تحميل الملف المرفق

‫سلسلة بحوث ودراسات‬
‫فى‬
‫الفكر االقتصادى اإلسالمى‬
‫أزمة النظام املاىل العاملى‬
‫فى ميزان االقتصاد اإلسالمى‬
‫دراسة من إعداد ‪:‬‬
‫د‪.‬حسني حسني شحاتة‬
‫األستاذ جبامعة األزهر‬
‫خبري استشاري يف املعامالت املالية الشرعية‬
‫المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة بمدينة الرياض‬
‫‪2008 -1429‬‬
‫آيات قرآنية وأحاديث نبوية‬
‫تتعلق مبوضوع الدراسة‬
‫يقول اهلل تبارك وتعاىل ‪:‬‬
‫َاللهُ ال ُيحِبُّ كُلَّ كَفَّا ٍر َأثِيمٍ ‪‬‬
‫ت و َّ‬
‫اللهُ الرِّبا َو ُي ْربِي الصَّ َدقَا ِ‬
‫ق َّ‬
‫‪َ ‬ي ْمحَ ُ‬
‫[البقرة‪]276:‬‬
‫َ فَوال َي ْربُوو ِسلو َد اللَّو ِه َومَوا‬
‫ل السَّوا ِ‬
‫ن رِبًا ِل َي ْربُو َو فِوي َأمْووَا ِ‬
‫م ِم ْ‬
‫‪َ ‬ومَا آ َت ْي ُت ْ‬
‫عفُونَ ‪‬‬
‫الل ِه َفأُوَلئِكَ ُهمُ المُضل ِ‬
‫ن َو ْج َه َّ‬
‫آ َت ْي ُتمْ ِمنْ زَكَا ٍة ُترِيدُو َ‬
‫[الروم‪]39:‬‬
‫‪‬‬
‫يقول رسول اهلل ‪: ‬‬
‫‪ ‬إذا ظهر الزسا والربا فى قرية أذن الله بهالكها ‪‬‬
‫[ رواه أبو يعلى عن عبد اهلل بن مسعود]‬
‫‪ ‬لعن رسول الله‬
‫‪:‬آكل الربا‪ ،‬وموكله‪ ،‬وكاتبه‪ ،‬وشاهديه ‪‬‬
‫[رواه مسلم]‬
‫ـ‪2‬ـ‬
‫أزمة النظام املاىل العاملى‬
‫فى ميزان االقتصاد اإلسالمى‬
‫موضوعات الدراسة‬
‫‪ ‬متهيد عن إرهاصات انهيار النظام االقتصادى العاملى اجلديد ‪.‬‬
‫‪ ‬مظاهر أزمة النظام املاىل العاملى ‪.‬‬
‫‪ ‬األسباب الرئيسية ألزمة النظام املاىل العاملى ‪.‬‬
‫‪ ‬اآلثار املدمرة ألزمة النظام املاىل العاملى ‪.‬‬
‫‪ ‬موقف االقتصاد اإلسالمى من أزمة النظام املاىل العاملى ‪.‬‬
‫‪ ‬قواعد (ضوابط)األمن واالستقرار فى االقتصاد اإلسالمى ‪.‬‬
‫‪ ‬كيف اخلروج من األزمة ؟ قواعد وضوابط االقتصاد اإلسالمى هىى‬
‫املنقذ ‪.‬‬
‫‪ ‬خالص القول ‪ :‬قواعد وضوابط االقتصاد اإلسالمى هى اإلنقاذ من‬
‫األزمة ‪.‬‬
‫‪ ‬نداء إىل علماء االقتصاد ورجال املال واألعمال ‪.‬‬
‫‪ ‬نداء إىل املسلمني عامة ‪.‬‬
‫والحمد لله الذى بسعمته تتم الصالحات‬
‫ـ‪3‬ـ‬
‫أزمة النظام املاىل العاملى‬
‫فى ميزان االقتصاد اإلسالمى‬
‫إعداد‬
‫دكتور حسين شحاتة‬
‫األستاذ بجامعة األزهر‬
‫خبير استشارى فى المعامالت المالية الشرعية‬
‫‪www.Darelmashora.com‬‬
‫♦ ـ متهيد ‪:‬‬
‫لقد تنبأ علماء االقتصاد الوضعى من قبل بانهيار النظام االقتصادى االشتراكى ألنه يقوم على‬
‫مفاهيم ومبادئ تتعارض مع فطرة اإلنسان وسجيته ومع أحكام ومبادئ الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬كما‬
‫تنبأ العديد من رواد النظام االقتصادى الرأسمالى بانهياره ألنه يقوم على مفاهيم ومبادئ‬
‫تتعارض مع سنن هللا ‪ ‬ومع القيم واألخالق ‪ ،‬كما أنه يقوم على االحتكار والفوائد الربوية (‬
‫نظام فوائد القروض واالئتمان) والتى يرونها أشر شر على وجه األرض وتقود إلى عبادة المال‬
‫وسيطرة أصحاب القروض (المقرضون) على المقترضين وتسلب حرياتهم وأعمالهم وديارهم‬
‫وتسبب آثا اًر اجتماعية واقتصادية خطيرة‪.‬‬
‫ويتساءل كثير من الساَ ‪:‬‬
‫ـ ما أسباب األزمة المالية العالمية ؟‬
‫ن‬
‫اء ؟‬
‫ـ وما هى أسباب إفالس البنوك التى تتعامل بالديو والقروض بيعاً وشر ً‬
‫ـ وما هى أسباب إفالس الشركات الكبيرة التى تعتمد على التمويل من البنوك بنظام الفائدة ؟‬
‫وهل هناك توقعات لكساد عالمى جديد تقوده الرأسمالية وأدواتها مثل العولمة ونظام الفوائد ‪.‬‬
‫ـ كما يتساءل كثير من العرب والمسلمين ما هى نظرة االقتصاد اإلسالمى والمصرفية اإلسالمية‬
‫‪.‬‬
‫هذه التساؤالت وغيرها ستكون محور النقاش فى هذه الدراسة ولكن من منظور االقتصاد‬
‫اإلسالمى ‪.‬‬
‫ـ‪4‬ـ‬
‫♦ ـ مظاهر أزمة النظام املاىل العاملى ‪:‬‬
‫لقد بدأت إرهاصات ومعالم انهيار النظام المالى العالمى فـى الظهـور وأصـابت أصـحاب األمـوال‬
‫وغيرهم بالهلع والذعر والرعب ‪ ،‬كما ارتبكـت المؤسسـات الماليـة والوسـطاء معهـا فـى التفكيـر فـى‬
‫وضــع الخطــن لذنقــاذ ‪ ،‬كمــا أحــدثت للحكومــات الخــو‬
‫علــى عروشــهم وبــدءوا ينــادون العلمــاء‬
‫والخبراء لبيان كيف المخرج ؟‬
‫ومن مظاهر هذه األزمة على سبيل المثال ما يلى ‪:‬‬
‫‪ ‬الهرولــة فــى ســحب اإليــداعات مــن البنــوك ألن رأس المــال جبــان وهــذا مــا تناولتــه وكــاالت‬
‫اإلعالم المختلفة ‪.‬‬
‫‪ ‬قيــام العديــد مــن المؤسســات الماليــة بتجميــد مــن القــروض للشــركات واألف ـراد خوف ـاً علــى‬
‫صعوبة استردادها ‪.‬‬
‫‪ ‬نقص السيولة المتداولة لدى األفراد والشركات والمؤسسات المالية وهـذا أدى إلـى انكمـاش‬
‫حاد فى النشاط االقتصادى وفى كافة نواحى الحيـاة ممـا أدى إلـى توقـف المقترضـين عـن‬
‫سداد دينهم ‪.‬‬
‫‪ ‬انخفاض مستوى التداوالت فى أسواق النقد والمال وهذا أحدث ارتباكـاً وخلـالً فـى مؤشـرات‬
‫الهبوط والصعود ‪.‬‬
‫‪ ‬انخفــاض مســتوى الطاقــة المســتللة فــى الشــركات بســبب نقــص الســيولة وتجميــد الحصــول‬
‫على القروض من المؤسسات المالية إال بأسعار فائدة عالية جداً وضمانات مللظة ‪.‬‬
‫‪ ‬انخفاض المبيعات وال سيما فى قطـا العقـارات والسـيارات وغيرهـا بسـبب ضـعف السـيولة‬
‫‪.‬‬
‫‪ ‬ازدياد معدل البطالة بسبب التوقف واإلفالس والتصـفية واصـب كـل موظـف وعامـل مهـدد‬
‫بالفصل ‪.‬‬
‫‪ ‬ازدياد معدل الطلب على اإلعانات االجتماعية من الحكومات ‪.‬‬
‫‪ ‬انخف ــاض مع ــدالت االس ــتهالك واإلنف ــاق واالدخ ــار واالس ــتثمار وه ــذا أدى إل ــى مزي ــد م ــن‬
‫الكساد والبطالة والتعثر والتوقف والتصفية واإلفالس ‪.‬‬
‫‪ ‬وهذا ُيثير التساؤل الهام ‪ :‬ما هى األسباب الرئيسية والحقيقية لهذه األزمة ‪.‬‬
‫ـ‪5‬ـ‬
‫♦ ـ األسباب الرئيسية ألزمة النظام املاىل العاملى ‪:‬‬
‫إن تشخيص أسباب األزمة هو مفتاح العالج السليم ‪ ،‬فتصور الشىء تصوي اًر سليماً ودقيق ًا‬
‫ومحايداً وموضوعياً هو جزء من تقديم الحل السليم الموضوعى الرصين ‪.‬‬
‫يقول علماء االقتصاد العالمى ومنهم الذين حصلوا على جائزة نوبل فى االقتصاد مثل موريس‬
‫آليه ‪ (( :‬إن النظام االقتصادى الرأسمالى يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التى هى أساس‬
‫تدميره إذا لم تعالج وتصوب تصويباً عاجالً )) ‪.‬‬
‫كما تنبأ العديد من رجال االقتصاد الثقات أن النظام االقتصادى العالمى الجديد يقوم على‬
‫مبادئ تقود إلى إفالسه ‪.‬‬
‫ومما ذكروه من أسباب هذه األزمة على حد آرائهم ما يلى ‪:‬‬
‫أوالً ‪ :‬انتشار الفساد األخالقى االقتصادى مثل ‪ :‬االستلالل والكذب والشائعات الملرضة واللش‬
‫والتدليس واالحتكار والمعامالت الوهمية وهذه الموبقات تؤدى إلى الظلم ‪ ،‬أى ظلم من‬
‫أصحاب األموال من األغنياء والدائنين للفقراء والمساكين والمدينين وهذا سو‬
‫تذمر المظلومين عندما ال يستطيعون تحمل الظلم ‪ ،‬وسو‬
‫يقود إلى‬
‫يقود ذلك إلى تذمر المدينين‬
‫وحدوث الثورات االجتماعية عند عدم سداد ديونهم وقروضهم ‪.‬‬
‫ثاسياً ‪ :‬من أسباب األزمة كذلك أن أصبحت المادة هى الطليان وسالح الطلاة والسيطرة على‬
‫السياسة واتخاذ الق اررات السيادية فى العالم وأصب المال هو معبود الماديين ‪.‬‬
‫عطاء ويعمل فى إطار منظومة‬
‫ثالثاً ‪ :‬يقوم النظام المصرفى الربوى على نظام الفائدة أخذاً و ً‬
‫ن‬
‫اء وبيعاً ووساطة ‪ ،‬وكلما ارتفع معدل الفائدة على الودائع كلما ارتفع‬
‫تجارة الديو شر ً‬
‫معدل الفائدة على القروض الممنوحة لألفراد والشركات والمستفيد هو البنوك والمصار‬
‫والوسطاء الماليين والعبء والظلم يقع على المقترضين الذين يحصلون على القروض‬
‫سواء ألغراض االستهالك أو ألغراض اإلنتاج ويرى بعض االقتصاديين أنه ال تتحقق‬
‫التنمية الحقيقية واالستخدام الرشيد لعوامل اإلنتاج إال إذا كان سعر الفائدة صف اًر وهذا ما‬
‫قاله آدم سميث أبو االقتصاديين (على حد رأيهم) ويرون أن البديل هو نظام المشاركة فى‬
‫الرب والخسارة ألنه يحقق االستقرار واألمن ‪ ،‬وقالوا كذلك أن نظام الفائدة يقود إلى تركز‬
‫األموال فى يد فئة قليلة سو‬
‫تسيطر على الثروة‬
‫ـ‪6‬ـ‬
‫رابعاً ‪ :‬يقوم النظام المالى والمصرفى التقليدى على نظام جدولة الديون بسعر فائدة أعلى ‪ ،‬أو‬
‫استبدال قرض واجب السداد بقرض جديد بسعر فائدة مرتفع كما كان المرابون يقولون فى‬
‫الجاهلية ‪ (( :‬أتقضى أم تُربى )) ‪ ،‬وهذا يلقى أعباء إضافية على المقترض المدين الذى‬
‫عجز عن دفع القرض األول بسبب سعر الفائدة األعلى ‪.‬‬
‫خامساً ‪ :‬يقوم النظام المالى العالمى ونظام األسواق المالية على نظام المشتقات المالية والتى‬
‫تعتمد اعتماداً أساسياً على معامالت وهمية ورقية شكلية تقوم على االحتماالت ‪ ،‬وال‬
‫يترتب عليها أى مبادالت فعلية للسلع والخدمات ‪ ،‬فهى عينها المقامرات والمراهنات التى‬
‫تقوم على الحظ والقدر ‪ ،‬واألدهى واألمر أن معظمها يقوم على إئتمانات من البنوك فى‬
‫شكل قروض وعندا تأتى الرياح بما ال تشتهى السفن ينهار كل شئ وتحدث األزمة المالية‬
‫‪.‬‬
‫سادساً ‪ :‬من األسباب كذلك سوء سلوكيات مؤسسات الوساطة المالية والتى تقوم على إغراء‬
‫الراغبين (محتاجى) القروض والتدليس عليهم واغرائهم واللرر والجهالة بالحصول على‬
‫القروض من المؤسسات المالية ‪ ،‬ويطلبون عموالت عالية فى حالة وجود مخاطر ‪ ،‬والذى‬
‫ال‬
‫يتحمل تبعة ذلك كله هو المقترض المدين الذى ال حول له وال قوة وهذا ما حدث فع ً‬
‫وهذا يقود فى النهاية إلى األزمة ‪.‬‬
‫سابعاً ‪ :‬يعتبر التوسع واإلفراط فى تطبيق نظام بطاقات االئتمان بدون رصيد (السحب على‬
‫المكشو ) والتى تحمل صاحبها تكاليف عالية وهذا من أسباب األزمة ‪ ،‬وعندما يعجز‬
‫صاحب البطاقة عن سداد ما عليه من مديونية ‪ِ ،‬ز َيد له فى سعر الفائدة وهكذا حتى يتم‬
‫الحجز عليه أو رهن سيارته أو منزله ‪ ،‬وهذا ما حدث فعالً للعديد من حاملى هذه‬
‫البطاقات وقادت إلى خلل فى ميزانية البيت وكانت سبباً فى أزمة فى بعض البنوك الربوية‬
‫‪.‬‬
‫ـ‪7‬ـ‬
‫♦ ـ اآلثار املدمرة ألزمة النظام املاىل العاملى ‪:‬‬
‫حتى هذه المرحلة من إرهاصات أزمة النظام المالى العالمى ‪ ،‬والذى أصيب بلطة خطيرة‬
‫ونزيف داخلى فى مخه أدت إلى شلل فى أعضاء الجسد وتجمدت شرايين النشاط االقتصادى‬
‫ومن آثار ذلك السيئة ما يلى ‪:‬‬
‫أوالً ‪ :‬الذعر والخو‬
‫والقلق والتخبن الذى أصاب الناس جميعاً منهم على سبيل المثال ‪:‬‬
‫ـ الحكام والرؤساء والوزراء ‪.‬‬
‫ـ أصحاب المؤسسات المالية والقائمين على أمور األسواق المالية ‪.‬‬
‫ـ أصحاب مؤسسات الوساطة المالية ‪.‬‬
‫ـ أصحاب الودائع فى البنوك والمصار وغيرها ‪.‬‬
‫ـ المقترضون من البنوك والمتعاملون معها وكذلك أصحاب الودائع ‪.‬‬
‫ـ المستهلكون المهددون بارتفا األسعار ‪.‬‬
‫ـ الموظفون والعمال المهددون بفقد وظائفهم ‪.‬‬
‫ـ الفقراء والمساكين الذين يعيشون على اإلعانات والصدقات ‪.‬‬
‫وأصبحت هذه األزمة مثل سرطان الدم الذى يسرى فى الحياة االقتصادية ‪.‬‬
‫ثاسياً ‪ :‬إفالس بعض البنوك والمصار‬
‫والمؤسسات المالية بسبب نقص السيولة وزيادة‬
‫مسحوبات المودعين ‪ ،‬واضطرار بعض الحكومات من خالل البنوك المركزية إلى إنقاذ ما‬
‫يمكن إنقاذه من البقية الباقية حتى ال يحدث انهيا اًر تاماً للحياة االقتصادية وتقع الدولة فى‬
‫دائرة اإلفالس ‪.‬‬
‫ثالثاً ‪ :‬إفالس بعض الشركات والتى كانت تعتمد على صيلة التمويل بنظام القروض بفوائد أو‬
‫توقف بعض خطوطها اإلنتاجية ‪ ،‬كما بدأت بعض البنوك بتنفيذ الرهونات والضمانات‬
‫التى معها وهذا سبب خلالً فى التدفقات النقدية لها ‪.‬‬
‫رابعاً ‪ :‬فقد الوظائف وارتفا نسبة طالبى اإلعانات االجتماعية الحكومية وغيرها ‪ ،‬وهذا ألقى‬
‫المزيد من األعباء على ميزانيات الدول وأوقف العديد من المشروعات االستثمارية الجديدة‬
‫‪.‬‬
‫ـ‪8‬ـ‬
‫خامساً ‪ :‬قيام بعض الدول إلى فرض المزيد من الضرائب لتعويض العجز فى ميزانياتها بسبب‬
‫ارتفا ميزانية الدعم وتقديم المساعدات للشركات والبنوك المقبلة على اإلفالس أو لدعم‬
‫الودائع أو نحو ذلك ‪.‬‬
‫سادساً ‪ :‬فقدان المقترضون ألصولهم ومنازلهم المرهونة بسبب القروض وأصبحوا فى عداد‬
‫المشردين والالجئين والمهجرين والفقراء والمساكين ‪.‬‬
‫♦ ـ موقف االقتصاد اإلسالمى واملصرفية اإلسالمية من أزمة النظام املاىل‬
‫العاملى ‪:‬‬
‫يتساءل كثير من الناس ‪ :‬ما أثر أزمة النظام المالى العالمى على المؤسسات المالية اإلسالمية‬
‫من مصار وشركات استثمار ودور تمويل وما فى حكم ذلك ؟‬
‫ال يجب أن تكون ردود علماء االقتصاد اإلسالمى وخبراء المؤسسات المالية اإلسالمية على‬
‫األحداث المالية والمصرفية العالمية رد فعل ‪ ،‬بل يجب إبراز مفاهيم وقواعد النظام االقتصادى‬
‫والمالى للناس وبيان مرجعيته وتطبيقاته ‪ ،‬والتأكيد على أن حدوث مثل هذه األزمات كان بسبب‬
‫غياب تطبيق مفاهيمه ومبادئه ونظمه ‪ ،‬وهذا ما سو‬
‫نتناوله فى البند التالى من خالل التركيز‬
‫على قواعد األمن واالستقرار فى النظام المالى واالقتصادى اإلسالمى بما يضمن عدم حدوث‬
‫مثل هذه األزمات ‪.‬‬
‫♦ ـ قواعد (ضوابط) األمن واالستقرار فى االقتصاد اإلسالمى ‪:‬‬
‫يقوم النظام المالى واالقتصادى اإلسالمى وكذلك مؤسساته المالية على مجموعة من القواعد‬
‫التى تحقق له األمن واألمان واالستقرار وتقليل المخاطر وذلك بالمقارنة مع النظم الوضعية‬
‫التى تقوم على نظام الفائدة والمشتقات المالية ومن أهم هذه القواعد ما يلى ‪:‬‬
‫أوالً ‪ :‬يقوم النظام المالى واالقتصادى اإلسالمى على منظومة من القيم والمثل واألخالق مثل‬
‫األمانة والمصداقية والشفافية والبينة والتيسير والتعاون والتكامل والتضامن ‪ ،‬فال اقتصاد‬
‫إسالمى بدون أخالق ومثل ‪ ،‬وتعتبر هذه المنظومة من الضمانات التى تحقق األمن‬
‫واألمان واالستقرار لكافة المتعاملين ‪ ،‬وفى نفس الوقت تحرم الشريعة اإلسالمية‬
‫ـ‪9‬ـ‬
‫المعامالت المالية واالقتصادية التى تقوم على الكذب والمقامرة والتدليس واللرر والجهالة‬
‫واالحتكار واالستلالل والجشع والظلم وأكل أموال الناس بالباطل ‪.‬‬
‫ويعتبر االلتزام بالقيم اإليمانية واألخالقية عبادة وطاعة هلل ُيثاب عليها المسلم وتضبن‬
‫سلوكه سواء كان منتجاً أو مستهلكاً ‪ ،‬بائعاً أو مشترياً وذلك فى حالة الرواج والكساد وفى‬
‫حالة االستق ارر أو فى حالة األزمة ‪.‬‬
‫ثاسياً ‪ :‬يقوم النظام المالى واالقتصادى اإلسالمى على قاعدة المشاركة فى الرب والخسارة‬
‫وعلى التداول الفعلى لألموال والموجودات ‪ ،‬ويحكم ذلك ضوابن الحالل الطيب واألولويات‬
‫اإلسالمية وتحقيق المنافع المشروعة واللنم باللرم ‪ ،‬والتفاعل الحقيقى بين أصحاب‬
‫األموال وأصحاب األعمال والخبرة والعمل وفق ضابن العدل والحق وبذل الجهد هذا يقلل‬
‫من حدة أى أزمة حيث ال يوجد فريق راب‬
‫المشاركة فى الرب والخسارة ‪.‬‬
‫دائماً أبداً وفريق خاسر دائماً أبداً ‪ ،‬بل‬
‫ولقد وضع الفقهاء وعلماء االقتصاد اإلسالمى مجموعة من عقود االستثمار والتمويل‬
‫اإلسالمى التى تقوم على ضوابن شرعية ‪ ،‬من هذه العقود ‪ :‬صيغ التمويل بالمضاربة‬
‫وبالمشاركة وبالمرابحة وباالستصنا وبالسلم وباإلجارة والمزارعة والمساقاة ونحو ذلك‬
‫(‪)1‬‬
‫‪.‬‬
‫كما َح َّرمت الشريعة اإلسالمية كافة عقود التمويل باالستثمار القائمة على التمويل‬
‫بالقروض بفائدة ‪ ،‬والتى تعتبر من األسباب الرئيسية لألزمة المالية العالمية الحالية ‪.‬‬
‫ثالثاً ‪ :‬حرمت الشريعة اإلسالمية نظام المشتقات المالية والتى تقوم على معامالت وهمية‬
‫يسودها اللرر والجهالة ‪ ،‬ولقد َكيَّف فقهاء االقتصاد اإلسالمى مثل هذه المعامالت على‬
‫أنها من المقامرات المنهى عنها شرعاً ‪.‬‬
‫ولقد أكد الخبراء وأصحاب البصيرة من علماء االقتصاد الوضعى أن من أسباب األزمة‬
‫المالية العالمية المعاصرة هو نظام المشتقات المالية ألنها ال تسبب تنمية اقتصادية‬
‫حقيقية ‪ ،‬بل هى وسيلة من وسائل خلق النقود التى تسبب التضخم وارتفا األسعار كما‬
‫تقود إلى أرذل األخالق ‪ ،‬كما أنها تسبب االنهيار السريع فى المؤسسات المالية التى‬
‫تتعامل بمثل هذا النظام ‪ ،‬وما حدث فى أسواق دول شرق آسيا ليس منا ببعيد ‪.‬‬
‫(‪ )1‬ملزيد من التفصيل يُرجع إىل موقع دار املشورة قسم البورصة على العنوان التاىل ‪WWW.Darelmashora.com :‬‬
‫ـ‪10‬ـ‬
‫حرمت الشريعة اإلسالمية كافة صور وصيغ وأشكال بيع الدين بالدين مثل ‪ :‬خصم‬
‫رابعاً ‪ :‬لقد َّ‬
‫حرمت نظام جدولة الديون مع رفع‬
‫األوراق التجارية وخصم الشيكات المؤجلة السداد كما َّ‬
‫سعر الفائدة ‪ ،‬ولقد نهى رسول هللا ‪ ‬ن بيع الكالئ بالكالئ (بيع الدين بالدين) ‪.‬‬
‫ولقد أكد خبراء وعلماء االقتصاد الوضعى أن من أسباب األزمة المالية المعاصرة هو قيام‬
‫بعض شركات الوساطة المالية بالتجارة فى الديون مما أدى إلى اشتعال األزمة وهذا ما‬
‫ال ‪.‬‬
‫حدث فع ً‬
‫خامساً ‪ :‬يقوم النظام المالى واالقتصادى اإلسالمى على مبدأ التيسير على المقترض الذى ال‬
‫يستطيع سداد الدين ألسباب قهرية ‪ ،‬يقول هللا تبارك وتعالى ‪  :‬وَإِنْ كَانَ ذُو ُسْرَةٍ‬
‫ك لستُمْ َتعَْلمُونَ ‪[ ‬البقرة‪. ]280:‬‬
‫م إِنْ ُ‬
‫َدقُوا َخيْرٌ لَكُ ْ‬
‫َفسَظِرَ ٌة إِلَى َميْسَرَةٍ وَأَنْ تَص َّ‬
‫فى حين أكد علماء وخبراء النظام المالى واالقتصادى الوضعى أن من أسباب األزمة‬
‫توقف المدين عن السداد ‪ ،‬وقيام الدائن برفع سعر الفائدة ‪ ،‬أو تدوير القرض بفائدة أعلى‬
‫أو تنفيذ الرهن على المدين وتشريده وطرده وال يرقب فيه َّإالً وال ذمة وهذا يقود إلى أزمة‬
‫اجتماعية وانسانية تسبب العديد من المشكالت النفسية واالجتماعية والسياسية‬
‫واالقتصادية وغير ذلك ‪.‬‬
‫♦ ـ كيف اخلروج من األزمة ؟ قواعد وضوابط االقتصاد اإلسالمى هو املنفذ ‪.‬‬
‫لقد تبين من تحليل أسباب األزمة المالية المعاصرة أنها تتركز حول النظم الوضعية اآلتية ‪:‬‬
‫‪ ‬نظام الفائدة (الربا) على الودائع ونظام الفائدة على القروض ‪.‬‬
‫وعطاء ‪.‬‬
‫‪ ‬نظام التجارة بالديون أخذاً‬
‫ً‬
‫‪ ‬نظام جدولة الديون مع رفع سعر الفائدة مقابل زيادة األجل ‪.‬‬
‫‪ ‬نظام بيع الديون ‪.‬‬
‫‪ ‬نظام المشتقات الذى يقوم على المعامالت االحتمالية والحظ ‪.‬‬
‫كما تبين من مفاهيم وقواعد وضوابن النظام المالى واالقتصادى اإلسالمى ومؤسساته المالية‬
‫أنه يحرم كل هذه النظم التى كانت سبب ًا فى وجود األزمة وتتعارض مع فطرة اإلنسان‬
‫ومقاصده الشرعية ‪.‬‬
‫ـ‪11‬ـ‬
‫فل قد حرمت الشريعة اإلسالمية نظام الفائدة الربوية على القروض واالئتمان وأحلت نظم‬
‫التمويل واالستثمار القائمة على المشاركة وتفاعل رأس المال والعمل فى إطار قاعدة اللنم‬
‫باللرم ‪.‬‬
‫كما حرمت الشريعة اإلسالمية كافة صور اللرر والجهالة والتدليس والمقامرة واللش والكذب‬
‫واإلشاعات واالستلالل وأكل أموال الناس بالباطل وأكدت على االلتزام بالصدق واألمانة‬
‫والتبيان والشفافية ‪.‬‬
‫♦ ـ خالص القول ‪ :‬قواعد وضوابط االقتصاد اإلسالمى هى اإلنقاذ من األزمة‬
‫وخالص القول عندما يتم االلتزام بقواعد وضوابن االقتصاد اإلسالمى يمكن الخروج من األزمة‬
‫شقَى‬
‫اتبَعَ هُدَايَ فَال يَضِلُّ وَال يَ ل‬
‫‪ ،‬وصدق هللا القائل ‪  :‬فَإِمَّا يَلأتِيَسَّكُمْ مِسِّي هُدىً فَمَنِ َّ‬
‫‪َ ‬ومَنْ أَ ْ َرضَ َنْ ذِكْرِي فَإِنَّ َلهُ مَعِيشَةً ضَسلكاً َوسَحْشُ ُرهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَ ْمَى ‪[ ‬طـه‪123:‬‬
‫َاللهُ ال يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ‬
‫‪ ، ]124،‬وقوله تبارك وتعالى ‪َ  :‬يمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا َو ُي ْربِي الصَّ َدقَاتِ و َّ‬
‫َأثِيمٍ ‪[ ‬البقرة‪. ]276:‬‬
‫ـ‪12‬ـ‬
‫نداء إىل علماء االقتصاد‬
‫ورجــال املـــال واألعمـــال‬
‫‪ ‬إلى شريعة اإلسالم أيها العلماء والخبراء والحكام الراغبون فى إصالح النظم المالية‬
‫واالقتصادية الوضعية التى سببت الشقاء والحياة الضنك للبشرية ‪ ،‬وجلبت األزمات تلو‬
‫األزمات ‪ ،‬ففى شريعة اإلسالم الهدى والرحمة والخير ‪ ،‬مصداقاً لقول هللا تبارك وتعالى ‪:‬‬
‫كتَابٌ ُمبِينٌ ‪ ‬يَهْدِي ِبهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضلوَاسَهُ سُبُلَ‬
‫اللهِ سُورٌ وَ ِ‬
‫‪ ‬قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ َّ‬
‫ستَقِيمٍ ‪‬‬
‫السَّالمِ َويُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُُّلمَاتِ إِلَى السُّورِ بِإِ ْذ ِسهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُ ْ‬
‫[املائدة‪]16 ، 15:‬‬
‫‪ ‬إلى االقتصاد اإلسالمى وقواعده وضوابطه الشرعية أيها االقتصاديون ورجال المال‬
‫واألعمال ‪ ،‬ففيه األمن واألمان ‪ ،‬واالستقرار والرخاء ‪ ،‬وتجنبوا التعامل بالربا فهو أشر شر‬
‫فى المعامالت المالية واالقتصادية حتى ال تدخلوا فى حرب مع هللا ورسوله ‪ ،‬فقد قال هللا‬
‫ك لستُمْ مُ ْؤمِسِينَ ‪‬‬
‫اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ ُ‬
‫اتقُوا َّ‬
‫‪  : ‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آ َمسُوا َّ‬
‫اللهِ وَرَسُوِلهِ وَإِنْ ُت ْبتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوَُ َأمْوَالِكُمْ ال‬
‫فَإِنْ لَمْ َت لفعَلُوا فَأل َذسُوا بِحَرْبٍ مِنَ َّ‬
‫تَظلِلمُونَ وَال تُظلَلمُونَ ‪[ ‬البقرة‪. ]279 ، 278:‬‬
‫‪ ‬إلى المصرفية اإلسالمية أيها الراغبون فى إصالح النظام المصرفى العالمى ‪ ،‬فلقد أكد‬
‫علماء المال والمصار‬
‫العالمية فشل نظام الفوائد الربوية وصدق هللا القائل ‪َ  :‬يمْحَقُ‬
‫َاللهُ ال يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ َأثِيمٍ ‪[ ‬البقرة‪ ، ]276:‬وصدق‬
‫اللهُ الرِّبا َويُ ْربِي الصَّ َدقَاتِ و َّ‬
‫َّ‬
‫رسول هللا ‪ ‬القائل ‪  :‬إذا ظهر الزسا والربا فى قرية أذن الله بهالكها ‪ [‬رواه أبو‬
‫يعلى عن عبد اهلل بن مسعود]‬
‫ـ‪13‬ـ‬
‫نداء إىل املسلمني عامة‬
‫إىل اإلسالم ‪ :‬أيها الحائرون فى بيداء الحياة التائهون فى ظالم الليل البهيم ‪.‬‬
‫إىل اإلسالم ‪ :‬أيها الراغبون فى عالج المجتمع من أمراضه وآالمه وانقاذه من بؤسه وشقائه ‪.‬‬
‫إىل اإلسالم ‪ :‬أيها الواقفون على باب اإلصالح ال تدرون أى طرقه تسلكون وال فى أى سبله تسيرون‬
‫‪.‬‬
‫إىل اإلسالم ‪ :‬يا من اختلطت عليهم الوسائل واضطربت فى قلوبهم اللايات فلم يجدوا الهد‬
‫ولم‬
‫يتخيروا الوسيلة ‪.‬‬
‫إىل اإلسالم ‪ :‬أيها المحترقون بنيران التجارب الفاشلة التى أرشدكم إليها فكر حائر وعقل صلير‬
‫قاصر ‪.‬‬
‫إىل اإلسالم ‪ :‬الهادئ المشرق المستنير الذى يحمل رحمة السماء إلى األرض ‪.‬‬
‫إىل اإلسالم ‪ :‬أيها العاملون المخلصون ‪.‬‬
‫إىل هؤالء أوجه النداء القرآنى ‪:‬‬
‫كثِيراً مِمَّا كُسلتُمْ تُ ْخفُونَ مِنَ‬
‫كتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُوُلسَا يُبَيِّنُ لَكُمْ َ‬
‫‪ ‬يَا أَهْلَ ال ِ‬
‫كتَابٌ ُمبِينٌ ‪ ‬يَهْدِي ِبهِ اللَّهُ‬
‫اللهِ سُورٌ وَ ِ‬
‫كثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ َّ‬
‫عفُو َنْ َ‬
‫كتَابِ وَ َي ْ‬
‫ال ِ‬
‫اتبَعَ رِضلوَا َسهُ سُبُلَ السَّالمِ َويُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُُّلمَاتِ إِلَى السُّورِ بِإِ ْذسِهِ وَيَهْدِيهِمْ‬
‫مَنِ َّ‬
‫ستَقِيمٍ ‪[ ‬المائدة‪]16 ، 15:‬‬
‫إِلَى صِرَاطٍ مُ ْ‬
‫‪‬‬
‫ـ‪14‬ـ‬