كتاب ذم اجلاه والرايء وهو الكتاب الثامن من ربع املهلكات من كتاب إحياء علوم الدين بسم هللا الرمحن الرحيم احلمد هلل عالم الغيوب املطلع على سرائر القلوب املتجاوز عن كبائر الذنوب العامل مبا جتنه الضمائر من خفااي الغيوب البصري بسرائر النيات وخفافا الطوايت الذي ال يقبل من األعمال إال ما كمل ووىف وخلص عن شوائب الرايء والشرك وصفا فإنه املنفرد ابمللكوت فهو أغىن األغنياء عن الشرك والصالة والسالم على حممد وآله وأصحابه املربئني من اخليانة واإلفك وسلم تسليما كثريا. أما بعد فقد قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إن أخوف ما أخاف على أميت الرايء والشهوة اخلفية اليت هي أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء يف الليلة الظلماء حديث إن أخوف ما أخاف على أميت الرايء والشهوة اخلفية أخرجه ابن ماجه واحلاكم من حديث شداد بن أوس وقاال الشرك بدل الرايء وفسراه ابلرايء قال احلاكم صحيح اإلسناد قلت بل ضعيفه وهو عند ابن املبارك يف الزهد ومن طريقه عند البيهقي يف الشعب بلفظ املصنف ولذلك عجز عن الوقوف على غوائلها مساسرة العلماء فضال عن عامة العباد واألتقياء وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن مكايدها وإمنا يبتلى به العلماء والعباد واملشمرون عن ساق اجلد لسلوك سبيل اآلخرة فإهنم مهما قهروا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات ومحلوها ابلقهر على أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع يف املعاصي الظاهرة الواقعة على اجلوارح فطلبت االسرتاحة إىل التظاهر ابخلري وإظهار العمل والعلم فوجدت خملصا من مشقة اجملاهدة إىل لذة القبول عند اخللق ونظرهم إليه بعني الوقار والتعظيم فسارعت إىل إظهار الطاعة وتوصلت إىل اطالع اخللق ومل تقنع ابطالع اخلالق وفرحت حبمد الناس ومل تقنع حبمد هللا وحده وعلمت أهنم إذا عرفوا تركه الشهوات وتوقيه الشبهات وحتمله مشاق العبادات أطلقوا ألسنتهم ابملدح والثناء وابلغوا يف التقريظ واإلطراء ونظروا إليه بعني التوقري واالحرتام وتربكوا مبشاهدته ولقائه ورغبوا يف بركة دعائه وحرصوا على اتباع رأيه وفاحتوه ابخلدمة والسالم وأكرموه يف احملافل غاية اإلكرام وساحموه يف البيع واملعامالت وقدموه يف اجملالس وآثروه ابملطاعم واملالبس وتصاغروا له متواضعني وانقادوا له يف أغراضه موقرين فأصابت النفس يف ذلك لذة هي أعظم اللذات وشهوة هي أغلب الشهوات فاستحقرت فيه ترك املعاصي واهلفوات واستالنت خشونة املواظبة على العبادات إلدراكها يف الباطن لذة اللذات وشهوة الشهوات فهو يظن أن حياته ابهلل وبعبادته املرضية وإمنا حياته هبذه الشهوة اخلفية اليت تعمى عن دركها العقول النافذة القوية ويرى أنه خملص يف طاعة هللا وجمتنب حملارم هللا والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيينا للعباد وتصنعا للخلق وفرحا مبا انلت من املنزلة والوقار وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجور األعمال وقد أثبتت امسه يف جريدة املنافقني وهو يظن أنه عند هللا من املقربني وهذه مكيدة للنفس ال يسلم منها إال الصديقون ومهواة ال يرقى منها إال املقربون ولذلك قيل آخر ما خيرج من رؤوس الصديقني حب الرايسة وإذا كان الرايء هو الداء الدفني الذي هو أعظم شبكة للشياطني وجب شرح القول يف سببه وحقيقته ودرجاته وأقسامه وطرق معاجلته واحلذر منه ويتضح الغرض منه يف ترتيب الكتاب على شطرين الشطر األول يف حب اجلاه والشهرة وفيه بيان ذم الشهرة وبيان فضيلة اخلمول وبيان ذم اجلاه وبيان معىن اجلاه وحقيقته وبيان السبب يف كونه حمبواب أشد من حب املال وبيان أن اجلاه كمال ومهي وليس بكمال حقيقي وبيان ما حيمد من حب اجلاه وما يذم وبيان السبب يف حب املدح والثناء وكراهية الذم وبيان العالج يف حب اجلاه وبيان عالج حب املدح وبيان عالج كراهة الذم وبيان اختالف أحوال الناس يف ا ملدح والذم فهي اثنا عشر فصال منها تنشأ معاين الرايء فال بد من تقدميها وهللا املوفق للصواب بلطفه ومنه وكرمه بيان ذم الشهرة وانتشار الصيت اعلم أصلحك هللا أن أصل اجلاه هو انتشار الصيت واالشتهار وهو مذموم بل احملمود اخلمول إال من شهره هللا تعاىل لنشر دينه من غري تكلف طلب الشهرة منه قال أنس رضي هللا عنه قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حسب امرئ من الشر أن يشري الناس إليه ابألصابع يف دينه ودنياه إال من عصمه هللا حديث أنس حسب امرئ من الشر إال من عصمه أن يشري الناس إليه ابألصابع يف دينه ودنياه أخرجه البيهقي يف الشعب بسند ضعيف وقال جابر بن عبد هللا قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حبسب املرء من الشر إال من عصمه هللا من السوء أن يشري الناس إليه ابألصابع يف دينه ودنياه إن هللا ال ينظر إىل صوركم ولكن ينظر إىل قلوبكم وأعمالكم حديث جابر حبسب امرئ من الشر احلديث مثله وزاد يف آخره إن هللا ال ينظر إىل صوركم احلديث هو غري معروف من حديث جابر معروف من حديث أيب هريرة رواه الطرباين يف األوسط والبيهقي يف الشعب بسند ضعيف مقتصرين على أوله ورواه مسلم مقتصرا على الزايدة اليت يف آخره وروى الطرباين والبيهقي يف الشعب أوله من حديث عمران بن حصني بلفظ كفى ابملرء إمثا ورواه ابن يونس يف اتريخ الغرابء من حديث ابن عمر بلفظ هالك ابلرجل وفسر دينه ابلبدعة ودنياه ابلفسق وإسنادمها ضعيف ولكن ذكر احلسن رمحه هللا احلديث أتويال وال أبس به إذ روى هذا احلديث فقيل له اي أاب سعيد إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك ابألصابع فقال إنه مل يعن هذا وإمنا عىن به املبتدع يف دينه والفاسق يف دنياه وقال علي كرم هللا وجهه تبذل وال تشتهر وال ترفع شخصك لتذكر وتعلم واكتم واصمت تسلم تسر األبرار وتغيظ الفجار وقال إبراهيم ابن أدهم رمحه هللا ما صدق هللا من أحب الشهرة وقال أيوب السختياين وهللا ما صدق هللا عبد إال سره أن ال يشعر مبكانه وعن خالد بن معدان أنه كان إذا كثرت حلقته قام خمافة الشهرة وعن أيب العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثالثة قام ورأى طلحة قوما معه حنوا من عشرة فقال ذابب طمع وفراش انر وقال سليم بن حنظلة بينا حنن حول أيب بن كعب منشي خلفه إذ رآه عمر فعاله ابلدرة فقال انظر اي أمري املؤمنني ما تصنع فقال إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع وعن احلسن قال خرج ابن مسعود يوما من منزله فاتبعه انس فالتفت إليهم فقال عالم تتبعوين فوهللا لو تعلمون ما أغلق عليه ابيب ما اتبعين منكم رجالن وقال احلسن إن خفق النعال حول الرجال قلما تلبث عليه قلوب احلمقى وخرج احلسن ذات يوم فاتبعه قوم فقال هل لكم من حاجة وإال فما عسى أن يبقى هذا من قلب املؤمن وروي أن رجال صحب ابن حمرييز يف سفر فلما فارقه قال أوصين فقال إن استطعت أن تعرف وال تعرف ومتشي وال ميشى إليك وتسأل وال تسئل فافعل وخرج أيوب يف سفر فشيعه انس كثريون فقال لوال أين أعلم أن هللا يعلم من قليب أين هلذا كاره خلشيت املقت من هللا عز وجل وقال معمر عاتبت أيوب على طول قميصه فقال إن الشهرة فيما مضى كانت يف طوله وهي اليوم يف تشمريه وقال بعضهم كنت مع أيب قالب ة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية فقال إايكم وهذا احلمار الناهق يشري به إىل طلب الشهرة وقال الثوري كانوا يكرهون الشهرة من الثياب اجليدة والثياب الرديئة إذ األبصار متتد إليهما مجيعا وقال رجل لبشر بن احلارث أوصين فقال أمخل ذكرك وطيب مطعمك وكان حوشب يبكي ويقول بلغ امسي مسجد اجلامع وقال بشر ما أعرف رجال أحب أن يعرف إال ذهب دينه وافتضح وقال أيضا ال جيد حالوة اآلخرة رجل حيب أن يعرفه الناس رمحة هللا عليه وعليهم أمجعني بيان فضيلة اخلمول قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم رب أشعث أغرب ذي طمرين ال يؤبه له لو أقسم على هللا أل بره حديث رب أشعث أغرب ذي طمرين ال يؤبه له لو أقسم على هللا ألبره منهم الرباء بن مالك أخرجه مسلم من حديث أيب هريرة رب أشعث مدفوع ابألبواب لو أقسم على هللا ألبره وللحاكم رب أشعث أغرب ذي طمرين تنبو عنه أعني الناس لو أقسم على هللا ألبره وقال صحيح اإلسناد وأليب نعيم يف احللية من حديث أنس ضعيف رب ذي طمرين ال يؤبه له لو أقسم على هللا ألبره منهم الرباء بن مالك وهو عند احلاكم حنوه هبذه الزايدة وقال صحيح اإلسناد قلت بل ضعيفه منهم الرباء بن مالك وقال ابن مسعود قال النيب صلى هللا عليه وسلم رب ذي طمرين ال يؤبه له لو أقسم على هللا ألبره لو قال اللهم إين أسألك اجلنة ألعطاه اجلنة ومل يعطه من الدنيا شيئا حديث ابن مسعود رب ذي طمرين ال يؤبه له لو أقسم على هللا ألبره لو قال اللهم إين أسألك اجلنة ألعطاء اجلنة ومل يعطه من الدنيا شيئا أخرجه ابن أيب الدنيا ومن طريقه أبو منصور الديلمي يف مسند الفردوس بسند ضعيف وقال صلى هللا عليه وسلم أال أدلكم على أهل اجلنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على هللا ألبره وأهل النار كل متكرب مستكرب جواظ حديث أال أدلكم على أهل اجلنة كل ضعيف مستضعف احلديث متفق عليه من حديث حارثة بن وهب وقال أبو هريرة قال صلى هللا عليه وسلم إن أهل اجلنة كل أشعث أغرب ذي طمرين ال يؤبه له الذين إذا استأذنوا على األمراء مل يؤذن هلم وإذا خطبوا النساء مل ينكحوا وإذا قالوا مل ينصت لقوهلم حوائج أحدهم تتخلل يف صدره لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم وقال صلى هللا عليه وسلم إن من أميت من لو أتى أحدكم يسأله دينارا مل يعطه إايه ولو سأله درمها مل يعطه إايه ولو سأله فلسا مل يعطه إايه ولو سأل هللا اجلنة ألعطاه إايها ولو سأله الدنيا مل يعطه إايها وما منعها إايه إال هلواهنا عليه رب ذي طمرين ال يؤبه له لو أقسم على هللا ألبره حديث إن من أميت من لو أتى أحدكم فسأله دينارا مل يعطه إايه احلديث أخرجه الطرباين يف األوسط من حديث ثوابن إبسناد صحيح دون قوله ولو سأله الدنيا مل يعطه إايها وما منعها إايه إال هلواهنا عليه وروي أن عمر رضي هللا عنه دخل املسجد فرأى معاذ بن جبل يبكي عند قرب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فقال ما يبكيك فقال مسعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول إن اليسري من الرايء وإن هللا حيب األتقياء األخفياء الذين إن غابوا مل يفتقدوا وإن حضروا مل يعرفوا قلوهبم مصابيح اهلدى ينجون من كل غرباء مظلمة حديث معاذ بن جبل إن اليسري من الرايء شرك وأن هللا حيب األتقياء األخفياء احلديث أخرجه الطرباين واحلاكم واللفظ له وقال صحيح اإلسناد قلت بل ضعيفه فيه عيسى بن عبد الرمحن وهو الزرقي مرتوك وقال حممد بن سويد قحط أهل املدينة وكان هبا رجل صاحل ال يؤبه له مالزم ملسجد النيب صلى هللا عليه وسلم هم يف دعائهم إذ جاءهم رجل عليه طمران خلقان فصلى ركعتني أوجز فيهما مث بسط يديه فقال اي رب أقسمت عليك إال أمطرت علينا الساعة فلم يرد يديه ومل يقطع دعاءه حىت تغشت السماء ابلغمام وأمطروا حىت صاح أهل املدينة من خمافة الغرق فقال اي رب إن كنت تعلم أهنم قد اكتفوا فارفع عنهم وسكن وتبع الرجل صاحبه الذي استسقى حىت عرف منزله مث بكر عليه فخرج إليه فقال إين أتيتك يف حاجة فقال ما هي قال ختصين بدعوة قال سبحان هللا أنت أنت وتسألين أن أخصك بدعوة مث قال ما الذي بلغك ما رأيت قال أطعت هللا فيما أمرين وهناين فسألت هللا فأعطاين وقال ابن مسعود كونوا ينابيع العلم مصابيح اهلدى أحالس البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب تعرفون يف أهل السماء وختفون يف أهل األرض وقال أبو أمامة قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول هللا تعاىل إن أغبط أوليائي عبد مؤمن خفيف احلاذ ذو حظ من صالة أحسن عبادة ربه وأطاعه يف السر كان غامضا يف الناس ال يشار إليه ابألصابع مث صرب على ذلك قال مث نقر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم بيده فقال عجلت منينه وقل تراثه وقلت بواكيه حديث أيب أمامة إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف اخلاذ احلديث أخرجه الرتمذي وابن ماجه إبسنادين ضعيفني وقال عبد هللا بن عمر رضي هللا تعاىل عنهما أحب عباد هللا إىل هللا الغرابء قيل ومن الغرابء قال الفارون بدينهم جيتمعون يوم القيامة إىل املسيح عليه السالم وقال الفضيل بن عياض بلغين أن هللا تعاىل يقول يف بعض ما مين به على عبده أمل أنعم عليك أمل أسرتك أمل أمخل ذكرك وكان اخلليل بن أمحد يقول اللهم اجعلين عندك من أرفع خلقك واجعلين عند نفسي من أوضع خلقك واجعلين عند الناس من أوسط خلقك وقال الثوري وجدت قليب يصلح مبكة واملدينة مع قوم غرابء أصحاب قوت وعناء وقال إبراهيم بن أدهم ما قرت عيين يوما يف الدنيا قط إال مرة بت ليلة يف بعض مساجد قرى الشام وكان يب البطن فجرين املؤذن صلى هللا عليه وسلم برجلي حىت أخرجين من املسجد وقال الفضيل إن قدرت على أن ال تعرف فافعل وما عليك أن ال تعرف وما عليك أن ال يثىن عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت حممودا عند هللا تعاىل فهذه اآلاثر واألخبار تعرفك مذمة الشهرة وفضيلة اخلمول وإمنا املطلوب ابلشهرة وانتشار الصيت هو اجلاه واملنزلة يف القلوب وحب اجلاه هو منشأ كل فساد فإن قلت فأي شهوة تزيد على شهرة األنبياء واخللفاء الراشدين وأئمة العلماء فكيف فاهتم فضيلة اخلمول فاعلم أن املذموم طلب الشهرة فأما وجودها من جهة هللا سبحانه من غري تكلف من العبد فليس مبذموم نعم فيه فتنة على الضعفاء دون األقوايء وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه مجاعة من الغرقى فاألوىل به أن ال يعرفه أحد منهم فإهنم يتعلقون به فيضعف عنهم فيهلك معهم وأما القوي فاألوىل أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم ويثاب على ذلك بيان ذم اجلاه ومعناه وقال هللا تعاىل تلك الدار اآلخرة جنعلها للذين ال يريدون علوا يف األرض وال فسادا مجع بني إرادة الفساد والعلو وبني أن الدار اآلخرة للخايل عن اإلرادتني مجيعا فقال عز وجل ومن كان يريد احلياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعماهلم فيها وهم فيها ال يبخسون أولئك الذين ليس هلم يف اآلخرة إال النار وحبط ما صنعوا فيها وابطل ما كانوا يعملون وهذا أيضا متناول بعمومه حلب اجلاه فإنه أعظم لذة من لذات احلياة الدنيا وأكثر زينة من زينتها وقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حب املال واجلاه ينبتان النفاق يف القلب كما ينبت املاء البقل حديث املال واجلاه ينبتان النفاق احلديث تقدم يف أول هذا الباب ومل أجده وقال صلى هللا عليه وسلم ما ذئبان ضاراين أرسال يف زريبة غنم أبسرع إفسادا من حب الشرف واملال يف دين الرجل املسلم حديث ما ذئبان ضاراين أرسال يف زريبة غنم احلديث تقدم أيضا هناك وقال صلى هللا عليه وسلم لعلي كرم هللا وجهه إمنا هالك الناس ابتباع اهلوى وحب الثناء حديث إمنا هالك الناس ابتباع اهلوى وحب الثناء مل أره هبذا اللفظ وقد تقدم يف العلم من حديث أنس ثالث مهلكات شح مطاع وهوى متبع احلديث وأليب منصور الديلمي يف مسند الفردوس من حديث ابن عباس بسند ضعيف حب الثناء من الناس يعمي ويصم نسأل هللا العفو والعافية مبنه وكرمه بيان معىن اجلاه وحقيقته اعلم أن اجلاه واملال مها ركنا الدنيا ومعىن املال ملك األعيان املنتفع هبا ومعىن اجلاه ملك القلوب املطلوب تعظيمها وطاعتها وكما أن الغين هو الذي ميلك الدراهم والداننري أي يقدر عليهما ليتوصل هبما إىل األغراض واملقاصد وقضاء الشهوات وسائر حظوظ النفس فكذلك ذو اجلاه هو الذي ميلك قلوب الناس أي يقدر على أن يتصرف فيها ليستعمل بواسطتها أرابهبا يف أغراضه ومآربه وكما أنه يكتسب األموال أبنواع من احلرف والصناعات فكذلك يكتسب قلوب اخللق أبنواع من املعامالت وال تصري القلوب مسخرة إال ابملعارف واالعتقادات فكل من اعتقد القلب فيه وصفا من أوصاف الكمال انقاد له وتسخر له حبسب قوة اعتقاد القلب وحبسب درجة ذلك الكمال عنده وليس يشرتط أن يكون الوصف كماال يف نفسه بل يكفى أن يكون كماال عنده ويف اعتقاده وقد يعتقد ما ليس كماال كماال ويذعن قلبه للموصوف به انقيادا ضروراي حبسب اعتقاده فإن انقياد القلب حال للقلب وأحوال القلوب اتبعة العتقادات القلوب وعلومها وختيالهتا وكما أن حمب املال يطلب ملك األرقاء والعبيد فطالب اجل اه يطلب أن يسرتق األحرار ويستعبدهم وميلك رقاهبم مبلك قلوهبم بل الرق الذي يطلبه صاحب اجلاه أعظم ألن املالك ميلك العبد قهرا والعبد متأب بطبعه ولو خلى ورأيه انسل عن الطاعة وصاحب اجلاه يطلب الطاعة طوعا ويبغي أن تكون له األحرار عبيدا ابلطبع والطوع مع الفرح ابل عبودية والطاعة له فما يطلبه فوق ما يطلبه مالك الرق بكثري فإذا معىن اجلاه قيام املنزلة يف قلوب الناس أي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت الكمال فيه فيقدر ما يعتقدون من كماله تذعن له قلوهبم وبقدر إذعان القلوب تكون قدرته على القلوب وبقدر قدرته على القلوب يكون فرحه وحبه للجاه فهذا هو معىن اجلاه وحقيقتة وله مثرات كاملدح واإلطراء فإن املعتقد للكمال ال يسكت عن ذكر ما يعتقده فيثين عليه وكاخلدمة واإلعانة فإنه ال يبخل ببذل نفسه يف طاعته بقدر اعتقاده فيكون سخرة له مثل العبد يف أغراضه وكاإليثار وترك املنازعة والتعظيم والتوقري ابملفاحتة ابلسالم وتسليم الصدر يف احملافل والتقد م يف مجيع املقاصد فهذه آاثر تصدر عن قيام اجلاه يف القلب ومعىن قيام اجلاه يف القلب اشتمال القلوب على اعتقاد صفات الكمال يف الشخص إما بعلم أو عبادة أو حسن خلق أو نسب أو والية أو مجال يف صورة أو قوة يف بدن أو شيء مما يعتقده الناس كماال فإن هذه األوصاف كلها تعظم حمله يف القلوب فتكون سببا لقيام اجلاه وهللا تعاىل أعلم بيان سبب كون اجلاه حمبواب ابلطبع حىت ال خيلو عنه قلب إال بشديد اجملاهدة اعلم أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع األموال حمبواب هو بعي نه يقتضي كون اجلاه حمبواب بل يقتضي أن يكون أحب من املال كما يقتضي أن يكون يكون الذهب أحب من الفضة مهما تساواي يف املقدار وهو أنك تعلم أن الدراهم والداننري ال غرض يف أعياهنما إذ ال تصلح ملطعم وال مشرب وال منكح وال ملبس وإمنا هي واحلصباء مبثابة واحدة ولكنهما حمبوابن ألهنما وسيلة إىل مجيع احملاب وذريعة إىل قضاء الشهوات فكذلك اجلاه ألن معىن اجلاه ملك القلوب وكما أن ملك الذهب والفضة يفيد قدرة يتوصل اإلنسان هبا إىل سائر أغراضه فكذلك ملك القلوب من األحرار والقدرة على استسخارها يفيد قدرة على التوصل إىل مجيع األغراض فاالشرتاك يف السبب اقتضى االشرتاك يف احملبة وترجيح اجلاه على املال اقتضى أن يكون اجلاه أحب من املال ومللك اجلاه ترجيح على ملك املال من ثالثة أوجه األول أن التوصل ابجلاه إىل املال أيسر من التوصيل ابملال إىل اجلاه فالعامل أو الزاهد الذي تقرر له جاه يف القلوب لو قصد اكتساب املال تيسر له فإن أموال أرابب القلوب مسخرة للقلوب ومبذولة ملن اعتقد فيه الكمال وأما الرجل اخلسيس الذي ال يتصف بصفة كمال إذا وجد كنزا ومل يكن له جاه حيفظ ماله وأراد أن يتوصل ابملال إىل اجلاه مل يتيسر له فإذا اجلاه آلة ووسيلة إىل املال فمن ملك اجلاه فقد ملك املال ومن ملك املال مل ميلك اجلاه بكل حال فلذلك صار اجلاه أحب الثاين هو أن املال معرض للبلوى والتلف أبن يسرق ويغصب ويطمع فيه امللوك والظلمة وحيتاج فيه إىل احلفظة واحلراس واخلزائن ويتطرق إليه أخطار كثرية وأما القلوب إذا ملكت فال تتعرض هلذه اآلفات فهي على التحقيق خزائن عتيدة ال يقدر عليها السراق وال تتناوهلا أيدي النهاب والغصاب وأثبت األموال العقار وال يؤمن فيه الغصب والظلم وال يستغين عن املراقبة واحلفظ وأما خزائن القلوب فهي حمفوظة حمروسة أبنفسها واجلاه يف أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها نعم إمنا تغضب القلوب ابلتصريف وتقبيح احلال وتغيري االعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال وذلك مما يهون دفعه وال يتيسر على حماولة فعله الثالث أن ملك القلوب يسرى وينمى ويتزايد من غري حاجة إىل تعب ومقاساة فإن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غريه أفصحت األلسنة ال حمالة مبا فيها فيصف ما يعتقده لغريه ويقتنص ذلك القلب أيضا له وهلذا املعىن حيب الطبع الصيت وانتشار الذكر ألن ذلك إذا استطار يف األقطار اقتنص القلوب ودعاها إىل اإلذعان والتعظيم فال يزال يسري من واحد إىل واحد ويتزايد وليس له مرد معني وأما املال فمن ملك منه شيئا فهو مالكه وال يقدر على استنمائه إال بتعب ومقاساة واجلاه أبدا يف النماء بنفسه وال مرد ملوقعه واملال واقف وهلذا إذا عظم اجلاه وانتشر الصيت وانطلقت األلسنة ابلثناء استحقرت األموال يف مقابلته فهذه جمامع ترجيحات اجلاه على املال وإذا فصلت كثرت وجوه الرتجيح فإن قلت فاإلشكال قائم يف املال واجلاه مجيعا فال ينبغي أن حيب اإلنسان املال واجلاه نعم القدر الذي يتوصل به إىل جلب املالذ ودفع املضار معلوم كاحملتاج إىل امللبس واملسكن واملطعم أو كاملبتلى مبرض أو بعقوبة إذا كان ال يتوصل إىل دفع العقوبة عن نفسه إال مبال أو جاه فحبه للمال واجلاه معلوم إذ كل ما ال يتوصل إىل احملبوب إال به فهو حمبوب ويف الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حب مجع األموال وكنز الكنوز وادخار الذخائر واستكثار اخلزائن وراء مجيع احلاجات حىت لو كان للعبد واداين من ذهب البتغى هلما اثلثا وكذلك حيب اإلنسان اتساع اجلاه وانتشار الصيت إىل أقاصي البالد اليت يعلم قطعا أنه ال يطؤها وال يشاهد أصحاهبا ليعظموه أو ليربوه مبال أو ليعينوه على غرض من أغراضه ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية االلتذاذ وحب ذلك اثبت يف الطبع ويكاد يظن أن ذلك جهل فإنه حب ملا ال فائدة فيه ال يف الدنيا وال يف اآلخرة فنقول نعم هذا احلب ال تنفك عنه القلوب وله سببان أحدمها جلي تدركه الكافة واآلخر خفي وهو أعظم السببني ولكنه أدقهما وأخفامها وأبعدمها عن أفهام األذكياء فضال عن األغنياء وذلك الستمداده من عرق خفي يف النفس وطبيعة مستكنة يف الطبع ال يكاد يقف عليها إال الغواصون فأما السبب األول فهو دفع أمل اخلوف ألن الشفيق بسوء الظن مولع واإلنسان وإن كان مكفيا يف احلال فإنه طويل األمل وخيطر بباله أن املال الذي فيه كفايته رمبا يتلف فيحتاج إىل غريه فإذا خطر ذلك بباله هاج اخلوف من قلبه وال يدفع أمل اخل وف إال األمن احلاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا املال جائحة فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة يقدر طول احلياة ويقدر هجوم احلاجات ويقدر إمكان تطرق اآلفات إىل األموال ويستشعر اخلوف من ذلك فيطلب ما يدفع خوفه وهو كثرة املال حىت إن أصيب بطائفة من ماله استغىن ابآلخر وهذا خوف ال يوقف له على مقدار خمصوص من املال فلذلك مل يكن ملثله موقف إىل أن ميلك مجيع ما يف الدنيا ولذلك قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم منهومان ال يشبعان منهوم العلم ومنهوم املال حديث منهومان ال يشبعان احلديث أخرجه الطرباين من حديث ابن مسعود بسند ضعيف والبزار والطرباين يف األوسط من حديث ابن عباس بسند لني وقد تقدم ومثل هذه العلة تطرد يف حبه قيام املنزلة واجلاه يف قلوب األابعد عن وطنه وبلده فإنه ال خيلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن أو يزعج أولئك عن أوطاهنم إىل وطنه وحيتاج إىل االستعانة هبم ومهما كان ذلك ممكنا ومل يكن احتياجه إليهم مستحيال إحالة ظاهرة كان للنفس فرح ولذة بقيام اجلاه يف قلوهبم ملا فيه من األمن من هذا اخلوف وأما السبب الثاين وهو األقوى ألن الروح أمر رابين به وصفه هللا تعاىل إذ قال سبحانه ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ريب أو معىن كونه رابنيا أنه من أسرار علوم املكاشفة وال رخصة يف إظهاره إذا مل يظهره رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حديث أنه صلى هللا عليه وسلم مل يظهر سر الروح أخرجه البخاري من حديث ابن مسعود وقد تقدم ولكنك قبل معرفة ذلك تعلم أن للقلب ميال إىل صفات هبيمية كاألكل والوقاع وإىل صفات سبعية كالقتل والضرب واإليذاء وإىل صفات شيطانية كاملكر واخلديعة واإلغواء وإىل صفات ربوبية كالكرب والعز والتجرب وطلب االستعالء وذلك ألنه مركب من أصول خمتلفة يطول شرحها وتفصيلها فهو ملا فيه من األمر الرابين حيب الربوبية ابلطبع ومعىن الربوبية ال توحد ابلكمال والتفرد ابلوجود على سبيل االستقالل فصار الكمال من صفات اإلهلية فصار حمبواب ابلطبع لإلنسان والكمال ابلتفرد ابلوجود فإن املشاركة يف الوجود نقص ال حمالة فكمال الشمس يف أهنا موجودة وحدها فلو كان معها مشس أخرى لكان ذلك نقصا يف حقها إذ مل تكن منفددة بكمال معىن الشمسية واملنفرد ابلوجود هو هللا تعاىل إذ ليس معه موجود سواه فإن ما سواه أثر من آاثر قدرته ال قوام له بذاته بل هو قائم به فلم يكن موجودا معه ألن املعية توجب املساواة يف الرتبة واملساواة يف الرتبة نقصان يف الكمال بل الكامل من ال نظري له يف رتبته وكما أن إشراق نور الشمس يف أقطار اآلفاق ليس نقصاان يف الشمس بل هو من مجلة كماهلا وإمنا نقصان الشمس بوجود مشس أخرى تساويها يف الرتبة مع االستغناء عنها فكذلك وجود كل ما يف العامل يرجع إىل إشراق أنوار القدرة فيكون اتبعا وال يكون متبعا فإذن معىن الربوبية التفرد ابلوجود وهو الكمال وكل إنسان فإنه بطبعه حمب ألن يكون هو املنفرد ابلكمال ولذلك قال بعض مشايخ الصوفية ما من إنسان إال ويف ابطنه ما صرح به فرعون من قوله أان ربكم األعلى ولكنه ليس جيد له جماال وهو كما قال فإن العبودية قهر على النفس والربوبية حمبوبة ابلطبع وذلك للنسبة الرابنية اليت أومأ إليها قوله تعاىل قل الروح من أمر ريب ولكن ملا عجزت النفس عن درك منتهى الكمال مل تسقط شهوهتا للكمال فهي حمبة للكمال ومشتهية له وملتذة به لذاته ال ملعىن آخر وراء الكمال وكل موجود فهو حمب لذاته ولكمال ذاته ومبغض للهالك الذي هو عدم ذاته أو عدم صفات الكمال من ذاته وإمنا الكمال بعد أن يسلم التفرد ابلوجود يف االستيالء على كل املوجودات فإن أكمل الكمال أن يكون وجود غريك منك فإن مل يكن منك فأن تكون مستوليا عليه فصار االستيالء على الكل حمبواب ابلطبع ألنه نوع كمال وكل موجود يعرف ذاته فإنه حيب ذاته وحيب كمال ذاته ويلتذ به إال أن االستيالء على الشيء ابلقدرة على التأثري فيه وعلى تغيريه حبسب اإلرادة وكونه مسخرا لك تردده كيف تشاء فأحب اإلنسان أن يكون له استيالء على كل األشياء املوجودة معه إال أن املوجودات منقسمة إىل ماال يقبل التغيري يف نفسه كذات هللا تعاىل وصفاته وإىل ما يقبل التغيري ولكن ال يستويل عليه قدرة اخللق كاألمالك والكواكب وملكوت السموات ونفوس املالئكة واجلن والشياطني وكاجلبال والبحار وإىل ما يقبل التغيري بقدرة العبد كاألرض وأجزائها وما عليها من املعادن والنبات واحليوان ومن مجلتها قلوب الناس فإهنا قابلة للتأثري والتغيري مثل أجسادهم وأجساد احليواانت فإذا انقسمت املوجودات إىل ما يقدر اإلنسان على التصرف فيه كاألرضيات وإىل ما ال يقدر عليه كذات هللا تعاىل واملالئكة والسموات أحب اإلنسان أن يستويل على السموات ابلعلم واإلحاطة واالطالع على أسرارها فإن ذلك نوع استيالء إذ املعلوم احملاط به كالداخل حتت العلم والعامل كاملستويل عليه فلذلك أحب أن يعرف هللا تعاىل واملالئكة واألفالك والكواكب ومجيع عجائب السموات ومجيع عجائب البحار واجلبال وغريها ألن ذلك نوع استيالء عليها واالستيالء نوع كمال وهذا يضاهي اشتياق من عجز عن صنعة عجيبة إىل معرفة طريق الصنعة فيها كمن يعجز عن وضع الشطرنج فأنه قد يشتهي أن يعرف اللعب به وأنه كيف وضع وكمن يرى صنعة عجيبة يف اهلندسة أو الشعبذة أو جر الثقيل أو غريه وهو مستشعر يف نفسه بعض العجز والقصور عنه ولكنه يشتاق إىل معرفة كيفية فهو متأمل ببعض العجز متلذذ بكمال العلم إن علمه وأما القسم الثاين وهو األرضيات اليت يقدر اإلنسان عليها فإنه حيب ابلطبع أن يستويل عليها ابلقدرة على التصرف فيها كيف يريد وهي قسمان أجساد وأرواح أما األجساد فهي الدراهم والداننري واألمتعة فيجب أن يكون قادرا عليها يفعل فيها ما شاء من الرفع والوضع والتسليم واملنع فإن ذلك قدرة والقدرة كمال والكمال من صفات الربوبية والربوبية حمبوبة ابلطبع فلذلك أحب األموال وإن كان ال حيتاج إليها يف ملبسه ومطعمه ويف شهوات نفسه وبذلك طلب اسرتقاق العبيد واستعباد األشخاص األحرار ولو ابلقهر والغلبة حىت يتصرف يف أجسادهم وأشخاصهم ابالستسخار وإن مل ميلك قلوهبم فإهنا رمبا مل تعتقد كماله حىت يصري حمبواب هلا ويقوم القهر منزلته فيها فإن احلشمة القهرية أيضا لذيذة ملا فيها من القدرة القسم الثاين نفوس اآلدميني وقلوهبم وهي أنفس ما على وجه األرض فهو حيب أن يكون له استيالء وقدرة عليها لتكون مسخرة له متصرفة حتت إشارته وإرادته ملا فيه من كمال االستيالء والتشبه بصفات الربوبية والقلوب إمنا تتسخر احلب وال حتب إال ابعتقاد الكمال فإن كل كمال حمبوب ألن الكمال من الصفات اإلهلية والصفات اإلهلية كلها حمبوبة ابلطبع للمعىن الرابين من مجلة معاين اإلنسان وهو الذي ال يبليه املوت فيعدمه وال يتسلط عليه الرتاب فيأكله فإنه حمل اإلميان واملعرفة وهو الواصل إىل لقاء هللا تعاىل والساعي إليه فإذن معىن اجلاه تسخري القلوب ومن تسخرت له القلوب كانت له قدرة واستيالء عليها والقدرة واالستيالء كمال وهو من أوصاف الربوبية فإذن حمبوب القلب بطبعه الكمال ابلعلم والقدرة واملال واجلاه من أسباب القدرة وال هناية للمعلومات وال هناية للمقدورات وما دام يبقى معلوم أو مقدور فالشوق ال يسكن والنقصان ال يزول ولذلك قال صلى هللا عليه وسلم منهومان ال يشبعان فإذن مطلوب القلوب الكمال والكمال ابلعلم والقدرة وتفاوت الدرجات فيه غري حمصور فسرور كل إنسان ولذته بقدر ما يدركه من الكمال فهذا هو السبب يف كون العلم واملال واجلاه حمبواب وهو أمر وراء كونه حمبواب ألجل التوصل إىل قضاء الشهوات فإن هذه العلة قد تبقى مع سقوط الشهوات بل حيب اإلنسان من العلوم ما ال يصلح للتوصل به إىل األغراض بل رمبا يفوت عليه مجلة من األغراض والشهوات ولكن الطبع يتقاضى طلب العلم يف مجيع العجائب واملشكالت ألن يف العلم استيالء على املعلوم وهو نوع من الكمال الذي هو من صفات الربوبية فكان حمبواب ابلطبع إال أن يف حب كمال العلم والقدرة أغاليط ال بد من بياهنا إن شاء هللا تعاىل بيان الكمال احلقيقي والكمال الومهي الذي ال حقيقة له قد عرفت أنه ال كمال بعد فوات التفرد ابلوجود إال يف العلم والقدرة ولكن الكمال احلقيقي فيه متلبس ابلكمال الومهي وبيانه أن كمال العلم هلل تعاىل وذلك من ثالثة أوجه أحدها من حيث كثرة املعلومات وسعتها فإنه حميط جبميع املعلومات فلذلك كلما كانت علوم العبد أكثر كان أقرب إىل هللا تعاىل الثاين من حيث تعلق العلم ابملعلوم على ما هو به وكون املعلوم مكشوفا به كشفا اتما فإن املعلومات مكشوفة هلل تعاىل أبمت أنواع الكشف على ما هي عليه فلذلك مهما كان علم العبد أوضح وأيقن وأصدق وأوفق للمعلوم يف تفاصيل صفات العلوم كان أقرب إىل هللا تعاىل الثالث من حيث بقاء العلم أبد األابد حبيث ال يتغري وال يزول فإن علم هللا تعاىل ابق ال يتصور أن يتغري فكذلك مهما كان علم العبد مبعلومات ال يقبل التغري واالنقالب كان أقرب إىل هللا تعاىل واملعلوم قسمان متغريات وأزليات أما املتغريات فمثاهلا العلم بكون زيد يف الدار فإنه علم له معلوم ولكنه يتصور أن خيرج زيد من الدار ويبقى اعتقاد كونه يف الدار كما كان فينقلب جهال فيكون نقصاان ال كماال فكلما اعتقدت اعتقادا موافقا وتصور أن ينقلب املعتقد فيه كما اعتقدته كنت بصدد أن ينقلب كمالك نقصا ويعود علمك جهال ويلتحق هبذا املثال مجيع متغريات العامل كعلمك مثال ابرتفاع جبل ومساحة أرض وبعد البالد وتباعد ما بينها من األميال والفراسخ وسائر ما يذكر يف املسالك واملمالك وكذلك العلم ابللغات اليت هي اصطالحات تتغري بتغري األعصار واألمم والعادات فهذه علوم معلوماهتا مثل الزئبق تتغري من حال إىل حال فليس فيه كمال إال يف احلال وال يبقى كماال يف القلب القسم الثاين هو املعلومات األزلية وهو جواز اجلائزات ووجوب الواجبات واستحالة املستحيالت فإن هذه معلومات أزلية أبديه إذ ال يستحيل الواجب قط جائزا وال اجلائز حماال وال احملال واجبا فكل هذه األقسام داخلة يف معرفة هللا وما جيب له وما يستحيل يف صفاته وجيوز يف أفعاله فالعلم ابهلل تعاىل وبصفاته وأفعاله وحكمته يف ملكوت السموات واألرض وترتيب الدنيا واآلخرة وما يتعلق به هو الكمال احلقيقي الذي يقرب من يتصف به من هللا تعاىل ويبقى كماال للنفس بعد املوت وتكون هذه املعرفة نور للعارفني بعد املوت يسعى نورهم بني أيديهم وأبمياهنم يقولون ربنا أمتم لنا نوران أي تكون هذه املعرفة رأس مال يوصل إىل كشف ما مل ينكشف يف الدنيا كما أن من معه سراج خفي فإنه جيوز أن يصري ذلك سببا لزايدة النور بسراج آخر يقتبس منه فيكمل النور اخلفي على سبيل االستتمام ومن ليس معه أصل السراج فال مطمع له يف ذلك فمن ليس معه أصل معرفة هللا تعاىل مل يكن له مطمع يف هذا النور فيبقى كمن مثله يف الظلمات ليس خبارج منها بل كظلمات يف حبر جلي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض فإذن ال سعادة إال يف معرفة هللا تعاىل وأما ما عدا ذلك من املعارف فمنها ما ال فائدة له أصال كمعرفة الشعر وأنساب العرب وغريمها ومنها ما له منفعة يف اإلعانة على معرفة هللا تعاىل كمعرفة لغة العرب والتفسري والفقه واألخبار فإن معرفة لغة العرب تعني على معرفة تفسري القرآن ومعرفة التفسري تعني على معرفة ما يف القرآن من كيفية العبادات واألعمال اليت تفيد تزكية النفس ومعرفة طريق تزكية النفس تفيد استعداد النفس لقبول اهلدااي إىل معرفة هللا سبحانه وتعاىل كما قال تعاىل قد أفلح من زكاها وقال عز وجل والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فتكون مجلة هذه املعارف كالوسائل إىل حتقيق معرفة هللا تعاىل وإمنا الكمال يف معرفة هللا ومعرفة صفاته وأفعاله وينطوي فيه مجيع املعارف احمليطة ابملوجودات إذ املوجودات كلها من أفعاله فمن عرفها من حيث هي فعل هللا تعاىل ومن حيث ارتباطها ابلقدرة واإلرادة واحلكمة فهي من تكملة معرفة هللا تعاىل وهذا حكم كمال العلم ذكرانه وإن مل يكن الئقا أبحكام اجلاه والرايء ولكن أوردانه الستيفاء أقسام الكمال وأما القدرة فليس فيها كمال حقيقي للعبد بل للعبد علم حقيقي وليس له قدرة حقيقة وإمنا القدرة احلقيقة هلل وما حيدث من األشياء عقيب إرادة العبد وقدرته وحركته فهي حادثة إبحداث هللا كما قررانه يف كتاب الصرب والشكر وكتاب التوكل ويف مواضع شىت من ربع املنجيات فكمال العلم يبقى معه بعد املوت ويوصله إىل هللا تعاىل فأما كمال القدرة فال نعم له كمال من جهة القدرة ابإلضافة إىل احلال وهي وسيلة له إىل كمال العلم كسالمة أطرافه وقوة يده للبطش ورجله للمشي وحواسه لإلدراك فإن هذه القوة آلة للوصول هبا إىل حقيقة كمال العلم وقد حيتاج يف استيفاء هذه القوى إىل القدرة مبال واجلاه للتوصل به إىل املطعم واملشرب وامللبس واملسكن وذلك إىل قدر معلوم فإن مل يستعمله للوصول به إىل معرفة جالل هللا فال خري فيه البتة إال من حيث اللذة احلالية اليت تنقضي على القرب ومن ظن ذلك كماال فقد جهل فاخللق أكثرهم هالكون يف غمرة هذا اجلهل فإهنم يظنون أن القدرة على األجساد بقهر احلشمة وعلى أعيان األموال بسعة الغىن وعلى تعظيم القلوب بسعة اجلاه كمال فلما اعتقدوا ذلك أحبوه وملا أحبوه طلبوه وملا طلبوه شغلوا به وهتالكوا عليه فنسوا الكمال احلقيقي الذي يوجب القرب من هللا تعاىل ومن مالئكته وهو العلم واحلرية أما العلم فما ذكرانه من معرفة هللا تعاىل وأما احلرية فاخلالص من أسر الشهوات وغموم الدنيا واالستيالء عليها ابلقهر تشبها ابملالئكة الذين ال تستفزهم الشهوة وال يستهويهم الغضب فإن دفع آاثر الشهوة والغضب عن النفس من الكمال الذي هو من صفات املالئكة ومن صفات الكمال هلل تعاىل استحالة التغري والتأثر عليه فمن كان عن التغري والتأثر ابلعوارض أبعد كان إىل هللا تعاىل أقرب وابملالئكة أشبه ومنزلته عند هللا أعظم وهذا كمال اثلث سوى كمال العلم والقدرة وإمنا مل نورده يف أقسام الكالم ألن حقيقته ترجع إىل عدم ونقصان فإن التغري نقصان إذ هو عبارة عن عدم صفة كائنة وهالكها واهلالك نقص يف اللذات ويف صفات الكمال فإذن الكماالت ثالثة إن عددان عدم التغري ابلشهوات وعدم االنقياد هلا كماال ككمال العلم وكمال احلرية وأعين به عدم العبودية للشهوات وإرادة األسباب الدنيوية وكمال القدرة للعبد طريق إلىاكتساب كمال العلم وكمال احلرية وال طريق له إىل اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته إذ قدرته على أعيان األموال وعلى استسخار القلوب واألبدان تنقطع ابملوت ومعرفته وحريته ال ينعدمان ابملوت بل يبقيان كماال فيه ووسيله إىل القرب من هللا تعاىل فانظر كيف انقلب اجلاهلون وانكبوا على وجوههم انكباب العميان فأقبلوا على طلب كمال القدرة ابجلاه واملال وهو الكمال الذي ال يسلم وإن سلم فال بقاء له وأعرضوا عن كمال احلرية والعلم الذي إذا حصل كان أبداي ال انقطاع له وهؤالء هم الذين اشرتوا احلياة الدنيا ابآلخرة فال جرم ال خيفف عنهم العذاب وال هم ينصرون وهم الذين مل يفهموا قوله تعاىل املال والبنون زينة احلياة الدنيا والباقيات الصاحلات خري عند ربك ثوااب وخري أمال فالعلم واحلرية هي الباقيات الصاحلات اليت تبقي كماال يف النفس واملال واجلاه هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثله هللا تعاىل حيث قال إمنا مثل احلياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات األرض اآلية وقال تعاىل واضرب هلم مثل احلياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء إىل قوله فأصبح هشيما تذروه الرايح وكل ما تذروه رايح املوت فهو زهرة احلياة الدنيا وكل ما ال يقطعه املوت فهو الباقيات الصاحلات فقد عرفت هبذا أن كمال القدرة ابملال واجلاه كمال ظين ال أصل له وأن من قصر الوقت على طلبه وظنه مقصودا فهو جاهل وإليه أشار أبو الطيب بقوله ومن ينفق الساعات يف مجع ماله خمافة فقر فالذي فعل الفقر إال قدر البلغة منهما إىل الكمال احلقيقي اللهم اجعلنا ممن وفقته للخري وهديته بلطفك بيان ما حيمد من حب اجلاه وما يذم مهما عرفت أن معىن اجلاه ملك القلوب والقدرة عليها فحكمه حكم ملك األموال فإنه عرض من أعراض احلياة الدنيا وينقطع ابملوت كاملال والدنيا مزرعة اآلخرة فكل ما خلق يف الدنيا فيمكن أن يتزود منه لآلخرة وكما أنه ال بد من أدىن مال لضرورة املطعم واملشرب وامللبس فال بد من أدىن جاه لضرورة املعيشة مع اخللق واإلنسان كما ال يستغين عن طعام يتناوله له فيجوز أن حيب الطعام أو املال الذي يبتاع به الطعام فكذلك ال خيلو عن احلاجة إىل خادم خيدمه ورفيق يعينه وأستاذ يرشده وسلطان حيرسه ويدفع عنه ظلم األشرار فحبه ألن يكون له يف قلب خادمه من احملل ما يدعوه إىل اخلدمة ليس مبذموم وحبه ألن يكون له يف قلب رفيقه من احملل ما حيسن به مرافقته ومعاونته ليس مبذموم وحبه ألن يكون له يف قلب أستاذه من احملل ما حيسن به إرشاده وتعليمه والعناية به ليس مبذموم وحبه ألن يكون له من احملل يف قلب سلطانه ما حيثه ذلك على دفع الشر عنه ليس مبذموم فإن اجلاه وسيلة إىل األعراض كاملال فال فرق بينهما إال أن التحقيق يف هذا يفضي إىل أن ال يكون املال واجلاه أبعياهنما حمبوبني له بل ينزل ذلك منزلة حب اإلنسان أن يكون له يف داره بيت ماء ألنه مضطر إليه لقضاء حاجته ويود أن لو استغىن عن قضاء احلاجة حىت يستغين عن بيت املاء فهذا على التحقيق ليس حمبا لبيت املاء فكل ما يراد للتوصل به إىل حمبوب فاحملبوب هو املقصود املتوصل إليه وتدرك التفرقة مبثال آخر وهو أن الرجل قد حيب زوجته من حيث إنه يدفع هبا فضلة الشهوة كما يدفع بيت املاء فضلة الطعام ولو كفى مؤنة الشهوة لكان يهجر زوجته كما أنه لو كفى قضاء احلاجة لكان ال يدخل بيت املاء وال يدور به وقد حيب اإلنسان زوجته لذاهتا حب العشاق ولو كفى الشهوة لبقي مستصحبا لنكاحها فهذا هو احلب دون األول وكذلك اجلاه واملال وقد حيب كل واحد منهما على هذين الوجهني فحبهما ألجل التوصل هبما إىل مهمات البدن غري مذموم وحبهما ألعياهنما فيما جياوز ضرورة البدن وحاجته مذموم ولكنه ال يوصف صاحبه ابلفسق والعصيان ما مل حيمل احلب على مباشرة معصية وما يتوصل به إىل اكتساب بكذب وخداع وارتكاب حمظور وما مل يتوصل إىل اكتسابه بعبادة فإن التوصل إىل اجلاه واملال ابلعبادة جناية على الدين وهو حرام وإليه يرجع معىن الرايء احملظور كما سيأيت فإن قلت طلبه املنزلة واجلاه يف قلب أستاذه وخادمه ورفيقه وسلطانه ومن يرتبط به أمره مباح على اإلطالق كيفما كان أو يباح إىل حد خمصوص على وجه خمصوص فأقول يطلب ذلك على ثالثة أوجه وجهان مباحان ووجه حمظور أما الوجه احملظور فهو أن يطلب قيام املنزلة يف قلوهبم ابعتقادهم فيه صفة وهو منفك عنها مثل العلم والورع والنسب فيظهر هلم أنه علوي أو عامل أو ورع وهو ال يكون كذلك فهذا حرام ألنه كذب وتلبيس إما ابلقول أو ابملعاملة أما أحد املباحني فهو أن يطلب املنزلة بصفة هو متصف هبا كقول يوسف صلى هللا عليه وسلم فيما أخرب عنه الرب تعاىل اجعلين على خزائن األرض إين حفيظ عليم فإنه طلب املنزلة يف قلبه بكونه حفيظا عليما وكان حمتاجا إليه وكان صادقا فيه والثاين أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه حىت ال يعلم فال تزول منزلته به فهذا أيضا مباح ألن حفظ السرت على القبائح جائز وال جيوز هتك السرت وإظهار القبيح وهذا ليس فيه تلبيس بل هو سد لطريق العلم مبا ال فائدة يف العلم به كالذي خيفي عن السلطان أنه يشرب اخلمر وال يلقي إليه أنه ورع فإن قوله إين ورع تلبيس وعدم إقراره ابلشرب ال يوجب اعتقاد الورع بل مينع العلم ابلشرب ومن مجلة احملظورات حتسني الصالة بني يديه ليحسن فيه اعتقاده فإن ذلك رايء وهو ملبس إذ خييل إليه أنه من املخلصني اخلاشعني هلل وهو مراء مبا يفعله فكيف يكون خملصا فطلب اجلاه هبذا الطريق حرام وكذا بكل معصية وذلك جيري جمرى اكتساب املال احلرام من غري فرق وكما ال جيوز له أن يتملك مال غريه بتلبيس يف عوض أو غريه فال جيوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع فإن ملك القلوب أعظم من ملك األموال بيان السبب يف حب املدح والثناء وارتياح النفس به وميل الطبع إليه وبغضها للذم ونفرهتا منه اعلم أن حلب املدح والتذاذ القلب به أربعة أسباب السبب األول وهو األقوى شعور النفس ابلكمال فإان بينا أن الكمال حمبوب وكل حمبوب فإدراكه لذيذ فمهما شعرت النفس بكماهلا اراتحت واعتزت وتلذذت واملدح يشعر نفس املمدوح بكماهلا فإن الوصف الذي به مدح ال خيلو إما أن يكون جليا ظاهرا أو يكون مشكوكا فيه فإن كان جليا ظاهرا حمسوسا كانت اللذة به أقل ولكنه ال خيلو عن لذة كثنائه عليه أبنه طويل القامة أبيض اللون فإن هذا نوع كمال ولكن النفس تغفل عنه فتخلو عن لذته فإذا استشعرته مل خيل حدوث الشعور عن حدوث لذة وإن كان ذلك الوصف مما يتطرق إليه الشك فاللذة فيه أعظم كالثناء عليه بكمال العلم أو كمال الورع أو ابحلسن املطلق فإن اإلنسان رمبا يكون شاكا يف كمال حسنه ويف كمال علمه وكمال ورعه ويكون مشتاقا إىل زوال هذا الشك أبن يصري مستيقنا لكونه عد م النظري يف هذه األمور إذ تطمئن نفسه إليه فإذا ذكره غريه أورث ذلك طمأنينه وثقة ابستشعار ذلك الكمال فتعظم لذاته وإمنا تعظم اللذة هبذه العلة مهما صدر الثناء من بصري هبذه الصفات خبري هبا ال جيازف يف القول إال عن حتقيق ذلك كفرح التلميذ بثناء أستاذه عليه ابلكياسة والذكاء وغزارة الفضل فإنه يف غاية اللذة وإن صدر ممن جيازف يف الكالم أو ال يكون بصريا بذلك الوصف ضعفت اللذة وهبذه العلة يبغض الذم أيضا ويكرهه ألنه يشعره بنقصان نفسه والنقصان ضد الكمال احملبوب فهو ممقوت الشعور به مؤمل ولذلك يعظم األمل إذا صدر الذم من بصري موثوق به كما ذكرانه يف املدح السبب الثاين أن املدح يدل على أن قلب املادح مملوك للممدوح وأنه مريد له ومعتقد فيه ومسخر حتت مشيئته وملك القلوب حمبوب والشعور حبصوله لذيذ وهبذه العلة تعظم اللذة مهما صدر الثناء ممن تتسع قدرته وينتفع ابقتناص قلبه كامللوك واألكابر ويضعف مهما كان املادح ممن ال يؤبه له وال يقدر على شيء فإن القدرة عليه مبلك قلبه قدرة على أمر حقري فال يدل املدح إال على قدرة قاصرة وهبذه العلة أيضا يكره الذم ويتأمل به القلب وإذا كان من األكابر كانت نكايته أعظم ألن الفائت به أعظم السبب الثالث أن ثناء املثين ومدح املادح سبب الصطياد قلب كل من يسمعه ال سيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إىل قوله ويعتد بثنائه وهذا خمتص بثناء يقع على املأل فال جرم كلما كان اجلمع أكثر واملثين أجدر أبن يلتفت إىل قوله كان املدح ألذ والذم أشد على النفس السبب الرابع أن املدح يدل على حشمة املمدوح واضطرار املادح إىل إطالق اللسان ابلثناء على املمدوح إما عن طوع وإما عن قهر فإن احلشمة أيضا لذيذة ملا فيها من القهر والقدرة وهذه اللذة حتصل وإن كان املادح ال يعتقد يف الباطن ما مدح به ولكن كونه مضطرا إىل ذكره نوع قهر واستيالء عليه فال جرم تكون لذته بقدر متنع املادح وقوته فتكون لذة ثناء القوي املمتنع عن التواضع ابلثناء أشد فهذه األسباب األربعة قد جتمع يف مدح مادح واحد فيعظم هبا االلتذاذ وقد تفرتق فتنقص اللذة هبا أما العلة األوىل وهي است شعار الكمال فتندفع أبن يعلم املمدوح أنه غري صادق يف قوله كما إذا مدح أبنه نسيب أو سخي أو عامل يعلم أو متورع عن احملظورات وهو يعلم من نفسه ضد ذلك فتزول اللذة اليت سببها استشعار الكمال وتبقى لذة االستيالء على قلبه وعلى لسانه وبقية اللذات فإن كان يعلم أن املادح ليس يعتقد ما يقوله ويعلم خلوه عن هذه الصفة بطلب اللذة الثانية وهو استيالؤه على قلبه وتبقى لذة االستيالء واحلشمة على اضطرار لسانه إىل النطق ابلثناء فإن مل يكن ذلك عن خوف بل كان بطريق اللعب بطلب اللذات كلها فلم يكن فيه أصال لذة لفوات األسباب الثالثة فهذا ما يكشف الغطاء عن علة التذاذ النفس ابملدح وأتملها بسبب الذم وإمنا ذكران ذلك ليعرف طريق العالج حلب اجلاه وحب احملمدة وخوف املذمة فإن ما ال يعرف سببه ال ميكن معاجلته إذ العالج عبارة عن حل أسباب املرض وهللا املوفق بكرمه ولطفه وصلى هللا على كل عبد مصطفى بيان عالج حب اجلاه اعلم أن من غلب على قلبه حب اجلاه صار مقصور اهلم على مراعاة اخللق مشغوفا ابلتودد إليهم واملراءات ألجلهم وال يزال يف أقواله وأفعاله ملتفتا إىل ما يعظم منزلته عندهم وذلك بذر النفاق وأصل الفساد وجير ذلك ال حمالة إىل التساهل يف العبادات واملراءاة هبا وإىل اقتحام احملظورات للتوصل إىل اقتناص القلوب ولذلك شبه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حب الشرف واملال وإفسادمها للدين بذئبني ضاريني وقال صلى هللا عليه وسلم إنه ينبت النفاق كما ينبت املاء البقل إذ النفاق هو خمالفة الظاهر للباطن ابلقول أو الفعل وكل من طلب املنزلة يف قلوب الناس فيضطر إىل النفاق معهم وإىل التظاهر خبصال محيدة هو خال عنها وذلك هو عني النفاق فحب اجلاه إذا من املهلكات فيجب عالجه وإزالته عن القلب فإن طبع جبل عليه القلب كما جبل على حب املال وعالجه مركب من علم وعمل أما العلم فهو أن يعلم السبب الذي ألجله أحب اجلاه وهو كمال القدرة على أشخاص الناس وعلى قلوهبم وقد بينا أن ذلك إن صفا وسلم فآخره املوت فليس هو من الباقيات الصاحلات بل لو سجد لك كل من على بسيط األرض من املشرق إىل املغرب فإىل مخسني سنة ال يبقى الساجد وال املسجود له ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي اجلاه مع املتواضعني له فهذا ال ينبغي أن يرتك به الدين الذي هو احلياة األبدية اليت ال انقطاع هلا ومن فهم الكمال احلقيقي والكمال الومهي كما سبق صغر اجلاه يف عينه إال أن ذلك إمنا يصغر يف عني من ينظر إىل اآلخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون املوت كاحلاصل عنده ويكون حاله كحال احلسن البصري حني كتب إىل عمر بن عبد العزيز أما بعد فكأنك آبخر من كتب عليه املوت قد مات فانظر كيف مد نظره حنو املستقبل وقدره كائنا وكذلك حال عمر بن عبد العزيز حني كتب يف جوابه أما بعد فكأنك ابلدنيا مل تكن وكأنك ابآلخرة مل تزل فهؤالء كان التفاهتم إىل العاقبة فكان عملهم هلا ابلتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقني فاستحقروا اجلاه واملال يف الدنيا وأبصار أكثر اخللق ضعيفة مقصورة على العاجلة اليت ال ميتد نورها إىل مشاهدة العواقب ولذلك قال تعاىل بل تؤثرون احلياة الدنيا واآلخرة خري وأبقى وقال عز وجل كال بل حتبون العاجلة وتذرون اآلخرة فمن هذا حده فينبغي أن يعاجل قلبه من حب اجلاه ابلعلم ابآلفات العاجلة وهو أن يتفكر يف األخطار اليت يستهدف هلا أرابب اجلاه يف الدنيا فإن كل ذي جاه حمسود ومقصود ابإليذاء وخائف على الدوام على جاهه وحمرتز من أن تتغري منزلته يف القلوب والقلوب أشد تغريا من القدر يف غلياهنا وهي مرتددة بني اإلقبال واإلعراض فكل ما يبىن على قلوب اخللق يضاهي ما يبىن على أمواج البحر فإنه ال ثبات له واالشتغال مبراعاة القلوب وحفظ اجلاه ودفع كيد احلساد ومنع أذى األعداء كل ذلك غموم عاجلة ومكدرة للذة اجلاه فال يفي يف الدنيا مرجوها مبخوفها فضال عما يفوت يف اآلخرة فبهذا ينبغي أن تعاجل البصرية الضعيفة وأما من نفذت بصريته وقوي إميانه فال يلتفت إىل الدنيا فهذا هو العالج من حيث العلم وأما من حيث العمل فإسقاط اجلاه على قلوب اخللق مبباشرة أفعال يالم عليها حىت يسقط من أعني اخللق وتفارقه لذه القبول وأينس ابخلمول ويرد اخللق ويقنع ابلقبول من اخلالق وهذا هو مذهب املالمتية إذ اقتحموا الفواحش يف صورهتا ليسقطوا أنفسهم من أعني الناس فيسلموا من آفة اجلاه وهذا غري جائز ملن يقتدى به فإنه يوهن الدين يف قلوب املسلمني وأما الذي ال يقتدى به فال جيوز له أن يقدم على حمظور ألجل ذلك بل له أن يفعل من املباحات ما يسقط قدره عند الناس كما روي أن بعض امللوك قصد بعض الزهاد فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقال وأخذ أيكل بشره ويعظم اللقمة فلما نظر إليه امللك سقط من عينه وانصرف فقال الزاهد احلمد هلل الذي صرفك عين ومنهم من شرب شرااب حالال يف قدح لونه لون اخلمر حىت يظن به أنه يشرب اخلمر فيسقط من أعني الناس وهذا يف جوازه نظر من حيث الفقه إال أن أرابب األحوال رمبا يعاجلون أنفسهم مبا ال يفيت به الفقيه مهما رأوا إصالح قلوهبم فيه مث يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصري كما فعل بعضهم فإنه عرف ابلزهد وأقبل الناس عليه فدخل محاما ولبس ثياب غريه وخرج فوقف يف الطريق حىت عرفوه فأخذوه وضربوه واسرتدوا منه الثياب وقالوا إنه طرار وهجروه وأقوى الطرق يف قطع اجلاه االعتزال عن الناس واهلجرة إىل موضع اخلمول فإن املعتزل يف بيته يف البلد الذي هو به مشهور ال خيلو عن حب املنزلة اليت ترسخ له يف القلوب بسبب عزلته فإنه رمبا يظن أنه ليس حمبا لذلك اجلاه وهو مغرور وإمنا سكنت نفسه ألهنا قد ظفرت مبقصودها ولو تغري الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إىل أمر غري الئق به جزعت نفسه وأتملت ورمبا توصلت إىل االعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوهبم ورمبا حيتاج يف إزالة ذلك عن قلوهبم إىل كذب وتلبيس وال يبايل به وبه ويتبني بعد أنه حمب للجاه واملنزلة ومن أحب اجلاه واملنزلة فهو كمن أحب املال بل هو شر منه فإن فتنة اجلاه أعظم وال ميكنه أن ال حيب املنزلة يف قلوب الناس ما دام يطمع يف الناس فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى وقطع طمعه عن الناس رأسا أصبح الناس كلهم عنده كاألرذال فال يبايل أكان له منزلة يف قلوهبم أم مل يكن كما ال يبايل مبا يف قلوب الذين هم منه يف أقصى املشرق ألنه ال يراهم وال يطمع فيهم وال يقطع الطمع عن الناس إال ابلقناعة فمن قنع استغىن عن الناس وإذا استغىن مل يشتغل قلبه ابلناس ومل يكن لقيام منزلته يف القلوب عنده وزن وال يتم ترك اجلاه إال ابلقناعة وقطع الطمع ويستعني على مجيع ذلك ابألخبار الواردة يف ذم اجلاه ومدح اخلمول والذل مثل قوهلم املؤمن ال خيلو من ذلة أو قلة أو علة وينظر يف أحوال السلف وإيثارهم للذل على العز ورغبتهم يف ثواب اآلخرة رضي هللا عنهم أمجعني بيان وجه العالج حلب املدح وكراهة الذم اعلم أن أكرب الناس إمنا هلكوا خبوف مذمة الناس وحب مدحهم فصار حركاهتم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفا من الذم وذلك من املهلكات فيجب معاجلته وطريقة مالحظة األسباب اليت ألجلها حيب املدح ويكره الذم أما السبب األول فهو استشعار الكمال بسبب قول املادح فطريقك فيه أن ترجع إىل عقلك وتقول لنفسك هذه الصفة اليت ميدحك هبا أنت متصف هبا أم ال فإن كنت متصفا هبا فهي إما صفة تستحق هبا املدح كالعلم والورع وإما صفة ال تستحق املدح كالثروة واجلاه واألعراض الدنيوية فإن كانت من األعراض الدنيوية فالفرح هبا كالفرح بنبات األرض الذي يصري على القرب هشيما تذروه الرايح وهذا من قلة العقل بل العاقل يقول كما قال املتنيب أشد الغم عندي يف سرور تيقن عنه صاحبه انتقاال فال ينبغي أن يفرح اإلنسان بعروض الدنيا وإن فرح فال ينبغي أن يفرح مبدح املادح هبا بوجودها واملدح ليس هو سبب وجودها وإن كانت الصفة مما يستحق الفرح هبا كالعلم والورع فينبغي أن ال يفرح هبا أل ن اخلامتة غري معلومة وهذا إمنا يقتضي الفرح ألنه يقرب عند هللا زلفى وخطر اخلامتة غري معلومة وهذا إمنا يقتضى الفرح ألنه يقرب عند هللا زلفى وخطر اخلامتةابق ففي اخلوف من سوء اخلامتة شغل عن الفرح بكل ما يف الدنيا بل الدنيا دار أحزان وغموم ال دار فرح وسرور مث إن كنت تفرح هبا على رجاء حسن اخلامتة فينبغي أن يكون فرحك بفضل هللا عليك ابلعلم والتقوى ال مبدح املادح فإن اللذة يف استشعار الكمال والكمال موجود من فضل هللا ال من املدح واملدح اتبع له فال ينبغي أن تفرح ابملدح واملدح ال يزيدك فضال وإن كانت الصفة اليت مدحت هبا أنت خال عنها ففرحك ابملدح غاية اجلنون ومثالك مثال من يهزأ به إنسان ويقول سبحان هللا ما أكثر العطر الذي يف أحشائه وما أطيب الروائح اليت تفوح منه إذا قضى حاجته وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من األقذار واألنتان مث يفرح بذلك فكذلك إذا أثنوا عليك ابلصالح والورع ففرحت به وهللا مطلع على خبائث ابطنك وغوائل سريرتك وأقذار صفاتك كان ذلك من غاية اجلهل فإذا املادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك اليت هي من فضل هللا عليك وإن كذب فينبغي أن يغمك ذلك وال تفرح به وأما السبب الثاين وهو داللة املدح على تسخري قلب املادح وكونه سببا لتسخري قلب آخر فهذا يرجع إىل حب اجلاه واملنزلة يف القلوب وقد سبق وجه معاجلته وذلك بقطع الطمع عن الناس وطلب املنزلة عند هللا وأبن تعلم أن طلبك املنزلة يف قلوب الناس وفرحك به يسقط منزلتك عند هللا فكيف تفرح به وأما السبب الثالث وهو احلشمة اليت اضطرت املادح إىل املدح فهو أيضا يرجع إىل قدرة عارضة إلثبات هلا وال تستحق الفرح بل ينبغي أن يغمك مدح املادح وتكرهه وتغضب به كما نقل ذلك عن السلف ألن آفة املدح على املمدوح عظيمة كما ذكرانه يف كتاب آفات اللسان قال بعض السلف من فرح مبدح فقد مكن الشيطان من أن يدخل يف بطنه وقال بعضهم إذا قيل لك نعم الرجل أنت فكان أحب إليك من أن يقال لك بئس الرجل أنت فأنت وهللا بئس الرجل وروي يف بعض األخبار فإن صح فهو قاصم للظهور أن رجال أثىن على رجل خريا عند رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فقال لو كان صاحبك حاضرا فرضي الذي قلت فمات على ذلك دخل النار حديث أن رجال أثىن على رجل خريا فقال لو كان صاحبك حاضرا فرضي الذي قلت ومات على ذلك دخل النار مل أجد له أصال وقال صلى هللا عليه وسلم مرة للمادح وحيك قصمت ظهره لو مسعك ما أفلح إىل يوم القيامة حديث وحيك قطعت ظهره احلديث قاله للمادح تقدم وقال صلى هللا عليه وسلم أال ال متادحوا وإذا رأيتم املادحني فاحثوا يف وجوههم الرتاب حديث أال ال متادحوا وإذا رأيتم املداحني فاحثوا يف وجوههم الرتاب تقدم دون قوله أال ال متادحوا فلهذا كان الصحابة رضوان هللا عليهم أمجعني على وجل عظيم من املدح وفتنته وما يدخل على القلب من السرور العظيم به حىت إن بعض اخللفاء الراشدين سأل رجال عن شيء فقال أنت اي أمري املؤمنني خري مين وأعلم فغضب وقال إين مل آمرك أبن تزكيين وقيل لبعض الصحابة ال يزال الناس خبري ما أبقاك هللا فغضب وقال إين ألحسبك عراقيا وقال بعضهم ملا مدح اللهم إن عبدك تقرب إيل مبقتك فأشهدك على مقته وإمنا كرهوا املدح خيفة أن يفرحوا مبدح اخللق وهم ممقوتون عند اخلالق فكان اشتغال قلوهبم حباهلم عند هللا تعاىل يبغض إليهم مدح اخللق ألن املمدوح هو املقرب عند هللا واملذموم ابحلقيقة هو املبعد من هللا امللقى يف النار مع األشرار فهذا املمدوح إن كان عند هللا من أهل النار فما أعظم جهله إذا فرح مبدح غريه وإن كان من أهل اجلنة فال ينبغي أن يفرح إال بفضل هللا تعاىل وثنائه عليه إذ ليس أمره بيد اخللق ومهما علم أن األرزاق واآلجال بيد هللا تعاىل قل التفاته إىل مدح اخللق وذمهم وسقط من قلبه حب املدح واشتغل مبا يهمه من أمر دينه وهللا املوفق للصواب برمحته بيان عالج كراهة الذم قد سبق أن العلة يف كراهة الذم هو ضد العلة يف حب املدح فعالجه أيضا يفهم منه والقول الوجيز فيه أن من ذمك ال خيلو من ثالثة أحوال إما أن يكون قد صدق فيما قال وقصد به النصح والشفقة وإما أن يكون صادقا ولكن قصده اإليذاء والتعنت وإما أن يكون كاذاب فإن كان صادقا وقصده النصح فال ينبغي أن تذمه وتغضب عليه وحتقد بسببه بل ينبغي أن تتقلد منته فإن من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إىل املهلك حىت تتقيه فينبغي أن تفرح به وتشتغل إبزالة الصفة املذمومة عن نفسك إن قدرت عليها فأما اغتمامك بسببه وكراهتك له وذمك إايه فإنه غاية اجلهل وإن كان قصده التعنت فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إىل عيبك إن كنت جاهال به وأذكرك عيبك إن كنت غافال عنه أو قبحه يف عينك لينبعث حرصك على إزالته إن كنت قد استحسنته وكل ذلك أسباب سعادتك وقد استفدته منه فاشتغل بطلب السعادة فقد أتيح لك أسباهبا بسبب ما مسعته من املذمة فمهما قصدت الدخول على ملك وثوبك ملوث ابلعذرة وأنت ال تدري ولو دخلت عليه كذلك خلفت أن حيز رقبتك لتلويثك جملسه ابلعذرة فقال قائل أيها امللوث ابلعذرة طهر نفسك فينبغي أن تفرح به ألن تنبيهك بقوله غنيمة ومجيع مساوي األخالق مهلكة يف اآلخرة واإلنسان إمنا يعرفها من قول أعدائه فينبغي أن يغتنمه وأما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين نفسه وهو نعمة منه عليك فلم تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو به احلالة الثالثة أن يفرتي عليك مبا أنت بريء منه عند هللا تعاىل فينبغي أن ال تكره ذلك وال تشتغل بذمه بل تتفكر يف ثالثة أمور أحدها أنك إن خلوت من ذلك العيب فال ختلو عن أمثاله وأشباهه وما سرته هللا من عيوبك أكثر فاشكر هللا تعاىل إذ مل يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكر ما أنت بريء عنه والثاين أن ذلك كفارات لبقية مساويك وذنوبك فكأنه رماك بعيب أنت بريء منه وطهرك من ذنوب أنت ملوث هبا وكل من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته وكل من مدحك فقد قطع ظهرك فما ابلك تفرح بقطع الظهر وحتزن هلدااي احلسنات اليت تقربك إىل هللا تعاىل وأنت تزعم أنك حتب القرب من هللا وأما الثالث فهو أن املسكني قد جىن على دينه حىت سقط من عني هللا وأهلك نفسه ابفرتائه وتعرض لعقابه األليم فال ينبغي أن تغضب عليه مع غضب هللا عليه فتشمت به الشيطان وتقول اللهم أهلكه بل ينبغي أن تقول اللهم أصلحه اللهم تب عليه اللهم ارمحه كما قال صلى هللا عليه وسلم اللهم اغفر لقومي اللهم اهد قومي فإهنم ال يعلمون حديث اللهم اغفر لقومي فإهنم ال يعلمون قاله ملا ضربه قومه أخرجه البيهقي يف دالئل النبوة وقد تقدم واحلديث يف الصحيح أنه صلى هللا عليه وسلم قاله حكاية عن نيب من األنبياء حني ضربه قومه ملا أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه وقتلوا عمه محزة يوم أحد ودعا إبراهيم بن أدهم ملن شج رأسه ابملغفرة فقيل له يف ذلك فقال علمت أين مأجور بسببه وما انلين منه إال خري فال أرضى أن يكون هو معاقبا بسبيب ومما يهون عليك كراهة املذمة قطع الطمع فإن من استغنيت عنه مهما ذمك مل يعظم أثر ذلك يف قلبه وأصل الدين القناعة وهبا ينقطع الطمع عن املال واجلاه وما دام الطمع قائما كان حب اجلاه واملدح يف قلب من طمعت فيه غالبا وكانت مهتك إىل حتصيل املنزلة يف قلبه مصروفة وال ينال ذلك إال هبدم الدين فال ينبغي أن يطمع طالب املال واجلاه وحمب املدح ومبغض الذم يف سالمة دينه فإن ذلك بعيد جدا بيان اختالف أحوال الناس يف املدح والذم اعلم أن للناس أربعة أحوال ابإلضافة إىل الذام واملادح احلالة األوىل أن يفرح ابملدح ويشكر املادح ويغضب من الذم وحيقد على الذام ويكافئه أو حيب مكافأته وهذا حال أكثر اخللق وهو غاية درجات املعصية يف هذا الباب احلالة الثانية أن ميتعض يف الباطن على الذام ولكن ميسك لسانه وجوارحه عن مكافأته ويفرح ابطنه ويراتح للمادح ولكن حيفظ ظاهره عن إظهار السرور وهذا من النقصان إال أنه ابإلضافة إىل ما قبله كمال احلالة الثالثة وهي أول درجات الكمال أن يستوي عنده ذامه ومادحه فال تغمه املذمة وال تسره استثقاال وهذا قد يظنه بعض العباد بنفسه ويكون مغرورا إن مل ميتحن نفسه بعالماته وعالماته أن ال جيد يف نفسه استثقاال للذام عند تطويله اجللوس عنده أكثر مما جيده يف املادح وأن ال جيد يف نفسه زايدة هزة ونشاط يف قضاء حوائج املادح فوق ما جيده يف قضاء حاجة الذام وأن ال يكون انقطاع الذام عن جملسه أهون عليه من انقطاع املادح وأن ال يكون موت املادح املطري له أشد نكاية يف قلبه من موت الذام وأن ال يكون غمه مبصيبة املادح وما يناله من أعدائه أكثر مما يكون مبصيبة الذام وأن ال تكون زلة املادح أخف على قلبه ويف عينه من زلة الذام فمهما خف الذام على قلبه كما خف املادح واستواي من كل وجه فقد انل هذه الرتبة وما أبعد ذلك وما أشده على القلوب وأكثر العباد فرحهم مبدح الناس هلم مستبطن يف قلوهبم وهم ال يشعرون حيث ال ميتحنون أنفسهم هبذه العالمات ورمبا شعر العابد مبيل قلبه إىل املادح دون الذام والشيطان حيسن له ذلك ويقول الذام قد عصى هللا مبذمتك واملادح قد أطاع هللا مبدحك فكيف تسوي بينهما وإمنا استثقالك للذام من الدين احملض وهنا حمض التلبيس فإن العابد لو تفكر علم أن يف الناس من ارتكب كبائر املعاصي أكثر مما ارتكب الذام يف مذمته مث إنه ال يستثقلهم وال ينفر عنهم ويعلم أن املادح الذي مدح ال خيلو عن مذمة غريه وال جيد يف نفسه نفرة عنه مبذمة غريه كما جيد ملذمة نفسه واملذمة من حيث إهنا معصية ال ختتلف أبن يكون هو املذموم أو غريه فإذا العابد املغرور لنفسه يغضب وهلواه ميتعض مث إن الشيطان خييل إليه أنه من الدين حىت يعتل على هللا هبواه فيزيده ذلك بعدا من هللا ومن مل يطلع على مكايد الشيطان وآفات النفوس فأكثر عباداته تعب ضائع يفوت عليه الدنيا وخيسره يف اآلخرة وفيهم قال هللا تعاىل قل هل ننبئكم ابألخسرين أعماال الذين ضل سعيهم يف احلياة الدنيا وهم حيسبون أهنم حيسنون صنعا احلالة الرابعة وهي الصدق يف العبادة أن يكره املدح وميقت املادح إذا يعلم أنه فتنة عليه قاصمة للظهر مضرة له يف الدين وحيب الذام إذ يعلم أنه مهد إليه عيبه ومرشد له إىل مهمه ومهد إليه حسناته فقد قال صلى هللا عليه وسلم رأس التواضع أن تكره أن تذكر ابلرب والتقوى حديث رأس التواضع أن يكره أن يذكر ابلرب والتقوى مل أجد له أصال وقد روي يف بعض األخبار ما هو قاصم لظهور أمثالنا إن صح إذ روي أنه صلى هللا عليه وسلم قال ويل للصائم وويل للقائم وويل لصاحب الصوف إال من فقيل اي رسول هللا إال من فقال إال من تنزهت نفسه عن الدنيا وأبغض املدحة واستحب املذمة حديث ويل للصائم وويل للقائم وويل لصاحب الصوف احلديث مل أجده هكذا وذكر صاحب الفردوس من حديث أنس ويل ملن لبس الصوف فخالف فعله قوله ومل خيرجه ولد يف مسنده وهذا شديد جدا وغاية أمثالنا الطمع يف احلالة الثانية وهو أن يضمر الفرح والكراهة على الذام واملادح وال يظهر ذلك ابلقول والعمل فأما احلالة الثالثة وهي التسوية بني املادح والذام فلسنا نطمع فيها مث إن طالبنا أنفسنا بعالمة احلالة الثانية فإهنا ال تفي هبا ألنه ال بد وأن تتسارع إىل إكرام املادح وقضاء حاجاته وتتثاقل على إكرام الذام والثناء عليه وقضاء حوائجه وال نقدر على أن نسوي بينهما يف الفعل الظاهر كما ال نقدر عليه يف سريرة القلب ومن قدر على التسوية بني املادح والذام يف ظاهر الفعل فهو جدير أبن يتخذ قدوة يف هذا الزمان إن وجد فإنه الكربيت األمحر يتحدث الناس به وال يرى فكيف مبا بعده من املرتبتني وكل واحدة من هذه الرتب أيضا فيها درجات أما الدرجات يف املدح فهو أن من الناس من يتمىن املدحة والثناء وانتشار الصيت فيتوصل إىل نيل ذلك بكل ما ميكن حىت يرائي ابلعبادات وال يبايل مبقارفة احملظورات الستمالة قلوب الناس واستنطاق ألسنتهم ابملدح وهذا من اهلالكني ومنهم من يريد ذلك ويطلبه ابملباحات وال يطلبه ابلعبادات وال يباشر احملظورات وهذا على شرف جرف هار فإن حدود الكالم الذي يستميل به القلوب وحدود األعمال ال ميكنه أن يضبطها فيوشك أن يقع فيما ال حيل لنيل احلمد فهو قريب من اهلالكني جدا ومنهم من ال يريد املدحة وال يسعى لطلبها ولكن إذا مدح سبق السرور إىل قلبه فإذا مل يقابل ذلك ابجملاهدة ومل يتكلف الكراهية فهو قريب من أن يستجره فرط السرور إىل الرتبة اليت قبلها وإن جاهد نفسه يف ذلك وكلف قلبه الكراهية وبغض السرور إليه ابلتفكر يف آفات املدح فهو يف خطر اجملاهدة فتارة تكون اليد له واترة تكون عليه ومنهم من إذا مسع املدح مل يسر به ومل يغنم به ومل يؤثر فيه وهذا على خري وإن كان قد بقي عليه بقية من اإلخالص ومنهم من يكره املدح إذا مسعه ولكن ال ينتهي به إىل أن يغضب على املادح وينكر عليه وأقصى درجاته أن يكره ويغضب ويظهر الغضب وهو صادق فيه ال أن يظهر الغضب وقلبه حمب له فإن ذلك عني النفاق ألنه يريد أن يظهر من نفسه اإلخالص والصدق وهو مفلس عنه وكذلك ابلضد من هذا تتفاوت األحوال يف حق الذام وأول درجاته إظهار الغضب وآخرها إظهار الفرح وال يكون الفرح وإظهاره إال ممن يف قلبه حنق وحقد على نفسه لتمردها عليه وكثرة عيوهبا ومواعيدها الكاذبة وتلبيساهتا اخلبيثة فيبغضها بغض العدو واإلنسان يفرح ممن يذم عدوه وهذا شخص عدوه نفسه فيفرح إذا مسع ذمها ويشكر الذام على ذلك ويعتقد فطنته وذكاءه ملا وقف على عيوهبا فيكون ذلك كالتشفي له من نفسه ويكون غنيمة عنده إذ صار ابملذمة أوضع يف أعني الناس حىت ال يبتلى بفتنة الناس وإذا سيقت إليه حسنات مل ينصب فيها فعساه يكون خريا لعيوبه اليت هو عاجز عن إماطتها ولو جاهد املريد نفسه طول عمره يف هذه اخلصلة الواحدة وهو أن يستوي عنده ذامه ومادحه لكان له شغل شاغل فيه ال يتفرغ معه لغريه وبينه وبني السعادة عقبات كثرية هذه إحداها وال يقطع شيئا منها إال ابجملاهدة الشديدة يف العمر الطويل الشطر الثاين من الكتاب يف طلب اجلاه واملنزلة ابلعبادات وهو الرايء وفيه بيان ذم الرايء وبيان حقيقة الرايء وما يرائي وبيان درجات الرايء وبيان الرايء اخلفي وبيان ما حيبط العمل من الرايء وما ال حيبط وبيان دواء الرايء وعالجه وبيان الرخصة يف إظهار الطاعات وبيان الرخصة يف كتمان الذنوب وبيان ترك الطاعات خوفا من الرايء واآلفات وبيان ما يصح من نشاط العبد للعبادات بسبب رؤية اخللق وبيان ما جيب على املريد أن يلزمه قلبه قبل الطاعة وبعدها وهي عشرة فصول وابهلل التوفيق بيان ذم الرايء اعلم أن الرايء حرام واملرائي عند هللا ممقوت وقد شهدت لذلك اآلايت واألخبار واآلاثر أما اآلايت فقوله تعاىل فويل للمصلني الذين هم عن صالهتم ساهون الذين هم يراءون وقوله عز وجل والذين ميكرون السيئات هلم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور قال جماهد هم أهل الرايء وقال تعاىل إمنا نطعمكم لوجه هللا ال نريد منكم جزاء وال شكورا فمدح املخلصني ينفي كل إرادة سوى وجه هللا والرايء ضده وقال تعاىل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عمال صاحلا وال يشرك بعبادة ربه أحدا حديث نزول قوله تعاىل فمن كان يرجو لقاء ربه اآلية فيمن يطلب اآلخرة بعباداته وأعماله أخرجه احلاكم من حديث طاوس قال رجل إين أقف املوقف أبتغي وجه هللا وأحب أن يرى موطين فلم يرد عليه حىت نزلت هذه اآلية هكذا يف نسخيت من املستدرك ولعله سقط منه ابن عباس أو أبو هريرة وللبزار من حديث معاذ بسند ضعيف من صام رايء فقد أشرك احلديث وفيه أنه صلى هللا عليه وسلم تال هذه اآلية نزل بعد ذلك فيمن يطلب األجر واحلمد بعباداته وأعماله وأما األخبار فقد قال صلى هللا عليه وسلم حني سأله رجل فقال اي رسول هللا فيم النجاة فقال أن ال يعمل العبد بطاعة هللا يريد هبا الناس وقال أبو هريرة يف حديث الثالثة املقتول يف سبيل هللا واملتصدق مباله والقارئ لكتاب هللا كما أوردانه يف كتاب اإلخالص وإن هللا عز وجل يقول لكل واحد منهم كذبت بل أردت أن يقال فالن جواد كذبت بل أردت أن يقال فالن شجاع كذبت بل أردت أن يقال فالن قارئ فأخرب صلى هللا عليه وسلم أهنم مل يثابوا وأن رايءهم هو الذي أحبط أعماهلم حديث أيب هريرة يف الثالثة املقتول يف سبيل هللا واملتصدق مباله والقارئ لكتابه فإن هللا تعاىل يقول لكل واحد منهم كذبت رواه مسلم وسيأيت يف كتاب اإلخالص وقال ابن عمر رضي هللا عنهما قال النيب صلى هللا عليه وسلم من راءى راءى هللا به ومن مسع مسع هللا به حديث ابن عمر من راءى راءى هللا تعاىل به ومن مسع مسع هللا به متفق عليه من حديث جندب بن عبد هللا وأما حديث ابن عمر فرواه الطرباين يف الكبري والبيهقي يف الشعب من رواية شيخ يكىن أاب يزيد عنه بلفظ من مسع الناس مسع هللا به سامع خلقه وحقره وصغره ويف الزهد البن املبارك ومسند أمحد بن منيع إنه من حديث عبد هللا بن عمرو ويف حديث آخر طويل إن هللا تعاىل يقول ملالئكته إن هذا مل يردين بعمله فاجعلوه يف سجني حديث إن هللا يقول للمالئكة إن هذا مل يردين بعمله فاجعلوه يف سجني أخرجه ابن املبارك يف الزهد ومن طريقه ابن أيب الدنيا يف اإلخالص وأبو الشيخ يف كتاب العظمة من رواية محزة بن حبيب مرسال ورواه ابن اجلوزي يف املوضوعات وقال صلى هللا عليه وسلم إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك األصغر قالوا وما الشرك األصغر اي رسول هللا قال الرايء يقول هللا عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد أبعماهلم اذهبوا إىل الذين كنتم تراءون يف الدنيا فانظروا هل جتدون عندهم اجلزاء حديث إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك األصغر احلديث أخرجه أمحد والبيهقي يف الشعب من حديث حممود بن لبيد وله رواي ة ورجاله ثقات ورواه الطرباين من رواية حممود بن لبيد عن رافع بن خديج وقال صلى هللا عليه وسلم استعيذوا ابهلل عز وجل من جب احلزن قيل وما هو اي رسول هللا قال واد يف جهنم أعد للقراء املرائني حديث استعيذوا ابهلل من جب احلزن قيل وما هو قال واد يف جهنم أعد للقراء املرائني أخرجه الرتمذي وقال غريب وابن ماجه من حديث أيب هريرة وضعفه ابن عدي وقال صلى هللا عليه وسلم يقول هللا عز وجل من عمل يل عمال أشرك فيه غريي فهو له كله وأان منه بريء وأان منه بريء وأان أغىن األغنياء عن الشرك حديث يقول هللا من عمل يل عمال أشرك فيه غريي فهو له كله احلديث أخرجه مالك واللفظ له من حديث أيب هريرة دون قوله وأان منه بريء ومسلم مع تقد م وأتخري دوهنا أيضا وهي عند ابن ماجه بسند صحيح وقال عيسى املسيح صلى هللا عليه وسلم إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه وحليته وميسح شفتيه لئال يرى الناس أنه صائم وإذا أعطى بيمينه فليخف عن مشاله وإذا صلى فلريخ سرت اببه فإن هللا يقسم الثناء كما يقسم الرزق وقال نبينا صلى هللا عليه وسلم ال يقبل هللا عز وجل عمال فيه مثقال ذرة من رايء حديث ال يقبل هللا عمال فيه مقدار ذرة من رايء مل أجده هكذا وقال عمر ملعاذ بن جبل حني رآه يبكي ما يبكيك قال حديث مسعته من صاحب هذا القرب يعين النيب صلى هللا عليه وسلم يقول إن أدىن الرايء شرك حديث معاذ إن أدىن الرايء شرك أخرجه الطرباين هكذا واحلاكم بلفظ إن اليسري من الرايء شرك وقد تقدم وقال صلى هللا عليه وسلم أخوف ما أخاف عليكم الرايء والشهرة اخلف ية حديث أخوف ما أخاف عليكم الرايء احلديث تقدم يف أول هذا الكتاب وهي أيضا ترجع إىل خطااي الرايء ودقائقه وقال صلى هللا عليه وسلم إن يف ظل العرش يوم ال ظل إال ظله رجال تصدق بيمينه فكاد خيفيها عن مشاله حديث إن يف ظل العرش يوم ال ظل إال ظله رجال تصدق بيمينه فكاد أن خيفيها عن مشاله متفق عليه من حديث أيب هريرة بنحوه يف حديث سبعة يظلهم هللا يف ظله ولذلك ورد أن فضل عمل السر على عمل اجلهر بسبعني ضعفا حديث تفضيل عمل السر على عمل اجلهر بسبعني ضعفه البيهقي يف الشعب من حديث أيب الدرداء إن الرجل ليعمل العمل فيكتب له عمل صاحل معمول به يف السر يضعف أجره سبعني ضعفا قال البيهقي هذا من أفراد بقية عن شيوخه اجملهولني وروى ابن أيب الدنيا يف كتاب اإلخالص من حديث عائشة بسند ضعيف يفضل الذكر اخلفي الذي ال تسمعه احلفظة على الذكر الذي تسمعه احلفظة سبعني درجة وقال صلى هللا عليه وسلم إن املرائي ينادى عليه يوم القيامة اي فاجر اي غادر اي مرائي ضل عملك وحبط أجرك اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له حديث إن املرائي ينادى يوم القيامة اي فاجر اي غادر اي مرائي ضل عملك وحبط أجرك احلديث أخرجه ابن أيب الدنيا من رواية جبلة اليحصيب من صحايب مل يسم وزاد اي كافر اي خاسر ومل يقل اي مرائي وإسناده ضعيف وقال شداد بن أوس رأيت النيب صلى هللا عليه وسلم يبكي فقلت ما يبكيك اي رسول هللا قال إين ختوفت على أميت الشرك أما إهنم ال يعبدون صنما وال مشسا وال قمرا وال حجرا ولكنهم يراءون أبعماهلم حديث شداد بن أوس إين ختوفت على أميت الشرك احلديث أخرجه ابن ماجه واحلاكم حنوه وقد تقدم قريبا وقال صلى هللا عليه وسلم ملا خلق هللا األرض مادت أبهلها فخلق اجلبال فصريها أواتدا لألرض فقالت املالئكة ما خلق ربنا خلقا هو أشد من اجلبال فخلق هللا احلديد فقطع اجلبال مث خلق النار فأذابت احلديد مث أمر هللا املاء إبطفاء النار وأمر الريح فكدرت املاء فاختلفت املالئكة فقالت نسأل هللا تعاىل قالوا اي رب ما أشد ما خلقت من خلقك قال هللا تعاىل مل أخلق خلقا هو أشد علي من قلب ابن آدم حني يتصدق بصدقة بيمينه فيخفيها عن مشاله فهذا أشد خلقا خلقه حديث ملا خلق هللا األرض مادت أبهلها احلديث وفيه مل أخلق خلقا هو أشد من ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن مشاله أخرجه الرتمذي من حديث أنس مع اختالف وقال غريب وروى عبد هللا بن املبارك إبسناده عن رجل أنه قال ملعاذ بن جبل حدثين حديثا مسعته من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال فبكى معاذ حىت ظننت أنه ال يسكت مث سكت مث قال مسعت النيب صلى هللا عليه وسلم قال يل اي معاذ قلت لبيك أبيب أنت وأمي اي رسول هللا قال إين حمدثك حديثا إن أنت حفظته نفعك وإن أنت ضيعته ومل حتفظه انقطعت حجتك عند هللا يوم القيامة اي معاذ إن هللا تعاىل خلق سبعة أمالك قبل أن خيلق السموات واألرض مث خلق السموات فجعل لكل مساء من السبعة ملكا بوااب عليها قد جللها عظما فتصعد احلفظة بعمل العبد من حني أصبح إىل حني أمسى له نور كنور الشمس حىت إذا صعدت به إىل السماء الدنيا زكته فكثرته فيقول امللك للحفظة اضربوا هبذا العمل وجه صاحبه أان صاحب الغيبة أمرين ريب أن ال أدع عمل من اغتاب الناس جياوزين إىل غريي قال مث أتيت احلفظة بعمل صاحل من أعمال العبد فتمر به فتزكيه وتكثره حىت تبلغ به إىل السماء الثانية فيقول هلم امللك املوكل هبا قفوا واضروا هبذا العمل وجه صاحبه إنه أراد بعمله هذا عرض الدنيا أمرين ريب أن ال أدع عمله جياوزين إىل غريي إنه كان يفتخر به على الناس يف جمالسهم قال وتصعد احلفظة يعلم يبتهج نورا من صدقة وصيام وصالة قد أعجب احلفظة فيجاوزون به إىل السماء الثالثة فيقول هلم امللك املوكل هبا فقوا واضربوا هبا العمل وجه صاحبه أان ملك الكرب أمرين ريب أن ال أدع عمله جياوزين إىل غريي إنه كان يتكرب على الناس يف جمالسهم قال وتصعد احلفظة بعمل العبد يزهر كما يزهر الكوكب الدري له دوي من تسبيح وصالة وحج وعمرة حىت جياوزوا به السماء الرابعة فيقول هلم امللك املوكل هبا قفوا واضربوا هبذا العمل وجه صاحبه اضربوا به ظهره وبطنه أان صاحب العجب أمرين ريب أن ال أدع عمله جياوزين إىل غريي إنه كان إذا عمل عمال أدخل العجب يف عمله قال وتصعد احلفظة بعمل العبد حىت جياوزوا به السماء اخلامسة كأنه العروس املزفوفة إىل أهلها فيقول هلم امللك املوكل هبا قفوا واضروا هبذا العمل وجه صاحبه وامحلوه على عاتقه أان ملك احلسد إنه كان حيسد الناس من يتعلم ويعمل مبثل عمله وكل من كان أيخذ فضال من العبادة حيسدهم ويقع فيهم أمرين ريب أن ال أدع عمله جياوزين إىل غريي قال وتصعد احلفظة بعمل العبد من صالة وزكاة وحج وعمرة وصيام فيجاوزون هبا إىل السماء السادسة فيقول هلم امللك املوكل هبا قفوا واضربوا هبذا العمل وجه صاحبه إنه كان ال يرحم إنساان قط من عباد هللا أصابه بالء أو ضر أضر به بل كان يشمت به أان ملك الرمحة أمرين ريب أن ال أدع عمله جياوزين إىل غريي قال وتصعد احلفظة بعمل العبد إىل السماء السابعة من صوم وصالة ونفقة وزكاة واجتهاد وورع له دوي كدوي الرعد وضوء كضوء الشمس معه ثالثة آالف ملك فيجاوزون به إىل السماء السابعة فيقول هلم امللك املوكل هبا قفوا واضربوا هبذا العمل وجه صاحبه اضربوا به جوارحه اقفلوا به على قلبه إين أحجب عن ريب كل عمل مل يرد به وجه ريب إنه أراد بعمله غري هللا تعاىل إنه أراد رفعة عند الفقهاء وذكرا عند العلماء وصيتا يف املدائن أمرين ريب أن ال أدع عمله جياوزين إىل غريي وكل عمل مل يكن هلل خالصا فهو رايء وال يقبل هللا عمل املرائي قال وتصعد احلفظة بعمل العبد من صالة وزكاة وصيام وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر هلل تعاىل وتشيعه مالئكة السموات حىت يقطعوا به احلجب كلها إىل هللا عز وجل فيقفون بني يديه ويشهدون له ابلعمل الصاحل املخلص هلل قال فيقول هللا هلم أنتم احلفظة على عمل عبدي وأان الرقيب على نفسه إنه مل يردين هبذا العمل وأراد به غريي فعليه لعنيت فتقول املالئكة كلهم عليه لعنتك ولعنتنا وتقول السموات كلها عليه لعنة هللا ولغتنا وتلعنه السموات السبع واألرض ومن فيهن قال معاذ قلت اي رسول هللا أنت رسول هللا وأان معاذ قال اقتد يب وإن كان يف عملك نقص اي معاذ حافظ على لسانك من الوقيعة يف إخوانك من محلة القرآن وامحل ذنوبك عليك وال حتملها عليهم وال تزك نفسك بذمهم وال ترفع نفسك عليهم وال تدخل عمل الدنيا يف عمل اآلخرة وال تتكرب يف جملسك لكي حيذر الناس من سوء خلقك وال تناج رجال وعندك آخر وال تتعظم على الناس فينقطع عنك خري الدنيا وال متزق الناس فتمزقك كالب النار يوم القيامة يف النار قال هللا تعاىل والناشطات نشطا أتدري من هن اي معاذ قلت ما هن أبيب أنت وأمي اي رسول هللا قال كالب يف النار تنشط اللحم والعظم قلت أبيب أنت وأمي اي رسول هللا فمن يطيق هذه اخلصال ومن ينجو منها قال اي معاذ إنه ليسري على من يسره هللا عليه حديث معاذ الطويل إن هللا تعاىل خلق سبعة أمالك قبل أن خيلق السموات واألرض فجعل لكل مساء من السبعة ملكا بوااب عليها احلديث بطوله يف صعود احلفظة بعمل العبد ورد املالئكة له من كل مساء ورد هللا تعاىل له بعد ذلك عزاء املصنف إىل رواية عبد هللا بن املبارك إبسناده عن رجل عن معاذ وهو كما قال رواه يف الزهد ويف إسناده كما ذكر من مل يسم ورواه ابن اجلوزي يف املوضوعات قال فما رأيت أكثر تالوة للقرآن من معاذ للحذر مما يف هذا احلديث وأما اآلاثر فريوى أن عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه رأى رجال يطأطئ رقبته فقال اي صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس اخلشوع يف الرقاب إمنا اخلشوع يف القلوب ورأى أبو أمامة الباهلي رجال يف املسجد يبكي يف سجوده فقال أنت أنت لو كان هذا يف بيتك وقال علي كرم هللا وجهه للمرائي ثالث عالمات يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان يف الناس ويزيد يف العمل إذا أثين صلى هللا عليه وسلم عليه وينقص إذا ذم وقال رجل لعبادة بن الصامت أقاتل بسيفي يف سبيل هللا أريد به وجه هللا تعاىل وحممدة الناس قال ال شيء لك فسأله ثالث مرات كل ذلك يقول ال شيء لك مث قال يف الثالثة إن هللا يقول أان أغىن األغنياء عن الشرك احلديث وسأل رجل سعيد بن املسيب فقال إن أحدان يصطنع املعروف حيب أن حيمد ويؤجر فقال له أحتب أن متقت قال ال قال فإذا عملت هلل عمال فأخلصه وقال الضحاك ال يقولن أحدكم هذا لوجه هللا ولوجهك وال يقولن هذا هلل وللرحم فإن هللا تعاىل ال شريك له وضرب عمر رجال ابلدرة مث قال له اقتص مين فقال ال بل أدعها هلل ولك فقال له عمر ما صنعت شيئا إما أن تدعها يل فأعرف ذلك أو تدعها هلل وحده فقال ودعتها هلل وحده فقال فنعم إذن وقال احلسن لقد صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له احلكمة لو نطق هبا لنفعته ونفعت أصحابه وما مينعه منها إال خمافة الشهرة وإن كان أحدهم ليمر فريى األذى يف الطريق فما مينعه أن ينحيه إال خمافة الشهرة ويقال إن املرائي ينادي يوم القيامة أبربعة أمساء اي مرائي اي غادر اي خاسر اي فاجر اذهب فخذ أجرك ممن عملت له فال أجر لك عندان وقال الفضيل بن عياض كانوا يراءون مبا يعملون وصاروا اليوم يراءون مبا ال يعملون وقال عكرمة إ ن هللا يعطي العبد على نيته ما ال يعطيه على عمله ألن النية ال رايء فيها وقال احلسن رضي هللا عنه املرائي يريد أن يغلب قدر هللا تعاىل وهو رجل سوء يريد أن يقول الناس هو رجل صاحل وكيف يقولون وقد حل من ربه حمل األردايء فال بد لقلوب املؤمنني أن تعرفه وقال قتادة إذا راءى العبد يقول هللا تعاىل انظروا إىل عبدي يستهزئ يب وقال مالك بن دينار الفراء ثالثة قراء الرمحن وقراء الدنيا وقراء امللوك وأن حممد بن واسع من قراء الرمحن وقال الفضل من أراد أن ينظر إىل مراء فلينظر إيل وقال حممد بن املبارك الصوري أظهر السمت ابلليل فإنه أشرف من مستك ابلنهار ألن السمت ابلنهار للمخلوقني ومست الليل لرب العاملني وقال أبو سليمان التوقي عن العمل أشد من العمل وقال ابن املبارك إن كان الرجل ليطوف ابلبيت وهو خبراسان فقيل له وكيف ذاك قال حيب أن ال يذكر أنه جماور مبكة وقال إبراهيم بن أدهم ما صدق هللا من أراد أن يشتهر. بيان حقيقة الرايء وما يراءى به اعلم أن الرايء مشتق من الرؤية والسمعة مشتقة من السماع وإمنا الرايء أصله طلب املنزلة يف قلوب الناس إبيرائهم خصال اخلري إال أن اجلاه واملنزلة تطلب يف القلب أبعمال سوى العبادات وتطلب ابلعبادات واسم الرايء خمصوص حبكم العادة بطلب املنزلة يف القلوب ابلعبادة وإظهارها فحد الرايء هو إرادة العباد بطاعة هللا فاملرائي هو العابد واملراءى هو الناس املطلوب رؤيتهم بطلب املنزلة يف قلوهبم واملراءى به هو اخلصال اليت قصد املرائي إظهارها والرايء هو قصده إظهار ذلك واملراءى به كثري وجتمعه مخسة أقسام وهي جمامع ما يتزين به العبد للناس وهو البدن والزي والقول والعمل واألتباع واألشياء اخلارجة وكذلك أهل الدنيا يراءون هبذه األسباب اخلمسة إال أن طلب اجلاه وقصد الرايء أبعمال ليست من مجلة الطاعات أهون من الرايء ابلطاعات القسم األول الرايء يف الدين ابلبدن وذلك إبظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة االجتهاد وعظم احلزن على أمر الدين وغلبة خوف اآلخرة وليدل ابلنحول على قلة األكل وابلصفار على سهر الليل وكثرة االجتهاد وعظم احلزن على الدين وكذلك يرائي بتشعيث الشعر ليدل به على استغراق اهلم ابلدين وعدم التفرغ لتسريح الشعر وهذه األسباب مهما ظهرت استدل الناس هبا على هذه األمور فاراتحت النفس ملعرفتهم فلذلك تدعوه النفس إىل إظهارها لنيل تلك الراحة ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينني وذبول الشفتني ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم وأن وقار الشرع هو الذي خفض من صوته أو ضعف اجلوع هو الذي ضعف من قوته وعن هذا قال املسيح عليه السالم إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ويكحل عينيه وكذلك روي عن أيب هريرة وذلك كله ملا خياف عليه من نزغ الشيطان ابلرايء ولذلك قال ابن مسعود أصبحوا صياما مدهنني فهذه مراءاة أهل الدين ابلبدن فأما أهل الدنيا فرياءون إبظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة وحسن الوجه ونظافة البدن وقوة األعضاء وتناسبها الثاين الرايء ابهليئة والزي أما اهليئة فبتشعيث شعر الرأس وحلق الشارب وإطراق الرأس يف املشي واهلدوء يف احلركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشمريها إىل قريب من الساق وتقصري األكمام وترك تنظيف الثوب وتركه خمرقا كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه متبع للسنة فيه ومقتد فيه بعباد هللا الصاحلني ومن ذلك لبس املرقعة والصالة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبها ابلصوفية مع اإلفالس من حقائق التصوف يف الباطن ومنه التقنع ابإلزار فوق العمامة وإسبال الرداء على العينني لريى به أنه قد انتهى تقشفه إىل احلذر من غبار الطريق ولتنصرف إليه األعني بسبب متيزه بتلك العالمة ومنه الدراعة والطيلسان يلبسه من هو خال عن العلم ليوهم أنه من أهل العلم واملراءون ابلزي على طبقات فمنهم من يطلب املنزلة عند أهل الصالح إبظهار الزهد فيلبس الثياب املخرقة الوسخة القصرية الغليظة لريائي بغلظها ووسخها وقصرها وخترقها أنه غري مكرتث ابلدنيا ولو كلف أن يلبس ثواب وسطا نظيفا مما كان السلف يلبسه لكان عنده مبنزلة الذبح وذلك خلوفه أن يقول الناس قد بدا له من الزهد ورجع عن تلك الطريقة ورغب يف الدنيا وطبقة أخرى يطلبون القبول عند أهل الصالح وعند أهل الدنيا من امللوك والوزراء والتجار ولو لبسوا الثياب الفاخرة ردهم القراء ولو لبسوا الثياب املخرقة البذلة أزدرهتم أعني امللوك واألغنياء فهم يريدون اجلمع بني قبول أهل الدين والدنيا فلذلك يطلبون األصواف الدقيقة واألكسية الرقيقة واملرقعات املصبوغة والفوط الرفيعة فيلبسوهنا ولعل قيمة ثوب أحد األغنياء ولونه وهيأته لون ثياب الصلحاء فيلتمسون القبول عند الفريقني وهؤالء إن كلفوا لبس ثوب خشن أو وسخ لكان عندهم كالذبح خوفا من السقوط من أعني امللوك واألغنياء ولو كلفوا لبس الديبقى والكتان الدقيق األبيض واملقصب املعلم وإن كانت قيمته دون قيمة ثياهبم لعظم ذلك عليهم خوفا من أن يقول أهل الصالح قد رغبوا يف زي أهل الدنيا وكل طبقة منهم رأى منزلته يف زي خمصوص فيثقل عليه االنتقال إىل ما دونه أو إىل ما فوقه وإن كان مباحا خيفة من املذمة وأما أهل الدنيا فمراءاهتم ابلثياب النفيسة واملراكب الرفيعة وأنواع التوسع والتجمل يف امللبس واملسكن وأاثث البيت وفره اخليول وابلثياب املصبغة والطيالسة النفيسة وذلك ظاهر بني الناس فإهنم يلبسون يف بيوهتم الثياب اخلشنة ويشتد عليهم لو برزوا للناس على تلك اهليئة ما مل يبالغوا يف الزينة الثالث الرايء ابلقول ورايء أهل الدين ابلوعظ والتذكري والنطق ابحلكمة وحفظ األخبار واآلاثر ألجل االستعمال يف احملاورة وإظهارا لغزارة العلم وداللة على شدة العناية أبحوال السلف الصاحلني وحتريك الشفتني ابلذكر يف حمضر الناس واألمر ابملعروف والنهي عن املنكر مبشهد اخللق وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار األسف على مقارفة الناس للمعاصي وتضعيف الصوت يف الكالم وترقيق الصوت بقراءة القرآن ليدل بذلك على اخلوف واحلزن وادعاء حفظ احلديث ولقاء الشيوخ والدق على من يروي احلديث ببيان خلل يف لفظه ليعرف أنه بصري ابألحاديث واملبادرة إىل أن احلديث صحيح أو غري صحيح إلظهار الفضل فيه واجملادلة على قصد إفحام اخلصم ليظهر للناس قوته علم الدين والرايء ابلقول كثري وأنواعه ال تنحصر وأما أهل الدنيا فمراءاهتم ابلقول حبفظ األشعار واألمثال والتفاصح يف العبارات وحفظ النحو الغريب لألغراب على أهل الفضل وإظهار التودد إىل الناس الستمالة القلوب الرابع الرايء ابلعمل كمراءاة املصلي بطول القيام ومد الظهر وطول السجود والركوع وإطراق الرأس وترك االلتفات وإظهار اهلدوء والسكون وتسوية القدمني واليدين وكذلك ابلصوم والغزو واحلج وابلصدقة وإبطعام الطعام وابإلخبات يف املشي عند اللقاء كإرخاء اجلفون وتنكيس الرأس والوقار يف الكالم حىت إن املرائي قد يسرع يف املشي إىل حاجته فإذا اطلع عليه أحد من أهل الدين رجع إىل الوقار وإطراق الرأس خوفا من أن ينسبه إىل العجلة وقلة الوقار فإن غاب الرجل عاد إىل عجلته فإذا رآه عاد إىل خشوعه ومل حيضره ذكر هللا حىت يكون جيدد اخلشوع له بل هو الطالع إنسان عليه خيشى أن ال يعتقد فيه أنه من العباد والصلحاء ومنهم من إذا مسع هذا استحيا من أن ختالف مشيته يف اخللوة مشيته مبرأى من الناس فيكلف نفسه املشية احلسنة يف اخللوة حىت إذا رآه الناس مل يفتقر إىل التغيري ويظن أنه يتخلص به عن الرايء وقد تضاعف به رايؤه فإنه صار يف خلوته أيضا مرائيا فإنه إمنا حيسن مشيته يف اخللوة ليكون كذلك يف املأل ال خلوف من هللا وحياء منه وأما أهل الدنيا فمراءاهتم ابلتبخرت واالختيال وحتريك اليدين وتقريب اخلطا واألخذ أبطراف الذيل وإرادة العطفني ليدلوا بذلك على اجلاه واحلشمة اخلامس املراءاة ابألصحاب والزائرين واملخالطني كالذي يتكلف أن يستزير عاملا من العلماء ليقال إن فالان قد زار فالان أو عابدا من العباد ليقال إن أهل الدين يتربكون بزايرته ويرتددون إليه أو ملكا من امللوك أو عامال من عمال السلطان ليقال إهنم يتربكون به لعظم رتبته يف الدين وكالذي يكثر ذكر الشيوخ لريى أنه لقي شيوخا كثرية واستفاد منهم فيباهي بشيوخه ومباهاته ومراءاته تشرشح منه عند خماصمته فيقول لغريه من لقيت من الشيوخ وأان قد لقيت فالان وفالان ودرت البالد وخدمت الشيوخ وما جيري جمراه فهذه جمامع ما يرائي به املراءون وكلهم يطلبون بذلك اجلاه واملنزلة يف قلوب العباد ومنهم من يقنع حبسن االعتقادات فيه فكم من راهب انزوى إىل ديره سنني كثرية وكم من عابد اعتزل إىل قلة جبل مدة مديدة وإمنا خبأته من حيث علمه بقيام جاهه يف قلوب اخللق ولو عرف أهنم نسبوه إىل جرمية يف ديره أو صومعته لتشوش قلبه ومل يقنع بعلم هللا برباءة ساحته بل يشتد لذلك غمه ويسعى بكل حيلة يف إزالة ذلك من قلوهبم مع أنه قد قطع طمعه من أمواهلم ولكنه حيب جمرد اجلاه فإنه لذيذ كما ذكرانه يف أسبابه فإنه نوع قدرة وكمال يف احلال وإن كان سريع الزوال ال يغرت به إال اجلهال ولكن أكثر الناس جهال ومن املرائني من ال يقنع بقيام منزلته بل يلتمس من ذلك إطالق اللسان ابلثناء واحلمد ومنهم من يريد انتشار الصيت يف البالد لتكثر الرحلة إليه ومنهم من يريد االشتهار عند امللوك لتقبل شفاعته وتنجز احلوائج على يده فيقوم له بذلك جاه عند العامة ومنهم من يقصد التوصل بذلك إىل مجع حطام وكسب مال ولو من األوقاف وأموال اليتامى وغري ذلك من احلرام وهؤالء شر طبقات املرائني الذين يراءون ابألسباب اليت ذكرانها فهذه حقيقة الرايء وما به يقع الرايء فإن قلت فالرايء حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل فأقول فيه تفصيل فإن الرايء هو طلب اجلاه وهو إما أن يكون ابلعبادات أو بغري العبادات فإن كان بغري العبادات فهو كطلب املال فال حيرم من حيث إنه طلب منزلة يف قلوب العباد ولكن كما ميكن كسب املال بتلبيسات وأسباب حمظورات فكذلك اجلاه وكما أن كسب قليل من املال هو ما حيتاج إليه اإلنسان حممود فكسب قليل من اجلاه وهو ما يسلم به عن اآلفات أيضا حممود وهو الذي طلبه يوسف عليه السالم حيث قال إين حفيظ عليم وكما أن املال فيه سم انقع ودرايق انفع فكذلك اجلاه وكما أن كثري املال يلهى ويطفى وينسى ذكر هللا والدار اآلخرة فكذلك كثري اجلاه بل أشد وفتنة اجلاه أعظم من فتنة املال وكما أان نقول متلك املال الكثري حرام فال نقول أيضا متلك القلوب الكثرية حرام إال إذا محلته كثرة املال وكثرة اجلاه على مباشرة ما ال جيوز نعم انصراف اهلم إىل سعة اجلاه مبدأ الشرور كانصراف اهلم إىل كثرة املال وال يقدر حمب اجلاه واملال على ترك معاصي القلب واللسان وغريها وأما سعة اجلاه من غري حرص منك على طلبه ومن غري اغتمام بزواله إن زال فال ضرر فيه فال جاه أوسع من جاه ورسول هللا صلى هللا عليه وسلم وجاه اخللفاء الراشدين ومن بعدهم من علماء الدين ولكن انصراف اهلم إىل طلب اجلاه نقصان يف الدين وال يوصف ابلتحر م فعلى هذا نقول حتسني الثوب الذي يلبسه اإلنسان عند اخلروج إىل الناس مراءاة وهو ليس حبرام ألنه ليس رايء ابلعبادة بل ابلدنيا وقس على هذا كل ما جتمل للناس وتزين هلم والدليل عليه ما روي عن عائشة رضي هللا عنها أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أراد أن خيرج يوما إىل الصحابة فكان ينظر يف جب املاء ويسوي عمامته وشعره فقالت أو تفعل ذلك اي رسول هللا قال نعم إن هللا تعاىل حيب من العبد أن يتزين إلخوانه إذا خرج إليهم حديث عائشة أراد أن خيرج على أصحابه وكان ينظر يف جب املاء ويسوي عمامته وشعره احلديث أخرجه ابن عدي يف الكامل وقد تقدم يف الطهارة نعم هذا كان من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم عبادة ألنه كان مأمورا بدعوة اخللق وترغيبهم يف االتباع واستمالة قلوهبم ولو سقط من أعينهم مل يرغبوا يف اتباعه فكان جيب عليه أن يظهر هلم حماسن أحواله لئال تزدريه أعينهم فإن أعني عوام اخللق متتد إىل الظواهر دون السرائر فكان ذلك قصد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ولكن لو قصد قاصد به أن حيسن نفسه يف أعينهم حذرا من ذمهم ولومهم واسرتواحا إىل توقريهم واحرتامهم كان قد قصد أمرا مباحا إذ لإلنسان أن حيرتز من أمل املذمة ويطلب راحة األنس ابإلخوان ومهما استثقلوه واستقذروه مل أينس هبم فإذن املراءاة مبا ليس من العبادات قد تكون مباحة وقد تكون طاعة وقد تكون مذمومة وذلك حبسب الغرض املطلوب هبا ولذلك نقول الرجل إذا أنفق ماله على مجاعة من األغنياء ال يف معرض العبادة والصدقة ولكن ليعتقد الناس أنه سخي فهذا مراءاة وليس حبرام وكذلك أمثاله أما العبادات كالصدقة والصالة والصيام والغزو واحلج فللمرائي فيه حالتان إحدامها أن ال يكون له قصد إال الرايء احملض دون األجر وهذا يبطل عبادته ألن األعمال ابلنيات وهذا ليس بقصد العبادة ال يقتصر على إحباط عبادته حىت نقول صار كما كان قبل العبادة بل يعصي بذلك وأيمث كما دلت عليه األخبار واآلايت واملعىن فيه أمران أحدمها يتعلق ابلعباد وهو التلبيس واملكر ألنه خيل إليهم أنه خملص مطيع هلل وأنه من أهل الدين وليس كذلك والتلبيس يف أمر الدنيا حرام أيضا حىت لو قضى دين مجاعة وخيل للناس أنه متربع عليهم ليعتقدوا سخاوته أمث به ملا فيه من التلبيس ومتلك القلوب ابخلداع واملكر والثاين يتعلق ابهلل وهو أنه مهما قصد بعبادة هللا تعاىل خلق هللا فهو مستهزئ ابهلل ولذلك قال قتادة إذا راءى العبد قال هللا ملالئكته انظروا إليه كيف يستهزئ يب ومثاله أن يتمثل بني يدي ملك من امللوك طول النهار كما جرت عادة اخلدم وإمنا وقوفه ملالحظة جارية من جواري امللك أو غالم من غلمانه فإن هذا استهزاء ابمللك إذ مل يقصد التقريب إىل امللك خبدمته بل قصد بذلك عبدا من عبيده فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة هللا تعاىل مراءاة عبد ضعيف ال ميلك له ضرا وال نفعا وهل ذلك إال ألنه يظن أن ذلك العبد أقدر على حتصيل أغراضه من هللا وأنه أوىل ابلتقريب إليه من هللا إذ آثره على ملك امللوك فجعله مقصود عبادته وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق املوىل فهذا من كبائر املهلكات وهلذا مساه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الشرك األصغر حديث مسى الرايء الشرك األصغر أخرجه أمحد من حديث حممود بن لبيد وقد تقدم ورواه الطرباين من رواية حممود بن ل بيد عن رافع بن خديج فجعله يف مسند رافع وتقدم قريبا وللحاكم وصحح إسناده من حديث شداد بن أوس كنا نعد على عهد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن الرايء الشرك األصغر نعم بعض درجات الرايء أشد من بعض كما سيأيت بيانه يف درجات الرايء إن شاء هللا تعاىل وال خيلو شيء منه عن إمث غليظ أو خفيف حبسب ما به املراءاة ولو مل يكن يف الرايء إال أنه يسجد ويركع لغري هللا لكان فيه كفاية فإنه وإن مل يقصد التقرب إىل هللا فقد قصد غري هللا ولعمري لو عظم غري هللا ابلسجود لكفر كفرا جليا إال أن الرايء هو الكفر اخلفي ألن املرائي عظم يف قلبه الناس فاقتضت تلك العظمة أن يسجد ويركع فكان الناس هم املعظمون ابلسجود من وجه ومهما زال قصد تعظيم هللا ابلسجود وبقي تعظيم اخللق كان ذلك قريبا من الشرك إال أنه قصد تعظيم نفسه يف قلب من عظم عنده إبظهاره من نفسه صورة التعظيم هلل فعن هذا كان شركا خفيا ال شركا جليا وذلك غاية اجلهل وال يقدم عليه إال من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن العباد ميلكون من ضره ونفعه ورزقه وأجله ومصاحل حاله ومآله أكثر مما ميلكه هللا تعاىل فلذلك عدل بوجهه عن هللا إليهم وأقبل بقلبه عليهم ليستميل بذلك قلوهبم ولو وكله هللا تعاىل إليهم يف الدنيا واآلخرة لكان ذلك أقل مكافأة له على صنيعه فإن العباد كلهم عاجزون عن أنفسهم ال ميلكون ألنفسهم نفعا وال ضرا فكيف ميلكون لغريهم هذا يف الدنيا فكيف يف يوم ال جيزي والد عن ولده وال مولود هو جاز عن والده شيئا بل تقول األنبياء فيه نفسي نفسي فكيف يستبدل اجلاهل عن ثواب اآلخرة ونيل القرب عند هللا ما يرتقبه بطمعه الكاذب يف الدنيا من الناس فال ينبغي أن نشك يف أن املرائي بطاعة هللا يف سخط هللا من حيث النقل والقياس مجيعا هذا إذا مل يقصد األجر فأما إذا قصد األجر واحلمد مجيعا يف صدقته أو صالته فهو الشرك الذي يناقض اإلخالص وقد ذكران حكمه يف كتاب اإلخالص ويدل على ما نقلناه من اآلاثر قول سعيد بن املسيب وعبادة بن الصامت إنه ال أجر له فيه أصال. بيان درجات الرايء اعلم أن بعض أبواب الرايء أشد وأغلظ من بعض واختالفه ابختالف أركانه وتفاوت الدرجات فيه وأركانه ثالثة املراءى به واملراءى ألجله ونفس قصد الرايء الركن األول نفس قصد الرايء وذلك ال خيلو إما أن يكون جمردا دون إرادة عبادة هللا تعاىل والثواب وإما أن يكون مع إرادة الثواب فإن كان كذلك فال خيلو إما أن تكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساوية إلرادة العبادة فتكون الدرجات أربعا األوىل وهي أغلظها أن ال يكون مراده الثواب أصال كالذي يصلى بني أظهر الناس ولو انفرد لكان ال يصلي بل رمبا يصلي من غري طهارة مع الناس فهذا جرد قصده إىل الرايء فهو املمقوت عند هللا تعاىل وكذلك من خيرج الصدقة خوفا من مذمة الناس وهو وال يقصد الثواب وال خال بنفسه ملا أداها فهذه الدرجة العليا من الرايء الثانية أن يكون له قصد الثواب أيضا ولكن قصدا ضعيفا حبيث لو كان يف اخللوة لكان ال يفعله وال حيمله ذلك القصد على العمل ولو مل يكن قصد الثواب لكان الرايء حيمله على العمل فهذا قريب مما قبله وما فيه من شائبة قصد ثواب ال يستقل حبمله على العمل ال ينفي عنه املقت واإلمث الثالثة أن يكون له قصد الثواب وقصد الرايء متساويني حبيث لو كان كل واحد منهما خاليا عن اآلخر مل يبعثه على العمل فلما اجتمعا انبعثت الرغبة أو كان كل واحد منهما لو انفرد الستقل حبمله على العمل فهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأسا برأس ال له وال عليه أو يكون له من الثواب مثل ما عليه من العقاب وظواهر األخبار تدل على أنه ال يسلم وقد تكلمنا عليه يف كتاب اإلخالص الرابعة أن يكون إطالع الناس مرجحا ومقواي لنشاطه ولو مل يكن لكان ال يرتك العبادة ولو كان قصد الرايء وحده ملا أقدم عليه فالذي نظنه والعلم عند هللا أنه ال حيبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرايء ويثاب على مقدار قصد الثواب وأما قوله صلى هللا عليه وسلم يقول هللا تعاىل أان أغىن األغنياء عن الشرك فهو حممول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرايء أرجح الركن الثاين املراءى به وهو الطاعات وذلك ينقسم إىل الرايء أبصول العبادات وإىل الرايء أبوصافها القسم األول وهو األغلظ الرايء ابألصول وهو على ثالث درجات األوىل الرايء أبصل اإلميان وهذا أغلظ أبواب الرايء وصاحبه خملد يف النار وهو الذي يظهر كلميت الشهادة وابطنه مشحون ابلتكذيب ولكنه يرائي بظاهر اإلسالم وهو الذي ذكره هللا تعاىل يف كتابه يف مواضع شىت كقوله عز وجل إذا جاءك املنافقون قالوا نشهد إنك لرسول هللا وهللا يعلم إنك لرسوله وهللا يشهد إن املنافقني لكاذبون أي يف داللتهم بقوهلم على ضمائرهم وقال تعاىل ومن الناس من يعجبك قوله يف احلياة الدنيا ويشهد هللا على ما يف قلبه وهو ألد اخلصام وإذا توىل سعى يف األرض ليفسد فيها اآلية وقال تعاىل وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم األانمل من الغيظ وقال تعاىل يراءون الناس وال يذكرون هللا إال قليال مذبذبني بني ذلك واآلايت فيهم كثرية وكان النفاق يكثر يف ابتداء اإلسالم ممن يدخل يف ظاهر اإلسالم ابتداء لغرض وذلك مما يقل يف زماننا ولكن يكثر نفاق من ينسل عن الدين ابطنا فيجحد اجلنة والنار والدار اآلخرة ميال إىل قول امللحدة أو يعتقد على بساط الشرع واألحكام ميال إىل أهل اإلابحة أو يعتقد كفرا أو بدعة وهو يظهر خالفه فهؤالء من املنافقني واملرائني املخلدين يف النار وليس وراء هذا الرايء رايء وحال هؤالء أشد حاال من الكفار اجملاهرين فإهنم مجعوا بني كفر الباطن ونفاق الظاهر. الثانية الرايء أبصول العبادات مع التصديق أبصل الدين وهذا أيضا عظيم عند هللا ولكنه دون األول بكثري ومثاله أن يكون مال الرجل يف يد غريه فيأمره إبخراج الزكاة خوفا من ذمه وهللا يعلم منه أنه لو كان يف يده ملا أخرجها أو يدخل وقت الصالة وهو يف مجع وعادته ترك الصالة يف اخللوة وكذلك يصوم رمضان وهو يشتهي خلوة من اخللق ليفطر وكذلك حيضر اجلمعة ولوال خوف املذمة لكان ال حيضرها أو يصل رمحه أو يرب والديه ال عن رغبة ولكن خوفا من الناس أو يغزو أو حيج كذلك فهذا مراء معه أصل اإلميان ابهلل يعتقد أنه ال معبود سواه ولو كلف أن يعبد غري هللا أو يسجد لغريه مل يفعل ولكنه يرتك العبادات للكسل وينشط عند إطالع الناس فتكون منزلته عند اخللق أحب إليه من منزلته عند اخلالق وخوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب هللا ورغبته يف حممدهتم أشد مرغبته يف ثواب هللا وهذا غاية اجلهل وما أجدر صاحبه ابملقت وإن كان غري منسل عن أصل اإلميان من حيث االعتقاد. الثالث ة أن ال يرائي ابإلميان وال ابلفرائض ولكنه يرائي ابلنوافل والسنن اليت لو تركها ال يعصي ولكنه يكسل عنها يف اخللوة لفتور رغبته يف ثواهبا وإليثار لذة الكسل على ما يرجى من الثواب مث يبعثه الرايء على فعلها وذلك كحضور اجلماعة يف الصالة وعيادة املريض واتباع اجلنازة وغسل امليت وكالتهجد ابلليل وصيام يوم عرفة وعاشوراء ويوم االثنني واخلميس فقد يفعل املرائي مجلة ذلك خوفا من املذمة أو طلبا للمحمدة ويعلم هللا تعاىل منه أنه لو خال بنفسه ملا زاد على أداء الفرائض فهذا أيضا عظيم ولكنه دون ما قبله فإن الذي قبله آثر محد اخللق على محد اخلالق وهذا أيضا قد فعل ذلك واتقى ذم اخللق دون ذم اخلالق فكان ذم اخللق أعظم عنده من عقاب هللا وأما هذا فلم يفعل ذلك ألنه مل خيف عقااب على ترك النافلة لو تركها وكأنه على شطر من األول وعقابه نصف عقابه فهذا هو الرايء أبصول العبادات القسم الثاين الرايء أبوصاف العبادات ال أبصوهلا وهو أيضا على ثالثة درجات األوىل أن يرائي بفعل ما يف تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن خيفف الركوع والسجود وال يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود وترك االلتفات ومتم القعود بني السجدتني وقد قال ابن مسعود من فعل ذلك فهو استهانة يستهني هبا ربه عز وجل أي أنه ليس يبايل ابطالع هللا عليه يف اخللوة فإذا اطلع عليه آدمي أحسن الصالة ومن جلس بني يدي إنسان مرتبعا أو متكئا فدخل غالمه فاستوى وأحسن اجللسة كان ذلك منه تقدميا للغالم على السيد واستهانة ابلسيد ال حمالة وهذا حال املرائي بتحسني الصالة يف املأل دون اخللوة وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من الداننري الرديئة أو من احلب الرديء فإذا اطلع عليه غريه أخرجها من اجليد خوفا من مذمته وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرفث ألجل اخللق ال إكماال لعبادة الصوم خوفا من املذمة فهذا أيضا من الرايء احملظور ألن فيه تقدميا للمخلوقني على اخلالق ولكنه دون الرايء أبصول التطوعات فإن قال املرائي إمنا فعلت ذلك صيانة أللسنتهم عن الغيبة فإهنم إذا رأوا ختفيف الركوع والسجود وكثرة االلتفات أطلقوا اللسان ابلذم والغيبة وإمنا قصدت صيانتهم عن هذه املعصية فيقال له هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس وليس األمر كذلك فإن ضررك من نقصان صالتك وهي خدمة منك ملوالك أعظم من ضررك بغيبة غريك فلو كان ابعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر وما أنت يف هذا إال كمن يهدي وصيفة إىل ملك لينال منه فضال ووالية يتقلدها فيهديها إليه وهي عوراء قبيحة مقطوعة األطراف وال يبايل به إذا كان امللك وحده وإذا كان عنده بعض غلمانه امتنع خوفا من مذمة غلمانه وذلك حمال بل من يراعي جانب غالم امللك ينبغي أن تكون مراقبته للملك أكثر نعم للمرائي فيه حالتان إحدامها أن يطلب بذلك املنزلة واحملمدة عند الناس وذلك حرام قطعا والثانية أن يقول ليس حيضرين يف اإلخالص يف حتسني الركوع والسجود ولو خففت كانت صاليت عندهم انقصة وآذاين الناس بذمهم وغيبتهم فأستقيد بتحسني اهليبة دفع مذمتهم وال أرجو عليه ثوااب فهو خري من أن أترك حتسني الصالة فيفوت الثواب وحتصل املذمة فهذا فيه أدىن نظر والصحيح أن الواجب عليه أن حيسن وخيلص فإن مل حتضره النية فينبغي أن يستمر على عادته يف اخللوة فليس له أن يدفع الذم ابملراءاة بطاعة هللا فإن ذلك استهزاء كما سبق الدرجة الثانية أن يرائي بفعل ماال نقصان يف تركه ولكن فعله يف حكم التكملة والتتمة لعبادته كالتطويل يف الركوع والسجود ومد القيام وحتسني اهليئة ورفع اليدين واملبادرة إىل التكبرية األوىل وحتسني االعتدال والزايدة يف القراءة على السور املعتادة وكذلك كثرة اخللوة يف صوم رمضان وطول الصمت وكاختيار األجود على اجليد يف الزكاة وإعتاق الرقبة الغالية يف الكفارة وكل ذلك مما لو خال بنفسه لكان ال يقدم عليه الثالثة أن يرائي بزايدات خارجة عن نفس النوافل أيضا كحضوره اجلماعة قبل القوم وقصده للصف األول وتوجهه إىل ميني اإلمام وما جيري جمراه وكل ذلك مما يعلم هللا منه أنه لو خال بنفسه لكان ال يبايل أين وقف ومىت حيرم ابلصالة فهذه درجات الرايء ابإلضافة إىل ما يرائي به وبعضه أشد من بعض والكل مذموم الركن الثالث املرائي ألجله فإن للمرائي مقصودا ال حمالة وإمنا يرائي إلدراك مال أو جاه أو غرض من األغراض ال حمالة وله أيضا ثالث درجات األوىل وهي أشدها وأعظمها أن يكون مقصوده التمكن من معصية كالذي يرائي بعبادته ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل واالمتناع عن أكل الشبهات وغرضه أن يعرف ابألمانة فيوىل القضاء أو األوقاف أو الوصااي أو مال األيتام فيأخذها أو يسلم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر مبا قدر عليه منها أو يودع الودائع فيأخذها وجيحدها أو تسلم إليه األموال اليت تنفق يف طريق احلج فيختزل بعضها أو كلها أو يتوصل هبا إىل استتباع احلجيج ويتوصل بقوهتم إىل مقاصده الفاسدة يف املعاصي وقد يظهر بعضهم زي التصوف وهيئة اخلشوع وكالم احلكمة على سبيل الوعظ والتذكري وإمنا قصده التحبب إىل امرأة أو غالم ألجل الفجور وقد حيظرون جمالس العلم والتذكريوحلق القرآن يظهرون الرغبة يف مساع العلم والقرآن وغرضهم مالحظة النساء والصبيان أو خيرج إىل احلج ومقصوده الظفر مبن يف الرفقة من امرأة أو غالم وهؤالء أبغض املرائني إىل هللا تعاىل ألهنم جعلوا طاعة رهبم سلما إىل معصيته واختذوها آلة ومتجرا وبضاعة هلم يف فسقهم ويقرب من هؤالء وإن كان دوهنم من هو مقرتف جرمية اهتم هبا وهو مصر عليها ويريد أن ينفي التهمة عن نفسه فيظهر التقوى لنفي التهمة كالذي جحد وديعة واهتمه الناس هبا فيتصدق ابملال ليقال إنه يتصدق مبال نفسه فكيف يستحل مال غريه وكذلك من ينسب إىل فجور ابمرأة أو غالم فيدفع التهمة عن نفسه ابخلشوع وإظهار التقوى الثانية أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة مجيلة أو شريفة كالذي يظهر احلزن والبكاء ويشتغل ابلوعظ والتذكري لتبذل له األموال ويرغب يف نكاحه النساء فيقصد إما امرأة بعينها لينكحها أو امرأة شريفة على اجلملة وكالذي يرغب أن يتزوج بنت عامل عابد فيظهر له العلم والعبادة لريغب يف تزوجيه ابنته فهذا رايء حمظور ألنه طلب بطاعة هللا متاع احلياة الدنيا ولكنه دون األول فإنه املطلوب هبذا مباح يف نفسه الثالثة أن ال يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ولكن يظهر عبادته خوفا من أن ينظر إليه بعني النقص وال يعد من اخلاصة والزهاد ويعتقد أنه من مجلة العامة كالذي ميشي مستعجال فيطلع عليه الناس فيحسن املشي ويرتك العجلة كيال يقال إنه من أهل اللهو والسهو ال من أهل الوقار وكذلك إن سبق إىل الضحك أو بدا منه املزاح فيخاف أن ينظر إليه بعني االحتقار فيتبع ذلك ابالستغفار وتنفس الصعداء وإظهار احلزن ويقول ما أعظم غفلة اآلدمي عن نفسه وهللا يعلم منه أنه لو كان يف خلوة ملا كان يثقل عليه ذلك وإمنا خياف أن ينظر إليه بعني االحتقار ال بعني التوقري وكالذي يرى مجاعة يصلون الرتاويح أو يتهجدون أو يصومون اخلميس واالثنني أو يتصدقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إىل الكسل ويلحق ابلعوام ولو خال بنفسه لكان ال يفعل شيئا من ذلك وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء أو يف األشهر احلرم فال يشرب خوفا من أن يعلم الناس أنه غري صائم فإذا ظنوا به الصوم امتنع عن األكل ألجله أو يدعى إىل طعام فيمتنع ليظن أنه صائم وقد ال يصرح أبين صائم ولكن يقول يل عذر وهو مجع بني خبيثني فإنه يرى أنه صائم مث يرى أنه خملص ليس مبراء وأنه حيرتز من أن يذكر عبادته للناس فيكون مرائيا فرييد أن يقال إنه ساتر لعبادته مث إن اضطر إىل شرب مل يصرب عن أن يذكر لنفسه فيه عذرا تصرحيا أو تعريضا أبن يتعلل مبرض يقتضي فرط العطش ومينع من الصوم أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فالن مث قد ال يذكر ذلك متصال بشربه كي ال يظن به أن يعتذر رايء ولكنه يصرب مث يذكر عذره يف معرض حكاية عرضا مثل أن يقول إن فالان حمب لإلخوان شديد الرغبة يف أن أيكل اإلنسان من طعامه وقد أحل علي اليوم ومل أجد بدا من تطييب قلبه ومثل أن يقول إن أمي ضعيفة القلب مشفقة علي تظن أين لو صمت يوما مرضت فال تدعين أصوم فهذا وما جيري جمراه من آفات الرايء فال يسبق إىل اللسان إال لرسوخ عرق الرايء يف الباطن أما املخلص فإنه ال يبايل كيف نظر اخللق إليه فإن مل يكن له رغبة يف الصوم وقد علم هللا ذلك منه فال يريد أن يعتقد غريه ما خيالف علم هللا فيكون ملبسا وإن كان له رغبة يف الصوم هلل قنع بعلم هللا تعاىل ومل يشرك فيه غريه وقد خيطر له أن يف إظهاره اقتداء غريه به وحتريك رغبة الناس فيه وفيه مكيدة وغرور وسيأيت شرح ذلك وشروطه فهذه درجات الرايء ومراتب أصناف املرائني ومجيعهم حتت مقت هللا وغضبه وهو من أشد املهلكات وإن من شدته أن فيه شوائب هي أخفى من دبيب النمل كما ورد به اخلرب يزل فيه فحول العلماء فضال عن العباد اجلهالء آبفات النفوس وغوائل القلوب وهللا أعلم. بيان الرايء اخلفي الذي هو أخفى من دبيب النمل اعلم أن الرايء جلي وخفي فاجللي هو الذي يبعث على العمل وحيمل عليه ولو قصد الثواب وهو أجاله وأخفى منه قليال هو ما ال حيمل على العمل مبجرده إال أنه خيفف العمل الذي يريد به وجه هللا كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل عنده ضيف تنشط له وخف عليه وعلم أنه لوال رجاء الثواب لكان ال يصلي جملرد رايء الضيفان وأخفى من ذلك ما ال يؤثر يف العمل وال ابلتسهيل والتخفيف أيضا ولكنه مع ذلك مستبطن يف القلب ومهما مل يؤثر يف الد عاء إىل العمل مل ميكن أن يعرف إال ابلعالمات وأجلى عالماته أن يسر ابطالع الناس على طاعته فرب عبد خيلص يف عمله وال يعتقد الرايء بل يكرهه ويرده ويتمم العمل كذلك ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك واراتح له وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة وهذا السرور يدل على رايء خفي منه يرشح السرور ولوال التفات القلب إىل الناس ملا ظهر سروره عند اطالع الناس فلقد كان الرايء مستكنا يف القلب استكنان النار يف احلجر فأظهر عنه اطالع اخللق أثر الفرح والسرور مث إذا استشعر لذة السرور ابالطالع ومل يقابل ذلك بكراهية فيصري ذلك قوات وغذاء للعرق اخلفي من الرايء حىت يتحرك على نفسه حركة خفية فيتقاضى تقاضيا خفيا أن يتكلف سببا يطلع عليه ابلتعريض وإلقاء الكالم عرضا وإن كان ال يدعو إىل التصريح وقد خيفى فال يدعو إىل اإلظهار ابلنطق تعريضا وتصرحيا ولكن ابلشمائل كإظهار النحول والصفار وخفض الصوت ويبس الشفتني وجفاف الريق وآاثر الدموع وغلبة النعاس الدال على طول التهجد وأخفى من ذلك أن خيتفي حبيث ال يريد االطالع وال يسر بظهور طاعته ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدءوه ابلسالم وأن يقابلوه ابلبشاشة والتوقري وأن يثنوا عليه وأن ينشطوا يف قضاء حوائجه وأن يساحموه يف البيع والشراء وأن يوسعوا له يف املكان فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعادا يف نفسه كأنه يتقاضى االحرتام مع الطاعة اليت أخفاها مع أنه مل يطلع عليه ولو مل يكن قد سبق منه تلك الطاعة ملا كان يستبعد تقصري الناس يف حقه ومهما مل يكن وجود العبادة كعدمها يف كل ما يتعلق ابخللق مل يكن قد قنع بعلم هللا ومل يكن خاليا عن شوب خفي من الرايء أخفى من دبيب النمل حديث يف الرايء شوائب أخفى من دبيب النمل أخرجه أمحد والطرباين من حديث أيب موسى األشعري اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل ورواه ابن حبان يف الضعفاء من حديث أيب بكر الصديق وضعفه هو والدارقطين وكل ذلك يوشك أن حيبط األجر وال يسلم منه إال الصديقون وقد روي عن علي كرم هللا وجهه أنه قال إن هللا عز وجل يقول للقراء يوم القيامة أمل يكن يرخص عليكم السعر أمل تكونوا تبتدءون ابلسالم أمل تكونوا تقضى لكم احلوائج ويف احلديث ال أجر لكم قد استوفيتم أجوركم وقال عبد هللا بن املبارك روي عن وهب بن منبه أنه قال إن رجال من السواح قال ألصحابه إان إمنا فارقنا األموال واألوالد خمافة الطغيان فنخاف أن نكون قد دخل علينا يف أمران هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل األموال يف أمواهلم إن أحدان إذا لقي أحب أن يعظم ملكان دينه وإن سأل حاجة أحب أن تقضى له ملكان دينه وإن اشرتى شيئا أحب أن يرخص عليه ملكان دينه فبلغ ذلك ملكهم فركب يف موكب من الناس فإذا السهل واجلبل قد امتأل ابلناس فقال السائح ما هذا قيل هذا امللك قد أظللك فقال للغالم ائيت بطعام فأاته ببقل وزيت وقلوب الشجر فجعل حيشو شدقه وأيكل أكال عنيفا فقال امللك أين صاحبكم فقالوا هذا قال كيف أنت قال كالناس ويف حديث آخر خبري فقال امللك ما عند هذا من خري فانصرف عنه فقال السائح احلمد هلل الذي صرفك عين وأنت يل ذام فلم يزل املخلصون خائفني من الرايء اخلفي جيتهدون لذلك يف خمادعة الناس عن أعماهلم الصاحلة حيرصون على إخفائها أعظم مما حيرص الناس على إخفاء فواحشهم كل ذلك رجاء أن ختلص أعماهلم الصاحلة فيجازيهم هللا يف القيامة إبخالصهم على مأل من اخللق إذ علموا أن هللا ال يقبل يف القيامة إال اخلالص وعل موا شدة حاجتهم وفاقتهم يف القيامة وأنه يوم ال ينفع فيه مال وال بنون وال جيزي والد عن ولده ويشتغل الصديقون أبنفسهم فيقول كل واحد نفسي نفسي فضال عن غريهم فكانوا كزوار بيت هللا إذا توجهوا إىل مكة فإهنم يستصحبون مع أنفسهم الذهب املغريب اخلالص لعلمهم أن أرابب البوادي ال يروج عندهم الزائف والبهرج واحلاجة تشتد يف البادية وال وطن يفزع إليه وال محيم يتمسك به فال ينجي إىل اخلالص من النقد فكذا يشاهد أرابب القلوب يوم القيامة والزاد الذي يتزودونه له من التقوى فإذن شوائب الرايء اخلفي كثرية ال تنحصر ومهما أدرك من نفسه تفرقه بني أن يطلع على عبادته إنسان أو هبيمة ففيه شعبة من الرايء فإنه ملا قطع طعمه عن البهائم مل يبال حضره البهائم أو الصبيان الرضع أم غابوا اطلعوا على حركته أم مل يطلعوا فلو كان خملصا قانعا بعلم هللا الستحقر عقالء العباد كما استحقر صبياهنم وجمانينهم وعلم أن العقالء ال يقدرون له على رزق وال أجل وال زايدة ثواب ونقصان عقاب كما ال يقدر عليه البهائم والصبيان واجملانني فإذا مل جيد ذلك ففيه شوب خفي ولكن ليس كل شوب حمبطا لألجر مفسدا للعمل بل فيه تفضيل فإن قلت فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته فالسرور مذموم كله أو بعضه حممود وبعضه مذموم فنقول أوال كل سرور فليس مبذموم بل السرور منقسم إىل حممود وإىل مذموم فأما احملمود فأربعة أقسام األول أن يكون قصده إخفاء الطاعة واإلخالص هلل ولكن ملا اطلع عليه اخللق علم أن هللا أطلعهم وأظهر اجلميل من أحواله فيستدل به على حسن صنع هللا به ونظره إليه وإلطافه به فإنه يسرت الطاعة واملعصية مث هللا يسرت عليه املعصية ويظهر الطاعة وال لطف أعظم من سرت القبيح وإظهار اجلميل فيكون فرحه جبميل نظر هللا له ال حبمد الناس وقيام املنزلة يف قلوهبم وقد قال تعاىل قل بفضل هللا وبرمحته فبذلك فليفرحوا فكأنه ظهر له أنه عند هللا مقبول ففرح به الثاين أن يستدل إبظهار هللا اجلميل وسرته القبيح عليه يف الدنيا أنه كذلك يفعل يف اآلخرة إذ قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ما سرت هللا على عبد ذنبا يف الدنيا إال سرته عليه يف اآلخرة حديث ما سرت هللا على عبد ذنبا يف الدنيا إال سرته عليه يف اآلخرة أخرجه مسلم من حديث أيب هريرة فيكون األول فرحا ابلقبول يف احلال من غري مالحظة املستقبل وهذا التفات إىل املستقبل الثالث أن يظن رغبة املطلعني على االقتداء به يف الطاعة فيتضاعف بذلك أجره فيكون له أجر العالنية مبا أظهر آخرا وأجر السر مبا قصده أوال ومن اقتدى به يف طاعة فله مثل أجر أعمال املقتدين به من غري أن ينقص من أجورهم شيء وتوقع ذلك جدير أبن يكون سبب السرور فإن ظهور خمايل الربح لذيذ وموجب للسرور ال حمالة الرابع أن حيمده املطلعون على طاعته فيفرح بطاعتهم هلل يف مدحهم وحببهم للمطيع ومبيل قلوهبم إىل الطاعة إذا من أهل اإلميان من يرى أهل الطاعة فيمقته وحيسده أو يذمه ويهزأ به أو ينسبه إىل الرايء وال حيمده عليه فهذا فرح حبسن إميان عباد هللا وعالمة اإلخالص يف هذا النوع أن يكون فرحه حبمده غريه مثل فرحه حبمدهم إايه وأما املذموم وهو اخلامس فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته يف قلوب الناس حىت ميدحوه ويعظموه ويقوموا بقضاء حوائجه ويقابلوه ابإلكرام يف مصادره وموارده فهذا مكروه وهللا تعاىل أعلم. بيان ما حيبط العمل من الرايء اخلفي واجللي وما ال حيبط فنقول فيه إذا عقد العبد العبادة على اإلخالص مث ورد عليه وارد الرايء فال خيلو إما أن يرد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ فإن ورد بعد الفراغ سرور جمرد ابلظهور من غري إظهار فهذا ال يفسد العمل إذ العمل قد مت على نعت اإلخالص ساملا عن الرايء فما يطرأ بعده فريجو أن ال ينعطف عليه أثر ال سيما إذا مل يتكلف هو إظهاره والتحدث به ومل يتمن إظهاره وذكره ولكن اتفق ظهوره إبظهار هللا ومل يكن منه إال ما دخل من السرور واالرتياح على قلبه نعم لو مت العمل على اإلخالص من غري عقد رايء ولكن ظهرت له بعده رغبة يف اإلظهار فتحدث به فهذا خموف ويف اآلاثر واألخبار ما يدل على أنه حيبط فقد روي عن ابن مسعود أنه مسع رجال يقول قرأت البارحة البقرة فقال ذلك حظه منها وروي عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أنه قال لرجل قال له صمت الدهر اي رسول هللا فقال له ما صمت وال أفطرت حديث قال لرجل قال صمت الدهر قال ما صمت وال أفطرت أخرجه مسلم من حديث أيب قتادة ق ال عمر اي رسول هللا كيف مبن يصوم الدهر قال ال صام وال أفطر وللطرباين من حديث أمساء بنت يزيد يف أثناء حديث فيه فقال رجل إين صائم قال بعض القوم إنه ال يفطر إنه يصوم كل يوم قال النيب صلى هللا عليه وسلم ال صام وال أفطر من صام األبد ومل أجده بلفظ اخلطاب فقال بعضهم إمنا قال ذلك ألنه أظهره وقيل هو إشارة إىل كراهة صوم الدهر وكيفما كان فيحتمل أن يكون ذلك من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ومن ابن مسعود استدالال على أن قلبه عند العبادة مل خيل عن عقد الرايء وقصده له ملا أن ظهر منه التحدث به إذ يبعد أن يكون ما يطرأ بعد العمل مبطال لثواب العمل بل األقيس أن يقال إنه مثاب على عمله الذي مضى ومعاقب على مراءاته بطاعة هللا بعد الفراغ منها خبالف ما لو تغري عقده إىل الرايء قبل الفراغ من الصالة فإن ذلك قد يبطل الصالة وحيبط العمل وأما إذا ورد وارد الرايء قبل الفراغ من الصالة مثال وكان قد عقد على اإلخالص ولكن ورد يف أثنائها وارد الرايء فال خيلو إما أن يكون جمرد سرور ال يؤثر يف العمل وإما أن يكون رايء ابعثا على العمل فإن كان ابعثا على العمل وختم العبادة به حبط أجره ومثاله أن يكون يف تطوع فتجددت له نظارة أو حضر ملك من امللوك وهو يشتهي أن ينظر إليه أو يذكر شيئا نسيه من ماله وهو يريد أن يطلبه ولوال الناس لقطع الصالة فاستتمها خوفا من مذمة الناس فقد حبط أجره وعليه اإلعادة إن كان يف فريضة وقد قال صلى هللا عليه وسلم العمل كالوعاء إذا طاب آخره طاب أوله حديث العمل كالوعاء إذا طاب آخره طالب أوله أ خرجه ابن ماجه من حديث معاوية بن أيب سفيان بلفظ إذا طاب أسفله طاب أعاله وقد تقدم أي النظر إىل خامتته وروي أنه من راءى بعمل ساعة حبط عمله الذي كان قبله حديث من راءى بعمله ساعة حبط عمله الذي كان قبله مل أجده هبذا اللفظ وللشيخني من حديث جندب من مسع مسع هللا به ومن راءى راءى هللا به ورواه مسلم من حديث ابن عباس وهذا منزل على الصالة يف هذه الصورة ال على الصدقة وال على القراءة فإن كل جزء من ذلك مفرد فما يطرأ يفسد الباقي دون املاضي والصوم واحلج من قبيل الصالة وأما إذا كان وراد الرايء حبيث ال مينعه من قصد اإلمتام ألج ل الثواب كما لو حضر مجاعة يف أثناء الصالة ففرح حبضورهم وعقد الرايء وقصد حتسني الصالة ألجل نظرهم وكان لوال حضورهم لكان يتمها أيضا فهذا رايء قد أثر يف العمل وانتهض ابعثا على احلركات فإن غلب حىت امنحق معه اإلحساس بقصد العبادة والثواب وصار قصد العبادة مغمورا فهذا أيضا ينبغي أن يفسد العبادة مهما مضى ركن من أركاهنا على هذا الوجه ألان نكتفي ابلنية السابقة عند اإلحرام بشرط أن ال يطرأ عليها ما يغلبها ويغمرها وحيتمل أن يقال ال يفسد العبادة نظرا إىل حالة العقد وإىل بقاء قصد أصل الثواب وإن ضعف هبجوم قصد هو أغلب منه ولقد ذهب احلارث احملاسيب رمحه هللا تعاىل إىل اإلحباط يف أمر هو أهون من هذا وقال إذا مل يرد إال جمرد السرور ابطالع الناس يعين سرورا هو كحب املنزلة واجلاه قال قد اختلف الناس يف هذا فصارت فرقة إىل أنه حمبط ألنه نقض العزم األول وركن إىل محد املخلوقني ومل خيتم عمله ابإلخالص وإمنا يتم العمل خبامتته مث قال وال أقطع عليه ابحلبط وإن مل يتزيد يف العمل وال آمن عليه وقد كنت أقف فيه الختالف الناس واألغلب على قليب أنه حيبط إذا ختم عمله ابلرايء مث قال فإن قيل قد قال احلسن رمحه هللا تعاىل إهنما حالتان فإذا كانت األوىل مل تضره الثانية وقد روي أن رجال قال لرسول هللا صلى هللا عليه وسلم اي رسول هللا أسر العمل ال أحب أن يطلع عليه فيطلع عليه فيسرين قال لك أجران أجر السر وأجر العالنية حديث أن رجال قال أسر العمل ال أحب أن يطلع عليه فيطلع عليه فيسرين فقال لك أجران احلديث أخرجه البيهقي يف شعب اإلميان من رواية ذكوان عن ابن مسعود ورواه الرتمذي وابن حبان من رواية ذكوان عن أيب هريرة الرجل يعمل العمل فيسره فإذا اطلع عليه أعجبه قال له أجر السر والعالنية قال الرتمذي غريب وقال إنه روي عن أيب صاحل وهو ذكر أنه مرسل مث تكلم على اخلرب واألثر فقال أما احلسن فإنه أراد بقوله ال يضره أي ال يدع العمل وال تضره اخلطرة وهو يريد هللا ومل يقل إذا عقد الرايء بعد عقد اإلخالص مل يضره وأما احلديث فتكلم عليه بكالم طويل يرجع حاصله إىل ثالثة أوجه أحدها أنه حيتمل أنه أراد ظهور عمله بعد الفراغ وليس يف احلديث أنه قبل الفراغ الثاين أنه أراد أن يسر به لالقتداء به أو لسرور آخر حممود مما ذكرانه قبل ال سرورا بسبب حب احملمدة واملنزلة بدليل أنه جعل له به أجرا وال ذاهب من األمة إىل أن للسرور ابحملمدة أجرا وغايته أن يعفى عنه فكيف يكون للمخلص أجر وللمرائي أجران والثالث أنه قال أكثر من يروي احلديث يرويه غري متصل إىل أيب هريرة بل أكثرهم يوقفه على أيب صاحل ومنهم من يرفعه فاحلكم ابلعمومات الواردة يف الرايء أوىل هذا ما ذكره ومل يقطع به بل أظهر ميال إىل اإلحباط واألقيس عندان أن هذا القدر إذا مل يظهر أثره يف العمل بل بقي العمل صادرا عن ابعث الدين وإمنا انضاف إليه السرور ابالطالع فال يفسد العمل ألنه مل ينعدم به أصل نيته وبقيت تلك النية ابعثة على العمل وحاملة على اإلمتام وأما األخبار اليت وردت يف الرايء فهي حممولة على ما إذا مل يرد به إال اخللق وأما ما ورد يف الشركة فهو حممول على ما إذا كان قصد الرايء مساواي لقصد الثواب أو أغلب منه أما إذا كان ضعيفا ابإلضافة إليه فال حيبط ابلكلية ثواب الصدقة وسائر األعمال وال ينبغي أن يفسد الصالة وال يبعد أن يقال إن الذي أوجب عليه صالة خالصة لوجه هللا واخلالص ما ال يشوبه شيء فال يكون مؤداي للواجب مع هذا الشوب والعلم عند هللا فيه وقد ذكران يف كتاب اإلخالص كالما أوىف مما أوردانه اآلن فلريجع إليه فهذا حكم الرايء الطارئ بعد عقد العبادة إما قبل الفراغ أو بعد الفراغ القسم الثالث الذي يقارن حال العقد أبن يبتدئ الصالة على قصد الرايء فإن استمر عليه سلم فال خالف يف أنه يقضي وال يعتد بصالته وإن ندم عليه يف أثناء ذلك واستغفر ورجع قبل التمام ففيما يلزمه ثالثة أوجه قالت فرقة مل تنعقد صالته مع قصد الرايء فليستأنف وقالت فرقة تلزمه إعادة األفعال كالركوع والسجود وتفسد أفعاله دون حترمية الصالة ألن التحر م عقد والرايء خاطر يف قلبه ال خيرج التحر م عن كونه عقدا وقالت فرقة ال يلزم إعادة شيء بل يستغفر هللا بقلبه ويتم العبادة على اإلخالص والنظر إىل خامتة العبادة كما لو ابتدأ ابإلخالص وختم ابلرايء لكان يفسد عمله وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة فإذا أزيل العارض عاد إىل األصل فقالوا إن الصالة والركوع والسجود ال تكون إال هلل ولو سجد لغري هللا لكان كافرا ولكن اقرتن به عارض الرايء مث زال ابلندم والتوبة وصار إىل حالة ال يبايل حبمد الناس وذمهم فتصح صالته ومذهب الفريقني اآلخرين خارج عن قياس الفقه جدا خصوصا من قال يلزمه إعادة الركوع والسجود دون االفتتاح ألن الركوع والسجود إن مل يصح صارت أفعاال زائدة يف الصالة فتفسد الصالة وكذلك قول من يقول لو ختم ابإلخالص صح نظرا إىل اآلخر فهو أيضا ضعيف ألن الرايء يقدح يف النية وأوىل األوقات مبراعاة أحكام النية حال االفتتاح فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال إن كان ابعثه جمرد الرايء يف ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال األمر مل ينعقد افتتاحه ومل يصح ما بعده وذلك فيمن إذا خال بنفسه مل يصل وملا رأى الناس حترم ابلصالة وكان حبيث لو كان ثوبه جنسا أيضا كان يصلي ألجل الناس فهذه صالة ال نية فيها إذ النية عبارة عن إجابة ابعث الدين وههنا ال ابعث وال إجابة فأما إذا كان حبيث لوال الناس أيضا لكان يصلي إال أنه ظهر له الرغبة يف احملمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون يف صدقة وقراءة وما ليس فيه حتليل وحتر م أو يف عقد صالة وحج فإن كان يف صدقة فقد عصى إبجابة ابعث الرايء وأطاع إبجابة ابعث الثواب فمن يعمل مثقال ذرة خريا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فله ثواب بقدر قصده الصحيح وعقاب بقدر قصده الفاسد وال حيبط أحدمها اآلخر وإن كان يف صالة تقبل الفساد بتطرق خلل إىل النية فال خيلو إما أن تكون فرضا أو نفال فإن كانت نفال فحكمها أيضا حكم الصدقة فقد عصى من وجه وأطاع من وجه إذ اجتمع يف قلبه الباعثان وال ميكن أن يقال صالته فاسدة واالقتداء به ابطل حىت إن من صلى الرتاويح وتبني من قرائن حاله أن يصده الرايء إبظهار حسن القراءة ولوال اجتماع الناس خلفه وخال يف بيت وحده ملا صلى ال يصح االقتداء به فإن املصري إىل هذا بعيد جدا بل يظن ابملسلم أنه يقصد الثواب أيضا بتطوعه فتصح ابعتبار ذلك القصد صالته ويصح االقتداء به وإن اقرتن به قصد آخر وهو به عاص فأما إذا كان يف فرض واجتمع الباعثان وكان كل واحد ال يستقل وإمنا حيصل االنبعاث مبجموعهما فهذا ال يسقط الواجب عنه ألن اإلجياب مل ينتهض ابعثا يف حقه مبجرده واستقالله وإن كان كل ابعث مستقال حىت لو مل يكن ابعث الرايء ألدى الفرائض ولو مل يكن ابعث الفرض ألنشأ صالة تطوعا ألجل الرايء فهذا حمل النظر وهو حمتمل جدا فيحتمل أن يقال إن الواجب صالة خالصة لوجه هللا ومل يؤد الواجب اخلالص وحيتمل أن يقال الواجب امتثال األمر بباعث مستقل بنفسه وقد وجد فاقرتان غريه به ال مينع سقوط الفرض عنه كما لو صلى يف دار مغصوبة فإنه وإن كان عاصيا إبيقاع الصالة يف الدار املغصوبة فإنه مطيع أبصل الصالة ومسقط للفرض عن نفسه وتعارض االحتمال يف تعارض البواعث يف أصل الصالة أما إذا كان الرايء يف املبادرة مثال دون أصل الصالة مثل من ابدر إىل الصالة يف أول الوقت حلضور مجاعة ولو خال ألخر إىل وسط الوقت ولوال الفرض لكان ال يبتدئ صالة ألجل الرايء فهذا مما يقطع بصحة صالته وسقوط الفرض به ألن ابعث أصل الصالة من حيث إهنا صالة مل يعارضه غريه بل من حيث تعيني الوقت فهذا أبعد من القدح يف النية هذا يف رايء يكون ابعثا على العمل وحامال عليه وأما جمرد السرور إبطالع الناس عليه إذا مل يبلغ أثره إىل حيث يؤثر يف العمل فبعيد أن يفسد الصالة فهذا ما نراه الئقا بقانون الفقه واملسألة غامضة من حيث أن الفقهاء مل يتعرضوا هلا يف فن الفقه والذين خاضوا فيها وتصرفوا مل يالحظوا قوانني الفقه ومقتضى فتاوي الفقهاء يف صحة الصالة وفسادها بل محلهم احلرص على تصفية القلوب وطلب اإلخالص على إفساد العبادات أبن اخلواطر وما ذكرانه هو األقصد فيما نراه والعلم عند هللا عز وجل فيه وهو عامل الغيب والشهادة وهو الرمحن الرحيم. بيان دواء الرايء وطريق معاجلة القلب فيه قد عرفت مما سبق أن الرايء حمبط لألعمال وسبب للمقت عند هللا تعاىل وأنه من كبائر املهلكات وما هذا وصفه فجدير ابلتشمري عن ساق اجلد يف إزالته ولو ابجملاهدة وحتمل املشاق فال شفاء إال يف شرب األدوية املرة البشعة وهذه جماهدة يضطر إليها العباد كلهم إذ الصيب خيلق ضعيف العقل والتمييز ممتد العني إىل اخللق كثري الطمع فيهم فريى الناس يتصنع بعضهم لبعض فيغلب عليه حب التصنع ابلضرورة ويرسخ ذلك يف نفسه وإمنا يشعر بكونه مهلكا بعد كمال عقله وقد انغرس الرايء يف قلبه وترسخ فيه فال يقدر على قمعه إال مبجاهدة شديدة ومكابدة لقوة الشهوات فال ينفك أحد عن احلاجة إىل هذه اجملاهدة ولكنها تشق أوال وختف آخرا ويف عالجه مقامان أحدمها قلع عروقه وأصوله اليت منها انشعابه والثاين دفع ما خيطر منه يف احلال املقام األول يف قلع عروقه واستئصال أصوله وأصله حب املنزلة واجلاه وإذا فضل رجع إىل ثالثة أصول وهي لذة احملمدة والفرار من أمل الذم والطمع فيما يف أيدي الناس ويشهد للرايء هبذه األسباب وأهنا الباعثة للمرائي ما روى أبو موسى أن أعرابيا سأل النيب صلى هللا عليه وسلم فقال اي رسول هللا الرجل يقاتل حديث أيب موسى أن أعرابيا قال اي رسول هللا الرجل يقاتل محية احلديث متفق عليه محية ومعناه أنه أينف أن يقهر أو يذم أبنه مقهور مغلوب وقال والرجل يقاتل لريى مكانه وهذا هو طلب لذة اجلاه والقدر يف القلوب والرجل يقاتل للذكر وهذا هو احلمد ابللسان فقال صلى هللا عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة هللا هي العليا فهو يف سبيل هللا وقال ابن مسعود إذا التقى الصفان نزلت املالئكة فكتبوا الناس على مراتبهم فالن يقاتل للذكر وفالن يقاتل للملك والقتال للملك إشارة إىل الطمع يف الدنيا وقال عمر رضي هللا عنه يقولون فالن شهيد ولعله يكون قد مأل دفيت راحلته ورقا وقال صلى هللا عليه وسلم من غزا ال يبغي إال عقاال فله ما نوى حديث من غزا ال يبغي إال عقاال فله ما نوى أخرجه النسائي وقد تقدم فهذا إشارة إىل الطمع وقد ال يشتهي احلمد وال يطمع فيه ولكن حيذر من أمل الذم كالبخيل بني األسخياء وهم يتصدقون ابملال الكثري فإنه يتصدق ابلقليل كي ال يبخل وهو ليس يطمع يف احلمد وقد سبقه غريه وكاجلبان بني الشجعان ال يفر من الزحف خوفا من الذم وهو ال يطمع يف احلمد وقد هجم غريه على صف القتال ولكن إذا أيس من احلمد كره الذم وكالرجل بني قوم يصلون مجيع الليل فيصلي ركعات معدودة حىت ال يذم ابلكسل وهو ال يطمع يف احلمد وقد يقدر اإلنسان على الصرب عن لذة احلمد وال يقدر على الصرب على أمل الذم ولذلك قد يرتك السؤال عن علم هو حمتاج إليه خيفة من أن يذم ابجلهل ويفيت بغري علم ويدعي العلم ابحلديث وهو به جاهل كل ذلك حذرا من الذم فهذه األمور الثالثة هي اليت حترك املرائي إىل الرايء وعالجه ما ذكرانه يف الشطر األول من الكتاب على اجلملة ولكنا نذكر اآلن ما خيص الرايء وليس خيفى أن اإلنسان إمنا يقصد الشيء ويرغب فيه لظنه أنه خري له وانفع ولذيذ إما يف احلال وإما يف املآل فإن علم إنه لذيذ يف احلال ولكنه ضار يف املآل سهل عليه قطع الرغبة عنه كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إذا ابن له أن فيه مسا أعرض عنه فكذلك طريق قطع هذه الرغبة أن يعلم ما فيه من املضرة ومهما عرف العبد مضرة الرايء وما يفوته من صالح قلبه وما حيرم عنه يف احلال من التوفيق ويف اآلخرة من املنزلة عند هللا وما يتعرض له من العقاب العظيم واملقت الشديد واخلزي الظاهر حيث ينادى على رؤوس اخلالئق اي فاجر اي غادر اي مرائي أما استحييت إذا اشرتيت بطاعة هللا عرض الدنيا وراقبت قلوب العباد واستهزأت بطاعة هللا وحتببت إىل العباد ابلتبغض إىل هللا وتزينت هلم ابلشني عند هللا وتقربت إليهم ابلبعد من هللا وحتمدت إليهم ابلتذمم عند هللا وطلبت رضاهم ابلتعرض لسخط هللا أما كان أحد أهون عليك من هللا فمهما تفكر العبد يف هذا اخلزي وقابل ما حيصل له من العباد والتزين هلم يف الدنيا مبا يفوته يف اآلخرة ومبا حيبط من ثواب األعمال مع أن العمل الواحد رمبا كان يرتجح به ميزان حسناته لو خلص فإذا فسد ابلرايء حول إىل كفة السيئات فرتجح به ويهوي إىل النار فلو مل يكن يف الرايء إال إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيا يف معرفة ضرره وإن كان مع ذلك سائر حسناته راجحة فقد كان ينال هبذه احلسنة علو الرتبة عند هللا يف زمرة النبيني والصديقني وقد حط عنهم بسبب الرايء رد إىل صف النعال من مراتب األولياء هذا مع ما يتعرض له يف الدنيا من تشتت اهلم بسبب مالحظة قلوب اخللق فإن رضا الناس غاية ال تدرك فكل ما يرضي به فريق يسخط به فريق ورضا بعضهم يف سخط بعضهم ومن طلب رضاهم يف سخط هللا سخط هللا عليه وأسخطهم أيضا عليه مث أي غرض له يف مدحهم وإيثار ذم هللا ألجل محدهم وال يزيده محدهم رزقا وال أجال وال ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة وأما الطمع فيما يف أيديهم فبأن يعلم أن هللا تعاىل هو املسخر للقلوب ابملنع واإلعطاء وأن اخللق مضطرون فيه وال رازق إال هللا ومن طمع يف اخللق مل خيل من الذل واخليبة وإن وصل إىل املراد مل خيل عن املنة واملهانة فكيف يرتك ما عند هللا برجاء كاذب ووهم فاسد قد يصيب وقد خيطئ وإذا أصاب فال تفي لذته أبمل منثه ومذلته وأما ذمهم فلم حيذر منه وال يزيده ذمهم شيئا ما مل يكتبه عليه هللا وال يعجل أجله وال يؤخر رزقه وال جيعله من أهل النار إن كان من أهل اجلنة وال يبغضه إىل هللا إن كان حممودا عند هللا وال يزيده مقتا إن كان ممقوات عند هللا فالعباد كلهم عجزة ال ميلكون ألنفسهم ضرا وال نفعا وال ميلكون موات وال حياات وال نشورا فإذا قرر يف قلبه آفة هذه األسباب وضررها فرتت رغبته وأقبل على هللا قلبه فإن العاقل ال يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه ويكفيه أن الناس لو علموا ما يف ابطنه من قصد الرايء وإظهار اإلخالص ملقتوه وسيكشف هللا عن سره حىت يبغضه إىل الناس ويعرفهم أنه مراء وممقوت عند هللا ولو أخلص هلل لكشف هللا هلم إخالصه وحببه إليهم وسخرهم له وأطلق ألسنتهم ابملدح والثناء عليه مع أنه ال كمال يف مدحهم وال نقصان يف ذمهم كما قال شاعر بين متيم إن مدحي زين وإن ذمي شني فقال له رسول هللا صلى هللا عليه وسلم كذبت ذاك هللا الذي ال إله إال هو حديث قال شاعر من بين متيم إن مدحي زين وإن ذمي شني فقال كذبت ذاك هللا أخرجه أمحد من حديث األقرع بن حابس وهو قائل ذلك دون قوله كذبت ورجاله ثقات إال أين ال أعرف أليب سلمة بن عبد الرمحن مساعا من األقرع ورواه الرتمذي من حديث الرباء وحسنه بلفظ فقال رجل إن محدي إذ ال زين إال يف مدحه وال شني إال يف ذمه فأي خري لك يف مدح الناس وأنت عند هللا مذموم ومن أهل النار وأي شر لك من ذم الناس وأنت عند هللا حممود يف زمرة املقربني فمن أحضر يف قلبه اآلخرة ونعيمها املؤبد واملنازل الرفيعة عند هللا استحقر ما يتعلق ابخللق أايم احلياة مع ما فيه من الكدورات واملنغصات واجتمع مهه وانصرف إىل هللا قلبه وختلص من مذلة الرايء ومقاساة قلوب اخللق وانعطف من إخالصه أنوار على قلبه ينشرح هبا صدره وينفتح هبا له من لطائف املكاشفات ما يزيد به أنسه ابهلل ووحشته من اخللق واستحقاره للدنيا واستعظامه لآلخرة وسقط حمل اخللق من قلبه واحنل عنه داعية الرايء وتذلل له منهج اإلخالص فهذا وما قدمنا يف الشطر األول هي األدوية العلمية القالعة مغارس الرايء وأما الدواء العملي فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغالق األبواب دوهنا كما تغلق األبواب دون الفواحش حىت يقنع قلبه بعلم هللا أو إطالعه على عباداته وال تنازعنه النفس إىل طلب علم غري هللا به وقد روي أن بعض أصحاب أيب حفص احلداد ذم الدنيا وأهلها فقال أظهرت ما كان سبيلك أن ختفيه ال جتالسنا بعد هذا فلم يرخص يف إظهار هذا القدر ألن يف ضمن ذم الدنيا دعوى الزهد فيها فال دواء للرايء مثل اإلخفاء وذلك يشق يف بداية اجملاهدة وإذا صرب عليه مدة ابلتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل ألطاف هللا وما ميد به عباده من حسن التوفيق والتأييد والتسديد و إن هللا ال يغري ما بقوم حىت يغريوا ما أبنفسهم فمن العبد اجملاهدة ومن هللا اهلداية ومن العبد قرع الباب ومن هللا فتح الباب وهللا ال يضيع أجر احملسنني وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما املقام الثاين يف دفع العارض منه يف أثناء العبادة وذلك ال بد من تعلمه أيضا فإن من جاهد نفسه وقلع مغارس الرايء من قلبه ابلقناعة وقطع الطمع وإسقاط نفسه من أعني املخلوقني واستحقار مدح املخلوقني وذمهم فالشيطان ال يرتكه يف أثناء العبادات بل يعارضه خبطرات الرايء وال تنقطع عنه نزعاته وهوى النفس وميلها ال ينمحي ابلكلية فال بد وأن يتشمر لدفع ما يعرض من خاطر الرايء وخواطر الرايء ثالثة قد ختطر دفعة واحدة كاخلاطر الواحد وقد ترتادف على التدريج فاألول العلم ابطالع اخللق ورجاء اطالعهم مث يتلوه هيجان الرغبة من النفس يف محدهم وحصول املنزلة عندهم مث يتلوه هيجان الرغبة يف قبول النفس له والركون إليه وعقد الضمري على حتقيقه فاألول معرفة والثاين حالة تسمى الشهوة والرغبة والثالث فعل يسمى العزم وتصميم العقد وإمنا كمال القوة يف دفع اخلاطر األول ورده قبل أن يتلوه الثاين فإذا خطر له معرفة اطالع اخللق أو رجاء اطالعهم دفع ذلك أبن قال مالك وللخلق علموا أو مل يعلموا وهللا عامل حبالك فأي فائدة يف علم غريه فإن هاجت الرغبة إىل لذة احلمد يذكر ما رسخ يف قلبه من قبل من آفة الرايء وتعرضه للمقت عند هللا يف القيامة وخيبته يف أحوج أوقاته إىل أعماله فكما أن معرفة اطالع الناس تثري شهوة ورغبة يف الرايء فمعرفة آفة الرايء تثري كراهة له تقابل تلك الشهوة إذ يتفكر يف تعرضه ملقت هللا وعقابه األليم والشهوة تدعوه إىل القبول والكراهة تدعوه إىل اإلابء والنفس تطاوع ال حمالة أقوامها وأغلبهما فإذن ال بد يف رد الرايء من ثالثة أمور املعرفة والكراهة واإلابء وقد يشرع العبد يف العبادة على عزم اإلخالص مث يرد خاطر الرايء فيقبله وال حتضره املعرفة وال الكراهة اليت كان الضمري منطواي عليها وإمنا سبب ذلك امتالء القلب خبوف الذم وحب احلمد واستيالء احلرص عليه حبيث ال يبقى يف القلب متسع لغريه فيعزب عن القلب املعرفة السابقة آبفات الرايء وشؤم عاقبته إذ مل يبق موضع يف القلب خال عن شهوة احلمد أو خوف الذم وهو كالذي حيدث نفسه ابحللم وذم الغضب ويعزم على التحلم عند جراين سبب الغضب مث جيري من األسباب ما يشتد به غضبه فينسى سابقة عزمه وميتلئ قلبه غيظا مينع من تذكر آفة الغضب ويشغل قلبه عنه فكذلك حالوة الشهوة متأل القلب وتدفع نور املعرفة مثل مرارة الغضب وإليه أشار جابر بقوله ابيعنا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حتت الشجرة على أن ال نفر ومل نبايعه على املوت فأنسيناها يوم حنني حديث جابر ابيعنا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حتت الشجرة على أن ال نفر احلديث أخرجه مسلم خمتصرا دون ذكر يوم حنني فرواه مسلم من حديث العباس حىت نودي اي أصحاب الشجرة فرجعوا وذلك ألن القلوب امتألت ابخلوف فنسيت العهد السابق حىت ذكروا وأكثر الشهوات اليت هتجم فجأة هكذا تكون إذ ينسى معرفة مضرته الداخلة يف عقد اإلميان ومهما نسي املعرفة مل تظهر الكراهة فإن الكراهة مثرة املعرفة وقد يتذكر اإلنسان فيعلم أن اخلاطر الذي خطر له هو خاطر الرايء الذي يعرضه لسخط هللا ولكن يستمر عليه لشدة شهوته فيغلب هواه عقله وال يقدر على ترك لذة احلال فيسوف ابلتوبة أو يتشاغل عن التفكر يف ذلك لشدة الشهوة فكم من عامل حيضره كالم ال يدعوه إىل فعله إال رايء اخللق وهو يعلم ذلك ولكنه يستمر عليه فتكون احلجة عليه أوكد إذ قبل داعي الرايء مع علمه بغائلته وكونه مذموما عند هللا وال تنفعه معرفته إذا خلت املعرفة عن الكراهة وقد حتضر املعرفة والكراهة ولكن مع ذلك يقبل داعي الرايء لكون الكراهة ضعيفة ابإلضافة إىل قوة الشهوة وهذا أيضا ال ينتفع بكراهته إذ الغرض من الكراهة أن تصرف عن الفعل فإذن ال فائدة إال يف اجتماع الثالث وهي املعرفة والكراهة واإلابء فاإلابء مثرة الكراهة والكراهة مثرة املعرفة وقوة املعرفة حبسب قوة اإلميان ونور العلم وضعف املعرفة حبسب الغفلة وحب الدنيا ونسيان اآلخرة وقلة التفكر فيما عند هللا وقلة التأمل يف آفات احلياة الدنيا وعظيم نعيم اآلخرة وبعض ذلك ينتج بعضا ويثمره وأصل ذلك كله حب الدنيا وغلبة الشهوات فهو رأس كل خطيئة ومنبع كل ذنب ألن حالوة حب اجلاه واملنزلة ونعيم الدنيا هي اليت تغضب القلب وتسلبه وحتول بينه وبني التفكر يف العاقبة واالستضاءة بنور الكتاب وألسنة وأنوار العلوم فإن قلت فمن صادف من نفسه كراهة الرايء ومحلته الكراهة على اإلابء ولكنه مع ذلك غري خال عن ميل الطبع إليه وحبه له ومنازعته إايه إال أنه كاره حلبه ومليله إليه وغري حمبب إليه فهل يكون يف زمرة املرائني فاعلم أن هللا مل يكلف العباد إال ما تطيق وليس يف طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته وال قمع الطبع حىت ال مييل إىل الشهوات وال ينزع إليها وإمنا غايته أن يقابل شهوته بكراهة استثمارها من معرفة العواقب وعلم الدين وأصول اإلميان ابهلل واليوم اآلخر فإذا فعل ذلك فهو الغاية يف آداء ما كلف به ويدل على ذلك من األخبار ما روي أن أصحاب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم شكوا إليه وقالوا تعرض لقلوبنا أشياء ألن ختر من السماء فتخطفنا الطري أو هتوي بنا الريح يف مكان سحيق أحب إلينا من أن نتكلم هبا فقال صلى هللا عليه وسلم أو قد وجدمتوه قالوا نعم قال ذلك صريح اإلميان حديث شكوى الصحابة ما يعرض يف قلوهبم وقوله ذلك صريح اإلميان أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود خمتصرا سئل النيب صلى هللا عليه وسلم عن الوسوسة فقال ذلك حمض اإلميان والنسائي يف اليوم الليلة وابن حبان يف صحيحه ورواه النسائي فيه من حديث عائشة ومل جيدوا إال الوسواس والكراهة له وال ميكن أن يقال أراد بصريح اإلميان الوسوسة فلم يبق إال محله على الكراهة املساوقة للوسوسة والرايء وإن كان عظيما فهو دون الوسوسة يف حق هللا تعاىل فإذا اندفع ضرر األعظم ابلكراهة فبأن يندفع هبا ضرر األصغر أوىل وكذلك يروى عن النيب صلى هللا عليه وسلم يف حديث ابن عباس أنه قال احلمد هلل الذي رد كيد الشيطان إىل الوسوسة حديث ابن عباس احلمد هلل الذي رد كيد الشيطان إىل الوسوسة أخرجه أبو داود والنسائي يف اليوم والليلة بلفظ كيده وقال أبو حازم ما كان من نفسك وكرهته نفسك لنفسك فال يضرك ما هو من عدوك وما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه فإذن وسوسة الشيطان ومنازعة النفس ال تضرك مهما رددت مرادمها ابإلابء والكراهة واخلواطر اليت هي العلوم والتذكرات والتخيالت لألسباب املهيجة للرايء هي من الشيطان والرغبة وامليل بعد تلك اخلواطر من النفس والكراهة من اإلميان ومن آاثر العقل إال أن للشيطان ههنا مكيدة وهي أنه إذا عجز عن محله على قبول الرايء خيل إليه أن صالح قلبه يف االشتغال مبجادلة الشيطان ومطاولته يف الرد واجلدال حىت يسلبه ثواب اإلخالص وحضور القلب ألن االشتغال مبجادلة الشيطان ومدافعته انصراف عن سر املناجاة مع هللا فيوجب ذلك نقصاان يف منزلته عند هللا واملتخلصون عن الرايء يف دفع خواطر الرايء على أربع مراتب األوىل أن يرده على الشيطان فيكذبه وال يقتصر عليه بل يشتغل مبجادلته ويطيل اجلدال معه لظنه أن ذلك أسلم لقلبه وهو على التحقيق نقصان ألنه اشتغل عن مناجاة هللا وعن اخلري الذي هو بصدده وانصرف إىل قتال قطاع الطريق والتعريج على قتال قطاع الطريق نقصان يف السلوك الثانية أن يعرف أن اجلدال والقتال نقصان يف السلوك فيقتصر على تكذيبه ودفعه وال يشتغل مبجادلته الثالثة أن ال يشتغل بتكذيبه أيضا ألن ذلك وقفة وإن قلت بل يكون قد قرر يف عقد ضمريه كراهة الرايء وكذب الشيطان فيستمر على ما كان عليه مستصحبا للكراهة غري مشتغل ابلتكذيب وال ابملخاصمة الرابعة أن يكون قد علم أن الشيطان سيحسده عند جراين أسباب الرايء فيكون قد عزم على أنه مهما نزع الشيطان زاد فيما هو فيه من اإلخالص واالشتغال ابهلل وإخفاء الصدقة والعبادة غيظا للشيطان وذلك هو الذي يغيظ الشيطان ويقمعه ويوجب أيسه وقنوطه حىت ال يرجع يروي عن الفضيل بن غزوان أنه قيل له إن فالان يذكرك فقال وهللا ألغيظن من أمره قيل ومن أمره قال الشيطان اللهم اغفر له أي ألغيظنه أبن أطع هللا فيه ومهما عرف الشيطان من عبد هذه العادة كف عنه خيفة من أن يزيد يف حسناته وقال إبراهيم التيمي إن الشيطان ليدعو العبد إىل الباب من اإلمث فال يطعه وليحدث عند ذلك خريا فإذا رآه كذلك تركه وقال أيضا إذا رآك الشيطان مرتددا طمع فيك وإذا رآك مداوما ملك وقالك وضرب احلارث احملاسيب رمحه هللا هلذه األربعة مثاال أحسن فيه فقال مثاهلم كأربعة قصدوا جملسا من العلم واحلديث لينالوا به فائدة وفضال وهداية ورشدا فحسدهم على ذلك ضال مبتدع وخاف أن يعرفوا احلق فتقدم إىل واحد فمنعه وصرفه عن ذلك ودعاه إىل جملس ضالل فأىب فلما عرف إابءه شغله ابجملادلة فاشتغل معه لريد ضالله وهو يظن أن ذلك مصلحة له وهو غرض الضال ليفوت عليه بقدر أتخره فلما مر الثاين عليه هناه واستوقفه فوقف فدفع يف حنر الضال ومل يشتغل ابلقتال واستعجل ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع فيه ومر به الثالث فلم يلتفت إليه ومل يشتغل بدفعه وال بقتاله بل استمر على ما كان فخال منه رجاؤه ابلكلية فمر الرابع فلم يتوقف له وأراد أن يغيظه فزاد يف عجلته وترك التأين يف املشي فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود اجلميع إال هذا األخري فإنه ال يعاوده خيفة من أن يزداد فائدة ابستعجاله فإن قلت فإذا كان الشيطان ال تؤمن نزغاته فهل جيب الرتصد له قبل حضوره للحذر منه انتظارا لوروده أم جيب التوكل على هللا ليكون هو الدافع له أو جيب االشتغال ابلعبادة والغفلة عنه قلنا اختلف الناس فيه على ثالثة أوجه فذهبت فرقة من أهل البصرة إىل أن األقوايء قد استغنوا عن احلذر من الشيطان ألهنم انقطعوا إىل هللا واشتغلوا حببه فاعتزهلم الشيطان وأيس منهم وخنس عنهم كما أيس من ضعفاء العباد يف الدعوة إىل اخلمر والزان فصارت مالذ الدنيا عندهم وإن كانت مباحة كاخلمر واخلنزير فارحتلوا من حبها ابلكلية فلم يبق للشيطان إليهم سبيل فال حاجة هبم إىل احلذر وذهبت فرقة من أهل الشام إىل أن الرتصد للحذر منه إمنا حيتاج إليه من قل يقينه ونقص توكله فمن أيقن أبن ال شريك هلل يف تدبريه فال حيذر غريه ويعلم أن الشيطان ذليل خملوق ليس له أمر وال يكون إال ما أراده هللا فهو الضار والنافع والعارف يستحي منه أن حيذر غريه فاليقني ابلوحدانية يغنيه عن احلذر وقالت فرقة من أهل العلم ال بد من احلذر من الشيطان وما ذكره البصريون من أن األقوايء قد استغنوا عن احلذر وخلت قلوهبم عن حب الدنيا ابلكلية فهو وسيلة الشيطان يكاد يكون غرورا إذ األنبياء عليهم السالم مل يتخلصوا من وسواس الشيطان ونزغاته فكيف يتخلص غريهم وليس كل وسواس الشيطان من الشهوات وحب الدنيا بل يف صفات هللا تعاىل وأمسائه ويف حتسني البدع والضالل وغري ذلك وال ينجو أحد من اخلطر فيه ولذلك قال تعاىل وما أرسلنا من قبلك من رسول وال نيب إال إذا متىن ألقى الشيطان يف أمنيته فينسخ هللا ما يلقي الشيطان مث حيكم هللا آايته وقال النيب صلى هللا عليه وسلم إنه ليغان على قليب ي حديث إنه ليغان على قليب تقدم مع أن شيطانه قد أسلم وال أيمره إال خبري حديث إن شيطانه أسلم فال أيمر إال خبري تقدم أيضا فمن ظن أن اشتغاله حبب هللا أكثر من اشتغال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وسائر األنبياء عليهم السالم فهو مغرور ومل يؤمنهم ذلك من كيد الشيطان ولذلك مل يسلم منه آدم وحواء يف اجلنة اليت هي دار األمن والسرور بعد أن قال هللا هلما إن هذا عدو لك ولزوجك فال خيرجنكما من اجلنة فتشقى إن لك أال جتوع فيها وال تعرى وأنك ال تظمأ فيها وال تضحى ومع أنه مل ينه إىل عن شجرة واحدة وأطلق له وراء ذلك ما أراد فإذا مل أيمن من نيب من األنبياء وهو يف اجلنة دار األمن والسعادة من كيد الشيطان فكيف جيوز لغريه أن أيمن يف دار والدنيا وهي منبع احملن والفنت معدن املالذ والشهوات املنهي عنها وقال موسى عليه السالم فيما أخرب عنه تعاىل هذا من عمل الشيطان ولذلك حذر هللا منه مجيع اخللق فقال هللا تعاىل اي بين آدم ال يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من اجلنة وقال عز وجل إنه يراكم هو وقبيله من حيث ال تروهنم والقرآن من أوله إىل آخره حتذير من الشيطان فكيف يدع األمن منه وأخذ احلذر من حيث أمر هللا به ال ينايف االشتغال حبب هللا فإن من احلب له امتثال أمره وقد أمر ابحلذر من العدو كما أمر ابحلذر من الكفار فقال تعاىل وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم وقال تعاىل وأعدوا هلم ما استطعتم من قوة ومن رابط اخليل فإذا لزمك أبمر هللا احلذر من العدو الكافر وأنت تراه فبأن يلزمك احلذر من عدو يراك وال تراه أوىل ولذلك قال ابن حمرييز صيد تراه وال يراك يوشك أن تظفر به وصيد يراك وال تراه يوشك أن يظفر بك فأشار إىل الشيطان فكيف وليس يف الغفلة عن عداوة الكافر إال قتل هو شهادة ويف إمهال احلذر من الشيطان التعرض للنار والعقاب األليم فليس من االشتغال ابهلل اإلعراض عما حذر هللا وبه يبطل مذهب الفرقة الثانية يف ظنهم أن ذلك قادح يف التوكل فإن أخذ الرتس والسالح ومجع اجلنود وحفر اخلندق مل يقدح يف توكل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فكيف يقدح يف التوكل اخلوف مما خوف هللا به واحلذر مما أمر ابحلذر منه وقد ذكران يف كتاب التوكل ما يبني غلط من زعم أن معىن التوكل النزوع عن األسباب ابلكلية وقوله تعاىل وأعدوا هلم ما استطعتم من قوة ومن رابط اخليل ال يناقض امتثال التوكل مهما اعتقد القلب أن الضار والنافع واحمليي واملميت هو هللا تعاىل فكذلك حيذر الشيطان ويعتقد أن اهلادي واملضل هو هللا ويرى األسباب وسائط مسخرة كما ذكرانه يف التوكل وهذا ما اختاره احلارث احملاسيب رمحه هللا وهو الصحيح الذي يشهد له نور العلم وما قبله يشبه أن يكون من كالم العباد الذين مل يغزر علمهم ويظنون أن ما يهجم عليهم من األحوال يف بعض األوقات من االستغراق ابهلل يستمر على الدوام وهو بعيد مث اختلفت هذه الفرقة على ثالثة أوجه يف كيفية احلذر فقال قوم إذا حذران هللا تعاىل العدو فال ينبغي أن يكون شيء أغلب يف قلوبنا عن ذكره واحلذر منه والرتصد له فإان إن غفلنا عنه حلظة فيوشك أن يهلكنا وقال قوم إن ذلك يؤدي إىل خلو القلب عن ذكر هللا واشتغال اهلم كله ابلشيطان وذلك مراد الشيطان منا بل نشتغل ابلعبادة وبذكر هللا تعاىل وال ننسى الشيطان وعداوته واحلاجة إىل احلذر منه فنجمع بني األمرين فإان إن نسينا رمبا عرض من حيث ال حنت سب وإن جتردان لذكره كنا قد أمهلنا ذكر هللا فاجلمع أوىل وقال العلماء احملققون غلط الفريقان أما األول فقد جترد لذكر الشيطان ونسي ذكر هللا فال خيفى غلطه وإمنا أمران ابحلذر من الشيطان كيال يصدان عن الذكر فكيف جنعل ذكره أغلب األشياء على قلوبنا وهو منتهى ضرر الع دو مث يؤدي ذلك إىل خلو القلب عن نور ذكر هللا تعاىل فإذا قصد الشيطان مثل هذا القلب وليس فيه نور ذكر هللا تعاىل وقوة االشتغال به فيوشك أن يظفر به وال يقوى على دفعه فلم أيمران ابنتظار الشيطان وال إبدمان ذكره وأما الفرقة الثانية فقد شاركت األوىل إذ مجعت يف الق لب بني ذكر هللا والشيطان وبقدر ما يشتغل القلب بذكر الشيطان ينقص من ذكر هللا وقد أمر هللا اخللق بذكره ونسيان ما عداه إبليس وغريه فاحلق أن يلزم العبد قلبه احلذر من الشيطان ويقرر على نفسه عداوته فإذا اعتقد ذلك وصدق به وسكن احلذر فيه فيشتغل بذكر هللا ويكب عليه بكل اهلمة وال خيطر بباله أمر الشيطان فإنه إذا اشتغل بذلك بعد معرفة عداوته مث خطر الشيطان له تنبه له وعند التنبه يشتغل بدفعه واالشتغال بذكر هللا ال مينع من التيقظ عند نزغة الشيطان بل الرجل ينام وهو خائف من أن يفوته مهم عند طلوع الصبح فيلزم نفسه احلذر وينام على أن يتنبه يف ذلك الوقت فيتنبه يف الليل مرات قبل أوانه ملا أسكن يف قلبه من احلذر مع أنه ابلنوم غافل عنه فاشتغاله بذكر هللا كيف مينع تنبهه ومثل هذا القلب هو الذي يقوى على دفع العدو إذا كان اشتغاله مبجرد ذكر هللا تعاىل قد أمات منه اهلوى وأحيا فيه نور العقل والعلم وأماط عنه ظلمة الشهوات فأهل البصرية أشعروا قلوهبم عداوة الشيطان وترصده وألزموها احلذر مث مل يشتغلوا بذكره بل بذكر هللا ودفعوا ابلذكر شر العدو واستضاءوا بنور الذكر حىت صرفوا خواطر العدو فمثال القلب مثال بئر أريد تطهريها من املاء القذر ليتفجر منها املاء الصايف فاملشتغل بذكر الشيطان قد ترك فيها املاء القذر والذي مجع بني ذكر الشيطان وذكر هللا قد نزح املاء القذر من جانب ولكنه تركه جاراي إليها من جانب آخر فيطول تعبه وال جتف البئر من املاء القذر والبصري هو الذي جعل جملرى املاء القذر سدا ومألها ابملاء الصايف فإذا جاء املاء القذر دفعه ابلسكر والسد من غري كلفة ومؤنة وزايدة تعب. بيان الرخصة يف قصد إظهار الطاعات اعلم أن يف األسرار لألعمال فائدة اإلخالص والنجاة من الرايء ويف اإلظهار فائدة واإلقتداء وترغيب الناس يف اخلري ولكن فيه آفة الرايء قال احلسن قد علم املسلمون أن السر أحرز العملني ولكن يف اإلظهار أيضا فائدة ولذلك أثىن هللا تعاىل على السر والعالنية فقال إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن ختفوها وتؤتوها الفقراء فهو خري لكم واإلظهار قسمان أحدمها يف نفس العمل واآلخر التحدث مبا عمل القسم األول إظهار نفس العمل كالصدقة يف املأل لرتغيب الناس فيها كما روي عن األنصاري الذي جاء ابلصرة فتتابع الناس ابلعطية ملا رأوه فقال النيب صلى هللا عليه وسلم من سن سنة حسنة فعمل هبا كان له أجرها وأجر من اتبعه حديث من سن سنة حسنة فعمل هبا كان له أجرها وأجر من اتبعه ويف أوله قصة مسلم من حديث جرير بن عبد هللا البيهقي وجتري سائر األعمال هذا اجملرى من الصالة والصيام واحلج والغزو وغريها ولكن االقتداء يف الصدقة على الطباع أغلب نعم الغازي إذا هم ابخلروج فاستعد وشد الرحل قبل القوم حتريضا هلم على احلركة فذلك أفضل له ألن الغزو يف أصله من أعمال العالنية ال ميكن إسراره فاملبادرة إليه ليست من اإلعالن بل هو حتريض جمرد وكذلك الرجل قد يرفع صوته يف الصالة ابلليل لينبه جريانه وأهله فيقتدى به فكل عمل ال ميكن إسراره كاحلج واجلهاد واجلمعة فاألفضل املبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن ال يكون فيه شوائب الرايء وأما ما ميكن إسراره كالصدقة والصالة فإن كان إظهار الصدقة يؤذي املتصدق عليه ويرغب الناس يف الصدقة فالسر أفضل ألن اإليذاء حرام فإن مل يكن فيه إيذاء فقد اختلف الناس يف األفضل فقال قوم السر أفضل من العالنية وإن كان يف العالنية قدوة وقال قوم السر أفضل من عالنية ال قدوة فيها أما العالنية للقدوة فأفضل من السر ويدل على ذلك أن هللا عز وجل أمر األنبياء إبظهار العمل لالقتداء وخصهم مبنصب النبوة وال جيوز أن يظن هبم أهنم حرموا أفضل العملني ويدل عليه قوله صلى هللا عليه وسلم فله أجرها وأجر من عمل هبا وقد روي يف احلديث إن عمل السر يضاعف على عمل العالنية سبعني ضعفا ويضاعف عمل العالنية إذا اسنت بعامله على عمل السر سبعني ضعفا حديث إن عمل السر يضاعف على عمل العالنية بسبعني ضعفا ويضاعف عمل العالنية إذا اسنت به على عمل السر سبعني ضعفا أخرجه البيهقي يف الشعب من حديث أيب الدردا ء مقتصرا على الشطر األول بنحوه وقال هذا من أفراد بقية عن شيوخه اجملهولني وقد تقدم قبل هذا بنحو ورقتني وله من حديث ابن عمر عمل السر أفضل من عمل العالنية والعالنية أفضل ملن أراد االقتداء وقال تفرد به بقية عن عبد امللك بن مهران وله من حديث عائشة يفضل أو يضاعف الذكراخلفي الذي ال يسمعه احلفظة على الذي تسمعه بسبعني ضعفا وقال تفرد به معاوية بن حيىي الصديف وهو ضعيف وهذا ال وجه للخالف فيه فإنه مهما انفك القلب عن شوائب الرايء ومت اإلخالص على وجه واحد يف احلالتني فما يقتدى به أفضل ال حمالة وإمنا خياف من ظهور الرايء وم هما حصلت شائبة الرايء مل ينفعه اقتداء غريه وهلك به فال خالف يف أن السر أفضل منه ولكن على من يظهر العمل وظيفتان إحدامها أن يظهره حيث يعلم أنه يقتدى به أو يظن ذلك ظنا ورب رجل يقتدي به أهله دون جريانه ورمبا يقتدي به جريانه دون أهل السوق ورمبا يقتدي به أهل حملته وإمنا العامل املعروف هو الذي يقتدي به الناس كافة فغري العامل إذا أظهر بعض الطاعات رمبا نسب إىل الرايء والنفاق وذموه ومل يقتدوا به فليس له اإلظهار من غري فائدة وإمنا يصح اإلظهار بنية القدوة ممن هو يف حمل القدوة على من هو يف حمل االقتداء به والثانية أن يراقب قلبه فإنه رمبا يكون فيه حب الرايء اخلفي فيدعوه اإلظهار بعذر االقتداء وإمنا شهوته التجمل ابلعمل وبكونه يقتدى به وهذا حال كل من يظهر أعماله إال األقوايء املخلصني وقليل ما هم فال ينبغي أن خيدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك وهو ال يشعر فإن الضعيف مثاله مثال الغريق الذي حيسن سباحة ضعيفة فنظر إىل مجاعة من الغرقى فرمحهم فأقبل عليهم حىت تشبثوا به فهلكوا وهلك والغرق ابملاء يف الدنيا أمله ساعة وليت كان اهلالك ابلرايء مثله ال بل عذابه دائم مدة مديدة وهذه مزلة أقدام العباد والعلماء فإهنم يتشبهون ابألقوايء يف اإلظهار وال تقوى قلوهبم على اإلخالص فتحبط أجورهم ابلرايء والتفطن لذلك غامض وحمك ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو قيل له أخف العمل حىت يقتدي الناس بعابد آخر من أقرانك ويكون لك يف السر مثل أجر اإلعالن فإن مال قلبه إىل أن يكون هو املقتدى به وهو املظهر للعمل فباعثه الرايء دون طلب األجر واقتداء الناس به ورغبتهم يف اخلري فإهنم قد رغبوا يف اخلري ابلنظر إىل غريه وأجره قد توفر عليه مع إسراره فما ابل قلبه مييل إىل اإلظهار لوال مالحظته ألعني اخللق ومراءاهتم فليحذر العبد خدع النفس فإن النفس خدوع والشيطان مرتصد وحب اجلاه على القلب غالب وقلما تسلم األعمال الظاهرة عن اآلفات فال ينبغي أن يعدل ابلسالمة شيئا والسالمة يف اإلخفاء ويف اإلظهار من األخطار ما ال يقوى عليه أمثالنا فاحلذر من اإلظهار أوىل بنا وجبميع الضعفاء القسم الثاين أن يتحدث مبا فعله بعد الفراغ وحكمه حكم إظهار العمل نفسه واخلطر يف هذا أشد ألن مؤنة النطق خفيفة على اللسان وقد جتري يف احلكاية زايدة ومبالغة وللنفس لذة يف إظهار الدعاوي عظيمة إال أنه لو تطرق إليه الرايء مل يؤثر يف إفساد العبادة املاضية بعد الفراغ منها فهو من هذا الوجه أهون واحلكم فيه أن من قوي قلبه ومت إخالصه وصغر الناس يف عينه واستوى عنده مدحهم وذمهم وذكر ذلك عند من يرجو االقتداء به والرغبة يف اخلري بسببه فهو جائز بل هو مندوب إليه إن صفت النية وسلمت عن مجيع اآلفات ألنه ترغيب يف اخلري والرتغيب يف اخلري خري وقد نقل مثل ذلك عن مجاعة من السلف األقوايء قال سعد بن معاذ ما صليت صالة منذ أسلمت فحدثت نفسي بغريها وال تبعت جنازة فحدثت نفسي بغري ما هي قائلة وما هو مقول هلا وما مسعت النيب صلى هللا عليه وسلم يقول قوال قط إال علمت أنه حق وقال عمر رضي هللا عنه ما أابيل أصبحت على عسر أو يسر ألين ال أدري أيهما خري يل وقال ابن مسعود ما أصبحت على حال فتمنيت أن أكون على غريها وقال عثمان رضي هللا عنه ما تغنيت وال متنيت وال مسست ذكري بيميين منذ ابيعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حديث عثمان قوله ما تغنيت وال متنيت وال مسست ذكري بيميين منذ ابيعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم احلديث أخرجه أبو يعلى امل وصلي يف معجمه إبسناد ضعيف من رواية أنس عنه يف أثناء حديث وإن عثمان قال اي رسول هللا فذكره بلفظ منذ ابيعتك قال هو ذاك اي عثمان وقال شداد بن أوس ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت حىت أزمها وأخطمها غري هذه وكان قد قال لغالمه ائتنا ابلسفرة لنبعث هبا حىت ندرك الغداء وق ال أبو سفيان ألهله حني حضره املوت ال تبكوا علي فإين ما أحدثت ذنبا منذ أسلمت وقال عمر بن عبد العزيز رمحه هللا تعاىل ما قضى هللا يف بقضاء قط فسرين أن يكون قضى يل بغريه وما أصبح يل هوى إال يف مواقع قدر هللا فهذا كله إظهار ألحوال شريفة وفيها غاية املراءاة إذا صدرت ممن يرائي هبا وفيها غاية الرتغيب إذا صدرت ممن يقتدى به فذلك على قصد االقتداء جائز لألقوايء ابلشروط اليت ذكرانها فال ينبغي أن يسد ابب إظهار األعمال والطباع جمبولة على حب التشبه واالقتداء بل إظهار املرائي للعبادة إذا مل يعلم الناس أنه رايء فيه خري كثري للناس ولكنه شر للمرائي فكم من خملص كان سبب إخالصه االقتداء مبن هو مراء عند هللا وقد روي أنه كان جيتاز اإلنسان يف سكك البصرة عند الصبح فيسمع أصوات املصلني ابلقرآن من البيوت فصنف بعضهم كتااب يف دقائق الرايء فرتكوا ذلك وترك الناس الرغبة فيه فكانوا يقولون ليت ذلك الكتاب مل يصنف فإظهار املرائي فيه خري كثري لغريه إذا مل يعرف رايؤه وإن هللا يؤيد هذا الدين ابلرجل الفاجر وأبقوام ال خالق هلم حديث إن هللا ليؤيد هذا الدين ابلرجل الفاجر وأبقوام ال خالق هلم مها حديثان فاألول متفق عليه من حديث أيب هريرة وقد تقدم يف العلم والثاين رواه النسائي من حديث أنس بسند صحيح وتقدم أيضا كما ورد يف األخبار وبعض املرائني ممن يقتدى به منهم وهللا تعاىل أعلم. بيان الرخصة يف كتمان الذنوب وكراهة إطالع الناس عليها وكراهة ذمهم له اعلم أن األصل يف اإلخالص استواء السريرة والعالنية كما قال عمر رضي هللا عنه لرجل عليك بعمل العالنية قال اي أمري املؤمنني وما عمل العالنية قال ما إذا اطلع عليك مل تستحي منه وقال أبو مسلم اخلوالين ما عملت عمال أابيل أن يطلع الناس عليه إال إتياين أهلي والبول والغائط إال أن هذه درجة عظيمة ال يناهلا كل واحد وال خيلو اإلنسان عن ذنوب بقلبه أو جبوارحه وهو خيفيها ويكره اطالع الناس عليها ال سيما ما ختتلج به اخلواطر يف الشهوات واألماين وهللا مطلع على مجيع ذلك فإرادة العبد إلخفائها عن العبيد رمبا يظن أنه رايء حمظور وليس كذلك بل احملظور أنه يسرت ذلك لريى الناس أنه ورع خائف من هللا تعاىل مع أنه ليس كذلك فهذا هو سرت املرائي وأما الصادق الذي ال يرائي فله سرت املعاصي ويصح قصده فيه ويصح اغتمامه ابطالع الناس عليه يف مثانية أوجه األول أن يفرح بسرت هللا عليه وإذا افتضح اغتم هبتك هللا سرته وخاف أن يهتك سرته يف القيامة إذ ورد يف اخلرب أن من سرت هللا عليه يف الدنيا ذنبا سرته هللا عليه يف اآلخرة حديث إن من سرت عليه يف الدنيا يسرت عليه يف اآلخرة تقدم قبل هذا بورقة وهذا غم ينشأ من قوة اإلميان الثاين أنه قد علم أن هللا تعاىل يكره ظهور املعاصي وحيب سرتها كما قال صلى هللا عليه وسلم من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليسترت بسرت هللا حديث من ارتكب من هذه القاذورات شيئا فليسترت بسرت هللا أخرجه احلاكم يف املستدرك وقد تقدم فهو وإن عصى هللا ابلذنب فلم خيل قلبه عن حمبة ما أحبه هللا وهذا ينشأ من قوة اإلميان بكراهة هللا لظهور املعاصي وأثر الصدق فيه أن يكره ظهور الذنب من غريه أيضا ويغتم بسببه الثالث أن يكره ذم الناس له به من حيث إن ذلك يغمه ويشغل قلبه وعقله عن طاعة هللا تعاىل فإن الطبع يتأذى ابلذم وينازع العقل ويشغل عن الطاعة وهبذه العلة أيضا ينبغي أن يكره احلمد الذي يشغله عن ذكر هللا تعاىل ويستغرق قلبه ويصرفه عن الذكر وهذا أيضا من قوة اإلميان إذ صدق الرغبة يف فراغ القلب ألجل الطاعة من اإلميان الرابع أن يكون سرته ورغبته فيه لكراهته لذم الناس من حيث يتأذى طبعه فإن الذم مؤمل للقلب كما أن الضرب مؤمل للبدن وخوف أتمل القلب ابلذم ليس حبرام وال اإلنسان به عاص وإمنا يعصي إذا جزعت نفسه من ذم الناس ودعته إىل ما ال جيوز حذرا من ذمهم وليس جيب على اإلنسان أن ال يغتم بذم اخللق وال يتأمل به نعم كمال الصدق يف أن تزول عنه رؤيته للخلق فيستوي عنده ذامه ومادحه لعلمه أن الضار والنافع هو هللا وأن العباد كلهم عاجزون وذلك قليل جدا وأكثر الطباع تتأمل ابلذم ملا فيه من الشعور ابلنقصان ورب أتمل ابلذم حممود إذا كان الذام من أهل البصرية يف الدين فإهنم شهداء هللا وذمهم يدل على ذم هللا تعاىل وعلى نقصان يف الدين فكيف ال يغتم به نعم الغم املذموم هو أن يغتم لفوات احلمد ابلورع كأنه حيب أن حيمد ابلورع وال جيوز أن حيب أن حيمد بطاعة هللا فيكون قد طلب بطاعة هللا ثوااب من غريه فإن وجد ذلك يف نفسه وجب عليه أن يقابله ابلكراهة والرد وأما كراهة الذم ابملعصية من حيث الطبع فليس مبذموم فله السرت حذرا من ذلك ويتصور أن يكون العبد حبيث ال حيب احلمد ولكن يكره الذم وإمنا مراده أن يرتكه الناس محدا وذما فكم من صابر عن لذة احلمد ال يصرب على أمل الذم إذ احلمد بطلب اللذة وعدم اللذة ال يؤمل وأما الذم فإنه مؤمل فحب احلمد على الطاعة طلب ثواب على الطاعة يف احلال وأما كراهة الذم على املعصية فال حمذور فيه إال أمر واحد وهو أن يشغله غمه ابطالع الناس على ذنبه عن اطالع هللا فإن ذلك غاية النقصان يف الدين بل ينبغي أن يكون غمه ابطالع هللا وذمه له أكثر اخلامس أن يكره الذم من حيث إن الذام قد عصى هللا تعاىل به وهذا من اإلميان وعالمته أن يكره ذمه لغريه أيضا فهذا التوجع ال يفرق بينه وبني غريه خبالف التوجع من جهة الطبع السادس أن يسرت ذلك كيال يقصد بشر إذا عرف ذنبه وهذا وراء أمل الذم فإن الذم مؤمل من حيث يشعر القلب بنقصانه وخسته وإن كان ممن يؤمن شره وقد خياف شر من يطلع على ذنبه بسبب من األسباب فله أن يسرت ذلك حذرا منه السابع جمرد احلياء فإنه نوع أمل وراء أمل الذم والقصد ابلشر وهو خلق كر م حيدث يف أول الصبا مهما أشرق عليه نور العقل فيستحي من القبائح إذا شوهدت وهو منه وصف حممود إذ قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم احلياء خري كله حديث احلياء خري كله أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصني وقد تقدم صلى هللا عليه وسلم وقال احلياء شعبة من اإلميان حديث احلياء شعبة من اإلميان متفق عليه من حديث أيب هريرة وقد تقدم وقال صلى هللا عليه وسلم احلياء ال أييت إال خبري حديث احلياء ال أييت إال خبري متفق عليه من حديث عمران بن حصني وقد تقدم وقال صلى هللا عليه وسلم إن هللا حيب احلىي احلليم حديث إن هللا حيب احلىي احلليم أخرجه الطرباين من حديث فاطمة وللبزار من حديث أيب هريرة إن هللا حيب الغين احلليم املتعفف وفيه ليث بن أيب سليم خمتلف فيه فالذي يفسق وال يبايل أن يظهر فسقه للناس مجع إىل الفسق والتهتك والوقاحة وفقد احلياء فهو أشد حاال ممن يسترت ويستحيي إال أن احلياء ممتزج ابلرايء ومشتبه به اشتباها عظيما قل من يتفطن له ويدعي كل مراء أنه مستحي وأن سبب حتسينه العبادات هو احلياء من الناس وذلك كذب بل احلياء خلق ينبعث من الطبع الكر م وهتيج عقبه داعية الرايء وداعية اإلخالص ويتصور أن خيلص معه ويتصور أن يرائي معه وبيانه أن الرجل يطلب من صديق له قرضا ونفسه ال تسخو إبقراضه إال أنه يستحي من رده وعلم أنه لو راسله على لسان غريه لكان ال يستحيي وال يقرض رايء وال لطلب الثواب فله عند ذلك أحوال أحدها أن يشافه ابلرد الصريح وال يبايل فينسب إىل قلة احلياء وهذا فعل من ال حياء له فإن املستحيي إما أن يتعلل أو يقرض فإن أعطى فيتصور له ثالثة أحوال أحدها أن ميزج الرايء ابحلياء أبن يهيج احلياء فيقبح عنده الرد فيهيج خاطر الرايء ويقول ينبغي أن تعطي حىت يثىن عليك وحيمدك وينشر امسك ابلسخاء أو ينبغي أن تعطي حىت ال يذمك وال ينسبك إىل البخل فإذا أعطى فقد أعطى ابلرايء وكان احملرك للرايء هو هيجان احلياء الثاين أن يتعذر عليه الرد ابحلياء ويبقى يف نفسه البخل فيتعذر اإلعطاء فيهيج داعي اإلخالص ويقول له إن الصدقة بواحدة والقرض بثمان عشرة ففيه أجر عظيم وإدخال سرور على قلب صديق وذلك حمم ود عند هللا تعاىل فتسخو النفس ابإلعطاء لذلك فهذا خملص هيج احلياء إخالصه الثالث أن ال يكون له رغبة يف الثواب وال خوف من مذمته وال حب حملمدته ألنه لو طلبه مراسلة لكان ال يعطيه فأعطاه مبحض احلياء وهو ما جيده يف قلبه من أمل احلياء ولوال احلياء لرده ولو جاءه من ال يستحي منه من األجانب أو األراذل لكان يرده وإن كثر احلمد والثواب فيه فهذا جمرد احلياء وال يكون هذا إال يف القبائح كالبخل ومقارفة الذنوب واملرائي يستحي من املباحات أيضا حىت إنه يرى مستعجال يف املشي فيعود إىل اهلدوء أو ضاحكا فريجع إىل االنقباض ويزعم أن ذل ك حياء وهو عني الرايء وقد قيل إن بعض احلياء ضعف وهو صحيح واملراد به احلياء مما ليس بقبيح كاحلياء من وعظ الناس وإمامة الناس يف الصالة وهو يف الصبيان والنساء حممود ويف العقالء غري حممود وقد تشاهد معصية من شيخ فتستحي من شيبته أن تنكر عليه ألن من إجالل هللا إج الل ذي الشيبة املسلم وهذا احلياء حسن وأحسن منه أن يستحي من هللا فال تضيع األمر ابملعروف فالقوي يؤثر احلياء من هللا على احلياء من الناس والضعيف قد ال يقدر عليه فهذه هي األسباب اليت جيوز ألجلها سرت القبائح والذنوب الثامن أن خياف من ظهور ذنبه أن يستجرئ عليه غريه ويقتدى به وهذا العلة الواحدة فقط هي اجلارية يف إظهار الطاعة وهو القدوة وخيتص ذلك ابألئمة أو مبن يقتدي به وهبذه العلة ينبغي أيضا أن خيفي العاصي أيضا معصيته من أهله وولده ألهنم يتعلمون منه ففي سرت الذنوب هذه األعذار الثمانية وليس يف إظهار الطاعة عذر إال هذا العذر الواحد ومهما قصد بسرت املعصية أن خييل إىل الناس أنه ورع كان مرائيا كما إذا قصد ذلك إبظهار الطاعة فإن قلت فهل جيوز للعبد أن حيب محد الناس له ابلصالح وحبهم إايه بسببه وقد قال رجل للنيب صلى هللا عليه وسلم دلين على ما حيبين هللا عليه وحيبين الناس قال ازهد يف الدنيا حيبك هللا وانبذ إليهم هذا احلطام حيبوك حديث قال رجل دلين على ما حيبين هللا عليه وحيبين الناس قال ازهد يف الدنيا حيبك هللا احلديث أخرجه ابن ماجه من حديث سهل بن سعد بلفظ وازهد فيما يف أيدي الناس وقد تقدم فنقول حبك حلب الناس لك قد يكون مباحا وقد يكون حممودا وقد يكون مذموما فاحملمود أن حتب ذلك لتعرف به حب هللا لك فإنه تعاىل إذا أحب عبدا حببه يف قلوب عباده واملذموم أن حتب حبهم ومحدهم على حجك وغزوك وصالتك على طاعة بعينها فإن ذلك طلب عوض على طاعة هللا عاجل سوى ثواب هللا واملباح أن حتب أن حيبوك لصفات حممودة سوى الطاعات احملمودة املعينة فحبك ذلك كحبك املال ألن ملك القلوب وسيلة إىل األغراض كملك األموال فال فرق بينهما بيان ترك الطاعات خوفا من الرايء ودخول اآلفات اعلم أن من الناس من يرتك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به وذلك غلط وموافقة للشيطان بل احلق ف يما يرتك من األعمال وما ال يرتك خلوف اآلفات ما نذكره وهو أن الطاعات تنقسم إىل ما ال لذة يف عينه كالصالة والصوم واحلج والغزو فإهنا مقاساة وجماهدات إمنا تصري لذيذة من حيث إهنا توصل إىل محد الناس ومحد الناس لذيذ وذلك عند اطالع الناس عليه وإىل ما هو لذيذ وهو أ كثر ماال يقتصر على البدن بل يتعلق ابخللق كاخلالفة والقضاء والوالايت واحلسبة وإمامة الصالة والتذكري والتدريس وإنفاق املال على اخللق وغري ذلك مما تعظم اآلفة فيه لتعلقه ابخللق وملا فيه من اللذة القسم األول الطاعات الالزمة للبدن اليت ال تتعلق ابلغري وال لذة يف عينها كالصوم والصالة واحلج فخطرات الرايء فيها ثالث إحداها ما يدخل قبل العمل فيبعث على االبتداء لرؤية الناس وليس معه ابعث الدين فهذا مما ينبغي أن يرتك ألنه معصية ال طاعة فيه فإنه تدرع بصورة الطاعة إىل طلب املنزلة فإن قدر اإلنسان على أن يدفع عن نفسه ابعث ال رايء ويقول هلا أال تستحيني من موالك ال تسخني ابلعمل ألجله وتسخني ابلعمل ألجل عباده حىت يندفع ابعث الرايء وتسخو النفس ابلعمل هلل عقوبة للنفس على خاطر الرايء وكفارة له فليشتغل ابلعمل الثانية أن ينبعث ألجل هللا ولكن يعرتض الرايء مع عقد العبادة وأوهلا فال ينبغ ي أن يرتك العمل ألنه وجد ابعثا دينيا فليشرع يف العمل وليجاهد نفسه يف دفع الرايء وحتسني اإلخالص ابملعاجلات اليت ذكرانها من إلزام النفس كراهة الرايء واإلابء عن القبول الثالثة أن يعقد على اإلخالص مث يطرأ الرايء ودواعيه فينبغي أن جياهد يف الدفع وال يرتك العمل لكي يرجع إىل عقد اإلخالص ويرد نفسه إليه قهرا حىت يتمم العمل ألن الشيطان يدعوك أوال إىل ترك العمل فإذا مل جتب واشتغلت فيدعوك إىل الرايء فإذا مل جتب ودفعت بقي يقول لك هذا العمل ليس خبالص وأنت مراء وتعبك ضائع فأي فائدة لك يف عمل ال إخالص حىت حيملك بذلك على ترك العمل فإذا تركته فقد حصلت غرضه ومثال من يرتك العلم خلوفه أن يكون مرائيا كمن سلم إليه مواله حنطة فيها زؤان وقال خلصها من الزؤان ونقها منه تنقية ابلغة فيرتك أصل العمل يقول أخاف إن اشتغلت به مل ختلص خالصا صافيا نقيا فرتك العمل من أجله هو ترك اإلخالص مع أصل العمل فال معىن له ومن هذا القبيل أن يرتك العمل خوفا على الناس أن يقولوا إنه مراء فيعصون هللا به فهذا من مكايد الشيطان ألنه أوال أساء الظن ابملسلمني وما كان من حقه أن يظن هبم ذلك مث إن كان فال يضره قوهلم ويفوته ثواب العبادة وترك العمل خوفا من قوهلم إنه مراء هو عني الرايء فلوال حبه حملمدهتم وخوفه من ذمهم فماله ولقوهلم قالوا إنه مراء أو قالوا إنه خملص وأي فرق بني أن يرتك العمل خوفا من أن يقال إنه مراء وبني أن حيسن العمل خوفا من أن يقال إنه غافل مقصر بل ترك العمل أشد من ذلك فهذه كلها مكايد الشيطان على العباد اجلهال مث كيف يطمع يف أن يتخلص من الشيطان أبن يرتك العمل والشيطان ال خيليه بل يقول له اآلن يقول الناس إنك تركت العمل ليقال إنه خملص ال يشتهي الشهرة فيضطرك بذلك إىل أن هترب فإن هربت ودخلت سراب حتت األرض ألقى يف قلبك حالوة معرفة الناس لتزهدك وهربك منهم وتعظيمهم لك بقلوهبم على ذلك فكيف تتخلص منه بل ال جناة منه إال أبن تلزم قلبك معرفة آفة الرايء وهو أنه ضرر يف اآلخرة وال نفع فيه يف الدنيا ليلزم الكراهة واإلابء قلبك وتستمر مع ذلك على العمل وال تبايل وإن نزغ العدو انزغ الطبع فإن ذلك ال ينقطع وترك العمل ألجل ذلك جير إىل البطالة وترك اخلريات فما دمت جتد ابعثا دينيا على العمل فال ترتك العمل وجاهد خاطر الرايء وألزم قلبك احلياء من هللا إذا دعتك نفسك إىل أن تستبدل حبمده محد املخلوقني وهو مطلع على قلبك ولو اطلع اخللق على قلبك وأنك تريد محدهم ملقتوك بل إن قدرت على أن تزيد يف العمل حياء من ربك وعقوبة لنفسك فافعل فإن قال لك الشيطان أنت مراء فاعلم كذبه وخدعه مبا تصادف يف قلبك من كراهة الرايء وإابئه وخوفك منه وحيائك من هللا تعاىل وإن مل جتد يف قلبك له كراهية ومنه خوفا ومل يبق ابعث ديين بل جترد ابعث الرايء فاترك العمل عند ذلك وهو بعيد فمن شرع يف العمل هلل فال بد أن يبقى معه أصل قصد الثواب فإن قلت فقد نقل عن أقوام ترك العمل خمافة الشهرة روي أن إبراهيم النخعي دخل عليه إنسان وهو يقرأ فأطبق املصحف وترك القراءة وقال ال يرى هذا أان نقرأ كل ساعة وقال إبراهيم التيمي إذا أعجبك الكالم فاسكت وإذا أعجبك السكوت فتكلم وقال احلسن إن كان أحدهم ليمر ابألذى ما مينعه من دفعه إال كراهة الشهرة وكان أحدهم أيتيه البكاء فيصرفه إىل الضحك خمافة الشهرة وقد ورد يف ذلك آاثر كثرية قلنا هذا يعارضه ما ورد من إظهار الطاعات ممن ال حيصى وإظهار احلسن البصري هذا الكال م يف معرض الوعظ أقرب إىل خوف الشهرة من البكاء وإماطة األذى عن الطريق مث مل يرتكه وابجلملة ترك النوافل جائز والكالم يف األفضل واألفضل إمنا يقدر عليه األقوايء دون الضعفاء فاألفضل أن يتمم العمل وجيتهد يف اإلخالص وال يرتكه وأرابب األعمال قد يعاجلون أنفسهم خبالف األفضل لشدة اخلوف فاالقتداء ينبغي أن يكون ابألقوايء وأما إطباق إبراهيم النخعي املصحف فيمكن أن يكون لعلمه أبنه سيحتاج إىل ترك القراءة عند دخوله واستئنافه بعد خروجه لالشتغال مبكاملته فرأى أن ال يراه يف القراءة أبعد عن الرايء وهو عازم على الرتك لالشتغال به حىت يعود إليه بعد ذلك وأما ترك دفع األذى فذلك ممن خياف على نفسه آفة الشهرة وإقبال الناس عليه وشغلهم إايه عن عبادات هي أكرب من رفع خشبة من الطريق فيكون ترك ذلك للمحافظة على عبادات هي أكرب منها ال مبجرد خوف الرايء وأما قول التيمي إذا أعجبك الكالم فاسكت جيوز أن يكون قد أراد به مباحات الكالم كالفصاحة يف احلكاايت وغريها فإن ذلك يورث العجب وكذلك العجب ابلسكوت املباح حمذور فهو عدول عن مباح إىل مباح حذرا من العجب فأما الكالم احلق املندوب إليه فلم ينص عليه على أن اآلفة مما تعظم يف الكالم فهو واقع يف القسم الثاين وإمنا كالمنا يف العبادات اخلاصة ببدن العبد مما ال يتعلق ابلناس وال تعظم فيه اآلفات مث كالم احلسن يف تركهم البكاء وإماطة األذى خلوف الشهرة رمبا كان حكاية أحوال الضعفاء الذين ال يعرفون األفضل وال يدركون هذه الدقائق وإمنا ذكره ختويفا للناس من آفة الشهرة وزجرا من طلبها القسم الثاين ما يتعلق ابخللق وتعظم فيه اآلفات واألخطار وأعظمها اخلالفة مث القضاء مث التذكري والتدريس والفتوى مث إنفاق املال أما اخلالفة واإلمارة فهي من أفضل العبادات إذا كان ذلك مع العدل واإلخالص وقد قال النيب صلى هللا عليه وسلم ليوم من إمام عادل خري من عبادة الرجل وحده ستني عاما حديث ليوم من إمام عادل خري من عبادة الرجل وحده ستني عاما احلديث أخرجه الطرباين والبيهقي من حديث ابن عباس وقد تقدم فأعظم بعبادة يوازي يوم منها عبادة ستني سنة وقال صلى هللا عليه وسلم أول من يدخل اجلنة ثالثة اإلمام املقسط حديث أول من يدخل اجلنة ثالثة اإلمام املقسط احلديث أخرجه مسلم من حديث عياض بن محاد أهل اجلنة ثالث ذو سلطان مقسط احلديث ومل أر فيه ذكر األولية أحدهم وقال أبو هريرة قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ثالثة ال ترد دعوهتم اإلمام العادل حديث أيب هريرة ثالثة ال ترد دعوهتم اإلمام العادل تقدم أحدهم وقال صلى هللا عليه وسلم أقرب الناس مين جملسا يوم القيامة إمام عادل حديث أيب سعيد اخلدري أقرب الناس مين جملسا يوم القيامة إمام عادل أخرجه األصبهاين يف الرتغيب والرتهيب من رواية عطية العويف وهو ضعيف عنه وفيه أيضا إسحاق بن إبراهيم الديباجي ضعيف أيضا رواه أبو سعيد اخلدري فاإلمارة واخلالفة من أعظم العبادات ومل يزل املتقون يرتكوهنا وحيرتزون منها ويهربون من تقلدها وذلك ملا فيه من عظم اخلطر إذ تتحرك هبا الصفات الباطنة ويغلب النفس حب اجلاه ولذة االستيالء ونفاذ األمر وهو أعظم مالذ الدنيا فإذا صارت الوالية حمبوبة كان الوايل ساعيا يف حظ نفسه ويوشك أن يتبع هواه فيمتنع من كل ما يقدح يف جاهه وواليته وإن كان حقا ويقدم على ما يزيد يف مكانته وإن كان ابطال وعند ذلك يهلك ويكون يوم من سلطان جائر شرا من فسق ستني سنة مبفهوم احلديث الذي ذكرانه وهلذا اخلطر العظيم كان عمر رضي هللا عنه يقول من أيخذها مبا فيها وكيف ال وقد قال النيب صلى هللا عليه وسلم ما من وايل عشرة إال جاء يوم القيامة مغلولة يده إىل عنقه أطلقه عدله أو أوبقه جوره حديث ما من وايل عشرة إال جاء يوم القيامة يده مغلولة إىل عنقه ال يفكها إال عدله أخرجه أمحد من حديث عبادة بن الصامت ورواه أمحد والبزار من رواية رجل مل يسم عن سعد بن عبادة وفيهما يزيد بن أيب زايد متكلم فيه ورواه أمحد والبزار وأبو يعلى والطرباين يف األوسط من حديث أيب هريرة ورواه البزار والطرباين من حديث أيب هريرة ورواه البزار والطرباين من حديث بريدة والطرباين يف األوسط من حديث ابن عباس وثوابن وله من حديث أيب الدرداء ما من وايل ثالثة إال لقي هللا مغلولة ميينه احلديث وقد عزى املصنف هذا احلديث لرواية معقل بن يسار واملعروف من حديث معقل بن يسار ما من عبد يسرتعيه هللا رعية مل حيطها بنصيحة إال مل يرح رائحة اجلنة متفق عليه رواه معقل بن يسار وواله عمر والية فقال اي أمري املؤمنني أشر علي قال اجلس واكتم علي وروى احلسن أن رجال واله النيب صلى هللا عليه وسلم فقال للنيب خر يل قال اجلس حديث احلسن أن رجال واله النيب صلى هللا عليه وسلم فقال للنيب خر يل قال اجلس أخرجه الطرباين موصوال من حديث عصمة هو ابن مالك وفيه الفضل بن املختار وأحاديثه منكرة حيدث ابألابطيل قاله أبو حامت ورواه أيضا من حديث ابن عمر بلفظ الزم بيتك وفيه الغراب بن أيب الغراب ضعفه ابن معني وابن عدي وقال أبو حامت صدوق وكذلك حديث عبد الرمحن بن مسرة إذ قال له النيب صلى هللا عليه وسلم اي عبد الرمحن ال تسأل اإلمارة فإنك إن أوتيتها من غري مسألة أعنت عليها وإن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها حديث عبد الرمحن بن مسرة ال تسل اإلمارة احلديث متفق عليه وقال أبو بكر رضي هللا عنه لرافع بن عمر ال أتمر على اثنني مث ويل هو اخلالفة فقام هبا فقال له رافع أمل تقل يل ال أتمر على اثنني وأنت قد وليت أمر أمة حممد صلى هللا عليه وسلم فقال بلى وأان أقول لك ذلك فمن مل يعدل فيها فعليه هبلة هللا يعين لعنة هللا ولعل القليل البصرية يرى ما ورد من فضل اإلمارة مع ما ورد من النهي عنها متن اقضا وليس كذلك بل احلق فيه أن اخلواص األقوايء يف الدين ال ينبغي أن ميتنعوا من تقلد الوالايت وأن الضعفاء ال ينبغي أن يدوروا هبا فيهلكوا وأعين ابلقوي الذي ال متيله الدنيا وال يستفزه الطمع وال أتخذه يف هللا لومة الئم وهم الذين سقط اخللق عن أعينهم وزهدوا يف ال دنيا وتربموا هبا ومبخالطة اخللق وقهروا أنفسهم وملكوها وقمعوا الشيطان فأيس منهم فهؤالء ال حيركهم إال احلق وال يسكنهم إال احلق ولو زهقت فيهم أرواحهم فهم أهل نيل الفضل يف اإلمارة واخلالفة ومن علم أنه ليس هبذه الصفة فيحرم عليه اخلوض يف الوالايت ومن جرب نفسه فرآها صابرة على احلق كافة عن الشهوات يف غري الوالايت ولكن خاف عليها أن تتغري إذا ذاقت لذة الوالية وأن تستحلي اجلاه وتستلذ نفاذ األمر فتكره العزل فيداهن خيفة من العزل فهذا قد اختلف العلماء يف أنه هل يلزمه اهلرب من تقلد الوالية فقال قائلون ال جيب ألن هذا خوف أ مر يف املستقبل وهو يف احلال مل يعهد نفسه إال قوية يف مالزمة احلق وترك لذات النفس والصحيح أن عليه االحرتاز ألن النفس خداعة مدعية للحق واعدة ابخلري فلو وعدت ابخلري جزما لكان خياف عليها أن تتغري عند الوالية فكيف إذا أظهرت الرتدد واالمتناع عن قبول الوالية أهون من العزل بعد الشروع فالعزل مؤمل وهو كما قيل العزل طالق الرجال فإذا شرع ال تسمح نفسه ابلعزل ومتيل نفسه إىل املداهنة وإمهال احلق وهتوى به يف قعر جهنم وال يستطيع النزوع منه إىل املوت إال أن يعزل قهرا وكان فيه عذاب عاجل على كل حمب للوالية ومهما مالت النفس إىل طلب الوالية ومحلت على السؤال والطلب فهو أمارة الشر ولذلك قال صلى هللا عليه وسلم إان ال نويل أمران من سألنا حديث إان ال نويل أمران من سألنا متفق عليه من حديث أيب موسى فإذا فهمت اختالف حكم القوي والضعيف علمت أن هني أيب بكر رافعا عن الوالية مث تقلده هلا ليس مبتناقض وأما القضاء فهو وإن كان دون اخلالفة واإلمارة فهو يف معنامها فإن كل ذي والية أمري أي له أمر انفذ واإلمارة حمبوبة ابلطبع والثواب يف القضاء عظيم مع اتباع احلق والعقاب فيه أيضا عظيم مع العدول عن احلق وقد قال النيب صلى هللا عليه وسلم القضاة ثالثة قاضيان يف النار وقاض يف اجلنة حديث القضاة ثالثة احلديث أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة وتقدم يف العلم وإسناده صحيح وقال صلى هللا عليه وسلم من استقضى فقد ذبح بغري سكني حديث من استقضى فقد ذبح بغري سكني أخرجه أصحاب السنن من حديث أيب هريرة بلفظ من جعل قاضيا ويف رواية من وىل القضاء وإسناده صحيح فحكمه حكم اإلمارة ينبغي أن يرتكه الضعفاء وكل من للدنيا ولذاهتا وزن يف عينه وليتقلده األقوايء الذين ال أتخذهم يف هللا لومة الئم ومهما كان السالطني ظلمة ومل يقدر القاضي على القضاء إال مبداهنتهم وإمهال بعض احلقوق ألجلهم وألجل املت علقني هبم إذ يعلم أنه لو حكم عليهم ابحلق لعزلوه أو مل يطيعوه فليس له أن يتقلد القضاء وإن تقلد فعليه أن يطالبهم ابحلقوق وال يكون خوف العزل عذرا مرخصا له يف اإلمهال أصال بل إذا عزل سقطت العهدة عنه فينبغي أن يفرح ابلعزل إن كان يقضي هلل فإن مل تسمح نفسه بذلك فهو إذن يقضي التباع اهلوى والشيطان فكيف يرتقب عليه ثوااب وهو مع الظلمة يف الدرك األسفل من النار وأما الوعظ والفتوى والتدريس ورواية احلديث ومجع األسانيد العالية وكل ما يتسع بسببه اجلاه ويعظم به القدر فآفته أيضا عظيمة مثل آفة الوالايت وقد كان اخلائفون من السلف يتدافعون الفتوى ما وجدوا إليه سبيال وكانوا يقولون حدثنا ابب من أبواب الدنيا ومن قال حدثنا فقد قال أوسعوا يل ودفن بشر كذا وكذا قمطرا من احلديث وقال مينعين من احلديث أين أشتهي أن أحدث ولو اشتهيت أن ال أحدث حلدثت والواعظ جيد يف وعظه وأتثر قلوب الناس به وتالحق بكائهم وزعقاهتم وإقباهلم عليه لذة ال توازيها لذة فإذا غلب ذلك على قلبه مال طبعه إىل كل كالم مزخرف يروج عند العوام وإن كان ابطال ويفر عن كل كالم يستثقله العوام وإن كان حقا ويصري مصروف اهلمة ابلكلية إىل ما حيرك قلوب العوام ويعظم منزلته يف قلوهبم فال يسمع حديثا وحكمة إال ويكون فرحه به من حيث إنه يصلح ألن يذكره على رأس املنرب وكان ينبغي أن يكون فرحه به من حيث إنه عرف طريق السعادة وطريق سلوك سبيل الدين ليعمل به أوال مث يقول إذا أنعم هللا هبذه النعمة ونفعين هبذه احلكمة فأقصها ليشاركين يف نفعها إخواين املسلمون فهذا أيضا مما يعظم فيه اخلوف والفتنة فحكمه حكم الوالايت فمن ال ابعث له إال طلب اجلاه واملنزلة واألكل ابلدين والتفاخر والتكاثر فينبغي أن يرتكه وخيالف اهلوى فيه إىل أن تراتض نفسه وتقوى يف الدين مهته وأيمن على نفسه الفتنة فعند ذلك يعود إليه فإن قلت مهما حكم بذلك على أهل العلم تعطلت العلوم واندرست وعم اجلهل كافة اخللق فنقول قد هنى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم عن طلب اإلمارة وتوعد عليها حديث النهي عن طلب اإلمارة هو حديث عبد الرمحن بن مسرة ال تسل اإلمارة وقد تقدم قبله بثالثة أحاديث حىت قال إنكم حترصون على اإلمارة وإهنا حسرة وندامة يوم القيامة إال من أخذها حبقها حديث إنكم حترصون على اإلمارة وإهنا حسرة يوم القيامة وندامة إال من أخذها حبقها أخرجه البخاري من حديث أيب هريرة دون قوله إال من أخذها حبقها وزاد يف آخره فنعمت املرضعة وبئست الفاطمة ودون قوله حسرة وهي يف صحيح ابن حبان وقال نعمت املرضعة وبئست الفاطمة حديث نعمت املرضعة وبئست الفاطمة أخرجه البخاري من حديث أيب هريرة وهو بقية احلديث الذي قبله ورواه ابن حبان بلفظ فبئست املرضعة وبئست الفاطمة ومعلوم أن السلطنة واإلمارة لو تعطلت لبطل الدين والدنيا مجيعا واثر القتال بني اخللق وزال األمن وخربت البالد وتعطلت املعايش فلم هني عنها مع ذلك وضرب عمر رضي هللا عنه أيب بن كعب رأى قوما يتبعونه وهو يف ذلك يقول أيب سيد املسلمني وكان يقرأ عليه القرآن فمنع من أن يتبعوه وقال ذلك فتنة على املتبوع ومذلة على التابع وعمر كان بنفسه خيطب ويعظ وال ميتنع منه واستأذن رجل عمر أن يعظ الناس إذا فرغ من صالة الصبح فمنعه فقال أمتنعين من نصح الناس فقال أخشى أن تنتفخ حىت تبلغ الثراي إذ رأى فيه خمايل الرغبة يف جاه الوعظ وقبول اخللق والقضاء واخلالفة مما حيتاج الناس إليه يف دينهم كالوعظ والتدريس والفتوى ويف كل واحد منهما فتنة ولذة فال فرق بينهما فأما قول القائل هنيك عن ذلك يؤدي إىل اندراس العلم فهو غلط إذ هنى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم عن القضاء مل يؤد إىل تعطيل القضاء حديث النهي عن القضاء أخرجه مسلم من حديث أيب ذر ال تؤمرن على اثنني وال تلني مال يتيم بل الرايسةوحبها يضطر اخللق إىل طلبها وكذلك حب الرايسة ال يرتك العلوم تندرس بل لو حبس اخللق وقيدوا ابلسالسل واألغالل من طلب العلوم اليت فيها القبول والرايسة ألفلتوا من احلبس وقطعوا السالسل وطلبوها وقد وعد هللا أن يؤيد هذا الدين أبقوام ال خالق هلم فال تشغل قلبك أب مر الناس فإن هللا ال يضيعهم وانظر لنفسك مث إين أقول مع هذا إذا كان يف البلد مجاعة يقومون ابلوعظ مثال فليس يف النهي عنه إال امتناع بعضهم وإال فليعلم أن كلهم ال ميتنعون وال يرتكون لذة الرايسة فإن مل يكن يف البلد إال واحد وكان وعظه انفعا للناس من حيث حسن كال مه وحسن مسعته يف الظاهر وختييله إىل العوام أنه إمنا يريد هللا بوعظه وأنه اترك للدنيا ومعرض عنها فال مننعه منه ونقول له اشتغل وجاهد نفسك فإن قال لست أقدر على نفسي فنقول اشتغل وجاهد ألان نعلم أنه لو ترك ذلك هللك الناس كلهم إذ ال قائم به غريه ولو واظب وغرضه اجلاه فهو اهلالك وحده وسالمة دين اجلميع أحب عندان من سالمة دينه وحده فنجعله فداء للقوم ونقول لعل هذا هو الذي قال فيه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إن هللا يؤيد هذا الدين أبقوام ال خالق هلم حديث إن هللا يؤيد هذا الدين أبقوام ال خالق هلم أخرجه النسائي وقد تقدم قريبا مث الواعظ هو الذي يرغب يف اآلخرة ويزهد يف الدنيا بكالمه وبظاهر سريته فأما ما أحدثه الوعاظ يف هذه األعصار من الكلمات املزخرفة واأللفاظ املسجعة املقرونة ابألشعار مما ليس فيه تعظيم ألمر الدين وختويف املسلمني بل فيه الرتجية والتجرئة على املعاصي بطيارات النكت فيجب إخالء البالد منهم فإهنم نواب الدجال وخلفاء الشيطان وإمنا كالمنا يف واعظ حسن الوعظ مجيل الظاهر يبطن يف نفسه حب القبول وال يقصد غريه وفيما أوردانه يف كتاب العلم من الوعيد الوارد يف حق علماء السوء ما يبني لزوم احلذر من فنت العلم وغوائله وهلذا قال املسيح عليه السالم اي علماء السوء تصومون وتصلون وتتصدقون وال تفعلون ما أتمرون وتدرسون ما ال تعملون فيا سوء ما حتكمون تتوبون ابلقول واألماين وتعملون ابهلوى وما يغين عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة حبق أقول لكم ال تكونوا كاملنخل خيرج منه الدقيق الطيب ويبقى فيه النخالة كذلك أنتم خترجون احلكم من أفواهكم ويبقى الغل يف صدوركم اي عبيد الدنيا كيف يدرك اآلخرة من ال تنقضي من الدنيا شهوته وال تنقطع منها رغبته حبق أقول لكم إن قلوبكم تبكي من أعمالكم جعلتم الدنيا حتت ألسنتكم والعمل حتت أقدامكم حبق أقول لكم أفسدمت آخرتكم بصالح دنياكم فصالح الدنيا أحب إليكم من صالح اآلخرة فأي انس أخس منكم لو تعلمون ويلكم حىت مىت تصفون الطريق للمدجلني وتقيمون يف حملة املتجربين كأنكم تدعون أهل الدنيا ليرتكوها لكم مهال مهال ويلكم ماذا يغين عن البيت املظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم كذلك ال يغين عنكم أن يكون نور العلم أبفواهكم وأجوافكم منه وحشة معطلة اي عبيد الدنيا ال كعبيد أتقياء وال كأحرار كرام توشك الدنيا أن تقلعكم عن أصولكم فتلقيكم على وجوهكم مث تكبكم على مناخركم مث أتخذ خطاايكم بنواصيكم مث يدفعكم العلم من خلفكم مث يسلمكم إىل امللك الداين حفاة عراة فرادى فيوقفكم على سوآتكم مث جيزيكم بسوء أعمالكم وقد روى احلارث احملاسيب هذا احلديث يف بعض كتبه مث قال هؤالء علماء السوء شياطني اإلنس وفتنة على الناس رغبوا يف عرض الدنيا ورفعتها وآثروها على اآلخرة وأذلوا الدين للدنيا فهم يف العاجل عار وشني ويف اآلخرة هم اخلاسرون فإن قلت فهذه اآلفات ظاهرة ولكن ورد يف العلم والوعظ رغائب كثرية حىت قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ألن يهدي هللا بك رجال خري لك من الدنيا وما فيها حديث ألن يهدي هللا بك رجال واحدا خري لك من الدنيا وما فيها متفق عليه من حديث سهل بن سعد بلفظ خري لك من محر النعم وقد تقدم يف العلم وقال صلى هللا عليه وسلم أميا داع دعا إىل هدى واتبع عليه كان له أجره وأجر من اتبعه حديث أميا داع دعا إىل هدى واتبع عليه كان له أجره وأجر من اتبعه أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بزايدة يف أوله وملسلم من حديث أيب هريرة من دعا إىل هدى كان له من األجر مثل أجور من تبعه احلديث إىل غري ذلك من فضائل العلم فينبغي أن يقال للعامل اشتغل ابلعلم واترك مراءاة اخللق كما يقال ملن خاجله الرايء يف الصالة ال ترتك العمل ولكن أمتم العمل وجاهد نفسك فاعلم أن فضل العلم كبري وخطره عظيم كف ضل اخلالفة واإلمارة وال نقول ألحد من عباد هللا اترك العلم إذ ليس يف نفس العلم آفة وإمنا اآلفة يف إظهاره ابلتصدي للوعظ والتدريس ورواية احلديث وال نقول له أيضا اتركه ما دام جيد يف نفسه ابعثا دينيا ممزوجا بباعث الرايء أما إذا مل حيركه إال الرايء فرتك اإلظهار أنفع له وأسلم وكذلك نوافل الصلوات إذا جترد فيها ابعث الرايء وجب تركها أما إذا خطر له وساوس الرايء يف أثناء الصالة وهو هلا كاره فال يرتك الصالة ألن آفة الرايء يف العبادات ضعيفة وإمنا تعظم يف الوالايت ويف التصدي للمناصب الكبرية يف العلم وابجلملة فاملراتب ثالث األوىل الوالايت واآلفات فيها عظيمة وقد تركها مجاعة من السلف خوفا من اآلفة الثانية الصوم الصالة واحلج والغزو وقد تعرض هلا أقوايء السلف وضعفاؤهم ومل يؤثر عنهم الرتك خلوف اآلفة وذلك لضعف اآلفات الداخلة فيها والقدرة على نفيها مع إمتام العمل هلل أبدىن قوة الثالثة وهي متوسطة بني الرتبتني وهو التصدي ملنصب الوعظ والفتوى والرواية والتدريس واآلفات فيها أقل مما يف الوالايت وأكثر مما يف الصالة فالصالة ينبغي أن ال يرتكها الضعيف والقوي ولكن يدفع خاطر الرايء والوالايت ينبغي أن يرتكها الضعفاء رأسا دون األقوايء ومناصب العلم بينهما ومن جرب آفات منصب العلم علم أنه ابلوالة أشبه وأن احلذر منه يف حق الضعيف أسلم وهللا أعلم وهنا رتبة رابعة وهي مجع املال وأخذه للتفرقة على املستحقني فإن يف اإلنفاق وإظهار السخاء استجالاب للثناء ويف إدخال السرور على قلوب الناس لذة للنفس واآلفات فيها أيضا كثرية ولذلك سئل احلسن عن رجل طلب القوت مث أمسك وآخر طلب فوق قوته مث تصدق به فقال القاعد أفضل ملا يعرفون من قلة السالمة يف الدنيا وأن من الزهد تركها قربة إىل هللا تعاىل وقال أبو الدرداء ما يسرين أنين أقمت على درج مسجد دمشق أصيب كل يوم مخسني دينارا أتصد ق هبا أما إين ال أحرم البيع والشراء ولكين أريد أن أكون من الذين ال تلهيهم جتارة وال بيع عن ذكر هللا وقد اختلف العلماء فقال قوم إذا طلب الدنيا من احلالل وسلم منها وتصدق هبا فهو أفضل من أن يشتغل ابلعبادات والنوافل وقال قوم اجللوس يف دوام ذكر هللا أفضل واألخذ واإلعطاء يشغل عن هللا وقد قال املسيح عليه السالم اي طالب الدنيا ليرب هبا تركك هلا أبر وقال أقل ما فيه أن يشغله إصالحه عن ذكر هللا وذكر هللا أكرب وأفضل وهذا فيمن سلم من اآلفات فأما من يتعرض آلفة الرايء فرتكه هلا أبر واالشتغال ابلذكر ال خالف يف أنه أفضل وابجلملة ما يتعلق ابخللق وللنفس فيه لذة فهو مثار اآلفات واألحب أن يعمل ويدفع اآلفات فإن عجز فلينظر وليجتهد وليستفت قلبه وليزن ما فيه من اخلري مبا فيه من الشر وليفعل ما يدل عليه نور العلم دون ما مييل إليه الطبع وابجلملة ما جيده أخف على قلبه فهو يف األكثر أضر عليه ألن النفس ال تشري إال ابلشر وقلما تستلذ اخلري ومتيل إليه وإن كان ال يبعد ذلك أيضا يف بعض األحوال وهذه أمور ال ميكن احلكم على تفاصيلها بنفي وإثبات فهو موكول إىل اجتهاد القلب لينظر فيه لدينه ويدع ما يريبه إىل ماال يريبه مث قد يقع مما ذكرانه غرور للجاهل فيمسك املال وال ينفقه خيفة من اآلفة وهو عني البخل وال خالف يف أن تفرقة املال يف املباحات فضال عن الصدقات أفضل من إمساكه وإمنا اخلالف فيمن حيتاج إىل الكسب أن األفضل الكسب واإلنفاق أو التجرد للذكر وذلك ملا يف الكسب من اآلفات فأما املال احلاصل من احلالل فتفرقته أفضل من إمساكه بكل حال فإن قلت فبأي عالمة تعرف العامل والواعظ أنه صادق خملص يف وعظه غري مريد رايء الناس فاعلم أن لذلك عالمات إحداها أنه لو ظهر من هو أحسن منه وعظا أو أغزر منه علما والناس له أشد قبوال فرح به ومل حيسده نعم ال أبس ابلغبطة وهو أن يتمىن لنفسه مثل علمه واألخرى أن األكابر إذا حضروا جملسه مل يتغري كالمه بل بقي كما كان عليه فينظر إىل اخللق بعني واحدة واألخرى أن ال حيب اتباع الناس له يف الطريق واملشي خلفه يف األسواق ولذلك عالمات كثرية يطول إحصاؤها وقد روي عن سعيد بن أيب مروان قال كنت جالسا إىل جنب احلسن إذ دخل علينا احلجاج من بعض أبواب املسجد ومعه احلرس وهو على برذون أصفر فدخل املسجد على برذونه فجعل يلتفت يف املسجد فلم يرى حلقة أحفل من خلقه احلسن فتوجه حنوها حىت بلغ قريبا منها مث ثىن وركه فنزل ومشى حنو احلسن فلما رآه احلسن متوجها إليه جتاىف له عن ان حية جملسه قال سعيد وجتافيت له أيضا عن انحية جملسي حىت صار بيين وبني احلسن فرجة وجملس للحجاج فجاء احلجاج حىت جلس بيين وبينه واحلسن يتكلم بكالم له يتكلم به يف كل يوم فما قطع احلسن كالمه قال سعيد فقلت يف نفسي ألبلون احلسن اليوم وألنظرن هل حيمل احلسن جلوس احلجاج إليه أن يزيد يف كالمه يتقرب إليه أو حيمل احلسن هيبة احلجاج أن ينقص من كالمه فتكلم احلسن كالما واحدا حنوا مما كان يتكلم به يف كل يوم حىت انتهى إىل آخر كالمه فلما فرغ احلسن من كالمه وهو غري مكرتث به رفع احلجاج يده فضرب هبا على منكب احلسن مث قال صدق الشيخ وبر فعليكم هبذه اجملالس وأشباهها فاختذوها حلقا وعادة فإنه بلغين عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن جمالس الذكر رايض اجلنة حديث أن جمالس الذكر رايض اجلنة تقدم يف األذكار والدعوات ولوال ما محلناه من أمر الناس ما غلبتموان على هذه اجملالس ملعرفتنا بفضلها قال مث افرت احلجاج فتكلم حىت عجب احلسن ومن حضر من بالغته فلما فرغ طفق فقام فجاء رجل من أهل الشام إىل جملس احلسن حني قام احلجاج فقال عباد هللا املسلمني أال تعجبون أين رجل شيخ كبري وأين أغزو فأكلف فرسا وبغال وأكلف فسطاطا وأن يل ثلثمائة درهم من العطاء وأن يل سبع بنات من العيال فشكا من حاله حىت رق احلسن له وألصحابه واحلسن مكب فلما فرغ الرجل من كالمه رفع احلسن رأسه فقال ما هلم قاتلهم هللا اختذوا عباد هللا خوال ومال هللا دوال وقتلوا الناس على الدينار والدرهم فإذا غزا عدو هللا غزا يف الفساطيط اهلبابة وعلى البغال السباقة وإذا أغزى أخاه أغزاه طاواي راجال فما فرت احلسن حىت ذكرهم أبقبح العيب وأشده فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إىل احلسن فسعى به إىل احلجاج وحكى له كالمه فلم يلبث احلسن أن أتته رسل احلجاج فقالوا أجب األمري فقام احلسن وأشفقنا عليه من شدة كالمه الذي تكلم به فل م يلبث احلسن أن رجع إىل جملسه وهو يبتسم وقلما رأيته فاغرا فاه يضحك إمنا كان يتبسم فأقبل حىت قعد يف جملسه فعظم األمانة وقال إمنا جتالسون ابألمانة كأنكم تظنون أن اخليانة ليست إال يف الدينار والدرهم إن اخليانة أشد اخليانة أن جيالسنا الرجل فنطمئن إىل جانبه مث ينطلق فيسعى بنا إىل شرارة من انر إين أتيت هذا الرجل فقال أقصر عليك من لسانك وقولك إذا غزا عدو هللا غزا كذا وكذا وإذا أغزى أخاه أغزاه كذا ال أابلك حترض علينا الناس أما إان على ذلك النتهم نصيحتك فأقصر عليك من لسانك قال فدفعه هللا عين وركب احلسن محارا يريد امل نزل فبينما هو يسري إذا التفت فرأى قوما يتبعونه فوقف فقال هل لكم من حاجة أو تسألون عن شيء وإال فارجعوا فما يبقى هذا من قلب العبد فبهذه العالمات وأمثاهلا تتبني سريرة الباطن ومهما رأيت العلماء يتغايرون ويتحاسدون وال يتوانسون وال يتعاونون فاعلم أهنم قد اشرتوا احلياة الدنيا ابآلخرة فهم اخلاسرون اللهم ارمحنا بلطفك اي أرحم الرامحني. بيان ما يصح من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية اخللق وما ال يصح اعلم أن الرجل قد يبيت مع القوم يف موضع فيقومون للتهجد أو يقوم بعضهم فيصلون الليل كله أو بعضه وهو ممن يقوم يف بيته ساعة قريبة فإذا رآهم انبعث نشاطه للموافقة حىت يزيد على ما كان يعتاده أو يصلي مع أنه كان ال يعتاد الصالة ابلليل أصال وكذلك قد يقع يف موضع يصوم فيه أهل املوضع فينبعث له نشاط يف الصوم ولوالهم ملا انبعث هذا النشاط فهذا رمبا يظن أنه رايء وأن الواجب ترك املوافقة وليس كذلك على اإلطالق بل له تفصيل ألن كل مؤمن راغب يف عبادة هللا تعاىل ويف قيام الليل وصيام النهار ولكن قد تعوقه العوائق ومينعه االشتغال ويغلبه التمكن من الشهوات أو تستهويه الغفلة فرمبا تكون مشاهدة الغري سبب زوال الغفلة أو تندفع العوائق واألشغال يف بعض املواضع فينبعث له النشاط فقد يكون الرجل يف منزله فتقطعه األسباب عن التهجد مثل متكنه من النوم على فراش وثري أو متكنه من التمتع بزوجته أو احملادثة مع أهله وأقاربه أو االشتغال أبوالده أو مطالعة حساب له مع معامليه فإذا وقع يف منزل غريب اندفعت عنه هذه الشواغل اليت تفتد رغبته عن اخلري وحصلت له أسباب ابعثة على اخلري كمشاهدته إايهم وقد أقبلوا على هللا وأعرضوا عن الدنيا فإنه ينظر إليهم فينافسهم ويشق عليه أن يسبقوه بطاعة هللا فتتحرك داعيته للدين ال للرايء أو رمبا يفارقه النوم الستنكاره املوضع أو سبب آخر فيغتنم زوال النوم ويف منزله رمبا يغلبه النوم ورمبا ينضاف إليه أنه يف منزله على الدوام والنفس ال تسمح ابلتهجد دائما وتسمح ابلتهجد وقتا قليال فيكون ذلك سبب هذا النشاط مع اندفاع سائر العوائق وقد يعسر عليه الصوم يف منزله ومعه أطايب األطعمة ويشق عليه الصرب عنها فإذا أعوزته تلك األطعمة مل يشق عليه فتنبعث داعية الدين للصوم فإن الشهوات احلاضرة عوائق ودوافع تغلب ابعث الدين فإذا سلم منها قوي الباعث فهذا وأمثاله من األسباب يتصور وقوعه ويكون السبب فيه مشاهدة الناس وكونه معهم والشيطان مع ذلك رمبا يصد عن العمل ويقول ال تعمل فإنك تكون مرائيا إذا كنت ال تعمل يف بيتك وال تزد على صالتك املعتادة وقد تكون رغبته يف الزايدة ألجل رؤيتهم وخوفا من ذمهم ونسبتهم إايه إىل الكسل ال سيما إذا كانوا يظنون به أنه يقوم الليل فإن نفسه ال تسمح أبن يسقط من أعينهم فرييد أن حيفظ منزلته وعند ذلك قد يقول الشيطان صل فإنك خملص ولست تصلي ألجلهم بل هلل وإمنا كنت ال تصلي كل ليلة لكثرة العوائق وإمنا داعيتك لزوال العوائق ال الطالعهم وهذا أمر مشتبه إال على ذوي البصائر فإذا عرف أن احملرك هو الرايء فال ينبغي أن يزيد على ما كان يعتاده وال ركعة واحدة ألنه يعصي هللا بطلب حممدة الناس بطاعة هللا وإن كان انبعاثه لدفع العوائق وحترك الغبطة واملنافسة بسبب عبادهتم فليوافق وعالمة ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو رأى هؤالء يصلون من حيث ال يرونه بل من وراء حجاب وهو يف ذلك املوضع بعينه هل كانت نفسه تسخو ابلصالة وهم ال يرونه فإن سخت نفسه فليصل فإن ابعثه احلق وإن كان ذلك يثقل على نفسه لو غاب عن أعينهم فليرتك فإن ابعثه الرايء وكذلك قد حيضر اإلنسان يوم اجلمعة يف اجلامع من نشاط الصالة ما ال حيضره كل يوم وميكن أن يكون ذلك حلب محدهم وميكن أن يكون نشاطه بسبب نشاطهم وزوال غفلته بسبب إقباهلم على هللا تعاىل وقد يتحرك بذلك ابعث الدين ويقارنه نزوع النفس إىل حب احلمد فمهما علم أن الغالب على قلبه إرادة الدين فال ينبغي أن يرتك العمل مبا جيده من حب احلمد بل ينبغي أن يرد ذلك على نفسه ابلكراهية ويشتغل ابلعبادة وكذلك قد يبكي مجاعة فينظر إليهم فيحضره البكاء خوفا من هللا تعاىل ال من الرايء ولو مسع ذلك الكالم وحده ملا بكى ولكن بكاء الناس يؤثر يف ترقيق القلب وقد ال حيضره البكاء فيتباكى اترة رايء واترة مع الصدق إذ خيشى على قلبه قساوة القلب حني يبكون وال تدمع عينه فيتباكى تكلفا وذلك حممود وعالمة الصدق فيه أن يعرض على نفسه أنه لو مسع بكاءهم من حيث ال يرونه هل كان خياف على نفسه القساوة فيتباكى أم ال فإن مل جيد ذلك عند تقدير االختفاء عن أعينهم فإمنا خوفه من أن يقال إنه قاسي القلب فينبغي أن يرتك التباكي قال لقمان عليه السالم البنه ال ترى الناس أنك ختشى ليكرموك وقلبك فاجر وكذلك الصيحة والتنفس واألنني عند القرآن أو الذكر أو بعض جماري األحوال اترة تكون من الصدق واحلزن واخلوف والندم والتأسف واترة تكون ملشاهدته حزن غريه وقساوة قلبه فيتكلف التنفس واألنني ويتحازن وذلك حممود وقد تقرتن به الرغبة فيه لداللته على أنه كثري احلزن ليعرف بذلك فإن جتردت هذه الداعية فهي الرايء وإن اقرتنت بداعية احلزن فإن أابها ومل يقبلها وكرهها سلم بكاؤه وتباكيه وإن قبل ذلك وركن إليه بقلبه حبط أجره وضاع سعيه وتعرض لسخط هللا تعاىل به وقد يكون أصل األنني عن احلزن ولكن ميده ويزيد يف رفع الصوت فتلك الزايدة رايء وهو حمظور ألهنا يف حكم االبتداء جملرد الرايء فقد يهيج من اخلوف ما ال ميلك العبد معه نفسه ولكن يسبقه خاطر الرايء فيقبله فيدعو إىل زايدة حتزين للصوت أو رفع له أو حفظ الدمعة على الوجه حىت تبصر بعد أن اسرتسلت خلشية هللا ولكن حيفظ أثرها على الوجه ألجل الرايء وكذلك قد يسمع الذكر فتضعف قواه من اخلوف فيسقط مث يستحي أن يقال له إنه سقط من غري زوال عقل وحالة شديدة فيزعق ويتواجد تكلفا لريى أنه سقط لكونه مغشيا عليه وقد كان ابتداء السقطة عن صدق وقد يزول عقله فيسقط ولكن يفيق سريعا فتجزع نفسه أن يقال حالته غري اثبتة وإمنا هي كربق خاطف فيستد م الزعقة والرقص لريى دوام حاله وكذلك قد يفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه سريعا فيجزع أن يقال مل تكن غشيته صحيحة ولو كان لدام ضعفه فيستد م إظهار الضعف واألنني فيتكئ على غريه يرى أنه يضعف عن القيام ويتمايل يف املشي ويقرب اخلطا ليظهر أنه ضعيف عن سرعة املشي فهذه كلها مكايد الشيطان ونزعات النفس فإذا خطرت فعالجها أن يتذكر أن الناس لو عرفوا نفاقه يف الباطن واطلعوا على ضمريه ملقتوه وإن هللا مطلع على ضمريه وهو له أشد مقتا كما روي عن ذي النون رمحه هللا أنه قام وزعق فقام معه شيخ آخر رأى فيه أثر التكلف فقال اي شيخ الذي يراك حني تقوم فجلس الشيخ وكل ذلك من أعمال املنافقني وقد جاء يف اخلرب تعوذوا ابهلل من خشوع النفاق حديث تعوذوا ابهلل من خشوع النفاق أخرجه البيهقي يف الشعب من حديث أيب بكر الصديق وفيه احلارث بن عبيد األايدي ضعفه أمحد وابن معني وإمنا خشوع النفاق أن ختشع اجلوارح والقلب غري خاشع ومن ذلك االستغفار واالستعاذة ابهلل من عذابه وغضبه فإن ذلك قد يكون خلاطر خوف وتذكر ذنب وتندم عليه وقد يكون للمراءاة فهذه خواطر ترد على القلب متضادة مرتادفة متقاربة وهي مع تقارهبا متشاهبة فراقب قلبك يف كل ما خيطر لك وانظر ما هو ومن أين هو فإن كان هلل فامضه واحذر مع ذلك أن يكون قد خفي عليكشيء من الرايء الذي هو كدبيب النمل وكن على وجل من عبادتك أهي مقبولة أم ال خلوفك على اإلخالص فيها واحذر أن يتجدد لك خاطر الركون إىل محدهم بعد الشروع ابإلخالص فإن ذلك مما يكثر جدا فإذا خطر لك فتفكر يف إطالع هللا عليك ومقته لك وتذكر ما قاله أحد الثالثة الذين حاجوا أيوب عليه السالم إذ قال اي أيوب أما علمت أن العبد تضل عنه عالنيته اليت كان خيادع هبا عن نفسه وجيزي بسريرته وقول بعضهم أعوذ بك أن يرى الناس أين أخشاك وأنت يل ماقت وكان من دعاء علي بن احلسني رضي هللا عنهما اللهم إين أعوذ بك أن حتسن يف المعة العيون عالنييت وتقبح لك فيما أخلو سريريت حمافظا على رايء الناس من نفسي مضيعا ملا أنت مطلع عليه مين أبدي للناس أحس أمري وأفضي إليك أبسوأ عملي تقراب إىل الناس حبسنايت وفرارا منهم إليك بسيآيت فيحل يب مقتك وجيب علي غضبك أعذين من ذلك اي رب العاملني وقد قال أحد الثالثة نفر أليوب عليه السالم اي أيوب أمل تعلم أن الذين حفظوا عالنيتهم وأضاعوا سرائرهم عند طلب احلاجات إىل الرمحن تسود وجوههم فهذه مجل آفات الرايء فلرياقب العبد قلبه ليقف عليها ففي اخلرب إن للرايء سبعني اباب حديث الرايء سبعون اباب هكذا ذكر املصنف هذا احلديث هنا وكأنه تصحف عليه أو على من نقله من كالمه أنه الرايء ابملثناة وإمنا هو الراب ابملوحدة واملرسوم كتابته ابلواو واحلديث رواه ابن ماجه من حديث أيب هريرة بلفظ الراب سبعون حواب أيسرها أن ينكح الرجل أمه ويف إسناد أبو معشر وامسه جنيح خمتلف فيه وروى ابن ماجه أيضا من حديث ابن مسعود عن النيب صلى هللا عليه وسلم قال الراب ثالث وسبعون اباب وإسناده صحيح هكذا ذكر ابن ماجه احلديثني يف أبوب التجارات وقد روى البزار حديث ابن مسعود بلفظ الراب بضع وسبعون اباب والشرك مثل ذلك وهذه الزايدة قد يستدل هبا على أنه الرايء ابملثناة القرتائه مع الشرك وهللا أعلم وقد عرفت أن بعضه أغمض من بعض حىت إن بعضه مثل دبيب النمل وبعضه أخفى من دبيب النمل وكيف يدرك ما هو أخفى من دبيب النمل إال بشدة التفقد واملراقبة وليته أدرك بعد بذل اجملهود فكيف يطمع يف إدراكه من غري تفقد للقلب وامتحان للنفس وتفتيش عن خدعها نسأل هللا تعاىل العافية مبنه وكرمه وإحسانه. بيان ما ينبغي للمريد أن يلزم نفسه قبل العمل وبعده وفيه اعلم أن أوىل ما يلزم املريد قلبه يف سائر أوقاته القناعة بعلم هللا يف مجيع طاعاته وال يقنع بعلم هللا إال من ال خياف إال هللا وال يرجو إال هللا فأما من خاف غريه وارجتاه اشتهى إطالعه على حماسن أحواله فإن كان يف هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل واإلميان ملا فيه من خطر التعرض للمقت ولرياقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة اليت ال يقدر عليها غريه فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على اإلفشاء وتقول مثل هذا العمل العظيم أو اخلوف العظيم أو البكاء العظيم لو عرفه اخللق منك لسجدوا لك فما يف اخللق من يقدر على مثله فكيف ترضى إبخفائه فيجهل الناس حملك وينكرون قدرك وحيرمون االقتداء بك ففي مثل هذا األمر ينبغي أن يثبت قدمه ويتذكر يف مقابلة عظم عمله عظم ملك اآلخرة ونعيم اجلنة ودوامه أبد اآلابد وعظم غضب هللا ومقته على من طلب بطاعته ثوااب من عباده ويعلم أن إظهاره لغريه حمبب إليه وسقوط عند هللا وإحباط للعمل العظيم فيقول وكيف أتبع مثل هذا العمل حبمد اخللق وهم عاجزون ال يقدرون يل على رزق وال أجل فيلزم ذلك قلبه وال ينبغي أن ييأس عنه فيقول إمنا يقدر على اإلخالص األقوايء فأما املخلطون فليس ذلك من شأهنم فيرتك اجملاهدة يف اإلخالص ألن املخلط إىل ذلك أحوج من املتقي ألن املتقي إن فسدت نوافله بقيت فرائضه كاملة اتمة واملخلط ال ختلو فرائضه عن النقصان واحلاجة إىل اجلربان ابلنوافل فإن مل تسلم صار مأخذوا ابلفرائض وهلك به فاملخلط إىل اإلخالص أحوج وقد روى متيم الداري عن النيب صلى هللا عليه وسلم أنه قال حياسب العبد يوم القيامة فإن نقص فرضه قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكمل به فرضه وإن مل يكن له تطوع أخذ بطرفيه فألقي يف النار حديث متيم الداري يف إكمال فريضة الصالة ابلتطوع أخرجه أبو داود وابن ماجه وتقدم يف الصالة فيأيت املخلط يوم القيامة وفرضه انقص وعليه ذنوب كثرية فاجتهاده يف جرب الفرائض وتكفري السيئات وال ميكن ذلك إال خبلوص النوافل وأما املتقي فجهده يف زايدة الدرجات فإن حبط تطوعه بقي من حسناته ما يرتجح على السيئات فيدخل اجلنة فإذن ينبغي أن يلزم قلبه خوف اطالع غري هللا عليه لتصح نوافله مث يلزم قلبه ذلك بعد الفراغ حىت ال يظهره وال يتحدث به وإذا فعل مجيع ذلك فينبغي أن يكون وجال من عمله خائفا أنه رمبا داخله من الرايء اخلفي ما مل يقف عليه فيكون شاكا يف قبوله ورده جموزا أن يكون هللا قد أحصى عليه من نيته اخلفية ما مقته هبا ورد عمله بسببها ويكون هذا الشك واخلوف يف دام عمله وبعده إال يف ابتداء العقل بل ينبغي أن يكون متيقنا يف االبتداء أنه خملص ما يريد بعمله إال هللا حىت يصح عمله فإذا شرع ومضت حلظة ميكن فيها الغفلة والنسيان كان اخلوف من الغفلة عن شائبة خفية أحبطت عمله من رايء أو عجب أوىل به ولكن يكون رجاؤه أغلب من خوفه ألنه استيقن أنه دخل ابإلخالص وشك يف أنه هل أفسده برايء فيكون رجاء القبول أغلب وبذلك تعظم لذته يف املناجاة والطاعات فاإلخالص يقني والرايء شك وخوفه لذلك الشك جدير أبن يكفر خاطر الرايء إن كان قد سبق وهو غافل عنه والذي يتقرب إىل هللا ابلسعي يف حوائج الناس وإفادة العلم ينبغي أن يلزم نفسه رجاء الثواب على دخول السرور على قلب من قضى حاجته فقط ورجاء الثواب على عمل املتعلم بعلمه فقط دون شكر ومكافأة ومحد وثناء من املتعلم واملنعم عليه فإن ذلك حيبط األجر فمهما توقع من املتعلم مساعدة يف شغل وخدمة أو مرافقة يف املشي يف الطريق ليستكثر ابستتباعه أو ترددا منه يف حاجة فقد أخذ أجره بال ثواب له غريه نعم إن مل يتوقع هو ومل يقصد إال الثواب على عمله بعلمه ليكون له مثل أجره ولكن خدمة التلميذ بنفسه فقبل خدمته فنرجو أن ال حيبط ذلك أجره إذا كان ال ينتظره وال يريده منه وال يستبعده منه لو قطعه ومع هذا فقد كان العلماء حيذرون هذا حىت إن بعضهم وقع يف بئر فجاء قوم فأدلوا حبال لريفعوه فحلف عليهم أن ال يقف معهم من قرأ عليه آية من القرآن أو مسع منه حديثا خيفة أن حيبط أجره وقال شقيق البلخي أهديت لسفيان الثوري ثواب فرده علي فقلت له اي أاب عبد هللا لست أان ممن يسمع احلديث حىت ترده علي قال علمت ذاك ولكن أخوك يسمع مين احلديث فأخاف أن يلني قليب ألخيك أكثر مما يلني لغريه وجاء رجل إىل سفيان ببدرة أو بدرتني وكان أبوه صديقا لسفيان وكان سفيان أيتيه كثريا فقال له اي أاب عبد هللا يف نفسك من أيب شيء فقال يرحم هللا أابك كان وكان وأثىن عليه فقال اي أاب عبد هللا قد عرفت كيف صار هذا املال إيل فأحب أن أتخذ هذه تستعني هبا على عيالك قال فقبل سفيان ذلك قال فلما خرج قال لولده اي مبارك أحلقه فرده علي فرجع فقال أحب أن أتخذ مالك فلم يزل به حىت رده عليه وكأنه كانت أخوته مع أبيه يف هللا تعاىل فكره أن أيخذ ذلك قال ولده فلما خرج مل أملك نفسي أن جئت إليه فقلت ويلك أي شيء قلبك هذا حجارة عد أنه ليس لك عيال أما ترمحين أما ترحم إخوتك أما ترحم عيالنا فأكثرت عليه فقال يل اي مبارك أتكلها أنت هنيئا مرئيا وأسأل عنها أان فإذن جيب على العامل أن يلزم قلبه طلب الثواب من هللا يف اهتداء الناس به فقط وجيب على املتعلم أن يلزم قلبه محد هللا وطلب ثوابه ونيل املنزلة عنده ال عند املعلم وعند اخللق ورمبا يظن أن له أن يرائي بطاعته لينال عند املعلم رتبته فيتعلم منه وهو خطأ ألن إرادته بطاعته غري هللا خسران يف احلال والعلم رمبا يفيد ورمبا ال يفيد فيكف خيسر يف احلال عمال نقدا على توهم علم وذلك غري جائز بل ينبغي أن يتعلم هلل ويعبد هللا وخيدم املعلم هلل ال ليكون له يف قلبه منزلة إن كان يريد أن يكون تعلمه طاعة فإن العباد أمروا أن ال يعبدوا إال هللا وال يريدوا بطاعتهم غريه وكذلك من خيدم أبويه ال ينبغي أن خيدمهما لطلب املنزلة عندمها إال من حيث إن رضا هللا عنه يف رضا الوالدين وال جيوز له أن يرائي بطاعته لينال هبا منزلة عند الوالدين فإن ذلك معصية يف احلال وسيكشف هللا عن رايئه وتسقط منزلته من قلوب الوالدين أيضا وأما الزاهد املعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر هللا والقناعة بعلمه وال خيطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم حمله فإن ذلك يغرس الرايء يف صدره حىت تتيسر عليه العبادات يف خلوته به وإمنا سكوته ملعرفة هللا ابعتزاله واستعظامهم حملله وهو ال يدري أنه املخفف للعمل عليه قال إبراهيم بن أدهم رمحه هللا تعلمت املعرفة من راهب يقال له مسعان د خلت عليه يف صومعته فقلت اي مسعان منذ كم أنت يف صومعتك قال منذ سبعني سنة قلت فما طعامك قال اي حنيفي وما دعاك إىل هذا قلت أحببت أن أعلم قال يف كل ليلة محصة قلت فما الذي يهيج من قلبك حىت تكفيك هذه احلمصة قال ترى الدير الذي حبذائك قلت نعم قال إهنم أيتوين يف كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعيت ويطوفون حوهلا ويعظموين فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرهتا عز تلك الساعة فأان احتمل جهد سنة لعز ساعة فاحتمل اي حنيفي جهد ساعة لعز األبد فوقر يف قليب املعرفة فقال حسبك أو أزيدك قلت بلى قال أنزل عن الصومعة فنزلت فأدىل يل ركوة فيها عشرون محصة فقال يل ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك فلما دخلت الدير اجتمع علي النصارى فقالوا اي حنيفي ما الذي أدىل إليك الشيخ قلت من قوته قالوا فما تصنع به وحنن أحق به مث قالوا ساوم قلت عشرون دينارا فأعطوين عشرين دينارا فرجعت إىل الشيخ فقال اي حنيفي ما الذي صنعت قلت بعته منهم قال بكم قلت بعشرين دينارا قال أخطأت لو ساومتهم بعشرين ألف دينار ألعطوك هذا عز من ال تعبده فانظر كيف يكون عز من تعبده اي حنيفي أقبل على ربك ودع الذهاب واجليئة واملقصود أن استشعار النفس عز العظمة يف القلوب يكون ابعثا يف اخللوة وقد ال يشعر العبد به فينبغي أن يلزم نفسه احلذر منه وعالمة سالمته أن يكون اخللق عنده والبهائم مبثابة واحدة فلو تغريوا عن اعتقادهم له مل جيزع ومل يضق به ذرعا إال كراهة ضعيفة أن وجدها يف قلبه فريدها يف احلال بعقله وإميانه فإنه لو كان يف عبادة واطلع الناس كلهم عليه مل يزده ذلك خشوعا ومل يداخله سرور بسبب اطالعهم عليه فإن دخل سرور يسري فهو دليل ضعفه ولكن إذا قدر على رده بكراهة العقل واإلميان وابدر إىل ذلك ومل يقبل ذلك السرور ابلركون إليه فريجى له أن ال خييب سعيه إال أن يزيد عند مشاهدهتم يف اخلشوع واالنقباض كي ال ينبسطوا إليه فذلك ال أبس به ولكن فيه غرور إذ النفس قد تكون شهوهتا اخلفية إظهار اخلشوع وتتعلل بطلب االنقباض فيطالبها يف دعواها قصد االنقباض مبوثق من هللا غليظ وهو أنه لو علم أن انقباضهم عنه إمنا حصل أبن يعدوا كثريا أو يضحك كثريا أو أيكل كثريا فتسمح نفسه بذلك فإذ ا مل تسمح ومسحت ابلعبادة فيشبه أن يكون مرادها املنزلة عندهم وال ينجو من ذلك إال من تقرر يف قلبه أنه ليس يف الوجود أحد سوى هللا فيعمل عمل من لو كان على وجه األرض وحده لكان يعمله فال يلتفت قلبه إىل اخللق إال خطرات ضعيفة ال يشق عليه إزالتها فإذا كان كذلك مل يتغري مبشاهدة اخللق ومن عالمة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان أحدمها غين واآلخر فقري فال جيد عند إقبال الغين زايدة هزة يف نفسه ال كرامة إال إذا كان يف الغىن زايدة علم أو زايدة ورع فيكون مكرما له بذلك الوصف ال ابلغىن فمن كان اسرتواحه إىل مشاهدة األغنياء أكثر فهو مراء أو طماع وإال فالنظر إىل الفقراء يزيد يف الرغبة إىل اآلخرة وحيبب إىل القلب املسكنة والنظر إىل األغنياء خبالفه فكيف اسرتوح ابلنظر إىل الغين أكثر مما يسرتوح إىل الفقري وقد حكي أنه مل ير األغنياء يف جملس أذل منهم فيه يف جملس سفيان الثوري كان جيلسهم وراء الصف ويقدم الفقراء حىت كانوا يتمنون أهنم فقراء يف جملسه نعم لك زايدة إكرام للغين إذا كان أقرب إليك أو كان بينك وبينه حق وصداقة سابقة ولكن يكون حبث لو وجدت تلك العالقة يف فقري لكنت ال تقدم الغين عليه يف إكرام وتوقري البتة فإن الفقري أكرم على هللا من الغين فإيثارك ال يكون إال طمعا يف غناه ورايء له مث إذا سويت بينهما يف اجملالسة فيخشى عليك أن تظهر احلكمة واخلشوع للغين أكثر مما تظهره للفقري وإمنا ذلك رايء خفي أو طمع خفي كما قال ابن السماك جلارية له مايل إذا أتيت بغداد فتحت يل احلكمة فقالت الطمع يشحذ لسانك وقد صدقت فإن اللسان ينطق عند الغين مبا ال ينطق به عند الفقري وكذلك حيضر من اخلشوع عنده ما ال حيضره عند الفقري ومكايد النفس وخفاايها يف هذا الفن ال تنحصر وال ينجيك منها إال أن خترج ما سوى هللا من قلبك وتتجرد ابلشفقة على نفسك بقية عمرك وال ترضى هلا ابلنار بسبب شهوات منغصة يف أايم متقاربة وتكون يف الدنيا كملك من ملوك الدنيا قد أمكنته الشهوات وساعدته اللذات ولكن يف بدنه سقم وهو خياف اهلالك على نفسه يف كل ساعة لو اتسع يف الشهوات وعلم أنه لو احتمى وجاهد شهوته عاش ودام ملكه فلما عرف ذلك جالس األطباء وحارف الصيادلة وعود نفسه شرب األدوية املرة وصرب على بشاعتها وهجر مجيع اللذات وصرب على مفارقتها فبدنه كل يوم يزداد حنوال لقلة أكله ولكن سقمه يزداد كل يوم نقصاان لشدة احتمائه فمهما انزعته نفسه إىل شهوة تفكر يف توايل األوجاع واآلالم عليه وأداه ذلك إىل املوت املفرق بينه وبني مملكته املوجب لشماتة األعداء به ومهما اشتد عليه شرب دواء تفكر فيما يستفيده منه من الشفاء الذي هو سبب التمتع مبلكه ونعيمه يف عيش هينء وبدن صحيح وقلب رخي وأمر انفذ فيخف عليه مهاجرة اللذات ومصابرة املكروهات فكذلك املؤمن املريد مللك اآلخرة احتمى عن كل مهلك له يف آخرته وهي لذات الدنيا وزهرهتا فاجتزى منها ابلقليل واختار النحول والذبول والوحشة واحلزن واخلوف وترك املؤانسة ابخللق خوفا من أن حيل عليه غضب من هللا فيهلك ورجاء أن ينجو من عذابه فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه وإميانه بعاقبة أمره ومبا أعد له من النعيم املق يم يف رضوان هللا أبد اآلابد مث علم أن هللا كر م رحيم ملن يزل لعباده املريدين ملرضاته عوان وهبم رءوفا وعليهم عطوفا ولو شاء ألغناهنم عن التعب ولكن أراد أن يبلوهم ويعرف صدق إرادهتم حكمة منه وعدال مث إذا حتمل التعب يف بدايته أقبل هللا عليه ابملعونة والتيسري وحط عنه األعباء وسهل عليه الصرب وحبب إليه الطاعة ورزقه فيها من لذة املناجاة ما يلهيه عن سائر اللذات ويقويه على إماتة الشهوات ويتوىل سياسته وتقويته وأمده مبعونته فإن الكر م ال يضيع سعي الراجي وال خييب أمل احملب وهو الذي يقول من تقرب إيل شربا تقربت إليه ذراعا ويقول تعاىل لقد طال شوق األبرار إىل لقائي وإين إىل لقائهم أشد شوقا فليظهر العبد يف البداية جده وصدقه وإخالصه فال يعوزه من هللا تعاىل على القرب ما هو الالئق جبوده وكرمه ورأفته ورمحته مت كتاب ذم اجلاه والرايء واحلمد هلل وحده.
© Copyright 2026 Paperzz