تحميل الملف المرفق

‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫‪1‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫هل تفكرت يوماً في حقيقة وجودك‪ ،‬كيف حملتك أمك ثم ولدتك‪ ،‬فجئت الى‬
‫هذا العالم ولم تكن من قبل شيئاً؟‬
‫هل تأملت يوماً كيف تنبت تلك األزهار المزروعة في أحواض غرفة الجلوس‬
‫وشذى عطر؟‬
‫من قلب تراب أسود فاحم موحل بألوان زاهية‬
‫ً‬
‫هل شغلك انزعاجك من طيران البعوض حولك عن التفكر كيف انها تحرك‬
‫أجنحتها بسرعة فائقة تجعلك غير قادر على رؤيتها؟‬
‫تفكرت يوماً بأن قشور الفاكهة المهملة هي في حقيقتها أغلفة حافظة‬
‫هل ّ‬
‫عالية الجودة‪ ،‬وبأن هذه الفاكهة ‪ -‬كالموز والبطيخ والبرتقال مثلً‪ -‬موضبة‬
‫في داخلها بطريقة تحفظ طعمها وشذاها؟‬
‫تدبرت يوماً كيف يمضي العمر حثيثاً‪ ،‬فتذكرت أنك سوف تشيخ وتصبح‬
‫هل ّ‬
‫ضعيفاً وتفقد جمالك وصحتك وقوتك؟‬
‫هل فكرت في ذلك اليوم الذي سوف يرسل هللا فيه ملئكة الموت لترحل معهم‬
‫عن هذا العالم؟‬
‫هل تساءلت يوماً لماذا يتعلق الناس بدنيا فانية فيما هم بحاجة ماسة الى‬
‫المجاهدة من أجل الفوز باآلخرة؟‬
‫‪2‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ان االنسان هو المخلوق الذي أنعم هللا عليه بملكة التفكير‪ ،‬ومع ذلك فإن‬
‫معظم الناس ال يستخدمون هذه الملكة المهمة كما يجب‪ ،‬حتى أن بعض‬
‫الناس يكاد ال يتفكر أبداً‪!..‬‬
‫في الحقيقة كل انسان يمتلك قدرة على التفكر هو نفسه ليس على دراية‬
‫بمداها‪ ،‬وما ان يبدأ االنسان باستكشاف قدرته هذه واستخدامها‪ ،‬حتى يتبدى‬
‫له الكثير من الحقائق التي لم يستطع أن يسبر أغوارها من قبل‪ .‬وهذا األمر‬
‫في متناول أي شخص‪ ،‬وكلما استغرق االنسان في تأمل الحقائق‪ ،‬كلما‬
‫تعززت قدرته على التفكر‪ .‬وال يحتاج االنسان في حياته سوى هذا التفكر‬
‫الملي والمجاهدة الدؤوبة من بعده‪..‬‬
‫إن الهدف من هذا الكتاب هو دعوة الناس الى "التفكير كما ينبغي"‪ ،‬وابراز‬
‫كلياً‬
‫الوسائل التي تساعدهم على ذلك‪ .‬فاالنسان الذي ال يتفكر يبقى بعيداً ّ‬
‫عن إدراك الحقائق ويعيش حيا ًة قوامها اإلثم وخداع الذات‪ ،‬وبالتالي فإنه لن‬
‫يتوصل الى مراد هللا من خلق الكون‪ ،‬ولن يدرك سبب وجوده على األرض‪..‬‬
‫فاهلل سبحانه وتعالى خلق كل شيء لسبب‪ ،‬وهذه حقيقة ذكرها عز وجل في‬
‫القرآن الكريم بقوله‪? :‬وما خلقنا السماوات واألرض وما بينهما العبين‪ .‬ما‬
‫خلقناهما اال بالحق ولكن أكثرهم ال يعلمون? الدخان‪.[39-38] :‬‬
‫وقوله‪?:‬أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم الينا ال ترجعون?] المؤمنون‪:‬‬
‫‪[115‬‬
‫اذاً على كل انسان أن يتفكر في الغاية من خلقه ألن ذلك له علقة مباشرة‬
‫به أوالً‪ ،‬وبكل ما يراه حوله في الكون وكل ما يعرض له في حياته تالياً‪ .‬ان‬
‫‪3‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫االنسان الذي ال يتفكر‪ ،‬ال يدرك الحقائق اال بعد الموت حين يقف بين يدي‬
‫ربه ليلقى حسابه‪ ،‬وحينها يكون األوان قد فات‪ .‬وهللا تعالى يذكر في محكم‬
‫كتابه إن كل الناس سوف يتفكرون عندما يعاينون الحقيقة في يوم الحساب‬
‫?وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر اإلنسان وأّنى له الذكرى يقول يا ليتني‬
‫قدمت لحياتي? ]الفجر[ ‪: 23-24‬‬
‫جل وعل الفرصة للتفكر واستخلص العبر ورؤية الحقائق في‬
‫لقد أعطانا هللا ّ‬
‫هذه الحياة الدنيا لنفوز فو اًز عظيماً في اآلخرة‪ ،‬فأنزل الكتب السماوية‪،‬‬
‫وأرسل الرسل داعياً الناس عبرهم للتفكر في أنفسهم وفي خلق الكون من‬
‫حولهم‪?.‬أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق هللا السماوات واألرض وما بينهما‬
‫إال بالحق وأجل مسمى‪ ،‬وان كثي اًر من الناس بلقاء ربهم لكافرون? الروم‪8:‬‬
‫الفصل األول‬
‫معظم الناس يظن أن "التفكر العميق" يقتضي من االنسان أن يعتزل‬
‫المجتمع ويقطع علقاته بالناس ثم ينسحب الى غرفة خالية ويضع رأسه‬
‫بين يديه و‪ ...‬إنهم يصنعون من التفكر العميق قضية صعبة جداً‪ ،‬تجعلهم‬
‫يخلصون الى القول بأن األمر سمة خاصة بالفلسفة فقط‪ ..‬مع أن القضية‬
‫أبسط من ذلك بكثير‪ ،‬فكما ذكرنا في المقدمة فإن هللا تعالى يدعو جميع‬
‫عباده ليتفكروا ويتدبروا خاصة في آيات القرآن الكريم الذي أنزله هللا لهذا‬
‫ليدبروا آياته وليتذكر‬
‫الغرض‪ .‬يقول جل وعل‪ ?:‬كتاب أنزلناه اليك مبارك ّ‬
‫تدبرهم‬
‫أولوا األلباب? ]ص‪ ،[ 29:‬ويمتدح هللا تعالى عباده الذين يقودهم ّ‬
‫‪4‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وتفكرهم الى إدراك الحقيقة وبالتالي الى مخافته سبحانه‪ .‬فالمهم في األمر‬
‫ّ‬
‫كله اذاً أن يستطيع االنسان تطوير ملكة التفكر عنده وتعميقها أكثر فأكثر‪.‬‬
‫ان االنسان الذي ال يبذل جهده في التفكر والتدبر والتذكر يعيش في حالة‬
‫دائمة من الغفلة‪ ،‬وحالة الغفلة التي يعيشها أولئك الذين ال يتفكرون‪ ،‬بما‬
‫توحيه كلمة الغفلة من التجاهل مع عدم النسيان واالنغماس في الشهوات‬
‫والوقوع في االثم واالستخفاف واالهمال‪ ،‬هي نتيجة من نتائج تجاهلهم‬
‫وتناسيهم للغاية من خلقهم ولكل الحقائق التي يعلمهم اياها الدين‪ ،‬وهذا‬
‫األمر عظيم وخطير ومؤداه في النهاية الى نار جهنم؛ لذلك حذرنا القرآن‬
‫الكريم أن نكون من الغافلين‪ ،‬فقال تعالى‪?:‬واذكر ربك في نفسك تضرعاً‬
‫وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو واآلصال وال تكن من الغافلين?]‬
‫األعراف‪[ 205:‬وقال‪?:‬وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي األمر وهم في غفلة وهم‬
‫ال يؤمنون? ]مريم‪[.39:‬‬
‫ويبين هللا تعالى زيغ الذين يتبعون ما ألفوا عليه آباءهم اتباعاً أعمى دون‬
‫أن يفكروا بما يحمله التقليد من ضلل‪ ،‬ولو نوقشوا في أمرهم ألجابوا فو اًر‬
‫بأنهم مؤمنون باهلل ملتزمون بتعاليمه‪ ،‬لكن بما انهم لم يعقلوا فيتفكروا‬
‫يؤد بهم الى الصلح وبالتالي الى‬
‫ويتدبروا وي ّتعظوا فإن ايمانهم هذا لم ّ‬
‫مخافة هللا الحقة‪.‬ان عقلية هؤالء البشر تظهر بوضوح من خلل اآليات‬
‫التالية‪?:‬قل لمن األرض ومن فيها ان كنتم تعلمون‪ .‬سيقولون هلل قل أفل‬
‫تذكرون‪ .‬قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم‪ .‬سيقولون هلل قل‬
‫‪5‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫أفل تتقون ‪ .‬قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير وال يجار عليه ان كنتم‬
‫تعلمون‪ .‬سيقولون هلل قل فأّنى تسحرون? ]المؤمنون [‪: 84-90‬‬
‫في اآليات السابقة يسائل هللا تعالى الناس?قل فأّنى تسحرون? تسحرون‬
‫في اآلية الكريمة تعني حالة من الجمود العقلي تسيطر بشكل كامل على‬
‫بعض الناس‪ ،‬فيغشى بصر من يصاب بها ويتصرف وكأنه ال يرى الحقائق‬
‫أمام عينيه‪ ،‬وتضعف قدرته على التمييز والحكم على األمور‪ ،‬ويصبح عير‬
‫قادر على ادراك الحقائق المبسطة‪ ،‬كما يغفل عن ما يدور حوله من أمور‬
‫غير اعتيادية وتخفى عنه دقائق األحداث‪ .‬هذا الجمود العقلي هو الذي أدى‬
‫الى أن يعيش البشر منذ آالف السنين حياة الغفلة بعيدين كلياً عن التفكر‬
‫والتدبر واالعتبار‪ .‬ويمكن لهذا المثال الذي سنذكره اآلن أن يوضح لنا تأثير‬
‫هذا السحر الذي حل بشكل جماعي على األمم‪:‬‬
‫كلنا يعرف أن هناك طبقة أرضية تسمى "الصهارة" تحتوي مواد مذابة على‬
‫درجة عالية جداً من الغليان تكمن مباشرة تحت القشرة األرضية؛ وبما أن‬
‫القشرة األرضية رقيقة جداً ويمكن مقارنة سماكتها بالنسبة الى الكرة األرضية‬
‫ككل بسماكة قشرة التفاحة بالنسبة الى التفاحة كلها‪ ،‬فإننا قريبون جداً من‬
‫االنفجار الذي قد يحدث لهذه الطبقة‪ ،‬فهو تقريباً تحت أقدامنا‪ ،‬ومع ذلك‬
‫فمعظم الناس ال يتدبرون هذا األمر‪ ،‬تماماً كما ان أهلهم واخوانهم وأقاربهم‬
‫وأصدقاءهم‪ ،‬وجميع وسائل االعلم ومنتجي البرامج التلفزيونية‪ ،‬وأساتذة‬
‫الجامعات‪ ،‬ال يتنبهون الى هذا األمر‪ .‬ولكن لو افترضنا أن شخصاً مصاباً‬
‫بفقدان الذاكرة الكلي‪ ،‬يحاول إعادة بناء ذاكرته واالستعلم عن محيطه عبر‬
‫‪6‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫طرح االسئلة على الناس من حوله‪ ،‬فمن المفترض أن أول سؤال سوف‬
‫يتبادر الى ذهنه‪ ،‬أين أنا؟ ماذا لو قيل له انه يقف على عالم من النار‬
‫الملتهبة‪ ،‬وأن هذا اللهب يمكن أن يتفجر على سطح األرض فيما لو حدثت‬
‫أية هزة أرضية أو ثورة بركانية‪.‬‬
‫ولو افترضنا أن نفس الشخص أخبر بأن هذا العالم الذي يعيش فيه مجرد‬
‫كوكب يسبح في فجوة مظلمة مترامية األطراف تسمى الفضاء‪ ،‬وهذا الفضاء‬
‫يختزن هو اآلخر طبقة ملتهبة أعظم خط اًر من تلك الكامنة تحت سطح‬
‫األرض‪ ،‬تتحرك فيها ‪-‬على سبيل المثال‪ -‬آالف األطنان من النيازك الحارقة‬
‫بحرية تامة وليس هناك ما يمنعها أن تحيد عن مسارها وتصطدم باألرض‪،‬‬
‫بتأثير جاذبي من كوكب آخر‪ -‬مثلً‪ -‬أو ألي سبب آخر‪.‬‬
‫إزاء كل هذه الحقائق لن يستطيع هذا الشخص أن ينسى خطورة الوضع‬
‫الذي يعيش فيه‪ ،‬ولسوف يبدأ بالتساؤل‪ :‬كيف يمكن للناس أن يعيشوا في‬
‫ويعضواعليه‬
‫هذا المحيط‪ ،‬مع كل ما يكتنفه من مخاطر‪ ،‬ويتمسكوا به‬
‫ّ‬
‫حيزه‬
‫بالنواجذ؟! لكنه سوف يدرك فيما بعد ان هناك نظاماً متكاملً قد أخذ ّ‬
‫من الوجود‪ .‬فرغم الخطر الكامن داخل الكوكب الذي يعيش فيه‪ ،‬هناك توازن‬
‫دقيق يمنع هذا الخطر من إلحاق الضرر بالناس‪ ،‬إال في ظروف استثنائية‪،‬‬
‫وهذا االدراك سيجعله يفهم أن االرض ومن عليها من مخلوقات انما تستمد‬
‫وجودها وتعيش بأمان بإرادة هللا تعالى وحده الذي أوجد هذا النظام المتكامل‬
‫للحياة‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫هذا واحد من مليين‪ ،‬بل بليين‪ ،‬االمثلة التي يجب أن يتفكر فيها البشر‪.‬‬
‫ولعل إعطاء مثال آخر يساعدنا على أن ندرك كم تؤثر الغفلة على قدرة‬
‫الناس على التفكر وتحد من قدراتهم العقلية‪.‬‬
‫يعلم الناس أن الحياة الدنيا فانية وأن العمر يمضي حثيثاُ ومع ذلك فإنهم‬
‫يتصرفون وكأنهم لن يبارحوا هذا العالم وأنهم مخلدون‪ .‬وهذا في الحقيقة نوع‬
‫من السحر تعاقبت على حمله األجيال‪ ،‬وله تأثير بالغ عليهم لدرجة أنه‬
‫عندما يتحدث شخص ما عن الموت فإن الناس يقفلون الموضوع مباشرة‬
‫ألنهم يخافون أن يبطل هذا الحديث السحر عنهم ويضعهم في مواجهة‬
‫الحقائق‪.‬‬
‫أولئك الناس الذين بددوا حياتهم كلها في شراء سيارة ومنزل جميل وآخر‬
‫لقضاء العطلة الصيفية والبحث عن مدارس ذات مستوى ليرسلوا أبناءهم‬
‫اليها‪ ،‬تناسوا أنهم سوف يموتون في يوم من األيام ويخّلفوا وراءهم البيوت‬
‫والسيارات واألوالد‪ ،‬وتركوا التفكير بما يجب أن يقدموا للحياة الحقيقية بعد‬
‫الموت‪ .‬ان الموت قادم ال محالة‪ ،‬وكل الناس سوف يموتون حتماً عاجلً أم‬
‫آجل ‪ ،‬واحداً تلو اآلخر‪ ،‬سواء صدقوا ذلك أم ال‪ ،‬وبعد ذلك تبدأ الحياة‬
‫األبدية لكل منا‪ ،‬إما الى الجنة أو الى النار‪ ،‬فاألمر يعتمد على ما أسلف‬
‫االنسان في هذه الحياة القصيرة‪ .‬ومع أن هذه الحقائق واضحة كعين‬
‫الشمس‪ ،‬فإن السبب الوحيد الذي يجعل الناس يتعاملون مع الموت وكأنه‬
‫غير موجود‪ ،‬هو ذلك السحر الذي سيطر عليهم ألنهم أعرضوا عن التفكر‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ان الذين ال يؤدي بهم التفكر الى إنقاذ أنفسهم من هذا السحر وبالتالي من‬
‫حياة الغفلة سوف يفهمون الحقائق عندما يرونها رأي العين بعد الموت‪ ،‬قال‬
‫تعالى‪ ?:‬لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم‬
‫حديد? ]ق‪[ 22:‬‬
‫فكما يقول هللا تعالى في اآلية الكريمة فإن البصر الذي تكتنفه الغشاوة في‬
‫الحياة الدنيا بسبب عدم التفكر‪ ،‬ولكنه سيكون حاداً عندما يحاسب االنسان‬
‫في اآلخرة بعد الموت‪.‬‬
‫وجدير بالذكر في هذا المقام أن الناس هم الذين يفرضون على أنفسهم هذا‬
‫النوع من السحر بملء إرادتهم ألنهم يظنون انهم بهذه الطريقة سوف‬
‫يعيشون حياة رغد واسترخاء‪ .‬لكن من السهل جداً اتخاذ ق اررالتخلص من‬
‫الجمود العقلي وعيش الحياة بوعي وادراك‪ ،‬فلقد قدم هللا تعالى الحلول‬
‫للناس‪ ،‬فالذين يتفكرون يستطيعون بكل سهولة أن يبطلوا عن أنفسهم هذا‬
‫السحر فيما هم على قيد الحياة‪ ،‬ويفهموا كل ما يدور حولهم من األحداث‬
‫والغاية منها ودقائق معانيها‪ ،‬والحكمة مما يقضيه هللا من أمور في كل‬
‫لحظة‪.‬‬
‫ان التفكر والتدبر ال يستدعيان مكاناً أو زماناً أو شروطاً محددة‪ ،‬فاانسان‬
‫يمكن أن يتفكر ويتدبر خلل المشي في الشارع‪ ،‬عند توجهه الى مكتبه‪،‬‬
‫خلل قيادته لسيارته‪ ،‬أو خلل عمله أمام شاشة الكومبيوتر‪ ،‬أو خلل‬
‫‪9‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫جلسات السمر مع أصدقائه‪ ،‬وربما خلل مشاهدة التلفزيون أو حتى خلل‬
‫تناول الطعام‪.‬‬
‫فخلل قيادة السيارة مثلً يمكن يمكن رؤية مئات األشخاص في الشوارع‪،‬‬
‫وعندما ينظر االنسان الى هؤالء األشخاص يمكنه أن يتفكر في أمور شتى‪،‬‬
‫فلربما انصرف ذهنه الى االختلف الكامل في المظهر بين هؤالء الناس‪،‬‬
‫فليس هناك واحد منهم يشبه اآلخر! كم هو مذهل هذا االختلف في المظهر‬
‫بين الناس الذين لديهم نفس األعضاء من العيون الى الحواجب الى‬
‫الرموش واألكف واأليادي واألرجل واألفواه واألنوف‪ ..‬ولو استغرق االنسان‬
‫في التفكير أكثر لتذكر أن هللا قد خلق االلوف من البشر عبر بليين السنين‬
‫وكل واحد منهم مختلف عن اآلخر‪ ،‬وما ذلك اال دليل على عظمة الخالق‬
‫سبحانه وتعالى‪ .‬والذي يراقب كل هؤالء الناس يح ّثون الخطى؛ تتجاذبه أفكار‬
‫شتى‪ ،‬فللوهلة األولى يبدو أن كل واحد من هؤالء هو نسيج وحده‪ ،‬له عالمه‬
‫الخاص وأمنياته ومشاريعه وذوقه وأسلوبه في العيش‪ ،‬وأمور تفرحه وأخرى‬
‫تحزنه ‪..‬ولكن هذه الخلفات بين البشر ليست أساسية‪ ،‬فبشكل عام كل‬
‫جداً أو‬
‫انسان يولد ويكبر ويتعلم ثم يتزوج وينجب األوالد ويزوجهم فيصبح ّ‬
‫جدة ثم يتوفى في النهاية‪ ..‬من هذه الناحية ليس هناك اختلف كبيرفي حياة‬
‫الناس‪ ،‬سواء كانوا يعيشون في حي في استانبول أو في مدينة في‬
‫المكسيك‪ ،‬فإن ذلك لن يغير شيئاً ‪ ،‬فكل هؤالء الناس سوف يموتون وربما‬
‫بعد قرن من الزمان لن يبقى منهم أحد على قيد الحياة‪ .‬ومن يدرك هذه‬
‫الحقائق ال بد أن يسأل نفسه‪ :‬بما أننا في يوم من األيام سوف نموت جميعاً‬
‫‪10‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫لماذا يتصرف الناس وكأننا لن نبارح هذا العالم؟ ولماذا يتصرف من أدرك‬
‫حتمية موته وكأن هذه الحياة الدنيا لن تنتهي في حين يجدر به أن يجاهد‬
‫من أجل الفوز باآلخرة؟ !‬
‫وفي حين أن غالبية الناس ال تتفكر بهذه األمور فإن من توصل الى التفكر‬
‫بها سيخلص الى نتائج حاسمة‪ .‬فلو سئل معظم الناس بشكل مفاجىء‪:‬‬
‫بماذا تفكرون في هذه اللحظة؟ سوف يظهر بوضوح انهم يفكرون بأمور‬
‫ليست ذات بال وال تعود عليهم بالنفع‪ .‬وعلى كل حال‪ ،‬فإن كل انسان يمكن‬
‫أن يتفكر بحكمة في أمور مهمة وذات قيمة ومعنى ويتدبرها ويخلص الى‬
‫نتائج من وراء ذلك‪ .‬ويعلمنا القرآن الكريم أن من صفات المؤمنين أنهم‬
‫يتفكرون ويتدبرون ليخلصوا الى النتائج التي تعود بالنفع عليهم‪?.‬إن في‬
‫خلق السموات واألرض واختلف الليل والنهار آليات ألولي األلباب‪ ،‬الذي‬
‫يذكرون هللا قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات واألرض‬
‫ربنا م اخلقت هذا باطلً سبحانك فقنا عذاب النار? آل عمران‪191-190 :‬‬
‫مكنهم من رؤية جانب‬
‫فكما تخبرنا اآليتان الكريمتان فإن تفكر المؤمنين ّ‬
‫اإلعجاز في الخلق وتمجيد حكمة هللا وعلمه وقدرته‪.‬‬
‫من أجل أن يعود التفكر بالنفع على االنسان ويهديه الى جادة الحق‪ ،‬يجب‬
‫عليه أن يفكر دائماً بطريقة إيجابية‪ .‬هناك فرق كبير بين من ينظر الى‬
‫شخص حباه هللا بحسن الهيئة من منظار عقدة النقص الناشئة عن عدم‬
‫التكافؤ في المظهر الخارجي بينهما‪ ،‬فيشعر بالغيرة ويؤدي به تفكره الى ما‬
‫ال يرضي هللا‪ ،‬وبين من يسعى الى مرضاة هللا فينظر الى هذا الشخص على‬
‫‪11‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫أنه جمال من خلق هللا‪ ،‬ويعتبر حسن هيئته برهاناً على كمال هللا في خلقه‪،‬‬
‫فيشعر بسعادة غامرة ويدعو هللا أن يزيد هذا االنسان جماالً في اآلخرة‪ ،‬كما‬
‫يدعو لنفسه أن يرزقه هللا الجمال األبدي في دار الخلود‪ ،‬ويفهم أن االنسان‬
‫ال يمكن أن يكون كاملً في الحياة الدنيا‪ ،‬ألن حياتنا هذه خلقت غير كاملة‬
‫كجزء من ابتلئنا فيها‪ ،‬وبذلك كله يزيد توقه وتطلعه الى الفوز بالجنة‪ .‬وهذا‬
‫كله مثال واحد على اإلخلص في التفكر‪ ،‬ولسوف يعرض لإلنسان الكثير من‬
‫األمثلة المشابهة في حياته‪ ،‬خاصة وأنه في امتحان دائم ليرى ان كان‬
‫سيسلك سلوكاً حسناً ويفكر بأسلوب يرضي هللا‪.‬‬
‫إن نجاح االنسان في امتحان التفكر‪ ،‬وكون التفكر سيعود عليه بالنفع في‬
‫اآلخرة يعتمد على التدبر واالعتبار من الدروس والتحذيرات التي يستخلصها‬
‫أثناء تفكره‪ ،‬ولذلك فإن من الضرورة بمكان أن يتفكر االنسان بصدق دائماً‪.‬‬
‫وينزل من السماء رزقاً وما يتذكر إال من‬
‫قال تعالى‪?:‬هو الذي يريكم آياته ّ‬
‫ينيب? ]غافر‪[. 13:‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫يطورون قدرتهم على التفكر‪،‬‬
‫ذكرنا سابقاً أن الناس ال ّ‬
‫يتفكرون وال ّ‬
‫وباإلضافة الى ذلك يجب توضيح نقطة هامة ‪.‬بالطبع هناك أسياء كثيرة‬
‫تخطر على بال االنسان في كل لحظة من لحظات حياته‪ ،‬فبالكاد تمر دقيقة‬
‫يكون عقل االنسان فبها خالياً‪ ،‬باستثناء ساعات النوم‪ .‬لكن معظم هذه‬
‫‪12‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫األفكار عديم الفائدة وال طائل تحته وغير ضروري؛ فهي ال تنفع في اآلخرة‬
‫وال تؤدي الى أي مكان وال تقدم أية منفعة ‪.‬‬
‫سجله ليراجعه في‬
‫فإذا حاول االنسان أن يتذكر بماذا فكر خلل النهار ثم ّ‬
‫آخر النهار سيدرك كم أن معظم أفكاره ال جدوى لها‪ ،‬وحتى لو وجد بعضها‬
‫نافعاً فمن األرجح أن يكون مخطئاً في تقديره‪ .‬فبشكل عام األفكار التي تبدو‬
‫صحيحة قد ال يكون لها أي نفع في اآلخرة‪.‬‬
‫يضيع الناس أوقاتهم في حياتهم اليومية بمعالجة أمور تافهة‪،‬‬
‫وتماماً كما ّ‬
‫فإنهم كذلك يمضون يومهم في اللغو منجرفين في أفكار غير ذات جدوى‪.‬‬
‫وفي قوله تعالى‪?:‬قد أفلح المؤمنون‪ ..‬والذين هم عن اللغو معرضون?‬
‫]المؤمنون‪ [3:‬ينصح هللا تعالى الناس أن يكونوا أقوياء العزيمة في‬
‫اعراضهم هذا‪ .‬وبالتأكيد فإن أمر هللا هذا يصح أيضاً على أفكار الناس‪ .‬هذا‬
‫ألننا إذا لم نسيطر على أفكارنا بوعي فإنها سوف تظل تنساب في عقولنا‬
‫بشكل متواصل‪ ،‬فيقفز اإلنسان دون وعي من فكرة إلى أخرى‪ .‬فمثلً‪ ،‬خلل‬
‫يتسوقها في طريقه إلى البيت يجد نفسه فجأة‬
‫التفكير باألشياء التي سوف‬
‫ّ‬
‫يفكر بأشياء أخبره بها صديق قبل سنة أو سنتين‪ :‬هذه األفكار غير‬
‫ّ‬
‫المضبوطة وغير النافعة قد تستمر دون اعتراض خلل النهار كله‪.‬‬
‫اال أن السيطرة على التفكير ممكنة‪ .‬فكل منا يمتلك القدرة على التفكير‬
‫وتحسن كياسته واحاطته باألمور‪.‬‬
‫بأشياء تفيده وتفيد إيمانه‪ ،‬وعقله‪،‬‬
‫ّ‬
‫‪13‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫يفكر بها الغافلون بشكل‬
‫وفي هذا الفصل سوف نذكر كل أنواع األفكار التي ّ‬
‫يتنبه الذين يقرأون هذا‬
‫عام‪ .‬والغاية من ذكر هذه الموضوعات بالتفصيل ان ّ‬
‫الكتاب فو اًر عندما تمر أشياء مماثلة في أذهانهم ‪ -‬حين يكونون في‬
‫طريقهم إلى العمل أو المدرسة أو حين يزاولون أعمالهم اليومية ‪ -‬فو اًر إلى‬
‫ويتفكروا في أمور‬
‫يفكرون بأمور غير مجدية فيسيطروا على أفكارهم‬
‫ّ‬
‫أنهم ّ‬
‫تعود عليهم بالنفع حقيقة‪.‬‬
‫عندما يفشل اإلنسان في السيطرة على أفكاره وتوجيهها نحو البلوغ به إلى‬
‫حسن الختام‪ ،‬فإنه قد يشعر بالتخوف من شرور مرتقبة أو يتعامل مع‬
‫األحداث التي لم تحصل وكأنها حصلت بالفعل‪ ،‬فيقوده ضلله إلى الحزن‬
‫والكرب والخوف والقلق‪.‬‬
‫فمن عنده شاب يدرس المتحان جامعي‪ ،‬مثلً‪ ،‬قد يخترع سيناريوهات لما قد‬
‫يحصل فيما لو رسب ولده في االمتحان قبل أن تجري االمتحانات‪" :‬إذا رسب‬
‫ابني في االمتحان‪ ،‬فإنه لن يستطيع أن يجد وظيفة جيدة في المستقبل‬
‫يكسب منها ما يكفي من المال‪ ،‬ولن يكون قاد اًر على الزواج‪ ،‬ولو تزوج‬
‫سيستطيع تحمل مصاريف حفل الزفاف؟‪ ..‬إذا فشل في اإلمتحان فإن كل ما‬
‫صرف من مال على الفصول التحضيرية سوف يذهب هباء‪ ،‬وفوق هذا‬
‫سوف نكون محتقرين في أعين الناس‪ ...‬ماذا لو نجح ابن صاحبي ورسب‬
‫ابني"‪...‬‬
‫‪14‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وسوء الفهم هذا سوف يستمر ويستمر‪ ،‬مع ان ابن هذا الشخص لم يخضع‬
‫للمتحان بعد‪ .‬وخلل حياته كلها ال يمكن لإلنسان البعيد عن الدين أن يقاوم‬
‫مثل هذه المخاوف التي ال ضرورة لها‪ ،‬وهذا بالتأكيد له سببه‪ .‬ففي القرآن‬
‫ذكر السبب الذي يجعل الناس غير قادرين على التحرر من هذا القلق هو‬
‫أنهم يعيرون سمعاً لوساوس الشيطان‪ ،‬إذ يقول الشيطان?وألضلّنهم‬
‫وألمنيّنهم‪] ?..‬النساء‪[ .119:‬‬
‫وكما يرى في اآلية أعله فإن من يشغل نفسه بمخاوف ال جدوى منها‪،‬‬
‫يفكر بصفاء‪ ،‬يكون دائماً عرضة لوساوس الشيطان‪.‬‬
‫وينسى هللا تعالى وال ّ‬
‫وبكلمات أخرى إذا كان اإلنسان مخدوعاً بهذه الحياة الدنيا ال يستعمل قوة‬
‫إرادته ويتصرف بوعي‪ ،‬واذا سمح لنفسه باالنجراف بمجرى األحداث فإنه‬
‫يصبح تحت سيطرة الشيطان بشكل كامل‪ .‬فإقلق‬
‫ولذلك فإن التشاؤم وسوء الفهم والمخاوف المتحكمة في الذهن مثل "ماذا‬
‫سأفعل إذا حصل كذا وكذا" سببها وساوس الشيطان‪.‬‬
‫وهللا سبحانه وتعالى يعلم الناس الطرق التي تقيهم من هذا الوضع‪ .‬ففي‬
‫القرآن ينصح هللا الناس باللجوء إليه إذا نزغهم من الشيطان نزغ فيقول‪":‬إن‬
‫مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون‪ .‬واخوانهم‬
‫الذين ا ّتقوا إذا ّ‬
‫يمدونهم في الغي ثم ال يقصرون? ]األعراف ‪[ .202 - 201‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يتفكر يمضي‬
‫يتفكر يدرك الصواب ومن ال ّ‬
‫وكما هو مذكور في اآلية فإن من ّ‬
‫إلى حيث يجره الشيطان‪ .‬المهم ان نعرف أن هذه األفكار لن تنفع اإلنسان‬
‫‪15‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫بل على العكس سوف تمنعه من التفكير بالحقيقة‪ ،‬والتفكر بأمور مهمة‬
‫يتفكر‬
‫وبالتالي تطهير ذهنه من األفكار غير المجدية‪ .‬فل يمكن لإلنسان ان ّ‬
‫بطريقة صائبة إال إذا حرر ذهنه من األفكار التافهة‪ .‬وبهذه الطريقة "يعرض‬
‫عن اللغو" كما يأمر هللا تعالى في القرآن ‪.‬‬
‫الفصل الثالث‬
‫هناك عوامل عديدة تمنع الناس من التفكر‪ ،‬مجموع هذه العوامل أو بعض‬
‫منها‪ ،‬أو حتى واحد فقط قد يعيق تفكر اإلنسان ويمنعه من ادراك الحقائق‪.‬‬
‫لذلك يجب عليه أن يحدد العوامل التي تؤثر فيه سلباً ليتخلص منها‪ ،‬واال‬
‫فإنه لن يستطيع أن يرى الوجه الحقيقي لهذه الحياة الدنيا‪ ،‬فيخسر خسراناً‬
‫مبيناً في اآلخرة‪.‬‬
‫تعودوا أن يفكروا بسطحية‪ ،‬فيقول‬
‫وهللا سبحانه ينبئنا عن حال أولئك الذين ّ‬
‫تعالى?يعلمون ظاه اًر من الحياة الدنيا وهم عن اآلخرة هم غافلون‪ .‬أولم‬
‫يتفكروا في أنفسهم ما خلق هللا السموات واألرض وما بينهما إال بالحق وأجل‬
‫مسمى وان كثي اًر من الناس بلقاىء ربهم لكافرون? ]الروم‪: 7-8[.‬‬
‫وفيما يلي بعض العوامل التي تمنع الناس من التفكر‪:‬‬
‫اعتقاد الناس أن ما تفعله األكثرية بينهم هو الصحيح‪ ،‬من أهم األسباب‬
‫التي تؤدي الى الضلل‪ .‬فاإلنسان عادة يفضل قبول ما تعلمه من الناس من‬
‫حوله على البحث عن الحقيقة عبر التفكر‪ ،‬ويرى أن األشياء التي تبدو‬
‫‪16‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫غريبة للوهلة األولى‪ ،‬يعتبرها الناس عادية لدرجة أنهم ال يتنبهون اليها‪،‬‬
‫لذلك فإنه بعد فترة يبدأ باالعتياد عليها‪ .‬مثال على ذلك‪ :‬كثير من الناس‬
‫حولنا ال يسّلم بأننا سنموت في يوم من األيام‪ ،‬حتى انهم ال يسمحون ألحد‬
‫بالتحدث عن هذا الموضوع كي ال يذكرهم بالموت‪ .‬وعندما ينظر المرء حوله‬
‫ويرى كيف يتصرف الناس فإنه يقول في نفسه‪ :‬بما أن هذا حال كل الناس‪،‬‬
‫لن يضيرني أن أتصرف بنفس الطريقة‪ ،‬فيعيش حياته دون أن يتذكر الموت‬
‫أبداً‪ ،‬ولو أن الناس من حوله خافوا هللا وجاهدوا في سبيل الفوز باآلخرة حق‬
‫غير تصرفه‪.‬‬
‫جهاد‪ ،‬لكان في أغلب الظن ّ‬
‫مثال آخر على ذلك‪ :‬تنقل الصحف والتلفزيونات يومياً مئات األخبار عن‬
‫الكوارث والظلم واالضطهاد وغياب العدالة‪ ،‬وعن الجرائم وحاالت االنتحار‪،‬‬
‫كما تغطي حوادث السرقة وتأتي على ذكر أحوال آالف المعوزين من البشر؛‬
‫ومع ذلك فإن كثي اًر من الناس يطوون صفحات الجريدة‪ ،‬ويطفئون جهاز‬
‫التلفاز وهم بشعرون بسكينة داخلية‪ ،‬وبشكل عام فإن الناس ال يتساءلون‬
‫لماذا هذا الكم الهائل من تلك األنباء‪ ،‬وماذا يجب فعله إزاء هذا الواقع؟ وما‬
‫سبل الوقاية التي يجب اتخاذها لمنع وقوع مثل هذه األمور؟ وماذا يمكنهم‬
‫أن يفعلوا إزاء هذه المعضلت؟ بل ان معظمهم ينحو باللئمة على غيره‬
‫متبعاُ مبدأ‪" :‬هل يتوقف علي إنقاذ العالم؟"‬
‫ّ‬
‫التكاسل الذهني‬
‫‪17‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫التكاسل هو العامل الذي يمنع أغلبية الناس عن التفكر‪ ،‬وبسبب التكاسل‬
‫تعودوا أن يروها دائماً دون‬
‫الذهني يقوم الناس بأعمالهم بالطريقة التي ّ‬
‫تغيير‪ .‬وإلعطاء مثال من خضم حيااتنا اليومية‪ ،‬فإن ربات البيوت ينظفن‬
‫وهن بشكل عام ال‬
‫بيوتهن بنفس الطريقة التي شاهدن والداتهن يقمن بها‪ّ ،‬‬
‫يتساءلن كيف يمكن إنجاز األعمال بشكل أنظف وطريقة عملية أكثر‪ ،‬واألمر‬
‫نفسه بالنسبة الى الرجال‪ ،‬فلو احتاج شيء ما الى إصلح فإنهم يصلحونه‬
‫بنفس الطريقة التي تعلموها منذ طفولتهم‪ ،‬ومعظمهم يرغب عن تطبيق‬
‫أسلوب عملي جديد أكثر فاعلية‪ .‬وأسلوب هذا النوع من الناس متشابه‬
‫أيضاً‪ ،‬فالمحاسب مثلً يتكلم بنفس الطريقة التي تكلم بها محاسب ما قابله‬
‫في حياته‪ ..‬واألمر كذلك بالنسبة الى األطباء والمصرفيين ومندوبي‬
‫المبيعات ‪..‬وغيرهم من الناس الذين تجمعهم طبقة اجتماعية معينة فتكون‬
‫لهم طريقة معينة في التحدث وال يكلفون أنفسهم عناء التفكير للبحث عن‬
‫طرق أفضل وأحسن وأصوب‪ ،‬إنما يقلدون ما سمعوه فقط !‬
‫كما أن الحلول المبتكرة للمشاكل تعكس كسلهم الذهني‪ .‬فمثلً‪ ،‬حارس مبنى‬
‫ما يعالج مشكلة النفايات فيه تماماً كما كان يفعل من كان قبله‪ ،‬وعمدة‬
‫مدينة ما يحاول حل مشكلة زحمة المرور عبر مراجعة ما فعله من كان‬
‫قبله‪ .‬وفي حاالت كثيرة عدم التفكير يجعل صاحب المشكلة غير قادر على‬
‫إيجاد حل‪.‬‬
‫طبعاً األمثلة المذكورة أعله هي أمور يعاني منها الناس في حياتهم‬
‫اليومية‪ ،‬ولكن هناك قضية أهم من ذلك وأعمق بكثير لو أخفق الناس في‬
‫‪18‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫التفكير فيها‪ ،‬فقد يؤدي بهم ذلك الى الخسران األبدي المبين‪ ،‬والمقصود من‬
‫هذا الكلم إخفاق المرء في التفكر في الغاية من وجوده في هذه الدنيا‪،‬‬
‫وتجاهله لحقيقة أن الموت ال يمكن تفاديه‪ ،‬وأننا حتماً سنبعث بعد الموت‪.‬‬
‫جل وعل‪ ?:‬أولئك‬
‫ففي القرآن يدعونا هللا الى التفكر في هذه الحقائق فيقول ّ‬
‫وضل عنهم ما كانوا يفترون‪ .‬ال جرم أنهم في اآلخرة‬
‫الذين خسروا أنفسهم‬
‫ّ‬
‫هم األخسرون‪ .‬إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا الى ربهم أولئك‬
‫أصحاب الجنة هم فيها خالدون? ]هود‪[ 24-21 :‬ويقول أيضاً‪?:‬أفمن يخلق‬
‫ذكرون? ]النحل‪[.17:‬‬
‫كمن ال يخلق أفل ت ّ‬
‫هناك قناعة سائدة في المجتمعات أن التفكير العميق مضر! فتجد الناس‬
‫يحذر بعضهم بعضاَ ًً بالقول‪ " :‬ال تفكر كثي اًر‪ ،‬واال فقدت صوابك"! وهذه‬
‫بالطبع ليست اال خرافة ابتدعها من نأوا بجانبهم عن الدين ‪.‬ليس على‬
‫الناس ان يتجنبوا التفكير ولكن عليهم أن يتجنبوا السلبية أو االنجراف في‬
‫الوسوسة المبالغ فيها وسوء الفهم‬
‫وألن أولئك الذين ال يؤمنون باهلل واليوم اآلخر يتفكرون دون أن يلزموأ‬
‫أنفسهم بالخير والصلح‪ ،‬فيتفكرون‪ ،‬ولكن بطريقة سلبية‪ ،‬فإنهم يخرجون‬
‫من تأملتهم بخلصات ال تعود عليهم بأي نفع‪ .‬فمثلً‪ ،‬هم يتفكرون في‬
‫كون الحياة الدنيا مؤقتة‪ ،‬وفي حتمية الموت في يوم من األيام‪ ،‬ولكن هذا‬
‫األمر يثير لديهم الكثير من التشاؤم‪ ،‬بعضهم يتشاءم ألنه يعلم أنه يمضي‬
‫هذه الحياة المؤقتة في معصية هللا‪ ،‬ويحضر نفسه لنهاية بائسة في اآلخرة‪،‬‬
‫وبعضهم اآلخر يتشاءم ألنه يعتقد أن أثره سيتلشى كلياً بعد الموت‪.‬‬
‫‪19‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫أما الشخص الحكيم الذي يؤمن باهلل واليوم اآلخر فإنه يخرج بنتائج مختلفة‬
‫تماماً عندما يتدبر في حقيقة هذه الدنيا الفانية‪ ..‬فقبل كل شيء إدراكه لكون‬
‫بشدة من أجل حياته الحقيقية األبدية في‬
‫الحياة مؤقته يدفعه الى المجاهدة ّ‬
‫اآلخرة‪ .‬وبما أنه يعرف أن هذه الحياة سوف تنتهي عاجلً أم آجلً‪ ،‬فإنه ال‬
‫ينجرف في طلب شهوات ومتاع الحياة الدنيا‪ ،‬بل على العكس من ذلك‪ ،‬فإنه‬
‫يعرض عنها الى أبعد الحدود‪ ..‬ال شيء في هذه الدنيا الفانية يزعجه فهو‬
‫عما قسمه هللا له من نعم وجمال‪ ،‬ألنه يعّلق آماله على الفوز‬
‫دائماً ر ً‬
‫اض ّ‬
‫بالحياة األبدية المرضية‪ .‬فقد خلق هللا تعالى هذه الحياة الدنيا غير كاملة‬
‫ليبتلي الناس‪ ،‬والمرء الذكي يفكر‪ :‬إذا كان هذا العالم غير الكامل فيه هذا‬
‫الكم من الجمال الذي يسعد االنسان‪ ،‬فل بد أن جمال الجنة فاتن الى درجة‬
‫تفوق الخيال‪ ،‬فتراه يأمل أن يعاين في الدار اآلخرة منبع كل جمال يشاهده‬
‫في هذه الدنيا‪ .‬وهذه القناعات كلها ال تتأتى لديه إال عبر التفكر العميق‪.‬‬
‫ولذلك فمن الخسارة بمكان قلق االنسان من ان يصيبه التشاؤم إذا ما وصل‬
‫الى الحقيقة ‪ ،‬وبالتالي تفاديه التفكر‪ ،‬ألن االنسان الذي يفكر دائماً‬
‫بإيجابية‪ ،‬ويعلل النفس بالرجاء بفضل إيمانه باهلل‪ ،‬ما من أمر يقوده الى‬
‫التشاؤم ‪.‬‬
‫يظن معظم الناس أن بإمكانهم التملص من مختلف المسؤوليات عبر تفادي‬
‫اللتفكر وتشغيل ذهنهم بقضايا معينة‪ ،‬وهم يحسبون أنهم إن فعلوا ذلك‬
‫فسوف ينجحون بإبعاد أنفسهم عن كثير من الموضوعات‪ .‬فواحدة من‬
‫الطرق التي تخدع الناس تكمن في افتراضهم أن بإمكانهم التهرب من‬
‫‪20‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫مسؤولياتهم تجاه ربهم عبر عدم التفكر‪ ،‬وهذا هو السبب الرئيسي الذي‬
‫يجعل الناس ال يتفكرون بالموت والبعث من بعده‪ .‬أذا تفكر المرء أنه‬
‫سيموت في يوم ما‪ ،‬وتذكر أن هناك حياة أبدية بعد الموت‪ ،‬فإنه بالضرورة‬
‫سيجاهد بشدة لحياته بعد الموت‪ ..‬لكن مع ذلك‪ ،‬ترى بعض النفس يخدع‬
‫نفسه خداعاً عظيماً بافتراضه أنه تخلص من هذه المسؤولية عندما ال يتفكر‬
‫في وجود اآلخرة‪ ،‬فإذا لم يحرز اإلنسان الحقيقة في هذه الحياة الدنيا فإنه‬
‫سوف يفهمها عندما يدركه الموت الذي ال مهرب منه ?وجاءت سكرة الموت‬
‫بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ‪.‬ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد? ]ق‪-19:‬‬
‫‪[ .20‬‬
‫غالبية الناس يقضون حياتهم كلها في" عجلة"‪ ،‬فعندما يصلون الى سن‬
‫معينة يتوجب عليهم العمل واالعتناء بأنفسهم وبأسرهم‪ .‬ويسمون ما‬
‫يفعلونه"كفاحاً من أجل الحياة" ويشكون من عدم وجود وقت لديهم ليفعلوا‬
‫أي شيء إذ عليهم أن يندفعوا في سبيل كفاحهم هذا‪ .‬وفي غمرة "ضيق‬
‫الوقت" يصبح التفكر من األشياء التي ال يمكنهم تخصيص أي وقت لها‪.‬‬
‫ولذلك فإنهم ينجرفون الى أي مكان يسحبهم اليه تيار الحياة اليومية‪.‬‬
‫وبطريقة العيش هذه يفقدون االحسلس باألمور التي تجري حولهم‪.‬‬
‫وعلى كل حال ال يجب أن يكون هدف االنسن تبديد الوقت باالستعجال من‬
‫مكان الى آخر‪ .‬فالمهم أن يكون االناسن قاد اًر على رؤية الوجه الحقيقي‬
‫لهذه الحياة واتخاذ أسلوب للعيش وفقه‪ .‬وال يجب أن تقتصر غايات االنسان‬
‫على كسب المال‪ ،‬أو الذهاب الى العمل أو الدراسة في الجامعة أو شراء‬
‫‪21‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫منزل ‪..‬فقد يحتاج االنسن باتأكيد الى القيام بهذه األشياء‪ ،‬ولكن عليه عند‬
‫القبام بها أن يضع نصب عينيه دائماً أن هدف وجوده هو أن يكون عبداً هلل‬
‫وأن يسعى الكتساب مرضاته ورحمته ودخول جنته‪ ،‬وباقي األعمال تنفع‬
‫كوسائل تعين االنسان على الوصول الى غايته الحقيقية‪ .‬أما اتخاذ هذه‬
‫الوسائل كغايات حقيقية وأهداف محددة فإنه خداع كبير يضل به الشيطان‬
‫االنسان‪.‬‬
‫ومن يعيش دون أن يتفكر قد يجعل من هذه الوسئل غايته الحقيقية بكل‬
‫سهولة‪ .‬ويمكننا أن نضرب مثاالً على ذلك من حياتنا اليومية‪ .‬فمما ال شك‬
‫فيه أنه من الحسن أن يعمل وينتج أشياء ذات منفعة لمجتمعه ‪.‬والمؤمن‬
‫باهلل ينجز مثل هذه األعمال بحماس ويرجو الثواب من هللا تعالى في الحياة‬
‫بعد الموت‪ .‬أما إذا قام إنسان بنفس العمل دون أن يذكر هللا وألساب دنيوية‬
‫حول‬
‫فقط مثل السعي وراءالمنصب أو تقدير الناس فإنه يرتكب خطأً‪ ،‬ألنه ّ‬
‫أم اًر ما من وسيلة لكسب مرضاة هللا الى غاية‪ .‬وسوف يندم على فعلته‬
‫عندما يواجه الحقائق في اآلخرة‪ .‬وفي اآلية التالية يشير هللا سبحانه وتعالى‬
‫الى أولئك الذين ينغمسون في هذه التصرفات في الحياة الدنيا بما‬
‫قوة وأكثر أمواالً وأوالداً‬
‫يلي‪?:‬كالذين كانوا من قبلكم كانوا ّ‬
‫أشد منكم ّ‬
‫فاستمتعوا بخلقهم فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع الذي من قبلكم بخلقهم‬
‫وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا واآلخرة وأولئك هم‬
‫الخاسرون] ?التوبة‪[69:‬‬
‫‪22‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫عندما يصادف الناس أمو اًر معينة للمرة األولى قد يفهمون طبيعتها‬
‫االستثنائية مما قد يحفزهم على التحري أكثر عما يرونه‪ .‬ويعد فترة تنشأ‬
‫لديهم مقاومة اعتيادية لهذه األشياء فل تعود تؤثر بهم‪.‬‬
‫وبالتحديد فإن األشياء واألحداث التي يلقونها كل يوم تصبح عادية بالنسبة‬
‫لهم‪.‬‬
‫فعلى سبيل المثال قد يتأثر من يدرس الطب تأث اًر بالغاً عندما يرى جثة للمرة‬
‫األولى أو في المرة األولى التي يموت فيها أحد مرضاه‪ .‬مما يجعلهم يتأملون‬
‫ملياً‪ .‬ويمكن ان يكون السبب أنهم يواجهون انساناً بل حياة أشبه‬
‫بالبضاعة‪ ،‬كان منذ دقائق مليئاً بالحياة يضحك ويخطط ويتكلم ويستمتع‬
‫وتلمع عيناه بالحياة‪ ..‬وعندما توضع الجثة أمامهم للتشريح للمرة األولى‬
‫فإنهم يتفكرون في كل شيء في هذه الجثة‪ ,‬يتفكرون بأن الجسد يفنى‬
‫بسرعة كبيرة‪ ,‬وأنه تفوح منه رائحة نتنة‪ ،‬والشعر الذي كان جميلً فيهما‬
‫مضى يصبح غير جميل وال يود أحد لمسه‪ ..‬وبعد ذلك يتفكرون في أن‬
‫مكونات كل األجسام هي نفسها وكل واحد منا سيلقي نفس النهاية‪ ,‬وأنهم‬
‫هم أيضاً سينتهون الى هذا الشكل‪.‬‬
‫ولكن بعد رؤية بضع جثث أو فقدان بضعة مرضى ينشأ لدى هؤالء الناس‬
‫مقاومة اعتيادية ألشياء محددة فيبدأون بالتعامل مع الجثث وحتى المرض‬
‫وكأنهم أشياء‪.‬‬
‫‪23‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وبالتأكيد هذا الوضع ال يصدق على األطباء وحدهم‪ ,‬فغالبية الناس ينطبق‬
‫عليها هذا الوضع في مناحي مختلفة من حياتهم ‪.‬فمثلً ينعم هللا على انسان‬
‫يعيش في ظروف صعبة برغد العيش فإنه يفهم ان كل ما يمتلكه رحمة له‪.‬‬
‫فسريره أصبح أكثر‪ ،‬ولبيته منظر جميل‪ ,‬ويمكنه ان يشتري ما يريد ويمكنه‬
‫أن يدفئ منزله في الشتاء كما يرغب‪ ،‬وبإمكانه التنقل بسهولة بسيارة‪..‬‬
‫وغيرها من النعم كلها التي قسمت لهذا االنسان‪ ،‬وبالنظر بوضعه السابق‬
‫فإنه يبتهج بكل واحدة منها‪ ،‬ولكن من يمتلك هذه األشياء منذ نعومة أظافره‬
‫قد ال يتفكر في قيمتها كثي اًر‪.‬وال يمكنه تقدير هذه النعم إال إذا أعاد التفكر‬
‫فيها‪.‬‬
‫ومن الناحية المقابلة فاإلنسان الذي يتفكر ال فرق عنده إذا سواء كان‬
‫امتلكه لهذه النعم منذ والدته أو أنه أحرزها فيما بعد‪ .‬فهو ال ينظر إلى‬
‫ممتلكاته بطريقة اعتيادية إذ انه يعلم ان أي شيء يملكه قد خلقه هللا وأن‬
‫هللا قادر على استرجاعه منه لو شاء‪ .‬فمثلً يدعو المؤمنون بالدعاء التالي‬
‫عندما يركبون دوابهم‪ ,‬وهي السيارات في أيامنا هذه‪ ?:‬لتستووا على ظهوره‬
‫ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي س ّخر لنا هذا‬
‫وما كنا له مقرنين واّنا الى ربنا لمنقلبون ? ]الزخرف‪[13:‬‬
‫وفي أية أخرى‪ ،‬يتعلم المؤمنون أن يقولوا إذا ما دخلوا حدائقهم‪ :‬ما شاء هللا‬
‫ال قوة إال باهلل ]الكهف‪ [31 :‬وكلما دخلوها يتذكرون ان هللا خلقها وهو‬
‫يمدها بأسباب الحياة‪ .‬أما بالنسبة لإلنسان الذي ال يتفكر قد يتأثر عندما‬
‫يرى جمال الحدائق ولكنها فيما بعد تصبح مكاناً عادياً بالنسبة له‪ ,‬ويتلشى‬
‫‪24‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫تقديره لجمالها‪.‬كما ان بعض الناس ال يلحظون النعم أبداً ألنهم ال يتفكرون‬
‫فيها‪ ،‬فهم يعتبرونها أمو اًر عادية من المفروض وجودها‪ ،‬ولذلك فإنهم ال‬
‫يستطيعون استشفاف المتعة من جمالها‪.‬‬
‫كما ذكرنا سابقاً فإن كون معظم الناس ال يتفكرون ويعيشون غافلين عن‬
‫الحقيقة ليس عذ اًر كافياً لعدم التفكر‪ .‬فكل إنسان هو فرد مستقل بنفسه‬
‫ومسؤول أمام هللا عن نفسه فقط‪ .‬ومن المهم جداً أن نضع نصب أعيننا أن‬
‫هللا يبتلي الناس في هذه الحياة الدنيا‪ ،‬وعدم اهتمام اآلخرين وكونهم من‬
‫يتفكرون وال يعقلون وال يرون الحقيقة هو جزء من ابتلئنا‬
‫الناس الذين ال ّ‬
‫في معظم األحيان‪ .‬ومن يتفكر بصدق ال يقول‪ ":‬إن معظم الناس ال يتفكرون‬
‫وليسوا على اطلع بهذه ألمور فلماذا يجب علي أن أتفكر وحدي؟" بل على‬
‫ّ‬
‫العكس من ذلك فإنه يأخذ حذره من خلل تفكره في غفلة هؤالء الناس ويلجأ‬
‫الى هللا كي ال يكون واحداً منهم‪ .‬فمن الواضح أن وضع هؤالء الناس ال‬
‫يمكن أن يكون عذ اًر له‪ .‬وفي القرآن الكريم يعلمنا هللا في الكثير من اآليات‬
‫أن أكثر الغافلين ال يؤمنون‪?.‬وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ]?‬
‫يوسف‪[103:‬‬
‫?آلمر‪ ،‬تلك آيات الكتاب والذي أنزل اليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس ال‬
‫يؤمنون ? ]الرعد‪[1:‬‬
‫?وأقسموا باهلل جهد أيمانهم ال يبعث هللا من يموت بلى وعداً عليه حقاً ولكن‬
‫أكثر الناس ال يعلمون ?] النحل‪[38:‬‬
‫‪25‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫صرفناه بينهم لي ّذكروا فأبى أكثر الناس إال كفو ارّ ?] الفرقان‪[50:‬‬
‫?ولقد ّ‬
‫وفي آيات أخرى يبلغنا هللا بنهاية هؤالء الذي ضّلوا ألنهم اتبعوا األغلبية‬
‫ففشلوا في اطاعة أوامره ألنهم نسوا الغاية من خلقهم ? وهم يصطرخون‬
‫يتذكر فيه‬
‫نعمركم ما ّ‬
‫فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل‪ ،‬أولم ّ‬
‫من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ?‬
‫]فاطر‪[37:‬‬
‫لهذا السبب يجب على كل انسان أن يتخلص من األسباب التي تمنعه من‬
‫التفكر‪ ،‬وأن يتفكر بصدق واخلص ويستخلص العبر والتحذيرات من تفكره‪.‬‬
‫وفي الفصل التالي سوف نناقش ما يمكن أن يتفكر فيه االنسان من أحداث‬
‫ومخلوقات يصادفها في حياته اليومية‪ ،‬وهدفنا أن تؤمن هذه الموضوعات‬
‫لقراء هذا الكتاب أرشاداً يساعدهم على قضاء ما تبقى من حياتهم كأشخاص‬
‫يتفكرون ويستخلصون العبر مما يتفكرون فيه ‪.‬‬
‫الفصل الرابع‬
‫من بداية هذا الكتاب‪ ،‬أشرنا الى أهمية التفكر‪ ،‬والمنافع التي يجلبها‬
‫تميز االنسان عن غيره من المخلوقات‪.‬‬
‫لإلنسان‪ ،‬والى كونه ملك ًة مهمة جداً ّ‬
‫كما ذكرنا أيضاً األسباب التي تمنع الناس من التفكر ‪.‬والهدف الرئيسي من‬
‫ذلك كله تشجيع الناس على التفكر ومساعدتهم على إدراك الغاية من خلقهم‬
‫وتعظيم قدرة هللا وعلمه الل محدودين‪.‬‬
‫‪26‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫نصور بماذا يمكن لإلنسان المؤمن‬
‫في الصفحات التي تلي سوف نحاول ان ّ‬
‫باهلل أن يتفكرمن خلل ما يمر به من اشياء يومياً‪ ،‬وما هي العبر التي يمكن‬
‫أن يستخلصها من األحداث التي يشهدها‪ ،‬وكيف يجب عليه أن يشكر هللا‬
‫ويتقرب اليه عندما يعاين علمه وابداعه ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬في كل شيء ‪.‬‬
‫بطبيعة الحال ما سنذكره هنا ال يغطي اال قسماً صغي اًر من قدرة اإلنسان على‬
‫التفكر‪ ،‬فاإلنسان عنده القابلية للتفكر في كل لحظة (ليس في كل ساعة وال‬
‫دقيقة وال ثانية‪ ،‬بل في كل لحظة) من حياته‪ .‬ومدى قدرته على التفكر واسع‬
‫لدرجة يستحيل معها وضع حدود أو ضوابط له‪ .‬والهدف مما سنذكره هو‬
‫مجرد فتح األبواب أمام الناس للستفادة من ملكة التفكيرعندهم كما يجب‪.‬‬
‫يجب أن تتولد في الذهن القناعة بأن األشخاص الذين يتفكرون هم وحدهم‬
‫القادرون على فهم وتقدير مختلف األمور‪ .‬وقد ذكر هللا في اآليات الكريمة‬
‫التالية حال أولئك الذين ال يبصرون األمور االعجازية من حولهم فل‬
‫يستطيعون التفكر فيها‪ ،‬فقال تعالى‪?:‬ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما‬
‫بكم عمي فهم ال يعقلون?]البقرة‪...? [171 :‬‬
‫دعاء‬
‫ال يسمع إال‬
‫ونداء‪ُّ ،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫صم ُ‬
‫ُ‬
‫لهم قلوب ال يفقهون بها ولهم أعين ال يبصرون بها ولهم آذان ال يسمعون‬
‫بها‪ ،‬أولئك كاألنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون? ]األعراف‪?[ 179:‬أم‬
‫تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم كاألنعام بل هم أضل سبيلً? ]‬
‫الفرقان‪[ .44:‬‬
‫‪27‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ان الذين يتفكرون يرون آيات هللا والجوانب اإلعجازية في المخلوقات وفي‬
‫األحداث‪ ،‬فيفهمون‪ ،‬وأمثالهم هم القادرون على استخلص العبر من كل‬
‫شيء حولهم‪ ،‬كبي اًر كان أم صغي اًر‪.‬‬
‫ال يحتاج المرء الى شروط خاصة للبدء بالتفكر‪ ،‬فمن اللحظة التي نستيقظ‬
‫فيها من النوم‪ ،‬تجد الكثير من األفكار طريقها الينا‪ ،‬فهناك يوم كامل يمتد‬
‫أمامنا‪ ،‬قلما نشعر خلله بالتعب أو النعاس‪ ،‬ونكون على استعداد لمعاودة‬
‫كل األمور مرة أخرى‪ .‬والتفكر بهذا يذكرنا بقوله تعالى ?‪:‬وهو الذي جعل لكم‬
‫الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهارنشو اًر?]الفرقان‪[.47:‬‬
‫عندما نغسل وجوهنا أو نستحم نستجمع قوانا ونستعيد رشدنا بشكل كامل‪،‬‬
‫وعندها نصبح على استعداد للتفكر في أشياء مفيدة‪ ،‬فهناك شؤون التفكر‬
‫فيها أهم بكثير من التفكير ماذا سنتناول كفطور‪ ،‬أو في أي ساعة سنغادر‬
‫المنزل! فقبل كل شيء كوننا استطعنا أن نستيقظ في الصباح معجزة عظيمة‬
‫في حد ذاتها‪ ،‬فرغم كوننا فاقدي الوعي كلياً خلل النوم فإننا في الصباح‬
‫نستعيد وعينا ووجودنا‪ ،‬وتخفق قلوبنا‪ ،‬ونتمكن من التنفس‪ ،‬والكلم والرؤية‬
‫والمشي‪ ..‬مع أنه ليس هناك ما يضمن أن هذه النعم ستعود الينا في‬
‫الصباح‪ ،‬أو اننا لن تصيبنا أي مصيبة خلل الليل‪ .‬فلربما ّأدى شرود أحد‬
‫الجيران الى تسرب غازي‪ ،‬فيوقظنا حدوث انفجار كبير‪ ،‬أو قد تحدث كارثة‬
‫في المنطقة التي نعيش فيها نخسر على إثرها أرواحنا‪..‬وقد نتعرض لمشاكل‬
‫أخرى في أجسامنا‪ ،‬فقد نستيقظ مصابين بآالم مبرحة في الكلى‪ ،‬أو الرأس ‪،‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬لم يحدث شيء من هذا واستيقظنا في الصباح آمنين مطمئنين‪..‬‬
‫‪28‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫التفكر بهذه األمور يجعلنا نشكر هللا على رحمته بنا وحفظه لنا‪ .‬فاستهلل‬
‫النهار بصحة جيدة معناه أن هللا يعطينا فرصة أخرى لتحقيق المزيد من أجل‬
‫آخرتنا‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فإن أفضل ما نفعله أن نمضي يومنا في مرضاته سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫ونجعلها قبل كل شيء‪ ،‬فنخطط إلبقاء أذهاننا مشغولة بمثل ما ذكرناه من‬
‫أفكار‪ .‬ونقطة البداية في تحصيل مرضاة هللا‪ ،‬سؤله أن يعيننا في أمرنا هذا‪،‬‬
‫المؤمنين‪?:‬رب أوزعني أن‬
‫ودعاء سيدنا سليمان عليه السلم مثال جيد لكل‬
‫ّ‬
‫الدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني‬
‫أشكر نعمتك التي أنعمت‬
‫علي وعلى و ّ‬
‫ّ‬
‫برحمتك في عبادك الصالحين?]النمل‪[.19:‬‬
‫ملحظة مدى ضعفنا عندما نستيقظ من الفراش يدفعنا الى البدء بالتفكر‪،‬‬
‫وعندما نستحم أو نغسل وجوهنا وننظف أسناننا كل صباح نستغرق في‬
‫التفكير بأشياء أخرى تدل على ضعفنا‪ ،‬فالطبقة الجلدية في جسمنا تخفي‬
‫تحتها مشهداً رهيباً‪ ،‬وأجسادنا عرضة لللتهابات بأنواعها‪ ،‬وال أحد منا‬
‫يستطيع احتمال عدم النوم أو الصبر على الجوع والعطش‪ ،‬وهذه كلها من‬
‫دالئل ضعفنا‪.‬‬
‫واذا كان من ينظر في المرآة مسناً‪ ،‬فقد تخطر على باله أفكار أخرى‪ ،‬فأولى‬
‫علمات الشيخوخة تظهر في الوجه بعد العقد الثاني من العمر‪ ،‬إذ في‬
‫الثلثينيات تبدأ التجاعيد بالظهور تحت العينين وحول الفم وال يعود الجلد‬
‫‪29‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫متورداً‪ ،‬ومع تقدم العمر يبدأ الجسم بالذبول‪ ،‬ويتحول لون الشعر الى‬
‫األبيض وتظهر الشيخوخة حتى على اليدين‪.‬‬
‫عندما نتفكر في هذه األمور نجد أن الشيخوخة من أهم الوقائع التي تكشف‬
‫الطبيعة المؤقتة لهذه الحياة الدنيا‪ .‬فمن يشيخ يشعر بأن العد العكسي‬
‫لحياته قد بدأ‪ ،‬وفي الحقيقة فإن ما يشيخ وما يجري عليه العد العكسي هو‬
‫الجسد ‪ ،‬الذي يذبل شيئاً فشيئاً ‪ ،‬أما الروح فل تشيخ‪.‬‬
‫ومعظم الناس يتأثر في شبابه بكونه حسن الهيئة أو غير جذاب‪ ،‬فيجنح‬
‫أصحاب الهيئة الحسنة الى التعجرف‪ ،‬أما من هم أقل منهم حظاً في الجمال‪،‬‬
‫فيشعرون بعقدة النقص وعدم السعادة‪ ،‬فتأتي الشيخوخة لتظهر أن الجمال‬
‫والقبح أمران مؤقتان‪ ،‬وأن ما ينفع عند هللا وما يقبل عنده أعمال االنسان‬
‫الصالحة والتزامه بأوامر هللا وحسن خلقه‪.‬‬
‫في كل مرة نواجه فيها ضعفنا ندرك أن الكمال والتنزه عن النقص هما هلل‬
‫وحده‪ ،‬مما يدفعنا الى تمجيد عظمة هللا‪ .‬فاهلل تعالى خلق كل ضعف في‬
‫االنسان لهدف‪ ،‬ومن هذه األهداف مساعدة الناس على عدم التعلق بالحياة‬
‫الدنيا‪ ،‬وعدم البغي فيما أوتوا‪ .‬ومن أدرك هذا عبر التفكر فإنه سيدعو هللا أن‬
‫يعيد خلقه في اآلخرة خالياً من الضعف‪.‬‬
‫شيء آخر يلفت النظر في أمر ضعفنا ندعو أولئك الناس المغرورين‬
‫تدبره واالعتبار منه‪ :‬انظروا الى الوردة تنبت من تراب أسود‬
‫والمتعجرفين الى ّ‬
‫‪30‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫صاف نظيف‪ ،‬فيما تفوح من البشر رائحة ال تحتمل إذا لم‬
‫موحل‪ ،‬بشذى‬
‫ٍ‬
‫نعتن بنظافتنا كما يجب‪!..‬‬
‫التفكر عند النظر في الملرآة على ما ذكرناه‪ ،‬فقد تخطر على بالنا‬
‫وال يقتصر ّ‬
‫أشياء كثيرة لم نتفكر فيها من قبل‪ ،‬مثل رموش عيوننا وحواجبنا‪ ،‬وكيف أن‬
‫أسناننا وعظامنا تتوقف عن النمو عندما تصل إلى طول معين فيما يستمر‬
‫الشعر بالنمو‪ .‬وبكلمات أخرى كيف أن أعضاء الجسم التي يسبب نموها‬
‫الزائد مساوئ وقبحاً تتوقف عن النمو‪ ،‬وتستمر األخرى التي تضفي على‬
‫اإلنسان جماالً ‪ -‬كالشعر مثلً‪ -‬بالنمو‪ ،‬هذا مع ملحظة التكامل والتناسق‬
‫التام في نمو العظام‪ .‬فل تنمو األطراف العليا من األيدي واألرجل بدون فائدة‬
‫جاعلة الجسم يبدو دون الحجم بالنسبة لها‪ ..‬فنمو العظام يتوقف في الوقت‬
‫المناسب‪ ،‬كما لو أن كل عظمة تعرف المقدار الذي يجب أن تصل إليه‪.‬‬
‫صحيح أن األمور التي ذكرناها تحدث كنتيجة لتفاعلت كيميائية معينة في‬
‫الجسم‪ ،‬ولكن اإلنسان الذي ينظر اليهل ال بد أن يتساءل‪ :‬كيف تحدث هذه‬
‫التفاعلت الكيميائية‪ ،‬ومن الذي قدر الكميات المحددة للهرمونات في‬
‫أنزيمات الجسم‪ ،‬لتنظم النمو في جميع أنحائه؟ ومن يضبط كمية إف ارزات هذه‬
‫الهرمونات؟ بدون شك من المستحيل االدعاء أن هذه األشياء تحدث بمحض‬
‫الصدفة‪ ،‬ومن المستحيل أيضاً للخليا التي يتأسس منها جسم اإلنسان‬
‫والذرات غير العاقلة التي تتألف منها الخليا أن تتخذ مثل هذه الق اررات ‪،‬‬
‫لذلك فإن من الواضح أن كل ما ذكرناه هو من إبداع هللا تعالى الذي خلقنا‬
‫في أحسن تقويم‪.‬‬
‫‪31‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫مباشرة بعد االستيقاظ من النوم صباحاً واالستعداد يمضي معظم الناس في‬
‫شؤونهم فمنهم من يتوجه إلى عمله ومنهم من يذهب إلى المدرسة‪ ،‬ومنهم‬
‫من يمضي لتسوية بعض األمور في مكان ما في هذا العالم الرحب‪ .‬بالنسبة‬
‫للمؤمن هذه الرحلة القصيرة هي نقطة البداية للقيام باألعمال الصالحة التي‬
‫ترضي هللا سبحانه وتعالى‪ .‬فعندما نستيقظ نشكر المولى تعالى الذي وهبنا‬
‫يوماً آخر نكسب فيه من رزقه‪ ،‬واآلن وقد مضينا في أمرنا‪ ،‬فقد بدأت الرحلة‬
‫التي يمكن أن نكسب من خللها هذا الرزق وعندما نتفكر في هذا األمر ال‬
‫بد أن نذكر قوله تعالى? وجعلنا النهار معاشا?[النبأ‪ .]11:‬ووفقاً لهذه اآلية‬
‫يجب علينا أن نخطط كيف سنمضي يومنا في أعمال ذات نفع للعباد ترضي‬
‫هللا سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وعندما نترك المنزل نمر بشكل تلقائي بالكثير من األمور التي يجب أن‬
‫نتفكر فيها‪ ،‬فهناك اآلآلف من الناس والسيارات واألشجار الكبيرة والصغيرة‪،‬‬
‫والتفاصيل التي ال تعد وال تحصى من حولنا‪ ،‬وبالطبع فإن توجهات المؤمن‬
‫محددة‪ ،‬فسوف نحاول االستفادة ألقصى الحدود مما نراه حولنا ونتفكر في‬
‫األحداث واألسباب‪ .‬فما يمر بنا من مشاهد إنما يمر بعلم هللا وارادته‪ ،‬وال بد‬
‫أن يكون هناك سبب من وراء ذلك فبما أن هللا جعلنا نخرج‪ ،‬ووضع هذه‬
‫المشاهد أمامنا‪ ،‬فل بد أن فيها ما يجب أن نراه ونتدبره‪.‬‬
‫وحين نصل إلى سيارتنا أو أي وسيلة نقل أخرى‪ .‬وفي خلدنا كل هذه‬
‫األفكار‪ .‬نشكر هللا مرة أخرى‪ ،‬إذ مهما كانت المسافات طويلة فقد سخر لنا‬
‫هللا وسيلة للوصول‪ ،‬وكما هو معلوم‪ ،‬فقد خلق هللا للناس الكثير من الوسائل‬
‫‪32‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وقدم التطور التكنلوجي إمكانيات جديدة مثل‬
‫ليستعينوا بها في السفر‪ّ .‬‬
‫السيارات والقطارات والطائرات والسفن والمروحيات والحافلت وغيرها‪ .‬وعند‬
‫يتدبر هذا األمر يتذكر اإلنسان أن هللا تعالى هو الذي س ّخر التكنولوجيا في‬
‫ّ‬
‫خدمة البشرية ‪.‬ففي كل يوم يخرج العلماء باكتشافات واختراعات جديدة‬
‫تسهل علينا حياتنا‪ ،‬وهميصلون اليها جميعاً بالوسائل التي خلقها هللا على‬
‫األرض‪ .‬ومن يتفكر‪ ،‬يتابع رحلته شاك اًر المولى تعلى الذي سخر لخدمتنا كل‬
‫هذه األمور‪.‬‬
‫وفيما نمضي في وجهتنا حاملين مثل هذه األفكار فإن كومة نفايات‪ ،‬أو‬
‫رائحة كريهة أو أماكن معتمة نمر بها تثير في أذهاننا أفكا اًر متعددة‪.‬‬
‫فقد خلق هللا في هذا العالم أماكن ومشاهد تجعلنا قادرين على تصور الجنة‬
‫والنار‪ ،‬أو التخمين من خلل المقارنة كيف ستكونان‪ .‬فأكوام النفايات‬
‫والروائح الكريهة واألماكن الضيقة المعتمة القذرة تسبب كرباً كبي اًر ألرواحنا !‬
‫وال أحد يود أن يكون في مثل هذه األماكن‪ ،‬وكل هذه الخصائص تذكر‬
‫اإلنسان بجهنم‪ ،‬وكل من يلتقي بهذه المشاهد يتذكر اآليات التي تتحدث عن‬
‫النار‪ :‬فاهلل سبحانه وتعالى يصف لنا ظلمة وقذارة وكراهة المشاهد في‬
‫جهنم‪.‬‬
‫?وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ‪.‬في سموم وحميم‪ .‬وظل من يحموم‪.‬‬
‫ال بارد وال كريم?[الواقعة‪].44-41:‬‬
‫‪33‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫?واذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبورا‪ .‬ال تدعوا اليوم ثبو اًر‬
‫واحداً وادعوا ثبو اًر كثيرا?[الفرقان‪].14-13:‬‬
‫وعند تذكر هذه اآليات القرآنية ندعو هللا أن يجيرنا من نار جهنم ونسأله أن‬
‫يغفر لنا ذنوبنا‪.‬‬
‫ومن زاوية أخرى فإن اإلنسان الذي ال يوظف أفكاره بهذه الطريقة سوف‬
‫عما يغضب في كل حدث‪ ،‬فيستشيط غاضباً‬
‫يمضي نهاره متذم اًر قلقاً‪ ،‬باحثاً ّ‬
‫من الناس الذين يلقون نفاياتهم ومن البلدية التي تتاخر في جمعها‪ ،‬ويشغل‬
‫ذهنه طوال النهار بأفكار غير مجدية ال تنفعه في آخرته‪ ،‬مثل زحمة السير‬
‫الناجمة عن الحفر في الطرقات‪ ،‬وكيف أصابه البلل نتيجة توقعات خاطئة‬
‫لخبراء األرصاد الجوية‪ ،‬وكيف حصل علوة على ذلك على توبيخ غير‬
‫منصف من رب العمل‪ .‬وهذه األفكار التافهة ال تنفع في اآلخرة‪ ،‬وقد يتوقف‬
‫اإلنسان عن التفكير فيما إذا كان عليه ان يتخلى عن مثل هذه األفكار‬
‫يدعون أن السبب الحقيقي الذي‬
‫المتعددة‪ ،‬والغريب ان الكثير من الناس ّ‬
‫يشغلهم عن التفكر هو الكفاح الذي عليهم أن يخوضوه في هذا العالم‪،‬‬
‫فيتعللون بالمشاكل الصحية وتأمين ضروريات الحياة والطعام وغيرها‪ ..‬وهذه‬
‫ليست سوى أعذار‪ ،‬فمسؤوليات المرء وأوضاعه ال علقة لها بالتفكير فمن‬
‫يحاول أن يفكر لينال رضى هللا سوف يجد أن هللا في عونه‪ ،‬وسوف يرى‬
‫األمور التي كانت بالنسبة له مشاكل قد حلت واحدة واحدة وفي كل يوم يمر‬
‫سوف يكون قادر على تخصيص المزيد من الوقت للتفكر وهذا أمر مفهوم‬
‫ومجرب فقط من قبل المؤمنين‪.‬‬
‫‪34‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫خلل متابعة رحلتنا نحاول أن نراقب ما حولنا من آيات هللا واعجازه في‬
‫فنقدره سبحانه وتعالى حق قدره عندما نتفكر فيها‪.‬‬
‫خلقه ّ‬
‫عندما ننظر من شباك السيارة يطالعنا عالم متعدد األلوان‪ ،‬فنتساءل‪ :‬لو لم‬
‫يكن هذا العالم متعدد األلوان كيف كان سيبدو كل شيء فيه؟‬
‫أنظروا في الصورة في أسفل الصفحة وتفكروا ‪ :‬هل ستكون بهجة المناظر‬
‫الطبيعية من جبال وبحار وحقول وأزهار هي نفسها دون ألوان؟ وأي متعة‬
‫سنستقيها من مشاهد السماء والفاكهة والفراشات والثياب ووجوه الناس‬
‫بغياب األلوان؟‬
‫فضل من ربنا تعالى أننا نعيش في عالم متعدد األلوان نابض بالحياة ‪.‬‬
‫فمهرجان األلوان الذي نشاهده في العالم‪ ،‬وهذا التناسق الكامل في ألوان‬
‫الكائنات الحية آيات شاهدة على إبداع هللا الذي ال يضاهى وتفرده في الخلق‬
‫‪.‬‬
‫ال شيء من مشاهد الطبيعة يؤذي العينين‪ ،‬فالتفاعل الدقيق بين األلوان‪،‬‬
‫وتناسق األلوان في الكائنات الحية من أزهار وطيور وبحار وسماوات‬
‫وأشجار وغيرها يورث السكينة في النفس ويعطي الراحة للعينين ‪.‬وكل هذا‬
‫يدل على الكمال في خلق هللا‪.‬‬
‫ومن خلل التفكر في هذه األمور نفهم أن كل ما نراه حولنا هو نتاج علم‬
‫هللا وقدرته اللمحدودين‪.‬‬
‫‪35‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وفي مقابل هذه النعم التي منحنا إياها هللا علينا أن نخافه سبحانه وتعالى‬
‫ونسأله أن ال يجعلنا من الكافرين بأنعمه ‪.‬وهللا سبحانه وتعالى يذكرنا في‬
‫القرآن الكريم بوجود األلوان‪ ،‬ويذكر أنه ال يخشاه تعالى من عباده إال‬
‫العلماء‪ ،‬كما يبين سبحانه وتعالى أن المؤمنين يتفكرون ويتدبرون دائماً‪،‬‬
‫ويستخدمون ألبابهم في االكتشاف واستخلص العبر والنتائج‪.‬‬
‫?ألم تر أن هللا أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات مختلفاً ألوانها‬
‫ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود‪ .‬ومن الناس‬
‫هللا من عباده العلماء إن‬
‫والدواب واألنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى َ‬
‫هللا عزيز غفور?[فاطر‪]28-27:‬‬
‫ومن يمضي لشأنه مستعجلً قد تعترض طريقه فجأه عربة نقل الموتى‪ ،‬وفي‬
‫هذه الصدفة فرصة للمرء ليلتقط أنفاسه‪ .‬فهذا المشهد الذي قد يلتقيه‬
‫سيذكره بحتفه‪ .‬فيوماً ما هو أيضاً سوف يكون في عربة نقل الموتى‪ .‬ومهما‬
‫حاول االنسان تفادي الموت فإنه ملقيه ال محالة‪ ،‬عاجلً أم آجلً‪ ،‬سواء‬
‫كان في سريره أو في طريقه أو في إجازة فإنه سوف يغادر هذا العالم قطعاً‪،‬‬
‫فالموت حقيقة ال يمكن تفاديها‪.‬‬
‫في تلك اللحظة يتذكر االنسان المؤمن اآليات التالية‪ ?:‬كل نفس ذائقة‬
‫لنبوئنهم من الجنة‬
‫الموت ثم إلينا ترجعون‪ .‬والذين آمنوا وعملوا الصالحات ّ‬
‫غرفاً تجري من تحتها األنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين‪ .‬الذين صبروا‬
‫وعلى ربهم يتوكلون? ]العنكبوت‪[ .59-57 :‬‬
‫‪36‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وبالطبع فإن تفكراإلنسان أن جسده سوف يوضع في كفن‪ ،‬ويواريه أقاربه‬
‫الثرى‪ ،‬وأن اسمه وشهرته سوف يحفران على شاهد قبره‪ ،‬يزيل تعّلقه بالدنيا‪.‬‬
‫ومن يفكر بهذه األمور بإخلص وصدق يكتشف كم من الحماقة االستجابة‬
‫لمتطلبات جسد سوف يفنى في التراب‪.‬‬
‫في اآليات من سورة العنكبوت يبشر هللا عباده الصابرين والمتوكلين عليه‬
‫بمباهج الجنة بعد الموت‪ ،‬ولهذا عندما يتفكر المؤمنون في أنهم سيموتون‬
‫في يوم من األيام‪ ،‬يحاولون العيش مخلصي النية هلل ملتزمين حسن الخلق‬
‫وصالح األعمال التي أمر هللا بها للفوز بالجنة‪ .‬وكلما تذكروا قرب األجل‬
‫تزداد عزيمتهم ويحاولون التخّلق بأسمى القيم واالستزادة منها أكثر فأكثر‬
‫خلل حياتهم‪.‬وعلى العكس منهم فإن الذي يعطون األولوية لغير هذه األفكار‬
‫ويمضون حياتهم في قلق ال طائل تحته‪ ،‬ال يتذكرون أن الموت واقع بهم‬
‫حتى لو مروا بعربة نقل الموتى أو المقبرة نفسها‪ ،‬وحتى لو توفي أحد‬
‫أحبائهم ‪.‬‬
‫في مواجهة كل األحداث التي يمر بها خلل النهار ال يبرح المؤمن يتفكر في‬
‫آيات هللا محاوالً إيجاد تفسير لدقائق األمور‪.‬‬
‫والمؤمن يتلقى كل نعمة أو ابتلء بالقبول الحسن الذي يرضي هللا سبحانه‬
‫وتعالى‪ .‬وليس الختلف األماكن أهمية كبرى عند المؤمن‪ ،‬فهو يتدبر كون‬
‫هللا خالق كل شيء‪ ،‬ويحاول أن يبحث عن الغايات الكامنة وراء ما قدر هللا‬
‫من أحداث وما خلق من محاسن‪ ،‬سواء كان في المدرسة أو العمل أو‬
‫‪37‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫السوق ‪.‬فالمؤمن يعيش حياته مهتدياً بآيات هللا‪ ،‬وتصرف المؤمنين هذا‬
‫مستمد من اآليتين التاليتين‪:‬‬
‫?رجال ال تلهيهم تجارة وال بيع عن ذكر هللا واقام الصلة وايتاء الزكاة‬
‫يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب واألبصار ‪.‬ليجزيهم هللا أحسن ما عملوا‬
‫ويزيدهم من فضله وهللا يرزق من يشاء بغير حساب?[النور‪].38-37:‬‬
‫قد يتعرض اإل نسان لمختلف الصعوبات في النهار‪ .‬ولكن مهما كانت هذه‬
‫الصعوبات عليه أن يضع ثقته باهلل ويتذكر أن هللا يمتحننا بكل شيء نفعله‬
‫ونفكر فيه في هذه الحياة الدنيا‪ .‬وهذه حقيقة مهمة جداً يجب أن ال نغض‬
‫الطرف عنها ولو للحظات‪ ،‬ولذلك إذا واجهتنا صعوبات فيما نفعله أو فكرنا‬
‫بأن األمور ال تسير في وجهتها الصحيحة‪ ،‬ال يجب أن ننسى أبداً أن هذه‬
‫قدرت علينا كجزء من امتحاننا‪ ،‬وهذه األفكار التي تمر في ذهن‬
‫األمور قد ّ‬
‫االنسان تصح على األمور األساسية والفرعية التي تعترضنا خلل يومنا‪،‬‬
‫فمثلً قد نتكلف مبالغ إضافية نتيجة اإلهمال أو سوء الفهم‪ ،‬وقد نخسر ملفاً‬
‫في الكمبيوتر أمضينا ساعات في إعداده نتيجة النقطاع التيار الكهربائي‪،‬‬
‫وقد يرسب الطالب في امتحان جامعي مع أنه بذل مجهوداً في الدرس وقد‬
‫يمضي نهارنا ونحن واقفون في صف طويل نظ اًر لتأخر تقدم عمل ما بسبب‬
‫اإلجراءات البيروقراطية‪ ،‬وقد نخطئ في عملنا نتيجة نقص في الملفات وقد‬
‫يفوت اإلنسان الطائرة أو الحافلة في طريقه إلى مكان من الضروري أن‬
‫يصل إليه‪.‬‬
‫‪38‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وهناك عدد كبير من أمثال هذه الصعوبات أو المشاكل التي قد تعترض‪ -‬أو‬
‫انها قطعاً‪ -‬سوف تعترض اإلنسان خلل حياته‪.‬‬
‫في كل هذه األحداث اإلنسان الذي يحمل اإليمان يجزم بأن هللا يبتليه في‬
‫إيمانه وفي صبره‪ ،‬ومن الحماقة بمكان بالنسبة لإلنسان الذي سيموت‬
‫ويحاسب في اآلخرة أن ينجرف في مثل هذه األحداث وأن يضيع الوقت في‬
‫القلق بشأنها‪ .‬فالمؤمن يعلم أن هناك خي اًر وراء كل هذه األحداث‪ .‬فهو ال‬
‫يقول واحسرتاه ألي حدث ويسأل هللا أن يسهل له أموره ويحسن به الظن‬
‫في جميع األمور‪.‬‬
‫وعندما يتبع اليسر المصاعب ندرك أن هناك استجابة لدعائنا وأن هللا سميع‬
‫مجيب الدعوات‪ .‬فنشكره سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وبتمضية النهار ونحن نتفكر في هذه األفكار ال يفقد االنسان األمل وال يقلق‬
‫وال يشعر باألسف أو اليأس مهما مر به ‪..‬فنحن نعلم أن هللا خلق كل هذه‬
‫األمور لخيرنا وان هناك رحمة فيها‪.‬وفوق ذلك علينا أن نفكر بهذه الطريقة‬
‫ليس في األمور األساسية التي تقع لنا‪ ،‬وانما أيضاً في الفاصيل كبيرها‬
‫وصغيرها التي نقابلها خلل حياتنا اليومية كما ذكرنا من قبل‪.‬‬
‫فكروا بإنسان ال يستطيع أن يسوي أم اًر بالطريقة التي يتمناها أو يتعرض‬
‫لمشاكل جدية وهو على وشك الوصول إلى هدفه ‪.‬هذا الشخص يصبح فجأة‬
‫غاضباً حزيناً ومكروباً وباختصار تتكون لديه جميع أنواع المشاعر السلبية‪،‬‬
‫‪39‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ولكن من يتذكر بأن هناك خي اًر في كل أمر‪ ،‬يحاول البحث عن الغاية الخفية‬
‫في هذا الحدث الذي أظهره هللا‪.‬‬
‫فقد يفكر بأن هللا قد لفت انتباهه كي يحسب ألمره هذا حسابات أدق‪ .‬فيقول‬
‫ربما ساعدني ما حصل على تجنب ضرر أعظم‪.‬‬
‫فمن تفوته الحافلة وهو يحاول الوصول إلى موعد معين قد يفكر أنه ربما قد‬
‫وقي بتأخره من التعرض لحادث في الحافلة‪ ،‬أو لضرر أكبر من ذلك‪ .‬وهذه‬
‫فقط أمثلة قليلة‪ ،‬فقد يفكر اإلنسان أيضاً بأن هناك الكثير من الغايات‬
‫الكامنة وراء تأخره هذا‪ ،‬وهذه األمثلة قد تتضاعف في حياة اإلنسان‪ .‬والمهم‬
‫في هذا كله أن مشاريعنا قد ال تحل بالطريقة التي نتمناها‪ .‬فقد نجد أنفسنا‬
‫في وضع مختلف تماماً عن الذي خططنا له‪ .‬وفي مثل هذه الظروف فإن‬
‫يسّلم ويبحث عن الخير في األحداث المعينة التي يواجهها يفوز‪ ،‬يقول هللا‬
‫تعالى‪:‬‬
‫?كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى‬
‫أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم وهللا يعلم وأنتم ال تعلمون?[البقرة‪].216:‬‬
‫فكما يذكر هللا تعالى في هذه اآليات‪ ،‬فنحن ال نعلم ولكن هللا هو الذي يعلم‬
‫ما هو خير لنا وما هو شر لنا‪ .‬ومما يورث اإلنسان السكينة أن يتخذ هللا‬
‫اللطيف الرحيم ولياً ويسلم له تمام التسليم‪.‬‬
‫‪40‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫من المهم خلل القيام بعمل ما أن ال ندع أذهاننا تفرغ‪ ،‬وأن نفكر دائماً‬
‫بالخير‪ .‬فالعقل البشري قادر على القيام بأكثر من عمل في نفس الوقت‪.‬‬
‫فاإلنسان الذي يقود سيارته أو ينظف بيته أو يمشي في الشارع يمكنه أيضاً‬
‫التفكير في أعمال الخير في نفس الوقت‪ ،‬فخلل تنظيف المنزل يشكر‬
‫من عليه بالوسائل اليومية مثل الماء والمنظفات‪ .‬ومعرفة‬
‫اإلنسان هللا الذي ّ‬
‫أن هللا يحب الطهارة والمتطهرين تجعله ينظر إلى األمر الذي يقوم به كنوع‬
‫من العبادة نأمل أن تنال رضى هللا ‪ .‬باإلضافة إلى ذلك فإنه يسعد فيتأمين‬
‫مكان مريح لغيره من الناس عبر تنظيف المكان الذي يعيش فيه‪.‬‬
‫ومن يعمل في وظيفة ما يمكنه دائماً أن يدعو هللا في سره فيسأله أن يسهل‬
‫له عمله‪ ،‬ويفكر بأنه ال يمكن أن ينجح في أي شيء دون إرادة هللا‪ .‬ونرى‬
‫من خلل القرآن أن األنبياء الذين هم قدوة لنا كانوا يتوجهون باستمرار إلى‬
‫هللا في سرهم‪ .‬ويتفكرون في هللا خلل عملهم‪ ،‬وواحد من هؤالء األنبياء‬
‫الكرام وهو سيدنا موسى عليه السلم‪ .‬فبعد مساعدته المرأتين التقاهما في‬
‫سقاية قطيعهما توجه إلى هللا بالكلمات التالية‪:‬‬
‫?ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم‬
‫امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا ال نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ‬
‫كبير‪ .‬فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير‬
‫فقير?[القصص‪].24-23:‬‬
‫ٌ‬
‫‪41‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫مثال آخر نراه في القرآن عن هذا الموضوع هو مثال النبي إبراهيم والنبي‬
‫إسماعيل عليهما السلم‪ .‬فاهلل تعالى يذكر أن هذين النبيين تذكروا المؤمنين‬
‫بالخير عندما كانا يعملن معاً فتوجها إلى هللا تعالى بالدعاء حول عملهما‪.‬‬
‫?واذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع‬
‫العليم‪ .‬ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا‬
‫وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم‪ .‬ربنا وابعث فيهم رسوالً منهم يتلوا عليهم‬
‫آياتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم?[البقرة‪-127:‬‬
‫‪].129‬‬
‫هناك أشياء كثيرة يمكن أن يتفكر فيها اإلنسان الذي يمضي نهاره في‬
‫المنزل‪ .‬فمثلً‪ ،‬خلل التنظيف قد يرى عنكبوتاً قد نسج شبكته في إحدى‬
‫زوايا المنزل‪ .‬ولو أدرك أن عليه التفكر في هذا المخلوق الذي ال يهم أحداً‬
‫عادة‪ ،‬سوف يرى أن آفاقاً جديدة فتحت له‪ .‬فهذه الحشرة الصغيرة التي يراها‬
‫أمامه هي معجزة في التصميم‪ .‬فهناك تناسق في الشبكة التي ينسجها‬
‫العنكبوت‪ ،‬واذا حصل وتسائل كيف يمكن لحشرة صغيرة أن تنجز مثل هذا‬
‫التصميم الكامل المدهش فأجرى بحثاً سريعاً فسوف يصادف حقائق أخرى‬
‫استثنائية‪ .‬فالخيوط التي يستخدمه العنكبون مرنة ثلثين بالمائة أكثر من‬
‫خيوط المطاط ذات السماكة نفسها‪ .‬والخيوط التي ينتجها العنكبوت تضاهي‬
‫بجودتها العالية الخيوط التي يستخدمها اإلنسان في تصنيع البزات الواقية‬
‫من الرصاص‪ .‬فعجباً لتلك المادة التي يعتبرها الناس مجرد شبكة عنكبوت‬
‫بسيطة فيما هي واحدة من أفضل مواد التصنيع في العالم‪.‬‬
‫‪42‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ولو استمر اإلٌ نسان في التفكر بعد أن عاين هذا التصميم المتكامل إلحدى‬
‫الكائنات الحية من حوله‪ ،‬فإنه سوف يصادف المزيد من الحقائق المدهشة‪.‬‬
‫فلو تفحص الذبابة التي يلتقي بها باستمرار دون أن يعيرها إنتباهه والتي‬
‫تغضبه فيحاول قتلها‪ ،‬سوف يرى أن لديها عادة تنظيف نفسها بشكل‬
‫تفصيلي متقن‪ .‬فالذبابة تحط بشكل متكرر في أماكن مختلفة لتنظيف‬
‫أطرافها األمامية والخلفية كل على حدة‪ ،‬ثم تمسح بعناية الغبار عن جناحيها‬
‫ورأسها عبر أطرافها األمامية والخلفية‪ ،‬وتستمر بهذه العملية حتى تتأكد من‬
‫نظافتها‪ .‬وكل أنواع الذباب والحشرات تنظيف نفسها بطريقة مشابهة وبنفس‬
‫االنتباه والدقة والتفصيل‪ .‬وهذا يدل على أن هللا المتفرد في الخلق هو الذي‬
‫علمها كيف تنظف نفسها‪.‬‬
‫والذبابة نفسها تخفق بجناحيها خلل الطيران خمسمائة مرة في الثانية‬
‫تقريباً‪ .‬وفي الواقع ليس هناك آلة من صنع اإلنسان تستطيع أن تعمل بمثل‬
‫هذه السرعة ألنها سوف تتحطم وتحترق نتيجة االحتكاك‪ .‬في حين أن‬
‫عضلت الذبابة ومفاصلها وأجنحتها ال تتأذى‪.‬‬
‫واذا أخذنا بعين االعتبار اتجاه وسرعة الريح ‪ .‬فإن الذبابة تستطيع الطيران‬
‫في اي اتجاه دون أن تنحرف‪ ،‬في حين أنه حتى مع وجود التكنولوجيا‬
‫الحالية‪ ،‬فإن اإلنسان بعيد عن إنتاج اختراع يتمتع بهذه الميزات غير العادية‬
‫‪ ،‬وبتقنيات طيران مثل هذه‪ .‬ومن الواضح أن الذبابة ال تفعل كل ذلك بفضل‬
‫قدرتها وذكائها‪ ،‬فاهلل هو الذي أعطى الذبابة هذه الخصائص والقدرات‬
‫الرائعة‪.‬‬
‫‪43‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وفي كل مكان نلمحه حولنا هناك حياة مرئية وأخرى غير مرئية إذ ليس‬
‫هناك سنتمتر مربع على األرض ال حياة فيه‪ ،‬فالبشر والنباتات والحيوانات‬
‫مخلوقات يمكن لإلنسان أن يراها‪ ،‬ولكن هناك أيضاً مخلوقات ال يمكنه‬
‫رؤيتها ولكنه على دراية بوجودها‪ ،‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬البيوت التي نعيش‬
‫فيها مليئة بمخلوقات مجهرية تسمى "العث" وفي الهواء الذي نستنشقه عدد‬
‫ال يحصى من الفيروسات‪ ،‬وكمية البكتيريا التي تعيش في تربة حديقتنا كبيرة‬
‫بشكل مدهش‪ ،‬ومن يتفكر في كل هذا التنوع المدهش الذي تزخر به الحياة‬
‫على األرض‪ ،‬يتذكر النظام المتكامل لجميع المخلوقات‪ .‬فكل واحد من‬
‫المخلوقات التي نراها علمة على إبداع هللا‪ ،‬تماماً كما تكمن في المخلوقات‬
‫المجهرية معجزاته العظيمة‪ .‬فلكل من الفيروسات والبكتيريا والعث غير‬
‫المرئية بالنسبة لنا‪ ،‬آليات جسدية خاصة‪ ،‬فقد خلق هللا لها بيئتها وجعل لها‬
‫أنظمة في التغذية‪ ،‬وأجهزة تناسل وأنظمة مناعة‪ ،‬ومن يتدبر هذه األمور‬
‫يتذكر اآلية التالية‪:‬‬
‫وكأين من دابة ال تحمل رزقها هللا يرزقها واياكم وهو السميع‬
‫? ّ‬
‫العليم?[العنكبوت‪].60:‬‬
‫اإلنسان مخلوق يتميز بالكثير من نقاط الضعف‪ ،‬وعليه أن يبذل مجهوداً‬
‫مستم اًر لمعالجة نقائصه‪ .‬والمرض يكشف بشكل واضح ضعف اإلنسان‪ ،‬لذلك‬
‫عندما نمرض أو يمرض أحد أصدقائنا يجب علينا التفكير في الغايات‬
‫الكامنة في المرض‪.‬‬
‫‪44‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وعندما نتفكر نجد أنه حتى الزكام الذي يعتبر مرضاً بسيطاً يعطينا دروساً‬
‫وتحذيرات‪ .‬فعندما نلتقط مثل هذا المرض نفكر فيما يلي‪ :‬أوالً المسبب‬
‫الرئيس للزكام هو فيروس دقيق جداً غير مرئي بالعين المجردة‪ ،‬ومع ذلك‬
‫كاف إلفقاد رجل يتراوح وزنه بين ‪ 60‬و ‪ 70‬كيلو‬
‫فإن هذا الكائن الصغير ٍ‬
‫غراماً قوته‪ ،‬وجعله مرهقاً لدرجة تمنعه من المشي أو الكلم‪ ،‬ومعظم األحيان‬
‫ال تجدي األدوية أو األطعمة التي نتناولها نفعاً‪ ،‬وكل ما نستطيعه هو أخذ‬
‫قسط من الراحة واالنتظار‪ .‬داخل الجسد تدور رحى حرب ال يمكننا التدخل‬
‫فيها‪ ،‬فنحن مقيدو األيدي واألرجل من قبل كائن حي دقيق‪ .‬وفي مثل هذا‬
‫الوضع يجدر بنا أن نتذكر اآليات القرآنية وما فيها من الكلمات قالها نبي‬
‫هللا إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫?والذي هو يطعمني ويسقين‪ .‬واذا مرضت فهو يشفين‪ .‬والذي يميتني ثم‬
‫يحيين‪ .‬والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ‪.‬رب هب لي حكماً‬
‫وألحقني بالصالحين?[الشعراء‪].83-79:‬‬
‫وعلى اإلنسان الذي يصاب بأي نوع من األمراض أن يقارن بين تصرفه‬
‫عندما كان في صحة جيدة وتصرفة خلل مرضه ويتفكر في األمر‪ .‬وعليه أن‬
‫يتذكر حاله المتواضع أثناء مرضه وكيف أدرك بقوة كم هو بحاجة إلى هللا‬
‫تعالى‪ ،‬وكم دعا ربه مخلصاً عندما كان متوجهاً إلجراء عملية جراحية مثلً‪..‬‬
‫وعندما نعاين مرض أحد غيرنا علينا فو اًر أن نشكر هللا عندما نتذكر صحتنا‬
‫الجيدة‪ ،‬فعندما يرى المؤمن إنساناً برجل عرجاء عليه أن يتذكر كم أن رجليه‬
‫‪45‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫نعمتان أساسيتان ومهمتان بالنسبة له‪ :‬فيفهم أن كونه قاد اًر على المشي‬
‫إلى أي مكان يريده‪ ،‬حالما يستيقظ في الصباح وكونه قاد اًر على الركض عند‬
‫الضرورة‪ ،‬وقدرته على االعتناء بنفسه دون حاجته إلى أحد‪ ،‬بحد ذاتها‬
‫فضائل عظيمة من هللا تعالى‪ ،‬وعندما يتفكر ويقارن‪ ،‬يتفهم أكثر قيمة ما‬
‫منح من نعم‪.‬‬
‫خلل النهار‪ ،‬سواء كنا في المكتب أو المدرسة‪ ،‬يصادف المرء أنواعاً‬
‫مختلفة من الناس‪ ،‬وقد ال يكون كل هؤالء الناس من ذوي الطباع الحسنة‬
‫وممن يخافون هللا‪ .‬والمؤمن الذي يقابل مثل هؤالء األشخاص ال يتأثر بهم‬
‫بل يظل متمسكاً بالسلوك الذي أمر هللا به‪ ،‬فهو يعلم أن ميزة سوء الخلق‬
‫عند هؤالء األشخاص سببها افتقارهم إلى االيمان باهلل‪ ،‬وعدم تصديقهم‬
‫باآلخرة‪ .‬فيخطر على باله ما يلي‪ :‬يحذر هللا سبحانه وتعالى الناس من كرب‬
‫الجحيم‪ ،‬ويسألهم أن يفكروا في العذاب الذي ال نهاية له وأن يحسنوا‬
‫أخلقهم في الحياة الدنيا ويتواضعوا هلل ويلتزموا بالدين بإخلص‪ .‬ولو أدرك‬
‫اإلنسان أنه في مواجهة تهديد خطير كهذا‪ ،‬فإنه بالتأكيد سوف يأخذ‬
‫احتياطاته لتجنبه‪ .‬ولكن أولئك الذين ال يتفكرون في األمر وال يستوعبون‬
‫يعدان لهم‪.‬‬
‫خطورته يتصرفون وكأنه ال نار وال عذاب ّ‬
‫ومن يكون على دراية بهذه الحقائق يتذكر امو اًر أخرى مهمة جداً‪ ،‬فعند‬
‫االنتظار على شفير نار جهنم‪ ،‬تتغير أخلق كل واحد من هؤالء الناس‬
‫بشكل كامل ‪ .‬فإذا قبض يوم الفصل على من كان ال يتردد اليوم في إظهار‬
‫أخلق ملؤها الدالل والوقاحةٍ والتعجرف‪ ،‬خالية من كل إيمان باهلل ثم أحضر‬
‫‪46‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وسيق أمام حفرة الجحيم وسحب على األرض وتعرض لخزي مستمر‪ ،‬فإن‬
‫تعابير وجهه وتصرفاته وطريقة كلمه واأللفاظ التي يستعملها لن تكون هي‬
‫نفسها التي كانت من قبل‪ .‬واذا سيق الكافر المتغطرس العنيف الذي ارتكب‬
‫الجرائم ولم يعد لديه أي مظهر من مظاهر اإلنسانية إلى شفير نار جهنم‬
‫فإنه سوف يحس بالندم األبدي عندما يعاين عذابها‪.‬‬
‫ومن يختلق كل أنواع األعذار ليبرر عدم التزامه بالدين وعدم عبادته هلل في‬
‫الحياة الدنيا لن يكون قاد اًر على اختلق نفس األعذار عندما ينتظر على‬
‫مشارف جهنم‪ .‬في ذلك الوقت لن تكون التوبة ممكنة حتى لو أراد الكافر أن‬
‫يجد حينها في الدعاء‪.‬‬
‫يفي بها ولن تكون الدعوات مستجابة رغم أن الكافر ّ‬
‫إن من يخاف هللا ال ينسى هذه األمور البتة فيتفكر في نار جهنم وبفضل‬
‫تفكره يدرك ما هي التصرفات الحقيقية وما هي الكلمات الصحيحة وما هي‬
‫األخلق الحميدة‪ .‬وبما أن عنده إيمان قوي بوجود جهنم فإنه يتفكر فيها‬
‫باستمرار‪ ،‬ويتصرف دائماً وكأنه قريب من نارها‪ ،‬وال يني يتفكر بأنه سوف‬
‫يدعى للمحاسبة عن كل ما قام به‪.‬‬
‫وهللا يدعو الناس للتفكر في النار وفي يوم الفصل‪.‬‬
‫?يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محض اًر وما عملت من سوء تود لو‬
‫أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم هللا نفسه وهللا رؤوف بالعباد?[آل‬
‫عمران‪].30:‬‬
‫‪47‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وصوركم فأحسن صوركم‬
‫بناء‬
‫?هللا الذي جعل لكم األرض ا‬
‫ّ‬
‫قر اًر والسماء ً‬
‫ورزقكم من الطيبات ذلكم هللا ربكم فتبارك هللا رب العالمين?[غافر‪].64:‬‬
‫لقد وهب هللا الناس في هذه الحياة ألواناً من الطعام والشراب مختلفة‪،‬‬
‫صافية‪ ،‬لذيذة‪ ...،‬وكل هذه األطعمة واألشربة مظاهر لفضل هللا الذي ال‬
‫ينتهي ورحمته بالعباد‪ ،‬فالناس يستطيعون أن يعيشوا بخير على لون واحد‬
‫من الطعام والشراب ولكن هللا تعالى وهبهم نعماً ال تحصى من الخضار‬
‫والفاكهة‪ ،‬وأنواع مختلفة من اللحوم وغيرها‪..‬‬
‫والمؤمن الذي يعرف أن كل هذه النعم من هللا تعالى يتفكر فيها ويشكر هللا‬
‫في كل مرة يجلس فيها لتناول وجبة طعام‪.‬‬
‫في آيات كثيرة من القرآن‪ ،‬يذكر هللا تعلى أنه أنعم على الناس بأنواع كثيرة‬
‫من الطعام وهذه األطعمة تكون موجودة أمام أي شخص يجلس لتناول‬
‫وجبة‪ .‬فطاولة الطعام تمتلئ بمختلف أنواع الخضروات المزروعة‪ ،‬والعديد‬
‫من المنتجات الحيوانية‪ ،‬واإلنسان بطبيعته مفطولر على حب التمتع بهذه‬
‫األطعمة‪ ،‬فكل واحد منها ألذ من اآلخر‪ ،‬وهي في نفس الوقت ضرورية‬
‫للبقاء على قيد الحياة‪ ،‬فلتتفكر فيما لو أن هذه األطعمة المغذية والضرورية‬
‫للبقاء على قيد الحياة كانت بدون نكهة أو كان طعمها رديئاً‪ .‬أو لو كانت‬
‫مضرة بالرغم من طعمها الطيب‪ ،‬أو لو كان هناك عدد قليل من األطعمة‬
‫نتغذى بها فقط من أجل البقاء على قيد الحياة‪ ..‬ان رحمة هللا هي السبب‬
‫‪48‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫الوحيد الذي امام أطعمة بهذا الشكل الذي نشاهده على المائدة وليس امام‬
‫طعام وشراب غير ذي نكهة‪.‬‬
‫حتى لو فكر اإلنسان بالفاكهة وحدها سوف يدرك النعم العظيمة التي تظهر‬
‫لنا‪ .‬واإلنسان الحي الضمير الذي يرى أنواعاً كثيرة من الفاكهة على طاولة‬
‫الطعام سيفكر فيما يلي‪:‬‬
‫"بأنه من قلب تراب داكن تنبت فاكهة بألون متعددة وشذى متنوع‪،‬‬
‫ومحتويات نظيفة تماماً وكل واحد منها له طعم طيب ‪.‬وهذا فضل عظيم‬
‫منحه هللا للناس‪.‬‬
‫"وبأن الموز والتنغرين والبرتقال والبطيخ بنوعيه األصفر واألحمر‪ ،‬وغيرها‬
‫من الفواكه كلها مخلوقة في أغلفتها الخاصة بها‪ ،‬فقشرتها تحميها من‬
‫التلف والفناء‪ .‬وتحفظ لها شذاها‪ ،‬فبعد فترة قصيرة من تقشيرها تتحول‬
‫الفاكهة إلى اللون األسود وتفسد‪.‬‬
‫"عند تفحصها واحدة واحدة يظهر أن كل نوع من أنواع الفاكهة له ميزة‬
‫دقيقة‪ .‬فالبرتقال والتنغرين مثلً مقطعة‪ .‬ألنها لو كانت قطعة واحدة لكان من‬
‫الصعب تناول مثل هذه الفاكهة الكثيرة العصارة‪ .‬لكن هللا تعالى قد شكلها‬
‫على هيئة شرائح من أجل راحة الناس‪ .‬ومما ال جدال فيه أن هذا التصميم‬
‫الرائع الخالي من النقائص الذي يلبي حاجاتنا آية من خلق هللا العليم‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫‪49‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫"والفراولة على سبيل المثال‪ ،‬فاكهة مميزة جداً بطعمها وشكلها‪ .‬فباألشكال‬
‫التي عليها تبدو وكأنها صممت تصميماً فائق الدقة‪ ،‬وبلونها األحمر المنعش‬
‫المتوج بأوراق خضراء تشكل الفراولة واحدة من أسمى آيات اإلبداع الرباني‪..‬‬
‫ّ‬
‫وحلوة شذاها وطعمها ولكونها خالية من البذور الكبيرة وال قشرة لها مما‬
‫يسهل أكلها‪ ،‬فإنها تذكر اإلنسان بفاكهة الجنة وفي كونها تنبت بمعظم‬
‫أجزائها في التراب ثم يكون لها هذا اللون الجميل الملفت‪ ،‬داللة عظيمة من‬
‫هللا تعالى الذي خلقها فأظهر إبداعه وحكمته وعلمه فيما خلق‪.‬‬
‫"ووجود أنواع مختلفة من الفاكهة في كل موسم موضوع آخر حري أن‬
‫نتفكر فيه ففضل ونعمة من هللا للناس أنه في فصل الشتاء الذي يكون‬
‫الناس فيه بأمس الحاجة إلى فيتامين ج توجد فاكهة الغنية بهذا الفيتامين‬
‫مثل التنغرين والبرتقال والغريب_فروت فيما تتوفر في الصيف أنواع الفواكه‬
‫التي تطفئ العطش مثل البطيخ بنوعيه األحمر واألصفر‪ ،‬والدراق والكرز‪.‬‬
‫وقد أهدانا هللا سبحانه وتعالى تلك الصورة الخلبة للفاكهة على أغصانها أو‬
‫حيثما زرعت‪ .‬فمنظر المئات من حبات الفاكهة على غصن جاف أشبه‬
‫بالعظمة وهي مربوطة اليه بإحكام ومملوءة بالعصارة من داخلها‪ ،‬وما يظهر‬
‫منها وكأنه جرى تلميعه بشكل خاص دليل آخر أن كل واحد من أنواعها قد‬
‫خلقها هللا ‪ .‬فعلى سبيل المثال عناقيد العنب تبدو وكأنها قد وضعت على‬
‫أغصان الدوالي واحدة واحدة‪ .‬وهللا تعالى قد خلق كل واحدة منها بشكل فريد‬
‫وشكل لها مظه اًر على األغصان يجعلها تروق للناس‪ .‬ولهذا السبب خلل‬
‫ّ‬
‫وصف الجنة في القرآن يذكر هللا أن الفاكهة فيها تكون جاهزة للقطاف‪،‬‬
‫‪50‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وذلك في قوله تعالى‪? :‬ودانية عليهم ظللها وذللت قطوفها‬
‫تذليل?[اإلنسان‪]. 14:‬‬
‫وبالطبع ما ذكر هنا هو غيض من فيض‪ ،‬فنعم هللا أكثر من أن تحصى‪،‬‬
‫ومن يدرك ذلك على مائدة الطعام يتذكر آية كريمة أخرى‪?:‬أفمن يخلق كمن‬
‫تعدوا نعمة هللا ال تحصوها إن هللا لغفور‬
‫ال يخلق أفل تذكرون‪ .‬وان ّ‬
‫رحيم?[النحل‪].18-17:‬‬
‫استمرينا في التفكر‪ ،‬نصل الى إدراك المحاسن والدقائق في خلق هللا‬
‫واذا‬
‫ّ‬
‫أكثر‪ .‬وخلل التأمل ملياً في هذه األمور فإن االنسان الحي الضمير يعي‬
‫أيضاً أن كونه قاد اًر على على استمداد المتعة مما أنعمه هللا عليه فضل كبير‬
‫من هللا سبحانه وتعالى‪ ،‬ويتذكر أن حاستي الشم والتذوق تساعداننا على‬
‫اإلحاطة بالكثير من الجمال الكائن في هذه الدنيا‪ .‬فيستمر االنسان‬
‫بالتفكير‪:‬لو لم يكن لدينا حاسة الشم لما استطعنا أن نستمتع بالورود‬
‫والفواكه والمشاوي كما نستمتع اآلن‪ .‬ولو لم يكن لدينا حاسة التذوق لما‬
‫تعرفنا على الطعم الفريد للشوكوال والحلوى واللحوم والفراولة وغيرها من‬
‫ّ‬
‫النعم‪.‬‬
‫يجب أاليغيب عن بالنا أنه لو لم يتفضل هللا سبحانه وتعالى علينا بكل هذه‬
‫النعم لكّنا اآلن نعيش في عالم ليس فيه لون أو طعم أو رائحة‪ .‬ولوال فضله‬
‫سبحانه وتعالى علينا لما استطعنا اكتساب أي من هذه النعم بأي حال من‬
‫‪51‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫األحوال‪ .‬ولكن هللا تعالى قد أنعم على الناس فخلق النكهات والروائح‪ ،‬تماماً‬
‫كما خلق لنا الجهاز العصبي كي نحيط بها‪.‬‬
‫يسبحه على ما يراه من جمال في الطبيعة‪ ،‬فهو على علم‬
‫إن من يؤمن باهلل ّ‬
‫ودراية بأن هللا هو خالق كل ما يوجد من جمال‪ ،‬وأن كل هذه المحاسن هي‬
‫ملك هلل‪ ،‬وتجّليات لما يختص به سبحانه وتعالى من جمال‪.‬‬
‫خلل التنزه في الطبيعة‪ ،‬يصادف اإلنسان المزيد من الجمال‪ ،‬فمن القشة‬
‫إلى األقحوان األصفر‪ ،‬ومن الطيور إلى النمل ‪..‬كل شيء مفعم بالتفاصيل‬
‫التي تحتاج إلى التفكير فيها‪ .‬وحينما يتفكر الناس فيها يصلون إلى فهم قوة‬
‫وقدرة هللا‪.‬‬
‫فالفراشات مثلً ذات جمال بديع جداً‪ ،‬فبأجنحتها المتساوقة وتصاميمها‬
‫المزكرشة بتماثل تام وكأنها مرسومة باليد وألوانها الفوسفورية‪ ،‬تشكل‬
‫الف ارشات دليلً على إبداع هللا وقدرته العظيمة على الخلق‪.‬‬
‫وبشكل مماثل فإن النباتات التي ال تعد وال تحصى‪ ،‬وأنواع األشجار على‬
‫األرض هي من المحاسن التي خلقها هللا‪ ،‬وقد خلق هللا األزهار بألوانها‬
‫واألشجار بأشكالها المختلفة كي تضفي على حياة اإلنسان بهجة كبيرة‪.‬‬
‫والمؤمن يتفكر كيف أن الورود واألزهار‪ ،‬مثل البنفسج واألقحوان والزنبق‬
‫والقرنفل واألوركيد ناعمة الملمس تنبت من بذورها ملساء تماماً دون تجاعيد‬
‫وكأنها مكوية!‬
‫‪52‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ومن العجائب األخرى التي خلقها هللا تعالى شذى هذه األزهار‪ ،‬فالوردة مثلً‬
‫لها عبير قوي دائم التجدد‪ ،‬ورغم أحدث التطورات التكنلوجية لم يستطع‬
‫العلماء أن يصنعوا رائحة تضاهي تماماً عبير الورود‪ ،‬فاألبحاث المخبرية‬
‫التي تحاول تقليد هذا العبير لم تثمر عن نتائج مرضية‪.‬‬
‫فبشكل عام فالعطور التي صنعت أساساً برائحة الورود حادة ومزعجة في‬
‫حين أن رائحة الوردة األصلية ال تزعج!‬
‫ومن يؤمن باهلل يعلم أن كلً من هذه النباتات خلق له ُلي َسّبح هللا‪ ،‬وليبرز له‬
‫إبداع هللا وعلمه في ما خلقه سبحانه وتعالى منجمال ‪ ،‬ولذلك فإن من يرى‬
‫هذا الجمال حينما يتنزه في الحديقة يمجد هللا فيقول ?ما شاء هللا وال قوة إال‬
‫باهلل?[الكهف‪ .]39:‬ويتذكر أن هللا قد سخر هذا الجمال لخدمة اإلنسان وأنه‬
‫سوف يمنح المؤمنين نعماً ممتازة ال تقارن في اآلخرة فيزداد حبه هلل تعالى‪.‬‬
‫الناس بشكل عام ال يدركون أي معنى للتفكير في الكائنات الحية التي‬
‫يتخيلون ان هذه الكائنات الحية التي يصادفونها كل‬
‫يرونها في محيطهم‪ .‬وال ّ‬
‫يوم لها ميزات مثيرة للهتمام‪ .‬أما بالنسبة للمؤمن فإن كل كائن حي خلقه‬
‫هللا يحمل آثار الكمال في خلقه‪ ،‬والنمل بعض هذه المخلوقات‪.‬‬
‫فالمؤمن الذي ال يعمي عينه عن النمل الذي يراه حين يتنزه في الحديقة‬
‫يشهد الكمال في خلق هللا من خلل رؤيته لميزاتها المدهشة‪.‬‬
‫‪53‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫فحتى مشاهدة تحركات النملة تستحث العقل فهي تحرك أرجلها المتناهية‬
‫الدقة بأسلوب متتال منتظم إلى أبعد حد‪ ،‬فهي تعرف تمام المعرفة أي رجل‬
‫يجب أن تقوم بالخطوة األولى وأيها تقوم بالخطوة التالية‪ ،‬وتتحرك بسرعة‬
‫دون ترّنح‪.‬‬
‫وهذه الحشرة الصغيرة ترفع فتاتاً أكبر بكثير من جسمها‪ ،‬وتحمله إلى وكرها‬
‫بقلبها وروحها‪ ،‬وتسافر مسافات طويلة بالمقارنة مع جسمها الضئيل‪.‬‬
‫وبكل سهولة تستطيع أن تجد وكرها في األرض التي ال معالم تميزها دون أن‬
‫يكون هناك مرشد في خدمتها‪ .‬ورغم أن مدخل الوكر صغير لدرجة ال‬
‫نستطيع معها نحن أنفسنا أن نجده‪ ،‬ال تختلط عليها األمورفتجده أينما كان‪.‬‬
‫عندما يرى اإلنسان هذه النملت في الحديقة وهي مصطفة في خط الواحدة‬
‫تلو األخرى‪ ،‬تكدح بحماس لتحمل الطعام إلى وكرها ال يمكنه التوقف عن‬
‫التساؤل عن طبيعة هذا التصميم على العمل بكد الذي تملكه هذه الحشرات‬
‫الصغيرة جداً‪.،‬‬
‫ثم يدرك اإلنسان أن النملة ال تحمل الطعام لنفسها فقط ولكن أيضاً ألعضاء‬
‫أخر في المستعمرة‪ ،‬للملكة‪ ،‬ولصغار النمل‪.‬‬
‫وما يحتاج اإلنسان أن يتفكر به هو كيف يمكن لهذه الحشرة الصغيرة جداً‬
‫التي ال تمتلك دماغاً متطو اًر أن تعرف االجتهاد والنظام والتضحية بالنفس‪.‬‬
‫وبعد التأمل ملياً بهذه الحقائق يصل اإلنسان إلى الخلصة التالية‪ :‬النمل‬
‫‪54‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫مثله مثل باقي الكائنات الحية تعمل بإلهام من هللا‪ ،‬وال تأتمر اال بأمره‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫والمؤمن عندما يتنزه في الحديقة‪ ،‬يتفكر أيضاً بنتة اللبلب (نبتة متعرشة)‬
‫التي يصادفها‪ ،‬وهي من أجمل ما خلق هللا تعالى‪ .‬فبالنسبة لمن يتفكر هناك‬
‫دائماً آيات يتعلمها من كل شيء حي‪.‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪ ،‬في لف نبتة اللبلب نفسها حول غصن ما أو أي شيء‪،‬‬
‫صورت‪،‬‬
‫أمر يحتاج اإلنسان للتفكر فيه بدقة‪ .‬ولو أن مراحل نمو هذه النبتة ّ‬
‫ثم أعيد عرض الشريط بسرعة لرأينا أن هذه النبتة تتحرك كما لو أنها كائن‬
‫مدرك‪ .‬فكأنها ترى أن هناك غصناً أمامها فتمد نفسها باتجاهه وتوثقه إليه‬
‫وكأنها تحكم الخناق حوله‪ .‬وأحياناً تلتف حول الغصن عدة مرات لتثبت‬
‫نفسها‪ ،‬ثم تنمو بسرعة بهذه الطريقة‪ ،‬وتنشيء لنفسها طريقاً جديداً أما‬
‫بالعودة أو التقدم إلى األسفل عندما يصل ممرها إلى نهايته‪.‬‬
‫والمؤمن الذي يشهد كل هذه األمور يدرك مرة أخرى أن هللا سبحانه وتعالى‬
‫خلق كل الكائنات الحية بأنظمة فريدة خالية من الخلل‪.‬‬
‫وفيما يستمر المرء بمراقبة تحركات نبتة اللبلب فإنه يشهد معلماً آخر مهماً‬
‫من معالم هذه النبتة‪ ،‬حيث يرى أن هذه النبتة تلصق نفسها بإحكام بالسطح‬
‫الذي تتموقع عليه عبر تمديد أذرع إلى جوانبه‪ ،‬كما تفرز هذه النبتة "غير‬
‫المدركة" مادة دبقة قوية لدرجة قد تنزع الدهان عن الحائط إذا حاول‬
‫اإلنسان إزالتها‪.‬‬
‫‪55‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وجود مثل هذه النبتة يظهر للمؤمن الذي يتفكر في هذه األمور القدرة الكلية‬
‫هلل خالقها‪.‬‬
‫نشاهد األشجار في كل يوم وكل مكان‪ ،‬ولكن مع ذلك هل تفكرتم يوماً كيف‬
‫يصل الماء إلى أبعد ورقة في أعلى غصن في الشجرة الباسقة؟‬
‫يمكننا أن نمتلك فهماً أفضل للطبيعة غير العادية لهذا األمر عن طريق‬
‫المقارنة‪ .‬فمن المستحيل أن يرتفع الماء من الخزان الكائن في قبو المبنى‬
‫الذي نسكن فيه‪ ،‬إلى الطوابق األعلى دون محرك دفع مائي‪ ،‬أو غيره من‬
‫المحركات القوية‪ .‬إذ ال يمكن حتى ضخ المياه إلى الطابق األول ‪ ،‬وهذا‬
‫يعني أنه يجب أن يكون هناك نظام ضخ في األشجار شبيه بمحرك الدفع‬
‫المائي‪ ،‬واال إذا لم يستطيع الماء الوصول إلى جذع الشجرة وأغصانها فإن‬
‫الشجرة تموت سريعاً‪ .‬لقد خلق هللا كل شجرة مزودة بكل المعدات الضرورية‪،‬‬
‫وعلوة على ذلك فإن نظام الدفع المائي في الكثير من األشجار أرفع من أن‬
‫يقارن بذلك الموجود في المباني التي نعيش فيها؛ وما ذكرناه واحد من‬
‫الموضوعات التي يتفكر فيها من ينظر إلى كل األشياء بعين البصيرة‪ ،‬عندما‬
‫يشاهد النباتات‪.‬‬
‫وهناك موضوع آخر له علقة بأوراق األشجار‪ .‬فمن يتفكر في األشياء التي‬
‫يشاهدها‪ ،‬ال يعتبر‪ ،‬حين ينظر إلى األشجار‪ ،‬أوراقها أشكاالً عادية ألف‬
‫مشاهدتها‪ .‬فهو يتفكر في أمورمختلفة ال تخطر لمعظم الناس‪ ،‬فمثلً‪ ،‬مع أن‬
‫أوراق األشجار رقيقة جداً‪ ،‬فإنها ال تجف بفعل الحر الشديد‪ ،‬ولو أن إنساناً‬
‫‪56‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫بقي في الخارج ولو لوقت قصير في حرارة تبلغ أربعين درجة مئوية‪ ،‬فإن لو‬
‫جلده يتغير‪ ،‬ويعاني من الجفاف‪ ،‬في حين تستطيع أوراق األشجار أن تبقى‬
‫خضراء أليام وحتى شهور في الحر الشديد دون أن تحترق‪ ،‬على الرغم من‬
‫ضآلة كميات المياه التي تجري في أوعيتها الشبيهة بالخيوط؛ وهذه معجزة‬
‫في الخلق تبين أن هللا خلق كل شيء بعلم منقطع النظير‪ .‬وبالتفكر في‬
‫معجزة الخلق هذه يرى المؤمن عظمة هللا ويذكره سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫يتابع الناس األخبار في الجريدة اليومية وعبر التلفاز أما خلل النهار أو‬
‫حين يعودون إلى بيتهم في المساء‪ .‬وفي هذه التقارير الكثير من القضايا‬
‫التي يمكن أن يتفكر فيها اإلنسان الحي الضمير ويأخذ حذره منها ويرى فيها‬
‫آيات هللا‪.‬‬
‫في كل يوم على الصفحات المحلية لألخبار في الجرائد والنشرات األخبارية‪،‬‬
‫تطالعنا تقارير عديدة عن القتل والجرح‪ ،‬واللصوصية والسرقات والسلب‬
‫واالنتحار‪ .‬وتكرر وقوع هذه األحداث والعدد الكبير لألشخاص الميالين جداً‬
‫إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم يشير إلى الضرر الذي يعاني منه الناس الذين‬
‫ال يؤمنون باهلل‪ .‬فخطف شخص ما لطفل صغير من أجل الفدية مسبباً له‬
‫خوفاً عظيماً‪ ،‬أو حتى قتله‪ ،‬وتصويب شخص أخر مسدساً في وجه رجل‬
‫وقتله‪ ،‬دون تردد‪ ،‬وقبول ثالث الرشوة‪ ،‬أو القيام بسلب األموال أو االنتحار‪..‬‬
‫كلها تشير إلى أن هؤالء األشخاص ال يخافون هللا وال يؤمنون باآلخرة‪ .‬فمن‬
‫يخاف هللا ويعرف أنه سيحاسب في اآلخرة ال يفعل هذه األمور أبداً‪ .‬كل هذه‬
‫‪57‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫األفعال عقوبتها في اآلخرة نار جهنم إذا لم يتب عنها مرتبكها واذا لم‬
‫يسامحه هللا ويرحمه‪.‬‬
‫وقد يقول أحدهم‪":‬أنا ملحد ال أؤمن باهلل ومع ذلك فأنا ال أقبل الرشوة"‪ .‬ولكن‬
‫هذا التعبير من إنسان ال يؤمن باهلل غير مقنع أبداً‪ .‬فمن المحتمل جداً أن‬
‫يخل هذا الشخص بوعده إذا تبدلت الظروف‪ ،‬فعلى سبيل المثال إذا اضطر‬
‫هذا اإلنسان إلى إيجاد المال لسبب طارئ‪ ،‬وصودف أن كان في وضع فيه‬
‫فرصة للسرقة أو قبول الرشوة‪ ،‬فمن غير المتوقع أن يكون عند كلمته عندما‬
‫تكون حياته على المحك‪ .‬ومع أن هذا الشخص قد يتجنب قبض الرشوة في‬
‫الظروف الصعبة‪ ،‬فإنه قد يميل إلى ارتكاب غيرها من المحظورات‪ ،‬أما‬
‫المؤمن فل يقوم بأي عمل ال يستطيع أن يتحمل عاقبته في اآلخرة‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬فإن سبب هذه األحداث التي تجعلنا من المعترضين بأصواتنا في الجرائد‬
‫والتلفزيونات وفي حياتنا االجتماعية‪ ،‬وتدفعنا إلى أن نصرخ بقوة‪" :‬ماذا‬
‫حصل لهذا المجتمع" هو في الحقيقة‪ ،‬قلة التدين ‪.‬والمؤمن الذي يرى هذه‬
‫التقارير ال يعمي عينيه عنها بل يفكر بأن الحل الوحيد بالتحدث بدعوة‬
‫الناس الى الدين‪ ،‬واحياء قيمه‪ ..‬ففي المجتمع الذي يتكون من أناس‬
‫يخافون هللا ويعلمون أنهم سيحاسبون في اآلخرة من المستحيل لهذه‬
‫األحداث أن تقع بهذه الدرجة التي تقع فيها في أوقاتنا هذه‪ .‬ففي مثل هذا‬
‫المجتمع سوف يعيش الناس في أعلى درجات األمن والسلم‪.‬‬
‫‪58‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫تشكل برامج النقاش التي تذاع على التلفاز مادة أخرى للتفكر فيها لمن يتابع‬
‫التفكر في األمور من حوله‪.‬‬
‫وبرامج النقاش هذه تستضيف األشخاص األكثر إلماماً بموضوع الساعة‬
‫واألكثر علماً به‪ .‬فيناقش هؤالء موضوعاً ما لساعات من غير أن يكون أحد‬
‫منهم قاد اًر على إيجاد حل أو الوصول إلى استنتاج ما‪ ،‬مع أن هؤالء الذين‬
‫يشاركون في هذه البرامج يعتبرون مؤهلين لحل هذه القضايا‪.‬‬
‫وبالفعل‪ ،‬فإن حلول معظم هذه القضايا واضح بما فيه الكفاية ومع ذلك فإن‬
‫مصالح الناس الشخصية‪ ،‬وبقاؤهم تحت تأثير نفوذهم الحالي وسعيهم‬
‫إلظهار انفسهم بدل البحث بإخلص عن الحلول يوصلهم إلى مأزق وطريق‬
‫مسدود‪.‬‬
‫واإلنسان الحي الضمير الذي يشهد كل هذايجزم بأن سبب هذه األحداث‬
‫يكمن في بعد المجتمع عن دين هللا‪ ،‬فمن يؤمن باهلل ال يظهر منه أي‬
‫تصرف أخرق‪ ،‬ال مسؤول أو فارغ‪ .‬فهو يعلم أن هناك خي اًر في كل حادث‬
‫يعرضه هللا له‪ ،‬وأنه في امتحان دائم في هذه الحياة‪ ،‬وعليه أن يستخدم‬
‫ّ‬
‫رشده وعلمه وقوته بطريقة ترضي هللا‪.‬‬
‫باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬عندما يشاهد المؤمن هذه البرامج يتذكر قوله تعالى‪:‬‬
‫شيء جدال?[الكهف‪].54:‬‬
‫?‪...‬وكان اإلنسان أكثر‬
‫ٍ‬
‫‪59‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ان وجود مثل هذه البرنامج يكشف عن طبيعة الناس المولعة بالجدل‬
‫والخصام‪ .‬وهذا ما يؤدي بهم في معظم األوقات إلى الفشل في فهم‬
‫المطلوب‪ ،‬فهوسهم بما سيقولون‪ ،‬ومحاولتهم قوله أوالً‪ ،‬ومقاطعتهم بعضهم‬
‫بعضاً ورفعهم أصواتهم بسهولة وانفعالهم الشديد بلمحة‪ ،‬ومباشرتهم بكيل‬
‫الشتائم لبعضهم‪ ،‬تكشف بوضوح الجوانب السلبية لذوي الثقافات الرفيعة‬
‫ظاهرياً الذين ينقصهم اإليمان باهلل‪.‬‬
‫بمشاركة أشخاص مخلصين وصادقين مائة بالمائة‪ ،‬ممن يخافون هللا ال‬
‫يمكن لهذه المناقشات المطولة وغير المثمرة أن تحدث‪،‬ف بما أن الهدف هو‬
‫إرضاء هلل ومنفعة للناس‪ ،‬فإن أفضل أساليب التفكير‬
‫إيجاد الحلول األكثر‬
‫ً‬
‫وأكثرها ضميرية‪،‬توضع وتطبق دون تضييع الوقت‪ ،‬وبما أن ضمير الكل‬
‫سوف يرتاح بالوصول إلى النتيجة النهائية فإن الخصام والجدل لن يقعا‪.‬‬
‫واذا كان هناك ألي واحد اعتراض مبني على أسباب معقولة تظهر طريقة‬
‫أفضل في الحل فإن اقتراحه يطبق مباشرة‪ ،‬وخلفاً لغيرهم‪ ،‬فإن من يؤمنون‬
‫باهلل ال يظهرون تصرفات عنيدة ومتعجرفة؟ وعندما يتذكرون قوله تعالى‬
‫?‪ ...‬وفوق كل ذي علم عليم?[يوسف‪ ،]76:‬يطبقون أفضل الخيارات التي‬
‫يقدرون عليها‪.‬‬
‫هذه النقاشات التي تستمر حتى الصباح دون الوصول إلى أي حل تستحق‬
‫أن تؤخذ بعين االعتبار ألنها تظهر ما يمكن أن يحدث في البيئات التي ال‬
‫تعيش قيم وأخلق الدين الرفيعة‪.‬‬
‫‪60‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫عدم العدل بين الناس من القضايا التي تتداول باستمرار في وسائل اإلعلم‪،‬‬
‫ففيما هنالك في أحد جوانب العالم بلدان مزدهرة بشكل ملحوظ تتمتع بدرجات‬
‫عالية من الرفاهية‪ ،‬هناك في الجانب المقابل أناس ال يجدون ما يأكلونه‬
‫وليس لديهم دواء لعلج حتى أبسط األمراض و يتكرر وقوع الموت في‬
‫صفوفهم بسبب اإلهمال‪ .‬أول ما يكشفه هذا الوضع هو النظام الجائر السائد‬
‫في العالم ‪.‬من السهل جداً على البلدان الغنية إنقاذ هؤالء الناس‪ ،‬فعلى‬
‫سبيل المثال‪ ،‬قرب األمم التي تموت من الجوع في أفريقيا هناك مجتمعات‬
‫كدست الثروات من مناجم الماس‪ ،‬وبالتالي أنشأت "مدنية" متقدمة‪ .‬ورغم‬
‫أنه من السهل جداً إعادة إسكان هؤالء األشخاص الذين يعيشون في الفقر‬
‫قريبين من المجاعة متروكين عرضة للموت ‪ ،‬أو تأمين الموارد التي تتوافق‬
‫مع احتياجاتهم‪ ،‬في المناطق التي يعيشون فيه‪،‬ا فإنه لعقود من الزمن لم‬
‫يتم البحث عن حلول أساسية لمشكلتهم؛ ومع أن مساعدتهم ليست مهمة‬
‫يستطيع عدد قليل من الناس القيام بها‪ ،‬إال أنه من أجل إيجاد حل نحتاج‬
‫الى الكثير من التضحية بالنفس‪ ،‬وذلك فإن عدد األشخاص الذين يمكن‬
‫االدعاء بأنهم ينكبون على محاولة حل مثل هذه المشكلة قليل جداً‪.‬‬
‫تريليونات من الدوالرات تبدد في كل جزء من العالم ألسباب مختلفة‪ ،‬حتى ان‬
‫بعض الناس يرمون طعامهم ألن كمية الملح التي فيه لم تعجبهم‪ ،‬فيما‬
‫يموت غيرهم ألنه غير قادر على إيجاد كمية كافية من الطعام ليأكلها وفي‬
‫هذا دليل واضح ضد نظام عالمي جائر سببه عدم تطبيق قيم الدين على‬
‫األرض‪.‬‬
‫‪61‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ومن يرى كل هذا يجزم بأن الشيء الوحيد الذي يزيل هذا الجور هو االلتزام‬
‫بأوامر هللا‪ ،‬فالناس الذين يخافون هللا ويتصرفون بما تمليه عليهم ضمائرهم‬
‫ال يمكن أن يسمحوا بمثل هذا الظلم والجور‪ .‬وسوف يساعدون المعوزين‬
‫بحلول محدودة وسريعة وطويلة األمد‪ ،‬دون أن يسمحوا بأي نوع من أنواع‬
‫التفاخر‪ ،‬واذا اقتضت الضرورة يستثمرون جميع اإلمكانيات الموجودة في‬
‫العالم‪.‬‬
‫ويخبرنا هللا في القرآن الكريم أن مساعدة الفقراء والمعوزين هي من صفات‬
‫األشخاص الذين يخافون هللا واليوم اآلخر? ويطعمون الطعام على حبه‬
‫اء وال شكورا‪.‬‬
‫مسكيناً ويتيماً وأسي اًر‪ .‬إنما نطعمكم لوجه هللا ال نريد منكم جز ً‬
‫إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا?[اإلنسان‪ .]10-8:‬وعدم إطعام‬
‫الفقراء من صفات األشخاص الكافرين الذين ال يخافون هللا ?خذوه فغّلوه‪ .‬ثم‬
‫الجحيم صّلوه‪ .‬ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه‪ .‬إنه كان ال يؤمن‬
‫باهلل العظيم‪ .‬وال يحض على طعام المسكين‪ .‬فليس له اليوم هاهنا حميم‪ .‬وال‬
‫طعام إال من غسلين‪ .‬ال يأكله إال الخاطئون?[الحاقة‪].37-30:‬‬
‫بعض التقارير التي يصادفها الناس باستمرار في الجرائد والتلفزيونات تتعلق‬
‫بالكوارث‪ ،‬فالناس قد يتعرضون للكوارث في أي وقت‪ .‬فقد تحدث هزة أرضية‬
‫قوية‪ ،‬وقد يشب حريق وقد يحدث فيضان‪ ،‬ومن يرى هذه التقارير يتذكر أن‬
‫هللا قادر على كل شيء فباستطاعته أن يسوي مدينة ما باألرض إذا أراد‪،‬‬
‫وبالتفكر في هذا األمر يدرك اإلنسان أنه ال ملجأ من هللا إال إليه‪ ،‬وال مغيث‬
‫‪62‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫إال هو‪ ،‬فحتى أقوى المباني والمدن المجهزة بأحدث وسائل التكنلوجيا ال‬
‫تستطيع أن تقف في وجه قوة هللا فهي األخرى قد تفنى في لحظات‪.‬‬
‫وكل هذه المشاهد هي من أجل أن يتفكر فيها اإلنسان ويعتبر‪ ،‬ومن يسمع‬
‫تقارير الكوارث يفكر أيضاً بأن هللا قد أنزل الكارثة على مدينة ما لسبب‬
‫معين‪ .‬ففي القرآن الكريم يذكر هللا تبارك وتعالى أنه ينزل العقاب باألمم‬
‫اء على أفعالهم‪ ،‬ومن ثم فإن سبب حدوث الكوارث‬
‫العاصية تنبيهاً لهم أو جز ً‬
‫إما أن يكون تطبيق مجتمع ما لقيم تغضب هللا‪ ،‬فيعاقبهم على ذلك أو‬
‫امتحاناً للناس ببعض الشدة في هذه الدنيا‪.‬‬
‫وبالتفكر في هذه اإلمكانيات يخاف المؤمن أن تقع به هذه الكوارث فيستغفر‬
‫هللا سبحانه وتعالى على أعماله‪.‬‬
‫ال يمكن ألي شخص أو أمة أن تتفادى وقوع أي كارثة إال إذا أراد هللا‪ .‬وال‬
‫فرق في ذلك بين أغنى وأقوى المدن وأي مكان آخر عادي يعتبر قليل‬
‫المخاطر بسبب موقعه الجغرافي‪ ،‬فاهلل تعالى يقول انه ليس هناك أمة‬
‫تستطيع تفادي الكارثة عندما تحل بها‪.‬‬
‫?أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون‪ .‬أ وأمن أهل القرى أن‬
‫يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ‪.‬أفأمنوا مكر هللا فل يأمن مكر هللا إال القوم‬
‫ً‬
‫الخاسرون‪ .‬أولم يهد للذين يرثون األرض من بعد أهلها أن لو نشاء‬
‫أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم ال يسمعون[ ?األعراف‪]100-97:‬‬
‫‪63‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫موضوع آخر يتداول به باستمرار في األنباء هو التراجع االقتصادي؛ وتحديداً‬
‫هناك عدد من المواد االخبارية السلبية تنشر عن الربا يومياً‪ .‬ومن يق أر هذه‬
‫التقارير التي تذكر أن الربا أصبح خارجاً عن السيطرة وسبباً للنكماش‬
‫االقتصادي يدرك أن هللا يضعف أرباح الناس جزاء على تبني مثل هذا‬
‫المحرم والبغيض_اي الربا‪ .‬وكما تذكر اآلية الكريمة‪ ?:‬يمحق هللا‬
‫الصنيع‬
‫ّ‬
‫خوان أثيم? ] البقرة‪ [276:‬فإن هللا‬
‫كل ّ‬
‫الربا ويربي الصدقات وهللا ال يحب ّ‬
‫سبحانه وتعالى يزيل األرباح المحققة عن طريق الربا ويقلل االنتاجية‪ .‬هذه‬
‫الحقائق مذكورة أيضاً في آية أخرى على الشكل التالي‪ ?:‬وما آتيتم من ربا‬
‫ليربو في أموال الناس فل يربو عند هللا وما آتيتم من زكاة تريدون وجه هللا‬
‫فأولئك هم المضعفون?] الروم‪[.39:‬‬
‫ومن يتفكر في هذه التقارير يرى فيها هي أيضاً مثاالً على ما تبينه آيات‬
‫القرآن الكريم للناس‪.‬‬
‫ومن الممكن أيضاً أن نرى في البرامج التلفزيونية وفي المجلت والصحف‬
‫ونتفكر فيه ‪.‬فمشاهدة أو زيارة مكان ذي منظر خلب‬
‫الجمال الذي خلقه هللا‬
‫ّ‬
‫مثل بيت جميل أو حديقة أو شاطىء بحري يمتع الجميع بالتأكيد‪ .‬فقبل كل‬
‫شيء هذه المشاهد تذكرنا بالجنة‪ ،‬ومن خلل مشاهدتها يتذكر المؤمن مرة‬
‫أخرى أن هللا الذي ينعم علينا بهذه النعم ويرينا هذا الجمال الباهر سوف‬
‫يخلق في أماكن ال تضاهى جماالً في الجنة‪.‬‬
‫‪64‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫يتفكر بالتالي أيضاً‪ :‬كل جمال خلق في هذه الحياة‬
‫ومن يرى هذه المشاهد ّ‬
‫الدنيا فيه العديد من النقائص والعيوب ألن الحياة الدنيا دار اختبار‪ .‬ومن‬
‫يمضي بعض الوقت في أحد المنتجعات التي كان قد شاهدها قبل ذلك في‬
‫التلفاز يلحظ هذه العيوب‪ .‬فشدة رطوبة الطقس وملوحة مياه البحر‬
‫المزعجة والحر المحرق والبعوض أمثلة على ذلك‪ .‬باإلضافة الى ذلك فإن‬
‫الكثير من الصعوبات الدنيوية قد تحدث مثل حروق الشمس‪ ،‬مشاكل وكالة‬
‫السفر التنظيمية‪ ،‬والطبيعة العصبية لألشخاص الذين يشاركهم المكان‪.‬‬
‫أما في الجنة فإن منابع كل هذا الجمال ستكون هناك‪ .‬ولن يكون هناك أي‬
‫مرض‪ .‬ففي كل جمال يقابله المؤمن‬
‫شيء مزعج‪ ،‬ولن ينعقد أي حديث غير‬
‫ٍ‬
‫في هذه الحياة الدنيا يزداد توقه الى الجنة‪ ،‬ويشكر هللا دائماً على نعمه التي‬
‫أنعمها عليه في هذه الحياة‪ ،‬ويستمتع بالتفكير بأن منابع هذه األمور‬
‫الجميلة توجد في الجنة‪ ،‬وال ينسى هذا أبداً باالنجراف بمفاتن الحياة الدنيا‪،‬‬
‫فيعيش حياته بالطرق التي تنتهي به الى امتلك الجمال األبدي‪ ،‬وتجعله‬
‫أهلً لدخول الجنة‪.‬‬
‫ما لم يتفكر االنسان باألشياء التي يعرفها‪ ،‬فإنه لن يستطيع أن يدرك‬
‫دقائقها‪ ،‬وال أن يفهم ماهية هذا المحيط االستثنائي الذي يعيش فيه‪.‬‬
‫ولهذا االعتبار فإن المؤمن يتفكر باستمرار في األحداث والكائنات الحية التي‬
‫خلقها هللا‪ ،‬ومع أن هذه األمور قد تكون معروفة لدى الكثير من الناس‪ ،‬إال‬
‫‪65‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫تفكره فيها يكون قاد اًر على استخلص نتائج مختلفة‬
‫أن المؤمن من خلل ّ‬
‫عما يصل اليه اآلخرون‪.‬‬
‫المكون األساس لكل ما في الكون‬
‫فعلى سبيل المثال من المعروف حيداً أن‬
‫ّ‬
‫الذرة‪ .‬فكل الناس يعلمون أن الكتاب الذي يقرأون‬
‫من كائنات حية وجماد هو ّ‬
‫فيه والكنبة التي يجلسون عليها والماء الذي يشسربونه وكل األشياء التي‬
‫الحية يفكرون أبعد‬
‫ذرات‪ .‬ولكن فقط ذوي الضمائر ّ‬
‫مكونة من ّ‬
‫يرونها حولهم ّ‬
‫من ذلك ويشهدون على قوة هللا العظيمة‪.‬‬
‫فعندما يرى مثل هؤالء األشخاص تقارير حول هذا الموضوع يفكرون بالتالي‪:‬‬
‫لتكون إنساناً‬
‫الذرات مخلوقات جامدة فكيف يمكن لمادة جامدة أن تتجمع ّ‬
‫متحركاً قاد اًر على الرؤية والسمع وتفسير ما يسمعه واالستمتاع بالموسيقى‬
‫التي يسمعها والتفكير واتخاذ الق اررات‪ ،‬والحزن والفرح؟ وكيف يقدر االنسان‬
‫يتكون من الذرات؟‬
‫على اكتساب مثل هذه السمات التي ّ‬
‫تميزه عن غيره مما ّ‬
‫بالتأكيد ان الذرات الجامدة غير المدركة ال يمكن أن تعطي االنسان هذه‬
‫الخصائص‪ .‬فمن الواضح أن هللا هو الذي خلق االنسان بروح قد وهبت كل‬
‫يذكرنا بقوله تعالى‪ ?:‬الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ‬
‫هذه الخصائص‪ ،‬وهذا ّ‬
‫سواه‬
‫خلق االنسان من طين‪ .‬ثم جعل نسله من سللة من ماء مهين‪ .‬ثم ّ‬
‫فنفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع واألبصار واألفئدة قليلً ما‬
‫تشكرون?]السجدة‪[ 9-7:‬‬
‫هل تفكرت يوماً في كون كل شيء مس ّخر لإلنسان وحده؟‬
‫‪66‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫عندما يبحث المؤمن في كل ما في الكون من أنظمة وكل ما فيه من كائنات‬
‫بعين يقظة‪ ،‬يرى أنها كلها مس ّخرة لإلنسان‪ ،‬ويفهم أنه ليس في‬
‫حية وجماد ٍ‬
‫ّ‬
‫الوجود شيء جاء بمحض الصدفة‪ ،‬بل خلق هللا كل شيء بإتقان لخدمة‬
‫اإلنسان‪.‬‬
‫فمثلً يتنفس اإلنسان كل الوقت دون بذل جهد‪ ،‬فالهواء الذي يستنشقه ال‬
‫يحرق مجرى تنفسه وال يصيبه الدوار وال يسبب له أوجاعاً في الرأس‪ ،‬فنسب‬
‫الغازات في الهواء ملئمة لجسم اإلنسان‪ .‬ومن يتفكر في هذه األمور يتذكر‬
‫نقطة أخرى هامة جداً‪ ،‬فلو كان تركز األوكسيجين في الهواء أكثر قليلً أو‬
‫أقل قليلً فما هو عليه الختفت الحياة في الحالتين‪ .‬فيتذكر عندها األوقات‬
‫العصيبة التي قضاها في األماكن الخالية من الهواء الطلق‪ .‬وفيما يتابع‬
‫المؤمن التفكر في هذا الموضوع فإنه يشكر هللا باستمرار ألنه يدرك بأن‬
‫الغلف الجوي لألرض كان يمكن ان يتألف مما تألفت به الغلفات الجوية‬
‫لباقي الكواكب‪ ،‬ولكن األمر ليس كذلك فالغلف الجوي لألرض مخلوق‬
‫بتوازن كامل وبترتيب يسمح للبليين من الناس التنفس دون جهد‪.‬‬
‫ومن يستمر في التفكر في الكوكب الذي يعيش فيه‪ ،‬يفكر كم أن الماء الذي‬
‫خلقه هللا مهم لحياة اإلنسان فيرد على ذهنه كون الناس بشكل عام يفهمون‬
‫أهمية الماء فقط عندما يحرمون منه لفترة طويلة‪ .‬فالماء مادة نحتاجها في‬
‫كل لحظة من حياتنا‪ .‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬هناك كمية معتبرة من خليا جسمنا‬
‫ومن الدم الذي يصل إلى جميع أنحاء الجسم مكونة من الماء‪ .‬ولو لم تكن‬
‫كذلك فإن سيلن الدم سوف يقل ويصبح جريانه في العروق صعباً جداً‪.‬‬
‫‪67‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وسيلن الماء مهم ليس ألجسامنا فقط ولكن للنباتات أيضاً‪ ،‬حيث ان الماء‬
‫يصل إلى أبعد أطراف اوراق االشجار عبر المرور بأوعيتها الشبيهة‬
‫بالخيوط‪.‬‬
‫كما ان كمية المياه الكبيرة في البحار هي التي تجعل أرضنا مأهولة‪ .‬فلو أن‬
‫نسبة البحار إلى اليابسة في األرض كانت أصغر لتحولت اليابسة الى‬
‫صحارى والستحالت الحياة‪.‬‬
‫واإلنسان الحي الضمير الذي يتفكر في هذه األمور مقتنع كلياً بأن إيجاد هذا‬
‫ّ‬
‫التوازن الكامل على األرض بالتأكيد ليس صدفة‪ .‬وملحظة كل هذا والتفكر‬
‫فيه يظهر ان هللا العظيم ومالك القدرة األبدية خلق كل شيء لهدف‪.‬‬
‫يتفكر فيها هي‬
‫باالضافة إلى ذلك يتذكر هذا اإلنسان ان هذه األمثلة التي ّ‬
‫غيض من فيض‪ ،‬وفعلً من المستحيل إحصاء األمثلة فيما يتعّلق بالتوازن‬
‫الدقيق على األرض‪ ،‬ومع ذلك فإن اإلنسان الذي يتفكر يستطيع ملحظة‬
‫النظام والكمال والتوازن المنتشرفي كل زاوية من زوايا الكون وبالتالي يمكنه‬
‫الوصول إلى خلصة مفادها ان هللا س ّخر كل شيء لإلنسان‪ .‬ويذكر هللا‬
‫تعالى هذه الحقائق في القرآن الكريم بقوله‪?:‬وس ّخر لكم ما في السموات وما‬
‫يتفكرون? ]الجاثية‪[13:‬‬
‫في األرض جميعاً منه إن في ذلك آليات لقوم ّ‬
‫تفكرتم فيه يوماً؟‬
‫كل منا م ّ‬
‫طلع على مفهم الخلود‪ ،‬ولكن هل ّ‬
‫‪68‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫الخلود من أهم الموضوعات التي يتفكر فيها من يؤمن باهلل‪ .‬فخلق هللا‬
‫للحياة األبدية في الجنة والنار موضوع مهم يحتاج كل واحد منا أن يتفكر‬
‫فيه‪ ،‬ومن يفعل ذلك تدور في خلده األمور التالية ‪:‬الطبيعة األبدية للجنة من‬
‫أعظم النعم والمكافآت التي تمنح في الحياة بعد الموت‪ ،‬فإذا كان من الممكن‬
‫أن يعيش االنسان في هذه الحياة الدنيا مائة عام‪ ،‬فإن الحياة الرائعة في‬
‫الجنة ال تنتهي أبداً‪ ،‬فهي غير محدودة بزمن‪ ،‬فبالمقارنة مع بليين يليين‬
‫العصور تبدو هذه البليين قصيرة بالنسبة لها‪.‬‬
‫من يتذكر هذه األمور يلحظ أنه من الصعوبة بمكان أن يحيط االنسان‬
‫بماهية الخلود‪ ،‬ويمكن لهذا المثال ان يوضح الموضوع‪ :‬إذا كان هناك‬
‫بليين بليين الناس استمروا في التوالد على مدى بليين بليين العصور‬
‫بنفس الوتيرة ليلً نها اًر واذا عاش كل واحد منهم بليين بليين السنوات الى‬
‫منتهاها فإن الرقم الذي سيصلون اليه بمجموعه يبقى صف اًر بالنسبة الى‬
‫الرقم الذي سيعيشونه في الحياة األبدية‪.‬‬
‫ومن يتفكر بهذا يصل الى النتائج التالية‪ :‬إن هللا عنده علم عظيم‪ ،‬فما هو‬
‫أبدي بالنسبة لإلنسان قد انتهى بالنسبة اليه‪ ،‬وكل األحداث التي وقعت من‬
‫اللحظة األولى لبداية الزمان الى نهايته‪ ،‬بكل أشكالها وأزمنتها‪ ،‬فإنها قد‬
‫حدثت وانتهت بعلم هللا تعالى ‪.‬‬
‫وبنفس الطريقة يجب أن يفكر المرء بأن جهنم هي المكان الذي سيخلد فيه‬
‫الكافرون الى األبد‪ ،‬وفيها أنواع العذاب المختلفة والكربات‪ ،‬حيث سيكون‬
‫‪69‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫الكافرون عرضة لعذاب جسدي وروحي ال ينقطع وال يتوقف وال يعطى‬
‫المع ّذب أي وقت لينام أو يرتاح‪ .‬ولو كان هناك نهاية للحياة في جهنم لكان‬
‫هناك أمل ألصحاب النار حتى لو كانت هذه الراحة بعد بليين بليين‬
‫السنين‪ ،‬ولكنهم يجزون بالعذاب األبدي على شركهم باهلل وكفرهم‪?.‬والذين‬
‫كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون?‬
‫]األعراف‪[36:‬‬
‫من المهم جداً أن يحاول كل فرد فهم موضوع الخلود من خلل التفكر فيه‪،‬‬
‫فإن هذا يزيد من سعيه الى اآلخرة ويعزز فيه الخوف والرجاء معاً‪ ،‬ففيما‬
‫يخلف من العذاب األبدي فإنه يتعلق بالرجاء بدخول الجنة والنعيم المقيم‪.‬‬
‫اإلنسان الذي يتفكر يرى غايات مهمة كامنة وراء وجود األحلم‪ .‬فهو يتفكر‬
‫كم تبدو األحلم التي يراها خلل نومه واقعية‪ ،‬حيث ال تختلف من هذه‬
‫الناحية عن لحظات اليقظة‪ .‬فعلى الرغم من أن الجسم يكون في حالة‬
‫استلقاء على السرير‪ ،‬فإن االنسان يمضي في منامه في رحلت عمل‪،‬‬
‫ويلتقي أشخاصاً لم يلتق بهم من قبل‪ ،‬ويتناول طعام الغداء وهو يستمع الى‬
‫الموسيقى‪ ،‬ويستمتع بنكهة طعامه‪ ،‬ويرقص على وقع الموسيقى‪ ،‬ويتحمس‬
‫لما يقع من أحداث‪ ،‬ويفرح‪ ،‬ويحزن‪ ،‬ويخاف‪ ،‬ويتعب‪ ..‬وقد يقود مركبة آلية‬
‫لم يقدها من قبل‪ ،‬ودون أن يتقن فن القيادة أصلً!‬
‫ومع أن جسده كان مستلقياً بل حراك‪ ،‬وعيناه مغمضتان فإنه رأى صو اًر‬
‫متعددة في األماكن التي رآها في منامه‪ ،‬ومع أن الغرفة كانت خالية فإنه‬
‫‪70‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫سمع أصواتاً‪ ،‬مما يعني أن الذي أبصر لم تكونا العينين‪ ،‬وأن الذي سمع لم‬
‫تكونا األذنين‪ ،‬فكل شيء حدث في ذهنه‪ ،‬ومع ذلك كان كل شيء يبدو‬
‫واقعياً وكأن كل هذه االنطباعات الذهنية لها شكل أصيل‪.‬‬
‫اذن ما الذي يشكل مثل هذه الصور التي ال اصل لها في العالم الخارجي‪،‬‬
‫يشكلها خلل نومه عن وعي وقصد‪ ،‬وال دماغه‬
‫فاالنسان ال يستطيع أن ّ‬
‫يستطيع أن يوّلد هذه الصور من تلقاء نفسه‪ ،‬فالدماغ عبارة عن كتلة من‬
‫مكونة من جزئيات بروتينية‪ ،‬ومن غير المنطقي أبداً االدعاء بأن هذه‬
‫اللحم ّ‬
‫المادة تستطيع تشكيل الصور بنفسها‪ ،‬أو تشكيل وجوه بشرية وأماكن‬
‫وأصوات لم ترها أو تسمعها من قبل‪ .‬فمن إذن يرينا هذه الصور في أحلمنا‬
‫خلل فترة النوم؟‬
‫من يمعن التفكر في هذه األسئلة سوف يرى الحقيقة الواضحة‪ ،‬وهي أن هللا‬
‫تعالى هو الذي يجعل الناس ينامون فيتوفى أنفسهم عندها‪ ،‬ثم يعيدها اليهم‬
‫عندما يستيقظون‪ ،‬ويريهم األحلم خلل نومهم‪.‬‬
‫ومن يعلم أن هللا هو الذي يرينا األحلم‪ ،‬فإنه يتفكر أيضاً بالغايات واألسباب‬
‫الكامنة وراء خلقها‪ ،‬ففي أحلمه يكون االنسان واثقاً من الناس وما يمر به‬
‫من أحداث وكأنه في حالة اليقظة‪ ،‬ولو أن أحدهم قال لنا‪":‬إنكم تحلمون‬
‫صدقناه! ومن يدرك كل ذلك سوف يتساءل ‪:‬من‬
‫اآلن‪ ،‬استيقظوا‪ "..‬لما ّ‬
‫االدعاء أن هذه الحياة ليست فانية‪ ،‬وأنها ليست شبيهة بالحلم‪،‬‬
‫يستطيع ّ‬
‫‪71‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫وأنه كما نستيقظ من أحلمنا اآلن‪ ،‬فإننا يوماً ما سنستيقظ من هذه الحياة‬
‫لنرى مشاهد مختلفة تماماً‪ ..‬هي مشاهد اآلخرة ‪.‬‬
‫الفصل الخامس‬
‫القرآن الكريم آخر كتاب أنزله هللا على عباده‪ ،‬وكل إنسان يعيش فوق هذه‬
‫البسيطة ملزم بتعّلم القرآن وتنفيذ األوامر المنزلة فيه‪ .‬ومع أن معظم الناس‬
‫يتدبرون آياته‪ ،‬وال يتفّقهون في ما نزل‬
‫يقرون بأنه كتاب مقدس فإنهم ال ّ‬
‫ّ‬
‫فيه‪ ،‬وال يطبقون ما أمرهم هللا به من خلله ‪ ،‬فهم يكتفون بمعرفة القرآن من‬
‫يحصلونها من هنا وهناك‪ ،‬في حين أن أهمية تفكر‬
‫خلل المعلومات التي ّ‬
‫االنسان في القرآن ومكانته أمر عظيم‪.‬‬
‫فقبل كل شيء‪ ،‬من يتدبر القرآن سيرغب في معرفة خالقه وخالق هذا الكون‬
‫الذي يعيش فيه‪ ،‬من أعطاه الحياة عندما كان عدماً‪ ،‬وأنعم عليه بنعم وأمور‬
‫تعد وال تحصى‪ ،‬ليسلك السبيل الذي يرضيه سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫جميلة ال ّ‬
‫والقرآن الذي أنزله هللا على رسوله صلى هللا عليه وسّلم هو خير مرشد الى‬
‫هذا السبيل‪ .‬من أجل ذلك يحتاج االنسان الى معرفة الكتاب الذي أرسله هللا‬
‫الطيب‪ ،‬وينفذ أوامر هللا‬
‫والتفكر في كل آية من آياته حتى يميز الخبيث من ّ‬
‫كما يحب سبحانه ويرضى‪.‬‬
‫ويذكر هللا تبارك وتعالى الغاية من إنزال القرآن فيقول‪ ?:‬كتاب أنزلناه اليك‬
‫وليتذكر أولوا األلباب?]ص‪[29:‬‬
‫ليدّبروا آياته‬
‫ّ‬
‫كبارك ّ‬
‫‪72‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫?كل إنه تذكرة‪ .‬فمن شاء ذكره ‪.‬وما يذكرون إال أن يشاء هللا‪ ،‬هو أهل‬
‫التقوى وأهل المغفرة? ]المد ّثر‪[ 56-54‬‬
‫كثير من الناس يقرأون القرآن ولكنهم يغفلون عن أهم هدف من وراء‬
‫القراءة‪ ،‬وهو تدبر كل آية‪ ،‬واستخلص العبر والدروس منها‪ ،‬وتطويع‬
‫سلوكنا وفقاً لما استخلصناه‪ ..‬فمن يق أر ‪-‬مثلً‪ -‬قوله تعالى‪?:‬فإن مع العسر‬
‫يس اًر‪ .‬إن مع العسر يس اًر?] الشرح‪ [6-5:‬ويتدبر معناه سوف يفهم ان هللا‬
‫عسر يس أرً‪ ،‬ولذلك فإنه لو مر بعسر فما عليه إال أن يثق بأن هللا‬
‫جعل لكل‬
‫ٍ‬
‫سوف يجعل معه يس اًر‪ .‬واذا كان هذا وعد من هللا لنا فحرّي بنا أن ندرك أن‬
‫ضعف في‬
‫اليأس واالمتلء بالهلع في اللحظات الصعبة إنما هو دليل على‬
‫ٍ‬
‫نكيف‬
‫وتدبر معناهما‪ ،‬أن ّ‬
‫إيماننا‪ ،‬ولذلك يجب علينا بعد قراءة هاتين اآليتين ّ‬
‫تصرفاتنا بمقتضاهما طوال حياتنا‪.‬‬
‫وفي القرآن أيضاً يذكر هللا قصصاً من حياة الرسل واألنبياء الذين عاشوا في‬
‫الماضي‪ ،‬ليدرك الناس كيف كانت حياة وتصرفات وحديث من رضي هللا‬
‫نتفكر في قصص هؤالء األنبياء‬
‫عنهم‪ ،‬فيتخذهم قدوة‪ .‬ويأمرنا هللا تعالى أن ّ‬
‫ونستخلص منها العبر فيقول‪:‬‬
‫?لقد كان في قصصهم عبرة ألولي األلباب‪ ]?...‬يوسف‪[ 111:‬‬
‫?وفي موسى إذ أرسلناه الى فرعون بسلطان مبين?] الذاريات‪[ 38:‬‬
‫‪73‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫?فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين?] العنكبوت‪( [15:‬النبي‬
‫المشار اليه في هذه اآلية هو نوح عليه السلم)‪.‬‬
‫كما أن في القرآن ذكر لألمم الغابرة‪ ،‬وأحوالهم والكوارث التي أنزلوها على‬
‫أنفسهم‪ .‬ومن الخطأ الجسيم قراءة اآليات المتعلقة بما حدث لهم من باب‬
‫السرد التاريخي البحت‪ ،‬ألن هللا تعالى أنزل هذه اآليات ‪-‬كما غيرها‪-‬‬
‫لنتدبرها ونصلح أنفسنا من خلل االتعاظ بما حل بهذه األمم ‪.‬‬
‫ّ‬
‫مدكر?]القمر‪[ 51:‬‬
‫?ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من ّ‬
‫اء لمن كان كفر‪ .‬ولقد‬
‫?وحملناه على ذات ألواح ودسر ‪.‬تجري بأعيننا جز ً‬
‫مدكر‪ .‬فكيف كان عذابي ونذر‪ .‬ولقد يسرنا القرآن للذكر‬
‫تركناها آية فهل من ّ‬
‫مدكر?]القمر‪[17-13:‬‬
‫فهل من ّ‬
‫لقد أنزل هللا القرآن هادياً للبشر‪ ،‬ولذلك فإن التفكر في آياته‪ ،‬والعيش‬
‫بمقتضى ما في كل آية من دروس وتحذيرات هو السبيل الوحيد الى رحمة‬
‫هللا وقبوله لنا ودخول جنته‪.‬‬
‫يتفكرون?‬
‫لتبين للناس ما نزل اليهم ولعّلهم ّ‬
‫‪? ...‬وأنزلنا اليك الذكر ّ‬
‫]النحل‪[44:‬‬
‫في هذه اآلية الكريمة ‪-‬كما في غيرها من اآليات‪ -‬يدعو هللا الناس الى‬
‫التفكر‪ .‬فالتفكر والتدبر‪ ،‬وادراك الغايات الخفية‪ ،‬واإلعجاز في خلق هللا‪،‬‬
‫‪74‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫عبادة بحد ذاتها‪ .‬فكل موضوع نتفكر فيه يعيننا أكثر على فهم وتعظيم قدرة‬
‫هللا وعلمه وابداعه‪ ،‬وغيرها من صفاته سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫****************************‬
‫‪ ‬مقدمة‬
‫التفكر العميق‬
‫‪‬‬
‫ّ‬
‫‪ ‬التفكر يبطل السحر عن الناس‬
‫‪ ‬التفكر ممكن في أي زمان وأي مكان‬
‫إخلص النية هلل عند التفكر‬
‫‪ ‬بماذا يتفكر الناس عادة؟‬
‫‪ ‬مخاوف غير ذات نفع‬
‫‪ ‬ما هي األسباب التي تمنع الناس من التفكر؟‬
‫‪ ‬اتباع األكثرية يؤدي الى الجمود العقلي‪:‬‬
‫مضرة!‬
‫‪ ‬كثرة التفكير ّ‬
‫‪ ‬تفادي المسؤولية التي تترتب على التفكر‬
‫‪ ‬عدم التفكر بسبب االنجراف في تيارالحياة اليومية‬
‫‪75‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫‪ ‬النظر الى كل شيء بعين العادة وبالتالي عدم رؤية أية حاجة‬
‫للتفكر فيها‬
‫‪ ‬خلصة‪ :‬من الضرورة أن يزيل االنسان كل األسباب التي تمنعه‬
‫من التفكر‬
‫نتفكر فيها‬
‫‪ ‬تلك األشياء التي يجب أن ّ‬
‫‪ ‬عندما يستيقظ اإلنسان في الصباح‪...‬‬
‫‪ ‬بماذا يجعلنا ضعفنا نتفكر؟‬
‫نتفكر‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا بعض معالم جسم اإلنسان ّ‬
‫‪.. ‬في الطريق‬
‫‪ ‬بماذا يجعلنا هذا العالم المتعدد األلوان نتفكر؟‬
‫تذكرنا عربة نقل الموتى‬
‫‪ ‬بماذا يجب أن ّ‬
‫‪ ‬خلل النهار‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا الصعوبات التي تعترضنا نفكر؟‬
‫‪ ‬أمور نتفكر فيها خلل عملنا‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا شبكة العنكبوت نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا يجعلنا المرض نفكر؟‬
‫متعجرفا‪ ،‬مددللً‪،‬‬
‫ً‬
‫‪ ‬بماذا يتفكر اإلنسان عندما يقابل شخصاً‬
‫مزعجاً‪ ،‬سيء الطبع؟‬
‫‪ ‬خلل تناول الطعام‬
‫‪76‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا الفاكهة التي تقدم خلل وجبة الطعام نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا الروائح والنكهات نتفكر؟‬
‫‪ ‬خلل التنزه في الحديقة‪..‬‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا مظاهر الجمال التي نراها في الطبيعة نتفكر؟‬
‫‪ ‬هل تفكرت يوماً في نملة رأيتها خلل تنزهك في الحديقة؟‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا التحركات "المدركة" لنبتة اللبلب نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا األشجار نتفكر؟‬
‫‪ ‬خلل قراءة الجريدة أو مشاهدة التلفاز‪..‬‬
‫‪ ‬بماذا يجعلنا تكرر قضايا العنف والسرقة والجريمة نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا برامج النقاش التي تستمر حتىالصباح نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا يجعلنا الفقر والمجاعة في كل زاوية من زوايا العالم‬
‫نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا الكوارث التي تحدث حول العالم نتفكر؟‬
‫نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا مستجدات موضوع الربا ّ‬
‫‪ ‬التفكر في األماكن الجميلة‬
‫نتفكر عندما نق أر في المجلت العلمية أن حجر بناء‬
‫‪ ‬بماذا ّ‬
‫المادة هو الذرة؟‬
‫‪ ‬بعض الحقائق التي يصل إليها اإلنسان عبر التفكر العميق‬
‫نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا يجعلنا الخلود ّ‬
‫‪77‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫نتفكر؟‬
‫‪ ‬بماذا تجعلنا األحلم ّ‬
‫‪ ‬التفكر في آيات القرآن الكريم‬
‫‪ ‬إلى ما يدعو هللا الناس للتفكر فيه من خلل القرآن الكريم؟‬
‫تفكر في خلقه‬
‫‪ ‬هللا يدعو اإلنسان الى ال ّ‬
‫‪ ‬ويدعو الناس الى التفكر في خلق الكون‪..‬‬
‫‪ ‬ويدعوهم الى التفكر بالطبيعة الفانية لهذه الحياة الدنيا‬
‫‪... ‬والى التفكر في ما هم فيه من نعم ورحمات‬
‫للتفكر في أن هذا الكون كله مس ّخر له‬
‫‪ ‬ويدعو االنسان ّ‬
‫‪ ‬ويدعو الناس الى التفكر في أنفسهم‬
‫‪ ‬ويدعوهم الى التفكر بالقيم واألعمال الصالحة‬
‫‪ ‬وهللا يدعو الناس الى التفكر في اآلخرة‪ ،‬والساعة ويوم‬
‫الحساب‪.‬‬
‫التفكر في كل ما خلقه من كائنات حية‬
‫‪ ‬ويدعو اإلنسان الى ّ‬
‫‪ ‬ويدعوه الى التفكر بالعقاب الذي قد ينزل به فجأة‬
‫‪.. ‬ويدعوه الى التفكر في القرآن‬
‫‪ ‬والرسل دعوا قومهم الذين ال يفقهون الى التفكر‬
‫‪ ‬وهللا يدعو الناس الى مقاومة تأثير الشيطان‬
‫‪.. ‬ويشجع من أرسل اليهم القرآن على التفكر بعمق‬
‫‪.. ‬ويدعو الناس الى التفكر في الموت واألحلم‬
‫‪78‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫الخلصة‪:‬‬
‫حيا‪ .‬أوال يذكر اإلنسان أّنا خلقناه‬
‫?ويقول اإلنسان أءذا ّ‬
‫مت لسوف أخرج ّ‬
‫من قبل ولم يك شيئا?]مريم‪[67-66:‬‬
‫?إن في خلق السماوات واألرض واختلف الليل والنهار والفلك التي تجري‬
‫في البحر بما ينفع الناس وما أنزل هللا من السماء من ماء فأحيا به األرض‬
‫بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين‬
‫آليات لقوم يعقلون?[البقرة‪].164:‬‬
‫السماء واألرض‬
‫ٍ‬
‫?إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فأختلط به نبات األرض مما‬
‫يأكل الناس واألنعام حتى إذا أخذت األرض زخرفها وازيينت وظن أهلها أنهم‬
‫قادرون عليها أتاها أمرنا ليلً أو نها اًر فجعلناها حصيداً كأن لم تغن باألمس‬
‫وكذلك نفصل اآليات لقوم يتفكرون?[يونس‪].24:‬‬
‫?أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها األنهار له‬
‫فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار‬
‫فاحترقت كذلك يبين هللا لكم اآليات لعلكم تتفكرون?[البقرة‪].266:‬‬
‫‪79‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫?وهو الذي مد األرض وجعل فيها رواسي وأنها اًر ومن كل الثمرات جعل فيها‬
‫زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك آليات لقوم يتفكرون?‬
‫?وفي األرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير‬
‫صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في األكل إن في ذلك‬
‫آليات لقوم يعقلون?[الرعد‪3:‬و‪].4‬‬
‫?وسخر لكم ما في السماوات وما في األرض جميعاً منه إن في ذلك آليات‬
‫لقوم يتفكرون?[الجاثية‪].13:‬‬
‫?ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل واألعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك‬
‫آلية لقوم يتفكرون‪ .‬وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم‬
‫مسخرات بأمره إن في ذلك آليات لقوم يعقلون‪ .‬وما ذ أر لكم في األرض‬
‫مختلفاً ألوانه إن في ذلك آلية لقوم ي ّذ ّكرون‪ .‬وهو الذي سخر البحر لتأكلو‬
‫منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلي ًة تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه‬
‫ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون‪ .‬وألقى في األرض رواسي أن تميد بكم‬
‫وأنها اًر وسبلً لعلكم تهتدون‪ .‬وعلمات وبالنجم هم يهتدون أفمن يخلق كمن‬
‫ال يخلق أفل تتذكرون?[النحل‪].17-11:‬‬
‫?أولم يتفكروا في أنفسهم‪[?...‬الروم‪].8:‬‬
‫‪80‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫?وال تقربوا مال اليتيم إال بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل‬
‫والميزان بالقسط ال نكلف نفساً إال وسعها واذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى‬
‫وصاكم به لعلكم تذكرون?[األنعام‪].152:‬‬
‫وبعهد هللا أوفوا ذلكم ّ‬
‫?إن هللا يأمر بالعدل واإلحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء‬
‫والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون?[النحل‪].90:‬‬
‫?يا أيها الذين آمنوا ال تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على‬
‫أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون?[النور‪].27:‬‬
‫سوء تود لوأن‬
‫?يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محض اًر وما عملت من ٍ‬
‫بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم هللا نفسه وهللا رؤوف بالعباد?[آل‬
‫عمران‪].30:‬‬
‫?واذكر عبادنا إبراهيم واسحاق ويعقوب أولو األيدي واألبصار‪ .‬إنا أخلصناهم‬
‫بخالصة ذكرى الدار?[ص‪].46-45:‬‬
‫?فهل ينظرون إال الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا‬
‫جائتهم ذكراهم?[محمد‪].18:‬‬
‫?وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما‬
‫يعرشون‪ .‬ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل بك ذللً يخرج من بطونها‬
‫شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك آلية لقوم‬
‫يتفكرون?[النحل‪].69-68:‬‬
‫‪81‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫?قل أرأيتكم أن أتاكم عذاب هللا أو أتتكم الساعة أغير هللا تدعون إن كنتم‬
‫صادقين?[األنعام‪].40:‬‬
‫?قل أرأيتم إن أخذ هللا سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير هللا‬
‫نصرف اآليات ثم هم يصدفون?[األنعام‪].46:‬‬
‫يأتيكم به أنظر كيف ّ‬
‫?قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب هللا بغت ًة أو جهرًة هل يهلك إال القوم‬
‫الظالمون?[األنعام‪].47:‬‬
‫?قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نها اًر ماذا يستعجل منه‬
‫المجرمون?[يونس‪].50:‬‬
‫?أوال يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم ال يتوبون وال هم‬
‫ي ّذ ّكرون?[التوبة‪].126:‬‬
‫?ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون األولى بصائر للناس‬
‫وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون?[القصص‪].43:‬‬
‫ً‬
‫مدكر?[القمر‪].51:‬‬
‫?ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من ّ‬
‫?ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم‬
‫ي ّذكرون?[األعراف‪].130:‬‬
‫?أفل يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير هللا لوجدوا فيه اختلفاً‬
‫كثي اًر?[النساء‪].82:‬‬
‫‪82‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آبائهم األولين?[المؤمنون‪].68:‬‬
‫?أفلم ّ‬
‫ليدبروا آياته وليتذكر أولوا األلباب?[ص‪].29:‬‬
‫?كتاب أنزلناه إليك مبارك ّ‬
‫?فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون?[الدخان‪].58:‬‬
‫?كل إنه تذكرة‪ .‬فمن شاء ذكره?[المدثر‪].55-54:‬‬
‫فصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم‬
‫?وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً ّ‬
‫ذك اًر?[طه‪].113:‬‬
‫?قل ال أقول لكم عندي خزائن هللا وال أعلم الغيب وال أقول لكم إني ملك إن‬
‫أتبع إال ما يوحى إلي قل هل يتوي األعمى والبصر أفل‬
‫تتفكرون?[األنعام‪].50:‬‬
‫أتحاجوّني في هللا وقد هداني وال أخاف ما تشركون به إال‬
‫?وحاجه قومه قال‬
‫ّ‬
‫شيء علماً أفل تذكرون?[األنعام‪].80:‬‬
‫أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل‬
‫ٍ‬
‫?واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باهلل إنه سميع عليم‪ .‬إن الذين اتقوا‬
‫إذا مسهم من طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون‪ .‬واخوانهم‬
‫يمدونهم في الغي ثم ال يقصرون?[األعراف‪].202-200:‬‬
‫?إذهب أنت وأخوك بآياتي وال تنيا في ذكري‪ .‬إذهبا إلى فرعون إنه طغى‪.‬‬
‫فقوال له قوالً ليناً لعله يتذكر أو يخشى?[طه‪].44-42:‬‬
‫‪83‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫?هللا يتوفى األنفس حين موتها والتي لم تمت في منانها فيمسك التي قضى‬
‫عليها الموت ويرسل األخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك آليات لقوم‬
‫يتفكرون?[الزمر‪].42:‬‬
‫إن هذا الكتاب "دعوة الى التفكر "فالحقيقة يمكن أن تقال لإلنسان بطرق‬
‫عديدة ويمكن إظهارها باستخدام تفاصيل‪ ،‬وجزئيات األدلة وبكل الوسائل‪.‬‬
‫ولكن إذا لم يتفكر االنسان بنفسه بالحقيقة بكل صدق واخلص متوخياً‬
‫الفهم‪ ،‬فكل هذه الجهود غير مجدية‪ .‬لهذا السبب عندما بّلغ رسل هللا‬
‫رساالتهم الى الناس‪ ،‬أخبروهم الحقيقة بوضوح ثم دعوهم الى التفكر فيها‪.‬‬
‫واالنسان الذي يتفكر يحيط بأسرار الخلق وبحقيقة هذه الحياة الدنيا وبوجود‬
‫الجنة والنار وببواطن األمور‪ ،‬ويحصل على فهم أعمق ألهمية كونه انساناً‬
‫مرضياً عند هللا‪ ،‬فيعيش الدين كما يجب ويتعرف الى صفات هللا في كل ما‬
‫يراه‪ .‬ثم يبدأ بالتفكير بالطريقة التي تطالب بها اغلبية الناس ولكن كما يأمر‬
‫هللا سبحانه وتعالى‪ .‬ونتيجة لذلك فإنه يستمتع بالجمال أكثر بكثير مما‬
‫يستمتع به غيره وال تسبب له المخاوف التي ال أساس لها أو األطماع‬
‫الدنيوية الكرب‪.‬‬
‫وكل هذا نزر يسير من األشياء الجميلة التي يفوز بها من يتفكر في هذه‬
‫الحياة الدنيا‪ ،‬أما الفوز العظيم في اآلخرة الذي يناله من يصل الى الحقيقة‬
‫عبر التفكر فهو محبة ورضا ورحمة وجنة ربنا سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫‪84‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫ومن ناحية أخرى فقد أزف اليوم الذي سوف يتفكر فيه الذين يتهربون من‬
‫رؤية الحقيقة عبر التفكر‪ ،‬بل إنهم سيتفكرون ويستغرقون ويرون الحقيقة‬
‫واضحة كعين الشمس‪ .‬ومع ذلك فإن تفكرهم في ذلك اليوم لن ينفعهم بل‬
‫سيجلب لهم الحزن‪ .‬وهللا تعالى يذكر في كتابه متى سوف يتفكر مثل هؤالء‬
‫وبرزت‬
‫الناس‪ ?:‬فإذا جاءت الطامة الكبرى‪ .‬يوم يتذكر االنسان ما سعى‪ّ .‬‬
‫الجحيم لمن يرى? ]النازعات‪[36-34 :‬‬
‫دعوة الناس الذين يفترضون أنهم يستطيعون التهرب من المسؤوليات من‬
‫خلل عدم التفكر الى التفكر حتى يستطيعوا أن يدركوا النهاية التي ستحل‬
‫بهم‪ ،‬هي بالنسبة للمؤمنين فعل عبادة‪ .‬ولكن كما يقول ربنا سبحانه وتعالى‬
‫]المدثر‪[ 55:‬‬
‫في القرآن الكريم‪ ?:‬فمن شاء ذكره?‬
‫ّ‬
‫قصيم ـ ـ ـ ــي ن ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــت‬
‫‪http://www.qassimy.com/‬‬
‫منتديات قصيمي نت‬
‫‪http://www.qassimy.com/vb/index.php‬‬
‫‪85‬‬
‫مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب‬
‫فن التأمل‬
‫)مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب(احد منتديات قصيمي نت)‬
‫‪http://www.qassimy.com/vb/forumdisplay.php?f=68‬‬
‫واس‪/‬مشرف المكتبة‬
‫‪[email protected]‬‬
‫الشكر والتقدير لالخوة في مكتبة المشكاة‬
‫‪86‬‬