مجمع الفقه اإلسالمي بجـدة منتدى الفكر اإلسالمي مصطلح التنوير: مفاهيمه واتجاهاته في العالم اإلسالمي الحديث " نظرة تقويمية " حماضرة أعدها وق ّدمها الدكتور عبد اللطيف الشيخ توفيق الشيرازي الصباغ أستاذ امللل والنحل واملذاهب املعاصرة بقسم الدراسات اإلسالمية بكلية اآلداب جبامعة امللك عبد العزيز جبدة حمرم احلرام 1426هـ جدة يف يوم األربعاء ّ 7 16شباط (فرباير) 2005 مصطلح التنوير :مفاهيمه واتجاهاته في العالم اإلسالمي الحديث احلمدهلل رب العاملني( ،احلمدهلل الذي خلق السموات واألرض وجعل الظلمات والنور مث الذين ويل الذين آمنوا خيرجهم من الظلمات إىل النور (والذين كفروا أولياؤهم كفروا برهبم يعدلون) ،احلمدهلل ّ الطاغوت خيرجوهنم من النور إىل الظلمات) ،والصالة والسالم على نيب اهلدى والرمحة الذي أنزل هللا إليه كتاابً ليخرج الناس من الظلمات إىل النور إبذن رهبم إىل صرا العزيز احلميد ،وعلى آله الطينب الطاهرين الغر امليامني أعالم التنوير احلقيقي يف هذ األمة ويف اإلنسانية عمعا ،،وبعد: وأصحابه ّ فإ ّن مصطلح التنوير أو االستنارة هو من األلفاظ والشعارات واملصطلحات الوافدة اليت انتشرت يف ِ املشكلة امللتبسة اليت العاملني العريب واإلسالمي يف العصر احلديث ،وهي عملة من املصطلحات اجململة ظاهرها ومبناها اخلري والعلم واملعرفة ،ولكنها حتمل يف طياهتا كثرياً من املفاهيم واألفكار املقبولة أو املرذولة والصحيحة أو الفاسدة؛ ولذلك اقتضت ضرورة البحث العلمي املوضوعي التوضيح والبيان والشرح حي عن بينة ويهلِك من هلك والتفصيل حىت يزول اللبس وتتضح معامل الصورة وتنزاح الشبهة ،فيحيا من ّ نفصل اآلايت ولتستبني سبيل اجملرمني) األنعام 55/ عن بيّنة( ،وكذلك ّ مفهوم التنوير عند الغربيين: وبداية نقول إن هذا املصطلح (التنوير أواالستنارة) ،ابملعىن الفكري والفلسفي الشائع ،هو ترعمة للمصطلح الغريب الذي يذكر عادة حتت عنوان :حركة األنوار أو فلسفة األنوار أو عصر األنوار أو فكر األنوار: ابلفرنسية ” ،“philosophie des lumieresوابإلنكليزية “،”Enlightenment وابألملانية ” “Aufklarungوقد ترعمت إىل العربية حبركة التنوير أو حركة االستنارة. وحىت نفهم هذا املصطلح ابلعربية يستحسن أن نتعرف على مفهومه وأبعاد يف اللغات األوروبية ويف تطور الفكر الغريب عموماً ،والواقع أن حركة التنوير تشري إىل تلك احلركة الفلسفية اليت بدأت يف أورواب يف القرن الثامن عشر امليالدي ،وجا،ت بعد املذهب اإلنساين وحركة النهضة األوروبية يف القرنني اخلامس عشر والسادس عشر ،وقد متيزت هذ احلركة بفكرة التقدم وعدم الثقة ابلتقاليد ،وابلتفاؤل واإلميان ابلعقل ،وابلدعوة إىل التفكري الذايت املستقل ،واحلكم على أساس التجربة الشخصية (املعجم الفلسفي الصادر عن جممع اللغة العربية مبصر) ويقابلها نزعة التعمية ،وهي نزعة تتعارض مع نشر املعارف واألخذ ذمي يعين النزعة الظالمية يف مقابل التنوير أو حركة األنوار (املعجم ابملبادئ العقلية ،وهو مصطلح قدحي ّ الفلسفي الصادر عن جممع اللغة العربية مبصر). وسنعرض فيما يلي شرحاً مكثفاً ومركزاً لفلسفة األنوار يف أورواب نقتبسه من مرجع مهم من مراجع الفلسفة الغربية احلديثة ،وهو معجم الفلسفات الكربى Dictionnaire Des Grandes Lucien Philosophiesالذي أعد حتت إشراف األستاذ (لوسيان جريفانيون .PRIVAT ,1973 , Toulouse )Jerphagnonفقد جا ،يف هذا املعجم حول هذا املصطلح مايلي: يشري هذا املصطلح إىل املذهب العقالين يف القرن الثامن عشر ،والذي مهدت له بشكل واسع أعمال الفالسفة السابقني من أمثال :سبينوزا ،وريتشارد سيمون ،وفونتنل ،وبيري ابيل وقبل كل ذلك نيوتن ولوك. وليس من املمكن أن حنلل يف صفحات قليلة ،وبشكل متتابع،مذاهب املمثلني الرئيسيني لفلسفة األنوار ،أو أولئك الذين ميكن أن نلحقهم ،رغم تنوعهم ،هبذا التيار :يف إجنلرتا مثالً :جون توالند ( ،)1722 -1670دافيد هيوم ( ،)1776-1711ويف أملانيا :كريستيان وولف (-1679 ،)1754ليسينغ ( ،)1781 -1729ويف فرنسا :مونتسكيو ( ،)1755 -1689فولتري ( ،)1778 -1694ديدرو ( ،)1784 -1713دوالمرتي ( ،)1751 -1709دولباخ ( ،)1789 -1723وبصورة أقل يقيناً روسو واملركيز دوساد ،هؤال ،هم الذين كانوا متأثرين بشكل واسع هبذ الفلسفة "فلسفة األنوار" مع أهنم خالفوها يف بعض النقا اجلوهرية. ونريد هنا ابألحرى أن حنلل املقتضيات األساسية ملفهوم فلسفة األنوار: إن فلسفة األنوار هي فلسفة عقالنية متفائلة تريد الظهور علناً ،وتريد إانرة كل العقول وختليصها من النزعة الظالمية .ويف إطار هذا املقصد ،مقصد التعميم الواسع ونشر األنوار بشكل عام ويف عميع 3 األوسا ،كتبت املوسوعة حتت إشراف "ديدرو" ،تلك املوسوعة اليت تشكل معجماً عاماً للعلوم والفنون والتقنيات (وقد صدرت بني عامي 1715و .)1772 ولنالحظ مع ذلك أن حركة البنّائني األحرار (املاسونية) (اليت قدم هلا "أندرسون" مؤسساهتا و قوانينها منذ عام ( )1723كانت تنمو بشكل سريع جداً وتساند األفكار اجلديدة وقد أدانتها رسالة اببوية أطلقها "البااب كلمنت الثاين عشر" عام )1738وهي تقدم خليطاً غريباً من فكر األنوار ومن الروح العرفانية اإلشراقية ”.“ILLUMINISME وميكن أن نلخص معامل فلسفة األنوار عند األوروبيني مبا يلي: اهلجوم على الدين وعلى السلطات القائمة وتسفيهها وذمها. اإلشادة ابلعقل الطبيعي ،وشعارهم يف ذلك" :إن أنوار العقل الطبيعي وحدها هي القادرة على قيادة بين اإلنسان إىل كمال العلم واحلكمة" .وهذا يلخص أبلفاظ بسيطة جداً كل برانمج حركة التنوير الغربية. ميكن أن نعترب حركة التنوير حركة عقالنية ديكارتية معممة ،أي متديداً واسعاً يغطي عميع امليادين لعقالنية بقيت حمدودة وخجولة عند "ديكارت" نفسه. الدعوة إىل عقالنية جتريبية حسب النموذج النيوتوين. حلول التحليل حمل االستنتاج العقلي النظري. إعتبار النظم الفلسفية امليتافيزيقية اليت كانت سائدة يف القرن السابع عشر أبنية خيالية. استبدال العقالنية التحليلية والنقدية ب"العقالنية الكربى" اليت كانت سائدة يف القرن السابق. اإلنسان معترب ببساطة آلة أكثر تعقيداً من احليوان. النظرة احلسية التجريبية الوضعية لألشيا ،حتل حمل النظرة املتعالية التقديسية. الصراع األساسي الذي تلتزم به حركة التنوير هو الصراع بني العقل التجرييب الوضعي النقدي وبني مضمون اإلميان الديين الغييب. 4 كانت حركة اإلصالح الديين قد طالبت ابلعودة إىل مصادر اإلميان ،أي إىل نصوص العهد القدمي والعهد اجلديد ،لكن "سبينوزا" كان يطالب أبن يدرس النص الديين كأي نص عادي آخر ،وكأي جمموعة من الوقائع بكل معطيات العقل النقدي ووسائله. نزعة الشك يف النص املقدس يف ثبوته ويف مصداقيته لكونه مثقالً ابلشروح والزايدات والتحريفات. الكتاب املقدس ليس سوى نسيج من األساطري ،والعقل املستنري جيب عليه أن يرفض هذ اخلرافات اليت هي من قبيل الطرية،أو نزعة التطري. إذا كان معظم أبطال حركة التنوير قد بقوا مؤمنني إبله شخصي" ،كفولتري" مثالً، وبقوا يقبلون ديناً طبيعياً ،أي يرون يف فرضية إله خالق مطلباً طبيعياً من مطالب العقل فإهنم كانوا يرفضون أي دين موحى به. هكذا كانت فلسفة التنوير (األنوار) تؤكد إذن قيمة العقل الطبيعي و األنوار الطبيعية ،ولكنها ترفض كل وحي ،ترفض كل ما كان علم الالهوت التقليدي ينسبه إىل العناية اإلهلية واللطف اإلهلي. فالعقل الطبيعي يكفي إليصالنا إىل املعرفة .وبنفس الطريقة فإن هناك أخالقاً طبيعية تكفي لضمان سعادتنا ،بصرف النظر عن احملرمات التعسفية والتوجيهات املصطنعة ،كما ي ّدعون. صور وهو يؤدي واجباته الدينية على قمة جبل ((أشار اللورد "بروجهام" إىل الفيلسوف " فولتري" و ّ سنة 1775حتت إشعاع الشمس املشرقة وهو يقول متوجهاً إىل الكائن األعظم: إين أؤمن بك ،إين أؤمن بك ...مثّ فجأة ينتصب واقفاً ويضع قبعته على رأسه وينفض الغبار عن ركبتيه ويستعيد قسمات وجهه املغضن مث يقول :هذا ابلنسبة لك ،أما ابلنسبة للسيد االبن وللسيدة أمه، فاملسألة هلا عندي شأن آخر)). هذ الثقة ابلطبيعة متيز بشكل واضح حركة التنوير ،فهي تتضمن وتقتضي رفض عقيدة اخلطيئة األصلية ،وهبذا وحول هذ النقطة بشكل جوهري كانت حركة األنوار معادية للنصرانية. 5 لقد تبنت موقف املذهب اإلنساين املعارض الذي كان معروفاً يف القرن السادس عشر وعمقته. فاإلنسان عندها سيد مصري املطلق وليس اتبعاً لرمحة تعسفية .والطبيعة اإلنسانية بقواها الذاتية وحدها قادرة على حتقيق التقدم ،وليست فاسدة يف منبعها بسبب اخلطيئة األصلية .لقد أكدت هذ احلركة أن فلسفة معقولة وعاقلة ينبغي أن ترفض هذ األسطورة املعيبة اليت تقرر اخلطيئة املوروثة واليت جتعل منها بشكل ما أمراً ًً عضوايً بيولوجياً. وقد كان رفض اخلطيئة األصلية يعين أيضاً رد طغيان احلكام املستبدين ،الذين كانوا يسوغون سلطتهم املطلقة بفساد رعاايهم فساداً أصلياً ،وهم كلهم أبنا ،آدم ،أما إعادة الثقة ابإلنسان فإهنا تعين املناداة بضرورة التسامح واملطالبة حبرية التفكري والتعبري .لقد كانت فلسفة متفائلة ،بل إن كلمة التفاؤل قد وضعت من قبلها يف القرن الثامن عشر ،فقد كان هناك ثقة كبرية يف العقل اإلنساين والعلم اإلنساين والتحوالت العلمية الكبرية والتحوالت االجتماعية واالقتصادية املتنامية ملواجهة حاالت اخللل اليت حتدث يف الطبيعة ويف اجملتمع، فالتقدم العلمي والتقدم االقتصادي املادي سيحل كل املشكالت وسيليب كل احلاجات ،وهكذا أعلن "كوندورسيه" سنة :1794 ((أن اإلنسانية ،وهي تزداد علماً ومعرفة كل يوم وبدون توقف ،سوف ترى سلطتها على الطبيعة تزداد وتقوى كل يوم وكذلك األمر ابلنسبة لثرواهتا وإمكاانت سعادهتا :فصالحية اإلنسان لبلوغ الكمال هي يف الواقع بغري هناية)). وقد ورثت هذ الفلسفةَ بشكل مباشر ومثلتها يف األزمان الالحقة كل من: الفلسفة الوضعية والوضعيني على اختالفهم. االشرتاكية واالشرتاكيني على تنوعهم. النزعة اإلنسانية من كل شكل ولون. واضح إذن أن الطابع املميز حلركة التنوير وفلسفتها يف أورواب هو طابع عقالين طبيعي مادي إنساين حتليلي نقدي بعيد عن الدين إن مل يكن معادايً له ،يؤمن ابلتقدم اإلنساين الواسع واملستمر على أساس اخلاصة ،وأهليته الكاملة لبلوغ سعادته بنفسه ،وعميع التفاؤل والثقة بقدرة اإلنسان الذاتية وإمكاانته ّ 6 احلركات الفلسفية واألدبية األوروبية اليت مثّلت حركة التنوير وقادهتا تتميّز ابلتشكيك يف القيم التقليدية واملعتقدات الدينية ،وابمليل حنو الفردية املطلقة ،وإببراز فكرة التقدم البشري العام ،وابملناهج التجريبية الوضعية للعلوم ،وبتحكيم العقل يف كل شي( .،معجم مصطلحات األدب ،جمدي وهبه) .هذا هو معىن التنوير ومبادئه يف أوروبة ،فلننظر إىل داللة هذا املصطلح واستخداماته يف اخلطاب العريب احلديث. معنى التنوير في اللغة العربية وفي التراث اإلسالمي: معىن التنوير يف اللغة العربية :ال بد لنا قبل حتديد معىن التنوير كمصطلح ثقايف أو فلسفي يف اللغة العربية احلديثة ،أن نتعرف أوالً على معىن التنوير يف اللغة ويف الرتاث اإلسالمي. التنوير يف اللغة العربية مصدر الفعل املضعف ( ّنور) ،والفعل ّنور معنا أضا ،،يقال ّنور هللا قلبه: ونور الصبح أسفر ،والتنوير هو وقت إسفار الصبح يقال :صلى الفجر يف يعين هدا إىل احلق واخلريّ ، التنوير أي صلى الفجر يف وقت اإلسفار .واستنار مبعىن أضا ،،ويقال :استنار الشعب ،أي صار واعياً مثقفاً (املعجم الوسيط). النّور يف القرآن الكرمي :يقول العالّمة الراغب األصفهاين يف كتابه "مفردات ألفاظ القرآن ": أخروي. دنيوي و ّ [النّور :الضو ،املنتشر الذي يعني على اإلبصار ،وذلك ضرابنّ : فالدنيوي ضرابن :ضرب معقول بعني البصرية ،وهو ماانتشر من األمور اإلهلية :كنور العقل و نور ّ النريات. القرآن، النرية كالقمرين والنجوم و ّ وحمسوس بعني البصر وهو ماانتشر من األجسام ّ ٌ نور وكتاب مبني) وقوله تعاىل( :وجعلنا له نوراً فمن النور اإلهلي قوله تعاىل( :قد جا،كم من هللا ُ ميشي به يف الناس كمن مثله يف الظلمات ليس خبارٍج منها) وقوله تعاىل( :ما كنت تدري مالكتاب وال اإلميان ولكن جعلنا نوراً هندي به من نشا ،من عبادان) وقوله تعاىل( :أفمن شرح هللا صدر لإلسالم فهو نور على نور يهدي هللا لنور من يشا.)، على نور من ربه) وقوله تعاىل: ( ُ ومن احملسوس الذي بعني البصر قوله تعاىل( :هو الذي جعل الشمس ضيا ً،والقمر نورا)، وختصيص الشمس ابلضو ،والقمر ابلنور من حيث إن الضو ،أخص من النور ،قال تعاىل( :وقمراً منريا) عام فيهما قوله تعاىل( :وجعل الظلمات والنّور) وقوله تعاىل( :وجيعل لكم نوراً متشون أي ذا نوٍر .وممّا هو ُّ به) وقوله تعاىل( :وأشرقت األرض بنور رهبا). 7 ومن النور األخروي قوله تعاىل( :يسعى نورهم بني أيديهم) وقوله تعاىل( :والذين آمنوا معه نروهم يسعى بني أيديهم وأبمياهنم يقولون :ربّنا أمتم لنا نوران) وقوله تعاىل( :انظروان نقتبس من نوركم) وقوله تعاىل( :فالتمسوا نورا). املنور سبحانه ،قال تعاىل: ونور .ومسّى هللا تعاىل نفسه نورا من حيث إنّه هو ّ ويُقال :أانر هللا كذا ّ (هللا نور السموات واألرض) ،وتسميته تعاىل بذلك ملبالغة فعله ] .انتهى كالم الراغب يف مفرداته. معىن التنوير عند الصوفية :وتطلق عبارة فلسفة النور على فلسفة اإلشراق عند السهروردي مثالً، ومؤمن منور القلب :إذا دخل النور يف قلبه انشرح وانفسح ،وقد جا ،يف احلديث: "من أحب أن ينظر إىل عبد نور هللا قلبه فلينظر إىل حارثة" قيل وما عالمة ذلك اي رسول هللا: فقال :التجايف عن دار الغرور واإلانبة إىل دار اخللود ،واالستعداد للموت قبل نزوله". ومسيت الصوفية ابلنورية أخذاً من هذا احلديث ،كما أن الصوفية يطلقون كلمة النور على احلق سبحانه وتعاىل ،ويسمونه أيضاً نور األنوار ،والنور احمليط والنور القيوم ،والنور املقدس ،والنور األعظم األعلى ،ونور النهار( ،د.عبداملنعم احلفين :معجم مصطلحات الصوفية). ويف معجم" ألفاظ الصوفية" للدكتور حسن الشرقاوي أن النور يقصد به اليقني ابحلق ،واهلدى، واطمئنان القلب به ،ويذكر النور بضد دائماً ،وهي الظلمات اليت يراد هبا الشكوك والشبهات .كما يراد ابلنور املعارف واحلقائق اليت جتلب اليقني يف العقائد ،كما يقصد ابلنور الكتاب السماوي كما يف قوله تعاىل [ :اي أيها الناس قد جا،كم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ] النسا." 174 " ، وميكن أن حيمل معىن النور على النيب الذي جيي ،مبا ينري السبيل. وعند اإلمام الغزايل :النور هو العلم اللدين أو الوهيب أو العلم اإلهلامي وهو نور يقذفه هللا يف قلب املؤمن. الصويف الشهري إبن عطا ،هللا االسكندري ،وهو والننسى يف هذا اإلطار العنوان املوحي لكتاب ّ "التنوير يف إسقا التدبري". معىن التنوير يف الثقافة العربية احلديثة :يقرتب معىن التنوير يف االستخدام الثقايف العريب احلديث من معىن الوعي ابحلاجة إىل التقدم وإىل اإلصالح والتجديد واليقظة والنهضة .واالستنارة تفيد معىن الفهم 8 والثقافة واالطالع واالقتناع بضرورة التغيري والتقدم ،ويقابلها التزمت واجلمود والتمسك ابلعادات والتقاليد القدمية بدون متييز ،واالنغالق على النفس ورفض احلوار والتفاعل مع اآلخرين. لكن للتنوير معىن اصطالحياً فلسفياً خاصاً ،فهو االستخدام العام لعقل اإلنسان يف عميع القضااي، وتبين شعار "ال سلطان على العقل إال للعقل" ،وهو شجاعة استخدام العقل ولو كان ذلك ضد الدين وضد النص ،والدعوة إىل جتاوز العقائد الغيبية ،واإلميان بقدرة اإلنسان الذاتية على الفهم والتحليل والتشريع ،والدعوة إىل الدولة العلمانية ،وجتاوز النص الديين أو إمهاله أو تفسري تفسريات بعيدة عن سياقه وعن قواعد التفسري املوضوعية ،وهو الدعوة إىل املنهج التجرييب احلسي املادي واعتبار املنهج الوحيد اجلدير ابلثقة واالتباع. والواقع أن هذا املصطلح قد اكتنفه يف العصر احلديث كثري من الغموض والتعمية وكثري من اخللط والتلبيس حىت أصبح من الكلمات الفضفاضة اليت حتشى مبعاين خمتلفة ،أو بتعبريان األصويل أصبح من األلفاظ اجململة واملشرتكة ،وسوا ،أكان ذلك بقصد أم بدون قصد. وقد أصبحت كلمة التنوير أو االستنارة مؤخراً كلمة حمورية يف اخلطاب السياسي والفلسفي العريب، لكن تعريفات التنوير واالستنارة يف األدبيات العربية تعريفات عامة مثل: حق االجتهاد واالختالف ،وشجاعة استخدام العقل ،وال سلطان على العقل إال لسلطان العقل، واالستخدام العام لعقل اإلنسان يف عميع القضااي. ولذلك وجدان كلمة التنوير ختتلط أحياانً بكلمات الوعي والنهضة واليقظة واإلصالح والتجديد والتقدم والرتقي والتمدن وغريها من الكلمات واملصطلحات املقاربة ،فكان لزاماً علينا أن حندد املعىن احلقيقي هلذا املصطلح وأن منيز عن غري وحندد اجتاهاته وألوانه وأطيافه ،حىت ال ختتلط األمور وال تلتبس املفاهيم ،وحىت يكون احلكم مؤسساً على تصور سليم ومعرفة بينة. يطلق مصطلح التنوير يف اخلطاب العريب احلديث بشكل عام على حركة التوعية والتثقيف والتحديث والتجديد اليت حدثت يف العامل اإلسالمي منذ قرنني من الزمان واتسمت بتأثرها ابلطريقة الغربية 9 وإبعجاهبا ابلغرب وعلومه وتقدمه الفكري والعلمي وبتيار النهضة واإلحيا ،الذي عرف فيه يف القرون األخرية ،بل إن هناك من يقول أبن تيار التنوير يف العامل العريب احلديث بدأ مع احلملة الفرنسية البوانابرتية على مصر 1798م ،وما أحدثته هذ احلملة من صدمة ثقافية وحضارية ووعي فكري وثقايف ،وقد وجدان من ينظر إىل هذ احلملة اليوم نظرة إجيابية استحسانية ،ويطالب إبعادة تقومي هذ احلملة وإعادة حتليل أمهيتها وآاثرها واحلكم عليها من وجهة النظر التنويرية التقدمية التارخيية!!. ولكن لنا أن نتسا،ل :هل فهم رجال اإلصالح والتجديد املسلمون التنوير كما فهمه رواد حركة التنوير يف أورواب؟ وهل اقتفوا أثرهم حذو النعل ابلنعل وال ُق ّذة ابل ُقذة؟ أم أهنم فهمو مبعىن اإلصالح والتجديد والتحديث من الداخل ويف إطار منظومة العقائد والقيم اإلسالمية األساسية مع اختالف يف الدرجة واملقدار؟ وهل جيوز أن نضع عميع دعاة اإلصالح والتجديد يف العامل اإلسالمي احلديث يف سلة واحدة وأن نضمهم يف ُحزمة واحدة؟ وهل هناك تنوير واحد أم "تنويرات" أي أنواع متعددة من التنوير قد ختتلف قطبياً وجذرايً ،وقد تتنوع يف املسارات والطرائق؟ هل ميكن احلديث عن تنوير إسالمي وتنوير علماين وضعي؟ لقد ذكر أحد الباحثني يف التنوير احلديث أن التنوير الغريب هو تنوير علماين يستبدل العقل ابلدين ويقيم قطيعة مع الرتاث ،وأن التنوير اإلسالمي هو تنوير إهلي ألن هللا والقرآن والرسول أنوار تصنع للمسلم تنويراً إسالمياً متميزاً يرسم معامله أعالم التجديد اإلسالمي املعاصر :ولنالحظ هنا التقارب بني مصطلحي التنوير والتجديد. وقد ميّز كاتب آخر "حممد جالل كشك "بني رجال التنوير احلقيقيني وبني التنويريني املضللني الذين تدق هلم الطبول هنا وهناك (جهاالت عصر التنوير :قرا،ة يف فكر قاسم أمني وعلي عبد الرازق) ص .10-3 وقد كتب الدكتور"حممد عمارة" كتاابً كامالً عن "اإلسالم بني التنوير والتزوير" دار الشروق، القاهرة 2002م ،كما أصدر كتيباً حول فكر التنوير بني العلمانيني واإلسالميني يف سلسلة (حنو عقلية إسالمية واعية) رقم " – "17دار الصحوة للنشر .1995وكأن التنوير عند يعين تكوين عقلية إسالمية واعية تكون أساس هنضة إسالمية شاملة ،وشتان بني هذا املفهوم للتنوير وبني مفهوم رواد التنوير 10 الغريب العلماين ،كما يتجلى ذلك يف سلسلة من الرسائل القيمة عنواهنا (يف التنوير اإلسالمي) متييزاً له عن التنوير العلماين! والذي يلفت النظر أن هذا االجتا يذكر مناذج من رجال التنوير احلقيقيني من أمثال "الشيخ حممد اخلضر حسني" ،و "الشيخ عبداحلميد بن ابديس" وكثري من رجال اإلصالح والتجديد الذين ظهروا يف العامل اإلسالمي يف القرنني األخريين ،لذلك فإننا نالحظ أ ّن هذا االجتا ال يفرق كثرياً بني رجال التنوير ورجال النهضة واإلصالح والتجديد. هبي الدين سامل ،دار (أنظر كتاب "ابن ابديس ،فارس اإلصالح والتنوير" ملؤلفه الدكتور حممد ّ الشروق 1420هـ). بل إ ّن كثرياً من األمسا ،والرموز اليت ينتحلها دعاة التنوير الغريب العلماين وحياولون تصويرها على أهنا من رواد حركة التنوير مبفهومهم العلماين الغريب للتنوير ،هي عند التحقيق والبحث الرصني ،بعيدة كل البعد عن مفهوم التنوير الغريب ومفرداته وأهدافه ،وهذا ما يشري إىل أ ّن التنويريني الغربيني اجلدد يقومون أقل ما توصف به هو أهنا عملية غري دقيقة وغري أمينة وغري منهجية. بعملية خلط وتدليس وتلبيس ُّ فهل نرتك مصطلح التنوير ألولئك املفكرين والدعاة املتغربني املتنكرين لعقيدة اإلسالم وقيمه املقتفني أثر حركة التنوير الغربية وخصائصها ،وحنتفظ مبصطلح التجديد واإلصالح ملفكري اإلسالم يف العامل اإلسالمي احلديث على اختالف طرائق تفكريهم وعملهم ماداموا مل يتنكروا للمرجعية اإلسالمية يف أصوهلا ومقاصدها األساسية؟ املوضوع مل حيسم بعد ،وحنن ال نرى أبساً يف استخدام مصطلح التنوير مبعنا العام اجململ املشرتك مع حتديد املراد منه وتقييد ابألوصاف اليت تبني نوعه وحتدد . فلقد كثرت دعاوى التنوير يف العامل اإلسالمي احلديث وأصبح هلا منابر ودعاة كثريون رغم اختالف البواعث واخلطط واألهداف ،وقد سلكت هذ الدعاوى ،منذ قرنني من الزمان ،أي منذ بداية النهضة اإلسالمية احلديثة ،عدة مسالك ،وكان هلا عدة اجتاهات. أنواع التنوير يف العامل االسالمي احلديث: لعلين أجتهد يف ذلك وأصنف هذ االجتاهات والتيارات يف صنفني رئيسيني: 11 الصنف األول :وأمسيه التنوير التغرييب العلماين التحريفي. الصنف الثاين :وأمسيه التنوير اإلسالمي التجديدي األصيل. التنويرالتغرييب العلماين التحريفي: وينقسم إىل اجتاهني مها: .1التنوير التغرييب العقالين الوضعي الراديكايل. .2التنوير التغرييب العصراين التحريفي. التنوير اإلسالمي التجديدي األصيل: ونقسمه إىل اجتاهني اثنني مها: .1التنوير اإلسالمي التجديدي التحديثي. .2التنوير اإلسالمي التجديدي احملافظ. أولا :التنوير التغريبي العقالني الوضعي الراديكالي: وهذا االجتا يكاد أن يكون انعكاساً للتنوير الغريب يف أورواب يف منطلقاته وأهدافه ومن حيث اتباع املنهج الوضعي املادي التجرييب وما أدى استخدامه إىل اإلحلاد أو إنكار الوحي أو العلمانية الدنيوية أو الدعوة إىل جتاوز اإلميان ابلغيبيات واألخالق الدينية ومتابعة مقررات احلضارة الغربية املادية ،وكان أكثر من أانس من غري املسلمني نذكر منهم على سبيل املثال طائفة من تبع هذا االجتا ودعا إليه يف املرحلة األوىل ٌ املثقفني والصحفيني املوارنة أو األقبا : (أمني مشيل )1897 -1828وهو أول دعاة استبدال العامية ابلفصحى ،و(شبلي مشيل )1917 - 1860املبشر ابإلحلاد عن طريق الداروينية والفلسفة الوضعية واملادية .و(فرح أنطون )1922-1874داعية العلمانية واملفسر لفلسفة ابن رشد تفسرياً مادايً ،و(يعقوب صروف ،)1927-1852و(فارس منر ،)1951 - 1856و(شاهني مكاريوس )1910- 1853 لتدس الشك والالأدرية واإلحلاد بواسطة النظرايت العلمية الغربية ذات الذين أصدروا جملة "املقتطف" ّ اخللفية الفلسفية الوضعية واملادية ،و(سالمة موسى ،)1958 – 1888و(لويس عوض) و(غايل شكري) وغريهم... 12 وميكن أن يدرج ضمن هذا االجتا بعض املسلمني عن وعي وقصد أو عن غري وعي وقصد ،منهم على سبيل املثال :د.زكي جنيب حممود ،د.فؤاد زكراي ،د.جابر عصفور الكاتب املصري املعاصر الذي يقود اليوم محلة إحيا ،حركة التنوير ابملفهوم التغرييب حيث أيسى اليوم على مصريها بعد مائة عام ويسمي ذلك "حمنة التنوير" ،ومنهم أيضاً الدكتور حممد أركون ،والدكتور صادق جالل العظم ،والدكتور الطيب التيزيين، والدكتور عاطف العراقي وغريهم. واحلقيقة أن التنوير يف حمنة وأزمة ولكن ليس عندان فقط بل عند األوروبيني والغربيني عامة أيضاً، ولكنها حمنة التنوير العقالين املادي الوضعي وأزمته الناشئة عن تناقضاته الداخلية ونتائجه العبثية الالإنسانية ،وهناك كثري من املفكرين اليوم أصبحوا أكثر جرأة يف انتقاد حركة االستنارة العقلية املادية املتطرفة وما قادت اليه الغرب ،والعامل ورا ، ،من ضياع وصراعات وانتكاس يف الغاايت واملمارسات، وانسداد يف أفق املعرفة واملصري االنساين اىل درجة القول أبن منطق االستنارة املضيئة والتنوير املشرق يقودان ابلضرورة اىل االستنارة املظلمة والتنويرالظالمي (انظر التحليل الرائع الذي كتبه املفكر األملعي األستاذ الدكتور عبدالوهاب املسريي يف كتابه :العلمانية اجلزئية والعلمانية الشاملة ،ج 1ص 181/ومابعدها، وكذلك ص 286/ومابعدها). واحلقيقة أن قلة قليلة من املفكرين املسلمني تصرح هبذا النوع من التنوير مبفهومه املادي الوضعي الراديكايل ألن ذلك يعين إنكار األصل اإلهلي للدين وإنكار الوحي اإلهلي واألخذ مبفهوم اإلنسان الطبيعي والدين الطبيعي واألخالق الطبيعية ،والنظر إىل الدين على أنه إنتاج إنساين اجتماعي اترخيي. على أن هناك كثرياً من املتنورين الوضعيني املاديني خيفون مواقفهم احلقيقية ويتسرتون ورا ،أنواع واجتاهات أخرى من التنوير خوفاً من التصريح واملواجهة وما يرتتب عليهما ،ولتعرفنهم يف حلن القول!! ثانيا ا :التنوير التغريبي العصراني التحريفي: وهو اجتا نشأ يف العامل اإلسالمي يف منتصف القرن التاسع عشر امليالدي ،يسعى إىل حماولة إجياد موا،مة بني اإلسالم وبني الفكر الغريب املعاصر ،عن طريق إعادة النظر يف تعاليم اإلسالم ونصوصه وأتويلها أتويالً جديداً ينسجم مع املعارف واألوضاع العصرية السائدة .إنه اجتا يسعى إىل حماولة التوفيق 13 بني الدين والعصر احلديث إبعادة أتويل الدين وتفسري تعاليمه يف ضو ،املعارف العصرية السائدة .وقد تناول عدد من الباحثني هذ الظاهرة ابلعرض والتحليل واستعمل بعضهم مصطلح "العصرانية" ” “modernismeلوصفها وإن كان عدد من الكتاب قد فضل استعمال لفظ "التجدد" أو "التطوير" أو " التحديث" أحياانً وأحياانً لفظ "التجديد". والعصرانية ال تعين جمرد االنتما ،إىل العصر ،بل تعين وجهة نظر يف الدين مبنية على االعتقاد أبن التقدم العلمي والثقافة املعاصرة يستلزمان إعادة أتويل التعاليم الدينية التقليدية على ضو ،املفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة ،ولو أدى ذلك إىل تطويع مبادئ الدين وأحكامه لقيم احلضارة الغربية ومفاهيمها وإخضاعها لتصوراهتا ووجهة نظرها يف شؤون احلياة. أما يف العامل اإلسالمي فقد كان رائد العصرانية فيه هو (سيد أمحد خان" "1315 -1232هـ 1898-1817م) ،فقد كان "سيد خان" أول رجل يف اهلند احلديثة ينادي بضرورة وجود تفسريجديد لإلسالم :تفسري حترري وحديث وتقدمي ،وقد وصف األستاذ العالّمة السيد "أبو احلسن علي احلسين الندوي" مدرسته اليت أنشأها أبهنا قامت ((على أساس تقليد احلضارة الغربية وأسسها املادية، واقتباس العلوم العصرية حبذافريها وعلى عالّهتا ،وتفسري اإلسالم والقرآن تفسرياً يطابق ما وصلت إليه املدنية واملعلومات احلديثة يف القرن التاسع عشر املسيحي ،ويطابق هوى الغربيني وآرا،هم وأذواقهم واالستهانة مبا ال يثبته احلس والتجربة وال تقرر علوم الطبيعة يف ابدئ النظر من احلقائق الغيبية)) "الصراع بني الفكرة اإلسالمية والفكرة الغربية" لألستاذ الندوي ،صفحة 65طبعة دار القلم ابلكويت -طبعة 5 عام 1405هـ 1985م. ومل يكن "سيد خان" أول ممثل للنزعة العصرانية فحسب ،بل كان منوذجاً كامالً هلا ،وكل الذين جاؤوا من بعد مل يضيفوا شيئاً جديداً بل كانوا يعيدون صياغة أفكار بصورة أو أبخرى. وقد حدث اضطراب واختالف كبريان يف تصنيف بعض رواد هذا االجتا وحتديدهم توسيعاً أو تضييقاً ،وتغليباً جلانب من جوانب آرائهم واجتهاداهتم أو ملوقف معني يف بعض مسائل الفقه أو األصول، وقد وجدان من يسلك ضمن هذا االجتا علما ،وشخصيات متباينة يف مقاصدها ومناهجها :منهم تالمذة "سيد أمحد خان" نفسه ،وأشهرهم :شراغ علي ،وسيد أمري علي ،وخدا خبش الشاعر ،وغالم أمحد برويز، وخليفة عبد احلكيم ،وموالان حممد علي أحد قادة حركة األمحدية القاداينية ،وهناك من يضع املفكر 14 اإلسالمي الكبري "حممد إقبال" ضمن هذا االجتا بسبب بعض األخطا ،والتناقضات واآلرا ،اخلاصة اليت ال خيلو منها مفكر جمتهد ،وإمنا العربة مبنهجه العام وخطته املتكاملة. وهناك كثريون يدرجون علما ،وروداً آخرين مثل :رفاعة الطهطاوي ،وعمال الدين األفغاين، والشيخ اإلمام حممد عبد وبعض تالمذته كاألستاذ قاسم أمني وعلي عبد الرازق وطه حسني وأمحد لطفي السيد وسعد زغلول وحممد حسني هيكل ابشا ،ويف الفرتة املعاصرة :حممد أسد وحممد فتحي عثمان وحممود الشرقاوي والشيخ عبد هللا العاليلي (لبناين) وحممد أمحد خلف هللا وأخرياً حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد وحممد شحرور وغريهم ،ضمن قائمة التنوير التغرييب العصراين التحريفي. وقد حاول بعض دعاة االجتا األول من اجتاهات التنوير وهو اجتا التغريب العلماين الوضعي الراديكايل أن يسحبوا إىل معسكرهم شخصيات من هذا االجتا الثاين وأن يؤكدوا أهنم محلة التنوير ورموز يف العصر احلديث ،وهم يقصدون التنوير التغرييب الالديين أو املعادي للدين ،وواضح أن هناك خلطاً وتلبيساً يقرتابن من التزوير واالنتحال الكاذب ،وأن القضية أدق من ذلك وأعمق ،وأن كلمة التنوير تستخدم ٍ مبعان خمتلفة ينبغي حتديدها والتمييز بينها واالحرتاس عند استخدامها. مث إ ّن احلكم على كل شخصية من هذ الشخصيات وعلى انتمائها أو اندراجها حتت هذا النوع أو ذاك ،يتقرر طبقاً للقواعد األربع التالية: .1مدى التزامها ابإلسالم وابلفكر الديين عموماً. .2مدى التزامها ابملرجعية اإلسالمية يف أصول اإلسالم وقواعد األساسية. .3النظر إىل إنتاج هذ الشخصية بشكل كامل دون اجتزا ،بعضها وإمهال البعض اآلخر الذي قد يكون أصدق تعبرياً عن مقاصدها. .4النظر إىل حياة كل شخصية على أهنا حياة متطورة وليست جامدة ،وال جيوز احلكم عليها من خالل مرحلة من مراحلها دون نظر إىل بقية املراحل ،والعربة مبا استقرت عليه هذ الشخصية يف مراحل حياهتا األخرية ،والعربة ابخلواتيم كما نقول. وعلى كل حال فقد يكون من املستحسن أن نقدم طائفة من مالمح هذا االجتا ،نذكر منها: 15 اعتبار القرآن الكرمي وحد األساس لفهم اإلسالم ،وعدم االعتماد على األحاديث. االعتماد يف فهم القرآن الكرمي على نص القرآن وحد وعلى املعارف والتجارب الذاتية يف كل عصر. االعتماد على مفهوم احملكم واملتشابه يف القرآن الكرمي لتفسري تفسرياً عصرايً موافقاً لقوانني الطبيعة وجتارب الشعوب. هناك يف القرآن الكرمي ٍ معان اثنوية وفرعية ليست مقصودة من تنزيل القرآن الكرمي وهـي مأخوذة من بيئة العرب ومعارفهم وظروفهم التارخيية ،وابلتايل فإ ّن ذكر القرآن الكرمي هلا ال يعين أهنا حقائق مسلّمة. ال يقبل من األحاديث إال ما يتفق مع نص القرآن وروحه وما يتفق مع العقل والتجربة البشرية وما ال يناقض حقائق التاريخ الثابتة. ال يعرتف هذا االجتا ابإلعماع مصدراً من مصادر التشريع اإلسالمي ،ويرفض األخذ إبعماعات الصحابة. الدعوة إىل االجتهاد يف عميع اجملاالت وإطالق العنان للعقل والتجربة والقوانني االجتماعية والطبيعية يف عملية تفسري القرآن الكرمي واستنبا األحكام ،وعدم التحرج من أن يؤدي ذلك إىل فوضى فكرية بسبب كثرة األخطا ،،ألن تباين وجهات النظر واحلرية الواسعة يف الفهم واالجتهاد هي الوسيلة الوحيدة لتقدم األمة كما ي ّدعون. عدم تقديس الرتاث ،وإعادة النظر فيه من كل جوانبه وبدون أي حتفظ. اعتبار التجديد الديين تطوراً واعتبار التطور الديين قمة التجديد احلق. التطور يشمل الدين يف جوانبه املختلفة :العقائد والعبادات واملعامالت ،فليست فيه أحكام تبقى مع بقا ،الزمن وال يناهلا أي تغيري(.أمني اخلويل ،اجملددون "ص .)"58 وتندرج حتت هذا االجتا عميع حماوالت التفسري احلديثة واملعاصرة وعميع حماوالت التطوير والتغيري وتتبىن ،يف فهم النص وتفسري ، اليت ال تلتزم ابملرجعية اإلسالمية ابتدا ً،وال تلتزم بذاتية اإلسالم ومتيز ّ ، أدوات وآليات غريبة عن طبيعة الوحي ومصدر اإلهلي وبعيدة عن قواعد وأصول التفسري واالستنبا املعتمدة يف اللغة العربية واليت جتعل من النص دليالً هادايً ومرجعاً ضابطاً وموجهاً. 16 ونقصد بتلك احملاوالت عميع املشروعات اليت تنتهي حتت اسم تطوير الفهم والتفسري ،وتثوير النص ،ودراسته كمعطى مغفل ،وتطبيق املناهج الداللية احلديثة عليه ،إىل االلتفاف على النص كمعطى إهلي متعال ،وابلتايل إىل تطويعه أو تفريغه أو تعطيله أو حتييد ،حبيث يصبح النص قطعة للزينة والتمويه ويستخدم أداة "شرعية" خمادعة إلسقا عميع اآلرا ،واألهوا ،واملصاحل أو املفاسد عليه ،حتت ذريعة أن القرآن محّال أوجه ،وهذا أخطر مالمح التنوير التغرييب التحريفي وأخبثها ابمتياز. إ ّن هذا التنوير التحريفي سينتهي بنا ابلضرورة إىل إسالم آخر ،إسالم غريب املالمح والقسمات، بل إىل إسالم "كاريكاتوري"مضحك الشكل والصورة كالذي نرا من أشكالنا وصوران يف املرااي احمل ّدبة، فال نكاد نعرف فيه طعم اإلسالم وال لونه وال روحه أو رائحته وهذ قمة البهلوانية والتهريج ابسم التثوير والتنوير ،بل قد يكون ذلك شكالً من أشكال الباطنية احلديثة. ثالثا ا :التنوير اإلسالمي التجديدي التحديثي: وهو اجتا جتديدي إسالمي يهدف إىل إحيا ،اإلسالم نقياً صافياً من البدع واالحنرافات وااللتزام أبصول الدين ومصادر األصلية ،وخباصة القرآن الكرمي والسنة الصحيحة الثابتة ،ويتجلى ابلدعوة إىل مقاومة اجلمود والعصبية والتقليد ،وإىل فتح ابب االجتهاد طبقاً لضوابطه وشروطه ،لتحديث حياة اجملتمع اإلسالمي وحل املشكالت احلديثة اليت تطرأ بسبب تطور األوضاع وصلة العامل اإلسالمي ابلعوامل األخرى، ولكن طبقاً ملنهجية اإلسالم نفسه وآليات التفسري واالستنبا املعتمدة عند علما ،األمة اإلسالمية وجمتهديها مع تنّوع واختالف هنا وهناك. واملهم أ ّن هذا االجتا التنويري التجديدي يلتزم ابملرجعية اإلسالمية يف منطلقاته وأهدافه وأدواته، ويعترب التحديث خمتلفاً جداً عن التغريب ،فاملرفوض هو التغريب ،أما التحديث فهو مطلب إسالمي وفطري عميق ،وهاهنا مروحة كبرية واسعة تندرج حتتها حركات إسالمية شىت ،وعماعات علمية دعوية متعددة ،ومدارس وجامعات ،ومؤسسات مالية واقتصادية واجتماعية وخريية ،وعلما ،ومفكرون وكتّاب مسلمون يف كل قطر إسالمي وخارج أقطار العامل اإلسالمي يف الغرب أو الشرق. 17 وهذا االجتا هو بال شك اجتا تنويري :ولكنه اجتا تنويري إسالمي ابلدرجة األوىل ،وهو اجتا جتديدي ،مبعىن أنه يسعى إىل جتديد الدين وإحيائه عقيدة وشريعة ومنهج حياة ،وهو اجتا حتديثي ،مبعىن أنه يريد أن يعيش العصر احلديث يف إطار أصوله الثابتة الراسخة ،وهو لذلك يؤمن ابلتغيري والتطوير، ولكنه التغيري والتطور يف األشكال واألساليب واألدوات يف إطار عالقة أتثريية متبادلة ومتفاعلة بني الثوابت واملتحوالت وبني اخلالد واملؤقّت وبني الفطري الدائم واالجتماعي العارض ،حبيث ال يكون التطور حتريفاً ومسخاً وانفالاتً ،وال يكون الثبات عموداً وحتنطاً على شكل واحد وأسلوب واحد ،وهي إشكالية ِ ضلة أفهام. ليست سهلة كما يُظن ،بل حتتاج إىل بصرية وفقه ودين ،وهيِ َمَزلّة أقدام َوم َ ولذلك فإننا نفهم كيف حدثت بعض األخطا ،والشطحات عند بعض ممثلي هذا االجتا حىت طمع يف تصنيفهم بعض "التنويريني" التغريبيني يف خانة التنوير الوضعي العلماين الالديين ،ونزع إىل تصنيفهم بعض التنويريني اإلسالميني احملافظني يف خانة التنوير التغرييب التحريفي :وأقصد هبؤال ،شخصيات كبرية ورموزاً شهرية كانت وال تزال موضع جدل وجتاذب ،أمثال: رفاعة الطهطاوي ،و عمال الدين األفغاين ،والشيخ حممد عبد والشيخ عبد الرمحن الكواكيب وسعد زغلول وقاسم أمني وطه حسني وعلي عبد الرازق وحممد حسني هيكل ابشا ،وخري الدين التونسي، والشيخ اإلمام حممدالطاهر بن عاشور صاحب "تفسري التحرير والتنوير" والكتاب العظيم الرائد "مقاصد الشريعة اإلسالمية" ،واألستاذ عالّل الفاسي يف كتابه املشهور "مقاصد الشريعة ومكارمها". ومن الفرتة املعاصرة كتّاب ومؤلفون من أمثال :حممد أسد ،وحممد فتحي عثمان ،وحممود الشرقاوي ،والشيخ عبد هللا العاليلي ،والشيخ أمني اخلويل ،وعمال الدين عطية وحسن الرتايب وحممد عمارة وفهمي هويدي وغريهم من أمثال :د.عبد العزيز كامل ،و د.أمحد كمال أبو اجملد ،و د.راشد الغنوشي ،و العوا وغريهم. د.حممد سليم ّ ولست هنا بصدد تصنيف هؤال ،أو أولئك ووضعهم يف هذا االجتا أو ذاك ،كما أنين لست املسوغات ملوقف هذا أو ذاك. بصدد الدفاع عن بعض هؤال ،،وإجياد التفسريات و ّ ولكنين أريد أن أؤكد على عدة نقاط ميكن أن تصلح دليالً لنا يف هذا االجتاه: .1جتنب سو ،الظن وجتنب احلكم على النوااي دون دو ٍاع قوية. 18 .2القبول ابالختالف والتنوع يف إطار الوحدة. ٍ بشكل خاص. .3التأكيد على االلتزام ابلفكر الديين عموماً وابإلسالم كدين موحى به .4التأكيد على االلتزام ابملرجعية اإلسالمية طبقاً ألصول اإلسالم وقواعد األساسية. .5احلكم على اإلنتاج الفكري لكل شخصية بشكل متكامل دون اجتزا ،أو ابتسار. .6النظر إىل حياة كل شخصية على أهنا حياة متصلة ومتطورة ،واعتبار ما استقرت عليه هذ الشخصية يف مراحل حياهتا األخرية هو األساس. ويف إطار هذ املعايري جند مفكراً إسالمياً تنويرايً *يستعرض إنتاج عدد من رموز التنوير يف العامل اإلسالمي احلديث ويبني برا،هتم من فكر التنوير الغريب والتحريفي ،ويدافع عنهم حبسب النظرة الكلية الشاملة حلياهتم وإنتاجهم وهم :رفاعة الطهطاوي و عمال الدين األفغاين واإلمام حممد عبد و الشيخ علي عبد الرازق والدكتور طه حسني والزعيم سعد زغلول ،والدكتور حممد حسني هيكل ابشا. 1 التأمل واألانة وال جيوز وأايً ما كان *األمر ،فإ ّن هذا املوضوع الشائك يستحق مزيداً من البحث و ّ وتسرع وانفعال. أن نتعامل معه خبفة ّ على أ ّن هناك عشرات من رواد هذا االجتا التنويري اإلسالمي على اتساع أقطار العامل اإلسالمي، شهد هلم اجلميع ابلدين والعلم واإلخالص ،وأبهنم فعالً من رواد النهضة اإلسالمية احلديثة واملعاصرة ومن رجال التنوير اإلسالمي التجديدي األصيل ،وإن مل خيل بعضهم من بعض االنتقادات والتصويبات ،بل واالهتامات أبهنم وقعوا يف مطب اجملاملة أو املسايرة أو التنازل أو أتثّروا بشكل أو آبخر ،ويف القليل أو يف الكثري ،مبعطيات احلياة احلديثة ومظاهر احلضارة الغربية فسلكوا نزعة حتديثية جتاوزت حدود املشروع واملقبول يف الفروع أو يف األصول. رابعا ا :التنوير اإلسالمي التجديدي المحافظ: *هو الدكتور حممد عمارة يف حماضرته القيمة بعنوان" :فكر التنوير بني العلمانيني واإلسالميني" ،وقد نشرت يف رسالة خاصة يف سلسلة " حنو عقلية إسالمية واعية". 19 حيطة وحذراً خشية االنزالق إىل وهو اجتا إسالمي تنويري جتديدي أبكثر معاين التنوير اإلسالمي ْ نزعة حتريفية أو تطويعية حتت اسم التطور أو التحديث .واحلقيقة هي أ ّن هذا االجتا ميثل اجتا التجديد األمة على رأس كل مائة سنة من جيدد هلا مبعنا املأثور يف احلديث النبوي الشريف [ إ ّن هللا يبعث هلذ ّ دينها ] روا أبو داوود يف سننه عن أيب هريرة رضي هللا عنه ،وروا الطرباين واحلاكم والبيهقي ،وهو حديث صحيح. وهنا يتطابق معىن التنوير ومعىن التجديد ،ويتحدد التنوير الصحيح املقبول بتجديد الدين وإحيائه، أو بتعبري جممل آخر :إبعادة الدين إىل ما كان عليه يف عهد النبوة ويف عهد السلف األول ،لكن هلذا املعىن اجململ تفصيالً يتضمن احملافظة على نصوص الدين األصيلة من الضياع ومن االختال بغريها ،وهذا يعين إجياد طريقة علمية واضحة لتوثيق وتصحيح النصوص األصلية للكتاب والسنة ابعتبارها قوام الدين ومرجعيته األساسية ،ويتضمن أيضاً نقل املعاين الصحيحة للنصوص ،وإحيا ،الفهم السليم هلا كما بينها الرسول صلى هللا عليه وسلم وكما فهمها الصحابة الكرام رضي هللا تعاىل عنهم ،كما يتضمن العمل مبقتضى الكتاب والسنة وتطبيقهما يف واقع حياة الفرد واجلماعة ،وهذا ال يعين استبعاد االجتهاد من مفهوم التجديد ،بل إنه ال ميكن ربط احلياة ومتغرياهتا ابلدين إال ابالجتهاد الذي يقوم به العقل املسلم يوضح هنا أن لكن الذي ينبغي أن ّ اليقظ يف ظل أصول الدين ونصوصه األصلية وفهم السلف الصاحلّ ، التجديد ال يعين االبتداع يف الدين. وميكن إمجال عناصر هذا التنوير التجديدي احملافظ على النحو التايل: .1السعي إلحيا ،الدين وبعثه وإعادته إىل ما كان عليه يف عهد السلف األول. .2حفظ النصوص األصلية صحيحة نقية حسب الضوابط واملعايري السليمة. اخلرية. .3سلوك املناهج السليمة لفهم نصوص الدين وتلقي معانيها عن األجيال والقرون ّ .4جعل أحكام الدين انفذة مهيمنة على أوجه احلياة املختلفة واملسارعة لرأب الصدع يف العمل هبا وإعادة ما ينقض من عراها. 20 .5وضع احللول اإلسالمية لكل طارئ واستنبا األحكام لكل حادث ،وتوسيع دائرة أحكام الدين لتشمل ما كان انفعاً متفقاً مع نصوص الدين ومقاصد وكلياته. .6متييز ما هو من الدين حقيقة وما يلتبس به ،وتنقية الدين من االحنرافات والبدع سوا ،كانت انجتة من عوامل داخلية يف اجملتمع اإلسالمي أو بتأثريات خارجية. امليسرة هذ العناصر الستة يف التعريف اجلامع التايل للتجديد يف االصطالح وقد عمعت املوسوعة ّ اإلسالمي: التجديد" :هو إحيا ،وبعث معامل الدين العلمية حبفظ النصوص الصحيحة نقية ومتييز ما هو من الدين مما هو ملتبس به وتنقيته من االحنرافات والبدع النظرية والسلوكية ،وبعث مناهج النظر واالستدالل لفهم النصوص على ما كان عليه السلف الصاحل ،وبعث معامله العملية ابلسعي لتقريب واقع اجملتمع املسلم يف كل عصر إىل اجملتمع النموذج األول من خالل وضع احللول اإلسالمية لكل طارئ ،وجعل أحكام الدين انفذة مهيمنة على أوجه احلياة ،ووضع ضوابط القتباس النافع الصاحل من كل حضارة على ما أابنته 2 نصوص الكتاب والسنة بفهم السلف الصاحل"* وميثل هذا االجتا يف العصر احلديث رواد املدرسة اإلصالحية السلفية منذ دعوة الشيخ اإلمام حممد بن عبد الوهاب (ت 1206هـ) وحىت عصران احلايل. وميثل هذا االجتا من العلما ،واملفكرين والدعاة بعد الشيخ ابن عبد الوهاب ،اإلمام الشوكاين (1250هـ) ،واألمري صديق حسن خان ،والشيخ شهاب الدين األلوسي (1270هـ) ،والشيخ حممد عمال الدين القامسي (1332هـ) ،والشيخ حممد رشيد رضا(1354هـ) ،والسيد حمب الدين اخلطيب (1389هـ) ،والدكتور مصطفى حلمي ،والدكتور حممد رشاد سامل ،والدكتور عبد هللا بن عبد احملسن الرتكي ،والشيخ حممد انصر الدين األلباين ،والشيخ عبد العزيز بن ابز ،والشيخ حممد صاحل بن العثيمني وغريهم يف شىت أقطار العامل اإلسالمي سوا ،كانوا شخصيات علمية أو مؤسسات تعليمية ودعوية أو عماعات تربوية وخريية. *املوسوعة امليسرة ج ،2ص ""1012 21 ولسائل أن يسأل عن الفروق الدقيقة بني هذا االجتا التنويري التجديدي احملافظ واالجتا السابق وهو التيار التنويري التجديدي التحديثي ،وال شك أن هناك بني االجتاهني نقا اشرتاك جوهرية وبنيوية ولذلك جعلنامها ضمن صنف واحد هو التنوير اإلسالمي التجديدي األصيل. ويبدو لنا أن نقاط االختالف ميكن رؤيتها فيما يلي: .1االجتا التجديدي احملافظ اجتا إحيائي أكثر منه حتديثياً. .2الرتكيز على قضية االبتداع عند االجتا احملافظ والتشديد يف حماربته وتوسيع مفهوم البدعة أكثر مما جند عند االجتا اآلخر. .3توسيع جمال عمل العقل يف االجتا التحديثي أكثر مما جند يف االجتا احملافظ. .4إعتبار املصاحل واملقاصد يف االجتا التجديدي التحديثي أكثر مما جند يف االجتا احملافظ،األمر الذي جعل االجتا التحديثي يبدو أكثر تالؤماً مع مقتضيات التغري االجتماعي والتطور العمراين. .5إنفتاح االجتا التجديدي التحديثي على جتارب الشعوب واجملتمعات األخرى والتفاعل معها أكثر مما يالحظ يف االجتا التجديدي احملافظ خشية االحنراف والتقليد والتبديل. ولقد جعلنا هذا االجتا أحد اجتاهي التنوير اإلسالمي التجديدي ابعتبار املعىن اللغوي ملصطلح التنوير واملعىن االصطالحي اإلسالمي ملصطلح التجديد ،والجيوز أن نعبأ هنا مبا ميكن أن يُبهت به هذا االجتا من أنه اجتا ظالمي أو تيار رجعي جتهيلي ،فمثل هذ األوصاف ال جتد هلا سوقاً رائجة إال عند أصحاب االجتا التنويري التغرييب العلماين أو التحريفي ،وهذا ال جيوز أن يدخل يف حساب الباحث الناقد البصري. وبعد، 22 فإذا كان التنوير يف حقيقته دعوة عقالنية ،فإن التنوير اإلسالمي هو تنوير ديين عقلي معاً ،أما التنوير التغرييب فهو تنوير عقالين معاد للدين أو تنوير الديين ،أو تنوير عقالين مرجعيته األوىل واألساسية إن مل تكن الوحيدة هي العقل " ،فال سلطان على العقل فيه إال لسلطان العقل " كما يؤكدون. أما التنوير اإلسالمي فهو تنوير عقلي يعمل يف إطار الدين ويهتدي بنور ،ذلك أ ّن العقل هو مبثابة العني الباصرة والوحي مبثابة النور أو الضو ،،وال يستطيع أحد أن ينتفع بعينه إذا عاش يف ظلمة ،كما اليستطيع أن ينتفع ابلنور إذا مل تكن له عني ابصرة،ولذلك فإ ّن عني العقل ال تبصر إال يف ضو ،الوحي ونور ،وهذا هو التنوير احلق الذي يعين استخدام العقل يف ظل نور الوحي(النص الديين) وهدايته ،وهذا هو اخلط الثابت للتنوير اإلسالمي عرب العصور ،إنه االستنارة ابلوحي ليستطيع العقل أن يقوم مبهمته ووظيفته من اإلدراك والفهم والتمييز واالستنبا واالكتشاف :فالذين يغمضون عيوهنم يف النور مث حياولون اإلبصار ال يبصرون: [ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن واإلنس لهم ق لوب ال يفقهون بها ولهم أعين ال يبصرون بها ولهم آذان ال يسمعون بها أولئك كاألنعام بل هم أضل أولئك هم الغاف لون ] األعراف "" 179 والذين يفتحون عيوهنم يف الظلمات ليبصروا ،ال يبصرون: ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً [ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ً ووجد هللا عنده فوف اه حسابه وهللا سريع الحساب* أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل هللا له نوراً فما له من نور ] النور ""40-39 [يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى هللا توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم ٍ جنات تجري من تحتها األنهار يوم ال يخزي هللا النبي والذين آمنوا معه نورهم 23 يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ] التحريم ""8 والحمد هلل الذي ل نور لل نور ول هدي لل هديه وآخر دعوانا أن الحمد هلل رب العالمين 24
© Copyright 2026 Paperzz