تحميل الملف المرفق

‫ظاهرة التقارض‬
‫في النحو العربي‬
‫(‪) 1‬‬
‫للدكتور أحمد محمد عبد هللا‬
‫أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية‬
‫ظاهرة التقارض في اللغة العربية مظهر من مظاهر اتساعها‪ ،‬ولون من ألوان شمولها؛ ألن التوسع‬
‫شائع في كالم العرب‪ ،1‬فإذا كان الترادف واالشتقاق والتضاد واالشتراك و التضمين والمشاكلة الخ‪ ..‬تمثل‬
‫أنواع اإلحاطة والتنوع في األسلوب العربي‪ ،‬فإن التقارض يعد واحدا ومن هؤالء؛ إذ به يستطيع المتكلم أن‬
‫يقلّب الكالم على وجه عدة‪ ،‬وعلى كل حال هو مصيب فيما يذهب إليه‪ ،‬بشرط أن يكون معه سند من‬
‫السماع‪ ،‬ووجه من وجوه التوجيه الصحيحة‪ ،‬وهذا يؤكد أن لغتنا العربية مرنة وطيعة وليست جامدة تقف‬
‫عند لون معين من ألوان التعبير‪.‬‬
‫فالتقارض يمثل نوعا من أنواع الطرافة وال ُ‬
‫ملحة في التعبير‪ ،‬وقد تحدث ابن هشام عنه بإيجاز شديد‪،‬‬
‫وألمح عنه بإشارة عجلى في الصفحات األخيرة من كتابه الذي طب ّقت شهرته اآلفاق (مغني اللبيب عن‬
‫كتب األعاريب)‪.2‬‬
‫فما التقارض عند علماء اللغة؟‬
‫تفيد مادة (قرض) عندهم معاني كثيرة‪ ،‬أشهرها‪ :‬اإلعطاء واألخذ‪.‬‬
‫قال الفيروزابادي‪( :‬ال َقرْض ويكسر‪ :‬ما سلّفت من إساءة وإحسان‪ ،‬وما تعطيه لتقضاه‪ ،‬وأقرضه‪:‬‬
‫أعطاه‪ ،‬واقترض منه‪ :‬أخذ القرض‪ ،‬وهما يتقارضان الخير والشر‪ 3‬أي يتبادالن)‪.‬‬
‫وقال الزمخشري‪ :‬واستقرضته فأقرضني‪ ،‬وأقرضت منه كما تقول‪ :‬استلفت منه‪ ،‬وعليه قرض‬
‫وقروض‪ ،‬وقارضته مقارضة وقراضا‪ :‬أعطيته المال مضاربة‪ ،‬وفالن يقارض الناس مقارضة‪ :‬يالحبهم‬
‫ويواقعهم‪ ..‬وهم يقارضون الثناء والزيارة‪.4‬‬
‫وقال الجوهري‪( :‬ال َقرْض ما تعطيه من ا لمال لتقضاه‪ ،‬واستقرضت من فالن أي طلبت منه القرض‬
‫فأقرضني‪ ،‬واقترضت منه أي أخذت منه القرض‪ ،‬وهما يتقارضان الخير والشر)‪.5‬‬
‫وقال الفيومي‪( :‬والقرض) ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه‪ ،‬والجمع قروض مثل َفلس وفلوس‪ ،‬وهو‬
‫اسم من أقرضته المال إقراضا‪ ..‬وتقارضا الثناء أثنى كل واحد على صاحبه‪ ،‬وقارضه من المال قراضا من‬
‫باب قاتل وهو المضاربة‪.6‬‬
‫وقال ابن منظور‪ :‬وقد اقرضه وقارضه مقارضة وقراضا‪ ،‬واستقرضت من فالن أي طلبت منه القرض‬
‫فأقرضني‪ ،‬وأقرضت منه‪ ،‬أي أخذت القرض‪ ،‬والعرب تقول لكل من فعل إليه خيرا‪ :‬قد أحسن قرضي‪ ،‬وقد‬
‫أقرضني حسنا‪ ،‬ويقال للرجلين‪ :‬هما يتقارضان الثناء في الخير والشر‪ ،‬أي يتجازيان‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫نظووووورا يزيووووول موووووواط األقووووودام‬
‫يتقارضوووون إذا التقووووا فوووي مووووطن‬
‫ونقل ابن منظور عن أبي زيد األنصاري أنه قال‪:‬‬
‫وهما يتقارظان المدح إذا مدح كل منهما صاحبه‪ ،‬ومثله يتقارضان بالضاد‪ ،‬وهما يتقارضان الخير‬
‫والشر‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫‪7‬‬
‫يتقارضوووووووان وال أخوووووووا المقتووووووور‬
‫إن الغنوووووي أخوووووو الغنوووووي وإنموووووا‬
‫هذا هو التقارض بمعناه العام كما ذكرته كتب اللغة‪.‬‬
‫أما التقارض االصطالحي الذي نعنيه في مجال الدراسات النحوية فهو‪:‬‬
‫أن تُعطي كلمة حكما يختص بها إلى كلمة أخرى لتعامل معاملتها‪ ،‬كما تُعطي الكلمة األخرى حكما‬
‫يختص بها إلى الكلمة األولى لتعامل معاملتها أيضا‪.‬‬
‫‪ 1‬رسائل ابن كمال ابشا‪ ،‬ط أوىل‪ ،‬الرايض‪.‬‬
‫‪ 2‬راجع مغين اللبيب ‪ ،917 ،916 ،915‬ط بريوت‪.‬‬
‫‪ 3‬القاموس احمليط‪( :‬قرضه) ط دار الفكر‪ ،‬بريوت‪.‬‬
‫‪ 4‬أساس البالغة (قرض) ط دار املعرفة‪ ،‬بريوت‪.‬‬
‫‪ 5‬الصحاح (قرض) ط دار احلضارة العربية‪ ،‬بريوت‪.‬‬
‫‪ 6‬املصباح املنري (قرضت) دار املعارف‪ ،‬القاهرة‪.‬‬
‫‪ 7‬لسان العرب (قرض) ط اهليئة العامة للكتاب ‪ -‬مصر‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬االقتراض النحوي هو تبادل األحكام بين كلمتين بحيث تعطي كل كلمة الحكم الذي‬
‫يختص بها إلى الكلمة األخرى‪ ،‬سواء كانت هذه الكلمة اسما أم فعال أم حرفا‪.‬‬
‫ّ‬
‫فسر ابن يعيش المتوفى سنة (‪ 643‬أورد ابن ظهير القرشي ثالثين اسما لمكة المكرمة في‬
‫وقد‬
‫كتابه (الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف) ص‪ ).156‬التقارض بقوله‪:‬‬
‫معنى التقارض‪ :‬أن كل واحد منهما (أي الكلمتين) يستعير من اآلخر حكما هو أخص به‪ ..‬فأصل‬
‫(غير) أن يكون وصفا‪ ،‬واالستثناء فيه عارض معار من (إال)‪ ..‬الخ‪.1‬‬
‫وقبل ابن يعيش قال الزمخشري المتوفى سنة (‪538‬أورد ابن ظهير القرشي ثالثين اسما لمكة‬
‫المكرمة في كتابه (الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف) ص‪ ).156‬عند الكالم على‬
‫(إال) و(غير)‪:‬‬
‫(واعلم أن إال وغيرا يتقارضان ما لكل منهما)‪.2‬‬
‫وعلى هذا التحديد االصطالحي سوف نعرض األمثلة المتنوعة للتقارض بين األلفاظ المختلفة‪.‬‬
‫وهو ينقسم إلى ثالثة أنواع كما يلي‪:‬‬
‫األول‪ :‬التقارض بين اللفظين في األحكام اإلعرابية‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬القارض بين اللفظين في الشكل والهيئة‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬التقارض بين اللفظين في المعاني‪.‬‬
‫فالنوع األول يتضح بما يلي‪:‬‬
‫غير ‪ -‬إل ا‬
‫أ‪( -‬غير) اسم شديد اإلبهام ليس بمتمكن‪ ،3‬مالزم لإلضافة‪ ،‬وال يتعرف بها لشدة إبهامه؛ فإن أضيفت‬
‫(غير) إلى اللفظ فإن استعمالها يكون على وجهين‪:‬‬
‫األول ‪ -‬وهو األصل في استعمالها ‪ :-‬أن تكون صفة للنكرة نحو قوله تعالى‪{ :‬نعمل صالحا غير‬
‫الذي كنا نعمل} (فاطر‪ )37 :‬فغير صفة لو(صالحا)‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن تقترض من (إال) حكمها فتفيد (غير) االستثناء كما تفيده (إال)‪ ،‬وبناء على ذلك تعرب‬
‫(غير) إعراب االسم التالي إال ّ في ذلك الكالم فتقول‪ :‬جاء القوم غي َر زيد‪ ،‬بنصب غير‪ ،‬وما جاءني أح ٌد غي ُر‬
‫ز يد‪ ،‬بالنصب والرفع لغير‪ ،‬والمثاالن المتقدمان يوضحان أن غيرا عوملت معاملة (إال) في االستثناء‪ ،‬و‬
‫أعربت إعراب االسم التالي إلالّ‪ ،‬يؤيد ذلك بعض القراءات المشهورة‪:‬‬
‫قال هللا تعالى‪{ :‬ل يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} (النساء‪.)95 :‬‬
‫فقد قرئ برفع (غير) إما على أنه صفة للقاعدون؛ ألنهم جنس‪ ،‬وإما على أنه استثناء وأبدل على‬
‫حد قوله تعالى‪{ :‬ما فعلوه إل قليل منهم} (النساء‪ ،) 66 :‬ويؤيده قراءة النصب أيضا‪ ..‬وانتصاب (غير)‬
‫في االستثناء عن تمام الكالم عند المغاربة كانتصاب االسم بعد (إال) عندهم‪ ،‬واختاره ابن عصفور‪.4‬‬
‫ب‪ -‬وأما (إال) فهي تأتي في األساليب على أربعة أوجه‪:‬‬
‫أحدها ‪ -‬وهو األصل في استعمالها ‪ -‬أن تكون لالستثناء نحو قوله تعالى‪{ :‬فشربوا منه إل قليال‬
‫منهم} (البقرة‪ ،)249 :‬ونحو قوله تعالى‪{ :‬ما فعلوه إل قيل منهم} (النساء‪ ،)66 :‬فقد انتصب ما بعد‬
‫إال في اآلية األولى؛ أل ن االستثناء تام موجب‪ ،‬وارتفع ما بعد (إال) في اآلية الثانية؛ ألن االستثناء تام‬
‫منفي‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن تكون (إال) عاطفة بمنزلة الواو‪ ،‬ذهب إلى هذا األخفش والفراء وأبو عبيدة‪ ،‬وجعلوا من‬
‫ذلك اآلية الكريمة‪{ :‬لئال يكون للناس عليكم حجة إل الذين ظلموا منهم} (البقرة‪ ،)150 :‬التقدير‬
‫على رأيهم‪ :‬وال الذين ظلموا منهم‪ ،‬وليس قولهم هذا بمسلم‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬أن تكون (إال) زائدة‪ ،‬قال بذلك األصمعي وابن جني وابن مالك‪ ،‬وجعلوا من ذلك قول ذي‬
‫ُّ‬
‫الرمة‪:‬‬
‫‪5‬‬
‫على الخسف أو نرمي بها بلدا قفورا‬
‫حوووووراجيت موووووا تنفوووووك إال مناخوووووة‬
‫فإال زائدة في البيت على رأيهم‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أن تكون ‪0‬إال) بمعنى (غير) ‪ -‬وهذا هو محل الشاهد ‪ -‬أي يوصف بها كما يوصف بغير‪ ،‬فقد‬
‫وصف بإال جمع منكر كما في قوله تعالى‪{ :‬لو كان فيهما إل هللا لفسدتا} (النساء‪.)22 :‬‬
‫فال يجوز في (إال) هذه أن تكون لالستثناء من جهة المعنى؛ إذ التقدير يكون حينئذ‪ :‬لو كان فيهما آلة‬
‫‪ 1‬شرح املفصل‪.88/2 :‬‬
‫‪ 2‬املفصل‪ 88 :‬ط اثنية‪ ،‬بريوت‪ ،‬واألشباه والنظائر للسيوطي‪ 138/1 :‬ط أوىل ‪ -‬القاهرة‪.‬‬
‫‪ 3‬الكتاب لسيبويه‪ 479/3 :‬هارون‪.‬‬
‫‪ 4‬راجع مغين اللبيب‪.310 ،309 :‬‬
‫‪ 5‬الديوان ‪.173‬‬
‫ليس فيهم هللا لم تفسدا‪ ،‬وليس ذلك المراد‪ ،‬وال من جهة اللفظ؛ ألن آلة جمع منكر في اإلثبات فال عموم‬
‫له‪ ،‬فال يصح االستثناء منه‪ ،‬فلو قلت‪ :‬قام رجال إال زيدا‪ ،‬لم يصح اتفاقا‪ ،‬ومقال وقوع إال وصفا قول ذي‬
‫الرمة‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫قليوووول بهووووا األصوووووات إال بغامهووووا‬
‫أنيخوووت فألقوووت بلووودة فووووق بلووودة‬
‫فإال بغامها صفة لألصوات‪.‬‬
‫وقول لبيد‪:2‬‬
‫لو كوان غيوري سوليمي الودهر َغيوره‬
‫وقووووع الحوووووادث إال الصووووارم الووووذكر‬
‫فإال الصارم صفة لغيري‪.‬‬
‫وقد شرط ابن الحاجب في وقوع (إال) صفة تعذر االستثناء بها؛ لذا جعل من الشاذ قول الشاعر‪:‬‬
‫لعموووووووور أبيووووووووك إال الفرقوووووووودان‬
‫وكوووووووووول أخ يفارقووووووووووه أخوووووووووووه‬
‫أي لجواز صحة االستثناء بإال‪.‬‬
‫قال أبو البقاء العكبري مشيرا إلى تقارض (إال) و(غير)‪:‬‬
‫األصل في (إال) االستثناء‪ ،‬وقد استعملت وصفا‪ ،‬واألصل في (غير) أن تكون صفة وقد استعملت في‬
‫االستثناء‪.3‬‬
‫وما قاله أبو البقاء يفيد صحة التقارض لحمل إحداهما على األخرى‪( ،‬فغير) حين ضمنت معنى (إال)‬
‫حملت عليها في االستثناء كما أن (إال) قد تحمل على (غير) فتوصف بها لما بينهما من مشابهة؛ ولذا‬
‫فهم يقولون‪:‬‬
‫(إن األصل في (غير) أن تكون صفة مفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها ذاتا أو صفة‪ ،‬واألصل في (إال)‬
‫مغايرة ما بعدها لما قبله ا نفيا أو إثباتا‪ ،‬فلما اجتمع ما بعد (إال) وما بعد (غير) في معنى المغايرة حملت‬
‫(إال) على غير في الصفة فصار ما بعد إال مغايرا لما قبلها نفيا أو إثباتا‪ ،‬وحملت (غير) على (إال) في‬
‫االستثناء فصار ما بعدها مغايرا لما قبلها‪ ..‬إال أن حمل (غير) على (إال) أكثر من محمل (إال) على (غير)‪.4‬‬
‫ومن هنا نفهم سرّ التقارض بين (غير) و(إال) في بعض األحكام المنوطة بكل منهما‪.‬‬
‫ْ‬
‫أن ‪ -‬ما‬
‫ْ‬
‫أ‪( -‬أن) تأتي في األساليب على عدة أوجه‪ :‬أشهرها أن تكون حرفا مصدريا ناصبا للفعل المضارع‬
‫نحو قوله تعالى‪{ :‬وأن تصوموا خير لكم} (البقرة‪ ،)174 :‬وقوله تعالى‪{ :‬ألم يأن للذين آمنوا أن‬
‫تخشع قلوبهم} (الحديد‪ ،) 16 :‬وليس دخولها قاصرا على الفعل المضارع فقط‪ ،‬بل تدخل على الفعل‬
‫الماضي أيضا نحو قوله تعالى‪{ :‬ولول أن م ا‬
‫ن هللا علينا} (اإلسراء‪ ،) 74 :‬وتدخل أيضا على فعل األمر‬
‫كحكاية سيبويه‪ :‬كتبت إليه بأن ْ‬
‫قم‪.‬‬
‫وإذا كان المشو هور فوي (أن) نصوبها للفعول المضوارع فقود ذكور بعوض الكووفيين وأبوو عبيودة واللحيواني أن‬
‫بعضهم يجزم بها وأنشدوا على ذلك قول امرئ القيس‪:‬‬
‫تعووالوا إلووى أن يأتنووا الصوويد نحطووب‪5‬‬
‫إذا موووا غووودونا قوووال ولووودان أهلنوووا‬
‫وقول جميل بثينة‪:‬‬
‫أحووووواذر أن تعلوووووم بهوووووا فتردهوووووا‬
‫ي كموووا هيووووا‪6‬‬
‫فتتركهوووا ثقوووال علووو ّ‬
‫فيأتنا في البيت األول مجزوم بأن‪ ،‬وكذلك تعلم في البيت الثاني‪.‬‬
‫وقد تهمل (أن) في الكالم‪ ،‬فال تنصب وال تجزم‪ ،‬ويكون فالفعل بعدها مرفوعا‪ ،‬فهي بهذا تقترض هذا‬
‫ُّ‬
‫يتم الرضاعة} (البقرة‪)233 :‬‬
‫الحكم من (ما)‪ ،‬ومثال (أن) المهملة قراءة ابن محيصن‪{ :‬لمن أراد أن‬
‫برفع الفعل المضارع (يتم) وقد اعترض على االستدالل باآلية‪ ،‬بأن صله يتمون‪ ،‬فهو منصوب بحذف النون‬
‫‪ 1‬نفسه‪.638 :‬‬
‫‪ 2‬الديوان‪.62 :‬‬
‫‪ 3‬األشباه والنظائر للسيوطي‪ ،179 ،75/1 :‬وراجع كتاب سيبويه ‪ 335 ،331/2‬هارون‪.‬‬
‫‪ 4‬راجع حاشية الصبان على األمشوين ‪ 155/2‬ط احلليب ‪ -‬القاهرة‪.‬‬
‫‪ 5‬الديوان‪.153 :‬‬
‫‪ 6‬الديوان‪.234 :‬‬
‫وحذفت الواو للساكنين‪ ،‬واستصحب ذلك خطا‪ ،‬والجمع باعتبار معنى من تكلف‪.‬‬
‫ومثال (أن) المهملة أيضا قول الشاعر‪:‬‬
‫منّوووي السوووالم وأن ال تشوووعرا أحوووودا‬
‫أن تقوووورآن علووووى أسووووماء ويحكمووووا‬
‫فتق رآن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون على الرغم من تقدم (أن) عليه؛ ألنها هنا مهملة‪.‬‬
‫ن ْ‬
‫وقد اعترض الكوفيون على االستدالل بهذا البيت‪ ،‬فزعموا أ ّ‬
‫(أن) في البيت مخففة من الثقيلة شذ‬
‫اتصالها بالفعل‪.‬‬
‫غير أن الصواب أنها (أن) الناصبة أهملت‪ ،‬حمال لها على (ما) أختها في المصدرية؛ ألن (أن)‬
‫المخففة من الثقيلة غالبا ما تقع بعد علم أو ظن‪ ،‬وهي في البيت لم تقع بعدهما فال محل العتراضهم‪.1‬‬
‫ب‪ -‬أما (ما) فتأتي في األساليب مهملة‪ ،‬أي ال تجزم وال تنصب‪ ،‬هذا هو المشهور فيها حين تدخل‬
‫على الفعل المضارع‪ ،‬غير أنها في بعض األحيان قد تقترض من (أن) حكم النصب للفعل المضارع‪ ،‬فقد‬
‫رأى بعضهم أن (ما) يجوز أن تنصب الفعل المضارع حمال لها على (أن) الناصبة كما روي من قوله عليه‬
‫الصالة والسالم‪" :‬كما تكونوا يولى عليكم"‪ ، 2‬على أحد الروايات‪ ،‬ذكر ذلك ابن الحاجب‪( ،‬فتكونوا) فعل‬
‫مضارع منصوب بحذف النون (بما) المتقدمة عليه‪ ،‬والمعروف في الرواية المشهورة‪" :‬كما تكونون"‪،‬‬
‫وعلى هذا فال شاهد فيه‪ ،‬وقد قال بعضهم معترضا على رواية النصب‪ :‬وال حاجة إلى جعل (ما) هنا‬
‫ناصبة فإن ذلك إثبات حكم لم يثبت في غير هذا المحل‪ ،‬بل الفعل مرفوع ونون الرفع محذوفة‪.‬‬
‫وعلى كل حال فإن تقارضهما ثابت؛ ألن كال منهما يجوز أن تحمل على األخرى لذا قال ابن مالك‪:‬‬
‫موووا أختهوووا حيوووث اسوووتحقت عموووال‬
‫وبعضوووهم أهمووول (أن) حموووال علوووى‬
‫أي‪ :‬يصح في (أن) الناصبة أن تهمل حمال لها على (ما) كما يجوز في (ما) أن تعمل النصب حمال‬
‫لها على (أن) لما بينهما من مشابهة من حيث أن كال منهما حرف مصدري‪ ،‬وكال منهما حرف ثاني‪..‬‬
‫ْ‬
‫إن ‪ -‬لو‬
‫أ‪ْ -‬‬
‫(إن) بكسر الهمزة وتسكين النون المخففة‪ :‬تأتي في األساليب على وجوه عدة منها‪:‬‬
‫األول‪ :‬أن تكون نافية وتدخل حينئذ على الجملة االسمية نحو قوله تعالى‪{ :‬إن الكافرين إل في‬
‫غرور} (الملك‪ )20 :‬وقوله تعالى‪{ :‬إن أمهاتهم إل الالئى ولدنهم} (المجادلة‪.}2 :‬‬
‫الثاني‪ :‬أن تكون مخففة من الثقيلة فتدخل على الجملتين االسمية والفعلية نحو قوله تعالى‪:‬‬
‫{وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} (الزخرف‪ ،)35:‬وقوله تعالى‪{ :‬وإن كل لما جميع لدنيا‬
‫محضرون} (يس‪ ،)32 :‬وقوله تعالى‪{ :‬وإن كانت لكبيرة} (البقرة‪.)143 :‬‬
‫الثالث‪ :‬أن تكون شرطية فتجزم فعلين‪ :‬األول يسمى فعل الشرط‪ ،‬والثاني جواب الشرط نحو قوله‬
‫تعالى‪{ :‬وإن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (األنفال‪ )39 :‬وقوله تعالى‪{ :‬وإن تعودوا نعد} (األنفال‪:‬‬
‫‪.)19‬‬
‫ويعد هذا الوجه أشهر استعماالتها غير أنها قد تأتي في األسلوب مفيدة معنى الشرط وهي غير‬
‫جازمة مقترضة هذا الحكم من (لو) التي تفيد معنى الشرط وهي غير جازمة‪ ،‬ومثال ْ‬
‫(إن) غير الجازمة ما‬
‫روي في الحديث‪" :‬فإل تراه فإنه يراك"‪.3‬‬
‫ب‪ -‬أما (لو) فهي تأتي في األسلوب حرف شرط في المستقبل إال أنها ال تجزم‪ ،‬هذا هو المشهور‬
‫في استعمالها نحو قوله تعالى‪{ :‬وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم‬
‫فليتقوا هللا} (النساء‪.)9 :‬‬
‫ونحو قول الشاعر‪:‬‬
‫ُ‬
‫خلُووول الكووورام ولوووو تكوووون عوووديما‬
‫ال يلفووووووك الراجيووووووك إال مظهوووووورا‬
‫وقالوا في تعليل عدم جزمها للفعل الذي تدخل عليه‪:‬‬
‫إن ذلك بسبب غلبة دخولها على الفعل الماضي‪ ،‬ولو أريد بها معنى إن الشرطية‪ ،‬غير أن بعض‬
‫العلماء ذكر أن (لو) قد تقترض من ْ‬
‫(إن) الشرطية حكم الجزم فتجزم الفعل المضارع‪ ،‬وقد أجاز ذلك جماعة‬
‫في الشعر دون غيره منهم ابن الشجري نحو قول الشاعر‪:‬‬
‫‪ 1‬راجع مغين اللبيب‪ ،41 :‬واإلنصاف يف مسائل اخلالف البن األنباري‪ 563/2 :‬ط رابعة ‪ -‬القاهرة‪ ،‬شرح‬
‫األمشوين‪.287/3 :‬‬
‫‪ 2‬قالوا إنه حديث ضعيف‪ ،‬وهو يف مغين اللبيب‪ ،915 :‬وكشف اخلفاء ومزيل اإللباس عما اشتهر من األحاديث‬
‫على ألسنة الناس للعجلوين ‪ ،126/2‬وراجع املقاصد احلسنة للسخاوي ‪.326‬‬
‫‪ 3‬صحيح مسلم‪ :‬كتاب اإلميان‪.‬‬
‫لوووووو يشوووووأ طوووووار بوووووه ذو ميعوووووة‬
‫الحوووول اآلطووووال نهوووود ذو ُ‬
‫خصَوووول‪1‬‬
‫وقول الشاعر‪:‬‬
‫تامووت فووؤادك لووو يَح ُز ْنووك مووا صوونعت‬
‫إحدى النساء بني ذهل بن شويبابا‪2‬‬
‫فيشأ في البيت األول ويحزنك في البيت الثاني مجزومان بلو على سبيل اقتراض حكم الجزم من إن‬
‫الشرطية لما بينهما من أوجه المشابهة‪.‬‬
‫وربما خرّج بعضهم البيت األول على أنه جاء على لغة من يقول‪( :‬شا ‪ -‬يشا) باأللف ثم أبدلت األلف‬
‫همزة على حد قول بعضهم‪ :‬العألم والخأتم ‪ -‬بالهمزة‪ ،‬ويؤيد هذا التخريت أنه يجوز مجيء إن الشرطية‬
‫في هذا الوضع؛ ألنه إخبار عما مضى‪ ،‬فالمعنى‪ :‬لو شاء‪ ،‬وهذا الخريت يقدح أيضا في االستدالل بالحديث‬
‫السابل ذكره‪.‬‬
‫ن ْ‬
‫وعلى الرغم من ذلك فإنه يصح تقارضهما‪ ،‬أي ْ‬
‫إن ولو‪ ،‬أل ّ‬
‫إن قد تحمل على ل ْو فتهمل وال تجزم‪،‬‬
‫كقراءة ابن طلحة {فإما تَ َر ْين} (مريم‪ ،) 26 :‬بياء المخاطبة الساكنة ونون الرفع المفتوحة‪ ،‬وحملت‬
‫كالهما على األخرى ألنهما يفيدان الشرط‪ ،‬ويتفقان في ثنائية اللفظ‪ ،‬لذا قال ابن مالك‪:‬‬
‫ذو ُ‬
‫ح ّ‬
‫جوووووة ضوووووعفها مووووون يووووودري‪3‬‬
‫وجوووووز الجووووزم بهووووا فووووي الشووووعر‬
‫وقال ابن مالك‪ :‬يحمل معنى التردد لذا وقع له كالمان في هذه المسألة‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬يقتضي المنع مطلقا في النثر والشعر‪ ،‬والثاني‪ :‬ظاهره موافقة ابن الشجري فيما ذهب‬
‫إليه‪.4‬‬
‫إذا ‪ -‬متى‬
‫أ‪ -‬من وجوه استعمال (إذا) في األساليب ما يلي‪:‬‬
‫أوال‪ :‬أن تكون للمفاجأة‪ ،‬فتختص بالجملة االسمية وال تحتاج إلى جواب‪ ،‬وال تقع في االبتداء‪ ،‬ومعناها‬
‫الحال ال االستقبال نحو قوله تعالى‪{ :‬فألقاها فإذا هي حية تسعى} (طه‪ )20 :‬وقوله تعالى‪{ :‬إذا‬
‫لهم مكر في آياتنا} (يونس‪.)21 :‬‬
‫ثانيا‪ :‬أن تكون لغير المفاجأة‪ ،‬أي تكون ظرفا للمستقبل مضمنة معنى الشرط‪ ،‬وتختص بالدخول على‬
‫الجملة الفعلية عكس الفجائية‪ ،‬وقد اجتمعت (إذا) الفجائية و(إذا) الشرطية في قوله تعالى‪{ :‬ثم إذا‬
‫دعاكم دعوة من األرض إذا أنتم تخرجون} (الروم‪ ،)25 :‬فإذا األولى ظرفية وإذا الثانية فجائية‪.‬‬
‫ويكون الفعل بعد إذا الظرفية ماضيا كثيرا ومضارعا دون ذلك‪ ،‬وقد اجتمعا في قول أبي ذؤيب‪:‬‬
‫وإذا توووووورد إلووووووى قليوووووول تقنووووووع‬
‫والووووووونفس راغبوووووووة إذا رغبتهوووووووا‬
‫والوجه الثاني أشهر ورودا في األساليب‪ ،‬غير أنها في بعض األحيان قد تجزم الفعل الذي يأتي‬
‫بعدها‪ ،‬وذلك حمال لها على (متى) الجازمة‪ ،‬أي تقترض منها حكم الجزم‪ ،‬كقول عبد القيس‪:‬‬
‫وإذا تصووووووبْك خصاصووووووة فتحموووووول‬
‫اسوووتغن موووا أغنووواك ربوووك بوووالغنى‬
‫فإذا في البيت جازمة للفعل (تصبك)‪.‬‬
‫وقد خص بعضهم الجزم بها في الشعر دون النثر‪ ،‬قال ابن مالك في الكافية‪:‬‬
‫متووى وذا فوووي النثوور لوووم يسوووتعمال‬
‫وشوووواع جووووزم بووووإذا حمووووال علووووى‬
‫وقال في شرحها‪ :‬وشاع في الشعر الجزم بإذا حمال على متى‪ ،‬وأنشد‪:‬‬
‫نووووارا خموووودت نيوووورانهم لووووم تقوووود‬
‫ترفوووع لوووي خنووودف وهللا يرفوووع لوووي‬
‫لكنه جوز في التسهيل الجزم بها في النثر على قلة‪ ،‬وجعل منه قوله عليه الصالة والسالم لعلي‬
‫وفاطمة رضي هللا عنهما‪" :‬إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثالثين" الحديث‪.‬‬
‫‪ 1‬قيل إنه المرأة حارثية‪ ،‬وهو يف خزانة األدب ‪.521/4‬‬
‫‪ 2‬قاله لقيط بن زرارة‪ ،‬املغين ‪ ،357‬وخرج بعضهم البيت على أن ضمة اإلعراب سكنت ختفيفا‪ ،‬األمشوين‬
‫‪.43/4‬‬
‫‪ 25 ، 3‬راجع املغين ‪ ،916 ،915‬واألمشوين وحاشية الصبان‪.43 ،14 ،13 ،4 :‬‬
‫ومن هن ا نتبين أنه يجوز أن تأتي إذا جازمة في الشعر والنثر‪ ،‬وكالهما قليل‪.‬‬
‫ب‪ -‬أما (متى) فهو اسم الشيخ يجزم فعلين‪ :‬األول فعل الشرط والثاني جوابه‪ ،‬هذا هو المشهور‬
‫في استعمالها‪ ،‬كقول سحيم بن وثيل‪:‬‬
‫متووووى أضووووع العمامووووة تعرفوووووني‬
‫أنوووووا ابووووون جوووووال وطوووووالع الثنايوووووا‬
‫فالفعل‪ :‬أضع وتعرفوني مجزومان بمتى‪.‬‬
‫وقد تجيء (متى) في األسلوب اسم شرط وهي مهملة أي غير جازمة‪ ،‬مقترضة هذا الحكم من‬
‫(إذا) التي تتضمن معنى الشرط وال تجزم‪ ،‬فهي في هذه الحالة يحكم بها بحكم إذا‪ ،‬كقول عائشة رضي‬
‫هللا عنها‪( :‬وإنه متى يقوم مقامك ال يسمع الناس)‪ ،1‬فالفعل يقوم غير مجزم بمتى‪ ،‬وكذلك ال يسمع‪.‬‬
‫وهكذا صح تقارضهما ألن كال منهما قد تحمل على األخرى‪ ،‬وال التفات لما ذهب إليه أبو حيان الذي‬
‫منع أن تهمل (متى) حمال لها على (إذا)‪.2‬‬
‫لم ‪ -‬لن‬
‫أ‪( -‬لم) حرف يجزم الفعل المضارع وينفيه ويقلب زمنه إلى المضي‪ ،‬هذا هو األصل في استعماله‬
‫نحو قوله تعالى‪{ :‬لم يلد ولم يولد} (اإلخالص‪.)3 :‬‬
‫غير أن هذا الحرف قد يترك عمل الجزم للفعل المضارع إلى عمل النصب فيه مقترنا هذا الحكم من‬
‫(لن) لتشابههما في النفي‪ ،‬فقد حكى اللحياني عن بعض العرب أنه ينصب بلم‪ ،‬وقد وجدنا ابن مالك‬
‫يقول في شرح الكافية‪ :‬زعم بعض الناس أن النصب بلم لغة اغترارا بقراءة بعض السلف‪{ :‬ألم نشرح لك‬
‫صدرك} (الشرح‪ ) 1 :‬بفتح الحاء‪ ،‬أي نصب الفعل المضارع (نشرح) بلم‪ ،‬وكقول الحارث بن منذر‪:‬‬
‫فوووي أ ّ‬
‫ي يوووومي مووون المووووت أفووورّ‬
‫ايووووووم لوووووم يقووووودر أو يووووووم قووووودر‬
‫بنصب الفعل يقدر بعد لم‪ ،‬فقد عملت (لم) النصب في الفعل بعدها‪.‬‬
‫ولم يز افل على هذا بعض العلماء فقد ذهبوا إلى أن النصب في اآلية والبيت على أن األصل‪:‬‬
‫نَش َرحَن‪ ،‬ويقدرَن‪ ،‬ثم حذفت نون التوكيد الخفيفة وبقيت الفتحة دليال عليها‪ ،‬وقد اعترض على هذا‬
‫التوجيه بأن فيه شذوذين‪ :‬توكيد المنفي بلم‪ ،‬وحذف النون لغير وقف وال ساكنين‪.‬‬
‫وخرج بعضهم الفتح في اآلية والبيت على أنها اتباع للفتحة قبلها أو بعدها‪.3‬‬
‫ب‪( -‬لن) حرف ينصب الفعل المضارع وينفيه ويمحضه لالستقبال نحو قوله تعالى‪{ :‬فلن أكلم اليوم‬
‫إنسيا} (مريم‪ ،)26 :‬وال تفيد توكيد النفي وال تأبيده خالفا لمن زعم ذلك‪ ،‬وقد ُردّ هذا االدعاء بأنها لو‬
‫كانت للتأبيد للزم التناقض بذكر اليوم في {فلن أكلم اليوم إنسيا} والتكرار أبدا في قوله تعالى‪{ :‬ولن‬
‫يتمونه أبدا} (البقرة‪ ،)95 :‬وأما التأبيد في {لن يخلقوا ذبابا} (الحت‪ )73 :‬فألمر خارجي ال من‬
‫مقتضيات (لن)‪.‬‬
‫وتأتي (لن) للدعاء كما أتت (ال) وفاقا لجماعة منهم ابن عصفور بدليل قول األعشى‪:‬‬
‫ووووت لكوووم خالووودا خلوووود الجبوووال‪4‬‬
‫لووووون تزالووووووا كوووووذلكم ثوووووم ال زلوووووو‬
‫وما تقدم هو األصل في استعمالها‪ ،‬وقد تخرج (لن) عن نصب المضارع إلى جزمه مقترضة هذا‬
‫الحكم من (لم) كقول كثير عزة‪:‬‬
‫فلووون يحووول للعينوووين بعووودك منظووور‬
‫أيووادي سووبايا عووز مووا كنووت بعوودكم‬
‫وقول أعرابي يمدح الحسين بن علي‪:‬‬
‫لووون يخاوووب اآلن مووون رجائوووك مووون‬
‫‪5‬‬
‫حَووووورك للعينوووووين بعووووودك منظووووور‬
‫فقد جزمت (لن) الفعل (يحل) في البيت األول‪ ،‬وجزمت الفعل (يخب) في البيت الثاني‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أن بعضهم و ّ‬
‫جه الفعل في كل بيت على أنه محتمل لالجتزاء بالفتحة عن األلف‬
‫للضرورة‪ ،‬فالتقارض بينهم ا مؤيد بالسماع؛ لوجود مشابهة بينهما‪ ،‬وهو النفي في كل منهما واختصاصهما‬
‫بالفعل المضارع دون غيره‪.‬‬
‫‪ 1‬صحيح البخاري ‪ :‬كتاب الصالة‪.‬‬
‫‪ 2‬راجع مغين اللبيب ‪ ،916 ،212 ،121 ،120‬وشرح األمشوين ‪.13/4‬‬
‫‪ 3‬راجع مغين اللبيب‪ ،365 :‬وحاشية الصبان ‪.8/4‬‬
‫‪ 4‬الديوان‪.113 :‬‬
‫‪ 5‬الديوان ‪.60/1‬‬
‫ما ‪ -‬ليس‬
‫أ‪ -‬من أوجه استعمال (ما) في األساليب أن تكون حرفا نافيا داخال على الجملة االسمية‪ ،‬وهي في‬
‫هذه الحالة تعمل عمل (ليس) على رأي الحجازيين والتهاميين والنجديين‪ ،‬وأهملها بنو تميم‪ ،‬وهو‬
‫القياس؛ لعدم اختصاصها باألسماء‪ ،‬وإلعمالها عند الحجازيين شروط فصلتها كتب النحو‪ ،‬فمثال (ما)‬
‫العاملة عمل ليس نحو قوله تعالى‪{ :‬ما هذا بشراً} (يوسف‪ )31 :‬وقوله تعالى‪{ :‬ما هن أمهاتهم}‬
‫(المجادلة‪ ،) 2 :‬وقد عملت (ما) عمل ليس لحملها عليها لمشابهتها إياها في المعنى وهو النفي‪ ،‬وقد‬
‫ذكروا أن المثبت إلعمالها عمل (ليس) هو االستقراء‪ ،‬أما إذا دخلت (ما) النافية على الجملة الفعلية فإنها‬
‫ال تعمل نحو قوله تعالى‪{ :‬وما تنفقون إل ابتغاء وجه هللا} (البقرة‪ ،)272 :‬فما تقترض حكم ليس حين‬
‫تدخل على الجملة االسمية‪.‬‬
‫ب‪ -‬أما (ليس) فهو فعل جامد ال يتصرف ناسخ من أخوات كان‪ ،‬ينفي الحال ويرفع المبتدأ وينصب‬
‫الخبر نحو‪ :‬ليس بكر عالما‪ ،‬هذا هو األصل في عملها‪.‬‬
‫وقد تخرج (ليس) عن هذا األصل فال تعمل‪ ،‬أي تهمل؛ حمال لها على (ما)‪ ،‬وذلك حين ينتقض خبرها‬
‫بإال بجامع المشابهة التي بينهما‪ ،‬فكذلك إذا انتقض خبر ليس بإال فإنها ال تعمل‪ ،‬فقد اقترضت من (ما)‬
‫هذا الحكم نحو قولهم‪ :‬ليس الطيب إال المسك‪ ،‬برفع المسك‪ ،‬قال ابن هشام في المثال المتقدم‪:‬‬
‫فإن بني تميم يرفعونه حمال لها على (ما) في اإلهمال عند انتقاض النفي كما حمل أهل الحجاز‬
‫(ما) على ليس في اإل عمال عند استيفائه شروطها‪ ،‬حكى ذلك عنهم أبو عمرو بن العالء‪.1‬‬
‫عسى ‪ -‬لع ا‬
‫ل‬
‫أ‪( -‬عسى) فعل ماض يفيد معنى الترجي في المحبوب‪ ،‬واإلشفاق في المكروه‪ ،‬وقد اجتمع‬
‫المعنيان في قوله تعالى‪{ :‬وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم‪ ،‬وعسى أن تحبوا شيئاً وهو‬
‫شرا لكم} (البقرة‪.)216 :‬‬
‫واالسم الذي بعدها يكون مرفوعا على أنه اسم لها‪ ،‬ويأتي بعد ذلك الخبر المنصوب‪ ،‬نحو قول هدبة‬
‫بن خشرم‪:‬‬
‫يكوووووووووون وراءه فووووووووورج قريوووووووووب‬
‫عسووى الكوورب الووذي أمسوويت فيووه‬
‫وقول رؤبة‪:‬‬
‫أكثوووورت فووووي اللوووووم ملحووووا دائمووووا‬
‫ال تكثوووورن إنووووي عسوووويت صووووائما‬
‫وقوله في المثل‪ :‬عسى الغوير أبؤسا‪.2‬‬
‫وقد تخرج (عسى) عن عمل الرفع والنصب على الترتيب إلى عمل النصب والرفع‪ ،‬فيقال‪ :‬عسايَ‬
‫وعساك وعساه‪ ،‬وقد قيل في تخريت ذلك‪:3‬‬
‫إن عسى اقترضت عمل النصب والرفع على الترتيب من لعل‪ّ.‬‬
‫ب‪( -‬لع ّ‬
‫ل) حرف يفيد معنى الترجي والطمع‪ ،‬وقرد يرد إشفاقا‪ ،4‬نحو قوله تعالى‪{ :‬فلعلك باخع‬
‫ّ‬
‫نفسك على آثارهم} (الكهف‪ ،)6 :‬ومعلوم أنه ينصب االسم ويرفع الخبر كإن‪ ،‬هذا هو األصل في عمل‬
‫هذا الحرف‪ ،‬وقد ينصبهما على قلة‪ ،‬حكي عن بعض العرب‪ :‬لعل أباك منطلقا‪ ،‬وخبر هذا الحرف األصل فيه‬
‫أن يجيء اسما صريحا كما تقدم في اآلية الكريمة‪ ،‬وقد يخرج خبره عن كونه اسما صريحا فيجيء فعال‬
‫مضارعا مقترنا بأن‪ ،‬مقترضة هذا الحكم من (عسى)‪ ،5‬نحو قول متمم بن نويرة‪:‬‬
‫عليوووك مووون الالئوووي يووودعنك أجووودعا‬
‫لعلووووووك يومووووووا أن تلووووووم ملمووووووة‬
‫ومنه الحديث‪" :‬فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض"‪.6‬‬
‫وهكذا رأينا في األمثلة المتقدمة أن (عسى) أجريت مجرى لعل في نصب االسم ورفع الخبر‪ ،‬كما‬
‫أجريت (لعل) مجرى (عسى) في اقتران خبرها بأن‪ ،‬قال صدر األفاضل‪ :‬أجري لعل بحيث أدخل على‬
‫‪ 1‬راجع مغين اللبيب‪ 388-387 :‬وحاشية الصبان ‪.374/1‬‬
‫‪ 2‬جممع األمثال‪.477/1 :‬‬
‫‪ 3‬راجع مغين اللبيب‪.202 :‬‬
‫‪ 4‬شرح ابن الناظم‪.62 :‬‬
‫‪ 5‬مغين اللبيب‪.623 ،917 ،379-377 :‬‬
‫‪ 6‬صحيح البخاري‪ :‬كتاب األحكام‪.‬‬
‫خبرها (أن) المصدرية مجرى عسى‪ ،‬كما تجرى عسى مجرى لعل‪ ،‬وهذا على طريل المقارضة‪.1‬‬
‫عسى ‪ -‬كاد‬
‫أ‪ -‬لقد عرفنا فيما تقدم أن الغالب في خبر (عسى) أن يقترن ْ‬
‫بأن المصدرية؛ ألنها من أفعال الترجي‪،‬‬
‫وقد أوجب جمهور البصريين اقتران خبرها بأن‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن خبرها ال يجرد منها إال لضرورة‪ ،‬وحينئذ يخرج‬
‫خبرها من مجيئه مقترنا بأن إلى مجيئه مجردا من أن‪ ،‬مقترضا هذا الحكم من (كاد) التي يغلب على‬
‫خبرها أن يكون مجردا من (أن)‪ ،‬قال هدبة بن خشرم‪:‬‬
‫يكووووووووووون وراءه فوووووووووورج قريووووووووووب‬
‫عسوووى الكووورب الوووذي أمسووويت فيوووه‬
‫ب‪ -‬أما (كاد) فخبرها يأتي مجردا من أن؛ ألن المنقول عن فصحاء العرب إيقاع أن بعد عسى‬
‫وإلغاؤها بعد كاد‪ ،‬والعلة فيه‪ :‬أن كاد وضعت مقاربة الفعل ولهذا قالوا‪ :‬كاد النعام يطير‪ ،‬لوجود جزء من‬
‫الطيران فيه‪ ،‬وأن وضعت لتدل على تراخي الفعل ووقوعه في الزمان المستقبل‪ ،‬فإذا وقعت بعد كاد نافت‬
‫معناها الدال على اقتراب الفعل‪ ،‬وحصل في الكالم ضرب من التناقض‪.‬‬
‫وليس كذلك (عسى) ألنها وضعت للتوقيع الذي يدل على وضع (أن) على مثله‪ ،‬فوقوع (أن) بعدها‬
‫يفيد تأكيد المعنى ويزيده فضل تحقيل وق وة‪ ،‬وقد نطقت العرب بعدة أمثال جاء فيها خبر (كاد) مجردا من‬
‫(أن) على األصل فقالوا‪ :‬كاد العروس يكون ملكا‪ ،‬وكاد المنتقل يكون راكبا‪ ،‬وكاد الحريص يكون عبدا‪ ،‬وكاد‬
‫البيان يكون سحرا‪ ،‬وكاد النعام يكون طيرا‪ ،‬وكاد البخيل يكون كلبا‪ ،2‬ومن القرآن الكريم قوله تعالى‪{ :‬يكاد‬
‫زيتها يضيء} (النور‪.)35 :‬‬
‫وقد يخرج خبر (كاد) عن األصل فيأتي مقترنا بأن مقترضا هذا الحكم من (عسى)‪ ،‬ومن أمثلة هذا‬
‫النوع‪:‬‬
‫قوله صلى هللا عليه وسلم‪" :‬كاد الفقر أن يكون كفرا"‪ ،3‬وقول عمر رضي هللا عنه‪) :‬وما كدت‬
‫أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب)‪ ،4‬وقول أنس رضي هللا عنه‪( :‬فما كدنا أن نصل إلى منازلنا)‪،5‬‬
‫وقول جبير بن مطعم رضي هللا عنه‪( :‬ثم رفع رأسه فلم يكد أن يسجد ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه)‪.6‬‬
‫ومن النظم قول الشاعر‪:‬‬
‫ّ‬
‫لوودى الحوورب أن تغنوووا السوويوف عوون‬
‫الساووولم منوووا فكووودتم‬
‫أبيوووتم قبوووول‬
‫الساووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو ّ‬
‫ّ‬
‫ل‬
‫وليس ذلك بضرورة؛ لتمكنه من أن يقول لدى الحرب مغنون السيوف عن السل‪ ،‬وهكذا فإن خبر‬
‫(كاد) قد يقترن بأن كما أن خبر (عسى) قد يأتي مجردا من أن‪ ،‬وذلك على سبيل المقارضة بينهما‪.7‬‬
‫الفاعل ‪ -‬المفعول‬
‫أ‪ -‬األصل في الفاعل أن يأتي مرفوعا نحو قوله تعالى‪{ :‬وأضل فرعون قومه وما هدى} (طه‪:‬‬
‫‪ ،)79‬وقد يخرج عن هذا األصل إلى النصب‪ ،‬مقترضا هذا الحكم من المفعول به نحو قولهم‪:‬‬
‫وكسر الزجا ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ج الحجرَ؛ فالمسمار هو الفاعل وحقه أن يكون مرفوعا لكنه اقترض‬
‫الثوب المسمارَ‪،‬‬
‫خرق‬
‫‪8‬‬
‫النصب من المفعول به فنصب‪ ،‬وكذلك الحجر ‪.‬‬
‫ب‪ -‬واألصل في المفعول به أن يكون منوصبا‪ ،‬وقد يخرج عن هذا األصل فيصير مرفوعا؛ مقترضا هذا‬
‫الحكم من الفاعل‪ ،‬نحو األمثلة المتقدمة‪ ،‬فالثوب والزجاج مفعوالن حقهما النصب ولكنهما رفعا على‬
‫سبيل المقارضة‪ ،‬ومن أمثلة االقتراض بينهما قول األخطل يهجو جريرا‪:‬‬
‫نجووووان أو بلغوووت سووووءاتاهم هجووو ُر‬
‫مثووول القنافووود هوووداجون قووود بلغوووت‬
‫فنجران وهجر مفعوالن حقهما النصب لكنهما رفعا على سبيل االقتراض‪ ،‬وسواءتهم في األصل هي‬
‫‪ 1‬راجع شروح سقط الزند ‪.1852/4‬‬
‫‪ 2‬راجع رسائل ابن كمال ابشا‪25 ،24 :‬‬
‫‪ 3‬احلديث أخرجه أبو نعيم يف حلية األولياء‪.109 ،533 :‬‬
‫‪ 4‬صحيح البخاري‪ ،141/5 :‬وصحيح مسلم‪ ،438 /1 :‬والرتمذي ‪.337/1‬‬
‫‪ 5‬صحيح البخاري‪.36/2 :‬‬
‫‪ 6‬سنن أيب داود ‪.310/1‬‬
‫‪ 7‬راجع رسائل ابن كمال ابشا‪ ،25 :‬وشرح ابن الناظم‪ ،61 ،60 ،59 :‬واألمشوين ‪ 258/1‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ 8‬جرأهم على ذلك أمن اللبس ووضوح املعىن‪.‬‬
‫فاعل حقها الرفع لكنها نصبت على طريل التقارض أيضا‪ ،‬وسمع نصبهما ‪ -‬أي الفاعل والمفعول ‪ -‬نحو قول‬
‫الشاعر‪:‬‬
‫األفعوووووووان الشووووووجاع الشووووووجعما‬
‫قووود سوووالم الحيووواتا منوووه القووودما‬
‫في رواية من صب الحيات‪.‬‬
‫وسمع أيضا رفعهما ‪ -‬أي الفاعل والمفعول‪ - 1‬نحو قول الشاعر‪:‬‬
‫إ ّ‬
‫كيووووف موووون صوووواد عقعقووووان وبووووو ُم‬
‫ن مووووون صووووواد عقعقوووووا لمَشووووووم‬
‫الصفة المشبهة ‪ -‬اسم الفاعل‬
‫ضامر‬
‫محمد‬
‫نحو‪:‬‬
‫مجرارا‬
‫يكون‬
‫أن‬
‫المشبهة‬
‫أ‪ -‬األفضل في مفعول الصفة‬
‫البطن ومنطلل اللسانا‬
‫ا‬
‫الخلل؛ ألن الصفة المشبهة تدل على الثبوت واللزوم‪ ،‬ولهذا أصبحت مع معمولها كالكلمة‬
‫وحسن‬
‫ا‬
‫الواحدة؛ فاألحسن أن تضاف إلى معمولها لكنها قد تخرج عن هذا الحكم فتنصب معمولها مقترضة هذا‬
‫الحكم من اسم الفاعل الذي يعد أقوى منها في العمل‪ ،‬فيجوز أن تقول‪ :‬زيد الحسن الوج َه‪ ،‬بنصب الوجه‬
‫على سبيل االقتراض منه‪.‬‬
‫ب‪ -‬واألفضل في اسم الفاعل أن ينصب المفعول به‪ ،‬وذلك حين يستوفي شوط عمله إذا كان‬
‫مجردا؛ ألنه يدل على التجدد والحدوث‪ ،‬ويناسبه أن يكون مفعوال منصوبا ألنه محمول على الفعل المضارع‬
‫إال أن اسم الفاعل قد يجر مفعوله مقترضا هذا الحكم من الصفة المشبهة التي تدل على الثبوت واللزوم‪.‬‬
‫ولذا قال ابن هشام‪ : 2‬يجوز (إعطاء الحسن الوجه حكم الضارب الرجل في النصب‪ ،‬وإعطاء الضارب‬
‫الرجل حكم الحسن الوجه في الجر) وذلك على سبيل االقتراض‪.‬‬
‫اسم التفضيل ‪ -‬أفعل في التعجب‬
‫أ‪ -‬األصل في اسم التفضيل أن يرفع االسم الظاهر ألنه مشتل والمشتقات ترفع الظاهر والمضمر‪،‬‬
‫غير أن اسم التفضيل ال يرفع الظاهر لشبهه بأفعل التعجب وزنا وأصال وإفادة للمبالغة‪ ،‬فقد اقترض (اسم‬
‫التفضيل) من أفعل التعجب هذا الحكم وهو عدم رفع االسم الظاهر‪.‬‬
‫ب‪ -‬واألصل في أفعل التعجب أن ال يصغر‪ ،‬ألن (أفعل التعجب) فعل والتصغير مختص باألسماء‪،‬‬
‫ومبن ى والتصغير ال يدخل األسماء المبنية إال شذوذا غير أن أفعل التعجب قد يصغر مقترضا هذا الحكم من‬
‫اسم التفضيل ألنهما متشابهان وزنا وأصال وإفادة للمبالغة‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫يامووووا أملوووويح غزالنووووا َ‬
‫موووون هؤليووووائكن الضووووال والسوووومر‬
‫شوووودَن لنووووا‬
‫قال الجوهري‪ :‬ولم يسمع ذلك إال في أحسن وأملح‪ ،‬قال ابن هشام‪ :3‬ولكن النحويين مع هذا‬
‫قاسوه‪ ،‬ولم يحك ابن مالك اقتياسه إال عن ابن كيسان وليس كذلك‪ ،‬قال أبو بكر بن األنباري‪ :‬وال يقال إال‬
‫لمن صغر سنه‪.‬‬
‫النوع الثاني‪ :‬التقارض بين اللفظين في الشكل والهيئة‬
‫الحال ‪ -‬التمييز‬
‫أ‪ -‬يذهب جمهور النحاة إلى أن األ صل في الحال أن ترد في األسلوب مشتقة من المصدر لتدل على‬
‫متصف نحو‪ :‬جاء بكر ضاحكا‪ ،‬وضربت اللص مكتوفا‪ ،‬وقد تجيء جامدة مقترضة هذا الجمود من التمميز لما‬
‫بينهما من أوجه الشبه‪ ،‬ويكثر مجيئها جامدة في مواضع‪:‬‬
‫إن دلت على سعر نحو‪ :‬بعه م ّ‬
‫دا بدرهم‪ ،‬فمدا حال جامدة‪ ،‬أي بعه ُمس ّعارا كل مد بدرهم‪.‬‬
‫وإن دلت على تفاعل نحو‪ :‬بعته يدا بيد‪ ،‬أي مناجزة‪ ،‬أو دلت على تشبيه نحو‪ :‬كرّ زي ٌد أسدا أي‬
‫مشبها لألسد؛ فيدا واسدا جامدان‪ ،‬وص ّ‬
‫ح وقوعهما حاال لظهور تأولهما بمشتل كما تقدم‪.‬‬
‫وتجيء الحال جامدة إن دلّت على ترتيب كقولك‪ :‬ادخلوا الدار رجال رجال‪ ،‬وقولك سار الجند رجلين‬
‫رجلين‪ ،‬تريد مرتين‪.‬‬
‫وضابط هذا النوع‪ :‬أن يذكر المجموع أوال ثم يفصل بذكر بعضه مكررا‪.‬‬
‫وتجيء الحال جامدة إن وصفت نحو قوله تعالى‪{ :‬قرآنا عربيا} (يوسف اآلية ‪ ،)3‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫{فتمثل لها بشرا سويا} (مريم اآلية‪ ،)17 :‬وكذلك إن دلت على عدد نحو قوله تعالى‪{ :‬فتم ميقات‬
‫ربه أربعين ليلة} (األعراف اآلية ‪ ،) 142‬وكذلك إذا كانت الحال نوعا من صاحبها كقولك‪ :‬هذا مالك ذهبا‪،‬‬
‫أو يكون الحال فرعا لصاحبها نحو‪ :‬هذا حديدك خاتما‪ ،‬وكقوله تعالى‪{ :‬وتنحتون الجبال بيوتا} (الشعراء‬
‫‪ 1‬راجع مغين اللبيب‪.918 ،917 :‬‬
‫‪ 2‬مغين اللبيب‪.918 :‬‬
‫‪ 3‬راجع مغين اللبيب ‪.918-894‬‬
‫اآلية ‪.)149‬‬
‫ب‪ -‬واألصل في التمييز أن يكون جامدا نحو‪ :‬ح ُ‬
‫َسن محمد علما‪ ،‬وزرعت األرض شجرا‪ ،‬وعندي قفي ٌز‬
‫ُبرّا‪ ،‬وقد يترك التمييز هذا األصل فيجيء مشتقا مقترضا هذا الحال لما بينهما من مشابهة نحو‪ :‬هلل دره‬
‫فارسا‪ ،‬وحسبك به كافال‪ ،‬وكفى عالما‪.1‬‬
‫قال األشموني‪ :‬إن حل الحال االشتقاق‪ ،‬وحل التمييز الجمود‪ ،‬وقد يتعاكسان‪ ،‬فتأتي الحال جامدة‪،‬‬
‫كهذا مالك ذهبا‪ ،‬ويأتي التمييز مشتقا نحو‪ :‬هلل دره فارسا‪ .2‬أي يتعاكسان على سبيل االقتراض فكل‬
‫منهما يقترض هيئة اآلخر ألوجه شبه بينهما‪.‬‬
‫الجمع ‪ -‬المثنى‬
‫أ‪ -‬حل نون الجمع المذكر السالم وما لحل به في إعرابه أن تكون مفتوحة نحو قوله تعالى‪{ :‬قد‬
‫ا‬
‫{وبشِّر الصابرين} (البقرة اآلية ‪ ،)153‬وقد فتحت نون‬
‫أفلح المؤمنون} (المؤمنون اآلية األولى)‪ ،‬ونحو‬
‫الجمع طلبا للخفة من ثقل الجمع‪ ،‬وفرقا بينه وبين نون المثنى‪ ،‬لكن نون جمع المذكر السالم قد تكسر‬
‫مقترضة هذا من نون المثنى‪ ،‬كقول جرير بن عطية‪:‬‬
‫آخووووووووورين‬
‫زعوووووووووانف‬
‫وأنكرنوووووووووا‬
‫عرفنووووووا جعفوووووورا وبنووووووي أبيووووووه‬
‫ا‬
‫وقول سحيم بن وثيل الرياحي‪:‬‬
‫ومووووواذا يبتغوووووي الشوووووعراء منوووووي‬
‫ُ‬
‫ووووواوزت حوووووو ّ‬
‫األربعووووووين‬
‫د‬
‫وقوووووود جو‬
‫ا‬
‫بكسر نون (آخرين) في البيت األول‪ ،‬وكذلك كسر نون (األربعين) في البيت الثاني‪.‬‬
‫ب‪ -‬وحل نون المثنى وما لحل به في اإلعراب أن تكون مكسورة على األصل في التقاء الساكنين‪،‬‬
‫لكون نون المثنى قد تجيء مفتوحة مقترضة هذا من نون الجمع كقول حميد بن ثور الهاللي‪:‬‬
‫ٌ‬
‫فموووووا هوووووي إال ّ‬
‫لمحوووووة وتغيوووووب‬
‫علوووى أحووووذيينَ اسوووتقلت عشووويّة‬
‫وكقول رجل من َ‬
‫ضب ّة‪:‬‬
‫أعووووورف منهوووووا الجيووووود والعينانوووووا‬
‫ومنخوووووووورين أشووووووووبها ظبيانووووووووا‬
‫قال ابن مالك فيما تقدم‪:‬‬
‫ونووووو مجموووووع ومووووا بووووه التحوووول‬
‫فوووافتح وقووول مووون بكسوووره نَطَووول‪3‬‬
‫ونووووون مووووا ثنووووي والملحوووول بووووه‬
‫بعكووووس ذلووووك اسووووتعملوه فانتبووووه‬
‫‪ 1‬راجع ابن عقيل‪.629 ،628 ،627/1 :‬‬
‫‪ 2‬راجع األمشوين‪.171-170/2 :‬‬
‫‪ 3‬راجع شرح األمشوين ‪ ،90 ،89 ،88/1‬وابن عقيل ‪.69 ،68 ،67 ،66/1‬‬