أثر التقلبات المالية الدولية على أسواق الدول النامية إعداد: طالب عوض* المرصد االقتصادي -الجامعة األردنية ديسمبر 2008 -1مفهوم األزمة المالية يرتبط مفهوم األزمة المالية بما تحدثه حركات رؤوس األموال عبر الدول من حاالت عدم االستقرار المالي واالقتصادي في األجل القصير .ولعل انفجار فقاعة العقارات الحالية وما نتج عنها من اضطرابات في أسواق المال والعقارات خير مثال على ذلك .ويلعب طلب المستثمرين والمضاربين على األصول المالية والنقدية دورا هاما في ظهور الفقاعة وتضخمها إلى حد يفوق الحجم المعقول ،مما يؤدي في النهاية إلى انفجارها وظهور ما يعرف باألزمة المالية .ومن الجدير بالذكر أن بروز األزمة المالية في أعقاب انفجار الفقاعة ال يعدو إال عارضا أوليا ال يلبث أن يتفاعل محليا ودوليا وتمتد آثاره إلى كافة المناحي االقتصادية الحقيقية .وقد ساهمت العولمة االقتصادية وما رافق ها من انفتاح وتحرر اقتصادي إضافة إلى التطورات التكنولوجية في مجاالت االتصال والنقل والوسائط المتعددة والمشتقات المالية الحديثة في ظهور تدفقات مالية ومصرفية ضخمة الحجم وسريعة الحركة بشكل غير مسبوق .وقد رافق ذلك إقبال غير مسبوق من قيل المستهلكين في دول العالم الغنية وخاصة أمريكا وأوروبا على شراء السلع االستهالكية المعمرة والتفاخرية كاألثاث والتجهيزات المنزلية والسيارات واليخوت مستفيدين من وفرة االئتمان السهل ،األمر الذي ضاعف من قيمة التسهيالت االئتمانية الممنوحة وأدى الى زيادة احتمالية ظهور الفقاعات وسرعة تضخمها ثم انفجارها. -2آثار وامتدادات األزمة المالية في أعقاب انفجار أي فقاعة مالية أو نقدية تتضرر بداية ومباشرة المصارف والشركات المالية الدائنة نظ ار لعجز األفراد المقترضين عن سداد قروضهم ،وتهبط قيم أألسهم واألصول المالية وتتراجع أألرباح وتتفشى حاالت اإل فالس .وينتج عن ذلك حالة عامة من الذعر في األوساط المالية والمصرفية يؤدى إلى تردد البنوك ومؤسسات اإلقراض في منح االئتمان سواء للمؤسسات بما فيها البنوك أو لألفراد .وقد ينتج عن ذلك نقصا حادا في السيولة واالئتمان المتاح لالستهالك واالستثمار وينعكس في النهاية على كافة القطاعات االقتصادية وخاصة العقارية منها. أستاذ بقسم اقتصاد األعمال ،كلية األعمال ،الجامعة األردنية. أنشأ المرصد االقتصادي بموجب اتفاقية شراكة بين كل من الجامعة األردنية وغرفة صناعة األردن وغرفة تجارة عمان.من ناحية أخرى ،فان االنهيارات المالية وما يتبعها من تباطؤ اقتصادي ونقص في السيولة وتراجع في قيم أصول المؤسسات المالية ،يخلق توقعات تشاؤمية لدى المستثمرين والمضاربين في األسواق المالية والحقيقية على حد سواء .ويمكن أن يؤدي ذلك إلى موجات متصاعدة وغير منتظمة من البيع في األسواق المالية والنقدية واألصول المختلفة والى تراجع مستمر في أسعار أألسهم في البورصات وتآكل كبير في قيم األصول المالية والحقيقية .وال يقتصر أثر األزمة المالية على القطاع المالي والنقدي وانما يتعداه لألسواق الحقيقية من خالل ما ينتج عنه من تراجع عام في االستهالك واالستثمار والدخل واإلنتاج وتفشي لمشكلتي الفقر والبطالة. -3العولمة واليات نقل األزمة تعززت عولمة االقتصاديات الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وظهور منظمة الجات لتحرير التدفقات التجارية الدولية ،وما رافق ذلك من تقدم تقني في مجاالت االتصاالت والنقل والشبكات اال لكترونية وظهور ما يعرف بالمشتقات المالية financial derivativesالجديدة والمعقدة*، األمر الذي أدى إلى مضاعفة حجم وسرعة تدفقات األصول المالية (إضافة إلى تدفق السلع والخدمات وعوامل اإلنتاج) بين دول العالم إلى مستويات غير مسبوقة فاقت سرعة التطورات في التشريعات واألنظمة الالزمة لتنظيم هذه التدفقات .كل ذلك أدى إلى زيادة التشابك والتداخل بين دول وأقاليم العالم وجعله يبدو كقرية صغيرة إذا ما وقع حدث في أي جزء منه اثر بشكل مباشر وفوري على كافة أجزائه األخرى .وقد ساهمت ظاهرة العولمة واالنفتاح في زيادة حجم التبادل التجاري الدولي واالستثمارات الدولية بشقيها الحقيقي والمالي األمر الذي ساهم في زيادة معدالت النمو االقتصادي وانعكس ايجابيا على رفع مستويات المعيشة وان بدرجات متفاوتة لمعظم دول العالم. من ناحية أخرى فان التدفقات الهائلة لالستثمارات المالية الدولية واتسامها بالتركز مع نمو ظاهرة المؤسسات المالية الضخمة عابرة الحدود والنقص في وسائل الرقابة والتنظيم ، regulationقد ساهم في ظهور اختالالت غير متوقعة في أسواق المال من فترة ألخرى سرعان ما تنتشر آثارها لمعظم أجزاء العالم. وعلى وجه التحديد فان أي خلل مالي أو اقتصادي في احد األسواق الدولية الرئيسية كالسوق االمريكي الذي يلعب دور القائد لألسواق العالمية نظ ار ألنه يشكل حوالي ثلث حجم السوق المالي العالمي ،سيؤدي الى اختالالت موازية في األسواق العالمية األخرى ما تلبث أن تتحول إلى أزمة مالية واقتصادية عالمية خارجة عن نطاق سيطرة أي دولة من دول العالم منفردة .ولعل أزمة الرهن العقاري الحالية تمثل خير مثال على ذلك، فعلى إثر هبوط قيم األسهم في ول ستريت انخفض المؤشر العام لقيم األسهم في فرانكفورت وباريس ولندن ومدريد وطوكيو وشنغهاي وساوباولو والرياض ودبي و بيروت وعمان والقاهرة وان كان بنسب متفاوتة. وانتقلت عدوى األزمة األميركية إلى جميع أنحاء العالم مع مالحظة أن نسبة التراجع لم تكن على وتيرة واحدة ولم تقتصر فقط على أسهم الشركات العقارية وانما تعدتها إلى شركات تعمل في مختلف النشاطات االقتصادية. -1.3آليات نقل األثر السؤال الهام هنا يتمحور حول كيفية انتقال أعراض أالزمة إلى قطاعات اقتصادية أخرى من جهة والى دول أخرى من جهة أخرى؟ اإلحاطة بحجم وتطورات األزمة المالية يقتضي التعرض ولو بشكل سريع لآلليات المحلية والدولية في ظل العولمة والتي من خاللها يتم نقل األزمة وآثارها المختلفة: -1آلية أسعار األصول المالية :في ظل العولمة كما اشرنا سابقا فان حركة األموال بين الدول قد تحررت وتضاعف حجمها عشرات المرات خال العقود الخمسة األخيرة .وبالتالي فان تدفقها إلى داخل أو خارج دولة أو إقليم ما بحثا عن األرباح بهذه األحجام الضخمة يمكن أن يخلق حاالت اختالل سوقي يترتب عليها تغيرات حادة في أسعار األسهم والسندات والفوائد .فعلى سيل المثال فان تدفق أموال المضاربة واالستثمار بأحجام كبيرة إلى سوق دولة أو إقليم ما سيخفض أسعار الفوائد ويرفع أسعار األسهم واألصول المالية األخرى بشكل حاد ويزيد بشكل كبير من أرباح المضاربين في أسواق المال. من ناحية أخرى فان انخفاض أسعار الفوائد سينقل هذا األثر المالي أو النقدي إلى االقتصاد الحقيقي من خالل قناتين رئيسيتين: أ -قناة االستثمار :ستشجع أسعار الفائدة المنخفضة المستثمرين في كافة القطاعات االقتصادية بما فيها الشركات العقارية وغير العقارية إلى زيادة استثماراتهم مستفيدين من رخص االئتمان ،وكما هو معلوم في االقتصاد فان هذا التوسع االستثماري يؤدي وفقا لمبدأ المضاعف االستثماري الكينزي إلى زيادات اكبر حجما في الدخل واإلنتاج وبالتالي رفع مستوى التوظيف وتقليص معدالت البطالة. ب -قناة االستهالك :انخفاض أسعار الفوائد سيشجع المستهلين على اإلقبال على شراء السلع االستهالكية خاصة المعمرة منها كالمنازل واألثاث والسيارات والسلع الكهربائية وااللكترونية مستفيدين من انخفاض كلفة تمويل مشترياتهم (أسعار الفوائد) .ومرة أخرى فان هذا التوسع االستهالكي سيؤدي إلى زيادة مضاعفة وفقا لمبدأ المضاعف االستهالكي الكينزي في كل من اإلنتاج والدخل وبالتالي رفع مستوى التوظيف وتقليص البطالة .ويالحظ أن هذين األثرين معا سيؤديان إلى تسارع عجلة النشاط االقتصادي وخلق حالة من الرواج والتوسع في كافة القطاعات االقتصادية. ويمكن اعتبار ذلك مشابها لما حدث لالقتصاد األمريكي خالل السنوات القليلة األخيرة السابقة لمرحلة التراجع واالنهيار .حيث تدفقت رؤوس األموال األوروبية واآلسيوية والشرق أوسطية إلى السوق األمريكي من خالل المصارف وصناديق االستثمار ،لالستفادة من فرص االستثمار المالية الواعدة عالية المردود ،حيث ضخت هذه األموال الهائلة في السوق األمريكي لتمويل اإلنفاق الهائل لهذا االقتصاد بقطاعيه الخاص والعام .على صعيد القطاع الخاص استخدمت نسبة كبيرة من هذه األموال لتمويل النفقات االستهالكية كشراء الفلل والقصور والسيارات الفارهة والقوارب واليخوت والطائرات الخاصة وأجهزة الترفيه والتسلية ...الخ .من ناحية أخرى فان تهافت مدراء البنوك والمؤسسات العقارية وشركات التامين على جني األرباح والمكافآت قد يدفعهم إلى التنافس في منح التسهيالت االئتمانية لجميع األفراد الراغبين دون التمحيص أو التأكد من جدارتهم االئتمانية .أما على صعيد القطاع العام فان التوسع في اإلنفاق غير المسبوق لإلدارة األمريكية الحالية وخاصة في المجاالت العسكرية لتمويل الحروب األمريكية في أفغانستان والعراق والصومال ولبنان وفلسطين وغيرها ،إضافة الى برامج غزو الفضاء وحرب النجوم قد ساهم في رفع المديونية العامة إلى مستويات خطرة وغير مسبوقة. على صعيد آخر فان التكيفات في أسعار الفائدة األمريكية تؤدي إلى تغيرات موازية في أسعار الفوائد األجنبية من خالل ما يعرف بالية تعادل أسعار الفوائد الدولية .international interest parity وتتضمن هذه اآللية بالنسبة للدول التي تثبت عملتها مقابل الدوالر بان تقوم بتعديل أسعار فائدتها المحلية بنسب معادلة لتغيرات الفوائد األمريكية مما يفقدها استقاللية سياستها النقدية. -2آلية أسعار الصرف األجنبي :تركت أسعار الصرف األجنبي منذ انتهاء نظام برتن وودز عام 1971دون أي غطاء من الذهب ،وأعطيت الدول في النظام النقدي الجديد حرية تعويم أو إدارة أو تثبيت عملتها مقابل عملة دولية رئيسية أو سلة من العمالت الرئيسية .ولجأت معظم الدول المتقدمة في أعقاب فترة وجيزة من التعويم الحر تميزت بعدم االستقرار في أسعار الصرف األجنبي ،إلى نظام التعويم المدار managed or dirty floatingالذي يسمح لسلطاتها النقدية بالتدخل المحدود في أسواق صرفها للحيلولة دون حدوث تغيرات كبيرة في أسعار صرفها .في المقابل فان غالبية الدول النامية بما فيها عدد كبير من الدول العربية قد اختارت تثبيت أسعار صرف عملتها مع الدوالر األمريكي بشكل رئيسي ،األمر الذي ربط مستويات التضخم وأسعار الفوائد فيها مع تلك السائدة في السوق األمريكي .من ناحية أخرى فقد حافظ الدوالر األمريكي على دوره كعملة رئيسية للمدفوعات الدولية في النظام النقدي الجديد ،مما أعطى أمريكيا ميزة رئيسية كونها الدولة الوحيدة في العا لم التي ال تحتاج إلى بناء احتياطياتها من النقد األجنبي (بعد وقف التحويل للذهب) ،مما أعطى سلطاتها النقدية حرية كبيرة فيما يتعلق بسياساتها النقدية وخاصة التوسعية منها ،حيث أن الكلفة الوحيدة لذلك هو كلفة الورق وطباعته .واالعتقاد السائد أن الواليات المتحدة قد استغلت هذه الميزة وبالغت كثي ار في اإلصدار النقدي وطباعة الدوالرات دون حسيب أو رقيب وخاصة في الفترة السابقة لظهور األزمة المالية الراهنة ،وذلك لتمويل التوسع الهائل في النفقات العامة نتيجة لتورطها في حروب عديدة كما سبقت اإلشارة إليه ،األمر الذي ساهم في زيادة المديونية العامة من جهة والى تراجع مستمر في قيمة الدوالر األمريكي مقابل العمالت الدولية الرئيسية وخاصة اليورو والين الياباني .وبالطبع ففي كل مرة يتراجع فيها الدوالر مقابل العمالت العمالت األخرى الرئيسية يعني خسارة نقدية لالستثمارات المالية بالدوالر سواء في الواليات المتحدة أم خارجها وسواء كانت تعود ملكيتها لمستثمرين أمريكيين أم أجانب .وتمتد هذه الخسارة أيضا وبنفس النسبة تقريبا إلى الدول التي تثبت قيم عمالتها المحلية مع الدوالر األمريكي .وعلى هذا األساس فان أية أزمة مالية في الواليات المتحدة تقود إلى سحب استثمارات من هذه األقطار لتتوطن في دول أخرى ذات عمالت معومة كأوروبا وبلدان جنوب شرق آسيا و /أو لتعويض النقص في السيولة الناجم عن الخسائر المتحققة في هذه الدول. -3آلية أسعار السلع :إضافة إلى تدفقات األموال واألصول بين الدول فان التحرير التجاري المصاحب لتعزز ظاهرة العولمة قد أدى إلى مضاعفة حجم التجارة الدولية في السلع والخدمات .وتعتبر السوق األمريكي من اكبر األسواق العالمية من حيث الجم والقوة الشرائية حيث تقدر االنكتاد مستوردات الواليات المتحدة بما يقارب 20في المائة من إجمالي المستوردات العالمية ) .)UNCTAD websiteوهذا يوفر آلية ثالثة لنقل تغيرات أسعار السلع المتاجر فيها دوليا من خال ل ما يسمى في االقتصاد بمبدأ تعادل القوة الشرائية )(PPP .purchasing power parityوتعمل هذه اآللية باتجاهين :فيمكن للواليات المتحدة أن تستورد التضخم من خالل الصادرات القادمة لها من الخارج ،ويمكن له أيضا أن تصدر التضخم من خالل ما تستورده الدول األخرى من السوق األمريكي .فعلى سبيل المثال ساهم ارتفاع أسعار النفط في اآلونة األخيرة قبيل ا نفجار الفقاعة العقارية في رفع معدالت التضخم األمريكية مما أضاف أعباء إضافية على األفراد المستهلكين والمقترضين ،ولزيادة األمور سوءا فقد تزامن ذلك مع سياسة رفع أسعار الفوائد الذي انتهجته السلطة النقدية األمريكية لمواجهة الضغوط على الدوالر وكذلك الضغوط التضخمية .األمر الذي أدى في النهاية إلى عجز األفراد عن السداد وانفجار الفقاعة االئتمانية أو العقارية. -4آلية التوقعات :تقوم الوحدات االقتصادية المختلفة وخاصة المستثمرين والمضاربين بالتوقع حول المستقبل عند اتخاذ ق ارراتها ،وتتأثر توقعاتها بعوامل اقتصادية ونفسية معقدة األمر الذي يجعلها ذات طبيعة غير منتظمة وال تستند بالضرورة إلى المنطق أو الرشد االقتصادي .ويصنف االقتصاديون التوقعات إلى توقعات متفائلة أو توقعات متشائمة .فإذا تفاءل المستثمرون أو المضاربون حول المستقبل فإنهم يقومون بالتوسع في استثماراتهم ومضارباتهم اآل ن مما يميل إلى إيجاد مزيد من التوسع وتسارع العجلة االقتصادية. أما في حالة التشاؤم فيحجمون عن االستثمار أو إبرام الصفقات مما يؤدي إلى آثار انكماشية مضاعفة. ونظ ار للطبيعة المعقدة لهذه التوقعات فان أحدا ال يستطيع التنبؤ باتجاهها .على صعيد األزمة المالية الحديثة تلعب التوقعات دو ار كبي ار وتساهم في تفاقم األزمة :فانفجار الفقاعة العقارية قد اوجد حالة من التوقعات التشاؤمية حول التطورات االقتصادية المستقبلية األمر الذي دفع المستثمرين إلى اإلحجام عن االستثمارات الجديدة أو تقليصها على األقل ،ودفع البنوك إلى اإلحجام عن اإلقراض سواء فيما بينها أو لألفراد خوفا من النقص في السيولة لديها مما ساهم بالضغط لألعلى على معدالت الفوائد وخلق شحا في السيولة .من جهة أخرى فان التوقعات المتشائمة قد أدت إلى موجة من الهلع في أوساط األفراد العاديين والمضاربين ودفعتهم إلى اإلقبال الشديد ع لى بيع األسهم وغيرها من األصول لتجنب الخسائر المحتملة األمر الذي أدى بدوره إلى مزيد من االنهيار والتراجع االقتصادي. ومن الجدير بالذكر أن هذه اآلليات ال تعمل بشكل منفصل عن بعضها البعض بل تتفاعل بشكل آني فيما بينها .فالضغوط االنكماشية أو التضخمية في السوق األمريكي سواء كان مصدرها محليا أم مستوردا ستميل إما لتغيير قيمة الدوالر مقابل العمالت الدولية الرئيسية و/أو تكيف أسعار الفوائد مما يؤدي إلى آثار معززة ومضاعفة على االقتصاد األمريكي والذي بدوره ينشر هذه اآلثار من خالل القنوات المذكورة أعاله إلى بقية أنحاء العالم ولكن بدرجات متفاوتة وذلك اعتمادا على درجة انفتاحها ومدى ارتباط أسواقها بالسوق األمريكي وطبيعة استجابة صانعي السياسات فيها .إضافة إلى ذلك فان التوقعات التشاؤمية محليا ستؤدي إلى مضاعفة هذه الضغوط في األسواق المحلية وتساهم أيضا من خالل وسائل نقل المعلومة المتعددة والسريعة في نقل العدوى لألسواق األجنبية .مثل هذه التفاعالت السريعة والمتصاعدة والعالمية بطبيعتها قد تتطور إلى ديناميكية خطرة تهز الثقة العالمية في المؤسسات المالية والنقدية وحتى في النظام المالي والنقدي الدولي برمته كما هو حاصل اآلن. اآلثار المتوقعة لالزمة على الدول النامية بعد هذا العرض الموجز آلليات نقل األثر دوليا يمكن اآلن استخدامها لتوضيح وتحليل اآلثار المتوقعة على الدول النامية بشكل عام والدول العربية بشكل خاص .وسيقتصر التحليل هنا على االتجاهات العامة دون التطرق إلى اآلثار الكمية المحد دة بالنسبة لكل دولة أو إقليم الن ذلك يعتمد على توفر المعلومات والبيانات الكمية األمر الذي يتطلب دراسة كمية متخصصة وخارج عن نطاق الدراسة الحالية. كما أوضحنا سابقا فقد أدت الممارسات الخاطئة من قبل المؤسسات المالية والمصرفية والعقارية الخاصة وبغياب التنظيم والرقابة الحكومية إلى توسع غير مسبوق في حجم االئتمان وتضخم هائل في الكتلة المالية والنقدية أدى في النهاية إلى انفجار ما يعرف بفقاعة الرهن العقاري .وقد أدى ذلك إلى آثار مركبة على االقتصاد األمريكي بشقيه النقدي والحقيقي .فعلى الصعيد النقدي والمالي تآكلت قيم األصول المالية وتراجعت أسعار األسهم وعجزت بعض البنوك والشركات االستثمارية وشركات التامين عن الوفاء بالتزاماتها مما أدى إلى تفشي ظاهرة االفالسات وتسريح العمالة .وقد ساهم ذلك في إيجاد بيئة من التوقعات التشاؤمية انعكست في موجات من المضاربات المالية أدت إلى مزيد من التراجع في أسعار األسهم والى تردد البنوك ومؤسسات اإلقراض األخرى عن اإلقراض وتقديم التسهيالت االئتمانية ،مما خلق شحا غير مسبوق في السيولة وحالة من الهلع واالرتباك دفعت العديد من المؤسسات واألفراد إلى تسييل متهور وسريع ألصولهم والى سحوبات مالية ضخمة من النظام المصرفي .أما على صعيد االقتصاد الحقيقي فقد أدى شح السيولة والتوقعات المتشائمة إلى إحجام المستثمرين في القطاعات الحقيقية وخاصة العقارية والصناعية عن االستثمار ،إضافة إلى ذلك فقد تراجع اإلنفاق االستهالكي وخاصة في مجاالت السلع المعمرة والعقارية والسلع الكمالية مما ولد ضغوطا انكماشية مزدوجة على االقتصاد األميركي .وقد ساهمت هذه التطورات المالية والحقيقية في تفاقم المشاكل االقتصادية الكلية المزمنة التي يعاني منها االقتصاد األمريكي أصال كارتفاع المديونية بشقيها العام والخاص ،وارتفاع العجز التجاري وعجز الموازنة العامة إلى مستويات غير مسبوقة. كما وارتفعت معدالت البطالة وان بشكل محدود حتى اآلن. التبعية لالقتصاد األمريكي وسرعة انتقال العدوى كما رأينا أعاله فان االقتصاد األمريكي يلعب دو ار محوريا في االقتصاد العالمي سواء على الصعيد المالي النقدي أو على الصعيد الفعاليات االقتصادية الحقيقية .فإضافة إلى كون الدوالر العملة الرئيسية على الصعيد الدولي فان االقتصاد األمريكي هو األول أيضا من حيث حجم اإلنتاج واالستهالك واالستيراد عالميا ) ،*(WTO, 2008مما يعني أن دخوله في حالة ركود سيقود تراجعا في اقتصاديات كافة األقاليم والدول األخرى وان بدرجات متفاوتة .وكما رأينا سابقا فان قنوات نقل األثر المتعددة ستعمل على تحويل األزمة المالية والنقدية إلى كافة القطاعات االقتصادية الحقيقية من جهة والى اقتصاديات الدول األخرى من جهة أخرى. وحيث أن مصطلح الركود االقتصادي يشير الى تباطؤ في مستوى النشاط االقتصادي الحقيقي وليس المالي او النقدي فان التركيز في هذه الدراسة سينصب على التشابكات بين مستويات النشط الحقيقي لالقتصاديات العالمية الرئيسية مع مستوى النشاط الحقيقي لالقتصاد األمريكي .وسيساعد قياس درجة التشابكات هذه على فهم الدور المحوري لالقتصاد األمريكي في توجيه االقتصاديات العالمية ،إضافة إلى توضيح سرعة ودرجة تأثر هذه االقتصاديات المختلفة بمستوى النشاط االقتصادي األمريكي. وفقا لسكرتاريا منظمة التجارة العالمية WTO Secretariatفان الواليات المتحدة األمريكية تحتل المرتبة األولى على صعيد التجارة الدولية حيث تصل حصتها إلى حوالي خمس ( )%19المستوردات السلعية العالمية لعام ، 2007كما أنها األولى على صعيد صادرات الخدمات التجارية حيث تصل مساهمتها الى حوالي %14من تجارة الخدمات التجارية العالمية. سيستخدم الناتج المحلي اإلجمالي باألسعار الثابتة (الحقيقي) للواليات المتحدة وللمجموعات الدولية الرئيسية (مجموعة الدول الصناعية السبع ،G7ومجموعة الدول النامية والصاعدة developing and ، emergingومجموعة دول الشرق األوسط . middle east countriesإضافة إلى ذلك ونظ ار للعالقة الخاصة بين االقتصاد األمريكي واالقتصاد األردني حيث يرتبط األردن باتفاقيات اقتصادية هامة مع أمريكيا على شكل اتفاقية منطقة التجارة الحرة واتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة إضافة إلى تثبيت قيمة الدينار األردني مقابل الدوالر األمريكي ،سيتم أيضا قياس درجة الترابط الحقيقي بين االقتصاديين بهدف استقصاء مدى تأثر األردن بحالة الركود االقتصادي األمريكي. وحيث أن التغيرات في مستوى النشاط الحقيقي هي التي تشير إلى الركود أو التوسع وليس مستوى النشاط نفسه فستستخدم معدالت النمو الحقيقية real growth ratesللدول او الكتل االقتصادية المذكورة وهي كالتالي USRGROWTH :ألمريكا و G7RGROWTHلمجموعة الدول الصناعية السبع و DEVEMRGROWTHلمجموعة الدول النامية والصاعدة و ا MERGROWTHلمجموعة دول الشرق األوسط و JORRGROWTHلألردن. واستخدمت الدراسة بيانات مأخوذة من صندوق النقد الدولي IFSللفترة 2008-1980للمتغيرات المذكورة ) . ) IMF,2008الجدول رقم ( )1يوضح معلمات عينة الدراسية األساسية .ويالحظ ان مجموعة الدول النامية والصاعدة قد حققت أعلى متوسط نمو خالل الفترة ( )%4.3تلتها مجموعة دول الشرق األوسط ( )%3.6ثم أمريكا ( )%2.85وأخي ار مجموعة الدول الصناعية السبع ( .)%2.49وتنعكس الصورة على صعيد مؤشر استقرار مستوى النشاط االقتصادي حيث جاءت في المقدمة مجموعة الدول الصناعية السبع (لها اقل تباين )1.4ثم أمريكا بتباين 3.26ثم مجموعة الدول النامية والصاعدة بتباين 3.38وأخي ار مجموعة دول الشرق األوسط بأعلى تباين .7.37 جدول ( :)1مؤشرات عينة الدراسة للفترة .2008-1980 حجم االنحراف التباين المعياري المتوسط العينة 1.393 1.18020 2.4887 29 النمو لمجموعة الدول السبع الصناعية 3.382 1.83898 4.3269 29 النمو للدول الناشئة 7.371 2.71501 3.5952 29 النمو لدول الشرق األوسط 3.263 1.80642 2.8471 29 النمو ألمريكا *حسبت معدالت النمو للناتج المحلي اإلجمالي باألسعار الثابتة. وتشير هذه النتائج إلى اختالف واضح في معدالت النمو ودرجة استقرار النشاط االقتصادي بين دول وأقاليم العالم المختلفة .ويشير تباين إقليم الشرق األوسط الكبير مقارنة مع بقية األقاليم األخرى إلى أن ذبذبات وأزمات اإلقليم مختلفة وقد تعود إلى عناصر استقرار محلية واقليمية أكثر منها عالمية. لتقدير تشابكات االقتصاديات العالمية مع االقتصاد األمريكي تستخدم الدراسة النموذج القياسي البسيط التالي: Yg = B0 + B1 Xg + U حيث أن: :Xgتشير إلى معدل النمو السنوي في الناتج المحلي اإلجمالي الحقيقي ألمريكا والمفترض انه يؤثر على معدالت النمو الحقيقية للدول األخرى (متغير مستقل) :Ygتشير إلى معدل النمو السنوي في الناتج المحلي الحقيقي للدول أو األقاليم العالمية األخرى والمفترضة بأنها تتأثر بنمو أو ركود االقتصاد األمريكي (متغيرات تابعة). : B0 , B1معلمات النموذج المجهولة ،و Uالخطأ العشوائي والمفترض بأنه من النوع األبيض White .noise قبل تقدير النموذج وبالرغم من حقيقة أن المتغيرات تعكس معدالت نمو سنوية وبالتالي فمن غير المرجح أن تعاني من عدم االستقرار ،إال انه ال بد من التأكد من صحة التقدير وعدم وجود ظاهرة االنحدار الوهمي .(Thomas, 1997( spurious regressionلذا فقد تم استخدام اختبار دكي-فلر المعزز Augmented Dickey Fullerالستقرار stationarityالمتغيرات و /أو التكامل المشترك بين المتغيرات ، cointegrationالجدول رقم ( )2يبين نتائج هذا االختبار: جدول ( :)2نتائج اختبار االستقرار للسالسل الزمنية Augmented Dickey-Fuller ADF tests, order 2 احتمالية االختبار p-نتيجة االختبار قيمة تاو tau مستوى المتغير value 0.000 -5.26048 USRGROWTH رفض جذر الوحدة G7RGROWTH -3.84948 0.002452 رفض جذر الوحدة DEVEMRGROWTH -4.2981 0.01271 رفض جذر الوحدة MERGROWTH -4.07954 0.00668 رفض جذر الوحدة JORRGROWTH -3.77612 0.08612 رفض جذر الوحدة * اجري االختبار بوجود الثابت constantواالتجاه العام . trend وكما هو متوقع فان نتائج اختبار االستقرار أعاله تشير بوضوح إلى غياب جذر الوحدة unit rootلكافة المتغيرات مما يعني أن نتائج انحدار المربعات الصغرى العادية باستخدام هذه المتغيرات ستكون حقيقية وليست وهمية. نتائج التقدير في ضوء استقرار السالسل الزمنية قيمكن استخدام المربعات الصغرى العادية لتقدير العالقات طويلة األجل المتضمنة في النموذج القياسي المعرف أعاله ،وقد استخدمت طريقة Cochrane-Orcuttللتصحيح لمشكلة االرتباط الذاتي .autocorrelationالجدول رقم ( )3يبين نتائج التقدير: جدول ( :)3نتائج تقدير المربعات الصغرى المصححة.2008-1980 ، JORRGROW MERGROWT DEVEMRGROW G7RGROWT Coefficie TH H TH H nt 20.55 3.48 4.47 0.98 الثابت B0 )(3.30 ) (3.05 )(2.76 )(3.94 0.005 0.23 0.20 0.54 الميل B1 )(0.02 )( 0.98 )*(10.27 )**( 1.97 0.98 0.25 0.68 معامل التحديد 0.83 المعدل R2 األرقام بين األقواس تشير إلى قيم اختبار ستيودنت .t * ذات داللة إحصائية عند مستوى معنوية ** ،%1ذات داللة إحصائية عند مستوى معنوية .%5 وتشير نتائج التقدير القياسي للعالقات السببية وتشابكات معدالت النمو الحقيقي للدول واالقاليم الدولية الرئيسية ،إلى أن مستويات النشاط االقتصادي لكافة األقاليم أو الدول تتأثر طرديا بمستوى النشاط االقتصادي الحقيقي األمريكي ،مما يؤكد فرضية القيادة االقتصادية الذي يلعبه االقتصاد األمريكي .من ناحية أخرى فان هذه العالقات الطردية جاءت غير معنوية إحصائيا بالنسبة إلقليم الشرق األوسط وبالنسبة لألردن على وجه التحديد ،مما يعني أن مستوى النشاط االقتصادي الحقيقي في هذا اإلقليم واالردن بشكل محدد ال تتأثر كثي ار بمستوى النشاط االقتصادي الحقيقي األمريكي .بالطبع فان هذه النتيجة ال تنفي إمكانية تأثر اقتصاديات دول هذ ا اإلقليم على الصعيدين المالي والنقدي .في المقابل فان العالقات التشابكية قوية وذات داللة إحصائية مع مجموعة الدول الصناعية السبع ومع مجموعة الدول النامية والصاعدة على التوالي. ويالحظ أن مستوى النشاط الحقيقي لمجموعة الدول الصناعية السبع يتأثر بشكل فوري وبدرجة أقوى نسبيا بالتغيرات في مستوى النشاط االقتصادي األمريكي ،وعلى وجه التحديد فان تراجع االقتصادي األمريكي بنسبة %1مثال سيعني تراجعا في النشاط االقتصادي لهذه المجموعة بنسبة ( % 0.54أي النصف تقريبا). بالمقابل فان نفس الركود أو التراجع األمريكي المذكور سيقود إلى ركود ولكن بدرجة اضعف (بمقدار )%0.2 في اقتصاديات الدول النامية والناشئة. وتدعم هذه النتائج تحليل آليات نقل األثر الموضحة أعاله وتشير اال ان ظاهرة العولمة االقتصادية قد نجحت في بناء تشابكات مالية وحقيقية بين االقتصاديات العالمية المختلفة وان بدرجات وسرعات متفاوتة. فاستجابة الزمة العقارات وأسواق المال األمريكية ستتأثر اقتصاديات معظم دول العالم سواء المتقدمة أو النامية ،مما جعل ظاهرة الركود وشح السيولة األمريكية ظاهرة عالمية أثرت بشكل رئيسي على صغار المستثمرين والمنشات صغيرة ومتوسطة الحجم في مختلف أقاليم ودول العالم. ولكن من الواضح أن األثر المحدد لهذه األزمات سيتفاوت من دولة إلى أخرى وسيعتمد على مجموعة من العوامل أهمها: -1درجة االنفتاح التجاري :تتفاوت الدول من حيث درجة اعتمادها على الصادرات والواردات من السلع والخدمات مما يعني تفاوتا في تأثرها بالية تعادل األسعار ،فالدول األكثر انفتاحا ستتأثر بدرجة أعلى من الدول األقل انفتاحا .من ناحية أخرى فان الدول المعتمدة على التصدير وخاصة للسوق األمريكي واألسواق األوروبية ستعاني من تباطؤ في الطلب على صادراتها مما سيؤدي إلى انخفاض وتراجع في أسعار صادراتها ،وقد انعكس ذلك في اآلونة األخيرة في تراجع أسعار بعض السلع الحيوية كالبترول ومشتقاته والعقارات وبعض المعادن والسلع الزراعية .ويتوقع ان تعمل سيكولوجية التوقعات المتشائمة على مزيد من التدهور في أسعار هذه السلع والى مزيد من الضغوط االنكماشية .وبالطبع فبقدر ما تلحق هذه التطورات الضرر بمصدري هذه السلع فإنها في نفس الوقت تفيد الدول المستوردة لهذه السلع. -2درجة التورط المالي :كلما كانت درجة تورط البنوك والشركات االستثمارية للدول النامية في عمليات اإلقراض واالستثمار والمضاربة في األسواق الدولية وخاصة األمريكية ،كلما تعرضت هذه المؤسسات لحجم اكبر من الخسائر .وهنا من المتوقع أن تعاني الدول النامية الغنية وخاصة التي تمكنت خالل السنوات األخيرة من مراكمة قدر كبير من العمالت الدولية مستفيدة من ارتفاع أسعار صادراتها، األمر الذي ولد عندها فائض سيولة شقت طريقها لإلقراض والمضاربة في هذه األسواق الدولية لالستفادة من معدالت المردود العالية قبل انفجار األزمة .بالمقابل ستعاني بدرجة اكبر مجموعة الدول النامية ذات األسواق المالية المنفتحة بدرجة اكبر على االستثمارات المالية األجنبية ،وذلك الن توقعات هبوط األسواق إضافة إلى الشح في السيولة في دول هؤالء المستثمرين سيدفعهم إلى سحب استثماراتهم المالية من تلك األسواق. -3درجة االعتماد على المساعدات الخارجية :ستعاني بدرجة اكبر تلك الدول النامية المعتمدة بدرجة اكبر على المساعدات التي تقدمها الدول المتقدمة ،وذلك الن انشغال هذه الدول في معالجة مشاكلها الداخلية وحاجتها للموارد المالية وزيادة الضغوط المحلية المعارضة لهذه المنح والمساعدات خالل الفترة الركود االقتصادي القادمة ،سيدفعها إن لم يكن لوقف هذه المساعدات ،فعلى األقل إلى تقليص حجمها .من ناحية أخرى فان هذا التأثير السلبي قد يولد أثرا ايجابيا يدفع هذه الدول إلى مزيد من االعتماد على الذات وتشغيل أكفأ لمواردها االقتصادية. -4حجم المديونية الخارجية :بالرغم من أن انخفاض أسعار الفوائد المتوقع في ظل االنكماش سيساهم في تقليل عبء المديونية الخارجية إال أن أزمة السيولة واإلقراض الحالية ستجعل عمليات بيع الديون واعادة الجدول ة في المستقبل اقل احتماال ،األمر الذي قد يعني مزيدا من الصعوبات وخيارات اقل أمام الدول المدينة مما قد يهدد مسيرتها التنموية المستقبلية. -5سياسة سعر الصرف األجنبي :كما اشرنا أعاله فان نظام الصرف الدولي الحالي اقرب إلى نظام التعويم المدار ،غير أن عددا كبي ار من الدول النامية قد اختار تثبيت قيم عملته مقابل الدوالر األمريكي بصفته عملة المدفوعات الدولية الرئيسية .وبالتالي فمن المتوقع أن تعاني هذه الدول بدرجة اكبر مقارنة بالدول التي اختارت التعويم المدار أو حتى التثبيت مقابل سلة منوعة من العمالت الرئيسية .فقيمة كا فة األصول واالستثمارات المقيمة بالدوالر سواء بالداخل أو الخارج قد تراجعت وتآكلت خالل السنوات األخيرة بنفس درجة التراجع في قيمة الدوالر ،وقد خسر الدوالر أكثر من ثلث قيمته خالل السنوات القليلة الماضية .من ناحية أخرى فان سياسة تثبيت سعر الصرف في ظل عولمة األ سواق المالية وحرية تدفقات األموال دوليا سيفقد الدولة السيطرة على سياستها النقدية مما يد من قدرته على مكافحة الدورة االقتصادية ومظاهرها من تضخم وبطالة. -6درجة التنوع االقتصادي واالستثماري :ستعاني بدرجة اكبر تلك الدول التي تتصف بدرجة اكبر من التركز في استثما ارتها الدولية سواء على الصعيد الجغرافي أو على صعيد القطاعي .فكلما تركزت االستثمارات في سوق واحد كالسوق األمريكي مثال وفي قطاع واحد كالقطاع المالي والعقاري كلما كانت الخسائر المتوقعة أكير .من ناحية أخرى فان االقتصاديات ذات الهياكل اإلنتاجية األقل تنويعا كتلك المعتمدة على سلعة واحدة أو على عدد قليل من السلع ستعاني من الضغوط االنكماشية بدرجة اكبر .وبالمثل يتوقع أن تعاني بدرجة اكبر اقتصاديات تلك الدول المعتمدة بدرجة كبيرة على قطاع الخدمات وخاصة في المجاالت المصرفية والتامين والسياحية. -7العوامل النفسية :نظ ار العتماد توقعات الوحدات االقتصادية على عوامل نفسية واجتماعية وثقافية خارجة عن السيطرة ومعقدة ومتفاوتة من مكان ألخر ،فان مقدار اآلثار الناجمة على اقتصاديات هذه الدول سيتفاوت وفقا لحالة التوقعات السائدة .ويلعب هذا العامل دو ار رئيسيا في حالة األزمات االقتصادية ويمكن أن يضاعف من حجم اآلثار وبشكل ال يخضع ألي قاعدة منطقية .وحتى في حالة الدول المتشابهة من حيث العوامل السابقة جميعا ال يتوقع أن تكون اآلثار متشابهة على اقتصادياتها .وكما اشرنا سابقا فيمكن أن يتطور اثر التوقعات إلى ديناميكية خطيرة تهدد االستقرار والثقة في النظام االقتصادي برمته. -8مدى انتشار حاالت الفشل السوقي والمشاكل االقتصادية الكلية :ستعاني بدرجة أكير اقتصاديات الدول التي تعاني من انتشار حاالت الفشل السوقي كاالحتكارات وضعف المنافسة وسياسات التدخل الخاطئة وعدم توفر المعلومات والشفافية ....الخ .من ناحية أخرى يتوقع أن تتفاقم وتتفاعل المشكلة بشكل اكبر في الدول التي تعاني من مشاكل اقتصادية كلية مزمنة كالبطالة والتضخم وارتفاع المديونية الخاصة والعامة وغيرها من االختالالت الهيكلية والتجارية. يتضح من هذا العرض والتحليل أن آثار األزمة ستمتد إلى جميع أرجاء العالم ولكن بدرجات متفاوتة من التأثير اعتمادا على مجموعة العوامل أعاله. اآلثار المتوقعة على األردن تعتبر األردن من الدول العربية النامية صغيرة الحجم اقتصاديا ،وبالتالي فان مدى تأثرها سيعتمد أيضا على العوامل الموضحة أعاله ،وال نستطيع حساب اآلثار الكمية الدقيقة على االقتصاد األردني ما لم تتوفر معلومات وبيانات تفصيلية عن كل من هذه العوامل ،ولكن هناك بعض المؤشرات العامة التي يمكن االعتماد عليها لالستنتاج بشكل مشروط حول اآلثار المحتملة: -1يعتبر االقتصاد األردني من االقتصاديات المنفتحة نسبيا مما يعني بالضرورة تاثره باالزمة المالية بشكل عام ،من ناحية اخرى تتمتع المملكة بمستوى جيد من التنويع اإلنتاجي واالستثماري مما يحد من اآلثار السلبية لالزمة .أما على الصعيد القطاعي فان قطاعي العقارات والمالي مرشحة بان تعاني بشكل أكبر نسبيا خال الفترة القادمة .إضافة إلى ذلك فان قطاع السياحة يمكن أن يتعرض لالنكماش بسبب الركود العالمي المتوقع في الطلب على خدمة السياحة. -2من المعروف أن النظام المصرفي األردني من بين األنظمة المصرفية األكثر تنظيما واألكثر تحفظا في مجاالت اإلقراض واالستثمار مقارنة بمثيالتها في المنطقة ،األمر الذي سيحد من اآلثار السليبة الزمة الرهن العقاري .إضافة إلى ذلك فان أداء الجهاز المصرفي مطمئن فنسبة كفاية رأسمال الفعلية تصل إلى %18وهي بذلك أعلى من متطلب البنك المركزي األردني البالغ ،%12وأعلى بكثير من المعايير الدولية والبالغة %8وفقا التفاق بازل. -3يعتبر السوق المالي األردني من أكثر أسواق المنطقة خبرة وتنظيما ،ولكن نظ ار النفتاحه المتزايد على االستثمارات العربية واألجنبية بحيث أصبحت تشكل أكثر من %60من إجمالي استثماراته، فان ذلك يجعله منكشفا وعرضه لالنكماش في حال إقبال هؤالء المستثمرين على البيع بكثافة .إال أن األثر النهائي ال يمكن التنبؤ فيه بشكل دقيق العتماده على عوامل نفسية وتوقعات ديناميكية ال تخضع لمبدأ الرشد. -4يمكن أن تتفاعل الضغوط االنكماشية المنتظرة مع المشاكل الكلية األخرى التي يواجهها االقتصاد كالبطالة والعجز التجاري وعجز الموازنة والمديونية مما يحمل في ثناياه عوامل خطورة تستدعي الحذر واالهتمام من قبل صانعي الق اررات والسياسات. -5يمكن أن يؤدي التراجع في الطلب العالمي الناتج عن األزمة المالية إلى تراجع في أسعار بعض السلع األساسية كالبترول واألغذية وبعض المعادن األمر الذي سيساعد في كبح الضغوط التضخمية المحلية ويخفض من فاتورة االستيراد. -6ستتغير قيمة الدينار بشكل مواز لتغيرات الدوالر في األسواق الدولية كذلك فان ممتلكات األردن من األصول والعمالت واالحتياطيات المقيمة بالدوالر ستتأثر تبعا لتحركات الدوالر ،من ناحية أخرى وكما سبقت اإلشارة إليه يمكن أن تحد سياسة تثبيت سعر الصرف األجنبي من قدرة السياسة النقدية األردنية في مواجهة األزمة االقتصادية. -7نظ ار لكون األردن من الدول عالية المديونية نسبيا فيمكن أن تؤدي هذه األزمة إلى اثرين :األول ايجابي يتعلق بانخفاض خدمة المديونية لتراجع أسعار الفوائد ،والثاني سلبي ناتج عن زيادة الصعوبات المستقبلية فيما يتعلق بخيار بيع الدين أو إعادة جدولتها. -8قد يعاني األردن بشكل محدود كونه دولة مستقبلة للمساعدات الدولية وذلك نظ ار إلمكانية قطع أو تقليص هذه المساعدات إذا ما انشغلت الدول المانحة والمؤسسات الدولية في عالج أزماتها الداخلية .من ناحية أخرى ونظ ار لكون م عظم التحويالت المالية لألردن قادمة من منطقة الخليج العربي (بنسبة %75من اجمالي التحويالت) ،ونظ ار لتأثر األخيرة سلبا باألزمة المالية وانخفاض أسعار النفط فيتوقع أن تتراجع هذه التحويالت المالية لألردن. -9يتوقع أن يؤدي االنكماش االقتصادي العالمي وشح االئتمان إلى تراجع في الطلب االستثماري واالستهالكي المحلي وركود في سوق العقارات ،غير أن حجم هذا األثر سيتوقف على سياسة أسعار الفوائد المحلية وعما إذا سمح لها بالتعادل (االنخفاض) مع أسعار الفوائد العالمية وبالذات بنسب تجاري مثيالتها في السوق األمريكية. -10ستعمل األزمة عل ى تعزيز الدور الحكومي في مجاالت اإلشراف والرقابة والتنظيم والتشريع والسياسات في مختلف أنواع النشاطات االقتصادية والتجارية. بالطبع فان هذا التحليل أولي وتعتمد درجة صحته على مدى دقة المعايير واالفتراضات التي يقوم عليها .من ناحية أخرى يمكن للحكومة أن تحد من اآلثار السلبية المتوقعة من خالل مجموعة من اإلجراءات والسياسات الممكنة :feasible -1زيادة درجة الشفافية وتوفير البيانات والمعلومات حول المعطيات االقتصادية والمالية بشكل منتظم ومستمر -2تبني حزمة من اإلجراءات مصممة لتعزيز الثقة بالنظام المالي والمصرفي والحد من المضاربات السلبية كتعهدها بضمان الودائع المحلية أو االلتزام بعدم السماح بحاالت االنهيار وتقديم التسهيالت االئتمانية السهلة للمؤسسات المتعثرة...الخ -3زيادة درجة التنسيق والتعاون على المستوى العربي للوصول إلى سياسات واجراءات موحدة لمواجهة توابع هذه األزمة على كافة الدول العربية ،حيث أن الجهود المنفردة ال تستطيع مواجهة األزمة ذات الطبيعة العالمية. -4إدخال األنظمة الرقابية الصارمة والتشريعات الالزمة لتنظيم كافة النشاطات االقتصادية وخاصة المالية منها المتعلقة باألدوات والمشتقات المالية الحديثة ،ويشمل ذلك تشجيع المؤسسات المصرفية والمالية على تطوير أنظمتها المحاسبية والرقابية وزيادة درجة الشفافية -5استخدام أدوات السياسة النقدية والمالية بشكل منسجم للحد من الضغوط االنكماشية ودون إفراط لتجنب الضغوط التضخمية خاصة في ضوء االرتفاع الحالي في األسعار -6ال بد على المدى البعيد من إعادة النظر في السياسات النقدية وسياسة أسعار الصرف األجنبي في ضوء التطورات والتغيرات المتوقعة في مؤسسات ونظام المدفوعات الدولي. الحلول واآلفاق الدولية بالرغم من تعدد األزمات المالية التي شهدها العالم منذ انتهاء العمل بنظام برتن -وودز عام ،1971إال أن األزمة المالية واالقتصادية التي يشهدها العالم اآلن تعتبر األسوأ من حيث تجذرها وحجم األصول المخاطرة ومدى انتشارها العالمي .والسيناريو األسوأ هو أن تدفع هذه األزمة االقتصاد العالمي إلى حالة من الكساد مشابهة لحالة الكساد الكبير الذي حدث في أواخر العشرينات من القرن السابق .وفي هذا الصدد انقسم االقتصاديون والمحللون إلى قسمين :قسم يرى أن األسوأ في األزمة المالية العالمية قد تم تجاوزه ،وقسم آخر يرى أن األسوأ قادم .واعتقادنا أن هذه األزمة الحالية ذات طبيعة متفاقمة ومعقدة ولن تكون عابرة وان آثارها االنكماشية ستمتد إلى فترة ليست بالقصيرة ،وان الفترة القادمة قد تشهد مزيدا من االنهيارات المالية واالقتصادية وتفشي مشكلة البطالة .وبالرغم من هذه الصعوبات المتوقعة وحالة التراجع االقتصادي إال انه من غير المتوقع أن تؤدي إلى حالة مشابهة لحالة الكساد الكبير. وبشكل عام ستعتمد درجة الركود االقتصادي وطول مدتها على حزمة اإلجراءات والسياسات المتبعة من قبل الواليات المتحدة بشكل خاص وبقية دول العالم ،وعلى مدى االستجابة لها من قبل الوحدات االقتصادية المختلفة .وما تقوم به أمريكيا وبقية دول العالم اآلن من إجراءات وسياسات لمواجهة األزمة تتلخص بما يلي: -1ضخ مبالغ هائلة من النقود في األسواق المالية للحد من مشكلة النقص الحاد في السيولة العالمية -2مساعدة المؤسسات المالية المتعثرة من خالل شراء ديونها المعدومة أو دخول الحكومة كشريك ومن خالل التملك العام (التأميم) وتشجيع عمليات االندماج واالستحواذ -3اعتما د سياسة نقدية توسعية لخفض أسعار الفائدة وتشجيع االستثمار واالستهالك بقصد الحد من التراجع االقتصادي -4وللحد من عامل التوقعات فقد لجأت الحكومات إلى رفع سقف الودائع المضمونة أو إلى الضمان الكامل للودائع في بعض الدول. هل تكفي هذه السياسات لحل األزمة؟ يعتمد ذلك على مجموعة من العوامل أهمها حجم هذه األموال المضخوخة اإلضافية مقارنة بحجم الديون واألصول محل المخاطرة ،واالعتقاد السائد أن حجم هذه األموال اإلضافية والبالغة 7تريليون دوالر في السوق األمريكي اقل بكثير من حجم األصول والقروض المعرضة للخطر والتي تصل إلى أضعاف هذا المبلغ .غير أن لها آثا ار ايجابية فيما يتعلق بالتوقعات ويمكن أن تؤدي على المدى البعيد إلى انحصار الضغوط االنكماشية .من ناحية أخرى فان استمرار سياسة التوسع النقدي تنطوي على مخاطرة إشعال فتيل التضخم وخاصة في ضوء االرتفاع الملموس في األسعار بسبب ارتفاع كلفة النفط والمبالغة في اإلنفاق العام .من ناحية أخرى فان االنخفاض المستمر في أسعار الفوائد األمريكية قد بلغ أقصى مداه وحول أسعار الفوائد الحقيقية إلى سالبة في أمريكيا مما يزيد من مخاطر هجرة األموال للخارج، ويحد من إمكانية االستمرار في التوسع النقدي كوسيلة للخروج من أزمة التراجع الحالية. أما فيما يتعلق بإجراءات التملك الحكومي واالندماجات فبالرغم من آثارها االيجابية على المدى القصير والمتمثلة بالحيلولة دون المزيد من االنهيارات وتحسين نفسية األفراد والشركات ،إال أنها أيضا تنطوي على مخاطر تمتد من المجازفة بتبديد األموال العامة وتفاقم المديونية الحكومية وصوال إلى التشكيك في مستقبل النظام االقتصادي الرأسمالي برمته. مستقبل الرأسمالية ونظام السوق الحر تثير هذه األزمات المالية واالقتصادية المتالحقة تساؤالت حول مستقبل النظام االقتصادي الرأسمالي أو ما يسمى نظام السوق الحر .بداية من المفيد مالحظة أن معظم األنظمة االقتصادية الحالية ال تتبع النظام الرأسمالي الحر القائم على مبدأ اليد الخفية invisible handالذي جاء به ادم سميث Adam Smith في أواخر القرن الثامن عشر .وانما يمكن اعتبارها جميعا وان بدرجات متفاوتة ،أنظمة اقتصادية مختلطة mixed economiesقائمة على مبدأ حرية األسواق االقتصادية المستندة إلى وجود دور اقتصادي فاعل للحكومة (ليس فقط امني ودفاعي) ،وقد كان االقتصادي الكبير جون – كينز John Maynard Keynesأول من دعا له .من جهة أخرى يجب التنويه بان النظام الرأسمالي يقدم الكفاءة االقتصادية والحوافز الخاصة على مبدأ العدالة االقتصادية واالجتماعية ،األمر الذي يستدعي كما الحظ كينز نفسه وجود دور حكومي مكمل لسد هذه الفجوة. من ناحية أخرى فان الدورة االقتصادية وما يرافقها من تقلبات اقتصادية تعتبر سمة مالزمة لالقتصاد الرأسمالي ،حيث مرت االقتصاديات الرأسمالية منذ نشأتها بدورات توسع وهبوط مستمرة ومختلفة من حيث حدتها وطول فترتها ،ولكنها تمكنت من تجاوزها جميعا بما في ذلك مشكلة الكساد الكبير األسوأ تاريخيا .وكما أن هناك ازدهار ورفاه وجني لألرباح في حاالت التوسع االقتصادي ،فهناك حاالت من اإلفالس والمعاناة في حاالت التراجع االقتصادي .واعتقادنا أن األزمة الحالية ال تختلف عن سابقاتها من حيث ارتباطها بالدورة االقتصادية وأنها سوف تنحصر في النهاية وان تطلب ذلك مرور بعض الوقت ومزيدا من المعاناة. إضافة إلى ذلك فإن الممارسات الخاطئة التي ترعرعت في ظل النظام االقتصادي المعاصر وغياب دور حكومي منظم ومراقب وفاعل هي المسئولة بشكل رئيسي عما وصلت إليه األزمة المالية واالقتصادية الحالية .وخاصة أن نفس هذه الفترة قد شهدت تطو ار سريعا وغير مسبوق في أسواق المال ومشتقاتها وزيادة درجة التكامل والتشابك بين دول العالم في ظل تصاعد ظاهرة العولمة ،مما خلق فجوة هائلة في مجال التشريعات والقوانين وأنظمة الرقابة. وكما سبقت اإلشارة أعاله فان بذور األزمة بدأت منذ عام 1971في أعقاب التخلي عن نظام مدفوعات برتون -وودز Bretton Woodsوما أعقب ذلك من سياسات اقتصادية أمريكية وبريطانية خاصة في عهد كل من الرئيس األمريكي ريجن ورئيسة الوزراء البريطانية تاتشر أدت إلى ارتداد عن دور الدولة الفاعل الذي دعى له االقتصادي كينز .وقد تال ذلك موجات محمومة من الخصخصة وتغييب األنظمة والتشريعات االقتصادية ، economic deregulationوتقليص حجم ودور الحكومة االقتصادي بشكل غير مسبوق ،مما مهد إلى إيجاد بيئة مواتية لظهور ونمو الممارسات االقتصادية والمالية الخاطئة والمدفوعة بحافز الربح السريع والجشع البشري. واعتقادنا أيضا أن السياسات المتبعة من قبل مؤسسات النظام الدولي كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية قد ساهمت في الوصول إلى هذه البيئة المتضخمة من حيث تدفقات األموال واألصول والتبادل التجاري ،والمنكمشة من حيث الدور الحكومي .فبرامج هذه المؤسسات الدولية الموجهة نحو تشجيع الخصخصة وتغييب التنظيمات واألنظمة الحكومية ودفع الدول نحو مزيد من االنفتاح المتسرع كلها ساهمت بالوصول إلى هذا الوضع العالمي المتأزم (.* (Stiglitz, 2000 إضافة إلى ذلك فان السياسات الخاطئة لكثير من الدول واندفاعها غير المدروس نحو االنفتاح التجاري والمالي والخصخصة المتسرعة في ظل استشراء حاالت الفشل السوقي المنتشرة فيها لعبت دو ار في مفاقمة األزمة وتطورها للوضع الحالي. ويسيء الفهم العديد ممن يعتقدون أن نظريات السوق االقتصادية تتطلب االنفتاح والتحرير المطلق لألسواق ،فالنظرية االقتصادية المعروفة بنظرية الخيار الثاني األفضل ، second best theoryسبق وبينت أن سياسات الحماية في ظل انتشار التشوهات السوقية تمثل احد الحلول المفضلة على سياسة االنفتاح والتحرير غير المشروط (. )Lipsey, 1957 توقعنا بتجاوز النظام الرأسمالي من هذه األزمة ال يعني أنها سوف ال تؤدي إلى آثار عميقة ودائمة وتؤثر على تركيبة النظام النقدي والمالي الحالي وقد تغير دور الالعبين األساسيين فيه .وعلى وجه التحديد يتوقع أن تترك األزمة الحالية اآلثار التالية في األجل الطويل.: -1ال بد من إعادة تفعيل دور الحكومة االقتصادي والعودة إلى مبدأ التدخل الكينزي لتنظيم ورقابة عمل آليات السوق وسلوك الالعبين فيه .ولذلك يتوقع انحصار عمليات الخصخصة ومزيدا من التفعيل لسياسات الحكومة االقتصادية والتجارية والعودة إلى تفعيل وتطوير آليات التنظيم والرقابة الحكومية وخاصة في مجال النشاطات المالية والتجارية. -2ستميل البنوك والمؤسسات المالية واالستثمارية إلى تغيير عادات إقراضها واستثمارها بحيث يتم التركيز على أهداف االستقرار والثبات المالي أكثر من أهداف المخاطرة العالية لجني األرباح السريعة. -3سيتراجع دور الواليات المتحدة ودور الدوالر األمريكي في النظام النقدي واالقتصادي الدولي مما سيمهد الطريق لظهور نظام نقدي ومالي أكثر توازنا وعدالة. -4يتوقع أن تؤدي هذه األزمة إلى إعادة النظر في النظام النقدي والمالي الدولي برمته بما في ذلك مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية .ويتوقع حدوث إصالحات نحو زيادة الدور الرقابي واإلشرافي لهذه المؤسسات وخاصة فيما يتعلق بضبط حركات األموال واألصول األخرى عبر الدول وباتجاه مزيد من الشفافية. ، أخي ار فان دول العالم ستدرك أكثر أهمية التعاون الدولي والجماعي في مواجهة مشاكل العولمة-5 وتدفعها إلى درجة اكبر من التنسيق في سياستها واجراءاتها واالبتعاد عن ردود الفعل الفردية لعدم .جدواها في ظل العولمة :المراجع IMF, World Economic Outlook, 2008. -1 http://www.thewe.cc/contents/more/archive/us_debt.html : الموقع االلكتروني-2 US Census Bureau http://www.census.gov/index.html : الموقع االلكتروني-3 Wikipedia Encyclopedia http://en.wikipedia.org -4 5- Xing Li and Jacques Hersh. 2008. understanding capitalism: crises and passive revelutions Research Center on Development and International Relations, Institute for History, International and Social Studies, Aalborg University, Fibigerstraede 2, 9220, Aalborg, Denmark. 6- Joseph Stiglitz. 2000. The New Rebublic for the Insider, in "Policy Issues for Business", sage publication. UK. 7- R.G. Lipsey & Kelvin Lancaster, The General Theory of Second Best, The Review of Economic Studies, Vol. 24, No. 1. (1956 - 1957), pp. 11-32. 8- R. Thomas, Modern Econometrics, Addison Wesley Longman, 1997. 9- UNCTAD WEBSITE: www.unctad.org 10- WTO, WORLD TRADE 2007, PROSPECTS FOR 2008. 11- .1995 ، نشر بدعم من معهد الدراسات المصرفية. نظريات وسياسات: التجارة الدولية. طالب،عوض
© Copyright 2026 Paperzz