تحميل الملف المرفق

‫سبل التقدم العلمي والتقني في البالد اإلسالمية‬
‫إعداد‪ :‬خبَّاب بن مروان الحمد‬
‫(‪1‬ـ‪)2‬‬
‫المشـاركون في اإلجـابـة عـن أسئـلة التحقيق‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ د‪ .‬إيهاب الشاعر‪ :‬فلسطيني مقيم بأمريكا‪ ،‬متخصص في الحاسوب واالتصاالت‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ د‪ .‬باسم خفاجي‪ :‬مصري‪ ،‬متخصص في الهندسة المدنيَّة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ أ‪ .‬د‪ .‬زغلول النجار‪ :‬مصري‪ ،‬متخصص في علم التربة والجيولوجيا‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ د‪ .‬عبد هللا الضويان‪ :‬سعودي‪ ،‬متخصص في علم الفيزياء‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ د‪ .‬عبد الوالي العجلوني‪ :‬أردني‪ ،‬متخصص في علم الفيزياء‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ أ‪ .‬د‪ .‬نعمان الخطيب‪ :‬فلسطيني مقيم بالسودان‪ ،‬متخصص في هندسة البترول والتعدين‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ د‪ .‬محمد المدهون‪ :‬فلسطيني‪ ،‬متخصص في تنمية الموارد البشرية‪.‬‬
‫ال ريب َّ‬
‫أن من أبرز التحديات التي تواجـه أمتــنا اإلســالمية ذلك الضعف العلمي والتقني إلى حد أن صــرنا ندعــى بأننا‬
‫(العالم المتخلف) أو (النامي)‪ ،‬فأصبحنا عالة على غيرنا ولألسف‪.‬‬
‫(البيان) ألقت الضوء على هذه القضية قناعة بأهمية مناقشة هذا الموضوع بأبعاده المختلفة‪ ،‬وتوجهنا لضيوفنا الكرام بالعديد‬
‫من األسئلة‪:‬‬
‫لماذا تأخرنا ولماذا تقـدم غيــرنا؟ وما سبل التقدم العلمي والتقني لألمة اإلسالمية؟ وهل هناك محاولة احتكار لحصار العالم‬
‫اإلسالمي؟ وكيف نتعدى هذه العقبة إن وجدت؟ وما دور صناعة الرأي والمشورة في عملية االختراعات؟‪ ...‬إلى غير ذلك‬
‫من المحاور العديدة بإذن هللا التي ستناقش هذا الموضوع‪.‬‬
‫● مدخل مفيد لكنَّه مؤلم‪:‬‬
‫هكذا استه َّل الدكتور الضويان حديثه حول واقع العالم اإلسالمي مقارنة مع العالم اآلخر‪ ،‬من حيث األميَّة وميزانيَّة التعليم‬
‫بالنسبة لحجم الدخل القومي‪ ،‬وميزانيَّة البحث العلمي‪.‬‬
‫صصات لوسائل التقنية في العالم اإلسالمي‪ ،‬ورأى الدكتور إيهاب الشاعر‬
‫كما أبدى عدد من المشاركين استياءهم لقلَّة المخ َّ‬
‫َّ‬
‫أن تخلُّف العالم اإلسالمي في المجال التقني والمعلوماتي أقل من الحد األدنى الذي بدونه ال تعيش الشعوب عزيزة‪.‬‬
‫في حين يقول الدكتور العجلوني‪َّ :‬‬
‫إن ميزانيات البحث العلمي في الدول العربية واإلسالميَّة هزيلة للغاية‪ ،‬وال تُذكر ضـمن‬
‫ميـزانيات المؤسـسات العلـمية العربيـة كالجـامعات إال من باب استعمال الديكور أو المظاهر؛ فهي لألسف ألغراض الزينة‬
‫وليس للبحث العلمي الحقيقي‪.‬‬
‫وعـودة ألطــروحة الدكـتور الضـويـان؛ حـيث يتـحدث قـائـالً‪ :‬ال يتجاوز ما تنفقه الدول اإلسالمية على البحث والتطوير‬
‫‪ %0.2‬من إجمالي الدخل القومي‪ ،‬وهو أقل بكثير مما تنفقه شركة عمالقة واحدة كشركة سوني اليابانية مثالً على البحث‬
‫‪1‬‬
‫والتطوير‪ .‬وباستقراء التغيُّر الحاصل في الدول اإلسالمية في هذا الجانب خالل السنوات الثالثين الماضية نجد أنه ـ مع‬
‫الزمن ـ يتجه إلى األسوأ؛ مع كل أسف‪.‬‬
‫ويدلي الدكتور باسم خفاجي دلوه في هذه القضية فيقول‪ :‬أبسط معطيات التقدم لدى العالم العربي واإلسالمي‪ ،‬تفترض إجادة‬
‫الشعوب لمبادئ القراءة والكتابة في عالم اليوم‪ ،‬بينما تظهر اإلحصاءات ـ الصادرة أخيرا ً عن المنظمة العربية للثقافة والعلوم‬
‫ـ أن عدد األميين في العالم العربي قد وصل إلى سبعين مليون شخص خالل العام الميالدي (‪2005‬م)‪ .‬كما أن نسبة ما ينفَق‬
‫عربيا ً على التعليم العالي ال تتجاوز ‪ %1‬من ميزانيات الدول اإلجمالية‪ ،‬وهي نسبة متدنية‪ ،‬خصوصا ً مع واقع األمة‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫وقد أظهر تقرير صدر أخيرا ً عن منظمة اليونسكو أن العالم العربي الذي يصل عدد سكانه إلى ‪ 290‬مليون نسمة‪ ،‬يوجد فيه‬
‫أكثر من ‪ 40‬مليون تلميذ في سن المرحلة االبتدائية‪ ،‬كما يوجد أيضا ً ما يقارب من ‪ 8‬ماليين طفل في سن المرحلة االبتدائية‬
‫خارج المدارس‪ ،‬أي أن ما يقارب ‪ %20‬من أطفال العالم العربي هم ممن ال يتلقون التعليم األساسي الالزم إلجادة القراءة‬
‫والكتابة‪ .‬وهذه المشكلة تزداد تفاقما ً عندما نعرف أن المجتمع العربي مجتمع شاب‪ ،‬فأكثر من ‪ %37‬من أبناء العالم العربي‬
‫أعمارهم دون أربعة عشر عاماً‪ ،‬تبعا ً لتقرير اليونسكو نفسه عام ‪2005‬م‪.‬‬
‫ويضيف الدكتور باسم قائالً‪ :‬بلغت نسبة اإلنفاق على التعليم األساسي في العالم العربي أرقاما ً متدنية مقارنة بباقي دول‬
‫العالم؛ فإجمالي اإلنفاق على التعليم األساسي في مصر ال يتجاوز ‪ %0.6‬من ميزانية الدولة أي أقل من ‪ ،%1‬وفي المغرب‬
‫يصل إلى ‪ .%2.6‬ويقارن ذلك بالكيان الصهـيوني الذي ينفـق ‪ %2.8‬على التعليم األساسي (أي ما يقارب خمـسة أضـعاف‬
‫ما تنفقه مصر)‪ .‬أما إجمالي اإلنفاق على التعليم تبعا ً لتقرير اليونسكو عن عـام ‪2005‬م‪ ،‬فـإنه يتــراوح بين ‪ %1‬وال يزيد عن‬
‫‪ %6‬في معظم الدول العربية‪.‬‬
‫ويذكر الدكتور زغلول النجار َّ‬
‫أن السبب الرئيسي لهذا التـباين الكبـير فـي متوسط دخل الدول اإلسالمية يرجع إلى عامل‬
‫التجزئة‪ ،‬والكيانات المصطنعة التي رسمت حدودها الراهنة القوى االستعمارية العالمية (وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا)‬
‫يمكن أيا ً من دولها من القيام بذاته‪.‬‬
‫وحافظت عليها‪ ،‬لتبقى األمة اإلسالمية على هذه الصورة من التفتت الذي ال ِّ‬
‫● سبب إهمال دراسات العلوم التقنية في العالم اإلسالمي‪:‬‬
‫يقدم لنا الدكتور محمد المدهون رأيه باختصار حول ذلك في ثالث نقاط‪ :‬التبعيَّة‪ ،‬غياب الحوافز‪ ،‬عدم رعاية المبدعين‬
‫واألفذاد‪.‬‬
‫بينما يسهب الدكتور زغلول الن َّجار في ذكره ألسباب إهمال دراسات العلوم التقنية فيقول‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ تفشي األمية بين المسلمين البالغين في هذا العصر بصورة مزعجة تتراوح نسبتها بين ‪ %50‬و ‪( %80‬بمتوسط حوالي‬
‫‪.)%58‬‬
‫‪ 2‬ـ كثرة ما تحتاجه دراسات العلوم والتقنية من تجهيزات‪ ،‬ومختبرات‪ ،‬وأجهزة‪ ،‬ومعدات‪ ،‬وما وصلت إليه تكلفة ذلك في‬
‫هذه األيام من مبالغات‪.‬‬
‫‪ 3‬ــ انعدام التخطيط والتنسيق والتعاون بين مختلف المؤسسات العلمية والتقنية في العالم اإلسالمي المعاصر‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ هجرة أعداد كبيرة من العلماء والفنيين إلى خارج حدود العالم اإلسالمي؛ وهذا في حد ذاته يمثل استنزافا ً ألهم طاقات‬
‫‪2‬‬
‫المسلمين وألعظم إمكاناتهم‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ ُّ‬
‫تمزق العالم اإلسالمي المعاصر إلى أكثر من خمسين دولة باإلضافة إلى أقليات منتشرة في كل دولة من الدول غير‬
‫اإلسالمية تفوق أعدادها مئات الماليين في بعض هذه الدول‪ ،‬واحتالل أجزاء عديدة من أراضي المسلمين؛ مما أدى إلى‬
‫تشتيت المقومات المادية والروحية والطاقات البشرية للمسلمين‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ اعتماد الدول اإلسالمية على االستيراد من الدول األخرى بدالً من التكامل االقتصادي والصناعي والزراعي فيما بينها؛‬
‫مما أدى إلى خنق كثير من النشاطات الصناعية والزراعية في العالم اإلسالمي‪ ،‬وإلى استنزاف أموال المسلمين‪،‬‬
‫واستغاللهم‪ ،‬وفرض السيطرة عليهم من قِّبَل الدول الموردة وتكتالتها الصناعية والزراعية والتجارية المخـتلفة‪.‬‬
‫وتجـدر اإلشـارة إلى أن حجم التبادل التجاري بين الدول اإلسالمية ال يمثل أكثر من ‪ %1‬من تجارتها الدولية‪ ،‬وأن هناك‬
‫أسعارا ً خاصة تفرض اليوم على واردات العالم اإلسالمي بصفة عامة‪ ،‬كما أن ما تدفعه تلك الدول سنويا ً في االستيراد يكفي‬
‫إلقامة أكبر الصناعات‪ ،‬ولدعم أضخم المشروعات الزراعية واإلنتاجية التى يمكن أن تسد حاجة المسلمين كافة‪ ،‬وتغنيهم عن‬
‫تحكم التكتالت العالمية المستغلة فيهم‪.‬‬
‫ويضيف الدكتور العجلوني شيئا ً من األسباب التي يرى َّ‬
‫أن لها دورا ً في إهمال الدراسات للعلوم التقنية؛ حيث قال‪ :‬عدم‬
‫معرفة األولويات‪ ،‬وانشغال الشعوب بالملهيات‪ ،‬وأحيانا ً الشعور بالعجز المطبق عند مشاهدة الهوة الواسعة بين مستوانا‬
‫التقني والمستوى التقني في الغرب واليابان‪.‬‬
‫ويرى الدكتور نعمان الخطيب رؤية مغايرة لما رآه بعض المشاركين؛ حيث يرى أنَّه ليس هناك إهمال في دراسات العلوم‬
‫التقنيَّة؛ فيقول‪ :‬لكن الدراسات في العالم اإلسالمي سواء كانت علوما ً نظرية (إنسانيَّة واجتماعية) أو علوما ً تقنية؛ فإنها ال‬
‫تُدرس بالطريقة الصحيحة‪ ،‬وتعتمد على التلقين وليس على البحث والتفكير واالبتكار‪ .‬أما إذا كان المقصود إهمال األبحاث‬
‫في الدراسات التقنية؛ فإن السبب هو صعوبة إجراء هذه الدراسات‪ ،‬واعتمادها على أجهزة متطورة غير متوفرة في معظم‬
‫األحيان في الجامعات ومراكز األبحاث في العالم اإلسالمي‪ ،‬والتركيز على األبحاث النظرية التي تحتاج إلى ورقة وقلم‬
‫فقط‪.‬‬
‫● هل تعاني الدول اإلسالمية من احتكار التقنية؟‬
‫كان العلم متقدما ً عندنا في السابق؛ فقد ذكر (سارتون) أن الحضارة الغربية كان مفتاحها الوحيد لغة العرب التي ملَّكـتهم‬
‫ناصـية العـلم والتقـنـية‪ ،‬واآلن الـدول المتـقدمة تقنـيا ً تحاول عرقلة التنمية التقنية للدول اإلسالميَّة‪ ،‬وال أدل على ذلك من‬
‫صصات العلمية فـي بريطـانيـا بأن‬
‫تدمير أمريكا بواسطة اليهود المفاع َل النووي العراقي‪ ،‬وأوضح من ذلك منع بعض التخ ُّ‬
‫ـدرس من قِّـبَل طـالَّب دول معـيَّنة‪ ،‬بل ما زالت بعض الدول الصناعيَّة تحتكر سوق التقنـية وكأنَّـه لها فحسـب؛ فكيف‬
‫تُ َ‬
‫نتعدى هذه العقبة ونتغلب عليها؟‬
‫حول هذه القضيَّة انطلق عدد من المختصين بالتحدث حول الحلول العمليَّة لتعدِّي مرحلة االحتكار والتبعيَّة في السوق‬
‫العالميَّة‪ ،‬فيتحدَّث الدكتور محمد المدهون ملخصا ً رأيه باختصار حول هذه القضيَّة قائالً‪:‬‬
‫نتجاوز تلك العقبة بإذن هللا ـ تعالى ـ من خالل‪ :‬السرية في العمل‪ ،‬االنتقائيَّة والتركيز الدقيق‪ ،‬نشر العلوم التقنية‪ ،‬تبني‬
‫المواهب والقدرات الخاصة‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫ويرى الدكتور الضويان َّ‬
‫أن احتكار التقنية ليس مشكلة إن ُوجد‪ ،‬ويوضح مراده بقوله‪ :‬فالنظرة المادية بشكل عام هي التي‬
‫تحكم الشركات المصنعة خاصة العابرة للقارات‪ ،‬كما أن التقنية مستويات‪ ،‬واالحتكار إن ُوجد على المستويات المتقدمة جدا ً‬
‫منها والباهظة التكاليف والتي يمكننا تأجيلها‪ ،‬لكننا ال نملك التقنية على مستويات أدنى وإن كانت في مجاالت تخصنا وهذه‬
‫هي مشكلتنا‪.‬‬
‫ويضرب الدكتور الضويان مثاالً على رأيه بقوله‪ :‬انظر إلى صنـاعة النفـط؛ هـل نحـن نصدِّر تقنيتها إلى غيرنا؟ وما‬
‫الشركات البارزة في عمليات التنقيب على سبيل المثال؟ على الرغم من أن امتالك التقنية مرتبط بالقدرة الصناعية؛ فال أقل‬
‫من أن تتميز الدول اإلسالمية المنتجة منذ عقود للنفط في مجال التنقيب وتقنياته وصناعة النفط‪.‬‬
‫ويختتم حديثه بقوله‪ :‬المهم َّ‬
‫أن امتالك التقنية مسألة حضارية يُنظر إليها بشكل متكامل مع قضايا أخرى‪ ،‬وحين تتخلف هذه‬
‫القضايا تتخلف مسألة التقنية تبعا ً لها؛ على الرغم من انتمائها لهذا الدين العظيم‪.‬‬
‫ويلفت الدكتور الضويان انتباه المتابع بقوله‪ :‬انظر لحال األمة المزري‪ :‬الدكتاتوريات السياسية تخنق اإلبداع‪ ،‬وضياع‬
‫الصدق واألمانة واالنضباط يطرد اإلنتاج البحثي الناجح‪ ،‬وانتشار الفقر واألنانية والجهل؛ كل هذا عدو للتقدم العلمي‪.‬‬
‫واإلباحية اإلعالمية وتسطيح االهتمامات ال تتناسب مع المنافسة التقنية‪ ...‬إلى غير ذلك من األمراض الحضارية‪.‬‬
‫ويقدم الدكتور باسم خفاجي تفسيرا ً وتحليالً آخر حول هذه القضية‪ ،‬فيذكر َّ‬
‫أن المنظمة اإلسالمية للتربية والعلوم والثقافة‪،‬‬
‫ذكرت ضمن تقريرها عن واقع التعليم ومستقبله في العالم العربي َّ‬
‫أن «تطوير التعليم في بلداننا‪ ،‬الذي هو الشرط األساس‬
‫لتحقيق النقلة النوعية الحقيقية المطلوبة في النهوض الحضاري‪ ،‬يتوقف على المشاركة الشعبية الواسعة في تحمل تكاليف‬
‫التعليم التي تَت َزَ ايَدُ أعباؤها سنة بعد سنة‪ ،‬وبذلك ستتمكن الدولة من القيام على نحو أفضل بدور اإلشراف والرعاية‪ ،‬وضبط‬
‫االتجاهات العامة لمسيرة التعليم وفق المصالح العليا للوطن‪ ،‬وبما يحقق األهداف الوطـنية‪ ،‬ويمـهد السـبيل نحو االندماج في‬
‫المسيرة العالمية‪.‬‬
‫وفـي محاولة نـاقدة يقول الدكتور باسـم‪ :‬إنـنا كثـيـرا ً ما نلقي بالالئمة على الدول واألنظمة‪ ،‬وأحيانا ً على الغرب وأمريكـا في‬
‫التـعامل مع مشكلة التعليم وارتباطه بالتقنية فـي عالمنـا العربي واإلسالمي‪ ،‬ولكن الحقيقة أن الشعوب مســؤولـة أيـضـا ً‬
‫ُذكرنا {قُ ْل ه َُو ِّم ْن ِّعن ِّد أَنفُ ِّس ُك ْم} [آل عمران‪ ،]165 :‬فهنا مفتاح‬
‫بالدرجـة نفــسها‪ .‬وكـما علمـنا الخـالـق ـ جل وعال ـ عندما ي ِّ‬
‫الحل‪ .‬ال شك أن خصوم األمة يكيدون لها‪ ،‬ولكن هذا الكيد لم يوقف األمة على مر التاريخ عن التقدم واالزدهار عندما أخذت‬
‫بالجد والحزم وعلو الهمة‪ ،‬وهو ما نفتقده اليوم‪.‬‬
‫ويؤكد الدكتور باسم َّ‬
‫أن احتكار سوق التقنيات بالنسبة للغرب لم يمنع الصين وتايوان وسنغافورة‪ ،‬وحتى ماليزيا المسلمة‬
‫والهند من المسابقة‪ ،‬بل والتقدم إلى الدرجة التي أصبحت معها هذه الدول مصدرة للتقنية إلى البالد األوروبية واألمريكية‪،‬‬
‫ويضيف قائالً‪ :‬رغم أن أمريكا ومن يحالفها حاربوا هذه الدول باألمس كما يحاربوننا اليوم‪ .‬فليس من الالئق عقالً وال شرعا ً‬
‫أن نلقي بالالئمة على الخصوم كمبرر لتخلفنا‪ ،‬وكأننا نتوقع من خصوم األمة أن يرفقوا بنا‪ ،‬وأن يعاونونا على النجاح‬
‫والتقدم‪.‬‬
‫وينبه الدكتور باسم إلى َّ‬
‫أن الغرب يحاول احتكار أسواق التجارة العالمية ويضيف‪ :‬والشركات متعددة الجنسية صار لها‬
‫ِّ‬
‫تأثـيـر كـبير في عالقات التبادل التجاري بين الدول؛ فمن جملة (‪ )50‬أكبر شركة متعددة الجنسية في العالم تمتلك الواليات‬
‫‪4‬‬
‫المتحدة األمريكية (‪ )33‬شركة‪ ،‬بينما تمتلك بريطـانيا (‪ )5‬شـركات‪ ،‬واليـابـان وسـويسـرا تمـتلـكان (‪ )3‬شركات‪ ،‬وألمانـيا‬
‫تمـتلك شـركتين‪ ،‬وفرنـسا شركة واحـدة؛ وبقــية الــدول (‪ )3‬شـركـات فقط‪ ،‬وذلك بحسب ما أورده موقـع إسـالم أون الين‬
‫في مقال (االحتكار‪ ..‬مزايا للشركات وأضرار للمستهلك)‪ .‬ولكن بالمقابل فإن هذه الشركات تحتاج إلى أسواق‪ ،‬وهنا تكمن‬
‫قوة المستهلك الذي يمكنه اختيار من يريد أن يتعامل معه‪ ،‬ممن يساعده على التقدم التقني‪.‬‬
‫● االحتكار عقبة‪ ..‬كيف نتعداها؟‬
‫وعن الطرق الكاسرة لسوق االحتكار يقدم الدكتور باسم وجهة نظره بقوله‪ :‬إننا في حاجة إلى أن نربط أسواقنا االستهالكية ـ‬
‫وهي قوة ال يستهان بها ـ بمن يساعدوننا على التقدم التقني‪ ،‬وليس فقط من يريدون تصدير التقنيات لنا‪.‬‬
‫ويوضح الدكتور زغلول النجار رأيه في المسألة قائالً‪ :‬نستطيع التغلب على هذه العقبة بوحدة المسلمين وعن طريق‬
‫االستغالل الصحيح لمقومات العالم اإلسالمي المعاصر في اتباع الخطوات المؤدية للتقدم العلمي والتقني في العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫أما الدكتور الخطيب فيرى أنه ال يمكن كسر هذا االحتكار إال باالعتماد على الذات‪ ،‬واتخاذ قرار سياسي سيادي بالخروج من‬
‫الهيمنة السياسية واالقتـصادية والتقنية الغربية االستعمارية‪ ،‬وال يكون ذلك إال عندما تصبح الحكومات اإلسالمية من الشعب‬
‫وللشعب‪.‬‬
‫ويستند الدكتور نعمان إلى أن العالم العربي يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية (نفط‪ ،‬زراعة‪ ،‬معادن) أكثر مما تمتلك‬
‫الدول الغربية (أوروبا وشمال أمريكا)؛ فلو كان يملك المقدرة التكنولوجية ألصبح متقدما ً على الدول الغربية اقتصاديا ً‬
‫وتكنولوجياً‪ ،‬ولفقدت تلك الدول هيمنتها االقتصادية والسياسية على العالم‪.‬‬
‫● هل تحاصر التقنية بالدنا؟‬
‫هناك عدد من المحللين االستراتيجيين يرون َّ‬
‫أن هناك محاولة لحصار العالم اإلسالمي‪ .‬فمن المالحظ مساعدة الدول الغربية‬
‫للبرنامج الهندي النووي‪ ،‬ومحاربة البرنامج الباكستاني النووي‪ ،‬كما يخالفهم آخرون في ذلك كل حسب الزاوية التي ينظرون‬
‫من خاللها‪.‬‬
‫فالدكتور نعمان الخطيب يقول‪ :‬نعم! هناك حصار للعالم اإلسالمي؛ وهو حصار متعمد ومدروس ومخطط له؛ حتى يبقى‬
‫العالم اإلسالمي متخلفا ً تقنيا ً ويعتمد على الغرب‪.‬‬
‫ويضرب الدكتور الخطيب على ذلك مثالً فيقول‪ :‬الواليات المتحدة األمريكية ال تسمح ببيع الحاسبات المتطورة التي يمكن‬
‫استخدامها في برامج معينة إال للدول التي تثق بها‪ ،‬والتي تكون متأكدة أنها لن تستخدمها في برامج مثل‪ :‬تصميم الصواريخ‬
‫أو تقنية الفضاء والذرة‪.‬‬
‫أ َّما الدكتور الضويان فيختلف في نظرته لهذه القضية مع الدكتور الخطيب حيث يوضح مراده بقوله‪ :‬ال أعتقد أن هناك‬
‫حصارا ً على العالم اإلسالمي من الخارج‪ ،‬لكنه فرض الحصار على نفسه‪ .‬أما موضوع البرنامج النووي الهندي والباكستاني‬
‫فالمنطلقات فيه مصالح استراتيجية‪ ،‬وال تُالم الدول على السعي لتحقيق مصالحها ولو أغضبت مواقفها هذا الشعب أو ذاك‪.‬‬
‫وبالمناسبة‪ :‬من الذي أتى بحكومة البلدين؟ أحدهما اختيار الشعب واألخرى الدبابة والعمالة لألجنبي‪ ،‬وهنا التخلف عينه‪.‬‬
‫الهند تصنع جميع ما تحتاج داخلياً‪ ،‬بينما باكستان ال تستغني عن الدول األخرى‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫● صناعة الرأي والمشورة في عملية االختراعات لنقل التقنية‪:‬‬
‫يبـتدئ الدكـتور العجـلوني الحديث حول هذه القضية؛ إذ يقول‪ :‬ليس األساس المشاورة بمعناها المعروف وإنما العمل‬
‫الجماعي‪ ،‬وهذه يجب تربية األجيال عليها منذ الصغر قبل تكليفهم بمهام البحث العلمي وهم كبار‪ ،‬وبناء قاعدة علمية في‬
‫الدولة حتى لو كان مستواها دون مستوى تلك التي في الدول الغربية‪ ،‬ومن ثم تحديد ما يلزم أو الضروري من التكنولوجيا‬
‫ضمن جدول أولويات والسعي الحثيث المتالكها‪.‬‬
‫كما يؤكد الدكتور نعمان على أهميَّة استشارة ذوي االختصاص والمعرفة‪ ،‬وأن يتم األخذ بآرائهم والعمل بها‪ ،‬ويضيف‪ :‬يجب‬
‫العمل على تشكيل مجالس استشارية متخصصة من ذوي الخبرة والكفاءة‪ ،‬وأن يع َ‬
‫طوا الصالحية الكاملة في اتخاذ القرارات‬
‫الملزمة لكافة القطاعات لتنفيذ هذه التوصيات والتوجيهات‪.‬‬
‫ويضيف الدكتور المدهون عدَّة نقاط تؤكد على أهميَّة المشورة؛ حيث يلخصها في اآلتي‪:‬‬
‫ـ َّ‬
‫إن صناعة الرأي تفتح الطريق أمام المبدعين والمتميزين‪.‬‬
‫ـ توفر المناخ الحيوي للتطور‪.‬‬
‫ـ يمكن تطويرها بنشر حرية الرأي واعتماد المنهج اإلسالمي الذي احترم العقل‪.‬‬
‫ويختتم الدكتور الضويان الحديث حول هذه الفقرة بقوله‪:‬‬
‫أما صناعة الرأي في عملية االختراعات‪ ،‬فال بد قبلها أن يكون لألمة رأي في أبجديات القضايا يُسمح لها أن تُعبر عنه‪ ،‬قبل‬
‫أن نقفز إلى مسألة االختراعات‪.‬‬
‫ويختـتم رأيـه متأسـفا ً ومتأسـيا ً بقـوله‪ :‬شعوب جائعة ال تشارك في قراراتها المصيرية كيف تخترع؟ ال بد من الواقعية‬
‫العملية وترتيب األولويات‪.‬‬
‫● التقنية لها خطوات فعَّالة‪ ...‬فما هي؟‬
‫في المقدمة نبتدئ بتقديم رأي الدكتور زغلول الن َّجار حيث يقول‪:‬‬
‫ال بد من تطوير التقنية في بالدنا لنساير التطورات العالمية من حيث المستوى؛ فالوسائل والكتب والطرائق والمختبرات‬
‫وغيرها أساس من أسس التقدم العلمي‪ ،‬كما تتطلب حسن التنسيق بين الجامعات ومراكز البحوث اإلسالمية‪ ،‬وبينها وبين‬
‫الصناعة في المنطقة العربية واإلسالمية؛ وهذا التنسيق مهم بالنسبة لالستفادة من كفاءاتنا العلمية‪ ،‬وكذلك نقل التقنية الحديثة‬
‫ممن سبقونا فيها‪.‬‬
‫ثم يضرب الدكتور النجار مثاالً في التأسي بمن قبلنا من المسلمين في خطوات نقلهم للتقنية فيقول‪ :‬ففي عصر الحضارة‬
‫اإلسالمية التي امتدت قرونا ً طويلة‪ ،‬تحرك المسلمون من منطلق حب الحكمة الذي غرسه اإلسالم في نفوسهم‪ ،‬فجمعوا تراث‬
‫الحضارات السابقة وترجموه ونقدوه بمعيار الحق اإلسالمي‪ ،‬وأضافوا إليه إضافات أصيلة في مختلف مجاالته‪ ،‬فأخذوا‬
‫صناعة الورق وطوروها‪ ،‬وأضافوا الصفر‪ ،‬ونشروا األرقام‪ ،‬وابتكروا علوم الجبر وحساب المثلثات واللوغاريتمات‪.‬‬
‫كـما أبدى الدكتور الضويان رأيه في هذه الفقرة‪ ،‬ملخصا ً إياه في كلمة قصيرة؛ فيقول‪ :‬خطوات نقل التقنية موضوع كبير قد‬
‫ُكتبت فيه كتب وأبحاث‪ ،‬لكنها ال تتجاوز األطـر النظـرية‪ .‬وبالجملة‪ :‬نحتاج لتحديد التقنية الالزمة سواء أكانت مادية‬
‫(‪ )hardware‬أو معلوماتية (‪ )information‬أو فنية (‪ )know-how‬إلى التعامل األمثل مع األجهزة والمعلومات‪ ،‬ومن ث َ َّم‬
‫وضع خطة على المستوى الفكري واالقتصادي واإلداري‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫من جهة أخرى يسوق الدكتور باسم خفاجي فكرته حيث يقول‪ :‬أرى أن الخطوة األولى في مشروع (نقل التقنيات) تتركز في‬
‫تغيير طريقة التفكير لدى النخب العلمية والمثقفة في العالم العربي‪ ،‬والتأكيد على أهمية تطوير العقل العربي واإلسالمي في‬
‫مجاالت اإلبداع واالبتكار‪ ،‬وليس فقط في سبل االستهالك واالستخدام لما يصنعه اآلخرون‪.‬‬
‫ويعقب خفاجي على حديثه مضيفاً‪ :‬ينبغي التركيز على فكرة االنتقائية في التعامل مع التقنيات المراد نقلها؛ فليس كل ما أنتجه‬
‫الغرب صالح لعالمنا‪ ،‬أو حتى صالح للبشرية بوجه عام‪ ،‬فال يجب أن ننقل إال ما يثبت لنا صالحه ألمتنا ليس فقط على‬
‫المستوى التقني‪ ،‬وإنما على المستوى األخالقي والثقافي والعقدي أيضاً‪.‬‬
‫ويضيف الدكتور باسم قائالً‪ :‬أما في مجال الخطوات الالزمة لنقل التقنيات؛ فقد ذكر أهمها أحد الباحثين العرب‪ ،‬وننقل عنه‬
‫هنا أهم هذه الخطوات‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬إيجاد قاعدة علمية قادرة على التطوير واالبتكار العلمي‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬إيجـاد قـاعـدة صـناعية متـميزة تـأخـذ بأحـدث ما وصلت إليه التقنية مع قبولها التطوير المستمر‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬الترابط الوثيق بين القاعدة العلمية والقاعدة الصناعية‪ ،‬لتحويل اإلنجازات العلمية إلى واقع صناعي‪ .‬ويفضَّل أن يكون‬
‫هذا الترابط ناشئا ً عن مركز بحوث رئيس ُم ِّل ٍّم باحتياجات البالد وأهدافها التنموية‪ ،‬قادر على الدعم السخي‪ ،‬له صالحية‬
‫التنسيق والتنظيم مع وحدات البحث العلمي المختلفة في البالد والقطاع الصناعي المتطور‪ ،‬وقد أشار إلى مثل هذا األستاذ‬
‫سليمان بن صالح الخراشي في مقال له نشر في موقع (صيد الفوائد) بعنوان‪( :‬نقل التقنية المتطورة إلى الدول‬
‫اإلسالمية‪/‬عوائق وحلول)‪.‬‬
‫● مقومات التقدم العلمي وسبل تنميته‪:‬‬
‫يبتدئ المشاركة في هذه الفقرة الدكتور إيهاب الشاعر‪ ،‬حيث يقول‪ :‬قبل البدء بالتحدث عن مقومات التقدم العلمي والتقني ال‬
‫بد من تسليط الضوء على قياس معيار التقدم العلمي؛ فهو يكمن في معيارين‪:‬‬
‫‪1‬ـ قدرة العالم العربي واإلسالمي على أن يكون مستقالً بصناعة ما يحتاجه للقيام بضرورات الحياة المدنية والعسكرية‪.‬‬
‫‪2‬ـ قدرة العالم اإلسالمي والعربي على تطوير ما هو موجود من تقنية وتوظيفها في مصالحه العامة‪ :‬اقتصادياً‪ ،‬وسياسياً‪،‬‬
‫وعسكرياً‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫ويشير الدكتور إيهاب إلى َّ‬
‫أن مجرد استيراد التقنيات واستخدامها أمر استهالكي وليس أمرا ً جوهريا ً يمس التقدم العلمي‪.‬‬
‫ثم انطلق الدكتور إيهاب الشاعر مجيبا ً عن هذه القضيَّة بنوع من التفصيل والبسط؛ وذلك ألهميتها في نظره؛ حيث قال‪:‬‬
‫مقومات التقدم العلمي تكمن في اآلتي‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬الجامعات ومراكز البحوث‪ :‬وهي القلب النابض للتقدم العلمي في كل الدول وبغيرها ال يمكن عمل شيء‪ ،‬ويكون ذلك‬
‫عبر عدَّة نقاط هي‪:‬‬
‫أ ـ استقطاب المؤهلين من ذوي الخبرات التعليمية والتطويرية وتوظيفهم في الجامعات‪ ،‬وإعطاؤهم حرية البحث‪.‬‬
‫ب ـ إنشاء صندوق دعم مالي للبحوث‪ ،‬يكون من الدولة والتجار وأهل الخير والشركات المحلية واألجنبية؛ لدعم بحوث‬
‫األساتذة في الجامعات‪.‬‬
‫ج ـ إعطاء المدرسين واألساتذة العاملين في مجال البحث امتيازات خاصة إلشعارهم باألمن واالستقرار‪ ،‬وليس على أساس‬
‫عقود وتجديدات‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫د ـ منع هؤالء األساتذة وتحذيرهم من االنتقال إلى مجاالت أخرى إدارية أو غيرها قبل مدة دنيا من البحث واإلنتاج‪.‬‬
‫هـ ـ تشجيع البحث والتفكير منذ عمر مبكر (الثانوية)‪ ،‬وصياغة المواد التعليمية على هذا األساس‪.‬‬
‫و ـ االهتمام بالموهوبين والنابغين من الطالب‪ ،‬وإنشاء جمعيات خاصة لهم‪ ،‬وإعطاؤهم منحا ً خاصة للدراسة والتطوير‪.‬‬
‫ز ـ إنشاء نوا ٍّد صيفية لتحفيز العمل االبتكاري واإلبداعي وعمل مسابقات في ذلك‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬ربط الشركات والصناعة المحلية بالجامعات ربطا ً قويما علميا ً عن طريق‪ :‬بحوث مشتركة‪ ،‬وورش عمل‪ ،‬ودعم مالي‬
‫مفروض على الشركات الكبرى بالذات‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬الدعم الحكومي الرسمي ويتمثل بالتالي‪:‬‬
‫أ ـ إنشاء‪ ،‬ومن ث َّم اإلشراف على صندوق دعم وطني لبحوث الجامعات‪.‬‬
‫ب ـ ربط الجامعات بمثيالتها من العالم العربي واإلسالمي والغربي عن طريق ندوات وورش عمل مدعومة‪.‬‬
‫ج ـ إنشاء القوانين التي تحث الجامعات والشركات على االتصال والعمل البحثي‪ ،‬وسنِّها‪.‬‬
‫د ـ تشجيع الصناعات المحليَّة‪ ،‬حتى ولو كانت جدواها االقتصادية أقل في البداية‪.‬‬
‫واختتم الدكتور إيهاب ما قدم بقوله‪ :‬فهذه خطة متكاملة‪ ،‬ولكنها تحتاج إلى مخلصين؛ وهو الشرط الرابع‪.‬‬
‫ويقدم الدكتور نعمان الخطيب مقومات يرى أنَّها ذات أهميَّة بقوله‪:‬‬
‫تحرير مراكز األبحاث من البيروقراطية والرتابة‪ ،‬ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب‪ ،‬والتخلص من المحسـوبية‬
‫والواسطة في التعيينات والترقيات والقرارات‪ ،‬وال يكون ذلك إال بإصالح سياسي شامل‪.‬‬
‫ومن زاوية أخرى يلمح الدكتور زغلول الن َّجار إلى َّ‬
‫أن مقومات التقدم تكمن في اآلتي‪:‬‬
‫ـ مقومات بشرية‪( :‬يفوق تعدادها األلف مليون نسمة تتوزع في أكثر من خمسين دولة مستقلة وعلى هيئة أعداد متباينة من‬
‫األقليات في كافة دول العالم‪ ،‬ويمثل هذا العدد قرابة ربع سكان العالم‪ ،‬ويضم ماليين من العلماء واألطباء واألدباء‬
‫والمفكرين)‬
‫ـ مقومات أرضية‪( :‬مساحة الدول المكونة للعالم اإلسالمي تمثـل أكـثر مـن ربـع مـساحة اليابــسة وتـقـدر بـ ‪148.354.000‬‬
‫كيلو مترا ً مربعاً)‪ ،‬ويزيد فى قيمة تلك المساحة الشاسعة اتصال بعضها مع بعض‪ ،‬وتوسطها دول العالم‪ ،‬وتكاملها من ناحية‬
‫المناخ والتضاريس وطبيعة األرض‪ ،‬وتعدد ثرواتها‪ ،‬وتنوع مصادر المياه فيها‪.‬‬
‫ـ مقومات بحرية‪( :‬يطل العالم اإلسالمي على مسطحات مائية عديدة تخترقها أهم خطوط المواصالت البحرية في العالم‪ ،‬وله‬
‫موانئ هامة على كل من‪ :‬المحيط األطلسي‪ ،‬والمحيط الهندي‪ ،‬والمحيط الهادي‪ ،‬وكل من‪ :‬البحر األحمر‪ ،‬والبحر األبيض‪،‬‬
‫والبحر األسود‪ ،‬وبحر قزوين)‪.‬‬
‫ـ مقومات اقتصادية‪( :‬الثروة الزراعية‪ ،‬الثروة الحيوانية‪ ،‬مصادر الطاقة‪ ،‬الثروة التعدينية)‪.‬‬
‫ـ مقـومـات تعـلـيمية‪( :‬تضم دول العالم اإلسالمي اليـوم الكـثير مـن الجامـعات والمعاهد المتخصصة‪ ،‬باإلضافة إلى ما يفوق‬
‫التسعمائة من مراكز البحوث‪ ،‬وأكاديمـيات العـلوم والتقـنية‪ ،‬ومراكز للطاقة الذرية والنظائر المشعة)‪.‬‬
‫● ال يشترط في التقنية أن تكون منافسة لتقنية اآلخرين‪:‬‬
‫كانـت هـذه إجـابة الدكتور إيهاب الشاعر؛ إذ سألته‪ :‬هل يشترط للتقنية المأمولة من الدول اإلسالمية أن تكون منافسة لتقنية‬
‫اآلخرين؟ أم يكفي أن تحقق هذه الدول المسلمة من التقنية ما يحفظ لها كيانها‪ ،‬ويحميها من كيد العدو؟‬
‫وتابع حديثه قائالً‪ :‬ذلك االشتراط يكون في البداية‪ ،‬حتَّى نقوم بالحد األدنى الستبدال التقنية الغربية‪ .‬بينما يرى الدكتور‬
‫‪8‬‬
‫الضويان خالف رأي الدكتور الشاعر؛ حيث يقول‪ :‬التقنية المأمولة من الدول اإلسالمية ال بد أن تكون منافسة بكل تأكيد وإالَّ‬
‫فال مكان لتقنية رديئة‪ ،‬لكن ال بد أن تكون هذه التقنية مالئمة لهذا البلد أو ذاك من جه ِّة‪ :‬التكاليف‪ ،‬وحجم اليد العاملة‪،‬‬
‫والمردود االقتصادي المباشر‪ ،‬واآلثار االجتماعية؛ فبعض التقنيات استهالكية وتُعمق التبعية للثقافة الغربية مثالً‪.‬‬
‫ويتقارب الدكتور العجلوني والمدهون في إجابتيهما؛ حيث َّ‬
‫إن فيهما جمعا ً بين الرأيين السابقين؛ حيث يقول الدكتور المدهون‪:‬‬
‫مرحليا ً يكفي أن تحقق هذه الدول المسلمة من التقنية ما يحفظ لها كيانها‪ ،‬ويحميها من كيد العدو‪ ،‬واستراتيجيا ً عليها أن تكون‬
‫منافسا ً كبيرا ً لتقنية اآلخرين‪.‬‬
‫وفي الحلقة القادمة ـ إن شاء هللا ـ نستكمل دوائر ومحاور التحقيق‪ ،‬نسأل هللا أن ينفع به‪.‬‬
‫• مالحظة‪:‬‬
‫• نشر هذا التحقيق في مجلة البيان عدد(‪)237‬‬
‫سبل التقدم العلمي والتقني في البالد اإلسالمية‬
‫(‪2‬ـ ‪)2‬‬
‫إعداد‪ :‬خباب بن مروان الحمد‬
‫المشـاركون في التحقيق‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ د‪ .‬إيهاب الشاعر‪ :‬فلسطيني مقيم بأمريكا‪ ،‬متخصص في الحاسوب واالتصاالت‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ د‪ .‬باسم خفاجي‪ :‬مصري‪ ،‬متخصص في الهندسة المدنيَّة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ أ‪ .‬د‪ .‬زغلول النجار‪ :‬مصري‪ ،‬متخصص في علم التربة والجيولوجيا‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ د‪ .‬عبد هللا الضويان‪ :‬سعودي‪ ،‬متخصص في علم الفيزياء‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ د‪ .‬عبد الوالي العجلوني‪ :‬أردني‪ ،‬متخصص في علم الفيزياء‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ أ‪ .‬د‪ .‬نعمان الخطيب‪ :‬فلسطيني مقيم بالسودان‪ ،‬متخصص في هندسة البترول والتعدين‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ د‪ .‬محمد المدهون‪ :‬فلسطيني‪ ،‬متخصص في تنمية الموارد البشرية‪.‬‬
‫تحدث ُمعدُّ هذا التحقيق ـ وفقه هللا ـ في الجزء األول من هذا التحقيق عن العديد من الملفات المتعلقة بالتقدم العلمي؛ سبله‬
‫ووسائله‪ ،‬وما العوائق والعراقيل التي تعترضـه؟ وفــي هـذا الجزء يستكمل الحديث ـ إن شاء هللا ـ عن عدد من القضايا‬
‫المتعلقة بالتقدم التقني؛ فما الجوانب التقنية ذات األولوية َج ْلبا ً إلى العالم اإلسالمي؟ وما أسباب التخلف التقني؟ وهل لطرائق‬
‫التدريس أثر في تنمية اإلبداع؟ وما دور األمة تجاه المبدعين من المخترعين المسلمين؟ وإلى غير ذلك من المحاور العديدة‬
‫التي سيتطرق لها أثناء هذا التحقيق) ‪.‬‬
‫● آثار التخلف التقني على مستوى الشعوب والجامعات‪:‬‬
‫ً‬
‫يتحدَّث في هذا الصدد األستاذ الدكتور زغلول الن َّجار قائال‪ :‬أدى تفتيت العالم اإلسالمي إلى إفقاره على الرغم من ثرواته‬
‫البشرية والطبيعية الهائلة‪ ،‬فالغالبية العظمى من سكان الدول اإلسالمية اليوم ـ باستثناء الدول النفطية ـ تعيش تحت الحد‬
‫األدنى للكفاف الالزم لصون كرامة اإلنسان‪ ،‬وذلك بتباين واضح في متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي والذي يتراوح‬
‫بين (‪ )20،0‬سنتا ً في اليوم للفرد ـ أي‪ :‬في حدود (‪ )73‬دوالرا ً في السنة ـ في دولة إسالمية مثل تشاد‪ ،‬وبين (‪ )63‬دوالرا ً في‬
‫اليوم للفرد في كـل مـن دولـة اإلمـارات العـربـية المتحـدة وسلطـنة بـروناي ـ مثالً ـ (أي‪ :‬في حدود ‪ 23000‬دوالر في‬
‫السنة)‪.‬‬
‫من جهته يرى الدكتور الخطيب َّ‬
‫أن التخلف التقني والعلمي يؤدي إلى التخلف االقتصادي والعسكري‪ ،‬وبهذا تبقى الشعوب‬
‫خاضعة للهيمنة الغربية‪ ،‬وال تمتلك القرار المستقل‪ ،‬وتكون ناقصة الكرامة‪ ،‬وال تستطيع الدفاع عن حريتها واستقاللها؛‬
‫حسب قوله‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫ويضيف الدكتور الضويان َّ‬
‫أن آثار التخلف تشمل جميع نواحي الحياة‪ ،‬والتخلف جالب للفقر والجهل وهما مرتع خصب لكل‬
‫بالء‪.‬‬
‫ومن ناحيته يرى الدكتور المدهون َّ‬
‫صـد العـدوان أو إيقاف‬
‫أن من آثار التخلف الشعور بالهزيمة والتبعيَّة وعدم القدرة على‬
‫ِّ‬
‫النيران‪.‬‬
‫ويختم العجلوني هذه اآلثار بقوله‪ :‬ومن آثار التخلف التقني شعور المواطن بالضعف والهوان وقلة القيمـة حتـى لو كان هذا‬
‫المواطن وزيرا ً أو أكثر من ذلك أو أقل‪ .‬ويتحمل السياسيون وأصحاب الرأي في األمة مسؤولية هذا الشعور؛ إذ إنهم ساهموا‬
‫في تكوينه‪ .‬وألن يكون المواطن مواطنا ً بسيطا ً في دولة قوية ومتقدمة خير ألف مرة من أن يكون قائدا ً أو مسؤوالً في دولة ال‬
‫قيمة لها‪.‬‬
‫● أسباب التخلف التقني‪:‬‬
‫يرى جميع الدكاترة المشاركين في التحقيق َّ‬
‫أن أهم سبب في ذلك هو الناحية السياسية؛ فهي الوزن الكبير في معادلة التخلف‬
‫كما يقول الدكتور الضويان‪ .‬وهناك أسباب أخرى يتفق عليها جمع من المشاركين‪ ،‬وقد أجملها الدكتور الشاعر بقوله‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ عدم وجود الرغبة من المسؤولين والسياسيين للخوض في ذلك‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ هجرة العقول إلى العالم الغربي‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ ضعف وانعدام الحريات وشيوع العنصريات‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ الضعف االقتصادي والتحفيزي‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ أنظمة الجامعات قديمة ومتخلفة وال تواكب الواقع‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ التخطيط معدوم وهو آخرها وليس أولها‪.‬‬
‫ويدلي األستاذ الدكتور زغلول الن َّجار بدلوه إزاء هذه القضيَّة حيث يقول‪ :‬ما يحدث اآلن من إهمال للبحث العلمي في القضايا‬
‫التقنيَّة إنما هو بسبب‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ كثرة ما تحتاجه من تجهيزات ومختبرات وأجهزة ومعدات‪ ،‬وما وصلت إليه تكلفة ذلك في هذه األيام من مبالغات‪ ،‬وما‬
‫يالقيه الباحثون من عناء ومشقة مما يجعلهم ينصرفون عن البحث والدراسة‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ انعدام التنسيق بين الجامعات ومراكز البحوث اإلسالمية‪ ،‬وبينها وبين الصناعة في المنطقة العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫اإلسالمي؟‬
‫● خنق اإلبداع واالبتكار‪ ..‬كيف نتخطاه في واقعنا ٍّ‬
‫هناك من يقول َّ‬
‫بأن بعض البالد اإلسالمية تتعامل تجاه من يقوم بتطوير بعض األعمال التقنية بتكميم فاه فيخنق اإلبداع‬
‫َّ‬
‫واالبتكار! فكيف نتخطى هذه المرحلة ونتربى على ممارسة اإلبداع واالبتكار في خدمة أ َّمتنا؟‬
‫َّ‬
‫أجمع المشاركون في اإلجابة عن هذا السؤال حول قضيَّة اعتبروها مه َّمة ومل َّحة‪ ،‬وهي َّ‬
‫أن ذلك ال يكون إال باالرتقاء بالنظام‬
‫نص على ذلك الدكتور المدهون وكذا‬
‫ظل الشورى اإلسالميَّة‪ ،‬كما َّ‬
‫السياسي وإصالحه وتولي الشعوب أمورها بنفسها في ِّ‬
‫الخطيب في جوابهما‪.‬‬
‫ويضيف المدهون‪ :‬ومن النقاط المه َّمة في ذلك أن يصبح االرتقاء والتطور مطلبا ً جماهيرياً‪ ،‬وأن نحسن صناعة اإلبداع فهو‬
‫طريق للتحدي ال للخنوع‪.‬‬
‫بينما يختلف الدكتور الضويان مع من يرى َّ‬
‫بأن أفواه المخترعين تُك َّمم في عالمنا اإلسالمي‪ ،‬ويقول‪ :‬تكميم أفواه بعض‬
‫المخترعين لم أسمع عنه شخصيا ً وال أظن حدوثه؛ ألن الحكومات ال تستفيد من ذلك‪.‬‬
‫أ َّما األستاذ الدكتور زغلول الن َّجار فيتحدَّث حول هذه القضيَّة بقوله‪ :‬في ظل الحكومات المستبدة ال يمكن أن يظهر أي إبداع‪،‬‬
‫فال بد من المطالبة بإطالق الحريات وإلغاء القوانين االستثنائية واحترام آدمية اإلنسان؛ حتى تتمكن األمم من إفراز الكوادر‬
‫القادرة على اإلبداع‪ ،‬ففي المسلمين في العالمين الغربي والشرقي مئات اآلالف من العلماء الذين هربوا من بالدهم؛ إما نتيجة‬
‫لالضطهاد السياسي أو جريا ً وراء توفر إمكانات البحث العلمي‪.‬‬
‫● أيها أولى في المجال التقني؟‬
‫هناك جوانب تقنية من المهم أن يتقنها أبناء العالم اإلسالمي ويتطوروا فيها؛ فما هذه الجوانب؟ وما األولويات في ذلك؟‬
‫حول هذا السؤال أفاض جمع من المشاركين بالجواب عنه‪ ،‬فاألستاذ الدكتور زغلول الن َّجار ل َّخص رأيه في هذه القضيَّة‬
‫‪10‬‬
‫بقوله‪ :‬األولويات كالتالي‪:‬‬
‫ـ االستخراج الثالثي والرباعي لكل من النفط والغاز‪ ،‬التقنيات المتقدمة في تحلية المياه‪ ،‬علم الحياة الجزئي‪ ،‬الحواسيب فائقة‬
‫السرعة‪ ،‬المواصالت فائقة القدرة‪ ،‬استزراع الصحراء‪ ،‬استزراع البحر‪ ،‬ومصادر الطاقة البديلة؛ مثل‪ :‬الطاقة الشمسية‪،‬‬
‫الطاقة الهوائية‪ ،‬وطاقة الحرارة األرضية‪.‬‬
‫من جهته يقول الدكتور باسم خفاجي‪ :‬أرى ‪ -‬وهللا تعالى أعلم ‪ -‬أن األهم في هذه المرحل هو اإللمام بأساسيات العلوم الحديثة‬
‫وكيفية تطويعها في الصناعات المختلفة‪ ،‬فقد بعدت األمة كثيرا ً خالل العقود الماضية عن مواكبة أصول العلوم والتقدم‬
‫الحادث في هذه المجاالت‪ ،‬ولذلك يصعب علينا كثيرا ً إنشاء أية صناعات حقيقية؛ لفقداننا األسس التي تقوم عليها تلك‬
‫الصناعات‪ ،‬لذلك يجب أوالً التركيز على العلوم األساسية في المجاالت الهندسية والطبية والعلوم الحيوية‪.‬‬
‫أما المجاالت التي يجب أن ينصب االهتمام األولي على التميز التقني فيها؛ فأرى أنها المجاالت التي تخدم رسالة األمة أوالً‬
‫قبل أن تخدم رفاهيتها‪ .‬ويعني ذلك أمرين؛ األول‪ :‬هو ما يتحقق به أمان األمة من خصومها من تقنيات عسكرية وأمنية‪،‬‬
‫والثاني‪ :‬هو التقنيات الحديثة في مجاالت التواصل واإلنترنت وعلوم الحاسبات التي تخدم البنية التحتية لكافة وسائل الدعوة‬
‫المستقبلية‪.‬‬
‫أ َّما الدكتور إيهاب الشاعر فيقول‪ :‬ال أنصح في الوقت الحالي بالتركيز على التقنية العسكرية‪ ،‬بل التقنية المدنية والتطبيقات‬
‫السلمية‪ ،‬فهذه هي الخطوة األولى لحل الكثير من المشاكل المتراكمة‪ ،‬فنحن لسنا بحاجة إلى عوائق إضافيَّة‪ ،‬والكثير من هذه‬
‫التقنيات يمكن توظيفها في مجاالت أخرى واالستفادة منها عندما يكون المجتمع قد نضج والوقت قد حان‪ ،‬ومع ذلك َّ‬
‫فإن‬
‫الدكتور إيهاب يشير إلى َّ‬
‫أن رأيه ال يعني إهمال التقنية العسكريَّة بالكليَّة ولكن يعني عدم التركيز عليها وجعلها هدفا ً لذاتها‪،‬‬
‫َّ‬
‫وأن الكثير من مشاكلنا االقتصادية واالجتماعية هي مرهونة بالتقدم العلمي المدني وليس العسكري‪ ،‬وذلك لنكون متوازنين‬
‫في هذه القضية‪.‬‬
‫ويتوافق الدكتور العجلوني مع الدكتور الضويان بأن الجوانب التقنية التي يجب على العالم اإلسالمي أن يتقنها تبدأ من شعور‬
‫قادة هذه الدول بالمسؤولية ومن ثم ضرورة التكامل؛ فدول الخليج ـ مثالً ـ تجعل الصناعات البتروكيمياوية والنفطية اهتمامها‬
‫األول‪ ،‬ومصر تتميز بالصناعات اإللكترونية؛ لوفرة اليد العاملة وهكذا بقية المجاالت‪.‬‬
‫● تجارب األمم األخرى في التقنية هل يمكن االستفادة منها؟‬
‫ال ريب َّ‬
‫أن (الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها) كما جاء في الحديث‪ ،‬ومن هذا المنطلق ساءلت العديد من‬
‫الدكاترة المشاركين في التحقيق السؤال التالي‪ :‬كيف تستفيد أ َّمتنا من تجارب األمم األخرى باألعمال المتواصلة للتقدم العلمي‬
‫كاليابان مثالً؟ وما تقييمكم للتجربة الماليزية والباكستانية؟ والمقارنة كذلك بين مسيرة التطور التقني بين اليابان ومصر؟‬
‫اتفق الجميع على ضرورة االستفادة من تجارب األمم األخرى وبخصوص تقويم التجارب‪ ،‬فقد أجاب الدكتور باسم خفاجي‬
‫قائالً‪ :‬إن تجربة اليابان تعكس بال شك اإلرادة القوية في التغلب على الهزيمة والنهوض من جديد‪ ،‬وهي تؤكد فكرتي‬
‫األساسية أن العزيمة واإلرادة أهم بكثير مما نعتقد في عالمنا العربي المعاصر‪.‬‬
‫أن التجربة الماليزية مقارنة مع باقي العالم اإلسالمي تجربة رائدة‪ ،‬ويضيف‪ :‬وأظن َّ‬
‫ويرى الدكتور العجلوني َّ‬
‫أن أهم سبب‬
‫لها هو الوعي والتصميم واإلرادة التي تحلت بها القيادة السياسية هناك‪ .‬أ َّما التجربة الباكستانية فهي ممتازة في مرحلة مضت‬
‫وإن كانت السياسة سببا ً في تقهقرها‪ ،‬أما تجارب الشعوب األخرى كاليابان وكوريا الجنوبية فقد كانت اإلرادة والتصميم‬
‫دافعين لها‪ ،‬ونحن بحاجة إلى هذه اإلرادة وهذا التصميم أكثر من حاجتنا ألي شيء آخر‪.‬‬
‫ويتحدث الدكتور الخطيب قائالً‪ :‬بالنسبة للتجربة الباكستانية فهذا يدل على أن تركيز الموارد وإعطاء الحرية للباحثين‬
‫وإمدادهم باحتياجاتهم المادية يؤدي إلى الوصول إلى األهداف الموضوعة‪ ،‬ولكن لألسف التجربة الباكستانية على الرغم من‬
‫أهميتها إال أنها مقتصرة على تركيز التقدم التكنولوجي في مجال واحد ولم تتم على أساس بناء قاعدة صناعية تكنولوجية‬
‫متقدمة تستخدم في كافة األغراض الصناعية‪.‬‬
‫وحول مقارنة مسيرة التنمية والتطور التقني بين اليابان ومصر يرى الدكتور الضويان أنَّها مفيدة لكنها تؤدي إلى اإلحباط‬
‫بكل تأكيد‪ ،‬فهي صاعدة مع الزمن في اليابان هابطة في مصر‪ .‬والسبب في رأيه َّ‬
‫أن األولى دولة مؤسسات والثانية ألفراد‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫ذكر بقيمة الجنيه المصري وكمية ديون مصر اآلن وقبل خمسين سنة‪ ،‬وكذا‬
‫ولما كان اقتصاد بلد ال ينفك عن تقدُّمه التقني نُ ِّ‬
‫الحال بالنسبة لليابان التي أصبحت يبابا ً إثر خروجها مهزومة ذليلة من حربها الخاسرة ضد الحلفاء ومقارنة ذلك بوضعها‬
‫الحالي حيث تملك ثاني أضخم اقتصاد وما صاحبه من تقدم تقني مشهود‪.‬‬
‫من جهته يقول الدكتور العجلوني متحدثا ً عن المقارنة بين تجربة اليابان ومصر‪ :‬هو كما تقارن بين نملة تسير على غير‬
‫هدى وصاروخ كروز موجه إلى هدفه بدقة‪ ،‬أو كما تقارن بين مخلوق ضعيف غارق في بحر تتالطم فيه األمواج وأحد‬
‫يحلق في السماء يعرف جيدا ً نقطة انطالقه ونقطة وصوله‪.‬‬
‫الطيور المهاجرة ِّ‬
‫● أثر طرائق التدريس في تنمية اإلبداع والحث على االختراع‪:‬‬
‫يؤكد الدكتور الضويان على أهميَّة طرائق التدريس ودورها في صناعة روح اإلبداع‪ ،‬ولكنَّه تساءل قائالً‪ :‬لكن من سيحتضن‬
‫إن من يحضنه بالتأكيد الشركات والجامعات األجنبية في الخارج؛ َّ‬
‫المبدع؟ ويجيب‪َّ :‬‬
‫ألن فاقد الشيء (من الحكومات‬
‫اإلسالميَّة ومؤسساتها) ال يعطيه!‬
‫ً‬
‫درسين قبل تربية من بين أيديهم‪،‬‬
‫ومن ناحيته تحدث الدكتور العجلوني قائال‪ :‬التدريس هو األساس‪ ،‬ولكن يجب تربية الم ِّ‬
‫وذلك على احترام اآلخر والرغبة في العمل الجماعي وتنمية روح اإلبداع‪...‬‬
‫أما الدكتور نعمان الخطيب فإنه يرى أن اإلشكاليَّة تكمن في طرائق التدريس منذ المرحلة االبتدائيَّة إلى الجامعيَّة‪ ،‬فهي تعتمد‬
‫المدرسين‬
‫على التلقين والحفظ وليس على اإلبداع واالبتكار‪ ،‬ولذا يقول‪ :‬تحتاج طرائق التدريس إلى إعادة نظر وإلى تأهيل‬
‫ِّ‬
‫المدرسين ووضع الحوافز المادية لهم بحيث ينخرط في سلك التدريس الطلبة المتفوقون‪ ،‬وال‬
‫منذ البداية‪ ،‬ويجب تشجيع‬
‫ِّ‬
‫تقتصر مهنة التدريس على فئة من متوسطي وقليلي الكفاءة‪.‬‬
‫ً‬
‫وينهي األستاذ الدكتور زغلول النجار الحديث حول هذه القضيَّة مبيِّنا أفضل أساليب طرائق التدريس فيقول‪ :‬لطرائق‬
‫التدريس أثر كبير في بناء فكر التالميذ والدارسين‪ ،‬إالَّ أن طرائق التدريس التي تنمي اإلبداع في الدارسين تعتمد أسلوب‬
‫التحليل والتفكير وأسلوب البحث عن المعلومة لغرس كيفية البحث العلمي والتفكير المنطقي داخل عقل الطالب‪.‬‬
‫وقد أ َّكد جمع من الدكاترة المشاركين َّ‬
‫بأن المجاالت العلميَّة لم تعد تصلح للعمل الفردي بل ال بدَّ فيها من العمل الجماعي‬
‫َّ‬
‫المنظم‪ ،‬ويضيف الدكتور الضويان َّ‬
‫بأن إدارات األبحاث والتطوير ال تعمل بالفردية واألنانية (كما هو حال الحكومات‬
‫اإلسالمية) ولكن بروح الفريق‪ ،‬ويسوق على ذلك مثالً بقوله‪ :‬شركة (تويوتا) استفادت من آالف االقتراحات من موظفيها في‬
‫تطوير منتجاتها من السيارات‪ .‬ويستحيل دفع البحث العلمي بعقلية الفرد الواحد‪.‬‬
‫● المخترعون المسلمون‪ ..‬دورهم ودورنا تجاه أ َّمتنا‪:‬‬
‫نسمع كثيرا ً عن المخترعين المسلمين‪ ،‬وبراءات االختراع التي نالوها‪ ،‬ولكن ينتهي سماعنا بهم مع نهاية ما قيل عنهم؛ فكيف‬
‫السبيل لتنشيط إبداع هؤالء؟ وما السبيل كذلك الحتضانهم؟ وما دور الحكومات وأصحاب األموال في رعايتهم وتشجيعهم‬
‫على االبتكار واالختراع؟‬
‫بهذه األسئلة تو َّجهنا للدكتور نعمان الخطيب فأجاب بقوله‪ :‬المخترعات وبراءات االختراعات العربية بهرجة إعالمية وغالبا ً‬
‫ما تكون عديمة الفائدة‪.‬‬
‫أ َّما األستاذ الدكتور زغلول الن َّجار فأجاب عن سبل احتضان المبدعين وتشجيعهم بعدَّة نقاط على النحو التالي‪:‬‬
‫ـ إنشاء مراكز للبحوث العلمية والتقنية المتخصصة‪ ،‬ومراصد فلكية وأرضية ومؤسسات للطاقة على أرفع المستويات‬
‫العالمية في دول العالم اإلسالمي في غير تكـرار أو ازدواجية أو عشوائية‪.‬‬
‫ـ العمل على إعادة كتابة العلوم البحتة والتطبيقية من تصور إسالمي صحيح عن اإلنسان والكون وعالقتهما بالخالق العظيم‪.‬‬
‫ـ وضع البرامج الزمنية المحددة لترجمة أمهات الكتب العلمية والتقنية المختلفة إلى اللغة العربية وغيرها من اللغات الرئيسية‬
‫في العالم اإلسالمي‪ ،‬والتعليق على ما قد يرد فيها من أخطاء تتعارض مع قضية اإليمان‪.‬‬
‫ـ العمل على إصدار مؤلفات ودوريات وموسوعات علمية وتقنية إسالمية عامة ومتخصصة باللغة العربية وبغيرها من‬
‫اللغات المحلية في العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫ـ التعاون في إنشاء مراكز لإلعالم والتوثيق العلمي والتقني والصناعي‪ ،‬ومصارف للمعلومات ولخدمات تجهيز البيانات‬
‫ومكتبات شاملة إقليمية وعامة‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫ـ التعاون يإنشاء مركز عام ومراكز إقليمية للملكية الصناعية ووثائق براءات االختراع تقوم بتنسيق تشريعات الملكية‬
‫الصناعية في العالم اإلسالمي‪ ،‬وحماية حقوق المخترعين المسلمين‪ ،‬ودراسة االتفاقيات الدولية بهذا الخصوص‪ ،‬وتبادل تلك‬
‫الوثائق مع المراكز المشابهة في العالم‪.‬‬
‫ـ ربط الصناعة بالبحث العلمي وحرص الحكومات على تشجيع المخترعين وأصحاب براءات االختراع‪.‬‬
‫ويتطرق الدكتور الضويان للموضوع ذاته قائالً‪ :‬المخترع مكسب لألمة أيا ً كان اختراعه‪ ،‬ويقيم اختراعه أهل التخصص من‬
‫خالل إدارة براءات االختراع‪ .‬والمهم هو ترجمة فكرة المخترع إلى واقع من خالل الشركات وأصحاب رؤوس األموال‪.‬‬
‫وشركاتنا ال زالت استهالكية وليس صناعية تقنية إنتاجية بمعنى الكلمة‪ ،‬كما أن طموح أصحاب رؤوس األموال الربح‬
‫السريع والمريح من خالل ممارسات تجارية تقليدية‪.‬‬
‫أ َّما الدكتور العجلوني فيقول‪ :‬السبيل إلى ذلك بتوفير االحترام لهم وتشجيعهم قبل توفير اإلمكانات المادية لهم‪ ،‬أما الحكومات‬
‫في واقعها الحالي فقد ترى فيهم عبئا ً عليها فال مكان لمبدع لديها‪ ،‬واألفضل لها أن يذهبوا إلى الغرب‪ .‬أما أصحاب األموال‬
‫فيمكن تشجيعهم من خالل تحصيل جزء من أموال الزكاة أو الصدقات للبحث العلمي أو استغالل البحث العلمي ألغراض‬
‫تحقق لهم ربحا ً ماديا ً وهذا ممكن مما يجعلهم يستثمرون في البحث العلمي بدالً من االستثمار في مشاريع ال تحقق ربحا ً ماديا ً‬
‫إال لهم‪ ،‬بينما باقي األمة تخسر‪.‬‬
‫قوة‪:‬‬
‫● وأعدوا لهم ما استطعتم من َّ‬
‫لعل ما يوجد من تطوير لألسلحة والصواريخ على مدى عدَّة أميال في فلسطين وبعض الـدول اإلسالمـية المحـتلة؛ ما يشرح‬
‫النفس من ناحية التقدُّم العلمي في صناعة األسلحة‪ ،‬فهل لنقل العلوم التقنية واالستفادة منها أثر في نصرة أ َّمة اإلسالم؟ ث َّم أال‬
‫{وأ َ ِّعدُّوا لَ ُهم َّما ا ْست َ َ‬
‫اط ْالـ َخ ْي ِّل‪[ }..‬األنفال‪]60 :‬؟ وإمكانيَّة التقدُّم بإمكانات‬
‫ط ْعتُم ِّمن قُ َّوةٍّ َو ِّمن ِّربَ ِّ‬
‫يدخل في قوله ـ تعالى ـ‪َ :‬‬
‫ضعيفة؟ وهـل المشكلة عدم وجود الطاقات أم عدم تفعيلها؟‬
‫يختلف المشاركون في تشخيص الجواب عن هذه القضية؛ فبينما يرى الدكتور نعمان الخطيب َّ‬
‫أن المشكلة ليست في عدم‬
‫أن المشكلة في عدم تفعيلها‪ ،‬وفي قبالة رأيه يرى الدكتور باسم خفاجي َّ‬
‫وجود الطاقات‪ ،‬فإنه في المقابل يرى َّ‬
‫أن المشكلة‬
‫ليست في عدم وجود طاقات أو حتى في عدم تفعيلها‪ ،‬ويضيف‪ :‬المشكلة هي في االنتقال من دائرة الضعف إلى دائرة‬
‫المبادرة‪ ،‬ومن دوائر التقليد إلى دوائر اإلبـداع‪ .‬إن األمـة اإلسـالمية كـانـت دائمـا ً أمة مبـدعة‪ ،‬وما سيرة غزوة الخندق عنا‬
‫ببعيد‪ .‬األمر في المجال العسكري ال يتوقف فقط على اإلبداع في صنع السـالح‪ ،‬وال شك أن هناك حاجة إلى تعلم التقنيات‬
‫الحديثة في مجاالت التسلح‪ ،‬ولكن ال يجب أن نغفل عن السالح الحقيقي لكسب المعارك‪ ،‬وهو اإلرادة واإليمان‪ ،‬وال ننسى أن‬
‫هللا ـ تعالى ـ قد طلب منا «ما استطعتم» وليس أكثر من ذلك كونه طريقا ً للنصر‪.‬‬
‫● مراكز األبحاث التقنيَّة‪ ..‬دورها وتقويمها‪:‬‬
‫َّ‬
‫يرى الدكتور المدهون َّ‬
‫أن مراكز األبحاث لها أكبر األثر في دفع التقنيَّة ودعمها‪ ،‬ولكنها بحاجة إلى رعاية صانعي القرار‪،‬‬
‫إالَّ َّ‬
‫أن مخرجاتها محدودة ومبعثرة ومتباعدة وأحيانا ً ركيكة‪.‬‬
‫يعبر الدكتور الخطيب عن رأيه فيقول‪ :‬مراكز األبحاث يجب أن يكون لها الدور األساسي في نقل وتطوير‬
‫وبصيغة حزينة ِّ‬
‫وتقدم التقنية‪ ،‬ولكن هذه المراكز في العالم العربي واإلسالمي ـ في الغالب ـ ال تتعدى أن تكون مجرد تسميات واستكمال‬
‫لهيكلية الجامعات أو الوزارات‪ ،‬والمصاريف اإلدارية والبيروقراطية في هذه المراكز تفوق الصرف على دعم البحث‬
‫العلمي وتشجيعه‪.‬‬
‫ويحاول الدكتور الضويان أن يوضح الدور المرجو والمأمول من مراكز األبحاث بقوله‪ :‬ال يكون لمراكز األبحاث دور مؤثر‬
‫ما لم يسبقها إرادة وتخطيط وتحديد أهداف ودعم مالي وفني وبشري وتعاون الشركات معها‪ .‬ودورها ليس ماليا ً ولكنه تنسيق‬
‫بين العقول التقنية والمستفيد المالي من ترجمة أفكار هذه العقول‪.‬‬
‫وينهي الدكتور العجلوني الحديث حول هذه الفقرة بقوله عن مراكز األبحاث‪ :‬لها دور مهـم‪ ،‬ولـكن واقـع الحال لدينا ـ لألسف‬
‫ـ أن هذه المراكز ال يختلف حالها عن أحوال األمة في كثير من المجاالت السياسية واالقتصادية‪ ،‬حيث تحكمها النزعة‬
‫الفردية‪ ،‬وتُدار بواسطة األصدقاء والمحاسيب‪ ،‬ولهذا ال نرى أي مردود حقيقي لمراكز األبحاث في العالم اإلسالمي؛‬
‫فمخرجاتها هزيلة‪ ،‬وإنتاجها ركيك‪ ،‬فهل سمعت يوما ً أن مركز أبحاث إسالمي طور منتجاً؟ أو تبنى مبدعاً؟ أو هل سمعت‬
‫بمبدع عربي خرج من هذه المراكز؟!‬
‫‪13‬‬
‫● لغتنا العربية لم ال تستثمر لترجمة كتب التقنية المه َّمة؟!‬
‫ً‬
‫كان للدولة الصهيونيَّة دور في االختراعات والتنمية العلميَّة الصناعية‪ ،‬بل ترجموا في جامعاتهم بلغتهم (العبريَّة) كثيرا مما‬
‫يحتاجون إلى ترجمته‪ ،‬وكذا كان الوضع في كوريا الجنوبية‪ ،‬ف ِّل َم ال تُترجم الكتب التي تشرح بعض األعمال التقنيَّة والتنموية‬
‫والصناعيَّة إلى اللغة العربية‪ ،‬وخصوصا ً َّ‬
‫أن لغتنا العربية تستوعب بمفرداتها اللغوية شتَّى الفنون؟ وهل اللغة عائق في‬
‫اإلبداع والتطور؟ وهل يمكن لألمة أن تتعلم بلغة غيرها؟‬
‫حول هذا األمر يقول الدكتور الضويان‪ :‬الدولة الصهيونية دولة مؤسسات‪ ،‬وللفرد كلمته فيها‪ ،‬وهي نموذج مكرر من الدول‬
‫الغربية الصناعية التقنية‪ ،‬فقياداتها قادمة أو مستنسخة من هناك‪ .‬والترجمة مع غيرها أحد الوسائل الضرورية لتوطين‬
‫التقنية‪ ،‬لكنها مبعثرة لدينا بال تخطيط وتحديد أهداف وتنسيق بين مراكز الترجمة إضافة إلى ضعف الدعم لها‪ .‬واللغة ليست‬
‫عائقا ً دون امتالك التقنية‪ ،‬بل إن العربية أقدر على مجاراة التقنية من غيرها‪ ،‬ونؤكد هنا ضرورة تعلم اللغات األخرى المفيدة‬
‫للمختصين؛ لضمان استمرار التواصل مع الدول ذات الخبرة حسب المجال المطلوب‪.‬‬
‫من جهته يقول الدكتور باسم خفاجي‪ :‬إن اللغة العربية ليست عائقا ً أمام التقدم التقني‪ ،‬فال تكاد تخلو مدينة أمريكية من طبيب‬
‫سوري بارز‪ ،‬والطب في سورية يدرس باللغة العربية‪ ،‬فاللغة ال تمثل عائقا ً أمام المنتصرين‪ ،‬ولكنها دائما ً شماعة يلقي عليها‬
‫المتخاذلون همومهم‪ .‬إن اإلعالء من شأن اللغة هو عنوان لالستقالل الحقيقي وتعميق للشعور باالنتماء‪ ،‬ودليل على الثقة‬
‫والرسوخ‪.‬‬
‫ويختلف الدكتور إيهاب الشاعر مع بعض نقاط السؤال المذكور سلفا ً قبل عدَّة سطور‪ ،‬حيث يقول‪ :‬ما زالت الجامعات‬
‫المرموقة في الدولة الصهيونية تستخدم اللغة اإلنجليزية لغةً علميَّة وليست العبرية‪ .‬ث َّم يقول‪ :‬أنا أظن أن اللغة ليست العائق‬
‫َّ‬
‫بل َّ‬
‫الخطة تكون في مسارين‪:‬‬
‫إن‬
‫األول‪ :‬تعلم اللغات األجنبية لمواكبة العلم والتقدم‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الترجمة للمستويات الدنيا كالثانوية والمعاهد‪.‬‬
‫وإذا صرنا على مستوى اإلنتاج واالختراع واالكــتفاء بما نصنع فسنعتمد على لغتنا فقط ونترجم كل شيء يخرج‪.‬‬
‫وفي ختام الحديث عن هذه النقطة يرى الدكتور العجلوني َّ‬
‫أن الوقوف في وجه الترجمة إلى العربية واستخدامها في العلوم‬
‫في وطننا الكبير هو أحد أهم وسائل الغرب في إبقائنا منهزمين ومتخلفين‪ .‬وقد ساهم الكثير من الدارسين بالخارج في هذا‬
‫الوقوف؛ ألن تعلمهم للغة اإلنجليزية ـ مثالً ـ يعطيهم ميزة على غيرهم ممن ال يعرفها‪ ،‬وإذا كنا نعرف تميز العلماء‬
‫والباحثين العراقيين وهؤالء درسوا مناهجهم الجامعية باللغة العربية‪ ،‬فإننا نعلم أيضا ً أن الكثير من أبناء الدول العربية‬
‫األخرى يدرسون باللغة اإلنجليزية؛ فال هم أتقنوا لغة وال هم أحسنوا تعلماً‪.‬‬
‫● العقول المهاجرة واالبتعاث‪ ..‬بين رأيين‪:‬‬
‫يبتدئ الدكتور إيهاب الشاعر التحدث عن الخطوات األساسيَّة لالستفادة من جهود المبتكرين المسلمين في العالم الغربي‬
‫فيقول‪ :‬هذا السؤال في منتهى األهميَّة‪ ،‬حيث تُعد هذه الخطوة جوهرية في تنشيط الجو اإلبداعي والبحث‪ ،‬ويمكن تنفيذها كما‬
‫يلي‪:‬‬
‫‪1‬ـ إنشاء جمعيات خاصة لجمع المعلومات عن المبتكرين من المسلمين في العالم الغربي‪ ،‬وعناوينهم ومجاالت بحوثهم‪.‬‬
‫‪2‬ـ إنشاء دورات وندوات وورش عمل تجمع بين أهل االختصاص الواحد دورياً‪.‬‬
‫‪3‬ـ إنشاء جسور وحلقة وصل بين هذه الجمعيات والجامعات أو حكومات الدول العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫وعند الحديث عن تقويم ظاهرة االبتعاث للخارج هل أفادت األمة في قضايا التقنية؟ وما دورها في نقل التقنية؟ وكيف نشجع‬
‫قدوم وتوطين العقول المهاجرة للعودة لبالدهم وخدمتها؟ يجيب األستاذ الدكتور زغلول الن َّجار قائالً‪ :‬المسلمون في العالمين‬
‫الغربي والشرقي يتجاوز عدد العلماء فيهم مئات اآلالف الذين قد هربوا من بالدهم إما نتيجة لالضطهاد السياسي أو جريا ً‬
‫وراء توفر إمكانات البحث العلمي‪ .‬وفي ظل الحجر الشديد على أبناء العالمين العربي واإلسالمي في العالم الغربي لم تعد‬
‫هناك فائدة حقيقية في االبتعاث والبحث العلمي كالشجرة التي ال بد من نموها في أرضها‪ .‬ونتيجة االبتعاث لعقود طويلة‬
‫كانت مخيبة لآلمال‪ ،‬ويمكننا تشجيعهم بتوفير اإلمكانات الالزمة للبحث العلمي‪.‬‬
‫‪14‬‬
‫أن االبتعاث أفاد العالم العربي واإلسالمي حيث يقول‪ :‬ال يظهر لي َّ‬
‫من ناحيته ينفي الدكتور إيهاب الشاعر َّ‬
‫أن االبتعاث أفاد‬
‫العالم العربي بقدر ما أفاد العالم الغـربي إالَّ ما ندر‪ ،‬وذلك لألسباب التي قلناها من أسباب التخلف التي تمنع المبتعثين من‬
‫الطموح لألحسن‪.‬‬
‫وحول دور المبتعثين في نقل التقنية إلى العالم اإلسالمي يقول الدكتور المدهون‪ :‬دورهم كبير في نقل التقنية إذا تم إحسان‬
‫العمل والسير في الطريق إلى منتهاه‪ ،‬ويتم تشجيعهم بالحوافز‪ ،‬واالستقرار السياسي‪ ،‬وبخلق االنتماء‪ ،‬وبالتواصل معهم‪.‬‬
‫ومن جهته يقول الدكتور الضويان‪ :‬ال شك أن االبتعاث للخارج له أهمية كبيرة‪ ،‬فهو وسيلة لالنفتاح التقني وتنمية العقول‬
‫باحتكاكها بالتجارب المتقدمة األخرى‪.‬‬
‫ويضيف قائالً‪ :‬لكن ال بد من التخطيط له بشكل جيد من خالل تحديد األهداف والتخصصات المطلوبة ومساهمة الشركات‬
‫وأضر بها من جانب آخر‪ ،‬ذلك أنها كانت تسير‬
‫المعنية لنقل األفكار التقنية وتوطينها‪ .‬وقد أفاد هذا االبتعاث األمة من جانب‬
‫َّ‬
‫بشكل فوضوي وال زالت‪ ،‬فاالبتعاث لالبتعاث أيا ً كان التخصص والجهة المبتعث إليها‪ ،‬ولذا عادت بعض العقول بفضالت‬
‫الحضارة الغربية مع األسف‪ ،‬وبعضها بقمة إبداعات تلك الحضارة لكن دون رعاية جادة من القطاع الحكومي والخاص‪.‬‬
‫ولذا رأت بعض العقول المبتعثة البقاء هناك لمواصلة تحقيق ذاتهم وإبداعاتهم فهاجرت إلى األبد‪ ،‬وال أعتقد باإلمكان‬
‫استرجاع تلك العقول في الظروف المرئية وليس ذلك من المصلحة؛ ألن البشرية ستُحرم من إسهاماتهم التقنية‪ ،‬فلندع الدول‬
‫الغربية تستثمرهم بما فيه فائدة الزدهار البشرية‪.‬‬
‫● هل يمكن توطين العقول المبدعة في بالدنا اإلسالميَّة؟‬
‫اجي حول هذه القضيَّة قائالً‪ :‬إن من المحزن أن قوانين بلداننا العربية ال تزال تنظر إلى استقطاب‬
‫يتحدث الدكتور باسم َخفَ ِّ‬
‫العقول على أنه (جلب عمالة) من الخارج‪ ،‬ومن ثم يعامل صاحب العقل الراشد كالعامل في بلداننا العربية‪ ،‬وفي المقابل‬
‫يعامل كالعالم في بلدان الغرب‪ .‬لذلك ال غرابة في أن األمة اإلسالمية تعاني من استنزاف قدراتها الفكرية التي تهاجر بال‬
‫عودة إلـى الغـرب بحـثا ً عـن فـرصة علمية أو اقتصادية أو بحثا ً عن تقدير الذات الذي يفتقد إليه كثير من علماء األمة في‬
‫بالدهم‪.‬‬
‫ويبدي الدكتور باسم تع ُّجبه من حال أوضاع بعض المسؤولين في بالدنا اإلسالميَّة بقوله‪ :‬أليس من المضحك أن تولي دولة‬
‫من أكبر دول العالم العربي مسؤولية التعامل مع العلماء المهاجرين بالخارج إلى وزير ال يحمل إال شهادة االبتدائية في دولة‬
‫عرفت بأنها من أعرق دول العالم العربي في التعليم‪ .‬كيف يمكن تفسير أن عالما ً حاصالً على شهادة نوبل يجد مسؤوالً عنه‬
‫في بلده لم يحصل إال على شهادة االبتدائية‪ ،‬ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين؟!‬
‫ويضيف‪ :‬استقطاب الطاقات يبدأ من التقدير الحقيقي لها‪ ،‬وليس من امتهانها على أبواب السفارات‪ .‬إن الواليات المتحدة تفتح‬
‫ذراعيها لعلماء العالم اإلسالمي‪ ،‬وتستثنيهم من كثير من قيود الهجرة‪ ،‬بل وتمنحهم الجنسية األمريكية لكي تجذبهم إلى‬
‫االستقرار في الغرب‪ .‬ولكننا في العالم العربي ال نسمح للعالم ـ في بعض الدول العربية ـ أن يدخل أبناءه لكي يدرسون في‬
‫يدرس هو بها؛ ألنهم من (األجانب)‪ .‬نرفض أحيانا ً أن نعطيهم إقامة طويلة المدى في بلداننا اإلسالمية؛‬
‫الجامعة نفسها التي ِّ‬
‫ألن القوانين تساوي بينهم وبين كل العمال‪ ،‬ولكننا نتحدث كثيرا ً أفرادا ً وجماعات عن تكريم العلم والعلماء‪ ،‬وأن المعلم كاد‬
‫أن يكون رسوالً‪ ،‬ويسأل الكثير من العلماء العرب والمسلمين أنفسهم في بالدنا‪ :‬أال يقرأ هؤالء قوله ـ تعالى ـ‪َ { :‬كب َُر َم ْقتًا ِّعندَ‬
‫اَّلل أَن تَقُولُوا َما ال ت َ ْفعَلُونَ } [الصف‪]3 :‬؟!‬
‫َّ ِّ‬
‫ويذكر الدكتور المدهون عدة نقاط تساهم في توطين العقول في بالدنا اإلسالمية‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ التكامل والتوازن يقتضي استيعاب العقول واآلالت معاً‪ ،‬وللعقول أولوية‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ الرعاية المؤسساتية الكاملة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ يمكن المساهمة في ذلك من خالل بناء الخطط وبناء المؤسسات‪.‬‬
‫ومن جهته يؤكد الدكتور الضويان على أهمية توطين العقول اإلسالمية في بلدانها‪ ،‬ويشير إلى َّ‬
‫أن الدول المحترمة تسعى إلى‬
‫توطين العقول لتوظيفها في دعم عجلة التصنيع وتنمية شعوبها ورفاهيتها‪ ،‬وتستطيع الدول اإلسالمية ذلك‪.‬‬
‫إالَّ َّ‬
‫أن الدكتور الضويان تساءل في ختام جوابه بقوله‪ :‬ولكن الواقع يقول‪ :‬ماذا ستُقـدم هـذه الـدول لـتلك العقـول لو هاجرت‬
‫إليها سوى الكبت والتهميش وتقييد الحريات إضافة إلى الفقر والمرض؟!‬
‫وحول تأكيده على أهميَّة جلب العقول وتوطينها يشير الدكتور الخطيب إلى َّ‬
‫أن الواليات المتحدة استطاعت استقطاب معظم‬
‫‪15‬‬
‫العقول النابهة من العالم الثالث‪ ،‬وأن معظم التطور العلمي والتقدم التكنولوجي في الواليات المتحدة هو ثمرة تلك العقول التي‬
‫استقطبتها الواليات المتحدة في مدى األعوام السبعين الماضية منذ بداية الحرب العالمية الثانية‪ ،‬ومعظمها كان من العالمين‬
‫اإلسالمي والعربي‪.‬‬
‫● كيف نكسر قاعدة التبعية في المجال االقتصادي؟‬
‫التكامل والتعاون االقتصادي يحمل مؤشرات االنتقال إلى مرحلة االعتمادية الذاتية‪ ،‬وبذلك نكسر قاعدة التبعية؛ كان هذا‬
‫جواب الدكتور المدهون عن سؤالنا له عن دور التكامل االقتصادي بين الدول اإلسالمية (التجارة البينية)‪.‬‬
‫ومع تأكيد الدكتور الضويان على أهمية التكامل االقتصادي الذي يصاحبه التكامل البشري والفني بين الدول اإلسالمية وعده‬
‫مطلبا ً ضروريا ً المتالك التقنية‪ ،‬إالَّ أنَّه يقول متأسفاً‪ :‬ولكن مع كل أسف الحاصل بينها نوع من التكامل األمني؛ ألنها ليست‬
‫دول مؤسسات تنظر بعين تنمية الشعوب ورفاهيتها‪.‬‬
‫ويختم األستاذ الدكتور زغلول الن َّجار الجواب عن هذه النقطة بإجابة مستوعبة فيقول‪ :‬التكامل االقتصادي بين الدول العربية‬
‫واإلسالمية هو أحد وسائل االنتعاش االقتصادي‪ ،‬والذي بدونه ال يمكن تحقيق أية نهضة علمية‪ .‬ومن األمور المخزية أن‬
‫الدول اإلسالمية اعتمدت على االستيراد من الدول األخرى بدالً من التكامل االقتصادي والصناعي والزراعي فيما بينها‪ ،‬مما‬
‫أدى إلى خنق كثير من النشاطات الصناعية والزراعية في العالم اإلسالمي‪ ،‬وإلى استنزاف أموال المسلمين واستغاللهم‪،‬‬
‫وفرض السيطرة عليهم من قِّبَل الدول الموردة وتكتالتها الصناعية والزراعية والتجارية المختلفة‪ .‬وتجدر اإلشارة في ذلك‬
‫إلى أن حجم التبادل التجاري بين الدول اإلسالمية ال يمثل أكثر من (‪ )%2‬من تجارتها الدولية! وأن هناك أسعارا ً خاصة‬
‫تفرض اليوم على واردات العالم اإلسالمي بصـفة عامـة‪ ،‬كمـا أن ما تدفعه تلك الدول سنويا ً في االستيراد يكفي إلقامة كبرى‬
‫الصناعات‪ ،‬ولدعم أضخم المشروعات الزراعية واإلنتاجية التي يمكن أن تسد حاجة المسلمين كافة‪ ،‬وتغنيهم عن تحكم‬
‫التكتالت العالمية المستغلة فيهم‪ .‬وتكفي اإلشارة هنا إلى المبالغ التي دفعت وال تزال تدفع الستيراد السيارات والشاحنات‬
‫والطائرات واألعتدة الحربية‪.‬‬
‫بهذه اإلجابة تكون أجوبة المشاركين في التحقيق قد انتهت‪ ،‬ونسأل هللا ـ تعالى ـ أن ينفع بها‪ ،‬وأن يكون هذا التحقيق قد‬
‫استكمل دوائر الحديث ومحاوره حول هذا الموضوع الحيوي في هذه الحقبة الزمنية‪ ،‬وأنه كان مفيدا ً الستطالع آراء‬
‫المختصين فيه‪ ،‬وهللا ولي التوفيق‪.‬‬
‫• مالحظة‪:‬‬
‫َّ‬
‫• نشر هذا التحقيق في مجلة البيان عدد (‪)238‬‬
‫‪16‬‬