تحميل الملف المرفق

‫االستثمار في األسهم‬
‫د‪ .‬علي محيي الدين القره داغي‬
‫كلية الشريعة والقانون والدراسات اإلسالمية ‪ -‬جامعة قطر‬
‫المقدمة‪:‬‬
‫الحمد هلل رب العالمين والصالة والسالم على المبعوث رحمة للعاملين وعلى آله وصحبه ومن‬
‫تبع هداه إلى يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫فال شك أن الشركات المساهمة تلعب دورا كبيرا في االقتصاد المعاصر‪ ،‬وأن أهم ركائزها‬
‫وأدواتها هي األسهم‪ ،‬حيث يتم من خاللها جمع أكبر قدر ممكن من األموال؛ ألن تجزئة رأس‬
‫المال إلى حصص صغيرة تمكن الجميع من المساهمة فيها مما يمكن تجميع رأس مال كبير‬
‫وبذلك تستطيع الدخول في المشروعات الضخمة ‪.‬‬
‫ولم يقف التعامل في األسهم اليوم على المساهمين المؤسسين للشركة‪ ،‬بل أصبحت كورقة‬
‫تجارية مالية تتداول بين الناس بشكل واسع وال سيما في األسواق المالية العالمية‬
‫(البورصة)‪.‬‬
‫ومن هنا يثور التساؤل حول مدى مشروعية التعامل في األسهم بصورة عامة‪ ،‬واالستثمار‬
‫فيها وال سيما االستثمار في األسهم التي تمتلكها الشركات العالمية‪ ،‬أو الشركات المحلية داخل‬
‫العالم اإلسالمي ولكن معامالتها ال تخلو من شوائب الربا‪.‬‬
‫ومن أخطر ما تعاني منه مجتمعاتنا هو وجود النظام غير اإلسالمي ( الرأسمالي ‪ ،‬أو‬
‫االشتراكي) الذي تكونت في ظله الشركات في عالمنا اإلسالمي حيث ال يلتزم معظمهم بالمنهج‬
‫اإلسالمي القويم‪ ،‬فتقرض وتقترض من البنوك الربوية ‪.‬‬
‫ومعظم المسلمين اليوم في حيرة‪ ،‬هل يتركون هذه الشركات فيقاطعونها وال يساهمون فيها‪،‬‬
‫وبالتالي ينفرد الفسقة وضعفاء الدين بإدارة هذه الشركات التي تعد العمود الفقري للحياة‬
‫االقتصادية؛ وذلك ألنها قائمة وأن مقاطعة الغيورين المخلصين ال تؤثر في مسيرتها أم أنهم‬
‫يدخلون فيها لغرض اإلصالح والتغيير؟‬
‫وفي مقابل هذا التحير من عامة المسلمين نجد اختالف المعاصرين حيث إن منهم من ينظر‬
‫إلى مقاصد الشريعة وما يترتب على المقاطعة وعدم المساهمة فيها من مفاسد فأجاز‬
‫المساهمة فيها بشروط وضوابط‪ ،‬ومنهم من نظر نظرة خاصة إلى ما يشوب هذه المعاملة من‬
‫حرام فرفضها رفضا ً مطلقاً‪.‬‬
‫ونحن في هذه العجالة نناقش هذه المسألة بكل أمانة وإخالص راجيا ً من هللا _تعالى_ أن‬
‫يسدد خطانا‪ ،‬ويلهمنا الصواب‪ ،‬وأن يعصمنا من الخطأ في العقيدة وفي القول والعمل‪.‬‬
‫أوالً‪ :‬االستثمار في اللغة واالصطالح‪:‬‬
‫االستثمار في اللغة‪:‬‬
‫االستثمار لغة‪ :‬مصدر استثمر يستثمر وهو للطلب بمعنى طلب االستثمار‪ ،‬وأصله من الثمر‬
‫وهو له عدة معان منها ما يحمله الشجر وما ينتجه‪ ،‬ومنها الولد‪ ،‬حيث يقال‪ :‬الولد ثمرة‬
‫القلب‪ ،‬ومنها أنواع المال‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬ثمر (بفتح الميم) الشجر ثمورا ً أي‪ :‬ظهر ثمره‪ ،‬وثمر الشيء أي نضج وكمل‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫ثمر ماله أي كثر‪ ،‬وأثمر الشجر أي بلغ أوان اإلثمار‪ ،‬وأثمر الشيء أي آتى نتيجته‪ ،‬وأثمر‬
‫مالُه –بضم الالم‪ -‬أي كثر‪ ،‬وأثمر القوم‪ :‬أطعمهم الثمر‪ ،‬ويقال‪ :‬استثمر المال وثمره ‪ -‬بتشديد‬
‫الميم ‪ -‬أي استخدمه في اإلنتاج‪ ،‬وأما الثمرة هي واحدة الثمر فإذا أضيفت إلى الشجر فيقصد‬
‫بها حمل الشجر‪ ،‬وإلى الشيء فيراد بها فائدته‪ ،‬وإلى القلب فيراد بها مودته‪ ،‬وجمع الثمرة‪:‬‬
‫ثمر –بفتح الثاء والميم‪ -‬وثمر‪ -‬بضمها‪ -‬ثمار وأثمار (‪)1‬‬
‫وقد وردت كلمة "أثمر"‪ ،‬وثمرة‪ ،‬وثمر‪ ،‬وثمرات أربعا ً وعشرين مرة في القرآن الكريم منها‬
‫قوله _تعالى_‪" :‬ا ْن ُ‬
‫ت ِلقَ ْو ٍم يُ ْؤ ِمنُونَ " [األنعام‪:‬‬
‫ظ ُروا إِلَى ث َ َم ِر ِه إِذَا أَثْ َم َر َويَ ْن ِع ِه إِنَّ فِي ذَ ِل ُك ْم ََلَيَا ٍ‬
‫‪ ]99‬أي انظروا إلى ثمار تلك األشجار والنباتات‪ ،‬ونضجها للوصول إلى اإليمان باهلل _تعالى_‬
‫ت‬
‫"و ُه َو الَّذِي أ َ ْن َ‬
‫شأ َ َجنَّا ٍ‬
‫حيث يحمل ذلك عجائب قدرته _تعالى_‪ ،‬ومنه قوله _تعالى_‪َ :‬‬
‫َ‬
‫ت َو َ‬
‫ع ُم ْخت َ ِلفًا أ ُ ُكلُهُ َو َّ‬
‫ت َوالنَّ ْخ َل َو َّ‬
‫الر َّمانَ ُمتَشَابِ ًها َوغي َْر‬
‫الز ْر َ‬
‫غي َْر َم ْع ُروشَا ٍ‬
‫َم ْع ُروشَا ٍ‬
‫الز ْيت ُونَ َو ُّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ِرفِينَ "‬
‫ب ا ْل ُم ْ‬
‫صا ِد ِه َو َال ت ُ ْ‬
‫ُمتَشَابِ ٍه ُكلُوا ِم ْن ث َم ِر ِه إِذا أث َم َر َوآتُوا َحقَّهُ يَ ْو َم َح َ‬
‫س ِرفوا إِنَّهُ َال يُ ِح ُّ‬
‫[األنعام‪ ،]141 :‬حيث امتن هللا _تعالى_ علينا بالثمار‪ ،‬وأمرنا أن نأكل من ثمار هذه األشجار‬
‫والنباتات عندما تثمر وتنتج‪ ،‬وأن نعطي حقها (وهو الزكاة) عند حصادها فورا ً للمستحقين‪،‬‬
‫كما أمرنا بأن ال نسرف في الباقي‪ ،‬وهذا يدل على أن حق الملكية ليس حقًّا مطلقاً‪ ،‬بل مقيد‬
‫بضوابط الشرع‪.‬‬
‫وفي هذه اَلية وآيات أخرى أسند هللا _تعالى_ اإلثمار إلى الشجر والنبات أنفسهما مما يدل‬
‫على أهمية العناية بالسنن واألسباب الظاهرة التي لها تأثير على النمو والثمر والنضج مع أن‬
‫"وأ َ ْن َز َل ِمنَ‬
‫الفاعل الحقيقي هو هللا _تعالى_‪ ،‬ولذلك أكد هذه الحقيقة في آيات أخرى فقال‪َ :‬‬
‫ب اجْ عَ ْل َهذَا‬
‫ج ِب ِه ِمنَ الث َّ َم َرا ِ‬
‫اء َما ًء فَأ َ ْخ َر َ‬
‫س َم ِ‬
‫ال َّ‬
‫"ر ِ‬
‫ت ِر ْزقًا لَ ُك ْم" [البقرة‪ ]22 :‬وقوله _تعالى_‪َ :‬‬
‫ار ُزقْ أ َ ْهلَهُ ِمنَ الث َّ َم َراتِ" [البقرة‪.]126 :‬‬
‫بَلَدًا آ َ ِمنًا َو ْ‬
‫ويالحظ أن القرآن الكريم أطلق (في الغالب) الثمر أو الثمرة‪ ،‬أو الثمرات على ما تنتجه‬
‫ص ِمنَ ْاأل َ ْم َوا ِل َو ْاأل َ ْنفُ ِس َوالث َّ َم َراتِ" [البقرة‪:‬‬
‫"ونَ ْق ٍ‬
‫األشجار والنباتات مثل قوله _تعالى_‪َ :‬‬
‫‪ ،]155‬ولم يطلق على ما تنتجه التجارة من أرباح إال إذا عممنا المراد بقوله _تعالى_‪" :‬أ َ َولَ ْم‬
‫ش ْي ٍء" [القصص‪.]57 :‬‬
‫نُ َم ِك ْن لَ ُه ْم َح َر ًما آ َ ِمنًا يُجْ َبى إِلَ ْي ِه ث َ َم َراتُ ك ُِل َ‬
‫وقد وردت هذه الكلمة أيضا ً في السنة كثيرا ً وهي ال تعدو معانيها عن ثمار األشجار والنباتات‪،‬‬
‫منها أنه _صلى هللا عليه وسلم_‪" :‬نهى عن بيع الثمر حتى يزهو" متفق عليه‪ ،‬وقوله _صلى‬
‫هللا عليه وسلم_‪ ":‬اللهم ارزقنا من ثمرات األرض" (مسند أحمد ‪ )342/3‬وغير ذلك‪.‬‬
‫االستثمار في االصطالح‪:‬‬
‫ورد لفظ "التثمير" في عرف الفقهاء عندما تحدثوا عن السفيه والرشيد‪ ،‬فقالوا‪ :‬الرشيد هو‬
‫القادر على تثمير ماله وإصالحه‪ ،‬والسفيه هو غير ذلك‪ ،‬قال اإلمام مالك ‪" :‬الرشد‪ :‬تثمير‬
‫المالي‪ ،‬وإصالحه فقط" (‪)2‬‬
‫وأرادوا بالتثمير ما نعني باالستثمار اليوم (‪)3‬‬
‫وأما لفظ "االستثمار" فلم يرد بمعناه االقتصادي اليوم‪ ،‬ولذلك في معجم الوسيط‪ :‬االستثمار‪:‬‬
‫استخدام األموال في اإلنتاج إما مباشرة بشراء اَلالت والمواد األولية‪ ،‬وإما بطريقة غير‬
‫مباشرة كشراء األسهم والسندات ثم وضع رمز "مج" الذي يدل على أن هذا المعنى هو من‬
‫وضع مجمع اللغة (‪)4‬‬
‫حكم االستثمار‪:‬‬
‫الذي يظهر من النصوص الشرعية ومقاصدها العامة أن االستثمار واجب في مجموعه‪ ،‬أي‬
‫أنه ال يجوز لألمة أن تترك االستثمار‪.‬‬
‫* ذلك ألن النصوص الثابتة في أهمية المال في حياة الفرد واألمة‪ ،‬وتقديم المال على النفس‬
‫في معظم اَليات وامتنان هللا _تعالى_ بالمال‪ ،‬والمساواة بين المجاهدين‪ ،‬والساعين في سبيل‬
‫الرزق كما في آخر سورة المزمل‪ ،‬وتسمية العامل والتاجر بالمجاهد في سبيل هللا في أحاديث‬
‫كثيرة‪ ...‬كل ذلك يدل بوضوح على وجوب العناية بالمال وتثميره وتقويته حتى تكون األمة‬
‫قادرة على الجهاد والبناء والمعرفة والتقدم والتطور والسعادة والنهضة والحضارة‪ ،‬حيث إن‬
‫اَُّ لَ ُك ْم‬
‫ذلك ال يتحقق إال بالمال كما يقول هللا‬
‫سفَ َها َء أ َ ْم َوالَ ُك ُم الَّتِي َجعَ َل َّ‬
‫_تعالى_‪":‬و َال ت ُ ْؤتُوا ال ُّ‬
‫َ‬
‫ار ُزقُو ُه ْم فِي َها" [النساء‪.]5 :‬‬
‫قِيَا ًما َو ْ‬
‫فقد سمى هللا _تعالى_ المال بأنه قيام للمجتمع اإلسالمي‪ ،‬وهذا يعني أن المجتمع ال يقوم إال‬
‫ار ُزقُو ُه ْم فِي َها" [النساء‪]5:‬‬
‫‪":‬و ْ‬
‫به وال يتحرك إال به وال ينهض إال به‪ ،‬كما أن قوله _تعالى_ َ‬
‫ولم يقل‪" :‬منها" يدل بوضوح على وجوب االستثمار حتى تكون نفقة هؤالء المحجور عليهم‬
‫(من األطفال والمجانين) في األرباح المتحققة من االستثمار وليست من رأس المال نفسه‪.‬‬
‫يقول اإلمام الرازي‪" :‬اعلم أنه _تعالى_ أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ األموال"‪،‬‬
‫ين" [ اإلسراء‪– 26 :‬‬
‫ِيرا (‪ )26‬إِنَّ ا ْل ُمبَذ ِِرينَ كَانُوا إِ ْخ َوانَ ال َّ‬
‫شيَ ِ‬
‫قال _تعالى_‪َ :‬‬
‫"و َال تُبَذ ِْر ت َ ْبذ ً‬
‫اط ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫س ِط فت َ ْقعُدَ َملُو ًما‬
‫"و َال تَجْ عَ ْل يَدَكَ َم ْغلُولَة إِلَى ُ‬
‫سط َها ُك َّل ا ْلبَ ْ‬
‫عنُ ِقكَ َو َال ت َ ْب ُ‬
‫‪ .]27‬وقال _تعالى_‪َ :‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫س ِرفوا َولَ ْم يَ ْقت ُ ُروا"‬
‫"والَّ ِذينَ ِإذا أ ْنفَقُوا لَ ْم يُ ْ‬
‫َمحْ ُ‬
‫ورا" [اإلسراء‪ ]29 :‬وقال _تعالى_‪َ :‬‬
‫س ً‬
‫[الفرقان‪ ]67 :‬وقد رغب هللا في حفظ المال في آية المداينة‪ ،‬حيث أمر بالكتابة واإلشهاد‬
‫والرهن‪ ،‬والعقل يؤيد ذلك؛ ألن اإلنسان ما لم يكن فارغ البال ال يمكنه القيام بتحصيل مصالح‬
‫الدنيا واَلخرة‪ ،‬وال يكون فارغ البال إال بواسطة المال"‪ ،‬ثم قال‪" :‬وإنما قال‪" :‬فيها" ولم يقل‬
‫"منها" لئال يكون ذلك أمرا ً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا ً لهم‪ ،‬بل أمرهم أن يجعلوا أمواله‬
‫مكانا ً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوها أرزاقهم من األرباح ‪ ،‬ال من أصول األموال‬
‫‪)5( "....‬‬
‫* ومن األدلة المعتبرة أن وجوب الزكاة في األموال يدفع أصحابها إلى التجارة؛ ألنه إن لم‬
‫يتاجروا فيها تأكلها الصدقة والنفقة‪ ،‬وهذا ما يؤيده الفكر االقتصادي الحديث‪ ،‬حيث يفرض‬
‫أنواعا ً من الضرائب لدفع أصحاب األموال إلى عدم اكتنازها‪ ،‬بل قد وردت أحاديث تصل‬
‫بمجموعها إلى درجة الصحيح أو الحسن الذي ينهض به حجة على وجوب التجارة في أموال‬
‫الصغار (اليتامى وغيرهم) والمحجور عليهم ‪ :‬السفهاء ‪ ،‬والمجانين ‪ ،‬وناقصي األهلية‪ ،‬فقد‬
‫روى الشافعي بإسناده عن يوسف بن ماهك أن رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_‬
‫قال‪":‬ابتغوا في مال اليتيم –أو في أموال اليتامى ‪ -‬ال تذهبها‪ -‬أو ال تستهلكها‪ -‬الصدقة " وقد‬
‫قال البيهقي والنووي ‪" :‬إسناده صحيح‪ ،‬ولكنه مرسل معضد بعموم النصوص األخرى وبما‬
‫صح عن الصحابة من إيجاب الزكاة في مال اليتيم" (‪)6‬‬
‫قال البيهقي ‪" :‬وهذا –أي حديث ابن ماهك‪ -‬مرسل إال أنا الشافعي_رحمه هللا_ أكده‬
‫باالستدالل بالخبر األول‪ ،‬وهو عموم الحديث الصحيح في إيجاب الزكاة مطلقا ً‪ -‬وبما روى عن‬
‫الصحابة في ذلك" (‪)7‬‬
‫وقال النووي ‪" :‬ورواه البيهقي عن عمر بن الخطاب _رضي هللا عنه_ موقوفا ً عليه بلفظ‪:‬‬
‫"وابتغوا في أموال اليتامى ال تأكلها الصدقة" وقال‪ :‬إسناده صحيح‪ ،‬ورواه أيضا ً عن علي بن‬
‫مطرف‪)8( "...‬‬
‫ وروى الطبراني في األوسط عن أنس بن مالك قال‪ :‬قال رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_‪:‬‬‫" اتجروا في أموال اليتامى ال تأكلها الزكاة " قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) نقالً عن شيخه‬
‫الحافظ العراقي ‪" :‬إن إسناده صحيح" (‪)9‬‬
‫يقول فضيلة الشيخ القرضاوي‪" :‬إن األحاديث واَلثار قد نبهت األوصياء على وجوب تثمير‬
‫أموال اليتامى حتى ال تلتهمها الزكاة‪ "....‬فواجب على القائمين بأمر اليتامى أن ينموا أموالهم‬
‫كما يجب عليهم أن يخرجوا الزكاة عنها‪ ،‬نعم إن في هذين الحديثين (أي حديث عمرو بن‬
‫شعيب المرفوع وحديث يوسف بن ماهك) ضعفا ً من جهة السند‪ ،‬أو االتصال ولكن يقويهما‬
‫عدة أمور‪ ،‬وذكر منها‪ " :‬أنه يوافق منهج اإلسالم العام في اقتصاده القائم على إيجاب التثمير‬
‫وتحريم الكنز" (‪)10‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اء‬
‫* وكذلك يدل على وجوب تثمير األموال في قوله _تعالى_‪َ " :‬ك ْي ال يَكُونَ دُولة بَ ْينَ األغنِيَ ِ‬
‫ِم ْن ُك ْم" [الحشر‪ ]7 :‬حيث إن األموال ال تتداول إال عن طريق توزيع الصدقات‪ ،‬واالستثمار الذي‬
‫يؤدي إلى أن يستفيد منها الجميع من العمال والصناع والتجار ونحوهم‪ ،‬وكذلك قوله‬
‫ست َ َط ْعت ُ ْم ِم ْن قُ َّو ٍة" [األنفال‪ ]60 :‬ومن القوة بال شك قوة المال بل‬
‫_تعالى_‪":‬وأ َ ِعدُّوا لَ ُه ْم َما ا ْ‬
‫َ‬
‫هي مقدمة في معظم اَليات على النفس‪ ،‬فإذا كانت قوة البدن والسالح مطلوبة فإن قوة المال‬
‫أشد طلبا ً ووجوباً‪.‬‬
‫ثم إن من مقاصد هذه الشريعة الحفاظ على األموال‪ ،‬وذلك ال يتحقق إال عن طريق استثمارها‬
‫شأ َ ُك ْم ِمنَ‬
‫وتنميتها‪ ،‬كما أن من مقاصدها تعمير الكون على ضوء منهج هللا _تعالى_" ُه َو أ َ ْن َ‬
‫ست َ ْع َم َر ُك ْم فِي َها" [هود‪ ]61 :‬فقال المفسرون‪" :‬معناه‪ :‬أمركم بعمارة ما تحتاجون‬
‫ض َوا ْ‬
‫ْاأل َ ْر ِ‬
‫إليه فيها من بناء مساكن وغرس أشجار" (‪ )11‬وكذلك ومن مقاصدها االستخالف الذي‬
‫يقتضي القيام بشؤون األرض وتدبيرها واإلفادة منها وتعميرها وكل ذلك ال يتحقق على‬
‫وجهها األكمل إال عن طريق االستثمار ‪.‬‬
‫والخالصة‪:‬‬
‫أن االستثمار لألموال بوجهها العام واجب كفائي فيجب على األمة أن تقوم بعمليات االستثمار‬
‫حتى تكون وفرة األموال وتشتغل األيادي ويتحقق حد الكفاية للجميع إن لم يتحقق الغنى‪ ،‬ومن‬
‫القواعد الفقهية في هذا المجال هو أن ما ال يتم الواجب إال به فهو واجب ‪.‬‬
‫ويثور التساؤل حول وجوب االستثمار على الفرد إذا كان له فائض مالي‪ ،‬فالذي يقتضيه‬
‫المنهج اإلسالمي في أن المال مال هللا _تعالى_ وأن ملكية اإلنسان له ليست مطلقة عن قيد‪...‬‬
‫إنه يجب عليه أن يستثمر أمواله بالطرق المشروعة سواء كان بنفسه‪ ،‬أو عن طريق‬
‫المضاربة والمشاركة ونحوهما‪ ،‬وأنه ال ينبغي له أن يترك أمواله الصالحة لالستثمار فيعطلها‬
‫عن أداء دورها في التدوير وزيادة دورانها االقتصادي الذي يعود بالنفع العام على المجتمع‪.‬‬
‫كما أن قوة المجتمع واألمة بقوة أفرادهما وال سيما على ضوء منهج االقتصاد اإلسالمي الذي‬
‫يعترف بالملكية الفردية‪ ،‬وأن ملكية الدولة محدودة‪ ،‬ومن هنا فتقع على األفراد مسؤولية‬
‫كبرى في زيادة األموال وتقويتها عن طريق االستثمار‪ ،‬يقول الشيخ محمود شلتوت‪" :‬إذا كان‬
‫من قضايا العقل والدين أن ما ال يتم الواجب إال به فهو واجب ‪ ،‬وكانت عزة الجماعة‬
‫اإلسالمية أول ما يوجبه اإلسالم على أهله‪ ،‬وكانت متوقفة على العمد الثالثة‪ :‬الزراعة‬
‫والصناعة والتجارة‪ ،‬كانت هذه العمد واجبة وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خير األمة‬
‫واجباً‪)12( "...‬‬
‫المعالم األساسية لمنهج اإلسالم في االستثمار‬
‫ال يمكن الخوض في تفاصيل هذا الموضوع في هذا البحث‪ ،‬وإنما نكتفي بذكر أهم معالمه‬
‫بصورة موجزة‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬أن منهج االستثمار في اإلسالم ال ينفصل عنه العقيدة والفكر اإلسالمي ‪ ،‬وكما أن الفكر‬
‫الرأسمالي يسير عجلة االستثمار في النظام الرأسمالي ‪ ،‬والفكر الشيوعي كان يسير عملية‬
‫االستثمار في االتحاد السوفيتي السابق والدول االشتراكية نحو إطاره الفلسفي وأهدافه من‬
‫خالل وسائله الخاصة‪....‬‬
‫فكذلك العقيدة اإلسالمية هي المهيمنة في الفكر االقتصادي اإلسالمي‪ ،‬وفي منهج االستثمار‬
‫وأدواته ووسائله وآلياته‪ ،‬فالمسلم يعتقد أن المال مال هللا _تعالى_‪ ،‬وأنه مستخلف فيه‪ ،‬ولذا‬
‫يجب عليه أن يسير في االستثمار وغيره على ضوء منهج هللا _تعالى_‪ ،‬وال يخالف شرعه‬
‫كما عليه أن يعمر الكون بالعدل والحق‪ ،‬ويكون شاهدا ً على اَلخرين‪.‬‬
‫وألجل هذه العقيدة تختلف تصرفات المؤمن عن الكافر فبينما يضع المسلم في االكتساب‬
‫واإلنفاق واالستثمار رضاء هللا _تعالى_ نصب عينيه يضع الكافر مصالحه الشخصية أوال ً ثم‬
‫مصالح قومه فوق كل االعتبارات‪ ،‬بل قد ال يكون له اعتبار إال لهما‪ ،‬يبين ذلك قوله _تعالى_‬
‫"ويُ ْط ِع ُمونَ ال َّ‬
‫يرا (‪ )8‬إِنَّ َما نُ ْط ِع ُم ُك ْم‬
‫طعَا َم َ‬
‫س ِكينًا َويَتِي ًما َوأ َ ِ‬
‫علَى ُحبِ ِه ِم ْ‬
‫في وصف المؤمنين‪َ :‬‬
‫س ً‬
‫ُورا (‪[ ")9‬اإلنسان‪ .]9 – 8 :‬بينما يصف الكافر بأنه ليس‬
‫اَّ َال نُ ِريدُ ِم ْن ُك ْم َج َزا ًء َو َال ُ‬
‫ِل َوجْ ِه َّ ِ‬
‫شك ً‬
‫راغبا ً في إطعام اليتامى والمساكين؛ ألنه ليس فيه مصلحة دنيوية له‪ ،‬حتى لو أطعم فإنما‬
‫ِين‬
‫يطعم من يرجو منه مصلحة كأصحاب الجاه‪ ،‬حيث يقول _تعالى_‪" :‬أ َ َرأَيْتَ الَّذِي يُكَذ ُ‬
‫ِب بِالد ِ‬
‫ين (‪ [ ")3‬الماعون‪ ]3-1 :‬وألجل‬
‫ض َ‬
‫(‪ )1‬فَذَ ِلكَ الَّذِي يَدُ ُّ‬
‫علَى َطعَ ِام ا ْل ِم ْ‬
‫ع ا ْليَتِي َم (‪َ )2‬و َال يَ ُح ُّ‬
‫س ِك ِ‬
‫هذه العقيدة يرى المؤمن أن الربا محق لألموال ونقص حقيقي‪ ،‬وأن دفع الصدقات زيادة لها‪،‬‬
‫الربَا َويُ ْربِي‬
‫وهذا بالتأكيد عكس تصور الكافر‪ ،‬حيث يقول هللا _تعالى_‪" :‬يَ ْم َح ُ‬
‫ق َّ‬
‫اَُّ ِ‬
‫صدَقَاتِ" [البقرة‪.]276 :‬‬
‫ال َّ‬
‫وألجل هذه العقيدة أيضا ً يمتنع عن المحرمات ويقبل على الطاعات‪ ،‬ويعد أنه مثاب مأجور ينفذ‬
‫أمر هللا _تعالى_ حينما يستثمر ويتاجر ويعمل‪ ،‬إضافة إلى إسناده النتيجة إلى هللا _تعالى_‬
‫س ْوا‬
‫وحينئذ ال يحزن وال يغتم عند الخسارة‪ ،‬وال يبطر ويطغى عن الربح والغناء " ِل َك ْي َال تَأ ْ َ‬
‫علَى َما فَات َ ُك ْم َو َال ت َ ْف َر ُحوا ِب َما آَتَا ُك ْم" [الحديد‪ ]23 :‬فهو دائما ً في أحد المقامين أو في كليهما‪:‬‬
‫َ‬
‫مقام الشكر والثناء‪ ،‬ومقام الصبر والرضا‪.‬‬
‫كما يترتب على هذه العقيدة سرعة االمتثال ألوامر هللا _تعالى_ ونواهيه‪ ،‬ولذلك يقدم هللا‬
‫_تعالى_ على أوامره ونواهيه ذكر اإليمان فيقول _تعالى_‪" :‬يَا أَيُّ َها الَّ ِذينَ آ َ َمنُوا َال تَأ ْ ُكلُوا‬
‫اض ِم ْن ُك ْم" [النساء‪ ]29 :‬وقوله _تعالى_‪:‬‬
‫أ َ ْم َوالَ ُك ْم بَ ْينَ ُك ْم ِبا ْلبَ ِ‬
‫ارةً ع َْن ت َ َر ٍ‬
‫اط ِل ِإ َّال أ َ ْن تَكُونَ تِ َج َ‬
‫الربَا إِ ْن ُك ْنت ُ ْم ُم ْؤ ِمنِينَ " [البقرة‪.]278 :‬‬
‫ي ِمنَ ِ‬
‫اَّ َوذَ ُروا َما بَ ِق َ‬
‫"يَا أَيُّ َها الَّ ِذينَ آ َ َمنُوا اتَّقُوا َّ َ‬
‫ومن جانب آخر أن المسلم حينما يتحرك ويستثمر فإنما ينطلق من منطلق العقيدة التي تفرض‬
‫عليه أن يعمر الكون على ضوء منهج هللا _تعالى_ وينشر الخير والرحمة للعالمين أجمعين‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬أن من أهم المعالم األساسية للمنهج اإلسالمي في االستثمار قيامه على القيم واألخالق‬
‫والمبادئ ‪ ،‬ولذلك حرم اإلسالم الحيل والغش واالستغالل والتدليس‪ ،‬ولذلك وردت أحاديث‬
‫صحيحة على أن "من غشنا فليس منا " (‪ )13‬وعلى حرمة التدليس‪ ،‬سواء كان بالقول كما‬
‫في النجش (‪ )14‬أم بالفعل كما في التصرية (‪ )15‬ونحوها‪.‬‬
‫وبالمقابل أوجب اإلسالم أن يسير االستثمار على العدل‪ ،‬والسماحة عند البيع الشراء‬
‫واالقتضاء‪ ،‬وبيان كل ما في المعقود عليه من عيوب دون كذب وال حلف وال زور (‪)16‬‬
‫ثالثاً‪ :‬إن من المعالم األساسية للمنهج اإلسالمي في االستثمار قيامه على التنافس الشريف‬
‫وإتاحة الفرصة للجميع دون تدخل من الدولة إال لحماية الضوابط الشرعية والضعفاء‪ ،‬ولذلك‬
‫كانت حماية السوق منوطة بسلطة شعبية تتمثل في نظام الحسبة والرقابة الذاتية والشعبية‪.‬‬
‫ومن هنا أعطى الرسول _صلى هللا عليه وسلم_ الحق في الخيار لمن كان في عقله ضعف‬
‫كما في حديث ابن عمر رجالً ذكر للنبي _صلى هللا عليه وسلم_ أنه يخدع في البيوع‪ ،‬فقال‪" :‬‬
‫إذا بايعت فقل‪ :‬ال خالبة " ‪ ،‬ورواه أحمد وأصحاب السنن بلفظ‪ :‬أن رجالً على عهد رسول هللا‬
‫_صلى هللا عليه وسلم_ كان يبتاع وكان في عقدته –يعني في عقله‪ -‬ضعف فأتى أهله النبي‬
‫_صلى هللا عليه وسلم_ فقالوا‪ :‬يا رسول هللا احجر على فالن فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف‪،‬‬
‫فدعاه ونهاه‪ ،‬فقال‪ :‬إني ال أصبر عن البيع‪ ،‬فقال‪ :‬إن كنت غير تارك للبيع فقل‪ :‬هاء وهاء‪،‬‬
‫وال خالبة " ‪. )17( .‬‬
‫فهذا الحديث أصل طيب في الداللة على إعطاء فرصة أكبر لضعاف العقول والمستأمنين الذين‬
‫ليس لديهم الخبرة في العقود بأن يشترطوا ألنفسهم الخيار‪ ،‬بل يعطى لهم هذا الحق ما داموا‬
‫وقعوا في غبن حتى ولو لم يشترطوا الخيار‪)18( .‬‬
‫رابعاً‪ :‬تحريم الظلم والربا‪ ،‬وأكل أموال الناس بالباطل‪ ،‬والمقامرة وغير ذلك مما حرمه اإلسالم‬
‫ونهى عنه‪.‬‬
‫األسهم‪:‬‬
‫األسهم هي جمع سهم‪ ،‬وهو لغة له عدة معان منها‪ :‬النصيب‪ ،‬وجمعه‪" :‬السهمان" بضم‬
‫السين‪ ،‬ومنها العود الذي يكون في طرفه نصل يرمى به عن القوس‪ ،‬وجمعه‪ :‬السهام‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫بمعنى القدح الذي يقارع به‪ ،‬أو يلعب به في الميسر‪ ،‬ويقال‪ :‬أسهم بينهم أي أقرع‪ ،‬وساهمه‬
‫أي باراه والعبه فغلبه‪ ،‬وساهمه أي قاسمه وأخذ سهماً‪ ،‬أي نصيباً‪ ،‬جاء في (المعجم‬
‫سا َه َم فَكَانَ ِمنَ ا ْل ُم ْد َح ِضينَ "‬
‫الوسيط)‪" :‬ومنه شركة المساهمة"(‪ )19‬وفي القرآن الكريم "فَ َ‬
‫[الصافات‪ ]141 :‬أي قارع بالسهام فكان من المغلوبين (‪ )20‬واالقتصاديون يطلقون السهم‬
‫مرة على الصك ‪ ،‬ومرة على النصيب ‪ ،‬والمؤدى واحد‪ ،‬فباعتبار األول قالوا‪ :‬السهم هو‪ :‬صك‬
‫يمثل جزءا ً من رأس مال الشركة ‪ ،‬يزيد وينقص تبع رواجها‪.‬‬
‫وباالعتبار الثاني‪ :‬قالوا‪ :‬السهم هو نصيب المساهم في شركة من شركات األموال ‪ ،‬أو الجزء‬
‫الذي ينقسم على قيمته مجموع رأس مال الشركة المثبت في صك له قيمة اسمية‪ ،‬حيث تثمل‬
‫األسهم في مجموعها رأس مال الشركة ‪ ،‬وتكون متساوية القيمة‪)21( .‬‬
‫وتتميز األسهم بكونها متساوية القيمة‪ ،‬وأن السهم الواحد ال يتجزأ وأن كان نوع منها –عاديًّا‬
‫أو ممتازا ً‪ -‬يقوم ‪ -‬من حيث المبدأ‪ -‬على المساواة في الحقوق وااللتزامات وأنه قابل للتداول‪،‬‬
‫ولكن بعض القوانين –مثل النظام السعودي ‪ -‬استثنى األسهم المملوكة للمؤسسين حيث ال‬
‫يجوز تداولها قبل نشر الميزانية إال بعد سنتين ماليتين كاملتين –كقاعدة عامة‪ -‬وكذلك ال‬
‫يجوز تداول أسهم الضمان التي يقدمها عضو مجلس اإلدارة لضمان إدارته طوال مدة‬
‫العضوية وحتى تنقضي المدة المحددة لسماع دعوى المسؤولية (‪)22‬‬
‫حكم تقسيم رأس مال الشركة‪:‬‬
‫ومن الجدير بالتنبيه عليه أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص وأجزاء‪ ،‬واشتراط الشروط‬
‫السابقة ال يتنافى مع المبادئ العامة للشريعة اإلسالمية ‪ ،‬والقواعد العامة للشركة في الفقه‬
‫اإلسالمي‪ ،‬إذ ليس فيها ما يتنافى مع مقتضى عقد الشركة ‪ ،‬بل فيها تنظيم وتيسير ورفع‬
‫للحرج الذي هو من سمة هذه الشريعة‪ ،‬وداخل ضمن الوفاء العام بالعقود " َيا أَيُّ َها الَّ ِذينَ آ َ َمنُوا‬
‫أ َ ْوفُوا ِبا ْلعُقُودِ" [المائدة‪ ]1 :‬وتحت قول رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_‪ " :‬المسلمون عند‬
‫شروطهم" (‪ )23‬وفي رواية‪ ":‬والمسلمون على شروطهم إال شرطا ً حرم حالال ً أو أحل حراما ً‬
‫" (‪ )24‬قال الترمذي ‪" :‬هذا حديث حسن صحيح"‪)25( .‬‬
‫فهذه النصوص وغيرها تدل على أن كل مصالحة وكل شرط جائزان إال ما دل الدليل على‬
‫حرمته‪ ،‬وعلى أن األصل فيهما هو اإلباحة ‪ ،‬والحظر يثبت بدليل خاص‪ ،‬يقول شيخ اإلسالم‬
‫ابن تيمية ‪" :‬وهذا المعنى هو الذي يشهد عليه الكتاب والسنة‪ )26( "...‬ويقول أيضاً‪" :‬إن‬
‫األصل في الشروط الصحة واللزوم إال ما دل الدليل على خالفه‪ ...‬فإن الكتاب والسنة قد دال‬
‫على الوفاء بالعقود والعهود‪ ،‬وذم الغدر والنكث‪ ...‬والمقصود هنا‪ :‬أن مقتضى األصول‬
‫والنصوص‪ :‬أن الشرط يلزم إال إذا خالف كتاب هللا‪."...‬‬
‫وال يخفى أن هذه القواعد السابقة تجعل الفقه اإلسالمي يقبل بكل عقد‪ ،‬أو تصرف أو تنظيم‬
‫مالي أو إداري ما دام ال يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة‪ ،‬وقواعدها العامة‪ ،‬وأن الشريعة‬
‫الغراء تجعل كل حكمة نافعة ضالة المؤمن دون النظر إلى مصدرها أو اسمها‪ ،‬وإنما األساس‬
‫معناها ومحتواها‪ ،‬ووسائلها وغاياتها‪ ،‬وما تحققه من مصالح ومنافع أو مضار ومفاسد‪.‬‬
‫خصائص السهم وحقوقه‪:‬‬
‫لألسهم عدة خصائص من أهمها‪ :‬تساوي قيمتها حسبما يحددها القانون ‪ ،‬وتساوي حقوقها‪،‬‬
‫وكون مسؤولية كل مساهم بقدر قيمة أسهمه‪ ،‬وقابليتها للتداول‪ ،‬وعدم قابلية السهم للتجزئة‬
‫وأما حقوق السهم فهي حق بقاء صاحبه في الشركة ‪ ،‬وحق التصويت في الجمعية العمومية‪،‬‬
‫وحق الرقابة‪ ،‬وحق رفع دعوى المسؤولية على اإلداريين‪ ،‬والحق في نصيب األرباح‬
‫واالحتياطات والتنازل عن السهم والتصرف فيه‪ ،‬واألولوية في االكتتاب‪ ،‬وحق اقتسام‬
‫موجودات الشركة عند تصفيتها‪)27( .‬‬
‫حكم األسهم باعتبار نشاطها ومحلها‪:‬‬
‫ذكرنا أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص متساوية تسمى باألسهم جائز ليس فيه أية‬
‫مخافة لمبادئ اإلسالمي وقواعده‪.‬‬
‫وهنا نذكر بصورة عامة حكم تداول هذه األسهم والتصرف فيها بالبيع والشراء وغيرهما‬
‫بصورة عامة‪ ،‬ثم نذكر عند بيان كل نوع من األسهم حكمه الخاص _بإذن هللا تعالى_‪.‬‬
‫ومن الجدير بالتنبيه عليه أن بعض الباحثين (‪ )28‬أطلقوا اختالف العلماء المعاصرين حول‬
‫األسهم مطلقا ً دون تفصيل من غير أن يجد منهم تصريحا ً بذلك بل اعتمادا ً على ما فهم من‬
‫آرائهم في الشركات بصورة عامة (‪)29‬‬
‫وهذا اإلطالق ال ينبغي الركون إليه‪ ،‬إذ إن الزم المذهب ليس بمذهب –كما هو مقرر في‬
‫األصول‪ -‬كما أن جل نقاش هؤالء العلماء في الشركات التي أنشئت في بالد اإلسالم وليس في‬
‫الشركات التي حدد نشاطها في المحرمات كالخنزير والخمور ونحوها‪)30( ...‬‬
‫ ولذلك نقسم األسهم إلى نوعين‪ :‬نوع محرم تحريما ً بيناً‪ ،‬ونوع فيه النقاش والتفصيل‬‫والخالف‪.‬‬
‫فالنوع األول‪ :‬هو األسهم التي محلها الخنزير‪ ،‬والخمور والمخدرات‪ ،‬والقمار ونحوها من‬
‫المحرمات‪ ،‬وكذلك الشركات التي يكون نشاطها محصورا ً في الربا كالبنوك الربوية‪.‬‬
‫فهذه األسهم جميعها ال يجوز إنشاؤها‪ ،‬وال المساهمة في إنشائها‪ ،‬وال التصرف فيه بالبيع‬
‫والشراء ونحوها‪ ،‬يقول ابن القيم ‪- :‬بعد أن ذكر األحاديث الخاصة بحرمة بيع بعض األشياء‪:-‬‬
‫"فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثالثة أجناس‪ :‬مشارب تفسد العقول –كالخمر‪-‬‬
‫ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثا ً –مثل الميتة‪ ،‬والخنزير‪ -‬وأعيان –كاألصنام تفسد‬
‫األديان وتدعو إلى الفتنة والشرك‪ ،‬فصان بتحريم النوع األول‪ ،‬العقول عما يزيلها‪ ،‬ويفسدها‪،‬‬
‫وبالثاني القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها‪ ،...‬وبالثالث األديان عما‬
‫وضع إلفسادها" (‪)31‬‬
‫هذا هو المبدأ الذي ال يجوز تجاوزه‪ ،‬وال ينبغي التوقف فيه‪ ،‬وما سوى هذا النوع من األسهم‬
‫الحرام قسمان‪:‬‬
‫القسم األول‪ :‬أسهم لشركات قائمة على شرع هللا _تعالى_ حيث رأس مالها حالل ‪ ،‬وتتعامل‬
‫في الحالل ‪ ،‬وينص نظامها وعقدها التأسيسي على أنها تتعامل في حدود الحالل‪ ،‬وال تتعامل‬
‫صا أو ضمانا ً ماليًّا لبعض دون آخر‪.‬‬
‫بالربا إقراضاً‪ ،‬واقتراضاً‪ ،‬وال تتضمن امتيازا ً خا ًّ‬
‫فهذا النوع من أسهم الشركات –مهما كانت تجارية أو صناعية أو زراعية‪ -‬من المفروض أن‬
‫يفرغ الفقهاء من القول بحلها وحل جميع التصرفات الشرعية فيها؛ وذلك ألن األصل في‬
‫التصرفات والعقود المالية اإلباحة ‪ ،‬وال تتضمن هذه األسهم أي محرم‪ ،‬وكل ما فيها أنها‬
‫نظمت أموال الشركة حسبما تقتضيه قواعد االقتصاد الحديث دون التصادم بأي مبدأ إسالمي‪.‬‬
‫ومع ذلك فقد أثير حول هذا النوع أمران‪:‬‬
‫األمر األول‪ :‬ما أثاره أحد الكتاب من أن هذه األسهم جزء من النظام الرأسمالي الذي ال يتفق‬
‫جملة وتفصيالً مع اإلسالم‪ ،‬بل إن الشركات الحديثة وال سيما شركات األموال حرام ال تجوز‬
‫شرعاً؛ ألنها تمثل وجهة نظر رأسمالية فال يصح األخذ بها‪ ،‬وال إخضاعها لقواعد الشركات‬
‫في الفقه اإلسالمي (‪)32‬‬
‫وهذا الحكم العام ال يؤبه به‪ ،‬وال يجنح إليه‪ ،‬فاإلسالم ال يرفض شيئاً؛ ألنه جاء من النظام‬
‫الفالني‪ ،‬أو وجد فيه‪ ،‬وإنما الحكم في اإلسالم موضوعي قائم على مدى موافقاته لقواعد‬
‫الشرع‪ ،‬أو مخالفته‪" ،‬فالحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنى وجدها" وبما أن األسهم‬
‫القائمة على الحالل ال تتضمن مانعا ً شرعيًّا فال يجوز القول بتحريمها‪- ،‬كما سبق‪.-‬‬
‫واستدل كذلك بأن األسهم بمثابة سندات بقيمة موجودات الشركة ‪ ،‬وهي تمثل ثمن الشركة‬
‫وقت تقديرها‪ ،‬وليست أجزاء ال تتجزأ من الشركة‪ ،‬وال تمثل رأس مالها عند إنشائها‪)33( .‬‬
‫غير أن هذا الحكم والتصور لألسهم مجاف للحقيقة‪ ،‬والواقع الذي عليه الشركات المعاصرة‪،‬‬
‫أن األسهم ليست سندات‪ ،‬وإنما هي حصص الشركة‪ ،‬وأن كل سهم بمثابة جزء ال يتجزأ من‬
‫كيان الشركة‪ ،‬وأن مجموع األسهم هي رأس مال الشركة (‪)34‬‬
‫كما قاس األسهم على أوراق النقد حيث يهبط سعرها‪ ،‬ويرتفع‪ ،‬وتتفاوت قيمتها وتتغير‪ ،‬ومن‬
‫هنا ينسلخ السهم بعد بدء الشركة عن كونه رأس مال‪ ،‬وصار ورقة مالية لها قيمة معينة‪.‬‬
‫والواقع أن هذا التكييف الفقهي لألسهم غير دقيق‪ ،‬وقياسها على األوراق النقدية قياس مع‬
‫الفارق؛ ألن األسهم في حقيقتها هي حصص الشركة ‪ ،‬وأجزاء تقابل أصولها‪ ،‬وموجوداتها‪،‬‬
‫وهي وإن كانت صكوكا ً مكتوبة لكنها يعني بها ما يقابلها‪.‬‬
‫ومسألة الهبوط واالرتفاع يختلف سببها في األسهم عن سببها في النقود‪ ،‬فتغير قيمة األسهم‬
‫يعود إلى نشاط الشركة نفسها‪ ،‬حيث ترتفع عندما تزداد أرباحها ‪ ،‬أو تزداد معها موجودات‪،‬‬
‫وثقة الناس بها‪ ،‬وتنخفض عند الخسارة‪ ،‬ومثل ذلك كمثل شخص أو شركاء لهم سلع معينة‬
‫فباعوها بأرباح جيدة فزادت نسبة مال كل واحد منهم بقدر الربح‪ ،‬وكذلك تنقص نسبة مال كل‬
‫واحد منهم لو فقد منها بعضها‪ ،‬أو هلك‪ ،‬أو بيعت السلعة بخسارة‪ ،‬فهذا هو األنموذج المصغر‬
‫لألسهم في الشركات ‪.‬‬
‫أما الورقة النقدية فيعود انخفاضها إلى التضخم ‪ ،‬وإلى األنظمة الدولية بهذا الخصوص‬
‫وسياسة الدولة في إصدار المزيد من األوراق النقدية التي قد ال يوجد لها مقابل حقيقي‪ ،‬وغير‬
‫ذلك من العوامل االقتصادية ‪ ،‬بينما السهم يمثل ذلك المبلغ الذي تحول إلى جزء من الشركة‬
‫ممثل في أصولها وموجوداتها‪.‬‬
‫األمر الثاني‪ :‬الذي أثير حول هذا النوع من األسهم هو ما أثير حول شرائها‪ ،‬أو بيعها من‬
‫ملحوظات ثالث نذكرها مع اإلجابة عنها‪)35( .‬‬
‫الملحوظة األولى‪ :‬الجهالة‪ ،‬حيث ال يعلم المشتري علما ً تفصيليًّا بحقيقة محتوى السهم‪.‬‬
‫للجواب عن ذلك نقول‪ :‬إن الجهالة إنما تكون مانعة من صحة العقد إذا كانت مؤدية إلى‬
‫النزاع‪ ،‬أو كما يعبر عنها الفقهاء بالجهالة الفاحشة (‪ )36‬يقول اإلمام القرافي‪" :‬الغرر‬
‫والجهالة ثالثة أقسام‪ :‬كثير ممتنع إجماعا ً كالطير في الهواء‪ ،‬وقليل جائز إجماعا ً كأساس‬
‫الدار‪ ،...‬ومتوسط اختلف فيه" (‪ )37‬ويقول شيخ اإلسالم ابن تيمية في بيع المغيبات كالجزر‪،‬‬
‫واللفت والقلقاس‪" :‬واألول –أي القول بصحة بيعها وهو مذهب مالك وقول أحمد ‪ -‬أصح‪،...‬‬
‫فإن أهل الخبرة إذا رأوا ما ظهر منها من الورق وغيره وهم ذلك على سائرها‪ ،‬وأيضا ً فإن‬
‫الناس محتاجون إلى هذه البيوع‪ ،‬والشارع ال يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع ألجل نوع‬
‫من الغرر‪ ،‬بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك‪ ،‬كما أباح بيع الثمار قبل بدو صالحها مبقاة إلى‬
‫الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق‪ ...‬وأباح بيع العرايا بخرصها فأقام التقدير بالخرص‬
‫مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر ‪،‬‬
‫وهذه قاعدة الشريعة‪ ،‬وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما‪ ،‬ودفع أعظم الفسادين‬
‫بالتزام أدناهما" (‪ )38‬ويقول األستاذ الصديق الضرير‪" :‬الغرر الذي يؤثر في صحة العقد هو‬
‫ما كان في المعقود عليه أصالة‪ ،‬أما الغرر في التابع‪ ...‬فإنه ال يؤثر في العقد" (‪)39‬‬
‫فالواقع أن المشتري يعلم علما ً إجماليًّا كافيا ً بقيمة السهم‪ ،‬وما يقابله من الموجودات من خالل‬
‫نشر الميزانية ونشاط الشركة ونحو ذلك‪ ،‬وهذا العلم يكفي لصحة البيع باإلضافة إلى أن العلم‬
‫في كل شيء بحسبه‪.‬‬
‫ثم إن بيع الحصص المشاعة جائز باالتفاق ‪ ،‬يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪" .‬يجوز بيع‬
‫المشاع باتفاق المسلمين‪ ،‬كما مضت بذلك سنة رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_" (‪)40‬‬
‫يراجع‪ :‬المغني (‪)45/5‬؛ والمجموع (‪)292/9‬؛ ويراجع‪ :‬د‪ .‬صالح بن زابن‪ :‬المرجع السابق‬
‫ص (‪ )348‬والمصادر السابقة األخرى ‪.‬‬
‫الملحوظة الثانية‪ :‬أن بيع السهم يعني بيع جزء من األصول‪ ،‬وجزء من النقود‪ ،‬وهذا يقتضي‬
‫مالحظة قواعد الصرف من التماثل والتقابض في المجلس بين الجنس الواحد‪ ،‬والتقابض فيه‬
‫عند اختالف الجنس؛ وذلك ألن السهم في الغالب يكون مساويا ً لموجودات الشركة بما فيها‬
‫النقود‪.‬‬
‫للجواب عن ذلك أن وجود النقود في األسهم يأتي تبعا ً غير مقصود؛ ألن األصل واألساس فيها‬
‫هي الموجودات العينية‪ ،‬ولذلك تقول‪ :‬إن بيع السهم قبل بدء عمل الشركة وقبل شراء المباني‬
‫ونحوها‪ ،‬ال يجوز إال مع مراعاة قواعد الصرف‪.‬‬
‫فالسهم يراد به هذا الجزء الشائع من الشركة دون النظر إلى تفصيالته فما دام للسهم مقابل‬
‫من موجودات الشركة ال يعامل معاملة النقد بسبب أن جزءا ً من الموجودات نقد‪ ،‬والقاعدة‬
‫الفقهية تقضي أنه يغتفر في التابع ما ال يغتفر في غيره‪ ،‬وأنه يغتفر في الشيء ضمنا ً ما ال‬
‫يغتفر فيه قصداً‪ ،‬قال السيوطي‪" :‬ومن فروعها‪ ...‬أنه ال يصح بيع الزرع األخضر إال بشرط‬
‫القطع‪ ،‬فإن باعه مع األرض جاز تبعاً‪)41( "...‬‬
‫بل إن مسألتنا هذه لها أصل مقرر في السنة المشرفة‪ ،‬حيث إن رسول هللا _صلى هللا عليه‬
‫وسلم_ أجاز شراء عبد وله مال –حتى وإن كان نقدا ً‪ -‬فيكون ماله تبعا ً للمشتري إذا اشترط‬
‫ذلك دون النظر إلى قواعد الصرف فقد روى البخاري ومسلم ‪ ،‬وغيرهما بسندهم عن عبد هللا‬
‫بن عمر قال‪ :‬سمعت رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_ يقول‪ ":‬ومن ابتاع عبدا ً وله مال‬
‫فماله للذي باعه إال أن يشترط المبتاع " (‪ )42‬قال الحافظ ابن حجر ‪" :‬ويؤخذ من مفهومه‬
‫أن من باع عبدا ً ومعه مال وشرطه المبتاع أن البيع يصح" ثم ذكر اختالف العلماء‪ ،‬فيما لو‬
‫كان المال ربويًّا‪ ،‬حيث ذهب مالك إلى صحة ذلك ولو كان المال الذي معه ربويًّا إلطالق‬
‫الحديث؛ وألن العقد إنما وقع على العبد خاصة والمال الذي معه ال مدخل له في العقد (‪)43‬‬
‫قال مالك ‪" :‬األمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إن اشترط مال العبد فهو له‪ ،‬نقدا ً كان أو‬
‫دينا ً أو عرضا ً يعلم أو ال يعلم‪)44( "...‬‬
‫الملحوظة الثالثة‪ :‬إن جزءا ً من السهم يمثل دينا ً للشركة وحينئذ ال يجوز بيعه بثمن مؤجل؛‬
‫ألنه يكون بيع الدين بالدين وهو منهي عنه حيث روي أن رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_‬
‫نهى عن بيع الكالئ بالكالئ –أي‪ :‬الدين بالدين‪)45( -‬‬
‫والجواب عن ذلك من وجوه‪:‬‬
‫الوجه األول‪ :‬الحديث ضعيف؛ ألن في سنده موسى بن عبيدة‪ ،‬وهو ضعيف (‪ )46‬فال ينهض‬
‫س َر بَ ْعدُ تفسيراتٌ ال يدخل موضوعنا في أكثرها‪.‬‬
‫حجة‪ ،‬كما أن الحديث فُ ِ‬
‫الوجه الثاني‪ :‬ال ينطبق عليه بيع الدين بالدين‪ ،‬إذ إن هذا الجزء من ديون الشركة داخل في‬
‫السهم تبعاً‪ ،‬وحينئذ يكون الجواب السابق في الملحوظة الثانية جوابا ً لهذا اإلشكال بكل‬
‫تفاصيله‪.‬‬
‫الوجه الثالث‪ :‬ليس الحكم السابق –في كون الدين جزءا ً من السهم‪ -‬عا ًّما‪ ،‬إذ قد ال توجد‬
‫الديون للشركة‪ ،‬وإنما تتعامل بالنقد ‪ ،‬وعلى فرض وجودها فهي تمثل نسبة قليلة من‬
‫موجودات الشركة‪ ،‬والقاعدة الفقهية تقضي بأن العبرة باألكثر‪)47( .‬‬
‫والخالصة أن األسهم التي تقوم على الحالل ‪ ،‬وتتبع الشركات التي تمتنع عن مزاولة أي‬
‫نشاط محرم‪ ،‬وتتوافر فيه قواعد الشركة من المشاركة في األعباء‪ ،‬وتحمل المخاطر‪ ،‬وال‬
‫تكون لهذه األسهم ميزة مالية على غيرها‪ ...‬فهي حالل لما ذكرناه‪ ،‬ويجوز إنشاؤها‪،‬‬
‫والتصرف فيها؛ وذلك ألن ذلك كله داخل في حدود التصرفات المباحة التي أجازها الشارع‬
‫اَُّ ا ْلبَ ْي َع" [البقرة‪ ]275 :‬واألدلة األخرى‬
‫"وأ َ َح َّل َّ‬
‫للمالك في ملكه‪ ،‬امتثاال ً لقوله _تعالى_‪َ :‬‬
‫التي ذكرنا بعضها‪.‬‬
‫القسم الثاني‪ :‬أسهم لم تتوافر فيها الشروط السابقة‪.‬‬
‫وهي األسهم التي ليست لشركات تزاول المحرمات –كالنوع األول‪ -‬وال لشركات قائمة على‬
‫الحالل –كالقسم األول‪ -‬وإنما هي أسهم لشركات قد تودع في بعض األحيان بعض فلوسها في‬
‫البنوك بفائدة‪ ،‬أو تقترض منها بفائدة‪ ،‬أو قد تكون نسبة قليلة من معامالتها تتم من خالل‬
‫عقود فاسدة كمعظم الشركات في الدول اإلسالمية ‪ ،‬والشركات في الدول غير اإلسالمية مما‬
‫يكون محلها أمورا ً مباحة كالزراعة‪ ،‬والصناعة والتجارة (أي فيما عدا المحرمات السابقة في‬
‫النوع األول)‪.‬‬
‫وقبل أن أذكر حكم هذه األسهم أود أن أبين جملة من المبادئ الشرعية في هذا الصدد منها‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬أن المسلمين مطالبون بتوفير المال الحالل الطبيب الذي ال شبهة فيه‪ ،‬قال _تعالى_‪" :‬يَا‬
‫ض َح َال ًال َ‬
‫اَُّ َح َال ًال َط ِيبًا‬
‫ط ِيبًا" [البقرة‪" ]168 :‬فَ ُكلُوا ِم َّما َر َزقَ ُك ُم َّ‬
‫اس ُكلُوا ِم َّما فِي ْاأل َ ْر ِ‬
‫أَيُّ َها النَّ ُ‬
‫َوا ْ‬
‫شك ُُروا" [النحل‪ ]114 :‬ويقول رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_‪ ":‬الحالل بين والحرام‬
‫بين وبينهما أمور مشتبهات ال يعلمها كثير من الناس‪ ،‬فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه‬
‫وعرضه‪)48( " ...‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر ‪" :‬واختلف في حكم الشبهات‪ ،‬فقيل‪ :‬التحريم ‪ .‬وهو مردود‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫الكراهة ‪ ،‬وقيل‪ :‬الوقف " ثم قال‪ ..." :‬رابعها‪ :‬أن المراد بها المباح‪ ،‬وال يمكن قائل هذا أن‬
‫يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه‪ ،‬بل يمكن حمله على ما يكون من قسم الخالف‬
‫األولى‪ "...‬ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه كان يقول‪ " :‬المكروه عقبة بين‬
‫العبد الحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام‪ ...‬وهو منزع حسن" (‪)49‬‬
‫ثانياً‪ :‬أن الشريعة اإلسالمية الغراء مبناها على رفع الحرج ودفع المشقة‪ ،‬وتحقيق اليسر‬
‫ِين ِم ْن َح َرجٍ" [الحج‪]78 :‬‬
‫"و َما َجعَ َل َ‬
‫والمصالح لألمة‪ ،‬فقد قال هللا _تعالى_‪َ :‬‬
‫علَ ْي ُك ْم فِي الد ِ‬
‫س َر" [البقرة‪ ،]185 :‬وهذا المبدأ من‬
‫س َر َو َال يُ ِريدُ ِب ُك ُم ا ْلعُ ْ‬
‫اَُّ بِ ُك ُم ا ْليُ ْ‬
‫وقال _تعالى_‪" :‬يُ ِريدُ َّ‬
‫الوضوح ما ال يحتاج إلى دليل‪ ،‬بل هو مقصد من مقاصد الشريعة ‪.‬‬
‫ط َّر َ‬
‫ض ُ‬
‫وبناء على هذا األصل العظيم أبيحت المحظورات للضرورة‪" ،‬فَ َم ِن ا ْ‬
‫غي َْر بَاغٍ َو َال عَا ٍد فَ َال‬
‫علَ ْي ِه" [البقرة‪.]173 :‬‬
‫إِثْ َم َ‬
‫وكما أن الضرورة مرفوعة كذلك نزلت الحاجة منزلة الضرورة‪ ،‬يقول السيوطي‪ ،‬وابن نجيم‬
‫وغيرهما‪ " :‬الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت‪ ،‬أو خاصة " ولهذا جوزت اإلجارة‬
‫والجعالة‪ ،‬ونحوها (‪)50‬‬
‫يقول الشيخ أحمد الزرقاء‪" :‬والمراد بالحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيراً‪ ،‬أو تسهيالً‬
‫ألجل الحصول على المقصود فهي دون الضرورة من هذه الجهة وإن كان الحكم الثابت ألجلها‬
‫مستمراً‪ ،‬والثابت للضرورة مؤقتاً‪)51( "...‬‬
‫ومن األمثلة الفقهية لهذه القاعدة ما أجازه فقهاء الحنفية من بيع الوفاء مع أن مقتضاه عدم‬
‫الجواز؛ ألنه إما من قبيل الربا؛ ألنه انتفاع بالعين بمقابلة الدين‪ ،‬أو صفقة مشروطة في صفقة‬
‫كأنه قال‪ :‬بعته منك بشرط أن تبيعه مني إذا جئتك بالثمن‪ ،‬وكالهما غير جائز‪ ،‬ولكن لما مست‬
‫الحاجة إليه في بخارى بسبب كثرة الديون على أهلها جوز على وجه أنه رهن أبيح االنتفاع‬
‫بثمراته ومنافعه كلبن الشاة‪ ،‬والرهن على هذه الكيفية جائز‪)52( .‬‬
‫ومن هذه االجتهادات ما ذكره ابن عابدين أن مشايخ بلخ ‪ ،‬والنسفي أجازوا حمل الطعام‬
‫ببعض المحمول‪ ،‬ونسج الثوب ببعض المنسوج لتعامل أهل بالدهم بذلك‪ ،‬وللحاجة مع أن ذلك‬
‫خالف القياس ‪ ،‬وأن متقدمي الحنفية صرحوا بعدم جوازه (‪ )53‬وذكر أيضا ً أن بعض قدماء‬
‫الحنفية لما سئلوا عن النسبة المئوية التي يأخذها السمسار مثل ‪ ٪10‬قالوا‪ :‬ذاك حرام عليهم‪،‬‬
‫وإنما يجب لهم أجر المثل ‪ .‬بينما أجازه بعضهم مثل محمد بن سلمة‪ ،‬حيث سئل عن أجرة‬
‫السمسار فقال‪ :‬أرجو أنه ال بأس به –وإن كان في األصل فاسدا ً‪ -‬لكثرة التعامل‪ ،‬وكثير من هذا‬
‫غير جائز فجوزوه لحاجة الناس إليه‪)54( ...‬‬
‫ولهذه القاعدة أدلة عملية من السنة المشرفة‪ ،‬منها أن رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_‬
‫أباح بيع العرايا (‪ )55‬مع أن أصلها يدخل في باب الربا‪ ،‬حيث لم يجوز _صلى هللا عليه‬
‫وسلم_ بيع التمر بالرطب (‪ )56‬لوجود النقصان‪ ،‬وعدم تحقيق التماثل الحقيقي‪ ،‬ومع ذلك أباح‬
‫العرايا لحاجة الناس إليها‪ ،‬يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪" :‬وأباح بيع العرايا‪ ...‬عند الحاجة‬
‫مع أن ذلك يدخل في الربا‪ )57( "...‬ويقول أيضاً‪ " :‬الشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة‬
‫المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم" (‪ )58‬ويقول‪" :‬والشارع ال يحرم‬
‫ما يحتاج الناس إليه في البيع ألجل نوع الغرر‪ ،‬بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك" (‪)59‬‬
‫ثالثاً‪ :‬ال ينكر دور العرف وأثره في الفقه اإلسالمي ما دام ال يتعارض مع نصوص الشرعية‪،‬‬
‫يقول ابن نجيم‪" :‬واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى‬
‫جعلوا ذك أصالً‪ "...‬ثم قال‪ " :‬والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص‪ ،‬ولكن أفتى‬
‫كثير من المشايخ باعتباره‪ ،‬فأقول على اعتباره أن يفتى بأن ما يقع في بعض أسواق القاهرة‬
‫من خلو الحوانيت الزم‪ ،‬ويصير الخلو في الحانوت حقًّا له‪ ،‬فال يملك صاحب الحانوت إخراجه‬
‫منها‪ ،‬وال إجارتها لغيره ولو كانت وقفاً‪ ،‬وقد وقع في حوانيت الجملوث بالغورية أن السلطان‬
‫الغوري لما بناها أسكنها للتجار بالخلو‪ ،‬وجعل لكل حانوت قدرا ً أخذه منهم‪ ،‬وكتب ذلك‬
‫بمكتوب الوقف ‪ ،‬وكذا أقول على اعتبار العرف الخاص"‪.‬‬
‫ويقول ابن نجيم مضيفا ً إلى ما سبق من مسائل‪" :‬وقد اعتبروا عرف القاهرة في مسائل‪ ،‬منها‬
‫ما في فتح القدير من دخول السلم في البيت المبيع في القاهرة دون غيرها؛ ألن بيوتهم طبقات‬
‫ال ينتفع بها إال به"‪ )60( .‬بل إن المحققين من العلماء ال يبيحون لعالم يفتي إال بعد معرفته‬
‫بأحوال الناس‪ ،‬وأعرافهم‪ ،‬وأن يالحظ عرف كل بلد‪ ،‬وفي هذا يقول ابن القيم ‪ ..." :‬فمهما‬
‫تجدد في العرف فاعتبره‪ ،‬ومهما سقط فألغه‪ ،‬وال تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك‪،‬‬
‫بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فال تجره على عرف بلدك‪ ،‬وسله عن عرف بلده‬
‫فأجره عليه‪)61( "...‬‬
‫رابعاً‪ :‬أننا –نحن المسلمين اليوم‪ -‬ال نعيش عصرا ً يطبق فيه المنهج اإلسالمي بكامله‪ ،‬فيسوده‬
‫نظامك اإلسالم السياسي‪ ،‬واالقتصادي واالجتماعي والتربوي‪ ،‬وإنما نعيش في عصر يسوده‬
‫النظام الرأسمالي ‪ ،‬واالشتراكي‪ ،‬وحينئذ ال يمكن أن نحقق ما نصبو إليه فجأة من أن تسير‬
‫المعامالت بين المسلمين على العزائم دون الرخص‪ ،‬وعلى المجمع عليه دون المختلف فيه‪،‬‬
‫وعلى الحالل الطيب الخالص دون وجود الشبهة‪ ،‬فعصرنا يقتضي البحث عن الحلول النافعة‬
‫حتى ولو قامت على رأي فقيه واحد معتبر ما دام رأيه يحقق المصلحة للمسلمين‪ ،‬بل ال ينبغي‬
‫اشتراط أن نجد رأيا ً سابقاً‪ ،‬وإنما علينا أن نبحث في إطار المبادئ واألصول العامة التي تحقق‬
‫الخير لألمة‪ ،‬وال يتعارض مع نص شرعي ثابت‪.‬‬
‫علينا أن نبحث عن تحقيق نظام اقتصادي‪ ،‬علينا أن نبحث بجد عن حماية أموال المسلمين‪،‬‬
‫وإبقاء اقتصادهم بأيديهم دون سيطرة غيرهم عليه‪ ،‬فننظر إلى هذا األفق الواسع لشيخ اإلسالم‬
‫العز بن عبد السالم حيث يقول‪" :‬لو عم الحرام األرض بحيث ال يوجد فيها حالل جاز أن‬
‫يستحل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة‪ ،‬وال يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ ألنه لو وقف‬
‫عليها ألدى ضعف العباد‪ ،‬واستيالء أهل الكفر والعناد على بالد اإلسالم‪ ،‬وال نقطع الناس عن‬
‫الحرف والصنائع واألسباب التي تقوم بمصالح األنام" (‪)62‬‬
‫حكم هذا القسم من األسهم ‪:‬‬
‫بعد ذكر تلك المبادئ نعود إلى حكم هذا القسم من األسهم‪ ،‬واختالف المعاصرين‪ ،‬وأدلتهم مع‬
‫الترجيح‪.‬‬
‫لقد اختلف المعاصرون على رأيين‪:‬‬
‫الرأي األول‪ :‬هو حرمة التصرف في هذه األسهم ما دامت ال تقوم على الحالل المحض ‪،‬‬
‫وبعضهم فضل وجود هيئة رقابة شرعية لها (‪)63‬‬
‫الرأي الثاني‪ :‬إباحة األسهم (السابقة) والتصرف فيها‪.‬‬
‫هذا وقد قال الكثيرون بإباحة األسهم في الدول اإلسالمية مطلقا ً دون التطرق إلى التفصيل‬
‫الذي ذكرته‪ ،‬منهم الشيوخ‪ :‬علي الخفيف‪ ،‬وأبو زهرة‪ ،‬وعبد الوهاب خالف‪ ،‬وعبد الرحمن‬
‫حسن‪ ،‬وعبد العزيز الخياط‪ ،‬ووهبة الزحيلي‪ ،‬والقاضي عبد هللا بن سليمان بن منيع‪ ،‬وغيرهم‬
‫على تفصيل وتفريع لدى بعضهم يجب أن يراجع (‪)64‬‬
‫وقد بنى أصحاب الرأي األول رأيهم على أن هذه األسهم ما دام فيها حرام ‪ ،‬أو تزاول شركاتها‬
‫بعض أعمال الحرام كإيداع بعضها بعض أموالها في البنوك الربوية فتصبح هذه األسهم‬
‫محرما ً شراؤها‪ ،‬بناء على النصوص الدالة على وجوب االبتعاد عن الحرام‪ ،‬والشبهات‪ ،‬وعلى‬
‫قاعدة‪ :‬إذا اجتمع الحالل والحرام غلب الحرام‪.‬‬
‫أما المبيحون فهم يعتمدون على أن األسهم في واقعها ليست مخالفة للشريعة‪ ،‬وما شابها من‬
‫بعض الشوائب والشبهات والمحرمات قليل بالنسبة للحالل‪ ،‬فما دام أكثرية رأس المال حالالً‪،‬‬
‫وأكثر التصرفات حالال ً فيأخذ القليل النادر حكم الكثير الشائع‪ ،‬وال سيما يمكن إزالة هذه النسبة‬
‫من المحرمات عن طريق معرفتها من خالل الميزانية المفصلة‪ ،‬أو السؤال عن الشركة ‪ ،‬ثم‬
‫التخلص منها‪)65( .‬‬
‫ويمكن تأصيل ذلك من خالل القواعد الفقهية‪ ،‬ونصوص الفقهاء‪ ،‬المبنية على عموم الشريعة‬
‫ومبادئها في اليسر‪ ،‬رفع الحرج على ضوء ما يأتي‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬اختالط جزء محرم ال يجعل مجموع المال محرما ً عند الكثيرين‪ ،‬حيث أجازوا في المال‬
‫الحالل المختلط بقليل من الحرام التصرفات الشرعية من التملك واألكل والبيع والشراء‬
‫ونحوها‪ ،‬غير أن الفقهاء فرقوا بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره‪ ،‬يقول شيخ‬
‫اإلسالم ابن تيمية ‪" :‬إن الحرام نوعان"‪ :‬حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير‪ ،‬فهذا إذا‬
‫اختلط بالماء والمائع وغيره من األطعمة‪ ،‬وغير طعمه‪ ،‬أو لونه‪ ،‬أو ريحه حرم‪ ،‬وإن لم يغيره‬
‫ففيه نزاع‪...‬‬
‫والثاني‪ :‬الحرام لكسبه‪ :‬كالمأخوذ غصباً‪ ،‬أو بعقد فاسد فهذا إذا اختلط بالحالل لم يحرمه‪ ،‬فلو‬
‫غصب الرجل دراهم‪ ،‬أو دنانير أو دقيقاً‪ ،‬أو حنطة‪ ،‬أو خبزاً‪ ،‬وخلط ذلك بماله لم يحرم الجميع‬
‫ال على هذا وال على هذا بل إن كانا متماثلين أمكن أن يقسموه‪ ،‬ويأخذ هذا قدر حقه‪ ،‬وهذا قدر‬
‫حقه‪.‬‬
‫ً‬
‫فهذا أصل نافع‪ ،‬فإن كثيرا من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدرهم الحالل‬
‫حرم الجميع‪ ،‬فهذا خطأ‪ ،‬وإنما تورع الناس فيما إذا كانت –أي الدراهم الحالل‪ -‬قليلة‪ ،‬أما مع‬
‫الكثرة فما أعلم فيه نزاعاً‪)66( ...‬‬
‫وعلى ضوء ذلك فمسألتنا هذه من النوع الثاني حيث كالمنا في أسهم شابتها بعض تصرفات‬
‫محرمة كإيداع بعض نقودها في البنوك الربوية ‪ ،‬وحتى تتضح الصورة أكثر نذكر نصوص‬
‫الفقهاء في هذه المسألة‪:‬‬
‫يقول ابن نجيم الحنفي ‪ " :‬إذا كان غالب مال المهدي حالال ً فال بأس بقبول هديته‪ ،‬وأكل ماله‬
‫ما لم يتبين أنه حرام ‪ ،‬وإن كان غالب ماله الحرام ال يقبلها‪ ،‬وال يأكل إال إذا قال‪ :‬إنه حالل‬
‫ورثه‪ ،‬أو استقرضه " ثم ذكر أنه إذا أصبح أكثر بياعات أهل السوق ال تخلو عن الفساد‬
‫والحرام يتنزه المسلم عن شرائه‪ ،‬ولكن مع هذا لو اشتراه يطيب له‪ .‬وقال أيضاً‪" :‬إذا اختلط‬
‫الحالل والحرام في البلد فإنه يجوز الشراء ‪ ،‬واألخذ إال أن تقوم داللة على أنه من الحرام‪ ،‬كذا‬
‫في األصل" (‪)67‬‬
‫ثم ذكر صورا ً أخرى فقال‪" :‬ومنها البيع ‪ ،‬فإذا جمع بين حالل وحرام في صفقة واحدة‪ ،‬فإن‬
‫كان الحرام ليس بمال كالجمع بين الذكية والميتة‪ ،‬فإنه يسري البطالن إلى الحالل لقوة بطالن‬
‫الحرام‪ ،‬وإن كان الحرام ضعيفا ً كأن يكون ماال ً في الجملة كما إذا جمع بين المدبر والقن‪...‬‬
‫فإنه ال يسري الفساد إلى القن لضعفه‪)68( "...‬‬
‫وقال الكاساني ‪" :‬كل شيء أفسده الحرام‪ ،‬والغالب عليه الحالل فال بأس ببيعه"‪)69( .‬‬
‫وقد أفاض الفقيه ابن رشد في هذه المسألة‪ ،‬نذكر مها ما يلي‪ :‬حيث قال‪" :‬فأما الحال األولى‪:‬‬
‫وهي أن يكون الغالب على ماله الحالل‪ ،‬فالواجب عليه في خاصة نفسه أن يستغفر هللا‬
‫_تعالى_‪ ،‬ويتوب إليه برد ما عليه من الحرام‪ ...‬أو التصدق به عنهم إن لم يعرفهم‪ ...‬وإن‬
‫كان الربا لزمه أن يتصدق بما أخذ زائدًا على ما أعطى‪"...‬‬
‫ثم قال‪" :‬وإن علم بائعه في ذلك كله رد عليه ما أربى فيه معه فإذا فعل هذا كله سقطت‬
‫حرمته‪ ،‬وصحت عدالته‪ ،‬وبرئ من اإلثم‪ ،‬وطاب له ما بقي من ماله‪ ،‬وجازت مبايعته فيه‬
‫وقبول هديته وأكل طعامه بإجماع من العلماء"‪.‬‬
‫واختلف إذا لم يفعل ذلك في جواز معاملته‪ ،‬وقبول هديته‪ ،‬وأكل طعامه‪ ،‬فأجاز ابن القاسم‬
‫معاملته‪ ،‬وأبى ذلك ابن وهب وحرمه أصبغ‪...‬‬
‫ثم قال ابن رشد ‪" :‬وقول ابن القاسم هو القياس ؛ ألن الحرام قد ترتب على ذمته‪ ،‬فليس‬
‫متعينا ً في جميع ما في يده من المال بعينه شائعاً‪ ...‬وأما قول أصبغ فإنه تشديد على غير‬
‫قياس"‪.‬‬
‫وأما الحال الثانية‪ :‬وهي أن يكون الغالب على ماله الحرام فالحكم فيما يجب على صاحبه في‬
‫خاصة نفسه على ما تقدم سواء‪.‬‬
‫وأما معاملته وقبول هديته فمنع من ذلك أصحابنا‪ ،‬قيل على وجه الكراهة –وعز هذا القول‬
‫إلى ابن القاسم‪ -‬وقيل على وجه التحريم إال أن يبتاع سلعة حالال ً فال بأس أن تشترى منه وأن‬
‫تقبل منه هبة‪)70( ...‬‬
‫وقال العز بن عبد السالم ‪" :‬وإن غلب الحالل بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حالل جازت‬
‫المعاملة‪ )71( ...‬ومثله قال الزركشي " (‪)72‬‬
‫بل إن السيوطي ذكر أن األصح عند فقهاء الشافعية –ما عدا الغزالي ‪ -‬أنهم لم يحرموا معاملة‬
‫من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه‪ ،‬ولكن يكره‪ ،‬وكذا األخذ من عطايا السلطان إذا غلب‬
‫الحرام على يده كما قال في المهذب‪ :‬إن المشهور فيه الكراهة‪ ،‬ال التحريم خالفا ً للغزالي‪...‬‬
‫قال في اإلحياء‪" :‬لو اختلط في البلد حرام ال ينحصر لم يحرم الشراء منه بل يجوز األخذ منه‬
‫إال أن يقترن به عالمة على أنه من الحرام" وقال‪ :‬ويدخل في هذه القاعدة تفريق الصفقة‪،‬‬
‫وهي أن يجمع في عقدين حرام وحالل‪ ،‬ويجري في أبواب‪ ،‬وفيها غالبا ً قوالن‪ ،‬أو وجهان‬
‫أصحهما الصحة في الحالل‪ ،‬والثاني البطالن في الكل‪ ...‬ومن أمثلة ذلك في البيع أن يبيع ًّ‬
‫خال‬
‫وخمراً‪ )73( ...‬وقال ابن المنذر ‪ :‬اختلفوا في مبايعة من يخالط ماله حرام‪ ،‬وقبول هديته‬
‫وجائزته‪ ،‬فرخص فيه الحسن ‪ ،‬ومكحول‪ ،‬والزهري والشافعي ‪ ،‬قال الشافعي ‪" :‬ال أحب ذلك‪،‬‬
‫وكره ذلك طائفة‪)74( "...‬‬
‫وقد فصل شيخ اإلسالم ابن تيمية هذه المسألة تفصيالً حينما سئل سؤاال ً ال نزال نسمعه حتى‬
‫في عصرنا الحاضر ‪ ،‬وهو‪ :‬أن رجالً نقل عن بعض السلف من الفقهاء‪ :‬أنه قال‪ :‬أكل الحالل‬
‫متعذر ال يمكن وجوده في هذا الزمان‪ ،‬فقيل له‪ :‬لم ذلك؟ فذكر‪ :‬أن وقعة المنصورة لم تقسم‬
‫الغنائم فيها‪ ،‬واختلطت األموال بالمعامالت بها‪ ،‬فقيل له‪ :‬إن الرجل يؤجر نفسه لعمل من‬
‫األعمال المباحة‪ ،‬ويأخذ أجرته حالالً‪ ،‬فذكر أن الدرهم في نفسه حرام ‪.‬‬
‫فأجاب –رحمه هللا‪ -‬هذا القائل‪ ...‬غالط مخطئ‪ ...‬فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل‬
‫البدع ‪ ،‬وبعض أهل الفقه الفاسد‪ ،‬وبعض أهل الشك الفاسد‪ ،‬فأنكر األئمة ذلك حتى اإلمام أحمد‬
‫في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة‪ ...‬وقال‪ :‬انظر إلى هذا الخبيث يحرم أموال‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫ثم ذكر خطورة آثار هذا التصور الفاسد‪ ،‬منها أن بعض الناس ظنوا ما دام الحرام قد أطبق‬
‫األرض‪ ،‬إذن لماذا البحث عن الحالل؟ فاعتبروا الحالل ما حل بأيديهم والحرام ما حرموا منه‪،‬‬
‫وبعضهم اخترعوا الحكايات الكاذبة بحجة الورع‪.‬‬
‫ثم رد على هذه المقالة‪ ،‬وبين بأن الغالب على أموال المسلمين الحالل‪ ،‬ثم ذكر عدة أصول‪:‬‬
‫"أحدها‪ :‬أنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حراماً‪ ،‬وإنما الحرام ما ثبت تحريمه‬
‫بالكتاب‪ ،‬أو السنة‪ ،‬أو اإلجماع ‪ ،‬أو قياس مرجح لذلك‪ ،‬وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه‬
‫األصول" ثم بين بأن حمل المسلمين على مذهب معين غلط‪.‬‬
‫ثم ذكر أصالً آخر وهو أن خلط الحرام بالحالل ال يحرم جميع المال‪- ،‬كما سبق‪ -‬كما ذكر أصالً‬
‫آخر وهو أن المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه ‪ ،‬ولذلك إذا لم يعلم صاحب اللقطة‬
‫حل لملتقطها بعد التعريف بها‪ ،‬ومن هنا‪ ،‬فإذا لم يعلم حال ذلك المال الذي بيده بنى األمر على‬
‫األصل‪ ،‬وهو اإلباحة (‪)75‬‬
‫وذكر في جواب سؤال حول التعامل مع من كان غالب أموالهم حراما ً مثل المكاسين وأكلة‬
‫الربا؟‬
‫فأجاب‪" :‬إذا كان الحالل هو األغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو األغلب‪ ،‬قيل‬
‫بحل المعاملة‪ ،‬وقيل‪ :‬بل هي محرمة‪ ،‬فأما المعاملة بالربا فالغالب على ماله الحالل إال أن‬
‫يعرف الكره من وجه آخر‪ .‬وذلك أنه إذا باع ألفا ً بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا‬
‫كان في ماله حالل وحرام واختلط لم يحرم الحالل‪ ،‬بل له أن يأخذ قدر الحالل‪ ،‬كما لو كان‬
‫المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال اَلخر‪ ،‬فإنه يقسم بين الشريكين‪ ،‬وكذلك من اختلط‬
‫بماله الحالل والحرام أخرج قدر الحرام‪ ،‬والباقي حالل له" (‪)76‬‬
‫وسئل عن الرجل يختلط ماله الحالل بالحرام؟ فأجاب‪ :‬يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى‬
‫صاحبه‪ ،‬وقدر الحالل له‪ ،‬وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه (‪)77‬‬
‫وقريبا ً من ذلك يقرره ابن القيم موضحا ً أن " التحريم لم يتعلق بذات الدرهم –أي الدرهم‬
‫الحرام الذي اختلط بماله‪ -‬وجوهره‪ ،‬وإنما تعلق بجهة الكسب فيه‪ ،‬فإذا خرج نظيره من كل‬
‫وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى‪ ...‬وهذا هو الصحيح في هذا النوع‪ ،‬وال تقوم مصالح الخلق‬
‫إال به" (‪)78‬‬
‫وعلى ضوء هذا المبدأ نرى كثيرا ً من أهل العلم أجازوا التعامل مع من كان في ماله حرام‪،‬‬
‫ولكن غالبه حالل‪ ،‬ومن هنا يمكن القول بإباحة التعامل في هذا النوع من األسهم ‪ ،‬ولكن‬
‫يخرج صاحبها بقدر نسبة الحرام فيها إلى الجهات الخيرية العامة‪ ،‬مع مراعاة الضوابط التي‬
‫نذكرها في األخير (‪)79‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ثانياً‪ :‬قاعدة‪ :‬يجوز تبعا ما ال يجوز استقالال ‪ ،‬وقد ذكرنا هذه القاعدة مع دليلها من السنة‬
‫الصحيحة المتفق عليها‪)80( .‬‬
‫وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من األسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت‬
‫تبعاً‪ ،‬وليست أصالً مقصودا ً بالتملك والتصرف‪ ،‬فما دامت أغراض الشركة مباحة‪ ،‬وهي‬
‫أنشئت ألجل مزاولة نشاطات مباحة‪ ،‬غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض‬
‫أموالها في البنوك الربوية ‪ ،‬أو االقتراض منها‪.‬‬
‫فهذا العمل بال شك عمل محرم يؤثم فاعله ( مجلس اإلدارة ) لكنه ال يجعل بقية األموال‬
‫والتصرفات المباحة األخرى محرمة‪ ،‬وهو أيضا ً عمل تبعي وليس هو األصل الغالب الذي‬
‫ألجله أنشئت الشركة‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬قاعدة‪ :‬لألكثر حكم الكل ‪ ،‬وقد ذكرنا فيما سبق نصوص الفقهاء في حكم المال المختلط‬
‫بالحرام‪ ،‬حيث إن الجمهور على أن العبرة باألغلب –كما سبق‪ )81( -‬وقد ذكر الفقهاء لهذه‬
‫القاعدة تطبيقات كثيرة في أبواب الطهارة‪ ،‬والعبادات‪ ،‬والمعامالت ‪ ،‬اللباس –كالحرير‪-‬‬
‫والصيد‪ ،‬والطعام‪ ،‬واأليمان‪ ،‬وغيرها‪)82( .‬‬
‫إضافة إلى قاعدة‪ " :‬الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة "–كما سبق ذكرها‪ -‬وقد ذكر شيخ‬
‫اإلسالم ابن تيمية أن الشراء ممن في ماله شبهة ال كراهة فيه إذا وجدت الحاجة إليه‪)83( .‬‬
‫وتنزيل هذه القاعدة على موضوعنا من حيث إن حاجة الناس إلى أسهم الشركات في عالمنا‬
‫اإلسالمي ملحة‪ ،‬فاألفراد كلهم ال يستغنون عن استثمار مدخراتهم ‪ ،‬والدول كذلك بحاجة إلى‬
‫توجيه ثروات شعوبها إلى استثمارات طويلة األجل بما يعود بالخير على الجميع‪ ،‬ولو امتنع‬
‫المسلمون من شراء أسهم تلك الشركات ألدى ذلك إلى أحد أمرين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬توقف هذه المشروعات التي هي حيوية في العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬غلبة غير المسلمين على هذه الشركات‪ ،‬وعلى إدارتها‪ ،‬أو على األقل غلبة الفسقة‬
‫والفجرة عليها‪.‬‬
‫لكن لو أقدم على شرائها المسلمون المخلصون ألصبحوا قادرين في المستقبل على منع‬
‫تعاملها مع البنوك الربوية ولغيروا اتجاه الشركة لصالح اإلسالم‪.‬‬
‫وهذا ال يعني أن المسؤولين القادرين في الشركة وفي غيرها على التغيير معفون عن اإلثم‪،‬‬
‫بل هم آثمون‪ ،‬لكن عامة الناس لهم الحق في شراء هذه األسهم حسب الضوابط التي نذكرها‪،‬‬
‫ولذلك لو كان المساهم قادرا ً على منع الشركة من إيداع بعض أموالها في الشركة لوجب عليه‬
‫ذلك‪.‬‬
‫مناقشة الرأي األول المانع من تداول هذا النوع من األسهم ‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬أن وجود نسبة ضئيلة من الحرام في المال الحالل ال يجعله حراماً‪ ،‬وإنما يجب نبذ‬
‫المحرم فقط –كما سبق تفصيله‪.-‬‬
‫ثانياً‪ :‬أن اشتراط البعض في حل األسهم أو التعامل مع الشركات وجود رقابة شرعية لشركتها‬
‫ال نجد له دليالً من كتاب‪ ،‬أو سنة ‪ ،‬أو إجماع‪ ،‬أو قياس صحيح ‪ ،‬فالمسلمون مؤتمنون على‬
‫دينهم وعلى الحل والحرمة‪ ،‬وهم مستورون‪ ،‬يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪:‬‬
‫"والمسلم إذا عامل معامالت يعتقد جوازها كالحيل‪ "...‬التي يفتي بها من يفتي‪ ...‬جاز لغيره‬
‫من المسلمين أن يعامله في ذلك المال‪ ،‬ثم قال‪" :‬وأما المسلم المستور فال شبهة في معاملته‬
‫أصالً‪ ،‬ومن ترك معاملته ورعا ً كان قد ابتدع في الدين بدعة ما أنزل هللا بها من سلطان"‬
‫(‪)84‬‬
‫بل إن التعامل مع الكفرة جائز فيما ليس محرما ً باالتفاق‪ ،‬يقول ابن تيمية‪:‬‬
‫"‪ ...‬وحينئذ فجميع األموال التي بأيدي المسلمين واليهود والنصارى ال يعلم بداللة وال أمارة‬
‫أنها مغصوبة‪ ،‬أو مقبوضة ال يجوز معه معاملة القابض‪ ،‬فإنه يجوز معاملته فيها بال ريب وال‬
‫تنازع في ذلك بين األئمة أعلمه"‪)85( .‬‬
‫نعم ال شك أن معرفة الحالل والحرام ضروري لكل من يدخل في السوق حتى يحافظ على دينه‪،‬‬
‫ويعلم الحالل والحرام إما بنفسه‪ ،‬أو عن طريق السؤال عن أهل الذكر‪.‬‬
‫لكن ال ينبغي الحكم بعدم جواز التعامل معهم‪ ،‬أو مع شركاتهم إال مع وجود رقابة شرعية‪،‬‬
‫فهذا الشرط تعسف وتضييق لما وسعته الشريعة‪.‬‬
‫وصحيح أن وجود الرقابة الشرعية للشركة يعطي األمان للمتعاملين معها لكن اشتراط حل‬
‫التعامل بوجودها أمر يستدعي إعادة النظر‪.‬‬
‫الرأي الراجح مع ضوابطه‪:‬‬
‫الذي نرى رجحانه –وهللا أعلم‪ -‬هو أن هذا النوع من األسهم بالنسبة للشركات التي يمتلكها‬
‫المسلمون هو ما يأتي‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬أن مجلس اإلدارة ‪ ،‬والمدير المسؤول ال يجوز لهم قطعا ً مزاولة أي نشاط محرم‪ ،‬فال‬
‫يجوز لهم اإلقراض أو االقتراض بفائدة‪ ،‬ولو فعلوا ذلك لدخلوا في الحرب التي أعلنها هللا‬
‫سو ِل ِه" [البقرة‪ ]279 :‬وال سيما بعد‬
‫ب ِمنَ َّ ِ‬
‫اَّ َو َر ُ‬
‫_تعالى_ عليهم "فَ ِإ ْن لَ ْم ت َ ْفعَلُوا فَأْذَنُوا بِ َح ْر ٍ‬
‫ما يسر هللا للمسلمين وجود بنوك إسالمية في أغلب األماكن‪ ،‬أو قيامها باستثمار جميع‬
‫أموالها في خيارات إسالمية كثيرة‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬أما مشاركة المسلمين في هذه الشركات السابقة وشراء أسهمها‪ ،‬والتصرف فيها‬
‫فجائزة ما دام غالب أموالها وتصرفاتها حالالً‪ ،‬وإن كان األحوط االبتعاد عنها‪.‬‬
‫ولكن ينبغي على من يشترك مراعاة ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يقصد بشراء أسهم هذه الشركات تغييرها نحو الحالل المحض من خالل صوته في‬
‫الجمعية العمومية‪ ،‬أو مجلس اإلدارة ‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يبذل جهده وماله لتوفير المال الحالل الطيب المحض ما أمكنه إلى ذلك سبيالً‪ ،‬وال يتجه‬
‫نحو ما فيه شبهة إال عند الحاجة الملحة ومصلحة المسلمين‪ ،‬واقتصادهم من المشاركة في‬
‫التنمية واالستثمار والنهوض باقتصادهم من خالل الشركات الكبرى‪.‬‬
‫‪ -3‬أن صاحب هذه األسهم عليه أن يراعي نسبة الفائدة التي أخذتها الشركة على األموال‬
‫المودعة لدى البنوك‪ ،‬ويظهر ذلك من خالل ميزانية الشركة‪ ،‬أو السؤال عن مسؤولي‬
‫الحسابات فيها‪ ،‬وإذا لم يمكنه ذلك اجتهد في تقديرها‪ ،‬ثم يصرف هذا القدر في الجهات العامة‬
‫الخيرية‪.‬‬
‫‪ -4‬ال يجوز للمسلم أن يؤسس شركة تنص في نظامها األساسي على أنها تتعامل بالربا‬
‫إقراضا ً واقتراضاً‪ ،‬وال يجوز كذلك التعاون في تأسيسها ما دامت كذلك؛ ألنه تعاون على اإلثم‬
‫والعدوان‪ ،‬إال لمن يقدر على تغييرها إلى الحالل‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬أن الحكم بإباحة تداول هذه األسهم – مع هذه الضوابط‪ -‬خاص بما إذا كانت األسهم‬
‫عادية‪ ،‬أو ممتازة لكن ليس امتيازها على أساس المال‪.‬‬
‫وأما غيرهما فسيأتي حكم كل نوع على حدة‪.‬‬
‫أما أسهم الشركات التي يمتلكها غير المسلمين وال ينص نظامها على التعامل في الحرام فقد‬
‫شدد فيها البعض أكثر (‪ )86‬ولكن ال أرى مانعا ً من التعامل فيها حسب الضوابط السابقة‪ ،‬وقد‬
‫انتهت ندوة األسواق المالية من الوجهة اإلسالمية التي عقدت في الرباط ‪ 25 -20‬ربيع اَلخر‬
‫‪ 1410‬هـ إلى أن أسهم الشركات التي غرضها األساسي حالل لكنها تتعامل أحيانا ً بالربا‪ ...‬فإن‬
‫تملكها‪ ،‬أو تداولها جائز نظرا ً لمشروعية غرضها‪ ،‬مع حرمة اإلقراض ‪ ،‬أو االقتراض‬
‫الربوي‪ ،‬ووجوب تغيير ذلك‪ ،‬واإلنكار واالعتراض على القائم به‪ ،‬ويجب على المساهم عند‬
‫أخذ ريع السهم التخلص بما يظن أنه يعادل ما نشأ من التعامل بالفائدة بصرفه في وجوه‬
‫الخير‪.‬‬
‫وكذلك ندوة البركة لالقتصاد اإلسالمي حيث أجازت باتفاق المشاركين شراء أهم الشركات‬
‫العاملة في البالد اإلسالمية لقصد العمل على أسلمة معامالتها ‪ ،‬بل اعتبروا ذلك أمرا ً مطلوبا‪،‬‬
‫لما فيه من زيادة مجاالت التزام المسلمين بأحكام الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫وأجازوا باألغلبية شراء أسهم الشركات العاملة في البالد غير اإلسالمية‪ ،‬إذا لم يجدوا بديالً‬
‫خالصا ً من الشوائب‪)87( .‬‬
‫والقول بالجواز إن كان نظام الشركة ال ينص على التعامل في الحرام ‪ ،‬ومع الضوابط السابقة‬
‫هو الذي يتناسب مع روح هذه الشريعة القائمة على التيسير‪ ،‬ورفع الحرج‪ ،‬ومراعاة حاجات‬
‫الناس في االستثمار ؛ وذلك ألنه إذا وجد فيه حرام فهو نسبة ضئيلة ال تؤثر في باقي المال‬
‫وكذلك يمكن التخلص منها عن طريق إعطائها للجهات الخيرية العامة‪ ،‬باإلضافة إلى أن محل‬
‫البيع المعقود عليه في جملته أمور مباحة‪ ،‬وأن المشاركة في ذلك جائزة ‪ ،‬ولم يمنع أحد من‬
‫الرعيل األول التعامل مع أهل الكتاب في الجملة‪ ،‬بل كان رسول هللا _صلى هللا عليه وسلم_‬
‫والصحابة الكرام يتعاملون معهم‪ ،‬مع أن معامالت أهل الكتاب وأموالهم لم يكن جميعها على‬
‫الشروط المطلوبة في اإلسالم‪ ،‬فقد ترجم البخاري ‪ :‬باب المزارعة مع اليهود‪ ،‬فقال الحافظ ابن‬
‫حجر ‪" :‬وأراد بهذا‪ :‬اإلشارة إلى أنه ال فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة‬
‫" (‪ )88‬كما صح أن النبي _صلى هللا عليه وسلم_ اشترى من يهودي طعاما ً إلى أجل ورهنه‬
‫درعه (‪ )89‬وكذلك األمر عند الصحابة _رضي هللا عنهم_ حيث كان التعامل معهم سائدا ً في‬
‫الجملة‪.‬‬
‫الخاتمة‪:‬‬
‫‪ -1‬االستثمار في اإلسالم له منهجه الخاص المتميز القائم على العقيدة والقيم واألخالق‪.‬‬
‫ويترتب على ذلك‪:‬‬
‫ اندفاع المؤمن نحو العمل واالستثمار من مطلق تنفيذ أمر هللا _تعالى_ بالتعمير‪ ،‬وإيمانه‬‫بأن الربا وبقية المحرمات نقص ومحق للمال‪ ،‬وأن اإلنفاق في سبيل هللا زيادة وبركة وخير‪.‬‬
‫ وأن المؤمن يجعل رضاء هللا _تعالى_ نصب عينيه‪ ،‬ولذلك يهتم بإطعام الفقراء واليتامى‬‫واألسارى‪ ،‬بينما يجعل الكافر مصلحته هي األساس‪ ،‬ولذلك ال ينفق إال لمصلحته المادية‬
‫الظاهرة‪.‬‬
‫ وتحريم الحيل والغش واالستغالل واالحتكار والظلم والربا وغيره مما حرمه هللا _تعالى_‬‫ورسوله الكريم _صلى هللا عليه وسلم_‪.‬‬
‫‪ -2‬األسهم هي جمع السهم وهو صك يمثل جزءا ً من رأس مال الشركة ‪ ،‬أو هو نصيب‬
‫المساهم في شركة من شركات األموال ‪...‬‬
‫‪ -3‬أسهم الشركات التي يكون نشاطها في المحرمات كالبنوك الربوية والشركات التي تتعامل‬
‫في الخنزير والمسكرات والمخدرات فحكم االستثمار في هذه األسهم التحريم بدون خالف‪.‬‬
‫‪ -4‬أسهم شركات يكون نشاطها في الحالل المحض كالبنوك اإلسالمية‪ ،‬والشركات اإلسالمية‬
‫فحكم االستثمار في هذا النوع اإلباحة بال شك‪.‬‬
‫‪ -5‬أسهم شركات يكون محل نشاطها الحالل‪ ،‬وليس في نظامها األساسي أن تتعامل في الحرام‬
‫‪ ،‬ولكن قد تتعامل مع البنوك الربوية إقراضا ً أو اقتراضا ً فحكم هذا النوع مختلف فيه‪.‬‬
‫فالذي تقتضيه مقاصد الشريعة والمصالح المرسلة جواز االستثمار فيه بالشروط التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يكون دخول المساهم في مثل هذه الشركات ألجل تغيير الشركة وأسلمتها‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يتخلص المساهم من نسبة األموال المحرمة على ضوء الميزانية فيدفعها إلى الجهات‬
‫العامة‪.‬‬
‫وأما المدير وأعضاء مجلس اإلدارة وكل من يشارك في كتابة العقود الربوية فآثمون بال شك‬
‫إلى أن يذروا الربا‪.‬‬
‫ً‬
‫ومع ذلك فعلى اإلنسان المسلم أن يتحرى الحالل بعيدا من الشبهات‪ ،‬وعلى الدول اإلسالمية‬
‫أن تلتزم بالشريعة اإلسالمية‪ ،‬وتطهر أنظمتها من الربا والمحرمات والشبهات وهللا المستعان‪.‬‬
‫______________‬
‫(‪ )1‬يراجع لسان العرب‪ ،‬ط‪ .‬دار المعارف؛ والقاموس المحيط؛ والمعجم الوسيط مادة "الثمر"‬
‫(‪ )2‬بداية المجتهد‪ ،‬ط‪ .‬الحلبي (‪)281/2‬‬
‫(‪ )3‬مبدأ الرضا في العقود‪ ،‬دراسة مقارنة‪ ،‬رسالة الدكتوراه بجامعة األزهر الشريف عام‬
‫‪ ،1985‬د‪ .‬علي القره داغي (‪.)353-331/1‬‬
‫(‪ )4‬المعجم الوسيط (‪ )100/1‬مادة "ثمر"‪.‬‬
‫(‪ )5‬التفسير الكبير ‪ ،186/9‬ط‪ .‬دار إحياء التراث العربي – بيروت‪.-‬‬
‫(‪ )6‬السنن الكبرى للبيهقي ‪ 107/4‬ط‪ .‬الهند؛ والمجموع للنووي ‪ 329/5‬ط‪ .‬شركة كبار‬
‫العلماء‪.‬‬
‫(‪ )7‬السنن الكبرى (‪ )107/4‬حيث ذكر عددا ً كثيرا ً من األحاديث واَلثار في هذا المعنى‪.‬‬
‫(‪ )8‬المجموع للنووي (‪)329/5‬؛ والسنن الكبرى (‪.)107/4‬‬
‫(‪ )9‬فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي‪ 130/1 ،‬ط‪ .‬وهبه بالقاهرة‪.‬‬
‫(‪ )10‬فقه الزكاة (‪.)107/1‬‬
‫(‪ )11‬تفسير الماوردي المسمى‪ :‬النكت والعيون ‪ 218/2‬ط‪ .‬أوقاف الكويت‪.‬‬
‫(‪ )12‬نقالً عن د‪ .‬رفعت العوضي‪ :‬منهج االدخار واالستثمار‪ ،‬ص ‪ 73‬ط‪ .‬االتحاد الدولي‬
‫للبنوك اإلسالمية‪.‬‬
‫(‪ )13‬الحديث رواه مسلم (‪ )99/1‬وأبو داود –مع عون المعبود‪ )32/9( -‬والترمذي –مع‬
‫تحفة األحوذي‪)544/4( -‬؛ وابن ماجه (‪ )749/2‬عن أبي هريرة أن رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بلالً فقال‪ :‬ما هذا يا صاحب الطعام؟‬
‫قال‪ :‬أصابته السماء يا رسول هللا‪ .‬قال‪ ( :‬أفال جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش‬
‫فليس مني ) والحديث صريح في تحريم كل غش وكتمان للحقيقة‪.‬‬
‫(‪ )14‬النجش‪ :‬هو المزايدة ممن ال يريد الشراء‪ .‬انظر حديثه في البخاري –مع الفتح‪-‬‬
‫(‪)355/4‬؛ ومسلم (‪.)1156/3‬‬
‫(‪ )15‬التصرية‪ :‬وهي حبس الحليب في ضرع الحيوان ليظهر أنه حلوب‪ ،‬والحديث في النهي‬
‫عنه متفق عليه‪ .‬انظر‪ :‬صحيح البخاري –مع الفتح‪)361/4( -‬؛ ومسلم (‪.)1155/3‬‬
‫(‪ )16‬يراجع‪ :‬مبدأ الرضا في العقود ص ‪ 673‬إلى ص ‪.850‬‬
‫(‪ )17‬صحيح البخاري –مع الفتح‪)337/4( -‬؛ ومسلم (‪)1165/3‬؛ ومسند أحمد (‪،80/2‬‬
‫‪)129‬؛ وسنن أبي داود –مع العون‪)395/9( -‬؛ والترمذي مع التحفة (‪)455/4‬؛ والنسائي‬
‫(‪)222/7‬؛ وابن ماجه (‪.)753/2‬‬
‫(‪ )18‬يراجع في تفصيل ذلك‪ :‬مبدأ الرضا في العقود ص ‪ 852‬وما بعدها‪.‬‬
‫(‪ )19‬القاموس المحيط‪ ،‬ولسان العرب‪ ،‬والمعجم الوسيط مادة "سهم"‬
‫(‪ )20‬النكت والعيون للماوردي‪ 426/2 ،‬ط‪ .‬أوقاف الكويت‪ ،‬ويراجع‪ :‬أحكام القرآن البن‬
‫العربي‪ 1622/4 ،‬ط‪ .‬دار المعرفة بيروت‪.‬‬
‫(‪ )21‬يراجع‪ :‬د‪ .‬علي حسن يونس‪ :‬الشركات التجارية‪ ،‬ص ‪ 539‬ط‪ .‬االعتماد‪ ،‬بالقاهرة؛ ود‪.‬‬
‫شكري حبيب شكري‪ ،‬وميشيل ميكاال‪ :‬شركات األشخاص‪ ،‬وشركات األموال علما ً وعمالً ص‬
‫‪ 184‬ط‪ .‬اإلسكندرية؛ ود‪ .‬صالح بن زابن المرزوقي البقمي‪ ،‬ط‪ .‬جامعة أم القرى ‪ 1406‬هـ‬
‫ص ‪332‬؛ ود‪ .‬أبو زيد رضوان‪ :‬الشركات التجارية في القانون المصري المقارن‪ ،‬ص ‪526‬‬
‫ط‪ .‬دار الفكر العربي‪ ،‬القاهرة ‪.1989‬‬
‫(‪ )22‬د‪ .‬صالح البقمي‪ :‬ط‪ .‬جامعة أم القرى ‪ 1406‬هـ ص (‪.)338 – 337‬‬
‫(‪ )23‬رواه البخاري في صحيحه –تعليقا ً بصيغة الجزم – كتاب اإلجارة (‪.)451/4‬‬
‫(‪ )24‬سنن الترمذي –مع شرح تحفة األحوذي‪ -‬كتاب األحكام (‪ ،)584/4‬ويقول شيخ اإلسالم‬
‫ابن تيمية (مجموع الفتاوى ‪" :)147/29‬وهذه األسانيد‪ ،‬وإن كان الواحد منها ضعيفا ً‬
‫فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضاً"‪.‬‬
‫(‪ )25‬مجموع الفتاوى‪ 150/29 ،‬ط‪ .‬الرياض‪ .‬ويراجع إلثبات أن األصل في العقود والشروط‬
‫هو اإلباحة‪ :‬مبدأ الرضا في العقود‪ 1148/2 ،‬ط‪ .‬دار البشائر اإلسالمية‪.‬‬
‫(‪ )26‬مجموع الفتاوى (‪.)351 ،346/29‬‬
‫(‪ )27‬يراجع‪ :‬المراجع الفقهية السابقة ويراجع‪ :‬د‪ .‬محمد عبد الغفار الشريف‪ ،‬بحثه المقدم‬
‫لمجمع الفقه اإلسالمي في دورته السادسة ص (‪)11 – 10‬؛ ود‪ .‬محمد الحبيب الجراية‪ ،‬بحثه‬
‫عن األدوات المالية التقليدية‪ ،‬المقدمة إلى مجمع الفقه في دورته السادسة؛ ود‪ .‬الخياط‪:‬‬
‫الشركات‪ ،‬ط‪ .‬الرسالة (‪)...94/2‬؛ ود‪ .‬صالح بن زابن‪ :‬شركة المساهمة ص (‪.)334‬‬
‫(‪ )28‬د‪ .‬صالح بن زابن البقمي‪ :‬المرجع السابق ص (‪ )340‬حيث قال‪ :‬ومن هنا يمكن أن‬
‫نقسم أقوالهم إلى ثالثة‪ :‬قسم حرم التعامل بها –أي باألسهم‪ -‬مطلقاً‪ ،‬وقسم أباح األسهم مطلقاً‪،‬‬
‫واشترط بعضهم خلوها مما يستوجب الحرمة‪ ،‬وقسم أباح أنواعا ً من األسهم‪ ،‬وحرم أنواعا ً‬
‫أخرى‪.‬‬
‫(‪ )29‬د‪ .‬صالح بن زابن البقمي‪ :‬المرجع السابق ص (‪ )340‬حيث قال‪ :‬ومن هنا يمكن أن‬
‫نقسم أقوالهم إلى ثالثة‪ :‬قسم حرم التعامل بها –أي باألسهم‪ -‬مطلقاً‪ ،‬وقسم أباح األسهم مطلقاً‪،‬‬
‫واشترط بعضهم خلوها مما يستوجب الحرمة‪ ،‬وقسم أباح أنواعا ً من األسهم‪ ،‬وحرم أنواعا ً‬
‫أخرى‪.‬‬
‫(‪ )30‬يراجع في تفصيل ذلك‪ :‬الشركات في الفقه اإلسالمي للشيخ علي الخفيف ص ‪ 96‬ط‪ .‬دار‬
‫النشر للجامعات المصرية؛ والشركات في الشريعة اإلسالمية والقانون الوضعي للدكتور عبد‬
‫العزيز الخياط‪ ." 212-153/2 ،‬المطابع التعاونية ‪1971‬ح وشركة المساهمة في النظام‬
‫السعودي للدكتور صالح بن زابن ص ‪ 340‬ط‪ .‬جامعة أم القرى ‪ 1406‬هـ‪ ،‬ومن الذين حرموا‬
‫التعامل باألسهم حراما ً مطلقا ً الشيخ تقي الدين النبهاني في كتابه النظام االقتصادي في‬
‫اإلسالمي‪ ،‬ص ‪ 142– 141‬ط‪ .‬القدس ‪ 1953‬ومن الذين قالوا بإباحتها دون تفصيل فيها‪،‬‬
‫الدكتور محمد يوسف موسى‪ ،‬والشيخ شلتوت‪ ،‬لكنهم بال شك يقولون بضرورة خلوها من‬
‫المحرمات‪ .‬انظر الفتاوى للشيخ شلتوت ص ‪ 355‬ط‪ .‬الشروق‪.‬‬
‫(‪ )31‬زاد المعاد في هدي خير العباد‪ 746/5 ،‬ط‪ .‬مؤسسة الرسالة‪.‬‬
‫(‪ )32‬الشيخ تقي الدين النبهاني‪ :‬النظام االقتصادي في اإلسالم ص ‪ 133‬ط‪ .‬القدس‪ ،‬الثالثة‬
‫‪ 1372‬هـ‪.‬‬
‫(‪ )33‬النبهاني‪ :‬النظام االقتصادي في اإلسالم ص (‪ )142 – 141‬ط‪ .‬القدس‪ ،‬الثالثة ‪1372‬‬
‫هـ‪.‬‬
‫(‪ )34‬د‪ .‬صالح بن زابن المرجع السابق ص (‪.)344‬‬
‫(‪ )35‬يراجع الشيخ عبد هللا بن سليمان‪ :‬بحث في حكم تداول أسهم الشركات المساهمة‪ ،‬ص‬
‫(‪ )0003‬وفتوى الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية‪ ،‬بجواز تداول أسهم الشركات‬
‫الوطنية ضمن كتاب فتاوى ورسائل ‪.)43 – 42/7‬‬
‫(‪ )36‬يراجع‪ :‬الموسوعة الفقهية (الكويتية) مصطلح جهالة (‪.)167/16‬‬
‫(‪ )37‬الفروق‪ )266– 265/3( ،‬ط‪ .‬دار المعرفة‪.‬‬
‫(‪ )38‬مجموع الفتاوى‪ ،‬ط‪ .‬الرياض (‪.)227/29‬‬
‫(‪ )39‬الغرر وأثره‪ ،‬ص (‪.)594‬‬
‫(‪ )40‬مجموع الفتاوى (‪ .)233/29‬ويقول ابن قدامة‪ " :‬وإن اشترى أحد الشريكين حصة‬
‫شريكه جاز؛ ألنه يشتري ملك غيره وكذلك األمر لو باعه ألجنبي‪ ،‬وكذلك األمر عند غيره من‬
‫العلماء"‪.‬‬
‫(‪ )41‬األشباه والنظائر للسيوطي‪ ،‬ص ‪ 133‬ط‪ .‬عيسى الحلبي بالقاهرة‪ ،‬ويراجع في نفس‬
‫المعنى‪ :‬األشباه والنظائر البن نجيم‪ ،‬ص (‪ )122 – 121‬ط‪ .‬مؤسسة الحلبي بالقاهرة‪.‬‬
‫(‪ )42‬صحيح البخاري –مع الفتح ط‪ .‬السلفية‪ -‬المساقاة ‪)49/5‬؛ ومسلم‪ ،‬ط‪ .‬عيسى الحلبي –‬
‫البيوع (‪)1173/3‬؛ وأحمد (‪)150/2‬؛ والموطأ ص (‪.)378‬‬
‫(‪ )43‬فتح الباري (‪)51/5‬‬
‫(‪ )44‬الموطأ‪ :‬ص ‪.378‬‬
‫(‪ )45‬قال الهيثمي في مجمع الزوائد ‪ :)80/4‬رواه البزار‪ ،‬وفيه موسى بن عبيدة‪ ،‬وهو‬
‫ضعيف‪.‬‬
‫(‪ )46‬تقريب التهذيب (‪ ،)286/2‬ومجمع الزوائد (‪.)80/4‬‬
‫(‪ )47‬المراجع السابقة جميعها‪.‬‬
‫(‪ )48‬صحيح البخاري –مع الفتح‪ -‬اإليمان (‪)126/1‬؛ وسلم‪ ،‬المساقاة (‪)1220/3‬؛ وأحمد‬
‫(‪.)267/4‬‬
‫(‪ )49‬فتح الباري (‪.)127/1‬‬
‫(‪ )50‬األشباه والنظائر للسيوطي ص (‪)98 – 97‬؛ واألشباه والنظائر البن نجيم ص (‪– 91‬‬
‫‪.)92‬‬
‫(‪ )51‬شرح القواعد الفقهية‪ ،‬تأليف الشيخ أحمد الزرقاء‪ ،‬رحمه هللا‪ ،‬ص (‪ )155‬ط‪ .‬دار‬
‫الغرب اإلسالمي‪.‬‬
‫(‪ )52‬شرح القواعد الفقهية‪ ،‬تأليف الشيخ أحمد الزرقاء‪ ،‬رحمه هللا‪ ،‬ص (‪ )155‬ط‪ .‬دار‬
‫الغرب اإلسالمي‪.‬‬
‫(‪ )53‬حاشية ابن عابدين‪ .)37– 36/5( ،‬ط‪ .‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫(‪ )54‬حاشية ابن عابدين (‪)39/5‬‬
‫(‪ )55‬انظر حديث ترخيص بيع العرايا‪ ،‬لحاجة الناس إليها‪ :‬صحيح البخاري –مع الفتح‪-‬‬
‫(‪)390/4‬؛ ومسلم (‪)1168/3‬؛ وأحمد (‪)181/5‬؛ والعرية هي بيع الرطب فوق النخل بالتمر‬
‫بالتخمين والتقدير‪.‬‬
‫(‪ )56‬فقد سئل عليه السالم عن بيع الرطب بالتمر فقال‪ ( :‬أينقص الرطب إذا جف؟ ) فقيل‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬فقال‪ ( :‬فال إذن ) انظر‪ :‬مسند الشافعي ص (‪)51‬؛ وأحمد (‪)312/3‬؛ والترمذي‬
‫(‪)231/1‬؛ والنسائي (‪)269/7‬؛ وابن ماجه (‪)761/2‬؛ وسنن أبي داود (‪)251/3‬؛ والسنن‬
‫الكبرى (‪ .)294/5‬ويراجع تلخيص الحبير (‪.)10/9/3‬‬
‫(‪ )57‬مجموع الفتاوى (‪.)227/29‬‬
‫(‪ )58‬مجموع الفتاوى (‪)227/29‬‬
‫(‪ )59‬مجموع الفتاوى (‪)227/29‬‬
‫(‪ )60‬األشباه والنظائر البن نجيم ص (‪ )104 – 103 – 93‬ويراجع‪ :‬نشر العرف في بناء‬
‫بعض األحكام على العرف‪ ،‬ضمن رسائل ابن عابدين (‪ )118– 115/2‬ط‪ .‬أستانه‪.‬‬
‫(‪ )61‬إعالم الموقعين ‪ 78/3‬ط‪ .‬شقرون بالقاهرة‪.‬‬
‫(‪ )62‬قواعد األحكام (‪.)159/2‬‬
‫(‪ )63‬األسواق المالية لألستاذ الدكتور علي السالوس‪ ،‬بحث مقدم لمجمع الفقه اإلسالمي بجدة‬
‫في دورته السادسة ص ‪.‬‬
‫(‪ )64‬الشركات للشيخ علي الخفيف ص (‪)97 -96‬؛ وبحث الشيخ أبي زهرة المنشور في‬
‫منشورات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث اإلسالمية (‪)184/2‬؛ ود‪ .‬الخياط‪ :‬الشركات في‬
‫الشريعة اإلسالمية والقانون الوضعي ط‪ .‬الرسالة (‪)187/2‬؛ وبحث د‪ .‬وهبة الزحيلي المقدم‬
‫لمجمع الفقه اإلسالمي في دورته السادسة‪ ،‬ص ؛ ود‪ .‬صالح بن زابن‪ :‬المرجع السابق ص‬
‫(‪)342‬؛ وبحث القاضي عبد هللا بن سليمان المشار إليه سابقاً‪.‬‬
‫(‪ )65‬المراجع السابقة‪ ،‬وال سيما بحث فضيلة الشيخ عبد هللا بن سليمان حيث أفاض فيه‬
‫إفاضة جيدة‪.‬‬
‫(‪ )66‬مجموع الفتاوى‪ ،‬ط‪ .‬الرياض (‪.)321-320/29‬‬
‫(‪ )67‬األشباه والنظائر البن نجيم ص (‪)114 ،113 ،112‬؛ ويراجع حاشية ابن عابدين‬
‫(‪.)130/4‬‬
‫(‪ )68‬األشباه والنظائر البن نجيم ص (‪ ،)114 ،113 ،112‬ويراجع حاشية ابن عابدين‬
‫(‪.)130/4‬‬
‫(‪ )69‬بدائع الصنائع (‪.)144/6‬‬
‫(‪ )70‬فتاوى ابن رشد‪ )649 – 631/1( ،‬تحقيق‪ :‬المختار بن الطاهر التليلي‪ ،‬ط‪ .‬دار الغرب‬
‫اإلسالمي؛ ومواهب الجليل (‪.)277/5‬‬
‫(‪ )71‬قواعد األحكام (‪.)73 – 72/1‬‬
‫(‪ )72‬المنثور في القواعد‪ 253/2 ،‬ط‪ .‬أوقاف الكويت‪.‬‬
‫(‪ )73‬األشباه والنظائر للسيوطي ص (‪)121 – 120‬؛ وحاشيتي‪ :‬القليوبي مع عميرة على‬
‫المنهاج ‪.186/2‬‬
‫(‪ )74‬المجموع للنووي (‪ ،)353/9‬ط‪ .‬المنيرية‪.‬‬
‫(‪ )75‬مجموع الفتاوى (‪.)323 – 311/29‬‬
‫(‪ )76‬مجموع الفتاوى (‪.)273 – 272/29‬‬
‫(‪ )77‬مجموع الفتاوى (‪)308/29‬‬
‫(‪ )78‬بدائع الفوائد (‪.)257/3‬‬
‫(‪ )79‬المراجع السابقة‪ ،‬وبحث الدكتور عبد هللا بن سليمان ص (‪)16‬‬
‫(‪ )80‬المراجع السابقة‪ ،‬والشيخ عبد هللا بن سليمان بحثه السابق‪.‬‬
‫(‪ )81‬المراجع السابقة‪ ،‬والشيخ عبد هللا بن سليمان بحثه السابق‪.‬‬
‫(‪ )82‬يراجع‪ :‬جمل األحكام للناطقي‪ ،‬رسالة ماجستير باألزهر‪ ،‬تحقيق حمد هللا سيد ص (‪370‬‬
‫– ‪.)381‬‬
‫(‪ )83‬مجموع الفتاوى (‪ )241 /29‬كما ذكر قاعدة االعتبار باألغلب فيمن في ماله حرام‪.‬‬
‫(‪ )84‬مجموع الفتاوى (‪.) 324 -319/29‬‬
‫(‪ )85‬مجموع الفتاوى (‪.)327/29‬‬
‫(‪ )86‬الشيخ عبد هللا بن سليمان بحثه السابق ص (‪ )21‬حيث مع إباحته شراء األسهم‬
‫لشركات يمتلكها المسلمون حتى وإن كانت تتعامل بالربا لكن غالب معاملتها وأمواله حالل‬
‫لكنه لم يجز تملك أسهم شركات يملكها غير مسلم إال إذا كان قادرا ً فعالً تغيير مسارها‪ ،‬ومنعها‬
‫من مزاولة الحرام مطلقا ً وذكر أن الشيخ صالح كامل ذكر له أنه استطاع أن يحول خمسين‬
‫شركة مساهمة إلى االلتزام باألحكام الشرعية من خالل مساهمته فيها‪ ،‬واشتراطه ذلك بعدها‪.‬‬
‫(‪ )87‬الفتاوى الشرعية في االقتصاد‪ ،‬ص ‪ 17‬ط‪ .‬مجموعة بركة سنة ‪ 1411‬هـ‪.‬‬
‫(‪ )88‬صحيح البخاري‪ ،‬مع فتح الباري ‪ 15/5‬ط‪ .‬السلفية‪.‬‬
‫(‪ )89‬صحيح البخاري‪ ،‬مع فتح الباري ‪ 15/5‬ط‪ .‬السلفية‪.‬‬