تحميل الملف المرفق

‫أثر التقلبات المالية الدولية على أسواق الدول النامية‬
‫إعداد‪:‬‬
‫طالب عوض*‬
‫المرصد االقتصادي‪ -‬الجامعة األردنية‬
‫ديسمبر ‪2008‬‬
‫‪ -1‬مفهوم األزمة المالية‬
‫يرتبط مفهوم األزمة المالية بما تحدثه حركات رؤوس األموال عبر الدول من حاالت عدم االستقرار المالي‬
‫واالقتصادي في األجل القصير‪ .‬ولعل انفجار فقاعة العقارات الحالية وما نتج عنها من اضطرابات في أسواق‬
‫المال والعقارات خير مثال على ذلك‪ .‬ويلعب طلب المستثمرين والمضاربين على األصول المالية والنقدية دورا‬
‫هاما في ظهور الفقاعة وتضخمها إلى حد يفوق الحجم المعقول‪ ،‬مما يؤدي في النهاية إلى انفجارها وظهور‬
‫ما يعرف باألزمة المالية‪ .‬ومن الجدير بالذكر أن بروز األزمة المالية في أعقاب انفجار الفقاعة ال يعدو إال‬
‫عارضا أوليا ال يلبث أن يتفاعل محليا ودوليا وتمتد آثاره إلى كافة المناحي االقتصادية الحقيقية‪ .‬وقد ساهمت‬
‫العولمة االقتصادية وما رافق ها من انفتاح وتحرر اقتصادي إضافة إلى التطورات التكنولوجية في مجاالت‬
‫االتصال والنقل والوسائط المتعددة والمشتقات المالية الحديثة في ظهور تدفقات مالية ومصرفية ضخمة الحجم‬
‫وسريعة الحركة بشكل غير مسبوق‪ .‬وقد رافق ذلك إقبال غير مسبوق من قيل المستهلكين في دول العالم‬
‫الغنية وخاصة أمريكا وأوروبا على شراء السلع االستهالكية المعمرة والتفاخرية كاألثاث والتجهيزات المنزلية‬
‫والسيارات واليخوت مستفيدين من وفرة االئتمان السهل‪ ،‬األمر الذي ضاعف من قيمة التسهيالت االئتمانية‬
‫الممنوحة وأدى الى زيادة احتمالية ظهور الفقاعات وسرعة تضخمها ثم انفجارها‪.‬‬
‫‪ -2‬آثار وامتدادات األزمة المالية‬
‫في أعقاب انفجار أي فقاعة مالية أو نقدية تتضرر بداية ومباشرة المصارف والشركات المالية الدائنة نظ ار‬
‫لعجز األفراد المقترضين عن سداد قروضهم‪ ،‬وتهبط قيم أألسهم واألصول المالية وتتراجع أألرباح وتتفشى‬
‫حاالت اإل فالس‪ .‬وينتج عن ذلك حالة عامة من الذعر في األوساط المالية والمصرفية يؤدى إلى تردد البنوك‬
‫ومؤسسات اإلقراض في منح االئتمان سواء للمؤسسات بما فيها البنوك أو لألفراد‪ .‬وقد ينتج عن ذلك نقصا‬
‫حادا في السيولة واالئتمان المتاح لالستهالك واالستثمار وينعكس في النهاية على كافة القطاعات االقتصادية‬
‫وخاصة العقارية منها‪.‬‬
‫‪‬‬
‫أستاذ بقسم اقتصاد األعمال‪ ،‬كلية األعمال ‪ ،‬الجامعة األردنية‪.‬‬
‫أنشأ المرصد االقتصادي بموجب اتفاقية شراكة بين كل من الجامعة األردنية وغرفة صناعة األردن‬
‫وغرفة تجارة عمان‪.‬من ناحية أخرى‪ ،‬فان االنهيارات المالية وما يتبعها من تباطؤ اقتصادي ونقص في‬
‫السيولة وتراجع في قيم أصول المؤسسات المالية‪ ،‬يخلق توقعات تشاؤمية لدى المستثمرين والمضاربين‬
‫في األسواق المالية والحقيقية على حد سواء‪ .‬ويمكن أن يؤدي ذلك إلى موجات متصاعدة وغير منتظمة‬
‫من البيع في األسواق المالية والنقدية واألصول المختلفة والى تراجع مستمر في أسعار أألسهم في‬
‫البورصات وتآكل كبير في قيم األصول المالية والحقيقية‪ .‬وال يقتصر أثر األزمة المالية على القطاع‬
‫المالي والنقدي وانما يتعداه لألسواق الحقيقية من خالل ما ينتج عنه من تراجع عام في االستهالك‬
‫واالستثمار والدخل واإلنتاج وتفشي لمشكلتي الفقر والبطالة‪.‬‬
‫‪ -3‬العولمة واليات نقل األزمة‬
‫تعززت عولمة االقتصاديات الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وظهور‬
‫منظمة الجات لتحرير التدفقات التجارية الدولية‪ ،‬وما رافق ذلك من تقدم تقني في مجاالت االتصاالت والنقل‬
‫والشبكات اال لكترونية وظهور ما يعرف بالمشتقات المالية ‪ financial derivatives‬الجديدة والمعقدة*‪،‬‬
‫األمر الذي أدى إلى مضاعفة حجم وسرعة تدفقات األصول المالية (إضافة إلى تدفق السلع والخدمات وعوامل‬
‫اإلنتاج) بين دول العالم إلى مستويات غير مسبوقة فاقت سرعة التطورات في التشريعات واألنظمة الالزمة‬
‫لتنظيم هذه التدفقات‪ .‬كل ذلك أدى إلى زيادة التشابك والتداخل بين دول وأقاليم العالم وجعله يبدو كقرية‬
‫صغيرة إذا ما وقع حدث في أي جزء منه اثر بشكل مباشر وفوري على كافة أجزائه األخرى‪ .‬وقد ساهمت‬
‫ظاهرة العولمة واالنفتاح في زيادة حجم التبادل التجاري الدولي واالستثمارات الدولية بشقيها الحقيقي والمالي‬
‫األمر الذي ساهم في زيادة معدالت النمو االقتصادي وانعكس ايجابيا على رفع مستويات المعيشة وان‬
‫بدرجات متفاوتة لمعظم دول العالم‪.‬‬
‫من ناحية أخرى فان التدفقات الهائلة لالستثمارات المالية الدولية واتسامها بالتركز مع نمو ظاهرة‬
‫المؤسسات المالية الضخمة عابرة الحدود والنقص في وسائل الرقابة والتنظيم ‪ ، regulation‬قد ساهم في‬
‫ظهور اختالالت غير متوقعة في أسواق المال من فترة ألخرى سرعان ما تنتشر آثارها لمعظم أجزاء العالم‪.‬‬
‫وعلى وجه التحديد فان أي خلل مالي أو اقتصادي في احد األسواق الدولية الرئيسية كالسوق االمريكي الذي‬
‫يلعب دور القائد لألسواق العالمية نظ ار ألنه يشكل حوالي ثلث حجم السوق المالي العالمي‪ ،‬سيؤدي الى‬
‫اختالالت موازية في األسواق العالمية األخرى ما تلبث أن تتحول إلى أزمة مالية واقتصادية عالمية خارجة عن‬
‫نطاق سيطرة أي دولة من دول العالم منفردة‪ .‬ولعل أزمة الرهن العقاري الحالية تمثل خير مثال على ذلك‪،‬‬
‫فعلى إثر هبوط قيم األسهم في ول ستريت انخفض المؤشر العام لقيم األسهم في فرانكفورت وباريس ولندن‬
‫ومدريد وطوكيو وشنغهاي وساوباولو والرياض ودبي و بيروت وعمان والقاهرة وان كان بنسب متفاوتة‪.‬‬
‫وانتقلت عدوى األزمة األميركية إلى جميع أنحاء العالم مع مالحظة أن نسبة التراجع لم تكن على وتيرة واحدة‬
‫ولم تقتصر فقط على أسهم الشركات العقارية وانما تعدتها إلى شركات تعمل في مختلف النشاطات‬
‫االقتصادية‪.‬‬
‫‪ -1.3‬آليات نقل األثر‬
‫السؤال الهام هنا يتمحور حول كيفية انتقال أعراض أالزمة إلى قطاعات اقتصادية أخرى من جهة والى‬
‫دول أخرى من جهة أخرى؟ اإلحاطة بحجم وتطورات األزمة المالية يقتضي التعرض ولو بشكل سريع لآلليات‬
‫المحلية والدولية في ظل العولمة والتي من خاللها يتم نقل األزمة وآثارها المختلفة‪:‬‬
‫‪ -1‬آلية أسعار األصول المالية‪ :‬في ظل العولمة كما اشرنا سابقا فان حركة األموال بين الدول قد تحررت‬
‫وتضاعف حجمها عشرات المرات خال العقود الخمسة األخيرة‪ .‬وبالتالي فان تدفقها إلى داخل أو‬
‫خارج دولة أو إقليم ما بحثا عن األرباح بهذه األحجام الضخمة يمكن أن يخلق حاالت اختالل سوقي‬
‫يترتب عليها تغيرات حادة في أسعار األسهم والسندات والفوائد‪ .‬فعلى سيل المثال فان تدفق أموال‬
‫المضاربة واالستثمار بأحجام كبيرة إلى سوق دولة أو إقليم ما سيخفض أسعار الفوائد ويرفع أسعار‬
‫األسهم واألصول المالية األخرى بشكل حاد ويزيد بشكل كبير من أرباح المضاربين في أسواق المال‪.‬‬
‫من ناحية أخرى فان انخفاض أسعار الفوائد سينقل هذا األثر المالي أو النقدي إلى االقتصاد الحقيقي‬
‫من خالل قناتين رئيسيتين‪:‬‬
‫أ‪ -‬قناة االستثمار‪ :‬ستشجع أسعار الفائدة المنخفضة المستثمرين في كافة القطاعات االقتصادية بما فيها‬
‫الشركات العقارية وغير العقارية إلى زيادة استثماراتهم مستفيدين من رخص االئتمان‪ ،‬وكما هو معلوم‬
‫في االقتصاد فان هذا التوسع االستثماري يؤدي وفقا لمبدأ المضاعف االستثماري الكينزي إلى زيادات‬
‫اكبر حجما في الدخل واإلنتاج وبالتالي رفع مستوى التوظيف وتقليص معدالت البطالة‪.‬‬
‫ب‪ -‬قناة االستهالك‪ :‬انخفاض أسعار الفوائد سيشجع المستهلين على اإلقبال على شراء السلع االستهالكية‬
‫خاصة المعمرة منها كالمنازل واألثاث والسيارات والسلع الكهربائية وااللكترونية مستفيدين من انخفاض‬
‫كلفة تمويل مشترياتهم (أسعار الفوائد)‪ .‬ومرة أخرى فان هذا التوسع االستهالكي سيؤدي إلى زيادة‬
‫مضاعفة وفقا لمبدأ المضاعف االستهالكي الكينزي في كل من اإلنتاج والدخل وبالتالي رفع مستوى‬
‫التوظيف وتقليص البطالة‪ .‬ويالحظ أن هذين األثرين معا سيؤديان إلى تسارع عجلة النشاط االقتصادي‬
‫وخلق حالة من الرواج والتوسع في كافة القطاعات االقتصادية‪.‬‬
‫ويمكن اعتبار ذلك مشابها لما حدث لالقتصاد األمريكي خالل السنوات القليلة األخيرة السابقة لمرحلة‬
‫التراجع واالنهيار‪ .‬حيث تدفقت رؤوس األموال األوروبية واآلسيوية والشرق أوسطية إلى السوق‬
‫األمريكي من خالل المصارف وصناديق االستثمار‪ ،‬لالستفادة من فرص االستثمار المالية الواعدة عالية‬
‫المردود‪ ،‬حيث ضخت هذه األموال الهائلة في السوق األمريكي لتمويل اإلنفاق الهائل لهذا االقتصاد‬
‫بقطاعيه الخاص والعام‪ .‬على صعيد القطاع الخاص استخدمت نسبة كبيرة من هذه األموال لتمويل‬
‫النفقات االستهالكية كشراء الفلل والقصور والسيارات الفارهة والقوارب واليخوت والطائرات الخاصة‬
‫وأجهزة الترفيه والتسلية ‪...‬الخ ‪ .‬من ناحية أخرى فان تهافت مدراء البنوك والمؤسسات العقارية وشركات‬
‫التامين على جني األرباح والمكافآت قد يدفعهم إلى التنافس في منح التسهيالت االئتمانية لجميع األفراد‬
‫الراغبين دون التمحيص أو التأكد من جدارتهم االئتمانية‪ .‬أما على صعيد القطاع العام فان التوسع في‬
‫اإلنفاق غير المسبوق لإلدارة األمريكية الحالية وخاصة في المجاالت العسكرية لتمويل الحروب األمريكية‬
‫في أفغانستان والعراق والصومال ولبنان وفلسطين وغيرها‪ ،‬إضافة الى برامج غزو الفضاء وحرب النجوم‬
‫قد ساهم في رفع المديونية العامة إلى مستويات خطرة وغير مسبوقة‪.‬‬
‫على صعيد آخر فان التكيفات في أسعار الفائدة األمريكية تؤدي إلى تغيرات موازية في أسعار الفوائد‬
‫األجنبية من خالل ما يعرف بالية تعادل أسعار الفوائد الدولية ‪.international interest parity‬‬
‫وتتضمن هذه اآللية بالنسبة للدول التي تثبت عملتها مقابل الدوالر بان تقوم بتعديل أسعار فائدتها المحلية‬
‫بنسب معادلة لتغيرات الفوائد األمريكية مما يفقدها استقاللية سياستها النقدية‪.‬‬
‫‪ -2‬آلية أسعار الصرف األجنبي‪ :‬تركت أسعار الصرف األجنبي منذ انتهاء نظام برتن وودز عام ‪ 1971‬دون‬
‫أي غطاء من الذهب‪ ،‬وأعطيت الدول في النظام النقدي الجديد حرية تعويم أو إدارة أو تثبيت عملتها مقابل‬
‫عملة دولية رئيسية أو سلة من العمالت الرئيسية‪ .‬ولجأت معظم الدول المتقدمة في أعقاب فترة وجيزة من‬
‫التعويم الحر تميزت بعدم االستقرار في أسعار الصرف األجنبي‪ ،‬إلى نظام التعويم المدار ‪managed or‬‬
‫‪ dirty floating‬الذي يسمح لسلطاتها النقدية بالتدخل المحدود في أسواق صرفها للحيلولة دون حدوث‬
‫تغيرات كبيرة في أسعار صرفها‪ .‬في المقابل فان غالبية الدول النامية بما فيها عدد كبير من الدول العربية قد‬
‫اختارت تثبيت أسعار صرف عملتها مع الدوالر األمريكي بشكل رئيسي‪ ،‬األمر الذي ربط مستويات التضخم‬
‫وأسعار الفوائد فيها مع تلك السائدة في السوق األمريكي‪ .‬من ناحية أخرى فقد حافظ الدوالر األمريكي على‬
‫دوره كعملة رئيسية للمدفوعات الدولية في النظام النقدي الجديد‪ ،‬مما أعطى أمريكيا ميزة رئيسية كونها الدولة‬
‫الوحيدة في العا لم التي ال تحتاج إلى بناء احتياطياتها من النقد األجنبي (بعد وقف التحويل للذهب)‪ ،‬مما‬
‫أعطى سلطاتها النقدية حرية كبيرة فيما يتعلق بسياساتها النقدية وخاصة التوسعية منها‪ ،‬حيث أن الكلفة‬
‫الوحيدة لذلك هو كلفة الورق وطباعته‪ .‬واالعتقاد السائد أن الواليات المتحدة قد استغلت هذه الميزة وبالغت‬
‫كثي ار في اإلصدار النقدي وطباعة الدوالرات دون حسيب أو رقيب وخاصة في الفترة السابقة لظهور األزمة‬
‫المالية الراهنة‪ ،‬وذلك لتمويل التوسع الهائل في النفقات العامة نتيجة لتورطها في حروب عديدة كما سبقت‬
‫اإلشارة إليه‪ ،‬األمر الذي ساهم في زيادة المديونية العامة من جهة والى تراجع مستمر في قيمة الدوالر‬
‫األمريكي مقابل العمالت الدولية الرئيسية وخاصة اليورو والين الياباني‪ .‬وبالطبع ففي كل مرة يتراجع فيها‬
‫الدوالر مقابل العمالت العمالت األخرى الرئيسية يعني خسارة نقدية لالستثمارات المالية بالدوالر سواء في‬
‫الواليات المتحدة أم خارجها وسواء كانت تعود ملكيتها لمستثمرين أمريكيين أم أجانب ‪ .‬وتمتد هذه الخسارة‬
‫أيضا وبنفس النسبة تقريبا إلى الدول التي تثبت قيم عمالتها المحلية مع الدوالر األمريكي‪ .‬وعلى هذا‬
‫األساس فان أية أزمة مالية في الواليات المتحدة تقود إلى سحب استثمارات من هذه األقطار لتتوطن في دول‬
‫أخرى ذات عمالت معومة كأوروبا وبلدان جنوب شرق آسيا و‪ /‬أو لتعويض النقص في السيولة الناجم عن‬
‫الخسائر المتحققة في هذه الدول‪.‬‬
‫‪ -3‬آلية أسعار السلع‪ :‬إضافة إلى تدفقات األموال واألصول بين الدول فان التحرير التجاري المصاحب لتعزز‬
‫ظاهرة العولمة قد أدى إلى مضاعفة حجم التجارة الدولية في السلع والخدمات‪ .‬وتعتبر السوق األمريكي من‬
‫اكبر األسواق العالمية من حيث الجم والقوة الشرائية حيث تقدر االنكتاد مستوردات الواليات المتحدة بما يقارب‬
‫‪ 20‬في المائة من إجمالي المستوردات العالمية )‪ .)UNCTAD website‬وهذا يوفر آلية ثالثة لنقل‬
‫تغيرات أسعار السلع المتاجر فيها دوليا من خال ل ما يسمى في االقتصاد بمبدأ تعادل القوة الشرائية )‪(PPP‬‬
‫‪ .purchasing power parity‬وتعمل هذه اآللية باتجاهين‪ :‬فيمكن للواليات المتحدة أن تستورد‬
‫التضخم من خالل الصادرات القادمة لها من الخارج‪ ،‬ويمكن له أيضا أن تصدر التضخم من خالل ما تستورده‬
‫الدول األخرى من السوق األمريكي‪ .‬فعلى سبيل المثال ساهم ارتفاع أسعار النفط في اآلونة األخيرة قبيل‬
‫ا نفجار الفقاعة العقارية في رفع معدالت التضخم األمريكية مما أضاف أعباء إضافية على األفراد المستهلكين‬
‫والمقترضين‪ ،‬ولزيادة األمور سوءا فقد تزامن ذلك مع سياسة رفع أسعار الفوائد الذي انتهجته السلطة النقدية‬
‫األمريكية لمواجهة الضغوط على الدوالر وكذلك الضغوط التضخمية‪ .‬األمر الذي أدى في النهاية إلى عجز‬
‫األفراد عن السداد وانفجار الفقاعة االئتمانية أو العقارية‪.‬‬
‫‪ -4‬آلية التوقعات‪ :‬تقوم الوحدات االقتصادية المختلفة وخاصة المستثمرين والمضاربين بالتوقع حول‬
‫المستقبل عند اتخاذ ق ارراتها‪ ،‬وتتأثر توقعاتها بعوامل اقتصادية ونفسية معقدة األمر الذي يجعلها ذات طبيعة‬
‫غير منتظمة وال تستند بالضرورة إلى المنطق أو الرشد االقتصادي‪ .‬ويصنف االقتصاديون التوقعات إلى‬
‫توقعات متفائلة أو توقعات متشائمة‪ .‬فإذا تفاءل المستثمرون أو المضاربون حول المستقبل فإنهم يقومون‬
‫بالتوسع في استثماراتهم ومضارباتهم اآل ن مما يميل إلى إيجاد مزيد من التوسع وتسارع العجلة االقتصادية‪.‬‬
‫أما في حالة التشاؤم فيحجمون عن االستثمار أو إبرام الصفقات مما يؤدي إلى آثار انكماشية مضاعفة‪.‬‬
‫ونظ ار للطبيعة المعقدة لهذه التوقعات فان أحدا ال يستطيع التنبؤ باتجاهها‪ .‬على صعيد األزمة المالية الحديثة‬
‫تلعب التوقعات دو ار كبي ار وتساهم في تفاقم األزمة‪ :‬فانفجار الفقاعة العقارية قد اوجد حالة من التوقعات‬
‫التشاؤمية حول التطورات االقتصادية المستقبلية األمر الذي دفع المستثمرين إلى اإلحجام عن االستثمارات‬
‫الجديدة أو تقليصها على األقل‪ ،‬ودفع البنوك إلى اإلحجام عن اإلقراض سواء فيما بينها أو لألفراد خوفا من‬
‫النقص في السيولة لديها مما ساهم بالضغط لألعلى على معدالت الفوائد وخلق شحا في السيولة‪ .‬من جهة‬
‫أخرى فان التوقعات المتشائمة قد أدت إلى موجة من الهلع في أوساط األفراد العاديين والمضاربين ودفعتهم‬
‫إلى اإلقبال الشديد ع لى بيع األسهم وغيرها من األصول لتجنب الخسائر المحتملة األمر الذي أدى بدوره إلى‬
‫مزيد من االنهيار والتراجع االقتصادي‪.‬‬
‫ومن الجدير بالذكر أن هذه اآلليات ال تعمل بشكل منفصل عن بعضها البعض بل تتفاعل بشكل آني‬
‫فيما بينها‪ .‬فالضغوط االنكماشية أو التضخمية في السوق األمريكي سواء كان مصدرها محليا أم مستوردا‬
‫ستميل إما لتغيير قيمة الدوالر مقابل العمالت الدولية الرئيسية و‪/‬أو تكيف أسعار الفوائد مما يؤدي إلى آثار‬
‫معززة ومضاعفة على االقتصاد األمريكي والذي بدوره ينشر هذه اآلثار من خالل القنوات المذكورة أعاله إلى‬
‫بقية أنحاء العالم ولكن بدرجات متفاوتة وذلك اعتمادا على درجة انفتاحها ومدى ارتباط أسواقها بالسوق‬
‫األمريكي وطبيعة استجابة صانعي السياسات فيها‪ .‬إضافة إلى ذلك فان التوقعات التشاؤمية محليا ستؤدي إلى‬
‫مضاعفة هذه الضغوط في األسواق المحلية وتساهم أيضا من خالل وسائل نقل المعلومة المتعددة والسريعة‬
‫في نقل العدوى لألسواق األجنبية‪ .‬مثل هذه التفاعالت السريعة والمتصاعدة والعالمية بطبيعتها قد تتطور إلى‬
‫ديناميكية خطرة تهز الثقة العالمية في المؤسسات المالية والنقدية وحتى في النظام المالي والنقدي الدولي‬
‫برمته كما هو حاصل اآلن‪.‬‬
‫اآلثار المتوقعة لالزمة على الدول النامية‬
‫بعد هذا العرض الموجز آلليات نقل األثر دوليا يمكن اآلن استخدامها لتوضيح وتحليل اآلثار‬
‫المتوقعة على الدول النامية بشكل عام والدول العربية بشكل خاص‪ .‬وسيقتصر التحليل هنا على االتجاهات‬
‫العامة دون التطرق إلى اآلثار الكمية المحد دة بالنسبة لكل دولة أو إقليم الن ذلك يعتمد على توفر المعلومات‬
‫والبيانات الكمية األمر الذي يتطلب دراسة كمية متخصصة وخارج عن نطاق الدراسة الحالية‪.‬‬
‫كما أوضحنا سابقا فقد أدت الممارسات الخاطئة من قبل المؤسسات المالية والمصرفية والعقارية‬
‫الخاصة وبغياب التنظيم والرقابة الحكومية إلى توسع غير مسبوق في حجم االئتمان وتضخم هائل في الكتلة‬
‫المالية والنقدية أدى في النهاية إلى انفجار ما يعرف بفقاعة الرهن العقاري‪ .‬وقد أدى ذلك إلى آثار مركبة‬
‫على االقتصاد األمريكي بشقيه النقدي والحقيقي‪ .‬فعلى الصعيد النقدي والمالي تآكلت قيم األصول المالية‬
‫وتراجعت أسعار األسهم وعجزت بعض البنوك والشركات االستثمارية وشركات التامين عن الوفاء بالتزاماتها‬
‫مما أدى إلى تفشي ظاهرة االفالسات وتسريح العمالة‪ .‬وقد ساهم ذلك في إيجاد بيئة من التوقعات التشاؤمية‬
‫انعكست في موجات من المضاربات المالية أدت إلى مزيد من التراجع في أسعار األسهم والى تردد البنوك‬
‫ومؤسسات اإلقراض األخرى عن اإلقراض وتقديم التسهيالت االئتمانية‪ ،‬مما خلق شحا غير مسبوق في‬
‫السيولة وحالة من الهلع واالرتباك دفعت العديد من المؤسسات واألفراد إلى تسييل متهور وسريع ألصولهم‬
‫والى سحوبات مالية ضخمة من النظام المصرفي‪ .‬أما على صعيد االقتصاد الحقيقي فقد أدى شح السيولة‬
‫والتوقعات المتشائمة إلى إحجام المستثمرين في القطاعات الحقيقية وخاصة العقارية والصناعية عن‬
‫االستثمار‪ ،‬إضافة إلى ذلك فقد تراجع اإلنفاق االستهالكي وخاصة في مجاالت السلع المعمرة والعقارية والسلع‬
‫الكمالية مما ولد ضغوطا انكماشية مزدوجة على االقتصاد األميركي‪ .‬وقد ساهمت هذه التطورات المالية‬
‫والحقيقية في تفاقم المشاكل االقتصادية الكلية المزمنة التي يعاني منها االقتصاد األمريكي أصال كارتفاع‬
‫المديونية بشقيها العام والخاص‪ ،‬وارتفاع العجز التجاري وعجز الموازنة العامة إلى مستويات غير مسبوقة‪.‬‬
‫كما وارتفعت معدالت البطالة وان بشكل محدود حتى اآلن‪.‬‬
‫التبعية لالقتصاد األمريكي وسرعة انتقال العدوى‬
‫كما رأينا أعاله فان االقتصاد األمريكي يلعب دو ار محوريا في االقتصاد العالمي سواء على الصعيد‬
‫المالي النقدي أو على الصعيد الفعاليات االقتصادية الحقيقية‪ .‬فإضافة إلى كون الدوالر العملة الرئيسية على‬
‫الصعيد الدولي فان االقتصاد األمريكي هو األول أيضا من حيث حجم اإلنتاج واالستهالك واالستيراد عالميا‬
‫)‪ ،*(WTO, 2008‬مما يعني أن دخوله في حالة ركود سيقود تراجعا في اقتصاديات كافة األقاليم والدول‬
‫األخرى وان بدرجات متفاوتة‪ .‬وكما رأينا سابقا فان قنوات نقل األثر المتعددة ستعمل على تحويل األزمة المالية‬
‫والنقدية إلى كافة القطاعات االقتصادية الحقيقية من جهة والى اقتصاديات الدول األخرى من جهة أخرى‪.‬‬
‫وحيث أن مصطلح الركود االقتصادي يشير الى تباطؤ في مستوى النشاط االقتصادي الحقيقي وليس المالي‬
‫او النقدي فان التركيز في هذه الدراسة سينصب على التشابكات بين مستويات النشط الحقيقي لالقتصاديات‬
‫العالمية الرئيسية مع مستوى النشاط الحقيقي لالقتصاد األمريكي‪ .‬وسيساعد قياس درجة التشابكات هذه‬
‫على فهم الدور المحوري لالقتصاد األمريكي في توجيه االقتصاديات العالمية‪ ،‬إضافة إلى توضيح سرعة‬
‫ودرجة تأثر هذه االقتصاديات المختلفة بمستوى النشاط االقتصادي األمريكي‪.‬‬
‫وفقا لسكرتاريا منظمة التجارة العالمية ‪ WTO Secretariat‬فان الواليات المتحدة األمريكية تحتل‬
‫المرتبة األولى على صعيد التجارة الدولية حيث تصل حصتها إلى حوالي خمس (‪ )%19‬المستوردات السلعية‬
‫العالمية لعام ‪ ، 2007‬كما أنها األولى على صعيد صادرات الخدمات التجارية حيث تصل مساهمتها الى حوالي‬
‫‪ %14‬من تجارة الخدمات التجارية العالمية‪.‬‬
‫سيستخدم الناتج المحلي اإلجمالي باألسعار الثابتة (الحقيقي) للواليات المتحدة وللمجموعات الدولية‬
‫الرئيسية (مجموعة الدول الصناعية السبع ‪ ،G7‬ومجموعة الدول النامية والصاعدة ‪developing and‬‬
‫‪ ، emerging‬ومجموعة دول الشرق األوسط ‪ . middle east countries‬إضافة إلى ذلك ونظ ار‬
‫للعالقة الخاصة بين االقتصاد األمريكي واالقتصاد األردني حيث يرتبط األردن باتفاقيات اقتصادية هامة مع‬
‫أمريكيا على شكل اتفاقية منطقة التجارة الحرة واتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة إضافة إلى تثبيت قيمة‬
‫الدينار األردني مقابل الدوالر األمريكي‪ ،‬سيتم أيضا قياس درجة الترابط الحقيقي بين االقتصاديين بهدف‬
‫استقصاء مدى تأثر األردن بحالة الركود االقتصادي األمريكي‪.‬‬
‫وحيث أن التغيرات في مستوى النشاط‬
‫الحقيقي هي التي تشير إلى الركود أو التوسع وليس مستوى النشاط نفسه فستستخدم معدالت النمو الحقيقية‬
‫‪ real growth rates‬للدول او الكتل االقتصادية المذكورة وهي كالتالي‪ USRGROWTH :‬ألمريكا و‬
‫‪ G7RGROWTH‬لمجموعة الدول الصناعية السبع و ‪ DEVEMRGROWTH‬لمجموعة الدول‬
‫النامية والصاعدة و ا‪ MERGROWTH‬لمجموعة دول الشرق األوسط و ‪ JORRGROWTH‬لألردن‪.‬‬
‫واستخدمت الدراسة بيانات مأخوذة من صندوق النقد الدولي ‪ IFS‬للفترة ‪ 2008-1980‬للمتغيرات‬
‫المذكورة )‪ . ) IMF,2008‬الجدول رقم (‪ )1‬يوضح معلمات عينة الدراسية األساسية‪ .‬ويالحظ ان مجموعة‬
‫الدول النامية والصاعدة قد حققت أعلى متوسط نمو خالل الفترة (‪ )%4.3‬تلتها مجموعة دول الشرق األوسط‬
‫(‪ )%3.6‬ثم أمريكا (‪ )%2.85‬وأخي ار مجموعة الدول الصناعية السبع (‪ .)%2.49‬وتنعكس الصورة على‬
‫صعيد مؤشر استقرار مستوى النشاط االقتصادي حيث جاءت في المقدمة مجموعة الدول الصناعية السبع‬
‫(لها اقل تباين ‪ )1.4‬ثم أمريكا بتباين ‪ 3.26‬ثم مجموعة الدول النامية والصاعدة بتباين ‪ 3.38‬وأخي ار‬
‫مجموعة دول الشرق األوسط بأعلى تباين ‪.7.37‬‬
‫جدول (‪ :)1‬مؤشرات عينة الدراسة للفترة ‪.2008-1980‬‬
‫حجم‬
‫االنحراف‬
‫التباين‬
‫المعياري‬
‫المتوسط‬
‫العينة‬
‫‪1.393‬‬
‫‪1.18020‬‬
‫‪2.4887‬‬
‫‪29‬‬
‫النمو لمجموعة الدول السبع الصناعية‬
‫‪3.382‬‬
‫‪1.83898‬‬
‫‪4.3269‬‬
‫‪29‬‬
‫النمو للدول الناشئة‬
‫‪7.371‬‬
‫‪2.71501‬‬
‫‪3.5952‬‬
‫‪29‬‬
‫النمو لدول الشرق األوسط‬
‫‪3.263‬‬
‫‪1.80642‬‬
‫‪2.8471‬‬
‫‪29‬‬
‫النمو ألمريكا‬
‫*حسبت معدالت النمو للناتج المحلي اإلجمالي باألسعار الثابتة‪.‬‬
‫وتشير هذه النتائج إلى اختالف واضح في معدالت النمو ودرجة استقرار النشاط االقتصادي بين دول‬
‫وأقاليم العالم المختلفة‪ .‬ويشير تباين إقليم الشرق األوسط الكبير مقارنة مع بقية األقاليم األخرى إلى أن‬
‫ذبذبات وأزمات اإلقليم مختلفة وقد تعود إلى عناصر استقرار محلية واقليمية أكثر منها عالمية‪.‬‬
‫لتقدير تشابكات االقتصاديات العالمية مع االقتصاد األمريكي تستخدم الدراسة النموذج القياسي البسيط التالي‪:‬‬
‫‪Yg = B0 + B1 Xg + U‬‬
‫حيث أن‪:‬‬
‫‪ :Xg‬تشير إلى معدل النمو السنوي في الناتج المحلي اإلجمالي الحقيقي ألمريكا والمفترض انه يؤثر على‬
‫معدالت النمو الحقيقية للدول األخرى (متغير مستقل)‬
‫‪ :Yg‬تشير إلى معدل النمو السنوي في الناتج المحلي الحقيقي للدول أو األقاليم العالمية األخرى والمفترضة‬
‫بأنها تتأثر بنمو أو ركود االقتصاد األمريكي (متغيرات تابعة)‪.‬‬
‫‪ : B0 , B1‬معلمات النموذج المجهولة‪ ،‬و ‪ U‬الخطأ العشوائي والمفترض بأنه من النوع األبيض ‪White‬‬
‫‪.noise‬‬
‫قبل تقدير النموذج وبالرغم من حقيقة أن المتغيرات تعكس معدالت نمو سنوية وبالتالي فمن غير‬
‫المرجح أن تعاني من عدم االستقرار‪ ،‬إال انه ال بد من التأكد من صحة التقدير وعدم وجود ظاهرة االنحدار‬
‫الوهمي ‪ .(Thomas, 1997( spurious regression‬لذا فقد تم استخدام اختبار دكي‪-‬فلر المعزز‬
‫‪ Augmented Dickey Fuller‬الستقرار ‪ stationarity‬المتغيرات و‪ /‬أو التكامل المشترك بين‬
‫المتغيرات ‪ ، cointegration‬الجدول رقم (‪ )2‬يبين نتائج هذا االختبار‪:‬‬
‫جدول (‪ :)2‬نتائج اختبار االستقرار للسالسل الزمنية‬
‫‪Augmented Dickey-Fuller ADF tests, order 2‬‬
‫احتمالية االختبار ‪ p-‬نتيجة االختبار‬
‫قيمة تاو ‪tau‬‬
‫مستوى المتغير‬
‫‪value‬‬
‫‪0.000‬‬
‫‪-5.26048‬‬
‫‪USRGROWTH‬‬
‫رفض جذر الوحدة‬
‫‪G7RGROWTH‬‬
‫‪-3.84948‬‬
‫‪0.002452‬‬
‫رفض جذر الوحدة‬
‫‪DEVEMRGROWTH‬‬
‫‪-4.2981‬‬
‫‪0.01271‬‬
‫رفض جذر الوحدة‬
‫‪MERGROWTH‬‬
‫‪-4.07954‬‬
‫‪0.00668‬‬
‫رفض جذر الوحدة‬
‫‪JORRGROWTH‬‬
‫‪-3.77612‬‬
‫‪0.08612‬‬
‫رفض جذر الوحدة‬
‫* اجري االختبار بوجود الثابت ‪ constant‬واالتجاه العام ‪. trend‬‬
‫وكما هو متوقع فان نتائج اختبار االستقرار أعاله تشير بوضوح إلى غياب جذر الوحدة ‪unit‬‬
‫‪ root‬لكافة المتغيرات مما يعني أن نتائج انحدار المربعات الصغرى العادية باستخدام هذه المتغيرات ستكون‬
‫حقيقية وليست وهمية‪.‬‬
‫نتائج التقدير‬
‫في ضوء استقرار السالسل الزمنية قيمكن استخدام المربعات الصغرى العادية لتقدير العالقات طويلة األجل‬
‫المتضمنة في النموذج القياسي المعرف أعاله‪ ،‬وقد استخدمت طريقة ‪ Cochrane-Orcutt‬للتصحيح‬
‫لمشكلة االرتباط الذاتي ‪ .autocorrelation‬الجدول رقم (‪ )3‬يبين نتائج التقدير‪:‬‬
‫جدول (‪ :)3‬نتائج تقدير المربعات الصغرى المصححة‪.2008-1980 ،‬‬
‫‪JORRGROW MERGROWT DEVEMRGROW G7RGROWT Coefficie‬‬
‫‪TH‬‬
‫‪H‬‬
‫‪TH‬‬
‫‪H‬‬
‫‪nt‬‬
‫‪20.55‬‬
‫‪3.48‬‬
‫‪4.47‬‬
‫‪0.98‬‬
‫الثابت ‪B0‬‬
‫)‪(3.30‬‬
‫) ‪(3.05‬‬
‫)‪(2.76‬‬
‫)‪(3.94‬‬
‫‪0.005‬‬
‫‪0.23‬‬
‫‪0.20‬‬
‫‪0.54‬‬
‫الميل ‪B1‬‬
‫)‪(0.02‬‬
‫)‪( 0.98‬‬
‫)‪*(10.27‬‬
‫)‪**( 1.97‬‬
‫‪0.98‬‬
‫‪0.25‬‬
‫‪0.68‬‬
‫معامل التحديد ‪0.83‬‬
‫المعدل ‪R2‬‬
‫األرقام بين األقواس تشير إلى قيم اختبار ستيودنت ‪.t‬‬
‫* ذات داللة إحصائية عند مستوى معنوية ‪ ** ،%1‬ذات داللة إحصائية عند مستوى معنوية ‪.%5‬‬
‫وتشير نتائج التقدير القياسي للعالقات السببية وتشابكات معدالت النمو الحقيقي للدول واالقاليم‬
‫الدولية الرئيسية‪ ،‬إلى أن مستويات النشاط االقتصادي لكافة األقاليم أو الدول تتأثر طرديا بمستوى النشاط‬
‫االقتصادي الحقيقي األمريكي‪ ،‬مما يؤكد فرضية القيادة االقتصادية الذي يلعبه االقتصاد األمريكي‪ .‬من ناحية‬
‫أخرى فان هذه العالقات الطردية جاءت غير معنوية إحصائيا بالنسبة إلقليم الشرق األوسط وبالنسبة لألردن‬
‫على وجه التحديد‪ ،‬مما يعني أن مستوى النشاط االقتصادي الحقيقي في هذا اإلقليم واالردن بشكل محدد ال‬
‫تتأثر كثي ار بمستوى النشاط االقتصادي الحقيقي األمريكي‪ .‬بالطبع فان هذه النتيجة ال تنفي إمكانية تأثر‬
‫اقتصاديات دول هذ ا اإلقليم على الصعيدين المالي والنقدي‪ .‬في المقابل فان العالقات التشابكية قوية وذات‬
‫داللة إحصائية مع مجموعة الدول الصناعية السبع ومع مجموعة الدول النامية والصاعدة على التوالي‪.‬‬
‫ويالحظ أن مستوى النشاط الحقيقي لمجموعة الدول الصناعية السبع يتأثر بشكل فوري وبدرجة أقوى نسبيا‬
‫بالتغيرات في مستوى النشاط االقتصادي األمريكي‪ ،‬وعلى وجه التحديد فان تراجع االقتصادي األمريكي بنسبة‬
‫‪ %1‬مثال سيعني تراجعا في النشاط االقتصادي لهذه المجموعة بنسبة ‪( % 0.54‬أي النصف تقريبا)‪.‬‬
‫بالمقابل فان نفس الركود أو التراجع األمريكي المذكور سيقود إلى ركود ولكن بدرجة اضعف (بمقدار ‪)%0.2‬‬
‫في اقتصاديات الدول النامية والناشئة‪.‬‬
‫وتدعم هذه النتائج تحليل آليات نقل األثر الموضحة أعاله وتشير اال ان ظاهرة العولمة االقتصادية‬
‫قد نجحت في بناء تشابكات مالية وحقيقية بين االقتصاديات العالمية المختلفة وان بدرجات وسرعات متفاوتة‪.‬‬
‫فاستجابة الزمة العقارات وأسواق المال األمريكية ستتأثر اقتصاديات معظم دول العالم سواء المتقدمة أو‬
‫النامية‪ ،‬مما جعل ظاهرة الركود وشح السيولة األمريكية ظاهرة عالمية أثرت بشكل رئيسي على صغار‬
‫المستثمرين والمنشات صغيرة ومتوسطة الحجم في مختلف أقاليم ودول العالم‪.‬‬
‫ولكن من الواضح أن األثر المحدد لهذه األزمات سيتفاوت من دولة إلى أخرى وسيعتمد على‬
‫مجموعة من العوامل أهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬درجة االنفتاح التجاري‪ :‬تتفاوت الدول من حيث درجة اعتمادها على الصادرات والواردات من السلع‬
‫والخدمات مما يعني تفاوتا في تأثرها بالية تعادل األسعار‪ ،‬فالدول األكثر انفتاحا ستتأثر بدرجة أعلى‬
‫من الدول األقل انفتاحا‪ .‬من ناحية أخرى فان الدول المعتمدة على التصدير وخاصة للسوق األمريكي‬
‫واألسواق األوروبية ستعاني من تباطؤ في الطلب على صادراتها مما سيؤدي إلى انخفاض وتراجع‬
‫في أسعار صادراتها ‪ ،‬وقد انعكس ذلك في اآلونة األخيرة في تراجع أسعار بعض السلع الحيوية‬
‫كالبترول ومشتقاته والعقارات وبعض المعادن والسلع الزراعية‪ .‬ويتوقع ان تعمل سيكولوجية التوقعات‬
‫المتشائمة على مزيد من التدهور في أسعار هذه السلع والى مزيد من الضغوط االنكماشية‪ .‬وبالطبع‬
‫فبقدر ما تلحق هذه التطورات الضرر بمصدري هذه السلع فإنها في نفس الوقت تفيد الدول‬
‫المستوردة لهذه السلع‪.‬‬
‫‪ -2‬درجة التورط المالي‪ :‬كلما كانت درجة تورط البنوك والشركات االستثمارية للدول النامية في عمليات‬
‫اإلقراض واالستثمار والمضاربة في األسواق الدولية وخاصة األمريكية‪ ،‬كلما تعرضت هذه المؤسسات‬
‫لحجم اكبر من الخسائر‪ .‬وهنا من المتوقع أن تعاني الدول النامية الغنية وخاصة التي تمكنت خالل‬
‫السنوات األخيرة من مراكمة قدر كبير من العمالت الدولية مستفيدة من ارتفاع أسعار صادراتها‪،‬‬
‫األمر الذي ولد عندها فائض سيولة شقت طريقها لإلقراض والمضاربة في هذه األسواق الدولية‬
‫لالستفادة من معدالت المردود العالية قبل انفجار األزمة‪ .‬بالمقابل ستعاني بدرجة اكبر مجموعة‬
‫الدول النامية ذات األسواق المالية المنفتحة بدرجة اكبر على االستثمارات المالية األجنبية‪ ،‬وذلك الن‬
‫توقعات هبوط األسواق إضافة إلى الشح في السيولة في دول هؤالء المستثمرين سيدفعهم إلى سحب‬
‫استثماراتهم المالية من تلك األسواق‪.‬‬
‫‪ -3‬درجة االعتماد على المساعدات الخارجية‪ :‬ستعاني بدرجة اكبر تلك الدول النامية المعتمدة بدرجة‬
‫اكبر على المساعدات التي تقدمها الدول المتقدمة‪ ،‬وذلك الن انشغال هذه الدول في معالجة مشاكلها‬
‫الداخلية وحاجتها للموارد المالية وزيادة الضغوط المحلية المعارضة لهذه المنح والمساعدات خالل‬
‫الفترة الركود االقتصادي القادمة‪ ،‬سيدفعها إن لم يكن لوقف هذه المساعدات‪ ،‬فعلى األقل إلى تقليص‬
‫حجمها‪ .‬من ناحية أخرى فان هذا التأثير السلبي قد يولد أثرا ايجابيا يدفع هذه الدول إلى مزيد من‬
‫االعتماد على الذات وتشغيل أكفأ لمواردها االقتصادية‪.‬‬
‫‪ -4‬حجم المديونية الخارجية‪ :‬بالرغم من أن انخفاض أسعار الفوائد المتوقع في ظل االنكماش سيساهم‬
‫في تقليل عبء المديونية الخارجية إال أن أزمة السيولة واإلقراض الحالية ستجعل عمليات بيع‬
‫الديون واعادة الجدول ة في المستقبل اقل احتماال‪ ،‬األمر الذي قد يعني مزيدا من الصعوبات‬
‫وخيارات اقل أمام الدول المدينة مما قد يهدد مسيرتها التنموية المستقبلية‪.‬‬
‫‪ -5‬سياسة سعر الصرف األجنبي‪ :‬كما اشرنا أعاله فان نظام الصرف الدولي الحالي اقرب إلى نظام‬
‫التعويم المدار‪ ،‬غير أن عددا كبي ار من الدول النامية قد اختار تثبيت قيم عملته مقابل الدوالر‬
‫األمريكي بصفته عملة المدفوعات الدولية الرئيسية‪ .‬وبالتالي فمن المتوقع أن تعاني هذه الدول‬
‫بدرجة اكبر مقارنة بالدول التي اختارت التعويم المدار أو حتى التثبيت مقابل سلة منوعة من‬
‫العمالت الرئيسية‪ .‬فقيمة كا فة األصول واالستثمارات المقيمة بالدوالر سواء بالداخل أو الخارج قد‬
‫تراجعت وتآكلت خالل السنوات األخيرة بنفس درجة التراجع في قيمة الدوالر‪ ،‬وقد خسر الدوالر أكثر‬
‫من ثلث قيمته خالل السنوات القليلة الماضية‪ .‬من ناحية أخرى فان سياسة تثبيت سعر الصرف في‬
‫ظل عولمة األ سواق المالية وحرية تدفقات األموال دوليا سيفقد الدولة السيطرة على سياستها النقدية‬
‫مما يد من قدرته على مكافحة الدورة االقتصادية ومظاهرها من تضخم وبطالة‪.‬‬
‫‪ -6‬درجة التنوع االقتصادي واالستثماري‪ :‬ستعاني بدرجة اكبر تلك الدول التي تتصف بدرجة اكبر من‬
‫التركز في استثما ارتها الدولية سواء على الصعيد الجغرافي أو على صعيد القطاعي‪ .‬فكلما تركزت‬
‫االستثمارات في سوق واحد كالسوق األمريكي مثال وفي قطاع واحد كالقطاع المالي والعقاري كلما‬
‫كانت الخسائر المتوقعة أكير‪ .‬من ناحية أخرى فان االقتصاديات ذات الهياكل اإلنتاجية األقل تنويعا‬
‫كتلك المعتمدة على سلعة واحدة أو على عدد قليل من السلع ستعاني من الضغوط االنكماشية بدرجة‬
‫اكبر‪ .‬وبالمثل يتوقع أن تعاني بدرجة اكبر اقتصاديات تلك الدول المعتمدة بدرجة كبيرة على قطاع‬
‫الخدمات وخاصة في المجاالت المصرفية والتامين والسياحية‪.‬‬
‫‪ -7‬العوامل النفسية‪ :‬نظ ار العتماد توقعات الوحدات االقتصادية على عوامل نفسية واجتماعية وثقافية‬
‫خارجة عن السيطرة ومعقدة ومتفاوتة من مكان ألخر‪ ،‬فان مقدار اآلثار الناجمة على اقتصاديات هذه‬
‫الدول سيتفاوت وفقا لحالة التوقعات السائدة‪ .‬ويلعب هذا العامل دو ار رئيسيا في حالة األزمات‬
‫االقتصادية ويمكن أن يضاعف من حجم اآلثار وبشكل ال يخضع ألي قاعدة منطقية‪ .‬وحتى في حالة‬
‫الدول المتشابهة من حيث العوامل السابقة جميعا ال يتوقع أن تكون اآلثار متشابهة على‬
‫اقتصادياتها‪ .‬وكما اشرنا سابقا فيمكن أن يتطور اثر التوقعات إلى ديناميكية خطيرة تهدد االستقرار‬
‫والثقة في النظام االقتصادي برمته‪.‬‬
‫‪ -8‬مدى انتشار حاالت الفشل السوقي والمشاكل االقتصادية الكلية‪ :‬ستعاني بدرجة أكير اقتصاديات‬
‫الدول التي تعاني من انتشار حاالت الفشل السوقي كاالحتكارات وضعف المنافسة وسياسات التدخل‬
‫الخاطئة وعدم توفر المعلومات والشفافية ‪....‬الخ‪ .‬من ناحية أخرى يتوقع أن تتفاقم وتتفاعل المشكلة‬
‫بشكل اكبر في الدول التي تعاني من مشاكل اقتصادية كلية مزمنة كالبطالة والتضخم وارتفاع‬
‫المديونية الخاصة والعامة وغيرها من االختالالت الهيكلية والتجارية‪.‬‬
‫يتضح من هذا العرض والتحليل أن آثار األزمة ستمتد إلى جميع أرجاء العالم ولكن بدرجات متفاوتة‬
‫من التأثير اعتمادا على مجموعة العوامل أعاله‪.‬‬
‫اآلثار المتوقعة على األردن‬
‫تعتبر األردن من الدول العربية النامية صغيرة الحجم اقتصاديا‪ ،‬وبالتالي فان مدى تأثرها سيعتمد‬
‫أيضا على العوامل الموضحة أعاله‪ ،‬وال نستطيع حساب اآلثار الكمية الدقيقة على االقتصاد األردني ما لم‬
‫تتوفر معلومات وبيانات تفصيلية عن كل من هذه العوامل‪ ،‬ولكن هناك بعض المؤشرات العامة التي يمكن‬
‫االعتماد عليها لالستنتاج بشكل مشروط حول اآلثار المحتملة‪:‬‬
‫‪ -1‬يعتبر االقتصاد األردني من االقتصاديات المنفتحة نسبيا مما يعني بالضرورة تاثره باالزمة المالية‬
‫بشكل عام‪ ،‬من ناحية اخرى تتمتع المملكة بمستوى جيد من التنويع اإلنتاجي واالستثماري مما يحد‬
‫من اآلثار السلبية لالزمة‪ .‬أما على الصعيد القطاعي فان قطاعي العقارات والمالي مرشحة بان‬
‫تعاني بشكل أكبر نسبيا خال الفترة القادمة‪ .‬إضافة إلى ذلك فان قطاع السياحة يمكن أن يتعرض‬
‫لالنكماش بسبب الركود العالمي المتوقع في الطلب على خدمة السياحة‪.‬‬
‫‪ -2‬من المعروف أن النظام المصرفي األردني من بين األنظمة المصرفية األكثر تنظيما واألكثر تحفظا‬
‫في مجاالت اإلقراض واالستثمار مقارنة بمثيالتها في المنطقة‪ ،‬األمر الذي سيحد من اآلثار السليبة‬
‫الزمة الرهن العقاري‪ .‬إضافة إلى ذلك فان أداء الجهاز المصرفي مطمئن فنسبة كفاية رأسمال الفعلية‬
‫تصل إلى ‪ %18‬وهي بذلك أعلى من متطلب البنك المركزي األردني البالغ ‪ ،%12‬وأعلى بكثير من‬
‫المعايير الدولية والبالغة ‪ %8‬وفقا التفاق بازل‪.‬‬
‫‪ -3‬يعتبر السوق المالي األردني من أكثر أسواق المنطقة خبرة وتنظيما‪ ،‬ولكن نظ ار النفتاحه المتزايد‬
‫على االستثمارات العربية واألجنبية بحيث أصبحت تشكل أكثر من ‪ %60‬من إجمالي استثماراته‪،‬‬
‫فان ذلك يجعله منكشفا وعرضه لالنكماش في حال إقبال هؤالء المستثمرين على البيع بكثافة‪ .‬إال‬
‫أن األثر النهائي ال يمكن التنبؤ فيه بشكل دقيق العتماده على عوامل نفسية وتوقعات ديناميكية ال‬
‫تخضع لمبدأ الرشد‪.‬‬
‫‪ -4‬يمكن أن تتفاعل الضغوط االنكماشية المنتظرة مع المشاكل الكلية األخرى التي يواجهها االقتصاد‬
‫كالبطالة والعجز التجاري وعجز الموازنة والمديونية مما يحمل في ثناياه عوامل خطورة تستدعي‬
‫الحذر واالهتمام من قبل صانعي الق اررات والسياسات‪.‬‬
‫‪ -5‬يمكن أن يؤدي التراجع في الطلب العالمي الناتج عن األزمة المالية إلى تراجع في أسعار بعض‬
‫السلع األساسية كالبترول واألغذية وبعض المعادن األمر الذي سيساعد في كبح الضغوط التضخمية‬
‫المحلية ويخفض من فاتورة االستيراد‪.‬‬
‫‪ -6‬ستتغير قيمة الدينار بشكل مواز لتغيرات الدوالر في األسواق الدولية كذلك فان ممتلكات األردن من‬
‫األصول والعمالت واالحتياطيات المقيمة بالدوالر ستتأثر تبعا لتحركات الدوالر‪ ،‬من ناحية أخرى‬
‫وكما سبقت اإلشارة إليه يمكن أن تحد سياسة تثبيت سعر الصرف األجنبي من قدرة السياسة النقدية‬
‫األردنية في مواجهة األزمة االقتصادية‪.‬‬
‫‪ -7‬نظ ار لكون األردن من الدول عالية المديونية نسبيا فيمكن أن تؤدي هذه األزمة إلى اثرين‪ :‬األول‬
‫ايجابي يتعلق بانخفاض خدمة المديونية لتراجع أسعار الفوائد‪ ،‬والثاني سلبي ناتج عن زيادة‬
‫الصعوبات المستقبلية فيما يتعلق بخيار بيع الدين أو إعادة جدولتها‪.‬‬
‫‪ -8‬قد يعاني األردن بشكل محدود كونه دولة مستقبلة للمساعدات الدولية وذلك نظ ار إلمكانية قطع أو‬
‫تقليص هذه المساعدات إذا ما انشغلت الدول المانحة والمؤسسات الدولية في عالج أزماتها‬
‫الداخلية‪ .‬من ناحية أخرى ونظ ار لكون م عظم التحويالت المالية لألردن قادمة من منطقة الخليج‬
‫العربي (بنسبة ‪ %75‬من اجمالي التحويالت)‪ ،‬ونظ ار لتأثر األخيرة سلبا باألزمة المالية وانخفاض‬
‫أسعار النفط فيتوقع أن تتراجع هذه التحويالت المالية لألردن‪.‬‬
‫‪ -9‬يتوقع أن يؤدي االنكماش االقتصادي العالمي وشح االئتمان إلى تراجع في الطلب االستثماري‬
‫واالستهالكي المحلي وركود في سوق العقارات‪ ،‬غير أن حجم هذا األثر سيتوقف على سياسة أسعار‬
‫الفوائد المحلية وعما إذا سمح لها بالتعادل (االنخفاض) مع أسعار الفوائد العالمية وبالذات بنسب‬
‫تجاري مثيالتها في السوق األمريكية‪.‬‬
‫‪ -10‬ستعمل األزمة عل ى تعزيز الدور الحكومي في مجاالت اإلشراف والرقابة والتنظيم والتشريع‬
‫والسياسات في مختلف أنواع النشاطات االقتصادية والتجارية‪.‬‬
‫بالطبع فان هذا التحليل أولي وتعتمد درجة صحته على مدى دقة المعايير واالفتراضات التي يقوم‬
‫عليها‪ .‬من ناحية أخرى يمكن للحكومة أن تحد من اآلثار السلبية المتوقعة من خالل مجموعة من اإلجراءات‬
‫والسياسات الممكنة ‪:feasible‬‬
‫‪ -1‬زيادة درجة الشفافية وتوفير البيانات والمعلومات حول المعطيات االقتصادية والمالية بشكل منتظم‬
‫ومستمر‬
‫‪ -2‬تبني حزمة من اإلجراءات مصممة لتعزيز الثقة بالنظام المالي والمصرفي والحد من المضاربات‬
‫السلبية كتعهدها بضمان الودائع المحلية أو االلتزام بعدم السماح بحاالت االنهيار وتقديم التسهيالت‬
‫االئتمانية السهلة للمؤسسات المتعثرة‪...‬الخ‬
‫‪ -3‬زيادة درجة التنسيق والتعاون على المستوى العربي للوصول إلى سياسات واجراءات موحدة لمواجهة‬
‫توابع هذه األزمة على كافة الدول العربية‪ ،‬حيث أن الجهود المنفردة ال تستطيع مواجهة األزمة ذات‬
‫الطبيعة العالمية‪.‬‬
‫‪ -4‬إدخال األنظمة الرقابية الصارمة والتشريعات الالزمة لتنظيم كافة النشاطات االقتصادية وخاصة‬
‫المالية منها المتعلقة باألدوات والمشتقات المالية الحديثة‪ ،‬ويشمل ذلك تشجيع المؤسسات المصرفية‬
‫والمالية على تطوير أنظمتها المحاسبية والرقابية وزيادة درجة الشفافية‬
‫‪ -5‬استخدام أدوات السياسة النقدية والمالية بشكل منسجم للحد من الضغوط االنكماشية ودون إفراط‬
‫لتجنب الضغوط التضخمية خاصة في ضوء االرتفاع الحالي في األسعار‬
‫‪ -6‬ال بد على المدى البعيد من إعادة النظر في السياسات النقدية وسياسة أسعار الصرف األجنبي في‬
‫ضوء التطورات والتغيرات المتوقعة في مؤسسات ونظام المدفوعات الدولي‪.‬‬
‫الحلول واآلفاق الدولية‬
‫بالرغم من تعدد األزمات المالية التي شهدها العالم منذ انتهاء العمل بنظام برتن‪ -‬وودز عام‬
‫‪ ،1971‬إال أن األزمة المالية واالقتصادية التي يشهدها العالم اآلن تعتبر األسوأ من حيث تجذرها وحجم‬
‫األصول المخاطرة ومدى انتشارها العالمي‪ .‬والسيناريو األسوأ هو أن تدفع هذه األزمة االقتصاد العالمي إلى‬
‫حالة من الكساد مشابهة لحالة الكساد الكبير الذي حدث في أواخر العشرينات من القرن السابق‪ .‬وفي هذا‬
‫الصدد انقسم االقتصاديون والمحللون إلى قسمين‪ :‬قسم يرى أن األسوأ في األزمة المالية العالمية قد تم‬
‫تجاوزه‪ ،‬وقسم آخر يرى أن األسوأ قادم‪ .‬واعتقادنا أن هذه األزمة الحالية ذات طبيعة متفاقمة ومعقدة ولن‬
‫تكون عابرة وان آثارها االنكماشية ستمتد إلى فترة ليست بالقصيرة‪ ،‬وان الفترة القادمة قد تشهد مزيدا من‬
‫االنهيارات المالية واالقتصادية وتفشي مشكلة البطالة‪ .‬وبالرغم من هذه الصعوبات المتوقعة وحالة التراجع‬
‫االقتصادي إال انه من غير المتوقع أن تؤدي إلى حالة مشابهة لحالة الكساد الكبير‪.‬‬
‫وبشكل عام ستعتمد درجة الركود االقتصادي وطول مدتها على حزمة اإلجراءات والسياسات المتبعة‬
‫من قبل الواليات المتحدة بشكل خاص وبقية دول العالم‪ ،‬وعلى مدى االستجابة لها من قبل الوحدات‬
‫االقتصادية المختلفة‪ .‬وما تقوم به أمريكيا وبقية دول العالم اآلن من إجراءات وسياسات لمواجهة األزمة‬
‫تتلخص بما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬ضخ مبالغ هائلة من النقود في األسواق المالية للحد من مشكلة النقص الحاد في السيولة العالمية‬
‫‪ -2‬مساعدة المؤسسات المالية المتعثرة من خالل شراء ديونها المعدومة أو دخول الحكومة كشريك ومن‬
‫خالل التملك العام (التأميم) وتشجيع عمليات االندماج واالستحواذ‬
‫‪ -3‬اعتما د سياسة نقدية توسعية لخفض أسعار الفائدة وتشجيع االستثمار واالستهالك بقصد الحد من‬
‫التراجع االقتصادي‬
‫‪ -4‬وللحد من عامل التوقعات فقد لجأت الحكومات إلى رفع سقف الودائع المضمونة أو إلى الضمان‬
‫الكامل للودائع في بعض الدول‪.‬‬
‫هل تكفي هذه السياسات لحل األزمة؟ يعتمد ذلك على مجموعة من العوامل أهمها حجم هذه األموال‬
‫المضخوخة اإلضافية مقارنة بحجم الديون واألصول محل المخاطرة‪ ،‬واالعتقاد السائد أن حجم هذه األموال‬
‫اإلضافية والبالغة ‪ 7‬تريليون دوالر في السوق األمريكي اقل بكثير من حجم األصول والقروض المعرضة‬
‫للخطر والتي تصل إلى أضعاف هذا المبلغ‪ .‬غير أن لها آثا ار ايجابية فيما يتعلق بالتوقعات ويمكن أن تؤدي‬
‫على المدى البعيد إلى انحصار الضغوط االنكماشية‪ .‬من ناحية أخرى فان استمرار سياسة التوسع النقدي‬
‫تنطوي على مخاطرة إشعال فتيل التضخم وخاصة في ضوء االرتفاع الملموس في األسعار بسبب ارتفاع كلفة‬
‫النفط والمبالغة في اإلنفاق العام‪ .‬من ناحية أخرى فان االنخفاض المستمر في أسعار الفوائد األمريكية قد بلغ‬
‫أقصى مداه وحول أسعار الفوائد الحقيقية إلى سالبة في أمريكيا مما يزيد من مخاطر هجرة األموال للخارج‪،‬‬
‫ويحد من إمكانية االستمرار في التوسع النقدي كوسيلة للخروج من أزمة التراجع الحالية‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بإجراءات التملك الحكومي واالندماجات فبالرغم من آثارها االيجابية على المدى‬
‫القصير والمتمثلة بالحيلولة دون المزيد من االنهيارات وتحسين نفسية األفراد والشركات‪ ،‬إال أنها أيضا تنطوي‬
‫على مخاطر تمتد من المجازفة بتبديد األموال العامة وتفاقم المديونية الحكومية وصوال إلى التشكيك في‬
‫مستقبل النظام االقتصادي الرأسمالي برمته‪.‬‬
‫مستقبل الرأسمالية ونظام السوق الحر‬
‫تثير هذه األزمات المالية واالقتصادية المتالحقة تساؤالت حول مستقبل النظام االقتصادي الرأسمالي‬
‫أو ما يسمى نظام السوق الحر‪ .‬بداية من المفيد مالحظة أن معظم األنظمة االقتصادية الحالية ال تتبع النظام‬
‫الرأسمالي الحر القائم على مبدأ اليد الخفية ‪ invisible hand‬الذي جاء به ادم سميث ‪Adam Smith‬‬
‫في أواخر القرن الثامن عشر‪ .‬وانما يمكن اعتبارها جميعا وان بدرجات متفاوتة‪ ،‬أنظمة اقتصادية مختلطة‬
‫‪ mixed economies‬قائمة على مبدأ حرية األسواق االقتصادية المستندة إلى وجود دور اقتصادي‬
‫فاعل للحكومة (ليس فقط امني ودفاعي)‪ ،‬وقد كان االقتصادي الكبير جون – كينز ‪John Maynard‬‬
‫‪ Keynes‬أول من دعا له‪ .‬من جهة أخرى يجب التنويه بان النظام الرأسمالي يقدم الكفاءة االقتصادية‬
‫والحوافز الخاصة على مبدأ العدالة االقتصادية واالجتماعية‪ ،‬األمر الذي يستدعي كما الحظ كينز نفسه وجود‬
‫دور حكومي مكمل لسد هذه الفجوة‪.‬‬
‫من ناحية أخرى فان الدورة االقتصادية وما يرافقها من تقلبات اقتصادية تعتبر سمة مالزمة‬
‫لالقتصاد الرأسمالي‪ ،‬حيث مرت االقتصاديات الرأسمالية منذ نشأتها بدورات توسع وهبوط مستمرة ومختلفة‬
‫من حيث حدتها وطول فترتها‪ ،‬ولكنها تمكنت من تجاوزها جميعا بما في ذلك مشكلة الكساد الكبير األسوأ‬
‫تاريخيا‪ .‬وكما أن هناك ازدهار ورفاه وجني لألرباح في حاالت التوسع االقتصادي‪ ،‬فهناك حاالت من اإلفالس‬
‫والمعاناة في حاالت التراجع االقتصادي‪ .‬واعتقادنا أن األزمة الحالية ال تختلف عن سابقاتها من حيث ارتباطها‬
‫بالدورة االقتصادية وأنها سوف تنحصر في النهاية وان تطلب ذلك مرور بعض الوقت ومزيدا من المعاناة‪.‬‬
‫إضافة إلى ذلك فإن الممارسات الخاطئة التي ترعرعت في ظل النظام االقتصادي المعاصر وغياب دور حكومي‬
‫منظم ومراقب وفاعل هي المسئولة بشكل رئيسي عما وصلت إليه األزمة المالية واالقتصادية الحالية‪ .‬وخاصة‬
‫أن نفس هذه الفترة قد شهدت تطو ار سريعا وغير مسبوق في أسواق المال ومشتقاتها وزيادة درجة التكامل‬
‫والتشابك بين دول العالم في ظل تصاعد ظاهرة العولمة‪ ،‬مما خلق فجوة هائلة في مجال التشريعات والقوانين‬
‫وأنظمة الرقابة‪.‬‬
‫وكما سبقت اإلشارة أعاله فان بذور األزمة بدأت منذ عام ‪ 1971‬في أعقاب التخلي عن نظام‬
‫مدفوعات برتون‪ -‬وودز ‪ Bretton Woods‬وما أعقب ذلك من سياسات اقتصادية أمريكية وبريطانية‬
‫خاصة في عهد كل من الرئيس األمريكي ريجن ورئيسة الوزراء البريطانية تاتشر أدت إلى ارتداد عن دور‬
‫الدولة الفاعل الذي دعى له االقتصادي كينز‪ .‬وقد تال ذلك موجات محمومة من الخصخصة وتغييب األنظمة‬
‫والتشريعات االقتصادية ‪ ، economic deregulation‬وتقليص حجم ودور الحكومة االقتصادي بشكل غير‬
‫مسبوق‪ ،‬مما مهد إلى إيجاد بيئة مواتية لظهور ونمو الممارسات االقتصادية والمالية الخاطئة والمدفوعة‬
‫بحافز الربح السريع والجشع البشري‪.‬‬
‫واعتقادنا أيضا أن السياسات المتبعة من قبل مؤسسات النظام الدولي كالبنك الدولي وصندوق النقد‬
‫الدولي ومنظمة التجارة العالمية قد ساهمت في الوصول إلى هذه البيئة المتضخمة من حيث تدفقات األموال‬
‫واألصول والتبادل التجاري‪ ،‬والمنكمشة من حيث الدور الحكومي‪ .‬فبرامج هذه المؤسسات الدولية الموجهة نحو‬
‫تشجيع الخصخصة وتغييب التنظيمات واألنظمة الحكومية ودفع الدول نحو مزيد من االنفتاح المتسرع كلها‬
‫ساهمت بالوصول إلى هذا الوضع العالمي المتأزم (‪.* (Stiglitz, 2000‬‬
‫إضافة إلى ذلك فان السياسات الخاطئة لكثير من الدول واندفاعها غير المدروس نحو االنفتاح‬
‫التجاري والمالي والخصخصة المتسرعة في ظل استشراء حاالت الفشل السوقي المنتشرة فيها لعبت دو ار في‬
‫مفاقمة األزمة وتطورها للوضع الحالي‪.‬‬
‫ويسيء الفهم العديد ممن يعتقدون أن نظريات السوق االقتصادية تتطلب االنفتاح والتحرير المطلق‬
‫لألسواق‪ ،‬فالنظرية االقتصادية المعروفة بنظرية الخيار الثاني األفضل ‪ ، second best theory‬سبق‬
‫وبينت أن سياسات الحماية في ظل انتشار التشوهات السوقية تمثل احد الحلول المفضلة على سياسة‬
‫االنفتاح والتحرير غير المشروط (‪. )Lipsey, 1957‬‬
‫توقعنا بتجاوز النظام الرأسمالي من هذه األزمة ال يعني أنها سوف ال تؤدي إلى آثار عميقة ودائمة‬
‫وتؤثر على تركيبة النظام النقدي والمالي الحالي وقد تغير دور الالعبين األساسيين فيه‪ .‬وعلى وجه التحديد‬
‫يتوقع أن تترك األزمة الحالية اآلثار التالية في األجل الطويل‪.:‬‬
‫‪ -1‬ال بد من إعادة تفعيل دور الحكومة االقتصادي والعودة إلى مبدأ التدخل الكينزي لتنظيم ورقابة عمل‬
‫آليات السوق وسلوك الالعبين فيه‪ .‬ولذلك يتوقع انحصار عمليات الخصخصة ومزيدا من التفعيل‬
‫لسياسات الحكومة االقتصادية والتجارية والعودة إلى تفعيل وتطوير آليات التنظيم والرقابة الحكومية‬
‫وخاصة في مجال النشاطات المالية والتجارية‪.‬‬
‫‪ -2‬ستميل البنوك والمؤسسات المالية واالستثمارية إلى تغيير عادات إقراضها واستثمارها بحيث يتم‬
‫التركيز على أهداف االستقرار والثبات المالي أكثر من أهداف المخاطرة العالية لجني األرباح‬
‫السريعة‪.‬‬
‫‪ -3‬سيتراجع دور الواليات المتحدة ودور الدوالر األمريكي في النظام النقدي واالقتصادي الدولي مما‬
‫سيمهد الطريق لظهور نظام نقدي ومالي أكثر توازنا وعدالة‪.‬‬
‫‪ -4‬يتوقع أن تؤدي هذه األزمة إلى إعادة النظر في النظام النقدي والمالي الدولي برمته بما في ذلك‬
‫مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية‪ .‬ويتوقع حدوث إصالحات‬
‫نحو زيادة الدور الرقابي واإلشرافي لهذه المؤسسات وخاصة فيما يتعلق بضبط حركات األموال‬
‫واألصول األخرى عبر الدول وباتجاه مزيد من الشفافية‪.‬‬
،‫ أخي ار فان دول العالم ستدرك أكثر أهمية التعاون الدولي والجماعي في مواجهة مشاكل العولمة‬-5
‫وتدفعها إلى درجة اكبر من التنسيق في سياستها واجراءاتها واالبتعاد عن ردود الفعل الفردية لعدم‬
.‫جدواها في ظل العولمة‬
:‫المراجع‬
IMF, World Economic Outlook, 2008. -1
http://www.thewe.cc/contents/more/archive/us_debt.html :‫ الموقع االلكتروني‬-2
US Census Bureau http://www.census.gov/index.html :‫ الموقع االلكتروني‬-3
Wikipedia Encyclopedia http://en.wikipedia.org
-4
5- Xing Li and Jacques Hersh. 2008. understanding capitalism: crises and
passive revelutions Research Center on Development and International
Relations, Institute for History, International and Social Studies, Aalborg
University, Fibigerstraede 2, 9220, Aalborg, Denmark.
6- Joseph Stiglitz. 2000. The New Rebublic for the Insider, in "Policy Issues
for Business", sage publication. UK.
7- R.G. Lipsey & Kelvin Lancaster, The General Theory of Second Best, The
Review of Economic Studies, Vol. 24, No. 1. (1956 - 1957), pp. 11-32.
8- R. Thomas, Modern Econometrics, Addison Wesley Longman, 1997.
9- UNCTAD WEBSITE: www.unctad.org
10- WTO, WORLD TRADE 2007, PROSPECTS FOR 2008.
11- .1995 ،‫ نشر بدعم من معهد الدراسات المصرفية‬.‫ نظريات وسياسات‬:‫ التجارة الدولية‬.‫ طالب‬،‫عوض‬