7/11/2017 1 يعتبر السوق من المجاالت المهمة في الحياة االقتصادية لما يلعبه من وظائف غاية في األهمية في استمرار النشاط االقتصادي في األداء بصورة سليمة ولعل أهم هذه الوظائف المبادالت و المعاوضات بين أفراد المجتمع وكذلك فإن السوق يساهم في تحقيق التخصيص الصحيح للموارد االقتصادية وكذلك المساهمة في عملية التوزيع العادل للناتج القومي. 2 7/11/2017 تعريف السوق : السوق :أي مجال يكون فيه البائعون والمشترون على اتصال وثيق ببعضهم البعض كما أن األثمان المدفوعة في أي جزء من هذه السوق لها أثر على األثمان المدفوعة في أي جزء من أجزائه. ومن خالل التعريف يظهر أن المكان ليس هو المحدد األساسي لنطاق السوق، بل إمكانية االتصال بين البائع والمشتري فأي مجال يتوفر فيه إمكانية اتصال بين البائع والمشتري يعتبر هذا المجال سوقا. ونتيجة لتطور وسائل االتصال في هذا العصر أصبحت أسواق كثير من السلع ذات نطاق واسع أو بتعبير آخر أصبحت أسواقها أسواقا عالمية. 3 7/11/2017 وقد توصف السوق بأنها كاملة وذلك إذا توفرت فيها الشروط اآلتية-: -1أن تكون السلعة متجانسة ” أي ذات وحدات متطابقة من حيث الكيف“ ،بحيث ال يكون للمشترين أي تفضيل لنوع السلعة التي يبيعها أي بائع في السوق. -2أن يكون عدد البائعين والمشترين كبيرا بحيث ال يؤثر أي واحد منهم على السعر السائد للسلعة بحجم الكمية التي يبيعها أو يشتريها منهم. 4 7/11/2017 -3أن يكون البائعون والمشترون على علم تام بأسعار السلعة والكميات المعروضة والمطلوبة منها. -4أن ال يكون هناك أي تفضيل أو تمييز ألحد المشترين أو البائعين في المعاملة بسبب العالقات التي ال تمت للسعر بشيء مثل األسرية أو الصداقة. -5سهولة انتقال السلعة من شخص إلى آخر ونقلها من مكان إلى مكان داخل السوق دون تكلفة. 5 7/11/2017 أنواع السوق حسب درجة المنافسة: حيث هناك أربعة أنواع من األسواق حسب درجة المنافسة السائدة في هذه السوق فإذا كانت السوق تعمل في ظل ظروف كبيرة من المنافسة سميت بسوق المنافسة الكاملة وإذا كانت السوق تعمل في ظل ظروف معدومة من المنافسة سميت بسوق احتكارية. وهناك أسواق تقع بين النوعين السابقين فال تسودها ظروف المنافسة الكاملة وال ظروف االحتكار وتسمى حسب حجم المنافسة أو االحتكار السائد فيها فقد يطلق عليها بأسواق المنافسة االحتكارية ،أو أسواق احتكار القلة. 6 7/11/2017 أما الشروط التي يجب أن تتوافر في سوق المنافسة الكاملة فهي: -1وجود عدد كبير من البائعين بحيث ال تؤثر الكمية التي يعرضها أي واحد منهم على الكمية المعروضة في السوق وبالتالي ال يستطيع التأثير على السعر. -2حرية الدخول في السوق أو الخروج منها. -3التجانس التام بين وحدات السلعة. 7 7/11/2017 وظائف السوق : باختصار فإن السوق هو المجال الذي تؤدي فيه مختلف ألوان النشاط االقتصادي ،ففيما يتعلق باإلنتاج وتخصيص الموارد االقتصادية في المجتمع فإن للسوق أهمية كبرى في اإلسهام في تحقيق التخصيص لموارد المجتمع من خالل ما يقدمه السوق ألصحاب المشروعات ،والمنتجين من معلومات عن طبيعة السلع ومقاديرها ،وبالتالي اتخاذ القرارات التي تعكس حاجة المجتمع في تخصيص ما لديه من موارد. 8 7/11/2017 وأما ما يتعلق في مجال التوزيع ،فإن السوق هو المجال الذي يحصل فيه األفراد على العوائد نظير مشاركتهم في النشاط االقتصادي فالسوق يوفر المقاييس الحقيقية التي يتمكن بها كل عنصر إنتاجي شارك في النشاط االقتصادي من الحصول على نصيبه في عملية توزيع الناتج القومي. وأخيرا ما يتعلق بمجال االستهالك فإن السوق هو المجال الذي يوفر للمستهلكين رغباتهم من سلع وخدمات تلبي إشباع احتياجاتهم. 9 7/11/2017 تدخل الدولة لتنظيم السوق: تقوم الدولة بتنظيم السوق والرقابة عليه وفقا لنظام خاص يعرف في الشريعة اإلسالمية بنظام الحسبة. والحسبة عبارة عن نظام إداري تقوم به الدولة عن طريق موظفين خاصين بالرقابة على نشاط األفراد في مجال األخالق والدين واالقتصاد واألعراف المألوفة. واألصل الشرعي لنظام الحسبة متفرع عن أساس هو األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 10 7/11/2017 ” فالحسبة كما يراها بعض الفقهاء أمر بالمعروف إن ظهر تركه ،ونهي عن المنكر إن ظهر فعله ،وإصالح بين الناس“. واألدلة الشرعية التي يستند عليها في ذلك قوله تعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون). وقوله تعالى ( :الذين إن مكناهم في األرض أقاموا الصالة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهلل عاقية األمور). وفي الحديث” من رأى منكم منكرا ً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف اإليمان“. 11 7/11/2017 والية الحسبة: تعتبر الحسبة من الواليات الدينية التي يأمر بها الحاكم فيعين لهذه الوالية من هو أهل لها. يقول ابن خلدون ”:الحسبة وظيفة دينية من باب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهال له، فيتعين فرض عليه ويتخذ األعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل المنع عن المضايقة في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من اإلكثار في الحمل والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررهاعلىالسابلة،والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها في اإلبالغ في ضربهم للصبيان المتعلمين“. 12 7/11/2017 وتحديد اختصاصات المحتسب ومهمته تختلف باختالف الزمان والمكان فقد يتسع في بلد ويضيق في بالد أخرى ويرجع ذلك إلى اختالف األساليب والطرق المتبعة للقيام بواجب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول ابن تيمية ”:فيدخل في اختصاص المحتسب األمر بالجمعة والجماعات وبصدق الحديث وأداء األمانات وينهي عن المنكرات من الكذب والخيانة ،وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان والغش ،في الصناعات والبياعات والديانات ،ونحو ذلك“. 13 7/11/2017 تنظيم السوق والحسبة في عهد الرسول: لقد كان النبي يرتاد األسواق وكان يباشر بنفسه مهمة الحسبة،أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي هللا عنه ” أن رسول هللا مر في السوق على صبرة طعام فأدخل يده فيها ،فنالت أصابعه بلال ،فقال :ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال :يا رسول هللا أصابته السماء ،قال :أفال جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ وقال :من غشنا فليس منا“. وقد أمر الرسول ، المسلمين بالتناصح في البيع وعدم الكذب وبيان حقيقة السلعة وعدم كتمان عيوبها. 14 7/11/2017 يقول الرسول ” البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ،فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعها وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعها“. وكذلك نهى الرسول عن النجش: أخرج البخاري عن ابن عمر قال نهى الرسول عن النجش ” والنجش هو الزيادة في ثمن السلعة ممن ال يريد شراءها ليقع غيره فيها ويكون بالتواطئ مع صاحب السلعة“. 15 7/11/2017 وكذلك نهى الرسول ،عن تلقي الركبان: قال رسول هللا ” ال تتلقوا الركبان ،وال يبع حاضر لباد ،فقال طاوس :أما قوله :ال يبع حاضر لباد؟ قال :ال يكون له سمسارا“. النهي عن بيع السلعة قبل قبضها ،وكذلك بيع ماال يملكه البائع. يقول الرسول ” من اشترى طعاما فال يبعه حتى يستوفيه“. النهي عن اإلحتكار :يقول الرسول ” من احتكر طعاما فهو خاطئ “. 16 7/11/2017 هذه نماذج لتنظيم الرسول للسوق ،توضح حرص اإلسالم أن تكون السوق اإلسالمية من أماكن الذكر التي تراعى فيها آداب اإلسالم وأخالقه فكان المسلمون في بيوعهم ومعامالتهم حريصون على الوقوف على حدود الشريعة ألنهم يدركون أن هذه األعمال هي من العبادات التي يؤجر عليها المسلم إذا راعى حدود هللا. ” وبهذا المعنى تكون السوق موضعا آخر للتعامل مع هللا إذا صلحت النوايا وحرص البائعون والمشترون على أن ال ينسوا هللا ما داموا فيها ،وال يظلم بعضهم بعضا ،ولقد قال سعيد بن جبير وغيره من العلماء رحمهم هللا ،إن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتحميد والتكبير ونحوها ،بل كل عامل هلل تعالى بطاعة فهو ذاكر هلل تعالى ،وقال عطاء رحمه هللا :مجالس الذكر هي مجالس الحالل والحرام ،كيف تبيع وتشتري وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج ،وأشباه 17 7/11/2017 االختصاصات والمجاالت في والية الحسبة: أن والية الحسبة من النظم اإلدارية التي تقوم بها الدولة في مجال األمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يعتبر مجاال واسعا حيث يدخل في األمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكثير من االختصاصات والمجاالت فمنها ما يختص باألخالق والعادات ومنها ما يختص بالمعامالت والبيوع والرقابة على الصناعات والحرف واألسواق ومنها ما هو ذو طابع صحي أو تعليمي وغير ذلك من االختصاصات. يقول الماوردي ” :وإذا استقر ما وضعناه من موضوع الحسبة ووضع الفرق بينها وبين القضاء والمظالم فهي تشتمل على فصلين: أحدهما أمر بالمعروف ،والثاني نهي عن المنكر. 18 7/11/2017 فأما األمر بالمعروف فينقسم ثالثة أقسام :أحدها ما يتعلق بحقوق هللا تعالى، والثاني ما يتعلق بحقوق اآلدمين ،والثالث ما يكون مشتركا بينهما. وأما للنهي عن المنكر فينقسم إلى ثالثة أقسام كما هو الحال بالنسبة لألمر بالمعروف. ثم يقول ”:فأما النهي عنها في حقوق هللا تعالى فعلى ثالثة أقسام أحدهما ما تعلق بالعبادات والثاني ما تعلق بالمحظورات ،والثالث ما تعلق بالمعامالت“. 19 ” ويقسمها بعض الفقهاء إلى خمسين قسما“. 7/11/2017 وإذا نظرنا لوالية الحسبة وما يقابلها في هذا العصر نجد أن اختصاصاتها موزعة في الدولة الحديثة بين عدة وزارات ومصالح حكومية فمن اختصاصاتها ما تقوم به البلديات ومنها ما تقوم به وزارة التموين ،أو وزارة االقتصاد والتجارة أو الصناعة ،ومنها ما يقوم به التفتيش في وزارة التربية ووزارة الصحة ،ومنها ما تقوم به الشرطة األخالقية ،إلى غير ذلك من إدارات. والذي يعنينا بحثه في دراستنا هو الحديث عن نظام الحسبة إدارته ودوره في مراقبة األسواق وتنظيم المعامالت فيها. ”وأما المعامالت المنكرة كالزنا والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقا على حظره فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه والزجر عليه ،وأمره في التأديب مختلف بحسب ألحوال وشدة الحظر“. 20 7/11/2017 ويقوم نظام الحسبة في مجال السوق اإلسالمية بالوظائف اآلتية: -1مراقبة المعامالت ومنع العقود المحرمة ” :فعلى المحتسب أن ينظر في سلوك المتعاملين في السوق ويبث أعوانه ومساعديه في أجزائها ،فإن رأى منكرا في المعامالت الجارية في السوق قام بالنهي عنها ومن أمثلة ذلك ما تكلم عنه ابن تيمية في تعداده للمنكرات المتعلقة بالعقود المحرمة شرعا مثل (عقود الربا والميسر وبيع الغرر والمالمسة والمنابذة وربا النسيئة وربا الفضل وتصرية الدابه اللبون وسائر أنواع التدليس وكل المعامالت الربوية سواء أكانت ثنائية أو ثالثية“. 21 7/11/2017 ” وفيما يتعلق بالمعامالت غش المبيعات وتدليس األثمان فينكره ويمنع ويؤدب عليه بحسب الحال ....ويمنع من تصرية المواشي وتحفيل ضروعها عند البيع للنهي عنه ،فإنه نوع من التدليس ،ومما هو عمدة نظره من التطفيف والبخس في المكاييل والموازيين والصنجات لوعيد هللا تعالى عليه عند نهيه عنه .....ويجوز له إذا استراب بموازين السوقة ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها ولو كان على ما عايره منها طابع معروف بين العامة ال يتعاملون إال به كان أحوط وأسلم“. -2مراقبة الصناع وأعمال الحرفين وأصحاب المهن: ومن الصناعات التي تناولها الفقهاء صناعة الخبازين والفرانين والصباغين. ومن الحرف حرفة الجزارين والقصابين. ومن المهن التي ذكرت المهن الطبية باختالف أنواعها. 22 7/11/2017 وهذه بعض األمثلة على ذلك: ففي مجال صناعة الجبازين والفرانين وعموم الصناعات الغذائية فعلى المحتسب أن يراعي األمور الصحية ويدقق عليها باإلضافة إلى التدقيق على نواحي الغش والتدليس. ” وال يعجن العجان بقدميه وال بركبتيه وال بمرفقيه،ألن في ذلك مهانة للطعام، وربما قطر في العجين شيء من عرق إبطه وبدنه ،فال يعجن إال وعليه ثوب من غير أكمام ويكون ملثما أيضا،ألنه ربما عطس أو تكلم فقطر شيء من بصاقه ،أو مخاطه في العجين ،ويلزمه المحتسب أن يشد على جبينه عصابة بيضاء لئال يعرق فيقطر منه شيء في العجين وإذا عجن في النهار فليكن عنده إنسان في يده مذبه يطرد عنه الذباب “. 23 7/11/2017 أما أصحاب الحرف كالجزارين والقصابين فيتم مراقبة عمليات الذبح والنظافة. ” ويأمر المحتسب أن يفردوا لحوم المعز عن لحوم الضأن وال يخلطوا بعضها ببعض ،وأن يضعوا عالمات خاصة على لحوم المعز باستخدام مادة الزعفران لتتميز عن غيرها ،ويرى كتاب الحسبة أن المصلحة أن ال يشارك بعضهم بعضا، لئال يتفقوا على سعر واحد“. أما أصحاب المهن الطبية فهناك األنظمة التي تنظم أحوالها وأعرافها وعلى المحتسب أن يتابع ذلك. 24 7/11/2017 ”وينبغي إذا دخل الطبيب على مريض أن يسأله عن سبب مرضه وعما يجد من األلم ثم يرتب له قانونا من األشربة والعقاقير ،ثم يكتب نسخة ألولياء المريض بشهادة من حضر معه ....وإذا كان من الغد حضر ونظر إلى دائه وقارورته ،وسأل المريض هل تناقص به المرض أم ال ،ثم يرتب له ما ينبغي ...ويكتب له نسخة يسلمها إلى أهله وهكذا إلى أن يبرأ أو يموت فإن برئ من مرضه أخذ الطبيب أجرته يسلمه إلى أهله وكرامته ،وإن مات حضر أولياؤه عند الحكيم المشهور وعرضوا إليه النسخ التي كتبها لهم الطبيب ،فإن رآها على مقتضى الحكم وصناعة الطب من غير تفريط وال تقصير من الطبيب قال :هذا قضى بفروغ أجله ،وإن رأي األمر بخالف ذلك قال لهم خذوا ديتكم من الطبيب فإنه هو الذي قتله“. 25 7/11/2017 -3وضع مواصفات للسلع ومقاييس لجودة اإلنتاج: قد يلجأ المنتجون والبائعون إلى إنقاص الوزن ،أو تغيير مواصفات السلع أو الغش في التركيب باستخدام مواد رخيصة و دون المستوى وعدم مراعاة الشروط الصحية ،وتدخل الدولة لحماية المستهلك أمر واجب وإن قصرت عن القيام به فهي إما ظالمة للرعية ،وإما ضالعة في عمليات الغش والتدليس. ومن أمثلة ذلك في صناعة الملبوسات والمنسوجات القطنية والكتانية والحريرية. ” وليعلم المحتسب أن في صبغ الحرير غشوشا خافية فينبغي أن يعرف عليهم عريفا ثقة بصيرا بصناعتهم وبأساليب غشهم وتدليسهم ،ومن ذلك أنهم يصبغون الحرير األحمر وغيره من الغزل والثياب بأصباغ غير قوية وسريعة الزوال إذا أصابتها الشمس يزول حسنها وإشراقها بعد أن كانت صافية اللون شديدة السواد، فيجب أن يغير عليهم ما يفعلونه ويغشون به الصبغ“. 26 7/11/2017 ويلزم نظام الحسبة الصناعات المعدنية ومسابك الحديد والنحاس والزجاج أال يمزجوا النحاس بالخبث الذي يخرج من الفضة والرصاص أثناء عملية السبك ألنه يصلب النحاس ويزيده يبسا ،فإذا صنعت منه آنية -ال سيما األواني المستخدمة في الطحن -إنكسر سريعا مثل الزجاج“. -4منع االحتكار: إن المبدأ المعمول به في الحياة االقتصادية هو حرية األفراد في مزاولة األنشطة االقتصادية وهذا األصل وهو الطريق المثالي ،ولكن هذه الصورة ال تتحقق دائما وهنا تتدخل الدولة عند االنحراف في استخدام الحرية بما يضر بالمصالح الجماعية ألن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد ،ومن هذه الحاالت التي تتدخل فيها الدولة لتقييد حرية األفراد منع المحتكرين من استغالل الناس واإلضرار بهم. 27 7/11/2017 مفهوم االحتكار: يعتبر مفهوم االحتكار واحد في االقتصاد الوضعي واالقتصاد اإلسالمي فاالحتكار في االقتصاد الوضعي هو السيطرة على عرض أو طلب السلعة بقصد تحقيق أقصى قدر من الربح. وفي االقتصاد اإلسالمي هو جمع أو حبس السلعة التي يحتاج إليها الناس ليبيعها بثمن مغالي فيه لقول الرسول ” :من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ“. ومن ذلك يتبين أن مفهوم االحتكار واحد في االقتصاد الوضعي واالقتصاد اإلسالمي ومرده في النهاية ما عبر عنه اإلمام أبو حنيفة بقوله ” :كل ما أضر الناس حبسه فهو احتكار“. 28 7/11/2017 حكم االحتكار: نهى اإلسالم عن االحتكار واعتبر أن الذي يمارس هذا العمل مخطئ في حق نفسه وفي حق مجتمعه. يقول الرسول ” :ال يحتكر إال خاطئ “. ويقول أيضا” :من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ وقد برئت منه ذمة هللا ورسوله“. ويقول في حديث آخر ” :الجالب في سوقنا كالمجاهد في سبيل هللا، والمحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب هللا“. 29 7/11/2017 هل االحتكار يقتصر على الطعام؟ ذهب بعض الفقهاء إلى أن االحتكار يقتصر على احتكار قوت اآلدمي ومن هؤالء شيخ اإلسالم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. يقول ابن تيمية ” :ولهذا كان لولي األمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام ال يحتاج إليه و الناس في مخمصة فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل“. وكذلك يقول ابن القيم ”:ولهذا فإن لولي األمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام ال يحتاج إليه والناس في مخمصة“. ويعلل هؤالء الفقهاء اقتصار االحتكار على القوت بأن األشياء األخرى سوى القوت ال تعم الحاجة إليها. 30 7/11/2017 ”وذهب الحنابلة على أن من شروط االحتكار المحرم أن يتعلق بقوت الناس أما ما سواه فال يتعلق به االحتكار المحرم،عللوا ذلك بأن هذه األشياء -أي ما سوى القوت -ال تعم الحاجة إليها أستثنيت الثياب والحيوان ،وتعليلهم هذا يقضي تحقق االحتكار بكل ما يحتاجه الناس دون قصره على القوت“. ومن الفقهاء من وسع في معنى االحتكار ليشمل جميع األصناف التي تكون موضع االحتكار ما دام حبسها يضر بالناس سواء كانت طعاما أم ثيابا أم غيرها ومن هؤالء الفقهاء أبو يوسف وابن حزم. والعلة في ذلك أن كل ما يوقع الضرر بالناس يعتبر محرما دون تعلق ذلك بصنف من األصناف. 31 7/11/2017 ”والظاهر من هذه األحاديث الشريفة أن االحتكار محرم من غير فرق بين قوت اآلدمي أو الحيوان وبين غيره من المواد ،والتصريح بلفظ الطعام في بعض الروايات ال يصلح دليال لتقييد بقية الروايات ،وإنما (ذكر الطعام ) من باب التنصيص على فرد من األفراد التي يطبق عليها حكم المطلق،ثم إن العلة في النهي عن االحتكار هي إيقاع الضرر بعموم الناس فال يحرم االحتكار إال على وجه يضر بهم ،فيستوي في ذلك القوت وغيره ألن الناس يتضررون بالجميع وهذا قول أبو يوسف رحمه هللا تعالى إذ قال: ”االحتكار في كل ما يضر بالعامة“. 32 7/11/2017 شروط االحتكار: باإلضافة إلى ماسبق من تحديد االحتكار في األقوات أو غيرها من المواد نجد الفقهاء قد وضعوا الشروط التي يتحقق فيها االحتكار ومنها: -1أن يكون الشيء المحتكر فاضال عن كفاية المحتكر وكفاية من يعولهم سنة كاملة ألنه يجوز لإلنسان أن يدخر حاجة أهله من الطعام لمدة عام لما ثبت عن النبي ،أنه كان يحبس ألهله قوت سنتهم. -2أن يكون متربصا به الغالء ،لما ثبت في بعض روايات لحديث عن ابن بلفظ يريد به الغالء. -3أن يكون االحتكار في وقت احتياج الناس للشيء المحتكر ،ألن العلة في تحريم اإلحتكار هي دفع الضرر عن الناس. 33 7/11/2017 ويضيف اإلمام أبو حنيفة شرطا رابعا وهو أن تكون السلعة المحتكرة مشتراة من نفس اإلقليم الذي ظهرت به الضائقة أما إذا كانت مجلوبة من إقليم آخر أو كانت إنتاجا للمالك فإنه ال يعد احتكارا. ونحن نرى أنه ال فرق بين السلع المجلوبة والسلع المنتجة في نفس اإلقليم إذ العلة كما أوضحها الفقهاء وهي اإلضرار بالعامة ،فكل ما أضر بالعامة اعتبر احتكارا. مسئولية الدولة في منع االحتكار: ما الذي يجب على الدولة القيام به لمنع المحتكرين من ظلم الناس : 34 7/11/2017 إن الدولة عليها القيام بشيئين مهمين وهما : -1إجبار المحتكرين على بيع السلع المحتكرة -2أن تلزم المحتكرين ببيع السلع المحتكرة بثمن المثل يقول ابن تيمية ” وعندما تحرم الشريعة االسالمية االحتكار فإنها ال تترك المحتكرين يستفيدون من احتكارهم بل توجب على ولي األمر أن يقوم ببيع األموال المحتكرة جبرا عن محتكريها بثمن المثل فلو امتنع المحتكر عن بيعها بالمثل باعها ولي األمر ودفع لصاحبها ثمن المثل ” 35 7/11/2017 ”ويأتي هذا اإلجراء من الدولة منعا للظلم الذي كان سيترتب على الناس وفي حال رفض هذا المحتكر بيع ما لديه بثمن المثل فيحق للدولة حبس هذا المحتكر والتصرف باألموال المحتكرة“. ” وتبرير إجبار ولي األمر المحتكر على البيع هو أنه ظالم للناس معتد على حقوقهم واقع في اإلثم فإجباره في الحقيقة إعانة له على الخالص مما وقع فيه، وإعانته على القيام بما ألزمه الشرع بعدم اإلضرار بالناس ،ولهذا صرح الفقهاء بحق ولي األمر في إجبار المحتكر على بيع ما احتكره وأنه إذا رفض باع القاضي عليه ،فمن أقوالهم هذه ما قاله الحنابلة” ويجبر المحتكر على بيعه -أي بيع ما احتكره -من قوت آدمي كما يبيع الناس لعموم المصلحة ودعاء الحاجة فإن أبى محتكر بيعه وخيف التلف بحبسه فرقه اإلمام على المحتاجين ويردون له بدله“. 36 7/11/2017 ويذهب بعض الفقهاء إلى أن الشخص المضطر إلى الطعام يمكنه أن يأخذه من صاحبه بدون اختياره وبثمن المثل. ” من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ،ولو امتنع من بيعه إال بأكثر من سعره لم يستحق إال سعره“. -5التسعير: األصل في األسعار أن تتحدد في السوق بتفاعل قوى الطلب والعرض ،وهذا هو رأي جمهور العلماء الذين يستدلون بالحديث الذي رواه أنس قال ” :غال السعر على عهد الرسول فقالوا يا رسول هللا لو سعرت لنا ،فقال :إن هللا هو القابض، الباسط ،الرازق،المسعر،وإني ألرجو أن ألقى هللا عز وجل وال يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم وال مال“. 37 7/11/2017 ولكن تحديد األسعار من قبل الدولة أو ولي األمر هو من المواضيع الخالفية بين الفقهاء فمنهم من ال يجيز التسعير ومنهم من يجيزه على األقوات ومنهم من يجيزه بشروط وسنستعرض آراء الفقهاء في موضوع التسعير. الرأي األول :عدم جواز التسعير: وقد ذهب إلى هذا الرأي جمهور العلماء: يقول الماوردي الشافعي ”:وال يجوز أن يسعر على الناس األقوات و ال غيرها في رخص و ال غالء “. ويقول ابن قدامة الحنبلي ” وليس لإلمام أن يسعر على الناس أموالهم على ما ال يختارون“. 38 7/11/2017 وذهب المالكية ”إلى أنه ال يجوز التسعير على أهل األسواق إال أنه إذا خالف واحد من أهل السوق بزيادة أو نقصان يخرج من السوق ،وإال فليبع بسعر السوق“. أما متأخرو الحنفية فذهبوا إلى ”جواز التسعير في األقوات فقط في زمن االضطرار إذا تعدى البائعون في أثمان المبيعات فاحشا“. ويستدل هذا الفريق في عدم جواز التسعير باآلتي: (أ) الحديث الذي سبق ذكره في بداية الموضوع وهو حديث أنس بن مالك. 39 7/11/2017 وكذلك الحديث الذي رواه أبو داود عن ابي هريرة أن رجال جاء فقال :يا رسول هللا سعر ،فقال ” :بل أدعو ” ثم جاءه رجل فقال يا رسول هللا سعر ،فقال: ” بل هللا يخفض ويرفع وإني ألرجو أن ألقي هللا وليس ألحد عندي مظلمة“. وأصحاب هذا الرأي يأخذون بظاهر األحاديث حيث لم يرد في األحاديث تفريق بين حالة الغالء والرخص وعمموا ظاهرها بحيث ال يجوز التسعير في أي ظرف من الظروف. (ب) أن الناس مسلطون على أموالهم وليس ألحد أن يأخذها ،و ال شيئا منها بغير طيب أنفسهم إال في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها فالتسعير على الناس حجر في أموالهم .ويستدلون بقوله تعالى” :إال أن تكون تجارةعن تراض منكم“ 40 7/11/2017 (ج) أن االمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري بترخيص الثمن بأولى من نظره في مصلحة البائع بزيادة الثمن وإذا تقابل األمران وجب تمكين الفريقين في االجتهاد ألنفسهم فيجتهد المشتري في االسترخاص، ويجتهد البائع في زيادة أرباحه. الرأي الثاني :والذي يرى بجواز التسعير بشروط: -1أن يكون التسعير فيما حاجته عامة لجميع الناس. -2أال يكون سبب الغالء قلة العرض أو كثرة الطلب. وأصحاب هذا الرأي هما االمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اللذان فضال قضية التسعير بشكل جيد فبينا أن ” :التسعير فيه ما هو ظلم محرم وفيه ما هو عدل جائز“. 41 7/11/2017 ويعتبرون أن التسعير يكون ظالما إذا كان الناس يبيعون سلعتهم على الوجه المعروف من غير ظلم وقد ارتفع السعر إما لقلة العرض أو لكثرة الخلق (زيادة الطلب) فهذا إلى هللا ال يد للخلق فيه ،فإذا تم إلزام الناس في هذه الحالة على البيع بأسعار معينة جبرية فهذا إكراه بغير حق وظلم ،وهذه هي الحالة التي حدثت في عهد الرسول والتي رواها أنس فارتفاع السعر هنا جاء كحالة طبيعية وليست ناتجة عن امتناع أرباب السلع عن بيعها مع ضرورة الناس إليها. يقول ابن تيمية ” :إنه إذا كان الناس يبيعون سلعتهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر ،إما لقلة الشيء ،وإما لكثرة الخلق فهذا إلى هللا، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق“. 42 7/11/2017 أما التسعير العادل فهو الذي يفرض عندما يمتنع أرباب السلع عن بيعها مع ضرورة الناس إليها إال زيادة عن القيمة المعروفة ،وهنا يفرض عليهم بيع السلع بقيمة المثل،إذ ال معنى للتسعير إال بإلزامهم بقيمة المثل. يقول ابن تيمية ” :وأما الثاني أن يمتنع أرباب السلع عن بيعها مع ضرورة الناس إليها إال بزيادة على القيمة المعروفة ،فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل و ال معنى للتسعير إال بإلزامهم بقيمة المثل“. 43 7/11/2017 وقد رد ابن القيم على أدلة الفريق األول :ففيما يتعلق بالحديث الذي رواه أنس: يقول ابن القيم ” :ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النبي إن هللا هو المسعر القابض الباسط ” ...قيل له :هذه قضية معينة ،وليست لفظا عاما وليس فيها أن أحدا امتنع عن بيع مال الناس محتاجون إليه ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه،فإذا بذله كما جرت به العادة ،ولكن الناس تزايدوا فيه ،فهنا ال تسعير عليهم ” .أما ما يتعلق بأخذ أموال الناس بغير طيب أنفسهم خروجا عن قاعدة التراضي التي وردت في قوله تعالى ” :إال أن تكون تجارة عن تراض منكم“. 44 7/11/2017 بأن هذه هي القاعدة األصلية وتقوم إلى جنبها قواعد أخرى مقررة في الشريعة مثل منع الضرر وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة عند التعارض، وإزالة الضرر األشد بالضرر األخف. فالشريعة تمنع الضرر في كل األحوال بغض النظرعن الجهة التي وقع عليها الضرر فإذا كان عدم التسعير فيه ظلم على العامة و اضرار بمصالحهم فهنا يجب إزالة الضرر بالتسعير ،أما إذا كان التسعير فيه إضرار بالمنتجين والتجار فعلى الدولة منعه واعتبر ذلك التسعير من الظلم. وأما الرد على النقطة الثالثة والتي تعتبر أن اإلمام مأمور برعاية مصالح المسلمين سواء كانوا بائعين أو مشترين وعلى اإلمام ترك الفريقين باالجتهاد كل لمصلحته. 45 7/11/2017 ”وهنا فإن التعارض الذي يظهر في المسألة ليس تعارضا بين حقيق فرديين بل بين حق مجموعة من التجار أو المنتجين ،وحق عامة الناس أو جمهور المستهلكين ،فوجب تقديم حق العامة مع مراعاة حقوق األفراد ،ويكون ذلك بالتسعير العادل الذي ال يمنع البائعين من الربح المناسب الالزم الستمرارهم في اإلنتاج ،ولكن يمنع في الوقت ذاته من تحكمهم وتواطئهم على ظلم الناس بإخفاء السلع لرفع األسعار“. والذي نراه في موضوع التسعير أنه يمكن التوفيق بين آراء الفريقين واعتبارها صوابا حيث أن كل فريق يبحث موضوع التسعير من زاوية معينة وإن كان أصحاب الرأي الثاني قد تناولوه بموضوعية أكثر. 46 7/11/2017 ولكن يمكن اعتبار أن أصحاب الرأي األول قد أجابوا عن جواز التسعير أو عدمه في ظل الظروف الطبيعية فكانت إجابتهم ضمن هذه النظرة مع عدم وجود المبررات والضرورة لذلك. أما الرأي الثاني وهو األصوب والذي يمكن األخذ به. الخالصة : -1أنه في الظروف الطبيعيه يترك تحديد السعر لقوي العرض و الطلب داخل السوق وذلك لترسيخ حرية السوق وترسيخ مبدأ المبادرة الفردية في االقتصاد اإلسالمي حتى ال يكون االعتداء علي حرية السوق كبش الفداء الذي تسارع إلي ذبحه الحكومة عند إفالس سياستها المرتجلة . 47 7/11/2017 -2أما في الظروف الغير طبيعية مثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إال بزيادة علي القيمة المعروفة فهنا ال بد من التسعير. ” ويمكن صياغة ما تقدم بلغة اقتصادية ،فالحالة األولى التي أوردها ابن تيمية : ارتفاع السعر نتيجة لنقص العرض تلقائيا ،أو زيادة الطلب على جدول عرض ثابت بسبب زيادة السكان واالرتفاع في السعر هنا أمر طبيعي و ال مجال للتدخل، أما الحالة الثانية فهي تحكم البائع في العرض بصورة قسرية ،خصوصا إذا كانت السلعة ضرورية ومرونة الطلب قليلة مما يؤدي إلى ارتفاع كبير في السعر ففي مثل هذه الحالة يجب التدخل والتسعير“. 48 7/11/2017 ملخص ونتائج الفصل: ترتبط ألوان النشاط االقتصادى فيما بينها وتشكل دائرتها عجلة الحياة المستمرة في دوران وتجدد ،وفي هذا اإلطار ال ينظر إلي االستهالك علي أنه تبديد وإتالف كما يبدو للوهلة األولى ،فالنظرة المتفحصة تؤكد أن االستهالك من أهم الدوافع للعمل واإلنتاج ،بل هو هدفه األساسى و بالتالى فهو الحافز إلعمار األرض وتهيئتها لتكون صالحة لكى ينتفع بها اإلنسان باستهالك خيراتها وثمارها ويكون قادرا على إعمارها. إال أن هناك الكثير من المفاهيم ال بد من توضيحها لكي نعطى لالستهالك المعنى الصحيح ،و من ذلك حد الكفاية و الذي يمكن اعتباره في أبسط مفاهيمه بأنه حد مالئم من مستوى المعيشة يمكن أن يسمى العيش الكريم ،وهو قطعا يفوق حد الكفاف الذي ال يتجاوز مستوي الحاجة والعوز ،ويترك ألهل االختصاص تقدير حد الكفاية حسب تغير ظروف الزمان و المكان و حسب حالة الشخص . 49 7/11/2017 االستهالك :وهو االنتفاع و التمتع بالنعم من مأكل ومشرب و ملبس ومسكن و غيره. أما الحكم الشرعي لالستهالك فيختلف حسب الحاجة و األولوية من الضروري إلي اإلسراف والحرام . مفهوم السلعة يختلف أيضا في النظرة الشرعية فليس كل ما يشبع حاجة أو رغبة قابل لإلنتاج ،والحكم في ذلك إلي تشريعات اإلسالم و أحكامه. 50 7/11/2017 إن األصل في السلوك االستهالكي للمجتمع المسلم أن تحكمه بعض األسس والقواعد حتى ال ينحرف و يؤدى إلي اختالل التوازن داخل المجتمع ،فالسلوك االستهالكى لألفراد يجب أن يكون منضبطا بأحكام وتشريعات االسالم باعتبار أن االستهالك يعد سلوكا تعبديا ،وال ينظر إليه على أنة هدف لإلنسان ،بل هو وسيلة يستطيع أن يتقوى بها على القيام بمهمة في هذه الدنيا وهي خالفة األرض وعمارتها ،فإذا انضبط اإلنسان بهذه الضوابط فإن سلوكه االستهالكي سيبتعد عن مظاهر اإلسراف و التبذير و الترف وسيميل إلي التوسط واالعتدال حتى ال يهدر أو يبدد موارد المجتمع . لكن هل ينضبط األفراد في جميع األحوال بهذه القواعد في سلوكهم االستهالكى؟ وماذا تفعل الدوله لكي تعيدهم إلي حادة الصواب؟ 51 7/11/2017 يحرص اإلسالم أن يكون سلوك أفراد مجتمعه منضبطة وفقا للسلوك االستهالكي القويم الذي تم اإلشارة إليه ،ولكن المجتمع في كثير من األحيان يصعب ضبط سلوك جميع أفراده بهذا االتجاه تلقائيا لتداخل الرغبات والميول ولتنازع الشهوات والملذات حياة البشر. فإذا أمكن تقويم هذا السلوك بحيث يلتزم بالقواعد العامة التي تحكم السلوك االستهالكي وفق برامج لترشيد االستهالك اكتفى بهذا ،وإال لجأت الدولة إلى عملية تنظيم االستهالك بحيث تضمن عن طريقه تأمين الحد األدنى الحتياجات جميع أفراد المجتمع ،ثم تسعى بعد ذلك إلى تحسين المستوى المعيشي كلما تحسنت اإلمكانات المتوفرة لديها. 52 7/11/2017 ومن اإلجراءات التي يمكن أن تقوم بها الدولة لتنظيم االستهالك هو عملية توجيه االستهالك عبر االنتاج. والحديث عن االستهالك والسلع يسوقنا إلى الحديث عن السوق ومكانتها وطرق مراقبتها وبعض األحكام المتعلقة بها. فالسوق تقوم بوظائف جليلة تخدم مجاالت النشاط االقتصادي المختلفة ففي مجال االنتاج يساهم السوق في تخصيص الموارد واإلمكانات عبر ترجمة سلوك المستهلكين إلى قرارات إنتاجية ،وفي مجال التوزيع يساهم في مكافأة عناصر االنتاج التي شاركت في العملية االنتاجية بالحصول على نصيبها في التوزيع،أما في مجال االستهالك فالسوق هو المجال الذي يستطيع من خالله األفراد الحصول على السلع والخدمات التي تلبي رغباتهم واحتياجاتهم. 53 7/11/2017 وحتى يستقيم األمر داخل السوق فإن االقتصاد االسالمي جعل للدولة وظيفة رقابية على السوق تتمثل في نظام الحسبة ،ويستطيع نظام الحسبة أن يضبط الحياة االقتصادية داخل السوق بحيث تراعي أحكام وتعاليم الشريعة اإلسالمية وذلك من خالل إجراءات أهمها-: -1مراقبة المعامالت ومنع العقود المجرمة. -2مراقبة الصناع وأعمال الحرفين وأصحاب المهن. -3وضع مواصفات للسلع ومقاييس لجودة اإلنتاج. -4منع االحتكار. -5التسعير. 54 7/11/2017 نلخص مما سبق إلى اآلتي: -1أن االستهالك جزء من األنشطة االقتصادية باعتباره من أهم الدوافع التي تحرك اإلنسان إلى العمل و االنتاج. -2ال بد للمجتمع أن يراعي في سلوكه االستهالكي أحكام اإلسالم وتعاليمه حتى يستقيم هذا السلوك في المسار الصحيح. -3في كثير من األحيان ينحرف سلوك المجتمع عن المسار الصحيح ،وهنا تتدخل الدولة لتصحيح المسار ،وتبدأ عملية التصحيح تدريجيا حسب درجة االنحراف. -4لضبط المعامالت والرقابة عليها داخل السوق فقد أوجد االقتصاد اإلسالمي وظيفة هي نظام الحسبة الذي يتولى ضبط المعامالت وفقا لتعاليم اإلسالم وأحكامه. 55 7/11/2017
© Copyright 2026 Paperzz