تحميل الملف المرفق

‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬
‫عنوان البحث ‪:‬‬
‫نبذة عن علم مق اصد الشريعة اإلسالمية‬
‫هدية إلى معهد الخوارزمي‬
‫محمد محمد شلف‬
‫الحادي عشر محرم ‪1427 /‬‬
‫‪1‬‬
2
‫مقدمة‬
‫الحمد هلل والصالة والسالم على رسول هللا ‪...‬اللهم ال علم لنا إال ما علمتنا إنك أنت العليم‬
‫الحكيم ‪...‬وبعد ‪،‬‬
‫فإن علم مقاصد الشريعة اإلسالمية نوع دقيق من أنواع العلم ‪ ،‬ال يخوض فيه إال من بلغ درجة من العلم‬
‫ووهب قدرا من لطف الذهن واستقامة الفهم ‪ .‬وهو من األهمية بحيث أن فيه غنى للفقه اإلسالمي من‬
‫حيث التشريع وذلك بعد معرفة علل األحكام ‪.‬‬
‫فال بد إذا للفقيه من معرفة مقاصد الشريعة اإلسالمية وهي الغاية التي ألجلها أنزل هللا شريعته‬
‫واالحاطة بفقه األولويات ‪ ،‬وعدم الخلط بين ما هو جزئي وكلي‪ ،‬ومتغير وثابت‪ ،‬وحاجي‬
‫وضروري‪ ،‬فتتغلب حينئذ الجزئيات على الكليات وتحل محلها ‪ ،‬والمتغيرات على الثوابت فتغدو‬
‫األولى بمثابة الثانية ‪ ،‬وتتقدم الحاجيات على الضروريات ‪ ،‬وربما النوافل على الفرائض ‪.‬ونحاول‬
‫من خالل هذه الفرصة التحدث عن هذا الفن ‪ ،‬وذلك بذكر األصول التي استمد منها هذا العلم وذكر‬
‫العلماء الذين أسهموا في هذا المجال مع تخصيص اإلمام الشاطبي والطاهر بن عاشور بالذكر لكونهم‬
‫أبدعوا في هذا العلم واستنبطوا العديد من كليات الشريعة كما نتحدث عن الطرف اآلخر الذي‬
‫عارض فكرة تعليل األحكام ورفض القياس مع اإلقتصار على النص ‪ ،‬ونشير إلى المقصد العام من‬
‫الشريعة فائدة علم المقاصد والطرق التي تعرف بها مقاصد الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬ومسألة المصالح‬
‫في التشريع اإلسالمي ‪ ،‬أنواع المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر األمة ‪ ،‬طرق المحافظة على‬
‫المقاصد الضرورية ‪ ,‬أقسام المصلحة باعتبار تحقق الحاجة إلى جلبها أو دفع الفساد عن أن يلحق بها‬
‫أنواع المشقات ‪.‬‬
‫أصول مادة المق اصد‬
‫تتبع العلماء مادة مقاصد الشريعة اإلسالمية واستنبطوها من كتب األصول والقواعد الفقهية إلى‬
‫جانب علم الفقه والتفسير والحديث ‪.‬‬
‫ولم يكن هذا الفن مهذبا ومبسطا ‪ ،‬إنما احتاج حتى وصل إلى ذلك مسيرة طويلة من الزمن حتى‬
‫هذبت قواعده ‪ .‬وأبرز أرباب هذا الفن هم ‪:‬‬
‫ـ العالم الجليل العز بن عبد السالم في كتابه ‪ :‬قواعد األحكام‬
‫ـ اإلمام الغزالي أبو حامد في كتابه المستصفى في أصول الفقه ‪.‬‬
‫ـ أبو اسحاق الشاطبي األندلسي ‪ ،‬حيث ألف كتابه الموسوم بالموافقات ‪،‬واإلعتصام وتناول فيهما‬
‫موضوع مقاصد الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬وبوب أصول أصول هذا العلم وخاض في ثناياه ‪ ،‬ولفت‬
‫األنظار إلى العديد من كليات الشريعة اإلسالمية التي استنبطها من نصوص القرآن والسنة وكالم‬
‫العلماء ‪ .‬وطارت في اآلفاق أخبار المصنف وتناقله العلماء وطالب العلم بالدراسة والتعليق ‪.‬‬
‫ونظرا للجمود الفكري الذي توالى على المسلمين ‪ ،‬والمناداة بغلق باب االجتهاد ‪ ،‬فقد أثر ذلك على‬
‫هذا الفن ‪ ،‬ولم يظهر مصنف آخر في المادة ‪ ،‬إلى أن جاء الشيخ ‪:‬‬
‫ـ الطاهر بن عاشور التونسي رحمه هللا ‪ ،‬فألف كتابه ‪ :‬مقاصد الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬كما أشار إلى‬
‫قواعد هذا الفن في مصنفه اآلخر ‪ ،‬التحرير والتنوير في علم التفسير ‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫أما في العصر الحاضر ‪ ،‬فقد تناول الباحثون هذا الفن تارة بالتعليق والتحقيق على ما كتبه األولون‬
‫أمثال الشاطبي والطاهر بن عاشور وتارة بمحاولة استخراج كليات جديدة للشريعة اإلسالمية وقد‬
‫صدرت العديد من المصنفات في ذلك ‪.‬ومن أمثلة هوالء ‪:‬‬
‫ـ مقاصد الشريعة اإلسالمية ومكارمها عالل الفاسي المغربي ‪.‬‬
‫ـ نظرية المقاصد عند اإلمام الشاطبي للدكتور ‪ :‬أحمد الريسوني ‪.‬‬
‫ـ الشاطبي ومقاصد الشريعة اإلسالمية للدكتور ‪ :‬حمادي العبيدي ‪.‬‬
‫ـ المقاصد العامة للشريعة اإلسالمية للدكتور ‪ :‬يوسف الحامد العالم ‪.‬‬
‫ـ كتاب أسرار الشريعة لشاه ولي هللا الدهلوي‬
‫ـ نظرية المقاصد عند اإلمام محمد الطاهر بن عاشور لألستاذ إسماعيل الحسني ‪.‬‬
‫ـ مقدمة الميساوي على كتاب الطاهر بن عاشور ‪.‬‬
‫وكتاب ‪ ،‬طرق الكشف عن مقاصد الشارع للدكتور نعمان جغيم‬
‫إلى جانب كتب األصول ‪ ،‬والقواعد الفقهية‬
‫من الجائز أن الداعي إلى وضع علم أصول الفقه ما أدركه المؤسسون للمذاهب من ضرورة البحث‬
‫في مقاصد الشريعة اإلسالمية بتتبع تصاريف أحكامها ‪ ،‬إال أن ما جرى عليه علم األصول في تطوره‬
‫التاريخي الغفلة عن مقاصد الشريعة فلم يدونها العلماء واكتفوا بأن أثبتوا شيئا قليال منها في مسالك‬
‫العلة مثل ‪ ،‬مبحث المناسبة واإلخالة ‪ ،‬والمصلحة المرسلة ‪ ،‬وكان األولى أن تكون تلك هي األصل‬
‫األول لألصول ألن بها يرتفع خالف كبير ‪}2{.‬‬
‫ترجمة اإلمام الشاطبي‬
‫يعتبر الشاطبي حجة من حجج الشريعة وعلما من أعالم مقاصدها بل هو معلمها األول على صعيد‬
‫النظر المنهجي والتأسيس العلمي‪. }3{.‬‬
‫اكتشاف كتاب الموافقات ومحاولة االستفادة من منهجه وتوظيف مقوالته في استئناف حركة االجتهاد‬
‫لقد أخرج الشاطبي البحث في المقاصد من كونه تابعا لبعض أبواب أصول الفقه ومسائله ليجعله ركنا‬
‫قائما بذاته ‪.‬‬
‫مما يمكن معه القول أن الشاطبي قد أعاد بناء هيكل علم األصول وجعل قوامه متماسكا بفكرة‬
‫المقاصد التي تسري وتمتد في سائر مباحثه{‪. }4‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪}2‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشورص‪80 :‬‬
‫{‪}3‬مقاصد الشريعة اإلسالمية للطاهر بن عاشور ص‪139 :‬‬
‫{‪ }4‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشورص‪149:‬‬
‫‪4‬‬
‫ترجمة العالمة الطاهر بن عاشور‬
‫لم يكن الطاهر بن عاشور شخصا من أغمار الناس بل كان ملء السمع والبصر إذ كان شيخا لجامع‬
‫الزيتونة وفروعه المختلفة وشيخا لإلسالم على المذهب المالكي في تونس‬
‫وقد وسع هذا العالم دائرة البحث في المقاصد وأعطاه وجهة جديدة تتجاوز به حدود السعي لتأسيس‬
‫مجرد أصول تشريعية عقلية كلية قطعية فقد فتح في الواقع أفقا أرحب للتنظير االجتماعي بمعناه‬
‫الواسع من حيث هو سعي للتشريع والتخطيط للمستقبل انطالقا من استيعاب معطيات الحاضر‬
‫وتحليلها وتمحيص عناصرها وفق الوحي طبقا ألحكامه وقيمه توخيا لتحقيق مقاصده وغاياته وفق‬
‫أولويات مترتبة متكاملة ال تعارض فيها وال تناسخ ‪}5{.‬‬
‫إن بحث المقاصد لم يشهد إسهاما نوعيا إكماال وتطويرا لما بدأه الشاطبي إال مع الشيخ الطاهر بن‬
‫عاشوروقد صدر لإلمام المذكور كتاب مقاصد الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬نص في موضوع المقاصد وهو‬
‫الكتاب الوحيد الذي ظهر بعد الموافقات ممحصا لمسألة المقاصد وقد خصص القسم الثالث منه‬
‫لدراسة المقاصد الخاصة بأبواب المعامالت ‪ .‬كما له كتاب آخر في التفسير تحت عنون ‪ :‬التحرير‬
‫والتنوير‪ ،‬وتضمن عالوة على تفسير كتاب هللا تعالى الكالم على كليات الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫يأخذ الطاهر بن عاشور على المفسرين أنهم انصرفوا عن االشتغال بانتزاع كليات التشريع إال في‬
‫مواضع قليلة‪}6{ .‬‬
‫المقصد العام للشريعة‬
‫القصد من التشريع إقامة المصالح ‪ ،‬فالشارع قد قصد إقامة المصالح األخروية والدنيوية ‪ ،‬وذلك‬
‫على وجه ال يختل لها به نظام ‪...‬وسواء في ذلك ماكان من قبيل الضروريات أو الحاجيات‬
‫أوالتحسينيات ‪}7{ .‬‬
‫وعند استقرائنا لموارد الشريعة اإلسالمية الدالة على مقاصدها من التشريع يستبين لنا من كليات‬
‫دالئلها ومن جزئياتها المستقراة أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام األمة واستدامة‬
‫صالحه بصالح المهيمن عليه وهو نوع اإلنسان ويشمل صالحه صالح عقله وعمله ‪ ،‬وصالح ما‬
‫بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه {‪}8‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪ }5‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشورص‪140 :‬‬
‫{‪ }6‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشورص‪65 :‬‬
‫{‪ }7‬الموافقات لإلمام الشاطبي ‪ ،‬ج ‪ ، 2‬ص‪350 :‬‬
‫{‪ }8‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهربن عاشور ص‪273 :‬‬
‫‪5‬‬
‫وكذا معرفة أن كثيرا من صور المصالح المختلفة والمعروفة بعد عملية االستقراء أيضا قصدت‬
‫الشريعة من خاللها أخذ صور كلية منها ‪ ،‬ومتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن‬
‫الشارع وال لها نظائر أداة أحكام متلقاة منه ‪ ،‬عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية فنثبت لها‬
‫من األحكام أمثال ما ثبت لكلياتها ‪ ،‬وهذا ما يسمى بالمصالح المرسلة التي سيأتي الكالم حولها ‪.‬‬
‫ثم إن تحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم ‪،‬يكون من جهة قصد الشارع ال من جهة قصد المكلف‬
‫في حالة المخالفة ‪ ،‬ألن الشريعة موضوعة إلخراج المكلف من داعية هواه وإدخاله تحت أمره ونهيه‬
‫حتى يكون عبدا هلل ‪.‬‬
‫وفي كتاب هللا تعالى إشارات كثيرة تدل أن الغرض من الشريعة هو حفظ مصالح العباد‪ ،‬منها قوله‬
‫تعالى ‪:‬إن أريد إال اإلصالح ما استطعت وما توفيقي إال باهلل ‪ ، }9{،‬وقوله‪ :‬وقال موسى ألخيه‬
‫هارون اخلفني في قومي وأصلح وال تتبع سبيل المفسدين ‪}10{،‬‬
‫وإذا تولى في األرض سعى ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل وهللا ال يحب الفساد ‪}11{،‬‬
‫وتتبعها أدلة من قبل اإليماء ‪ ،‬جاءت دالة على أن صالح الحال في هذا العالم منة كبرى يمن هللا بها‬
‫على الصالحين‪ ،‬كقوله تعالى ‪ :‬ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن األرض يرثها عبادي‬
‫الصالحون ‪}12{ .‬‬
‫وقوله‪ :‬وعد هللا الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في األرض ‪}13{ .‬‬
‫والمراد باإلصالح صالح العقائد وأحوال الناس وشؤونهم في الحياة االجتماعية ‪،‬‬
‫ومن عموم هذه االدلة حصل لنا اليقين أن الشريعة متطلبة لجلب المصالح ودرء المفاسد ‪ ،‬واعتبرنا‬
‫هذه قاعدة كلية في الشريعة{‪}14‬‬
‫من ينادي باالقتصار على العمل بالنص دون القياس‬
‫كان هناك تحفظا منذ صدر اإلسالم من استعمال مسألة الرأي في األحكام الشرعية ‪،‬ولكن االقتصار‬
‫على نصوص الكتاب والسنة ‪ ،‬باعتبار أن النصوص قد تكون قطعية ال مجال للرأي فيها ومن جملة‬
‫هؤالء أهل الحديث ‪ ،‬والقدوة في ذلك من الصحابة ‪،‬ابن عمر رضي هللا عنه وغيره ‪ ،‬وهناك مدرسة‬
‫أخرى‪ ،‬توسعت في مسألة القياس ‪ ،‬وتعليل األحكام والقول بالرأي عموما وهم الكوفيون أصحاب أبي‬
‫حنيفة النعمان ‪ ،‬ويستدلون على ذلك ‪ ،‬بآثار لعمر بن الخطاب ‪ ،‬وعبد هللا ابن مسعود رضي هللا‬
‫عنهم ‪.‬‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪ }9‬سورة هود رقم اآلية ‪88 :‬‬
‫{‪ }10‬سورة األعراف رقم اآلية ‪142 :‬‬
‫{‪ }11‬سورة البقرة آية رقم ‪205 :‬‬
‫{‪ }12‬سورة األنبياء رقم اآلية ‪106 ،105 :‬‬
‫‪6‬‬
‫{‪ }13‬سورة النور رقم اآلية ‪55 :‬‬
‫{‪ }14‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشورص ‪275 :‬‬
‫وهناك طرف ثالث توسع في موضوع االكتفاء بظواهر النصوص وعدم الحيد عنها ‪ ،‬وهو صوت‬
‫داود بن علي األصفهاني الظاهري ‪ ،‬الذي يعتبر أول من نادى بالعمل بالنص من غير بحث عن علة‬
‫الحكم وبالتالي من غير تعدية له إلى غير موضع النص ‪ ،‬مما يفسر إلغاء العمل بالقياس ‪.‬‬
‫ومذهب الظاهرية ‪....‬من الرأي والقياس وتعليل األحكام الشرعية موقف المناهضة واإلبطال‬
‫جعل مقاصد الشريعة وأهدافها العامة ال موضوع لها عند بعض الطوائف على أساس أن دين هللا ال‬
‫يصاب بالعقول‬
‫ثم حمل هذا الفكر بعد داود الظاهري اإلمام بن حزم الظاهري ‪ ،‬وسار على نفس الخطى ‪ .‬وقعد‬
‫المذهب الظاهري وجمع أقوال أصحابه ‪ ,‬في كتبه المشهورة ‪ ،‬أمثال كتابه المحلى باآلثار وهو كتاب‬
‫في الفقه الظاهري مطبوع في قرابة عشرة أجزاء ‪ ,‬وكتاب اإلحكام في األصول ‪ .‬وابن حزم‬
‫موسوعة علمية وعقل فذ أنتجه الفكر اإلسالمي ‪ ،‬إال أنه تعثر عند مناداته باالكتفاء بظواهر‬
‫النصوص وعدم إفساح المجال للقول بالقياس ‪ ،‬رغم أن المنادين به لهم شواهد من القرآن والسنة ‪.‬‬
‫ولعل هذه كبوة ابن حزم رحمه هللا وال بد من القول أن ابن حزم محدث وله جهود كبيرة في نشر‬
‫السنة في بالد األندلس ‪.‬‬
‫ف ائدة العلم بمق اصد الشارع{‪}15‬‬
‫تكمن فائدة العلم بمقاصد الشريعة اإلسالمية في مناحي ثالث ‪ :‬عديدة منها ما يلي ‪:‬‬
‫* االستعانة بالمقاصد في مسائل التعارض أو الترجيح ‪:‬‬
‫‪1‬ـ إن الباعث على البحث عند المعارض يقوى ويضعف بمقدار ما ينقدح في ذهن المجتهد ‪ ،‬وقت‬
‫النظر في الدليل الذي بين يديه من كونه مناسبا لمقاصد الشارع أو غير مناسب ‪.‬‬
‫‪2‬ـ مدى اطمئنان الفقيه بعد البحث عن المعارض ‪.‬فكلما كانت مناسبة الدليل لمقاصد الشريعة أقوى‬
‫كان اطمئنان الفقيه إلى عدم وجود المعارض أقوى وبالعكس ‪.‬‬
‫‪3‬ـ الترجيح بين األدلة المتعارضة استنادا إلى المقاصد فيرجح الدليل المحقق للمقاصد واألقرب إلى‬
‫تحقيقها على الدليل الذي ال يالئمها أصال أ ويقصر عن تحقيقها ‪.‬‬
‫* اإلستعانة بالمقاصد في فهم بعض األحكام الشرعية فإن بعض األحكام الشرعية قد تبدو غامضة‬
‫ويقف الفقيه أمامها حائرا عاجزا عن ادراك كنهها مع تسليمه بصحتها ووجوب العمل بها ‪.‬‬
‫ففي قصة عدم استالم الركنين الذين يليان حجر إسماعيل ‪ ،‬فهم ابن عمر حكمة ذلك التفرق وانثلج‬
‫صدره حيث يسن استالم الحجر األسود والركن اليماني فقط ‪.‬‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪7‬‬
‫{‪ }15‬كتاب طرق الكشف عن مقاصد الشارع ‪ ،‬ص‪39 :‬إلى ‪.51‬‬
‫* اإلستعانة بالمقاصد في فهم النصوص وتوجيهها ويكون ذلك في النصوص ظنية الداللة ‪ ،‬إذ‬
‫يستعين المجتهد في فهم النصوص واختيار المعنى المناسب لتلك المقاصد ومن أمثلة ذلك النهي عن‬
‫كراء األرض وموقف الصحابة والتابعين والفقهاء من بعدهم من أحاديث النهي وكيفية توجيههم لها‬
‫تبعا لما فهموه من مقاصد النهي ‪.‬‬
‫* الحاجة إلى المقاصد في استنباط علل األحكام الشرعية لتتخذ أساسا للقياس ‪ ،‬حيث أن معرفة‬
‫المقاصد تكون عونا على تحديد العلل وإثباتها ‪..‬وأبرز المسالك التي يحتاج فيها إلى معرفة المقاصد‬
‫هي مسلك المناسبة وتنقيح المناط وإلغاء الفارق ‪}16{ ،‬‬
‫الطرق التي بها تعرف بها مق اصد الشرع من التشريع‬
‫إن اإلشكال المطروح في هذا الفن هو معرفة سبل التوصل إلى إدراك ومعرفة مقاصد الشريعة‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬ذلك أن العمل الفقهي متوقف على تحري المقاصد ‪.‬‬
‫وقد أثارالعالمة الطاهر بن عاشور في سياق بحثه مناهج الكشف عن المقاصد وطرائق تعيينها وهي‬
‫قضايا وإشكاالت ظل كثير من المفكرين والعلماء في العصر الحديث يحومون حولها واليلجونها إال‬
‫قليال إما قصورا أو خشية من سطوة المحافظين وثورتهم ‪}17{.‬‬
‫ومن هذه الطرق مايلي ‪:‬‬
‫* الطريق األول النص الصريح المعلل ‪:‬‬
‫إن المتتبع آليات التشريع في القرآن وأحاديث األحكام يجد معظمها مقرونا بالتعليل ‪ ،‬وهذا طريق‬
‫واسع إلدراك مقاصد الشريعة اإلسالمية وهو واضح من اآليات القرآنية والنصوص النبوية ‪ ،‬فمن‬
‫القرآن نحو قوله تعالى ‪ :‬واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو هللا‬
‫وعدوكم ‪}18{ ،‬‬
‫وقوله تعالى ‪ :‬وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ‪}19{،‬‬
‫ومن السنة ‪ ،‬يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أعض للبصر وأحصن للفرج‬
‫ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ‪ ،‬مسلم باب النكاح‬
‫وقوله صلى هللا عليه وسلم ‪ :‬في زجر المطولين في الصالة من األئمة الذين يؤمون الناس ‪ :‬يا أيها‬
‫الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف ‪ ،‬فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة ‪}20{،‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪ }16‬كتاب طرق الكشف عن مقاصد الشارع ‪.‬ص‪50 :‬و‪. 51‬‬
‫{‪ }17‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشور‪151 :‬‬
‫{‪}18‬سورة األنفال اآلية رقم ‪. 101 :‬‬
‫{‪}19‬سورة النور اآلية رقم ‪. 102 :‬‬
‫‪8‬‬
‫{‪ }20‬كتاب نيل األوطار لإلمام الشوكاني ‪ ،‬ج‪ ،3 :‬ص ‪. 154 :‬‬
‫وفي هذا الحديث األخيرإشارة أن الدين مبنى على اليسر وأن الطاعة إذا أدت إلى ضياع المصالح‬
‫أو لحق الناس منها ضرر خرجت عن مقصود الشارع ألن مثل ذلك يجلب الملل والكسل واالنقطاع‬
‫{‪}21‬‬
‫*الطريق الثاني تتبع عادات الشارع وتصرفاته‪:‬‬
‫وهو االستقراء أي استقراء تصرفات الشارع ‪ .‬ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء‬
‫المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة ال يجوز إهمالها وأن هذه ال‬
‫يجوز قربانها وإن لم يكن فيه إجماع وال نص وال قياس خاص فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك ‪،‬‬
‫{‪}22‬‬
‫ثم إن فهم الشريعة يخلق الملكة القوية في معرفة المصالح والمفاسد المقصودة للشارع وذلك ال يتم إال‬
‫باستقراء تصرفات الشارع وباستقراء الجزئيات يمكننا الوصول إلى مقصد كلي للشارع ‪}23{،‬‬
‫واستقراء األحكام يكون باستقراء تلك العلل المثبتة بطريق مسالك العلة ‪ ،‬فإن باستقراء العلل يحصل‬
‫العلم بمقاصد الشارع بسهولة ‪.‬‬
‫*الطريق الثالث االهتداء بالصحابة ‪:‬‬
‫وذلك في فهم األحكام لمعاصرتهم للنزول ‪ ،‬فالصحابة أدرى الناس جميعا بمقاصد الشارع ألن السامع‬
‫للكالم مشافهة غالبا ما يكون أدرى بمقصود المتكلم ممن نقل إليه الكالم ‪ ،‬وداللة النصوص حقيقية‬
‫وإضافية ‪ ،‬فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته ‪ ،‬واإلضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه وجودة فكره‬
‫وقريحته وصفاء ذهنه ومعرفته باأللفاظ ومراتبها ‪ ،‬وهذه الداللة تختلف اختالفا متباينا بحسب تباين‬
‫السامعين في ذلك ‪}24{ .‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪}21‬المقاصد العامة ليوسف العالم ‪.‬ص ‪.114 :‬‬
‫{‪ }22‬الموافقات ‪. 15/1‬‬
‫{‪ }23‬المقاصد العامة ليوسف العالم ‪ ،‬ص‪. 115 :‬‬
‫{‪ }24‬نفس المصدر ‪ ،‬ص ‪.111 :‬‬
‫‪9‬‬
‫مسألة المصالح‬
‫المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة األخرى ‪ ،‬ال‬
‫من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية وقد قال ربنا سبحانه ِ‪ :‬ولو‬
‫اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات واألرض ومن فيهن ‪. }25{ .‬‬
‫ودليل آخر هو أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة كما أن المضار محفوفة ببعض‬
‫المنافع ‪ ،‬كما نقول إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة اإلحياء بحيث إذا دار األمر بين أحيائها‬
‫واتالف المال عليها ‪ ،‬أو إتالفها واحياء المال ‪ ،‬كان أحياؤها أولى ‪ ،‬فإن عارض إحياؤها إماتة الدين‬
‫كان إحياء الدين أولى ‪ ،‬وإن أدى إلى إماتتها كما جاء في جهاد الكفار وقتل المرتدين ‪ ،‬المصدر‬
‫السابق {‪. }26‬‬
‫إن مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها معروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات‬
‫فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها‬
‫فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبن عليه األحكام فال يكاد حكم منها يخرج‬
‫عن ذلك إال ما تعبد به عبادة ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته ‪}27{ .‬‬
‫وتنقسم المصالح إلى مصلحة عامة ومصلحة خاصة ‪ .‬أما المصلحة العامة ‪ :‬فهي مافيه صالح‬
‫عموم األمة ‪ ،‬واللتفات إلى أحوال األفراد إال من حيث أنهم أجزاء من مجموع األمة ‪،‬‬
‫وأما المصلحة الخاصة‪ :‬فهي ما فيه نفع اآلحاد ‪ ،‬ليصلح بإصالحهم صالح المجتمع ‪ ،‬المركب منهم ‪.‬‬
‫فالدية مثال في قتل الخطأ قد وجبت على القرابة من القبيلة ‪ ،‬وليس فيها في ظاهر األمر نفع لدافعيها ‪،‬‬
‫حتى قال ذلك الشاعر‪:‬‬
‫تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت *** ينجمها من ليس فيها بمجرم‬
‫لكن فيها مصلحة خاصة للقاتل خطأ ‪ ،‬إذ استبقى ماله‪ .‬ثم إن غوص النظر ينبئنا بأنها روعي فيها نفع‬
‫عام وهو حق المساواة عند الشدائد ليكون ذلك سنة بين القوم في تحمل جماعتهم بالمصائب العظيمة‬
‫فهي نفع مدخر لهم في نوائبهم{‪ }28‬كما جاءفي قوله تعالى ‪ :‬وال تنسوا الفضل بينكم {‪}29‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪}25‬سورة المؤمنون ‪ ،‬اآلية رقم ‪. 4 :‬‬
‫{‪ }26‬الموافقات للشاطبي ج‪ ،2‬ص ‪. 352 :‬‬
‫‪10‬‬
‫{‪ }27‬قواعد األحكام للعز بن عبد السالم ج ‪ ،1‬ص‪10 :‬‬
‫{‪ }28‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشور ‪ ،‬ص‪.281 :‬‬
‫{‪ }29‬سورة البقرة ‪ ،‬اآلية رقم ‪. 237 :‬‬
‫ولذلك قال العز بن عبد السالم في الفصل الثالث من قواعده ‪ :‬واعلم أن المصالح الخالصة عزيزة‬
‫الوجود ‪ ،‬فإن تحصيل المنافع ‪ ،‬المحضة للناس كالمأكل والمسكن ‪ ،‬ال يحصل إال بالسعي في‬
‫تحصيلها بمشقة الكد والنصب ‪ ،‬فإذا حصلت فقد اقترب بها من المضار واآلفات ما ينغصها ‪.‬‬
‫{‪}30‬‬
‫تعريف المصالح المرسلة{‪}31‬‬
‫وال ينبغي التردد في صحة اإلستناد إليها ألننا إذا كنا نقول بحجية القياس الذي هو إلحاق جزئي‬
‫حادث ال يعرف له حكم في الشرع بجزئي ثابت حكمه في الشريعة للمثالة بينهما في العلة المستنبطة‬
‫‪ ،‬وهي مصلحة جزئية ظنية غالبا لقلة صور العلة المنصوصة فألن نقول بحجية قياس مصلحة كلية‬
‫حادثة في األمة ال يعرف لها حكم على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة الذي‬
‫هوقطعي أوظني قريب من القطعي أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في اإلحتجاج الشرعي ‪}32{ .‬‬
‫لقد تردد إمام الحرمين فيها أما الغزالي فقد أقبل وأدبر ‪.‬‬
‫والحاصل مما ذكر أن المصالح والمفاسد ‪ ،‬الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب ‪ ،‬فإذا‬
‫كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفا وإذا غلبت الجهة األخرى فهي المفسدة‬
‫المفهومة عرفا ‪}33{ .‬‬
‫* أنواع المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر األمة‬
‫أوال‬
‫حفظ الضروريات {‪: }34‬‬
‫والضرورة معناها أن ال بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا‬
‫على استقامة ‪ ،‬بل على فساد وتهارج وفوت حياة ‪ ،‬وفي األخرى فوت النجاة والنعيم ‪}35{.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪ }30‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشور ص ‪. 281 :‬‬
‫{‪ }31‬وهي ‪ :‬معنى كونها مرسلة أن الشريعة أرسلتها فلم تنط بها حكما معينا وال يلقي في الشريعة لها نظير معين له‬
‫حكم شرعي فتقاس هي عليه ‪ ،‬فهي إذا كالفرس المرسل غير المقيد ‪ .‬مقدمة الميساوي ص ‪. 309 :‬‬
‫{‪ }32‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشور ص‪309 :‬‬
‫{‪ }33‬الموافقات للشاطبي ‪ ،‬ج ‪ ، 2‬ض ‪. 340 :‬‬
‫{‪ }34‬للضرورة ضوابط منها ‪:‬‬
‫ـ أن تكون قائمة ال تنتظر لقوله تعالى ‪ :‬فمن اضطر غير باغ ‪...‬اآلية ‪.‬وذلك ألن الفعل الماضي يدل على حصول‬
‫الحدث حقيقة ‪.‬‬
‫ـ أن ال يوجد لدى المضطر وسيلة أخرى لدفع الضرر إال باقتحام حظيرة المحرمات ‪.‬‬
‫ـ أال يخالف المضطر مبادئ الشريعة في اإلنتقال من حالة إلى أخرى ‪ ،‬فال يحل له قتل الغير إلحياء نفسه وال ارتكاب‬
‫جريمة الزنا وال الكفر إال أن ينطق بها وقلبه مطمئن‪.‬‬
‫ـ وأال يتجاوز حد الضرورة ‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫يرى العلماء أن يمر على المضطر للغذاء يوم وليلة دون أن يجد ما يتناوله من المباحات وليس أمامه إال المحرم ‪.‬من‬
‫ذلك قول اإلمام أحمد‪ :‬إن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها‪.‬‬
‫{‪ }35‬الموافقات للشاطبي ‪،‬ج ‪ 2‬ص‪324 :‬‬
‫ومجمل الضروريات خمس وهي ‪ :‬حفظ الدين ‪ ،‬النفس ‪ ،‬العقل ‪ ،‬المال ‪ ،‬والنسل‪،‬وقد قيل إن هذه‬
‫المقاصد مراعاة في كل أمة ‪.‬‬
‫فأمالدين ‪ :‬فيكون حفظه بما يدخل عليه ما يفسد اعتقاده ويدخل في ذلك حماية البيضة والذب عن‬
‫الحوزة اإلسالمية بإبقاء وسائل تلقي الدين من األمة حاضرها وآتيها ‪.‬‬
‫حفظ النفوس أي األرواح تحفظ من التلف أفرادا وعموما ‪ ،‬مثل مقاومة األمراض السارية‬
‫وحفظ العقل وذلك من أن يدخل عليه خلل كمنع المسكرات ‪.‬‬
‫وحفظ المال ويكون الحفظ من اإلتالف ومن الخروج إلى أيدي غير األمة بدون عوض ‪ ،‬وحفظ‬
‫مال األفراد يؤول إلى حفظ مال األمة وبه يحصل الكل بحصول أجزائه‬
‫وحفظ األنساب ‪ :‬ويتم الحفظ عن طريق تحريم الزنا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬حفظ الحاجيات ‪:‬‬
‫أما الحاجيات فهي التي يفتقر الناس إليها من حيث التوسعة ‪ ،‬ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى‬
‫الحرج والمشقة الالحقة بفوت المطلوب ‪ ،‬فإذا لم تراع دخل على المكلفين الحرج والمشقة ‪ ،‬ولكنه ال‬
‫يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة ‪}36{ .‬‬
‫ويظهر أن معظم قسم المباح في المعامالت راجع إلى الحاجي ‪ ،‬إال أنه ليس بالغا حد الضرورة‬
‫{‪. }37‬‬
‫والحاجيات جارية في العبادات نحوالرخص وفي العادات كإباحة الصيد والتمتع بالحالل ‪.‬وجارية في‬
‫المعامالت كالقراض والمساقاة والسلم ‪،‬وفي الجنايات كالقسامة {‪}38‬‬
‫ثالثا ‪ :‬حفظ المصالح التحسينية ‪:‬‬
‫أما التحسينيات فهي ماكان بها كمال األمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجة منظر‬
‫المجتمع في مرأى بقية األمم حتى تكون األمة اإلسالمية مرغوبا في االندماج فيها أو في التقرب منها‬
‫‪ ،‬فإن لمحاسن العادات مدخال في ذلك سواء كانت عادات عامة كستر العورة ‪ ،‬أو خاصة ببعض‬
‫األمم كخصال الفطرة ‪ ،‬والخالصة أنها مما تراعى فيه المدارك البشرية الراقية ‪}39{ .‬‬
‫ومن مثال المصالح التحسينية سد ذرائع الفساد فهو أحسن من انتظار التورط فيه ‪ .‬فهذه أنواع‬
‫المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر األمة ‪.‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪ }36‬الموافقات ‪ ،‬ج‪2‬ص‪326 :‬‬
‫{‪ }37‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشور ص‪ 306 :‬و‪.307‬‬
‫{‪ }38‬الموافقات ‪ ،‬ج ‪ 2‬ص‪. 327 :‬‬
‫‪12‬‬
‫{‪ }39‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشور ص ‪. 308 :‬‬
‫طرق المحافظة على المق اصد الضرورية‬
‫*المحافظة على الدين ‪ :‬تتم المحافظة على الدين عن طريق ‪.‬‬
‫ـ الصالة وهي من أعظم الشعائر اإلسالمية ومن أهم الوسائل للمحافظة على الدين ‪.‬‬
‫ـ الزكاة‪ :‬فقد شرعت لتطهير قلوب األغنياء من البخل والجشع ‪ ،‬والشح ‪ ،‬وقلوب الفقراء من الحقد‬
‫والحسد والغل ‪.‬‬
‫ـ والصيام ‪ :‬من فوائده تدريب اإلرادة اإلنسانية على العزم ويعطيها قوة الترفع على اللذات ‪.‬‬
‫ـ الحج‪ ،‬كما تتم المحافظة عليه عن طريق الجهاد باألنفس واألموال وقتل المرتدين‪ ،‬ومحاربة االبتداع‬
‫في الدين كالسحر مثال ‪ ،‬ومحاربة من يقترف المعاصي بالحد والتعزير ‪.‬‬
‫وهذه العبادات بالرغم من أنها حق هلل على عباده ‪ ،‬إال أن مصالحها تعود على األفراد والجماعة في‬
‫الدنيا واآلخرة ‪ ،‬فهي تثبت فيهم روح الخير وتمأل قلوبهم باإليمان وخشية هللا وتباعد بينهم وبين‬
‫المعاصي ‪ ،‬وهذه العبادات وسيلة لتحصيل جميع الفضائل الضرورية لحياة األفراد والجماعة‬
‫كالصدق واألمانة والعدل والوفاء بالعهود وألوان المروءات األخرى ووسيلة لدفع المفاسد والمضار‬
‫عنهم ألنها تطهر نفوسهم وجوارحهم وتبعد عنهم األمراض التي تدفع إلى اإلفساد واإلضرار‪.‬‬
‫*المحافظة على النفس {‪: }40‬‬
‫تكون المحافظة على النفس بتحريم االعتداء عليها ‪ ،‬وال يجوز قتلها بحال إال في ثالثة مواطن ‪:‬‬
‫النفس بالنفس ‪ ،‬والتارك لدينه المفارق للجماعة والزاني المحصن ‪.‬‬
‫*المحافظة على العقل‪:‬‬
‫ويكون ذلك عن طريق التعليم الذي هو ضرورة‬
‫كما تتم المحافظة على العقل عن طريق تحريم المسكرات والمعاقبة على تعاطيها ‪.‬‬
‫*المحافظة على النسل‪ :‬ويكون ذلك عن طريق الزواج‬
‫*المحافظة على المال‪ :‬تكون المحافظة على المال عن طريق تحريم السرقة ‪ ،‬وجميع عمليات‬
‫النصب واالحتيال والتدليس والغش ‪ ،‬والعقوبة في ذلك إما أن تكون محددة نحو عقوبة السرقة ‪،‬‬
‫أو أن تكون بعقوبة غير محددة نحو التعزير ‪.‬‬
‫وفي الحديث أنه جاء رجل فقال يا رسول هللا أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال‪ :‬فال تعطه مالك‬
‫‪ ،‬قال‪ :‬أرأيت إن قاتلني ‪ ،‬قال ‪ :‬قاتله ‪ ،‬قال ‪ :‬أرأيت إن قتلني قال‪ :‬فأنت شهيد ‪ ،‬قال ‪ :‬أرأيت إن قتلته‬
‫قال‪ :‬هو في النار{‪. }41‬‬
‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫{‪ }40‬وللنفس ثالث حاالت حيث أن اإلنسان إما أن يكون في موقع السعة واليسر ‪ ،‬وإما أن يكون موقع الضيق‬
‫والحرج ‪ ،‬وإما أن يكون في موقع الضرورة ‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫ففي الحالة األولى ‪ :‬وهو كونه في موقع السعة واليسر‪ ،‬يقتصر على ما أبيح له من أشياء كسبا وتناوال ويقوم بكل ما‬
‫عليه من واجبات ‪.‬‬
‫أما الحالة الثانية ‪ :‬وهو أن يكون في موقع ‪ ،‬الضيق والحرج والعسر لكنه لم يبلغ حد الضرورة بل في مرتبة الحاجة‬
‫كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة ‪.‬وفي هذه الحالة خفف هللا عنه ببعض الرخص‬
‫أما الحالة الثالثة ‪ :‬وهي حالة االضطرار فيجوز له أن يأكل من الميتة مثال عند الخوف من الهالك ‪ ،‬كما يجوز له أن‬
‫يشرب الخمر إذا أصابته غصة أو غلب على ظنه الهالك ‪.‬‬
‫{‪ }41‬رواه البخاري ومسلم واإلمام أحمد‬
‫أقسام المصلحة باعتبار تحقق الحاجة إلى جلبها أو دفع الفساد عن أن يلحق بها‬
‫من ذلك ‪ :‬المصالح القطعية ‪،‬والظنية ‪ ،‬والوهمية‪:‬‬
‫فالقطعية نحو الكليات السابقة الضرورية‪ ،‬وهي الدين ‪ ،‬النفس ‪ ،‬العقل‪ ،‬المال ‪،‬واألنساب ‪.‬‬
‫والظنية نحو‪ :‬اتخاذ كالب الحراسة في الدور والحضر في زمن الخوف ‪ ،‬وفي القيروان كان أبو‬
‫زيد اتخذ كلبا بداره فقيل له إن مالكا كره اتخاذ الكالب في الحضر ‪ ،‬فقال ‪ :‬لو أدرك مالكا مثل هذا‬
‫الزمن التخذ أسدا على باب داره ‪}42{ .‬‬
‫ومن الظني ما دل عليه دليل ظني من الشرع نحو‪ :‬ال يقض القاضي وهو غضبان ‪.‬‬
‫أما الوهمية ‪ :‬فهي التي يتخيل فيه صالح وخير وهو عند التأمل ضر ‪ ،‬إما لخفاء ضره نحو‪،‬‬
‫المخدرات ‪ ،‬وإما أن يكون الصالح مغمورا بفساد كاآلية ‪ :‬يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم‬
‫كبير ومنافع للناس ‪}43{ ...‬‬
‫أنواع المشق ات‬
‫{‪}44‬‬
‫المشقة ‪ :‬إما مشقة عظيمة يترتب عليها فوات نفس أو طرف من األطراف أو منفعة من منافعها فهذه‬
‫موجبة للتخفيف ‪ ،‬ألن حق النفوس واألطراف إلقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في‬
‫العبادة ‪.‬‬
‫‪ ،2‬وإما مشقة خفيفة كالصداع أو سوء المزاج فهذه ال يلتفت إليها وال تكون موجبا للتخفيف ‪.‬‬
‫‪ ،3‬ما توسط هاتين المشقتين فما دنا منه من النوع األول أوجب التخفيف ‪ .‬وفي باب المعامالت قال‬
‫الفقهاء لو انحسمت وجوه المكاسب الطيبة على العباد ومست الحاجة إلى الزيادة على قدر سد الرمق‬
‫من الحرام ودعت المصلحة إليه يحوز لكل واحد أن يزيد على قدر الضرورة ويترقى إلى قدر‬
‫الحاجة في األقوات والمالبس والمساكن ‪ ،‬ألنهم لو اقتصروا على سد الرمق لتعطلت المكاسب وانبتر‬
‫النظام ولم يزل الخلق في مقاسات ذلك إلى أن يهلكوا وفيه خراب أمر الدين وسقوط شعائر اإلسالم ‪.‬‬
‫{‪}45‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫‪14‬‬
‫{‪ }42‬مقدمة الميساوي على مقاصد الطاهر بن عاشور ص ‪. 315 :‬‬
‫{‪ }43‬سورةالبقرة ‪ ،‬اآلية رقم ‪. 219 :‬‬
‫{‪}44‬المقاصد العامة لحامد العالم ‪.‬ص‪ 288 :‬و‪. 289‬‬
‫{‪ }45‬اإلعتصام ‪ ،‬ص ‪. 300 :‬‬
‫الخاتمة‬
‫وهكذا وصلنا إلى نهاية موضوعنا ‪ ،‬الذي نرجوا أننا أعطينا ولو بشكل بسيط نظرة عن علم مقاصد‬
‫الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬ومن أراد التوسع في الموضوع فقد سبق أن أشرنا إلى مراجع كافية يمكن‬
‫االستزادة منها ‪ ،‬وإن كانت المراجع في المادة المذكورة معدودة على األصابع وذلك لعدم سهولة‬
‫تناولها بالتصنيف وألنها تحتاج إلى قاعدة قوية في علم الفقه وأصوله ‪ ،‬مع ملكة كبيرة في الفهم‬
‫والذكاء ‪.‬‬
‫تجدر اإلشارة أن في هذه الصفحات التي دونتها نقص منهجي كبير ‪ ،‬وذلك لعدة أسباب منها أن‬
‫الوقت داهمني فطويت البحث واقتصرت على ما سبق وأن جمعته في مسوداتي ‪.‬‬
‫أرجوا لكم دوام التوفيق ‪.‬‬
‫‪15‬‬