تحميل الملف المرفق

‫المعامالت المالية للمسلمين فى أوروبا‬
‫إعداد‬
‫الدكتور صهيب حسن‬
‫بحث مقدم‬
‫للدورة الثامنة عشرة للمجلس ‪ -‬دبلن‬
‫جمادى الثانية‪ /‬رجب ‪ 1429‬هـ ‪ /‬يوليو ‪ 2008‬م‬
‫الفضل األول‬
‫تعريفات للمال‬
‫وبعد‪:‬‬
‫احلمد هللا رب العاملني والصالة والسالم على سيد املرسلني حممد وعلى آله وصحبه أمجعني ُ‬
‫مرة وهى الىت تساعدان ىف حتديد خصائص املال عقدايً‬
‫فقد وردت كلمة املال ىف القرآن اجمليد ستةً ومثانني ّ‬
‫وخلقياً وهذا هو موضوع الفصل الثاىن‪ ،‬ولنتناول ىف هذالفصل تعريفات للمال لغةً واصطالحاً‪ ،‬يقول‬
‫صاحب لسان العرب‪:‬‬
‫"املال معروف‪ ،‬ما ملكته من مجيع األشياء" (‪)1‬‬
‫وقال ابن األثري‪،‬‬
‫" املال ىف األصل ما ميلك من َّ‬
‫الذهب والفضَّة مث اطلق على كل مايقتىن وميلك من األعيان وأكثر ما‬
‫يطلق املال عند العرب على االبل ألهنا كانت أكثر أمواهلم"(‪)2‬‬
‫وقد عرب عنه الشاعر بقوله‪:‬‬
‫ع‬
‫رأيت الناس قد مالوا‬
‫ومن العنده مال‬
‫اىل من عنده مال‬
‫فعنه الناس قد مالوا‬
‫ولنأخذ تعريفات املال عند الفقهاء‪،‬‬
‫املال عند الشامى‪:‬‬
‫ادخاره لوقت احلاجه واملالية يثبت بتمول الناس كافة أو‬
‫"املراد ابملال مامييل اليه الطبع وميكن ّ‬
‫لبعضهم"(‪)3‬‬
‫‪1‬‬
‫وذكر ايضاً‪:‬‬
‫" املال موجود مييل اليه الطبع وجيرى فيه البذل واملنع فانه خيرج ابملوجود املنفعة" (‪)4‬‬
‫والقريب منه تعريف ابن جنيم حيث قال‪-‬‬
‫"واملال ىف اللغة ماملكته من شئٍ واجلمع األموال‪ ،‬كذا ىف القاموس وىف الكشف الكبري ‪ :‬املال مامييل‬
‫الطبع وميكن ادخاره لوقت احلاجةً (‪)5‬‬
‫اليه ُ‬
‫وزاد الكاساىن انه الشئ الذى ميكن االنتفاع به حقيقة وشرعاً فقال عند ايراده دليالً على جواز بيع‬
‫الكلب‪ :‬ولنا ان الكلب مال فكان حمالً لبيع كالصقرو البازى والدليل على انه مال انه منتفع به حقيقةً‬
‫منتفع به حقيقةً‪ ،‬والدليل على انه مباح‬
‫مباح االنتفاع به شرعاً على االطالق فكان ماال والشك انه ٌ‬
‫االنتفاع به شرعاً على اإلطالق ان االنتفاع به جبهة احلراسة واالصطياد مطلقاً شرعاً ىف األموال كلها‬
‫للبيع (‪)6‬‬
‫فكان حمالً ً‬
‫ويؤخذ من هذه التعريفات لدى األحناف املعامل التالية للمال‪:‬‬
‫‪ .1‬مافيه ميالن للطبع‬
‫‪ .2‬ماجيرى فيه البذل واملنع‬
‫‪ .3‬هوعني حيث ميكن ّادخاره‪،‬‬
‫‪ .4‬الب ّد من وجوده‪،‬‬
‫‪ .5‬يكون قابال لإلتتفاع شرعاً‪،‬‬
‫وهل املنافع تدخل ىف تعريف املال أم ال؟‬
‫إضطرب قول احلنفية ىف هذا املوضوع فعند الشامى الب ّد أن يكون املال عيناً ملا ذكر سابقاً‪ .‬ولكن‬
‫أقر خدمةَ الرجل للمرأة‪ -‬إذا اشرتطت مقابل‬
‫اعتربت املنفعة ماالً عند حممد من أصحاب أىب حنيفة فقد َّ‬
‫افىت جبواز ذالك مهراً‪ ،‬قال صاحب اهلداية‪:‬‬
‫املهر‪ -‬و َ‬
‫‪2‬‬
‫املسمى َّ‬
‫" مثَّ على قول حممد جتب قيمة اخلدمة َّ‬
‫مال إال انه عجز عن التسليم ملكان املناقضة " (‪)7‬‬
‫ألن َّ‬
‫وابن جنيم يرى هذا الرأى ايضاً‪:‬‬
‫" لو تزوجها على منافع سائر األعيان ىف سكىن داره وخدمة عبده وركوب دابته والعمل عليها وزراعة‬
‫صحت التسمية ألن هذه املنافع امو ٌال أو أحلقت‬
‫أرضه وحنو ذالك ىف منافع األعيان م ّده معلومة ّ‬
‫ابألموال (‪)8‬‬
‫خالف بني الفقهاء حول كون املال عيناً‪ ،‬نكتفى ابيراد أقوال فقهاء املذاهب األخرى‬
‫ومبا انه ليس هناك‬
‫ٌ‬
‫إبجتصار وخاصةً حول رأيهم ىف املنفعة ابلذات‪-:‬‬
‫فعند املالكية‪،‬‬
‫قال الشاطىب‪" :‬املال ما يقع عليه امللك ويستب ّد به املالك" (‪)9‬‬
‫وجاز عند ابن القاسم كون املنفعة مهراً وان كان مكروهاً عند اآلخرين‪:‬‬
‫قال اجلزائرى‪ :‬إن املنافع من تعليم القرآن وحنوه أوسكىن الدار أو خدمة ففيها خالف‪ ،‬قال مالك‪ :‬اهنا ال‬
‫تصلح مهراً ابتداءً ان يُسميها مهراً وقال ابن القاسم‪ :‬تصلح مهراً مع الكراهة وبعض ائمة املالكية جييزها‬
‫بالكراهة‪........‬‬
‫يصح على املعتمد ويثبت للمرأة املنفعة الىت‬
‫ولكن اذا مسّى‬
‫شخص منفعةً من هذه املنافع مهراً فان العقد ّ‬
‫ً‬
‫مسيّت هلا وهذا هو املشهور‪)10( ،‬‬
‫أ ّما عند الشافعية‪:‬‬
‫قال السيوطى‪:‬‬
‫" قال االمام الشافعى رضى هللا عنه اليقع اسم مال االّ على ماله قيمة يُباع هبا ويلزم متلفه وان قلت‬
‫الناس مثل الفلس وما أشبه ذالك" (‪)11‬‬
‫وماال يطرحه ُ‬
‫وقال ابن القاسم الغزى ىف تعريف البيع‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫شرعى أومتليك منفعة مباحة على التأبيد‬
‫مبعاوضة ابذن‬
‫" فأحسن ماقيل ىف تعريفة انه متليك عني مالية‬
‫بثم ٍن ماىل" (‪)12‬‬
‫وقال البيضاوى‪:‬‬
‫"البيع متليك عني اومنفعة على التأبيد ٍ‬
‫بعوض ماىل" (‪)13‬‬
‫َّ‬
‫هام وهو اعتبار العُرف ىف تعريف املال فكم من اشياء اعتربت اتفهةً‬
‫ودلنا تعريف السيوطى على شيئ ّ‬
‫الرُمل‪.‬‬
‫غري متقومة عند القدامى ولكنها صارت ماالً يباع ويشرتى ىف األزمتة األخرى كالرتاب و َّ‬
‫ّاما عند احلنابلة‪ ،‬فقال ابن قدامة‪:‬‬
‫الصيد كاحلشرات‬
‫القز وديدان َّ‬
‫" ان املال مافيه منفعة مباحة لغري حاجة أوضرورةٍ كعقار ومجل ودود ّ‬
‫ٍ‬
‫االحلاجة فليس ماالً" (‪)14‬‬
‫يباح االلضرورةٍ كاملبتةَ وماال يباح اقتناؤه‬
‫حمرم كاخلمر وماال ُ‬
‫ومافيه نفع ّ‬
‫وقال منصور بن يونس البهوتى احلنبلى‬
‫(وهو) اى املال شرعاً مايباح نفعه مطلقا) اى ىف كل االحوال___فخرج ماالنفع فيه كاحلشرات‪ ،‬ومافيه‬
‫نفع حمرم كخمر وماال يباح االعند االضطرار كامليته______(كبغل ومحار) النتـفاع الناس هبما وتبا‬
‫يعهما ىف كل عصر من غري نكري‪)15( .‬‬
‫وقد اعترب ابن تيمية العرف ىف كون الشيئ متقوماً حىت يكون صاحلاً للبيع وقال ىف معرض حديثه عن‬
‫البيع‪:‬‬
‫فما عده الناس بيعاً فهو بيع وما عدوه اجارة فهو اجارة وماعدوه هبة فهو هبة وهذا اشبه ابلكتاب‬
‫والسنة واعدل فان االمساء منها ماله حد ىف اللغة كالشمس والقمر ومنها ماله حد ىف الشرع كالصلواة‬
‫واحلج ومنها ماليس له حد ال ىف اللغة وال ىف الشرع بل يرجع اىل العرف كالقبض ومعلوم ان اسم البيع‬
‫واالجارة واهلبة ىف هذا الباب مل حيدها الشارع وال هلا حد ىف اللغة بل يتنوع ذالك حبسب عادات الناس‬
‫عدوه هبةً فهو هبةٌ وما عدوه اجارًة فهو إجارًة" (‪)16‬‬
‫وعرفهم فما عدوه بيعاً فهو ٌ‬
‫بيع وما ّ‬
‫‪4‬‬
‫واذاً هناك ثالثة عناصر ُم ِه َّمة لكون الشيئ ماالً متقوماً‪.‬‬
‫‪ .1‬يكون مباحاً شرعاً‪.‬‬
‫‪ .2‬يكون قابالً لالنتفاع‪.‬‬
‫‪ .3‬يعترب ماالً عرفا وعاد ًة‪،‬‬
‫وخبصوص العرف الب ّد من قواعد وضوابط وقد ذكر ابن عابدين حوهلا مايلى‪.‬‬
‫اذا خالف العرف الدليل الشرعى فان خالفه من كل وجه ابن لزم منه ترك النص فال شك ىف رده‬
‫كتعارف الناس كثريا من احملرمات من الراب وشرب اخلمر ولبس احلرير والذهب وغري ذالك مماورد حترميه‬
‫نصاً وان مل خيالفه من كل وجه ابن ورد الدليل عاما والعرف خالفه ىف بعض افراده اوكان الدليل قياسا‬
‫فان العرف معترب ان كان عاما فان العرف العام يصلح خمصصا كما مر عن التحرير ويرتك به القياس كما‬
‫صرحوا به ىف مسئلة االستصناع ودخول احلمام والشرب من السقاء وان كان العرف خاصا فانه ال يعترب‬
‫وهو املذهب‪.‬‬
‫مثَّ قال‪:‬‬
‫وختصيص النص ابلتعامل جائز االترى اان جوزان االستصناع للتعامل واالستصناع بيع ماليس عنده وانه‬
‫منهى عنه وجتويز االستصناع ابلتعامل ختصيص منا للنص الذى ورد ىف النهى عن بيع ماليس عند‬
‫االنسان الترك النص اصالالان عملنا ابلنص ىف غري االستصناع‪..‬وابلتعامل ال جيوز ترك النص اصال وامنا‬
‫جيوز ختصيصه‪)17( .‬‬
‫وليس هناك تالزم بني املال وجواز البيع‪ ،‬فقد يكون الشيئ ماالً ولكن ال يصح بيعهُ لعلة ىف املبيع نفسه‬
‫يوضحه قاعدة ما جيوز بيعهُ وماال جيوز بيعُه كما جاء ىف الفرق اخلامس والثمانني واملئة من فروق القرآىف‪.‬‬
‫ِ‬
‫الشروط‬
‫أحد هذه‬
‫مع فيه شرو ٌ‬
‫جيوز بيعهُ‪ ،‬مافُقد منه ُ‬
‫ط مخسةٌ‪ ،‬وقاعدةُ ماال ُ‬
‫فقاعدةُ ما ُ‬
‫جيوز بيعهُ‪ ،‬مااجت َ‬
‫ِ‬
‫ط اخلمسةُ هي الفرق بينهما‪ ،‬وهى‪:‬‬
‫اخلمسة‪ ،‬فالشرو ُ‬
‫‪5‬‬
‫حرم بيع اخلم ِر و ِ‬
‫الطهارةُ لقولِه عليه السالم يف الصحيحني‪َّ :‬‬
‫امليتة واخلنزير واألصنام))‬
‫((إن هللا ورسوله َّ‬
‫فقيل له‪ :‬ايرسول هللا‪ ،‬رأيت شحوم ِ‬
‫اليهود‬
‫الس ُف ُن‪ ،‬ويُستصبَ ُح هبا‪ ،‬فقال‪ :‬لعن هللا‬
‫امليتة فإهنا يطلى هبا ُّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫الشحوم‪ ،‬فباعوها‪ ،‬وأكلوا أمثاهنا))‪.‬‬
‫ُحَّرَمت عليهم‬
‫ُ‬
‫ليصح مقابلةُ الثم ٍن له‪.‬‬
‫الشرط الثاىن‪ :‬أن يكون ُمنتفعاً به‪َّ ،‬‬
‫السمك ىف املاء ِ‬
‫ط الثالث‪ :‬أن يكون مقدوراً على تسليمة حذراً من الط ِري يف اهلواء‪ ،‬و ِ‬
‫وحنوِها لنَهيه‬
‫الشر ُ‬
‫عليه السالم عن بيع الغرر‪.‬‬
‫الشرط الرابع‪ :‬أن يكون معلوماً للمتعاقدين‪ ،‬لنهيه عليه السالم عن أكل املال ابلباطل‪.‬‬
‫ِ‬
‫للعاقد و ِ‬
‫ط يف‬
‫املبيع مملوكني‬
‫املعقود له‪ ،‬أو َمن أقيما ُمقامه‪ ،‬فهذه شرو ٌ‬
‫الشر ُ‬
‫الثمن و ُ‬
‫ط اخلامس‪ :‬أن يكون ُ‬
‫ضويل ِ‬
‫الصحة‪َّ ،‬‬
‫حمرٌم‪)18( ،‬‬
‫جوا ِز البيع دون َّ‬
‫وشراءهُ َّ‬
‫بيع ال ُف َّ‬
‫ألن َ‬
‫يلخص ما قاله العلماء القدامى‬
‫نفيس َّ‬
‫كالم ابن ُ‬
‫ونورد ُهنا أخرياً َ‬
‫عاشور ىف حقيقة املال فهو كالم ٌ‬
‫اضح‪:‬‬
‫أبسلوب جديد و ٍ‬
‫عرفه أبنَّه ((ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد الناس ىف تناول الضرورايت‬
‫واألموال‪ :‬مجع مال ونُ َّ‬
‫واحلاجات والتحسينيَّات حبسب مبلغ حضارهتم حاصال بكدح))‪ ،‬فال يعد اهلواء ماال‪ ،‬وال ماء املطر‬
‫واألودية والبحار ماال‪ ،‬وال الرتاب ماال‪ ،‬وال كهوف اجلبال وظالل األشجار ماال‪ ،‬وبعد املاء احملتفر‬
‫ابآلابر ماال‪ ،‬وتراب املقاطع ماال‪ ،‬واحلشيش واحلطب ماال‪ ،‬وما ينحته املرء لنفسه ىف جبل ماال‪.‬‬
‫واملال ثالثة أنواع‪ :‬النوع األول ما حتصل تلك اإلقامة بذاته دون توقف على شيئ وهو األطمعة‬
‫كاحلبوب‪ ،‬والثمار‪ ،‬واحليوان ألكله ولالنتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه"‬
‫قال تعاىل(( وجعل لكم من جلود األنعام بيواتً تستخفوهنا يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها‬
‫وأوابرها وأشعارها أاثاثً ومتاعاً إىل حني)) وقال(( لرتكبوا منها ومنها أتكلون)) وقدمست العرب اإلبل ماال‬
‫قال زهري‪:‬‬
‫‪6‬‬
‫حات م ٍال طَالِع ٍ‬
‫* صحيِ ِ‬
‫ات مبَخرم*‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫محيت عليهم من بالدهم شربا))‪ ،‬وهذا‬
‫وقال عمر (( لوال املال الذى أمحل عليه ىف سبيل هللا ما ُ‬
‫النوع هو أعلى أنواع أألموال وأثبتها‪َّ ،‬‬
‫ألن املنفعة حاصلة به من غري توقف على أحوال املتعاملني‬
‫وال على إصطالحات املنظمني‪ ،‬فصاحبه ينتفع به زمن السلم وزمن احلرب وىف وقت الثقة ووقت‬
‫آد َم‬
‫ابن َ‬
‫اخلوف وعند رضاالناس عليه وعدمه وعند احتياج الناس وعدمه‪ ،‬وىف احلديث (يقول ُ‬
‫َم ِاىل َم ِاىل وإمنا مالك ماأكلت فأمريت أوأعطيت فأغنيت) فاحلضر هنا للكال ىف االعتبار من‬
‫حديث نفع املادى والنفع العرضى‪.‬‬
‫النوع الثاىن‪ :‬ما حتصل تلك اإلقامة به ومبا يكمله مما بتوقف نفعه عليه كاألرض للزرع وللبناء‬
‫عليها والنار للطبخ واإلذابة‪ ،‬واملاء لسقى األشجار‪ ،‬وآالت الصناعات لصنع األشياء من احلطب‬
‫والصوف وحنو ذلك‪ ،‬وهذالنوع دون النوع الثاىن لتوقفه على أشياء رمبا كانت ىف أيدى الناس‬
‫فضنت هبا ورمبا حالت دون نواهلا موانع من حرب أوخوف أو وعورة طريق‪.‬‬
‫النوع الثالث‪ :‬ما حتصل اإلقامةُ بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضا ملا يراد حتصيله من‬
‫املعرب عنه ابلنَّقد أوابلعملة‪ ،‬وأكثر اصطالح البشر ىف هذالنوع على معدىن‬
‫األشياء‪ ،‬وهذا هو َّ‬
‫ع واخلرزات وما اصطلح‬
‫الذهب والفضة وما اصطلح عليه املتأخرون من التعامل ابلنحاس وا َلوَد َ‬
‫عليه املتأخرون من التعامل ابحلديد األبيض وابألوراق املالية وهى أوراق املصارف املالية املعروفة‬
‫وهى حجج التزام من املصرف دفع مقدار ما ابلورقة الصادره منه‪ ،‬وهذا اليتم اعتباره إال ىف أزمنة‬
‫السلم واألمن وهو مع ذالك متقارب األفراد‪ ،‬واألوراق الىت تروجها احلكومات مبقادير مالية‬
‫يتعامل هبا رعااي تلك احلكومات‪.‬‬
‫وقوىل ىف التعريف‪ :‬حاصال بكدح‪ ،‬أردت به شأنه أن يكون بسعى فيه كلفة ولذلك عربت عنه‬
‫ابلكدح وذالك لإلشارة إىل أن املال يشرتط فيه أن يكون مكتسبا واال كتساب له ثالثه طرق‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫الطريق األول‪ :‬طريق التناول من األرض قال تعاىل (( هوالذى خلق لكم ما ىف األرض مجيعاً))‬
‫وقال (( هوالذى جعل لكم األرض ذلوالً فامشوا ىف منا كبها وكلوا من رزقه)) وهذاكاحلطب‬
‫واحلشيش والصيد الربى والبحرى ومثر شجر البادية والعسل‪ ،‬وهذا قد يكون بال مزامحة وقد‬
‫يكون مبزامحة فيكون حتصيلة ابلسبق كسكىن اجلبال والتقاط الكمأة‪.‬‬
‫الطريق الثاىن‪ :‬االستنتاج وذالك ابلوالده والزرع والغرس واحللب‪ ،‬وابلصنعة كصنع احلديد واألواىن‬
‫واللباس والسالح‪.‬‬
‫الطريق الثالث‪ :‬التناول من يد الغري فيما ال حاجة له إما بتعامل أبن يعطى املرء ما زاد على‬
‫حاجته مما حيتاج إليه غريه وأيخذ من الغري ما زاد على حاجته مما حيتاج إليه هو‪ ،‬أوإبعطاء ما‬
‫مقوم‬
‫جعله الناس عالمة على أن مالكه جدير أبن أيخذ به ماقُدَّر مبقداره كدينار ودرهم ىف شيئ َّ‬
‫هبما‪ ،‬وإما بقوة وغلبة كالقتال على األراضى وعلى املياه‪)19( .‬‬
‫الفضل الثانى‬
‫األبعاد العقدية للمال‬
‫اهلدى ومن اجلاهلية إىل العلم والتُقى‪،‬‬
‫جاء القرآن ليخرج الناس من الظلُمات اىل النور ومن الضالل اىل ُ‬
‫جاء ليُغيَّـَر املفاهيم السائدة عن احلياة الدنيا وما يتبعها من احلياة اآلخرة‪،‬‬
‫وزخرفها العناية القصوى لديهم حيث أنكروا البعث‬
‫كان الناس ىف اجلاهلية جعلواحلياة الدنيا وزينتها ُ‬
‫ِ‬
‫والقيام لدى رب العلمني‪َ " ،‬وقَالُوا َما ِه َي إَِّال َحيَاتُـنَا ُّ‬
‫َّه ُر َوَما َهلُم‬
‫وت َوَْحنيَا َوَما يـُ ْهل ُكنَا إَِّال الد ْ‬
‫الدنْـيَا َمنُ ُ‬
‫ِ‬
‫ك ِم ْن ِع ْل ٍم إِ ْن ُه ْم إَِّال يَظُنُّو َن "(اجلاثية‪)24:‬‬
‫بِ َذل َ‬
‫‪8‬‬
‫مبضى الدَّهر مثل حياة األشجار أواحليواانت َّ‬
‫فإهنا‬
‫فكانوا يظنون أن بقاء األمم وفناءها امنا هو مرتب ٌ‬
‫ط ّ‬
‫آخر األمرإىل هالك وفناء‪ ،‬بينما جاء القرآن خيربهم َّ‬
‫أن ارتقاء‬
‫بكر الدهور َّ‬
‫تصغف َّ‬
‫ومر العُ ُ‬
‫صور فتؤل َ‬
‫األمم وزواهلا مرتبط أبسباب خلقية إميانية وكلما ابتعدت أ َُّمةٌ من رسالة السماء وجوهر التوحيد ووقعت‬
‫ينج منه إالَّ املؤمنون املخلصون لدينهم ورهبم‪،‬‬
‫ىف أحضان الوثنية والشرك انهلا عقاب مساوى مل ُ‬
‫هكذا كانت نظرهتم اىل احلياة الدنيا ومقوماهتا األساسية وهى املال واألوالد الىت قرن ذكر بعضه ببعض‬
‫ىف عديد من آايت الكتاب‪ ،‬وما علينا إالَّ أن نتصفَّح أوراق القرآن لندرك ما هو تصور القرآن للمال‪.‬‬
‫‪ .1‬املال‪-‬ومعه البنون‪-‬امنا هو زينة احلياة الدنيا ونعمة من نعم هللا تعاىل ولكنه آئل إىل زوال‪،‬‬
‫الدنْـيا والْباقِيات َّ ِ‬
‫ال والْبـنُو َن ِزينَةُ ْ ِ‬
‫ك ثَـ َو ًااب َو َخْيـٌر أ ََم ًال "‬
‫ات َخْيـٌر ِع َ‬
‫ند َربِّ َ‬
‫الصاحلَ ُ‬
‫احلَيَاة ُّ َ َ َ َ ُ‬
‫قال تعاىل‪ " :‬الْ َم ُ َ َ‬
‫(الكهف‪)46:‬‬
‫يقول ابن عاشور ىف تفسري اآلية‪:‬‬
‫"اعرتاض أريد به املوعظة والعربة للمؤمنني َّ‬
‫أبن مافيه املشركون من النعمة من مال وبنني ما هو االزينة‬
‫ِ‬
‫احلياة الدنيا الىت علمتم َّأهنا إىل زو ٍال كقوله تعاىل‪" :‬الَ يـغَُّرنَّك تَـ َقلُّ َّ ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫يل"‬
‫ب الذ َ‬
‫َ َ ُ‬
‫ين َك َف ُرواْ يف الْبالَد َمتَاعٌ قَل ٌ‬
‫(آل عمران‪ )197:‬و َّ‬
‫أن ما اع ّد هللا للمؤمنني خريٌ عندهللا وخري أمالً‪ ،‬واالغتباط ابملال والبنني شنشنة‬
‫معروفة ىف العرب‪ ،‬قال طرفة‪:‬‬
‫ع‬
‫ولو شاء رىب كنت عمرو بن مرشد‬
‫فلو شاء رىب كنت قيس بن عاصم‬
‫بنون كرام سادة ملس ّود‬
‫فأصبحت ذامال كثري وطاف ىب‬
‫والباقيات الصاحلات صفتان جراتً على موصوف حمذوف أى األعمال الصاحلات الباقيات أى الزوال هلا‬
‫أى ال زوال خلريها وهو ثو ُاهبا اخلالد فهى خريٌ من زينة احلياة الدنيا الىت هى غري ابقية" (‪)20‬‬
‫‪9‬‬
‫وكذلك نبّه هللا تعاىل إىل ان ال يغرتوا هبذه النعمة على ظاهرها فإهنا منحت هلم لغاية أخرى سيأتى‬
‫اخليـر ِ‬
‫ِ‬
‫ذكرها‪ ٌ،‬قال‪":‬أ ََحيسبو َن أََّمنَا ُمنِد ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ات بَل َّال يَ ْشعُُرو َن "‬
‫ُّهم بِه من َّم ٍال َوبَن َ‬
‫ُ‬
‫ْ َُ‬
‫ني ‪ 55‬نُ َسا ِرعُ َهلُْم يف َْْ َ‬
‫(املؤمنون‪)56-55 :‬‬
‫املبىن على إنكار البعث واملعاد ذكر مثل رجلني ينكر‬
‫‪ .2‬وىف معرض إيراد ّ‬
‫تصور أهل اجلاهلية ّ‬
‫أحدِها اآخرة بينما يؤمن هبا اآلخر فنقل مقولة الرجل املشرك الذى فاخر صاحبه ابملال واالوالد‬
‫حيث قال‪" :‬وَكا َن لَه َمثَر فَـ َق َال لِص ِ‬
‫َعُّز نَـ َفًرا " (الكهف‪:‬‬
‫احبِ ِه َوُه َو ُحيَا ِوُرهُ أ ََان أَ ْكثَـ ُر ِم َ‬
‫نك َم ًاال َوأ َ‬
‫َ‬
‫َ ُ ٌ‬
‫‪)34‬‬
‫وكانو يظنون ان املال هو سبب اخللود ىف األرض فلذلك كانوا حيبونه حباً محَّاً‪ ،‬قال تعاىل‪ :‬ويل‬
‫لكل ِهـز ملـذة‪ ،‬الذى مجع ماالً وع ّدده‪ ،‬حيسب أ ّن ماله أخلدة" (اهلمزة‪)3-1 :‬‬
‫‪َّ .3‬‬
‫وهم ِّمن‬
‫إن كل شيئ ىف الكون هلل تعاىل‪ ،‬وكذلك ُ‬
‫املال‪ ،‬نسبه هللا تعاىل اىل نفسه حيث قال‪َ " :‬وآتُ ُ‬
‫آات ُك ْم " (سورة النور‪)33:‬‬
‫َّم ِال َّ‬
‫اَّللِ الَّ ِذي َ‬
‫تصرفه ىف هذا‬
‫فاملال مال هللا غري أن هللا تعاىل جعل االنسان أميناً عليه لفرتة قصرية من عمره‪ ،‬فليكن ّ‬
‫ِ‬
‫األمانة الىت وضعت بيدهِ فال خيُوهنا وال يضيعُها‪،‬‬
‫املال تصرف األمني ىف‬
‫ِ‬
‫ومبا َّ‬
‫عرب عنه ابلقرض احلسن يطالب‬
‫أن هللا َملَ َ‬
‫ك ابن آدم املال‪ ،‬حضَّه على اإلنفاق ىف وجوه اخلري ولكن ّ‬
‫ِ‬
‫ضا‬
‫اَّللَ قَـ ْر ً‬
‫ض ّ‬
‫نفسه ليُعيد اليه هذا املال أضغافاً مضاعفةً يوم القيامة فقال‪َّ :‬من َذا الَّذي يـُ ْق ِر ُ‬
‫به هللا تعاىل ُ‬
‫ِ‬
‫حسنًا فَـيض ِ‬
‫ط َوإِلَْي ِه تُـ ْر َجعُو َن (البقرة‪)245 :‬‬
‫ض َويَـْب ُس ُ‬
‫اع َفهُ لَهُ أ ْ‬
‫ََ َُ‬
‫َض َعافًا َكث َريًة َو ّ‬
‫اَّللُ يَـ ْقبِ ُ‬
‫روى انه ملا نزلت اآلية جاء ابو ال ّدحداح إىل رسول هللا صلّى هللا عليه وسلَّم فقال ‪ :‬أو ا ّن هللا يريد منا‬
‫اقرضت هللا حائطاً منه ستمائة‬
‫القرض‪ ،‬قال‪ :‬نعم اي أاب الدحداح‪ ،‬قال‪ :‬أرىن يدك" فناوله يده فقال‪ :‬فإىن‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫خنلة" فقال رسول هللا صلّى هللا عليه وسلَّم‪ :‬كم من ٍ‬
‫عذق رداح ىف اجلنة ألىب الدحداح"(‪)21‬‬
‫‪10‬‬
‫‪ .4‬جعل القرآن الكرمي غاية خلق اإلنسان هى العبادة واحلصول على مرضاة هللا تعاىل وجعل طريقها‬
‫هو االبتالء‬
‫ِ‬
‫ض درج ٍ‬
‫ِ‬
‫ف األ َْر ِ‬
‫آات ُك ْم‬
‫ات لِّيَـْبـلَُوُك ْم ِيف َما َ‬
‫ض َوَرفَ َع بـَ ْع َ‬
‫قال تعاىل‪َ :‬وُه َو الَّذي َج َعلَ ُك ْم َخالَئ َ‬
‫ض ُك ْم فَـ ْو َق بَـ ْع ٍ َ َ َ‬
‫(األنعام‪)165:‬‬
‫عامة ىف الناس‪ ،‬وذكر املؤمنني خاصة فقال‪ :‬لَتُـْبـلَ ُو َّن ِيف أ َْم َوالِ ُك ْم َوأَن ُف ِس ُك ْم (آل عمران‪:‬‬
‫وهذه اآلية ّ‬
‫‪)186‬‬
‫قال ابن عاشور‪ :‬واالبتالء‪ :‬اإلختيار ويُراد به هنا الزمه وهو املصيبة ألن ىف املصائب اختباراً ملقدار‬
‫الثبات‪ ،‬واالبتالء ىف األموال هو نفقات اجلهاد وتال شى أمواهلم الىت تركوها مبكة" (‪)22‬‬
‫عرب عنه ابلفتـنة ايضاً ىف قوله تعاىل‪َ :‬و ْاعلَ ُمواْ أََّمنَا أ َْم َوالُ ُك ْم َوأ َْوالَ ُد ُك ْم‬
‫واالبتالء اصالً هو اإلختبار والذى ّ‬
‫فِْتـنَةٌ َوأ َّ‬
‫َجٌر َع ِظ ٌيم (سورة األنفال‪)28 :‬‬
‫اَّللَ ِع َ‬
‫َن ّ‬
‫ندهُ أ ْ‬
‫أى خيترب الرجل ىف ماله وولده حىت يعرف كيف يتصرف فيهما‪ ،‬أمبرضاة هللا أوبسخطه؟‬
‫ويدل عليه رواية اىب هريرة عن الرسول صلى هللا عليه وسلم حول قصة ثالثة ىف بىن اسرائيل‪ :‬أبرص‬
‫ّ‬
‫وأقرع وأعمى فأرادهللا أن يبتليهم وكان ابتالء كل واحد منهم ابملال الوفري من ثروة حيوانية فلم يؤد حق‬
‫هللا فيه إالّ الرجل األعمى‪ ،‬وجاء ىف آخر احلديث حيث فال امللك له‪ :‬أمسك مالك‪ ،‬فإمنا أبتليتم‬
‫فقدرضى عنك وسخط على صاحبيك" (‪)23‬‬
‫ِ‬
‫وحلكمة االتبالء خلق هللا الشيطان َّ‬
‫ومكنه من القاء الوسوسة إىل االنسان فيجعله يشاركه ىف‬
‫‪.5‬‬
‫األموال واألموال واألوالد‬
‫قال تعاىل‪ :‬و َشا ِرْكهم ِيف األَمو ِال واألَو ِ‬
‫الد َو ِع ْد ُه ْم َوَما يَعِ ُد ُه ُم الشَّْيطَا ُن إِالَّ غُُر ًور (االسراء‪)64:‬‬
‫َْ َ ْ‬
‫َ ُْ‬
‫َّ ِ‬
‫ين َآمنُوا َال تـُ ْل ِه ُك ْم أ َْم َوالُ ُك ْم َوَال أ َْوَال ُد ُك ْم‬
‫وهو هبذه الوسوسة جيعل املرءَ ينسى ذكرهللا تعاىل‪َ ،‬اي أَيـُّ َها الذ َ‬
‫ِ‬
‫عن ِذ ْك ِر َِّ‬
‫اخل ِ‬
‫اس ُرو َن (املنافقون‪)9:‬‬
‫ك فَأ ُْولَئِ َ‬
‫اَّلل َوَمن يَـ ْف َع ْل َذل َ‬
‫ك ُه ُم َْ‬
‫َ‬
‫‪11‬‬
‫وذكره وآخ ِرتهَ يدخل حب املال ىف قلبه حىت يتعلَّق بشغافه فيبتلى مبرض التكاثر‬
‫وعند ما ينسى هللا َ‬
‫"أَ ْهلَا ُك ُم التَّ َكاثـُُر َح َّىت ُزْرُُتُ الْ َم َقابَِر" (سورة التكاثر‪)1-2 :‬‬
‫احلياةُ ُّ ِ‬
‫اخٌر بَـْيـنَ ُك ْم‬
‫ب َوَهلٌْو َوِزينَةٌ َوتَـ َف ُ‬
‫وهذا التكاثر هو ىف املال واألوالد لقوله تعاىل‪ْ ،‬اعلَ ُموا أََّمنَا ََْ‬
‫الدنْـيَا لَع ٌ‬
‫َوتَ َكاثـٌُر ِيف ْاأل َْم َو ِال َو ْاأل َْوَال ِد (سورة احلديد‪)20 :‬‬
‫فأول سورة التكاثر بيا ٌن ملرض يصيب كثرياً من ِ‬
‫الناس‪ ،‬وآخرهُ بيا ٌن للشفاء من هذا املرض العضال وهو‬
‫قوله تعاىل‪ُ :‬مثَّ لَتُ ْسأَلُ َّن يَـ ْوَمئِ ٍذ َع ِن النَّعِي ِم (التكاثر‪)8 :‬‬
‫فاذا راقب الرجل نفسه وفكر ىف احلساب يوم اآلخرة‪ ،‬تصرف ىف حياته واوالده ِ‬
‫رماله مبا يُرضى هللا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ابالميان كما قال‬
‫ورسوله‪ ،‬وهذا هو الشفاء من مرض التكاثر فان املال واالوالد ليست هلم قيمةٌ إال‬
‫ِ‬
‫احلَيَاةِ ُّ‬
‫الدنْـيَا َوتَـ ْزَه َق أَن ُف ُس ُه ْم َوُه ْم‬
‫اَّللُ لِيُـ َع ِّذبَـ ُهم ِهبَا ِيف ْ‬
‫َّ‬
‫ك أ َْم َوا ُهلُْم َوالَ أ َْوالَ ُد ُه ْم إَِّمنَا يُِر ُ‬
‫عزوجل‪ :‬فَالَ تُـ ْعجْب َ‬
‫يد ّ‬
‫َكافُِرو َن (التوبة‪)55:‬‬
‫ب حالل ومنه ما هو خبيث حر ٌام فاذا كان النَّماء فيه‬
‫‪ . 6‬املال يتعلق به ُّ‬
‫احلل واحلرمة‪ ،‬فمنه ما هو طيّ ٌ‬
‫الراب والقمار وما شابه ذلك من املعامالت‬
‫من طريق التجارة والكسب فهو حالل وان كان طريقه ّ‬
‫الفاسدة فهو حر ٌام‪،‬‬
‫دين‬
‫وانره‪ ،‬كما قال بعض الظرفاء عن كلمة "دينار" إمنا هو ٌ‬
‫واإلنفاق من هذا املال يرتتب عليه جنته ُ‬
‫ِ‬
‫انر‪.‬‬
‫دين واذا أنفقه ىف سخط هللا فهو له ٌ‬
‫ٌ‬
‫وانر‪ ،‬فإذا انفقه ىف مرضاة هللا فهو له ٌ‬
‫وقال أحدالشعراء‪:‬‬
‫حج ِ‬
‫ت العري"‬
‫جت ولكن َّ‬
‫فما ح َج َ‬
‫حت‬
‫ع "اذا حججت مبال اصلُه ُس ٌ‬
‫وهذا مطابق لقوله صلَّى هللا عليه وسلَّم‪:‬‬
‫السفر َّ‬
‫رب أستجب وأكله حر ٌام‬
‫"ر َّ‬
‫ب أشعث أغرب يُطيل َّ‬
‫ميد يديه إىل السماء‪ ،‬يقول اي رب استجب‪ ،‬اي ّ‬
‫ُ‬
‫وشربهُ حر ٌام وغُ ّذي ابحلرام فأىن يستجاب له" (‪)24‬‬
‫‪12‬‬
‫‪ . 7‬املال يتعلق به التزكية والتطهري‪َّ ،‬‬
‫مطلوب ىف كل شيئ فهو طريق الفالح لإلنسان‬
‫فإن التزكية‬
‫ٌ‬
‫اها" (الشمس‪)10-9 :‬‬
‫اب َمن َد َّس َ‬
‫"قَ ْد أَفْـلَ َح َمن َزَّك َ‬
‫اها َوقَ ْد َخ َ‬
‫ِ‬
‫ب إِ َىل فِْر َع ْو َن إِنَّهُ طَغَى فَـ ُق ْل َهل‬
‫ورؤساءهم‪ :‬فقد أمرهللا موسى فقال‪" :‬ا ْذ َه ْ‬
‫وهى دعوة الرسل ألقوامهم ُ‬
‫ك إِ َىل أَن تَـَزَّكى" (النازعات‪)18-17:‬‬
‫لَّ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ني َر ُس ًوال ِّمْنـ ُه ْم‬
‫وجعل من َّ‬
‫مهمة الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم تزكية أصحابه‪ُ " .‬ه َو الَّذي بَـ َع َ‬
‫ث ِيف ْاأل ُّميِّ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يـْتـلُو علَي ِهم آايتِِه ويـَزّكِي ِهم ويـعلِّمهم الْ ِكتَاب و ِْ‬
‫ض َال ٍل ُّمبِ ٍ‬
‫ني" (اجلمعة‪)2 :‬‬
‫ْمةَ َوإِن َكانُوا من قَـْب ُل لَفي َ‬
‫احلك َ‬
‫َ َ‬
‫َ َ ْ ْ َ َُ ْ ََُ ُ ُ ُ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ص َدقَةً تُطَ ِّه ُرُه ْم َوتُـَزّكِي ِهم ِهبَا"‬
‫وقال خبصوص املال خماطباً الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم‪ُ " :‬خ ْذ م ْن أ َْم َواهل ْم َ‬
‫(التوبة‪)301:‬‬
‫الرحس ظاهراً وابطناً‪ ،‬أما‬
‫وقد مجع بني التطهري والتزكية فإن التطهري غالباً يقع على تصفية املال من ّ‬
‫السمو هبا إىل اعلى درجات الكمال‬
‫التزكية فهو جيمع بني التصفية املذكورة وتنمية األخالق والفضائل و ّ‬
‫اإلنساىن‪،‬‬
‫ٍ‬
‫إبسهاب ىف سورة التوبة وابختصار ىف سورة"املنافقون"‬
‫عزوجل عن صفات املنافقني‬
‫‪ .8‬حت ّدث هللا‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ضلِ ِه‬
‫آات َان ِمن فَ ْ‬
‫اَّللَ لَئِ ْن َ‬
‫اه َد ّ‬
‫فذكر من صفاهتم البخل الذى يؤدى إىل النفاق فقال‪َ " :‬ومْنـ ُهم َّم ْن َع َ‬
‫آاتهم ِمن فَ ْ ِ ِ ِ ِ‬
‫ص َّدقَ َّن ولَنَ ُكونَ َّن ِمن َّ ِِ‬
‫ضو َن‪ ،‬فَأ َْع َقبَـ ُه ْم نَِفاقًا ِيف‬
‫ضله َخبلُواْ بِه َوتَـ َولَّواْ َّوُهم ُّم ْع ِر ُ‬
‫الصاحل َ‬
‫ني‪ ،‬فَـلَ َّما َ ُ ّ‬
‫لَنَ َّ َ‬
‫َ‬
‫قُـلُوهبِِم إِ َىل يـوِم يـ ْل َقونَه ِمبا أَخلَ ُفواْ اَّلل ما وع ُدوه وِمبا َكانُواْ يك ِ‬
‫ْذبُو َن" (التوبة‪)77-75:‬‬
‫َّ َ َ َ ُ َ َ‬
‫ْ َْ َ ْ ُ َ ْ‬
‫َ‬
‫وذكر ىف آخر سورة "املنافقون" عالجاً للنفاق وهو اإلنفاق فقال تعاىل‪" :‬وأ ِ‬
‫َنف ُقوا ِمن َّما َرَزقْـنَا ُكم ِّمن قَـْب ِل‬
‫َ‬
‫َّق وأَ ُكن ِمن َّ ِِ‬
‫ت فَـيـ ُق َ ِ‬
‫ب لَوَال أ َّ ِ‬
‫َج ٍل قَ ِر ٍ‬
‫ني"‬
‫يب فَأ َّ‬
‫الصاحل َ‬
‫َخ ْرتَِِن إ َىل أ َ‬
‫َح َد ُك ُم الْ َم ْو ُ َ‬
‫أَن َأيِِْتَ أ َ‬
‫ول َر ّ ْ‬
‫َصد َ َ ّ َ‬
‫(املنافقون‪)10:‬‬
‫وتشجيع على االنفاق ىف سبيل هللا ىف سورة احلديد واثبات النور للمؤمنني يوم القيامة‬
‫وهناك حتريض‬
‫ٌ‬
‫وسلبه ىف حق املنافقني‪ ،‬وماذالك إال ألهنم مجعوا بني النفاق وعدم االنفاق ىف سبيل هللا تعاىل‪،‬‬
‫‪13‬‬
‫‪ .9‬جعل هللا تعاىل املال احد اكرب دعائم اجلهاد ىف سبيل هللا تعاىل حىت ذكره قيل اجلهاد ابلنفس ىف‬
‫عدد من اآلايت وما ذالك اال لعظيم مكانة املال ىف إعداد عُ ّدة اجلهاد‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اَّللِ ذَلِ ُك ْم َخْيـٌر لَّ ُك ْم إِن ُكنتُ ْم تَـ ْعلَ ُمو َن"‬
‫فقال‪" :‬انْف ُرواْ خ َفافًا َوث َقاالً َو َجاه ُدواْ ِأب َْم َوال ُك ْم َوأَن ُفس ُك ْم ِيف َسبِ ِيل ّ‬
‫(التوبة‪)41:‬‬
‫ِ َّ ِ‬
‫اَّللِ‬
‫ِ ِِ‬
‫َِّ‬
‫اه ُدوا ِأب َْم َواهلِِ ْم َوأَن ُف ِس ِه ْم ِيف َسبِ ِيل َّ‬
‫ين َآمنُوا ِاب ََّّلل َوَر ُسوله ُمثَّ َملْ يَـ ْرَاتبُوا َو َج َ‬
‫وقال تعاىل‪" :‬إمنَا الْ ُم ْؤمنُو َن الذ َ‬
‫الص ِادقُو َن" (احلجرات‪)15 :‬‬
‫ك ُه ُم َّ‬
‫أ ُْولَئِ َ‬
‫وألن اجلهاد ابلنفس أشق‪ ،‬بدأ بذكر اجلهاد ابملال توطئةً للنفس‪ ،‬على ما هو أسهل‪ ،‬كما أن اجلهاد‬
‫ابملال متيسر ىف كل وقت وزمان بينما ال يتوفر اجلهاد ابلنفس (أى القتال) إالّ بشروط وضوابط ال تتيسر‬
‫ىف كل ٍ‬
‫وقت ٍ‬
‫وآن ‪ ،‬وهذا وذكر مبقابل املسلمني اجملاهدين‪ ،‬طائفةً أخرى من الكفارالذين ينفقون امواهلم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫اَّللِ فَ َسيُ ِنف ُقونَـ َها ُمثَّ‬
‫ص ُّدواْ َعن َسبِ ِيل ّ‬
‫ين َك َف ُرواْ يُنف ُقو َن أ َْم َوا َهلُْم ليَ ُ‬
‫ايضاً ولكن معادا ًة هلل ورسوله فقال‪ ":‬إ َّن الذ َ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ إِ َىل َج َهن ََّم ُْحي َش ُرو َن"‬
‫تَ ُكو ُن َعلَْيه ْم َح ْسَرةً ُمثَّ يـُ ْغلَبُو َن َوالذ َ‬
‫(األنفال‪)36 :‬‬
‫مر سابقاً وأن ال يكون رايءً‬
‫‪ .10‬إالنفاق الذى تظهر مثراته ىف اآلخرة متقي ٌد بكونه ىف سبيل هللا كما ّ‬
‫أذى حىت يكون مقبوالً عندهللا تعاىل‪:‬‬
‫وأالّ يتبعه َّ‬
‫من وال ً‬
‫قال تعاىل‪" :‬الَّ ِذين ي ِنف ُقو َن أَموا َهلم ِيف سبِ ِيل ِ‬
‫ند َرّهبِِ ْم‬
‫َج ُرُه ْم ِع َ‬
‫ْ َ ُْ َ ّ‬
‫اَّلل ُمثَّ الَ يـُتْبِعُو َن َما أَن َف ُقواُ َمنًّا َوالَ أَذًى َّهلُْم أ ْ‬
‫َُ‬
‫وف وم ْغ ِفرةٌ خيـر ِمن ٍ‬
‫ِن َحلِ ٌيم َاي أَيـُّ َها‬
‫َوالَ َخ ْو ٌ‬
‫اَّللُ َغ ِ ٌّ‬
‫ص َدقَة يَـْتـبَـعُ َهآ أَ ًذى َو ّ‬
‫ف َعلَْي ِه ْم َوالَ ُه ْم َْحيَزنُو َن قَـ ْوٌل َّم ْع ُر ٌ َ َ َ َ ْ ٌ ّ َ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ص َدقَاتِ ُكم ِابلْ َم ِّن َواأل َذى َكالَّ ِذي يُ ِنف ُق َمالَهُ ِرََئء الن ِ‬
‫َّاس َوالَ يـُ ْؤِم ُن ِاب َّّللِ َوالْيَـ ْوِم‬
‫ين َآمنُواْ الَ تُـْبطلُواْ َ‬
‫الذ َ‬
‫ِ‬
‫اآلخ ِر"(البقرة‪)264-262 :‬‬
‫أحكم‪.‬‬
‫وتلك عشرة كاملةٌ من جوانب املال املتعلقة ابإلميان وهللا اعلم وعلمهُ أُتّ و ُ‬
‫‪14‬‬
‫الفضل الثالث‬
‫مقاصد الشريعة املتعلقة ابملال‬
‫املشتَـ َهر ىف علم األصول‪ ،‬وقيل ان َّأول من نبَّه عليها‬
‫‪ .1‬حفظ الكليات اخلمس صار من املعلوم َ‬
‫هو الغزاىل‪ ،‬ومن هذه الكليات اخلمس حفظ األموال‪،‬‬
‫قال ابن عاشور‪ :‬وأما حفظ املال فهو حفظ أموال األمة من اإلتالف ومن اخلروج إىل أيدى غري‬
‫األم ِة بدون ٍ‬
‫عوض وقال ابن عاشور‪" :‬وقد تنبَّه‬
‫َّ‬
‫عوض وحفظ اجزاء املال املعتربة عن التلف بدون ً‬
‫اءك‬
‫َِّب إِذَا َج َ‬
‫بعض علماء األصول إىل أن هذه الضرورايت مشار إليها بقوله تعاىل‪َ " :‬اي أَيـُّ َها النِ ُّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ني‬
‫ات يـُبَايِ ْعنَ َ‬
‫ني َوَال يَـ ْقتُـ ْل َن أ َْوَال َد ُه َّن َوَال َأيْت َ‬
‫ك َعلَى أَن َّال يُ ْش ِرْك َن ِاب ََّّلل َشْيـئًا َوَال يَ ْس ِرقْ َن َوَال يَـ ْزن َ‬
‫الْ ُم ْؤمنَ ُ‬
‫ٍ‬
‫(‪)25‬‬
‫ني أَيْ ِدي ِه َّن َوأ َْر ُجلِ ِه َّن" (املمتحنة‪)12 :‬‬
‫بِبُـ ْهتَان يَـ ْف َِرتينَهُ بَـ ْ َ‬
‫النص عند ابن عاشور‪:‬‬
‫وقد ذكران ىف الفصل األول تعريفات للمال وال أبس أن نزيده ايضاحاً إبيراد هذا ّ‬
‫إن مال اآلمة هو ثروهتا‪ ،‬والثروة هى ما ينتفع به الناس آحاداً أومجاعات ىف جلب انفع أودفع ضار يف‬
‫خمتلف األحوال واألزمان والدواعي انتفاع مباشرة أو وساطة‪ .‬فقولنا‪ :‬ىف خمتلف األحوال واألزمنة‬
‫‪15‬‬
‫والدواعي‪ ،‬إشارة إىل أن الكسب ال يعد ثروة إالّ إذ صلح لالنتفاع مدداً طويلة‪ ،‬ليخرج االنتفاع ابألزهار‬
‫والفواكه‪ ،‬فإهنا ال تعترب ثروة ولكن التجارة فيها تعد من لواحق الثروة‪ .‬وقولنا ‪ :‬مباشرة أو وساطة‪ ،‬ألن‬
‫االنتفاع يكون ابستمعال عني املال ىف حاجة صاحبه ويكون مببادلته ألخذ عوضه احملتاج إليه من يد‬
‫آخر‪.‬‬
‫وتـتقوم هذه الصفة للمال ابجتماع مخسة أمور‪.‬‬
‫أن يكون ممكناً ادخاره‪.‬‬
‫وأن يكون مرغوابً يف حتصيله‪.‬‬
‫وأن يكون قابالً للتداول‪.‬‬
‫وأن يكون حمدود املقدار‪.‬‬
‫وأن يكون مكتسباً‪.‬‬
‫فأما إمكان اإلدخار فألن الشيء النافع الذى يسرع إليه الفساد ال جيده صاحبه عند دعاء احلاجة إليه‬
‫ىف غالب األوقات‪ ،‬بل يكون مرغماً على إسراع االنتفاع به ولو مل تكن به حاجة‪.‬‬
‫وأما كونه مرغوابً يف حتصيله فذالك فرع عن كثرة النفع به‪ .‬فاألنعام واحلب والشجر يف القرى ثروة‪،‬‬
‫والذهب والفضة واجلواهر ونفائس اآلاثر يف األمصار ثروة‪ ،‬واألنعام وأوابرها وأصوافها وأحواض املياه‬
‫واملراعى وآالت الصيد يف البوادي ثروة‪.‬‬
‫وأما قبول التداول أي التعارض به‪ ،‬فذلك فرع عن كثرة الرغبة يف حتصيله‪ .‬وهذا التداول يكون ابلفعل‬
‫أي بنقل ذات الشيئ من حوز أحد إىل حوز آخر‪ ،‬ويكون ابالعتبار مثل عقود الذمم كالسلم واحلوالة‬
‫وبيع الربانمج ومصارفة أوراق املصارف أي البنوك‪.‬‬
‫وأما كونه حمدود املقدار‪ ،‬فألن األشياء الىت ال تنحصر مقاديرها ال يقصد االختصاص مبقادير منها فال‬
‫تدخر فال تعد ثروة‪ ،‬وذلك مثل‪ :‬البحار والرمال واألهنار والغاابت‪ .‬على أن مثل األخريين قد يعد وسيلة‬
‫‪16‬‬
‫ثروة ابعتبار ما حيصل هبما من خصب وتشغيل‪ .‬ومل يقع االصطالح على عد البحار ثروة‪ ،‬وإن كانت‬
‫غري حمدودة املقادير إال أن املستخرج منها يكون حمدود املقدار ملا يستدعيه استخراجه من النفقات‬
‫اجلمة‪.‬‬
‫وأما كونه مكتسباً فأن حيصل لصاحبه أو ملن خلفه بسعيه أبن ال حيصل له عفواً‪ ،‬ألن الشيئ الذى‬
‫حيصل عفواً ال يكون عظيم النفع‪ ،‬كاحلشيش واحتطاب الغاابت وأسراب بقر الوحش ومحره بقرب منازل‬
‫قبائل البلدية‪.‬‬
‫واعلم أن من جهات توازن األمم يف السلطان على هذا العامل جهة الثروة‪ ،‬فبنسبة ثروة األمة إىل ثروة‬
‫معاصريها من األمم ُّ‬
‫تعد ىف درجة مناسبة يف قوهتا وحفظ كياهنا‪ ،‬وتسديد مآرهبا وغناها عن الضراعة إىل‬
‫غريها‪)26( .‬‬
‫تصرفات الناس فهو يشمل‬
‫‪ .2‬واذا كان املقصد العامل من التشريع هو االصالح وازالة الفساد ىف َّ‬
‫العقائد واألعمال عموماً واملعامالت املالية خصوصاً‪.‬‬
‫اءه ْم َوالَ‬
‫اُنظر ماحكاه هللا تعاىل عن نصيحة شعيب عليه َّ‬
‫َّاس أَ ْشيَ ُ‬
‫السالم ألهل مدين‪َ " :‬والَ تَـْب َخ ُسواْ الن َ‬
‫تُـ ْف ِس ُدواْ ِيف األ َْر ِ‬
‫صالَ ِح َها" (األعراف‪)85:‬‬
‫ض بَـ ْع َد إِ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب ال َف َس َاد"‬
‫ك ْ‬
‫اَّللُ الَ ُِحي ُّ‬
‫احلَْر َ‬
‫وعبـَّر عن املفسدين ىف األرض فقال‪" :‬ليُـ ْف ِس َد فيِ َها َويـُ ْهل َ‬
‫َّس َل َو ّ‬
‫ث َوالن ْ‬
‫(البقرة‪)205:‬‬
‫اَّللُ لَ ُك ْم‬
‫‪ .3‬وابملال تقوم أمور الناس حيث قال َّ‬
‫عزوجل‪َ " :‬والَ تُـ ْؤتُواْ ُّ‬
‫الس َف َهاء أ َْم َوالَ ُك ُم الَِِّت َج َع َل ّ‬
‫قِيَاما ًً" (النساء‪)5 :‬‬
‫وقد مدح الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم أاب بكر رضى هللا عنه بقوله‪:‬‬
‫َّ‬
‫على ىف صحبته وماله ااب بكر"(‪)27‬‬
‫أمن الناس َّ‬
‫"ان من ّ‬
‫وقال ايضاً‪ :‬ما نفعىن مال كما نفعىن مال اىب بكر"(‪)28‬‬
‫‪17‬‬
‫فك رقاب املسلمني املضطهدين ىف م ّكه وىف جتهيز عُدَّة اجلهاد ابملدينة‬
‫وما ذالك إالَّ جلهود اىب بكر ىف ّ‬
‫مبا آاته هللا من ٍ‬
‫مال‬
‫األم ِة وعلى رأسها اجلهاد ىف سبيل هللا‪،‬‬
‫وابملال كان قضاء نوائب َّ‬
‫فبدأ هللا تعاىل بذكر اجلهاد ابملال قبل اجلهاد ابلنفس ىف غري ما آية‪،‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اَّللِ َذلِ ُك ْم َخْيـٌر لَّ ُك ْم إِن ُكنتُ ْم تَـ ْعلَ ُمو َن"‬
‫فقال‪" :‬انْف ُرواْ خ َفافًا َوث َقاالً َو َجاه ُدواْ ِأب َْم َوال ُك ْم َوأَن ُفس ُك ْم ِيف َسبِ ِيل ّ‬
‫(التوبة‪)41 :‬‬
‫وقال‪" :‬الَّ ِذين آمنواْ وهاجرواْ وجاه ُدواْ ِيف سبِي ِل ِ ِِ‬
‫ند ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ك ُه ُم‬
‫اَّلل َوأ ُْولَئِ َ‬
‫اَّلل ِأب َْم َواهل ْم َوأَن ُفس ِه ْم أ َْعظَ ُم َد َر َجةً ع َ ّ‬
‫َ ّ‬
‫َ َُ َ َ َ ُ َ َ َ‬
‫الْ َفائُِزو َن" (التوبة‪)20:‬‬
‫وقال‪" :‬إَِّمنَا الْمؤِمنُو َن الَّ ِذين آمنُوا ِاب ََّّللِ ورسولِِه ُمثَّ َمل يـرَاتبوا وجاه ُدوا ِأبَمواهلِِم وأَن ُف ِس ِهم ِيف سبِ ِيل َِّ‬
‫ك‬
‫ُْ‬
‫اَّلل أ ُْولَئِ َ‬
‫ْ َْ ُ َ َ َ‬
‫َ َ‬
‫ْ َ‬
‫ََ ُ‬
‫َْ ْ َ‬
‫الص ِادقُون" (احلجرات‪)15 :‬‬
‫ُه ُم َّ‬
‫َّ‬
‫َحب لنفسه املسكنة والكفاف من العيش غري أنَّه َكره للمسلم ان يئول‬
‫إن الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم أ َّ‬
‫ِ‬
‫لسعد بن اىب وقَّاص‪ ":‬إنَّك أن تذر ورثتك اغنياء خريٌ‬
‫به احلال اىل أن مي َّد يديه اىل الناس استجداءً فقال َ‬
‫من ان تذرهم عالةً يتكففون الناس"(‪)29‬‬
‫فكان حفظ املال مطلباً من مطالب الشَّرع فال يكون هناك ضياعٌ له ال ابإلسراف وال ابملخاطرة ٍ‬
‫بوجه‬
‫من الوجوه ‪،‬‬
‫فقد ورد عن حكيم بن حزٍام رضى هللا عنه أنه كان يشرتط على الرجل اذا أعطاه ماالً مقارضةً‪ :‬أن ال‬
‫جتعل ماىل ىف ٍ‬
‫كبد ٍ‬
‫رطبة وال حتمله ىف حب ٍر وال تنـزل به ىف بط ِن ٍ‬
‫مسيل فأن فعلت شيئاً من ذالك فقد‬
‫ضمنت ماىل"(‪)30‬‬
‫الصدقة‬
‫‪ .4‬جعل هلل املال طريقاً للمواساة بني الناس وإدامة األخوة بني املسلمني وما شرعت الزكاة و َّ‬
‫َّ ِ‬
‫ين‬
‫إالَّ هلذا ألغرض‪ ،‬بل جعل ملن يكنـز املال ويبخل به وعيداً شديداً وذالك ىف قوله تعاىل‪َ " :‬والذ َ‬
‫‪18‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اَّللِ فَـب ِّشرُهم بِع َذ ٍ‬
‫َّ‬
‫اب أَلِي ٍم يَـ ْوَم ُْحي َمى َعلَْيـ َها ِيف َان ِر‬
‫ب َوالْ ِف َّ‬
‫ضةَ َوالَ يُنف ُقونَـ َها ِيف َسبِ ِيل ّ َ ْ َ‬
‫يَكْن ُزو َن الذ َه َ‬
‫جهنَّم فَـتك ِ ِ‬
‫ورُه ْم َهـ َذا َما َكنَـ ْزُُْت ألَن ُف ِس ُك ْم فَ ُذوقُواْ َما ُكنتُ ْم تَكْنُِزو َن"‬
‫ْوى هبَا جبَ ُ‬
‫اه ُه ْم َو ُجنوبـُ ُه ْم َوظُ ُه ُ‬
‫ََ َ ُ َ‬
‫(التوبة‪)35-34 :‬‬
‫لكن فضيلة اإلنفاق من الزائد من املال‬
‫‪ .5‬وال أحد يُنكر أن املال الذى ّأدى زكاته مل يعُد كنـزاً و َّ‬
‫يبقى على حاهلا‪،‬‬
‫ك َما َذا يُ ِنف ُقو َن قُ ِل الْ َع ْف َو" (البقرة‪)219 :‬‬
‫قال تعاىل‪َ " :‬ويَ ْسأَلُونَ َ‬
‫ويوضحه قول الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم‪:‬‬
‫ّ‬
‫"عن اىب سعيد احلذرى َّ‬
‫ان رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم قال‪ :‬من كان له فضل من ظه ٍر فليعُد به على‬
‫فضل من زاد فليعد من ال زاد له فذكر من أصناف املال ما ذكر حىت رأينا‬
‫من ال ظهر له ومن كان له ٌ‬
‫حق ٍ‬
‫ألحد منَّا من ٍ‬
‫فضل"(‪)31‬‬
‫أنَّه ال َّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الصدقة ما كان عن ظهر غ ٍِن" (‪)32‬‬
‫الصدقة ح ّداً ىف قوله‪ :‬خري‬
‫وجعل هلذه‬
‫وأيتى مزي ٌد من الكالم على اإلنفاق من العفو من املال ىف النقطة التاسعة‪،‬‬
‫‪ . 5‬وجعل التنافس ىف اإلعطاء وليس ىف مجع املال‪ ،‬فقد اورد البخارى حديثاً عن جمئى اىب عبيدة بن‬
‫فبشرهم الرسول‬
‫اجلراح مبال اجلزية من البحرين فاجتمع الناس ىف صالة الفجر يتطلعون إىل هذا املال ّ‬
‫ّ‬
‫صلَّى هللا عليه وسلَّم اوالً مث قال‪:‬‬
‫قوهللا ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان‬
‫قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتلهيكم كما أهلتهم" (‪)33‬‬
‫لكىن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها" (‪)34‬‬
‫وقال ايضاً‪ :‬وهللا ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى و ّ‬
‫وقال‪ :‬ا ّن لكل امة فتنةٌ وفتنة امىت املال"(‪)35‬‬
‫‪19‬‬
‫وروى ابوذر قوله صلَّى هللا عليه وسلَّم‪ :‬إ ّن املكثرين هم املقلّون يوم القيامة اال من اعطاه هللا خرياً فنفخ‬
‫فيه بيمينه ومشاله وبني يديه ووراءه وعمل فيه خرياً" (‪)36‬‬
‫وما موقف أزواج النىب صلَّى هللا عليه وسلَّم بعد نزول آية التخيري (األحزاب‪ )29-28 :‬خب ّف ٍى على ٍ‬
‫أحد‬
‫ٍ‬
‫حيث اخرتن هللا ورسوله على ِ‬
‫رفاهية وتنعُ ّم‪،‬‬
‫عيشة‬
‫واشتهرت عدد من ازواج النّىب ابالكثار من الصد ِ‬
‫َّقة فقد روت عائشة رضى هللا عنها َّ‬
‫ان رسول هللا صلَّى‬
‫هللا عليه وسلَّم مرًة خاطب ازواجه فقال‪:‬‬
‫"أسر عكن حلاقاً ىب أطو لكن يداً فكن يتطاولن أيهن أطول يداً‪ ،‬قالت فكانت اطولنا يداً زينب ألهنا‬
‫كانت تعمل بيدها وتصدق" (‪)37‬‬
‫اجه مثالً أعلى ىف اإلقتصاد ىف املعيشة واالقتصار على‬
‫وهكذا ضرب الرسول صلّى هللا عليه وسلّم وازو ُ‬
‫الكفاف من العيش واجلود مبا فضل لديهم من املال‪.‬‬
‫‪َّ .6‬‬
‫يدنَّ ُك ْم َولَئِن َك َف ْرُُْت‬
‫إن هللا رتَّب الزايدة ىف الرزق على الشكر فقال‪َ " :‬وإِ ْذ َأتَذَّ َن َربُّ ُك ْم لَئِن َش َك ْرُُْت ألَ ِز َ‬
‫إِ َّن َع َذ ِاِب لَ َش ِدي ٌد" (ابـراهيم‪)7 :‬‬
‫املادى فقط بل امنا هو منوط ابألسباب الروحية ايضاً وهذا هو‬
‫فليس النماءُ ىف املال نتيجةً للجهد ّ‬
‫ِ‬
‫السُّر ىف حمق الراب ومضاعفة الزكاة وإن كان الظاهر هو العكس‪،‬‬
‫قال تعاىل‪َ " :‬وَما آتَـْيـتُم ِّمن ِّرًاب لِّيَـ ْربـُ َو ِيف أ َْم َو ِال الن ِ‬
‫َّاس فَ َال يَـ ْربُو ِعن َد َّ‬
‫اَّللِ َوَما آتَـْيـتُم ِّمن َزَكاةٍ تُِر ُ‬
‫يدو َن َو ْجهَ‬
‫َِّ‬
‫ضعِ ُفو َن" (سورة الروم‪)39 :‬‬
‫ك ُه ُم الْ ُم ْ‬
‫اَّلل فَأ ُْولَئِ َ‬
‫جير إىل الفساد وميحق الربكة ىف الرزق فقال‪" :‬‬
‫وىف ضمن مبحث ُحرمة الراب‪ ،‬أشار ابن القيّم إىل انه ّ‬
‫مينع من إفساد عقودالناس وتغيـريها ومينع من جعل النقود متجراً فانه بذالك يدخل على الناس من‬
‫الفساد ماال يعلمه االهللا‪ ،‬بل الواجب أن يكون ٍ‬
‫النقود ٍ‬
‫يتجر فيها‪ ،‬واذا‬
‫يتجر هبا وال َّ‬
‫روؤس امو ٍال َّ‬
‫حرم السلطان سكةً ًَ لو نقداً ًً منع من االختالط" (‪)38‬‬
‫َّ‬
‫‪20‬‬
‫وقبل أن تقتبس العبارة األخرى البن القيم نورد هنا كالم الدكتور رفعت العوضى تعليقاً عليه فقال‪:‬‬
‫يتجرهبا‬
‫"املعىن االقتصادى الذى ابرزه من الفقرة الىت نقلتها هو ما يتعلق بـجعل النقود روؤس أموال ّ‬
‫وال يتجر فيها‪ ،‬يكمن ىف هذا املعىن أحد اسباب حترمي الراب ىف اإلقتصاد االسالمى ألن الراب هو اجتار‬
‫ابلنقود‪ ،‬مث قال‪ :‬ارتبط االقتصاد الوضعى ىف بعض مراحله بعباره نقلت عن‬
‫ىف النقود وليس اجتاراً‬
‫ً‬
‫ارسطو‪ :‬النقود ال تلد نقوداً‪ ،‬وكانت هذه العبارة سند حترمي الراب عند من ارتبط بذالك ىف العصور‬
‫الوسطى‪ ،‬وتفضيل عبارة ابن القيم اجلوزية عبارة ارسطو اكثر من ٍ‬
‫وجه‪ ،‬فتعبري ابن القيم اجلوزية تعبري‬
‫اقتصادى وتتضمن حتديد وظيفة النقود وهى تسهيل التبادل‪ ،‬بينما نعرف ان ارسطو كان يرى ان‬
‫التبادل حرفة غري طبـيعية أوغري نظيفة"(‪)39‬‬
‫أما االقتباس اآلخر من كالم ابن القيم فهو خبصوص ربط كل انواع السلوك اإلقتصادى اباللتزام‬
‫بشرع هللا فقال‪:‬‬
‫"لو اعتمد اجلند واألمراء مع الفالحني على ما شرعه هللا ورسوله وجاءت به الناس وفعله اخللفاء‬
‫الراشدون ألكلوا من فوقهم ومن حتت أرجلهم ولفتح هللا عليهم بركات من السماء واألرض وكان‬
‫وظلمهم إال ان‬
‫املغل اضعاف ما حيصلونه ابلظلم والعدوان ولكن أيىب جهلهم ُ‬
‫الذى حيصل هلم من ّ‬
‫تكبو الظلم واال مث فيمنعوا الربكة وسعة الرزق فيجمع هلم عقوبة اآلخرة ونزع الربكة ىف الدنيا"(‪)40‬‬
‫ير ُ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ني فِ ِيه"‬
‫‪ .7‬اعترب هللا املال أمانةً ىف يد الرجل فقال‪َ " :‬وأَنف ُقوا ممَّا َج َعلَ ُكم ُّم ْستَ ْخلَف َ‬
‫(سورة احلديد‪)7 :‬‬
‫فإذا ملكه إما بطريق اهلبة أو الورائة أوالتكسب أو احلوزة بسبب شرعى فانه الينتزع منه إال برضاه‪،‬‬
‫كما َّ‬
‫ان هللا َّ‬
‫التصرف‪ ،‬وهذه نبذة من أقو ِال الرسول صلًّى هللا عليه وسلَّم ىف عمارة‬
‫حد له حدوداً ىف ّ‬
‫األرض وهى من اكرب موارد املال‪،‬‬
‫‪ .1‬من أحىي ارضاً ميتةً فهى له"(‪)40‬‬
‫‪21‬‬
‫‪ .2‬من عمر ارضاً لسيت ٍ‬
‫ألحد فهو أحق هبا"(‪)41‬‬
‫بعد فمن أحيا ارضاً ميتةَ فهى له وليس حملتج ٍر حق بعد‬
‫‪.3‬‬
‫"عادى األرض هلل وللرسول مث لكم من ُ‬
‫ّ‬
‫ثالث سنني"(‪)42‬‬
‫اخيك مثراً فأصابته‬
‫بعت من َ‬
‫‪ .4‬ع ٍن جابر بن عبدهللا قال قال رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم‪ :‬لو َ‬
‫أخيك بغري ٍ‬
‫حق"(‪)43‬‬
‫جائحة فال حيل لك أن أتخذ منه شيئاً‪ ،‬مب أتحذ مال َ‬
‫‪ .5‬عن سعد بن زيد رضى هللا عنه أن رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم قال‪ :‬من اقتطع شرباً من‬
‫طوقة هللا إايه يوم القيامة من سبع أرضني"(‪)44‬‬
‫األرض ظلماً ّ‬
‫‪ .6‬وعن اىب بكرة رضى هللا عنه ان النىب صلَّى هللا عليه وسلَّم قال رجل من اصحاب رسول هللا‬
‫َّ‬
‫ىن‪ :‬ان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم‬
‫ّ‬
‫صل ًّى هللا عليه وسلم قال ىف خطبته يوم النَّحر مب ً‬
‫حر ٌام كحرمة يومكم هذا‪ ،‬ىف بلدكم هذا‪ ،‬ىف شهركم هذا"(‪)45‬‬
‫‪ .7‬وعن عروة بن الزبـري رضى هللا عنه قال‪ :‬قال رجل من اصحاب رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم‪:‬‬
‫ا ّن رجلني إختصما إىل رسول هللا ىف ٍ‬
‫أحدِها فيها خنالً واألرض لآلخر فقضى رسول‬
‫ارض غرس ُ‬
‫هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم ابألرض لصاحبها وأمر صاحب النخل ان خيرج خنله‪ ،‬قال‪ :‬ليس لعرق‬
‫ظامل حق"(‪)46‬‬
‫العادى ميتلكها الرجل حبيازته له اذا كان يريد عمارهتا‬
‫ودلّت هذه األحاديث بوضوح أن األرض‬
‫َّ‬
‫يعمرها خالل ثالث سنوات‪،‬‬
‫غري انه يفقد حقه فيها اذا مل ّ‬
‫وأنَّه ال جيوز ملسلم ان ايخذ مال أخيه بغري ٍ‬
‫حق أويغتصب من ماله أو أرضه وكذلك ال حيق له‬
‫أن ميس نفسه أوعرضه‪ ،‬كما ال حيق أن يتصرف ىف ملك الغري‪،‬‬
‫‪22‬‬
‫‪ .8‬ومبا أن املال هو أداة التعامل بني الناس فلذلك روعى فيه جانب تعزيز العالقات بعضهم ببعض‬
‫حبيث ال يؤدى اىل قطع العالقات بينهم أو أحداث شحناء وعداوة ىف صفوفهم فأانط الشارع‬
‫املعامالت املالية بشروط وضوابط‪ ،‬يقول الدكتود نور الدين العرت‪:‬‬
‫"قيدت الشريعة هذه بقيود وشروط تكفل هبا حتقيق مصلحة اجلماعة كما اهنا حتقق مصلحة الفرد ومن‬
‫هنا وجدان ابالستقراء ان الشرع اشرتط يف مشروعية الكسب أحد أمرين‪:‬‬
‫‪ .1‬ان يكون الربح مقابل عمل كأجرة االجري‪ ،‬والعامل‪ ،‬وحنو ذالك‪.‬‬
‫‪ .2‬ان الغنم ابلغرم‪ :‬اعِن ان يكون الربح مقابل حتمل اخلسارة لو حدث أن وقعت خسارة‪ ،‬كما ىف‬
‫البيوع‪ ،‬وانواع من الشركات‪.‬‬
‫ولتحقيق ذلك حرم كل وسيلة من وسائل الكسب ال تستويف أحد هذين الوصفني‪ ،‬فحرم السرقة‪،‬‬
‫صوره وأشكاله‪ ،‬مهما كان مقداره ولو قليالً جداً‬
‫والغصب‪ ،‬وحرم القمار وامليسر وحرم الراب بشىت ُ‬
‫(وذروا ما بقي من الراب ان كنتم مؤمنني)‪ .‬فضالً عن أن الرابمناف لسائر قواعد اقتصاد االسالم‪.‬‬
‫حرم الغش وتوعد عليه كما يف احلديث الصحيح عن اىب هريرة رضى هللا عنه قال‪ :‬قال رسول هللا‬
‫صلَّى هللا عليه وسلَّم‪ :‬من غشنا فليس منا (أخرجه مسلم)‪.‬‬
‫وحرم االحتكار كما اخرج مسلم عن معمر بن عبدهللا عن رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم قال‪( :‬ال‬
‫حيتكر اال خاطئ)‪.‬‬
‫وحرم بيوع الغرروهي الىت تشتمل على جهالة يف الثمن اوالسلعة او االجل‪ ،‬لئال يفضي العقد اىل‬
‫النـزاع بني املتعاقدين‪ ،‬والشرع يريده رابطاً بينهما ال نزاعاً‪ ،‬فنهى النِب صلَّى هللا عليه وسلَّم‪ ،‬عن‬
‫املخاضرة‪ ،‬واملنابذة واملالمسة ال شتماهلا على اجلهالة‪.‬‬
‫فاملخاضرة‪ :‬بيع الزرع قبل ان يبدو صالحه‪ ،‬النه اليدري ما يبقى منه وما يسقط واذا أصيب آبفة‪،‬‬
‫فبأي شيئ يستحل البائع مال املشرتي‪.‬‬
‫‪23‬‬
‫ايل ما معك‪ ،‬والقي اليك ما معي ويشرتي كل واحد من‬
‫واملنابذة‪ :‬ان يقول الشخص لصاحبه‪ :‬الق َّ‬
‫اآلخر وال يدري كل واحدكم مع اآلخر‪.‬‬
‫واملالمسة‪ :‬ان يقول الرجل لآلخر أبيعك ثوىب بثوبك او بشيئ آخر كالدراهم وال ينظر احدِها اىل‬
‫الثوب‪ ،‬ولكن يلمسه فيجب البيع‪.‬‬
‫وغري ذلك كثري من عقود الغرر كبيع السمك يف املاء‪ ،‬والطري يف اهلواء‪ ،‬حرمها الشرع سدا لذرائع‬
‫النـزاع بني االخوة املسلمني‪)47(.‬‬
‫‪ .9‬ومن مقاصد الشريعة املتعلقة ابملال أالَّ يكون حمتكراً أبيد دون ٍ‬
‫أيد بل يكون دائماً ىف التداول بني‬
‫يدل عليه ‪،‬‬
‫التاس كما ّ‬
‫اَّلل َعلَى رسولِِه ِمن أ َْه ِل الْ ُقرى فَلِلَّ ِه ولِ َّلرس ِ‬
‫ول َولِ ِذي الْ ُق ْرَىب‬
‫َُ ْ‬
‫َ ُ‬
‫قوله تعاىل ىف سورة احلشر‪َّ " :‬ما أَفَاء َُّ‬
‫َ‬
‫والْيَـتَ َامى والْمساكِ ِ‬
‫ني ْاألَ ْغنِيَاء ِمن ُك ْم" (احلشر‪)7 :‬‬
‫ني َوابْ ِن َّ‬
‫السبِ ِيل َك ْي َال يَ ُكو َن ُدولَةً بـَ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ ََ‬
‫قال ابن عاشور ىف تفسري هذه اآلية‪:‬‬
‫و(كيال يكون دولة) اخل تعليل ملا اقتضاه الم التمليك من جعله ملكا ألصناف كثرية األفراد‪ ،‬أى‬
‫جعلناه مقسوما على هؤالء ألجل أن ال يكون الفيء ُدولةً بني األغنياء من املسلمني‪ ،‬أي لئال‬
‫يتداوله األغنياء وال ينال أهل احلاجة نصيب منه‪.‬‬
‫واملقصود من ذالك‪ .‬إبطال ما كان معتادا يف العرب قبل اإلسالم من استـئـثار قائد اجليش أبمور من‬
‫عدوه دون قتال‪ ،‬والنشيطة‪ ،‬والفضول‪.‬‬
‫املغامن وهي‪ :‬املرابع‪ ،‬والصفااي‪ ،‬وما صاحل عليه ّ‬
‫قال عبدهللا بن غنمة الضِب خياطب بسطام بن قيس سيد بىن شيبان وقائدهم ىف أايمهم‪:‬‬
‫وحكمك والنشيطة والفصول‬
‫ُ‬
‫لك املرابع منها والصفااي‬
‫فاملرابع‪ :‬ربُع املغامن الذي ال نظري له فتتعذر قسمته‪ ،‬كان يستأثر به قائد اجليش‪ ،‬وأماحكمه فهو ما‬
‫العدو من املال إذا نزلوا على حكم أمري اجليش‪.‬‬
‫أعطاه َّ‬
‫‪24‬‬
‫عدوهم قبل أن يصلوا إىل موضع القتال‪.‬‬
‫والنشيطة‪ :‬ما يصيبه اجليش يف طريقه من مال َّ‬
‫وال ُفضول‪ :‬ما يبقى بعد قسمة املغامن مما ال يقبل القسمة على رؤوس الغُزاة مثل بع ٍري وفرس‪.‬‬
‫وقد أبطل اإلسالم ذلك كله فجعل الفيء مصروفا إىل ستة مصارف راجعة فوائدها إىل عموم املسلمني‬
‫لس ّد حاجاهتم العامة واخلاصة‪ ،‬فإن ما هو هلل وللرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم إمنا جيعله هللا ملا أيمر به‬
‫رسوله صلَّى هللا عليه وسلَّم وجعل اخلمس من املغامن كذلك لتلك املصارف‪.‬‬
‫وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة ان يكون املال ُدولة بني األمة اإلسالمية على نظام حمكم‬
‫يف إنتقاله من كل مال مل يسبق عليه ملك ألحد مثل املوات‪ ،‬والفيء‪ ،‬واللقطات‪ ،‬والركاز‪ ،‬أو كان جزءا‬
‫معينا مثل‪ :‬الزكاة‪ ،‬والكفارات‪ ،‬وختميس املغامن‪ ،‬واخلراج‪ ،‬واملواريث‪ ،‬وعقود املعامالت الىت بني جانِب مال‬
‫وعمل مثل‪ :‬القراض‪ .‬واملغارسة‪ ،‬واملساقاة‪ ،‬ويف األموال الىت يظفر هبا الظافر بدون عمل وسعي مثل‪:‬‬
‫الفيء والركاز‪ ،‬وما ألقاه البحر‪ ،‬وقد بينت ذلك يف الكتاب الذى مسيته (مقاصد الشريعة‬
‫اإلسالمية)‪)48(.‬‬
‫ومن املقاصد ايضاً تكثري السيولة املالية حبيث أيخذ طريقاً من أغنياء الناس إىل الفقراء منهم‬
‫مر ذكره استناداً ًَ إىل آية التوبة (‪ )34‬واإلنفاق من‬
‫وذالك بواسطتني‪ ،‬حرمة كنز األموال كما ّ‬
‫العفو من املال ىف ضوء آية البقرة الىت أشري إليها سابقاً‪،‬‬
‫وقد اشتهر ابوذر الغفارى رضى هللا عنه من بني الصحابة بفتواه ىف حرمة اكتـناز املال وضرورة التصدق‬
‫ابلفوائد من املال حىت أن معاوية رضى هللا عنه جلأ اىل اخلليفة عثمان رضى هللا عنه ملعاجلة املوضوع‬
‫استقر به املقام ىف الربذة خارج املدينة‪،‬‬
‫فطلبه اىل املدينة إىل أن ّ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ب َوالْ ِف َّ‬
‫ضةَ َوالَ‬
‫ين يَكْن ُزو َن الذ َه َ‬
‫وقد أخرج البخارى عن زيد بن وهب قال‪ :‬كنا ابلشام فقرأت ‪َ " ،‬والذ َ‬
‫اب أَلِي ٍم يـوم ُحيمى علَيـها ِيف َان ِر جهنَّم فَـتك ِ ِ‬
‫ِ‬
‫اَّللِ فَـب ِّشرُهم بِع َذ ٍ‬
‫اه ُه ْم َو ُجنوبـُ ُه ْم‬
‫ْوى هبَا جبَ ُ‬
‫َْ َ ْ َ َ ْ َ‬
‫يُنف ُقونـَ َها ِيف َسبِ ِيل ّ َ ْ َ‬
‫ََ َ ُ َ‬
‫ورُه ْم َهـ َذا َما َكنَـ ْزُُْت ألَن ُف ِس ُك ْم فَ ُذوقُواْ َما ُكنتُ ْم تَكْنُِزو َن" (التوبة‪)35-34 :‬‬
‫َوظُ ُه ُ‬
‫‪25‬‬
‫قال معاوية‪ :‬ما هذه فينا‪ ،‬ما هذه اال ىف اهل الكتاب قال‪ :‬قلت‪ :‬إهنا لفينا وفيهم"‬
‫ولكن ملاذا جلأ ابوذر إىل هذه الفتوى ومل خيف عليه أن املال الذى ّأدى منه الزكاة ليس بكنـز؟‬
‫واجلواب حيتاح اىل ٍ‬
‫شئ من البيان‪.‬‬
‫‪ .1‬مل تكن الدنيا فتحت على املسلمني ىف السنوات االوىل من احلياه املدنية فكان الفقر غالباً على‬
‫ٍ‬
‫شخص سائر يومه‬
‫املسلمني حىت اهنم كانوا ىف بعض غزواهتم ال جيدون من القوت إالَّ مترًة لكل‬
‫وبدأت األموال تنهال عليهم من بعد فتح خيـرب سنة ست من اهلجرة مث توالت الفتوحات ىف‬
‫عهد اىب بكر وعمر رضى هللا عنهما حىت حتقق ما نبّأبه الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم من بسط‬
‫الدنيا عليهم‪،‬‬
‫‪ .2‬وصارت األموال هبذه الكثرة ىف عهد اخلليفة عُمر بن اخلطّاب أن جعل منحاً مالية لكل طوائف‬
‫املسلمني‪ ،‬كل حسب قدمه ىف االسالم أوقربه من رسول هللا صلّى هللا عليه وسلَّم بدءًا ابألزواج‬
‫املطهرات واجملاهدين األولني واألنصار إىل من بعدهم من مهاجرة احلبشة وأصحاب غزوة بد ٍر‬
‫وأوالدهم وذويهم إىل مسلمة الفتح وبلغت هذه املنح من الفى درهم إىل اثىن عشر ألف درهم‬
‫سنوايً وهى دائرة بني الطوائف املذكورة‪،‬‬
‫شك َّ‬
‫أن هذا التقسيم‬
‫لعامة املسلمني ىف الدولة االسالمية وال َّ‬
‫‪ .3‬وكانت هناك منح َّ‬
‫أقل من ذالك ّ‬
‫لألموال أحدثت نوعاً من الطبقية ىف صفوف املسلمني مما جعل عمر ىف آخر حياته يقول‪:‬‬
‫"لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ألخذت من األغنياء فضول أمواهلم فرددهتا على الفقراء"(‪)49‬‬
‫السواد مع معارضة شديدة القاها ىف هذا الصدد من‬
‫وهذا الذى جعل عُمر ميتـنع عن تقسيم أراضى َّ‬
‫قبل بعض أصحابه‪ ،‬وكان رأيهُ موفقاً ساعد على حفظ مصاحل األمة عموماً‪.‬‬
‫‪26‬‬
‫وبقى سيَّدان عثمان رضى هللا عنه حيذو حذو عمر ىف تقسيم الصدقات وأموال بيت املال مما ّأدى‬
‫إىل تقوية الطبقية بني املسلمني وهذا الذى جعل أابذر ينادى بفتواه عن حترمي اكتناز األموال وضرورة‬
‫التصدق هبا‪،‬‬
‫فإذا مل يكن فتواه على اطالقه بل امنا كان ىف ٍ‬
‫وقت بلغت فيه الطبقية ذروهتا فأراد أن يقضى عليها‬
‫قضاءً مربماً‪،‬‬
‫ٍ‬
‫اضح فهناك زمرة من‬
‫والخيفى على أحد حالة املسلمني ىف العصر احلاضر حيث يوجد لديهم فارق و ٌ‬
‫االمة بينما تكافح الكثرة الكاثرة من الطبقة الفقرية واألخرى‬
‫األغنياء حيتكرون تسعني ابملئة من أموال ّ‬
‫املتوسطة ألجل الكفاف من العيش بل ألجل س ّدر مقها من اجلوع واحلرمان‪ ،‬فصار لزاماً ىف مثل‬
‫هذا احلال على كل دولة مسلمة س ّد حاجات الفقراء من املسلمني ولو ابقتطاع شي ٍئ من الثروات‬
‫لدى األغنياء من املسلمني وذالك بطريق فرض الضرائب على أمو ٍال زائدة‪،‬‬
‫وىف األخري نورد خالصةً هلذه املقاصد العشرة املتعلقة ابملال‪.‬‬
‫‪ .1‬حفظ املال من الكليات اخلمس الىت دعت إىل حفظها الشريعة‪.‬‬
‫‪ .2‬جلب املصاحل ودرء املفاسد يشمل املال كما يشمل العقائد واألعمال‪.‬‬
‫‪ .3‬حيفظ املال من الضياع عموماً ومن املخاطرة به ىف التجارة‪،‬‬
‫‪ .4‬املقصود من املال حصول املواساة بني املسلمني‪.‬‬
‫حمبوب ولكن ىف االعطاء ال ىف اجلمع‪.‬‬
‫‪ .5‬التنافس ىف املال‬
‫ٌ‬
‫الراب‪.‬‬
‫‪ .6‬تنمية املال حيصل بطريق الشكر والزكاة وحمقه أيتى بطريق ّ‬
‫‪ .7‬النظرة إىل املال هى نظرة ٍ‬
‫أمانة النظرة امتالك ٍ‬
‫حمض‪.‬‬
‫ٍ‬
‫صالت بني إخوة االسالم حرمت مجيع أنواع املعامالت املشبوهة‪.‬‬
‫‪ .8‬حىت ال يكون املال أداة قطع‬
‫‪ .9‬روعى ىف الشريعة تداول املال بني أكرب عدد ممكن من الناس‪.‬‬
‫‪27‬‬
‫‪.10‬‬
‫روعى ىف األموال الزائدة عن احلاجة جانب التص ّدق هبا إلزالة الفوارق الطبقية بني‬
‫الناس‪.‬‬
‫الفضل الرابع‬
‫‪28‬‬
‫املبادئ األخالقية للتعامل املاىل‬
‫نورد ىف هذا الباب كالماً نفيساً ذكره حكيم األمة الشاه وىل هللا الدهلوى ىف كتابه العزيز" حجة هللا‬
‫يوضحها قوله‪:‬‬
‫البالغة" ضمن مباحث االرتفاق‪،‬‬
‫ّ‬
‫"اعلم ان االنسان يوافق ابناء جنسه ىف احلاجة اىل األكل والشراب واجلماع واالستظالل من الشمس‬
‫واملطر واالستدفاء ىف الشتاء وغريها وكان من عناية هللا تعاىل به أن اهلمه كيف يرتفق أبداء هذه احلاجات‬
‫إهلاماً طبيعياً"‬
‫مث ّنوعها اىل أربعة ارتفاقات وهى كاآلتى‪ :‬ونذكر فيها األول والثاىن لتعلقهما ابملوضوع‪ :‬االول هو الذى‬
‫ال ميكن أن ينفك عنه أهل االجتماعات القاصرة كأهل البدو وسكان شواهق اجلبال والنواحى البعيدة‬
‫من االقاليم الصاحلة وهو الذى نسميه ابالرتفاق االول‪ ،‬والثاىن ماعليه أهل احلضر والقرى العامرة من‬
‫االقاليم الصاحلة املستوجبة أن ينشأ فيها أهل االخالق الفاضلة واحلكماء فانه كثر هنالك االجتماعات‬
‫وازدمحت احلاجات وكثرت التجارب فاستنبطت سنن جزيلة وعضوا عليها ابلنواجذ والطرف االعلى من‬
‫هذا احلد ما يتعامله امللوك أهل الرفاهية الكاملة الذين يرد عليهم حكماء االمم فينتحلون منهم سننا‬
‫فن املعامالت وهى‬
‫صاحلة وهو الذى نسيمه ابالرتفاق الثاىن وضمن مباحث االرتفاق الثاىن‪ ،‬ذكر ّ‬
‫املقصود ىف هذا الفصل فقال‪:‬‬
‫وهو احلكمة الباحثة عن كيفية اقامة املبادالت واملعاوانت واالكساب على االرتفاق الثاىن واالصل ىف‬
‫تقر به االعني وتلذ به االنفس‬
‫ذلك انه ملا ازدمحت احلاجات وطلب االتقان فيها وأن تكون على وجه ً‬
‫تعذر اقامتها من كل واحد وكان بعضهم وجد طعاما فاضال عن حاجته ومل جيد ماء وبعضهم ماء فاضال‬
‫ومل جيد طعاما فرغب كل واحد فيما عند اآلخر فلم جيدوا سبيال االاملبادلة فوقعت تلك املبادلة مبوقع من‬
‫حاجتهم فاصطلحوا ابلضرورة على أن يقبل كل واحد على اقامة حاجة واحدة واتقاهنا والسعى ىف مجيع‬
‫ادواهتا وجيعلها ذريعة اىل سائر احلوائج بواسطة املبادالت وصارت تلك سنة مسلمة عندهم‪ ،‬وملا كان‬
‫‪29‬‬
‫كثري من الناس يرغب ىف شيء فال جيد من يعامله ىف تلك احلالة اضطروا اىل تقدمة وهتيئة واندفعوا اىل‬
‫االصطالح على جواهر معدنية تبقى زماان طويال أن تكون املعاملة هبا أمرا مسلما عندهم وكان االليق‬
‫من بينها الذهب والفضة لصغر حجمهما ومتاثل افرادِها وعظم نفعهما ىف بدن االنسان ولتأتى التجمل‬
‫هبما فكان نقدين ابلطبع وكان غريِها نقدا ابالصطالح*‬
‫وأصول املكاسب الزرع والرعى والتقاط االموال املباحة من الرب والبحر من املعدن والنبات واحليوان‬
‫والصناعات من جنارة وحدادة وحياكة وغريها مما هو من جعل اجلواهر الطبـيعية حبيث يتأتى منها‬
‫االرتفاق املطلوب مث صارت التجارة كسبا مث صار القيام مبصاحل املدينة كسبا مث صار االقبال على كل ما‬
‫حيتاج الناس اليه كسبا وكلما رقت النفوس وأمعنت ىف حب اللذة والرفاهية تفرعت حواشى املكاسب‬
‫واختص كل رجل بكسب ألحد شيئني مناسبة القوى‪ ،‬فالرجل الشجاع يناسب الغزو‪ ،‬والكيس احلافظ‬
‫يناسب احلساب‪ ،‬وقوى البطش يناسب محل االثقال وشاق االعمال واتفاقات توجد فولد احلداد وجاره‬
‫يتيسر له من صناعة احلدادة ماال يتيسر له من غريها وال لغريه منها وقاطن ساحل البجر يتأتى منه صيد‬
‫احليتان دون غريه وبقيت نفوس أعيت هبم املذاهب الصاحلة فاحندروا إىل اكساب ضارة ابملدينة كالسرقة‬
‫والقمار والتكدى واملبادلة إما عني بعني وهو البيع أو عني مبنفعة وهى االجارة وملا كان انتظام املدينة ال‬
‫يتم اال ابنشاء ألفة وحمبة بينهم وكانت االلفة كثريا ما تفضى اىل بذل احملتاج اليه بال بدل أو تتوقف عليه‬
‫انشعبت اهلبة والعارية وال تتم أيضا اال مبواساة الفقراء انشعبت الصدقه وأوجبت املعدات أن يكون منهم‬
‫االخرق والكاىف واململق واملثرى واملستنكف من االعمال اخلسيسة وغري املستنكف والذى أزدمحت عليه‬
‫احلاجات واملتفرع فكان معاش كل واحد ال يتم االمبعاونة آخر وال معاونه اال بعقد وشروط واصطالح‬
‫على سنة فانشعبت املزارعة واملضاربة واالجارة والشركة والتوكيل ووقعت حاجات تسوق اىل مداينة‬
‫ووديعة وجربوا اخليانة واجلحود واملطل فاضطروا إىل اشهاد وكتابة واثئق ورهن وكفالة وحوالة وكلما ترفهت‬
‫‪30‬‬
‫النفوس انشعبت أنواع املعاوانت ولن جتد أمة من الناس اال ويباشرون هذه املعامالت ويعرفون العدل من‬
‫الظلم وهللا اعلم* (‪)50‬‬
‫ونستخلص النقاط اآلتية من الكالم املذكور‪:‬‬
‫‪ .1‬حاجة الناس إىل التبادل ىف املال واملنفعة‬
‫‪ .2‬إقرار الذهب والفضة معدينن صاحلني لغرض التبادل‬
‫‪ .3‬تفصيل اصول املكاسب وما تفرع منها من مكاسب فرعية حبيث خيتص كل شخص مبا يناسبه‬
‫من كسب وعمل‪.‬‬
‫‪ .4‬الخيلو احلال من أشخاص تقصرهبم اهلمة فيلجئون إىل مكاسب ضارة ابملدينة واألخالق والقيم‬
‫‪ .5‬اهلبة والعارية والصدقة مبناها على األلفة واحملبة بني أفراد اجملتمع‬
‫‪ .6‬التعاون فيما بني الناس يستلزم توقيع العقود وإشرتاط شروط ىف البيوع واملعامالت‪،‬‬
‫‪ .7‬الناس ىف التعامل بينهم حمتاجون إىل مداينة ووديعة‪،‬‬
‫‪ .8‬جتنباً للخيانة واحلجود اضطروا إىل كتابة العقود وإشهاد الشهود اىل غري ذالك من أمور التوثق‪،‬‬
‫تكمل ما ذكره سابقاً فقال‪:‬‬
‫وذكرالدهلوى ىف ابب ابتغاء الرزق أموراً قد ّ‬
‫(إعلم) أن هللا تعاىل ملا خلق اخللق وجعل معايشهم ىف األرض واابح هلم االنتفاع مبا فيها وقعت بينهم‬
‫املشاحنة واملشاجرة فكان حكم هللا عند ذلك حترمي أن يزاحم االنسان صاحبه فيما اختص به لسبق يده‬
‫اليه أويد مورثه أولوجه من الوجوه املعتربة عندهم إال مببادلة أوتراض معتمد على علم من غري تدليس‬
‫وركوب غرر‪ ،‬وأيضاً ملا كان الناس مدنيني ابلطبع التستقيم معايشهم إال بتعاون بينهم نزل القضاء‬
‫ابجياب التعاون وأن الخيلو أحد منهم مما له دخل ىف التمدن إال عند حاجة ال جيد منها بداُ ًً‪ ،‬وأيضاً‬
‫فأصل التسبب حيازة األموال املباحة أو استنماء ما اختص به مبا يستمد من األموال املباحة كالتناسل‬
‫ابلرعى‪ ،‬والزراعة ابصالح األرض وسقى املاء‪ ،‬ويشرتط ىف ذالك أن ال يضيق بعضهم على بعض يفضى‬
‫‪31‬‬
‫إىل فساد التمدن‪ ،‬مث االستنماء ىف أموال الناس مبعونة ىف املعاش يتعذر أويتعسر استقامة حال املدينة‬
‫بدوهنا كالذى جيلب التجارة من بلد ويعتىن حبفظ اجللب إىل أجل معلوم أويسمسر بسعى وعمل ‪،‬‬
‫ويصلح مال الناس ابجياد صفة مرضية فيه وأمثال ذلك‪ ،‬فان كان االستنماء فيها مبا ليس له دخل ىف‬
‫التعاون كامليسر أومباهو تراض يشبه االقتضاب كالراب‪ ،‬فان املفلس يضطر إىل التزام ماال يقدر على إيفائه‬
‫وسحت‬
‫وليس رضاه رضاً ىف احلقيقة فليس من العقود املرضية وال األسباب الصاحلة وإمنا هو ابطل‬
‫ٌ‬
‫(‪)51‬‬
‫وهنا نورد هذه النقاط اآلتية الىت استخلصها صاحب كتاب (النظام االقتصادى ىف االسالم) من كالم‬
‫الدهلوى‪:‬‬
‫‪ .1‬مع وجود التفاوت ىف املعيشة بني الناس‪ ،‬ان اخللق بعضهم متسا ٍو لبعضهم ىف حق االستفادة من‬
‫يتعني امللكية إبحراز‬
‫مصادر املعيشة حيث جعل هللا األرض وحماصيلها مباحاً اصالً للجميع وامنا َّ‬
‫شرعى للمحروز‪،‬‬
‫ب ضيقاً لآلخرين‪.‬‬
‫التصرف ىف األموال املباحة له حبيث ال يُسبّ ُ‬
‫‪ .2‬جيوز لكل فرد ّ‬
‫‪ .3‬الب ّد من التعاون واملشاركة ىف العمل‪.‬‬
‫‪ .4‬ينبغى أن يكون هذا التعاون على أسس صاحلة صحيحة حبيث ال يؤدى إىل إخالل ابملدنية أى‬
‫يكون القصد منه مناصرة اآلخر ال مضرتّه‪.‬‬
‫‪ .5‬وهذا اليتأتى إالَّ إبجياد ٍ‬
‫نظام اقتصادى صاحل يهدف اىل حتقيق مرضاة هللا تعاىل وحكمه‪.‬‬
‫‪ .6‬فلذلك حيرم ىف مثل هذا النظام مجيع تلك املعامالت الىت ال تقوم على التعاون بل يؤدى إىل‬
‫حصول منفعة لشخص على حساب اآلخرين سواءً كان بطرق تع ّد بشعةً عاد ًة مثل القمار أو‬
‫تعترب مقبولة ىف بعض اجملتمعات مثل اليا نصيب والبيوع القائمة على املخاطرة‪.‬‬
‫‪32‬‬
‫‪ .7‬وحيرم فيه تلك املعامالت الىت يبدو فيها الرتاضى والتعاون ظاهراً غري أهنا هتدف إىل ابتزاز اموال‬
‫الناس مثل املعامالت الربوية واملعامالت من اجارة أو ره ٍن يتم ّكن فيه اآلجر من إمالء شروط‬
‫يضطر إىل قبوهلا من أجل حاجته وضرورته‪.‬‬
‫قاسية غري عادلة على املستأجر الذى ّ‬
‫‪ .8‬وهذه املعامالت‪-‬وإن كانت قائمةً على الرتاضى ظاهراً‪-‬غري أهنا ابطل غري جائز ىف حكم هللا‪،‬‬
‫فإهنا ال تساعد على تطوير اجملتمع وفالحه بل تؤدى إىل إحداث طبقة حمتكرة لألموال مستبدةٍ‬
‫عامة اخللق‪)52( .‬‬
‫هبا على حساب ّ‬
‫املـراجـع واملـصـادر‬
‫‪ .1‬ابن املنظور‪ :‬لسان العرب ‪ 4300 :6‬ط‪ :‬دار املعارف‪.‬‬
‫‪33‬‬
‫‪ .2‬سـابقاً‪.‬‬
‫‪ .3‬الشامى‪ :‬رد احملتار ‪3:4‬‬
‫‪ .4‬ايضاً ‪ 51 :5‬نقالً عن الدرر شرح الغرر‬
‫‪ .5‬ابن جنيم‪ :‬البحر الرائق ‪277 :5‬‬
‫‪ .6‬الكاساىن‪ :‬بدائع الصنائع ‪3006 :6‬‬
‫‪ .7‬الزيلعى‪ :‬اهلداية ‪28 :2‬‬
‫‪ .8‬ابن جنيم‪ :‬البحر الرائق ‪156 :3‬‬
‫‪ .9‬الشاطىب‪ :‬املوافقات ‪17 :2‬‬
‫‪.10‬‬
‫اجلزائرى‪ :‬الفقه على املذاهب األربعة ‪106 :4‬‬
‫‪.11‬‬
‫السيوطى‪ :‬األشباه والنظائر‪ ،‬ص ‪258‬‬
‫‪.12‬‬
‫الباجورى‪ :‬حاشية على شرح الغزى ‪340 :2‬‬
‫‪.13‬‬
‫الغاية القصوى‪455 :1 ،‬‬
‫‪.14‬‬
‫ابن قدامة‪ :‬املغىن ‪439 :5‬‬
‫‪.15‬‬
‫البهوتى‪ :‬شرح املنتهي على هامش كشاف القناع عن منت االقتاع‪4 :2 ،‬‬
‫‪.16‬‬
‫ابن تيمية‪ :‬الفتاوى‪346 :20 ،‬‬
‫‪.17‬‬
‫نشر العرف ىف بناء بعض االحكام على العرف‬
‫‪.18‬‬
‫القراىف‪ :‬الفروق ‪371 :3‬‬
‫‪.19‬‬
‫ابن عاشور ‪189-187 :1‬‬
‫‪.20‬‬
‫ابن عاشور ‪332 :7‬‬
‫‪.21‬‬
‫ابن كثيـر‪ :‬التفسيـر ‪364 :4‬‬
‫‪34‬‬
‫‪.22‬‬
‫ابن عاشور‪ :‬التحرير والتنوير‪190 :3 ،‬‬
‫‪.23‬‬
‫مسلم‪ :‬الصحيح ‪ ،277 :4‬حديث رقم ‪2964‬‬
‫‪.24‬‬
‫مسلم‪:‬الصحيح‪ :‬كتاب الزكاة ‪ -‬رقم ‪ -1686‬ابب كسب الصدقة وتربيـتها‬
‫‪.25‬‬
‫ابن عاشور‪ :‬مقاصد الشريعة االسالمية‪ ،‬ص ‪78-77‬‬
‫‪.26‬‬
‫البخارى‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب املناقب‪ ،‬ابب مناقب املهاجرين‬
‫‪.27‬‬
‫على املتقى‪ :‬كنـز العمال ‪ -316 :6‬الرتمذى‪ :‬السنن‪ ،‬كتاب املناقب‪ ،‬رقم ‪3594‬‬
‫‪.28‬‬
‫البخارى مع الفتح ‪ ،1295 :3‬صحيح مسلم ‪1628‬‬
‫‪.29‬‬
‫رواه الدارقطىن ورجاله ثقات‬
‫‪.30‬‬
‫مسلم‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب اللقطة‪ ،‬ابب الضيافة‬
‫‪.31‬‬
‫البخارى‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب الوصااي‬
‫‪.32‬‬
‫البخارى‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب الرقاق‬
‫‪.33‬‬
‫البخارى‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب اجلنائز‪ ،‬رقم ‪1258‬‬
‫‪.34‬‬
‫الرتمذى‪ :‬اجلامع ‪ ،‬كتاب الزهد‪ ،‬رقم ‪2258‬‬
‫‪.35‬‬
‫خبارى‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب الرقاق‬
‫‪.36‬‬
‫مسلم‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب الفضائل‬
‫‪.37‬‬
‫ابن القيم‪ :‬الطرق احلكمية‪ ،‬ص ‪350‬‬
‫‪.38‬‬
‫رفعت العوضى‪ :‬من التـراث االقتصاد للمسلني ص ‪245‬‬
‫‪.39‬‬
‫ابن القيم‪ :‬الطرق احلكمية‪ :‬ص ‪361‬‬
‫‪.40‬‬
‫ترمذى‪ ،‬نسائى‪ ،‬ابو داؤد البخارى‪ :‬كتاب املزارعة‪-‬ابب من أحيا ارضاً موااتً‪.‬‬
‫‪.41‬‬
‫خبارى‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب املزارعة‬
‫‪35‬‬
‫‪.42‬‬
‫البيهقى‪ :‬السنن‪ ،‬وعن ابن عباس موقوفاً وعن طاؤوس مرسالً‬
‫‪.43‬‬
‫مسلم‪ :‬الصحيح‪ ،‬كتاب املساقاة‪ ،‬رقم ‪2905‬‬
‫‪.44‬‬
‫متفق عليه‬
‫‪.45‬‬
‫متفق عليه‬
‫‪.46‬‬
‫رواه ابو داؤد واسناده حسن‬
‫‪.47‬‬
‫رواه ابو داؤد واسناده حسن‬
‫‪.48‬‬
‫البخارى‪ :‬كتاب التفسري‬
‫‪.49‬‬
‫سيد قطب‪ :‬العدالة االجتماعية ىف االسالم‪ :‬الطبعة األردية ‪478‬‬
‫‪.50‬‬
‫حجة هللا البالغه ‪38 :1‬‬
‫‪.51‬‬
‫شاه وىل هللا الدهلوى‪ :‬حجة هللا البالغ‪ ،‬ص ‪103‬‬
‫‪.52‬‬
‫انظر حممد حفظ الرمحن‪ :‬النظام االقتصادى ىف االسالم" ابألردية‪89-58 ،‬‬
‫‪36‬‬