمسيه التنوير التغرييب العلماين التحريفي‪.‬‬
‫‪ ‬الصنف الثاين‪ :‬وأمسيه التنوير اإلسالمي التجديدي األصيل‪.‬‬
‫التنويرالتغرييب العلماين التحريفي‪:‬‬
‫وينقسم إىل اجتاهني مها‪:‬‬
‫‪ .1‬التنوير التغرييب العقالين الوضعي الراديكايل‪.‬‬
‫‪ .2‬التنوير التغرييب العصراين التحريفي‪.‬‬
‫التنوير اإلسالمي التجديدي األصيل‪:‬‬
‫ونقسمه إىل اجتاهني اثنني مها‪:‬‬
‫‪ .1‬التنوير اإلسالمي التجديدي التحديثي‪.‬‬
‫‪ .2‬التنوير اإلسالمي التجديدي احملافظ‪.‬‬
‫أولا‪ :‬التنوير التغريبي العقالني الوضعي الراديكالي‪:‬‬
‫وهذا االجتا يكاد أن يكون انعكاساً للتنوير الغريب يف أورواب يف منطلقاته وأهدافه ومن حيث اتباع‬
‫املنهج الوضعي املادي التجرييب وما أدى استخدامه إىل اإلحلاد أو إنكار الوحي أو العلمانية الدنيوية أو‬
‫الدعوة إىل جتاوز اإلميان ابلغيبيات واألخالق الدينية ومتابعة مقررات احلضارة الغربية املادية‪ ،‬وكان أكثر من‬
‫أانس من غري املسلمني نذكر منهم على سبيل املثال طائفة من‬
‫تبع هذا االجتا ودعا إليه يف املرحلة األوىل ٌ‬
‫املثقفني والصحفيني املوارنة أو األقبا ‪:‬‬
‫(أمني مشيل ‪ )1897 -1828‬وهو أول دعاة استبدال العامية ابلفصحى‪ ،‬و(شبلي مشيل‬
‫‪ )1917 - 1860‬املبشر ابإلحلاد عن طريق الداروينية والفلسفة الوضعية واملادية‪ .‬و(فرح أنطون‬
‫‪ )1922-1874‬داعية العلمانية واملفسر لفلسفة ابن رشد تفسرياً مادايً‪ ،‬و(يعقوب صروف‬
‫‪ ،)1927-1852‬و(فارس منر ‪ ،)1951 - 1856‬و(شاهني مكاريوس ‪)1910- 1853‬‬
‫لتدس الشك والالأدرية واإلحلاد بواسطة النظرايت العلمية الغربية ذات‬
‫الذين أصدروا جملة "املقتطف" ّ‬
‫اخللفية الفلسفية الوضعية واملادية‪ ،‬و(سالمة موسى ‪ ،)1958 – 1888‬و(لويس عوض) و(غايل‬
‫شكري) وغريهم‪...‬‬
‫‪12‬‬
‫وميكن أن يدرج ضمن هذا االجتا بعض املسلمني عن وعي وقصد أو عن غري وعي وقصد‪ ،‬منهم‬
‫على سبيل املثال‪ :‬د‪.‬زكي جنيب حممود‪ ،‬د‪.‬فؤاد زكراي‪ ،‬د‪.‬جابر عصفور الكاتب املصري املعاصر الذي يقود‬
‫اليوم محلة إحيا‪ ،‬حركة التنوير ابملفهوم التغرييب حيث أيسى اليوم على مصريها بعد مائة عام ويسمي ذلك‬
‫"حمنة التنوير"‪ ،‬ومنهم أيضاً الدكتور حممد أركون‪ ،‬والدكتور صادق جالل العظم‪ ،‬والدكتور الطيب التيزيين‪،‬‬
‫والدكتور عاطف العراقي وغريهم‪.‬‬
‫واحلقيقة أن التنوير يف حمنة وأزمة ولكن ليس عندان فقط بل عند األوروبيني والغربيني عامة أيضاً‪،‬‬
‫ولكنها حمنة التنوير العقالين املادي الوضعي وأزمته الناشئة عن تناقضاته الداخلية ونتائجه العبثية‬
‫الالإنسانية‪ ،‬وهناك كثري من املفكرين اليوم أصبحوا أكثر جرأة يف انتقاد حركة االستنارة العقلية املادية‬
‫املتطرفة وما قادت اليه الغرب‪ ،‬والعامل ورا‪ ، ،‬من ضياع وصراعات وانتكاس يف الغاايت واملمارسات‪،‬‬
‫وانسداد يف أفق املعرفة واملصري االنساين اىل درجة القول أبن منطق االستنارة املضيئة والتنوير املشرق يقودان‬
‫ابلضرورة اىل االستنارة املظلمة والتنويرالظالمي (انظر التحليل الرائع الذي كتبه املفكر األملعي األستاذ‬
‫الدكتور عبدالوهاب املسريي يف كتابه‪ :‬العلمانية اجلزئية والعلمانية الشاملة‪ ،‬ج‪ 1‬ص‪ 181/‬ومابعدها‪،‬‬
‫وكذلك ص‪ 286/‬ومابعدها)‪.‬‬
‫واحلقيقة أن قلة قليلة من املفكرين املسلمني تصرح هبذا النوع من التنوير مبفهومه املادي الوضعي‬
‫الراديكايل ألن ذلك يعين إنكار األصل اإلهلي للدين وإنكار الوحي اإلهلي واألخذ مبفهوم اإلنسان‬
‫الطبيعي والدين الطبيعي واألخالق الطبيعية‪ ،‬والنظر إىل الدين على أنه إنتاج إنساين اجتماعي اترخيي‪.‬‬
‫على أن هناك كثرياً من املتنورين الوضعيني املاديني خيفون مواقفهم احلقيقية ويتسرتون ورا‪ ،‬أنواع‬
‫واجتاهات أخرى من التنوير خوفاً من التصريح واملواجهة وما يرتتب عليهما‪ ،‬ولتعرفنهم يف حلن القول!!‬
‫ثانيا ا‪ :‬التنوير التغريبي العصراني التحريفي‪:‬‬
‫وهو اجتا نشأ يف العامل اإلسالمي يف منتصف القرن التاسع عشر امليالدي‪ ،‬يسعى إىل حماولة إجياد‬
‫موا‪،‬مة بني اإلسالم وبني الفكر الغريب املعاصر‪ ،‬عن طريق إعادة النظر يف تعاليم اإلسالم ونصوصه‬
‫وأتويلها أتويالً جديداً ينسجم مع املعارف واألوضاع العصرية السائدة‪ .‬إنه اجتا يسعى إىل حماولة التوفيق‬
‫‪13‬‬
‫بني الدين والعصر احلديث إبعادة أتويل الدين وتفسري تعاليمه يف ضو‪ ،‬املعارف العصرية السائدة‪ .‬وقد‬
‫تناول عدد من الباحثني هذ الظاهرة ابلعرض والتحليل واستعمل بعضهم مصطلح‬
‫"العصرانية" ”‪ “modernisme‬لوصفها وإن كان عدد من الكتاب قد فضل استعمال لفظ‬
‫"التجدد" أو "التطوير" أو " التحديث" أحياانً وأحياانً لفظ "التجديد"‪.‬‬
‫والعصرانية ال تعين جمرد االنتما‪ ،‬إىل العصر‪ ،‬بل تعين وجهة نظر يف الدين مبنية على االعتقاد أبن‬
‫التقدم العلمي والثقافة املعاصرة يستلزمان إعادة أتويل التعاليم الدينية التقليدية على ضو‪ ،‬املفاهيم الفلسفية‬
‫والعلمية السائدة‪ ،‬ولو أدى ذلك إىل تطويع مبادئ الدين وأحكامه لقيم احلضارة الغربية ومفاهيمها‬
‫وإخضاعها لتصوراهتا ووجهة نظرها يف شؤون احلياة‪.‬‬
‫أما يف العامل اإلسالمي فقد كان رائد العصرانية فيه هو (سيد أمحد خان" ‪"1315 -1232‬هـ‬
‫ ‪1898-1817‬م)‪ ،‬فقد كان "سيد خان" أول رجل يف اهلند احلديثة ينادي بضرورة وجود تفسري‬‫جديد لإلسالم‪ :‬تفسري حترري وحديث وتقدمي‪ ،‬وقد وصف األستاذ العالّمة السيد "أبو احلسن علي‬
‫احلسين الندوي" مدرسته اليت أنشأها أبهنا قامت ((على أساس تقليد احلضارة الغربية وأسسها املادية‪،‬‬
‫واقتباس العلوم العصرية حبذافريها وعلى عالّهتا‪ ،‬وتفسري اإلسالم والقرآن تفسرياً يطابق ما وصلت إليه‬
‫املدنية واملعلومات احلديثة يف القرن التاسع عشر املسيحي‪ ،‬ويطابق هوى الغربيني وآرا‪،‬هم وأذواقهم‬
‫واالستهانة مبا ال يثبته احلس والتجربة وال تقرر علوم الطبيعة يف ابدئ النظر من احلقائق الغيبية)) "الصراع‬
‫بني الفكرة اإلسالمية والفكرة الغربية" لألستاذ الندوي‪ ،‬صفحة ‪ 65‬طبعة دار القلم ابلكويت‪ -‬طبعة ‪5‬‬
‫عام ‪1405‬هـ ‪1985‬م‪.‬‬
‫ومل يكن "سيد خان" أول ممثل للنزعة العصرانية فحسب‪ ،‬بل كان منوذجاً كامالً هلا‪ ،‬وكل الذين‬
‫جاؤوا من بعد مل يضيفوا شيئاً جديداً بل كانوا يعيدون صياغة أفكار بصورة أو أبخرى‪.‬‬
‫وقد حدث اضطراب واختالف كبريان يف تصنيف بعض رواد هذا االجتا وحتديدهم توسيعاً أو‬
‫تضييقاً ‪ ،‬وتغليباً جلانب من جوانب آرائهم واجتهاداهتم أو ملوقف معني يف بعض مسائل الفقه أو األصول‪،‬‬
‫وقد وجدان من يسلك ضمن هذا االجتا علما‪ ،‬وشخصيات متباينة يف مقاصدها ومناهجها‪ :‬منهم تالمذة‬
‫"سيد أمحد خان" نفسه‪ ،‬وأشهرهم‪ :‬شراغ علي‪ ،‬وسيد أمري علي‪ ،‬وخدا خبش الشاعر‪ ،‬وغالم أمحد برويز‪،‬‬
‫وخليفة عبد احلكيم‪ ،‬وموالان حممد علي أحد قادة حركة األمحدية القاداينية‪ ،‬وهناك من يضع املفكر‬
‫‪14‬‬
‫اإلسالمي الكبري "حممد إقبال" ضمن هذا االجتا بسبب بعض األخطا‪ ،‬والتناقضات واآلرا‪ ،‬اخلاصة اليت‬
‫ال خيلو منها مفكر جمتهد‪ ،‬وإمنا العربة مبنهجه العام وخطته املتكاملة‪.‬‬
‫وهناك كثريون يدرجون علما‪ ،‬وروداً آخرين مثل‪ :‬رفاعة الطهطاوي‪ ،‬وعمال الدين األفغاين‪،‬‬
‫والشيخ اإلمام حممد عبد وبعض تالمذته كاألستاذ قاسم أمني وعلي عبد الرازق وطه حسني وأمحد لطفي‬
‫السيد وسعد زغلول وحممد حسني هيكل ابشا‪ ،‬ويف الفرتة املعاصرة‪ :‬حممد أسد وحممد فتحي عثمان‬
‫وحممود الشرقاوي والشيخ عبد هللا العاليلي (لبناين) وحممد أمحد خلف هللا وأخرياً حسن حنفي ونصر‬
‫حامد أبو زيد وحممد شحرور وغريهم‪ ،‬ضمن قائمة التنوير التغرييب العصراين التحريفي‪.‬‬
‫وقد حاول بعض دعاة االجتا األول من اجتاهات التنوير وهو اجتا التغريب العلماين الوضعي‬
‫الراديكايل أن يسحبوا إىل معسكرهم شخصيات من هذا االجتا الثاين وأن يؤكدوا أهنم محلة التنوير ورموز‬
‫يف العصر احلديث‪ ،‬وهم يقصدون التنوير التغرييب الالديين أو املعادي للدين‪ ،‬وواضح أن هناك خلطاً‬
‫وتلبيساً يقرتابن من التزوير واالنتحال الكاذب‪ ،‬وأن القضية أدق من ذلك وأعمق‪ ،‬وأن كلمة التنوير‬
‫تستخدم ٍ‬
‫مبعان خمتلفة ينبغي حتديدها والتمييز بينها واالحرتاس عند استخدامها‪.‬‬
‫مث إ ّن احلكم على كل شخصية من هذ الشخصيات وعلى انتمائها أو اندراجها حتت هذا النوع‬
‫أو ذاك‪ ،‬يتقرر طبقاً للقواعد األربع التالية‪:‬‬
‫‪ .1‬مدى التزامها ابإلسالم وابلفكر الديين عموماً‪.‬‬
‫‪ .2‬مدى التزامها ابملرجعية اإلسالمية يف أصول اإلسالم وقواعد األساسية‪.‬‬
‫‪ .3‬النظر إىل إنتاج هذ الشخصية بشكل كامل دون اجتزا‪ ،‬بعضها وإمهال البعض اآلخر الذي‬
‫قد يكون أصدق تعبرياً عن مقاصدها‪.‬‬
‫‪ .4‬النظر إىل حياة كل شخصية على أهنا حياة متطورة وليست جامدة‪ ،‬وال جيوز احلكم عليها‬
‫من خالل مرحلة من مراحلها دون نظر إىل بقية املراحل‪ ،‬والعربة مبا استقرت عليه هذ‬
‫الشخصية يف مراحل حياهتا األخرية‪ ،‬والعربة ابخلواتيم كما نقول‪.‬‬
‫وعلى كل حال فقد يكون من املستحسن أن نقدم طائفة من مالمح هذا االجتا ‪ ،‬نذكر منها‪:‬‬
‫‪15‬‬
‫‪ ‬اعتبار القرآن الكرمي وحد األساس لفهم اإلسالم‪ ،‬وعدم االعتماد على األحاديث‪.‬‬
‫‪ ‬االعتماد يف فهم القرآن الكرمي على نص القرآن وحد وعلى املعارف والتجارب الذاتية يف‬
‫كل عصر‪.‬‬
‫‪ ‬االعتماد على مفهوم احملكم واملتشابه يف القرآن الكرمي لتفسري تفسرياً عصرايً موافقاً‬
‫لقوانني الطبيعة وجتارب الشعوب‪.‬‬
‫‪ ‬هناك يف القرآن الكرمي ٍ‬
‫معان اثنوية وفرعية ليست مقصودة من تنزيل القرآن الكرمي وهـي‬
‫مأخوذة من بيئة العرب ومعارفهم وظروفهم التارخيية‪ ،‬وابلتايل فإ ّن ذكر القرآن الكرمي هلا ال‬
‫يعين أهنا حقائق مسلّمة‪.‬‬
‫‪ ‬ال يقبل من األحاديث إال ما يتفق مع نص القرآن وروحه وما يتفق مع العقل والتجربة‬
‫البشرية وما ال يناقض حقائق التاريخ الثابتة‪.‬‬
‫‪ ‬ال يعرتف هذا االجتا ابإلعماع مصدراً من مصادر التشريع اإلسالمي‪ ،‬ويرفض األخذ‬
‫إبعماعات الصحابة‪.‬‬
‫‪ ‬الدعوة إىل االجتهاد يف عميع اجملاالت وإطالق العنان للعقل والتجربة والقوانني‬
‫االجتماعية والطبيعية يف عملية تفسري القرآن الكرمي واستنبا األحكام‪ ،‬وعدم التحرج من‬
‫أن يؤدي ذلك إىل فوضى فكرية بسبب كثرة األخطا‪ ،،‬ألن تباين وجهات النظر واحلرية‬
‫الواسعة يف الفهم واالجتهاد هي الوسيلة الوحيدة لتقدم األمة كما ي ّدعون‪.‬‬
‫‪ ‬عدم تقديس الرتاث‪ ،‬وإعادة النظر فيه من كل جوانبه وبدون أي حتفظ‪.‬‬
‫‪ ‬اعتبار التجديد الديين تطوراً واعتبار التطور الديين قمة التجديد احلق‪.‬‬
‫‪ ‬التطور يشمل الدين يف جوانبه املختلفة‪ :‬العقائد والعبادات واملعامالت‪ ،‬فليست فيه‬
‫أحكام تبقى مع بقا‪ ،‬الزمن وال يناهلا أي تغيري‪(.‬أمني اخلويل‪ ،‬اجملددون "ص ‪.)"58‬‬
‫وتندرج حتت هذا االجتا عميع حماوالت التفسري احلديثة واملعاصرة وعميع حماوالت التطوير والتغيري‬
‫وتتبىن‪ ،‬يف فهم النص وتفسري ‪،‬‬
‫اليت ال تلتزم ابملرجعية اإلسالمية ابتدا‪ ً،‬وال تلتزم بذاتية اإلسالم ومتيز ‪ّ ،‬‬
‫أدوات وآليات غريبة عن طبيعة الوحي ومصدر اإلهلي وبعيدة عن قواعد وأصول التفسري واالستنبا‬
‫املعتمدة يف اللغة العربية واليت جتعل من النص دليالً هادايً ومرجعاً ضابطاً وموجهاً‪.‬‬
‫‪16‬‬
‫ونقصد بتلك احملاوالت عميع املشروعات اليت تنتهي حتت اسم تطوير الفهم والتفسري‪ ،‬وتثوير‬
‫النص‪ ،‬ودراسته كمعطى مغفل‪ ،‬وتطبيق املناهج الداللية احلديثة عليه‪ ،‬إىل االلتفاف على النص كمعطى‬
‫إهلي متعال‪ ،‬وابلتايل إىل تطويعه أو تفريغه أو تعطيله أو حتييد ‪ ،‬حبيث يصبح النص قطعة للزينة والتمويه‬
‫ويستخدم أداة "شرعية" خمادعة إلسقا عميع اآلرا‪ ،‬واألهوا‪ ،‬واملصاحل أو املفاسد عليه‪ ،‬حتت ذريعة أن‬
‫القرآن محّال أوجه‪ ،‬وهذا أخطر مالمح التنوير التغرييب التحريفي وأخبثها ابمتياز‪.‬‬
‫إ ّن هذا التنوير التحريفي سينتهي بنا ابلضرورة إىل إسالم آخر‪ ،‬إسالم غريب املالمح والقسمات‪،‬‬
‫بل إىل إسالم "كاريكاتوري"مضحك الشكل والصورة كالذي نرا من أشكالنا وصوران يف املرااي احمل ّدبة‪،‬‬
‫فال نكاد نعرف فيه طعم اإلسالم وال لونه وال روحه أو رائحته وهذ قمة البهلوانية والتهريج ابسم التثوير‬
‫والتنوير‪ ،‬بل قد يكون ذلك شكالً من أشكال الباطنية احلديثة‪.‬‬
‫ثالثا ا‪ :‬التنوير اإلسالمي التجديدي التحديثي‪:‬‬
‫وهو اجتا جتديدي إسالمي يهدف إىل إحيا‪ ،‬اإلسالم نقياً صافياً من البدع واالحنرافات وااللتزام‬
‫أبصول الدين ومصادر األصلية‪ ،‬وخباصة القرآن الكرمي والسنة الصحيحة الثابتة‪ ،‬ويتجلى ابلدعوة إىل‬
‫مقاومة اجلمود والعصبية والتقليد‪ ،‬وإىل فتح ابب االجتهاد طبقاً لضوابطه وشروطه‪ ،‬لتحديث حياة اجملتمع‬
‫اإلسالمي وحل املشكالت احلديثة اليت تطرأ بسبب تطور األوضاع وصلة العامل اإلسالمي ابلعوامل األخرى‪،‬‬
‫ولكن طبقاً ملنهجية اإلسالم نفسه وآليات التفسري واالستنبا املعتمدة عند علما‪ ،‬األمة اإلسالمية‬
‫وجمتهديها مع تنّوع واختالف هنا وهناك‪.‬‬
‫واملهم أ ّن هذا االجتا التنويري التجديدي يلتزم ابملرجعية اإلسالمية يف منطلقاته وأهدافه وأدواته‪،‬‬
‫ويعترب التحديث خمتلفاً جداً عن التغريب‪ ،‬فاملرفوض هو التغريب‪ ،‬أما التحديث فهو مطلب إسالمي‬
‫وفطري عميق‪ ،‬وهاهنا مروحة كبرية واسعة تندرج حتتها حركات إسالمية شىت‪ ،‬وعماعات علمية دعوية‬
‫متعددة‪ ،‬ومدارس وجامعات‪ ،‬ومؤسسات مالية واقتصادية واجتماعية وخريية‪ ،‬وعلما‪ ،‬ومفكرون وكتّاب‬
‫مسلمون يف كل قطر إسالمي وخارج أقطار العامل اإلسالمي يف الغرب أو الشرق‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫وهذا االجتا هو بال شك اجتا تنويري‪ :‬ولكنه اجتا تنويري إسالمي ابلدرجة األوىل‪ ،‬وهو اجتا‬
‫جتديدي‪ ،‬مبعىن أنه يسعى إىل جتديد الدين وإحيائه عقيدة وشريعة ومنهج حياة‪ ،‬وهو اجتا حتديثي‪ ،‬مبعىن‬
‫أنه يريد أن يعيش العصر احلديث يف إطار أصوله الثابتة الراسخة‪ ،‬وهو لذلك يؤمن ابلتغيري والتطوير‪،‬‬
‫ولكنه التغيري والتطور يف األشكال واألساليب واألدوات يف إطار عالقة أتثريية متبادلة ومتفاعلة بني‬
‫الثوابت واملتحوالت وبني اخلالد واملؤقّت وبني الفطري الدائم واالجتماعي العارض‪ ،‬حبيث ال يكون التطور‬
‫حتريفاً ومسخاً وانفالاتً‪ ،‬وال يكون الثبات عموداً وحتنطاً على شكل واحد وأسلوب واحد‪ ،‬وهي إشكالية‬
‫ِ‬
‫ضلة أفهام‪.‬‬
‫ليست سهلة كما يُظن‪ ،‬بل حتتاج إىل بصرية وفقه ودين‪ ،‬وهيِ َمَزلّة أقدام َوم َ‬
‫ولذلك فإننا نفهم كيف حدثت بعض األخطا‪ ،‬والشطحات عند بعض ممثلي هذا االجتا حىت‬
‫طمع يف تصنيفهم بعض "التنويريني" التغريبيني يف خانة التنوير الوضعي العلماين الالديين‪ ،‬ونزع إىل‬
‫تصنيفهم بعض التنويريني اإلسالميني احملافظني يف خانة التنوير التغرييب التحريفي‪ :‬وأقصد هبؤال‪ ،‬شخصيات‬
‫كبرية ورموزاً شهرية كانت وال تزال موضع جدل وجتاذب‪ ،‬أمثال‪:‬‬
‫رفاعة الطهطاوي‪ ،‬و عمال الدين األفغاين‪ ،‬والشيخ حممد عبد والشيخ عبد الرمحن الكواكيب‬
‫وسعد زغلول وقاسم أمني وطه حسني وعلي عبد الرازق وحممد حسني هيكل ابشا‪ ،‬وخري الدين التونسي‪،‬‬
‫والشيخ اإلمام حممدالطاهر بن عاشور صاحب "تفسري التحرير والتنوير" والكتاب العظيم الرائد "مقاصد‬
‫الشريعة اإلسالمية"‪ ،‬واألستاذ عالّل الفاسي يف كتابه املشهور "مقاصد الشريعة ومكارمها"‪.‬‬
‫ومن الفرتة املعاصرة كتّاب ومؤلفون من أمثال‪ :‬حممد أسد‪ ،‬وحممد فتحي عثمان‪ ،‬وحممود‬
‫الشرقاوي‪ ،‬والشيخ عبد هللا العاليلي‪ ،‬والشيخ أمني اخلويل‪ ،‬وعمال الدين عطية وحسن الرتايب وحممد عمارة‬
‫وفهمي هويدي وغريهم من أمثال‪ :‬د‪.‬عبد العزيز كامل‪ ،‬و د‪.‬أمحد كمال أبو اجملد‪ ،‬و د‪.‬راشد الغنوشي‪ ،‬و‬
‫العوا وغريهم‪.‬‬
‫د‪.‬حممد سليم ّ‬
‫ولست هنا بصدد تصنيف هؤال‪ ،‬أو أولئك ووضعهم يف هذا االجتا أو ذاك‪ ،‬كما أنين لست‬
‫املسوغات ملوقف هذا أو ذاك‪.‬‬
‫بصدد الدفاع عن بعض هؤال‪ ،،‬وإجياد التفسريات و ّ‬
‫ولكنين أريد أن أؤكد على عدة نقاط ميكن أن تصلح دليالً لنا يف هذا االجتاه‪:‬‬
‫‪ .1‬جتنب سو‪ ،‬الظن وجتنب احلكم على النوااي دون دو ٍاع قوية‪.‬‬
‫‪18‬‬
‫‪ .2‬القبول ابالختالف والتنوع يف إطار الوحدة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫بشكل خاص‪.‬‬
‫‪ .3‬التأكيد على االلتزام ابلفكر الديين عموماً وابإلسالم كدين موحى به‬
‫‪ .4‬التأكيد على االلتزام ابملرجعية اإلسالمية طبقاً ألصول اإلسالم وقواعد األساسية‪.‬‬
‫‪ .5‬احلكم على اإلنتاج الفكري لكل شخصية بشكل متكامل دون اجتزا‪ ،‬أو ابتسار‪.‬‬
‫‪ .6‬النظر إىل حياة كل شخصية على أهنا حياة متصلة ومتطورة‪ ،‬واعتبار ما استقرت عليه هذ‬
‫الشخصية يف مراحل حياهتا األخرية هو األساس‪.‬‬
‫ويف إطار هذ املعايري جند مفكراً إسالمياً تنويرايً *يستعرض إنتاج عدد من رموز التنوير يف العامل‬
‫اإلسالمي احلديث ويبني برا‪،‬هتم من فكر التنوير الغريب والتحريفي‪ ،‬ويدافع عنهم حبسب النظرة الكلية‬
‫الشاملة حلياهتم وإنتاجهم وهم‪ :‬رفاعة الطهطاوي و عمال الدين األفغاين واإلمام حممد عبد و الشيخ علي‬
‫عبد الرازق والدكتور طه حسني والزعيم سعد زغلول‪ ،‬والدكتور حممد حسني هيكل ابشا‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫التأمل واألانة وال جيوز‬
‫وأايً ما كان *األمر‪ ،‬فإ ّن هذا املوضوع الشائك يستحق مزيداً من البحث و ّ‬
‫وتسرع وانفعال‪.‬‬
‫أن نتعامل معه خبفة ّ‬
‫على أ ّن هناك عشرات من رواد هذا االجتا التنويري اإلسالمي على اتساع أقطار العامل اإلسالمي‪،‬‬
‫شهد هلم اجلميع ابلدين والعلم واإلخالص‪ ،‬وأبهنم فعالً من رواد النهضة اإلسالمية احلديثة واملعاصرة ومن‬
‫رجال التنوير اإلسالمي التجديدي األصيل‪ ،‬وإن مل خيل بعضهم من بعض االنتقادات والتصويبات‪ ،‬بل‬
‫واالهتامات أبهنم وقعوا يف مطب اجملاملة أو املسايرة أو التنازل أو أتثّروا بشكل أو آبخر‪ ،‬ويف القليل أو يف‬
‫الكثري‪ ،‬مبعطيات احلياة احلديثة ومظاهر احلضارة الغربية فسلكوا نزعة حتديثية جتاوزت حدود املشروع‬
‫واملقبول يف الفروع أو يف األصول‪.‬‬
‫رابعا ا‪ :‬التنوير اإلسالمي التجديدي المحافظ‪:‬‬
‫*هو الدكتور حممد عمارة يف حماضرته القيمة بعنوان‪" :‬فكر التنوير بني العلمانيني واإلسالميني"‪ ،‬وقد نشرت يف رسالة خاصة يف سلسلة‬
‫" حنو عقلية إسالمية واعية"‪.‬‬
‫‪19‬‬
‫حيطة وحذراً خشية االنزالق إىل‬
‫وهو اجتا إسالمي تنويري جتديدي أبكثر معاين التنوير اإلسالمي ْ‬
‫نزعة حتريفية أو تطويعية حتت اسم التطور أو التحديث‪ .‬واحلقيقة هي أ ّن هذا االجتا ميثل اجتا التجديد‬
‫األمة على رأس كل مائة سنة من جيدد هلا‬
‫مبعنا املأثور يف احلديث النبوي الشريف [ إ ّن هللا يبعث هلذ ّ‬
‫دينها ] روا أبو داوود يف سننه عن أيب هريرة رضي هللا عنه‪ ،‬وروا الطرباين واحلاكم والبيهقي‪ ،‬وهو حديث‬
‫صحيح‪.‬‬
‫وهنا يتطابق معىن التنوير ومعىن التجديد‪ ،‬ويتحدد التنوير الصحيح املقبول بتجديد الدين وإحيائه‪،‬‬
‫أو بتعبري جممل آخر‪ :‬إبعادة الدين إىل ما كان عليه يف عهد النبوة ويف عهد السلف األول‪ ،‬لكن هلذا‬
‫املعىن اجململ تفصيالً يتضمن احملافظة على نصوص الدين األصيلة من الضياع ومن االختال بغريها‪ ،‬وهذا‬
‫يعين إجياد طريقة علمية واضحة لتوثيق وتصحيح النصوص األصلية للكتاب والسنة ابعتبارها قوام الدين‬
‫ومرجعيته األساسية‪ ،‬ويتضمن أيضاً نقل املعاين الصحيحة للنصوص‪ ،‬وإحيا‪ ،‬الفهم السليم هلا كما بينها‬
‫الرسول صلى هللا عليه وسلم وكما فهمها الصحابة الكرام رضي هللا تعاىل عنهم‪ ،‬كما يتضمن العمل‬
‫مبقتضى الكتاب والسنة وتطبيقهما يف واقع حياة الفرد واجلماعة‪ ،‬وهذا ال يعين استبعاد االجتهاد من‬
‫مفهوم التجديد‪ ،‬بل إنه ال ميكن ربط احلياة ومتغرياهتا ابلدين إال ابالجتهاد الذي يقوم به العقل املسلم‬
‫يوضح هنا أن‬
‫لكن الذي ينبغي أن ّ‬
‫اليقظ يف ظل أصول الدين ونصوصه األصلية وفهم السلف الصاحل‪ّ ،‬‬
‫التجديد ال يعين االبتداع يف الدين‪.‬‬
‫وميكن إمجال عناصر هذا التنوير التجديدي احملافظ على النحو التايل‪:‬‬
‫‪ .1‬السعي إلحيا‪ ،‬الدين وبعثه وإعادته إىل ما كان عليه يف عهد السلف األول‪.‬‬
‫‪ .2‬حفظ النصوص األصلية صحيحة نقية حسب الضوابط واملعايري السليمة‪.‬‬
‫اخلرية‪.‬‬
‫‪ .3‬سلوك املناهج السليمة لفهم نصوص الدين وتلقي معانيها عن األجيال والقرون ّ‬
‫‪ .4‬جعل أحكام الدين انفذة مهيمنة على أوجه احلياة املختلفة واملسارعة لرأب الصدع يف العمل‬
‫هبا وإعادة ما ينقض من عراها‪.‬‬
‫‪20‬‬
‫‪ .5‬وضع احللول اإلسالمية لكل طارئ واستنبا األحكام لكل حادث‪ ،‬وتوسيع دائرة أحكام‬
‫الدين لتشمل ما كان انفعاً متفقاً مع نصوص الدين ومقاصد وكلياته‪.‬‬
‫‪ .6‬متييز ما هو من الدين حقيقة وما يلتبس به‪ ،‬وتنقية الدين من االحنرافات والبدع سوا‪ ،‬كانت‬
‫انجتة من عوامل داخلية يف اجملتمع اإلسالمي أو بتأثريات خارجية‪.‬‬
‫امليسرة هذ العناصر الستة يف التعريف اجلامع التايل للتجديد يف االصطالح‬
‫وقد عمعت املوسوعة ّ‬
‫اإلسالمي‪:‬‬
‫التجديد‪" :‬هو إحيا‪ ،‬وبعث معامل الدين العلمية حبفظ النصوص الصحيحة نقية ومتييز ما هو من الدين مما‬
‫هو ملتبس به وتنقيته من االحنرافات والبدع النظرية والسلوكية‪ ،‬وبعث مناهج النظر واالستدالل لفهم‬
‫النصوص على ما كان عليه السلف الصاحل‪ ،‬وبعث معامله العملية ابلسعي لتقريب واقع اجملتمع املسلم يف‬
‫كل عصر إىل اجملتمع النموذج األول من خالل وضع احللول اإلسالمية لكل طارئ‪ ،‬وجعل أحكام الدين‬
‫انفذة مهيمنة على أوجه احلياة‪ ،‬ووضع ضوابط القتباس النافع الصاحل من كل حضارة على ما أابنته‬
‫‪2‬‬
‫نصوص الكتاب والسنة بفهم السلف الصاحل"*‬
‫وميثل هذا االجتا يف العصر احلديث رواد املدرسة اإلصالحية السلفية منذ دعوة الشيخ اإلمام حممد‬
‫بن عبد الوهاب (ت ‪1206‬هـ) وحىت عصران احلايل‪.‬‬
‫وميثل هذا االجتا من العلما‪ ،‬واملفكرين والدعاة بعد الشيخ ابن عبد الوهاب‪ ،‬اإلمام الشوكاين‬
‫(‪1250‬هـ)‪ ،‬واألمري صديق حسن خان‪ ،‬والشيخ شهاب الدين األلوسي (‪1270‬هـ)‪ ،‬والشيخ حممد‬
‫عمال الدين القامسي (‪1332‬هـ)‪ ،‬والشيخ حممد رشيد رضا(‪1354‬هـ)‪ ،‬والسيد حمب الدين اخلطيب‬
‫(‪1389‬هـ)‪ ،‬والدكتور مصطفى حلمي‪ ،‬والدكتور حممد رشاد سامل‪ ،‬والدكتور عبد هللا بن عبد احملسن‬
‫الرتكي‪ ،‬والشيخ حممد انصر الدين األلباين‪ ،‬والشيخ عبد العزيز بن ابز‪ ،‬والشيخ حممد صاحل بن العثيمني‬
‫وغريهم يف شىت أقطار العامل اإلسالمي سوا‪ ،‬كانوا شخصيات علمية أو مؤسسات تعليمية ودعوية أو‬
‫عماعات تربوية وخريية‪.‬‬
‫*املوسوعة امليسرة ج‪ ،2‬ص "‪"1012‬‬
‫‪21‬‬
‫ولسائل أن يسأل عن الفروق الدقيقة بني هذا االجتا التنويري التجديدي احملافظ واالجتا السابق‬
‫وهو التيار التنويري التجديدي التحديثي‪ ،‬وال شك أن هناك بني االجتاهني نقا اشرتاك جوهرية وبنيوية‬
‫ولذلك جعلنامها ضمن صنف واحد هو التنوير اإلسالمي التجديدي األصيل‪.‬‬
‫ويبدو لنا أن نقاط االختالف ميكن رؤيتها فيما يلي‪:‬‬
‫‪ .1‬االجتا التجديدي احملافظ اجتا إحيائي أكثر منه حتديثياً‪.‬‬
‫‪ .2‬الرتكيز على قضية االبتداع عند االجتا احملافظ والتشديد يف حماربته وتوسيع مفهوم البدعة‬
‫أكثر مما جند عند االجتا اآلخر‪.‬‬
‫‪ .3‬توسيع جمال عمل العقل يف االجتا التحديثي أكثر مما جند يف االجتا احملافظ‪.‬‬
‫‪ .4‬إعتبار املصاحل واملقاصد يف االجتا التجديدي التحديثي أكثر مما جند يف االجتا احملافظ‪،‬األمر‬
‫الذي جعل االجتا التحديثي يبدو أكثر تالؤماً مع مقتضيات التغري االجتماعي والتطور‬
‫العمراين‪.‬‬
‫‪ .5‬إنفتاح االجتا التجديدي التحديثي على جتارب الشعوب واجملتمعات األخرى والتفاعل معها‬
‫أكثر مما يالحظ يف االجتا التجديدي احملافظ خشية االحنراف والتقليد والتبديل‪.‬‬
‫ولقد جعلنا هذا االجتا أحد اجتاهي التنوير اإلسالمي التجديدي ابعتبار املعىن اللغوي ملصطلح‬
‫التنوير واملعىن االصطالحي اإلسالمي ملصطلح التجديد‪ ،‬والجيوز أن نعبأ هنا مبا ميكن أن يُبهت به هذا‬
‫االجتا من أنه اجتا ظالمي أو تيار رجعي جتهيلي‪ ،‬فمثل هذ األوصاف ال جتد هلا سوقاً رائجة إال عند‬
‫أصحاب االجتا التنويري التغرييب العلماين أو التحريفي‪ ،‬وهذا ال جيوز أن يدخل يف حساب الباحث الناقد‬
‫البصري‪.‬‬
‫وبعد‪،‬‬
‫‪22‬‬
‫فإذا كان التنوير يف حقيقته دعوة عقالنية‪ ،‬فإن التنوير اإلسالمي هو تنوير ديين عقلي معاً‪ ،‬أما‬
‫التنوير التغرييب فهو تنوير عقالين معاد للدين أو تنوير الديين‪ ،‬أو تنوير عقالين مرجعيته األوىل واألساسية‬
‫إن مل تكن الوحيدة هي العقل‪ " ،‬فال سلطان على العقل فيه إال لسلطان العقل " كما يؤكدون‪.‬‬
‫أما التنوير اإلسالمي فهو تنوير عقلي يعمل يف إطار الدين ويهتدي بنور ‪ ،‬ذلك أ ّن العقل هو‬
‫مبثابة العني الباصرة والوحي مبثابة النور أو الضو‪ ،،‬وال يستطيع أحد أن ينتفع بعينه إذا عاش يف ظلمة‪ ،‬كما‬
‫اليستطيع أن ينتفع ابلنور إذا مل تكن له عني ابصرة‪،‬ولذلك فإ ّن عني العقل ال تبصر إال يف ضو‪ ،‬الوحي‬
‫ونور ‪ ،‬وهذا هو التنوير احلق الذي يعين استخدام العقل يف ظل نور الوحي(النص الديين) وهدايته‪ ،‬وهذا‬
‫هو اخلط الثابت للتنوير اإلسالمي عرب العصور‪ ،‬إنه االستنارة ابلوحي ليستطيع العقل أن يقوم مبهمته‬
‫ووظيفته من اإلدراك والفهم والتمييز واالستنبا واالكتشاف‪ :‬فالذين يغمضون عيوهنم يف النور مث حياولون‬
‫اإلبصار ال يبصرون‪:‬‬
‫[ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن واإلنس لهم ق لوب ال يفقهون بها ولهم أعين ال يبصرون‬
‫بها ولهم آذان ال يسمعون بها أولئك كاألنعام بل هم أضل أولئك هم الغاف لون ] األعراف‬
‫"‪" 179‬‬
‫والذين يفتحون عيوهنم يف الظلمات ليبصروا‪ ،‬ال يبصرون‪:‬‬
‫ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً‬
‫[ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ً‬
‫ووجد هللا عنده فوف اه حسابه وهللا سريع الحساب* أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من‬
‫فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم‬
‫يجعل هللا له نوراً فما له من نور ] النور "‪"40-39‬‬
‫[يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى هللا توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفّر عنكم سيئاتكم‬
‫ويدخلكم ٍ‬
‫جنات تجري من تحتها األنهار يوم ال يخزي هللا النبي والذين آمنوا معه نورهم‬
‫‪23‬‬
‫يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ]‬
‫التحريم "‪"8‬‬
‫والحمد هلل الذي ل نور لل نور ول هدي لل هديه‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد هلل رب العالمين‬
‫‪24‬‬