اﻟﻌﺪد ) (٤٤رﺑﻴﻊ اﻟﺜﺎﻧﻲ ١٤٣٧ﻫـ اﳌﻮاﻓﻖ ﻛﺎﻧﻮن ﺛﺎﻧﻲ /ﻳﻨﺎﻳﺮ ٢٠١٦م مجلة شهرية الكترونية تصدر عن املجلس العام للبنوك واملؤسسات املالية اإلسالمية بالتعاون مع مركز أبحاث فقه املعامالت اإلسالمية هدية العدد كتاب :ﻧﻈﺎم اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ وﻣﺆﺳﺴﺎﺗﻪ اﻟﻤﺼﺮﻓﻴﺔ للدكتور عبد الحليم الغربي ✤ مشكالت القياس في ظل فساد النقد وكساده. ✤ كيف للمخدرات االصطناعية أن تهدد ثلثي سكان الدول العربية؟ ✤ التعليم في ظل مفهوم االقتصاد املعرفي في العالم العربي. ✤ مالحظات حول تسعير املصارف اإلسالمية. ✤ إدارة االبتكارات املالية في الصناعة املصرفية اإلسالمية التطورات املرتقبة واملخاطر املتوقعة. العدد | 44كانون ثاني /يناير | 2016 كلمة رئيس التحرير مشكالت القياس في ظل فساد النقد وكساده الدكتور سامر مظهر قنطقجي رئيس التحرير إنّîهُ ال يُîتصوَّرُ أيُّ قîياسٍ إلِّîا خîاللَ فîترةٍ مîن الîزمîنِ؛ حîيث تîتمُّ عîمليةُ الîقياسِ بîنيَ تîاريخَنيِ لîلحصولِ عîلى تîغيُّرِ الشîيءِ املُقاسِ ،والتغيُّر يكونُ إمّا )زيادةً ،أو نُقصاناً(. وأفسîدَ الشîيءَ أبîارَهُ وهîذا خِîالفُ صîالحِîه ،أمّîا كîسادُ الشîيءِ فîهُو عîدمُ نîفادِه وهîو خِîالفُ نَîفَاقِîه؛ فîالîسوقُ الîكاسِîدَةُ هîي الîسوقُ الîبائîرةُ ،والîكسادُ هîو شîكلٌ مîن أشîكالِ الîفسادِ ،والîفِعالنِ كِîالهُîما" :فَسَîدَ وكَسَîدَ" ال يîكونîانِ إالّ مَîنسوبَîنيِ لîفاعîلٍ ،فîيُقالُ) :أفسîدتُîه ،وأفسîدَه ،وأفسîدَوه( ،كîما يُîقال )أكسîدَه الîقومُ وأكسîدُوه( ومîا شîابَîه؛ فîالîفسادُ -عُîمومîاً ال يîكونُ فِîعالً ذاتîيّاً؛ بîل البُîدَّ لîه مِîن فîاعîلٍ يîفعلُه ،فـ"األصîلُ فîي األشîياءِ الîتوازنُ والîصّحَّةُ" ،فîاخلîالîقُ تîعالîى يîقول:)وَاألَْرْضَ مَîدَدْنَîاهَîا وَأَلْîقَيْنَا فِîيهَا رَوَاسِîيَ وَأَنîبَتْنَا فِîيهَا مِîن كُîلِّ شَîيْءٍ مَّîوْزُونٍ( ﴿ ﴾۱۹احلجîر ،أمّîا تîدخُّîلُ اإلنîسانِ بîغيرِ وج îهِ ح îقٍّ فمُفسِ îدٌ لîîألشîîياءِ؛ لîîذلîîك يîîقولُ املîîولîîى ع îزَّ وج îلَّ) :ظَهَ îرَ الْ îفَسَادُ فِîîي الْ îبَرِّ وَالْبَحْ îرِ مبَِîîا كَسَ îبَتْ أَيْ îدِي ال îنَّاسِ لِ îيُذِي îقَهُم بَ îعْضَ الَّ îذِي عَ îمِلُوا لَ îعَلَّهُمْ يَ îرْجِ îعُونَ( ﴿ ﴾٤۱الîîروم .وظَهَ îرَ الشîîيءُ بîîانَ ،وظَهَ îرَ فîîسادُ الشîîيءِ بîîانَ عîîدمُ صîالحِîه ،وهîذا فِîعلُ بîعضِ الîناسِ وشِîرارِهîم ،وقîد نَسَîبَ اهللُ تîعالîى الîفسادَ لِîفعلِ فِîرعîونَ الîذي ادّعîى اإلميîانَ بîعدمîا أيîقنَ أنّه غارقٌ المحالةَ) :آآلْنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ املُْفْسِدِينَ( ﴿ ﴾۹۱يونس. كîما يُîعتبَرُ بَîخسُ الîناسِ أشîياءَهîم فîساداً؛ بîل هîو فîسادٌ فîي األرضِ ملِîا لîه مِîن نîتائîجَ سîيِّئةٍ؛ لîقولِîه تîعالîى) :وَالَ تَîبْخَسُوا الîنَّاسَ أَشْîيَاءَهُîمْ وَالَ تَîعْثَوْا فِîي األَْرْضِ مُفْسِîدِيîنَ( ﴿ ﴾۱۸۳الîشعراء .و"الîتالعُîبُ بîوزنِ األشîياءِ حَîرفُîها عîن الîتوازنِ وهîذا فîسادٌ"؛ فîالîبائîعُ الîذي يîتالعîبُ بîاملîيزانِ هîو بîائîعٌ مُفْسِîدٌ ،والîذي يîغشُّ املِîكيالَ هîو بîائîعٌ مُفسِîدٌ ،وكîذلîك مَîن يîتالعîبُ مبîيزانِ األشîياءِ؛ لِîيبْخَسَ الîناسَ حُîقوقَîهُم مُفسِîدٌ عîائîثٌ فîي األرضِ ،ويîشملُ ذلîك احملîاسîبَ والشîريîكَ املîؤمتîن )أسîماه املîالîكية بîالشîريîك املîديîر( .وملّîا كîانîت الîنقودُ سِîلعاً وسîيطةً مَîهمَّتُها وزنُ أشîياءِ املîتبادِلîنيَ بîالîعدلِ؛ ف)إنّ الîتالعîبَ فîيها فîسادٌ ومُفسِîدٌ لîلتعامîلِ بîني الîناسِ ،ومُîضيعٌ حلîقوقِîهم ،وفîاعِîلُها فîاسِîدٌ مُفْسِîدٌ( كـ )فîرعîونَ وأمîثالِîه(، الصفحة | 10 www.giem.info العدد | 44كانون ثاني /يناير | 2016 كلمة رئيس التحرير يîقولُ اهللُ تîعالîى عîلى لîسانِ سîيِّدنîا شُîعيبٍ عîليه السîالمُ) :وَيَîا قَîوْمِ أَوْفُîوا املِْîكْيَالَ وَاملِْîيزَانَ بِîالْقِسْîطِ ۖ وَالَ تَîبْخَسُوا الîنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَالَ تَعْثَوْا فِي األَْرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ ﴾۸٥هود. وملّîا كîانَ )الîعدلُ قîطبَ اإلسîالمِ ومِîحورَه( ،و"الîعدلُ هîو نîقيضُ الîظلمِ" الîذي طîلبَ مِîنّا نîبيُّنا مُحîمَّدٌ صîلّى اهللُ عîليهِ وسلَّمَ جتنُّبَه؛ فقالَ في روايةٍ جلِابرِ بنِ عبدِ اهللِ رضيَ اهللُ عنه" :اتَّقُوا الظُّلمَ ،فإنَّ الظُّلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ". وقîد وجîاءَ فîعلُ )ظîلم( وتîصريîفاتُîه ۳۱٥مîرَّةً فîي كîتابِ اهللِ تîعالîى؛ فحîرَّمَ اهللُ تîعالîى الîظلمَ أيّîاً كîان )نîوعُîه ،ومَîصدرُه ومُîصدِّرهُ(؛ بîل أحîلَّ الîعُدوانَ عîلى الîظاملîنيَ فîقال عîزَّ وجîلَّ) :فَîالَ عُîدْوَانَ إِلَّîا عَîلَى الîظَّاملِîنيَ( ﴿ ﴾۱۹۳الîبقرة؛ لîذلîك فîإنَّ ردَّ ظُîلْمِ فîسادِ الîنقودِ وكîسادِهîا أمîرٌ ال غِîنىً عîنه؛ بîل يîقعُ عîلى أولîئك الîظُّالّمِ مîا يîقعُ عîلى األعîداءِ؛ فـ "املîالُ مîن الîضروريîاتِ ،واالعîتداءُ عîليهِ كîاالعîتداءِ عîلى الîنفسِ" فîكِالهُîما فîيه احلîياةُ وبîه؛ لîذلîك البُîدَّ مِîن رفîعِ الîظلمِ عîمَّنَ بُîخِسَ حîقُّهُ بîفسادِ الîنقدِ بîنيَ املُîتبادِلîنيَ بîردِّ احلîقِ الîصحيحِ لîصاحîبِه .وقîد "نهَîى نîبيّنا مُحîمَّدٌ صîلَّى اهللُ عîليه وسîلَّمَ عîن كَسْîرِ سِîكَّةِ املسîلمنيَ"؛ ألنّ فîي كسîرِهîا تîضييقاً عîلى املîتبادِلîنيَ؛ حîيث يîقلُّ عَîرضُ الîنقودِ املîتداوَلîةِ فîيزدادُ سِîعرُ صَîرفِîها جتُîاهَ غîيرِهîا مîن الîنقودِ ،وتîتغيَّرُ مîوازيîنُ الîتبادُلِ بîني الîناسِ ،وكîذلîكَ بîنيَ األسîواقِ؛ فîتميلَ الîكِفَّة ميَîنةً أو يَسîرةً وتتخîلخلُ احلîقوقُ وتîتالشîى .فîإنْ كîانَ تîغيُّرُ عَîرضِ الîنقودِ نîتيجةَ ظîروفٍ طîبيعيةٍ وبسîببِ حîالîةِ األسîواقِ فهîذا أمîرٌ مîقبولٌ ،وإنْ كîان بîفعلِ فîاعîلٍ فهîذا منهîيٌ عîنه ،فîمِنَ الîناس مîن يîسحبُ الîنقودَ املîعدِنîيةَ مِîن الîسوقِ لِيصهَîرَهîا ويîأخُîذَ مîعدِنَîها الîذي يُîساوي أكîثرَ مِîن قîيمتِه الîسُّوقîيَّةِ كîنَقدٍ ،وهîناكَ مَîن يîحتكِرُ نîوعîاً مîن الîنقودِ؛ لِîيُغلِي سِîعرَهîا مُسîتغلِّاً بîعضَ الîظروفِ االستثنائيةِ التي تفرضُها حروبٌ ،أو )سياساتٌ نقديةٌ وماليةٌ واقتصاديةٌ غيرُ سليمةٍ( .ومِن تلك السياسات: سîياسîاتٌ نîقديîةٌ غîيرُ سîليمةٍ؛ كـ )تîطبيقِ الîرِّبîا فîي املîعامîالتِ ،أو مîا يُîسمّى بـ "الîفائîدة الîرِّبîويَّîة"(؛ حîيث يُîنظَرُ لîلمالِكسîلعةٍ فîيباعُ ويُشîترى بîثمنٍ كîما تُîباعُ السِّîلَعُ فîي األسîواقِ؛ فîالîتاجîرُ الîذي يشîتري الîتفاحَ مبîائîةٍ سîيبيعُه مبîائîةٍ وعشîرةٍ؛ لِîيُحَقِّقَ ربîحاً نîتيجةَ عîملٍ إضîافîيٍّ بîذلَîهُ كـ )نَîقلِه ،أو إعîادةِ تîغليفِه ،أو إدخîالِîه فîي عîملياتٍ صîناعîيّةٍ مُحîدَّدةٍ(؛ لîكنَّ هîذا الîقياسَ ال يîصحُ فîي املîالِ؛ ألنّîه وسîيطُ تîبادُلٍ ،والîوسîيطُ يîنبغي عîليه أنْ يîكونَ حِîياديَّîاً؛ لîذلîكَ ال يîصحُّ تîدخُّîلُ الîبنكِ املîركîزيِّ -وأصîلُ فِîكرتِîه أنّîه بîنكُ احلîكومîةِ الîتي متîثِّلُ مîصالِîحَ الîناسِ -فîيبيعُ ويشîتري الîنقودَ بîفارقٍ ميîثِّلُ -بîرأي املَîدرسîةِ الîنقديîةِ -رِبîحاً أوَّلîيَّاً يُîسمّى )الîاليîبور أو الîسايîبور وهîو سîعرُ الîفائîدةِ األولîيِّ( ومîا شîابَîهه مِîن تîسمياتٍ تîخصُّ كîلَّ سُîوقٍ بîسُوقِîه .ثîمَّ تîتبعُه املîصارفُ الîتجاريَّîةُ -أي الîرِّبîويَّîةُ -بîإعîادةِ إقîراضِ املîالِ لîلناسِ احملُîتاجِîنيَ لîه بîعائîدٍ يîفوقُ مُîعدَّلَ )الîاليîبور (LIBOR؛ لكسîبِ مَîزيîدٍ مِîن الîرِّبîا احملُîرَّمِ؛ فـ "املîالُ ال يîلدُ املîالَ بîنفسِه دونَ تîثميرِ فîاعîلٍ" ،واملîالُ دورُه ال يَعدو عن وسيطِ تبادُلٍ بني السلَعِ واخلَدماتِ في السوقِ. فîإن احîتاجَ الîناسُ بîيعَ هîذا الîوسîيطِ وتîبديîلِه بîوسîيطٍ آخَîرَ اشîترطَ نîبيُّنا صîلّى اهللُ عîليهِ وسîلَّمَ لîذلîكَ ضîابîطِ )الîقبْضِ فîي اجملîلسِ( ملîنعِ تîداولِîه كîغَيرِه مîن السîلعِ؛ حîتّى ال يُîؤدِّي ذلîك الîصرفُ إلîى ضîخِّ نîقودٍ فîي الîسوقِ ،فهîذا عَîرضٌ لîلنقودِ يîتناسîبُ وزمîنَ الîتأجîيلِ فîيه؛ فîيكونُ تîغييراً لِîكميَّتِه املَîعروضîةِ M2دونَ سîببٍ حîقيقيٍّ ،وهîذا مîا يُîؤدِّي إلîى تضخُّîمٍ الصفحة | 11 www.giem.info العدد | 44كانون ثاني /يناير | 2016 كلمة رئيس التحرير مîؤذٍ بîني الîناسِ .وكîذا هîو فِîعلُ الîرِّبîا احملُîرّمِ؛ حîيث يîعترفُ أصîحابُ املîدرسîةِ الîنقديîةِ مبîعدَّلٍ سîنويٍّ لîلفائîدةِ -سîعرِ بîي ِع املîالِ -؛ فîتراهُîم يُجîدِّونَ السîيرَ فîي احîتسابِ الîقيمةِ احلîالîيَّةِ والîقيمةِ املسîتقبليَّةِ لîه ،فîإنْ بîلغَ املُîعدَّلُ مَîثالً ٪۱۰فîإنّ زيîادةً سîنويîةً واقîعةً فîي الîتكالîيفِ يُîقابîلُها اعîترافٌ بîنقصِ قîيمةِ الîنقودِ؛ حîتّى تîتالشîى قîيمتها بîعدَ عشْîرِ سîنواتٍ -كîما فîي مِثالِنا املَذكورِ .- سîياسîاتٌ مîالîيةٌ غîيرُ سîليمةٍ :كîفَرضِ الîضرائîبِ عîلى األعîمالِ والîناسِ؛ حîيث تîزدادُ الîتكالîيفُ دونَ مُîسوِّغٍ حîقيقيٍّفîترتîفعُ األسîعارُ دونَ وجْîهِ حîقٍّ ،وتîنخفضُ الîقوَّةُ الشîرائîيةُ لîلنقودِ ويîكونُ تضخُّîماً فîي الîسوقِ؛ بسîببِ هîذا الîفعلِ الîذي يُîقصَدُ مîنه متîويîلُ اإلنîفاقِ احلîكومîيِّ املُسîتساغِ ،بîينما يîكونُ ضîابîطُ الîكفاءةِ بîأن تîفهمَ احلîكومîاتُ وتîتدبَّîرَ إيîراداتٍ تخصُّها مِن أعمالٍ مُجْديةٍ ،وأالّ تتوسَّعَ في التوظيفِ واإلنفاقِ على أعمالِها التي تتمثَّلُ برعايةِ مصالحِ الناسِ. سîياسîاتٌ اقîتصاديîةٌ غîيرُ سîليمةٍ :كîالîتي تîؤدِّي إلîى رفîعِ األسîعارِ وحُîصولِ التضخُّîمِ املُفسîدِ لîألسîعارِ؛ وذلîك بîالîسماحِباالحتكاراتِ ،وتطبيقِ أنظمةِ احلِصَصِ )الكوتا( وما شابَهها لِفئةٍ مِن الناسِ دونَ غيرِهم دونَ وجْهِ حقٍّ. وعîلى أيِّ حîالٍ البُîدَّ مِîن الîتفريîقِ بîني عِîبارَتîي الîعُملةِ والîنقدِ؛ فîيُقالُ عîن الîنقدِ احملîليِّ عُîملةٌ ،ويُîقالُ عîن الîنقدِ الîعاملَîيِّ نîقداً ،والîفارقُ بîينهُما هîو مîدى االعîترافِ؛ فîاألوَّلُ االعîترافُ بîه محîليٌّ ،والîثانîي يَحîظى بîاعîترافٍ عîاملَîيٍّ ،ومîثالُ ذلîكَ الîليرةُ الîسوريîةُ والîدوالرُ األمîريîكيُّ مîثال .وقîد حîظِيَت الîعُملةُ الîصينيَّةِ مُîؤخَّîراً بîاعîترافٍ عîاملَîيٍّ بîعدمîا دخîلَت رسîميّاً فîي تقييمِ حقوقِ السحبِ اخلاصَّةِ الدوليةِ؛ فصارتْ نقداً باعترافِ أكبرِ املؤسَّساتِ النقديةِ العاملَيةِ. وقîد تîناولَ كîثيرٌ مîن الîفقهاءِ مîسائîلَ فîسادِ الîنقودِ وكîسادِهîا كـ )اإلمîامِ مُحîمَّد بîنِ حîسنٍ الشîيبانîيِّ احلَîرسîتانîيِّ األصîلِ، واإلمîامِ أبîي جَîعفرٍ الîدمîشقيِّ( وغîيرِهîما ،وعîليه فîقَد تîغيَّرَت أحîكامُ الîتعامîلِ بîالîنقودِ بîاخîتالفِ طîبيعتِها ،الîذي مَîردُّه فسادُ احلُكَّامِ والناسِ على حَدٍّ سواءِ. فîالîنقودُ ميُîكِنُ االسîتغناءُ عîنها بîالîتبادُلِ الîعَينيِّ أو السِّîلَعيِّ وهîو مîا يُîسمّى بـ )املُîقايîضةِ( ،وهîذه حîالُ األسîواقِ الîقدميîةِ جِîدّاً؛ لîكنَّه تîبادلٌ ال يîنقضي حîالُîه؛ فîحتّى أعîتى األسîواقِ حîالîيَّاً تُîعنى بîالîتبادلِ السِّîلَعيِ ومتîارِسُîه مبîا يُîسمّى Swap وهو تبادلُ املقايَضةِ نفسُه املعروفُ واملُمارَسُ في أقدمِ أسواقِ البَشرِ. وقîîد شه îدَت الîîنقودُ تîîغيُّراتِ بحس îبِ املîîكانِ والîîزمîîانِ؛ فîîالîîبالدُ الîîشاطîîئيةُ تîîنظرُ لîîلملحِ عîîلى أنَّîîه نîîقدٌ ملِîîا لَîîه مِîîن رَواجٍ واعîترافٍ بîنيَ سُîكَّانِ تîلك الîبالدِ ،ويُîنظَرُ لîلتمرِ فîي الîبالدِ الصَّحîراويîةِ عîلى أنَّîه كîذلîك ،ويُîنظَرُ لîلحيوانîاتِ كـ )اإلبîلِ، واملîاشîيةِ( فîي الîبالدِ الîتي تشîتهِرُ بîالîرعîي ،واجتهَîدت بîعضُ احلîضاراتِ بîاخîتراعِ نُîقودٍ مîن )احلَجîرِ ،وأوراقِ الشجîرِ، واملعادِن(؛ بل وجعَلوا لها نُقوشاً تخصُّها لتمييزِها بني الناس. ثîمَّ الîتفتَ الîناسُ لîلمَعدِنîنيِ الîبرّاقَîنيِ الîذَيîنِ جîعلَ اهللُ فîيهِما الîثمنيَّةَ خِîلقَةً فîال تîبلَى ثîمنيَّتُهما أبîدَ الîدهîرِ ،وقîد أشîارَ الîقُرآنُ الîكرميُ لîذلîكَ فîي قِîصَّةِ أصîحابِ الîكهفِ) :فَîابْîعَثُوا أَحَîدَكُîم بِîوَرِقِîكُمْ هîذِهِ إِلَîى املَْîدِيîنَةِ فَîلْيَنظُرْ أَيُّîهَا أَزْكَîى طَîعَامًîا فَîلْيَأْتِîكُم بِîرِزْقٍ مِّîنْهُ وَلْîيَتَلَطَّفْ وَالَ يُîشْعِرَنَّ بِîكُمْ أَحَîداً( ﴿ ﴾۱۹الîكهف ،فîالîورِقُ أي الîفِضَّةُ بîقِيَ مîعهُم كîلُ فîترةِ الصفحة | 12 www.giem.info العدد | 44كانون ثاني /يناير | 2016 كلمة رئيس التحرير نîومîهِم فîي الîكهفِ والîبالîغة ) ۳۰۹سîنوات(؛ لîقولِîه تîعالîى) :وَلَîبِثُوا فِîي كَîهْفِهِمْ ثَîالَثَ مِîائَîةٍ سِîنِنيَ وَازْدَادُوا تِîسْعًا( ﴿ ﴾۲٥الîكهف .واملَîعدِنîانِ الîثمينانِ هîما الîذهîبُ والîفِضَّةُ ،حîافîظَ الîذهîبُ عîلى مîكانîتِه تîاريîخيَّاً وتخîلَّفَتِ الîفِضَّةُ عîنه؛ لîذلîك عَîرَفَ املسîلمونَ الîنقودِ مîن الîذهîبِ والîفضَّةِ فîسمَّوهîا دنîانîيرَ ودراهِîمَ ،ثîمَّ بîفسادِ احلُîكَّامِ واألمîراءِ والîناسِ وألغîراضِ الîتوسُّîعِ فîي عîرضِ الîنقودِ ،صîارتْ أغîلبُ الîنقودِ مِîن الîذهîبِ والîفضَّةِ بîعدمîا خîلطُوهîا مبîعادِنِ )الîنحاسِ، واحلîديîدِ ،والîنيكلِ( ،ثîمَّ صîارَ أغîلبهُا مِîن غîيرِ الîذهîبِ والîفضَّةِ ،ثîمَّ صîارَت فُîلوسîاً أيّ :لîيس فîيها شîيءٌ مîن الîذهîبِ والîîفضَّةِ ،ث îمَّ عîîرفَ الîîناسُ الîîنقودَ الîîورقîîيةَ ث îمَّ املîîصرفîîيةَ ،ولîîن تسîîتقِرّ حîîالُ الîîناسِ عîîلى حîîالٍ ،وقîîد بîîدأ رواجُ الîîنقودِ اإللكترونيةِ في هذه األيام؛ ومنها )البيتكوين( ،ولكلِّ نوعٍ من تلكَ النقودِ ما يَضبِطُه. وعîليه تîغيَّرتْ أحîكامُ الîنقودِ ولîم تسîتقرَّ عîلى حîالٍ؛ فîاإلمîامîانِ )أبîو حîنيفةَ الîنعمان والîشافîعيُّ املîطلبيُّ( -رحîمَهُما اهللُ تîîعالîîى -قîîاال فîîي املِîîثليَّةِ؛ أيِّ :إذا اسîîتدانَ شîîخصٌ مِîîن آخ îرَ مîîبلغاً قîîدرُه ) ۱۰۰۰فîîعليهِ أن يُîîعيدَ مِîîثلَهُ( أيّ :لîîيس وحîداتِ ال ۱۰۰۰املîقترَضîةِ نîفسِها؛ بîل مِîثلَها( ،ثîمَّ تîغيَّرت أحîوالُ الîنقودِ وتîغيَّرَ صîرفُîها ،ومبîا أنّ "الîنقدَ وسîيلةٌ ال غîايîةً فîي الîتبادلِ بîنيَ الîناسِ فîقد وجîب احملîافîظة عîلى الîعدلِ بîاحملîافَîظةِ عîلى حîقوقِ الîناسِ"؛ لîذلîك جنîدُ أنّ الîقاضîي أبîا يُîوسُîفَ وهîو الîطالîبُ اجملُِîدُّ عîند اإلمîامِ األعîظمِ أبîي حîنيفةَ قîد حîكَمَ بîالîثمنيَّةِ لîيُقيمَ الîعدلَ بîنيَ املُîتخاصِîمنيَ ،ولîم يîنظُرْ لîلمثليةِ فîراعَîى الîعدلَ ولîم يُîراعِ حُîكْمَ أسîتاذِه أبîي حîنيفةَ الîنُعمانِ ،وكîذلîك فîعلَ اإلمîامُ مُحîمَّدُ بîنُ حîسنٍ الشîيبانîيُّ وهîو الîطالîبُ اجملُِîدُّ كîذلîكَ عîند أسîتاذهِ أبîي حîنيفةَ الîنعمانِ فîقال بîالîثمنيَّةِ عîندَ )فîسادِ الîنقدِ ،أو كîسادِه( .فîماذا يîفعلُ الîدائîنُ بîالîنقودِ إذا أتîاه مَîديîنُه يسîتوفîيهِ دَيîنَهُ مبِîثلِها وقîد فسَîدَتْ قِîيمتُها ولîم تَîعُدْ متُîثِّلُ الîقيمةُ نîفسُها الîتي كîانîت متîثِّلُه مِن قِيَمٍ -أي من سِلَعٍ وخَدماتٍ وبضائع؟ وكîذلîك فîقد جîاءَ اإلمîامُ ابîنُ سُîحنون رحîمهُ اهللُ -وهîو مîالِîكيُّ املîذهîبِ -مبِîعيارٍ ضîابîطٍ ميُîاثîلُ ضîابîطَ اإلمîامِ الشîيبانîيِّ فîقالَ بـ "الîثمنيّةِ عîندَ اجلîائِîحَةِ" ،وفîي الîعصرِ احلîالîيِّ اعîتبَرَ اإلمîامُ الîفقيهُ عîبد اهلل بîن الشîيخ احملîفوظ بîن بîيَّه -حîفظَه اهللُ )وهîو مîالِîكيُّ املîذهîبِ( الîتغيُّرَ إذا بîلغَ الîثلُثَ؛ حîيث يîجبُ الîتعويîضُ .أمّîا اإلمîامُ احملُîقِّقُ ابîنُ عîابîديîنَ -رحîمه اهللُ-)وهîو حîنفيُّ املîذهîبِ( فîأضîافَ الîصلحَ بîني الîدائîنِ واملَîديîنِ؛ لِîيُحافِîظَ عîلى الîتراضِîي بîينُهما بîوصîفِهما مُîتبادِلîنيِ .وقîد حîصلَ الîتراضîي فîي عîقدِ مجîلسِ بîيعِهما ،لîذلîك ف)حَîريٌّ بîهما إقîامîةُ الîعدلِ بîينهُما فîي مجîلسِ السِّîدادِ بîاإلبîقاءِ عîلى الîتراضîي لîلمُحافîظةِ عîلى حُîسْنِ الîتعامîلِ بîنيَ الîناسِ (؛ فـ "اإلحîسانُ صîفةٌ الزمîةٌ للمسîلمِ" ،وفîيها بُîعدٌ اجîتماعîيٌّ أمîرَ اهللُ تîعالîى بîه فîأوصîى الîدائîنَ بîإنîظارِ املُعسîرِ فîقالَ عîزَّ وجîلَّ) :وَإِن كَîانَ ذُو عُسْîرَةٍ فَîنَظِرَةٌ إِلَîى مَيْسَîرَةٍ ۚ وَأَن تَîصَدَّقُîوا خَîيْرٌ لَّîكُمْۖ إِن كُîنتُمْ تَîعْلَمُونَ ﴿ ﴾۲۸۰الîبقرة ،و)اإليîسارُ يîكون بîإمîهالِîه زَمîناً ،أو بîالîوضîعِ عîنه كîمّاً(؛ فîقد رَوى عîبدُ اهللِ بîنُ عîبّاسٍ رضîيَ اهللُ عîنه أنّ رسîولَ اهللِ صîلّى اهللُ عîليهِ وسîلَّمَ ملّîا أجîلى يَîهودَ بîني الîنضيرِ قîالîوا :إنّ لîنا دُيîونîاً لîمْ حتِîلَّ فîقال: ضَîعُوا وتعجَّîلُوا .ورَوى أبîو هîريîرةَ رضîيَ اهللُ عîنه :كîانَ لِîرَجُîلٍ عîلى الîنبيِّ صîلَّى اهللُ عîليهِ وسîلمَ سِîنٌّ مِîن اإلبîلِ فîجاءَ يîتقاضîاهُ ،فîقال :أعîطُوه ،فîطلَبوا فîلم يَجîدِوا إالّ سِîنًّا فîوقَ سِîنِّهِ ،فîقال :أعîطُوه ،فîقالَ :أوفَîيتَنِي أوفîاكَ اهللُ ،فîقالَ رسîولُ الصفحة | 13 www.giem.info العدد | 44كانون ثاني /يناير | 2016 كلمة رئيس التحرير اهللِ صîلَّى اهللُ عîليهِ وسîلمَ) :إنَّ خîيارَكîم أحîسنُكم قîضاءً( ،فîانîقلبت الîزيîادة فîي الîدَّيîن مِîن ربîاً مُحîرَّمٍ إلîى إحîسانٍ؛ فاألُولى كانت في مجلسِ العقدِ ،والثانيةُ كانت في مجلسِ السِداد وشتّانَ شتّانَ ما بنيَ احلالةِ األولى واحلالةِ الثانيةِ. ويُîعتبَرُ حîديîثُ رسîولِ اهللِ صîلَّى اهللُ عîليهِ وسîلَّمَ) :ال ضîررَ وال ضِîرارَ( احلîاكîمَ فîي ذلîكَ كُîلِّه ،فîإنْ وقîعَ الîضَّررُ فîالîواجِîبُ أنّ "الîضَّرَرَ يُîزالُ" ،ومîا أصîابَ أحîدَ أطîرافِ الîتبادُلِ مîن ظُîلمٍ وجîبتْ إزالîتُه ،فîإنْ عَجَîزَ الîباغîي عîن ردِّ احلîقِّ ملَِîن بُîغِيَ عîليه فîقَد أدخَîلَ نîفسَه فîي شîيءٍ عîظيمٍ؛ إالّ أن يُîسامِîحَ صîاحِîبُ احلîقِّ بîحقِّه كîلِّهِ أو بîعضِه نُîزوالُ عîندَ قîولِ اهللِ تîعالîى) :ال يُîكَلِّفُ الîلَّـهُ نَîفْسًا إِلَّîا وُسْîعَهَا ۚ لَîهَا مَîا كَسَîبَتْ وَعَîلَيْهَا مَîا اكْتَسَîبَتْ ۗ رَبَّîنَا الَ تُîؤَاخِîذْنَîا إِن نَّسِîينَا أَوْ أَخْîطَأْنَîا ۚ… ﴿﴾۲۸٦ الîبقرة ،فîلرُبَّîما كîان املَîطلُ مîردُّه النسîيان واخلîطأ ،أمّîا إن كîان عîن غîنىً فîهو ظُîلمٌ لîقولِ رسîولِ اهللِ صîلّى اهللُ عîليهِ وسîلّم: )مَîطلُ الîغنيِّ ظُîلمٌ( .وأمّîا إن كîان سîببُه أخîذَ أمîوالَ الîناسِ بîالîباطîلِ وبîنيّةٍ سîيئةٍ ،فîقَد دعîى عîليه صîلّى اهللُ عîليهِ وسîلَّم قائالً) :مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ أداءَها أدَّى اهللُ عنهُ ،ومَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتالفَها أتلفَهُ اهللُ(. و"املîالُ فîي التشîريîعِ اإلسîالمîيِّ أوسîعُ مîن الîنقدِ" ،فîقَد عîرَّفَîه الîغزالîيُّ تîعريîفاً شîامîالً فîي إحîيائِîه فîقالَ هîو" :عîبارةٌ عîن أعîيانِ األرضِ ومîا عîليها ممّîا يîنتفعُ بîه ،وأعîالهîا األغîذيîةُ ثîمَّ األمîكنةُ الîتي يîأوي اإلنîسانُ إلîيها وهîي الîدُّورُ ،ثîمَّ األمîكنةُ الîîتي يَîîسعى فîîيها لîîلتعيّشِ كـ )احلîîوانîîيتِ ،واألسîîواقِ ،واملَîîزارعِ( ،ث îمَّ الîîكسوةُ ،ث îمَّ أثîîاثُ الîîبيتِ وآالتُîîه ،ث îمَّ آالتُ اآلالتِ ،وقîد يîكونُ فîي اآلالتِ مîا هîو حîيوانُ كـ )الîكلبِ آلîةِ الîصيدِ( ،و)الîبقرِ آلîةِ احلِîراثîةِ( ،و)الîفرسِ آلîةِ الîركîوبِ فîي احلîربِ( ".أمّîا املîالُ مبîعنَى الîنقودِ؛ فîقد رأى الîغزالîيُّ أنّ اهللَ تîعالîى خîلقَ الîدنîانîيرَ والîدراهîمَ حîاكِîمَني ومُîتوسِّîطنيَ بîنيَ سîائîرِ األموالِ؛ حتى تُقدّرَ األموالُ بهِما ،والنقدُ ال غَرضَ فيه وهو وسيلةٌ إلى كلِّ غَرضٍ. ومِîن املُîفيدِ تîتبُّعُ سîلوكِ الîفاروقِ عُîمَرَ رضîيَ اهللُ عîنه فîي مîعاجلîتِه لîلقياسِ عîند التضخُّîمِ وفîسادِ الîنقودِ ،أو كîسادِهîا ؛ لِîîنبنِيَ عîîليه حُîîلولَîîنا .ف îمِمّا حîîصلَ مîîن أحîîداثٍ اقîîتصادي îةٍ بîîعدَ وفîîاةِ رسîîولِ اهللِ ص îلّى اهللُ عîîليهِ وس îلَّمَ أنْ غَ îلَتِ اإلب îلُ )وهîي مîقدارُ الîدِّيَîةِ الîتي حîدَّدَهîا صîلّى اهللُ عîليهِ وسîلَّم( ،ورَخîصَتِ الîدراهîمُ والîتي يُسîدَّدُ فîيها الîثمنُ -أحîيانîاً -وهîذا مîا يُîسمَّى بîاألدبîيّاتِ االقîتصاديîةِ املîعاصîرةِ بîالتضخُّîمِ ،فـ "الîنقودُ ال متîثِّلُ كîميةَ السîلعِ واخلَîدمîاتِ نîفسها الîتي كîانîت متُ îثِّلُها سîîابِîîقاً" فîîكيف كîîانَ سîîلوكُ الîîفاروقِ رض îيَ اهللُ عîîنه وهîîو صîîاحِ îبُ الîîفضلِ الîîعظيمِ فîîي نُîîشوءِ وقîîيامِ االقîîتصادِ اإلسالميِّ كـ )عِلْمٍ وممُارَسة( بعد فضلِ رسولِ اهللِ صلّى اهللُ عليهِ وسلَّمَ وصاحبِه الصِّدِّيقِ أبي بكرٍ رضيَ اهلل عنه؟ لîقد ذكîرَ عُîبَادَةُ بْîنِ الîصَّامِîتِ فîي جُîزءٍ مîن حîديîثٍ طîويîلٍ) :إِنَّ مِîنْ قَîضَاءِ رَسُîولِ الîلَّهِ صَîلَّى الîلَّهُ عَîلَيْهِ وَسَîلَّمَ أَنَّ… : وَقَîضَى فِîي دِيَîةِ الْîكُبْرَى املُْîغَلَّظَةِ ثَîالَثِîنيَ ابْîنَةَ لَîبُونٍ وَثَîالَثِîنيَ حِîقَّةً وَأَرْبَîعِنيَ خَîلِفَةً ،وَقَîضَى فِîي دِيَîةِ الîصُّغْرَى ثَîالَثِîنيَ ابْîنَةَ لَîبُونٍ وَثَîالَثِîنيَ حِîقَّةً وَعِشْîرِيîنَ ابْîنَةَ مَîخَاضٍ وَعِشْîرِيîنَ بَîنِي مَîخَاضٍ ذُكُîورًا ،ثُîمَّ غَîلَتِ اإلِْبِîلُ بَîعْدَ وَفَîاةِ رَسُîولِ الîلَّهِ صَîلَّى الîلَّهُ عَîلَيْهِ وَسَîلَّمَ وَهَîانَîتْ الîدَّرَاهِîمُ فَîقَوَّمَ عُîمَرُ بْîنُ اخلَْîطَّابِ إِبِîلَ املَْîدِيîنَةِ سِîتَّةَ آالَفِ دِرْهَîمٍ حِîسَابُ أُوقِîيَّةٍ لِîكُلِّ بَîعِيرٍ ،ثُîمَّ غَîلَتِ اإلِْبِîلُ وَهَîانَîتْ الْîوَرِقُ فَîزَادَ عُîمَرُ بْîنُ اخلَْîطَّابِ أَلْîفَنيِْ حِîسَابَ أُوقِîيَّتَنيِْ لِîكُلِّ بَîعِيرٍ ،ثُîمَّ غَîلَتِ اإلِْبِîلُ وَهَîانَîتْ الîدَّرَاهِîمُ؛ فَîأَمتََّîهَا عُîمَرُ اثْîنَيْ عَشَîرَ أَلْîفًا حِîسَابَ ثَîالَثِ أَوَاقٍ لِîكُلِّ بَîعِيرٍ قَîالَ :فَîزَادَ ثُîلُثُ الîدِّيَîةِ فِîي الشَّهْîرِ احلَْîرَامِ وَثُîلُثٌ آخَîرُ فِîي الîبَلَدِ احلَْîرَامِ ،قَîالَ الصفحة | 14 www.giem.info العدد | 44كانون ثاني /يناير | 2016 كلمة رئيس التحرير فَîتَمَّتْ دِيَîةُ احلَْîرَمَîنيِْ عِشْîرِيîنَ أَلْîفًا ،قَîالَ فَîكَانَ يُîقَالُ يُîؤْخَîذُ مِîنْ أَهْîلِ الْîبَادِيَîةِ مِîنْ مَîاشِîيَتِهِمْ الَ يُîكَلَّفُونَ الْîوَرِقَ وَالَ الîذَّهَîبَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ مَا لَهُمْ قِيمَةُ الْعَدْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ،مسند أحمد.(۲۱٤۱۷ : يîقول نîصُّ احلîديîثِ) :فَîقَوَّمَ عُîمَرُ بْîنُ اخلَْîطَّابِ إِبِîلَ املَْîدِيîنَةِ سِîتَّةَ آالَفِ دِرْهَîمٍ حِîسَابُ أُوقِîيَّةٍ لِîكُلِّ بَîعِيرٍ( ويُîقصد عîادةً بîاألواقِ والîدراهîمِ الîفضَّة ،أيّ :أنّîه -رضîيَ اهللُ عîنه -أعîادَ احîتسابَ الîدِّيîةِ بîالîنقدِ الîثمنيِ )الîذي جîعلَ اهللُ فîيه الîثمنَ خِîلقَة( نسîبةً لîإلبîلِ )أي السîلعةِ الîرائîجة( الîذي هîو أصîلُ مîقدارِ الîدِّيîةِ؛ فîحافَîظَ عُîمَرُ -رضîيَ اهللُ عîنهُ -عîلى تîوازنِ املِîثليِّ والîثمنيِّ فîأعîادَ الîقيمةَ إلîى مîا ميُîثلُه مِîن مَîعدِنٍ ثîمنيٍ ،ثîمَّ نسîبَه للسîلعِ الîرائîجةِ وهîي اإلبîلُ ،فîكانîت ٦۰۰۰درهîم؛ حيث أنّ كلَّ رأسِ إبلٍ واحدةٍ تُعادِلُ أوقيةً واحدةً من الفضَّة.وعليه قرَّرَ زيادةَ الديةِ مبقدارِ الثُلُثِ. لîكنّ الîغالءَ اسîتمرَّ بîالîصعودِ؛ فîكانَ سُîلوكُîه بîأن )زَادَ أَلْîفَنيِْ حِîسَابَ أُوقِîيَّتَنيِْ لِîكُلِّ بَîعِيرٍ( بîأن أصîبحَتِ الîدِّيîةُ ۸۰۰۰ درهم ما يُعادِلُ ۲أوقيةٍ من الفضَّةِ مقابلَ كلِّ رأسٍ. ومîع هîذا كُîلِّهِ؛ اسîتمرَّ الîغالءَ صُîعوداً )فَîأَمتََّîهَا عُîمَرُ اثْîنَيْ عَشَîرَ أَلْîفًا حِîسَابَ ثَîالَثِ أَوَاقٍ لِîكُلِّ بَîعِيرٍ( فîزادَ الîديîةَ ۱۲۰۰۰ درهîم مîا يُîعادِلُ ۳أواقٍ مîن الîفضِّةِ مîقابîلَ كîلِّ رأسٍ .فîكانَ مîقدارُ الîزيîادةِ الîثلثَ .ثîمّ اسîتقرّتِ الîدِّيîةُ عîند ۲۰۰۰۰ درهم. وفîîي االقîîتصادِ املîîعاص îرِ نَîîقيسُ التضخُّ îمَ بîîاألرقîîامِ الîîقياس îيَّةِ فîîنجعلُ ﺍﻟﺮﻗﻢ ﺍﻟﻘﻴﺎﺱ ﺳﻌﺮ ﺍﻹﺑﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ سَ îîنةً ل îîألس îîاسِ )س (.أيّ ألس îîاسِ ال îîقياسِ ،ثî îمَّ تُ îîقاسُ ال îîسنواتُ ٪١٠٠ ٦٠٠٠ ٢٠٠٠ الîîالحِîîقةُ عîîليها ،فîîيتمُّ اعîîتمادُ سîîلعةٍ أو سِîîلعٍ أسîîاسîîيةٍ يîîتمُّ الîîقياسُ ٪١٣٣ ٨٠٠٠ ٢٠٠١ عليها بني فتراتِ احلسابِ ،مثال ذلك ،اجلدول التالي: ٪٢٠٠ فîأسîعارَ ۲۰۰۱تîفوقُ أسîعارَ ۲۰۰۰بـ ،٪۳۳وأسîعارَ ۲۰۰۲تîفوقُ ١٢٠٠٠ ٢٠٠٢ أسعارَ ۲۰۰۰بـ ،٪۲۰۰وهكذا .فكيف يتمُّ السِّدادُ؟ ٪٣٣٣ لîقد وضîعَ الîفاروقُ رضîيَ اهللُ عîنهُ ضîوابîطُ الîصرفِ بîني الîنقودِ املِîثليّةِ ٢٠٠٠٠ ٢٠٠٣ )السîîلعيّة( وبîîني الîîنقودِ الîîثمنيةِ )األثîîمانِ مِîîن ذَه îبٍ وف îضَّةٍ ومîîا ﻭﻫﻜﺬﺍ ش îîاب îîهما( آخ îîذا ب îîعني االع îîتبارِ التضخُّî îمَ احل îîاصî îلَ ف îîي االق îîتصادِ لîلحفاظِ عîلى مîصالîحِ األفîرادِ؛ لِîيُحقِّقَ الîعدلَ الîذي تنشîدُه شîريîعةُ اإلسîالمِ الîعظيمِ بîني الîعبادِ كîافîةً؛ فîرسîولُ اهللِ صîلّى اهللُ عîليه وسîلَّم شّîرعَ ،وصَîحابîتُه رِضîوانُ اهللِ عîليهِم اسîتندُوا لîذلîكَ التشîريîعِ وراعَîوا الîفوارقَ؛ فîرسîولُ الîرَّحîمةِ صîلّى اهللُ عîليهِ وسîلَّم قَîصَدَ الîعدلَ وسَîلكَ لîتحقيقِ ذلîك مَسîلكَه الîصحيحَ فîي حتîديîدِ الîضوابîطِ الشîرعîيةِ والîواقîعيةِ بîنيَ الîعبادِ الîتي حتîقِّقُ مîصاحلَِîهُم ،وفîهمَ الîفاروقُ عُîمَرُ رضîيَ اهللُ عîنهُ ذلîك كîلَّه؛ فـ )حîافَîظَ عîلى الîغايîةِ املشîرُوعîةِ والîوسîيلةِ املشîروعîةِ( مîع أنّ رسîولَ اهللِ صîلّى اهللُ عîليهِ وسîلَّمَ لîمْ يشîرحْîها لîه بهîذِه الîطريîقةِ املîفصلةِ؛ لîكنَّها "عîظمةُ املُîعلّمِ واملُîتعلِّمُ" ،إنّîها مَîدرسîةُ الîعظماءِ ،فـ "الîذكîاءُ طîبعُهم ،والîعدلُ هîدفîهُم ،والîرسîالîة مîنهجُهم ،وال يîخشونَ فîي اهللِ لîومîةَ الئîمٍ؛ لîذلîك ازدهَîرتْ الصفحة | 15 www.giem.info العدد | 44كانون ثاني /يناير | 2016 كلمة رئيس التحرير تîلك الîفترةُ مبîعدَّالتٍ مîتزايîدةٍ؛ فîفي زمîنٍ قîصيرٍ جِîدّاً نîقلوا األمّîةَ مِîن األُمِّîيَّةِ واجلهîلِ والîنزاعِ إلîى الîرِيîادةِ ،والîقيادةِ، فاحتنيَ ناشرينَ للعلمِ بفُنونِه كافّةً. يîتبيَّنُ فîي خîتامِ هîذا احلîديîثِ أهîميّةُ فîعلِ الîفاروقِ عُîمَرَ رضîيَ اهللُ عîنه) :يُîؤْخَîذُ مِîنْ كُîلِّ قَîوْمٍ مَîا لَîهُمْ قِîيمَةُ الْîعَدْلِ مِîنْ أَمْîوَالِîهِمْ(؛ حîقّاً إنّîه تîطبيقٌ لسîياسîةٍ اقîتصاديîةٍ عَîلِمَها مَîن عîلِمَها مِîن أهîلِ الîفهْمِ والîعِلمِ واخلِîبْرَةِ احلîياتîيَّةِ واالقîتصاديَّîةِ مَîن عîلمِها ،وجَهِîلَها مَîن جهِîلَها مِîن أربîابِ اجلهîلِ والîضاللِ واملُîكابَîرَةِ مَîن جهîلَها أو جتîاهîلَها؛ حîيث ال يُîشقُّ عîلى أحîدٍ وال يُîكلّفُ مîا ال يُîطيقُ؛ بîل حîدَّدَ الîفاروقُ الîضوابîطَ الîعادلîةَ وربîطَ بîينها؛ فîمَن تîورَّطَ بîقتلٍ خîطأ فîعليهِ أن يُسîدِّدَ إمّîا كîذا، أو كذا ممِّا لديهِ من أموالٍ وال حَرَجَ. إنّ انهîيارَ سîعرِ صîرفِ الîليرةِ الîسوريîةِ وفîسادِه الîعريîضِ؛ بîل مîشارفîتَه عîلى الîكسادِ ،أدخîلَ الîناسَ فîي إشîكاالتٍ عîديîدةٍ، فîال ميîرُّ أسîبوعٌ إالّ ويîأتîيني مَîن يîحتكِمُ ملِîا ألîمَّ بîه؛ فîمعايîيرُ احملîاسîبةِ احملîليةِ تشîترطُ الîتسجيلِ والîقياسُ بîالîعملةِ احملîليَّةِ ال األجîنبيةِ ،ويîزيîدُ األمîرَ سُîوءاً عîدمُ الîعملِ بîاألصîولِ احملîاسîبيَّةِ الîصحيحةِ؛ ،فîيكتفي الîناسُ مبîا لîديîهِم مِîن خِîبراتٍ لîيُدخِîلُوا بîعضَهم بîعضاً فîي حîيصَ بîيصَ؛ فîتتداخîلُ احلîقوقُ وتîتشابîكُ ،ثîمّ بîانهîيارِ سîعرِ الîصرفِ يîبحثُ كِîالهُîما عîن مîصلحتِه غîيرُ آبîهٍ بîضَررٍ أصîابَ غîيرَه ،أو بîظلمٍ حîاقَ بîهِ ،ويîحضرُنîي وصîفُ اهللِ تîباركَ تîعالîى ألمîثالِ أولîئكَ قîولîه) :وَأُحْîضِرَتِ األَْنîفُسُ الîشُّح ۚ…( ﴿ ﴾۱۲۸الîنساء ،بîينما يُîوصِîي اهللُ تîعالîى أولîئكَ بîقولِîه) :وَأُحْîضِرَتِ األَْنîفُسُ الîشُّحَّ ۚ وَإِن حتُْîسِنُوا وَتَîتَّقُوا فَîإِنَّ الîلَّـهَ كَîانَ مبَِîا تَîعْمَلُونَ خَîبِيرًا( ﴿ ﴾۱۲۸الîنساء؛ فîأيîن اإلحîسانُ فîي الîعملِ واحلîسابِ؟ واهللُ خîبيرٌ مبîا يîعملُ أولئكَ الناسُ. ويîزدادُ تîداخُîلُ األمîورِ بîانîتشارِ الîعملِ فîي أكîثرَ مîن بîلدٍ؛ فîيكونُ الîتعامîلُ بîأكîثرَ مِîن عُîملَةٍ ،وبîتوانîي الشîركîاءِ عîن احملîاسîبةِ الدَّوريَّةِ ،تزدادُ اختالفاتُهم؛ حيث يظنُّ كثيرٌ منهُم أنّهُم خُبراءُ بالعملِ احملاسبيِّ وهم ليسوا على شيءٍ مِن ذلكَ. وفîي تîلك احلîاالتِ فîإنّ املîعيارَ احملîاسîبيَّ الîدولîيَّ الîثامîن املîتعلِّقَ بـ )صîافîي الîرِّبîحِ ،أو اخلîسارةِ لîلفترة ،واألخîطاءُ اجلîوهîريîةُ، والîتغييراتِ فîي السîياسîاتِ احملîاسîبيَّةِ( ،وكîذلîك مîعيارَ احملîاسîبةِ الîدولîي احلîادي والعشîريîن املîتعلِّق بîآثîارِ الîتغيُّراتِ فîي أسعارِ صرفِ العُمالتِ األجنبيةِ لن يُجديهِم نفعاً. عِîندئîذٍ البُîدَّ مِîن التسîديîدِ واملîقارَبîةِ بîني احلîقوقِ؛ فîرسîول اهلل صîلى اهلل عîليه وسîلم يîقول" :سَîدِّدُوا وقîارِبُîوا واسîتقيمُوا ولîنْ حتُîصُوا" ،ومîع هîذا وذاك ال بُîدَّ مِîن املُîسامَîحةِ بîنيَ الشîركîاءِ ،قîال احلîقُّ سُîبحانَîه وتîعالîى فîي كîتابîه) :وَإِنَّ كَîثِيرًا مِّîنَ اخلُْîلَطَاءِ لَîيَبْغِي بَîعْضُهُمْ عَîلَى بَîعْضٍ إِلَّîا الَّîذِيîنَ آمَîنُوا وَعَîمِلُوا الîصَّاحلَِîاتِ وَقَîلِيلٌ مَّîا هُîمْ ۗ…( ﴿ ﴾۲٤ص .لîقد صîدقَ الîفاروقُ عُîمَرُ رضîيَ اهللُ عîنه بîقولِîه":ال يQبيعُ فQي سُQوقِQنا إالّ مَQن يَQفقَه ،وإالّ أكQلَ الQرِّبQا ،شQاءَ أمْ أبQى" .فîقبل أن يُîباشîرَ الîناسُ أعîمالَîهم عîليهم أن يîتفقهوا فîي دِيîنهم حîتى ال يَîقعوا فîي كîبيرةٍ أو صîغيرةٍ خشîيةَ احملîظورِ ،يîقول اهلل تîعالîى: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ مبَِا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ ﴾۹٤النحل. الصفحة | 16 www.giem.info العدد | 44كانون ثاني /يناير | 2016 كلمة رئيس التحرير ومîا يَîنبغِي اإلشîارةُ إلîيهِ أنَّ )تîسويîةَ حîقوقِ الîدائîننيَ واملîدِيîننيَ يîختلفُ عîن تîسويîةِ حîقوقِ الشîركîاءِ( ،فîما سîبقَ بîيانُîه سîلَّطَ الîضوءَ عîلى تîسويîةِ حîسابîاتِ الîدَيîنِ ،أمîا إن كîان األطîرافُ شîركîاءَ؛ فîهم مشîترِكîون مîع بîعضِهمُ الîبعضُ بـ )الîغنمِ والîîغرمِ( و)ال يîîجوزُ ضîîمانُ أح îدِهîîم مîîالَ اآلخَ îرِ إالّ إن قَ îصَّر وتَîîعدّى( ،ولîîكلِّ مîîسأل îةٍ مîîن املîîسائ îلِ حîîالٌ يîîخصُّها فîîي التفصيلِ ،وما سَبقَ بيانُه إمنا هو ضوابطُ البدَّ من اعتبارِها ومراعاتِها. حمَاةُ )حمَاها اهللُ( بتاريخ ۱۲من ربيع اآلخر ۱٤۳۷هـ املُوافِق ۲۰۱٦-۰۱-۲۳م الصفحة | 17 www.giem.info
© Copyright 2026 Paperzz