المعامالت المالية للمسلمين فى أوروبا إعداد الدكتور صهيب حسن بحث مقدم للدورة الثامنة عشرة للمجلس -دبلن جمادى الثانية /رجب 1429هـ /يوليو 2008م الفضل األول تعريفات للمال وبعد: احلمد هللا رب العاملني والصالة والسالم على سيد املرسلني حممد وعلى آله وصحبه أمجعني ُ مرة وهى الىت تساعدان ىف حتديد خصائص املال عقدايً فقد وردت كلمة املال ىف القرآن اجمليد ستةً ومثانني ّ وخلقياً وهذا هو موضوع الفصل الثاىن ،ولنتناول ىف هذالفصل تعريفات للمال لغةً واصطالحاً ،يقول صاحب لسان العرب: "املال معروف ،ما ملكته من مجيع األشياء" ()1 وقال ابن األثري، " املال ىف األصل ما ميلك من َّ الذهب والفضَّة مث اطلق على كل مايقتىن وميلك من األعيان وأكثر ما يطلق املال عند العرب على االبل ألهنا كانت أكثر أمواهلم"()2 وقد عرب عنه الشاعر بقوله: ع رأيت الناس قد مالوا ومن العنده مال اىل من عنده مال فعنه الناس قد مالوا ولنأخذ تعريفات املال عند الفقهاء، املال عند الشامى: ادخاره لوقت احلاجه واملالية يثبت بتمول الناس كافة أو "املراد ابملال مامييل اليه الطبع وميكن ّ لبعضهم"()3 1 وذكر ايضاً: " املال موجود مييل اليه الطبع وجيرى فيه البذل واملنع فانه خيرج ابملوجود املنفعة" ()4 والقريب منه تعريف ابن جنيم حيث قال- "واملال ىف اللغة ماملكته من شئٍ واجلمع األموال ،كذا ىف القاموس وىف الكشف الكبري :املال مامييل الطبع وميكن ادخاره لوقت احلاجةً ()5 اليه ُ وزاد الكاساىن انه الشئ الذى ميكن االنتفاع به حقيقة وشرعاً فقال عند ايراده دليالً على جواز بيع الكلب :ولنا ان الكلب مال فكان حمالً لبيع كالصقرو البازى والدليل على انه مال انه منتفع به حقيقةً منتفع به حقيقةً ،والدليل على انه مباح مباح االنتفاع به شرعاً على االطالق فكان ماال والشك انه ٌ االنتفاع به شرعاً على اإلطالق ان االنتفاع به جبهة احلراسة واالصطياد مطلقاً شرعاً ىف األموال كلها للبيع ()6 فكان حمالً ً ويؤخذ من هذه التعريفات لدى األحناف املعامل التالية للمال: .1مافيه ميالن للطبع .2ماجيرى فيه البذل واملنع .3هوعني حيث ميكن ّادخاره، .4الب ّد من وجوده، .5يكون قابال لإلتتفاع شرعاً، وهل املنافع تدخل ىف تعريف املال أم ال؟ إضطرب قول احلنفية ىف هذا املوضوع فعند الشامى الب ّد أن يكون املال عيناً ملا ذكر سابقاً .ولكن أقر خدمةَ الرجل للمرأة -إذا اشرتطت مقابل اعتربت املنفعة ماالً عند حممد من أصحاب أىب حنيفة فقد َّ افىت جبواز ذالك مهراً ،قال صاحب اهلداية: املهر -و َ 2 املسمى َّ " مثَّ على قول حممد جتب قيمة اخلدمة َّ مال إال انه عجز عن التسليم ملكان املناقضة " ()7 ألن َّ وابن جنيم يرى هذا الرأى ايضاً: " لو تزوجها على منافع سائر األعيان ىف سكىن داره وخدمة عبده وركوب دابته والعمل عليها وزراعة صحت التسمية ألن هذه املنافع امو ٌال أو أحلقت أرضه وحنو ذالك ىف منافع األعيان م ّده معلومة ّ ابألموال ()8 خالف بني الفقهاء حول كون املال عيناً ،نكتفى ابيراد أقوال فقهاء املذاهب األخرى ومبا انه ليس هناك ٌ إبجتصار وخاصةً حول رأيهم ىف املنفعة ابلذات-: فعند املالكية، قال الشاطىب" :املال ما يقع عليه امللك ويستب ّد به املالك" ()9 وجاز عند ابن القاسم كون املنفعة مهراً وان كان مكروهاً عند اآلخرين: قال اجلزائرى :إن املنافع من تعليم القرآن وحنوه أوسكىن الدار أو خدمة ففيها خالف ،قال مالك :اهنا ال تصلح مهراً ابتداءً ان يُسميها مهراً وقال ابن القاسم :تصلح مهراً مع الكراهة وبعض ائمة املالكية جييزها بالكراهة........ يصح على املعتمد ويثبت للمرأة املنفعة الىت ولكن اذا مسّى شخص منفعةً من هذه املنافع مهراً فان العقد ّ ً مسيّت هلا وهذا هو املشهور)10( ، أ ّما عند الشافعية: قال السيوطى: " قال االمام الشافعى رضى هللا عنه اليقع اسم مال االّ على ماله قيمة يُباع هبا ويلزم متلفه وان قلت الناس مثل الفلس وما أشبه ذالك" ()11 وماال يطرحه ُ وقال ابن القاسم الغزى ىف تعريف البيع: 3 ٍ ٍ شرعى أومتليك منفعة مباحة على التأبيد مبعاوضة ابذن " فأحسن ماقيل ىف تعريفة انه متليك عني مالية بثم ٍن ماىل" ()12 وقال البيضاوى: "البيع متليك عني اومنفعة على التأبيد ٍ بعوض ماىل" ()13 َّ هام وهو اعتبار العُرف ىف تعريف املال فكم من اشياء اعتربت اتفهةً ودلنا تعريف السيوطى على شيئ ّ الرُمل. غري متقومة عند القدامى ولكنها صارت ماالً يباع ويشرتى ىف األزمتة األخرى كالرتاب و َّ ّاما عند احلنابلة ،فقال ابن قدامة: الصيد كاحلشرات القز وديدان َّ " ان املال مافيه منفعة مباحة لغري حاجة أوضرورةٍ كعقار ومجل ودود ّ ٍ االحلاجة فليس ماالً" ()14 يباح االلضرورةٍ كاملبتةَ وماال يباح اقتناؤه حمرم كاخلمر وماال ُ ومافيه نفع ّ وقال منصور بن يونس البهوتى احلنبلى (وهو) اى املال شرعاً مايباح نفعه مطلقا) اى ىف كل االحوال___فخرج ماالنفع فيه كاحلشرات ،ومافيه نفع حمرم كخمر وماال يباح االعند االضطرار كامليته______(كبغل ومحار) النتـفاع الناس هبما وتبا يعهما ىف كل عصر من غري نكري)15( . وقد اعترب ابن تيمية العرف ىف كون الشيئ متقوماً حىت يكون صاحلاً للبيع وقال ىف معرض حديثه عن البيع: فما عده الناس بيعاً فهو بيع وما عدوه اجارة فهو اجارة وماعدوه هبة فهو هبة وهذا اشبه ابلكتاب والسنة واعدل فان االمساء منها ماله حد ىف اللغة كالشمس والقمر ومنها ماله حد ىف الشرع كالصلواة واحلج ومنها ماليس له حد ال ىف اللغة وال ىف الشرع بل يرجع اىل العرف كالقبض ومعلوم ان اسم البيع واالجارة واهلبة ىف هذا الباب مل حيدها الشارع وال هلا حد ىف اللغة بل يتنوع ذالك حبسب عادات الناس عدوه هبةً فهو هبةٌ وما عدوه اجارًة فهو إجارًة" ()16 وعرفهم فما عدوه بيعاً فهو ٌ بيع وما ّ 4 واذاً هناك ثالثة عناصر ُم ِه َّمة لكون الشيئ ماالً متقوماً. .1يكون مباحاً شرعاً. .2يكون قابالً لالنتفاع. .3يعترب ماالً عرفا وعاد ًة، وخبصوص العرف الب ّد من قواعد وضوابط وقد ذكر ابن عابدين حوهلا مايلى. اذا خالف العرف الدليل الشرعى فان خالفه من كل وجه ابن لزم منه ترك النص فال شك ىف رده كتعارف الناس كثريا من احملرمات من الراب وشرب اخلمر ولبس احلرير والذهب وغري ذالك مماورد حترميه نصاً وان مل خيالفه من كل وجه ابن ورد الدليل عاما والعرف خالفه ىف بعض افراده اوكان الدليل قياسا فان العرف معترب ان كان عاما فان العرف العام يصلح خمصصا كما مر عن التحرير ويرتك به القياس كما صرحوا به ىف مسئلة االستصناع ودخول احلمام والشرب من السقاء وان كان العرف خاصا فانه ال يعترب وهو املذهب. مثَّ قال: وختصيص النص ابلتعامل جائز االترى اان جوزان االستصناع للتعامل واالستصناع بيع ماليس عنده وانه منهى عنه وجتويز االستصناع ابلتعامل ختصيص منا للنص الذى ورد ىف النهى عن بيع ماليس عند االنسان الترك النص اصالالان عملنا ابلنص ىف غري االستصناع..وابلتعامل ال جيوز ترك النص اصال وامنا جيوز ختصيصه)17( . وليس هناك تالزم بني املال وجواز البيع ،فقد يكون الشيئ ماالً ولكن ال يصح بيعهُ لعلة ىف املبيع نفسه يوضحه قاعدة ما جيوز بيعهُ وماال جيوز بيعُه كما جاء ىف الفرق اخلامس والثمانني واملئة من فروق القرآىف. ِ الشروط أحد هذه مع فيه شرو ٌ جيوز بيعهُ ،مافُقد منه ُ ط مخسةٌ ،وقاعدةُ ماال ُ فقاعدةُ ما ُ جيوز بيعهُ ،مااجت َ ِ ط اخلمسةُ هي الفرق بينهما ،وهى: اخلمسة ،فالشرو ُ 5 حرم بيع اخلم ِر و ِ الطهارةُ لقولِه عليه السالم يف الصحيحنيَّ : امليتة واخلنزير واألصنام)) ((إن هللا ورسوله َّ فقيل له :ايرسول هللا ،رأيت شحوم ِ اليهود الس ُف ُن ،ويُستصبَ ُح هبا ،فقال :لعن هللا امليتة فإهنا يطلى هبا ُّ َ َ َ الشحوم ،فباعوها ،وأكلوا أمثاهنا)). ُحَّرَمت عليهم ُ ليصح مقابلةُ الثم ٍن له. الشرط الثاىن :أن يكون ُمنتفعاً بهَّ ، السمك ىف املاء ِ ط الثالث :أن يكون مقدوراً على تسليمة حذراً من الط ِري يف اهلواء ،و ِ وحنوِها لنَهيه الشر ُ عليه السالم عن بيع الغرر. الشرط الرابع :أن يكون معلوماً للمتعاقدين ،لنهيه عليه السالم عن أكل املال ابلباطل. ِ للعاقد و ِ ط يف املبيع مملوكني املعقود له ،أو َمن أقيما ُمقامه ،فهذه شرو ٌ الشر ُ الثمن و ُ ط اخلامس :أن يكون ُ ضويل ِ الصحةَّ ، حمرٌم)18( ، جوا ِز البيع دون َّ وشراءهُ َّ بيع ال ُف َّ ألن َ يلخص ما قاله العلماء القدامى نفيس َّ كالم ابن ُ ونورد ُهنا أخرياً َ عاشور ىف حقيقة املال فهو كالم ٌ اضح: أبسلوب جديد و ٍ عرفه أبنَّه ((ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد الناس ىف تناول الضرورايت واألموال :مجع مال ونُ َّ واحلاجات والتحسينيَّات حبسب مبلغ حضارهتم حاصال بكدح)) ،فال يعد اهلواء ماال ،وال ماء املطر واألودية والبحار ماال ،وال الرتاب ماال ،وال كهوف اجلبال وظالل األشجار ماال ،وبعد املاء احملتفر ابآلابر ماال ،وتراب املقاطع ماال ،واحلشيش واحلطب ماال ،وما ينحته املرء لنفسه ىف جبل ماال. واملال ثالثة أنواع :النوع األول ما حتصل تلك اإلقامة بذاته دون توقف على شيئ وهو األطمعة كاحلبوب ،والثمار ،واحليوان ألكله ولالنتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه" قال تعاىل(( وجعل لكم من جلود األنعام بيواتً تستخفوهنا يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوابرها وأشعارها أاثاثً ومتاعاً إىل حني)) وقال(( لرتكبوا منها ومنها أتكلون)) وقدمست العرب اإلبل ماال قال زهري: 6 حات م ٍال طَالِع ٍ * صحيِ ِ ات مبَخرم* َ َ َ محيت عليهم من بالدهم شربا)) ،وهذا وقال عمر (( لوال املال الذى أمحل عليه ىف سبيل هللا ما ُ النوع هو أعلى أنواع أألموال وأثبتهاَّ ، ألن املنفعة حاصلة به من غري توقف على أحوال املتعاملني وال على إصطالحات املنظمني ،فصاحبه ينتفع به زمن السلم وزمن احلرب وىف وقت الثقة ووقت آد َم ابن َ اخلوف وعند رضاالناس عليه وعدمه وعند احتياج الناس وعدمه ،وىف احلديث (يقول ُ َم ِاىل َم ِاىل وإمنا مالك ماأكلت فأمريت أوأعطيت فأغنيت) فاحلضر هنا للكال ىف االعتبار من حديث نفع املادى والنفع العرضى. النوع الثاىن :ما حتصل تلك اإلقامة به ومبا يكمله مما بتوقف نفعه عليه كاألرض للزرع وللبناء عليها والنار للطبخ واإلذابة ،واملاء لسقى األشجار ،وآالت الصناعات لصنع األشياء من احلطب والصوف وحنو ذلك ،وهذالنوع دون النوع الثاىن لتوقفه على أشياء رمبا كانت ىف أيدى الناس فضنت هبا ورمبا حالت دون نواهلا موانع من حرب أوخوف أو وعورة طريق. النوع الثالث :ما حتصل اإلقامةُ بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضا ملا يراد حتصيله من املعرب عنه ابلنَّقد أوابلعملة ،وأكثر اصطالح البشر ىف هذالنوع على معدىن األشياء ،وهذا هو َّ ع واخلرزات وما اصطلح الذهب والفضة وما اصطلح عليه املتأخرون من التعامل ابلنحاس وا َلوَد َ عليه املتأخرون من التعامل ابحلديد األبيض وابألوراق املالية وهى أوراق املصارف املالية املعروفة وهى حجج التزام من املصرف دفع مقدار ما ابلورقة الصادره منه ،وهذا اليتم اعتباره إال ىف أزمنة السلم واألمن وهو مع ذالك متقارب األفراد ،واألوراق الىت تروجها احلكومات مبقادير مالية يتعامل هبا رعااي تلك احلكومات. وقوىل ىف التعريف :حاصال بكدح ،أردت به شأنه أن يكون بسعى فيه كلفة ولذلك عربت عنه ابلكدح وذالك لإلشارة إىل أن املال يشرتط فيه أن يكون مكتسبا واال كتساب له ثالثه طرق. 7 الطريق األول :طريق التناول من األرض قال تعاىل (( هوالذى خلق لكم ما ىف األرض مجيعاً)) وقال (( هوالذى جعل لكم األرض ذلوالً فامشوا ىف منا كبها وكلوا من رزقه)) وهذاكاحلطب واحلشيش والصيد الربى والبحرى ومثر شجر البادية والعسل ،وهذا قد يكون بال مزامحة وقد يكون مبزامحة فيكون حتصيلة ابلسبق كسكىن اجلبال والتقاط الكمأة. الطريق الثاىن :االستنتاج وذالك ابلوالده والزرع والغرس واحللب ،وابلصنعة كصنع احلديد واألواىن واللباس والسالح. الطريق الثالث :التناول من يد الغري فيما ال حاجة له إما بتعامل أبن يعطى املرء ما زاد على حاجته مما حيتاج إليه غريه وأيخذ من الغري ما زاد على حاجته مما حيتاج إليه هو ،أوإبعطاء ما مقوم جعله الناس عالمة على أن مالكه جدير أبن أيخذ به ماقُدَّر مبقداره كدينار ودرهم ىف شيئ َّ هبما ،وإما بقوة وغلبة كالقتال على األراضى وعلى املياه)19( . الفضل الثانى األبعاد العقدية للمال اهلدى ومن اجلاهلية إىل العلم والتُقى، جاء القرآن ليخرج الناس من الظلُمات اىل النور ومن الضالل اىل ُ جاء ليُغيَّـَر املفاهيم السائدة عن احلياة الدنيا وما يتبعها من احلياة اآلخرة، وزخرفها العناية القصوى لديهم حيث أنكروا البعث كان الناس ىف اجلاهلية جعلواحلياة الدنيا وزينتها ُ ِ والقيام لدى رب العلمنيَ " ،وقَالُوا َما ِه َي إَِّال َحيَاتُـنَا ُّ َّه ُر َوَما َهلُم وت َوَْحنيَا َوَما يـُ ْهل ُكنَا إَِّال الد ْ الدنْـيَا َمنُ ُ ِ ك ِم ْن ِع ْل ٍم إِ ْن ُه ْم إَِّال يَظُنُّو َن "(اجلاثية)24: بِ َذل َ 8 مبضى الدَّهر مثل حياة األشجار أواحليواانت َّ فإهنا فكانوا يظنون أن بقاء األمم وفناءها امنا هو مرتب ٌ ط ّ آخر األمرإىل هالك وفناء ،بينما جاء القرآن خيربهم َّ أن ارتقاء بكر الدهور َّ تصغف َّ ومر العُ ُ صور فتؤل َ األمم وزواهلا مرتبط أبسباب خلقية إميانية وكلما ابتعدت أ َُّمةٌ من رسالة السماء وجوهر التوحيد ووقعت ينج منه إالَّ املؤمنون املخلصون لدينهم ورهبم، ىف أحضان الوثنية والشرك انهلا عقاب مساوى مل ُ هكذا كانت نظرهتم اىل احلياة الدنيا ومقوماهتا األساسية وهى املال واألوالد الىت قرن ذكر بعضه ببعض ىف عديد من آايت الكتاب ،وما علينا إالَّ أن نتصفَّح أوراق القرآن لندرك ما هو تصور القرآن للمال. .1املال-ومعه البنون-امنا هو زينة احلياة الدنيا ونعمة من نعم هللا تعاىل ولكنه آئل إىل زوال، الدنْـيا والْباقِيات َّ ِ ال والْبـنُو َن ِزينَةُ ْ ِ ك ثَـ َو ًااب َو َخْيـٌر أ ََم ًال " ات َخْيـٌر ِع َ ند َربِّ َ الصاحلَ ُ احلَيَاة ُّ َ َ َ َ ُ قال تعاىل " :الْ َم ُ َ َ (الكهف)46: يقول ابن عاشور ىف تفسري اآلية: "اعرتاض أريد به املوعظة والعربة للمؤمنني َّ أبن مافيه املشركون من النعمة من مال وبنني ما هو االزينة ِ احلياة الدنيا الىت علمتم َّأهنا إىل زو ٍال كقوله تعاىل" :الَ يـغَُّرنَّك تَـ َقلُّ َّ ِ ِ ِ ِ يل" ب الذ َ َ َ ُ ين َك َف ُرواْ يف الْبالَد َمتَاعٌ قَل ٌ (آل عمران )197:و َّ أن ما اع ّد هللا للمؤمنني خريٌ عندهللا وخري أمالً ،واالغتباط ابملال والبنني شنشنة معروفة ىف العرب ،قال طرفة: ع ولو شاء رىب كنت عمرو بن مرشد فلو شاء رىب كنت قيس بن عاصم بنون كرام سادة ملس ّود فأصبحت ذامال كثري وطاف ىب والباقيات الصاحلات صفتان جراتً على موصوف حمذوف أى األعمال الصاحلات الباقيات أى الزوال هلا أى ال زوال خلريها وهو ثو ُاهبا اخلالد فهى خريٌ من زينة احلياة الدنيا الىت هى غري ابقية" ()20 9 وكذلك نبّه هللا تعاىل إىل ان ال يغرتوا هبذه النعمة على ظاهرها فإهنا منحت هلم لغاية أخرى سيأتى اخليـر ِ ِ ذكرها ٌ،قال":أ ََحيسبو َن أََّمنَا ُمنِد ِ ِ ِ ات بَل َّال يَ ْشعُُرو َن " ُّهم بِه من َّم ٍال َوبَن َ ُ ْ َُ ني 55نُ َسا ِرعُ َهلُْم يف َْْ َ (املؤمنون)56-55 : املبىن على إنكار البعث واملعاد ذكر مثل رجلني ينكر .2وىف معرض إيراد ّ تصور أهل اجلاهلية ّ أحدِها اآخرة بينما يؤمن هبا اآلخر فنقل مقولة الرجل املشرك الذى فاخر صاحبه ابملال واالوالد حيث قال" :وَكا َن لَه َمثَر فَـ َق َال لِص ِ َعُّز نَـ َفًرا " (الكهف: احبِ ِه َوُه َو ُحيَا ِوُرهُ أ ََان أَ ْكثَـ ُر ِم َ نك َم ًاال َوأ َ َ َ ُ ٌ )34 وكانو يظنون ان املال هو سبب اخللود ىف األرض فلذلك كانوا حيبونه حباً محَّاً ،قال تعاىل :ويل لكل ِهـز ملـذة ،الذى مجع ماالً وع ّدده ،حيسب أ ّن ماله أخلدة" (اهلمزة)3-1 : َّ .3 وهم ِّمن إن كل شيئ ىف الكون هلل تعاىل ،وكذلك ُ املال ،نسبه هللا تعاىل اىل نفسه حيث قالَ " :وآتُ ُ آات ُك ْم " (سورة النور)33: َّم ِال َّ اَّللِ الَّ ِذي َ تصرفه ىف هذا فاملال مال هللا غري أن هللا تعاىل جعل االنسان أميناً عليه لفرتة قصرية من عمره ،فليكن ّ ِ األمانة الىت وضعت بيدهِ فال خيُوهنا وال يضيعُها، املال تصرف األمني ىف ِ ومبا َّ عرب عنه ابلقرض احلسن يطالب أن هللا َملَ َ ك ابن آدم املال ،حضَّه على اإلنفاق ىف وجوه اخلري ولكن ّ ِ ضا اَّللَ قَـ ْر ً ض ّ نفسه ليُعيد اليه هذا املال أضغافاً مضاعفةً يوم القيامة فقالَّ :من َذا الَّذي يـُ ْق ِر ُ به هللا تعاىل ُ ِ حسنًا فَـيض ِ ط َوإِلَْي ِه تُـ ْر َجعُو َن (البقرة)245 : ض َويَـْب ُس ُ اع َفهُ لَهُ أ ْ ََ َُ َض َعافًا َكث َريًة َو ّ اَّللُ يَـ ْقبِ ُ روى انه ملا نزلت اآلية جاء ابو ال ّدحداح إىل رسول هللا صلّى هللا عليه وسلَّم فقال :أو ا ّن هللا يريد منا اقرضت هللا حائطاً منه ستمائة القرض ،قال :نعم اي أاب الدحداح ،قال :أرىن يدك" فناوله يده فقال :فإىن ُ ٍ خنلة" فقال رسول هللا صلّى هللا عليه وسلَّم :كم من ٍ عذق رداح ىف اجلنة ألىب الدحداح"()21 10 .4جعل القرآن الكرمي غاية خلق اإلنسان هى العبادة واحلصول على مرضاة هللا تعاىل وجعل طريقها هو االبتالء ِ ض درج ٍ ِ ف األ َْر ِ آات ُك ْم ات لِّيَـْبـلَُوُك ْم ِيف َما َ ض َوَرفَ َع بـَ ْع َ قال تعاىلَ :وُه َو الَّذي َج َعلَ ُك ْم َخالَئ َ ض ُك ْم فَـ ْو َق بَـ ْع ٍ َ َ َ (األنعام)165: عامة ىف الناس ،وذكر املؤمنني خاصة فقال :لَتُـْبـلَ ُو َّن ِيف أ َْم َوالِ ُك ْم َوأَن ُف ِس ُك ْم (آل عمران: وهذه اآلية ّ )186 قال ابن عاشور :واالبتالء :اإلختيار ويُراد به هنا الزمه وهو املصيبة ألن ىف املصائب اختباراً ملقدار الثبات ،واالبتالء ىف األموال هو نفقات اجلهاد وتال شى أمواهلم الىت تركوها مبكة" ()22 عرب عنه ابلفتـنة ايضاً ىف قوله تعاىلَ :و ْاعلَ ُمواْ أََّمنَا أ َْم َوالُ ُك ْم َوأ َْوالَ ُد ُك ْم واالبتالء اصالً هو اإلختبار والذى ّ فِْتـنَةٌ َوأ َّ َجٌر َع ِظ ٌيم (سورة األنفال)28 : اَّللَ ِع َ َن ّ ندهُ أ ْ أى خيترب الرجل ىف ماله وولده حىت يعرف كيف يتصرف فيهما ،أمبرضاة هللا أوبسخطه؟ ويدل عليه رواية اىب هريرة عن الرسول صلى هللا عليه وسلم حول قصة ثالثة ىف بىن اسرائيل :أبرص ّ وأقرع وأعمى فأرادهللا أن يبتليهم وكان ابتالء كل واحد منهم ابملال الوفري من ثروة حيوانية فلم يؤد حق هللا فيه إالّ الرجل األعمى ،وجاء ىف آخر احلديث حيث فال امللك له :أمسك مالك ،فإمنا أبتليتم فقدرضى عنك وسخط على صاحبيك" ()23 ِ وحلكمة االتبالء خلق هللا الشيطان َّ ومكنه من القاء الوسوسة إىل االنسان فيجعله يشاركه ىف .5 األموال واألموال واألوالد قال تعاىل :و َشا ِرْكهم ِيف األَمو ِال واألَو ِ الد َو ِع ْد ُه ْم َوَما يَعِ ُد ُه ُم الشَّْيطَا ُن إِالَّ غُُر ًور (االسراء)64: َْ َ ْ َ ُْ َّ ِ ين َآمنُوا َال تـُ ْل ِه ُك ْم أ َْم َوالُ ُك ْم َوَال أ َْوَال ُد ُك ْم وهو هبذه الوسوسة جيعل املرءَ ينسى ذكرهللا تعاىلَ ،اي أَيـُّ َها الذ َ ِ عن ِذ ْك ِر َِّ اخل ِ اس ُرو َن (املنافقون)9: ك فَأ ُْولَئِ َ اَّلل َوَمن يَـ ْف َع ْل َذل َ ك ُه ُم َْ َ 11 وذكره وآخ ِرتهَ يدخل حب املال ىف قلبه حىت يتعلَّق بشغافه فيبتلى مبرض التكاثر وعند ما ينسى هللا َ "أَ ْهلَا ُك ُم التَّ َكاثـُُر َح َّىت ُزْرُُتُ الْ َم َقابَِر" (سورة التكاثر)1-2 : احلياةُ ُّ ِ اخٌر بَـْيـنَ ُك ْم ب َوَهلٌْو َوِزينَةٌ َوتَـ َف ُ وهذا التكاثر هو ىف املال واألوالد لقوله تعاىلْ ،اعلَ ُموا أََّمنَا ََْ الدنْـيَا لَع ٌ َوتَ َكاثـٌُر ِيف ْاأل َْم َو ِال َو ْاأل َْوَال ِد (سورة احلديد)20 : فأول سورة التكاثر بيا ٌن ملرض يصيب كثرياً من ِ الناس ،وآخرهُ بيا ٌن للشفاء من هذا املرض العضال وهو قوله تعاىلُ :مثَّ لَتُ ْسأَلُ َّن يَـ ْوَمئِ ٍذ َع ِن النَّعِي ِم (التكاثر)8 : فاذا راقب الرجل نفسه وفكر ىف احلساب يوم اآلخرة ،تصرف ىف حياته واوالده ِ رماله مبا يُرضى هللا ّ ّ ِ ابالميان كما قال ورسوله ،وهذا هو الشفاء من مرض التكاثر فان املال واالوالد ليست هلم قيمةٌ إال ِ احلَيَاةِ ُّ الدنْـيَا َوتَـ ْزَه َق أَن ُف ُس ُه ْم َوُه ْم اَّللُ لِيُـ َع ِّذبَـ ُهم ِهبَا ِيف ْ َّ ك أ َْم َوا ُهلُْم َوالَ أ َْوالَ ُد ُه ْم إَِّمنَا يُِر ُ عزوجل :فَالَ تُـ ْعجْب َ يد ّ َكافُِرو َن (التوبة)55: ب حالل ومنه ما هو خبيث حر ٌام فاذا كان النَّماء فيه . 6املال يتعلق به ُّ احلل واحلرمة ،فمنه ما هو طيّ ٌ الراب والقمار وما شابه ذلك من املعامالت من طريق التجارة والكسب فهو حالل وان كان طريقه ّ الفاسدة فهو حر ٌام، دين وانره ،كما قال بعض الظرفاء عن كلمة "دينار" إمنا هو ٌ واإلنفاق من هذا املال يرتتب عليه جنته ُ ِ انر. دين واذا أنفقه ىف سخط هللا فهو له ٌ ٌ وانر ،فإذا انفقه ىف مرضاة هللا فهو له ٌ وقال أحدالشعراء: حج ِ ت العري" جت ولكن َّ فما ح َج َ حت ع "اذا حججت مبال اصلُه ُس ٌ وهذا مطابق لقوله صلَّى هللا عليه وسلَّم: السفر َّ رب أستجب وأكله حر ٌام "ر َّ ب أشعث أغرب يُطيل َّ ميد يديه إىل السماء ،يقول اي رب استجب ،اي ّ ُ وشربهُ حر ٌام وغُ ّذي ابحلرام فأىن يستجاب له" ()24 12 . 7املال يتعلق به التزكية والتطهريَّ ، مطلوب ىف كل شيئ فهو طريق الفالح لإلنسان فإن التزكية ٌ اها" (الشمس)10-9 : اب َمن َد َّس َ "قَ ْد أَفْـلَ َح َمن َزَّك َ اها َوقَ ْد َخ َ ِ ب إِ َىل فِْر َع ْو َن إِنَّهُ طَغَى فَـ ُق ْل َهل ورؤساءهم :فقد أمرهللا موسى فقال" :ا ْذ َه ْ وهى دعوة الرسل ألقوامهم ُ ك إِ َىل أَن تَـَزَّكى" (النازعات)18-17: لَّ َ ِ ِ ني َر ُس ًوال ِّمْنـ ُه ْم وجعل من َّ مهمة الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم تزكية أصحابهُ " .ه َو الَّذي بَـ َع َ ث ِيف ْاأل ُّميِّ َ ِ ِ يـْتـلُو علَي ِهم آايتِِه ويـَزّكِي ِهم ويـعلِّمهم الْ ِكتَاب و ِْ ض َال ٍل ُّمبِ ٍ ني" (اجلمعة)2 : ْمةَ َوإِن َكانُوا من قَـْب ُل لَفي َ احلك َ َ َ َ َ ْ ْ َ َُ ْ ََُ ُ ُ ُ ِِ ِ ص َدقَةً تُطَ ِّه ُرُه ْم َوتُـَزّكِي ِهم ِهبَا" وقال خبصوص املال خماطباً الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّمُ " :خ ْذ م ْن أ َْم َواهل ْم َ (التوبة)301: الرحس ظاهراً وابطناً ،أما وقد مجع بني التطهري والتزكية فإن التطهري غالباً يقع على تصفية املال من ّ السمو هبا إىل اعلى درجات الكمال التزكية فهو جيمع بني التصفية املذكورة وتنمية األخالق والفضائل و ّ اإلنساىن، ٍ إبسهاب ىف سورة التوبة وابختصار ىف سورة"املنافقون" عزوجل عن صفات املنافقني .8حت ّدث هللا َّ ِ ضلِ ِه آات َان ِمن فَ ْ اَّللَ لَئِ ْن َ اه َد ّ فذكر من صفاهتم البخل الذى يؤدى إىل النفاق فقالَ " :ومْنـ ُهم َّم ْن َع َ آاتهم ِمن فَ ْ ِ ِ ِ ِ ص َّدقَ َّن ولَنَ ُكونَ َّن ِمن َّ ِِ ضو َن ،فَأ َْع َقبَـ ُه ْم نَِفاقًا ِيف ضله َخبلُواْ بِه َوتَـ َولَّواْ َّوُهم ُّم ْع ِر ُ الصاحل َ ني ،فَـلَ َّما َ ُ ّ لَنَ َّ َ َ قُـلُوهبِِم إِ َىل يـوِم يـ ْل َقونَه ِمبا أَخلَ ُفواْ اَّلل ما وع ُدوه وِمبا َكانُواْ يك ِ ْذبُو َن" (التوبة)77-75: َّ َ َ َ ُ َ َ ْ َْ َ ْ ُ َ ْ َ وذكر ىف آخر سورة "املنافقون" عالجاً للنفاق وهو اإلنفاق فقال تعاىل" :وأ ِ َنف ُقوا ِمن َّما َرَزقْـنَا ُكم ِّمن قَـْب ِل َ َّق وأَ ُكن ِمن َّ ِِ ت فَـيـ ُق َ ِ ب لَوَال أ َّ ِ َج ٍل قَ ِر ٍ ني" يب فَأ َّ الصاحل َ َخ ْرتَِِن إ َىل أ َ َح َد ُك ُم الْ َم ْو ُ َ أَن َأيِِْتَ أ َ ول َر ّ ْ َصد َ َ ّ َ (املنافقون)10: وتشجيع على االنفاق ىف سبيل هللا ىف سورة احلديد واثبات النور للمؤمنني يوم القيامة وهناك حتريض ٌ وسلبه ىف حق املنافقني ،وماذالك إال ألهنم مجعوا بني النفاق وعدم االنفاق ىف سبيل هللا تعاىل، 13 .9جعل هللا تعاىل املال احد اكرب دعائم اجلهاد ىف سبيل هللا تعاىل حىت ذكره قيل اجلهاد ابلنفس ىف عدد من اآلايت وما ذالك اال لعظيم مكانة املال ىف إعداد عُ ّدة اجلهاد ِ ِ ِ ِ ِ ِ اَّللِ ذَلِ ُك ْم َخْيـٌر لَّ ُك ْم إِن ُكنتُ ْم تَـ ْعلَ ُمو َن" فقال" :انْف ُرواْ خ َفافًا َوث َقاالً َو َجاه ُدواْ ِأب َْم َوال ُك ْم َوأَن ُفس ُك ْم ِيف َسبِ ِيل ّ (التوبة)41: ِ َّ ِ اَّللِ ِ ِِ َِّ اه ُدوا ِأب َْم َواهلِِ ْم َوأَن ُف ِس ِه ْم ِيف َسبِ ِيل َّ ين َآمنُوا ِاب ََّّلل َوَر ُسوله ُمثَّ َملْ يَـ ْرَاتبُوا َو َج َ وقال تعاىل" :إمنَا الْ ُم ْؤمنُو َن الذ َ الص ِادقُو َن" (احلجرات)15 : ك ُه ُم َّ أ ُْولَئِ َ وألن اجلهاد ابلنفس أشق ،بدأ بذكر اجلهاد ابملال توطئةً للنفس ،على ما هو أسهل ،كما أن اجلهاد ابملال متيسر ىف كل وقت وزمان بينما ال يتوفر اجلهاد ابلنفس (أى القتال) إالّ بشروط وضوابط ال تتيسر ىف كل ٍ وقت ٍ وآن ،وهذا وذكر مبقابل املسلمني اجملاهدين ،طائفةً أخرى من الكفارالذين ينفقون امواهلم ِ ِ ِ َّ ِ اَّللِ فَ َسيُ ِنف ُقونَـ َها ُمثَّ ص ُّدواْ َعن َسبِ ِيل ّ ين َك َف ُرواْ يُنف ُقو َن أ َْم َوا َهلُْم ليَ ُ ايضاً ولكن معادا ًة هلل ورسوله فقال ":إ َّن الذ َ َّ ِ ِ ين َك َف ُرواْ إِ َىل َج َهن ََّم ُْحي َش ُرو َن" تَ ُكو ُن َعلَْيه ْم َح ْسَرةً ُمثَّ يـُ ْغلَبُو َن َوالذ َ (األنفال)36 : مر سابقاً وأن ال يكون رايءً .10إالنفاق الذى تظهر مثراته ىف اآلخرة متقي ٌد بكونه ىف سبيل هللا كما ّ أذى حىت يكون مقبوالً عندهللا تعاىل: وأالّ يتبعه َّ من وال ً قال تعاىل" :الَّ ِذين ي ِنف ُقو َن أَموا َهلم ِيف سبِ ِيل ِ ند َرّهبِِ ْم َج ُرُه ْم ِع َ ْ َ ُْ َ ّ اَّلل ُمثَّ الَ يـُتْبِعُو َن َما أَن َف ُقواُ َمنًّا َوالَ أَذًى َّهلُْم أ ْ َُ وف وم ْغ ِفرةٌ خيـر ِمن ٍ ِن َحلِ ٌيم َاي أَيـُّ َها َوالَ َخ ْو ٌ اَّللُ َغ ِ ٌّ ص َدقَة يَـْتـبَـعُ َهآ أَ ًذى َو ّ ف َعلَْي ِه ْم َوالَ ُه ْم َْحيَزنُو َن قَـ ْوٌل َّم ْع ُر ٌ َ َ َ َ ْ ٌ ّ َ َّ ِ ِ ص َدقَاتِ ُكم ِابلْ َم ِّن َواأل َذى َكالَّ ِذي يُ ِنف ُق َمالَهُ ِرََئء الن ِ َّاس َوالَ يـُ ْؤِم ُن ِاب َّّللِ َوالْيَـ ْوِم ين َآمنُواْ الَ تُـْبطلُواْ َ الذ َ ِ اآلخ ِر"(البقرة)264-262 : أحكم. وتلك عشرة كاملةٌ من جوانب املال املتعلقة ابإلميان وهللا اعلم وعلمهُ أُتّ و ُ 14 الفضل الثالث مقاصد الشريعة املتعلقة ابملال املشتَـ َهر ىف علم األصول ،وقيل ان َّأول من نبَّه عليها .1حفظ الكليات اخلمس صار من املعلوم َ هو الغزاىل ،ومن هذه الكليات اخلمس حفظ األموال، قال ابن عاشور :وأما حفظ املال فهو حفظ أموال األمة من اإلتالف ومن اخلروج إىل أيدى غري األم ِة بدون ٍ عوض وقال ابن عاشور" :وقد تنبَّه َّ عوض وحفظ اجزاء املال املعتربة عن التلف بدون ً اءك َِّب إِذَا َج َ بعض علماء األصول إىل أن هذه الضرورايت مشار إليها بقوله تعاىلَ " :اي أَيـُّ َها النِ ُّ ِ ِ ِ ِ ني ات يـُبَايِ ْعنَ َ ني َوَال يَـ ْقتُـ ْل َن أ َْوَال َد ُه َّن َوَال َأيْت َ ك َعلَى أَن َّال يُ ْش ِرْك َن ِاب ََّّلل َشْيـئًا َوَال يَ ْس ِرقْ َن َوَال يَـ ْزن َ الْ ُم ْؤمنَ ُ ٍ ()25 ني أَيْ ِدي ِه َّن َوأ َْر ُجلِ ِه َّن" (املمتحنة)12 : بِبُـ ْهتَان يَـ ْف َِرتينَهُ بَـ ْ َ النص عند ابن عاشور: وقد ذكران ىف الفصل األول تعريفات للمال وال أبس أن نزيده ايضاحاً إبيراد هذا ّ إن مال اآلمة هو ثروهتا ،والثروة هى ما ينتفع به الناس آحاداً أومجاعات ىف جلب انفع أودفع ضار يف خمتلف األحوال واألزمان والدواعي انتفاع مباشرة أو وساطة .فقولنا :ىف خمتلف األحوال واألزمنة 15 والدواعي ،إشارة إىل أن الكسب ال يعد ثروة إالّ إذ صلح لالنتفاع مدداً طويلة ،ليخرج االنتفاع ابألزهار والفواكه ،فإهنا ال تعترب ثروة ولكن التجارة فيها تعد من لواحق الثروة .وقولنا :مباشرة أو وساطة ،ألن االنتفاع يكون ابستمعال عني املال ىف حاجة صاحبه ويكون مببادلته ألخذ عوضه احملتاج إليه من يد آخر. وتـتقوم هذه الصفة للمال ابجتماع مخسة أمور. أن يكون ممكناً ادخاره. وأن يكون مرغوابً يف حتصيله. وأن يكون قابالً للتداول. وأن يكون حمدود املقدار. وأن يكون مكتسباً. فأما إمكان اإلدخار فألن الشيء النافع الذى يسرع إليه الفساد ال جيده صاحبه عند دعاء احلاجة إليه ىف غالب األوقات ،بل يكون مرغماً على إسراع االنتفاع به ولو مل تكن به حاجة. وأما كونه مرغوابً يف حتصيله فذالك فرع عن كثرة النفع به .فاألنعام واحلب والشجر يف القرى ثروة، والذهب والفضة واجلواهر ونفائس اآلاثر يف األمصار ثروة ،واألنعام وأوابرها وأصوافها وأحواض املياه واملراعى وآالت الصيد يف البوادي ثروة. وأما قبول التداول أي التعارض به ،فذلك فرع عن كثرة الرغبة يف حتصيله .وهذا التداول يكون ابلفعل أي بنقل ذات الشيئ من حوز أحد إىل حوز آخر ،ويكون ابالعتبار مثل عقود الذمم كالسلم واحلوالة وبيع الربانمج ومصارفة أوراق املصارف أي البنوك. وأما كونه حمدود املقدار ،فألن األشياء الىت ال تنحصر مقاديرها ال يقصد االختصاص مبقادير منها فال تدخر فال تعد ثروة ،وذلك مثل :البحار والرمال واألهنار والغاابت .على أن مثل األخريين قد يعد وسيلة 16 ثروة ابعتبار ما حيصل هبما من خصب وتشغيل .ومل يقع االصطالح على عد البحار ثروة ،وإن كانت غري حمدودة املقادير إال أن املستخرج منها يكون حمدود املقدار ملا يستدعيه استخراجه من النفقات اجلمة. وأما كونه مكتسباً فأن حيصل لصاحبه أو ملن خلفه بسعيه أبن ال حيصل له عفواً ،ألن الشيئ الذى حيصل عفواً ال يكون عظيم النفع ،كاحلشيش واحتطاب الغاابت وأسراب بقر الوحش ومحره بقرب منازل قبائل البلدية. واعلم أن من جهات توازن األمم يف السلطان على هذا العامل جهة الثروة ،فبنسبة ثروة األمة إىل ثروة معاصريها من األمم ُّ تعد ىف درجة مناسبة يف قوهتا وحفظ كياهنا ،وتسديد مآرهبا وغناها عن الضراعة إىل غريها)26( . تصرفات الناس فهو يشمل .2واذا كان املقصد العامل من التشريع هو االصالح وازالة الفساد ىف َّ العقائد واألعمال عموماً واملعامالت املالية خصوصاً. اءه ْم َوالَ اُنظر ماحكاه هللا تعاىل عن نصيحة شعيب عليه َّ َّاس أَ ْشيَ ُ السالم ألهل مدينَ " :والَ تَـْب َخ ُسواْ الن َ تُـ ْف ِس ُدواْ ِيف األ َْر ِ صالَ ِح َها" (األعراف)85: ض بَـ ْع َد إِ ْ ِ ِ ِ ب ال َف َس َاد" ك ْ اَّللُ الَ ُِحي ُّ احلَْر َ وعبـَّر عن املفسدين ىف األرض فقال" :ليُـ ْف ِس َد فيِ َها َويـُ ْهل َ َّس َل َو ّ ث َوالن ْ (البقرة)205: اَّللُ لَ ُك ْم .3وابملال تقوم أمور الناس حيث قال َّ عزوجلَ " :والَ تُـ ْؤتُواْ ُّ الس َف َهاء أ َْم َوالَ ُك ُم الَِِّت َج َع َل ّ قِيَاما ًً" (النساء)5 : وقد مدح الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم أاب بكر رضى هللا عنه بقوله: َّ على ىف صحبته وماله ااب بكر"()27 أمن الناس َّ "ان من ّ وقال ايضاً :ما نفعىن مال كما نفعىن مال اىب بكر"()28 17 فك رقاب املسلمني املضطهدين ىف م ّكه وىف جتهيز عُدَّة اجلهاد ابملدينة وما ذالك إالَّ جلهود اىب بكر ىف ّ مبا آاته هللا من ٍ مال األم ِة وعلى رأسها اجلهاد ىف سبيل هللا، وابملال كان قضاء نوائب َّ فبدأ هللا تعاىل بذكر اجلهاد ابملال قبل اجلهاد ابلنفس ىف غري ما آية، ِ ِ ِ ِ ِ ِ اَّللِ َذلِ ُك ْم َخْيـٌر لَّ ُك ْم إِن ُكنتُ ْم تَـ ْعلَ ُمو َن" فقال" :انْف ُرواْ خ َفافًا َوث َقاالً َو َجاه ُدواْ ِأب َْم َوال ُك ْم َوأَن ُفس ُك ْم ِيف َسبِ ِيل ّ (التوبة)41 : وقال" :الَّ ِذين آمنواْ وهاجرواْ وجاه ُدواْ ِيف سبِي ِل ِ ِِ ند ِ ِ ِ ك ُه ُم اَّلل َوأ ُْولَئِ َ اَّلل ِأب َْم َواهل ْم َوأَن ُفس ِه ْم أ َْعظَ ُم َد َر َجةً ع َ ّ َ ّ َ َُ َ َ َ ُ َ َ َ الْ َفائُِزو َن" (التوبة)20: وقال" :إَِّمنَا الْمؤِمنُو َن الَّ ِذين آمنُوا ِاب ََّّللِ ورسولِِه ُمثَّ َمل يـرَاتبوا وجاه ُدوا ِأبَمواهلِِم وأَن ُف ِس ِهم ِيف سبِ ِيل َِّ ك ُْ اَّلل أ ُْولَئِ َ ْ َْ ُ َ َ َ َ َ ْ َ ََ ُ َْ ْ َ الص ِادقُون" (احلجرات)15 : ُه ُم َّ َّ َحب لنفسه املسكنة والكفاف من العيش غري أنَّه َكره للمسلم ان يئول إن الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم أ َّ ِ لسعد بن اىب وقَّاص ":إنَّك أن تذر ورثتك اغنياء خريٌ به احلال اىل أن مي َّد يديه اىل الناس استجداءً فقال َ من ان تذرهم عالةً يتكففون الناس"()29 فكان حفظ املال مطلباً من مطالب الشَّرع فال يكون هناك ضياعٌ له ال ابإلسراف وال ابملخاطرة ٍ بوجه من الوجوه ، فقد ورد عن حكيم بن حزٍام رضى هللا عنه أنه كان يشرتط على الرجل اذا أعطاه ماالً مقارضةً :أن ال جتعل ماىل ىف ٍ كبد ٍ رطبة وال حتمله ىف حب ٍر وال تنـزل به ىف بط ِن ٍ مسيل فأن فعلت شيئاً من ذالك فقد ضمنت ماىل"()30 الصدقة .4جعل هلل املال طريقاً للمواساة بني الناس وإدامة األخوة بني املسلمني وما شرعت الزكاة و َّ َّ ِ ين إالَّ هلذا ألغرض ،بل جعل ملن يكنـز املال ويبخل به وعيداً شديداً وذالك ىف قوله تعاىلَ " :والذ َ 18 ِ ِ اَّللِ فَـب ِّشرُهم بِع َذ ٍ َّ اب أَلِي ٍم يَـ ْوَم ُْحي َمى َعلَْيـ َها ِيف َان ِر ب َوالْ ِف َّ ضةَ َوالَ يُنف ُقونَـ َها ِيف َسبِ ِيل ّ َ ْ َ يَكْن ُزو َن الذ َه َ جهنَّم فَـتك ِ ِ ورُه ْم َهـ َذا َما َكنَـ ْزُُْت ألَن ُف ِس ُك ْم فَ ُذوقُواْ َما ُكنتُ ْم تَكْنُِزو َن" ْوى هبَا جبَ ُ اه ُه ْم َو ُجنوبـُ ُه ْم َوظُ ُه ُ ََ َ ُ َ (التوبة)35-34 : لكن فضيلة اإلنفاق من الزائد من املال .5وال أحد يُنكر أن املال الذى ّأدى زكاته مل يعُد كنـزاً و َّ يبقى على حاهلا، ك َما َذا يُ ِنف ُقو َن قُ ِل الْ َع ْف َو" (البقرة)219 : قال تعاىلَ " :ويَ ْسأَلُونَ َ ويوضحه قول الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم: ّ "عن اىب سعيد احلذرى َّ ان رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم قال :من كان له فضل من ظه ٍر فليعُد به على فضل من زاد فليعد من ال زاد له فذكر من أصناف املال ما ذكر حىت رأينا من ال ظهر له ومن كان له ٌ حق ٍ ألحد منَّا من ٍ فضل"()31 أنَّه ال َّ ِ ِ الصدقة ما كان عن ظهر غ ٍِن" ()32 الصدقة ح ّداً ىف قوله :خري وجعل هلذه وأيتى مزي ٌد من الكالم على اإلنفاق من العفو من املال ىف النقطة التاسعة، . 5وجعل التنافس ىف اإلعطاء وليس ىف مجع املال ،فقد اورد البخارى حديثاً عن جمئى اىب عبيدة بن فبشرهم الرسول اجلراح مبال اجلزية من البحرين فاجتمع الناس ىف صالة الفجر يتطلعون إىل هذا املال ّ ّ صلَّى هللا عليه وسلَّم اوالً مث قال: قوهللا ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتلهيكم كما أهلتهم" ()33 لكىن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها" ()34 وقال ايضاً :وهللا ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى و ّ وقال :ا ّن لكل امة فتنةٌ وفتنة امىت املال"()35 19 وروى ابوذر قوله صلَّى هللا عليه وسلَّم :إ ّن املكثرين هم املقلّون يوم القيامة اال من اعطاه هللا خرياً فنفخ فيه بيمينه ومشاله وبني يديه ووراءه وعمل فيه خرياً" ()36 وما موقف أزواج النىب صلَّى هللا عليه وسلَّم بعد نزول آية التخيري (األحزاب )29-28 :خب ّف ٍى على ٍ أحد ٍ حيث اخرتن هللا ورسوله على ِ رفاهية وتنعُ ّم، عيشة واشتهرت عدد من ازواج النّىب ابالكثار من الصد ِ َّقة فقد روت عائشة رضى هللا عنها َّ ان رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم مرًة خاطب ازواجه فقال: "أسر عكن حلاقاً ىب أطو لكن يداً فكن يتطاولن أيهن أطول يداً ،قالت فكانت اطولنا يداً زينب ألهنا كانت تعمل بيدها وتصدق" ()37 اجه مثالً أعلى ىف اإلقتصاد ىف املعيشة واالقتصار على وهكذا ضرب الرسول صلّى هللا عليه وسلّم وازو ُ الكفاف من العيش واجلود مبا فضل لديهم من املال. َّ .6 يدنَّ ُك ْم َولَئِن َك َف ْرُُْت إن هللا رتَّب الزايدة ىف الرزق على الشكر فقالَ " :وإِ ْذ َأتَذَّ َن َربُّ ُك ْم لَئِن َش َك ْرُُْت ألَ ِز َ إِ َّن َع َذ ِاِب لَ َش ِدي ٌد" (ابـراهيم)7 : املادى فقط بل امنا هو منوط ابألسباب الروحية ايضاً وهذا هو فليس النماءُ ىف املال نتيجةً للجهد ّ ِ السُّر ىف حمق الراب ومضاعفة الزكاة وإن كان الظاهر هو العكس، قال تعاىلَ " :وَما آتَـْيـتُم ِّمن ِّرًاب لِّيَـ ْربـُ َو ِيف أ َْم َو ِال الن ِ َّاس فَ َال يَـ ْربُو ِعن َد َّ اَّللِ َوَما آتَـْيـتُم ِّمن َزَكاةٍ تُِر ُ يدو َن َو ْجهَ َِّ ضعِ ُفو َن" (سورة الروم)39 : ك ُه ُم الْ ُم ْ اَّلل فَأ ُْولَئِ َ جير إىل الفساد وميحق الربكة ىف الرزق فقال" : وىف ضمن مبحث ُحرمة الراب ،أشار ابن القيّم إىل انه ّ مينع من إفساد عقودالناس وتغيـريها ومينع من جعل النقود متجراً فانه بذالك يدخل على الناس من الفساد ماال يعلمه االهللا ،بل الواجب أن يكون ٍ النقود ٍ يتجر فيها ،واذا يتجر هبا وال َّ روؤس امو ٍال َّ حرم السلطان سكةً ًَ لو نقداً ًً منع من االختالط" ()38 َّ 20 وقبل أن تقتبس العبارة األخرى البن القيم نورد هنا كالم الدكتور رفعت العوضى تعليقاً عليه فقال: يتجرهبا "املعىن االقتصادى الذى ابرزه من الفقرة الىت نقلتها هو ما يتعلق بـجعل النقود روؤس أموال ّ وال يتجر فيها ،يكمن ىف هذا املعىن أحد اسباب حترمي الراب ىف اإلقتصاد االسالمى ألن الراب هو اجتار ابلنقود ،مث قال :ارتبط االقتصاد الوضعى ىف بعض مراحله بعباره نقلت عن ىف النقود وليس اجتاراً ً ارسطو :النقود ال تلد نقوداً ،وكانت هذه العبارة سند حترمي الراب عند من ارتبط بذالك ىف العصور الوسطى ،وتفضيل عبارة ابن القيم اجلوزية عبارة ارسطو اكثر من ٍ وجه ،فتعبري ابن القيم اجلوزية تعبري اقتصادى وتتضمن حتديد وظيفة النقود وهى تسهيل التبادل ،بينما نعرف ان ارسطو كان يرى ان التبادل حرفة غري طبـيعية أوغري نظيفة"()39 أما االقتباس اآلخر من كالم ابن القيم فهو خبصوص ربط كل انواع السلوك اإلقتصادى اباللتزام بشرع هللا فقال: "لو اعتمد اجلند واألمراء مع الفالحني على ما شرعه هللا ورسوله وجاءت به الناس وفعله اخللفاء الراشدون ألكلوا من فوقهم ومن حتت أرجلهم ولفتح هللا عليهم بركات من السماء واألرض وكان وظلمهم إال ان املغل اضعاف ما حيصلونه ابلظلم والعدوان ولكن أيىب جهلهم ُ الذى حيصل هلم من ّ تكبو الظلم واال مث فيمنعوا الربكة وسعة الرزق فيجمع هلم عقوبة اآلخرة ونزع الربكة ىف الدنيا"()40 ير ُ ِ ِ ِ ني فِ ِيه" .7اعترب هللا املال أمانةً ىف يد الرجل فقالَ " :وأَنف ُقوا ممَّا َج َعلَ ُكم ُّم ْستَ ْخلَف َ (سورة احلديد)7 : فإذا ملكه إما بطريق اهلبة أو الورائة أوالتكسب أو احلوزة بسبب شرعى فانه الينتزع منه إال برضاه، كما َّ ان هللا َّ التصرف ،وهذه نبذة من أقو ِال الرسول صلًّى هللا عليه وسلَّم ىف عمارة حد له حدوداً ىف ّ األرض وهى من اكرب موارد املال، .1من أحىي ارضاً ميتةً فهى له"()40 21 .2من عمر ارضاً لسيت ٍ ألحد فهو أحق هبا"()41 بعد فمن أحيا ارضاً ميتةَ فهى له وليس حملتج ٍر حق بعد .3 "عادى األرض هلل وللرسول مث لكم من ُ ّ ثالث سنني"()42 اخيك مثراً فأصابته بعت من َ .4ع ٍن جابر بن عبدهللا قال قال رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم :لو َ أخيك بغري ٍ حق"()43 جائحة فال حيل لك أن أتخذ منه شيئاً ،مب أتحذ مال َ .5عن سعد بن زيد رضى هللا عنه أن رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم قال :من اقتطع شرباً من طوقة هللا إايه يوم القيامة من سبع أرضني"()44 األرض ظلماً ّ .6وعن اىب بكرة رضى هللا عنه ان النىب صلَّى هللا عليه وسلَّم قال رجل من اصحاب رسول هللا َّ ىن :ان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم ّ صل ًّى هللا عليه وسلم قال ىف خطبته يوم النَّحر مب ً حر ٌام كحرمة يومكم هذا ،ىف بلدكم هذا ،ىف شهركم هذا"()45 .7وعن عروة بن الزبـري رضى هللا عنه قال :قال رجل من اصحاب رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم: ا ّن رجلني إختصما إىل رسول هللا ىف ٍ أحدِها فيها خنالً واألرض لآلخر فقضى رسول ارض غرس ُ هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم ابألرض لصاحبها وأمر صاحب النخل ان خيرج خنله ،قال :ليس لعرق ظامل حق"()46 العادى ميتلكها الرجل حبيازته له اذا كان يريد عمارهتا ودلّت هذه األحاديث بوضوح أن األرض َّ يعمرها خالل ثالث سنوات، غري انه يفقد حقه فيها اذا مل ّ وأنَّه ال جيوز ملسلم ان ايخذ مال أخيه بغري ٍ حق أويغتصب من ماله أو أرضه وكذلك ال حيق له أن ميس نفسه أوعرضه ،كما ال حيق أن يتصرف ىف ملك الغري، 22 .8ومبا أن املال هو أداة التعامل بني الناس فلذلك روعى فيه جانب تعزيز العالقات بعضهم ببعض حبيث ال يؤدى اىل قطع العالقات بينهم أو أحداث شحناء وعداوة ىف صفوفهم فأانط الشارع املعامالت املالية بشروط وضوابط ،يقول الدكتود نور الدين العرت: "قيدت الشريعة هذه بقيود وشروط تكفل هبا حتقيق مصلحة اجلماعة كما اهنا حتقق مصلحة الفرد ومن هنا وجدان ابالستقراء ان الشرع اشرتط يف مشروعية الكسب أحد أمرين: .1ان يكون الربح مقابل عمل كأجرة االجري ،والعامل ،وحنو ذالك. .2ان الغنم ابلغرم :اعِن ان يكون الربح مقابل حتمل اخلسارة لو حدث أن وقعت خسارة ،كما ىف البيوع ،وانواع من الشركات. ولتحقيق ذلك حرم كل وسيلة من وسائل الكسب ال تستويف أحد هذين الوصفني ،فحرم السرقة، صوره وأشكاله ،مهما كان مقداره ولو قليالً جداً والغصب ،وحرم القمار وامليسر وحرم الراب بشىت ُ (وذروا ما بقي من الراب ان كنتم مؤمنني) .فضالً عن أن الرابمناف لسائر قواعد اقتصاد االسالم. حرم الغش وتوعد عليه كما يف احلديث الصحيح عن اىب هريرة رضى هللا عنه قال :قال رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم :من غشنا فليس منا (أخرجه مسلم). وحرم االحتكار كما اخرج مسلم عن معمر بن عبدهللا عن رسول هللا صلَّى هللا عليه وسلَّم قال( :ال حيتكر اال خاطئ). وحرم بيوع الغرروهي الىت تشتمل على جهالة يف الثمن اوالسلعة او االجل ،لئال يفضي العقد اىل النـزاع بني املتعاقدين ،والشرع يريده رابطاً بينهما ال نزاعاً ،فنهى النِب صلَّى هللا عليه وسلَّم ،عن املخاضرة ،واملنابذة واملالمسة ال شتماهلا على اجلهالة. فاملخاضرة :بيع الزرع قبل ان يبدو صالحه ،النه اليدري ما يبقى منه وما يسقط واذا أصيب آبفة، فبأي شيئ يستحل البائع مال املشرتي. 23 ايل ما معك ،والقي اليك ما معي ويشرتي كل واحد من واملنابذة :ان يقول الشخص لصاحبه :الق َّ اآلخر وال يدري كل واحدكم مع اآلخر. واملالمسة :ان يقول الرجل لآلخر أبيعك ثوىب بثوبك او بشيئ آخر كالدراهم وال ينظر احدِها اىل الثوب ،ولكن يلمسه فيجب البيع. وغري ذلك كثري من عقود الغرر كبيع السمك يف املاء ،والطري يف اهلواء ،حرمها الشرع سدا لذرائع النـزاع بني االخوة املسلمني)47(. .9ومن مقاصد الشريعة املتعلقة ابملال أالَّ يكون حمتكراً أبيد دون ٍ أيد بل يكون دائماً ىف التداول بني يدل عليه ، التاس كما ّ اَّلل َعلَى رسولِِه ِمن أ َْه ِل الْ ُقرى فَلِلَّ ِه ولِ َّلرس ِ ول َولِ ِذي الْ ُق ْرَىب َُ ْ َ ُ قوله تعاىل ىف سورة احلشرَّ " :ما أَفَاء َُّ َ والْيَـتَ َامى والْمساكِ ِ ني ْاألَ ْغنِيَاء ِمن ُك ْم" (احلشر)7 : ني َوابْ ِن َّ السبِ ِيل َك ْي َال يَ ُكو َن ُدولَةً بـَ ْ َ َ َ ََ قال ابن عاشور ىف تفسري هذه اآلية: و(كيال يكون دولة) اخل تعليل ملا اقتضاه الم التمليك من جعله ملكا ألصناف كثرية األفراد ،أى جعلناه مقسوما على هؤالء ألجل أن ال يكون الفيء ُدولةً بني األغنياء من املسلمني ،أي لئال يتداوله األغنياء وال ينال أهل احلاجة نصيب منه. واملقصود من ذالك .إبطال ما كان معتادا يف العرب قبل اإلسالم من استـئـثار قائد اجليش أبمور من عدوه دون قتال ،والنشيطة ،والفضول. املغامن وهي :املرابع ،والصفااي ،وما صاحل عليه ّ قال عبدهللا بن غنمة الضِب خياطب بسطام بن قيس سيد بىن شيبان وقائدهم ىف أايمهم: وحكمك والنشيطة والفصول ُ لك املرابع منها والصفااي فاملرابع :ربُع املغامن الذي ال نظري له فتتعذر قسمته ،كان يستأثر به قائد اجليش ،وأماحكمه فهو ما العدو من املال إذا نزلوا على حكم أمري اجليش. أعطاه َّ 24 عدوهم قبل أن يصلوا إىل موضع القتال. والنشيطة :ما يصيبه اجليش يف طريقه من مال َّ وال ُفضول :ما يبقى بعد قسمة املغامن مما ال يقبل القسمة على رؤوس الغُزاة مثل بع ٍري وفرس. وقد أبطل اإلسالم ذلك كله فجعل الفيء مصروفا إىل ستة مصارف راجعة فوائدها إىل عموم املسلمني لس ّد حاجاهتم العامة واخلاصة ،فإن ما هو هلل وللرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم إمنا جيعله هللا ملا أيمر به رسوله صلَّى هللا عليه وسلَّم وجعل اخلمس من املغامن كذلك لتلك املصارف. وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة ان يكون املال ُدولة بني األمة اإلسالمية على نظام حمكم يف إنتقاله من كل مال مل يسبق عليه ملك ألحد مثل املوات ،والفيء ،واللقطات ،والركاز ،أو كان جزءا معينا مثل :الزكاة ،والكفارات ،وختميس املغامن ،واخلراج ،واملواريث ،وعقود املعامالت الىت بني جانِب مال وعمل مثل :القراض .واملغارسة ،واملساقاة ،ويف األموال الىت يظفر هبا الظافر بدون عمل وسعي مثل: الفيء والركاز ،وما ألقاه البحر ،وقد بينت ذلك يف الكتاب الذى مسيته (مقاصد الشريعة اإلسالمية))48(. ومن املقاصد ايضاً تكثري السيولة املالية حبيث أيخذ طريقاً من أغنياء الناس إىل الفقراء منهم مر ذكره استناداً ًَ إىل آية التوبة ( )34واإلنفاق من وذالك بواسطتني ،حرمة كنز األموال كما ّ العفو من املال ىف ضوء آية البقرة الىت أشري إليها سابقاً، وقد اشتهر ابوذر الغفارى رضى هللا عنه من بني الصحابة بفتواه ىف حرمة اكتـناز املال وضرورة التصدق ابلفوائد من املال حىت أن معاوية رضى هللا عنه جلأ اىل اخلليفة عثمان رضى هللا عنه ملعاجلة املوضوع استقر به املقام ىف الربذة خارج املدينة، فطلبه اىل املدينة إىل أن ّ َّ ِ ِ َّ ب َوالْ ِف َّ ضةَ َوالَ ين يَكْن ُزو َن الذ َه َ وقد أخرج البخارى عن زيد بن وهب قال :كنا ابلشام فقرأت َ " ،والذ َ اب أَلِي ٍم يـوم ُحيمى علَيـها ِيف َان ِر جهنَّم فَـتك ِ ِ ِ اَّللِ فَـب ِّشرُهم بِع َذ ٍ اه ُه ْم َو ُجنوبـُ ُه ْم ْوى هبَا جبَ ُ َْ َ ْ َ َ ْ َ يُنف ُقونـَ َها ِيف َسبِ ِيل ّ َ ْ َ ََ َ ُ َ ورُه ْم َهـ َذا َما َكنَـ ْزُُْت ألَن ُف ِس ُك ْم فَ ُذوقُواْ َما ُكنتُ ْم تَكْنُِزو َن" (التوبة)35-34 : َوظُ ُه ُ 25 قال معاوية :ما هذه فينا ،ما هذه اال ىف اهل الكتاب قال :قلت :إهنا لفينا وفيهم" ولكن ملاذا جلأ ابوذر إىل هذه الفتوى ومل خيف عليه أن املال الذى ّأدى منه الزكاة ليس بكنـز؟ واجلواب حيتاح اىل ٍ شئ من البيان. .1مل تكن الدنيا فتحت على املسلمني ىف السنوات االوىل من احلياه املدنية فكان الفقر غالباً على ٍ شخص سائر يومه املسلمني حىت اهنم كانوا ىف بعض غزواهتم ال جيدون من القوت إالَّ مترًة لكل وبدأت األموال تنهال عليهم من بعد فتح خيـرب سنة ست من اهلجرة مث توالت الفتوحات ىف عهد اىب بكر وعمر رضى هللا عنهما حىت حتقق ما نبّأبه الرسول صلَّى هللا عليه وسلَّم من بسط الدنيا عليهم، .2وصارت األموال هبذه الكثرة ىف عهد اخلليفة عُمر بن اخلطّاب أن جعل منحاً مالية لكل طوائف املسلمني ،كل حسب قدمه ىف االسالم أوقربه من رسول هللا صلّى هللا عليه وسلَّم بدءًا ابألزواج املطهرات واجملاهدين األولني واألنصار إىل من بعدهم من مهاجرة احلبشة وأصحاب غزوة بد ٍر وأوالدهم وذويهم إىل مسلمة الفتح وبلغت هذه املنح من الفى درهم إىل اثىن عشر ألف درهم سنوايً وهى دائرة بني الطوائف املذكورة، شك َّ أن هذا التقسيم لعامة املسلمني ىف الدولة االسالمية وال َّ .3وكانت هناك منح َّ أقل من ذالك ّ لألموال أحدثت نوعاً من الطبقية ىف صفوف املسلمني مما جعل عمر ىف آخر حياته يقول: "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ألخذت من األغنياء فضول أمواهلم فرددهتا على الفقراء"()49 السواد مع معارضة شديدة القاها ىف هذا الصدد من وهذا الذى جعل عُمر ميتـنع عن تقسيم أراضى َّ قبل بعض أصحابه ،وكان رأيهُ موفقاً ساعد على حفظ مصاحل األمة عموماً. 26 وبقى سيَّدان عثمان رضى هللا عنه حيذو حذو عمر ىف تقسيم الصدقات وأموال بيت املال مما ّأدى إىل تقوية الطبقية بني املسلمني وهذا الذى جعل أابذر ينادى بفتواه عن حترمي اكتناز األموال وضرورة التصدق هبا، فإذا مل يكن فتواه على اطالقه بل امنا كان ىف ٍ وقت بلغت فيه الطبقية ذروهتا فأراد أن يقضى عليها قضاءً مربماً، ٍ اضح فهناك زمرة من والخيفى على أحد حالة املسلمني ىف العصر احلاضر حيث يوجد لديهم فارق و ٌ االمة بينما تكافح الكثرة الكاثرة من الطبقة الفقرية واألخرى األغنياء حيتكرون تسعني ابملئة من أموال ّ املتوسطة ألجل الكفاف من العيش بل ألجل س ّدر مقها من اجلوع واحلرمان ،فصار لزاماً ىف مثل هذا احلال على كل دولة مسلمة س ّد حاجات الفقراء من املسلمني ولو ابقتطاع شي ٍئ من الثروات لدى األغنياء من املسلمني وذالك بطريق فرض الضرائب على أمو ٍال زائدة، وىف األخري نورد خالصةً هلذه املقاصد العشرة املتعلقة ابملال. .1حفظ املال من الكليات اخلمس الىت دعت إىل حفظها الشريعة. .2جلب املصاحل ودرء املفاسد يشمل املال كما يشمل العقائد واألعمال. .3حيفظ املال من الضياع عموماً ومن املخاطرة به ىف التجارة، .4املقصود من املال حصول املواساة بني املسلمني. حمبوب ولكن ىف االعطاء ال ىف اجلمع. .5التنافس ىف املال ٌ الراب. .6تنمية املال حيصل بطريق الشكر والزكاة وحمقه أيتى بطريق ّ .7النظرة إىل املال هى نظرة ٍ أمانة النظرة امتالك ٍ حمض. ٍ صالت بني إخوة االسالم حرمت مجيع أنواع املعامالت املشبوهة. .8حىت ال يكون املال أداة قطع .9روعى ىف الشريعة تداول املال بني أكرب عدد ممكن من الناس. 27 .10 روعى ىف األموال الزائدة عن احلاجة جانب التص ّدق هبا إلزالة الفوارق الطبقية بني الناس. الفضل الرابع 28 املبادئ األخالقية للتعامل املاىل نورد ىف هذا الباب كالماً نفيساً ذكره حكيم األمة الشاه وىل هللا الدهلوى ىف كتابه العزيز" حجة هللا يوضحها قوله: البالغة" ضمن مباحث االرتفاق، ّ "اعلم ان االنسان يوافق ابناء جنسه ىف احلاجة اىل األكل والشراب واجلماع واالستظالل من الشمس واملطر واالستدفاء ىف الشتاء وغريها وكان من عناية هللا تعاىل به أن اهلمه كيف يرتفق أبداء هذه احلاجات إهلاماً طبيعياً" مث ّنوعها اىل أربعة ارتفاقات وهى كاآلتى :ونذكر فيها األول والثاىن لتعلقهما ابملوضوع :االول هو الذى ال ميكن أن ينفك عنه أهل االجتماعات القاصرة كأهل البدو وسكان شواهق اجلبال والنواحى البعيدة من االقاليم الصاحلة وهو الذى نسميه ابالرتفاق االول ،والثاىن ماعليه أهل احلضر والقرى العامرة من االقاليم الصاحلة املستوجبة أن ينشأ فيها أهل االخالق الفاضلة واحلكماء فانه كثر هنالك االجتماعات وازدمحت احلاجات وكثرت التجارب فاستنبطت سنن جزيلة وعضوا عليها ابلنواجذ والطرف االعلى من هذا احلد ما يتعامله امللوك أهل الرفاهية الكاملة الذين يرد عليهم حكماء االمم فينتحلون منهم سننا فن املعامالت وهى صاحلة وهو الذى نسيمه ابالرتفاق الثاىن وضمن مباحث االرتفاق الثاىن ،ذكر ّ املقصود ىف هذا الفصل فقال: وهو احلكمة الباحثة عن كيفية اقامة املبادالت واملعاوانت واالكساب على االرتفاق الثاىن واالصل ىف تقر به االعني وتلذ به االنفس ذلك انه ملا ازدمحت احلاجات وطلب االتقان فيها وأن تكون على وجه ً تعذر اقامتها من كل واحد وكان بعضهم وجد طعاما فاضال عن حاجته ومل جيد ماء وبعضهم ماء فاضال ومل جيد طعاما فرغب كل واحد فيما عند اآلخر فلم جيدوا سبيال االاملبادلة فوقعت تلك املبادلة مبوقع من حاجتهم فاصطلحوا ابلضرورة على أن يقبل كل واحد على اقامة حاجة واحدة واتقاهنا والسعى ىف مجيع ادواهتا وجيعلها ذريعة اىل سائر احلوائج بواسطة املبادالت وصارت تلك سنة مسلمة عندهم ،وملا كان 29 كثري من الناس يرغب ىف شيء فال جيد من يعامله ىف تلك احلالة اضطروا اىل تقدمة وهتيئة واندفعوا اىل االصطالح على جواهر معدنية تبقى زماان طويال أن تكون املعاملة هبا أمرا مسلما عندهم وكان االليق من بينها الذهب والفضة لصغر حجمهما ومتاثل افرادِها وعظم نفعهما ىف بدن االنسان ولتأتى التجمل هبما فكان نقدين ابلطبع وكان غريِها نقدا ابالصطالح* وأصول املكاسب الزرع والرعى والتقاط االموال املباحة من الرب والبحر من املعدن والنبات واحليوان والصناعات من جنارة وحدادة وحياكة وغريها مما هو من جعل اجلواهر الطبـيعية حبيث يتأتى منها االرتفاق املطلوب مث صارت التجارة كسبا مث صار القيام مبصاحل املدينة كسبا مث صار االقبال على كل ما حيتاج الناس اليه كسبا وكلما رقت النفوس وأمعنت ىف حب اللذة والرفاهية تفرعت حواشى املكاسب واختص كل رجل بكسب ألحد شيئني مناسبة القوى ،فالرجل الشجاع يناسب الغزو ،والكيس احلافظ يناسب احلساب ،وقوى البطش يناسب محل االثقال وشاق االعمال واتفاقات توجد فولد احلداد وجاره يتيسر له من صناعة احلدادة ماال يتيسر له من غريها وال لغريه منها وقاطن ساحل البجر يتأتى منه صيد احليتان دون غريه وبقيت نفوس أعيت هبم املذاهب الصاحلة فاحندروا إىل اكساب ضارة ابملدينة كالسرقة والقمار والتكدى واملبادلة إما عني بعني وهو البيع أو عني مبنفعة وهى االجارة وملا كان انتظام املدينة ال يتم اال ابنشاء ألفة وحمبة بينهم وكانت االلفة كثريا ما تفضى اىل بذل احملتاج اليه بال بدل أو تتوقف عليه انشعبت اهلبة والعارية وال تتم أيضا اال مبواساة الفقراء انشعبت الصدقه وأوجبت املعدات أن يكون منهم االخرق والكاىف واململق واملثرى واملستنكف من االعمال اخلسيسة وغري املستنكف والذى أزدمحت عليه احلاجات واملتفرع فكان معاش كل واحد ال يتم االمبعاونة آخر وال معاونه اال بعقد وشروط واصطالح على سنة فانشعبت املزارعة واملضاربة واالجارة والشركة والتوكيل ووقعت حاجات تسوق اىل مداينة ووديعة وجربوا اخليانة واجلحود واملطل فاضطروا إىل اشهاد وكتابة واثئق ورهن وكفالة وحوالة وكلما ترفهت 30 النفوس انشعبت أنواع املعاوانت ولن جتد أمة من الناس اال ويباشرون هذه املعامالت ويعرفون العدل من الظلم وهللا اعلم* ()50 ونستخلص النقاط اآلتية من الكالم املذكور: .1حاجة الناس إىل التبادل ىف املال واملنفعة .2إقرار الذهب والفضة معدينن صاحلني لغرض التبادل .3تفصيل اصول املكاسب وما تفرع منها من مكاسب فرعية حبيث خيتص كل شخص مبا يناسبه من كسب وعمل. .4الخيلو احلال من أشخاص تقصرهبم اهلمة فيلجئون إىل مكاسب ضارة ابملدينة واألخالق والقيم .5اهلبة والعارية والصدقة مبناها على األلفة واحملبة بني أفراد اجملتمع .6التعاون فيما بني الناس يستلزم توقيع العقود وإشرتاط شروط ىف البيوع واملعامالت، .7الناس ىف التعامل بينهم حمتاجون إىل مداينة ووديعة، .8جتنباً للخيانة واحلجود اضطروا إىل كتابة العقود وإشهاد الشهود اىل غري ذالك من أمور التوثق، تكمل ما ذكره سابقاً فقال: وذكرالدهلوى ىف ابب ابتغاء الرزق أموراً قد ّ (إعلم) أن هللا تعاىل ملا خلق اخللق وجعل معايشهم ىف األرض واابح هلم االنتفاع مبا فيها وقعت بينهم املشاحنة واملشاجرة فكان حكم هللا عند ذلك حترمي أن يزاحم االنسان صاحبه فيما اختص به لسبق يده اليه أويد مورثه أولوجه من الوجوه املعتربة عندهم إال مببادلة أوتراض معتمد على علم من غري تدليس وركوب غرر ،وأيضاً ملا كان الناس مدنيني ابلطبع التستقيم معايشهم إال بتعاون بينهم نزل القضاء ابجياب التعاون وأن الخيلو أحد منهم مما له دخل ىف التمدن إال عند حاجة ال جيد منها بداُ ًً ،وأيضاً فأصل التسبب حيازة األموال املباحة أو استنماء ما اختص به مبا يستمد من األموال املباحة كالتناسل ابلرعى ،والزراعة ابصالح األرض وسقى املاء ،ويشرتط ىف ذالك أن ال يضيق بعضهم على بعض يفضى 31 إىل فساد التمدن ،مث االستنماء ىف أموال الناس مبعونة ىف املعاش يتعذر أويتعسر استقامة حال املدينة بدوهنا كالذى جيلب التجارة من بلد ويعتىن حبفظ اجللب إىل أجل معلوم أويسمسر بسعى وعمل ، ويصلح مال الناس ابجياد صفة مرضية فيه وأمثال ذلك ،فان كان االستنماء فيها مبا ليس له دخل ىف التعاون كامليسر أومباهو تراض يشبه االقتضاب كالراب ،فان املفلس يضطر إىل التزام ماال يقدر على إيفائه وسحت وليس رضاه رضاً ىف احلقيقة فليس من العقود املرضية وال األسباب الصاحلة وإمنا هو ابطل ٌ ()51 وهنا نورد هذه النقاط اآلتية الىت استخلصها صاحب كتاب (النظام االقتصادى ىف االسالم) من كالم الدهلوى: .1مع وجود التفاوت ىف املعيشة بني الناس ،ان اخللق بعضهم متسا ٍو لبعضهم ىف حق االستفادة من يتعني امللكية إبحراز مصادر املعيشة حيث جعل هللا األرض وحماصيلها مباحاً اصالً للجميع وامنا َّ شرعى للمحروز، ب ضيقاً لآلخرين. التصرف ىف األموال املباحة له حبيث ال يُسبّ ُ .2جيوز لكل فرد ّ .3الب ّد من التعاون واملشاركة ىف العمل. .4ينبغى أن يكون هذا التعاون على أسس صاحلة صحيحة حبيث ال يؤدى إىل إخالل ابملدنية أى يكون القصد منه مناصرة اآلخر ال مضرتّه. .5وهذا اليتأتى إالَّ إبجياد ٍ نظام اقتصادى صاحل يهدف اىل حتقيق مرضاة هللا تعاىل وحكمه. .6فلذلك حيرم ىف مثل هذا النظام مجيع تلك املعامالت الىت ال تقوم على التعاون بل يؤدى إىل حصول منفعة لشخص على حساب اآلخرين سواءً كان بطرق تع ّد بشعةً عاد ًة مثل القمار أو تعترب مقبولة ىف بعض اجملتمعات مثل اليا نصيب والبيوع القائمة على املخاطرة. 32 .7وحيرم فيه تلك املعامالت الىت يبدو فيها الرتاضى والتعاون ظاهراً غري أهنا هتدف إىل ابتزاز اموال الناس مثل املعامالت الربوية واملعامالت من اجارة أو ره ٍن يتم ّكن فيه اآلجر من إمالء شروط يضطر إىل قبوهلا من أجل حاجته وضرورته. قاسية غري عادلة على املستأجر الذى ّ .8وهذه املعامالت-وإن كانت قائمةً على الرتاضى ظاهراً-غري أهنا ابطل غري جائز ىف حكم هللا، فإهنا ال تساعد على تطوير اجملتمع وفالحه بل تؤدى إىل إحداث طبقة حمتكرة لألموال مستبدةٍ عامة اخللق)52( . هبا على حساب ّ املـراجـع واملـصـادر .1ابن املنظور :لسان العرب 4300 :6ط :دار املعارف. 33 .2سـابقاً. .3الشامى :رد احملتار 3:4 .4ايضاً 51 :5نقالً عن الدرر شرح الغرر .5ابن جنيم :البحر الرائق 277 :5 .6الكاساىن :بدائع الصنائع 3006 :6 .7الزيلعى :اهلداية 28 :2 .8ابن جنيم :البحر الرائق 156 :3 .9الشاطىب :املوافقات 17 :2 .10 اجلزائرى :الفقه على املذاهب األربعة 106 :4 .11 السيوطى :األشباه والنظائر ،ص 258 .12 الباجورى :حاشية على شرح الغزى 340 :2 .13 الغاية القصوى455 :1 ، .14 ابن قدامة :املغىن 439 :5 .15 البهوتى :شرح املنتهي على هامش كشاف القناع عن منت االقتاع4 :2 ، .16 ابن تيمية :الفتاوى346 :20 ، .17 نشر العرف ىف بناء بعض االحكام على العرف .18 القراىف :الفروق 371 :3 .19 ابن عاشور 189-187 :1 .20 ابن عاشور 332 :7 .21 ابن كثيـر :التفسيـر 364 :4 34 .22 ابن عاشور :التحرير والتنوير190 :3 ، .23 مسلم :الصحيح ،277 :4حديث رقم 2964 .24 مسلم:الصحيح :كتاب الزكاة -رقم -1686ابب كسب الصدقة وتربيـتها .25 ابن عاشور :مقاصد الشريعة االسالمية ،ص 78-77 .26 البخارى :الصحيح ،كتاب املناقب ،ابب مناقب املهاجرين .27 على املتقى :كنـز العمال -316 :6الرتمذى :السنن ،كتاب املناقب ،رقم 3594 .28 البخارى مع الفتح ،1295 :3صحيح مسلم 1628 .29 رواه الدارقطىن ورجاله ثقات .30 مسلم :الصحيح ،كتاب اللقطة ،ابب الضيافة .31 البخارى :الصحيح ،كتاب الوصااي .32 البخارى :الصحيح ،كتاب الرقاق .33 البخارى :الصحيح ،كتاب اجلنائز ،رقم 1258 .34 الرتمذى :اجلامع ،كتاب الزهد ،رقم 2258 .35 خبارى :الصحيح ،كتاب الرقاق .36 مسلم :الصحيح ،كتاب الفضائل .37 ابن القيم :الطرق احلكمية ،ص 350 .38 رفعت العوضى :من التـراث االقتصاد للمسلني ص 245 .39 ابن القيم :الطرق احلكمية :ص 361 .40 ترمذى ،نسائى ،ابو داؤد البخارى :كتاب املزارعة-ابب من أحيا ارضاً موااتً. .41 خبارى :الصحيح ،كتاب املزارعة 35 .42 البيهقى :السنن ،وعن ابن عباس موقوفاً وعن طاؤوس مرسالً .43 مسلم :الصحيح ،كتاب املساقاة ،رقم 2905 .44 متفق عليه .45 متفق عليه .46 رواه ابو داؤد واسناده حسن .47 رواه ابو داؤد واسناده حسن .48 البخارى :كتاب التفسري .49 سيد قطب :العدالة االجتماعية ىف االسالم :الطبعة األردية 478 .50 حجة هللا البالغه 38 :1 .51 شاه وىل هللا الدهلوى :حجة هللا البالغ ،ص 103 .52 انظر حممد حفظ الرمحن :النظام االقتصادى ىف االسالم" ابألردية89-58 ، 36
© Copyright 2026 Paperzz