أتليف
محمد بن حسين بن حسن الجيزاني
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
5
الطبعة اخلامسة
1427هـ
أصل هذا الكتاب
رسالة "دكتوراه" نوقشت يف اجلامعة اإلسالمية ابملدينة املنورة .
وقد تكونت جلنة املناقشة من أصحب الفضيلة :
د .عمـ نـن عبـد الع يـ أسـتا أصـول الفقــه نقسـر الدراسـاي العليــا
جبامعة أم الق ى مبكة املك مة مش فاً .
د .علــب نــن عبــاي ا كمــب رئــيق قســر الدراســاي العليــا الش ـ عية
جبامعة أم الق ى مبكة املك مة عضواً .
د .أمحــد ومــود عبــد الوهــا أســتا أصــول الفقــه نقســر الدراســاي
العليا ابجلامعة اإلسالمية ابملدينة املنورة عضواً .
وقد أجي ي مع م تبة الش ف األوىل ,وكان لك يف
1415/1/ 25هـ .
6
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املقدمة
7
()1
احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم على أشرف األنبياء واملرسلني.
أما نعد:
حممدا ابهلدى ودين احلق ليظهره على الدين
فإن هللا سبحانه أرسل رسوله ً
كله ولو كره الكافرون.
فأشرقت برسالته األرض بعد ظلماهتا ،وأتلفت به القلوب بعد شتاهتا ،وامتأل
اجا.
ابتهاجا ،ودخل الناس يف دين هللا أفو ً
نورا و ً
به الكون ً
فلما أكمل هللا تعاىل به الدين ،وأمت به النعمة على عباده املؤمنني ،استأثر به
ونقله إىل الرفيق األعلى ،وقد ترك أمته على احملجة البيضاء ،والطريق الواضحة
الغراء.
مث قام ابلدين بعده عصابة اإلميان وعسكر القرآن ،أولئك أصحابه ألني
إمياًن ،فتحوا
بياًن ،وأصدقها ً
علما ،وأقلها تكل ًفا ،وأحسنها ً
األمة ً
قلواب ،وأعمقها ً
القلوب بعدهلم ابلقرآن واإلميان ،والقرى ابجلهاد ابلسيف والسنان.
خالصا صافيًا.
وألقوا إىل التابعني ما تلقوه من مشكاة النبوة ً
صحيحا
سندا
وكان سندهم فيه عن نبيهم عن جربيل عن رب العاملني ً
ً
عاليًا وقالوا :هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدًن إليكم.
فجرى التابعون هلم إبحسان على منهاجهم القومي ،واقتفوا على آاثرهم
صراطهم املستقيم.
مث سلك اتبعوا التابعني هذا املسلك الرشيد ،وهدوا إىل الطيب من القول،
وهدوا إىل صراط احلميد.
( )1يف هذه املقدمة اقتباس من كالم ابن القيم رمحه هللا .انظر" :إعالم املوقعني" (،7 – 4/1
.)68 ،11
8
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
مث سار على آاثرهم الرعيل األول من أتباعهم ،ودرج على منهاجهم املوفقون
من أشياعهم ،زاهدين يف التعصب للرجال ،واقفني مع احلجة واالستدالل ،يسريون
مع احلق أين سارت ركائبه ،ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه ،فدين
هللا يف نفوسهم أعظم وأجل من أن يقدموا عليه قول أحد من الناس ،أو يعارضوه
برأي أو قياس.
شيعا ،كل حزب مبا لديهم
مث خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا ً
فرحون؛ حيث استعملوا قياساهتم الفاسدة ،وآراءهم الباطلة ،وشبههم الداحضة يف
رد النصوص الصحيحة الصرحية.
فردوا ألجلها ألفاظ النصوص اليت وجدوا السبيل إىل تكذيب رواهتا
وختطئتهم ،وردوا معاين النصوص اليت مل جيدوا إىل ألفاظها سبيالً.
فقابلوا األلفاظ ابلتكذيب ،واملعاين ابلتحريف والتأويل.
فسادا.
وملئوا بذلك األوراق سو ًادا ،والقلوب شكوًكا ،والعامل ً
وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العامل وخرابه ،إمنا نشأ من تقدمي
الرأي على الوحي ،واهلوى على العقل.
وما استحكم هذان األصالن الفاسدان يف ٍ
قلب إال استحكم هالكه ،ويف أمة
إال فسد أمرها أمت فساد.
فال إله إال هللا ،كم نفي هبذه اآلراء من حق وأثبت من ابطل ،وأميت هبا من
هدى ،وأحيي هبا من ضاللة ،وال حول وال قوة إال ابهلل.
ألجل ذلك فإن جتلية منهج السلف وبيان طريقتهم سبيل النجاة واخلالص،
فهم الفرقة الناجية املذكورة ،والطائفة الظاهرة املنصورة.
وقد أحببت أن أسهم -ولو جبهد املقل -يف إيضاح منهج سلفنا الصاحل يف
علم أصول الفقه على وجه اخلصوص.
وبعد أن استخرت هللا ريب ،واستشرت بعض أساتذيت اخرتت أن يكون موضوع
رساليت يف مرحلة الدكتوراه" :منهج أهل السنة واجلماعة يف حترير أصول الفقه"(.)1
( )1مما تنبغي اإلشارة إليه يف هذا املقام أنين قد أدخلت على الرسالة بعض التعديالت من
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
9
واملؤمل -نعونه تعاىل -أن حيقق هذا الكتا املقاصد التالية:
األول :التعريف جبهود أهل السنة واجلماعة يف علم أصول الفقه ،ومجع
أحباثهم األصولية وترتيبها ليسهل الوصول إليها.
الثاين :حترير القواعد األصولية املتفق عليها عند أهل السنة واجلماعة ،وبيان
القواعد األصولية املختلف فيها.
الثالث :محاية ركن العقيدة ،وذلك ابلتنبيه على القواعد األصولية اليت بنيت
على أصول عقدية ابطلة.
متهيدا ،واببني،
أما اخلطة اليت س ي عليها :فقد تضمنت –بعد املقدمة– ً
وخامتة ،رمسها كاآليت:
التمهيد :وفيه ثالثة مباحث:
املبحث األول :التعريف أبهل السنة واجلماعة.
املبحث الثاين :تعريف أصول الفقه ،وموضوعه ،ومصادره ،وفائدته.
املبحث الثالث :اتريخ علم أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة.
* البا األول :األدلة الش عية عند أهل السنة واجلماعة.
وفيه أربعة فصول:
الفصل األول :الكالم على األدلة الش عية إمجالً.وفيه ثالث مباحث:
املبحث األول :األدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها.
املبحث الثاين :األدلة الشرعية من حيث القطع والظن.
املبحث الثالث :األدلة الشرعية من حيث النقل والعقل.
الفصل الثاين :األدلة املتفق عليها.وفيه أربعة مباحث:
املبحث األول :الكتاب.
=
إضافة وتنقيح وإعادة ترتيب ،كما غريت عنوان الرسالة إىل" :معامل أصول الفقه عند أهل
السنة واجلماعة".
10
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين :السنة.
املبحث الثالث :اإلمجاع.
املبحث ال انع :القياس.
الفصل الثالث :األدلة املختلف فيها.وفيه مخسة مباحث:
املبحث األول :االستصحاب.
املبحث الثاين :قول الصحايب.
املبحث الثالث :شرع من قبلنا.
املبحث ال انع :االستحسان.
املبحث اخلامق :املصاحل املرسلة.
الفصل ال انع :النسخ ،والتعارض ،والرتجيح ،وت تيب األدلة.وفيه أربعة مباحث:
املبحث األول :النسخ.
املبحث الثاين :التعارض.
املبحث الثالث :الرتجيح.
املبحث ال انع :ترتيب األدلة.
* البا الثاين :القواعد األصولية عند أهل السنة واجلماعة.
وفيه ثالثة فصول:
الفصل األول :ا كر الش عب. وفيه ثالثة مباحث:املبحث األول :تعريف احلكم الشرعي وأقسامه.
وفيه ثالثة مطالب:
املطلب األول :تعريف احلكم الشرعي.
املطلب الثاين :احلكم التكليفي.
املطلب الثالث :احلكم الوضعي.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
11
املبحث الثاين :لوازم احلكم الشرعي.
وفيه مطلبان:
املطلب األول :احلاكم.
وفيه مسألة واحدة وهي :التحسني والتقبيح العقليان.
املطلب الثاين :التكليف.
املبحث الثالث :قواعد يف احلكم الشرعي.
الفصل الثاين :دللي األلفاظ وط ق الستنباط.وفيه ثالثة مباحث:
املبحث األول :املبادئ اللغوية.
املبحث الثاين :النص ،والظاهر ،واملؤول ،واجململ ،والبيان.
املبحث الثالث :األمر والنهي ،والعام واخلاص ،واملطلق واملقيد ،واملنطوق
واملفهوم.
الفصل الثالث :الجتهاد ،والتقليد ،والفتوى.وفيه ثالثة مباحث:
املبحث األول :االجتهاد.
املبحث الثاين :التقليد.
املبحث الثالث :الفتوى.
اخلامتة :وقد ذكرت فيها أهم النتائج والتوصيات.
وتتميما للفائدة ذيلت الكتاب مبلحق تضمن ثالث قوائم:
ً
-1قائمة جبهود ابن تيمية يف أصول الفقه.
-2قائمة جبهود ابن القيم يف أصول الفقه.
-3قائمة ابألحباث األصولية عند أهل السنة واجلماعة.
أما املنهج الذي سلكته يف هذا الكتاب فهو اآليت:
أولً :االختصار وعدم التطويل.
وذلك لسعة موضوع الكتاب وتشعب أحباثه وكثرة مسائله ،فما ال يدرك كله
ال يرتك جله ،وقد علمت – يقينًا – أن اإلتيان على موضوعات هذا الكتاب حيتاج
12
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
إىل فريق من الباحثنيٍ ،
وعدد -ال أملكه -من السنني.
ٍ
خطوط عريضة تعني الباحثني ،ووضع معامل تضيء
فاكتفيت لذلك برسم
الطريق للسالكني.
اثنيًا :التأصيل مع الدليل.
فقد اقتصرت يف هذا الكتاب على بيان مذهب أهل السنة واجلماعة ،مع
ذكر أدلتهم ،ومل أتعرض ملذاهب املخالفني هلم؛ إذ الغاية املنشودة من هذا الكتاب
اإلابنة عن األدلة الشرعية ومنهج االستدالل هبا لدى أهل السنة واجلماعة،
واإلفصاح عن مسلكهم يف القواعد األصولية.
اثلثًا :القتصار على كتب أهل السنة واجلماعة.
مباشرا من كالم أهل
فجميع ما مت تقريره وحتريره يف هذا الكتاب منقول نقالً ً
السنة واجلماعة فيما كتبوه يف أصول الفقه ويف غريه.
إن منهج أهل السنة واجلماعة ال يؤصل وال حيصل من كتب خمالفيهم.
نعم هناك مسائل كثرية وافقهم عليها خمالفوهم ،إال أن املقصود بيانه
واملطلوب تبيانه – يف هذا الكتاب – ال يتأتى إال ابلنهل من معني أهل السنة
الصايف واالرتواء من موردهم العذب.
ويستثىن من ذلك القضااي اللغوية ،ونسبة مذاهب املخالفني ألصحاهبا وحنو
ذلك.
انعا :إي اد كالم أهل العلر ننصه ما أمكن؛ ففي نقله كذلك توثيق للمادة
رً
تعرضا
العلمية ،وتوضيح للفكرة .وفيه ً
أيضا داللة على املصادر ،كما أن يف ذلك ً
وذكرا للتعليل.
لبيان الدليل ً
ويف اخلتام أمحد هللا عز وجل على نعمه املتوالية العظيمة وآالئه املتتابعة
اجلسيمة ،وأشكره سبحانه على تيسريه وتوفيقه ،فله احلمد يف اآلخرة واألوىل.
اللهم ال أحصي ثناءً عليك ،أنت كما أثنيت على نفسك.
مث أقدم شكري وتقديري إىل فضيلة األستاذ الدكتور عمر بن عبد العزيز –
وفقه هللا ملا حيب ويرضى – الذي أكرمين إبشرافه وتوجيهه هلذا البحث.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
13
اللهم ابرك له يف عمره وماله وولده ،وعلمه وعمله ،واكتب له التوفيق
والسداد يف الدنيا واآلخرة.
كما أقدم شكري وتقديري للمناقشني الكرميني :فضيلة الدكتور علي بن
عباس احلكمي ،وفضيلة الدكتور أمحد حممود عبد الوهاب الشنقيطي وفقهما هللا،
وذلك ملا بذاله من وقت وجهد يف تقومي هذا البحث وتوجيهه.
عوًن ،أو صنع إيل معروفًا ،فجزى هللا اجلميع
مث أشكر كل من أسدى إيل ً
خري اجلزاء.
وال يفوتين أن أتوجه ابلشكر اجلزيل إىل ذلك الصرح العلمي الشامخ (اجلامعة
اإلسالمية) ،على جهودها العظيمة يف جمال توجيه أبناء املسلمني ،وبث العقيدة
الصحيحة يف نفوسهم ،وعلى جهودها يف جمال البحث العلمي ،ونشر منهج
السلف الصاحل.
هذا جهد فما كان فيه من حق وصواب فهو من هللا وحده ،وما كان فيه من
خطأ وضاللة فمين ومن الشيطان ،وأستغفر هللا الكرمي وأتوب إليه.
خالصا لك وحدك ،ال حظ فيه لسواك.
اللهم اجعل هذا العمل ً
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ،وسالم على املرسلني ،واحلمد هلل رب
العاملني.
****
14
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وفيه ثالثة مباحث:
* املبحث األول:
التعريف أبهل السنة واجلماعة.
* املبحث الثاين:
تعريف أصول الفقه وموضوعه ومصادره وفائدته.
* املبحث الثالث:
اتريخ علم أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة.
15
16
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
17
املبحث األول
التع يف أبهل السنة واجلماعة
ألهل السنة واجلماعة إطالقان :إطالق عام وإطالق خاص( ،)1أما اإلطالق
العام فهو مقابل الشيعة ،فيدخل فيه مجيع الطوائف إال الرافضة ،وأما اإلطالق
اخلاص فهو مقابل املبتدعة وأهل األهواء ،فال يدخل فيه سوى أهل احلديث والسنة
احملضة الذين يثبتون الصفات هلل تعاىل ،ويقولون :إن القرآن غري خملوق ،وإن هللا
يرى يف اآلخرة ،وغري ذلك من األصول املعروفة عند أهل السنة ،واملراد يف هذا املقام
اإلطالق اخلاص.
وامل اد ابلسنة( )2ههنا :الطريقة املسلوكة يف الدين وهي ما عليه الرسول
وخلفاؤه الراشدون من االعتقادات واألعمال واألقوال ،وإن كان الغالب ختصيص
اسم السنة مبا يتعلق ابالعتقادات ألهنا أصل الدين ،واملخالف فيها على خطر
عظيم(.)3
وامل اد ابجلماعة ههنا :االجتماع الذي هو ضد الفرقة(.)4
فأهل السنة واجلماعة هم أهل السنة ألهنم متسكوا بسنة النيب وهديه،
وظاهرا ،يف االعتقادات واألقوال واألعمال(.)5
واقتفوا طريقته ابطنًا
ً
وأهل السنة واجلماعة هم اجلماعة اليت جيب اتباعها( )6ألهنم اجتمعوا على
( )1انظر" :منهاج السنة النبوية" ( ،)221/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)155/4و"هنج
األشاعرة يف العقيدة" ( ،)70و"منهج االستدالل على مسائل االعتقاد" (.)31 – 28/1
( )2انظر يف تعريف السنة يف اللغة ويف اصطالح األصوليني ( )122من هذا الكتاب.
( )3انظر" :جامع العلوم واحلكم" (.)120/2
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" (.)157/3
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)358/3و"جامع العلوم واحلكم" ( ،)120/2و" مفهوم
أهل السنة واجلماعة" (.)78 ،77
( )6كما ورد ذلك يف نصوص كثرية منها قوله « فمن أراد حببوحة اجلنة فيلزم اجلماعة» .رواه
=
18
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
دائما على أئمتهم ،وعلى اجلهاد ،وعلى السنة
احلق وأخذوا به ،وألهنم جيتمعون ً
واالتباع ،وترك البدع واألهواء والفرق(.)1
اتباعا،
وهم أهل احلديث واألثر لشدة عنايتهم حبديث النيب رواية ودراية و ً
فهم يقدمون األثر على النظر(.)2
وهم الفرقة الناجية( )3املذكورة يف قوله « والذي نفق ومد نيده لتفرتقن
أميت على ثالث وسبعني ف قة ،واحدة يف اجلنة وثنتان وسبعون يف النار» .قيل:
اي رسول هللا من هم؟ قال« :اجلماعة»(.)4
وهم الطائفة املنصورة( )5املذكورة يف قوله « :ل ت ال طائفة من أميت
ظاه ين على ا ق ،ل يض هر من خذهلر حىت أييت أم هللا وهر كذلك»(.)6
=
احلاكم يف املستدرك ( )114/1وصححه .انظر –إن شئت– النصوص من الكتاب
والسنة على وجوب لزوم اجلماعة يف كتاب" :وجوب لزوم اجلماعة وترك التفرق" جلمال
ابدي (.)84- 15
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)157/3و"مفهوم أهل السنة واجلماعة" (.)78
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)347/3و"خمتصر الصواعق" ( ،)499و"أهل السنة
واجلماعة" (.)50 ،49
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)370 ،347 ،345/3
( )4رواه هبذا اللفظ ابن ماجه يف سننه ( )1322/2برقم ( )3992وهذا احلديث مشهور،
وله ألفاظ متعددة ،منها ما رواه أبو داود يف سننه ( )198 ،197/4برقم (،4596
أيضا ( )1322 ،1321/2برقم (،)3993 ،3991
،)4597وابن ماجه يف سننه ً
والرتمذي يف سننه ( )26 ،25/5برقم ( ،)2641 ،2640واحلديث صححه ابن
تيمية .انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)345/3واأللباين "السلسلة الصحيحة" ()256/1
وما بعدها برقم ( )480/3( )204 ،203برقم ( ،)1492ولالستزادة يف معرفة طرق
هذا احلديث ورواايته وكالم أهل العلم عليه انظر إضافة إىل املرجعني السابقني" :صفة
الغرابء" لسلمان العودة ،و"نصح األمة يف فهم أحاديث افرتاق األمة" لسليم اهلاليل،
أيضا.
و"درء االرتياب عن حديث :ما أًن عليه اليوم واألصحاب" له ً
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)159/3و"أهل السنة واجلماعة" (.)56 – 52
( )6رواه مسلم ( ،)65/13وقد روي هذا احلديث من طرق كثرية أبلفاظ متعددة .انظر ذلك
والكالم على فقه هذا احلديث يف" :السلسلة الصحيحة" لأللباين ( ،)486 – 478/1برقم
( ،)270و( ،)604 – 597/4برقم (" )1962 – 1955صفة الغرابء" لسلمان
العودة ،و"وجوب لزوم اجلماعة وترك التفرق" جلمال ابدي (.)131 – 119
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
19
وهم السلف ،إذ املراد ابلسلف الصحابة رضوان هللا عليهم ،واتبعوهم،
وأتباعهم إىل يوم الدين .وقد يراد ابلسلف القرون املفضلة الثالثة املتقدمة(.)1
ومن خصائص أهل السنة واجلماعة:
-1أنه ليس هلم متبوع يتعصبون له إال رسول هللا ،وهم أعلم الناس أبقواله
متييزا بني صحيحها وسقيمها(.)2
وأحواله ،وأعظمهم ً
-2أهنم "جعلوا الكتاب والسنة إمامهم ،وطلبوا الدين من قبلهما ،وما وقع
هلم من معقوهلم وخواطرهم وآرائهم عرضوه على الكتاب والسنة ،فإن وجدوه مواف ًقا
هلما قبلوه وشكروا هللا حيث أراهم ذلك ووفقهم له ،وإن وجدوه خمال ًفا هلما تركوا ما
وقع هلم وأقبلوا على الكتاب والسنة ،ورجعوا ابلتهمة على أنفسهم ،فإن الكتاب
والسنة ال يهداين إال إىل احلق ،ورأي اإلنسان قد يكون ح ًقا وقد يكون ابطالً"(.)3
-3أنه ليس هلم لقب يعرفون به وال نسبة ينتسبون إليها ،كما قال بعض
األئمة وقد سئل عن السنة ،فقال :السنة ما ال اسم له سوى السنة .وأهل البدع
ينتسبون إىل املقالة اترة ،وإىل القائل اترة ،وأهل السنة بريئون من هذه النسب كلها
وإمنا نسبتهم إىل احلديث والسنة(.)4
-4أهنم مع اختالف بلداهنم وزماهنم وتباعد دايرهم ،جتد أن مجيع كتبهم
املصنفة من أوهلا إىل آخرها يف ابب االعتقاد ،على وترية واحدة ومنط واحد،
جيرون فيه على طريقة ال حييدون عنها ،قلوهبم يف ذلك على قلب واحد ،ونقلهم
ال ترى فيه اختالفًا وال تفرقًا ،بل لو مجعت م ا جرى على ألسنتهم ونقلوه عن
سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد وجرى على لسان واحد ،وهل على احلق
دليل أبني من هذا؟ قال هللا تعاىل :أَفَال يـت َدنـَّ و َن الْ ُق آ َن ولَو َكا َن ِمن ِع ْن ِد غَ ِْي ِ
هللا
ْ
ْ
ْ َْ
(َ َُ )5
لََو َج ُدوا فِ ِيه ا ْختِالفًا َكثِ ًْيا[ النساء. ]82 :
قال أبو املظفر ابن السمعاين" :وكان السبب يف اتفاق أهل احلديث أهنم
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)157/3و"أهل السنة واجلماعة" (.)52 ،51
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (.)347 ،157/3
(")3خمتصر الصواعق" (.)496
( )4انظر املصدر السابق (.)500
( )5انظر" :خمتصر الصواعق" (.)497
20
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل ،فأورثهم االتفاق واالئتالف ،وأهل
البدع أخذوا الدين من عقوهلم فأورثهم التفرق واالختالف ،فإن النقل والرواية من
الثقات واملتقنني قلما ختتلف ،وإن اختلفت يف لفظة أو كلمة فذلك االختالف ال
يضر الدين وال يقدح فيه ،وأما املعقوالت واخلواطر واآلراء فقلما تتفق ،بل عقل كل
و ٍ
احد ورأيه وخاطره ي ِري صاحبه غري ما ي ِري اآلخر"(.)1
-5أهنم وسط بني الفرق ،كما أن أهل اإلسالم وسط بني امللل(.)2
****
(" )1خمتصر الصواعق" (.)497
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( .)370 – 341/3ولالستزادة انظر" :وسطية أهل السنة بني
الفرق" للدكتور حممد ابكرمي.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
21
املبحث الثاين
تع يف أصول الفقه وموضوعه ومصادره وفائدته
أولً :تع يف أصول الفقه:
أصول الفقه ابعتباره َعلَ ًما ولقبًا على الفن املعروف ميكن تعريفه أبنه" :أدلة
الفقه اإلمجالية ،وكيفية االستفادة منها ،وحال املستفيد"(.)1
وقد اشتمل هذا التعريف على ثالثة من مباحث علم األصول األربعة وهي:
األدلة ،وطرق االستنباط ،واالجتهاد ،وذلك كما يلي:
" -1أدلة الفقه اإلمجالية" ،وهي :األدلة الشرعية املتفق عليها واملختلف
فيها.
" -2كيفية االستفادة منها"؛ أي :كيفية استفادة األحكام الشرعية من
األدلة الشرعية ،واملقصود بذلك طرق االستنباط ،مثل :األمر والنهي ،والعام
واخلاص ،واملطلق واملقيد ،واجململ واملبني ،واملنطوق واملفهوم.
" -3حال املستفيد"؛ أي :اجملتهد .ويدخل يف ذلك مباحث التعارض
أيضا لكون
والرتجيح ،والفتوى؛ ألهنا من خصائص اجملتهد ،وتدخل مباحث التقليد ً
اتبعا له.
املقلد ً
بقي من مباحث علم األصول رابعها وهو مبحث األحكام ،وهذا املبحث ال
يدخل يف هذا التعريف ابعتبار أن موضوع أصول الفقه هو األدلة ،فتكون األحكام
هبذا االعتبار مقدمة من مقدمات علم أصول الفقه غري داخلة يف موضوعه.
وعلى كل فإن مباحث هذا العلم أربعة :األدلة ،وطرق االستنباط ،واالجتهاد،
واألحكام .وعند التأمل جند مبحث األحكام من املباحث الثابتة يف هذا العلم،
موضوعا لعلم األصول أم مل يعترب.
سواء ذكر يف التعريف أم مل يذكر ،وسواء اعترب
ً
أما تعريف أصول الفقه ابعتباره مركبًا فإن هذا حيتاج إىل تعريف كلمة أصول
( )1انظر" :قواعد األصول" ( ،)21و"شرح الكوكب املنري" (.)44/1
22
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وكلمة الفقه.
أما األصول :فإهنا مجع أصل ،واألصل يف اللغة :ما يستند وجود الشيء
إليه(.)1
ويف الصطالح :يطلق على الدليل غالبًا ،كقوهلم" :أصل هذه املسألة
الكتاب والسنة"؛ أي :دليلها ،ويطلق على غري ذلك ،إال أن هذا اإلطالق هو املراد
يف علم األصول(.)2
وأما الفقه يف اللغة :فهو الفهم ،ويطلق على العلم ،وعلى الفطنة(.)3
ويف الصطالح :هو "العلم ابألحكام الشرعية العملية املكتسب من أدلتها
التفصيلية"(.)4
اثنيًا :موضوع أصول الفقه:
هو معرفة األدلة الشرعية ومراتبها وأحواهلا(.)5
اثلثًا :مصادر أصول الفقه:
واملقصود مبصادر أصول الفقه األدلة واألصول اليت بنيت عليها قواعده ،وهي(:)6
أ -استقراء نصوص الكتاب والسنة الصحيحة.
ب -اآلاثر املروية عن الصحابة والتابعني.
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)16
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)39/1
( )3انظر" :جممل اللغة" ( ،)703/2و"أساس البالغة" ( ،)346و"لسان العرب"
( ،)523 ،522/13و"املصباح املنري" ( ،)479و"املعجم الوسيط" (،)698/2
ولالستزادة انظر :حبث التعريف ابلفقه للدكتور عمر عبد العزيز ،ضمن جملة البحوث
الفقهية املعاصرة .العدد األول (.)157 – 155
( )4انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)31و"شرح الكوكب املنري" ( ،)41/1و" املدخل إىل
مذهب اإلمام أمحد" (.)58
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)401/20و"شرح الكوكب املنري" (.)36/1
( )6انظر (ص )49من هذا الكتاب للوقوف على أمثلة لذلك من كتاب :الرسالة لإلمام
الشافعي.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
23
ج -إمجاع السلف الصاحل.
د -قواعد اللغة العربية وشواهدها املنقولة عن العرب.
ﻫ -الفطرة السوية والعقل السليم.
و -اجتهادات أهل العلم واستنباطاهتم وفق الضوابط الشرعية.
انعا :فائدة أصول الفقه:
رً
من فوائد علم أصول الفقه:
-1ضبط أصول االستدالل ،وذلك ببيان األدلة الصحيحة من الزائفة.
-2إيضاح الوجه الصحيح لالستدالل ،فليس كل دليل صحيح يكون
صحيحا.
االستدالل به
ً
-3تيسري عملية االجتهاد وإعطاء احلوادث اجلديدة ما يناسبها من
األحكام.
-4بيان ضوابط الفتوى ،وشروط املفيت ،وآدابه.
-5معرفة األسباب اليت أدت إىل وقوع اخلالف بني العلماء ،والتماس
األعذار هلم يف ذلك.
-6الدعوة إىل اتباع الدليل حيثما كان ،وترك التعصب والتقليد األعمى.
-7حفظ العقيدة اإلسالمية حبماية أصول االستدالل والرد على شبه
املنحرفني.
-8صيانة الفقه اإلسالمي من االنفتاح املرتتب على وضع مصادر جديدة
للتشريع ،ومن اجلمود املرتتب على دعوى إغالق ابب االجتهاد.
-9ضبط قواعد احلوار واملناظرة ،وذلك ابلرجوع إىل األدلة الصحيحة
املعتربة.
-10الوقوف على مساحة الشريعة اإلسالمية ويسرها ،واالطالع على
حماسن هذا الدين.
24
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين
اتريخ أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
إن علم أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة مر بثالث مراحل رئيسية،
تتمثل املرحلة األوىل يف تدوين اإلمام الشافعي هلذا العلم اجلليل ،وتتجلى املرحلة
الثانية يف االجتاه احلديثي لعلم األصول وذلك على يد إمامني جليلني مها اخلطيب
البغدادي وابن عبد الرب ،ويف املرحلة الثالثة برز جانب اإلصالح وتقومي العوج
الطارئ على علم األصول ،وكان ذلك على يد اإلمامني العظيمني ابن تيمية وابن
القيم .وكان هلؤالء األئمة اخلمسة ولغريهم من أئمة أهل السنة واجلماعة جهود ابرزة
ومؤلفات عديدة أوضحت املنهج ،ورمست الطريق ،وحددت املعامل.
وابلنظر إىل تلك اجلهود وهذه املؤلفات جند أن منها ما هو خاص أبصول
الفقه مشتمل على مجلة أحباثه ،ومنها ما هو خاص يف فن معني غري أصول الفقه،
لكنه مشتمل على أحباث أصولية قلت أو كثرت(.)1
وعند النظر إىل املؤلفات األصولية اخلاصة تربز لنا أربعة مؤلفات ،امتاز كل
واحد من هذه املؤلفات مبا يستأهل ألجله أن يفرد بدراسة مستقلة ،وهذه املؤلفات
هي :كتاب "الرسالة" لإلمام الشافعي ،و "الفقيه واملتفقه" للخطيب البغدادي،
و"روضة الناظر" البن قدامة ،و"شرح الكوكب املنري" البن النجار الفتوحي.
فاملقام إذن يقتضي تقسيم هذا املبحث إىل مطلبني:
املطلب األول :املراحل اليت مر هبا علم أصول الفقه عند أهل السنة
واجلماعة.
املطلب الثاين :دراسة مستقلة للكتب األربعة؛ وهي :الرسالة ،والفقيه
واملتفقه ،وروضة الناظر ،وشرح الكوكب املنري.
( )1ينظر يف ذلك القائمة اخلاصة ابألحباث األصولية عند أهل السنة واجلماعة ( )548من
هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
25
املطلب األول
امل احل اليت م هبا علر أصول الفقه
عند أهل السنة واجلماعة
امل حلة األوىل:تبدأ هذه املرحلة بعصر اإلمام الشافعي ،وتنتهي بنهاية القرن الرابع تقريبًا.
وأهم ما مييز هذه املرحلة هو تدوين اإلمام الشافعي لعلم أصول الفقه( ،)1وما يتصل
هبذا التدوين من ظروف وأحوال.
لقد جاء الشافعي يف عصر ظهرت فيه مدرستان ،استقامت كل واحدة على
منهج واحد معني ،وكان الفقهاء إال قليالً يسريون على منهج إحدى املدرستني ال
خيالفونه إىل هنج األخرى ،إحدى هاتني املدرستني :مدرسة احلديث وكانت ابملدينة،
وشيخها هو مالك بن أنس( )2صاحب املوطأ.
واملدرسة الثانية :مدرسة الرأي ،وكانت ابلعراق ،وشيوخها هم أصحاب أيب
حنيفة( )3من بعده.
لقد غلب على مدرسة احلديث جانب الرواية؛ لكون املدينة موطن الصحابة
ومكان الوحي ،وغلب على مدرسة الرأي جانب الرأي لعدم توافر أسباب
( )1انظر ما سيأيت ( )46من هذا الكتاب فيما يتعلق بتأليف الشافعي لكتاب الرسالة.
( )2هو :مالك بن أنس بن مالك األصبحي ،إمام دار اهلجرة ،أحد أئمة املذاهب املتبوعة،
ًنفعا مويل ابن عمر رضي هللا عنهما ،روى عنه األوزاعي
وهو من اتبعي التابعني ،مسع ً
والثوري وابن عيينة والليث بن سعد والشافعي ،وأمجعت األمة على إمامته وجاللته
واإلذعان له يف احلفظ والتثبيت ،له كتاب "املوطأ" ،ولد سنة (93ه) ،وتويف سنة
(179ه) .انظر" :هتذيب األمساء واللغات" ( ،)75/2و"شذرات الذهب" (.)289/1
( )3هو :النعمان بن اثبت بن كاوس ،أبو حنيفة الفقيه الكويف ،إليه ينسب املذهب
إماما يف القياس ،عرف بقوة احلجة ،ولد
اهدا ً
احلنفي ،كان عاملا عامالً ز ً
عابدا ،وكان ً
سنة (80هـ)ً ،وتويف سنة (150هـ) .انظر" :وفيات األعيان" ( ،)405/5و"اجلواهر
املضيئة" (.)49/1
26
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الرواية لديهم ،فقد كثرت الفنت والوضع والوضاعون.
إن كلتا املدرستني تتفق على وجوب األخذ ابلكتاب والسنة وعدم تقدمي
الرأي على النص.
لقد استطاع اإلمام الشافعي اجلمع بني هذين املنهجني ،والفوز مبحاسن
هاتني املدرستني ،فاجتمع للشافعي فقه اإلمام مالك ابملدينة حيث تلقى عنه ،وفقه
أيب حنيفة ابلعراق إذ تلقاه عن صاحبه حممد بن احلسن( ،)1إضافة إىل فقه أهل
الشام وأهل مصر حيث أخذ عن فقهائهما.
يضاف إىل ذلك مدرسة مكة اليت تعين بتفسري القرآن الكرمي وأسباب نزوله،
ولغة العرب وعاداهتم ،إذ تلقى العلم مبكة على من كان فيها من الفقهاء واحملدثني
حىت بلغ منزلة اإلفتاء .كما أن الشافعي خرج إىل البادية والزم هذيالً وكانت من
أفصح العرب ،فتعلم كالمها وأخذ طبعها ،وحفظ الكثري من أشعار اهلذليني وأخبار
العرب.
هبذه املعطيات استطاع اإلمام الشافعي أن يضع للفقهاء أصوالً لالستنباط،
وقواعد لالستدالل ،وضوابط لالجتهاد.
وجعل الفقه مبنيًا على أصول اثبتة ال على طائفة من الفتاوى واألقضية .لقد
فتح الشافعي بذلك عني الفقه ،وسن الطريق ملن جاء بعده من اجملتهدين ليسلكوا
مثل ما سلك وليتموا ما بدأ(.)2
هكذا صنف اإلمام الشافعي كتاب "الرسالة" ،فكان أول كتاب يف علم
أصول الفقه(.)3
( )1هو :حممد بن احلسن بن فرقد الشيباين ،صحب أاب حنيفة ،وعنه أخذ الفقه ،مث عن أيب
يوسف ،وروى عن مالك والثوري ،وروى عنه ابن معني ،وأخذ عنه الشافعي ،وهو الذي
فقيها ،له كتاب" :السري
نشر علم أيب حنيفة فيمن نشره ،وكان
فصيحا بليغًا عاملًا ً
ً
الكبري" ،و"السري الصغري" ،و"اآلاثر" ،ولد سنة (132ه) ،وتويف سنة (189ه) .انظر:
"اتج الرتاجم" ( ،)237و"شذرات الذهب" (.)321/1
( )2انظر" :الشافعي" أليب زهرة (.)354
( )3انظر ما سيأيت (ص )47من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
27
قال اإلمام أمحد بن حنبل(" :)1كان الفقه قفالً على أهله حىت فتحه هللا ابلشافعي"(.)2
أيضا" :كانت أقضيتنا يف أيدي أصحاب أيب حنيفة ما تنزع ،حىت رأينا
وقال ً
الشافعي ،فكان أفقه الناس يف كتاب هللا ،ويف سنة رسوله ،وال يشبع صاحب
احلديث من كتب الشافعي"(.)3
أيضا" :لوال الشافعي ما عرفنا فقه احلديث"(.)4
وقال ً
وقد اشتمل كتاب "الرسالة" على أكثر مباحث الشافعي األصولية ،لكنه مل
يشتمل عليها كلها ،بل للشافعي مباحث مستقلة غريها يف األصول(.)5
فمن ذلك كتاب "مجاع العلم"( )6الذي اشتمل على حكاية قول الطائفة اليت
ردت األخبار كلها ،وحكاية قول من رد خرب الواحد ،ومناظرة يف اإلمجاع ،وغري
ذلك ،وقد كان أتليفه له بعد كتاب "الرسالة"( ،)7ومن ذلك كتاب "اختالف
احلديث"( )8فقد ألفه بعد كتاب "مجاع العلم"( )9وبني فيه أنواع االختالف الوارد يف
األحاديث النبوية وبوبه تبويبًا فقهيًا.
أيضــا كتاب"صــفة هنــي النــيب ،)10("وكتاب"إبطــال االستحســان"(،)11
وللشــافعي ً
()12
أما الكالم على كتاب "الرسالة" فسيأيت الح ًقا ،إن شاء هللا تعاىل .
لقد وضع الشافعي اللبنة األوىل يف تدوين علم األصول ،وأوضح معامل هذا
( )1هو :أمحد بن حممد بن حنبل الشيباين ،أبو عبد هللا الفقيه احملدث ،إليه ينسب املذهب احلنبلي،
إماما يف الفقه واحلديث والزهد والورع ،له كتاب "املسند" ،ولد سنة (164ه) ،وتويف سنة
كان ً
(241ه) .انظر" :طبقات احلنابلة" ( ،)4/1و"سري أعالم النبالء" (.)177/11
( )2انظر" :هتذيب األمساء واللغات" (.)61/1
( )3انظر املصدر السابق ،ومقدمة كتاب "الرسالة" (.)6
( )4انظر املصدرين السابقني.
( )5انظر" :الشافعي" أليب زهرة " (.)186
( )6طبع هذا الكتاب مستقالً بتحقيق العالمة أمحد شاكر.
( )7انظر" :مجاع العلم" (.)32 ،25 ،7
( )8طبع هذا الكتاب مستقالً بتحقيق حممد أمحد عبد العزيز.
( )9انظر" :اختالف احلديث" (.)13
( )10طبع هذا الكتاب بتحقيق العالمة أمحد شاكر يف آخر كتاب "مجاع العلم".
( )11طبع هذا الكتاب مستقالً يف رسالة صغرية بتقدمي الشيخ علي بن حممد بن سنان.
( )12انظر (ص )46من هذا الكتاب.
28
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفن وجلَّى صورته.
مبتدعا ،اعتمد
متبعا ال ً
واإلمام الشافعي فيما فعل كان مقتفيًا أبثر من قبلهً ،
فيه على هدي الكتاب والسنة وسرية الصحابة رضوان هللا عليهم وآاثر األئمة
أيضا– من علم العربية وأخبار الناس ،والرأي والقياس ،ولعل
املهتدين ،واستفاد – ً
أهم القضااي األصولية اليت قررها الشافعي وسعى إىل بياهنا يف آاثره اليت بني أيدينا:
-1بيان األدلة الشرعية ،وهي :الكتاب ،والسنة ،واإلمجاع ،والقياس،
وتوضيح مراتبها.
خصوصا ،وبيان أنه ال
عموما ،وتثبيت خرب الواحد
ً
-2إثبات حجية السنة ً
تعارض بني الكتاب والسنة ،وال بني أحاديث النيب .
-3بيان وجوب اتباع سبيل املؤمنني.
-4حتديد ضوابط األخذ ابلرأي ،وشروط استعمال القياس.
-5إبطال القول على هللا بال علم ،دون حجة أو برهان.
عددا من الوجوه املوجودة
-6التنبيه على أن القرآن نزل بلغة العرب ،وأن فيه ً
يف اللسان العريب.
-7بيان األوامر والنواهي.
-8ذكر الناسخ واملنسوخ.
هذا فيما يتعلق جبهود اإلمام الشافعي وآاثره.
مث تتابعت بعد بذلك جهود علماء أهل السنة ،وكانت معظم هذه اجلهود يف
هذه املرحلة الزمنية ترتكز على االعتصام ابلكتاب والسنة.
فمن ذلك:
"رسالة اإلمام أمحد يف طاعة الرسول ،)1("وكتاب "أخبار اآلحاد" ،وكتاب
"االعتصام ابلكتاب والسنة" ،كالمها من اجلامع الصحيح لإلمام البخاري( ،)2وما
( )1انظر" :مسائل اإلمام أمحد" برواية ابنه عبد هللا ( ،)1361 – 1355/3و"إعالم
املوقعني" (.)293 – 290/2
( )2هو :حممد بن إمساعيل بن إبراهيم بن املغرية ،أبو عبد هللا ،اإلمام صاحب الصحيح ،أمري
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
29
()2
صنفه خطيب أهل السنة اإلمام ابن قتيبة( :)1كتاب "أتويل مشكل القرآن"
وكتاب "أتويل خمتلف احلديث"(.)3
وغري ذلك مما كتبه أئمة السلف( )4يف كتب العقائد والرد على الفرق الضالة
حيث قرروا وجوب التمسك ابلكتاب والسنة ،وأقاموا هلذا األصل العظيم األدلة
والشواهد الشرعية.
وخالصة القول:
أنه قد مت يف هذه املرحلة تدوين علم أصول الفقه ،وذلك على يد اإلمام
الشافعي الذي كان أهالً للقيام هبذا الدور العظيم ملا اجتمع فيه من علم الكتاب
والسنة ،وفقه االستنباط ،وعلم اللغة ،إضافة إىل ما أويت من عقل وذكاء ،وذلك
فضل هللا يؤتيه من يشاء.
مث بعد ذلك جاءت جهود العلماء متممة ملا بدأه الشافعي ،خاصة فيما
يتعلق بوجوب االعتصام ابلكتاب والسنة ،فكانت هذه اجلهود وتلك مبثابة اخلطوط
العريضة ملنهج أهل السنة واجلماعة ،والقواعد العامة لطريقتهم يف أصول الفقه ،وكان
هلذه املرحلة الزمنية األثر البليغ والتأثري العظيم يف جهود العلماء الالحقة ،كما
سيظهر ذلك جليًا يف املرحلة الثانية والثالثة.
=
املؤمنني يف احلديث ،كان من أوعية العلم يتقد ذكاءً ،أمجع الناس على صحة كتابه
"الصحيح" ،ولد سنة (194ه) ،وتويف سنة (256ه) .انظر" :هتذيب األمساء واللغات"
( ،)67 /1و"شذرات الذهب" (.)134/2
( )1هو :عبد هللا بن مسلم بن قتيبة الدينوري ،أبو حممد ،اإلمام النحوي اللغوي ،كان فاضالً
ثقة ،يلقب خبطيب أهل السنة ،له كتاب" :املعارف" ،و"أدب الكاتب" ،و"أتويل مشكل
القرآن" ،و"أتويل خمتلف احلديث" ،تويف سنة (276ه) .انظر" :اتريخ بغداد"
( ،)170/10و"شذرات الذهب" (.)168/2
( )2طبع هذا الكتاب يف جملد واحد ،شرحه ونشره السيد أمحد صقر.
( )3طبع هذا الكتاب يف جملد واحد ،بتصحيح وتنقيح إمساعيل اخلطيب.
( )4من ذلك كتاب "الشريعة" لإلمام اآلجري ،املتوىف سنة (360ه) ،وكتاب "اإلابنة
الكربى" لإلمام ابن بطة العكربي ،املتويف سنة (387ه) ،وكتاب "شرح أصول اعتقاد
أهل السنة واجلماعة" لإلمام الاللكائي ،املتويف سنة (418ه) وانظر لالستزادة ما سيأيت
يف (ص )554برقم ( )29من هذا الكتاب.
30
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
امل حلة الثانية:تبدأ هذه املرحلة من أوائل القرن اخلامس ،وحىت هناية القرن السابع على وجه
التقريب ،وقد برز يف هذه املرحلة إمامان:
إمام أهل السنة يف املشرق اخلطيب البغدادي ،صاحب كتاب "اتريخ بغداد".
وإمام أهل السنة يف املغرب أبو عمر بن عبد الرب( ،)1صاحب كتاب
"التمهيد".
أما حافظ بغداد فقد صنف يف أصول الفقه كتاب "الفقيه واملتفقه" الذي
امتدادا لكتاب الرسالة للشافعي،
جعله نصيحة ألهل احلديث ،ويعد هذا الكتاب
ً
مث إنه أضاف فيه قضااي جدلية ومباحث متعلقة أبدب الفقه ،وسيأيت الكالم الح ًقا
على هذا الكتاب(.)2
وأما حافظ األندلس فقد صنف كتاب "جامع بيان العلم وفضله" استجابة
ملن سأله عن معىن العلم ،وعن تثبيت احلجاج ابلعلم ،وتبيني فساد القول يف دين
هللا بغري فهم ،وحترمي احلكم بغري حجة ،وما الذي أجيز من االحتجاج واجلدل ،وما
الذي كره منه؟ وما الذي ذم من الرأي ،وما محد منه؟ وما جيوز من التقليد ،وما
حرم منه؟( )3فأجابه الشيخ إىل ما سأل قائالً:
"ورغبــت أن أق ــدم ل ــك قب ــل ه ــذا مــن آداب ال ــتعلم وم ــا يل ــزم الع ــامل وامل ــتعلم
التخلـق بــه واملواظبـة عليــه ،وكيـف وجــه الطلـب ،ومــا ـمح د ومـدح فيـه مــن االجتهــاد
اباب ممـا
اباب ً
والنصب إىل سائر أنـواع آداب الـتعلم والتعلـيم وفضـل ذلـك ،وتلخيصـه ً
روي عن سلف هـذه األمـة رضـي هللا عـنهم أمجعـني لتتبـع هـديهم ،وتسـلك سـبيلهم
( )1هو :يوسف بن عبد هللا بن حممد بن عبد الرب بن عاصم النمري القرطيب ،اإلمام احلافظ
أبو عمر بن عبد الرب ،إمام عصره يف احلديث واألثر وما يتعلق هبما ،كان موف ًقا يف
معاًن عليه ونفع هللا به ،له كتاب" :التمهيد ملا يف املوطأ من املعاين واألسانيد"،
التأليف ً
و"االستذكار ملذاهب علماء األمصار" ،و"االستيعاب يف أمساء األصحاب" ،تويف سنة
(463ه) .انظر" :الديباج املذهب" ( ،)357و"شذرات الذهب" (.)314/3
( )2انظر ( )51من هذا الكتاب.
( )3انظر" :جامع بيان العلم وفضله" (.)3/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
31
وتعرف ما اعتمدوا عليه مـن ذلـك جمتمعـني أو خمتلفـني يف املعـىن منـه ،فأجبتـك إىل
ما رغبت.)1("...
ومما مضى تبني أن الكتاب يبحث يف موضوعني:
األول :يف فضل العلر وآدا أهله.
والثاين :يف مباحث أصولية.
استغرق املوضوع األول نصف الكتاب األول تقريبًا.
وكان من أبرز املباحث األصولية اليت تكلم عليها يف النصف اآلخر من
الكتاب.
* أصول العلم :الكتاب ،والسنة ،واإلمجاع ،والقياس.
* ما جاء يف أن العلم هو ما كان مأخوذًا عن الصحابة ،وما مل يؤخذ عنهم
فليس بعلم.
* االجتهاد والقياس.
* التقليد واالتباع.
* الفتوى.
* موضع السنة من الكتاب وبياهنا له.
ويالح ـ :اســتفادة ابــن عبــد الــرب مــن مروايتــه احلديثيــة ،ومــن النقــل عــن أئمــة
املالكية( ،)2وحرصه على نقل ما عليه سلف األمة ،وهـو يعقـب -يف الغالـب -علـى
ما يروي من آاثر وأحاديث وعلى ما ينقل بقوله" :قال أبو عمر" ،أو "قلت"(.)3
وقد نقل ابن عبد الرب من كتب الشافعي يف مواضع( ،)4وعن حممد بن
( )1انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ()3/1
( )2كاإلمام مالك وأشهب وابن القاسم وابن وهب .انظر مثالً (.)95 ،88 ،81 ،73 ،72/2
( )3وقد يسر هللا مجع آراء ابن عبد الرب األصولية يف رسالة علمية قدمها الباحث العريب بن
مجعا وتوثي ًقا ودراسة" ،حصل هبا على
حممد فتوح بعنوان" :أصول الفقه عند ابن عبد الرب ً
درجة املاجستري من جامعة اإلمام حممد بن سعود اإلسالمية ابلرايض سنة (1411ه).
( )4انظ ـ ــر م ـ ــثالً ( )82 ،74 ،73 ،72 ،61/2وق ـ ــد نق ـ ــل يف مواض ـ ــع ع ـ ــن امل ـ ــزين .انظ ـ ــر
(.)89 ،83/2
32
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
احلسن يف مواضع(.)1
ويف اجلملة فإن هذا الكتاب مليء ابآلاثر والنقول املسندة عن عدد كبري من
الصحابة رضي هللا عنهم والتابعني من بعدهم ،ومشتمل على أقوال ثلة من أهل
العلم املتقدمني .والكتاب حباجة إىل دراسة حديثية آلاثره وأسانيده( ،)2وتنظيم
طباعي ،وحتقيق علمي ملباحثه األصولية ،ومقدمة دراسية عن املؤلف وكتابه،
وفهارس دقيقة متنوعة.
أيضا كتاابن:
وقد ظهر يف هذه املرحلة ً
()3
األول :كتاب "تقومي األدلة" أليب زيد الدبوسي .
والثاين :كتاب "املستصفى" لإلمام الغزايل(.)4
اجتاها مستقالً يف أصول الفقه.
وكال هذين الكتابني ميثل ً
( )5
كثريا ،وكان
فاألول يقول عنه ابن خلدون " :أما طريقة احلنفية فكتبوا فيها ً
من أحسن كتابة فيها للمتقدمني أتليف أيب زيد الدبوسي"(.)6
أيضا" :وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم -أي احلنفية -فكتب يف
وقال ً
( )1انظر مثالً (.)61 ،26/2
مؤخرا طبعة جديدة بتحقيق أيب األشبال الزهريي.
( )2صدرت ً
( )3هو :عبيد هللا بن عمر بن عيسى الدبوسي احلنفي ،أبو زيد ،كان أحد من يضرب به املثل
يف النظر واستخراج احلجج ،وهو أول من أبرز علم اخلالف إىل الوجود ،له كتاب:
"األسرار" ،و"تقومي األدلة" ،و"األمد األقصى" ،تويف سنة (430ه) .انظر" :اتج الرتاجم"
( ،)192و"شذرات الذهب" (.)345/3
( )4هو :حممد بن حممد بن حممد الطوسي ،أبو حامد الغزايل ،حجة اإلسالم وأعجوبة الزمان،
صاحب التصانيف والذكاء املفرط ،شيخ الشافعية ،برع يف علوم كثرية ،له كتاب" :إحياء
علوم الدين" ،و"املنخول" ،و"البسيط" ،و"الوسيط" ،و"الوجيز" ،تويف سنة (505ه).
انظر" :سري أعالم النبالء" ( ،)322/19و"األعالم (.)22/7
( )5هو :عبد الرمحن بن حممد بن حممد بن احلسن احلضرمي األشبيلي املالكي ،ويل الدين أبو
زيد ،ويل قضاء املالكية ابلقاهرة مث عزل ،عامل أديب مؤرخ ،له كتاب" :العرب وديوان املبتدأ
واخلرب يف أايم العرب والعجم والرببر ومن عاصرهم من ذوي السلطان األكرب" املعروف
بتاريخ ابن خلدون ،وله "لباب احملصل يف أصول الدين" ،تويف سنة (808ه) .انظر:
"شذرات الذهب" ( ،)76/7و"معجم املؤلفني" (.)188/5
( )6مقدمة "ابن خلدون" (.)361
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
33
القياس أبوسع من مجيعهم ،ومتم األحباث والشروط اليت حيتاج إليها فيه .وكملت
صناعة أصول الفقه بكماله ،وهتذبت مسائله ومتهدت قواعده"(.)1
وأما الثاين وهو كتاب "املستصفى" فإنه يعترب واسطة العقد يف كتب املتكلمني
األصولية ،فهو جامع ملا سبقه من مؤلفات أصولية ،وما بعده ال خيلو من االستفادة
منه ،وبه اكتملت أركان علم األصول ،وفيه نضجت مباحثه ومتت مسائله(.)2
وقد أحسن أهل السنة التعامل مع هذين الكتابني املهمني ،واالستفادة مما
فيهما.
()3
أما كتاب "تقومي األدلة" للدبوسي فقد تصدى له أبو املظفر ابن السمعاين
يف كتابه "قواطع األدلة"(.)4
قال أنو املظف يف مقدمة هذا الكتا :
"وما زلت طول أايمي أطالع تصانيف األصحاب يف هذا الباب وتصانيف
غريهم ،فرأيت أكثرهم قد قنع بظاه ٍر من الكالم ،ور ٍ
ائق من العبارة ،ومل يداخل
حقيقة األصول على ما يوافق معاين الفقه.
ورأيت بعضهم قد أوغل وحلل وداخل ،غري أنه حاد عن حمجة الفقهاء يف
كثري من املسائل ،وسلك طريق املتكلمني الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه ،بل
ال قبيل هلم فيه وال دبري ،وال نقري وال قطمري....
فاستخرت هللا تعاىل عند ذلك ،وعمدت إىل جمموع خمتصر يف أصول الفقه؛
( )1املصدر السابق.
( )2انظر ما سيأيت (ص )55 ،54من هذا الكتاب.
( )3هو :منصور بن حممد بن عبد اجلبار بن أمحد ،أبو املظفر السمعاين التميمي ،احلنفي مث
الشافعي ،من أعالم أهل السنة يف عصره ،له كتاب "التفسري" ،وله يف أصول الفقه كتاب
"قواطع األدلة" وله يف الفقه كتاب "االصطالم" ،تويف سنة (489ه) .انظر "طبقات
الشافعية الكربى" البن السبكي ( ،)21/4و"طبقات الشافعية" البن قاضي شهبة
(.)273/1
( )4كتاب "قواطع األدلة" قام بتحقيق بعضه الدكتور عبد هللا احلكمي سنة (1407ه) يف
مرحلة الدكتوراه جبامعة اإلمام حممد بن سعود اإلسالمية ابلرايض ،مث طبع الكتاب كامالً
ونشر سنة (1419ه) بتحقيق د .عبد هللا احلكمي ،ود .علي عباس احلكمي ،وذلك يف
مخسة جملدات.
34
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أسلك فيه حمض طريقة الفقهاء ،من غري زيغ عنه وال حيد وال جنف وال ميل ،وال
أرضي بظاهر من الكالم ،ومتكلف من العبارة ،يهول على السامعني ،ويسيب
قلوب األغتام( )1اجلاهلني ،لكن أقصد لباب اللب ،وصفو الفطنة ،وزبدة الفهم،
عولوا عليه.
وأنص على املعتمد عليه يف كل مسألة ،وأذكر من شبه املخالفني مبا ّ
وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي يف "تقومي األدلة" ابإليراد ،وأتكلم
عليه مبا تزاح معه الشبهة ،وينحل به اإلشكال ،بعون هللا تعاىل.
وأشري عند وصويل إىل املسائل املشتهرة بني الفريقني إىل بعض املسائل اليت
عوًن للناظر.)2("...
تتفرع عنها لتكون ً
عددا من املباحث،
وقد استفاد أبو املظفر من أيب زيد الدبوسي ونقل عنه ً
وأورد عليه ورد عليه يف مباحث أخرى(.)3
وكتاب "القواطع" امتاز بتوسطه بني طريقتني :طريقة الفقهاء ،وطريقة
املتكلمني.
عددا من املسائل الفقهية،
فهو مل جيرد كتابه عن الفروع الفقهية ،بل أورد فيه ً
كما أنه حرر املسائل وأصل القواعد على أدلة الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه
األمة ،وقد أكثر من النقل عن اإلمام الشافعي خاصة( ،)4وعن غريه من أئمة أهل
السنة.
()5
وقال ابن السبكي عن هذا الكتاب:
"وال أعرف يف أصول الفقه أحسن من كتاب "القواطع" وال أمجع ،كما ال
( )1األغتام :مجع أغتم ،وهو الذي ال يفصح يف كالمه .انظر" :لسان العرب" (.)433/12
(" )2قواطع الدلة" (.)8 – 5/1
( )3انظر مقدمة حمقق القواطع.)73/1( :
( )4انظر فهرس كتاب القواطع.)415 – 414/5( :
( )5هو :عبد الوهاب بن علي بن عبد الكايف السبكي الشافعي ،اتج الدين أبو النصر،
اشتغل ابلقضاء ،له مصنفات منها" :اإلهباج" وقد أكمله بعد أبيه ،و"مجع اجلوامع"،
و"طبقات الشافعية الكربى" ،و"الوسطى" ،و"الصغرى" ،تويف سنة (771ه) .انظر:
"شذرات الذهب" ( ،)221/6و"معجم املؤلفني" (.)225/6
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
35
أعرف فيه أجل وال أفحل من برهان إمام احلرمني( .)1فبينهما يف احلسن عموم
وخصوص"(.)2
أما كتاب "املستصفى" للغزايل فقد قام ابختصاره وهتذيبه اإلمام املوفق ابن قدامة
وذلك يف كتاب "روضة الناظر وجنة املناظر" ،وسيأيت الكالم على ذلك الح ًقا(.)3
وخالصة القول:
أن هذه املرحلة اتسمت بغزارة املادة األصولية املبنية على األحاديث النبوية
واآلاثر املروية عن الصحابة والتابعني ،وذلك ميثله بوضوح كتاب ابن عبد الرب وكتاب
اخلطيب البغدادي ،كما أن هذه املرحلة متيزت ابالجتاه احلديثي املتمثل بذكر
قاصرا على الرواية والتحديث بل انضم إىل
املروايت أبسانيدها ،ومل يكن هذا االجتاه ً
ذلك االستنباط والفهم ،وإثبات القياس واالجتهاد ،والدعوة إىل إعمال الرأي يف
حدود الشرع ،والتحذير من التسرع يف الفتيا وإصدار األحكام ،والتنبيه على فضل
العلم وأدب أهله.
امتدادا للمرحلة السابقة اليت متثلت يف كتاب "الرسالة"
وكانت هذه املرحلة
ً
للشافعي ،فقد استفاد ابن عبد الرب ،واخلطيب والبغدادي وابن السمعاين ،استفادة
مباشرة واضحة من آاثر الشافعي .أما كتاب "الروضة" البن قدامة فإنه ميثل نقلة
جديدة تتجلى يف التأثر مبنهج املتكلمني مع احملافظة على التصور السلفي إمجاالً،
ولعل السبب يف ذلك هو كثرة كتب املتكلمني األصوليني( )4يف تلك الفرتة
وانتشارها مع إتقان ترتيبها وحسن عرضها(.)5
( )1هو :عبد امللك بن عبد هللا بن يوسف بن عبد هللا اجلويين ،أبو املعايل امللقب إبمام
احلرمني ،إذ جاور مبكة أربع سنني وابملدينة ،شيخ الشافعية يف زمانه اجملمع على إمامته
وغزارة مادته وتفننه يف العلوم من األصول والفروع واألدب وغري ذلك ،من تصانيفه:
"الشامل" ،و"التلخيص لكتاب التقريب للباقالين" ،تويف سنة (478ه) .انظر" :سري
أعالم النبالء" ( ،)468/18و"طبقات الشافعية الكربى" البن السبكي (.)249/3
(" )2طبقات الشافعية الكربى" البن السبكي (.)25 ،24/4
( )3انظر ما سيأيت (ص )54من هذا الكتاب.
أيضا كتب املعتزلة كالقاضي عبد
( )4مثل كتب الباقالين ،واجلويين ،والغزايل ،والرازي .وظهرت ً
اجلبار ،وأيب احلسني البصري.
( )5ومن جهة أخرى فقد استفاد ابن قدامة من كتب احلنابلة املتقدمني :كـ"العدة" للقاضي أيب
=
36
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
امل حلة الثالثة:بداية هذه املرحلة هي بداية القرن الثامن وتنتهي بنهاية القرن العاشر تقريبًا،
وقد برز يف هذه املرحلة – يف أوائلها – إمامان جليالن ،حفظ هللا هبما منهج أهل
السنة واجلماعة ،وجدد هللا هبما هذا الدين.
إهنما شيخ اإلسالم ابن تيمية( ،)1وتلميذه ابن قيم اجلوزية(.)2
وقد وافق عصر هذين اإلمامني اتساع جهود املتكلمني األصولية( )3فقد
توافرت كتبهم ،املختصرات منها واملطوالت ،وتداول الناس هذه الكتب ،وعمت
مطالعتها ودراستها( ،)4وميكن تلخيص دور هذين اإلمامني إزاء هذا التيار يف
جانبني:
=
يعلى ،و"التمهيد" أليب اخلطاب ،و"الواضح" البن عقيل .وقد بدأ جليًا أتثر هؤالء
ابملتكلمني واستفادهتم منهم.
( )1هو :أمحد بن عبد احلليم بن عبد السالم احلراين مث الدمشقي ،تقي الدين أبو العباس،
تفقه يف مذهب اإلمام أمحد وبرع يف التفسري واحلديث ،وفاق الناس يف معرفة الفقه
واختالف املذاهب ،وأتقن العربية ونظر يف العقليات وأقوال املتكلمني ورد عليهم ونصر
السنة ،وأوذي يف ذات هللا واعتقل وسجن ،له تصانيف كثرية منها" :منهاج السنة
النبوية" ،و"االستقامة" ،و"درء تعارض العقل والنقل" ،تويف سنة (728ه) .انظر" :ذيل
طبقات احلنابلة" ( ،)387/2و"شذرات الذهب" (.)80/6
( )2هو :حممد بن أيب بكر بن أيوب بن سعد الزرعي مث الدمشقي ،مشس الدين أبو عبد هللا
ابن قيم اجلوزية ،تفقه يف مذهب اإلمام أمحد وبرع وأفىت ،الزم ابن تيمية وأخذ عنه ،وتفنن
يف علوم اإلسالم ،وله يف كل فن اليد الطوىل ،وكان ذا عبادة وهتجد ،وقد امتحن وأوذي
مرات ،وصنف تصانيف كثرية منها" :زاد املعاد يف هدي خري العباد" ،و"الصواعق املرسلة
على اجلهمية واملعطلة" ،تويف سنة (751ه) .انظر" :ذيل طبقات احلنابلة" (،)447/2
و"معجم املؤلفني" (.)106/9
( )3مل يقتصر األمر على جانب أصول الفقه ،بل إن منهج املتكلمني قد شاع وذاع يف
أيضا ،وقد تصدى هذان اإلمامان للرد عليهم ،فمن ذلك "بيان تلبيس
مباحث العقيدة ً
اجلهمية" البن تيمية ،و"الصواعق املرسلة على اجلهمية واملعطلة" البن القيم ،وغري ذلك.
( )4من هذه الكتب" :احملصول" للرازي ،و"اإلحكام" لآلمدي ،و"خمتصر ابن احلاجب"،
و"املنهاج" للبيضاوي .انظر" :مقدمة ابن خلدون" (.)361
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
37
اجلانب األول :أتصيل قواعد أهل السنة واجلماعة ،وتثبيت دعائم منهج
السلف الصاحل ابحلجة البالغة والربهان الساطع ،والرجوع يف كل ذلك إىل نصوص
الكتاب والسنة وإمجاع األمة ،وما دل عليه العقل الصريح والفطرة السليمة ،وما ورد
عن الصحابة والتابعني ،وعدم االلتفات إىل مناهج املناطقة ومسالك الفالسفة.
إن القضااي واملطالب اليت اشتغل ابن تيمية إبظهارها وبياهنا أو ابن القيم ،إمنا
هي قضااي كلية ومطالب أساسية ،عليها تبين مسائل كثرية وفروع عديدة.
فمن األمثلة على ذلك(:)1
عاما ،وأنه ال جتوز معارضتهما برأي أو
أ -وجوب اتباع الكتاب والسنة ً
اتباعا ً
عمل أو ذوق أو غري ذلك ،بل جيب أن جيعال مها األصل ،فما وافقهما قبل ،وما
خالفهما رد.
ب -أن الكتاب والسنة وإمجاع األمة أصول معصومة ،هتدي إىل احلق ،ال
أيضا.
يقع بينها التعارض ،وأن القياس الصحيح موافق للنص ً
أعذارا ،والواجب يف املسائل
جـ -أن للعلماء يف اجتهاداهتم
ً
أسبااب و ً
االجتهادية بيان احلق ابلعلم والعدل.
نفسا
د -أن أحكام الشريعة مشروطة ابلقدرة واالستطاعة إذ ال يكلف هللا ً
إال وسعها.
ﻫ -أن الرسول أمت بيان هذا الدين ،فالدين كامل والنصوص حميطة
أبفعال املكلفني ،وأن رسالته عامة للثقلني وهي ضرورية للخلق.
اجلانب الثاين :الرد على الباطل وكشف زيفه ،وبيان بطالنه ،وذلك بعد
الوقوف على مآخذه لدي أهله؛ ملقارعة احلجة ابحلجة.
كل ذلك أبدلة املنقول واملعقول ،مع النصيحة والبيان ،فكان هذا الصنيع
وفضحا للباطل
وتوضيحا للحق ودعوة إليه،
تصحيحا للخطأ وتقوميًا لالعوجاج،
ً
ً
ً
وحتذيرا منه.
ً
()2
ومن األمثلة على ذلك :
( )1انظر هذه األمثلة وغريها فيما أييت (ص )547 -530من هذا الكتاب.
( )2انظر هذه األمثلة وغريها فيما أييت (ص )547 -530من هذا الكتاب.
38
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أ -مسألة التحسني والتقبيح العقليني ،وبيان طريف االحنراف يف هذه املسألة.
ب -جناية التأويل وخطورته ،وبيان الصحيح منه والباطل.
جـ -الرد على من زعم أن النصوص تفيد الظن وال تفيد اليقني ،وذكر األدلة
على ذلك.
د -درء التعارض بني العقل والنقل ،وإقامة األدلة والشواهد على ذلك.
إن جهود ابن تيمية وابن القيم وآاثرمها اجلليلة امتداد آلاثر من سبقهم من
أئمة أهل السنة واجلماعة ،فقد استفاد هذان اإلمامان من جهود ابن عبد الرب،
واخلطيب البغدادي ،وابن السمعاين ،ومن قبلهم اإلمام الشافعي وغري هؤالء من
األئمة .يضاف إىل ذلك أن جهود هذين اإلمامني متثل دراسة تقوميية لكتب
وبياًن ملا هلا وعليها انطالقًا
ونقدا لقواعد املتكلمني ومناهجهمً ،
املتكلمني األصوليةً ،
من منهج السلف الصاحل.
وإذا أردًن الوقوف على آاثر هذين اإلمامني يف أصول الفقه فإنه من الصعوبة
اإلحاطة هبذه اآلاثر على وجه الدقة ،ذلك لضخامة تراثهم وسعة امتداده من جهة ،ومن
جهة أخرى فإن آتليفهما تتصف ابالستطراد والتشعب ،فما أن يبتدئ الواحد منهما
مبوضوع حىت يفرع الكالم على غريه ،وهذا جيره إىل غريه وهكذا ،ولعل صفة االستطراد
عند ابن تيمية أظهر وأقوى منها ابلنسبة إىل ابن القيم.
لذا َحس َن َمجْع ما هلذين اإلمامني من أحباث أصولية يف قائمتني خاصتني(.)1
ويف هذا املقام ميكن اإلشارة إىل كتابني مستقلني يف أصول الفقه هلذين
اإلمامني ،األول كتاب "املسودة" آلل تيمية ،والثاين كتاب "إعالم املوقعني" البن
خاصا يف أصول الفقه إال أن معظم
القيم ،على أن األخري من هذين الكتابني ليس ً
مباحثه تتعلق ابألصول.
()1
()2
أما كتاب "املسودة" فإنه يف األصل نقول مجعها جمد الدين عبد السالم
( )1انظر ما سيأيت (ص )547 -530من هذا الكتاب.
( )2هذه النقول عن القاضي أيب يعلى ،وأيب اخلطاب ،وابن عقيل وغريهم من احلنابلة
املتقدمني.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
39
بن تيمية احلراين ،جد شيخ اإلسالم تقي الدين أمحد بن تيمية ،وتركها دون أن
يبيضها ،فعلق على بعضها ابنه شهاب الدين عبد احلليم( ،)2والد شيخ اإلسالم،
أيضا مسودة دون أن يبيضها ،مث جاء شيخ اإلسالم أمحد بن تيمية فعلق
وتركها ً
أيضا مسودة دون أن يبيضها ،مث قيض هللا هلذه املسودات أحد
على بعضها وتركها ً
تالميذ( )3شيخ اإلسالم فجمعها ورتبها وبيضها وميز بعضها عن بعض ،فما كان
لشيخه قال فيه" :قال شيخنا" ،وما كان لوالد شيخه قال فيه" :قال والد شيخنا"،
وما كان لصاحب األصل جمد الدين تركه مهمالً(.)4
والكتاب ضم مجلة من النقول عن أئمة احلنابلة األصوليني ،وهذا هو الغالب
فيه ،لذا فهو جممع لكثري من أقوال احلنابلة ،ومرجع لتحرير مذهب اإلمام أمحد يف
عدد من املسائل األصولية .والكتاب حباجة إىل تنقيح وهتذيب لوجود تكرار يف
بعض مباحثه ،وإىل ترتيب ،إذ هو عبارة عن مسائل وفصول ال جيمعها ابب وال
يضمها عنوان ،فالكتاب إذن حيتاج إىل فهرسة دقيقة ،إضافة إىل أن الكتاب ال
يطمأن إليه يف نسبة ما فيه إىل مؤلفيه؛ إذ تركوه دون حترير وال حتقيق فهو
مسودة(.)5
=
( )1هو :عبد السالم بن عبد هللا بن أيب القاسم اخلضر بن حممد بن علي بن تيمية ،أبو
الربكات احلراين ،جمد الدين ،الفقيه احلنبلي ،واحملدث واملفسر واألصويل ،له كتاب "منتقى
األخبار" يف أحاديث األحكام ،وكتاب "األحكام الكربى" ،و"املسودة" ،تويف سنة
(652ه) .انظر" :البداية والنهاية" (" ،)198/13ذيل طبقات احلنابلة" (.)249/2
( )2هو :عبد احلليم بن عبد السالم بن عبد هللا ،ابن تيمية احلراين ،شهاب الدين أبو احملاسن،
إماما حمق ًقا ،وله يد طوىل يف الفرائض
ابن اجملد ،أتقن املذهب احلنبلي ودرس وأفىت ،وكان ً
واحلساب ،قيل عنه :كان من أجنم اهلدى ،وإمنا اختفى من نور القمر وضوء الشمس،
إشارة إىل أبيه وابنه ،تويف سنة (682ه) .انظر" :شذرات الذهب"
(.)376/5
( )3هو :أمحد بن حممد بن أمحد بن عبد الغين احلراين مث الدمشقي الفقيه احلنبلي ،شهاب
الدين ،أبو العباس ،تويف سنة (745ه) .انظر" :شذرات الذهب" (.)142/6
( )4انظر :مقدمة كتاب "املسودة" (.)7 ،6
( )5كتاب "املسودة" يف أصول الفقه طبع يف جملد واحد بتحقيق وتعليق الشيخ حممد حمي
=
40
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أما كتاب "إعالم املوقعني" فقد ذكر فيه ابن القيم مباحث أصولية مهمة
أفاض الكالم عليها ،فمن هذه املباحث(:)1
* القياس.
* االستصحاب.
* التقليد.
* الزايدة على النص.
* قول الصحايب.
* الفتوى.
* داللة األلفاظ على الظاهر.
* سد الذرائع وحترمي احليل.
* ليس يف الشريعة ما خيالف القياس.
وهناك مباحث أخرى نفيسة ازدان هبا هذا الكتاب ،فمن ذلك:
* ذكر أئمة الفتيا من الصحابة والتابعني ومن بعدهم.
* شرح خطاب عمر يف القضاء.
* أنواع الرأي احملمود واملذموم.
* مسائل يف الطالق واإلميان.
* فتاوى النيب يف العقيدة ويف األبواب الفقهية.
* أمثلة على احليل املباحة والباطلة.
* أمثلة على رد احملكم ابملتشابه.
* أمثلة على رد السنن بظاهر القرآن.
=
الدين عبد احلميد ،وذكر يف مقدمته هلذا الكتاب أنه ميتاز ابلعناية بتحرير حمل النزاع،
بياًن مستقصيًا ،وقد حقق الكتاب
وببيان أصحاب األقوال يف املسائل املختلف فيها ً
الدكتور أمحد الذروي من جامعة اإلمام حممد بن سعود اإلسالمية ابلرايض يف مرحلة
الدكتوراه سنة (1405ه) ،مث نشر بتحقيقه سنة (1422ه).
( )1انظر فيما يتعلق هبذه املباحث وغريها ما سيأيت (ص )547 -529من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
41
وقد امتاز هذا الكتاب بكثرة األمثلة الفقهية على عدد من املسائل
()1
أيضا ببيان حكمة التشريع ومقاصد الشريعة( ،)2إضافة إىل
األصولية ،وامتاز ً
حسن البيان ومجال األسلوب ،كما أن الكتاب جامع لكثري من األحاديث النبوية
واآلاثر املروية عن الصحابة والتابعني( ،)3وفيه نقول مطولة مهمة عن بعض
األئمة(.)4
فهو بذلك غاية يف منهج أهل السنة واجلماعة وعمدة يف بيان طريقة
السلف ،والكتاب حيتاج إىل ختريج آاثره وفهرسة مباحثه ومطالبه ،وحقيق بدراسة
تربز حماسنه وتفصح عن منهج مؤلفه ومصادره فيه ومقاصده منه(.)5
أيضا ظهرت لبعض علماء أهل السنة مؤلفات أصولية إال
ويف هذه املرحلة ً
أهنا على وجه العموم أتثرت مبنهج املتكلمني مجلة.
وهذا التأثر خيتلف من كتاب إىل آخر.
ويف املقابل فقد حافظت هذه املؤلفات يف اجلملة على منهج السلف ،وهذه
أيضا ختتلف من كتاب إىل آخر.
احملافظة ً
ولعل مدى التأثر مبنهج املتكلمني ومقدار احملافظة على منهج السلف يف هذه
املؤلفات ،يظهر مبا سيأيت بيانه فيما يتعلق ابلكالم على كتاب "الروضة" البن
قدامة( ،)6وكتاب "شرح الكوكب املنري" للفتوحي(.)7
( )1انظر على سبيل املثال" :األمثلة على رد السنن بظاهر القرآن" (،)329 – 321/2
و"األمثلة على رد احملكم ابملتشابه" (.)425 ،330/2
( )2مثال ذلك ما ذكره فيما يتعلق مبا قيل فيه :إن الشارع مجع بني املختلفني أو فرق بني
املتماثلني يف احلكم ،وفيما يتعلق مبا قيل فيه من األحكام :إنه جيري على خالف القياس.
انظر ()70 ،3/2 ،175 ،71/2
( )3انظر مثالً األدلة اليت أوردها من فعل الصحابة وغريهم على حجية القياس (.)217 -202/1
( )4وذلك كرسالة اإلمام الليث إىل اإلمام مالك ( ،)88 – 83/3ورسالة اإلمام أمحد يف
طاعة الرسول .)293 – 290/2(
مؤخرا طبعة بتحقيق الشيخ مشهور آل سلمان يف سبعة جملدات.
( )5صدرت ً
( )6انظر (ص )54من هذا الكتاب.
( )7انظر (ص )59من هذا الكتاب.
42
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فمن هذه املؤلفاي(:)1
" -1قواعد األصول ومعاقد الفصول" لإلمام صفي الدين عبد املؤمن
احلنبلي ،املتويف سنة (739ﻫ) ،وهو مطبوع.
" -2أصول الفقه" لإلمام مشس الدين حممد بن مفلح املقدسي ،املتويف سنة
(763ﻫ) ،وهو مطبوع.
" -3املختص يف أصول الفقه" لإلمام عالء الدين ابن اللحام البعلي
احلنبلي( ،)2املتويف سنة (803ﻫ) ،وهو مطبوع.
" -4ش ح خمتص انن اللحام يف أصول الفقه" لإلمام تقي الدين أيب بكر
بن زيد اجلراعي احلنبلي ،املتويف سنة (883ﻫ) ،وهو غري مطبوع.
" -5حت ي املنقول وهتذيب علر األصول" لإلمام عالء الدين علي بن
سليمان املرداوي احلنبلي ،املتويف سنة (885ﻫ) ،وهو غري مطبوع.
أيضا ،وهو مطبوع.
" -6التحبْي ش ح التح ي " له ً
" -7خمتص التح ي " لإلمام تقي الدين حممد بن أمحد ،ابن النجار الفتوحي
احلنبلي ،املتويف سنة (972ﻫ) ،وهو مطبوع.
أيضا ،وهو
" -8ش ح خمتص التح ي " املشتهر بـ"شرح الكوكب املنري" له ً
مطبوع.
واملالح على هذه الكتب:
أن مجيعها لعلماء حنبليني وأن بعضها شرح لبعض:
فـ"خمتصر ابن اللحام" شرحه اجلراعي ،و"التحرير" للمرداوي اختصره
الفتوحي ،مث شرح املختصر.
( )1سيأيت الكالم ابختصار على هذه املؤلفات عند الكالم على كتاب "الروضة" البن قدامة
(ص ،)54وكتاب "شرح الكوكب املنري" للفتوحي (ص.)59
أيضا كتاب "القواعد والفوائد األصولية وما يتعلق هبا من األحكام الفرعية"،
( )2والبن اللحام ً
ذكر فيه ستا وستني ( )66قاعدة ،أردف كل قاعدة مبسائل تتعلق هبا من األحكام
الفرعية ،وختلل ذلك بعض التنبيهات والفوائد ،طبع الكتاب بتحقيق وتصحيح الشيخ
حممد حامد الفقي يف جملد واحد ،مث طبع حمق ًقا من رسالتني علميتني.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
43
حجما كتاب "شرح الكوكب املنري" لذا فقد
وأن آخرها وقتًا وأوسطها
ً
اجتمعت هذه الكتب يف هذا الكتاب وعادت إليه ،فأمكن هبذا االعتبار أن جيعل
ختاما هلذه املرحلة ،ولذلك حسن إفراد هذا الكتاب ابلدراسة كما سيأيت الح ًقا إن
ً
()1
شاء هللا .
وبذلك يسدل الستار على هذه املرحلة الزمنية ،واليت قصر الكالم فيها على
اإلمامني اجلليلني ابن تيمية وابن القيم وعلى بعض علماء احلنابلة.
وخالصة القول:أن هذه املرحلة متيزت جبهد علمي جليل قام على ركيزتني:
األوىل :إيضاح وإبراز القواعد األصولية على منهج السلف الصاحل.
والثانية :توجيه النقد وتصـحيح اخللـل لـدي املتكلمـني يف قواعـدهم األصـولية،
وقد مت هذا اجلهد املشكور على يد اإلمام ابن تيمية ،ومن بعـده ابـن القـيم ،وقـد بـين
هذان اإلمامان ذلكم اجلهد على تلكم الثروة العلمية اليت تركها لألمة اإلمام الشافعي
ومن سار على هنجه من بعده.
ويضاف إىل ذلك ظهور مؤلفات لبعض علماء احلنابلة كابن اللحام،
واملرداوي ،والفتوحي ،وكأن هذه املؤلفات امتداد لكتاب الروضة البن قدامة الذي
كان نقلة جديدة ظهر فيها بوضوح التأثر مبنهج املتكلمني ،إال أن املؤلفات يف هذه
املرحلة استجابت وال شك ،واستفادت وال ريب من جهود ابن تيمية وابن القيم
فظهر أتثر هذه املؤلفات -مع التفاوت يف ذلك -مبا قرره هذان اإلمامان وبيناه
اضحا.
جليًا و ً
هذه هي املراحل اليت مرت هبا املسرية املباركة ألهل السنة واجلماعة يف أصول
الفقه ،وقد ظهرت بعد ذلك مؤلفات أخرى لبعض أئمة أهل السنة ،إال أن هذه
املؤلفات ترجع يف اجلملة إىل املراحل اليت سبقتها.
( )1انظر (ص )59من هذا الكتاب.
44
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فمن هذه املؤلفاي:
" -1املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد نن حنبل"( ،)1للشيخ عبد القادر بن
بدران الدومي الدمشقي ،املتويف سنة (1346ﻫ).
" -2ن هة اخلاط العاط "( )2شرح كتاب "روضة الناظر وجنة املناظر" ،له
أيضا.
ً
()3
" -3رسالة لطيفة يف أصول الفقه" للشيخ عبد الرمحن بن ًنصر
السعدي( ،)4املتويف سنة (1376ﻫ).
" -4وسيلة ا صول إىل مهماي األصول" ،للشيخ حافظ بن أمحد
احلكمي( ،)5املتويف سنة (1377ﻫ).
( )1هذا الكتاب ضمنه مؤلفه جل ما حيتاج إىل معرفته املشتغل مبذهب اإلمام أمحد ،وذكر فيه
العقائد املنقولة عن اإلمام أمحد ،والسبب الذي ألجله اختار كثري من كبار العلماء
أيضا أصول مذهب اإلمام أمحد،
مذهب اإلمام أمحد على مذهب غريه ،وذكر فيه ً
ومسلك كبار أصحابه يف ترتيب مذهبه واستنباطه من فتياه ،وذكر أصول الفقه عند
احلنابلة واستمده من "الروضة" البن قدامة ،ومن "خمتصر الطويف وشرحه" ،ومن "التحرير"
للمرداوي ،ومن خمتصره وشرحه للفتوحي ،ومن "خمتصر ابن احلاجب وشرحه" لإلجيي،
أيضا يف هذا الكتاب مصطلحات الفقه احلنبلي
ورجع إىل كتب أصولية أخرى ،وذكر ً
والكتب املشهورة فيه ،وقد طبع الكتاب يف جملد واحد ،مث قام بتحقيقه الدكتور عبد هللا
أيضا.
الرتكي ،وذلك يف جملد واحد ً
( )2سيأيت الكالم عليه تعلي ًقا يف (ص )58من هذا الكتاب.
( )3تقع هذه الرسالة يف اثنيت عشرة صفحة ،تكلم فيها املؤلف على رءوس املسائل األصولية
أبلفاظ سهلة وأسلوب ميسر ،وزاد على ذلك اإلشارة إىل بعض القواعد الفقهية ،وقد
طبعت هذه الرسالة مر ًارا ضمن جمموعة كتب للشيخ.
( )4هو :عبد الرمحن بن ًنصر بن عبد هللا بن ًنصر آل سعدي ،من قبيلة متيم ،نشأ يف بالد
القصيم ،ودرس على علماء احلنابلة هناك ،وكان ذا معرفة اتمة يف الفقه ،وكان مشتغالً
كثريا ،له كتاب "تيسري الرمحن يف
خريا ً
بكتب ابن تيمية وابن القيم واستفاد من ذلك ً
تفسري كالم املنان" ،و"القول السديد يف مقاصد التوحيد" ،تويف سنة (1376ه) .انظر:
مقدمة كتاب "تيسري الكرمي الرمحن".
( )5هو :حافظ بن أمحد بن علي احلكمي ،من أعالم منطقة اجلنوب ابململكة العربية
السعودية ،كان آية يف الذكاء وسرعة احلفظ والفهم ،اشتغل ببعض كتب الفقه واحلديث
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
45
" -5مذك ة أصول الفقه على روضة الناظ "( ،)1للشيخ حممد األمني
الشنقيطي ،املتويف سنة (1393ﻫ).
****
=
والتفسري والتوحيد مطالعة وحفظًا ،له منظومة يف التوحيد وهي "سلم الوصول إىل علم
األصول" مث شرحها يف كتابه "معارج القبول" ،تويف سنة (1377ه) .انظر :مقدمة كتابه
"معارج القبول".
( )1سيأيت الكالم عليه تعلي ًقال يف (ص )59من هذا الكتاب.
46
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب الثاين
دراسة مستقلة للكتب األرنعة" :ال سالة ،والفقيه واملتفقه،
وروضة الناظ ،وش ح الكوكب املنْي"
أولً :كتاب "الرسالة" لإلمام الشافعي ،املتويف سنة (204ﻫ)(:)1
مدحا أنه الشافعي ،وكفى
"هذا كتاب "الرسالة" للشافعي ،وكفى الشافعي ً
"الرسالة" تقريظًا أهنا أتليف الشافعي"(.)2
أ -أصل الكتا :
ألف الشافعي كتاب "الرسالة" مرتني ،ولذلك يعده العلماء يف فهرس مؤلفاته
كتابني" :الرسالة القدمية" ،و"الرسالة اجلديدة".
أما "الرسالة القدمية" فالظاهر أنه ألفها يف بغداد ،إذ كتب إليه عبد الرمحن بن
( )3
كتااب يذكر فيه:
له
يضع
أن
شاب
وهو
،
مهدي
ً
شرائط االستدالل ابلقرآن ،والسنة ،واإلمجاع ،والقياس ،وبيان الناسخ
واملنسوخ ،ومراتب العموم واخلصوص.
فوضع الشافعي له كتاب "الرسالة" ،وأرسله إليه ،ولذلك مسي الرسالة .فلما
قرأها عبد الرمحن بن مهدي قال :ما ظننت أن هللا تعاىل خلق مثل هذا الرجل ،مث
قال عبد الرمحن" :ما أصلي صالة ،إال وأدعو للشافعي فيها"(.)4
( )1هو :أبو عبد هللا حممد بن إدريس القرشي املطليب الشافعي ،إمام املذهب الشافعي ،اتفق
على ثقته وإمامته وعدالته وحسن سريته ،له أشعار كثرية ،من مؤلفاته :كتاب "األم"
و"الرسالة" ،ولد سنة (150ه) ،وتويف سنة (204ه) .انظر" :هتذيب األمساء واللغات"
( ،)44/1و"وفيات األعيان" (.)163/4
( )2مقدمة كتاب "الرسالة" للشيخ أمحد شاكر.
( )3هو :عبد الرمحن بن مهدي بن حسان بن عبد الرمحن ،أبو سعيد العنربي ،مسع الثوري ومال ًكا
وابن عيينة ،وروى عنه ابن املبارك وابن املديين وأمحد بن حنبل ،وكان من الرابنيني يف العلم،
وأحد املذكورين ابحلفظ ،وممن برع يف معرفة األثر وطرق الرواايت وأحوال الشيوخ ،تويف سنة
(198ه) .انظر" :اتريخ بغداد" ( ،)240/10و"األعالم" (.)339/3
( )4انظر" :مناقب الشافعي" للرازي ( ،)157 ،153و"هتذيب األمساء واللغات" (،47/1
،)59 ،48ومقدمة كتاب "الرسالة" (.)12 ،11 ،10
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
47
قال الفخر الرازي(" :)1وملا خرج الشافعي إىل مصر أعاد تصنيف كتاب
"الرسالة" ،ويف كل واحد منهما علم كثري"( )2وقال الشيخ أمحد شاكر( )3يف تقدميه
لكتاب "الرسالة"" :وأاي ما كان فقد ذهبت "الرسالة القدمية" ،وليست يف أيدي
الناس اآلن إال "الرسالة اجلديدة" ،وهي هذا الكتاب(.)4
ممي اي الكتا : -1أن كتاب "الرسالة" أول كتاب صنف يف أصول الفقه(.)5
قال الفخر الرازي" :اتفق الناس على أن أول من صنف يف هذا العلم هو
الشافعي ،وهو الذي رتب أبوابه ،وميز بعض أقسامه عن بعض ،وشرح مراتبه يف
الضعف والقوة"(.)6
أيضا" :والناس وإن أطنبوا بعد ذلك يف علم أصول الفقه إال أهنم كلهم
وقال ً
عيال على الشافعي فيه؛ ألنه هو الذي فتح هذا الباب ،والسبق ملن سبق.
اضعا لعلم من العلوم ابتداءً ،لو وقعت له
مث نقول :إن اإلنسان الذي يكون و ً
فيه هفوة أو زلة ،كانت مغفورة له ،كيف وقد قال هللا تعاىلَ :ولَ ْو َكا َن ِم ْن ِع ْن ِد غَ ِْْي
ِ
هللا لََو َج ُدوا ِف ِيه ا ْختِالفًا َكثِ ًْيا[النساء ،]82 :وذلك يدل على أن كل ما كان من
عند اخللق فإنه ال ينفك عن االختالف والتناقض ،والفاضل من عدت
( )1هو :حممد بن عمر بن احلسني القرشي ،يعرف اببن خطيب الري ،أبو عبد هللا فخر
الدين ،الشافعي املفسر املتكلم ،من مؤلفاته" :مفاتيح الغيب" ،و"أتسيس التقديس"،
و"احملصول يف أصول الفقه" ،تويف سنة (606ه) .انظر" :طبقات الشافعية الكربى" البن
السبكي ( ،)33/5و"البداية والنهاية" (.)60/13
(" )2مناقب الشافعي" للرازي (.)157
( )3هو :أمحد بن حممد شاكر بن أمحد بن عبد القادر من آل أيب العلياء ،يرفع نسبه إىل
احلسني بن علي ،عامل ابحلديث والتفسري ،مصري ،من مؤلفاته" :عمدة التفسري" ،و"شرح
مسند اإلمام أمحد" ،تويف سنة (1377ه) .انظر" :األعالم" (.)253/1
( )4مقدمة كتاب "الرسالة" (.)11
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)403/20و"هتذيب األمساء واللغات" ( ،)49/1و"البحر
احمليط" للزركشي ( ،)10/1ومقدمة كتاب "الرسالة" (.)13
(" )6مناقب الشافعي" للرازي (.)153
48
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
سقطاته.)1("....
-2أن الشافعي حرر كتاب "الرسالة" حتر ًيرا؛ إذ أنه أعاد تصنيفه كما قال
أيضا – أنه أعاد أتليف كتاب "الرسالة" بعد
الشيخ أمحد شاكر" :الظاهر عندي – ً
كثريا يف "الرسالة" إىل مواضع مما كتب
أتليف أكثر كتبه اليت يف "األم"؛ ألنه يشري ً
هناك"(.)2
مشهورا
منقطعا فقد مسعته متصالً ،أو
وقال الشافعي" :وكل حديث كتبته
ً
ً
عمن روي عنه بنقل عامة من أهل العلم يعرفونه من عامة ،ولكين كرهت وضع
ٍ
حديث ال أتقنه حفظًا ،وغاب عين بعض كتيب ،وحتققت مبا يعرفه أهل العلم مما
حفظت ،فاختصرت خوف طول الكتاب فأتيت ببعض ما فيه الكفاية ،دون تقصي
العلم يف كل مرة"(.)3
فيؤخذ من هذا الكالم:
أن الشافعي مل يثبت يف هذا الكتاب من األحاديث إال ما أتقن حفظه وحتقق
من ثبوته .وأنه يكتب من حفظه؛ إذ مل تكن كتبه كلها معه.
وأنه أراد االختصار وعدم التطويل ،ومل يقصد االستقصاء.
عددا
-3أن كتاب "الرسالة" كتاب حديث ورواية ،فقد ذكر الشافعي فيه ً
كبريا من األحاديث أبسانيدها املتصلة( ،)4وتكلم فيه على مسائل مهمة يف علوم
ً
()5
احلديث ،بل قيل :إن كتاب "الرسالة" أول كتاب ألف يف أصول احلديث
أيضا(.)6
ً
ٍ
-4أن كتاب "الرسالة" كتاب فقه وأحكام ،فقد تكلم الشافعي على آايت
(" )1مناقب الشافعي" للرازي (.)158 ،157
( )2انظر :مقدمة كتاب "الرسالة" (.)12
(" )3الرسالة" (.)431
أثرا
( )4انظر فهرس األعالم من كتاب" :الرسالة" ،فقد وضع احملقق عالمة ملن روى حديثًا أو ً
(.)645 – 624
( )5انظر الفهرس العلمي من كتاب" :الرسالة" :كلمة "احلديث" (.)666 ،665
( )6انظر مقدمة كتاب" :الرسالة" (.)13
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
49
مفسرا ومستنبطًا( ،)1كما أنه عزز القواعد األصولية بعدد كبري
كثرية من كتاب هللاً ،
() 2
من الفروع الفقهية من شىت أبواب الفقه .
-5أن كتاب "الرسالة" كتاب أدب ولغة ،ذلك أن الشافعي مل تدخل على
لسانه لكنة ،ومل حتفظ عليه حلنة أو سقطة ،فكالمه لغة حيتج هبا(.)3
-6أن الشافعي رتب كتابه – يف الغالب – على طريقة احملاورة والسؤال
واجلواب ،وذلك مثل" :قال يل قائل ....فما حجتكم يف القياس وتركه؟ ...فقلت
أحياًن أييت ابلكالم على صيغة االعرتاض ،وذلك
له ،.....قال ،.....قلت ".....و ً
مثل" :فإن قال قائل......قلنا" ".....فإن قيل.....قيل له."......
وال شك أن ذلك أدعى لالنتباه وأقوى يف البيان.
جـ -مصادر الكتا :
من خالل النظر يف كتاب "الرسالة" ميكن الوقوف على مصادر اإلمام
الشافعي اليت استقى منها مادة الكتاب ،وذلك على النحو اآليت:
-1اآلايت القرآنية الكرمية(.)4
-2األحاديث النبوية الشريفة(.)5
-3عمل الصحابة(.)6
-4أقوال التابعني(.)7
-5إمجاع أهل العلم(.)8
( )1انظر فهرس اآلايت القرآنية من كتاب" :الرسالة".
( )2انظر الفهرس العلمي من كتاب" :الرسالة".
( )3انظر" :مناقب الشافعي" للرازي ( ،)244 – 239و"هتذيب األمساء واللغات" (،)50 ،49/1
ومقدمة كتاب "الرسالة" ( ،)13وانظر :فهرس الفوائد اللغوية املستنبطة ،وذلك من كتاب
الرسالة".
( )4انظر" :الرسالة" (.)437 – 435
( )5انظر املصدر السابق (.)406 – 401
( )6انظر املصدر السابق (.)447 – 438 ،410 ،406
( )7انظر املصدر السابق (.)457 – 448
( )8انظر املصدر السابق (.)453 ،420 ،419
50
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-6لغة العرب(.)1
-7أقوال بعض أهل العلم(.)2
د -موضوعاي الكتا وت تيبها:
اشتمل كتاب "الرسالة" على علوم عدة؛ ففيه املسائل الفقهية واألحكام
أيضا – املوضوعات األصولية،
الشرعية ،والقضااي احلديثية ،والفوائد اللغوية ،وفيه – ً
وهي اليت كان هلا احلظ األكرب من هذا الكتاب ،بل إن أصول الفقه هو املقصود
()3
تبعا له ،وميكن ترتيب املوضوعات األصولية يف
من أتليفه ،وما عداه فإمنا يذكر ً
كتاب "الرسالة" على النحو اآليت:
خصوصا.
عموما ،وحجية خرب الواحد
ً
-1حجية السنة ً
-2األخبار "العلم" ،اإلمجاع ،القياس ،قول الصحايب ،االستحسان.
-3بيان منزلة السنة من الكتاب ،ومنزلة اإلمجاع والقياس.
-4الناسخ واملنسوخ.
-5صفة النهي.
-6اجململ واملبني ،والعام واخلاص.
-7االجتهاد.
-8ما جيوز من االختالف وما ال جيوز.
-9األحاديث اليت ظاهرها التعارض ووجه التوفيق بينها" ،العلل يف األحاديث".
هذا جممل املوضوعات األصولية يف كتاب "الرسالة" ،واملالحظ أن اإلمام
الشافعي مل يذكرها هبذا الرتتيب ،وميكن معرفة ترتيب الشافعي هلذه املوضوعات
ابلرجوع إىل كتاب "الرسالة"(.)4
( )1انظر املصدر السابق (.)487 ،213 ،52
()2انظر املصدر السابق (.)255 ،200
( )3انظر ما تقدم بيانه قريبًا عند الكالم على أصل الكتاب (ص.)46
( )4لقد هيأ هللا لكتاب "الرسالة" الشيخ احملدث أمحد شاكر رمحه هللا فقام بتحقيقه حتقي ًقا
نفيسا ،وخدمه خدمة عظمى ال مزيد عليها ،فضبط نص الكتاب بعد أن مجع نسخه
علميًا ً
املخطوطة واملطبوعة ،ودرس األسانيد ،وخرج األحاديث واآلاثر واألشعار ،وعرف ابألعالم،
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اثنيًا :كتا
سنة (463ﻫ) :
أ -سبب أتليف الكتا :
()3
صنف اخلطيب هذا الكتاب نصيحة لطائفتني ،ألهل احلديث ،وألهل الرأي .
ذلك أن أكثر كتبة احلديث يف زمانه ابتعدوا عن معرفة فقه ما كتبوه وفهم
معىن ما دونوه ،ومنعوا أنفسهم عن حماضرة الفقهاء ،وذموا مستعملي القياس من
العلماء ،وذلك ملا مسعوه من األحاديث اليت تعلق هبا أهل الظاهر يف ذم الرأي
والنهي عنه والتحذير منه ،فلم مييزوا بني حممود الرأي ومذمومه ،بل سبق إىل
نفوسهم أنه حمظور على عمومه ،مث قلدوا مستعملي الرأي يف نوازهلم ،وعولوا فيها
على أقواهلم ومذاهبهم ،فنقضوا بذلك ما أحلوه ،واستحلوا ما حرموه.
وحق ملن كانت حاله هذه أن يطلق فيه القول الفظيع ،ويشنع عليه بضروب
التشنيع ،فهذا طعن أهل الرأي واملتكلمني يف أهل احلديث.
أما أهل الرأي فجل ما حيتجون به من األخبار واهية األصل ،ضعيفة عند
()2
=
الفقيه واملتفقه
()1
51
لإلمام ا اف اخلطيب البغدادي ،املتويف
وشرح الغريب ،وأرشد إىل مواضع اإلحاالت ،وأضاف -تعلي ًقا -نقوالً مهمة عن اإلمام
الشافعي من كتبه األخرى وعن غري الشافعي ،ووضع له فهارس متنوعة دقيقة ،وأخرجه بثوب
قاما تسلسلية ،ووضع عنواًنت جديدة مىت
مجيل ،إذ قسم الكالم إىل فقرات ،وجعل هلا أر ً
احتيج إىل ذلك ،وقدم للكتاب مبقدمة عرف فيها ابملؤلف وكتابه .فجزى هللا املؤلف واحملقق
خري اجلزاء ،وكتب هلما ذلك يف صاحل أعماهلم.
( )1طبع بتحقيق وتعليق وتقدمي الشيخ إمساعيل األنصاري ،وهو جزآن يف جملد واحد.
( )2هو :أمحد بن علي بن اثبت بن أمحد بن مهدي ،أبو بكر اخلطيب ،احلافظ الكبري ،أحد
أعالم احلفاظ ومهرة احلديث ،عرف ابلفصاحة واألدب ،تفقه على فقهاء الشافعية ،له
مصنفات منتشرة منها" :اتريخ بغداد" ،و"شرف أصحاب احلديث" ،تويف سنة (463ه).
انظر" :طبقات الشافعية الكربى" البن السبكي ( ،)12/3و"األعالم" (.)172/1
( )3للخطيب البغدادي رسالة "خمتصر نصيحة أهل احلديث" تقع يف سبع صفحات ،وقد
وردت هذه الرسالة بتمامها يف كتاب "الفقيه واملتفقه" .انظر ( ،)85 – 77/2وقد
طبعت هذه الرسالة ضمن جمموعة رسائل يف علوم احلديث للنسائي ،وللخطيب
البغدادي ،حققها وعلق عليها الشيخ صبحي السامرائي.
52
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
العلماء ابلنقل ،فأظهر أهل احلديث فسادها ،فشق عليهم إنكارهم إايها ،وهم قد
جعلوها عمدهتم ،واختذوها عدهتم ،وكان فيها أكثر النصرة ملذاهبهم ،فغري مستنكر
لذلك أن يطعن أهل الرأي على أهل احلديث ،وأن يرفضوا نصيحتهم؛ ألهنم قد
هدموا ما شيدوه ،وأبطلوا ما راموه وقصدوه(.)1
وبعد أن ذكر هذا الواقع قال اخلطيب" :فقد ذكرت السبب املوجب لتنايف
هذين الفريقني ،وتباعد ما بني هاتني الطائفتني ،ورمست يف هذا الكتاب لصاحب
احلديث خاصة ،ولغريه عامة ما أقوله نصيحة مين له ،وغرية عليه"(.)2
موضوعاي الكتا وت تيبها:ابلنسبة للمسائل األصولية فقد رتبها اخلطيب يف كتابه هذا على الرتتيب
املعروف عند األصوليني:
-1فذكر أوالً ابختصار شديد أقسام احلكم الشرعي.
-2مث فصل القول يف األصول األربعة :الكتاب ،والسنة ،واإلمجاع ،والقياس.
-3وعند كالمه على الكتاب والسنة ذكر طرق االستنباط ،ودالالت
األلفاظ ،والناسخ واملنسوخ ،لكوهنا خاصة هبما ،فذكر احلقيقة واجملاز ،والعام
واخلاص ،واجململ واملبني ،والناسخ واملنسوخ.
-4وعند كالمه على اإلمجاع ذكر قول الواحد من الصحابة بعد ذكره
لوجوب اتباع ما عليه الصحابة من إمجاع وخالف.
-5مث تكلم على استصحاب احلال.
-6مث ذكر ترتيب استعمال األدلة واستخراجها.
-7مث تكلم على االجتهاد والتقليد والفتوى.
وكان قد افتتح كتابه ابلكالم على التفقه يف الدين ،مث ابلكالم على املسائل
األصولية على الرتتيب السابق ،مث ختم الكتاب بذكر أخالق الفقيه وآدابه.
فالكتاب إذن له موضوعان رئيسان :أدب التفقه ،وأصول الفقه.
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" (.)77 – 71/2
( )2املصدر السابق (.)78 ،77/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
53
جـ -ممي اي الكتا :
-1خصص املؤلف ما يقارب ثلث الكتاب للكالم على فضل الفقه والتفقه
يف الدين ،وأخالق الفقيه وآدابه.
-2نقل املؤلف يف كثري من املسائل األصولية أقوال اإلمام الشافعي واقتفى
آراءه.
-3استشهد املؤلف ابلكثري من اآلايت واألحاديث واآلاثر املروية ابإلسناد
عن الصحابة والتابعني واألئمة يف تثبيت القواعد األصولية ،واالحتجاج لألدلة
الشرعية ،وهذه املزية عزيزة الوجود يف الكتب األصولية.
-4ساق املؤلف أبسانيده ما استشهد به من أحاديث وآاثر -يف الغالب-
وهذا الصنيع يسهل مهمة التحري ملن أراد ذلك.
كثريا ما يذكر
كثريا من
املسائل األصولية وأدىل فيها برأيه ،و ً
-5حرر املؤلف ً
()1
الرأي املخالف وأدلته وجييب عنها .
-6اعتىن املؤلف ابلتعريفات والتقاسيم يف بداية كل ابب.
فبذلك ميكن أن يسمى كتاب "الفقيه واملتفقه" أبصول فقه احملدثني ،خاصة
وأن املؤلف -كما سبق بيانه -أراد بتأليف هذا الكتاب التقريب بني احملدثني
والفقهاء ،والرفع من قيمة الفقه وشأن الفقهاء ،ويف الوقت نفسه اإلرشاد إىل أمهية
معرفة احلديث وشرف أهله.
د -تقومي الكتا :
حيتاج كتاب "الفقيه واملتفقه" إىل عناية من األوجه اآلتية:
أولً :حتقيق ودراسة األسانيد الواردة ،للحكم على األحاديث واآلاثر اليت
احتج هبا املؤلف.
اثنيًا :إبراز املسائل بعناوين واضحة؛ فإن املؤلف يتكلم على مسائل الباب
الواحد ،وال يفصل بني املسألة واألخرى بفاصل يفيد االنتهاء أو االنتقال.
اثلثًا :إخراج الكتاب بطبعة جديدة ،حسنة التنسيق ،مجيلة الصف ،يعتىن
( )1يالحظ أن اخلطيب البغدادي استفاد من كتابه هذا من اإلمام الشريازي يف كتبه األصولية.
54
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فيها بعالمات الرتقيم ،وسالمة اإلمالء(.)1
أما الطبعة احلالية فإهنا كثرية السقط واألخطاء ،سيئة التنظيم ،مشوشة
العرض(.)2
انعا :وضع فهارس متنوعة لآلايت القرآنية واألحاديث النبوية ،واآلاثر،
رً
واألعالم وفهرس دقيق للمسائل األصولية.
اثلثًا" :كتا روضة الناظ وجنة املناظ " لإلمام املوفق انن قدامة
املقدسب ،املتويف سنة (620ﻫ)(.)3
أ -أصل الكتا :
تبع ابن قدامة يف كتابه هذا اإلمام الغزايل يف "املستصفى" ،حىت قال بعض
العلماء :إن الروضة خمتصر "املستصفى"(.)4
وهذه مزية لكتاب "الروضة"؛ ذلك أن "املستصفى" ترجع أمهيته إىل أمور،
منها:
-1مكانة الغزايل العلمية.
-2أتخر الغزايل يف الزمان ،فاستطاع لذلك الوقوف على أهم الكتب
األصولية(.)5
مؤخرا ،بتحقيق عادل العزازي سنة (1417ه).
( )1طبع الكتاب ً
( )2انظر مالحظات الدكتور أكرم العمري على هذه الطبعة ،وذلك يف كتابه" :دراسات
اترخيية" ( ،)231 –223فقد نبه على أمور ،منها :أن احملقق اعتمد على نسخة واحدة
رغم وجود غريها ،ووجود عدد من املصادر اليت رجع إليها اخلطيب ،ومنها :أنه مل يضبط
األعالم ،ومنها :وقوع سقط يف مواضع متفرقة ،ومنها :وجود أخطاء مطبعية كثرية .وقد
وضع الدكتور أكرم لبعضها جدوالً.
( )3هو :عبد هللا بن أمحد بن مقدام ،املقدسي مث الدمشقي ،الفقيه احلنبلي ،موفق الدين أبو
إماما يف عدة فنون خاصة يف الفقه واحلديث ،له كتاب "املغين" ،و"الكايف"
حممد ،كان ً
و"املقنع" ،و"العمدة" ،كلها يف الفقه ،وله "ذم التأويل" ،و"لمعة االعتقاد" ،تويف سنة
(620ه) .انظر" :ذيل طبقات احلنابلة" ( ،)133/2و"األعالم" (.)67/4
( )4انظر" :شرح خمتصر الروضة" ( ،)98/1و"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" (.)240
( )5انظر" :مقدمة ابن خلدون" (.)361
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
55
-3كون "املستصفى" من آخر كتب الغزايل األصولية ،إذ ألفه بعد كتابيه:
"هتذيب األصول" ،و"املنخول" ،ومجع فيه بينهما(.)1
-4أن الغزايل أحسن ترتيب "املستصفى" وأجاد ،حبيث يفيد قارئه اإلمساك
أبطراف هذا الفن ومجع مقاصده(.)2
لذلك لقي كتاب "املستصفى" االهتمام والقبول واالنتشار الواسع( ،)3بل إن
كتاب "املستصفى" يعترب مرحلة مهمة يف اتريخ علم األصول ،إذ به اكتمل بناء هذا
العلم واستوى على سوقه ابلنسبة للمتكلمني.
فما قبل كتاب "املستصفى" من مؤلفات ،اجتمعت يف "املستصفى" أبحسن
عبارة وألطف ترتيب ،وما بعده من مؤلفات إمنا هي اختصار للمستصفى واقتباس،
فاملستصفى عمدة كتب األصول عند املتكلمني ،وركنها الوثيق ،وسندها املتني .وقد
أحسن ابن قدامة االختيار حينما جعل كتاب "املستصفى" أصالً لكتابه.
ومما يزيد هذا االختيار حسنًا أن ابن قدامة مل يقلد الغزايل يف آرائه ويف سائر
منهجه ،بل ظهرت البن قدامة يف "الروضة" ملساته ،وبرزت فيه شخصيته املستقلة.
ولعل توضيح ذلك يكون بعقد موازنة خمتصرة بني الكتابني:
موازنة نني "ال وضة" و "املستصفى":ومن خالهلا تتضح مميزات كتاب "الروضة":
-1أثبت ابن قدامة يف أول "الروضة" مقدمة تضمنت مسائل من فن
متكلما وال
املنطق ،وقد اتبع ابن قدامة الغزايل يف ذلك ،مع أن ابن قدامة مل يكن
ً
منطقيًا ،ومل يكن هذا من عادة األصوليني.
( )1انظر" :املستصفى" (.)10
( )2يقول الغزايل يف مقدمة "املستصفى"" :فإذن مجلة األصول تدور على أربعة أقطاب:
القطب األول :يف األحكام ،والبداءة هبا أوىل؛ ألهنا الثمرة املطلوبة .القطب الثاين :يف
األدلة ،وهي الكتاب والسنة واإلمجاع ،وهبا التثنية؛ إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة ال أهم
من معرفة املثمر .القطب الثالث :يف طريق االستثمار ،وهو وجوه داللة األدلة ....القطب
الرابع :يف املستثمر ،وهو اجملتهد " "......املستصفى" (.)15 ،14
( )3انظر" :كشف الظنون" (.)1673/2
56
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وملا اطلع بعض احلنابلة على "الروضة" ورأى فيها املقدمة املنطقية عاتب ابن
قدامة وأنكر عليه ،فأسقطها ابن قدامة من "الروضة" بعد أن انتشرت بني الناس،
فلهذا توجد يف نسخة دون نسخة(.)1
-2اتبع ابن قدامة الغزايل يف ترتيب األبواب إال أن الغزيل جعل مسائل
كتابه حتت أقطاب ،وبني يف مقدمة كل قطب ما اشتمل عليه ،فيقف الناظر يف
كتااب إال وقد
املقدمة على ما يف أثنائه ،وهذه طريقة الفالسفة إذ ال تكاد جتد هلم ً
ضبطت مقاالته وأبوابه يف أوله.
وابن قدامة مل ير احلاجة ماسة إىل االعتناء بذلك ،أو أنه أحب ظهور االمتياز
بني الكتابني(.)2
كثريا من نصوص ألفاظ الغزايل وبىن كتابه
-3نقل ابن قدامة يف
"الروضة" ً
عليها ،وتصرف فيها حبسب رأيه( ،)3ورمبا قدم وأخر ،أو زاد وأنقص.
-4اعتىن ابن قدامة آبراء اإلمام أمحد بن حنبل ،وضم إىل "الروضة" أقوال
احلنابلة وأثبتها( ،)4وهذا دليل على أن ابن قدامة رجع إىل كتب احلنابلة يف األصول
واستفاد منها.
-5قرر ابن قدامة مذهب السلف يف مسائل عدة وذكر أدلتهم ،وأبطل قول
املخالفني هلم(.)5
-6ظهرت شخصية ابن قدامة املستقلة من خالل ترجيحاته واختياراته اليت
اعتمد فيها على احلجة والدليل ،ومل يكتف برأي الغزايل وترجيحه أو مبا ذكره من
أدلة ،بل أضاف ابن قدامة أدلة مل يتعرض الغزايل لذكرها أيد هبا رأيه( ،)6ورمبا
اعرتض على أدلة الغزايل وأجاب عنها(.)7
( )1انظر" :شرح خمتصر الروضة" ( ،)100 - 98/1و"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" (.)240
( )2انظر" :شرح خمتصر الروضة" ( ،)100 - 98/1و"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" (.)240
( )3انظر املصدرين السابقني.
( )4مثل القاضي أيب يعلى ،وأيب اخلطاب ،وابن عقيل ،وابن شاقال ،وغريهم.
( )5انظر" :الروضة" ( ،)65 – 63/2على سبيل املثال.
( )6انظر دليله على حجية قول الصحايب" :الروضة" (.)405 ،404/1
( )7انظر تغليط ابن قدامة ملن زعم اإلمجاع..إخل":الروضة"( ،)131/1وانظر" :املستصفى" (.)95
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
57
-7حذف ابن قدامة الكثري من االعرتاضات اجلدلية( )1واختصر بعض
األدلة العقلية( ،)2وحذف البعض اآلخر( ،)3وأعرض عن مسائل( )4وهذب مسائل
أخرى( ،)5فكان هذا تصفية لكتاب "املستصفى" ،وصار كتاب "الروضة" بذلك
نفعا ،وأسهل مأخ ًذا.
أصغر ح ًجا ،وأقرب ً
جـ -أث كتا ال وضة:
()6
كثريا:
به
وأتثر
الروضة
كتاب
من
ممن استفاد
ً
اإلمام صفي الدين عبد املؤمن البغدادي احلنبلي( .)7يف كتاب "قواعد
األصول ومعاقد الفصول"( ،)8واإلمام عالء الدين ابن اللحام البعلي احلنبلي( )9يف
( )3()2()1قارن يف موضوع االستصالح بني "املستصفى" ( ،)259 – 250و"الروضة"
(.)418 -411/1
( )5()4قارن يف موضوع شروط املتواتر بني "املستصفى" ( ،)165 – 158و"الروضة"
(.)259 – 254/1
( )6اختصر اإلمام الطويف كتاب "الروضة" ومساه" :البلبل يف أصول الفقه" ،مث شرح "البلبل"
ضخما عرف ابسم" :شرخ خمتصر الروضة" ،وكال الكتابني مطبوع.
ً
شرحا ً
( )7هو :عبد املؤمن بن عبد احلق بن عبد هللا بن علي بن مسعود القطيعي األصل ،البغدادي،
الفقيه ،اإلمام الفرضي املتقن ،صفي الدين أبو الفضائل ،تفقه حىت برع وأفىت ،واشتغل
يسا ،له كتاب "شرح احملرر" ،و"شرح العمدة" ،و"الالمع
ابلعلم مطالعة وتصني ًفا وتدر ً
املغيث يف علم املواريث" ،تويف سنة (739ه) .انظر" :ذيل طبقات احلنابلة" (،)428/2
و"شذرات الذهب" (.)121/6
( )8هذا الكتاب ميتاز إبجيازه ،قال مؤلفه أنه اختصره من كتاب "حتقيق األمل" ،وجرده من
الدالئل من غري إخالل بشيء من املسائل ،وقد اتبع يف املختصر كتاب "الروضة" بل إنه
نسخة مصغرة عنه إال أنه حذف األدلة ،وخالف يف الرتتيب .وقد طبع الكتاب بتصحيح
ومراجعة الشيخ أمحد شاكر ،مث طبع بتحقيق وتعليق الدكتور علي احلكمي ،وهو من
مطبوعات جامعة أم القرى مبكة املكرمة.
( )9هو :علي بن حممد بن عباس البعلي احلنبلي ،أبو احلسن عالء الدين ،املعروف اببن
اللحام ،قرأ على الشيخ زين الدين بن رجب ،وأفىت وًنظر ودرس وصنف ،من مؤلفاته
كتاب" :اختيارات الشيخ تقي الدين ابن تيمية" ،و"القواعد والفوائد األصولية" ،تويف سنة
(803ه) .انظر" :اجلوهر املنضد" ( ،)81و"األعالم" (.)7/5
58
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
كتابه "املختصر يف أصول الفقه"(.)1
وقد شرح كتاب "الروضة" الشيخ ابن بدران ،الدومي ،الدمشقي( ،)2ومساه:
"نزهة اخلاطر العاطر"( ،)3والشيخ حممد األمني الشنقيطي( ،)4ومساه" :مذكرة أصول
( )1هذا الكتاب ميتاز ابختصاره ،إذ حذف منه مؤلفه التعليل والدالئل ،وأشار فيه إىل
اخلالف والوفاق ،وقد أكثر ابن اللحام يف هذا املختصر من النقل ،وامتاز بتصرحيه ابسم
الكتاب الذي نقل عنه اترة ،وابسم صاحبه اترة أخرى .فمن الكتب اليت صرح بذكرها:
"الكفاية" للقاضي أيب يعلى .انظر ( ،)112 ،97 ،89و"العدة" له (،)129 ،80 ،34
و"التمهيد" أليب اخلطاب ( ،)54 ،51 ،34و"الواضح" البن عقيل (،)60 ،46 ،31
و"الروضة" البن قدامة ( )62 ،60 ،54ونقل عن ابن تيمية يف "املسودة" دون تصريح
ابمسها .انظر ( ،)121 ،85 ،75وقد اتبع ابن احلاجب يف ترتيب أبوابه .والكتاب
ومرجعا لتحقيق مذهب اإلمام أمحد،
جممعا ألقوال احلنابلة على وجه اخلصوص،
ً
يعترب ً
وفيه إشارات ملذهب السلف يف بعض املواضع .انظر ( ،)72 ،56 ،48وقد شرحه
اإلمام تقي الدين أبو بكر اجلراعي احلنبلي ،املتويف سنة (883ه) وهذا الشرح حقق
بعضه الدكتور عبد العزيز القائدي يف مرحلة املاجستري سنة (1408ه) ابجلامعة
اإلسالمية ابملدينة املنورة وأكمله الباحث عبد الرمحن احلطاب يف جامعة أم القرى مبكة
املكرمة ،وقد حقق الدكتور حممد مظهر بقا كتاب "املختصر" البن اللحام ،وقدم له
ووضع له فهارس ،وهو من مطبوعات جامعة أم القرى مبكة املكرمة.
( )2هو :عبد القادر بن أمحد بن مصطفى الدومي مث الدمشقي ،احلنبلي ،ألف املؤلفات
النافعة ،منها" :شرح العمدة" ،و"شرح النونية" البن القيم ،و"املدخل إىل مذهب اإلمام
أمحد" ،تويف سنة (1346ه) .انظر" :مقدمة املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد"،
و"األعالم" (.)37/4
( )3هذا الكتاب تعليقات وحو ٍ
اش على كتاب "الروضة" ،اقتصر فيه ابن بدران على ما أشكل
وترك الواضح ،وابلتتبع ثبت أن غالب هذا الشرح مأخوذ مجلة وتفصيالً من شرح خمتصر
الروضة لإلمام الطويف ،وازن بني:
ابن بدران ( )178/1تعليق رقم ( = )2الطويف (.)13 ،9/2
ابن بدران ( )179/1تعليق رقم ( = )2( )1الطويف (.)10/2
ابن بدران ( )236/1تعليق رقم ( = )2الطويف (.)64/2
ابن بدران ( )332/1تعليق رقم ( = )1الطويف (.)8 ،7/3
ابن بدران ( )333/1تعليق رقم ( )1تتمة = الطويف (.)12/3
ابن بدران ( )342/1تعليق رقم ( = )2الطويف (.)25 – 22/3
وقد قال ابن بدران عن شرح الطويف" :وابجلملة فهو أحسن ما صنف يف هذا الفن وأمجعه
وأنفعه مع سهولة العبارة وسكبها يف قالب يدخل القلوب بال استئذان"" .املدخل إىل
مذهب اإلمام أمحد" (.)239 ،238
( )4هو :حممد األمني بن حممد املختار بن عبد القادر اجلكين الشنقيطي ،درس الفقه املالكي
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
59
الفقه"(.)1
وقد طبع كتاب "الروضة" طبعات كثرية ،مع شرحه" :نزهة اخلاطر العاطر"،
ومستقالً بدون الشرح(.)2
انعا :كتا "ش ح الكوكب املنْي" للشيخ تقب الدين انن النجار
رً
الفتوحب ،املتويف سنة (972ﻫ)(.)3
أ -أصل الكتا :
=
يف موريتانيا وكذا بقية الفنون ،مث خرج منها إىل بالد احلرمني فاستقر يف املدينة النبوية
ودرس ابملسجد النبوي ،وكان من كبار علماء عصره يف الفقه واألصول والعربية ،له كتاب
"أضواء البيان يف إيضاح القرآن ابلقرآن" ،و"دفع إيهام االضطراب عن آي الكتاب"،
و"آداب البحث واملناظرة" ،تويف سنة (1393ه) .انظر :مقدمة "أضواء البيان" للشيخ
عطية حممد سامل.
( )1هذا الكتاب شرح لكتاب "الروضة" كله ما عدا املقدمة املنطقية اليت افتتح ابن قدامة هبا
كتابه ،وقد أملى الشيخ األمني هذا الكتاب على الطالب ملا توىل تدريس الروضة بكلية
الشريعة يف الرايض سنة (1374ه) لتحل إشكاالت الروضة ،وتكشف غموضه ،وجتمع
شتاته ،وتفصل جممله ،فكانت هذه املذكرة بعيدة عن التعقيد ،خالصة من الشوائب،
ًنصعة هبدي الكتاب والسنة وعقيدة سلف األمة .وهذه املذكرة متتاز أبن مؤلفها ذو يد
طوىل يف علم األصول واللغة واملنطق والفقه ،مما جيعل مباحثها وافية شاملة ،وهي متأثرة
مبراقي السعود يف أصول املالكية للعلوي الشنقيطي ،املتويف سنة
(1233ه) ،وقد طبعت املذكرة طبعات كثرية مر ًارا .انظر مقدمة املذكرة للشيخ عطية
سامل.
( )2وقد قام الدكتور عبد العزيز السعيد بدراسة علمية بعنوان" :ابن قدامة وآاثره األصولية" يف
قسمني ،أعاد يف القسم الثاين طباعة الكتاب ،ويف القسم األول كتب مقدمة اترخيية عن
نشأة علم األصول وطبقات فقهاء احلنابلة وحياة ابن قدامة ،وقد حاول إخراج الكتاب
بصورة مناسبة إال أنه – كما يذكر يف مقدمته ( - )10/1واجهته صعوابت يف ختريج
مؤخرا طبعة جديدة لكتاب الروضة
بعض اآلاثر وترمجة بعض األعالم .وقد صدرت ً
بتحقيق الدكتور عبد الكرمي النملة يف ثالث جملدات .وقد امتازت هذه الطبعة عن
سابقاهتا بتوثيق النص من نسخه اخلطية.
( )3هو :حممد بن أمحد بن عبد العزيز الفتوحي ،تقي الدين أبو البقاء ،الشهري اببن النجار،
فقيه حنبلي مصري ،من القضاة ،له كتاب "منتهى اإلرادات يف مجع املقنع مع التنقيح
وزايدات" ،تويف سنة (972ه) .انظر" :كشف الظنون" ( ،)1853/2و"األعالم" (.)6/6
60
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
()1
ـرح ا علــى "خمتصــر التحريــر"
كتــاب "الكوكــب املنــري" جعلــه مؤلفــه شـ ً
ل ــه( ،)2وكت ــاب (خمتص ــر التحري ــر) اختص ــر في ــه املؤل ــف كت ــاب "التحري ــر"( )3للم ــرداوي
احلنبلي ،املتويف سنة (885ﻫ)( ، ،)4مث إن املرداوي شرحه يف كتاب التحبري(.)5
ممي اي الكتا : -1أن حجمه متوسط بني الصغري والكبري.
-2أثبت املؤلف يف هذا الكتاب الكثري من أقوال العلماء ،وأرجع كل قول
إىل مصدره ،ونسب القول إىل قائله( ،)6وهو بذلك يفصل ما أمجله يف املختصر،
ويوضح ما أهبمه فيه ،والناظر يف هذا الكتاب يالحظ الدقة يف النقل ،واألمانة يف
التوثيق ،واالعرتاف ابلفضل ألهله.
( )1ويسمى بـ"شرح الكوكب املنري" من ابب إضافة الشيء إىل نفسه ،كقولنا" :شرح فتح
الباري" البن حجر ،ويسمى "املخترب املبتكر شرح املختصر"
( )2كتاب خمتصر التحرير اختصار لكتاب "التحرير" للمرداوي ،اقتصر فيه ابن النجار على
قول األكثر عند احلنابلة ،دون غريه من األقوال مما ذكره املرداوي يف حتريره ،ورمبا يذكر قوالً
وجها عند احلنابلة إذا كان
آخر يف املسألة لفائدة تزيد على معرفة اخلالف ،ورمبا يذكر ً
املعتمد غريه ،ورمبا يرتك الرتجيح ويطلق القولني أو األقوال إذا مل يطلع على مصرح
اختصارا أللفاظه،
بتصحيح أحد القولني أو األقوال ،ومل يعز املؤلف األقوال إىل قائليها
ً
وتسهيالً على حفاظه ،وقد طبع يف رسالة مستقلة.
( )3كتاب "التحرير" مجع فيه مؤلفه معظم أحكام أصول الفقه ،وقواعده ،وضوابطه ،وأقسامه،
واشتمل على مذهب األئمة األربعة ،وأتباعهم وغريهم لكن على سبيل اإلعالم ،واستمده
مؤلفه من غالب كتب احلنابلة يف األصول ،فرجع إىل "الروضة" البن قدامة ،و"التمهيد"
أليب اخلطاب ،و"الواضح" البن عقيل ،و"العدة" أليب يعلى ،واتبع يف ترتيبه ابن احلاجب
يف خمتصره ،بل اتبعه يف كثري من املسائل .وقد حققه الباحث عبد هللا دكوري ،يف مرحلة
الدكتوراه ،يف اجلامعة اإلسالمية ابملدينة املنورة.
( )4هو :علي بن سليمان بن أمحد بن حممد الدمشقي الصاحلي احلنبلي ،ويعرف ابملرداوي ،عالء
الدين أبو احلسن ،فقيه حمدث أصويل ،له كتاب" :اإلنصاف يف معرفة الراجح من اخلالف"،
و"حترير املنقول يف متهيد علم األصول" ،وشرحه ومساه "التحبري يف شرح التحرير" ،تويف سنة
(885ه) .انظر" :البدر الطالع" ( ،)446/1و"معجم املؤلفني" (.)102/7
( )5حقق يف ثالث رسائل (دكتوراه) مث طبعت يف تسعة جملدات.
( )6انظر دليالً على ذلك :فهرس الكتب الواردة يف النص ،وفهرس األعالم ،وذلك يف
الفهارس امللحقة ابلكتاب املذكور.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
61
عددا من الفوائد والتنابيه والتذانيب(،)1
-3أضاف املؤلف يف هذا الكتاب ً
كل ذلك بعبارة سلسلة وأسلوب سهل واضح ،وهو بذلك يبث روح املتعة والفائدة
يف ثنااي املسائل األصولية(.)2
-4أكثر املؤلف من االستشهاد ابآلايت القرآنية الكرمية( )3واألحاديث
النبوية الشريفة( )4يف معرض االحتجاج واالستدالل ،وكذلك يف سياق التمثيل
والتوضيح.
-5اعتىن املؤلف بتقرير مذهب السلف يف مواضع عدة( ،)5وأكثر من النقل
عن أئمة أهل السنة واجلماعة ،كاإلمام الشافعي ،وأمحد ،وابن قدامة ،وابن تيمية،
وغريهم(.)6
()7
تبعا
وذلك
خمتصره،
يف
-6اتبع املؤلف يف ترتيب الكتاب ابن احلاجب
ً
لرتتيب املرداوي يف حتريره.
()8
أما ترتيب ابن احلاجب فإنه قد اتبع فيه اآلمدي ،وهو على النحو اآليت:
( )1انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)31/1وانظر مثاالً على ذلك (.)474 ،463 –459/1
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)8 ،7/1
( )3انظر :فهرس اآلايت القرآنية من كل جملد.
( )4انظر :فهرس األحاديث النبوية من كل جملد.
( )5انظر" :شرح الكوكب املنري" ( )115 – 7/2وذلك فيما يتعلق بصفة الكالم ،وانظر
أيضا (.)352/2 ،322 – 320/1
ً
( )6انظر :فهرس األعالم من كل جملد ،وفهرس املذاهب والفرق "أئمة احلديث ،أهل احلديث
أهل السنة واحلديث ،أهل السنة واجلماعة ،علماء السنة ،السلف".
( )7هو :عثمان بن عمر بن أيب بكر بن يونس ،املصري ،شيخ املالكية وإمام العربية ،أبو
عمرو ،من مؤلفاته" :الكافية يف النحو" ،و"منتهى السول واألمل" ،واختصره يف "خمتصر
املنتهى" ،تويف سنة (646ه) .انظر" :سري أعالم النبالء" ( ،)264/23و"الديباج
املذهب" (.)189
( )8هو :علي بن أيب علي بن حممد سامل التغليب اآلمدي الشافعي سيف الدين أبو احلسن،
احدا من أذكياء العامل ،أتقن أصول الدين ،وأصول الفقه والعلوم العقلية ،من
يعد و ً
مؤلفاته" :اإلحكام يف أصول األحكام" ،واختصره يف "منتهى السول يف علم األصول"،
وكتاب "غاية املرام يف علم الكالم" ،تويف سنة (631ه) .انظر" :سري أعالم النبالء"
( ،)364/22و"طبقات الشافعية الكربى" البن السبكي (.)129/5
62
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أ -املقدمة ،وفيها تعريف أصول الفقه ومبادؤه.
والكالم على املبادئ اللغوية.
والكالم على مسائل األحكام :احلاكم ،واحلكم الشرعي وأقسامه ،والتكليف.
ب -األدلة وما يتعلق هبا :الكتاب ،السنة "أفعال رسول هللا ،"اإلمجاع،
األخبار (املتواتر واآلحاد) ،األمر والنهي ،العام واخلاص ،املطلق واملقيد ،اجململ
واملبني ،الظاهر والتأويل ،املنطوق واملفهوم ،النسخ ،القياس ،األدلة املختلف فيها.
جـ -االجتهاد ،والتقليد ،والفتوى.
د -التعارض والرتجيح.
أيضا بكثرة مصادره ،فقد رجع املؤلف يف هذا
-7امتاز هذا الكتاب ً
()1
مرجعا ملعرفة أقوال األصوليني
الكتاب إىل أشهر الكتب األصولية ،فبذلك يكون ً
يف مجيع املذاهب.
-8وهو – يف الوقت ذاته – مرجع ملذهب احلنابلة يف املسائل األصولية،
فقد اعتمد املؤلف على أهم كتب احلنابلة وهنل منها(.)2
-9وقد طبع هذا الكتاب يف أربعة جملدات طبعة جيدة مع فهرسة دقيقة،
قام بذلك الدكتور حممد الزحيلي ،والدكتور نزيه محاد .وهو من مطبوعات جامعة أم
القرى مبكة املكرمة.
( )1وذل ــك مث ــل" :الرس ــالة" للش ــافعي ،و"التقري ــب" للب ــاقالين ،و"القواط ــع" الب ــن الس ــمعاين،
و"الورقات" للجـويين ،و"الربهـان" لـه ،و"املستصـفى" للغـزايل ،و"املنخـول" لـه ،و"احملصـول"
للرازي ،و"احلاصل" لألرموي ،و"اللمع وشرحه" للشريازي ،و"مجع اجلوامع" البن السبكي،
و"املعتمد" للبصـري ،و"شـرح املختصـر" لألصـفهاين ،و"املختصـر" البـن احلاجـب ،و"شـرح
تنقيح الفصول" للقرايف ،و"بديع النظام" البن الساعايت ،هذا مما صرح بذكره .انظـر فهـرس
الكتب منه.
( )2وذلك مثل" :هتذيب األجوبة" البن حامد ،و"العدة" أليب يعلى ،و"التمهيد" أليب
اخلطاب ،و"الواضح" البن عقيل ،و"املسودة" آلل تيمية ،و"الروضة" البن قدامة ،و"شرح
الطويف" ،و"أصول ابن مفلح" ،و"أصول ابن قاضي اجلبل" ،و"إعالم املوقعني" البن القيم.
هذا مما صرح بذكره عدا ما يذكره عن اإلمام أمحد من أقوال يف مواضع كثرية .انظر فهرس
الكتب واألعالم منه.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
البا األول
األدلة الش عية عند أهل السنة واجلماعة
ويف هذا البا أرنعة فصول:
الفصل األول :الكالم على األدلة الشرعية إمجاالً.
الفصل الثاين :األدلة املتفق عليها.
الفصل الثالث :األدلة املختلف فيها.
الفصل الرابع :النسخ ،والتعارض ،والرتجيح ،وترتيب األدلة
63
64
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
توطئة
ميكننا ابتداءً تقسيم األدلة الشرعية – ابعتبارات خمتلفة – إىل:
متفق عليها وخمتلف فيها ،وقطعية وظنية ،ونقلية وعقلية.
وسنتعرض يف الفصل األول من هذا الباب إىل الكالم على األدلة الشرعية
إمجاالً من خالل هذه التقسيمات ،وذلك يف ثالثة مباحث:
املبحث األول :األدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها.
املبحث الثاين :األدلة الشرعية من حيث القطع والظن.
املبحث الثالث :األدلة الشرعية من حيث النقل والعقل.
أما الكالم ابلتفصيل على كل واحد من األدلة الشرعية -املتفق عليها
واملختلف فيها -فسيكون ضمن فصلني اثنني مها:
الفصل الثاين :وفيه الكالم على األدلة املتفق عليها.
والفصل الثالث :وفيه الكالم على األدلة املختلف فيها.
وأما الفصل ال انع :فسيكون الكالم فيه على أمور أربعة تتعلق ابألدلة،
وهي :النسخ ،والتعارض ،والرتجيح ،وترتيب األدلة ،وذلك من خالل أربعة
مباحث ،لكل أمر مبحث مستقل ،وهللا املوفق.
****
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفصل األول
الكالم على األدلة الش عية إمجال
ويف هذا الفصل ثالثة مباحث:
املبحث األول :األدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها.
املبحث الثاين :األدلة الشرعية من حيث القطع والظن.
املبحث الثالث :األدلة الشرعية من حيث النقل والعقل.
65
66
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث األول
األدلة الش عية من حيث أصلها ومصدرها
67
68
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
شرعا أربعة وهي :الكتاب ،والسنة،
اتفق أهل السنة على أن األدلة املعتربة ً
واإلمجاع ،والقياس ،وذلك من حيث اجلملة( .)1قال الشافعي....." :وجهة العلم
اخلرب يف الكتاب ،أو السنة ،أو اإلمجاع ،أو القياس"(.)2
أيضا على أن هذه األدلة األربعة ترجع إىل أصل واحد ،هو الكتاب
واتفقوا ً
والسنة ،إذ مها مالك الدين وقوام اإلسالم(.)3
قال الشافعي....." :وأنه ال يلزم قول بكل حال إال بكتاب هللا ،أو سنة
رسوله ،وأن ما سوامها تبع هلما"(.)4
بعضا ويصدق
وهذه األدلة األربعة متفقة ال ختتلف ،إذ يوافق بعضها ً
بعضا؛ ألن اجلميع حق واحلق ال يتناقض( ،)5وهي كذلك متالزمة ال
بعضها ً
تفرتق ،فجميع هذه األدلة يرجع إىل الكتاب( ،)6والكتاب قد دل على حجية
السنة ،والكتاب والسنة دال على حجية اإلمجاع ،وهذه األدلة الثالثة دلت على
حجية القياس(.)7
لذلك صح أن يقال :مصدر هذه األدلة هو القرآن ،ابعتبار أنه األصل ،وأن
ما عداه بيان له ،وفرع عنه ،ومستند إليه.
أيضا أن يقال :مصدر هذه األدلة هو الرسول ؛ ألن الكتاب إمنا
ويصح ً
مسع منه تبليغًا ،والسنة تصدر عنه تبيينًا ،واإلمجاع والقياس مستندان يف إثباهتما إىل
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)55 ،54/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)401/20و"خمتصر ابن
اللحام" ( ،)70و"شرح الكوكب املنري" ( ،)5/2و"وسيلة احلصول" (.)8
(" )2الرسالة" ( )39وانظر منه (.)508
( )3انظر" :جامع بيان العلم وفضله" (" ،)110/2الصواعق املرسلة" ( ،)520/2و"رسالة
لطيفة يف أصول الفقه" البن سعدي (.)99
(" )4مجاع العلم" (.)11
( )5انظر" :إعالم املوقعني" (.)33/1
( )6انظر" :الرسالة" (.)221
( )7انظر" :جمموع الفتاوى" (.)200 ،195/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
69
الكتاب والسنة(.)1
قال ابن تيمية ....... " :وكذلك إذا قلنا :الكتاب والسنة واإلمجاع ،فمدلول
الثالثة واحد؛ فإن كل ما يف الكتاب فالرسول موافق له ،واألمة جممعة عليه من
حيث اجلملة ،فليس يف املؤمنني إال من يوجب اتباع الكتاب ،وكذلك كل ما سنه
الرسول فالقرآن أيمر ابتباعه فيه ،واملؤمنون جممعون على ذلك.
وكذلك كل ما أمجع عليه املسلمون فإنه ال يكون إال ح ًقا مواف ًقا ملا يف
الكتاب والسنة(.)2
ومما مضى يتبني أن الكتاب والسنة مها أصل األدلة األربعة املتفق عليها،
وهذا األصل قد يسمى ابلنقل ،أو الوحي ،أو السمع ،أو الشرع ،أو النص ،أو
اخلرب ،أو األثر ،يقابله العقل ،أو الرأي ،أو النظر ،أو االجتهاد ،أو االستنباط.
وقد امتاز هذا األصل العظيم – أعين الكتاب والسنة – خبصائص،
وتفرد بفضائل ،واقرتنت به آداب ،أظهرها أئمة أهل السنة واجلماعة رمحهم هللا
تعاىل.
إهنا قواعد مهمة للتعامل مع النصوص الشرعية ،ومقدمات ضرورية للنظر يف
الكتاب والسنة ،وهي أصول لالستنباط وضوابط للتفكري.
خصائص أصل األدلة "الكتا والسنة":
-1أن هذا األصل وحي من هللا ،فالقرآن الكرمي كالمه سبحانه ،والسنة
النبوية بيانه ووحيه إىل رسوله )3(؛ قال تعاىلَ :وَما يَـ ْن ِط ُق َع ِن ا ْهلََوى* إِ ْن ُه َو إَِّل
وحى[ النجم.]4 ،3 :
َو ْح ٌب يُ َ
-2أن هذا األصل إمنا بلغنا عن رسول هللا ؛ ألنه ال مساع لنا من هللا
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)178 ،177/1و"جمموع الفتاوى" (،)195/19 ،40/7
و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)33و"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" (.)87
(" )2جمموع الفتاوى" (.)40/7
( )3انظر" :الرسالة" ( ،)33و"الصواعق املرسلة" (" ،)880/3املدخل إىل مذهب اإلمام
أمحد" ( )87وانظر (ص )135 ،134من هذا الكتاب.
70
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
تبليغ ،والسنة تصدر عنه
تعاىل ،وال من جربيل عليه السالم ،فالكتاب مسع منه ً
()1
آمرا نبيه أن يقول :وأوحب إيل هذا الق آن ألنذركر نه
تبيينًا ،وقد قال تعاىل ً
ومن نلغ[ األنعام.]19 :
-3أن هللا سبحانه وتعاىل قد تكفل حبفظ هذا األصل ،كما قال سبحانه:
إان حنن ن لنا الذك وإان له افظون [ احلجر ،)2(]9 :قال ابن القيم" :وهللا
تعاىل قد ضمن حفظ ما أوحاه إليه وأنزل عليه؛ ليقيم به حجته على العباد إىل
آخر الدهر"(.)3
-4أن هذا األصل هو حجة هللا اليت أنزهلا على خلقه.
قال الشافعي........." :ألن هللا جل ثناؤه أقام على خلقه احلجة من
وجهني ،أصلهما يف الكتاب :كتابه مث سنة نبيه"(.)4
وقال ابن القيم" :إن هللا سبحانه قد أقام احلجة على خلقه بكتابه ورسله،
فقال :تبارك الذي ن ل الف قان على عبده ليكون للعاملني نذي ًا[ الفرقان.]1 :
وقال :وأوحى إيل هذا الق آن ألنذركر نه ومن نلغ[ األنعام .]19 :فكل
من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة هللا به"(.)5
-5أن هذا األصل هو جهة العلم عن هللا وطريق اإلخبار عنه سبحانه.
قال ابن عبد الرب" :وأما أصول العلم فالكتاب والسنة( )6يوضحه".
-6أن هذا األصل هو طريق التحليل ،والتحرمي ،ومعرفة أحكام هللا ،وشرعه.
قال ابن تيمية" :وأوجب عليهم اإلميان به ،ومبا جاء به ،وطاعته ،وأن حيللوا
( )1انظر" :روضة الناظر" (" ،)178/1وخمتصر الصواعق" ( )463وانظر (ص)135 ،134
من هذا الكتاب.
( )2قال ابن القيم" :وكل وحي من عند هللا فهو ذكر أنزله هللا"" .خمتصر الصواعق" (.)463
(" )3خمتصر الصواعق" ( )463وانظر (ص )133من هذا الكتاب.
(" )4الرسالة" (.)221
(" )5الصواعق املرسلة" (.)735/2
(" )6جامع بيان العلم وفضله" (.)33/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
71
ما حلل هللا ورسوله ،وحيرموا ما حرم هللا ورسوله.)1("....
-7وجوب االتباع هلذا األصل ،ولزوم التمسك مبا فيه(.)2
قال الشافعي......." :وأنه ال يلزم قول بكل حال إال بكتاب هللا ،أو سنة
رسول .)3("
-8أن وجوب اتباع هذا األصل عام ،فال جيوز ترك شيء مما دل عليه هذا
أبدا ،وحترم خمالفته على كل حال.
األصلً ،
أمرا مطل ًقا
قال ابن عبد الرب....." :وقد أمر هللا عز وجل بطاعته واتباعه ً
جممالً ،مل يقيد بشيء – كما أمرًن ابتباع كتاب هللا – ومل يقل وافق كتاب هللا ،كما
قال بعض أهل الزيغ"(.)4
وقال ابن تيمية......" :فلهذا كانت احلجة الواجبة االتباع :الكتاب والسنة
واإلمجاع ،فإن هذا حق ال ابطل فيه ،واجب االتباع ،ال جيوز تركه حبال ،عام
ألحد اخلروج عن
الوجوب ال جيوز ترك شيء مما دلت عليه هذه األصول ،وليس ً
شيء مما دلت عليه ،وهي مبنية على أصلني:
أحدمها :أن هذا جاء به الرسول.
والثاين :أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه.
وهذه الثانية إميانية ضدها الكفر أو النفاق"(.)5
-9وجوب التسليم التام هلذا األصل وعدم االعرتاض عليه.
اباب يف كتاب "الفقيه واملتفقه" ،فقال:
خصص اخلطيب البغدادي لذلك ً
"ابب تعظيم السنن ،واحلث على التمسك هبا ،والتسليم هلا ،واالنقياد إليها ،وترك
االعرتاض عليها"(.)6
-10أن معارضة هذا األصل قادح يف اإلميان.
(" )1جمموع الفتاوى" (.)9/19
( )2انظر (ص )554فقرة رقم ( )29من هذا الكتاب.
(" )3مجاع العلم" (.)11
(" )4جامع بيان العلم وفضله" (.)190/2
(" )5جمموع الفتاوى" (.)6 ،5/19
( .)143/1( )6ويف األصل" :االعرتاض عنها".
72
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قال ابن القيم" :إن املعارضة بني العقل ونصوص الوحي ال تتأتى على قواعد
املسلمني املؤمنني ابلنبوة ح ًقا ،وال على أصول أحد من أهل امللل املصدقني حبقيقة
النبوة ،وليست هذه املعارضة من اإلميان ابلنبوة يف شيء ،وإمنا تتأتى هذه املعارضة
ممن يقر ابلنبوة على قواعد الفلسفة"(.)1
-11أن هذا األصل به تفض املنازعات ،وإليه ترد اخلالفات ،كما قال
سبحانه:فإن تنازعتر يف شبء ف دوه إىل هللا وال سول[ النساء ،]59 :وقال
جل شأنه :وما اختلفتر فيه من شبء فحكمه إىل هللا[ الشورى.]10 :
قال الشافعي" :ومن تنازع ممن بعد رسول هللا رد األمر إىل قضاء هللا مث قضاء
قياسا
رسوله ،فإن مل()2يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا فيهما وال يف واحد منهما ردوه ً
على أحدمها" .
رد ما تنازعوا فيه إىل
وقال ابن تيمية" :فإذا تنازع املسلمون يف مسألة وجب ّ
()3
هللا والرسول ،فأي القولني دل عليه الكتاب والسنة وجب اتباعه" .
-12أن هذا األصل متتنع معه االستشارة.
قال البخاري" :وكانت األئمة بعد النيب يستشريون األمناء من أهل العلم
يف األمور املباحة ليأخذوا أبسهلها.
()4
فإذا وضح الكتاب أو السنة مل يتعدوه إىل غريه؛ اقتداءً ابلنيب . "
-13أن هذا األصل يوجب تغيري الفتوى ملن أفىت خبالفه.
وقد بوب الدارمي( )5لذلك يف سننه ،فقال" :ابب الرجل يفيت بشيء ،مث
يبلغه عن النيب ،فرجع إىل قول النيب .)6("
(" )1الصواعق املرسلة" (.)955/3
(" )2الرسالة" (.)81
(" )3جمموع الفتاوى" (.)12/20
(" )4صحيح البخاري" (.)339/13
( )5هو :عبد هللا بن عبد الرمحن بن الفضل بن هبرام الدارمي التميمي ،أبو حممد صاحب
السنن ،كان ركنًا من أركان الدين ممن أظهر السنة ودعا إليها وذب عنها ،حدث عنه
مسلم وأبو داود والرتمذي ،له كتاب يف التفسري ،تويف سنة (255ه) .انظر" :سري أعالم
النبالء" ( ،)224/12و"شذرات الذهب" (.)130/2
(.)153/1( )6
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
73
-14أن هذا األصل يوجب الرجوع عن الرأي وطرحه إذا كان خمال ًفا له.
اباب يف كتابه "الفقيه واملتفقه" فقال:
وقد خصص اخلطيب البغدادي لذلك ً
"ذكر ما روي من رجوع الصحابة عن آرائهم اليت رأوها إىل أحاديث النيب إذا
مسعوها ووعوها"(.)1
-15أن هذا األصل هو اإلمام املقدم ،فهو امليزان ملعرفة صحيح اآلراء من
سقيمها.
تبعا لكتاب هللا مث
قال الشافعي ....." :وأن جيعل قول كل أحد وفعله ً
أبدا ً
سنة رسوله"(.)2
وقال ابن عبد الرب" :واعلم اي أخي أن السنة والقرآن مها أصل الرأي والعيار
عليه ،وليس الرأي ابلعيار على السنة؛ بل السنة عيار عليه"(.)3
وقال ابن القيم" :وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص آبراء
الرجال ،وال يقرون على ذلك"(.)4
-16أن هذا األصل إذا وجد سقط معه االجتهاد وبطل به الرأي ،وأنه ال يصار
إىل االجتهاد والرأي إال عند عدمه ،كما ال يصار إىل التيمم إال عند عدم املاء(.)5
أبدا قال
-17أن إمجاع املسلمني ال ينعقد على خالف هذا األصل ً
الشافعي.." :أو إمجاع علماء املسلمني ،الذين ال ميكن أن جيمعوا على خالف سنة
له"(.)6
أيضا":أما سنة يكونون جمتمعني على القول خبالفها فلم أجدها قط"(.)7
وقال ً
أبدا(.)8
-18أن القياس موافق هلذا األصل ،فال خيتلفان ً
(.)138/1( )1
(" )2الرسالة" (.)198
(" )3جامع بيان العلم وفضله" (.)173/2
(" )4خمتصر الصواعق" (.)139
( )5انظر (ص )475 ،474 ،186 ،185من هذا الكتاب.
( )6الرسالة ()322
( )7املصدر السابق (.)470
( )8انظر (ص )196 ،189تعليق رقم ( )1من هذا الكتاب.
74
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-19أن هذا األصل ال يعارض العقل ،بل إن صريح العقل موافق لصحيح
دائما(.)1
النقل ً
-20أن هذا األصل يقدم على العقل إن وجد بينهما تعارض يف الظاهر(.)2
-21أن هذا األصل كله حق ال ابطل فيه.
قال ابن تيمية....." :وذلك أن احلق الذي ال ابطل فيه هو ما جاءت به
الرسل عن هللا ،وذلك يف حقنا ،ويعرف ابلكتاب والسنة واإلمجاع"(.)3
أبدا؛ من ٍ
وجه
-22أن هذا األصل ال ميكن االستدالل به على إقامة ابطل ً
صحيح(.)4
-23أن هذا األصل حيصل به العلم واليقني ،خالفًا ملن قال :إن األدلة
السمعية ال تفيد إال الظن(.)5
-24أن يف هذا األصل اجلواب عن كل شيء ،إذ هو مشتمل على بيان
مجيع الدين أصوله وفروعه(.)6
قال الشافعي" :فليست تنزل أبحد من أهل دين هللا ًنزلة إال ويف كتاب هللا
الدليل على سبيل اهلدى فيها"(.)7
-25أن هذا األصل واضح املعاين ظاهر املراد ،ال لبس يف فهمه وال غموض.
قطعا مراد هللا ورسوله منها.
قال ابن القيم" :وكذلك عامة ألفاظ القرآن نعلم ً
قطعا أن الرسول بلغها عن هللا ،فغالب معاين القرآن معلوم أهنا مراد
كما نعلم ً
خربا كانت أو طلبًا ،بل العلم مبراد هللا من كالمه أوضح وأظهر من العلم مبراد
هللا ً
كل متكلم من كالمه ،لكمال علم املتكلم وكمال بيانه ،وكمال هداه وإرشاده،
( )1انظر (ص )270 ،97 - 94من هذا الكتاب.
( )2انظر (ص )97 -94من هذا الكتاب.
(" )3جمموع الفتاوى" (.)5/19
( )4انظر" :جامع البيان" للطربي (.)125/24
( )5انظر (ص )86 -83من هذا الكتاب.
( )6انظر (ص )568 ،567فقرة ( )117 ،116من هذا الكتاب.
(" )7الرسالة" (.)20
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
75
وفهما ،عمالً وتالوة.
وكمال تيسريه للقرآن ،حفظًا ً
فكما بلغ الرسول ألفاظ القرآن لألمة بلغهم معانيه ،بل كانت عنايته بتبليغ
معانيه أعظم من جمرد تبليغ ألفاظه"(.)1
-26أن يف التمسك هبذا األصل اخلري والسعادة والفالح ،ويف خمالفته
واإلعراض عنه الشقاء والضالل(.)2
قال ابن تيمية" :أصل جامع يف االعتصام بكتاب هللا ووجوب اتباعه ،وبيان
االهتداء به يف كل ما حيتاج إليه الناس يف دينهم ،وأن النجاة والسعادة يف اتباعه
والشقاء يف خمالفته"(.)3
أيضا" :قاعدة ًنفعة يف وجوب االعتصام ابلرسالة وبيان أن السعادة
وقال ً
واهلدي يف متابعة الرسول ،وأن الضالل والشقاء يف خمالفته ،وأن كل خري يف
الوجود -إما عام وإما خاص -فمنشؤه من جهة الرسول ،وأن كل شر يف العامل
خمتص ابلعبد فسببه خمالفة الرسول أو اجلهل مبا جاء به ،وأن سعادة العباد يف
معاشهم ومعادهم ابتباع الرسالة"(.)4
-27أن هذا األصل ضروري لصالح العباد يف الدنيا واآلخرة.
قال ابن تيمية" :والرسالة ضرورية يف إصالح العبد يف معاشه ومعاده ،فكما
أنه ال صالح له يف آخرته إال ابتباع الرسالة فكذلك ال صالح له يف معاشه ودنياه
إال ابتباع الرسالة ،فإن اإلنسان مضطر إىل الشرع"(.)5
أيضا" :والرسالة ضرورية للعباد ،البد هلم منها ،وحاجتهم إليها فوق
وقال ً
حاجتهم إىل كل شيء ،والرسالة روح العامل ونوره وحياته ،فأي صالح للعامل إذا عدم
الروح واحلياة والنور؟.
والدنيا مظلمة ملعونة إل ما طلعت عليه مشق ال سالة.
(" )1الصواعق املرسلة" (.)636/2
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)19و"الشريعة" لآلجري ( ،)14و"الصواعق املرسلة" (.)837/3
(" )3جمموع الفتاوى" (.)76/13
( )4املصدر السابق (.)93/13
( )5املصدر السابق (.)99/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
76
وكذلك العبد ما مل تشرق يف قلبه مشس الرسالة ويناله من حياهتا وروحها فهو
يف ظلمة ،وهو من األموات.
قال تعاىل :أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ميشب نه يف الناي كمن
مثله يف الظالمت ليق خبارج منها[ األنعام.)1("]122 :
-28أن هذا األصل البد له من تعظيم وتوقري وإجالل.
وقد بوب الدارمي يف سننه لذلك بقوله" :ابب تعجيل عقوبة من بلغه عن
النيب حديث فلم يعظمه ومل يوقره"(.)2
وكذلك صنع اخلطيب البغدادي يف كتاب "الفقيه واملتفقه" ،فقال" :ابب
تعظيم السنن.)3("....
وبوب ابن عبد الرب يف جامعه قائالً" :ابب ذكر بعض من كان ال حيدث عن
رسول هللا إال وهو على وضوء"(.)4
-29أن هذا األصل ترجع إليه مجيع األدلة :املتفق عليها واملختلف فيها
كذلك(.)5
****
(" )1جمموع الفتاوى" (.)93/19
(.)116/1( )2
(.)143/1( )3
(.)194/2( )4
( )5انظر (ص )278 ،68من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين
األدلة الش عية من حيث القطع والظن
ويف هذا املبحث النقاط اآلتية:
-1معىن القطع والظن.
-2العمل ابلظن نوعان.
-3العمل ابلعلم نوعان.
-4القطع والظن من األمور النسبية.
-5انقسام األدلة الشرعية إىل قطعية وظنية.
-6إفادة نصوص الكتاب والسنة القطع.
-7بطالن القول أبن نصوص الكتاب والسنة ال تفيد اليقني.
-8بطالن القول أبن الفقه كله أو أكثره ظنون.
-9العوامل اليت ساعدت على انتشار القول أبن الفقه أكثره ظنون.
-10بيان أن األدلة الظنية متفاوتة فيما بينها.
-11هل يكفي يف مسائل أصول الدين الظن؟
77
78
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1معىن القطع والظن(:)1
القطع :مبعىن اجلزم ،والعلم ،واليقني.
وهو :اعتقاد الشيء أبنه كذا مع اعتقاد أنه ال ميكن إال كذا مطاب ًقا للواقع.
والظن :خالف اليقني ،وقد يستعمل مبعىن اليقني.
وهو :االعتقاد الراجح مع احتمال النقيض.
-2العمل ابلظن نوعان(:)2
مذموما ،وقد يكون حسنًا.
اتباع الظن قد يكون
ً
ذلك أن اتباع الظن اجملرد اخلايل عن العلم هو الذي ورد يف القرآن الكرمي
ِ ِ
اع الظَّ ِن[ النساء ،]157 :إِ ْن ِه َب
ذمه ،كقوله تعاىلَ :ما َهلُ ْر نِ ِه م ْن عل ٍْر إِل اتِبَ َ
اَّلل ِهب ا ِمن سلْطَ ٍ
ان إِ ْن يـَتَّبِعُو َن إِل الظَّ َّن
إِل أ ْ
َْسَاءٌ َْسَّيْـتُ ُم َ
َاب ُؤُك ْر َم ا أَنْـ َ َل َُّ َ ْ ُ
وه ا أَنْـتُ ْر َوآ َ
ق َولَ َق ْد َجاءَ ُه ْر ِم ْن َرهبِِ ُر ا ْهلُ َدى[ النجمَ ،]23 :و َما يـَتَّبِ ُع
َو َما تَـ ْه َوى األنْـ ُف ُ
أَ ْكثَـ ُ ُه ْر إِل ظَناا إِ َّن الظَّ َّن ل يـُغْ ِِ ِم َن ا َْ ِق َشيْـئًا[ يونس ،]36 :قُ ْل َه ْل
ِ ِ
ِ
صو َن * قُ ْل
عنْ َد ُك ْر م ْن علْ ٍر فَـتُ ْخ ِ ُجوهُ لَنَا إِ ْن تَـتَّبِعُو َن إِل الظَّ َّن َوإِ ْن أَنْـتُ ْر إِل ََتْ ُ ُ
فَلِلَّهِ ا ْ َّجةُ الْبالِغَةُ[ األنعام ،]149 ،148 :وإِ َّن َكثِْيا لَي ِ
ضلُّو َن ِأب َْه َوائِ ِه ْر نِغَ ِْ
ْي
ً ُ
َ
ُ
َ
ِعلْ ٍر[ األنعام ،] 119 :ففي هذه اآلايت ذم ملن عمل بغري علم وعمل ابلظن.
أما اتباع الظن املستند إىل علم فإنه ال يدخل يف الظن املذموم يف اآلايت
السابقة.
إذ إن اتباع الظن املستند إىل علم اتباع للعلم ال للظن؛ ألن ترجيح ظن على
مستندا إىل علم ودليل ،فاتباعه هلذا الظن
ظن ال بد له من دليل ،فيكون ترجيحه
ً
متبعا للعلم ال للظن وهو اتباع األحسن ،ألنه
الراجح اتباع ملا علم رجحانه فيكون ً
إذا كان أحد الدليلني هو الراجح فاتباعه هو األحسن وهذا معلوم.
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)157 ،156/9و"املصباح املنري" ( ،)386و"التعريفات"
(.)259 ،144
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)115 – 110/13و"االستقامة" (.)56 – 51/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
79
َح َسنِ َها[ األعراف،]145 :
قال تعاىل :فَ ُخ ْذ َها نُِق َّوٍة َوأْ ُم ْ قَـ ْوَم َ
ك َأي ُ
ْخ ُذوا ِأب ْ
َّ ِ
َح َسنَهُ[ الزمر ،]18 :وقالَ :واتَّبِعُوا
ين يَ ْستَ ِمعُو َن الْ َق ْو َل فَـيَـتَّبِعُو َن أ ْ
وقال :الذ َ
َح َس َن َما أُنْ ِ َل إِلَْي ُك ْر ِم ْن َرنِ ُك ْر[ الزمر.]55 :
أْ
()1
-3العمل ابلعلر نوعان :
الواجب على اجملتهدين العمل ابلعلم ،لكن هذا العلم إما أال حيتمل النقيض،
قاطعا ،فهذا عمل ابعتقاد الرجحان ،ال
وهذا فيما إذا كان الدليل املتبع دليالً ً
برجحان االعتقاد ،وهو اعتقاد رجحان هذا على هذا .وإما أن حيتمل النقيض ،وهو
أن يكون الدليل املتبع خالف الثابت يف نفس األمر ،وهذا فيما إذا كان الدليل
املتبع ظنيًا ،لكن عمل به لكونه استند إىل دليل أفاد ترجيحه.
واملقصود أن الذي جاءت به الشريعة وعليه عقالء الناس وما يوجد يف مجيع
العلوم والصناعات ،كالطب والتجارة ،العمل ابلعلم ،فال يعملون إال ابلعلم أبن هذا
اعتقادا عمليًا ،لكن ال يلزم إذ كان أرجح أال
أرجح من هذا ،فيعتقدون الرجحان
ً
يكون املرجوح هو الثابت يف نفس األمر.
وذلك مثل احلكم ابلبينة ،فإذا أتى أحد اخلصمني حبجة ومل أيت اآلخر
بشيء ،كان احلاكم عاملا أبن حجة هذا أرجح ،فما حكم إال بعلم ،مع أن اآلخر
ً
مضيعا حلقه حيث مل
قد تكون له حجة ال يعلمها أو ال حيسن أن يبينها ،فيكون ً
يبني حجته ،واحلاكم مل حيكم إال بعلم وعدل.
وهكذا أدلة األحكام فإذا تعارض خربان قدم األقوى منهما ،وإن جاز أن
يكون يف نفس األمر اخلرب املرجوح هو احلق ،لكونه هو األقوى يف احلقيقة إال أن
اجملتهد مل يعلم بذلك ،فاجملتهد إمنا عمل بعلم ،وهو علمه برجحان هذا على هذا،
فهو إذن ليس ممن ال يتبع إال الظن.
وليس للمجتهد أن يرتك ما يعلمه إىل ما ال يعلمه إلمكان ثبوته يف نفس
األمر ،فإذا كان البد من ترجيح أحد القولني وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)117 – 114/13
80
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قطعا ترجيح املعلوم
على ما ال يعلم ثبوته ،وإن مل يعلم انتفاءه من جهته ،والواجب ً
ثبوته على ما ال يعلم ثبوته ،فهذا من رجحان االعتقاد ال من اعتقاد الرجحان ،إذ
أنه رجح هذا االعتقاد على هذا االعتقاد وهو الظن لكن ليس من الظن الذي قال
هللا فيه :إِ ْن يَـتَّبِعُو َن إِل الظَّ َّن[ النجم ،]23 :بل هو ظن راجح ،ورجحانه
معلوم ،فحكم اجملتهد مبا علمه من الظن الراجح والدليل الراجح ،وهذا معلوم له ال
مظنون عنده.
قال ابن تيمية" :فقد تبني أن الظن له أدلة تقتضيه ،وأن العامل إمنا يعمل مبا
يوجب العلم ابلرجحان ال بنفس الظن إال إذا علم رجحانه.
وأما الظن الذي ال يعلم رجحانه فال جيوز اتباعه ،وذلك هو الذي ذم هللا به
من قال فيه :إِ ْن يَـتَّبِعُو َن إِل الظَّ َّن[ النجم ،]23 :فهم ال يتبعون إال الظن ،ليس
علما مل يكونوا ممن ال
عندهم علم ،ولو كانوا عاملني أبنه ظن راجح لكانوا قد اتبعوا ً
يتبع( )1إال الظن .وهللا أعلم(.)2
-4القطع والظن من األمور النسبية(:)3
كون الشيء قطعيًا أو ظنيًا أمر إضايف ،فإن اإلنسان قد يقطع أبشياء علمها
قطعا وال ظنًا ،وقد
ابلضرورة أو النقل املعلوم صدقه عنده ،وغريه ال يعرف ذلك ال ً
ٍ
إلنسان ،وال حيصل لغريه سوى الظن.
حيصل القطع
وإمنا اختلف الناس يف ذلك بسبب اختالفهم يف االطالع على األدلة،
والقدرة على االستدالل ،وتفاوهتم يف الذكاء وقوة الذهن وسرعة اإلدراك.
قال ابن تيمية" :وقد تبني أن مجيع اجملتهدين إمنا قالوا بعلم ،واتبعوا العلم ،وأن
الفقه من أجل العلوم ،وأهنم ليسوا من الذين ال يتبعون إال الظن ،لكن بعضهم قد
يكون عنده علم ليس عند اآلخر.
إما أبن مسع ما مل يسمع اآلخر .وإما أبن فهم ما مل يفهم اآلخر ،كما قال تعاىل:
( )1يف األصل" :ممن يتبع".
(" )2جمموع الفتاوى" (.)120/13
( )3انظر املصدر السابق ( ،)157 ،156/9 ،211/19و"خمتصر الصواعق" (.)501
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
81
ان ِيف ا ْ ِ
ود وسلَْيما َن إِ ْ َْحي ُكم ِ
ت فِ ِيه غَنَ ُر الَْق ْوِم َوُكنَّا ُِ ْك ِم ِه ْر
شْ
ث إِ ْ نَـ َف َ
َْ
َ
َ و َد ُاو َ َ ُ َ
()1
ِِ
َّمنَ َاها ُسلَْي َما َن َوُكال َآتَـْيـنَا ُح ْك ًما َو ِعل ًْما[ األنبياء. ]79 ،78 :
ين*فَـ َفه ْ
َشاهد َ
-5انقسام األدلة الش عية إىل قطعية وظنية(:)2
األدلة الشرعية منها ما هو قطعي ،ومنها ما هو ظين:
أيضا.
فالدليل القطعب :ما كان قطعي السند والثبوت ،وقطعي الداللة ً
علما وعمالً ،وأنه ال
وحكر هذا النوع من األدلة وجوب اعتقاد موجبه ً
يسوغ فيه االختالف ،وهذا مما ال خالف فيه بني العلماء يف اجلملة(.)3
قال اإلمام الشافعي" :أما ما كان نص كتاب بني ،أو سنة جمتمع عليها ،فالعذر
فيها مقطوع ،وال يسع الشك يف واحد منها ،ومن امتنع من قبوله استتيب"(.)4
منصوصا
أيضا" :كل ما أقام هللا به احلجة يف كتابه ،أو على لسان نبيه
وقال ً
ً
بينًا مل حيل االختالف فيه ملن علمه"(.)5
فقوله( :ملن علمه) يفيد أن اخلالف يف هذا النوع ميكن أن يقع من جهة
حتقيق املناط .يوضح ذلك ما قاله ابن تيمية:
"وإمنا قد خيتلفون يف بعض األخبار هل هو قطعي السند أو ليس بقطعي؟
وهل هو قطعي الداللة أو ليس بقطعي؟"(.)6
أيضا ......." :وكل من كان ابألخبار أعلم قد يقطع بصدق أخبار ال
وقال ً
يقطع بصدقها من ليس مثله .واترة خيتلفون يف كون الداللة قطعية الختالفهم يف أن
ظاهرا فهل فيه ما ينفي االحتمال
ذلك احلديث هل هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ً
أيضا ابب واسع ،فقد يقطع قوم من العلماء بداللة أحاديث
املرجوح أو ال؟ وهذا ً
ال يقطع هبا غريهم ،إما لعلمهم أبن احلديث ال حيتمل إال ذلك املعىن ،أو لعلمهم
(" )1جمموع الفتاوى" (.)125 ،124/13
( )2انظر (ص )181 ،180 ،158 ،149من هذا الكتاب.
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)257/20
(" )4الرسالة" (.)46
( )5املصدر السابق (.)560
(" )6جمموع الفتاوى" (.)257/20
82
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أبن املعىن اآلخر مينع محل احلديث عليه ،أو لغري ذلك من األدلة املوجبة
للقطع"(.)1
أما النوع الثاين وهو الدليل الظِ :فهو ما كانت داللته ظاهرة غري قطعية،
أو كان ثبوته غري قطعي.
وحكم هذا النوع :وجوب العمل به يف األحكام الشرعية ابتفاق العلماء
عقداي ،فمذهب السلف أنه ال فرق بني
حكما علميًا
ً
املعتربين ،أما إن تضمن ً
األمور العلمية والعملية وأن العقائد تثبت ابألدلة الظنية(.)2
قال ابن تيمية" :وذهب األكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إىل أن
هذه األحاديث حجة يف مجيع ما تضمنته من الوعيد.
فإن أصحاب رسول هللا والتابعني بعدهم ما زالوا يثبتون هبذه األحاديث
الوعيد كما يثبتون هبا العمل ،ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل يف
اجلملة.
وهذا منتشر عنهم يف أحاديثهم وفتاويهم.
وذلك ألن الوعيد من مجلة األحكام الشرعية اليت تثبت ابألدلة الظاهرة اترة،
وابألدلة القطعية اترة أخرى.
وال فرق بني اعتقاد اإلنسان أن هللا حرم هذا ،وأوعد فاعله ابلعقوبة اجململة،
واعتقاده أن هللا حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة من حيث إن كالً منهما إخبار عن
هللا ،فكما جاز اإلخبار عنه ابألول مبطلق الدليل فكذلك اإلخبار عنه ابلثاين ،بل
صحيحا ،وهلذا كانوا يسهلون يف
لو قال قائل :العمل هبا يف الوعيد أوكد كان
ً
أسانيد أحاديث الرتغيب والرتهيب ما ال يسهلون يف أسانيد أحاديث األحكام؛
ألن اعتقاد الوعيد حيمل النفوس على الرتك ،فإن كان ذلك الوعيد ح ًقا كان
اإلنسان قد جنا ،وإن مل يكن الوعيد ح ًقا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك الوعيد مل
(" )1جمموع الفتاوى" (.)259/20
( )2انظر املصدر السابق ( ،)286/20و"خمتصر الصواعق املرسلة" (.)489
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
83
يضر اإلنسان إذا ترك ذلك الفعل خطؤه يف اعتقاده زايدة العقوبة"(.)1
وقال الشافعي" :فأما ما كان من سنة من خرب اخلاصة الذي قد خيتلف
اخلرب فيه ،فيكون اخلرب حمتمالً للتأويل ،وجاء اخلرب فيه من طريق االنفراد فاحلجة فيه
منصوصا منه ،كما يلزمهم أن
عندي أن يلزم العاملني ،حىت ال يكون هلم رد ما كان
ً
يقبلوا شهادة العدول"(.)2
-6إفادة نصوص الكتا والسنة القطع(:)3
نصوص الكتاب والسنة تفيد القطع ،واملراد من إفادهتا القطع:
أ -أن حصول العلم والقطع هبا ممكن.
ب -أن العلم هبا ال حيصل لكل أحد.
جـ -أن العلم هبا إمنا حيصل ملن اجتهد واستدل ال للمقلدين.
جدا
د -أن العلم هبا حيصل يف غالب األحكام ،وأن الظن فيها إمنا هو قليل ً
ولبعض اجملتهدين ،وذلك غالبًا ما يكون يف مسائل االجتهاد والنزاع ،أما مسائل
قطعا.
اإلميان واإلمجاع فالعلم فيها أكثر ً
-7نطالن القول أبن نصوص الكتا والسنة ل تفيد اليقني:
إذا علم ما سبق فإن القول أبن نصوص الكتاب والسنة أدلة لفظية ال حيصل
هبا اليقني قول ابطل.
وقبل ذكر األدلة على بطالن هذا القول نشري إىل خطورته:
ذلك أن املتكلمني( )4قالوا :إن الدليل اللفظي ال يفيد اليقني إال عند تيقن
أمور عشرة :عصمة رواة تلك األلفاظ ،وإعراهبا وتصريفها ،وعدم االشرتاك واجملاز
والنقل والتخصيص ابألشخاص واألزمنة ،وعدم اإلضمار ،والتقدمي والتأخري،
والنسخ ،وعدم املعارض العقلي.
(" )1جمموع الفتاوى" (.)261 ،260/20
(" )2الرسالة" (.)461
( )3انظر" :االستقامة" ( ،)56 ،55/1و"الصواعق املرسلة" ( ،)746 ،740/2و"شرح
الكوكب املنري" (.)292/1
( )4انظر" :حمصل أفكار املتقدمني واملتأخرين" ( ،)45و"املواقف" (.)40
84
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
هذا القول طاغوت من الطواغيت اليت هدم هبا أصحاب التأويل الباطل
معاقل الدين ،وانتهكوا هبا حرمة القرآن وحموا هبا رسوم اإلميان.
فأسقطت حرمة النصوص من القلوب ،وهنجت طريق الطعن فيها لكل زنديق
وملحد ،فال حيتج عليه احملتج حبجة من كتاب هللا أو سنة رسوله ،إال جلأ إىل
طاغوت من هذه الطواغيت واعتصم به ،واختذه جنة يصد به عن سبيل هللا(.)1
ومما يوضح بطالن هذا القول ويكسر هذا الطاغوت:
أ -أن مجيع االحتماالت اليت ذكروها ترجع إىل أمر واحد ،وهو احتمال
اللفظ ملعىن آخر غري ما يظهر من الكالم .وال خالف أن غالب ألفاظ النصوص هلا
ظواهر ،هي موضوعة هلا ومفهومة عند اإلطالق منها .أما كون ذلك الظاهر حيتمل
خالفه فهذا قد يقع هبذه االحتماالت العشرة وبغريها من القرائن اليت يتفاوت الناس
جدا
يف االطالع عليها ويف فهمها ،فهذا من لوازم الطبيعة اإلنسانية ،لكنه قليل ً
ابإلضافة إىل ما تيقنه الصحابة من مراد الرسول أبلفاظه ،فال جيوز أن يدعي
ألجله أن كالم هللا ورسوله ال يفيد اليقني مبراد ،وأنه ال سبيل إىل اقتباس العلم
واليقني منه(.)2
ب -أن الصحابة -رضي هللا عنهم -كانوا يعلمون أحوال النيب ابالضطرار
وكانوا ال يتوقفون على هذه األمور العشرة يف حصول اليقني هلم مبراد الرسول ،
فإهنم جازمون متيقنون ملراد هللا ورسوله يقينًا ال ريب فيه ،فكيف يقال مع ذلك
أيضا ومن بعدهم
ال حيصل اليقني بكالم هللا ورسوله ،بل كان التابعون واتبعوهم ً
كذلك(.)3
جـ -أن قوهلم :إن كالم هللا ورسوله ال يستفاد منه اليقني ،إما أن يراد به
نفي اليقني يف ابب األمساء والصفات ،وابب املعاد ،وابب األمر والنهي ،أو يف
بعضها دون بعض.
فإن قالوا :إهنا ال تفيد اليقني ال يف ابب األمساء والصفات ،وال يف املعاد ،وال
( )1انظر" :الصواعق املرسلة" (.)633 ،632/2
( )2انظر" :الصواعق املرسلة" (.)659 – 657/2
( )3انظر املصدر السابق (.)663 – 659/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
85
اتما ،وهذا قدح يف
يف األمر والنهي ،فقد انسلخوا من اإلميان والعقل
ً
انسالخا ً
النبوات والشرائع ،بل قدح يف العقل الصحيح.
وإن فرقوا وقالوا :إن اليقني حيصل يف كالم هللا ورسوله يف ابب املعاد،
واألمر والنهي ،دون ابب اخلرب عن هللا وصفاته .فجواهبم ما جييبون به من قال :إن
اليقني ال حيصل حىت يف ابب املعاد(.)1
د -أن داللة األدلة اللفظية ال ختتص ابلقرآن والسنة ،بل مجيع بين آدم يدل
بعضا ابألدلة اللفظية ،فالنطق ذايت ،واإلنسان مدين ابلطبع ال ميكنه أن
بعضهم ً
يعيش وحده ،فال بد أن يعرف بعضهم مراد بعض ليحصل التعاون.
وهذا التفاهم والتعاون أمر ضروري البد منه يف حياة بين آدم ،مث إننا نعلم
قطعا أن مجيع األمم يعرف بعضها مراد بعض ويقطع به بلفظه.
ً
وكذلك فإن معرفة الناس ملراد بعضهم بواسطة الكالم أعظم من املعرفة
بواسطة العلوم العقلية.
بل إن العلوم العقلية ال يعرفها كل أحد ،خبالف الكالم الذي يعرف به كل
أحد مراد غريه .وكذلك فإن التعريف ابألدلة اللفظية أصل للتعريف ابألدلة العقلية،
فمن مل يكن له سبيل إىل العلم مبدلول األلفاظ مل يكن له سبيل إىل العلم مبدلول
ٍ
وحينئذ فالقدح يف حصول العلم مبدلول األدلة اللفظية قدح يف
األدلة العقلية،
حصول العلم ابألدلة العقلية ،فال حيصل العلم إذن(.)2
-8نطالن القول أبن الفقه كله أو أكث ه ظنون:
القول أبن الفقه أكثره ظنون ،قول ابطل ،بل الصواب أن الفقه أكثره قطعي،
والقليل منه ظين ،وبيان ذلك من وجوه(:)3
أ -أن مجهور مسائل الفقه اليت حيتاج إليها الناس ويفتون هبا اثبتة ابلنص أو
اإلمجاع ،وإمنا يقع الظن والنزاع يف قليل مما حيتاج إليه الناس ،بل كثري من املسائل
املختلف فيها إما قليلة الوقوع أو مقدرة.
( )1انظر" :الصواعق املرسلة" (.)678 ،677/2
( )2انظر املصدر السابق (.)643 ،641/2
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)119 ،118/12
86
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ب -أن ما يعلم من الدين ابلضرورة وهو مما اتفق عليه جزء من الفقه،
وإخراجه من الفقه قول مل يعلم عن أحد املتقدمني ،بل مجيع الفقهاء يذكرون يف
كتب الفقه وجوب الصالة ،والزكاة ،واحلج ،واستقبال القبلة ،ووجوب الوضوء،
والغسل من اجلنابة ،وحترمي اخلمر والفواحش.
معلوما من الدين ابلضرورة أمر إضايف ،فحديث العهد
كما أن كون الشيء ً
ابإلسالم قد ال يعلم شرائع الدين فضالً عن كونه يعلمه ابلضرورة ،وكثري من العلماء
يعلم ابلضرورة مسائل ال يعلمها الناس ألبتة.
فقها إال من اجملتهد املستدل ،الذي يعلم أن هذا
جـ -أن الفقه ال يكون ً
الدليل أرجح ،وأن هذا الظن أرجح ،فالفقه هو علمه برجحان هذا الدليل وهذا
الظن ،وهذا الفقه الذي خيتص به الفقيه علم قطعي ال ظين ،فبذلك يكون املقلد
لألئمة ال علم عنده ،فيكون اعتقاد املقلد ليس بفقه.
-9العوامل اليت ساعدي على انتشار القول أبن الفقه أكث ه ظنون:
مما يوضح بطالن هذا القول ذكر بعض العوامل اليت ساعدت على انتشاره
وشيوعه ،فمن هذه العوامل(:)1
أ -انتشار التقليد فأصبح غالب املتفقهة أكثر ما لديهم ظن أو تقليد ،إذ
ينقل أحدهم مذهب إمامه ودليله حبروفه ،فالعامل واإلمام يكون لديه دليل يفيد
مفيدا للقطع لكوهنم مقلدين.
القطع ،وليس عند هؤالء ذلك الدليل ً
فاستطال املتكلمون ملا رأوا كثرة التقليد واجلهل والظنون يف املنتسبني إىل الفقه
والفتوى حىت أخرجوا الفقه من أصل العلم.
ب -جتريد مسائل النزاع وأتليف كتب خاصة يف مسائل اخلالف ،فاقتصر
من صنف يف هذا الباب على ما اختلف فيه األئمة.
واشتهار أصحاب هذه التصانيف بعلم الفقه كان من الشبهة اليت أوجبت
للمتكلمني القول أبن الفقه من ابب الظنون.
جـ -انتشار البدع ،وتغري أمور اإلسالم ،وضعف اخلالفة اإلسالمية ،فظهر
( )1انظر" :االستقامة" (.)69 – 47/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
87
ٍ
حينئذ مذاهب املبتدعة وأصحاب األهواء ،فكثر اتباع الظن وما هتوي األنفس،
وصار الفقه يطلب لغري وجه هللا.
د -أن املتكلمني بنوا هذه املقالة على أصل فاسد ،وهو:
أنه ليس هلل يف األحكام حكم معني ،بل احلكم يف حق كل شخص ما أدى
إليه اجتهاده ،فكل جمتهد مصيب عندهم يف الفروع ،أما أصول الدين فاملصيب
عندهم فيه واحد ،فهم يعظمون علم الكالم ويسمونه أصول الدين ،وجيعلون مسائله
قطعية ،ويف املقابل يوهنون أمر الفقه حىت جيعلوه من ابب الظنون.
ﻫ -ما حصل من اختالف بني األئمـة األعـالم لسـبب مـن األسـباب املوجبـة
للخالف ،كعدم مساع احلديث ،أو عدم ثبوته ،أو االختالف يف الفهم واالسـتدالل،
فقد حيصل لبعضهم القطع أبمر واآلخر جيهله ،أو يفهم خالفه.
فنتج عن هذا االختالف -مع كونه اختالفًا سائغًا -تقليد بال علم ،واشتباه
ما ميكن علمه وما هو معلوم لفقهاء الدين بغريه.
-10نيان أن األدلة الظنية متفاوتة فيما نينها(:)1
الذي عليه السلف واألئمة األربعة واجلمهور :أن األدلة الظنية تتفاوت ،وأن
بعضها أقوى من بعض ،وأن األقوى عليه أدلة.
فعلى اجملتهد أن يطلب الدليل األقوى وأن يعمل به ،وإذا كان يف الباطن ما
هو أقوى منه فهو خمطئ معذور ،وله أجر على اجتهاده وعمله مبا ظهر له رجحانه،
وذلك الباطن هو احلكم ،لكن بشرط القدرة على معرفته ،أما مع العجز عن معرفته
بعد بذل اجلهد فإن خمالفه ال يؤاخذ ،وخطؤه مغفور له.
قال الشافعي" :قل ما اختلفوا فيه إال وجدًن فيه عندًن داللة من كتاب هللا،
قياسا عليهما ،أو على واحد منهما"(.)2
أو سنة رسوله ،أو ً
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)124 ،123/13
(" )2الرسالة" (.)562
88
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-11هل يكفب يف مسائل أصول الدين الظن؟:
قال ابن تيمية يف اجلواب على سؤال ،نصه :هل يكفي يف ذلك (أي :مسائل
أصول الدين) ما يصل إليه اجملتهد من غلبة الظن ،أو ال بد من الوصول إىل القطع؟
قال رمحه هللا:
"الصواب يف ذلك التفصيل ...........
فما أوجب هللا فيه العلم واليقني وجب فيه ما أوجبه هللا من ذلك ،كقوله
َن هللا غَ ُف ِ
ِ ِ
تعاىل :ا ْعلَ ُموا أ َّ
ير[ املائدة ،]98 :وقوله
َن هللاَ َشدي ُد الْع َقا ِ َوأ َّ َ ٌ
ور َرح ٌ
استَـ ْغ ِف ْ لِ َذنْبِ َك[ حممد ،]19 :وكذلك جيب اإلميان
تعاىل :فَا ْعلَ ْر أَنَّهُ ل إِلَ َه إِل هللاُ َو ْ
مبا أوجب هللا اإلميان به.
وقد تقرر يف الشريعة أن الوجوب معلق ابستطاعة العبد ،كقوله تعاىل:
استَطَ ْعتُ ْر[ التغابن ]16 :وقوله عليه السالم« :إ ا أم تكر أبم
فَاتَّـ ُقوا هللاَ َما ْ
فأتوا منه ما استطعتر» ،أخرجاه يف الصحيحني(.)1
فإذا كان كثري مما تنازعت فيه األمة من هذه املسائل الدقيقة قد يكون عند
مشتبها ،ال يقدر فيه على دليل يفيد اليقني ،ال شرعي وال غريه؛ مل
كثري من الناس
ً
جيب على مثل هذا يف ذلك ما ال يقدر عليه ،وليس عليه أن يرتك ما يقدر عليه،
من اعتقاد قول غالب على ظنه لعجزه عن اليقني بل ذلك هو الذي يقدر عليه ال
سيما إذا كان مطاب ًقا للحق ،فاالعتقاد املطابق للحق ينفع صاحبه ،ويثاب عليه
ويسقط به الفرض؛ إذا مل يقدر على أكثر منه.
لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل يف هذا الباب ،أو عجز فيه عن
معرفة احلق ،فإمنا هو لتفريطه يف اتباع ما جاء به الرسول ،وترك النظر واالستدالل
املوصل إىل معرفته ،فلما أعرضوا عن كتاب هللا ضلوا.........
فمن كان خطؤه لتفريطه فيما جيب عليه من اتباع القرآن واإلميان مثالً ،أو
لتعديه حدود هللا بسلوك السبيل اليت هني عنها ،أو التباع هواه بغري هدى من هللا
( )1انظر" :صحيح البخاري ( )251/13برقم ( ،)7288و"صحيح مسلم" ()100/9
وسيأيت هذا احلديث كامال يف (ص )121من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
89
فهو الظامل لنفسه ،وهو من أهل الوعيد.
وظاهرا ،الذي يطلب احلق
خبالف اجملتهد يف طاعة هللا ورسوله ابطنًا
ً
ابجتهاده ،كما أمره هللا ورسوله ،فهذا مغفور له خطؤه.)1("......
(" )1درء التعارض" ( ،)54 – 52/1و"جمموع الفتاوى" (.)317 ،314 – 312/3
90
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثالث
األدلة الش عية من حيث النقل والعقل
ويف هذا املبحث النقاط اآلتية:
-1انقسام األدلة الش عية إىل نقلية وعقلية.
-2السمع أصل جلميع األدلة.
-3بيان موافقة املعقول للمنقول.
-4مكانة العقل عند أهل السنة.
91
92
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1انقسام األدلة الش عية إىل نقلية وعقلية:
الدليل إما أن يكون شرعيًا ،أو غري شرعي(.)1
فالدليل( )2الشرعي( :)3هو ما أمر به الشرع ،أو دل عليه ،أو أذن فيه.
وبذلك يعلم أن الدليل الشرعي على أقسام ثالثة:
األول :ما أثبته الشرع وجاء به مما ال يعلم إال بطريق السمع والنقل ،وال يعلم
بطريق العقل ،فهذا دليل شرعي مسعي.
وذلك كاخلرب عن املالئكة والعرش ،وتفاصيل أمور العقيدة ،وتفاصيل األوامر
والنواهي ،فهذا ال سبيل إىل معرفته بغري خرب األنبياء عليهم الصالة والسالم.
الثاين :ما دل عليه الشرع ونبه عليه ،وأرشد فيه إىل األدلة العقلية واألمثلة
املضروبة ،فهذا دليل شرعي عقلي.
وذلك مثل إثبات التوحيد ونفي الشرك ،وإثبات النبوة ،والبعث ،وسيأيت بيان
األمثلة على ذلك(.)4
الثالث :ما أابحه الشرع وأذن فيه ،فيدخل حتت هذا ما أخرب به الصادق ،
وما دل عليه القرآن ونبه عليه ،وما دلت عليه املوجودات وعرف ابلتجربة؛ وهذا
مثل األمور الدنيوية ،كالطب واحلساب ،والفالحة والتجارة.
إذا علم ذلك فإن الدليل الشرعي يتصف ابآليت(:)5
أ -أنه ال يكون إال ح ًقا ،إذ كونه شرعيًا صفة مدح.
اجحا اترة ،وقد يكون
( )1الدليل غري الشرعي :خالف الدليل الشرعي .وهو قد يكون ر ً
صحيحا اترة ،ويكون شبهة فاسدة اترة أخرى ،كما
مرجوحا اترة أخرى ،وقد يكون دليالً
ً
ً
أنه قد يكون عقليًا أو مسعيًا .فمن األدلة غري الشرعية ما جاء يف الكتاب والسنة النهي
عنه ،مثل القول على هللا بال علم :وال تقف ما ليس لك به علم[ اإلسراء]36 :
واجلدل يف احلق بعد ظهوره :جيادلونك يف احلق بعدما تبني[ األنفال .]6 :انظر" :درء
التعارض" (.)310 ،309/3 ،200 – 199 ،48 – 46/1
( )2الدليل هنا مبعىن املدلول.
( )3انظر" :درء التعارض" ( ،)199 ،198/1و"جمموع الفتاوى" (.)234 – 228/19
( )4انظر (ص )96فقرة (د) من هذا الكتاب.
( )5انظر" :درء التعارض" (.)200 ،198/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
93
ب -أنه يقدم على غريه ،فالدليل الشرعي ال جيوز أن يعارضه دليل غري
شرعي ،فإن شرعة هللا مقدمة على غري شرعته.
جـ -أن الدليل الشرعي قد يكون مسعيًا ،وقد يكون عقليًا.
د -أن الدليل الشرعي يقابله الدليل غري الشرعي ،أو الدليل البدعي ،وكونه
بدعيًا صفة ذم ،وال يقابل الدليل الشرعي بكونه عقليًا.
وإذا علم ذلك فالواجب معرفة األدلة الشرعية ما يدخل فيها وما ال يدخل،
فبعض الناس يدخل يف األدلة الشرعية ما ليس منها ،وبعضهم خيرج منها ما هو
داخل فيها(.)1
-2السمع أصل جلميع األدلة:
الواجب أن جيعل ما قاله هللا ورسوله هو األصل ،ويتدبر معناه ويعقله،
ويعرف برهانه ودليله العقلي واخلربي السمعي ،ويعرف داللته على هذا وهذا.
إذ هو الفرقان بني احلق والباطل واهلدى والضالل ،وهو طريق السعادة
والنجاة ،فهو احلق الذي جيب اتباعه.
وما سواه من كالم الناس يعرض عليه ،فإن وافقه فهو حق ،وإن خالفه فهو
ابطل(.)2
ذلك أن لفظ العقل والسمع صار من األلفاظ اجململة ،فكل من وضع شيئًا
برأيه مساه عقليات ،واآلخر يبني خطأه فيما قاله ويدعي أنه العقل ،ويذكر أشياء
أيضا خطأً.
أخرى تكون ً
وهــذا نظــري مــن حيــتج يف الســمع أبحاديــث ضــعيفة ،أو موضــوعة ،أو اثبتــة
لك ــن ال تـ ــدل علـ ــى مطلوبـ ــه ،فـ ــال ب ــد إذن مـ ــن معرفـ ــة ص ـ ـريح العقـ ــل وصـ ــحيح
النقل(.)3
( )1انظر" :درء التعارض" (.)200/1
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)136 ،135/13و"شرح العقيدة الطحاوية" (.)225 ،224
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)470 ،469/16
94
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-3نيان موافقة املعقول للمنقول:
و لك من وجوه(:)1
أ -أن الدليل العقلب ل ميكن أن يستدل نه على ابطل أن ًدا:
وبيان ذلك أن احلجج السمعية مطابقة للمعقول ،والسمع الصحيح ال ينفك
عن العقل الصريح؛ بل مها أخوان نصريان وصل هللا بينهما وقرن أحدمها بصاحبه،
وأقام هبما حجته على عباده ،فال ينفك أحدمها عن صاحبه أصالً.
فالكتاب املنزل والعقل املدرك؛ حجة هللا على خلقه(.)2
وهلذا ال يوجد يف كالم أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي
وقياس ،وال قال أحد منهم :قد تعارض يف هذا العقل والنقل ،فضالً عن أن يقول:
فيجب تقدمي العقل على النقل(.)3
مجيعا على(:)4
فاملقصود أن السلف كانوا متفقني ً
أن العقل الصريح ال يناقض النقل الصحيح. أن العقل الصريح موافق للنقل الصحيح.صحيحا.
أن العقل املعارض للنقل الصحيح ابطل وال يكونً
أن العلوم ثالثة أقسام(:)5منها ما ال يعلم إال ابألدلة العقلية ،وذلك كثبوت النبوة وصدق اخلرب،
وأحسن هذه األدلة ما بينه القرآن وأرشد إليه.
ومنه ـ ــا مـ ــا ال يعل ـ ــم إال ابألدل ـ ــة السـ ــمعية ،وذلـ ــك كتفاص ـ ــيل األمـ ــور اإلهلي ـ ــة
وتفاصيل العبادات ،وذلك إمنا يكون بطريق خرب األنبياء -علـيهم الصـالة والسـالم-
اجملرد.
( )1انظر استكماالً هلذه الوجوه – إن شئت – األدلة على موافقة القياس الصحيح لنصوص
الشريعة وذلك فيما أييت (ص )189من هذا الكتاب.
( )2انظر" :الصواعق املرسلة" (.)458 ،457/2
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)30 ،29 ،28/13
( )4انظر املصدر السابق ( ،)463/16و"الصواعق املرسلة" (.)992/3
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" (.)139 – 137/13
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
95
ومنها م ا يعلم ابلسمع والعقل ،وذلك مثل كون رؤية هللا ممكنة أو ممتنعة.
جـ -أن ما جاء نه السمع ل خيلو من أم ين(:)1
إما أن يدركه العقل ،فال بد واحلالة كذلك أن حيكم جبوازه وصحته ،وإما أال
حائرا ،والواجب
يدركه العقل فيعجز عن احلكم عليه بنفي أو إثبات ،فيبقى العقل ً
عليه واحلالة كذلك التسليم ملا جاء به السمع.
()2
د -أن ما يدركه العقل ل خيلو من أم ين :
إما أن يثبته السمع ويدل عليه ،وإما أن أيذن فيه ويسكت عنه ،وبذلك يعلم
أبدا.
أن السمع والعقل ال يتعارضان ً
-4مكانة العقل عند أهل السنة:
()3
للعقل عند أهل السنة مكانته الالئقة به ،وهم يف ذلك وسط بني طرفني .
الط ف األول :من جعل العقل أصالً كليًا أوليًا ،يستغين بنفسه عن الشرع.
الط ف الثاين :من أعرض عن العقل ،وذمه وعابه ،وخالف صرحيه ،وقدح
يف الدالئل العقلية مطل ًقا.
والوسط يف لك:
أ -أن العقل شرط يف معرفة العلوم ،وكمال وصالح األعمال ،لذلك كان
سالمة العقل شرطًا يف التكليف فاألحوال احلاصلة مع عدم العقل ًنقصة ،واألقوال
املخالفة للعقل ابطلة ،وقد أمر هللا ابستماع القرآن وتدبره ابلعقول أَفَال يَـتَ َدنَّـ ُو َن
الْ ُق ْآ َن[ النساء ،]82 :و[حممد ،]24 :أَفَـلَ ْر يَ َّدنَّـ ُوا الْ َق ْو َل[ املؤمنون.]68 :
فالعقل هو املدرك حلجة هللا على خلقه(.)4
ب -أن العقل ال يستقل بنفسه ،بل هو حمتاج إىل الشرع الذي عرفناه ما مل
أبدا ،إذ العقل غريزة يف النفس وقوة فيها
يكن لعقولنا سبيل إىل استقالهلا إبدراكه ً
مبنزلة قوة البصر اليت يف العني ،فإن اتصل به نور اإلميان والقرآن كان كنور العني إذا
( )1انظر" :درء التعارض" (.)147/1
( )2انظر" :درء التعارض" (.)199 ،198/1
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)338/3
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)339 ،338/3و"الصواعق املرسلة" (.)458/2
96
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اتصل به نور الشمس والنار.
وإن انفرد بنفسه مل يبصر األمور اليت يعجز وحده عن دركها .
جـ -أن العقل مصدق للشرع يف كل ما أخرب به دال على صدق الرسول
داللة عامة مطلقة ،فالعقل مع الشرع كالعامي مع املفيت ،فإن العامي إذا علم عني
املفيت ودل غريه عليه وبني له أنه عامل ٍ
مفت ،مث اختلف العامي الدال واملفيت ،وجب
على املستفيت أن يقدم قول املفيت ،فإذا قال له العامي :أًن األصل يف علمك أبنه
ٍ
مفت فإذا قدمت قوله على قويل عند التعارض ،قدحت يف األصل الذي به علمت
مفت ،قال له املستفيت :أنت ملا شهدت أبنه ٍ
أنه ٍ
مفت ودللت على ذلك ،شهدت
بوجوب تقليده دون تقليدك ،وموافقيت لك يف قولك إنه ٍ
مفت ،ال يستلزم أن
أوافقك يف مجيع أقوالك ،وخطؤك فيما خالفت فيه املفيت الذي هو أعلم منك ،ال
يستلزم خطأك يف علمك أبنه ٍ
مفت.
هذا مع أن املفيت جيوز عليه اخلطأ ،أما الرسول فإنه معصوم يف خربه عن
هللا تعاىل ال جيوز عليه اخلطأ ،فتقدمي قول املعصوم على ما خيالفه من استدالل
عقلي ،أوىل من تقدمي العامي قول املفيت على قول الذي خيالفه.
وإذا كان األمر كذلك فإذا علم اإلنسان ابلعقل أن هذا رسول هللا ،وعلم
أنه أخرب بشيء ووجد يف عقله ما ينازعه يف خربه ،كان عقله يوجب عليه أن يسلم
موارد النزاع إىل من هو أعلم به منه(.)2
د -أن الشرع دل على األدلة العقلية وبينها ونبه عليها(.)3
وذلك كاألمثال املضروبة اليت يذكرها هللا يف كتابه ،اليت قال فيهاَ :ولََق ْد
َّاي ِيف َه َذا الْ ُق ِ
ض َنْـنَا لِلن ِ
آن ِم ْن ُك ِل َمثَ ٍل[ الروم ،]58 :فإن األمثال املضروبة هي
َ
ْ
ِ
ْق هللا فَأ َُر ِوين َما َا
األقيسة العقلية ،فمن ذلك إثبات التوحيد بقوله تعاىلَ :ه َذا َخل ُ
َخلَق الَّ ِذ ِ
ِِ
اء هللاُ َما
َ َ
ين م ْن ُدونه[ لقمان ،]11 :وإثبات النبوة بقوله تعاىل :قُ ْل لَ ْو َش َ
ت فِي ُك ْر ُع ُم ًا ِم ْن قَـ ْبلِ ِه أَفَال تَـ ْع ِقلُو َن[ يونس:
تَـلَ ْوتُهُ َعلَْي ُك ْر َول أَ ْد َرا ُك ْر نِ ِه فَـ َق ْد لَبِثْ ُ
( )1
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)339/3و"الصواعق املرسلة" (.)459 ،458/2
( )2انظر" :درء التعارض" ( ،)141 ،139 ،138/1و"الصواعق املرسلة" (،)809 ،808/3
و"شرح العقيدة الطحاوية" (.)219
( )3انظر" :درء التعارض" ( ،)29 ،28/1و"الصواعق املرسلة" (.)497 – 460/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
97
،]16وإثبات البعث بقوله تعاىل :قُ ْل ُْحييِ َيها الَّ ِذي أَنْ َشأ ََها أ ََّو َل َمَّ ٍة[ يس.]79 :
والناس يف األدلة العقلية اليت بينها القرآن وأرشد إليها الرسول على
طرفني(:)1
فمنهر من يذهل عن هذه األدلة ويقدح يف األدلة العقلية مطل ًقا؛ ألنه قد
صار يف ذهنه أهنا هي الكالم املبتدع الذي أحدثه املتكلمون.
ومنهر من يعرض عن تدبر القرآن وطلب الدالئل اليقينية العقلية منه؛ ألنه
قد صار يف ذهنه أن القرآن إمنا يدل بطريق اخلرب فقط.
والذي عليه أهل العلر واإلميان(:)2
أن األدلة العقلية اليت بينها هللا ورسوله أجل األدلة العقلية وأكملها
وأفضلها.
ﻫ -أن العقل ال ميكن أن يعارض الكتاب والسنة ،فالعقل الصريح ال خيالف
أبدا ،فال يصح أن يقال :إن العقل خيالف النقل ،ومن ادعى ذلك
النقل الصحيح ً
فال خيلو من أمور(:)3
أوهلا :أن ما ظنه معقوالً ليس معقوالً ،بل هو شبهات توهم أنه عقل صريح
وليس كذلك.
صحيحا مقبوالً ،إما لعدم صحة نسبته ،أو
مسعا
مسعا ليس ً
اثنيها :أن ما ظنه ً
ً
لعدم فهم املراد منه على الوجه الصحيح.
اثلثها :أنه مل يفرق بني ما حييله العقل وما ال يدركه ،فإن الشرع أييت مبا يعجز
العقل عن إدراكه ،لكنه ال أييت مبا يعلم العقل امتناعه.
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)138 ،137/13
( )2انظر" :درء التعارض" ( ،)28/1و"جمموع الفتاوى" (.)137/13
( )3انظر" :درء التعارض" ( ،)194 ،78/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)339/3و"الصواعق
املرسلة" (.)459/2
98
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفصل الثاين
األدلة املتفق عليها
ويف هذا الفصل أرنعة مباحث:
املبحث األول :الكتاب.
املبحث الثاين :السنة.
املبحث الثالث :اإلمجاع.
املبحث ال انع :القياس.
99
100
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث األول
الكتا
ويف هذا املبحث مخق مسائل:
املسألة األوىل :تعريف الكتاب.
املسألة الثانية :هل يف القرآن لفظ غري عريب؟
املسألة الثالثة :احملكم واملتشابه يف القرآن الكرمي.
املسألة ال انعة :حكم العمل ابلقراءة الشاذة.
املسألة اخلامسة :هل يف القرآن جماز؟
101
102
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف الكتا
()1
ك نَـ َف ًا ِم َن ا ْجلِ ِن
ص َفْـنَا إِلَْي َ
الكتا هو الق آن ،لقوله تعاىلَ :وإِ ْ َ
ِ
ِ
ِ ِ
ِ
وسى
يَ ْستَم ُعو َن الْ ُق ْآ َن[ األحقاف ]29 :إىل قوله :إِ َّان َْس ْعنَا كتَ ًااب أُنْ ِ َل م ْن نَـ ْعد ُم َ
[األحقاف ،]30 :وميكن تعريف الكتاب أبنه( :كالم هللا املن ل على ومد ،
املعج ننفسه ،املتعبد نتالوته)(.)2
وقد مجع هذا التعريف أربعة قيود:
مجيعا( ،)3قال
* القيد األول :أن القرآن كالم هللا حقيقة ،وهو اللفظ واملعىن ً
تعاىل :وإِ ْن أ ِ
َج ه ح َّىت يسمع َكالم ِ
ِ
ِ
هللا[ التوبة،]6 :
ني ْ
َح ٌد م َن ال ُْم ْش ِك َ
استَ َج َار َك فَأ ْ ُ َ َ ْ َ َ َ
َ َ
قال ابن تيمية" :والقرآن هو القرآن الذي يعلم املسلمون أنه القرآن حروفه ومعانيه،
مجيعا ،وهلذا كان الفقهاء املصنفون يف أصول الفقه
واألمر والنهي هو اللفظ واملعىن ً
من مجيع الطوائف – احلنفية ،واملالكية ،والشافعية ،واحلنبلية – إذا مل خيرجوا عن
مذاهب األئمة والفقهاء إذا تكلموا يف األمر والنهي ذكروا ذلك وخالفوا من قال:
إن األمر هو املعىن اجملرد"(.)4
* القيد الثاين :أنه منزل من عند هللا ،نزل به جربيل -عليه السالم -على
()5
ِ
ِِ
ني * َعلَى
وح األم ُ
حممد رسول هللا ليكون من املنذرين ،قال تعاىل :نَـ َ َل نه ال ُّ ُ
ِ
قَـ ْلبِ َ ِ
ِ
ين[ الشعراء ،]194 ،193 :وتقييد الكالم بكونه منزالً
ك لتَ ُكو َن م َن ال ُْم ْنذ ِر َ
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)178/1و"قواعد األصول" ( ،)36و"شرح الكوكب املنري"
( ،)7/2و"املدخل" البن بدران ( ،)87و"رسالة ابن سعدي" ( ،)100و"وسيلة
احلصول" للحكمي ( ،)8و"مذكرة الشنقيطي" (.)55
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)70و"شرح الكوكب املنري" (.)8 ،7/2
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)173 ،67 ،36/12و"شرح الكوكب املنري" (.)59/2
(" )4جمموع الفتاوى" (.)36/12
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)298/12و"شرح الكوكب املنري" ( ،)7/2و"رسالة ابن
سعدي" (.)100
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
103
ليس املقصود منه إثبات الكالم النفسي واالحرتاز عنه كما ذهب األشاعرة إىل
ذلك(.)1
معجزا ،وخيرج بذلك األحاديث القدسية؛ إذ القرآن
* القيد الثالث :كونه ً
معجز يف لفظه ونظمه ومعناه(.)2
متعبدا بتالوته ،وخيرج بذلك اآلايت املنسوخة اللفظ،
* القيد ال انع :كونه ً
سواء بقي حكمها أم ال ،ألهنا صارت بعد النسخ غري قرآن؛ لسقوط التعبد بتالوهتا
فال تعطي حكم القرآن(.)3
وقد مجع هذه القيود قول الشيخ حافظ احلكمي يف منظومته األصولية:
نـ ـ ـ ــني الضـ ـ ـ ــالل واهلـ ـ ـ ــدى ف قـ ـ ـ ــان
"أمـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا الكتـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا فهـ ـ ـ ـ ـ ـ ــو الق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ آن
املعجـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ املفح ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر ل ض ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــداد
ك ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــالم ر منـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ل تنـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ يالً
ن ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه اإلل ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه خلق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه تعبـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ًدا
ن هـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــان حـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــق أنـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــد اآلابد
ل يقبـ ـ ـ ـ ــل اخللـ ـ ـ ـ ــف ول التب ـ ـ ـ ـ ــديل
تـ ـ ـ ـ ـ ــالوة تـ ـ ـ ـ ـ ــدن ًا اهتـ ـ ـ ـ ـ ــدى"
()4
المسألة الثانية
هل في القرآن لفظ غير عربي؟
ذهب اإلمام الشافعي( )5إىل أن القرآن حمض بلسان العرب ،ال خيلطه فيه غريه.
واستدل لذلك:
ول إِل نِلِس ِ
بقوله تعاىل :وَما أ َْر َسلْنَا ِم ْن ر ُس ٍ
ان قَـ ْوِم ِه[ إبراهيم.]4 :
َ
َ
َ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ك
ني * َعلَى قَـ ْلبِ َ
وح األم ُ
يل َر ِ ال َْعالَم َ
ني * نَـ َ َل نه ال ُّ ُ
وقوله تعاىلَ :وإنَّهُ لَتَـ ْن ِ ُ
لِتَ ُكو َن ِمن الْم ْن ِذ ِرين * نِلِس ٍ
ان َع َ ٍِ ُمبِ ٍني[ الشعراء.]195 – 192 :
َ ُ َ
َ
ِ
ْما َع َنِياا[ الرعد ،]37 :وبغري ذلك من
وقوله تعاىلَ :وَك َذل َ
ك أَنْـ َلْنَاهُ ُحك ً
( )1قال األسنوي" :فخرج (ابملنزل) الكالم النفساين وكالم البشر"" ،هناية السول" (.)3/2
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)71و"شرح الكوكب املنري" (.)115/2
( )3انظر املصدر السابق (.)8/2
(" )4وسيلة احلصول" (.)8
( )5انظر" :الرسالة" (.)45
104
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلايت ،مث قال" :فأقام حجته أبن كتابه عريب يف كل آية ذكرًنها ،مث أكد ذلك أبن
نفى عنه جل ثناؤه كل ٍ
لسان غري لسان العرب ،يف آيتني من كتابه:
فقال تبارك وتعاىل :ولََق ْد نَـعلَر أَنَّـهر يـ ُقولُو َن إِ ََّّنَا يـعلِمه ن َ ِ
سا ُن الَّ ِذي
َُ ُ ُ َ
ْ ُ ُْ َ
َ
شٌ ل َ
ِ
ِ ِ
ِ
ِ
ِ
ني[ النحل.]103 :وقالَ :ولَ ْو َج َعلْنَاهُ
سا ٌن َع َ ِ ٌّ ُمب ٌ
يُـلْح ُدو َن إلَْيه أَ ْع َجم ٌّب َو َه َذا ل َ
آان أَ ْعج ِمياا لََقالُوا لَول فُ ِ
آَيتُهُ أَأَ ْع َج ِم ٌّب َو َع َ ِ ٌّ[ فصلت ،)1("]44 :وهذا هو
صلَ ْ
قُـ ْ ً َ
ْ
ت َ
مذهب مجهور أهل العلم( .)2وال يشكل على كون القرآن عربيًا وجود بعض
الكلمات األعجمية فيه ،مثل :املشكاة ،واإلستربق؛ إذ ميكن محل هذه األلفاظ اليت
يقال :إهنا أعجمية على و ٍ
احد من الوجوه اآلتية:
أولً :أن هذه األلفاظ إمنا هي عربية لكن قد جيهل بعض الناس كون هذه
األلفاظ عربية ،ذلك أن لسان العرب أوسع األلسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا ،وال حييط
جبميع علمه إنسان غري نيب ،وال ميتنع أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليالً من
لسان العرب ،كما يتفق القليل من ألسنة العجم املتباينة يف أكثر كالمها مع تنائي
دايرها واختالف لساهنا(.)3
اثنيًا :أن هذه األلفاظ اليت يقال :إهنا أعجمية ال ميتنع أن تكون عربية ،وأن
يكون هلا معىن آخر يف لغة أخرى ،فمن نسبها إىل العربية فهو حمق ،ومن نسبها إىل
غريها فهو حمق(.)4
اثلثًا :أن هذه األلفاظ أصلها غري عريب مث عربتها العرب واستعملتها؛ فصارت
من لساهنا وإن كان أصلها أعجميًا(.)5
(" )1الرسالة" (.)47
( )2انظر" :جامع البيان للطربي" ( ،)7/1و"روضة الناظر" ( ،)185/1و"املدخل" البن
بدران ( ،)88و"نزهة اخلاطر العاطر" ( ،)184/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)62
( )3انظر" :الرسالة" (.)45 – 42
( )4انظر" :جامع البيان للطربي" ( ،)10 – 8/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)62
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)185/1و"قواعد األصول" (.)36
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
105
املسألة الثالثة
احملكر واملتشانه يف الق آن الك مي
والكالم على هذه املسألة يف النقاط اآلتية:
-1معىن احملكر واملتشانه ابلعتبار العام الكلب(:)1
ِ
آَيتُهُ
ُح ِك َم ْ
ورد وصف القرآن كله أبنه حمكم فقال تعاىل :كتَا ٌ أ ْ
ت َ
[هود ،]1:مبعىن :أنه متقن غاية اإلتقان يف أحكامه وألفاظه ومعانيه ،فهو غاية يف
الفصاحة واإلعجاز.
وورد وصف القرآن كله أبنه متشابه ،فقال تعاىل :كِتَ ًااب ُمتَ َش ِاهبًا[ الزمر:
بعضا يف اإلعجاز والصدق والعدل(.)2
،]23مبعىن :أن آايته يشبه بعضها ً
-2معىن احملكر واملتشانه ابلعتبار اخلاص النسيب:
"وهذا االعتبار هو املقصود يف هذه املسألة".
أيضا أن من القرآن ما هو حمكم ومنه ما هو متشابه:
ورد ً
قال تعاىل :هو الَّ ِذي أَنْـ َل علَي َ ِ ِ
اي ه َّن أ ُُّم ال ِ
ْكتَا ِ
آَي ٌ
ي ُْو َك َم ٌ ُ
َ َْ
ك الْكتَا َ م ْنهُ َ
َُ
َّ ِ
ِِ
شانهَ ِم ْنهُ انْتِغَ ِ ِ ِ
اء
ش ِاهبَ ٌ
ُخ ُ ُمتَ َ
َوأ َ
ين ِيف قُـلُوهب ْر َزيْ ٌغ فَـيَـتَّبِ ُعو َن َما تَ َ َ
اي فَأ ََّما الذ َ
اء الْف ْتـنَة َوانْتغَ َ
َ
ِ
ِِ
ِ
آمنَّا نِ ِه ُكلٌّ ِم ْن ِع ْن ِد َرنِنَا
َأتْ ِويله َوَما يَـ ْعلَ ُر َأتْ ِويلَهُ إِل هللاُ َوال َّاس ُخو َن ِيف الْعل ِْر يَـ ُقولُو َن َ
[آل عمران ،]7 :فذهب بعض السلف( )3إىل أن احملكم :هو ما مل حيتمل من
التأويل غري وجه واحد ،واملتشابه :ما احتمل من التأويل أكثر من وجه.
وذهب بعضهم إىل أن احملكم :ما يعمل به ،واملتشابه :ما يؤمن به وال
يعمل به.
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)63 – 59/3و"الصواعق املرسلة" ( )212/1فيما يتعلق
بتقسيم األحكام والتشابه إىل نوعني عام وخاص.
( )2انظر" :القواعد احلسان" ( ،)43 ،42و"مذكرة الشنقيطي" (.)63
( )3انظر األقوال يف" :جامع البيان للطربي" ( ،)174 – 172/3و"الفقيه واملتفقه"
( ،)63 – 58/1و"جمموع الفتاوى" ( )418/17وما بعدها ،و"شرح الكوكب املنري"
(.)143 ،142/2
106
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وقال بعضهم :إن احملكم هو ما اتضح معناه ،واملتشابه ،هو ما مل يتضح
معناه ،إما الشرتاك أو إمجال.
وكل هذه األقوال تدل على معىن واحد ،وهو أن التشابه أمر إضايف ،فقد
يشتبه على هذا ما ال يشتبه على هذا(.)1
-3ط يقة السلف يف التعامل مع احملكر واملتشانه:
الواجب على كل أحد أن يعمل مبا استبان له ،وأن يؤمن مبا اشتبه عليه ،وأن
يرد املتشابه إىل احملكم ،وأيخذ من احملكم ما يفسر له املتشابه ويبينه ،فتتفق داللته
بعضا ،فإهنا كلها
بعضا ،ويصدق بعضها ً
مع داللة احملكم ،وتوافق النصوص بعضها ً
من عند هللا ،وما كان من عند هللا فال اختالف فيه وال تناقض ،وإمنا االختالف
والتناقض فيما كان من عند غريه.
هذه طريقة الصحابة والتابعني يف التعامل مع احملكم واملتشابه(.)2
قال ابن تيمية" :واملقصود هنا أن الواجب أن جيعل ما قاله هللا ورسوله هو
األصل ،ويتدبر معناه ويعقل....ويعرف داللة القرآن على هذا وهذا.
وجتعل أقول الناس اليت قد توافقه وختالفه متشاهبة جمملة ،فيقال ألصحاب
وحيتمل كذا وكذا؛ فإن أرادوا هبا ما يوافق خرب
هذه األلفاظَ :حيتمل كذا وكذاَ ،
الرسول قبل ،وإن أرادوا هبا ما خيالفه رد"(.)3
ويف هذا املقام تنبهاي مهمة:
()4
-1اتفق العلماء على أن ليس يف القرآن ما ال معىن له .
-2اتفق السلف على أن مجيع ما يف القرآن مما يفهم معناه ،وميكن إدراكه
بتدبر وأتمل ،وأنه ليس يف القرآن ما ال ميكن أن يعلم معناه أحد.
قال ابن تيمية" :وال جيوز أن يكون الرسول ومجيع األمة ال يعلمون معناه،
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)386/17
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)386/17و"إعالم املوقعني" (.)294/2
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)146 ،145 ،13وانظر" :شرح العقيدة الطحاوية"
(.)225 ،224
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)390/17 ،286/13و"خمتصر ابن اللحام" (،)73
و"شرح الكوكب املنري" (.)144 ،143/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
107
كما يقول ذلك من يقوله من املتأخرين ،وهذا القول جيب القطع أبنه خطأ"(.)1
أيضا" :والدليل على ما قلناه إمجاع السلف؛ فإهنم فسروا مجيع
وقال ً
القرآن.....وكالم أهل التفسري من الصحابة والتابعني شامل جلميع القرآن ،إال ما
أحدا من الناس ال يعلمه ،لكن ألنه هو
قد يشكل على بعضهم فيقف فيه ،ال ألن ً
ال يعلمه.
أيضا فإن هللا قد أمر بتدبر القرآن مطل ًقا ،ومل يستثن منه شيئًا ال يتدبر ،وال
ً
قال :ال تدبروا املتشابه....
كالما مل يكن يفهم معناه ،ال
وألن من العظيم أن يقال :إن هللا أنزل على نبيه ً
هو وال جربيل عليه السالم ....
أيضا فالكالم إمنا املقصود به اإلفهام؛ فإذا مل يقصد به ذلك كان عبثًا
و ً
وابطالً ،وهللا تعاىل قد نزه نفسه عن فعل الباطل والعبث....
وابجلملة فالدالئل الكثرية توجب القطع ببطالن قول من يقول :إن يف القرآن
آايت ال يعلم معناها الرسول وال غريه.
نعم قد يكون يف القرآن آايت ال يعلم معناها كثري من العلماء فضالً عن
غريهم ،وليس ذلك يف آية معينة ،بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا ،وذلك اترة
يكون لغرابة اللفظ ،واترة الشتباه املعىن بغريه ،واترة لشبهة يف نفس اإلنسان متنعه
من معرفة احلق ،واترة لعدم التدبر التام ،واترة لغري ذلك من األسباب"(.)2
-3اتفق السلف على أن يف القرآن ما ال يعلم أتويله إال هللا ،كالروح ،ووقت
الساعة ،واآلجال ،وهذا قد يسمى ابملتشابه(.)3
واملراد ابلتأويل( )4الذي ال يعلمه إال هللا :معرفة الشيء على حقيقته وما
يؤول إليه ،أما التأويل ابملعىن اآلخر :وهو تفسري الشيء ومعرفة معناه ،فهذا مما
(" )1جمموع الفتاوى" (.)390/17
( )2املصدر السابق (.)400 – 395 /17
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)144/13و"شرح الكوكب املنري" (.)149/2
( )4انظر (ص )385من هذا الكتاب فيما يتعلق مبعاين التأويل.
108
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
يعلمه أهل العلم ،فإهنم يعلمون معىن الكالم الذي أخرب به عن الساعة(.)1
قال ابن تيمية" :وعلى هذا فالراسخون يف العلم يعلمون أتويل هذا املتشابه
الذي هو تفسريه ،وأما التأويل الذي هو احلقيقة املوجودة يف اخلارج فتلك ال يعلمها
إال هللا"(.)2
-4ولذلك فإن أمساء هللا تعاىل وصفاته تكون من املتشابه ابعتبار كيفيتها،
وليست من املتشابه ابعتبار معناها(.)3
-5وكذلك فإن الوقف على لفظ اجلاللة يف قوله تعاىلَ :وَما يَـ ْعلَ ُر َأتْ ِويلَهُ إِل
هللاُ[ آل عمران] ،يصح بناءً على أن التأويل مبعىن معرفة الشيء على حقيقته وجيوز
الوصل وترك الوقف بناءً على أن التأويل مبعىن التفسري والبيان(.)4
-4ط يقة املبتدعة يف التعامل مع احملكر واملتشانه:
الواجب احلذر من طريقة أهل البدع واألهواء؛ فإن هلم طريقني يف رد
السنن(:)5
أحدمها :رد السنن الثابتة عن النيب ابملتشابه من القرآن أو من السنة.
والثاين :جعل احملكم متشاهبًا ليعطلوا داللته.
وقد ورد يف آية آل عمران أن موقف املؤمنني الراسخني يف العلم من املتشابه
هو اإلميان به ورده إىل هللا ،وأن موقف الزائغني أصحاب القلوب املريضة هو اتباع
املتشابه واالستدالل به على مقاالهتم الباطلة طلبًا للفتنة وحتري ًفا لكتاب هللا(.)6
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)426 ،425 ،410 ،409/17
(" )2جمموع الفتاوى" (.)381/17
( )3انظر املصدر السابق ( )294/13وما بعدها ،و"الصواعق املرسلة" ( ،)213/1و"مذكرة
الشنقيطي" (.)65
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)400/17و"تيسري الكرمي الرمحن" (.)358/1
( )5انظر" :إعالم املوقعني" (.)294/2
( )6انظر" :تيسري الكرمي الرمحن" (.)358 ،357/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
109
املسألة ال انعة
حكر العمل ابلق اءة الشا ة
الق اءة الشا ة عند األصوليني هي :ما مل يتواتر(.)1
وقد اختلف العلماء يف العمل ابلقراءة الشاذة بعد أن اتفقوا على أهنا ال
قرآًن ،فذهب البعض إىل أهنا حجة ،وذهب البعض اآلخر إىل عدم
تكون ً
االحتجاج هبا.
واملسألة اجتهادية على كل حال .ومما يرجح جانب االحتجاج هبا :أن القراءة
الشاذة ال تكون أقل من خرب الواحد أو قول الصحايب ،وكالمها حجة ،فلذلك
إمجاعا(.)2
يكون العمل هبا واجبًا ،وهذا املذهب ذكره ابن عبد الرب ً
ومما جيدر التنبيه عليه يف هذا املقام هو أنه ال يصح االحتجاج يف رد القراءة
الشاذة أبن يقال :حيتمل أن يكون هذا مذهبًا للصحايب نقله خطأً ،أو أن الصحايب
جيوز القراءة ابملعىن(.)3
قال ابن قدامة" :وقوهلم :جيوز أن يكون مذهبًا ،قلنا :ال جيوز ظن مثل هذا
ابلصحابة -رضي هللا عنهم -فإن هذا افرتاء على هللا وكذب عظيم؛ إذ جعل رأيه
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)181/1أما عند القراء فقد ذكر ابن اجلزري :أن كل قراءة
وافقت أحد املصاحف العثمانية ولو احتماالً ،ووافقت العربية ولو بوجه واحد ،وصح
سندها ،فهي القراءة الصحيحة اليت ال حيل ملسلم أن ينكرها سواء كانت عن السبعة أو
عن العشرة أو عن غريهم من األئمة املقبولني ،ومىت اختل ركن من هذه األركان الثالثة
أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو ابطلة ،سواء كانت عن السبعة أو عمن هو أكرب منهم،
هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف واخللف ،صرح به الداين ،ومكي،
واملهدوي ،وأبو شامة ،وهو مذهب السلف الذي ال يعرف عن أحد منهم خالفه .انظر:
"النشر يف القراءات العشر" (.)54 ،53/1
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)181/1و"جمموع الفتاوى" (،)260/20 ،394 ،13
و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)72و"شرح الكوكب املنري" ( ،)136/2و"املدخل" البن
بدران ( ،)88و"أضواء البيان" ( ،)248/5و"مذكرة الشنقيطي" (.)56
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)181/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)397/13و"شرح الكوكب
املنري" (.)139/2
110
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ومذهبه الذي ليس هو عن هللا تعاىل وال عن رسوله قرآًن ،والصحابة -رضي
هللا عنهم -ال جيوز نسبة الكذب إليهم يف حديث النيب وال يف غريه ،فكيف
يكذبون يف جعل مذاهبهم قرآًن ،هذا ابطل يقينًا"(.)1
أما ابلنسبة لتجويز الصحايب القراءة ابملعىن ،فمعلوم أن ذلك جيوز يف احلديث
دون القرآن ،ومعلوم حرص الصحابة وضبطهم -رضوان هللا عليهم(.)2
لك ــن م ــن املمك ــن االس ــتدالل ل ــرد الق ـراءة الش ــاذة أبدل ــة أخ ــرى غ ــري م ــا
تقدم.
املسألة اخلامسة
هل يف الق آن جماز؟
ميكن ضبط الكالم على هذه املسألة يف ست فقرات:
-1تع يف اجملاز(:)3
اجملاز هو اللفظ املستعمل يف غري موضعه على ٍ
وجه يصح.
كاستعمال لفظ "أسد" يف الرجل الشجاع.
-2ش ط محل الكالم على اجملاز(:)4
القاعدة يف محل الكالم على املعىن اجملازي :أن اجملاز ال يصار إليه إال عند
امتناع محل اللفظ على احلقيقة.
فمىت أمكن محل اللفظ على احلقيقة امتنع محله على اجملاز ،ووجب محله على
احلقيقة ،ومىت امتنع محله على احلقيقة محل على اجملاز مع وجود القرينة الدالة على
(" )1روضة الناظر" (.)181/1
( )2انظر املصدر السابق.
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)16 ،15/2و"مفتاح العلوم" ( ،)359و"خمتصر ابن اللحام"
(.)42
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)21/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)360/6و"مفتاح العلوم"
( ،)360 ،359و"خمتصر الصواعق" ( ،)79و"القواعد والفوائد األصولية" (،)123
"مذكرة الشنقيطي" (.)175
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
111
هذا االمتناع.
قال ابن النجار" :كاألسد مثالً فإنه للحيوان املفرتس حقيقة ،وللرجل
جمازا ،فإذا أطلق وال قرينة كان للحيوان املفرتس ،ألن األصل احلقيقية،
الشجاع ً
واجملاز خالف األصل"(.)1
-3اجملاز ٍ
منتف عن آَيي الصفاي(:)2
إذا علم ما مضى فإن اجملاز ال يدخل آايت الصفات؛ إذ من املمكن محلها
على حقيقتها – إذ ال يلزم منه حمال – فوجب ألجل ذلك محل هذه الصفات على
احلقيقة وامتنع محلها على اجملاز ،وهذا مذهب السلف.
-4اجملاز واقع يف الق آن فيما عدا آَيي الصفاي(:)3
إذا علم أن اجملاز غري واقع يف آايت الصفات ،فإن ما عدا آايت الصفات
يدخله اجملاز بشرطه ،وهو أن يتعذر محل الكالم على احلقيقة .وهذا مذهب طائفة
من أهل السنة.
قال اإلمام الشافعي" :ابب الصنف الذي يبني سياقه معناه :قال هللا تبارك
ِ
تح ِ
الس ْب ِ
ت إِ ْ َأتْتِي ِه ْر
اض َ َة الْبَ ْح ِ إِ ْ يَـ ْع ُدو َن ِيف َّ
وتعاىلَ :و ْ
اسأَ ْهلُ ْر َع ِن الْ َق ْ يَة الَِّيت َكانَ ْ َ
ك نَـ ْبـلُ ُ ِ
س ُقو َن
ِحيتَانُـ ُه ْر يَـ ْوَم َس ْبتِ ِه ْر ُش َّ ًعا َويَـ ْوَم ل يَ ْسبِتُو َن ل َأتْتِي ِه ْر َك َذلِ َ
وه ْر مبَا َكانُوا يَـ ْف ُ
[األعراف.]163 :
فابتدأ جل ثناؤه ذكر األمر مبسألتهم عن القرية احلاضرة البحر ،فلما قال :إِ ْ
الس ْب ِت اآلية؛ دل على أنه إمنا أراد أهل القرية؛ ألن القرية ال تكون عادية
يَـ ْع ُدو َن ِيف َّ
(" )1شرح الكوكب املنري" (.)294/1
( )2انظر" :أتويل مشكل القرآن" ( ،)111 ،106و"احلجة يف بيان احملجة" (،)446/1
و"ملعة االعتقاد" ( ،)4 ،3و"جمموع الفتاوى" ( ،)201 ،200/5و"الصواعق"
( ،)1289/4و"منع جواز اجملاز" (.)54
( )3انظر" :خلق أفعال العباد" ( ،)169و"أتويل مشكل القرآن" (،)132 ،109 ،103
و"الفقيه واملتفقه" ( ،)64/1و"روضة الناظر" ( ،)182/1و"قواعد األصول" (،)51
و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)43و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)121و"شرح الكوكب
املنري" ( ،)191/1و"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" (.)88
112
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وال فاسقة ابلعدوان يف السبت وال غريه ،وأنه إمنا أراد ابلعدوان أهل القرية الذين
بالهم مبا كانوا يفسقون"(.)1
وقال اخلطيب البغدادي مستدالً لوقوع اجملاز يف القرآن:
جماورا
".....ألن اجملاز لغة العرب وعادهتا؛ فإهنا تسمى ابسم الشيء إذا كان ً
له ،أو كان منه بسبب ،وحتذف جزءًا من الكالم طلبًا لالختصار إذا كان فيما أبقي
دليل على ما ألقي ،وحتذف املضاف وتقيم املضاف إليه مقامه ،وتعربه إبعرابه ،وغري
ذلك من أنواع اجملاز ،وإمنا نزل القرآن أبلفاظها ومذاهبها ولغاهتا ،وقد قال هللا
ض[ الكهف ،]77 :وحنن نعلم ضرورة أن اجلدار ال
تعاىلِ :ج َد ًارا يُ ِي ُد أَ ْن يَـ ْنـ َق َّ
إرادة له"(.)2
-5إثباي اجملاز ل يل م منه أتويل الصفاي أو نفيها:
علم مما تقدم أن آايت القرآن الكرمي قسمان:
قسم ال جيوز دخول اجملاز فيه وهو آايت الصفات.
وقسم جيوز دخول اجملاز فيه وهو ما عدا آايت الصفات كما تقدم يف النقل
اح ُّ
الذ ِل ِم َن
عن الشافعي واخلطيب البغدادي ،وكقوله تعاىلَ :وا ْخ ِف ْ
ض َهلَُما َجنَ َ
ِ
اسأ َِل الْ َق ْ يَةَ[ يوسف ،]82 :وقوله تعاىل:
ال َّ ْمحَة[ اإلسراء ،]24 :وقوله تعاىل َ و ْ
َح ٌد ِم ْن ُك ْر ِم َن الْغَائِ ِط[ النساء ،43 :املائدة.]6 :
اء أ َ
أ َْو َج َ
()3
فهذا كله جماز ألنه استعمال للفظ يف غري موضوعه ،لوجود قرينة منعت
من استعماله يف حقيقته(.)4
وإذا علم ذلك فال تالزم بني القسمني ،إذ ميكن إثبات صفات هللا تعاىل
على حقيقتها ووجهها الالئق به سبحانه ونفي اجملاز عنها ،ويف الوقت نفسه
اسأ َِل الْ َق ْ يَةَ
ميكن إثبات اجملاز فيما عدا آايت الصفات ،كقوله تعاىلَ :و ْ
(" )1الرسالة" (.)63 ،62
(" )2الفقيه واملتفقه" (.)65/1
( )3انظر" :روضة الناظر" (.)182/1
( )4قد أشار إىل بعض القرائن اإلمام الشافعي واخلطيب البغدادي فيما سبق نقله عنهما قريبًا.
وانظر" :أتويل مشكل القرآن" ( ،)133 ،132و"خمتصر الصواعق" (.)79
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
113
[يوسف ،]82 :إذ ال يلزم من إثبات اجملاز يف أحد القسمني إثباته يف القسم
اآلخر؛ ألن إثبات اجملاز حيتاج إىل قرينة ،وهذه القرينة عند أهل السنة منتفية عن
آايت الصفات( ،)1أما من عدا أهل السنة فإهنم يثبتون اجملاز يف آايت الصفات
لوجود القرينة املانعة من محل اللفظ على حقيقته(.)2
وبذلك يعلم أن املثبتني للمجاز يف القرآن فريقان:
فريق مل حيمله إثباته للمجاز يف القرآن على نفي الصفات أو أتويلها ،بل
أثبت صفات هللا الواردة يف القرآن الكرمي على حقيقتها الالئقة به سبحانه ومنع من
دخول اجملاز فيها .وهذا مذهب املثبتني للمجاز من أهل السنة.
والفريق اآلخر محله ما تقرر لديه من شبهات عقلية وغريها على أتويل
صفات هللا سبحانه الواردة يف القرآن الكرمي ،أو نفي حقيقتها فأثبت اجملاز فيها.
وهذا مذهب املثبتني للمجاز من املتكلمني ومن وافقهم ،ومن هنا كان القول ابجملاز
– عند هؤالء فقط – ذريعة إىل أتويل الصفات أو نفيها.
وبذلك تتبني خطورة إثبات اجملاز يف القرآن الكرمي مطل ًقا دون تفصيل(.)3
أيضا أن اخلالف لفظي بني أهل السنة يف إثبات اجملاز يف القرآن الكرمي
ويعلم ً
ونفيه.
وهذا ما سيأيت توضيحه يف الفقرة الالحقة.
-6اخلالف نني أهل السنة يف إثباي اجملاز ونفيه خالف لفظب:
ونيان لك:
( )1إذ ميكن يف قوله تعاىل :وجاء رنك[ الفجر ،]22 :إضافة صفة اجمليء إىل الرب تعاىل
وذلك على الوجه الالئق به سبحانه ،فهذا هو الواجب؛ ألنه قد دل عليه النص القرآين مث
هو ممكن عقالً ألنه ال يلزم من اتفاق الصفات التماثل يف الكيفية .انظر" :جمموع
الفتاوى" ( ،)133 ،25/3و"خمتصر الصواعق" (.)21 – 18
( )2وهذه القرينة عندهم هي أن العقل حييل إضافة صفة اجمليء إىل هللا سبحانه وتعاىل؛ ألن
أيضا ،هذه هي شبهة املعطلني
ذلك يستلزم تشبيه هللا مبخلوقاته اليت تتصف ابجمليء ً
لصفات هللا ،وال شك أن ذلك غري الزم عقالً كما تقدم يف التعليق السابق .انظر" :غاية
املرام" لآلمدي (.)138
( )3انظر" :أتويل مشكل القرآن" (.)103
114
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أن أتويل صفات هللا تعاىل ونفيها ابب واسع ،ميكن الدخول إليه عن طريق
اجملاز – كما فعل ذلك أهل التعطيل والتأويل – وميكن ذلك عن طريق التأويل،
وعن طريق القول أبن نصوص الكتاب والسنة أدلة لفظية ،ال تفيد اليقني فال تثبت
هبا العقائد ،وغري ذلك(.)1
وملا كان اجملاز من أعظم الطرق وأكثرها استعماالً ،ومن أوسع األبواب
اليت وجل منها املؤولون للصفات والنافون هلا ،قام بسد هذا الباب ،وقطع هذا
الطريق ،وقال مبنع وقوع اجملاز مطل ًق ا يف القرآن الكرمي ويف اللغة بعض علماء
طاغوات ،فقال" :فصل يف كسر الطاغوت
أهل السنة ،لذلك عد ابن القيم اجملاز
ً
الث الث الذي وضعته اجلهمية لتعطيل حقائق األمساء والصفات وهو طاغوت
اجملاز"(.)2
قال ابن رجب" :ومن أنكر اجملاز من العلماء فقد ينكر إطالق اسم اجملاز
لئال يوهم هذا املعىن الفاسد ،ويصري ذريعة ملن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة
ومدلوالهتما.
ويقول :غالب من تكلم ابحلقيقة واجملاز هم املعتزلة ،وحنوهم من أهل البدع،
وتطرفوا بذلك إىل حتريف الكلم من مواضعه ،فيمتنع من التسمية ابجملاز ،وجيعل
مجيع األلفاظ حقائق(.)3
ويقول :اللفظ إن دل بنفسه فهو حقيقة لذلك املعىن ،وإن دل بقرينة فداللته
ابلقرينة حقيقة للمعىن اآلخر ،فهو حقيقة يف احلالني"(.)4
وقد صرح ابن قدامة بكون هذا اخلالف لفظيًا ،فقال بعد أن ذكر أمثلة على
وقوع اجملاز واستعماله يف القرآن الكرمي:
( )1انظر" :الصواعق املرسلة" (.)632/2
(" )2خمتصر الصواعق" (.)231
أسلواب عربيًا.
( )3انظر مثاالً على ذلك" :جمموع الفتاوى" ( ،)108 ،88/7وبعضهم يسميه ً
انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)60
(" )4ذيل طبقات احلنابلة" (.)175 ،174/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
115
"....وذلك كله جماز؛ ألنه استعمال للفظ يف غري موضوعه ،ومن منع فقد
جمازا()1؛ فهو نزاع يف عبارة ال فائدة يف املشاحة
كابر ،ومن سلم وقال :ال أمسيه ً
فيه .وهللا أعلم"(.)2
اضا على تقسيم اللفظ إىل حقيقة وجماز ما ملخصه" :إن هذا التقسيم
( )1قال ابن تيمية اعرت ً
يستلزم أن يكون اللفظ قد وضع أوالً ملعىن مث بعد ذلك قد يستعمل يف موضوعه وقد
يستعمل يف غري موضوعه ،وهذا كله إمنا يصح لو ثبت أن األلفاظ العربية وضعت أوالً
ٍ
ملعان مث بعد ذلك استعملت فيها فيكون هلا وضع متقدم على االستعمال ،وهذا إمنا
يصح على القول أبن اللغات اصطالحية.
أحدا النقل
أحدا من املسلمني قاله قبل أيب هاشم اجلبائي فإنه ال ميكن ً
وهذا القول ال نعرف ً
عن العرب أو أمة غريهم أنه اجتمع مجاعة منهم فوضعوا مجيع األمساء املوجودة يف اللغة مث
استعملوها بعد هذا الوضع ،إال أنه قد يقال :إن هللا يلهم احليواًنت من األصوات ما
يعرف به بعضها مراد بعض ،وكذلك اآلدميون فاملولود يسمع من يربيه ينطق ابللفظ
ويشري إىل املعىن فصار يعلم أن هذا اللفظ يستعمل يف ذلك املعىن ،وهكذا حىت يعرف
لغة القوم الذين نشأ بينهم دون أن يصطلحوا على وضع متقدم ،فعلم أن هللا أهلم النوع
اإلنساين التعبري عما يريده ويتصوره بلفظه ،وأن أول من علم ذلك آدم ،وأبناءه علموا كما
علم ،وإن اختلفت اللغات فهذا اإلهلام ٍ
كاف يف النطق ابللغات من غري مواضعة متقدمة
متقدما فقد قال ما ال علم له به ،وإمنا املعلوم
وضعا
وهذا قد يسمى توقي ًفا ،فمن ادعى ً
ً
هو االستعمال" اه .انظر"جمموع الفتاوى" (.)96 – 90/7
(" )2روضة الناظر" ( ،)183 ،182/1وانظر" :نزهة اخلاطر العاطر" (.)184 – 182/1
116
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين
السنة
ويف هذا املبحث ست مسائل:
املسألة األوىل :تعريف السنة.
املسألة الثانية :أقسام السنة.
املسألة الثالثة :حجية السنة.
املسألة ال انعة :منزلة السنة من القرآن.
املسألة اخلامسة :اخلرب املتواتر.
املسألة السادسة :خرب اآلحاد.
117
118
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف السنة
-1السنة يف اللغة :السنة لغة :الطريقة والسرية محيدة كانت أو ذميمية(.)1
-2السنة عند األصوليني :السنة يف اصطالح األصوليني هي "ما صدر
عن النيب غري القرآن"(.)2
وهذا يشمل :قوله ،وفعله ،وتقريره ،وكتابته ،وإشارته ،ومهه ،وتركه(.)3
وهذه األنواع قد يدخل بعضها يف بعض(.)4
-3السنة هب ا كمة :إذا وردت احلكمة يف القرآن مقرونة مع الكتاب
فهي السنة إبمجاع السلف( ،)5كقوله تعاىل :وأَنْـ َل هللا َعلَي َ ِ
ِ
ْمةَ
َ َ ُ ْ
ك الْكتَا َ َوا ْ ك َ
ضل ِ
هللا َعلَْي َك َع ِظ ًيما[ النساء ،]113 :قال
َو َعلَّ َم َ
ك َما َملْ تَ ُك ْن تَـ ْعلَ ُر َوَكا َن فَ ْ ُ
الشافعي" :فسمعت من أرضى من أهل العلم ابلقرآن يقول :احلكمة سنة رسول
هللا"(.)6
املسألة الثانية
أقسام السنة
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)292
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)86/1و"قواعد األصول" ( ،)38و"شرح الكوكب املنري"
(.)160/2
( )3زاد البعض :سنة اخللفاء الراشدين لقوله « :فعليكم بسنيت وسنة اخللفاء الراشدين؛
املهديني عضوا عليها ابلنواجذ»( .أييت خترجيه قريبًا) ،قال ابن رجب" :ويف أمره ابتباع
عموما دليل على أن
سنته وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره ابلسمع والطاعة لوالة األمر ً
سنة اخللفاء الراشدين متبعة ،كاتباع سنته" "جامع العلوم واحلكم" ( .)121/2وانظر:
"جمموع الفتاوى" ( ،)282/1و"درء االرتياب" لسليم اهلاليل (.)27 – 16
( )4فيدخل كل من الكتاب واإلشارة واهلم والرتك يف الفعل .انظر" :شرح الكوكب املنري"
(.)166 – 160/2
( )5انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)88 ،87/1و"جمموع الفتاوى" (،)175 ،82/19 ،366/3
و"الروح" البن القيم ( ،)75و"خمتصر الصواعق" ( ،)443و"تفسري ابن كثري"
( ،)567 ،201 ،190/1و"وسيلة احلصول" (.)9
(" )6الرسالة" (.)78
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
119
للسنة عدة تقسيمات ابعتبارات خمتلفة.
* فباعتبار ذاهتا تنقسم السنة إىل :قولية ،وفعلية ،وتقريرية ،وما سوى ذلك
ميكن إدراجه حتت هذه األقسام.
* وابعتبار عالقتها ابلقرآن الكرمي تنقسم السنة إىل ثالثة أقسام(:)2
القسر األول :السنة املؤكدة ،وهي املوافقة للقرآن من كل وجه ،وذلك
كوجوب الصالة فإنه اثبت ابلكتاب وابلسنة.
القسر الثاين :السنة املبينة أو املفسرة ملا أمجل يف القرآن ،وهي ما عرب عنها
الشافعي بقوله" :ومنه ما أحكم فرضه بكتابه ،وبني كيف هو على لسان نبيه ،مثل
عدد الصالة والزكاة ووقتها"(.)3
القسر الثالث :السنة االستقاللية ،أو الزائدة على ما يف القرآن ،وهي اليت
تكون موجبة حلكم سكت القرآن عن إجيابه ،أو حمرمة ملا سكت عن حترميه،
كأحكام الشفعة ومرياث اجلدة .وهذا القسم عرب عنه الشافعي بقوله" :ومنه ما سن
رسول هللا مما ليس فيه نص حكم"(.)4
* وابعتبار وصوهلا إلينا وعدد نقلتها ورواهتا تنقسم السنة إىل :متواتر،
وآحاد(.)5
()1
املسألة الثانية
حجية السنة
يف هذه املسألة سنتعرض لبيان حجية السنة على وجه العموم ،مث بيان حجية
السنة االستقاللية ،مث حجية أفعاله ،مث حجية تقريره ،مث حجية تركه ،فهذه أمور
مخسة ،أما الكالم على اخلرب املتواتر وأخبار اآلحاد فسيكون يف املسألة اخلامسة
( )1انظر" :خمتصر ابن اللحام" (.)74
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)92 ،91 ،22 ،21و"إعالم املوقعني" (.)307/2
(" )3الرسالة" (.)22
( )4املصدر السابق.
( )5انظر" :الفقيه واملتفقه" ( .)95/1وانظر (ص )146من هذا الكتاب حول صحة
تقسيم السنة إىل متواتر وآحاد.
120
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
والسادسة إن شاء هللا.
عموما:
أولً :حجية السنة ً
أمجع املسلمون على وجوب طاعة النيب ،ولزوم سنته(.)1
قال ابن تيمية" :وهذه السنة إذا ثبتت فإن املسلمني كلهم متفقون على
وجوب اتباعها"(.)2
جدا(:)3
واألدلة على وجوب اتباع السنة كثرية ً
فمن الق آن الك مي:
* األمر بطاعة الرسول ،قال تعاىل :قُل أ ِ
ول فَِإ ْن تَـ َولَّ ْوا فَِإ َّن
َط ُيعوا هللاَ َوال َّ ُس َ
ْ
هللا ل ُِحي ُّ ِ
ين[ آل عمران.)4(]32 :
َ
ب الْ َكاف ِ َ
ِ
َّ
ين
* ترتيب الوعيد على من خيالف أمر النيب ،قال تعاىل :فَـلْيَ ْح َذ ِر الذ َ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ير[ النور.)5(]63 :
ُخيَال ُفو َن َع ْن أ َْم ِه أَ ْن تُصيبَـ ُه ْر ف ْتـنَةٌ أ َْو يُصيبَـ ُه ْر َع َذا ٌ أَل ٌ
* نفي اخليار عن املؤمنني إذا صدر حكم عن رسول هللا ،قال تعاىل:
ضى هللاُ َوَر ُسولُهُ أ َْم ًا أَ ْن يَ ُكو َن َهلُ ُر ْ
اخلِيَـ َةُ ِم ْن
َ وَما َكا َن لِ ُم ْؤِم ٍن َول ُم ْؤِمنَ ٍة إِ َا قَ َ
أ َْم ِ ِه ْر[األحزاب.)6(]36 :
* األمر ابلرد إىل الرسول عند النزاع ،قال تعاىل :فَِإ ْن تَـنَ َاز ْعتُ ْر ِيف َش ْب ٍء
ِ
هللا وال َّ ُس ِ
ول[ النساء.)7(]59 :
فَـ ُدُّوهُ إِ َىل َ
* جعل الرد إىل الرسول عند النزاع من موجبات اإلميان ولوازمه ،قال
ول إِ ْن ُكْنـتر تُـ ْؤِمنو َن ابهلل والْيـوِم ِ
ِ
هللا والَّ ُس ِ
اآلخ ِ[ النساء.)8(]59 :
ُْ ُ
َ َْ
تعاىل :فَـ ُدُّوهُ إِ َىل َ
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)92 – 82/19و"إعالم املوقعني" (.)293 – 290/2
(" )2جمموع الفتاوى" (.)86 ،85/19
( )3انظر" :مسائل اإلمام أمحد" برواية ابنه عبد هللا ( ،)1361 – 1355/3و"معارج
القبول" (.)420 – 416/2
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)83/19و"إعالم املوقعني" (.)290/2
( )5انظر" :الرسالة" (.)84
( )6انظر" :الرسالة" ( ،)79و"إعالم املوقعني" (.)289/2
( )7انظر" :إعالم املوقعني" (.)49/1
( )8انظر" :إعالم املوقعني" (.)50/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
121
ومن السنة قوله :
«فعليكر نسنيت وسنة اخللفاء املهديني ال اشدين متسكوا هبا وعضوا عليها
ابلنواجذ»(.)1
وقوله « :دعوين ما ت كتكر ،فإَّنا أهلك من كان قبلكر سؤاهلر
واختالفهر على أنبيائهر ،فإ ا هنيتكر عن شبء فاجتنبوه ،وإ ا أم تكر نشبء
فأتوا منه ما استطعتر»(.)2
وقوله « :أل إين أوتيت الكتا ومثله معه ،ل يوشك رجل شبعان على
أريكته يقول :عليكر هبذا الق آن ،فما وجدمت فيه من حالل فأحلوه وما وجدمت
فيه من ح ام فح موه»(.)3
مثل ما ح م هللا»(.)4
وقوله « :أل وإن ما ح م ُ
رسول هللا ُ
هذه بعض النصوص الدالة على حجية السنة ،وبذلك يعلم أن االحتجاج
ابلسنة أصل اثبت من أصول هذا الدين وقاعدة ضرورية من قواعده.
قال اإلمام الشافعب:
أحدا – نسبه الناس أو نسب نفسه إىل علم – خيالف يف أن
"مل أمسع ً
فرض هللا عز وجل اتباع أمر رسول هللا ، والتسليم حلكمه؛ أبن هللا عز وجل مل
جيعل ألحد بعده إال اتباعه ،وأنه ال يلزم قول بكل حال إال بكتاب هللا أو سنة
رسوله ،وأن ما سوامها تبع هلما ،وأن فرض هللا علينا وعلى من بعدًن وقبلنا يف
قبول اخلرب عن رسول هللا واحد ،ال خيتلف يف أن الفرض والواجب قبول اخلرب
( )1أخرجه أبو داود يف سننه ( )201 ،200/4برقم ( ،)4607والرتمذي يف سننه ()44/5
برقم ( ،)2676وقال :حديث حسن صحيح.
( )2أخرجه البخاري يف صحيحه ( )251/13برقم ( ،)7288وقد سبق ختريج اجلملة
األخرية من هذا احلديث انظر (ص )88من هذا الكتاب.
( )3أخرجه أبو داود يف سننه ( )200/4برقم ( )4604وحنوه عند الرتمذي يف سننه
( )38 ،37/5برقم ( ،)2664 ،2663وقال :حسن صحيح ،وابن ماجه يف سننه
( )7 ،6/1برقم (.)13 ،12
( )4أخرجه ابن ماجه يف سننه ( )6/1برقم ( ،)12والرتمذي يف سننه ( )38/5برقم
( ،)2664وقال :حسن غريب.
122
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
عن رسول هللا ،إال فرقة سأصف قوهلا إن شاء هللا تعاىل"(.)1
اثنيًا :حجية السنة الستقاللية:
اتفق السلف على أن سنة النيب جيب اتباعها مطل ًقا ،ال فرق يف ذلك بني
السنة املوافقة أو املبينة للكتاب ،وبني السنة الزائدة على ما يف الكتاب(.)2
والدليل على لك :النصوص املتقدمة الدالة على حجية السنة؛ فإهنا عامة
مطلقة.
قال ابن عبد الرب" :وقد أمر هللا جل وعز بطاعته – أي :الرسول -
أمرا مطل ًقا جممالً ،مل يقيد بشيء ،كما أمرًن ابتباع كتاب هللا ومل يقل :وافق
واتباعه ً
كتاب هللا ،كما قال بعض أهل الزيغ.
قال عبد الرمحن بن مهدي :الزًندقة واخلوارج وضعوا ذلك احلديث ،يعين :ما
روي عنه أنه قال« :ما أاتكر عِ فاع ضوه على كتا هللا ،فإن وافق كتا
هللا فأان قلته ،وإن خالف كتا هللا فلر أقله ،وإَّنا أان موافق كتا هللا ونه
هداين هللا».
وهذه األلفاظ ال تصح عنه عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه.
وقد عارض هذا احلديث قوم ،من أهل العلم وقالوا :حنن نعرض هذا احلديث
على كتاب هللا قبل كل شيء ونعتمد على ذلك ،قالوا :فلما عرضناه على كتاب هللا
وجدًنه خمال ًفا لكتاب هللا؛ ألًن مل جند يف كتاب هللا أال يقبل من حديث رسول هللا
إال ما وافق كتاب هللا ،بل وجدًن كتاب هللا يطلق التأسي به واألمر بطاعته،
وحيذر املخالفة عن أمره مجلة على كل حال"(.)3
وقال ابن القيم بعد أن ذكر أقسام السنة مع القرآن.
ائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النيب جتب طاعته
"فما كان منها ز ً
(" )1مجاع العلم" (.)12 ،11
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)104و"إعالم املوقعني" ( ،)314/2 ،48/1و"شرح العقيدة
الطحاوية" (.)402
(" )3جامع بيان العلم وفضله" (.)191 ،190/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
123
فيه ،وال حتل معصيته.
وليس هذا تقدميًا هلا على كتاب هللا؛ بل امتثال ملا أمر هللا به من طاعة
رسوله ،ولو كان رسول هللا ال يطاع يف هذا القسم مل يكن لطاعته معىن،
وسقطت طاعته املختصة به ،وإنه إذا مل جتب طاعته إال فيما وافق القرآن ال فيما زاد
ول فَـ َق ْد
عليه مل يكن له طاعة خاصة ختتص به ،وقد قال هللا تعاىلَ :م ْن يُ ِط ِع ال َّ ُس َ
اع هللاَ[ النساء.]80 :
أَطَ َ
()1
ائدا على كتاب هللا فال
أحدا من أهل العلم أال يقبل حديثًا ز ً
وكيف ميكن ً
يقبل حديث حترمي املرأة على عمتها وال على خالتها( ،)2وال حديث التحرمي
ابلرضاعة لكل ما حيرم من النسب(.)4(".....)3
اثلثًا :حجية أفعال ال سول :
األصل يف حجية أفعاله ما تقدم من األدلة العامة الدالة على حجية
السنة؛ إذ األفعال قسم من أقسام السنة ،مث إن هناك أدلة تدل على وجوب االقتداء
به ومتابعته يف أفعاله على وجه اخلصوص( ،)5فمن ذلك:
ِ
أ -قوله تعاىل :لََق ْد َكا َن لَ ُكر ِيف رس ِ ِ
ول هللا أ ْ
ُس َوةٌ َح َسنَةٌ ل َم ْن َكا َن يَـ ْ ُجو هللاَ
ْ َُ
والْيـوم ِ
اآلخ َ [ األحزاب.]21 :
َ َْ َ
قال ابن كثري" :هذه اآلية أصل كبري يف التأسي برسول هللا يف أقواله وأفعاله
وأحواله"(.)6
َّيب ِ
األم ِب الَّ ِذي يُـ ْؤِم ُن ابهلل َوَكلِ َماتِِه
ب -وقوله تعاىل :فَ ِآمنُوا ابهلل َوَر ُسولِ ِه النِ ِ
َواتَّبِ ُعوهُ لَ َعلَّ ُك ْر تَـ ْهتَ ُدو َن[ األعراف.]158 :
قال ابن تيمية" :وذلك ألن املتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي
فعل؛ فإذا فعل فعالً على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة ،وإذا
( )1انظر مسألة الزايدة على النص فيما أييت (ص )264من هذا الكتاب.
( )2انظر" :صحيح البخاري" ( )160/9برقم (.)5108
( )3انظر" :صحيح البخاري ( )211/6برقم (.)3105
(" )4إعالم املوقعني" (.)308 ،307 /2
( )5انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)190/2
(" )6تفسري ابن كثري" (.)483/3
124
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قصد ختصيص مكان أو زمان ابلعبادة خصصناه بذلك"(.)1
وأفعاله أقسام ،لكل قس ٍم منها حكم خيصه ،وقبل بيان هذه األقسام ال
بد من تقرير أصول أربعة:
األصل األول :أن الواجب على هذه األمة متابعة نبيها والتأسي به يف
أفعاله وأقواله وأحواله ،ولزوم أمره وطاعته( ،)2هذا هو األصل.
ويدخل حتت هذا األصل:
()3
-1أم هللا لنبيه وهنيه له ،فإن األمة تشاركه ما مل يثبت االختصاص ،
قال ابن تيمية...." :وهلذا كان مجهور علماء األمة على أن هللا إذا أمره أبم ٍر أو هناه
عن شيء كانت أمته أسوة له يف ذلك ،ما مل يقم دليل على اختصاصه بذلك"(.)4
-2ويدخل حتت هذا األصل :أفعاله فإن األمة تتأسى أبفعاله إال ما
خصه الدليل(.)5
أيضا أم ه ألمته وهنيه هلا ،فإن طاعته
-3ويدخل حتت هذا األصل ً
عاما مطل ًقا ،بل إن طاعته يف أوامره أوكد من االقتداء به يف أفعاله؛
وجواب ً
واجبة ً
ألن أفعاله قد تكون خاصة به .
قال ابن تيمية" :وطاعة الرسول فيما أمرًن به هو األصل الذي على كل مسلم
أن يعتمده وهو سبب السعادة ،كما أن ترك ذلك سبب الشقاوة ،وطاعته يف أمره
أوىل بنا من موافقته يف فعل مل أيمرًن مبوافقته فيه ابتفاق املسلمني.
خمتصا به ،وقد
ومل يتنازع العلماء أن أمره أوكد من فعله؛ فإن فعله قد يكون ً
يكون مستحبًا.
وأما أمره لنا فهو من دين هللا الذي أمرًن به"(.)6
األصل الثاين :أن أفعاله تدل على حكم هذه األفعال ابلنسبة له ،
(" )1جمموع الفتاوى" (.)280/1
( )2انظر" :املسودة" (.)191
( )3انظر هذه املسألة فيما أييت (ص )418من هذا الكتاب.
(" )4جمموع الفتاوى" (.)322/22
( )5انظر" :زاد املعاد" (.)307 /3
(" )6جمموع الفتاوى" (.)321/22
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
125
ففعل النيب يدل على إابحته يف أدىن الدرجات ،وقد يدل على الوجوب
واالستحباب ،وال يدل على الكراهة فإنه ال يفعل املكروه ليبني اجلواز( ،)1إذ
حيصل التأسي به يف أفعاله؛ بل فعله لشيء ينفي كراهته(.)2
األصل الثالث :أن العلماء قد اختلفوا يف أمور فعلها هل هي من
خصائصه أم لألمة أن تفعلها()3؟ وذلك مثل تركه للصالة على الغال( ،)4ودخوله
إماما بعد أن صلى ابلناس غريه( ،)5وكذلك فإن العلماء اختلفوا يف بعض
يف الصالة ً
أفعاله هل االقتداء هبا يكون يف نوع الفعل أو يف جنسه؟ ألنه قد يفعل الفعل
ملعىن يعم ذلك النوع وغريه.
مثال ذلك :احتجامه ،)6(فإن ذلك كان حلاجته إىل إخراج الدم الفاسد ،مث
التأسي به هل هو خمصوص ابحلجامة ،أو املقصود إخراج الدم على الوجه النافع؟
ومن ذلك أن الغالب عليه وعلى أصحابه لبس الرداء واإلزار ،فهل
األفضل لكل أحد أن يرتدي وأيتزر ولو مع القميص ،أو األفضل أن يلبس مع
القميص السراويل من غري حاجة إىل اإلزار والرداء؟
فهذه مواضع تتعلق مبسألة االقتداء به يف أفعاله؛ وهي حباجة إىل اجتهاد
ونظر واستدالل وفقه.
األصل ال انع :التأسي برسول هللا هو أن تفعل كما فعل ألجل أنه فعل(.)7
فالتأسب إ ن ل ند فيه من أم ين:
( )1فعله للشيء ينفي الكراهة حيث ال معارض له وإال فقد يفعل شيئًا ،مث يفعل خالفه
لبيان اجلواز كوضوئه مرة ومرتني .قال أهل العلم :إن ذلك كان أفضل يف حقه من
التثليث لبيان التشريع .انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)194 – 192/2
( )2انظر" :املسودة" ( ،)191 ،190 – 189و"شرح الكوكب املنري" (.)192/2
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)331 – 324/22
( )4انظر يف ذلك ما رواه أبو داود يف سننه ( )68/3برقم ( ،)2710وابن ماجه ()950/2
برقم ( ،)2848والنسائي ( ،)64/4واحلديث صححه حمقق زاد املعاد .انظر" :زاد
املعاد" (.)108/3
( )5انظر" :صحيح البخاري" ( )172/2برقم (.)687
( )6انظر املصدر السابق ( )150/10برقم (.)5696
( )7انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)409/10 ،280/1و"شرح الكوكب املنري" (.)196/2
126
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1املتابعة يف صورة العمل.
-2املتابعة يف القصد.
فإذا طاف حول الكعبة واستلم احلجر وصلى خلف املقام ،كان التأسي
واالقتداء به أن يفعل هذا الفعل وأن يقصد به العبادة؛ ألنه فعل ذلك وقصد به
العبادة.
أما ما فعله حبكم االتفاق ومل يقصده مثل أن ينزل مبكان ويصلي فيه؛
قصدا منه لتخصيصه ابلصالة والنزول فيه ،فإن ختصيص ذلك
لكونه نزله ال ً
املكان ابلصالة ال يكون أتسيًا به ؛ ألنه مل يقصد ذلك املكان ابلعبادة.
قال ابن تيمية" :وهذا هو األصل ،فإن املتابعة يف السنة أبلغ من املتابعة يف
صورة العمل ،وهلذا ملا اشتبه على كثري من العلماء جلسة االسرتاحة :هل فعلها
استحبااب أو حلاجة عارضة؟ تنازعوا فيها ،وكذلك نزوله ابحملصب( )1عند اخلروج
ً
من مىن ملا اشتبه :هل فعله ألنه أمسح خلروجه أو لكونه سنة؟ تنازعوا يف
ذلك(.)2
ومن هذا وضع ابن عمر( )3يده على مقعد النيب .....)4(فإن هذا ملا مل
يكن مما يفعله سائر الصحابة ومل يكن النيب شرعه ألمته مل ميكن أن يقال :هذا
سنة مستحبة ،بل غايته أن يقال :هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة ،أو مما ال ينكر
على فاعله ألنه مما يسوغ فيه االجتهاد ،ال ألنه سنة مستحبة سنها النيب ألمته،
أحياًن لعارض إذا مل جيعل سنة راتبة.
أو يقال يف التعريف :إنه ال أبس به ً
( )1احملصب :موضع مبكة على طريق مىن ويسمى البطحاء .انظر" :املصباح املنري" (.)138
( )2انظر" :صحيح البخاري ( )419/3برقم ( ،)1560و( )591/3برقم (،1765
.)1766
( )3هو :عبد هللا بن عمر بن اخلطاب العدوي القرشي الصحايب الزاهد ،شهد اخلندق وما
بعدها من املشاهد مع رسول هللا ومل يشهد ما قبلها لصغر سنه ،كان من الصحابة
املكثرين من رواية احلديث ،وهو أحد العبادلة األربعة :ابن عباس وابن الزبري وابن عمرو
بن العاص ،تويف سنة (73ه) .انظر" :هتذيب األمساء واللغات" ( ،)278/1و"شذرات
الذهب" (.)81/1
( )4انظر" :صحيح البخاري" ( )567/1برقم ( )483فما بعد.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
127
وهكذا يقول أئمة العلم يف هذا وأمثاله ،اترة يكرهونه ،واترة يسوغون فيه
االجتهاد ،واترة يرخصون فيه إذا مل يتخذ سنة.
وال يقول عامل ابلسنة :إن هذه سنة مشروعة للمسلمني ،فإن ذلك إمنا يقال
فيما شرعه رسوله هللا ،إذ ليس لغريه أن يسن وال أن يشرع ،وما سنه خلفاؤه
الراشدون فإمنا سنوه أبمره؛ فهو من سننه ،وال يكون يف الدين واجبًا إال ما أوجبه،
مكروها إال ما كرهه ،وال
وال حر ًاما إال ما حرمه ،وال مستحبًا إال ما استحبه ،وال
ً
باحا إال ما أابحه"(.)1
م ً
أما أقسام أفعاله فإهنا على ثالثة أقسام(:)2
ذلك أن فعله ال خيلو إما أن يكون صدر منه مبحض اجلبلة ،أو صدر منه
خاصا به .فهذه ثالثة
عاما لألمة ،وقد يكون ً
مبحض التشريع ،وهذا قد يكون ً
أقسام(:)3
القسر األول :األفعال اجلبلية :كالقيام ،والقعود ،واألكل ،والشرب ،فهذا
القسم مباح؛ ألن ذلك مل يقصد به التشريع ومل نتعبد به ،ولذلك نسب إىل اجلبلة
وهي اخللقة.
(" )1جمموع الفتاوى" (.)282 – 281/1
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)132 – 130/1و"قواعد األصول" ( ،)39 ،38و"خمتصر
ابن اللحام" ( ،)74و"شرح الكوكب املنري" ( ،)179 ،178/2و"أضواء البيان"
(.)68/5
( )3هناك قسم رابع وهو احملتمل للجبلي والتشريعي .وضابط هذا القسم :أن تقتضيه اجلبلة
البشرية بطبيعتها ،لكنه وقع متعل ًقا بعبادة أبن وقع فيها أو يف وسيلتها ،كالركوب إىل احلج
ودخول مكة من كداء ،فهذا قد اختلفوا فيه :هل هو مباح أو مندوب؟ ومنشأ اخلالف
يف ذلك تعارض األصل والظاهر؛ فإن األصل عدم التشريع ،والظاهر يف أفعاله التشريع؛
ألنه مبعوث لبيان الشرعيات ،فمن رجح فعل ذلك واالقتداء به قال :ليس من اجلبلي بل
من الشرع ،ومن رأى أن ذلك حيتمل اجلبلي وغريه فيحمله على اجلبلي .انظر" :شرح
الكوكب املنري" ( ،)183 – 180/2و"أضواء البيان" ( .)69 ،68/5وانظر :األصل
الثالث والرابع مما تقدم يف هذا املوضوع (ص )125من هذا الكتاب.
128
أبس.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
لكن لو أتسى به ٍ
استكبارا فال
متأس فال أبس( ،)1وإن تركه ال رغبة عنه وال
ً
القسر الثاين :األفعال اخلاصة به اليت ثبت ابلدليل اختصاصه هبا كاجلمع
بني تسع نسوة ،فهذا القسم حيرم فيه التأسي به.
القسر الثالث :األفعال البيانية اليت يقصد هبا البيان والتشريع ،كأفعال
الصالة واحلج ،فحكم هذا القسم اتبع ملا بينه؛ فإن كان املبني واجبًا كان الفعل
مندواب فمندوب(.)2
املبني له واجبًا ،وإن كان ً
انعا :حجية تق ي ه :)3(
رً
واملقصود نتق ي ه :أن يفعل أحد الصحابة حبضرته فعالً أو يقول قوالً
فيمسك عن اإلنكار ويسكت( ،)4كإقراره إنشاد الشعر املباح(.)5
( )1ويثاب على قصده التأسي ،إذ ورد أن ابن عمر رضي هللا عنهما كان يلبس النعال
السبتية ،ويصبغ ابلصفرة ،فسئل عن ذلك فقال ..." :وأما النعال السبتية فإين رأيت
رسول هللا يلبس النعال اليت ليس فيها شعر ويتوضأ فيها فأًن أحب أن ألبسها ،وأما
الصفرة فإين رأيت رسول هللا يصبغ هبا فأًن أحب أن أصبغ هبا ."....رواه البخاري
( )267/1برقم (.)166
قائما.
قائما ،فإنه شرب ً
وورد عن اإلمام الشافعي أنه قال لبعض أصحابه :اسقين ،فشرب ً
أيضا عن اإلمام أمحد أنه تسرى واختفى ثالثة أايم مث انتقل إىل موضع آخر اقتداءً بفعل
وورد ً
النيب يف التسري واختفائه يف الغار ثال ًاث ،وقال :ما بلغين حديث إال عملت به حىت
دينارا .انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)182 ،181 /2
أعطى احلجام ً
قسما بعد هذه األقسام الثالثة وهو األفعال املطلقة اجملردة ،وهي
( )2أضاف بعض األصوليني ً
بياًن .وهذا القسم -يف نظري -راجع وال بد إىل واحد
خاصا به وال جبليًا وال ً
ما ليس ً
من هذه األقسام الثالثة إال أنه حيتاج إىل فقه ونظر من حيث:
أ -حكم هذا الفعل ابلنسبة للنيب فإن أمته مثله يف هذا احلكم.
ب -ظهور قصد النيب للقربة أو عدم ظهور هذا القصد ،فما ظهر فيه قصد القربة فهو دائر
بني الوجوب والندب ،وما مل يظهر فيه قصد القربة فهو مباح.
وميكن التمثيل هلذا القسم أبمثلة وردت يف األصل الثالث والرابع من هذا املوضوع.
( )3انظر األمثلة على ذلك يف" :إعالم املوقعني" (.)389 – 386/2
( )4انظر" :قواعد األصول" ( ،)39و"شرح الكوكب املنري" (.)166/2
( )5انظر" :صحيح البخاري" ( )548/1برقم (.)453
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
129
واألصل يف حجية إق اره )1(هو أنه ال جيوز يف حقه أتخري البيان عن
وقت احلاجة( ،)2إذ سكوته يدل على جواز ذلك الفعل أو القول ،خبالف سكوت
غريه ،لذلك بوب اإلمام البخاري يف صحيحه بقوله" :ابب من رأى ترك النكري من
النيب حجة ال من غري الرسول"(.)3
وكذلك فإن من خصائصه أن وجوب إنكار املنكر ال يسقط عنه ابخلوف
اَّلل يـ ْع ِ
ك ِم َن الن ِ
َّاي[ املائدة.)4(]67 :
ص ُم َ
على نفسه لقوله تعاىلَ :و َُّ َ
()5
وإمنا يكون سكوته وعدم إنكاره حجة فيدل على اجلواز بشرطني :
أ -أن يعلم بوقوع الفعل أو القول ،فإما أن يقع ذلك حبضرته ،أو يف غيبته
انتشارا يبعد معه أال يعلمه .
لكن ينقل إليه ،أو يف زمنه وهو عامل به النتشاره ً
ب -أال يكون الفعل الذي سكت عنه صادًرا من كافر ،ألن إنكاره ملا
يفعله الكفار معلوم ضرورة ،فالعربة يف فعل أحد املسلمني.
خامسا :حجية ت كه :
ً
()6
واملقصود ابلرتك :تركه فعل أمر من األمور .
()7
وهو نوعان ابلنسبة لنقل الصحابة رضي هللا عنهم له :
-1التصريح أبنه ترك كذا وكذا ومل يفعله ،كقول الصحايب يف صالة
العيد" :إن رسول هللا صلى العيد بال أذان وال إقامة"(.)8
-2عدم نقل الصحابة للفعل الذي لو فعله لتوفرت مهمهم ودواعيهم أو
أكثرهم أو و ٍ
احد منهم على نقله لألمة ،فحيث مل ينقله واحد منهم ألبتة وال حدث
( )1انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)196 – 194/2
( )2انظر هذه املسألة فيما أييت (ص )391من هذا الكتاب.
(" )3صحيح البخاري" (.)323/13
( )4انظر" :تفسري ابن كثري" (.)81/2
( )5انظر" :املسودة" ( ،)298و"قواعد األصول" ( ،)39و"شرح الكوكب املنري" (.)194/2
( )6انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)165/2
( )7انظر" :إعالم املوقعني" (.)391 – 389/2
( )8أخرجه أبو داود يف سننه ( )298/1برقم ( ،)1147وصححه النووي .انظر" :اجملموع"
( ،)13/5وأصل احلديث يف الصحيحني.
130
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أبدا علم أنه مل يكن.
به يف جممع ً
وذلك كرتكه التلفظ ابلنية عند دخوله يف الصالة ،وتركه الدعاء بعد الصالة
مستقبل املأمومني وهو يؤمنون على دعائه ،بعد الصبح والعصر أو يف مجيع الصلوات.
وتركه لفعل من األفعال يكون حجة ،فيجب ترك ما ترك كما جيب ما
فعل بشرطني(:)1
الش ط األول :أن يوجد السبب املقتضي هلذا الفعل يف عهده ،وأن تقوم
احلاجة إىل فعله ،فإذا كان احلال كذلك وتركه ومل يفعله كان تركه هلذا الفعل
سنة( )2جيب األخذ هبا ومتابعته يف ترك هذا الفعل .أما إن انتفى املقتضي ومل يوجد
السبب املوجب هلذا الفعل فإن ترك النيب حينئذ ال يكون سنة؛ ألن تركه كان
بسبب عدم وجود املقتضي إذ لو وجد املقتضي لفعله وذلك كرتكه قتال
مانعي الزكاة فقط؛ إذ إن هذا الرتك كان لعدم وجود السبب وعدم قيام املقتضي،
فلما فعل أبو بكر رضي هللا عنه( )3ذلك وقاتل مانعي الزكاة فقط( )4مل يكن خمال ًفا
لسنة رسول هللا .
أما ما أحدثه نعض األم اء من األذان للعيدين فإن هذا من البدع؛ ألن
ٍ
مقتض( ،)5فإنه ملا
رسول هللا ترك ذلك مع وجود ما يعتقد فاعل ذلك أنه
أمر ابألذان يف اجلمعة وصلى العيدين بال أذان وال إقامة كان ترك األذان فيهما
سنة ،فليس ألحد أن يزيد يف ذلك ،بل الزايدة يف ذلك كالزايدة يف أعداد الصلوات
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)172/26و"اقتضاء الصراط املستقيم" (.)597 – 591/2
( )2بشرط انتفاء املوانع كما سيأيت يف الشرط الثاين.
( )3هو :عبد هللا بن أيب قحافة عثمان بن عامر القرشي التيمي ،أبو بكر الصديق ،خليفة
رسول هللا عليه الصالة والسالم ،ورفيقه يف اهلجرة ،ومؤنسه يف الغار ،أول من أسلم من
الرجال ،تويف سنة (13ه) .انظر" :االستيعاب" ( ،)234/2و"اإلصابة" (.)333/2
( )4انظر" :صحيح البخاري" ( )275 /12برقم (.)6925 ،6924
( )5كأن يستدل فاعل ذلك على استحسانه ابلعمومات الدالة على فضل الذكر كقوله تعاىل:
كثريا[ األحزاب ،]41 :وقوله :ومن أحسن قوالً
ذكرا ً
اي أيها الذين آمنوا اذكروا هللا ً
ممن دعا إىل هللا[ فصلت ،]33 :والقياس على األذان يف اجلمعة .انظر" :اقتضاء
الصراط املستقيم" (.)596/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
131
أو أعداد الركعات.
ومثل ذلك ما حدثت احلاجة إليه بتفريط الناس كتقدمي اخلطبة على الصالة
يف العيدين ،فإنه قد فعل ذلك بعض األمراء( )1واعتذر أبن الناس قد صاروا
ينفضون قبل مساع اخلطبة ،وكانوا على عهد رسول هللا ال ينفضون حىت يسمعوا،
أو أكثرهم.
وال يكفي أن يرتك الفعل مع وجود املقتضي ال مع انتفائه ،بل ال بد من
شرط ٍ
اثن وهو:
انتفاء املوانع وعدم العوارض؛ ألنه قد يرتك فعالً من األفعال -مع وجود
املقتضي له -بسبب وجود مانع مينع من فعله.
وذلك كرتكه قيام رمضان مع أصحابه يف مجاعة -بعد ٍ
ليال -وعلل ذلك
خبشيته أن يفرض عليهم( ،)2فلما كان يف عهد عمر مجعهم على قارئ واحد( ،)3ومل
يكن هذا االجتماع هبذه اهليئة خمال ًفا لسنة رسول هللا .وهكذا َمجْع القرآن( ،)4فإن
املانع من مجعه كان على عهد رسول هللا أن الوحي ال يزال ينزل فيغري هللا ما يشاء
وحيكم ما يريد ،فلو مجع يف مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغيريه كل وقت ،فلما
استقر القرآن مبوته أمن الناس من زايدة القرآن ونقصه.
أما تركه لألذان يف العيدين فلم يكن لوجود مانع ،لذا كان هذا الرتك سنة
نبوية جيب اتباعه فيها عليه الصالة والسالم.
وخالصة القول :أن ت كه ل خيلو من ثالث حالي.
ا الة األوىل :أن يرتك الفعل لعدم وجود املقتضي له ،وذلك كرتكه
قتال مانعي الزكاة ،فهذا الرتك ال يكون سنة ،بل إذا قام املقتضي ووجد( )5كان فعل
أمريا للمدينة يف عهد معاوية رضي هللا عنه.
( )1هو :مروان بن احلكم ،فعل ذلك ملا كان ً
انظر" :صحيح البخاري" ( )448/2برقم (.)956
( )2أخرج ذلك البخاري يف صحيحه ( )264/13برقم (.)7290
( )3انظر" :صحيح البخاري" ( )250/4برقم (.)2010
( )4انظر املصدر السابق ( )10/9برقم (.)4986
( )5بشرط أال يكون وجود هذا املقتضي إمنا حصل بتفريط الناس كما تقدم بيانه قريبًا.
132
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
مشروعا غري خمالف لسنته ،كقتال أيب بكر ملانعي الزكاة ،بل إن هذا
ما تركه
ً
العمل يكون من سنته ألنه عمل مبقتضى سنته .
ا الة الثانية :أن يرتك الفعل مع وجود املقتضي له بسبب قيام مانع،
كرتكه فيما بعد قيام رمضان مجاعة بسبب خشيته أن يكتب على أمته؛ فهذا
مشروعا غري
الرتك ال يكون سنة ،بل إذا زال املانع مبوته كان فعل ما تركه
ً
خمالف لسنته كما فعل عمر يف مجعه للناس على إمام واحد يف صالة الرتاويح،
بل إن هذا العمل من سنته ألنه عمل مبقتضاها.
ا الة الثالثة :أن يرتك الفعل مع وجود املقتضي له وانتفاء املوانع فيكون
تركه - واحلالة كذلك– سنة ،كرتكه األذان لصالة العيدين.
وهذا القسم من سنته وهو السنة الرتكية أصل عظيم وقاعدة جليلة ،به
حتفظ أحكام الشريعة ويوصد به ابب االبتداع يف الدين.
قال ابن القيم" :فإن تركه سنة كما أن فعله سنة ،فإذا استحببنا فعل ما
تركه ،كان نظري استحبابنا ترك ما فعله ،وال فرق.
فإن قيل :من أين لكم أنه مل يفعله ،وعدم النقل ال يستلزم نقل العدم؟ فهذا
جدا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ،ولو صح هذا السؤال وقبل
بعيدا ً
سؤال ً
الستحب لنا مستحب األذان للرتاويح ،وقال :من أين لكم أنه مل ينقل؟
واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صالة ،وقال :من أين لكم أنه مل
ينقل؟ ......وانفتح ابب البدعة ،وقال كل من دعا إىل بدعة :من أين لكم أن
هذا مل ينقل؟"(.)1
وجتدر اإلشارة إىل أن سنة الرتك مبنية على مقدمات اثبتة راسخة(:)2
املقدمة األوىل :كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زايدات املبتدعني
أبدا ،ورضيه فال
واستدراكات املستدركني ،فقد أمت هللا هذا الدين فال ينقصه ً
(" )1إعالم املوقعني" (.)391 ،390/2
( )2انظر يف هذه املقدمات" :إعالم املوقعني" ( ،)377 – 375/4و"معارج القبول"
(.)357 – 346/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
133
أبدا(.)1
يسخطه ً
ت
ْت لَ ُك ْر ِدينَ ُك ْر َوأ َْمتَ ْم ُ
ومن األدلة على هذه املقدمة قوله تعاىل :الْيَـ ْوَم أَ ْك َمل ُ
َعلَْي ُكر نِ ْعم ِيت ور ِ
الم ِدينًا[ املائدة.]3 :
ض ُ
يت لَ ُك ُر ْ
اإلس َ
ْ َ ََ
()2
وقوله « وامي هللا لقد ت كتكر على مثل البيضاء ،ليلها وهنارها سواء» .
املقدمة الثانية :بيانه هلذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خري قيام ،فلم يرتك
كبريا إال وبلغه ألمته.
صغريا كان أو ً
أمرا من أمور هذا الدين ً
ً
ِ
ِ
ِ
ِ
ك
ومن األدلة على ذلك قوله تعاىلََ :ي أَيُّـ َها ال َّ ُس ُ
ك م ْن َرن َ
ول نَـل ْغ َما أُنْ ِ َل إلَْي َ
ت ِر َسالَتَهُ[ املائدة ،]67 :وقد امتثل هلذا األمر وقام به أمت
َوإِ ْن َملْ تَـ ْف َع ْل فَ َما نَـلَّغْ َ
القيام.
وقد شهدت له أمته إببالغ الرسالة وأداء األمانة واستنطقهم بذلك يف أعظم
احملافل ،يف خطبته يوم حجة الوداع(.)3
املقدمة الثالثة :حفظ هللا هلذا الدين وصيانته من الضياع ،فهيأ هللا له من
ٍ
األسباب والعوامل اليت يسرت نقله وبقاءه حىت يومنا هذا وإىل األبد إن شاء هللا،
ومن األدلة على ذلك قوله تعاىل :إِ َّان َْحنن نَـَّلْنَا ِ
الذْكَ َوإِ َّان لَهُ ََ ِافظُو َن[ احلجر،]9 :
ُ
والواقع املشاهد يصدق ذلك فإن هللا قد حفظ كتابه وسنة نبيه ،ووفق علماء
املسلمني إىل قواعد مصطلح احلديث ،وأصول الفقه ،وقواعد اللغة العربية.
املسألة ال انعة
من لة السنة من الق آن
واملقصود هبذه املسألة اجلواب على السؤال اآليت:
( )1انظر" :تفسري ابن كثري" (.)14/1
( )2أخرجه ابن ماجه يف سننه ( )4/1برقم ( ،)5وصححه األلباين .انظر" :السلسلة
الصحيحة" ( )308/2برقم (.)688
( )3انظر" :تفسري ابن كثري" ( ،)80/2وانظر خطبة الوداع يف" :صحيح البخاري"
( )573/3برقم ( ،)1741وفيها قوله « :أال هل بلغت؟» قالوا :نعم .قال« :اللهم
فاشهد».
134
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أيهما يقدم على اآلخر الكتاب أم السنة؟
ويتضح هذا اجلواب من خالل اعتبارات أربعة:
-1ابعتبار املصدرية فال شك أن القرآن والسنة يف منزلة واحدة إذ الكل
ِ
وحى[ النجم،3 :
وحي من هللا ،قال تعاىلَ :وَما يَـ ْنط ُق َع ِن ا ْهلََوى* إِ ْن ُه َو إِل َو ْح ٌب يُ َ
.]4
أ -وقد ذهب بعض أهل العلم( )1إىل أن الرسول مل يسن سنة إال بوحي
احتجاجا هبذه اآلية.
ً
ب -وقيل :بل جعل هللا لرسوله مبا افرتض من طاعته أن يسن فيما ليس
ك ال ِ
ْكتَا َ ِاب َْ ِق لِتَ ْح ُك َر
فيه نص كتاب ،والدليل على ذلك قوله تعاىل :إِ َّان أَنْـ َلْنَا إِلَْي َ
ني الن ِ
َّاي ِمبَا أ ََر َاك هللاُ[ النساء.]105 :
نَـ ْ َ
فخصه هللا أبن حيكر ن أيه ألنه معصوم وأن معه التوفيق.
جـ -وقيل :ألقي يف روعه كل ما سنه لقوله « :إن ال وح األمني قد
ألقى يف روعب أنه لن متوي نفق حىت تستويف رزقها ،فأمجلوا يف الطلب»(.)2
د -وقيل :مل يسن سنة قط إال وهلا أصل يف الكتا ،فجميع سنته بيان
َّ ِ
آمنُوا ل َأتْ ُكلُوا
ين َ
للكتاب ،فما سنه من البيوع فهو بيان لقوله تعاىلََ :ي أَيُّـ َها الذ َ
ِ
َح َّل هللاُ الْبَـ ْي َع َو َح َّ َم ال ِ َاب
أ َْم َوالَ ُك ْر نَـ ْيـنَ ُك ْر ِابلْبَاط ِل[ النساء * ،]29 :وقولهَ :وأ َ
[البقرة.]275 :
قال الشافعي بعد ذكر هذه األقوال أو بعضها" :وأي هذا كان فقد بني هللا
أنه فرض فيه طاعة رسوله .)3(".....
-2ابعتبار ا جية ووجوب االتباع فالقرآن والسنة يف ذلك سواء.
وقد بوب لذلك اخلطيب البغدادي ،فقال" :ابب ما جاء يف التسوية بني
( )1انظر" :الرسالة ( ،)104 – 92و"الفقيه واملتفقه" (.)94 – 90/1
( )2أخرجه الشافعي يف "الرسالة" ( )93برقم ( ،)306ورجح الشيخ أمحد شاكر صحة
إسناده .انظر تعليقه على كتاب "الرسالة" (.)97
(" )3الرسالة" (.)104
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
135
حكم كتاب هللا تعاىل وحكم سنة رسول هللا يف وجوب العمل ولزوم
التكليف"( ،)1وذكر حتت ذلك قوله « :أل إين أوتيت الق آن ومثله معه»(،)2
وقوله« :وإن ما ح م رسول هللا كما ح م هللا»(.)3
-3ابعتبار أن القرآن دل على وجوب العمل ابلسنة ،وأن السنة إمنا تثبت
حجيتها ابلقرآن.
فالقرآن هبذا االعتبار أصل للسنة ،واألصل مقدم على الفرع.
-4ابعتبار البيان فإن السنة مبينة ملا أمجل يف القرآن ،وهي خمصصة
لعمومه ،مقيدة ملطلقه ،والبيان واخلاص واملقيد مقدم على اجململ والعام واملطلق ،إذ
العمل هبذه الثالثة متوقف على تلك.
فصح هبذا النظر تقدمي السنة على الكتاب( ،)4إال أن اإلمام أمحد كره أن
يقال :السنة تقضي على الكتاب ،وقال« :ما أجسر على هذا أن أقول :إن السنة
قاضية على الكتاب! إن السنة تفسر الكتاب وتبينه»(.)5
واملقصود أن الكتاب والسنة متالزمان ال يفرتقان ،متفقان ال خيتلفان؛ كما
قال بعض السلف" :إمنا هو الكتاب والسنة ،والكتاب أحوج إىل السنة من السنة
إىل الكتاب"(.)6
(" )1الكفاية يف علم الرواية" (.)23
( )2تقدم خترجيه انظر (ص )121من هذا الكتاب.
( )3تقدم خترجيه انظر (ص )121من هذا الكتاب.
( )4انظر" :سنن الدارمي" (.)145/1
( )5انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)192 ،191/2و"الفقيه واملتفقه" (،)73/1
و"الكفاية" (.)30
( )6انظر" :الكفاية" (.)30
136
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة اخلامسة
اخلرب املتوات
والكالم على هذه املسألة ميكن ضبطه يف ست نقاط:
-1تع يف املتوات :
املتوات لغة :املتتابع(.)1
ويف اصطالح األصوليني" :خرب مجاعة مفيد بنفسه العلم"(.)2
ويف هذا التعريف احرتاز عن خرب الواحد؛ فإن املتواتر ال بد فيه من العدد
والكثرة ،وهذا ما عرب عنه يف التعريف بقيد "مجاعة".
أما قيد "مفيد بنفسه العلم" فاملقصود به االحرتاز عما أفاد العلم بواسطة
القرائن؛ إذ إن خرب التواتر يفيد العلم مبجرد العدد والكثرة ال ابلقرائن(.)3
-2أقسام املتوات :
()4
* ينقسر املتوات ابعتبار متنه إىل قسمني :
األول :املتوات اللفظب ،وهو ما اتفق فيه الرواة على اللفظ واملعىن ،كتواتر
القرآن الكرمي ،وقوله « :من كذ علب متعم ًدا فليتبوأ مقعده من النار»(.)5
والثاين :املتوات املعنوي ،وهو ما اتفق رواته على معناه دون ألفاظه ،وذلك
كأحاديث الشفاعة ،واحلوض ،والصراط ،وامليزان.
* وينقسر ابعتبار أهله إىل قسمني(:)6
توات عند العامة ،وتوات عند اخلاصة.
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)647
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( .)81وقد عرف بعضهم التواتر أبنه "إخبار مجاعة ال ميكن
تواطؤهم على الكذب" .انظر" :قواعد األصول" (.)40
( )3انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)325 ،324 /2وسيأيت يف (ص )140من هذا
الكتاب التنبيه على ما يف هذا الكالم نقالً عن ابن تيمية رمحه هللا.
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)95/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)69 ،16/18و"شرح الكوكب
املنري" (.)333 – 329/2
( )5أخرجه البخاري يف صحيحه ( )302/1برقم ( ،)110ومسلم يف صحيحه (،67/1
)68وللحديث ألفاظ أخرى .انظر ذلك يف املصدرين نفسيهما.
( )6انظر" :جمموع الفتاوى" (.)69/18
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
137
قال انن تيمية ...." :وهلذا كان التواتر ينقسم إىل :عام وخاص ،فأهل العلم
ابحلديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما مل يتواتر عند العامة ،كسجود السهو،
ووجوب الشفعة ،ومحل العاقلة العقل ،ورجم الزاين احملصن ،وأحاديث الرؤية،
وعذاب القرب ،واحلوض ،والشفاعة ،وأمثال ذلك.
وإذا كان اخلرب قد تواتر عند قوم دون قوم ،وقد حيصل العلم بصدقه لقوم دون
قوم؛ فمن حصل له العلم به وجب عليه التصديق به والعمل مبقتضاه ،كما جيب
ذلك يف نظائره.
ومن مل حيصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك ألهل اإلمجاع الذين أمجعوا
على صحته ،كما على الناس أن يسلموا األحكام اجملمع عليها إىل من أمجع عليها
من أهل العلم ،فإن هللا عصم هذه األمة أن جتتمع على ضاللة ،وإمنا يكون إمجاعها
أبن يسلم غري العامل للعامل؛ إذ غري العامل ال يكون له قول ،وإمنا القول للعامل.
فكما أن من ال يعرف أدلة األحكام ال يعتد بقوله ،فمن ال يعرف طرق العلم
بصحة احلديث ال يعتد بقوله ،بل على كل من ليس بعامل أن يتبع إمجاع أهل
العلم"(.)1
وقال انن القير ....." :فإن ما تلقاه أهل احلديث ابلقبول والتصديق فهو
حمصل للعلم مفيد لليقني ،وال عربة مبن عداهم من املتكلمني واألصوليني.
فإن االعتبار يف اإلمجاع على كل أمر من األمور الدينية أبهل العلم دون
غريهم ،كما مل يعترب يف اإلمجاع على األحكام الشرعية إال العلماء هبا دون املتكلمني
والنحاة واألطباء.
وكذلك ال يعترب يف اإلمجاع على صحة احلديث وعدم صدقه إال أهل العلم
ابحلديث وطرقه وعلله ،وهم علماء احلديث العاملون أبحوال نبيهم ،الضابطون
ألقواله وأفعاله"(.)2
(" )1جمموع الفتاوى" (.)51/18
(" )2خمتصر الصواعق" (.)466 ،465
138
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-3درجته:
اخلرب املتواتر يفيد العلر اليقيِ ،وهذا أمر متفق عليه بني العقالء ،إذ حصول
العلم ابخلرب املتواتر أمر يضطر إليه اإلنسان ،ال حيلة له يف دفعه(.)1
هذا ابلنسبة للمتوات من األخبار.
أما املتوات من ا ديث :فإنه كذلك يفيد العلم ويوجب العمل ،والعربة يف
التواتر أبهل العلم ابحلديث واألثر ،كما قرر ذلك ابن تيمية وابن القيم يف النصني
السابقني.
أما حكر العمل نه :فال شك أن احلديث املتواتر قسم من أقسام السنة،
والسنة حجة على ما تقدم(.)2
-4اختلف العلماء يف العلر ا اصل ابلتوات هل هو ض وري أو نظ ي؟:
وهذا اخلالف – إذا أتملناه – خالف لفظي ،إذ اجلميع متفق على أن
املتواتر يفيد العلم واليقني ،وإمنا اختلفوا يف نوع هذا العلم :فمن نظر إىل أن العقل
يضطر إىل التصديق به قال :إنه ضروري .ومن نظر إىل افتقار املتواتر إىل مقدمات
– وإن كانت تلك املقدمات بدهية – قال :إنه نظري(.)3
-5ش وط املتوات :
للمتوات ش وط مخسة(:)4
أ -أن خيرب املخربون عن علم ويقني ،ال عن ظن أو شك.
ب -أن يستند املخربون يف خربهم إىل احلس ،ال إىل العقل أو غريه.
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)244/1و"قواعد األصول" ( ،)41و"شرح الكوكب املنري"
(.)326 ،317/2
( )2انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)34 ،33/2وانظر (ص )120من هذا الكتاب.
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)250 – 2447/1و"خمتصر الصواعق" (،)455 – 453
و"شرح الكوكب املنري" (.)327/2
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)96/1و"روضة الناظر" ( ،)257 – 254/1و"خمتصر ابن
اللحام" (.)81
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
139
جـ -أن يكون املخربون كثرة ال قلة ،وليس هناك عدد معني حيدد هذه
الكثرة ،بل ضابط الكثرة ما حصل العلم خبربهم.
د -أن تكون هذه الكثرة مما حتيل العادة تواطؤهم على الكذب أو الكتمان.
ﻫ -أن توجد الشروط املتقدمة يف مجيع طبقات السند.
وال خيفي أن هذه الش وط للمتوات العام ،أما املتواتر اخلاص( )1فيضاف إىل
هذه الشروط أن يكون ًنقلوه من أهل العلم والتخصص ،وذلك على النحو الذي
تقدم بيانه من خالل النقل عن ابن تيمية وابن القيم(.)2
-6العلر حيصل نعدة ط ق(:)3
أ -حيصل العلم اترة ابلعدد الكثري دون قرائن ،وهذا ما يسمى ابلعدد
جمردا عن القرائن .وإذا كان األمر كذلك فإن العدد
الكامل الذي حيصل العلم به ً
الذي حصل به العلم يف واقعة من الوقائع دون قرائن ال بد وأن حيصل به العلم يف
كل واقعة ولكل أحد.
ب -وحيصل العلم اترة ابلقرائن وحدها ،كالعلم خبوف شخص أو خجله،
لظهور عالمات ذلك عليه(.)4
معا ،وهذا ما يسمى
جـ -وحيصل اترة مبجموع األمرين :ابملخربين وابلقرائن ً
معا(.)5
ابلعدد الناقص الذي احتفت به القرائن ،فحصل العلم ابألمرين ً
واملصطلح عليه عند أهل األصول :أن املتواتر ما حصل فيه العلم بكثرة العدد
فقط؛ يعين ابلعدد الكامل.
( )1يشرتط يف املتواتر اخلاص كنقل القرآن الكرمي واألحاديث النبوية ،اإلسالم والعدالة ،أما يف
عموم األخبار فال يشرتط يف الراوي ال إسالم وال عدالة ،وكالم األصوليني إمنا هو يف اخلرب
املتواتر على وجه العموم.
( )2انظر (ص )137من هذا الكتاب.
( )3انظر" :روضة الناظر" (1م ،)254 – 250و"جمموع الفتاوى" (48 ،41 ،40/18
– ،)70 ،69 ،51و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)81و"شرح الكوكب املنري" (335/2
– .)344 ،343 ،337
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)252/1و"شرح الكوكب املنري" (.)326 ،325/2
( )5انظر فيما يتعلق ابلقرائن واختالف الناس فيها (ص )151من هذا الكتاب .
140
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اترا،
أما ما عدا ذلك فهو وإن كان ً
مفيدا للعلم لكنه ال يسمى عندهم متو ً
العلم يف واقعة أفاد مثل هذا العدد
وعندهم ً
أيضا – كما تقدم – أن كل عدد أفاد َ
العلم يف كل واقعة ،إذا خال اخلرب عن القرائن .وهذا إمنا يكون العدد الكامل(.)1
َ
املسألة السادسة
خرب اآلحاد
ويف هذه املسألة نيان أمور أرنعة:
-1تعريف خرب اآلحاد.
-2حجية خرب الواحد.
-3شروط قبول خرب الواحد.
-4هل يفيد خرب الواحد العلم أو الظن؟
معا.
( )1يرى ابن تيمية أن املتواتر ما أفاد العلم سٍواء بكثرة العدد أو ابلقرائن أو هبما ً
قال رمحه هللا" :فلفظ املتواتر يراد به معان؛ إذ املقصود من املتواتر ما يفيد العلم.
اترا إال ما رواه عدد كثري يكون العلم حاصالً بكثرة
لكن من الناس من ال يسمي متو ً
عددهم فقط.
ويقولون :إن كل عدد أفاد العلم يف قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم يف كل قضية .وهذا
قول ضعيف.
والصحيح ما عليه األكثرون :أن العلم حيصل بكثرة املخربين اترة ،وقد حيصل بصفاهتم
لدينهم وضبطهم ،وقد حيصل بقرائن حتتف ابخلرب.
حيصل العلم مبجموع ذلك.
وقد حيصل لطائفة دون طائفة.
أيضا فاخلرب الذي تلقاه األئمة ابلقبول تصدي ًقا له أو عمالً مبوجبه يفيد العلم عند مجاهري
و ً
اخللف والسلف.
وهذا يف معىن املتواتر.
لكن من الناس من يسميه املشهور واملستفيض ،ويقسمون اخلرب إىل متواتر ،ومشهور،
وخرب واحد".
"جمموع الفتاوى" ( ،)49 ،48/18وانظر منه (،69 ،51 ،50 ،41 ،40/18
.)70
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
141
األمر األول :تعريف خرب اآلحاد:
اآلحاد مجع أحد مبعىن واحد ،والواحد هو الفرد().
ويف اصطالح األصوليني هو :ما عدا املتواتر().
فيشمل كل خرب مل تتوفر فيه شروط املتواتر.
األمر الثاين :حجية خرب الواحد:
والكالم على ذلك ينتظم يف ست فقرات:
أ -أمجع أهل العلر( )3على وجو العمل خبرب الواحد(:)4
قال الشافعب" :ولو جاز ألحد من الناس أن يقول يف علم اخلاصة :أمجع
املسلمون قدميًا وحديثًا على تثبيت خرب الواحد واالنتهاء إليه أبنه مل يعلم من فقهاء
املسلمني أحد إال وقد ثبته جاز يل.
ولكن أقول :مل أحفظ عن فقهاء املسلمني أهنم اختلفوا يف تثبيت خرب
الواحد ،مبا وصفت من أن ذلك موجود على كلهم"(.)5
وقال اخلطيب البغدادي" :وعلى العمل خبرب الواحد كان كافة التابعني ،ومن
بعدهم من الفقهاء اخلالفني يف سائر أمصار املسلمني إىل وقتنا هذا ،ومل يبلغنا عن
أحد منهم إنكار لذلك ،وال اعرتاض عليه.
فثبت أن من دين مجيعهم وجوبه ،إذ لو كان فيهم من كان ال يرى العمل به
لنقل إلينا اخلرب عنه مبذهبه فيه .وهللا أعلر"(.)6
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)651 ،650
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)96/1و"روضة الناظر" ( ،)260/1و"شرح الكوكب املنري"
(.)345/2
( )3على اختالف بينهم يف شروط العمل خبرب الواحد .وسيأيت بيان هذه الشروط قريبًا يف
األمر الثالث.
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)98 ،97/1و"جمموع الفتاوى" (،)341 ،340/11
و"شرح الكوكب املنري" (.)368 – 361/2
(" )5الرسالة" (.)458 ،457
(")6الكفاية" (.)48
142
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
احد:
خبرب الالوواحد:
العمل خبرب
وجوب العمل
على وجوب
األدلة على
ب --األدلة
ب
-1ما تواتر عنه من إنفاذه أمراءَه ورسله وقضاته وسعاته إىل األطراف
لتبليغ??الأحكام??وأخ ??الصدقاي??ودعوة??الناي .)1
احدا؛ احلجة قائمة خبربه
قال الشافعي" :ومل يكن رسول هللا ليبعث إال و ً
على من بعثه إن شاء هللا"(.)2
-2إمجاع الصحابة رضي هللا عنهم على قبول خرب الواحد عن رسول هللا
??واشتهار?? لك??عنهر??يف??وقائع??كثْية??،إن??مل??يتوات ??آحادها??حصل??العلر
??مبجموعها .)3
ومن ذلك حتول أهل قباء إىل القبلة خبرب واحد().
قال الشافعي" :ولو كان ما قبلوا من خرب الواحد عن رسول هللا يف حتويل
القبلة -وهو فرض -مما جيوز هلم؛ لقال هلم -إن شاء هللا -رسول هللا :قد كنتم على
قبلة ،ومل يكن لكم تركها إال بعد علم تقوم عليكم به حجة ،من مساعكم مين ،أو
خرب عامة ،أو أكثر من خرب واحد عين"(.)5
-3قوله تعاىلَ :وَما َكا َن ال ُْم ْؤِمنُو َن لِيَـ ْن ِف ُوا َكافَّةً فَـلَ ْول نَـ َف َ ِم ْن ُك ِل فِ ْ قَ ٍة ِم ْنـ ُه ْر طَائَِفةٌ
لِيـتـ َف َّقهوا ِيف ِ
الدي ِن َولِيُـ ْن ِذ ُروا قَـ ْوَم ُه ْر إِ َا َر َج ُعوا إِلَْي ِه ْر لَ َعلَّ ُه ْر َْحي َذ ُرو َن[ التوبة.]122 :
ََ ُ
و لك من وجهني(:)6
األول :أن هللا أمر الطائفة –وهي تقع على القليل والكثري– إنذار قومهم،
وهذا دليل على أن على قومهم املنذرين قبوله.
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)419 – 410و"روضة الناظر" ( ،)278 ،277/1و"حتفة
الطالب" ( ،)201 – 197و"شرح الكوكب املنري" (.)375/2
(" )2الرسالة" (.)415
( )3انظر" :الكفاية" ( ،)45 – 43و"روضة الناظر" ( ،)274 – 268/1و"شرح الكوكب
املنري" (.)375 – 369/2
( )4انظر يف ذلك حديث ابن عمر الذي أخرجه مسلم يف :صحيحه (.)10/5
(" )5الرسالة" (.)408
( )6انظر" :الفقيه واملتفقه" (.)98 ،97/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
143
والثاين :أن قوله :لَ َعلَّ ُه ْر َْحي َذ ُرو َن معناه إجياب احلذر ،ولوال قيام احلجة
عليهم ما استوجبوا احلذر.
-4قوله « :نض هللا ام ًءا ْسع مقاليت فوعاها ،وحفظها ،ونلغها ،ف
حامل فقه إىل من هو أفقه منه»(.)1
قال الشافعي" :فلما ندب رسول هللا إىل استماع مقالته وحفظها وأدائها امرءًا
يؤديها -واالمرؤ واحد -دل على أنه ال أيمر أن يؤدي عنه إال ما تقوم به احلجة
على من أدى إليه؛ ألنه إمنا يؤدي عنه حالل ،وحرام جيتنب ،وحد يقام ،ومال
يؤخذ ويعطي ،ونصيحة يف دين ودنيا"(.)2
جـ -أن خرب الواحد حجة يف األحكام والعقائد ،دون تف يق نينهما:
وهذا أمر جممع عليه عند السلف(.)3
قال ابن عبد الرب" :ليس يف االعتقاد كله يف صفات هللا وأمسائه إال ما جاء
منصوصا يف كتاب هللا ،أو صح عن رسول هللا أو أمجعت عليه األمة.
ً
ينـاظر
وما جاء من أخبار اآلحاد يف ذلك كله أو حنوه يسلم لـه وال
( )1أخرجه هبذا اللفظ الرتمذي يف سننه وحسنه ( )34/5برقم ()34 ،33/5( ،)2658
برقم ( ،)2657 ،2656وأخرجه أبو داود يف سننه ( )322/3برقم ( ،)3660وقد
روى هذا احلديث عدد من الصحابة ،وعده بعض أهل العلم من املتواتر .انظر" :تدريب
الراوي" ( ،)179/2كتاب "األدلة والشواهد" لسليم اهلاليل ( .)35ولالستزادة انظر
كتاب" :دراسة حديث :نضر هللا امرءًا مسع مقاليت ،رواية ودراية" .للشيخ عبد احملسن
العباد.
(" )2الرسالة" (.)403 ،402
( )3انظر" :خمتصر الصواعق" ( ،)509 ،502و"شرح الكوكب املنري" ( ،)352/2و"لوامع
األنوار" ( ،)19/1و"مذكرة الشنقيطي" ( .)104ولالستزادة يف هذا املوضوع انظر
كتاب" "وجوب األخذ حبديث اآلحاد يف العقيدة والرد على شبه املخالفني" لأللباين،
و"أصل االعتقاد" لألشقر ،و"األدلة والشواهد على وجوب العمل خبرب الواحد يف
األحكام والعقائد" لسليم اهلاليل « :وحجية أحاديث اآلحاد يف األحكام والعقائد»
لألمني احلاج حممد أمحد ،و"حجية اآلحاد يف العقدية ورد شبهات املخالفني" للوهييب.
144
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فيه"(.)1
والدليل على وجوب قبول خرب الواحد يف أبواب االعتقاد األدلة املوجبة
للعمل خبرب الواحد؛ فإهنا عامة مطلقة ،مل تفرق بني ابب وابب ومسألة وأخرى(،)2
مث إنه يرتتب على القول برد خرب الواحد يف العقائد رد كثري من العقائد اإلسالمية
الصحيحة(.)3
قال ابن القيم" :وأما املقام الثامن وهو انعقاد اإلمجاع املعلوم املتيقن على
قبول هذه األحاديث وإثبات صفات الرب تعاىل هبا ،فهذا ال يشك فيه من له أقل
خربة ابملنقول.
فإن الصحابة هم الذين رووا هذه األحاديث وتلقاها بعضهم عن بعض
ابلقبول ومل ينكرها أحد منهم على من رواها.
مث تلقاها عنهم مجيع التابعني من أوهلم إىل آخرهم ،ومن مسعها منهم تلقاها
ابلقبول والتصديق هلم ،ومن مل يسمعها منهم تلقاها عن التابعني كذلك.
وكذلك اتبعوا التابعني مع التابعني.
وهذا أمر يعلمه ضرورة أهل احلديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم
وأمانتهم ونقلهم ذلك عن نبيهم ،كنقلهم الوضوء ،والغسل من اجلنابة ،وأعداد
الصلوات وأوقاهتا ،ونقل األذان والتشهد ،واجلمعة والعيدين.
فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات؛ فإن جاز عليهم
ٍ
وحينئذ فال
اخلطأ والكذب يف نقلها جاز عليهم ذلك يف نقل غريها مما ذكرًنه،
وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا ألبتة.
وهذا انسالخ من الدين والعلم والعقل"(.)4
(" )1جامع بيان العلم وفضله" (.)96/2
( )2انظر" :خمتصر الصواعق" ( .)495 ،489 ،485وانظر مراجع الفقرة (د) التالية
املذكورة يف أوهلا.
( )3انظر" :خمتصر الصواعق" (.)446 – 444
(" )4خمتصر الصواعق" (.)502
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
145
والتفريق بني أحاديث األحكام والعقائد أمر حادث فهو بدعة يف دين هللا؛
ألن هذا الفرق ال يعرف عن أحد من الصحابة رضي هللا عنهم وال عن أحد من
التابعني وال عن اتبعيهم ،وال عن أحد من أئمة اإلسالم ،وإمنا يعرف عن رؤوس
أهل البدع ومن تبعهم(.)1
د -خرب الواحد حجة يف مجيع األحكام وخمتلف األنوا واملسائل:
ال فرق يف ذلك بني ما عمت به البلوى وما مل تعم البلوى به ،وبني ما
يسقط ابلشبهات وما ال يسقط هبا ،وبني ما زاد على القرآن وما كان مبينًا له أو
مواف ًقا ،وبني ما يقال :إنه خمالف للقياس أو موافق له ،فاملقصود أن أهل السنة
أيخذون ابحلديث إذا صح ومل يوجد حديث صحيح ًنسخ له.
والدليل على لك :عموم األدلة الدالة على وجوب األخذ خبرب الواحد؛
فإهنا مل تقيد ذلك مبسألة أو بشرط ،بل إن الثابت عن الصحابة والتابعني ومن
بعدهم من األئمة املهتدين العمل أبحاديث اآلحاد الصحيحة وقبوهلا دون شرط أو
تفريق بني مسألة وأخرى(.)2
نعم قد ترك بعض السلف األخذ ببعض األحاديث ،إال أن هذا ليس اتفاقًا
مجيعا على ذلك ،بل الذين قبلوه أضعاف أضعاف الذين ردوه.
منهم ً
قطعا قول األكثرين دون قول اآلخرين ،فإن حديث رسول هللا إذا
والراجح ً
أبدا؛ إال حبديث مثله ًنسخ له ،وال جيوز رده بغري ذلك البته(.)3
صح ال يرد بشيء ً
قال اإلمام الشافعي" :إذا وجدمت سنة رسول هللا فاتبعوها ،وال تلتفتوا إىل
أحد"(.)4
وقال اإلمام أمحد" :من رد حديث رسول هللا فهو على شفا هلكة"(.)5
وأما االستشهاد ببعض ما ينقل عن بعض األئمة :أهنم تركوا األخذ ابحلديث
( )1انظر" :خمتصر الصواعق" (.)503
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)219و"جامع بيان العلم وفضله" (،)191 ،190 ،148/2
و"جمموع الفتاوى" ( ،)29 ،28/13و"خمتصر الصواعق" (.)509 – 502
( )3انظر" :خمتصر الصواعق" (.)506
( )4انظر املصدر السابق (.)449
( )5انظر املصدر السابق (.)508
146
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
يف بعض املسائل؛ فهذا ال يستقيم؛ ألن ما نقل عن بعض األئمة ال يطرد؛ إذ من
ٍ
مسألة ما فذلك ٍ
لسبب ما ،لذا فقد عمل هؤالء
ترك من األئمة األخذ ابحلديث يف
األئمة أنفسهم ابحلديث وأخذوا به يف مسائل أخرى مماثلة.
فاإلمام أبو حنيفة مثالً حكي عنه رد خرب الواحد فيما عمت به البلوى(،)1
ٍ
حبديث ما ألسباب :منها عدم وصوله إليه ،أو
والواقع أن أاب حنيفة رمبا ترك األخذ
عدم ثبوته لديه ،أو لوجود معارض له أقوى منه يف نظره ،وجند أن أاب حنيفة يعمل
خبرب الواحد يف مسائل كثرية مما عمت به البلوى(.)2
فنسبة هذا القول أليب حنيفة ال تصح بل هو كذب عليه وعلى صاحبيه ،إذ
مل يقل ذلك أحد منهم ألبتة ،وإمنا هو قول متأخريهم(.)3
وعلى كل فإن االحتجاج لرد خرب الواحد مبا نقل عن بعض األئمة – فيما لو
ثبت ذلك عن بعضهم – ال يقاوم األدلة القاطعة املوجبة لألخذ املطلق والعمل التام
خبرب الواحد يف مجيع املسائل دون تفريق أو ختصيص.
مث يقال :إن التفريق قول البعض ،واألكثرون على خالف ذلك ،إذ عامة أهل
العلم ال يفرقون بني مسألة وأخرى(.)4
هـ -تقسير السنة النبوية إىل قسمني :متوات وآحاد ،له اعتباران:
صحيحا مقبولً ال غبار عليه ،وابالعتبار
ابالعتبار األول يكون هذا التقسيم
ً
دودا.
الثاين يكون هذا التقسيم ابطالً م ً
أما العتبار الصحيح :فهو ابلنظر إىل عدد الرواة ،فاحلديث الذي رواه عدد
كبري حتيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم ،فهو متواتر ،وما مل يكن هبذه
الصفة فهو آحاد.
فهذا التقسيم هبذا االعتبار يرجع إىل االصطالح ،فما استوىف شروط التواتر
( )1انظر" :كشف األسرار" للبخاري (.)16/3
( )2انظر" :روضة الناظر" (.)327/1
( )3انظر" :خمتصر الصواعق" (.)504
( )4انظر املصدر السابق ( ،)506وانظر املراجع املذكورة يف بداية هذه الفقرة.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
147
فهو متواتر وإال فآحاد(.)1
أما العتبار الباطل :فهو ابلنظر إىل االحتجاج والعمل ،فيقال :يقبل املتواتر
دون اآلحاد ،يف بعض املسائل واألبواب ،وذلك كتجويز النسخ ابملتواتر دون
اآلحاد( ،)2وكرد اآلحاد دون املتواتر فيما عمت به البلوى وغري ذلك ،فهذا التفريق
ابطل؛ إذ املتواتر واآلحاد من السنة الواجب اتباعها ،واألدلة الدالة على حجية
السنة مل تفرق بني املتواتر واآلحاد.
ول فَ ُخ ُذوهُ[ احلشر ]7 :عام يف كل ما
آات ُك ُر ال َّ ُس ُ
فقول هللا تعاىلَ :وَما َ
ت عن النيب وجاء به سواء كان من املتواتر أو اآلحاد ،وكذا اآلايت اآلمرة
ثـَبَ َ
بطاعته .
وكذلك قوله « :فعليكر نسنيت»( )3عام يف كل ما صح نسبته إليه
وصار من سنته ،ال فرق يف ذلك بني املتواتر واآلحاد.
وقد أمجعت األمة على وجوب العمل ابحلديث الصحيح دون تفريق بني
املتواتر واآلحاد ،مث إن التفريق بني املتواتر واآلحاد يف العمل واحلجية أمر حادث ال
أصل له يف الكتاب ،وال يف السنة ،ومل يكن معروفًا لدى سلف هذه األمة من
الصحابة والتابعني.
كما أن هذا التفريق يرتتب عليه رد الكم اهلائل من األحاديث النبوية وتعطيل
العمل هبا دون دليل شرعي معترب(.)4
و -حديث اآلحاد الذي جيب العمل نه إَّنا هو الذي توف ي فيه
الش وط املذكورة يف الفق ة اآلتية:
أما األحاديث الضعيفة فإنه ال جيوز االحتجاج هبا وال إثبات شيء من
األحكام الشرعية هبا(.)5
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" (.)95/1
( )2انظر (ص )249من هذا الكتاب.
( )3تقدم خترجيه انظر (ص )121من هذا الكتاب.
( )4انظر (ص )144 ،143من هذا الكتاب.
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" (.)68 – 65/18 ،250/1
148
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األم الثالث :ش وط قبول خرب الواحد:
يشرتط يف حديث اآلحاد لالحتجاج به أن تتوفر فيه تسعة شروط تتعلق
أبمور ثالثة:
* األول :الراوي ،ويشرتط فيه أربعة شروط.
اإلسالم ،والتكليف ،والعدالة ،والضبط وال يشرتط غري ذلك.
فقيها( )2لقوله « :ف حامل فقه إىل من
فال يشرتط يف الراوي أن يكون ً
هو أفقه منه ،ور حامل فقه ليق نفقيه»(.)3
* الثاين :السند ،ويشرتط فيه ثالثة شروط:
االتصال وعدم االنقطاع ،وعدم الشذوذ ،وعدم العلة.
الثالث :املنت ،ويشرتط فيه شرطان:
عدم الشذوذ ،وعدم العلة.
األم ال انع :هل يفيد خرب الواحد العلر أو الظن؟
واملراد هبذا السؤال معرفة مدى مطابقة خرب الواحد للواقع ،فهل يقطع وجيزم
بصدقه ،أو أن صدق خرب الواحد أمر ظين فيحتمل اخلطأ أو الكذب ولو بنسبة
قليلة؟
أما حجية خرب الواحد فقد تقدم أهنا أمر قاطع واثبت ،وذلك معلوم أبدلة
قاطعة( .)4ولعل اإلجابة على السؤال املقصود تتضح يف ثالثة فروع:
الف ع األول :أقوال الناس يف هذه املسألة.
()1
( )1انظر" :اختصار علوم احلديث" (.)17
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)403و"روضة الناظر" ( ،)293 ،292/1وانظر فيما يتعلق ابلرد
فقيها" :جمموع الفتاوى" (.)539 – 532/4
على من قال :إن أاب هريرة مل يكن ً
( )3أخرجه هبذا اللفظ الرتمذي يف سننه ( )34 ،33/5برقم ( ،)2656وهذا احلديث قطعة
من حديث« :نضر هللا امرءًا مسع مقاليت فوعاها» وقد تقدم خترجيه قريبًا انظر (ص
)143من هذا الكتاب.
( )4انظر (ص )143 -141من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
149
الف ع الثاين :مذهب أهل السنة يف هذه املسألة.
الف ع الثالث :الفرق بني مذهب أهل السنة ومذهب من وافقهم من أهل
الكالم.
()1
* الف ع األول :الناس يف إفادة خرب الواحد العلم أو الظن طرفان :
ط ف من أهل الكالم وحنوهر ممن هو بعيد عن معرفة احلديث وأهله ،ال
مييز بني الصحيح والضعيف ،فيشك يف صحة أحاديث أو يف القطع هبا مع كوهنا
طوعا هبا عند أهل العلم ابحلديث.
معلومة مق ً
والط ف الثاين ممن يدعب اتباع ا ديث والعمل نه ،فيجعل كل حديث
مقطوعا به من جنس ما جزم أهل العلم
وكل لفظ روي إبسناد ظاهره الصحة
ً
بصحته ،فيؤدي به ذلك إىل معارضة احلديث الصحيح والتماس التأويالت املتكلفة
للجمع بينها أو أن يستدل به يف مسائل علمية ،مع أن أهل احلديث يعرفون غلط
هذا الصنيع.
والصوا يف هذه املسألة التفصيل ،وترك اإلمجال.
فيقال :إن خرب الواحد قد يفيد العلر وذلك إذا احتفت به القرائن ،وقد
يفيد الظن وذلك إذا جترد عن القرائن ،وهذا ما ذهب إليه اإلمام الشافعي،
واخلطيب البغدادي ،وابن قدامة ،وابن تيمية ،وابن القيم ،واألمني الشنقيطي(.)2
* الف ع الثاين :مذهب أهل السنة يف هذه املسألة ميكن بيانه يف أربع قواعد:
القاعدة األوىل :أن خرب الواحد إذا احتفت به القرائن أفاد العلم القاطع(،)3
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)353/13
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)599 ،461و"الفقيه واملتفقه" ( ،)96/1و"روضة الناظر"
( ،)263 – 260/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)41/18 ،351/13و"خمتصر الصواعق"
( ،)459 ،456و"رحلة احلج" للشنقيطي ( ،)99 – 97و"مذكرة الشنقيطي"
(.)104
( )3املقصود أن خرب الواحد ميكن أن يفيد العلم وحيصل به اليقني ،وذلك فيما إذا احتفت به
القرائن ،وبذلك حيرتز مما ذهب إليه بعض املتكلمني القائلون أبن أخبار اآلحاد – بل
مجيع نصوص الكتاب والسنة – أدلة لفظية ال تفيد اليقني حبال من األحوال انظر
(ص )85 -83من هذا الكتاب.
150
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وهذا ما ذهب إليه أهل السنة واجلماعة ومجهور األمة(.)1
قال ابن تيمية" :وهلذا كان مجهور أهل العلم من مجيع الطوائف على أن خرب
الواحد إذا تلقته األمة ابلقبول تصدي ًقا له أو عمالً به أنه يوجب العلم.
وهذا هو الذي ذكره املصنفون يف أصول الفقه من أصحاب أيب حنيفة
ومالك والشافعي وأمحد ،إال فرقة قليلة من املتأخرين اتبعوا يف ذلك طائفة من أهل
كثريا من أهل الكالم أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل
الكالم أنكروا ذلك؛ ولكن (ً)2
احلديث والسلف على ذلك" .
القاعدة الثانية :أن خرب الواحد إذا جترد عن القرائن( )3ومل يتصل به ما يدل
على إفادته العلم ،ال حيصل به اليقني وال يفيد العلم ابتفاق ،وهذا أمر ال نزاع
فيه( ،)4إذ أن اخلرب قد حتتف به قرائن تدل على كذبه ،وقد حتتف به اترة أخرى
قرائن تدل على صدقه ،وقد يتجرد اترة اثلثة عن مجيع القرائن فيبقى حمتمالً للصدق
وللكذب.
قال ابن القيم" :خرب الواحد حبسب الدليل الدال عليه ،فتارة جيزم بكذبه
لقيام دليل كذبه ،واترة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنيًا ،واترة يتوقف فيه فال
يرتجح صدقه وال كذبه إذا مل يقم دليل أحدمها ،واترة يرتجح صدقه وال جيزم به،
جزما ال يبقى معه شك ،فليس خرب كل واحد يفيد العلم وال
واترة جيزم بصدقه ً
الظن"(.)5
مفيدا
فتبني بذلك أن احلديث املقبول إما أن يرتجح صدقه ،وهذا معىن كونه ً
مفيدا للعلم.
للظن ،وإما أن جيزم بصدقه ،وهذا معىن كونه ً
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)599 ،461و"الفقيه واملتفقه" ( ،)96/1و"جمموع الفتاوى"
( ،)41/18و"خمتصر الصواعق" ( ،)466و"شرح الكوكب املنري" (– 348/2
،)352و"مذكرة الشنقيطي" (.)103
(" )2جمموع الفتاوى" ( ،)351/13وانظر ( )41/18من املصدر نفسه.
( )3املراد بتجرد اخلرب عن القرائن يف هذا املقام :جترده عن القرائن املفيدة للعلم ال عن مطلق
القرائن انظر ( )152تعليق رقم ( )2من هذا الكتاب.
( )4انظر" :املسودة" ( ،)244و"اجلواب الصحيح" (.)293/4
(" )5خمتصر الصواعق" (.)456 ،455
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
151
وهذا إمنا يعرف ابلقرائن.
القاعدة الثالثة :القرائن نسبية ،فما هو قرينة عند شخص قد ال يكون قرينة
عند غريه ،ورب قرينة أفادت القطع واليقني عند شخص ،ومل تفد سوى الظن عند
غريه ،وهكذا...
فالقرائن ختتلف حبسب حال املخرب ،وحال املخرب عنه ،وحال اخلرب ،وحال
السامع الذي هو املخرب(.)1
قال ابن القيم" :وأما املقام السابع :وهو أن كون الدليل من األمور الظنية أو
القطعية أمر نسيب ،خيتلف ابختالف املدرك املستدل ،ليس هو صفة للدليل يف
نفسه ،فهذا أمر ال ينازع فيه عاقل ،فقد يكون قطعيًا عند زيد ما هو ظين عند
عمرو"(.)2
ومن األمثلة على اختالف القرائن:
أن احلديث املقبول ليس على درجة واحدة ،بل إنه متفاوت.
فمنه ا ديث الصحيح :الذي تواتر لفظه أو تواتر معناه.
ومنه ما تلقاه املسلمون ابلقبول :فعملوا به ،فكانت األمة جممعة على
التصديق والعمل مبوجبه ،واألمة ال جتتمع على ضاللة.
ومنه ا ديث الصحيح :الذي تلقاه ابلقبول أهل العلم ابحلديث ،كجمهور
أحاديث الصحيحني.
صحيحا :لتصحيح بعض احملدثني له ،وقد خيالفهم غريهم
ومنه ما قد يسمى
ً
يف تصحيحهم ،فيقولون :هو ضعيف ليس بصحيح.
ومنه ما قد يسمى اب سن :وهو دون الصحيح الذي عرفت عدالة ًنقليه
وضبطهم(.)3
قال ابن تيمية" :ومثل هذا من موارد االجتهاد يف تصحيح احلديث ،كموارد
االجتهاد يف األحكام ،وأما ما اتفق العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه
( )1انظر" :خمتصر الصواعق" (.)468 – 466
(" )2خمتصر الصواعق" (.)501
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)23 – 16/18و"خمتصر الصواعق" (.)468 – 453
152
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
العلماء يف األحكام"(.)1
القاعدة ال انعة :ال شك أن املعترب يف هذه القرائن املختصة أبحاديث النيب
هو ما يذكره أهل احلديث فهم أهل االختصاص والشأن ،أما أهل الكالم وأتباعهم
فإهنم غاية يف قلة املعرفة ابحلديث؛ فال حيصل هلم –بسبب ذلك– العلم أبحاديث
النيب فإنكار أهل الكالم ملا علمه وقطع به أهل احلديث( )2أقبح من إنكار ما
هو مشهور من مذاهب األئمة األربعة عند أتباعهم(.)3
* الف ع الثالث :الفرق بني مذهب هؤالء األئمة وغريهم من أئمة السلف
ومذهب من ذهب من أهل الكالم إىل أن خرب الواحد يفيد الظن ميكن تلخيصه
يف األمور اآلتية:
-1أن أهل السنة يثبتون خبرب الواحد الصحيح صفات الرب تعاىل والعقائد
األخرى دون نظر إىل قضية القطع والظن.
قال ابن القيم" :املقام اخلامس أن هذه األخبار لو مل تفد اليقني فإن الظن
الغالب حاصل منها وال ميتنع إثبات األمساء والصفات هبا؛ كما ال ميتنع إثبات
األحكام الطلبية هبا ،فما الفرق بني ابب الطلب وابب اخلرب حبيث حيتج هبا يف
أحدمها دون اآلخر؟
(" )1جمموع الفتاوى (.)22/18
مفيدا للعلم؛ إذ احلديث
( )2ذهب بعض أهل العلم إىل أن خرب الواحد الصحيح ال يكون إال ً
الصحيح –يف نظر هؤالء– ال يتصور جترده عن القرائن ،فإذا وجدت الصحة يف اخلرب
وجد معها أمران متالزمان :القرائن والعلم .وبناءً على ذلك فخرب الواحد إمنا يفيد العلم
ألجل القرائن ال مطل ًقا.
ويتضح ذلك إذا عرفنا أن هذه القرائن اليت ذكرها هؤالء مالزمة لكل حديث صحيح ال تنفك
عنه ،مثل :أن رواة احلديث هم الصحابة الذين عرفوا ابلصدق واألمانة ،وأن املروي هو
قول الرسول ،وفيه من النور واجلاللة والربهان ما يشهد بصدقه .انظر" :خمتصر
الصواعق" (.)468 – 466
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)70 ،69/18و"خمتصر الصواعق" (،)455 – 453
وانظر «املسألة اخلامسة» اخلرب املتواتر تقسيمه ابعتبار أهله إىل قسمني من هذا الكتاب،
ففي هذا املوضع نقالن مهمان عن ابن تيمية وابن القيم.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
153
وهذا التفريق ابطل إبمجاع األمة"(.)1
-2أن أهل السنة يعملون خبرب الواحد يف مجيع املسائل دون النظر إىل قضية
القطع والظن ،فخرب اآلحاد الثابت حجة مطلقة جيب العمل هبا دون قيد أو
شرط(.)2
-3أن خرب الواحد عند أهل السنة أصل مستقل بذاته ،وال يكون خمال ًفا
للقياس أو لشيء من األصول ،فال يتصور عندهم تقدمي القياس على خرب
الواحد(.)3
قال ابن تيمية" :فمن رأى شيئًا من الشريعة خمال ًفا للقياس فإمنا هو خمالف
للقياس الذي انعقد يف نفسه ،ليس خمال ًفا للقياس الصحيح الثابت يف نفس األمر.
قطعا أنه قياس فاسد"(.)4
وحيث علمنا أن النص جاء خبالف قياس علمنا ً
-4أن خرب الواحد عند أهل السنة حيصل به العلم إذا احتفت به القرائن،
وال مينع من ذلك كونه من األدلة السمعية؛ بل إن حصول العلم ابألدلة السمعية
أكثر وأقوى من حصوله ابألدلة العقلية(.)5
-5أن أهل السنة هم أهل احلديث وهم أعلم الناس ابلقرائن اليت حتتف خبرب
الواحد ،أما أهل الكالم فهم من أبعد الناس عن احلديث وعن القرائن احمليطة به؛
لذلك ذهب بعض املتكلمني( )6إىل القول بنفي القرائن مطل ًقا وعدم اعتبارها ،وهم
بذلك خيربون عن حاهلم وواقعهم.
قال ابن القيم" :وإذا كان أهل احلديث عاملني أبن رسول هللا قال هذه
األخبار وحدث هبا يف األماكن واألوقات املتعددة ،وعلمهم بذلك ضروري؛ مل يكن
(" )1خمتصر الصواعق" (.)489
( )2انظر (ص )146 -143من هذا الكتاب.
( )3انظر (ص )190 ،189من هذا الكتاب.
(" )4جمموع الفتاوى" (.)505/20
( )5انظر (ص )85 -83من هذا الكتاب.
( )6انظر" :اإلحكام" لآلمدي ( )32/2على سبيل املثال.
154
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
()1
قول من ال عناية له ابلسنة واحلديث( :إن
مقبوالً عليهم ،فإهنم يدعون العلم الضروري.
وخصومهم إما أن ينكروا حصوله ألنفسهم أو ألهل احلديث فإن أنكروا
حصوله ألنفسهم مل يقدح ذلك يف حصوله لغريهم ،وإن أنكروا حصوله ألنفسهم مل
يقدح ذلك يف حصوله لغريهم ،وإن أنكروا حصوله ألهل احلديث كانوا مكابرين هلم
على ما يعلمونه من نفوسهم مبنزلة من يكابر غريه على ما جيده يف نفسه من فرحه
وأمله وخوفه وحبه"(.)2
****
( )1يف األصل" :وإن" ولعل املثبت هو الصواب.
(" )2خمتصر الصواعق" (.)455
هذه أخبار آحاد ال تفيد العلم)،
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثالث
اإلمجاع
ويف هذا املبحث ست مسائل:
املسألة األوىل :تعريف اإلمجاع.
املسألة الثانية :أقسام اإلمجاع.
املسألة الثالثة :حجية اإلمجاع.
املسألة الرابعة :أهل اإلمجاع.
املسألة اخلامسة :مستند اإلمجاع.
املسألة السادسة :األحكام املرتتبة على اإلمجاع.
155
156
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف اإلمجاع
.]71
اإلمجاع لغة :يطلق على الع م ،ومنه قوله تعاىل :فَأ ِْ
َمج ُعوا أ َْم َ ُك ْر[ يونس:
ويطلق على االتفاق ،ومنه قوهلم :أمجع القوم على كذا؛ أي :اتفقوا عليه(.)1
وعند األصوليني" :اتفاق جمتهدي عص ٍر من العصور من أمة حممد بعد
وفاته على أمر ديين"(.)2
وقد اشتمل هذا التعريف على مخسة قيود:
األول :أن يصدر االتفاق عن كل العلماء اجملتهدين ،فال يصح اتفاق بعض
اجملتهدين ،وكذلك اتفاق غري اجملتهدين كالعامة ومن مل تكتمل فيه شروط االجتهاد،
كما سيأيت.
موجودا منهم دون من مات أو مل يولد بعد،
الثاين :املراد ابجملتهدين من كان
ً
وهذا هو املقصود بقيد "عصر من العصور" كما سيأيت الكالم على ذلك وعلى
أيضا(.)3
شرط انقراض العصر ً
الثالث :ال بد أن يكون اجملمعون من املسلمني ،وال عربة إبمجاع األمم
األخرى غري املسلمة(.)4
ال انع :اإلمجاع إمنا يكون حجة بعد وفاته ،وال يقع يف حياته(.)5
اخلامق :أن تكون املسألة اجملمع عليها من األمور الدينية ،وخيرج بذلك
األمور الدنيوية والعقلية وغريها(.)6
( )1انظر" :املصباح املنري" ( ،)109و"املعجم الوسيط" ( ،)135و"مذكرة الشنقيطي" (.)151
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" (.)74
( )3انظر (ص )170 ،163من هذا الكتاب
( )4انظر" :املسودة" ( ،)320و"شرح الكوكب املنري" (.)236/2
( )5انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)211/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)151
( )6انظر" :قواعد األصول" ( ،)73و"مذكرة الشنقيطي" (.)151
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
157
املسألة الثانية
أقسام اإلمجاع
ينقسر اإلمجاع إىل عدة تقسيماي ابعتباراي خمتلفة:
-1فباعتبار ذاته ينقسم اإلمجاع إىل إمجاع قويل ،وإىل إمجاع سكويت.
فاإلمجاع القويل وهو الصريح« :أن يتفق قول اجلميع على احلكم أبن يقولوا
كلهم :هذا حالل ،أو :حرام» ،ومثله أن يفعل اجلميع الشيء ،فهذا إن وجد حجة
قاطعة بال نزاع(.)1
واإلمجاع السكويت أو اإلق اري هو" :أن يشتهر القول أو الفعل من البعض
فيسكت الباقون عن إنكاره"(.)2
ومثله اإلمجاع الستق ائب وهو" :أن تستقرأ أقوال العلماء يف مسألة فال يعلم
خالف فيها"(.)3
وقد اختلف العلماء يف حجية اإلمجاع السكويت ،فبعضهم اعتربه حجة
قاطعة ،وبعضهم مل يعتربه حجة أصالً ،وبعضهم جعله حجة ظنية.
وسبب اخلالف هو :أن السكوت حمتمل للرضا وعدمه.
فمن رجح جانب الرضا وجزم به قال :إنه حجة قاطعة.
ومن رجح جانب املخالفة وجزم به قال :إنه ال يكون حجة.
ومن رجح جانب الرضا ومل جيزم به قال :إنه حجة ظنية.
لذلك فإن اإلمجاع السكويت ال ميكن إطالق احلكم عليه ،بل ال بد من النظر
يف القرائن وأحوال الساكتني ،ومالبسات املقام.
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)170/11و"جمموع الفتاوى" (،)268 ،268 /19
و"مذكرة الشنقيطي" (.)151
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" (.)170/1
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)267/19
158
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فإن غلب على الظن اتفاق الكل ورضا اجلميع فهو حجة ظنية ،وإن حصل
القطع ابتفاق الكل فهو حجة قطعية ،وإن ترجحت املخالفة وعدم الرضا فال يعتد
به(.)1
-2وينقسم اإلمجاع ابعتبار أهله إىل إمجاع عامة وخاصة(.)2
فإمجاع العامة هو إمجاع عامة املسلمني على ما علم من هذا الدين
ابلضرورة ،كاإلمجاع على وجوب الصالة والصوم واحلج ،وهذا قطعي ال جيوز فيه
التنازع.
وإمجاع اخلاصة دون العامة هو ما جيمع عليه العلماء ،كإمجاعهم على أن
الوطء مفسد للصوم ،وهذا النوع من اإلمجاع قد يكون قطعيًا ،وقد يكون غري
قطعي ،فال بد من الوقوف على صفته للحكم عليه.
-3وينقسم اإلمجاع ابعتبار عصره إىل إمجاع الصحانة رضي هللا عنهم،
وإمجاع غريهم(.)3
فإمجاع الصحابة ميكن مع فته والقطع نوقوعه ،وال نزاع يف حجيته عند
القائلني حبجية اإلمجاع.
وأما إمجاع غري الصحابة ممن بعدهم فإن أهل العلم اختلفوا فيه من حيث
إمكان وقوعه ،وإمكان معرفته والعلم به ،أما القول حبجيته فهو مذهب مجهور األمة
كما سيأيت(.)4
-4وابعتبار نقله إلينا ينقسم اإلمجاع إىل إمجاع ينقله أهل التواتر ،وإمجاع
ينقله اآلحاد( ،)5وكال القسمني حيتاج إىل نظر من جهتني:
من جهة صحة النقل وثبوته ،ومن جهة نوع اإلمجاع ومرتبته.
-5وينقسم اإلمجاع ابعتبار قوته إىل إمجاع قطعي ،وإمجاع ظين(.)6
( )1انظر"جمموع الفتاوى" (.)268 ،267/19
( )2انظر" :الرسالة" ( 358و ،)359و"الفقيه واملتفقه" (.)172/1
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)341/11
( )4انظر حجية اإلمجاع من هذا الكتاب.
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)387/1و"شرح الكوكب املنري" (.)224/2
( )6انظر" :جمموع الفتاوى" (.)270 – 267/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
159
فاإلمجاع القطعب( )1مثل إمجاع الصحابة املنقول ابلتواتر خاصة ،واإلمجاع
على ما علم من الدين ابلضرورة.
واإلمجاع الظِ كاإلمجاع السكويت الذي غلب على الظن فيه اتفاق الكل.
وعلى كل فتقدير قطعي اإلمجاع وظنيه أمر نسيب ،يتفاوت من شخص إىل
آخر ،إال أن األمر املقطوع به يف قضية اإلمجاع شيئان:
أوهلما :أن اإلمجاع من حيث اجلملة أصل مقطوع به وحجة قاطعة ،وإن
اختلف يف بعض أنواعه وبعض شروطه.
واثنيهما :أن بعض أنواع اإلمجاع ال يقبل فيها نزاع؛ بل هي إمجاعات قطعية
كما تقدم التمثيل لذلك آن ًفا.
املسألة الثالثة
حجية اإلمجاع
اتفق أهل العلم على أن اإلمجاع حجة شرعية جيب اتباعها واملصري إليها(.)2
والدليل على ثبوت اإلمجاع إمنا هو دليل الشرع ال العقل(.)3
فمن األدلة على كون اإلمجاع حجة:
أولً :من الكتا :
شاقِ ِق ال َّس َ ِ ِ
ني لَهُ ْاهلَُدى َويَـتَّبِ ْع غَْيـ َ َسبِ ِ
يل
أ -قوله تعاىلَ :وَم ْن يُ َ
ول م ْن نَـ ْعد َما تَـبَـ َّ َ
ُ
الْم ْؤِمنِ ِ ِ
صلِ ِه َج َهن ََّر َو َس َاء ْي َم ِص ًْيا[ النساء.]115 :
ني نُـ َوله َما تَـ َو َّىل َونُ ْ
ُ َ
( )1إذا كان اإلمجاع قطعيًا قدم على النص إذا كانت داللة النص ظنية ،وكذلك إن كان الظن
احلاصل ابإلمجاع أقوى من الظن احلاصل ابلنص ،فالواجب تقدمي القطعي على الظين،
والظن األقوى على ما دونه .وتقدمي اإلمجاع إمنا هو تقدمي للنص اجملمع عليه على نص
آخر أدىن منه داللة .انظر" :جمموع الفتاوى" (.)268/19
( )2انظر" :مجاع العلم" ( ،)52 ،51و"روضة الناظر" ( ،)335/1و"جمموع الفتاوى"
( ،)341/11و"مذكرة الشنقيطي" (.)151
( )3انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)74و"شرح الكوكب املنري (.)214/2
160
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وجه الستدلل هبذه اآلية أن هللا توعد من اتبع غري سبيل املؤمنني فدل
على أنه حرام؛ فيكون اتباع سبيل املؤمنني واجبًا ،إذ ليس هناك قسم اثلث بني
اتباع سبيل املؤمنني واتباع غري سبيل املؤمنني(.)1
وال يصح يف هذه اآلية أن يكون الذم الح ًقا ملشاقة الرسول فقط ،أو
قطعا؛ لئال يكون ذكر اآلخر ال
التباع غري سبيل املؤمنني فقط ،فإن ذلك ابطل ً
فائدة فيه.
وكذلك ال يصح أن يكون الذم الح ًقا لألمرين إذا اجتمعا فقط؛ ألن مشاقة
شاقِ ِق
قطعا كما ثبت يف غري موضع ،كقوله تعاىلَ :وَم ْن يُ َ
الرسول موجبة للوعيد ً
هللاَ َوَر ُسولَهُ فَِإ َّن هللاَ َش ِدي ُد ال ِْع َقا ِ [ األنفال.]13 :
فلم يبق إال قسمان:
أحدمها :أن الذم الحق لكل من األمرين وإن انفرد عن اآلخر.
مستلزما لآلخر(.)2
الثاين :أن الذم الحق لكل من األمرين لكونه
ً
قال ابن تيمية" :وحلوق الذم بكل منهما وإن انفرد عن اآلخر ال تدل عليه
اآلية؛ فإن الوعيد فيها إمنا هو على اجملموع.
بقي القسم اآلخر وهو أن كالً من الوصفني يقتضي الوعيد ألنه مستلزم
لآلخر ،كما يقال مثل ذلك يف معصية هللا والرسول ،وخمالفة القرآن واإلسالم.
فيقال :من خالف القرآن واإلسالم أو من خرج عن القرآن واإلسالم فهو من
أهل النار ،ومثله قوله :ومن ي ْك ُف ابهلل ومالئِ َكتِ ِه وُكتبِ ِه ورسلِ ِه والْيـوِم ِ
ض َّل
اآلخ ِ فَـ َق ْد َ
َ ُ َُ ُ َ َْ
ََ
ََ ْ َ ْ
ضالل نَ ِعي ًدا[ النساء ،]136 :فإن الكفر بكل من هذه األصول يستلزم الكفر
َ
بغريه؛ فمن كفر ابهلل كفر ابجلميع ،ومن كفر ابملالئكة كفر ابلكتب والرسل فكان
كافرا ابهلل؛ إذ كذب رسله وكتبه ،وكذلك إذا كفر ابليوم اآلخر كذب الكتب
ً
كافرا....
والرسل فكان ً
فهكذا مشاقة الرسول واتباع غري سبيل املؤمنني ،ومن شاقه فقد اتبع غري
( )1انظر" :أحكام القرآن" للشافعي ( ،)39و"الفقيه واملتفقه" ( ،)156 ،155/1و"روضة
الناظر" (.)336 ،335/1
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (.)193 ،192 ،179 ،178/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
161
سبيلهم وهذا ظاهر.
أيضا؛ فإنه قد جعل له مدخالً يف الوعيد ،فدل
ومن اتبع غري سبيلهم فقد شاقه ً
قطعا.
على أنه وصف مؤثر يف الذم ،فمن خرج عن إمجاعهم فقد اتبع غري سبيلهم ً
واآلية توجب ذم ذلك.
وإذا قيل :هي إمنا ذمته مع مشاقة الرسول؟
قلنا :ألهنما متالزمان ،وذلك ألن كل ما أمجع عليه املسلمون فإن يكون
منصوصا عن الرسول ،فاملخالف هلم خمالف للرسول ،كما أن املخالف للرسول
ً
خمالف هلل ،ولكن هذا يقتضي أن كل ما أمجع عليه قد بينه الرسول وهذا هو
الصواب"(.)1
َّاي َأتْم و َن ِابلْمع ِ
ب -قوله تعاىلُ :ك ْنـتر َخيـ أ َُّم ٍة أُ ْخ ِج ْ ِ
وف َوتَـ ْنـ َه ْو َن َع ِن
َ
َ ُْ
ت للن ِ ُ ُ
ُْ َْ
ال ُْم ْن َك ِ َوتُـ ْؤِمنُو َن ابهلل[ آل عمران ،]110 :فقد وصف هللا تعاىل هذه األمة أبهنم
ٍ
معروف وينهون عن كل منك ٍر ،فلو قالت األمة يف الدين مبا هو ضالل
أيمرون بكل
لكانت مل أتمر ابملعروف يف ذلك ومل تنه عن املنكر فيه ،فثبت أن إمجاع هذه األمة
حق وأهنا ال جتتمع على ضاللة(.)2
ِ
اء َعلَى الن ِ
َّاي
جـ -قوله تعاىلَ :وَك َذلِ َ
ك َج َعلْنَا ُك ْر أ َُّم ًة َو َسطًا لتَ ُكونُوا ُش َه َد َ
ول َعلَْي ُك ْر َش ِهي ًدا[ البقرة ،]143 :والوسط :العدل اخليار ،وقد جعل
َويَ ُكو َن ال َّ ُس ُ
هللا هذه األمة شهداء على الناس ،ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ مل يكونوا
شهداء هللا يف األرض ،وأقام شهادهتم مقام شهادة الرسول .)3(
اثنيًا :من السنة:
أ -قوله « :فمن أراد حببوحة اجلنة فيل م اجلماعة»(.)4
قال الشافعي مستدالً هبذا احلديث" :إذا كانت مجاعتهم متفرقة يف البلدان
(" )1جمموع الفتاوى" (.)194 ،193/19
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)177 ،176/19و"شرح الكوكب املنري" (.)217/2
( )3انظر" :صحيح البخاري" ( ،)316/13و"الفقيه واملتفقه" ( ،)160/1و"جمموع
الفتاوى" (.)178 ،177/19
( )4تقدم خترجيه يف (ص )17تعليق رقم (.)6
162
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فال يقدر أح ٌد أن يلزم مجاعة أبدان قوم متفرقني ،وقد وجدت األبدان تكون جمتمعة
من املسلمني والكافرين واألتقياء والفجار ،فلم يكن يف لزوم األبدان معىن؛ ألنه ال
ميكن ،وألن اجتماع األبدان ال يصنع شيئًا فلم يكن للزوم مجاعتهم معىن إال ما عليه
مجاعتهم من التحليل والتحرمي والطاعة فيهما ،ومن قال مبا تقول به مجاعة املسلمني
فقد لزم مجاعتهم ،ومن خالف ما تقول به مجاعة املسلمني فقد خالف مجاعتهم اليت
أمر بلزومها.
وإمنا تكون الغفلة يف الفرقة ،فأما اجلماعة فال ميكن فيها كافة غفلة عن معىن
كتاب وال ٍ
ٍ
سنة وال قياس إن شاء هللا"(.)1
ب -وقوله « :إن أميت ل جتتمع على ضاللة»(.)2
واملالحظ أن هذه النصوص املتقدمة تدل على أصلني عظيمني:
األصل األول :وجوب اتباع اجلماعة ولزومها ،وحترمي مفارقتها وخمالفتها.
واألصل الثاين :عصمة هذه األمة عن اخلطأ والضاللة.
وهذان األصالن متالزمان :فإن قول األمة جمتمعة ال يكون إال ح ًقا،
وكذلك فإن العصمة إمنا تكون لقول الكل دون البعض.
وههنا مسألتان:
املسألة األوىل :أن هذه النصوص أفادت أن العصمة اثبتة لألمة دون اشرتاط
عدد معني ،بل إن أهل اإلمجاع مىت ثبت اتفاقهم وجب اتباع قوهلم وثبتت العصمة
(" )1الرسالة" (.)476 ،475
( )2أخرجه هبذا اللفظ ابن ماجه يف "سننه" ( )1303/2برقم ( ،)3950وأبو داود يف
"سننه" ( )98/4برقم ( ،)4253والرتمذي يف "سننه" ( )466/4برقم ( ،)2167وقد
روى هذا احلديث مجع من الصحابة أبلفاظ متعددة حىت عده بعض أهل العلم من قبيل
املتواتر املعنوي ،مع أن طرق هذه األحاديث ال ختلو من نظر كما قال ذلك احلافظ
العراقي ،وللحديث شواهد يف الصحيحني كقوله « :ال تزال طائفة من أميت »...وقد مت
خترجيه (ص .)18انظر" :املنهاج" للبيضاوي ،وانظر معه" :االبتهاج" للغماري ()180
وما بعدها ،و"ختريج أحاديث املنهاج" للعراقي ( ،)22و"حتفة الطالب" البن كثري
( )145وما بعدها ،و"املعترب" للزركشي ( )57وما بعدها.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
163
هلم ،وبناءً على ذلك فال يشرتط لصحة اإلمجاع أن يبلغ اجملمعون عدد التواتر()1؛
ألن الدليل الشرعي مل يشرتط ذلك ،بل إنه علق العصمة على اإلمجاع واالتفاق
فقط(.)2
واملسألة الثانية :أن هذه النصوص تدل على أن اإلمجاع حجة ماضية يف
مجيع العصور ،سواء يف ذلك عصر الصحابة وعصر من بعدهم(.)3
( )1خالفًا ملا ذهب إليه بعض املتكلمني من القول ابشرتاط أن يبلغ اجملمعون عدد التواتر أخ ًذا
ابلدليل العقلي وهو كون هذا العدد يستحيل على مثلهم االجتماع على خطأ ،وهذا ال
يصح ألن اإلمجاع إمنا ثبت ابلدليل الشرعي فال يشرتط يف أهل اإلمجاع أن يبلغوا عدد
التواتر كما دل عليه الدليل الشرعي .انظر املراجع اآلتية يف التعليق اآليت.
( )2انظر" :املسودة" ( ،)317و"روضة الناظر" ( ،)346/1و"شرح الكوكب املنري"
(.)252/2
( )3نقل عن اإلمام أمحد قوله املشهور«" :من ادعى اإلمجاع فهو كاذب» وقد محلها أهل
العلم على عدة أوجه ،لكونه – عليه رمحة هللا – حيتج ابإلمجاع ويستدل به يف كثري من
األحيان مع أن ظاهر هذه املقالة منع وقوع اإلمجاع ،ومن هذه األوجه:
أنه قال ذلك من ابب الورع جلواز أن يكون هناك خالف مل يبلغه ،أو أنه قال ذلك يف حق
من ليس له معرفة خبالف السلف ،ويدل على ذلك تتمة كالمه السابق ،إذ يقول":من
ادعى اإلمجاع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا ،هذه دعوى بشر املريسي واألصم ،ولكن
يقول" :ال نعلم الناس اختلفوا" إذا هو مل يبلغه.
أيضا أنه قال" :هذا كذب ما أعلمه أن الناس جممعون؟" ولكن يقول" :ال أعلم فيه
ونقل عنه ً
اختالفًا" فهو أحسن من قوله" :إمجاع الناس".
لذلك يقول اإلمام الشافعي" :وأنت قد تصنع مثل هذا فتقول :هذا أمر جمتمع عليه ،قال:
أبدا إال قاله لك
لست أقول وال أحد من أهل العلم هذا جمتمع عليه إال ملا ال تلقى عاملا ً
ً
"الرسالة" ( )534فعلم
وحكاه عمن قبله؛ كالظهر أربع ،وكتحرمي اخلمر وما أشبه هذا"
ابلنقل عن هذين اإلمامني أن الواجب االحتياط يف نقل اإلمجاع والتثبت يف ادعائه ،فإن
اجلزم ابتفاق العلماء وإمجاعهم من قبيل عدم العلم وليس من قبيل العلم ابلعدم ،ال سيما
وأن أقوال العلماء كثرية ال حيصيها إال رب العاملني ،وعدم العلم ال حجة فيه ،فلذلك
اعا ،أما أن يقال" :الناس
كانت العبارة املختارة يف نقل اإلمجال أن يقال :ال نعلم نز ً
جممعون" فهذا إمنا يصح فيما علم واشتهر ضرورة االتفاق عليه.
قال ابن القيم" :وليس مراده – أي :اإلمام أمحد – هبذا استبعاد وجود اإلمجاع ،ولكن أمحد
وأئمة احلديث بـلوا مبن كان يرد عليهم السنة الصحيحة إبمجاع الناس على خالفها ،فبني
=
164
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وال يصح حصر حجية اإلمجاع يف عصر الصحابة دون غريهم؛ ألن أدلة
حجية اإلمجاع عامة مطلقة ،وال جيوز ختصيص هذه األدلة أو تقييدها دون دليل
شرعي معترب ،فإنه قد ثبت وجوب اتباع سبيل املؤمنني وعصمة األمة وهذا عام يف
كل عصر.
كما أنه ال يصح االحتجاج إلبطال إمجاع غري الصحابة بصعوبة أو تعذر
وقوع اإلمجاع بعد عصر الصحابة لتفرق اجملتهدين يف اآلفاق وانتشارهم يف األقطار؛
إذ غاية ذلك هو القول بعدم صحة وقوع اإلمجاع بعد عصر الصحابة وتعذر
إمكانه.
أما حجية اإلمجاع فأمر آخر ،فال بد إذن من التفريق بني حصول اإلمجاع
وإمكان وقوعه وبني حجيته يف كل عصر ،وليس بني األمرين تالزم.
فاألم األول :حمل نظر بني العلماء :إذ منع بعضهم وقوع إمجاع بعد عصر
الصحابة ،ونقل البعض اآلخر اإلمجاع يف عصر الصحابة ويف عصر من بعدهم
أيضا(.)1
ً
أما األم الثاين وهو حجية اإلمجاع فال شك أن الدليل الشرعي قاطع يف
ثبوت حجية اإلمجاع مطل ًقا يف كل عصر.
واملقصود احملافظة على حجية اإلمجاع على مدى العصور عمالً ابلدليل
الشرعي ،فتبقى األمور القطعية قطعية كما هي ،وتبقى قضية وقوع اإلمجاع وعدم
وقوعه قضية أخرى حباجة إىل حتقيق املناط فيها ،وذلك خيتلف من عصر آلخر ومن
مسألة ألخرى(.)2
=
الشافعي وأمحد أن هذه الدعوى كذب ،وأنه ال جيوز رد السنن مبثلها"" .خمتصر الصواعق"
(.)506
انظر" :املسودة" ( ،)316و"جمموع الفتاوى" (،)248 ،247 ،10/20 ،271/19
و"خمتصر الصواعق" (.)507 ،506
خصوصا "كاإلمجاع" البن املنذر،
عموما واإلمجاعات
( )1وهذا واضح يف كتب الفقه
ً
ً
و"مراتب اإلمجاع" البن حزم.
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)169/1و"روضة الناظر" ( ،)372/1و"خمتصر ابن اللحام"
(.)75
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة ال انعة
أهل اإلمجاع
165
يشرتط يف أهل اإلمجاع ما أييت:
• الشرط األول :أن يكونوا من العلماء اجملتهدين ،ويكفي يف ذلك االجتهاد
اجلزئي()1؛ ألن اشرتاط االجتهاد املطلق يف أهل اإلمجاع قد يؤدي إىل تعذر اإلمجاع
لكون اجملتهد املطلق ًندر الوجود.
واملعترب يف كل مسألة من له فيها أث من أهل العلر اجملتهدين.
قال ابن قدامة" :ومن يعرف من العلم ما ال أثر له يف معرفة احلكم -كأهل
الكالم واللغة والنحو ودقائق احلساب -فهو كالعامي ال يعتد خبالفه؛ فإن كل أحد
علما سواه"(.)2
عامي ابلنسبة إىل ما مل حيصل علمه ،وإن َّ
حصل ً
ٍ
مسألة أهل العلم فيها ،دون غريهم،
وهبذه القاعدة يتبني أن املعترب يف كل
فليس لإلمجاع طائفة حمصورة من أهل العلم .بل خيتلف ذلك ابختالف املسائل،
فإن كانت املسألة يف علم احلديث كان احملدثون هم أهل اإلمجاع ،وإن كانت املسألة
فقهية كان الفقهاء هم أهل اإلمجاع ،وهكذا....
مع مالحظة أنه قد حتتاج مسألة ما -لعالقتها بعلوم شىت -إىل أهل هذا
العلم وذاك.
قال ابن القيم...." :فإن االعتبار يف اإلمجاع على كل أمر من األمور الدينية
أبهل العلم به دون غريهم"(.)3
وأما العامب فال يدخل ابتفاق.
حكما إذ هو تبع للمجتهد ومقلد
( )4ومن قال بدخوله فإمنا أراد أنه يدخل ً
()5
له ،أو أنه أراد إمجاع العامة الذي يدخل فيه عامة األمة ،كما تقدم .
( )1انظر :مسألة جتزؤ االجتهاد فيما أييت (ص )466من هذا الكتاب.
(" )2روضة الناظر" (.)351 ،350/1
(" )3خمتصر الصواعق" (.)465
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" (.)168/1
( )5انظر (ص )158من هذا الكتاب.
166
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
• الش ط الثاين :اتفقوا على اشرتاط اإلسالم ،فال يعترب يف اإلمجاع قول
اجملتهد الكافر األصلي واملرتد بال خالف ،وأما املكفر ابرتكاب بدعة فال يعترب عند
مكفره.
وذلك ألن الكافر ال يدخل حتت لفظ "املؤمنني" و"األمة" يف قوله تعاىل:
َ ويَـتَّبِ ْع غَْيـ َ َسبِ ِيل ال ُْم ْؤِمنِ َني[ النساء ،]115 :وقوله « إن أميت ل جتتمع على
ضاللة»(.)1
أما الفاسق فإنه داخل حتت هذا العموم ،وألجل ذلك اختلف العلماء يف
العدالة :هل تشرتط يف أهل اإلمجاع ْأو ل تشرتط؟
فذهب البعض إىل عدم االشرتاط وأن الفاسق داخل يف أهل اإلمجاع لكونه
داخالً يف عموم (املؤمنني) وعموم (األمة) .وذهب آخرون إىل اشرتاط العدالة وأن
الفاسق ال يدخل يف أهل اإلمجاع.
()2
مستندا صاحلًا اعتد بقوله يف اإلمجاع وإال فال .
وقيل :إن ذكر الفاسق
ً
واملسألة على كل ٍ
حال حمل اجتهاد ونظر ،والظاهر أن الفاسق يدخل يف أهل
اإلمجاع لكونه من أهل االجتهاد وليس هناك دليل يدل على إخراجه عن طائفة
اجملتهدين ،فضالً عن إخراجه عن لفظ "املؤمنني" ولفظ "األمة"(.)3
• الش ط الثالث :يشرتط يف صحة اإلمجاع أن يكون قول مجيع
اجملتهدين ،وال يعتد بقول األكثر؛ فإذا خالف واحد أو اثنان من اجملتهدين فإن
إمجاعا(.)4
قول الباقني ال يعترب ً
()5
والدليل على ذلك أن لفظ "املؤمنني" ولفظ "األمة" عامان يف اجلميع ،
( )1تقدم خترجيه انظر (ص.)162
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)75و"روضة الناظر" ( ،)355 – 353/1و"شرح
الكوكب املنري" (.)229 – 227/2
( )3انظر (ص )474من هذا الكتاب فيما يتعلق ابشرتاط العدالة يف االجتهاد.
( )4ذهب اإلمام حممد بن جرير الطربي إمام املفسرين وغريه إىل انعقاد اإلمجاع بقول األكثر
مع خمالفة األقل .انظر "اإلحكام" لآلمدي (.)235/1
( )5انظر" :قواعد األصول" ( ،)74و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)76 ،75و"روضة الناظر"
( ،)358/1و"شرح الكوكب املنري" (.)229/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
167
وبناءً على ذلك فإن إمجاع أهل املدينة وحدهم ال يكون حجة ألهنم بعض األمة ال
كلها(.)1
وقد حقق ابن تيمية القول يف إمجاع أهل املدينة فقال ما ملخصه:
"والتحقيق يف مسألة إمجاع أهل املدينة :أن منه ما هو متفق عليه بني
املسلمني ،ومنه ما هو قول مجهور أئمة املسلمني.
ومنه ما ال يقول به إال بعضهم ،وذلك أن إمجاع أهل املدينة على أربع
مراتب:
امل تبة األوىل :ما جيري جمرى النقل عن النيب مثل نقلهم ملقدار الصاع
واملد ،وهذا حجة ابتفاق.
امل تبة الثانية :العمل القدمي ابملدينة قبل مقتل عثمان بن عفان رضي هللا
عنه( )2فهذا حجة عند مجهور العلماء؛ فإن اجلمهور على أن سنة اخللفاء الراشدين
حجة ،وما يعلم ألهل املدينة عمل قدمي على عهد اخللفاء الراشدين خمالف لسنة
رسول هللا .
امل تبة الثالثة :إذا تعارض يف املسألة دليالن كحديثني أو قياسني ،وجهل
أيهما أرجح ،وأحدمها يَعمل به أهل املدينة ،ففي هذا نزاع:
فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل املدينة.
ومذهب أيب حنيفة أنه ال يرجح به.
وألصحاب أمحد وجهان ،ومن كالمه أنه قال :إذا رأى أهل املدينة حديثًا
وعملوا به فهو الغاية.
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)533و"روضة الناظر" ( ،)363/1و"إعالم املوقعني" (،380/2
،)83/3و"شرح الكوكب املنري" (.)237/2
( )2هو :عثمان بن عفان بن أيب العاص بن أمية بن عبد مشس القرشي ،أمري املؤمنني اخلليفة
الثالث ذو النورين ،زوج ابنيت النيب رقية مث أم كلثوم ،أحد العشرة املبشرين ابجلنة ،ومن
شهيدا يف داره سنة (35هـ) .انظر:
السابقني يف اإلسالم ،عرف ابحلياء والسخاء ،قتل ً
"هتذيب األمساء واللغات" ( ،)321/1و"اإلصابة يف معرفة الصحابة" (.)455/2
168
أو ال؟
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
امل تبة ال انعة :العمل املتأخر ابملدينة ،فهذا هل هو حجة شرعية جيب اتباعه
فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس حبجة شرعية ،هذا مذهب الشافعي وأمحد
وأيب حنيفة وغريهم.
وهو قول احملققني من أصحاب مالك ،ورمبا جعله حجة بعض أهل املغرب
من أصحابه وليس معه لألئمة نص وال دليل ،بل هم أهل تقليد.
ومل َأر يف كالم مالك ما يوجب جعل هذا حجة ،وهو يف املوطأ إمنا يذكر
األصل اجملمع عليه عندهم.
فهو حيكي مذهبهم ،واترة يقول :الذي مل يزل عليه أهل العلم ببلدًن....
وإذا تبني أن إمجاع أهل املدينة تفاوت فيه مذاهب مجهور األئمة علم بذلك
أن قوهلم أصح أقوال أهل األمصار رواية ودراية.
وأنه اترة يكون حجة قاطعة.
واترة حجة قوية.
مرجحا للدليل ،إذ ليست هذه اخلاصية لشيء من أمصار املسلمني(.)1
واترة ً
وقال الشيخ األمني الشنقيطي:
"...ألن الصحيح عنه [أي مالك] أن إمجاع أهل املدينة املعترب له شرطان:
أحدمها :أن يكون فيما ال جمال للرأي فيه.
الثاين :أن يكون من الصحابة أو التابعني ،ال غري ذلك؛ ألن قول الصحايب
فيما ال جمال للرأي فيه يف حكم املرفوع فأحلق هبم مالك التابعني من أهل املدينة
فيما ال اجتهاد فيه( )2لتعلمهم ذلك عن الصحابة.
أما يف مسائل االجتهاد ،فأهل املدينة عند مالك -فالصحيح عنه -كغريهم
من األمة ،وحكي عنه اإلطالق.
وعلى القول ابإلطالق يتوجه عليه اعرتاض املؤلف [يعين ابن قدامة يف روضة
(" )1جمموع الفتاوى" (.)311 – 303/20
( )2يف األصل" :فيما فيه اجتهاد" وهو خطأ مطبعي كما يظهر.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
169
الناظر] أبهنم بعض من األمة كغريهم"(.)1
إمجاعا ألهنم
وكذلك فإن قول اخللفاء ال اشدين واتفاقهم وحدهم ال يكون ً
بعض األمة ،واإلمجاع إمنا هو قول مجيع األمة ،ملا تقدم من عموم لفظ "املؤمنني"
و"األمة"(.)2
مشهورا أو
فال بد إذن من دخول مجيع اجملتهدين؛ سواء كان هذا اجملتهد
ً
خامالً ،وسواء كان من أهل عصر اجملمعني أو كان من أهل العصر الذي يليهم
لكنه حلق هبم وصار من أهل االجتهاد ساعة انعقاد اإلمجاع.
وذلك كالتانعب إذا أدرك الصحابة وقت احلادثة اجملمع عليها وهو من أهل
االجتهاد(.)3
الش ط ال انع :يشرتط يف أهل اإلمجاع أن يكونوا أحياء موجودين ،أما
األموات فال يعترب قوهلم ،وكذلك الذين مل يوجدوا بعد ،أو وجدوا ومل يبلغوا درجة
االجتهاد حال انعقاد اإلمجاع.
فالقاعدة :أن املاضي ال يعترب و املستقبل ال ينتظر.
فاملعترب يف كل إمجاع أهل عصره من اجملتهدين األحياء املوجودين ،ويدخل يف
ذلك احلاضر منهم والغائب.
ألن اإلمجاع قول جمتهدي األمة يف عصر من العصور ،أما اعتبار مجيع
جمتهدي األمة يف مجيع العصور فغري ممكن؛ ألن ذلك يؤدي إىل عدم االنتفاع
أبدا( .)4ويتصل هبذا الشرط مسألة انق اض العص .
ابإلمجاع ً
فهل من شرط صحة اإلمجاع أن ينقرض عصر اجملمعني مبوهتم ،أو مبرور زمن
(" )1مذكرة الشنقيطي" (.)154
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)365/1و"قواعد األصول" ( ،)75و"شرح الكوكب املنري"
(.)236 – 231/2
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)170/1و"روضة الناظر" ( ،)355/1و"شرح الكوكب املنري"
(.)236 – 231/2
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)156/1و"روضة الناظر" ( ،)375 ،374/1و"شرح
الكوكب املنري" (.)236 – 231/2
170
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
طويل على إمجاعهم()1؟
هب اجلمهور إىل أن انق اض العص ليق ش طًا يف صحة اإلمجاع بل
املعترب يف إمجاع جمتهدي العصر الواحد اتفاقهم ولو يف حلظة واحدة.
فال يشرتط أن ميضي على اتفاقهم زمن أو أن ينقرض عصر اجملمعني ،بل مىت ما
اتفقت كلمتهم واستقرت آراؤهم وعلم ذلك منهم حصل بذلك اإلمجاع وانعقد.
أما اشرتاط انقراض العصر فإنه يؤدي إىل تعذر وقوع اإلمجاع لتالحق
اجملتهدين فيدخل جمتهد جديد وهكذا...
مث إن األدلة الدالة على حجية اإلمجاع عامة مطلقة ،مل تتعرض لذكر هذا
الشرط.
وقد هب نعض العلماء إىل القول ابشرتاط انق اض العص ،ولعل هؤالء
أرادوا هبذا االشرتاط زايدة التثبت يف نسبة قول اجملمعني إليهم ،وشدة التأكد من
استقرار أهل املذاهب على مذاهبهم.
وعلى كل ٍ
حال فال ند يف هذه املسألة من حت ي قضية مهمة:
أال وهي التثبت يف نقل االتفاق والتأكد من حصول اإلمجاع ،وذلك مبعرفة
أقوال اجملمعني واالطالع على أحواهلم للعلم ابستقرارهم على مذاهبهم.
فإذا حصل التأكد من وقوع االتفاق والعلم مبوافقة مجيع اجملتهدين ،ولو يف
حلظة واحدة ،فال يلتفت بعد حصول اإلمجاع إىل خمالفة خمالف من أهل اإلمجاع أو
من غريهم.
أما يف حالة نقل االتفاق دون التأكد من موافقة مجيع اجملتهدين أو من غري
علم ابستقرار مذاهبهم – انقرض العصر أو مل ينقرض – فاإلمجاع املنقول – واحلالة
صحيحا ،وميكن أن يقال يف مثل هذه احلالة :يشرتط يف صحة
كذلك – ال يكون
ً
اإلمجاع استقرار املذاهب .وهذا قد حيصل يف حلظة واحدة ،وقد حيتاج إىل أزمنة
مديدة ،وقد ال حيصل أصالً.
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)366/1و"املسودة" ( ،)323 – 321و"شرح الكوكب
املنري" (.)246/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
171
املسألة اخلامسة
مستند اإلمجاع
والكالم على هذه املسألة يف نقاط ثالث:
أ -اتفق مجهور األمة على أن هذه األمة ل جتتمع إل ندليل ش عب ،وال
ميكن أن يكون إمجاعها عن هوى ،أو قوالً على هللا بغري علم ،أو دون دليل.
ذلـ ــك ألن األمـ ــة معصـ ــومة عـ ــن اخلطـ ــأ ،إذ القـ ــول علـ ــى هللا بـ ــدون دليـ ــل
خطأ(.)1
ب -األكثر على جواز أن يستند اجملمعون يف إمجاعهم إىل الكتاب
والسنة( ،)2نل إن هذا هو الصوا كما قرر ذلك ابن تيمية بقوله" :وال يوجد
مسألة يتفق اإلمجاع عليها إال وفيها نص"( ،)3فال جيوز عنده أن يوجد إمجاع ال
يستند إىل نص.
وقد بىن ابن تيمية هذا احلكم على مقدماي عامة وقواعد كلية(:)4
بيان.
أولها :أن ال سول قد بني أمت البيان فما من مسألة إال وللرسول فيها
اثنيها :مشول النصوص الشرعية وعموم داللتها على املسائل والوقائع ،فإنه ما
من مسألة إال وميكن االستدالل عليها بنص خفي أو جلي.
اثلثها :أن بعض العلماء قد خيفي عليه النص فيستدل ابالجتهاد والقياس،
وبعضهم يعلم النص فيستدل به.
( )1انظر" :مجاع العلم" ( ،)53و"الفقيه واملتفقه" ( ،)169/1و"جمموع الفتاوى"
( ،)178/19و"شرح الكوكب املنري" (.)259/2
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)259/2
(" )3جمموع الفتاوى" (.)195/19
( )4انظر املصدر السابق (.)202 – 194/19
172
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
رانعها :ثبت ابستقراء موارد اإلمجاع أن مجيع اإلمجاعات منصوصة.
جـ -اختلف العلماء يف جواز استناد اإلمجاع إىل االجتهاد أو القياس ،فمنعه
البعض وأجازه البعض(.)1
وبناءً على ما قرره ابن تيمية فإن هذا اخلالف ميكن إرجاعه إىل اللف ؛ إذ
كل مستدل يتكلم حبسب ما عنده من العلم ،فمن رأى داللة النص ذكرها ومن
رأى داللة القياس ذكرها ،واألدلة الصحيحة ال تتناقض ،إال أنه قد خيفي وجه
اتفاقها أو ضعف أحدها على البعض ،ومن ادعى أن من املسائل ما ال ميكن
االستدالل عليها إال ابلرأي والقياس فقد غلط ،وهو على كل حال خمرب عن
نفسه(.)2
وقد استدل من قال ابجلواز بوقوع ذلك وذكر أمثلة على استناد اإلمجاع إىل
االجتهاد( ،)3إال أن مجيع هذه املسائل ميكن إرجاعها إىل داللة النصوص العامة
فتكون من قبيل املنصوص عليه ،وهذا مما يعزز القول أبن اخلالف لفظي إذ اجلميع
متفق على ضرورة استناد اإلمجاع إىل دليل ،وهذا الدليل – يف مسألة ما – قد
نصا(.)4
يعتربه البعض
ً
اجتهادا ،ولكن البعض يعتربه ً
املسألة السادسة
األحكام املرتتبة على اإلمجاع
أحكاما ترتتب عليه:
إذا ثبت اإلمجاع فإن هناك
ً
أولً :وجو اتباعه وح مة خمالفته .وهذا معىن كونه حجة.
قال ابن تيمية" :وإذا ثبت إمجاع األمة على حكم من األحكام مل يكن ألحد
( )1انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)78و"شرح الكوكب املنري" (.)261/2
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (.)200 ،199/19
( )3انظر املصدر السابق ( ،)195/19و"شرح الكوكب املنري" (.)262 ،261/2
( )4كإمجاع الصحابة رضي هللا عنهم على خالفة أيب بكر رضي هللا عنه ،فبعضهم يرى أن
مستند هذا اإلمجاع النص اجللي ،وبعضهم يرى أن مستند ذلك القياس .انظر" :شرح
العقيدة الطحاوية" ( )473وما بعدها.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
173
أن خيرج عن إمجاعهم"(.)1
ويرتتب على هذا ا كر ما أييت:
أ -ال جيوز ألهل اإلمجاع أنفسهم خمالفة ما أمجعوا عليه(.)2
ب -وال جتوز املخالفة ملن أييت بعدهم(.)3
اثنيًا :أن هذا اإلمجاع حق وصوا ،ول يكون خطأ(.)4
ويرتتب على هذا ا كر ما أييت:
أبدا(.)5
أ -ال ميكن أن يقع إمجاع على خالف نص ً
فمن ادعى وقوع ذلك فال خيلو احلال من أمرين:
األول :عدم صحة وقوع هذا اإلمجاع؛ ألن األمة ال جتتمع على خطأ،
وخمالفة النص خطأ.
استنادا إىل النص
والثاين :أن هذا النص منسوخ ،فأمجعت األمة على خالفه
ً
الناسخ.
قال ابن القيم" :وحمال أن جتمع األمة على خالف نص إال أن يكون له نص
آخر ينسخه"(.)6
أيضا أن يقع إمجاع على خالف إمجاع سابق ،فمن ادعى
ب -وال ميكن ً
ذلك فال بد أن يكون أحد اإلمجاعني ابطالً ،الستلزام ذلك تعارض دليلني
قطعيني( )7وهو ممتنع(.)8
جـ -وال جيوز ارتداد أمة حممد كافة ،ألن الردة أعظم اخلطأ ،وقد ثبت
ابألدلة السمعية القاطعة امتناع إمجاع هذه األمة على اخلطأ والضاللة(.)9
(" )1جمموع الفتاوى" (.)10/20
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)249/2
( )3انظر" :الرسالة" (.)472
( )4انظر املصدر السابق" ،الفقيه واملتفقه" ( ،)154/1و"جمموع الفتاوى" (.)192/19
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" (.)267 ،257 ،201/19
(" )6إعالم املوقعني" ( )367/1وانظر (ص )248من هذا الكتاب.
( )7فيما إذا كان اإلمجاعان املتعارضان قطعيني.
( )8انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)258/2
( )9انظر املصدر السابق (.)282/2
174
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أيضا تضييع نص حتتاج إليه ،بل األمة معصومة عن
د -وال ميكن لألمة ً
ذلك ،لكن قد جيهل بعض األمة بعض النصوص ،ويستحيل أن جيهل ذلك كل
األمة(.)1
قال الشافعي" :ال نعلم رجالً مجع السنن فلم يذهب منها عليه شيء ،فإذا
مجع علم أهل العلم هبا أتى على السنن ،وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه
موجودا عند غريه"(.)2
الشيء منها ،مث كان ما ذهب عليه منها
ً
أيضا....." :ونعلم أهنم إذا كانت سنن رسول هللا ال تعزب عن عامتهم
وقال ً
وقد تعزب عن بعضهم"(.)3
وتتعلق هبذا ا كر مسألتان يف اب اإلمجاع(:)4
املسألة األوىل :إذا اختلف الصحابة على قولني فال جيوز ملن بعدهم
إحداث قول اثلث خيرج عن قوهلم(.)5
قطعا كما
ألن يف ذلك نسبة األمة إىل ضياع احلق والغفلة عنه ،وهو ابطل ً
أيضا القول خبلو العصر عن قائم هلل حبجته ،وأنه مل يبق من أهل
تقدم آن ًفا ،وفيه ً
()6
ذلك العصر على احلق أحد ،وهذا ابطل كما سيأيت بيانه إن شاء هللا تعاىل .
أما إحداث تفصيل ال يرفع ما اتفق عليه القوالن فليس هذا من قبيل
جديدا(.)7
مسألتنا إذ ال يعد هذا التفصيل قوالً ً
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)201/19و"شرح الكوكب املنري" (.)285/2
(" )2الرسالة" (.)43 ،42
( )3املصدر السابق (.)472
( )4القدر اجلامع بني هاتني املسألتني هو :أن اختالف الصحابة أو أهل عصر من العصور
إمجاعا على هذين القولني أو ال يعد كذلك؟ وقد بين على اعتباره
على قولني هل يعد ً
إمجاعا مسألتان.
ً
أ -أنه ال جيوز ملن بعدهم إحداث قول اثلث.
ب -أنه ال جيوز ملن بعدهم اإلمجاع على أحد القولني.
( )5انظر" :الرسالة" ( ،)596و"الفقيه واملتفقه" ( ،)173/1و"روضة الناظر" (.)378/1
( )6انظر ( )484من هذا الكتاب.
( )7مثال القول الثالث الذي يرفع ما اتفق عليه القوالن ،أن يقول البعض :إن اجلد أب
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
175
وإذا كان ال جيوز إحداث قول اثلث فيما إذا اختلفت األمة على قولني ،فأال
جيوز إحداث أتويل اثلث يف معىن آية أو حديث فيما إذا اختلفت األمة يف أتويلها
أو أتويله على قولني أوىل.
إذ جتويز ذلك معناه أن األمة كانت جمتمعة على الضالل يف تفسري القرآن
واحلديث ،وأن هللا قد أنزل اآلية وأراد هبا معىن مل يفهمه الصحابة والتابعون ،ألن
كال القولني خطأ والصواب هو القول الثالث الذي مل يقولوه ،اللهم إال إن كان املراد
من إحداث أتويل اثلث إيراد معىن حتتمله اآلية أو احلديث من غري حكم أبنه املراد،
فهذا جائز؛ إذ ليس فيه نسبة األمة إىل تضييع احلق والغفلة عن الصواب واإلمجاع
على الضاللة واخلطأ.
فاحملذور هو أن تكون األمة قد قالت :إن هذه اآلية أو احلديث ال يراد هبا أو
جتويزا خلفاء مراد هللا عن كافة
به إال هذا املعىن أو هذا املعىن ،فيكون القول الثالث ً
قطعا(.)1
األمة وهذا ممتنع ً
أما إحداث دليل مل يستدل به السابقون فإن هذا جائز ألن االطالع على
مجيع األدلة ليس شرطًا يف معرفة احلق ،إذ ميكن معرفة احلق بدليل واحد وليس يف
إحداث دليل جديد نسبة األمة إىل تضييع احلق خبالف مسألة إحداث قول
اثلث(.)2
املسألة الثانية :إذا اختلف الصحابة( )3يف مسألة على قولني ،مل جيز
=
إمجاعا
حيجب األخ ،وأن يقول البعض اآلخر :إن اجلد واألخ يراثن؛ فكان هذان القوالن ً
على أن للجد نصيبًا ،فالقول أبن األخ حيجب اجلد خرق هلذا اإلمجاع .ومثال القول الثالث
الذي ال يرفع ما اتفق عليه القوالن ،أن يقول البعض يف مرتوك التسمية :يؤكل مطل ًقا ومينعه
عمدا تفصيل ألنه وافق كالً
البعض اآلخر مطل ًقا ،فالقول أبنه يؤكل يف ترك التسمية ً
نسياًن ال ً
مجيعا ،فهو يف حالة النسيان وافق اجملوزين ،ويف حالة العمد
من القولني يف شيء ،ومل خيالفهما ً
وافق املانعني .انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)157 ،156
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)60 ،59/13
( )2انظر" :روضة الناظر" (.)379 ،378/1
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)173/1و"روضة الناظر" ( ،)376/1و"جمموع الفتاوى"
( ،)26/13و"شرح الكوكب املنري" (.)272/2
176
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
للتابعني اإلمجاع على أحدمها؛ ألن يف انعقاد هذا اإلمجاع نسبة األمة إىل تضييع
احلق والغفلة عن الدليل الذي أوجب اإلمجاع.
وألن نزاع الصحابة واختالفهم ال ميكن أن يكون على خالف اإلمجاع ،فال
يصح انعقاد إمجاع خيالفه بعض الصحابة ،ألن املسائل على نوعني:
نوع للصحانة فيه قول أو أقوال ،فيجب يف مثل هذا النوع اتباع ما عليه
الصحابة من إمجاع واختالف ،ولذلك بوب اخلطيب البغدادي بقوله« :ابب القول
يف أنه جيب اتباع ما سنه أئمة السلف من اإلمجاع واخلالف ،وأنه ال جيوز اخلروج
عنه»(.)1
والنوع اآلخ من املسائل هو املسائل ا ادثة نعد الصحانة ،واليت مل ينقل
فيها للصحابة كالم ،ففي مثل هذا النوع جيوز ملن بعدهم اإلمجاع ،وجيوز هلم
االختالف يف إطار الدليل الشرعي.
وألجل ذلك كان املوقف الصحيح من اختالف الصحانة هو التخري من
أقواهلم ابلدليل ،واعتبار هذه املسألة اليت اختلف فيها الصحابة من مسائل االجتهاد
اليت ترد إىل الدليل.
قال ابن تيمية" :فإهنم [يعين السلف] أفضل ممن بعدهم ،ومعرفة إمجاعهم،
ونزاعهم يف العلم والدين خري وأنفع من معرفة ما يذكر من إمجاع غريهم ونزاعهم.
معصوما ،وإذا تنازعوا فاحلق ال خيرج عنهم،
وذلك أن إمجاعهم ال يكون إال
ً
فيمكن طلب احلق يف بعض أقاويلهم ،وال حيكم خبطأ قول من أقواهلم حىت يعرف
داللة الكتاب والسنة على خالفه"(.)2
إذا تقرر ذلك فإنه ال يسلم وقوع إمجاع على أحد قويل الصحابة ،فمن ادعى
وقوع ذلك فال خيلو احلال من أمرين:
األول :أن هذا اخلالف مل يستقر بني الصحابة رضي هللا عنهم ومل يشتهر عنهم،
صحيحا إذ املمتنع
وإذا كان األمر كذلك فإن اإلمجاع على أحد قويل الصحابة يكون
ً
(" )1الفقيه واملتفقه" (.)173/1
(" )2جمموع الفتاوى" (.)24/13
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
177
هو وقوع اإلمجاع على مسألة استقر فيها اخلالف بني الصحابة(.)1
الثاين :أن املسألة اليت اختلف فيها الصحابة غري املسألة اليت أمجع عليها
املتأخرون بعدهم؛ ألن اختالف الزمان قد يؤدي إىل تغري بعض الظروف واألحوال
مما جيعل حقيقة املسألة اليت اختلف فيها الصحابة ختتلف عن حقيقة املسألة اليت
وقعت بعدهم وأمجع عليها املتأخرون فيكون هذا من قبيل األحكام اليت ختتلف
ابختالف الزمان واملكان على ما سيأيت( ،)2فال بد إذن من التثبت من حقيقة
املسألة اجملمع عليها :هل هي املسألة نفسها اليت اختلف فيها الصحابة؟
اثلثًا :حكر ُم ْنكِ ا كر اجملمع عليه(.)3
قال ابن تيمية" :والتحقيق أن اإلمجاع املعلوم يكفر خمالفه ،كما يكفر خمالف
النص برتكه........... ،وأما غري املعلوم فيمتنع تكفريه"(.)4
وقد تقدم بيان اإلمجاع القطعي والظين يف أقسام اإلمجاع(.)5
انعا :ح مة الجتهاد؛ إذ جيب اتباع اإلمجاع ،فإن اإلمجاع ال يكون إال على
رً
نص ،ووجود النص – كما هو معلوم – مسقط لالجتهاد(.)6
خامسا :سقوط نقل دليل اإلمجاع ،واالستغناء بنقل اإلمجاع عن نقل دليله،
ً
()7
أيضا البحث عن الدليل اكتفاءً ابإلمجاع .
ويسقط ً
تكثْيا ل دلة ،خاصة وأن احلكم اجملمع عليه قد دل
ً
سادسا :أن يف اإلمجاع ً
أيضا.
عليه النص ً
قال ابن تيمية ......" :وكذلك اإلمجاع دليل آخر؛ كما يقال :قد دل على
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)173/1و"شرح الكوكب املنري" (.)274/2
( )2انظر (ص )360من هذا الكتاب.
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)172/1و"املسودة" ( ،)344و"خمتصر ابن اللحام" (،)79
و"شرح الكوكب املنري" (.)263/2
(" )4جمموع الفتاوى" (.)270/19
( )5انظر (ص )159 ،158من هذا الكتاب.
( )6انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)172/1و"الصواعق املرسلة" ( ،)834/3وانظر (ص،474
)475من هذا الكتاب.
( )7انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)260/2
178
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ذلك الكتاب والسنة واإلمجاع ،وكل من هذه األصول يدل على احلق مع تالزمها،
فإن ما دل عليه اإلمجاع فقد دل عليه الكتاب والسنة"(.)1
سانعا :أن اإلمجاع قد جيعل الدليل اجملمع عليه قطعيًا بعد أن كان يف
ً
()2
األصل ظنيًا ،كحديث اآلحاد الذي أمجعت األمة على قبوله والعمل به .
واإلمجاع سبب للرتجيح؛ فيقدم النص اجملمع عليه على غريه ،وألجل ذلك
قدم األصوليون اإلمجاع على الكتاب والسنة(.)3
****
(" )1جمموع الفتاوى" (.)195/19
( )2انظر (ص )151من هذا الكتاب.
( )3انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)315
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث ال انع
القياي
ويف هذا املبحث مخق مسائل:
املسألة األوىل :تعريف القياس.
املسألة الثانية :أقسام القياس.
املسألة الثالثة :حجية القياس.
املسألة الرابعة :شروط القياس.
املسألة اخلامسة :أحباث العلة.
179
180
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف القياي
به.
القيــاس لغــة( :)1التقــدي ،ومنــه قــوهلم :قســت الثــوب ابلــذراع ،إذا قدرتــه
والقياس :املساواة ،يقال :فالن ال يقاس بفالن؛ أي :ال يساويه.
ويف اصطالح األصوليني ميكن تعريفه أبنه" :محل ف ع على أصل يف حكر
جبامع نينهما"(.)2
وهبذا التعريف يتضح أن للقياس أربعة أركان(:)3
ال كن األول :األصل ،وهو املقيس عليه.
ال كن الثاين :الفرع ،وهو املراد إحلاقه ابألصل املقيس عليه ومحله عليه.
ال كن الثالث :حكم األصل ،وهو الوصف املقصود محل الفرع عليه.
ال كن ال انع :الوصف اجلامع ،وهو العلة اجلامعة بني األصل والفرع املقتضية
للحمل.
المسألة الثانية
أقسام القياس
ينقسم القياس إىل أقسام متعددة بعدة اعتبارات:
أولً :ابعتبار قوته وضعفه ينقسم القياس إىل جلي وخفي(.)4
( )1انظر" :لسان العرب" ( ،)187/6و"املصباح املنري" ( ،)521و"شرح الكوكب املنري"
(.)5/4
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)227/2و"قواعد األصول" ( ،)79و"خمتصر ابن اللحام"
( ،)142و"مذكرة الشنقيطي" (.)243
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)210/2و"روضة الناظر" ( ،)303 ،228/2و"قواعد
األصول" ( ،)81 ،80و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)142و"مذكرة الشنقيطي (،243
.)271
( )4انظر" :الرسالة" ( ،)513و"جامع بيان العلم وفضله" ( ،)74/2و"روضة الناظر"
( ،)257 – 254/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)207/21و"خمتصر ابن اللحام"
( ،)150و"شرح الكوكب املنري" ( ،)208 ،207/14و"مذكرة الشنقيطي" (.)250
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
181
منصوصا
فالقياي اجللب :ما قطع فيه بنفي الفارق املؤثر ،أو كانت العلة فيه
ً
جممعا عليها ،فهذه ثالث صور.
أو ً
وهذا النوع من القياس ال حيتاج فيه إىل التعرض لبيان العلة اجلامعة ،لذلك
مسي ابجللي ،وذلك مثل قياس إحراق مال اليتيم وإغراقه على أكله يف احلرمة الثابتة
َّ ِ
ال الْيَـتَ َامى ظُل ًْما إِ ََّّنَا َأيْ ُكلُو َن ِيف نُطُوهنِِ ْر َان ًرا
ين َأيْ ُكلُو َن أ َْم َو َ
يف قوله تعاىل :إِ َّن الذ َ
صلَ ْو َن َس ِع ًْيا[ النساء.]10 :
َو َسيَ ْ
مقطوعا به،
وهذا النوع من القياس متفق عليه ،وهو أقوى أنواع القياس لكونه
ً
قياسا كما سيأيت بيان ذلك يف الكالم على مفهوم
وقد اختلف يف تسميته ً
املوافقة(.)1
منصوصا أو
والقياي اخلفب :ما مل يقطع فيه بنفي الفارق ومل تكن علته
ً
جممعا عليها ،وذلك مثل قياس القتل ابملثقل على القتل ابحملدد يف وجوب
ً
القصاص.
فهذا النوع ال بد فيه من التعرض لبيان العلة وبيان وجودها يف الفرع ،فيحتاج
إىل مقدمتني:
املقدمة األوىل :أن السكر مثالً علة التحرمي يف اخلمر ،فهذه املقدمة إمنا
تثبت أبدلة الشرع ،وهي مسالك العلة اآليت بياهنا(.)2
املقدمة الثانية :أن السكر موجود يف النبيذ ،فهذه املقدمة جيوز أن تثبت
ابحلس والعقل والعرف وأدلة الشرع.
قياسا.
وهذا النوع متفق على تسميته ً
اثنيًا :ابعتبار علته ينقسم القياس إىل ثالثة أقسام(:)3
( )1انظر (ص )451من هذا الكتاب.
( )2انظر (ص )202من هذا الكتاب.
( )3انظر" :إعالم املوقعني" ( )133/1وما بعدها ،و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)150و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)210 ،209/4و"مذكرة الشنقيطي" ( .)271 ،270وقد زاد
ابعا وهو قياس الشبه .انظر" :قواعد األصول" ( )93 ،92وانظر الكالم
قسما ر ً
البعض ً
على قياس التشبه يف (ص )195من هذا الكتاب.
182
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
القسر األول :قياس العلة ،وهو :ما صرح فيه ابلعلة فيكون اجلامع هو العلة،
وذلك كقوله تعاىل :قَ ْد َخلَ ْ ِ ِ
ِ
األر ِ
ف َكا َن
ض فَانْظُ وا َك ْي َ
ت م ْن قَـ ْبل ُك ْر ُسنَ ٌن فَسْيُوا ِيف ْ
َعاقِبَةُ ال ُْم َك ِذنِ َني[ آل عمران.]137 :
يعين :هم األصل ،وأنتم الفرع ،والعلة اجلامعة التكذيب ،واحلكم اهلالك.
والقسر الثاين :قياس الداللة ،وهو :ما مل تذكر فيه العلة ،وإمنا ذكر فيه الزم
من لوازمها؛ كأثرها أو حكمها فيكون اجلامع هو دليل العلة ،وذلك كقوله تعاىل:
ِ
األر َ ِ ِ
ت إِ َّن الَّ ِذي
اء ْاهتَـ َّ ْ
ي َوَرنَ ْ
آَيتِِه أَنَّ َ
ك تَـ َى ْ
َ وم ْن َ
ض َخاش َعةً فَإ َا أَنْـ َلْنَا َعلَْيـ َها ال َْم َ
َحيَ َاها لَ ُم ْحيِب ال َْم ْوتَى إِنَّهُ َعلَى ُك ِل َش ْب ٍء قَ ِدي ٌ [ فصلت.]39 :
أْ
فاألصل القدرة على إحياء األرض ،والفرع القدرة على إحياء املوتى ،والعلة
هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته ،وإحياء األرض دليل العلة.
والقسر الثالث :القياس يف معىن األصل ،وهو :ما كان إبلغاء الفارق فال
حيتاج إىل التعرض إىل اجلامع ،وذلك كإحلاق الضرب ابلتأفيف ،وهذا القسم هو
القياس اجللي؛ ويسمى :مبفهوم املوافقة.
اثلثًا :وينقسم القياس إىل :قياس طرد ،وقياس عكس(.)1
فقياي الط د :ما اقتضى إثبات احلكم يف الفرع لثبوت علة األصل فيه(.)2
وقياي العكق :ما اقتضى نفي احلكم عن الفرع لنفي علة احلكم فيه.
ومثال هذين القسمني يوضحه ابن تيمية بقوله:
"وما أمر هللا به من االعتبار يف كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس؛ فإنه
ملا أهلك املكذبني للرسل بتكذيبهم ،كان من االعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما
حذرا من العقوبة ،وهذا قياس
فعلوا ،أصابه مثل ما أصاهبم ،فيتقي تكذيب الرسل ً
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)504/20 ،239/9و"إعالم املوقعني" ( )160/1وما
بعدها ،و"شرح الكوكب املنري" ( )8/4وما بعدها.
طرداي غري مناسب لرتتيب احلكم عليه ،وهذا املعىن
( )2وقد يراد
بقياس الطرد ما كان وصفه ً
ٍ
غري مقصود ههنا .انظر" :قواعد األصول" ( ،)93و"مذكرة الشنقيطي" ( ،)264وانظر
فيما يتعلق ابلوصف الطردي (ص )195من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
183
الطرد ،ويعلم أن من مل يكذب الرسل ال يصيبه ذلك ،وهذا قياس العكس"(.)1
انعا :ينقسم القياس ابعتبار حمله إىل األقسام التالية:
رً
أ -القياي يف التوحيد والعقائد(:)2
اتفق أهل السنة على أن القياس ال جيري يف التوحيد إن أدى إىل البدعة
واإلحلاد ،وتشبيه اخلالق ابملخلوق ،وتعطيل أمساء هللا وصفاته وأفعاله.
وإمنا يصح القياس يف ابب التوحيد إذا استدل به على معرفة الصانع
وتوحيده ،ويستخدم يف ذلك قياس األوىل ،لئال يدخل اخلالق واملخلوق حتت قضية
(ِ ِ )3
أيضا
كلية تستوي أفرادها َ و ََّّلل ال َْمثَ ُل األ ْعلَى[ النحل ،]60 :ولئال يتماثالن ً
()4
ق َك ِمثِْل ِه َش ْبءٌ[ الشورى.]11 :
ي
ل
يف شيء من األشياء
َ
ْ
َ
بل الواجب أن يعلم أن كل ٍ
كمال –ال نقص فيه بوجه– ثبت للمخلوق
فاخلالق أوىل به ،وكل نقص وجب نفيه عن املخلوق فاخلالق أوىل بنفيه عنه.
القياي يف األحكام الش عية(:)5منع البعض إجراء القياس يف مجيع األحكام الشرعية ،ألن يف األحكام ما ال
يعقل معناه فيتعذر إجراء القياس يف مثله.
وهذا غري صحيح؛ بل كل ما جاز إثباته ابلنص جاز إثباته ابلقياس ،ألنه
ليس يف هذه الشريعة شيء خيالف القياس.
متبحرا يف األدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على
قال ابن تيمية" :ومن كان
ً
(" )1جمموع الفتاوى" (.)239/9
( )2انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)74/2و"الفقيه واملتفقه" ( ،)209/2و"جمموع
الفتاوى" ( ،)350 ،349/12و"إعالم املوقعني" ( )68/1وانظر (ص )476من هذا
الكتاب.
( )3املراد بذلك القياس الشمويل – ويسمى القياس االقرتاين – وهو ما اشتمل على النتيجة أو
نقيضها ،ابلقوة ال ابلفعل .انظر" :تسهيل املنطق" (.)48
( )4املراد بذلك القياس التمثيلي ،وهو إثبات حكم يف جزئي معني لوجوده يف جزئي آخر ألمر
مشرتك بينهما .انظر "تسهيل املنطق" (.)55
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)289 ،288/19و"إعالم املوقعني" (،)3/2 ،205/1
و"شرح الكوكب املنري" (.)225 ،224/4
184
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
غالب األحكام ابلنصوص وابألقيسة"(.)1
وقال ابن القيم ...." :فهذه نبذة يسرية تطلعك على ما وراءها من أنه ليس
يف الشريعة شيء خيالف القياس ،وال يف املنقول عن الصحابة الذي ال يعلم هلم فيه
وعدما"(.)2
خمالف ،وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها ً
وجودا ً
خامسا :ابعتبار الصحة والبطالن ينقسم القياس إىل صحيح وفاسد ومرتدد
ً
بينهما:
فالصحيح :هو ما جاءت به الشريعة يف الكتاب والسنة ،وهو اجلمع بني
املتماثلني ،مثل أن تكون العلة موجودة يف الفرع من غري معارض مينع حكمها،
ومثل القياس إبلغاء الفارق .والفاسد ما يضاده(.)3
قال ابن تيمية" :وكل قياس دل النص على فساده فهو فاسد ،وكل من أحلق
منصوصا مبنصوص خيالف حكمه فقياسه فاسد ،وكل من سوى بني شيئني أو فرق
ً
بني شيئني بغري األوصاف املعتربة يف حكم هللا ورسوله فقياسه فاسد"(.)4
والقسر الثالث :هو القياي املرتدد نني الصحة والفساد فال يقطع بصحته
وال بفساده ،فهذا يتوقف فيه حىت يتبني احلال فيقوم الدليل على الصحة أو
الفساد(.)5
فلفظ القياس إذن لفظ جممل يدخل فيه الصحيح والفاسد(.)6 لذلك ال يصح إطالق القول بصحته أو ببطالنه(.)7أيضا جتد يف كالم السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين ،وجتد يف
وهلذا ًأيضا استعماله واالستدالل به ،وهذا حق وهذا حق.
كالمهم ً
(" )1جمموع الفتاوى" (.)289/19
(" )2إعالم املوقعني" (.)71/2
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)505 ،504/20و"إعالم املوقعني" (،3/2 ،133/1
.)4
(" )4جمموع الفتاوى" (.)288 ،287/19
( )5انظر املصدر السابق (.)288/19
( )6انظر املصدر السابق ( ،)504/20و"إعالم املوقعني" ( ،)3/2و"ملحق القياس من
مذكرة الشنقيطي" ( )354وما بعدها.
( )7انظر" :جمموع الفتاوى" (.)288/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
185
فمراد من ذمه :القياس الباطل ،ومراد من استعمله واستدل به :القياس
الصحيح(.)1
أيضا مل جيئ يف القرآن الكرمي مدحه وال ذمه ،وال األمر به وال النهي
وهلذا ًعنه ،فإنه مورد تقسيم إىل صحيح وفاسد(.)2
املسألة الثالثة
حجية القياي
اتفق مجهور العلماء على إثبات القياس واالحتجاج به من حيث اجلملة(،)3
بل ذكره كثري من علماء أهل السنة ضمن األدلة املتفق عليها(.)4
والناي يف القياي ط فان ووسط(.)5
فط ف أنكر القياس أصالً ،وط ف أسرف يف استعماله حىت رد به النصوص
الصحيحة ،وا ق هو التوسط نني الط فني ،وهو مذهب السلف ،فإهنم مل ينكروا
أصل القياس ومل يثبتوه مطل ًقا ،بل أخذوا ابلقياس واحتجوا به ولكن وفق الضوابط
اآلتية:
الضانط األول :أال يوجد يف املسألة نص()6؛ ألن وجود النص يسقط
القياس ،فال بد أوالً من البحث عن النص قبل استعمال القياس حىت ال يصار إىل
القياس إال عند عدم النص(.)7
( )1انظر" :إعالم املوقعني" ( .)133/1وانظر الضوابط اآلتية يف املسألة التالية.
( )2انظر" :إعالم املوقعني" (.)133/1
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)178/1و"جامع بيان العلم وفضله" ( ،)77/2و"روضة
الناظر" ( ،)234/2و"جمموع الفتاوى" (.)341/11
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)55 ،54/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)401/20و"خمتصر ابن
اللحام" ( ،)70و"شرح الكوكب املنري" (.)5/2
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)341/11و"إعالم املوقعني" (.)200/1
( )6املراد ابلنص ههنا النص القاطع للنزاع .انظر (ص )475تعليق رقم ( ،)1و(ص،475
)476من هذا الكتاب يف مسألة سقوط االجتهاد عند وجود النص.
( )7املراد ابلنص ههنا النص املخالف للقياس .انظر الشرط الرابع من شروط القياس اآلتية يف
(ص.)193
186
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قال الشافعي" :وحنكم ابإلمجاع مث القياس ،وهو أضعف من هذا ،ولكنها
منزلة ضرورة؛ ألنه ال حيل القياس واخلرب موجود ،كما يكون التيمم طهارة يف السفر
عند اإلعواز من املاء ،وال يكون طهارة إذا وجد املاء ،إمنا يكون طهارة يف
اإلعواز"(.)1
الضانط الثاين :أن يصدر هذا القياس من عاٍمل مؤهل( ،)2قد استجمع شروط
االجتهاد(.)3
صحيحا ،قد استكمل شروط
الضانط الثالث :أن يكون القياس يف نفسه
ً
القياس الصحيح اآليت بياهنا يف املسألة الالحقة(.)4
ومعتربا يف الشريعة ،وهذا هو
صحيحا
هبذه الضوانط الثالثة يكون القياي
ً
ً
القياس الذي أشار إليه السلف واستعملوه ،وعملوا به وأفتوا به ،وسوغوا القول
()5
ِ
ِ
به ،وهو املي ان الذي أنزله هللا مع كتابه ،قال تعاىل :هللاُ الَّذي أَنْـ َ َل الْكتَا َ
ِاب ْ ِق وال ِْمي ا َن[ الشورى ،]17 :وقال سبحانه :لََق ْد أَرسلْنَا رسلَنَا ِابلْبـيِنَ ِ
اي َوأَنْـ َلْنَا
َ َ َ
َ
َْ ُُ
معهر ال ِ
ْكتَا َ َوال ِْمي َا َن[ احلديد.]25 :
ََُ ُ
قال ابن تيمية" :وكذلك القياس الصحيح حق ،فإن هللا بعث رسله ابلعدل،
وأنزل امليزان مع الكتاب ،وامليزان يتضمن العدل وما يعرف به العدل"(.)6
وقال ابن القيم" :فالصحيح [يعين من القياس] هو امليزان الذي أنزله مع
كتابه"(.)7
وهذا القياس من العدل الذي جاءت به الشريعة ،وال ميكن أن يقع بينهما
شيء من التعارض أو التناقض(.)8
أما القياي الذي خال من هذه الضوانط ،أو من واحد منها فهو القياي
(" )1الرسالة" ( .)600 ،599وانظر" :إعالم املوقعني" (.)67 ،32/1
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)509و"جامع بيان العلم وفضله" (.)61/2
( )3انظر يف شروط االجتهاد (ص )472من هذا الكتاب.
( )4انظر (ص )193من هذا الكتاب.
( )5انظر" :إعالم املوقعني" ()176/1
( )6جمموع الفتاوى (.)176/10
(" )7إعالم املوقعني" (.)133/1
( )8انظر األصل الثالث فيما أييت.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
187
الباطل والرأي الفاسد ،وهذا هو الذي ذمه السلف ومنعوا من العمل والفتيا به،
وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله(.)1
قال ابن عبد الرب" :وأما القياس على األصل واحلكم للشيء بنظريه فهذا مما
ال خيتلف فيه أحد من السلف ،بل كل من روي عنه ذم القياس قد وجد له القياس
منصوصا ،ال يدفع هذا إال جاهل أو متجاهل خمالف للسلف يف
الصحيح
ً
األحكام"(.)2
وقبل ذكر األدلة على حجية القياس ،حتسن اإلشارة إىل أن العمل ابلقياس
الصحيح واالحتجاج به لدي أهل السنة ،أمر مبين على أصول ش عية اثنتة.
األصل األول :إثبات احلكمة والتعليل يف أحكام هللا وشرعه وأمره سبحانه
وتعاىل ،وتنزيهه جل شأنه عن العبث ،وسيأيت بيان ذلك – إن شاء هللا – يف
مسألة التعليل(.)3
األصل الثاين :مشول النصوص جلميع األحكام وإحاطتها أبفعال املكلفني،
فقد بني هللا سبحانه على لسان رسوله بكالمه وكالم رسوله مجيع ما أمر به،
ومجيع ما نَـ َهى عنه ،ومجيع ما أحله ،ومجيع ما حرمه ،ومجيع ما عفا عنه ،وهبذا
ت َعلَْي ُك ْر
ْت لَ ُك ْر ِدينَ ُك ْر َوأ َْمتَ ْم ُ
يكون الدين كامالً ،كما قال تعاىل :الْيَـ ْوَم أَ ْك َمل ُ
نِ ْع َم ِيت[ املائدة ،]3 :ولكن الناس يتفاوتون يف معرفة النصوص واالطالع عليها،
أيضا يف فهمها:
ويتفاوتون ً
حكما أو حكمني ،ومنهم من يفهم منها عشرة
فمنهم من يفهم من اآلية ً
أحكام أو أكثر ،ومنهم من يقتصر يف الفهم على جمرد اللفظ دون سياقه ودون إميائه
قدرا
نصا آخر متعل ًقا به
وإشارته وتنبيهه ،ومنهم من يضم إىل النص ً
فيفهم من اقرتانه به ً
()4
ائدا على ذلك النص مبفرده ،وهذا مشروط بفهم يؤتيه هللا عبده .
زً
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)242 ،241/2و"إعالم املوقعني" ( )67/1وانظر
(ص )471 ،470من هذا الكتاب.
(" )2جامع بيان العلم وفضله" (.)77/2
( )3انظر (ص )201 -196من هذا الكتاب.
( )4انظر" :إعالم املوقعني" (.)268/1
188
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
واملقصود أن داللة القياس الصحيح ال خترج عن داللة النصوص؛ فقد ثبت أن
هللا سبحانه قد أنزل الكتاب وامليزان ،فكالمها يف اإلنزال أخوان ،ويف معرفة األحكام
شقيقان؛ فإن ما ثبت ابلقياس ال بد وأن يستند إىل الكتاب أو السنة أو اإلمجاع يف
ثبوت حكم األصل املقيس عليه من جهة ،ويف ثبوت علته من جهة أخرى ،والقياس
على كل حال مستند يف ثبوت حجيته إىل نصوص الكتاب والسنة(.)1
فإذا علم ذلك وهو مشول النصوص ل حكام وتفاوت الناس يف فهم
النصوص:
علم أولً بطالن قول من قال" :إن النصوص ال تفي بعشر معشارالشريعة"(.)2
وعلم اثنيًا أن النصوص كافية ويستغىن هبا عن القياس والرأي يف كثري مناملسائل .فمن ذلك(:)3
السا ِرقَةُ فَاقْطَ ُعوا أَيْ ِديَـ ُه َما[ املائدة]38 :
السا ِر ُق َو َّ
االكتفاء بقوله تعاىلَ :و َّ
عن إثبات قطع النباش ابلقياس ،إذ السارق يعم يف لغة العرب وعرف الشارع سارق
ثياب األحياء واألموات.
()4
واالكتفاء بقوله « :من عمل عمالً ليق عليه أم ان فهو رد» يف
إبطال كل عقد هنى هللا ورسوله عنه وحرمه ،وأنه لغو ال يعتد به.
وعلم اثلثًا مقدار هذه الشريعة ،وجالل مكانتها ،وسعتها ،وهيمنتها،وشرفها على مجيع الشرائع(.)5
انعا أن الرسول قد بني ألمته كل شيء من الدين(.)6
وعلم ر ً( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)289 – 280 ،200 – 197/19و"االستقامة" (– 6/1
،)14و"إعالم املوقعني" (.)354 ،332 ،331/1
( )2انظر املراجع السابقة.
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)289 ،285 – 281/19و"االستقامة" البن تيمية
( ،)14 - 6/1و"إعالم املوقعني" (.)383 – 350/1
( )4رواه مسلم (.)16/12
( )5انظر" :إعالم املوقعني" (.)350/1
( )6انظر املصدر السابق.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
189
األصل الثالث :موافقة القياس الصحيح لنصوص الشريعة؛ إذ ليس يف
الشريعة شيء على خالف القياس .ومما يدل على ذلك:
-1أن القياس الصحيح من العدل ،والنص الشرعي من العدل ،فكالمها
عدل.
قال ابن تيمية" :وهو [أي القياس الصحيح] من العدل الذي بعث هللا به
رسوله"(.)1
-2أن الشريعة ال تناقض فيها وال تعارض بني شيء من أحكامها ،والقياس
الصحيح مما جاءت به الشريعة(.)2
-3أن الشريعة جاءت ابجلمع بني املتماثالت والتفريق بني املختلفات،
والقياس من قبيل اجلمع بني املتماثلني فيكون مواف ًقا للشريعة(.)3
قياسا
ولنن تيمية رسالة نفيسة يف بيان أنه ليس يف الشريعة ما خيالف ً
صحيحا( ،)4كما عقد انن القير يف ذلك فصالً يف كتابه القيم "إعالم املوقعني"،
ً
()5
فقال" :فصل يف بيان أنه ليس يف الشريعة شيء على خالف القياس. "......
وبذلك يتضح:
* خطأ من عنون لتلك املسألة بقوله" :ما حكم العمل خبرب الواحد إذا
خالف القياس؟".
ألن هذا العنوان مبين على تصور وقوع االختالف بني اخلرب والقياس ،وهذا
غري صحيح.
* وأن من ادعى وقوع اختالف بني اخلرب والقياس فاجلواب عليه أن يقال :ال
خيلو احلال من أمرين:
األم األول :عدم ثبوت هذا اخلرب املخالف للقياس.
(" )1جمموع الفتاوى" ( ،)505/20وانظر (.)288 ،176/19
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)526/20و"إعالم املوقعني" (.)373/4 ،33/1
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)176/19 ،505 ،504/20
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" (.)583 – 504/20
(" )5إعالم املوقعني" (.)70 – 3/2
190
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
واألم الثاين :فساد هذا القياس.
قال ابن تيمية..." :وليس من شرط القياس الصحيح املعتدل أن يعلم صحته
كل أحد.
فمن رأى شيئًا من الشريعة خمال ًفا للقياس فإمنا هو خمالف للقياس الذي انعقد
يف نفسه ،ليس خمال ًفا للقياس الصحيح الثابت يف نفس األمر ،وحيث علمنا أن
قطعا أنه قياس فاسد.....فليس يف الشريعة ما
النص جاء خبالف قياس :علمنا ً
صحيحا ،لكن فيها ما خيالف القياس الفاسد ،وإن كان من الناس من
قياسا
ً
خيالف ً
ال يعلم فساده"(.)1
دائما إذا ظهر للمجتهد بينهما تعارض،
* وأن اخلرب يقدم على القياس ً
يوضحه:
* أن القياس املخالف للنص قياس فاسد ،ال جيوز املصري إليه وال األخذ به،
وهذا هو القياس الذي ثبت عن السلف ذمه واملنع منه.
أما األدلة على حجية القياي فمنها:
أولً :إمجاع الصحانة رضي هللا عنهم على احلكم ابلقياس يف وقائع كثرية
تصل مبجموعها إىل حد التواتر(.)2
فمن ذلك قياس الزكاة على الصالة يف قتال املمتنع منها جبامع كوهنما
عبادتني من أركان اإلسالم(.)3
أيضا ومن بعدهم من علماء األمة على إجازة القياس وإثبات
ومل يزل التابعون ً
األحكام به(.)4
اثنيًا :حديث معا رضي هللا عنه( )5املشهور أن الرسول ملا بعثه إىل اليمن
(" )1جمموع الفتاوى" (.)505/20
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)199/1و"روضة الناظر" ( ،)236/2و"إعالم املوقعني"
(.)217 – 209/1
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)238/2و"أصول الفقه" البن مفلح (– 1316/3
،)1328و"نزهة اخلاطر العاطر" (.)238/2
( )4انظر" :جامع بيان العلم وفضله" (.)62/2
( )5هو :الصحايب اجلليل أبو عبد الرمحن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس األنصاري
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
191
قال « :كيف تقضب إ ا ع ض لك قضاء؟» قال :أقضي بكتاب هللا ،قال« :فإن
مل جتد يف كتا هللا؟» قال :فبسنة رسول هللا ،قال« :فإن مل جتد يف سنة رسول
هللا ول يف كتا هللا؟» قال :اجتهد رأي وال آلو ،فضرب رسول هللا صدره
رسول رس ِول هللا ملا ي ضب رسول هللا»(.)1
وقال« :ا مد هلل الذي وفق َ
قال ابن عبد الرب عن هذا احلديث" :وهو احلجة يف إثبات القياس عند مجيع
الفقهاء القائلني به"(.)2
وقد وردت عن الصحابة رضي هللا عنهم آاثر تدل على هذا املعىن(.)3
=
أحدا واخلندق واملشاهد كلها مع
بدرا و ً
اخلزرجي ،شهد العقبة الثانية مع األنصار ،مث شهد ً
رسول هللا ،تويف بطاعون عمواس ابلشام سنة (18ه) .انظر" :هتذيب األمساء
واللغات" ( ،)98/2و"اإلصابة" (.)406/3
( )1احلديث هبذا اللفظ أخرجه أبو داود يف سننه ( )303/3برقم ( ،)3592وأخرجه
الرتمذي ( )616/3برقم ( .)1327وقد صحح هذا احلديث اخلطيب البغدادي قائالً:
"على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم"" .الفقيه
واملتفقه" ( ،)189/1إال أن بعض احملدثني ضعفه من جهة السند مع القول بصحة
معناه .انظر الكالم على هذا احلديث يف "إعالم املوقعني" ( ،)202/1و"حتفة الطالب"
( ،)151و"املعترب" للزركشي ( ،)63و"االبتهاج بتخريج أحاديث املنهاج" (.)210
سندا ،وأن يف متنه خمالفة ألصل مهم
وقد ذهب الشيخ األلباين إىل أن احلديث ضعيف ً
معا .انظر:
وهو عدم جواز التفريق يف التشريع بني الكتاب والسنة ووجوب األخذ هبما ً
"منزلة السنة يف اإلسالم وبيان أنه ال يستغىن عنها ابلقرآن" ( ،)22 ،21و"سلسلة
األحاديث الضعيفة" ( )273/2برقم (.)881
(" )2جامع بيان العلم وفضله" (.)55/2
( )3من ذلك كتاب عمر إىل أيب موسى األشعري ،وفيه" :اعرف األشباه واألمثال وقس
األمور".
ث عمر شرحيًا على قضاء الكوفة قال له :انظر ما تبني لك يف كتاب هللا فال
وملا بـَ َع َ
أحدا ،وما مل يتبني لك يف كتاب هللا فاتبع فيه سنة رسول هللا ،وما مل يتبني
تسأل عنه ً
لك يف السنة فاجتهد رأيك.
وقال عبد هللا بن مسعود " :من عرض له منكم قضاء فليقض مبا يف كتاب هللا ،فإن مل
ِ
فليقض مبا قضى فيه نبيه فإن جاء أمر ليس يف كتاب هللا ومل يقض
يكن يف كتاب هللا
فيه نبيه فليقض مبا قضى به الصاحلون ،فإن جاء أمر ليس يف كتاب هللا ومل ِ
يقض به
نبيه ومل ِ
يقض به الصاحلون ،فليجتهد رأيه ،فإن مل حيسن فليقم وال يستحي".
=
192
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ت يف الكتا والسنة من األم ابلعتبار والتعاظ واالستفادة
اثلثًا :ما ثَـبَ َ
من األمثال املضروبة وأخذ األحكام منها ،وأن للنظري حكم نظريه ،وهذا معلوم
أيضا يف فِطَ ِر الناس ومستقر يف عوائدهم وأحواهلم(.)1
ً
فمن ذلك قوله تعاىل :فَا ْعتَِربُوا ََي أ ِ
صا ِر[ احلشر ،]2 :وقوله تعاىل:
ُويل األنْ َ
ض هللا مثَال رجال ِف ِيه ُش َكاء مت َ ِ
سو َن َوَر ُجال َسلَ ًما لَِ ُج ٍل َه ْل يَ ْستَ ِوََي ِن َمثَال
َ ُ َُ
ُ َ َ ُ َ ََ
شاك ُ
ِِ
َّلل نل أَ ْكثَـ هر ل يـعلَمو َن[ الزمر ،]29 :وقوله تعاىل :اح ُ َّ ِ
ين ظَلَ ُموا
ْ
ش ُوا الذ َ
ا َْ ْم ُد َّ َ ْ ُ ُ ْ َ ْ ُ
اج ُه ْر[ الصافات.]22 :
َوأَ ْزَو َ
وكذلك لو قال الطبيب للعليل وعنده حلم ضأن :ال أتكل الضأن فإنه يزيد يف
مادة املرض ،لفهم كل ٍ
عاقل منه أن حلم اإلبل والبقر كذلك ،ولو أكل منهما لعد
خمال ًفا.
وكذلك لو من عليه غريه إبحسانه ،فقال :وهللا ال أكلت له لقمةً وال شربت
الثياب ،والشا َة،
الذهب ،و َ
اهم( ،وَ )2
له ماءً؛ يريد خالصه من منته عليه ،مث قبل منه الدر َ
ف عليه .
اقعا فيما هو أعظم مما َحلَ َ
وحنوها ،لعده العقالء و ً
املسألة ال انعة
=
وكان ابن عباس رضي هللا عنهما إذا سئل عن شيء فإن كان يف كتاب هللا قال به ،فإن مل يكن
يف كتاب هللا وكان عن رسول هللا قال به ،فإن مل يكن يف كتاب هللا وال عن رسول هللا
وكان عن أيب بكر وعمر قال به ،فإن مل يكن يف كتاب هللا وال عن رسول هللا وال
عن أيب بكر وعمر اجتهد رأيه.
قال ابن تيمية" :وهذه اآلاثر اثبتة عن عمر ،وابن مسعود ،وابن عباس ،وهم من أشهر
الصحابة ابلفتيا والقضاء"" .جمموع الفتاوى" (.)201/19
وقال ابن القيم عن كتاب عمر رضي هللا عنه إىل أيب موسى رضي هللا عنه" :وهذا كتاب جليل
تلقاه العلماء ابلقبول" ".إعالم املوقعني" (.)86/1
انظر هذه اآلاثر يف" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)58 – 56/2و"الفقيه واملتفقه" (– 199/1
،)203و"جمموع الفتاوى" ( ،)201 – 200/19و"إعالم املوقعني" (.)64 – 61/1
( )1انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)65/2و"الفقيه واملتفقه" ( ،)178/1و"روضة
الناظر" ( ،)244/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)23/13و"إعالم املوقعني" (،)187/1
و"شرح الكوكب املنري" (.)216/4
( )2انظر" :إعالم املوقعني" (.)217/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ش وط القياي
193
()1
شرعا من توفر الشروط اآلتية فيه :
ال بد يف صحة القياس واعتباره ً
الش ط األول :أن يكون حكم األصل املقيس عليه اثبتًا ،إما بنص ،أو
إمجاع ،أو ابتفاق اخلصمني عليه ،أو بدليل يغلب على الظن صحته ،وأال يكون
منسوخا.
ً
الش ط الثاين :أن يكـون حكـم األصـل املقـيس عليـه معقـول املعـىن لـت مكن
تعديـة ا حلكــم ،أمـا مــا ال يعقـل معنــاه كعــدد الركعـات فــال سـبيل إىل تعديــة احلكــم
فيه.
الش ط الثالث :أن توجد العلة يف الفرع بتمامها ،وذلك أبن يقطع بوجودها
– وهذا هو قياس األوىل أو املساواة – أو يغلب على الظن وجودها يف الفرع.
منصوصا عليه بنص خمالف حلكم
الش ط ال انع :أال يكون حكم الفرع
ً
األصل ،إذ القياس يكون حينئذ على خالف النص وهو ابطل ،وأما إن كان النص
مواف ًقا حلكم األصل ،فإن هذا جيوز من ابب تكثري األدلة؛ فيقال يف حكم الفرع:
دل عليه النص والقياس.
مساواي حلكم األصل ،فال يصح
الش ط اخلامق :أن يكون حكم الفرع
ً
قياس واجب على مندوب ،وال مندوب على واجب مثالً؛ لعدم مساواهتما يف
احلكم.
الش ط السادي :أن تكون العلة متعدية ،فإن كانت قاصرة صح التعليل هبا
ومل يصح تعدية احلكم هبا ،مثال العلة القاصرة :الثمنية يف الذهب والفضة ،ومثال
العلة املتعدية :الطعم يف الرب.
الش ط السانع :أن تكون العلة اثبتة مبسلك من مسالك العلة وهي النص
أو اإلمجاع أو االستنباط(.)2
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)314 – 303/2و"شرح الكوكب املنري" (،)113 – 17/4
و"مذكرة الشنقيطي" (.)277 – 271
( )2انظر (ص )202من هذا الكتاب.
194
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
إمجاعا ،وذلك إن كانت مستنبطة.
نصا وال ً
الش ط الثامن :أال ختالف العلة ً
الش ط التاسع :أن تكون العلة –وذلك إن كانت مستنبطة– وص ًفا مناسبًا
وصاحلًا لرتتيب احلكم عليه ،فال يصح التعليل ابلوصف الطردي كالطول والسواد.
الش ط العاش :أن يكون القياس يف األحكام الشرعية العملية؛ إذ ال يصح
إجراء القياس يف العقائد والتوحيد إن أدى إىل البدعة والتعطيل(.)1
املسألة اخلامسة
أحباث العلة
وحتت هذه املسألة األحباث التالية:
-1تعريف العلة وبيان أقسامها.
-2مذهب أهل السنة يف التعليل.
-3مسالك العلة.
البحث األول :تع يف العلة ونيان أقسامها:
العلة لغة :مبعىن املرض(.)2
ويف اصطالح األصوليني( :)3هي أحد أركان القياس وهو الوصف اجلامع
بني الفرع واألصل املناسب لتشريع احلكم.
وتسمى العلة :ابملناط ،واملؤثر ،واملظنة ،والسبب ،واملقتضي ،واملستدعي،
واجلامع(.)4
( )1انظر (ص )476 ،183من هذا الكتاب.
( )2انظر" :املصباح املنري" ( ،)426و"املعجم الوسيط" (.)623/2
مؤثرا فيه.
( )3العلة يف اصطالح املتكلمني :هي ما يتوقف عليه وجود الشيء ويكون ً
خارجا ً
ومن أقسامها :العلة الفاعلة :وهي ما يكون به الشيء وهو غري داخل يف ماهيته كالنجار
للسرير ،إذ هو الفاعل له ،والعلة الغائية :وهي الغاية من إجياد الشيء ،أو ما ألجله وجد
الشيء؛ فإن الغاية من صنع السرير هي اجللوس عليه ،والعلة الغائية هي املقصودة يف هذا
املقام.
انظر" :املواقف" لإلجيي ( ،)85و"التعريفات" ( ،)155 ،154و"احلكمة والتعليل يف أفعال
هللا" (.)22 ،21
( )4انظر" :قواعد األصول" ( ،)84 -82و"شرح الكوكب املنري" ( ،)39/4و"مذكرة
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
195
واألوصاف ثالثة أقسام(:)1
األول :وصف ي علم مناسبته لبناء احلكم الشرعي عليه ،كمناسبة
اإلسكار لتحرمي اخلمر ،فهذا يسمى :ابلوصف املناسب ،وهو صحيح جيوز فيه
القياس(.)2
الثاين :وصف ال يتوهم أنه مناسب لبناء احلكم عليه؛ لعدم التفات الشارع
إليه يف حكم ما ،كالطول والقصر ،والسواد والبياض ،فهذا يسمى :ابلصوف
الط دي ،والقياس به ابطل.
الثالث :وصف بني القسمني السابقني ،مرتدد بني املناسبة وعدمها ،وهذا
يسمى :نقياي الشبه ،فهو من حيث إنه مل تتحقق فيه املناسبة أشبه الط دي ،ومن
شبها.
حيث إنه مل يتحقق فيه انتفاؤها أشبه املناسب ،وهلذا مسي ً
وهو من أصعب مسالك العلة وأدقها فهما.
ومثاله :العبد إذا قتل هل تلزم فيه القيمة أو الدية؟
فمن حيث إنه يباع ويوهب ويورث أشبه املال ومن حيث إنه يثاب ويعاقب
شبها(.)3
وينكح أشبه احلر ،فيلحق أبكثرمها ً
()4
ارضا كالشدة يف اخلمر ،وقد تكون وص ًفا
وقد تكون العلة وص ًفا ع ًالزما كاألنوثة يف والية النكاح.
ً
حكما شرعيًا ،كأن يقال :حيرم بيع اخلمر فال يصح بيعه
وقد تكون ًكامليتة.
وقد تكون فعالً من أفعال املكلفني كالقتل والسرقة.=
الشنقيطي" (.)265
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)299 – 296/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)266 ،265
( )2انظر الكالم على الوصف املناسب فيما أييت (ص )206 -204من هذا الكتاب.
( )3انظر" :الرسالة" (.)479
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)314 ،313/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)276 ،275
196
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
جمردا كالكيل عند من يعلل به حترمي الراب ،وقد تكون
وقد تكون وص ًفا ًأوصافًا مركبة كالقتل العمد العدوان.
إثباات ،وقد تكون نفيًا ،حنو :مل ينفذ تصرفه لعدم رشده.
وقد تكون ً وقد تكون العلة قاصرة كالثمنية يف الذهب والفضة ،وقد تكون متعديةكالطعم يف الرب.
وقد تكون العلة وص ًفا مناسبًا ،وقد تكون وص ًفا غري مناسب ،وقد تكونمرتددا بني املناسبة وعدمها .وقد تقدم قريبًا التمثيل هلذه األقسام الثالثة.
وص ًفا ً
وقد تكون العلة مطردة مبعىن أن يوجد احلكم كلما وجدت العلة ،وقدتكون غري مطردة فتوجد العلة ويتخلف عنها احلكم(.)1
البحث الثاين :مذهب أهل السنة يف التعليل:
ميكن بيان مذهب أهل السنة يف األسـباب واحلكمـة والتعليـل يف القواعـد
اآلتية:
القاعدة األوىل :أن هللا قادر على كل شيء ،وأنه سبحانه له اإلرادة التامةواملشيئة النافذة ،فما شاء كان وما مل يشأ مل يكن ،وال جيوز أن يكون شيء من
خارجا عن قدرته ومشيئته.
األعمال ً
وعلى ذلك أمجع الرسل والكتب املنزلة ،وعليه دلت الفطرة اليت فطر هللا خلقه
( )1ختلف احلكم مع وجود العلة إن كان بسبب معارضتها بعلة أخرى أو بسبب فوات
شروطها يقدح يف صحة العلة ،بل إن العلة واحلالة كذلك ال تعترب موجودة ،فلم يوجد
احلكم لعدم وجود علته .أما إن كان ختلف احلكم عن علته بسبب نص شرعي كإجياب
الدية على العاقلة ،فإنه من املعلوم أن جناية الشخص علة لوجوب الضمان عليه ،فهذا ما
يسمى ابملستثىن من قاعدة القياس ،أو املعدول به عن سنن القياس ،والصحيح أنه ال
يوجد حكم على خالف القياس .قال ابن تيمية" :وحقيقة األمر أنه مل يشرع شيء على
خالف القياس الصحيح ،بل ما قيل :إنه على خالف القياس فال بد من اتصافه بوصف
امتاز به عن األمور اليت خالفها واقتضى مفارقته هلا يف احلكم .وإذا كان كذلك فذلك
الوصف إن شاركه غريه فيه فحكمه حكمه ،وإال كان من األمور املفارقة له"" .جمموع
الفتاوى" ( ،)556/20واملقصود أن ينظر يف العلة فما شاركها أحلق هبا يف احلكم سواء
كان ذلك يف العلة العامة اليت قيل :إهنا جتري على سنن القياس ،أو يف العلة اخلاصة اليت
قيل :إهنا على خالف القياس.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
197
عليها ،وهذا عموم التوحيد الذي ال يقوم إال به ،واملسلمون جممعون على ذلك
وخالفهم يف ذلك من ليس منهم.
ك َخيْلُ ُق َما يَ َ
والقرآن مملوء إبثبات املشيئة هلل وحده ،لقوله تعاىلَ :وَرنُّ َ
شاءُ
َوَخيْتَ ُار[ القصصَ ،]68 :وَما تَ َشاءُو َن إِل أَ ْن يَ َش َاء هللاُ[ اإلنسان.)1(]30 :
وقدرا،
القاعدة الثانية :أن هللا سبحانه ربط األسباب مبسبباهتا ًشرعا ً
فجعل املعاصي سببًا لدخول النار(.)2
وهذه األسباب وما هلا من أتثري وقوة هي طوع مشيئته سبحانه وإرادته وجتري
حتت حكمه جل شأنه ،فال جيوز أن تستقل هذه األسباب ابلفعل والتأثري دون
مشيئته( ،)3بل التعلق ابلسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت مع كونه سببًا.
فالواجب الصعود من األسباب إىل مسببها والتعلق به سبحانه دوهنا.
فااللتفات إىل األسباب ابلكلية شرك ٍ
مناف للتوحيد.
سبااب ابلكلية قدح يف الشرع واحلكمة.
وإنكار أن تكون األسباب أ ً
ٍ
أسبااب ،نقصان يف العقل(.)4
واإلعراض عن األسباب مع العلم بكوهنا ً
َسلَ ْفتُ ْر
والقرآن مملوء من إثبات األسباب كقوله تعاىلُ :كلُوا َوا ْش َنُوا َهنِيئًا ِمبَا أ ْ
األَيِم ْ
اخلَالِيَ ِة[ احلاقة ،]24 :وقولهِ :مبَا ُك ْنـتُ ْر تَـ ْع َملُو َن[ املرسالت،]43 :
ِيف َّ
وقولهِ :مبَا ُك ْنـتر تَك ِ
ْسبُو َن[ األعراف ،39 :يونس ،]52 :وأهل السنة على
ُْ
()5
إثبات ابء السببية ،ويقولون :إن هللا خيلق األشياء ابألسباب ال عندها ،لقوله
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)354/11و"شفاء العليل" البن القيم (.)188 ،45 – 43
( )2انظر" :شفاء العليل" البن القيم (.)189 ،188
( )3الناس يف األسباب طرفان ووسط ،طرف ابلغ يف نفيها وإنكارها فأضحك العقالء على
اعما أنه بذلك ينصر الشرع فجىن على العقل والشرع ،وهم األشاعرة .وطرف ابلغ
عقله ز ً
يف إثباهتا حىت قال :إهنا مؤثرة بنفسها دون أمر هللا ،وهم املعتزلة .والوسط وهو مذهب
السلف :أن األسباب مؤثرة أبمر هللا .انظر" :مدارج السالكني" ( ،)267/1و"شفاء
العليل" البن القيم ( ،)189و"إعالم املوقعني" (.)299 ،298/2
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)70/8و"مدارج السالكني" (.)268 ،267/1
( )5مذهب نفاة األسباب – أتباع جهم – أن هللا يفعل عندها ال هبا ،ومن ذلك تعريف كثري
من األصوليني السبب أبنه :ما يوجد احلكم عنده ال به ،قال ابن تيمية" :ومن قال :إنه
=
198
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
تعاىل :ونَـ َّلْنا ِمن َّ ِ
صِ
ِ
ب اْ ِ
ٍ
يد * َوالنَّ ْخ َل
اء ُمبَ َارًكا فَأَنْـبَـ ْتـنَا نِه َجنَّاي َو َح َّ َ
َ َ َ
الس َماء َم ً
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ ٍ
َحيَـ ْيـنَا نِه نَـ ْل َد ًة َم ْيـتًا[ ق.]11 -9 :
ْع نَضي ٌد * ِرْزقًا للْعبَاد َوأ ْ
َابس َقاي َهلَا طَل ٌ
ومعلوم أن جمرد حصول األسباب ال يوجب حصول املسبب ،فإن املطر إذا
نزل وبذر احلب مل يكن ذلك كافيًا يف حصول النبات ،بل ال بد من ريح مرسلة
إبذن هللا ،وال بد من انتفاء املوانع ،فال بد إذن من متام الشروط وزوال املوانع مع
حتصيل األسباب ،وكل ذلك بقضاء هللا وقدره(.)1
القاعدة الثالثة :أن هللا سبحانه حكيم ال يفعل شيئًا عبثًا لغري مصلحةوحكمة؛ بل أفعاله سبحانه وتعاىل صادرة عن حكمة ابلغة ألجلها فعل ،كما هي
ًنشئة عن أسباب هبا فعل(.)2
وهذه احلكمة يعلمها سبحانه على وجه التفصيل ،وقد يعلم بعض عباده من
ذلك ما يعلمه إايه؛ إذ ال حييطون بشيء من علمه إال مبا شاء(.)3
=
يفعل عندها ال هبا فقد خالف ما جاء به القرآن" "....جمموع الفتاوى" (،)112/3
وانظر منه ( ،)487 ،486/8وانظر" :املستصفى" (.)112
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)70/8 ،112/3
( )2الناس يف احلكمة على أقوال :منهم من نفوها فقالوا :إن هللا ال خيلق شيئًا حبكمة وال أيمر
بشيء حلكمة ،وإمنا أثبتوا حمض اإلرادة ،فيجوز أن أيمر هللا ابلشرك به وينهى عن عبادته
وحده ،ويرتتب عند هؤالء على فعل هللا حكم لكنها غري مقصودة بل هي مرتتبة على
الفعل وحاصلة عقيبه ،وهذا قول األشاعرة .ومنهم من أثبت هلل احلكمة ،فقالوا :قد قام
الدليل على أنه تعاىل حكيم فال يصح أن يفعل فعالً ال فائدة فيه؛ ألن من يفعل فعالً ال
لغرض يعد عابثًا ،وهللا تعاىل منزه عن العبث فأوجبوا على هللا مبقتضى هذه احلكمة اليت
أمورا ملخالفتها ملقتضى احلكمة ،فمما أوجبوا على هللا فعل الصالح
أمورا ومنعوا ً
أثبتوها ً
ورعاية مصاحل العباد ،وقالوا :إن هذه احلكمة تعود إىل الغري وال يعود إليه منها شيء،
وهي صفة خملوقة منفصلة عنه سبحانه ،وهذا هو مذهب املعتزلة الذين حكموا عقوهلم
فسلبوا من اخلالق سبحانه صفات الكمال وعموم قدرته وشبهوه خبلقه .ومذهب السلف
هو إثبات احلكمة يف أفعاله سبحانه ألنه حكيم منزه عن العبث ،ولكمال قدرته وحكمته
ورمحته ،فإن هذه احلكمة منها ما يعود إليه وحيبه ويرضاه ،ومنها ما يعود إىل عباده ،وهي
صفة هلل غري خملوقة .انظر" :جمموع الفتاوى" (" ،)93 – 88/8واحلكمة والتعليل يف
أفعال هللا" (.)53 – 50
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)93 ،38/8
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
199
وا كمة نوعان(:)1
النوع األول :حكمة تعود إليه سبحانه حيبها ويرضاها وهي رمحته بعباده،
وتدبريه ألمر خلقه ،وتصرفه يف مملكته أبنواع التصرفات ،وإاثبته للمحسن على
إحسانه ،ومعاقبته للمسيء على إساءته؛ فيوجد أثر عدله وفضله وأن يعرف سبحانه
أبمسائه وصفاته وأفعاله وآايته ،وأن يعرف خلقه أنه ال إله غريه وال رب سواه.
والنوع الثاين :حكمة تعود إىل عباده ،وهي نعمة عليهم يفرحون هبا ويلتذون
هبا ،ففي اجلهاد مثالً عاقبة حممودة للناس يف الدنيا حيبوهنا؛ وهي النصر والفتح،
ويف اآلخرة اجلنة والنجاة من النار.
وقد نزه هللا سبحانه وتعاىل أفعاله عن العبث ،فقال :أَفَ َح ِس ْبـتُ ْر أَََّّنَا َخلَ ْقنَا ُك ْر
سا ُن أَ ْن يُـ ْتـ َ َك ُس ًدى
َعبَـثًا[ املؤمنون ،]115 :وقال جل شأنه :أ َْ
س ُ
ب اإلنْ َ
َحي َ
[القيامة.]36 :
وأنكر سبحانه أن يسوي بني املختلفني ،وأن يفرق بني املتماثلني ،وأن حكمته
ِ
ِ
ف َحتْ ُك ُمو َن
ني * َما لَ ُك ْر َكْي َ
ني َكال ُْم ْج ِم َ
وعدله أيىب ذلك ،فقال سبحانه :أَفَـنَ ْج َع ُل ال ُْم ْسل ِم َ
ِِ
[القلم ،]36 ،35 :وقال تعاىل :أ َْم ََْنعل الَّ ِذين آمنُوا و َع ِملُوا َّ ِ ِ
ين ِيف
الصا َاي َكال ُْم ْفسد َ
َُ َ َ َ
األر ِ
ض أ َْم ََْن َع ُل ال ُْمت َِّق َني َكالْ ُف َّجا ِر[ ص ،]28 :وأخرب سبحانه عن احلكم والغاايت اليت
ْ
ِ
ِ
ِ
ِ
َّ
اء َوأَنْـَ َل م َن
ض فَا ًشا َو َّ
األر َ
جعلها يف خلقه وأمره ،كقوله تعاىل :الذي َج َع َل لَ ُك ُر ْ
اء ننَ ً
الس َم َ
ِ
السم ِاء ماء فَأَ ْخ ِِ ِ
ِ
آَيتِِه
ج نه م َن الث ََّمَاي ِرْزقًا لَ ُك ْر[ البقرة ،]22 :وقال عز وجلَ :وم ْن َ
َّ َ َ ً َ َ
()2
ِ
ِ
ِ
اجا لتَ ْس ُكنُوا إِلَْيـ َها[ الروم ، ]21 :وإثبات احلكمة
أَ ْن َخلَ َق لَ ُك ْر م ْن أَنْـ ُفس ُك ْر أَ ْزَو ً
يف أفعال هللا ال يستلزم احلاجة والنقص ،فال يقال :لو خلق اخللق لعلة وحكمة
ًنقصا بدوهنا مستكمالً هبا()3؛ ألن هللا سبحانه وتعاىل له الغىن
ومصلحة لكان ً
املطلق ،فهو الغين عن كل ما سواه من كل وجه ،وكل ما سواه فقري إليه من كل
( )1انظر املصدر السابق ( ،)36/8و"شفاء العليل" البن القيم ( ،)198وانظر (ص)254
التعليق رقم ( )4من هذا الكتاب يف أنواع احلكمة ابلنسبة ملأخذها وعالقة ذلك مبسألة
النسخ قبل التمكن من هذا الكتاب.
( )2انظر" :شفاء العليل" البن القيم (.)199 – 197
( )3انظر :املسائل اخلمسون" (" ،)52واملواقف" لإلجيي (.)332 ،331
200
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
(.)1
وجه
القاعدة ال انعة :أن أفعال هللا سبحانه وتعاىل معللة ابحلكم ورعايةاملصاحل ،فجميع األوامر والنواهي مشتملة على حكم ابهرة ومصاحل عظيمة ،كيف
والقرآن والسنة مملوءان من تعليل األحكام والتنبيه على وجوه احلكم اليت ألجلها
شرع تلك األحكام وألجلها خلق تلك األعيان(.)2
فمن األمثلة على ذلك يف القرآن(:)3
أنه اترة يذكر ذلك بالم التعليل الصرحية( ،)4كقوله تعاىلَ :وَما َج َعلْنَا ال ِْقْبـلَةَ الَِّيت
ُكْنت علَيـها إِل لِنـعلَر من يـتَّبِع الَّس َ ِ
ِ
ب َعلَى َع ِقَبـْي ِه[ البقرة.]143 :
َ َ َْ َْ َ َ ْ َ ُ ُ
ول ممَّ ْن يَـْنـ َقل ُ
ني
واترة يذكر "كي" الصرحية يف التعليل ،كقوله تعاىلَ :ك ْب ل يَ ُكو َن ُدولَةً نَـ ْ َ
األ ْغنِيَ ِاء ِم ْن ُك ْر[ احلشر.]7 :
ِ
ك َكتَـ ْبـنَا
َج ِل َلِ َ
واترة يذكر «من أجل» الصرحية يف التعليل كقوله تعاىل :م ْن أ ْ
ِ ِ
يل[ املائدة.]32 :
َعلَى نَِِ إ ْس َائ َ
واترة يذكر "لعل" املتضمنة للتعليل اجملردة عن معىن الرجاء املضاف إىل
َّ ِ
َّ ِ
ِ
ِ
ِ
ين
ب َعلَْي ُك ُر الصيَ ُ
ين َ
ب َعلَى الذ َ
املخلوق ،كقوله تعاىلََ :ي أَيُّـ َها الذ َ
ام َك َما ُكت َ
آمنُوا ُكت َ
ِم ْن قَـ ْبلِ ُك ْر لَ َعلَّ ُك ْر تَـتَّـ ُقو َن[ البقرة.]183 :
ك ال ِ
ْكتَا َ تِْبـيَ ًاان لِ ُك ِل َش ْب ٍء
واترة يذكر املفعول له ،كقوله تعاىلَ :ونَـ َّلْنَا َعلَْي َ
[النحل.]89 :
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)379/8
( )2انظر" :شفاء العليل" البن القيم ( ،)190و"مفتاح دار السعادة" ( ،)22/2و"مذكرة
الشنقيطي" (.)275
( )3انظر :مفتاح دار السعادة" ( ،)22/2و"شفاء العليل" البن القيم (.)196 – 188
( )4أنكر نفاة التعليل أن توجد يف القرآن الم تعليل يف فعل هللا وأمره ،وهذا مبين على قوهلم :إن
هللا ال أيمر بشيء حلصول مصلحة وال دفع مفسدة ،بل ما حيصل من مصاحل العباد
ومفاسدهم لسبب من األسباب فإمنا خلق ذلك عندها ال هبا ،ال أنه سبحانه خيلق هذا هلذا،
وهذا خمالف ملذهب السلف ألن هللا أخرب يف كتابه أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا،
كقوله تعاىل :ذلك لتعلموا أن هللا يعلم ما يف السموات وما يف األرض[ املائدة.]97 :
انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)377/8و"شفاء العليل" البن القيم (.)190
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
201
ِ ِ َّ ِ
ادوا
ين َه ُ
واترة ينبه على السبب بذكره صرحيًا ،كقوله تعاىل :فَبظُل ٍْر م َن الذ َ
يل ِ
ح َّمنَا َعلَْي ِهر طَيِب ٍ
ص ِد ِه ْر َع ْن َسبِ ِ
هللا َكثِ ًْيا * َوأَ ْخ ِذ ِه ُر ال ِ َاب َوقَ ْد نُـ ُهوا
اي أ ُِحلَّ ْ
َ ْ
ت َهلُ ْر َونِ َ
ْ َ
ِ
ِ
ال الن ِ
َّاي ِابلْبَاط ِل[ النساء.]161 ،160 :
َع ْنهُ َوأَ ْكل ِه ْر أ َْم َو َ
فكان ذكر الشارع للعلة واألوصاف املؤثرة واملعاين املعتربة يف األحكام القدرية
الشرعية واجلزئية للداللة على تعلق احلكم هبا أين وجدت ،واقتضائها ألحكامها،
وعدم ختلفها عنها إال ملانع يعارض اقتضاءها ويوجب ختلف أثرها ،ولتعدية احلكم
بتعدي هذه العلل واألوصاف(.)1
وتعليل أفعال هللا سبحانه ال يلزم منه – على مذهب السلف – القول أبنه
جيب على هللا رعاية مصاحل العباد()2؛ ذلك ألن السلف يثبتون هلل كمال القدرة
واحلكمة ،وال يشبهونه بشيء من خلقه ،وألجل ذلك يقولون:
إن هللا خالق كل شيء ومليكه ،وما شاء كان وما مل يشأ مل يكن ،وهو على
كل شيء قدير ،ويفعل سبحانه ما يفعل أبسباب وحلكم وغاايت حممودة ،فله
املشيئة العامة ،والقدرة التامة ،واحلكمة البالغة(.)3
وال جيب عليه سبحانه شيء فيما حيكم ويقضي؛ إذ ال جيوز قياسه على
خلقه( :)4ل يُ ْسأ َُل َع َّما يَـ ْف َع ُل َو ُه ْر يُ ْسأَلُو َن[ األنبياء ،]23 :لذا فإن القول :أبن
العلة جمرد عالمة حمضة ال يصح ،لكونه مبنيًا على إنكار التعليل يف أفعال هللا ،بل
العلة هي الوصف املشتمل على احلكمة الباعثة على تشريع احلكم(.)5
البحث الثالث :مسالك العلة:
وامل اد مبسالك العلة :طرق إثبات العلة ،وهي ما دل على كون الوصف
( )1انظر :إعالم املوقعني" (.)198 ،196/1
( )2انظر مسألة رعاية مصاحل العباد يف" :الفصل" ( ،)164/3و"امللل والنحل" (،)56/1
و"منهاج السنة" ( ،)451/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)92 ،91/8و"لوامع األنوار"
( ،)329/1و"احلكمة والتعليل يف أفعال هللا" (.)115
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)99 ،97/8و"شفاء العليل" البن القيم (.)206
( )4انظر" :اقتضاء الصراط املستقيم" (.)776/2
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)485/8و"مذكرة الشنقيطي" ( ،)275وانظر (ص)194
من هذا الكتاب فيما يتعلق بتعريف العلة.
202
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
علة.
وطرق إثبات العلة هي :النص ،واإلمجاع ،واالستنباط.
أو يقال مسالك العلة نوعان:
مسالك نقلية هي النص واإلمجاع.
ومسالك عقلية هي االستنباط وما حتته من أضرب(.)1
وفيما أييت بيان موجز هلذه املسالك:
املسلك األول :النص( ،)2ومنه ما هو ص يح يف العلية ،كقوله تعاىل:
ِ
ِ ِ
يل[ املائدة ،]32 :وغري ذلك من األلفاظ
َج ِل َلِ َ
م ْن أ ْ
ك َكتَـ ْبـنَا َعلَى نَِِ إ ْس َائ َ
الدالة على التعليل صراحة.
ومنه ما ليق ص حيًا يف التعليل ،وهذا يسمى ابإلمياء والتنبيه على
العلة(.)3
بوصف على ٍ
ٍ
وجه لو مل يكن علة لكان هذا االقرتان
وهو :أن يقرتن احلكم
بعيدا عن الفصاحة ومعيبًا عند العقالء ،وكالم الشارع ينزه عن ذلك.
ً
واإلمياء والتنبيه أنواع:
منها :أن يذكر احلكم عقب وصف ابلفاء فيدل على أن ذلك الوصف علة لذلك
ِ
اء ِيف ال َْم ِح ِ
يض[ البقرة.]222 :
سَ
احلكم ،كقوله تعاىل :قُ ْل ُه َو أَ ًى فَا ْعتَ ِلُوا الن َ
ومنها :ترتيب احلكم على الوصف بصيغة اجلزاء ،كقوله تعاىلَ :وَم ْن يَـت َِّق هللاَ
َْجي َع ْل لَهُ َخمَْ ًجا[ الطالق]2 :؛ أي :لتقواه.
مقروًن بوصف مناسب ،كقوله تعاىل :إِ َّن األنْـ َ َار لَِفب
ومنها :أن يذكر احلكم ً
نَ ِع ٍير[ االنفطار ،13 :املطففني]22 :؛ أي :لربهم.
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)210/1و"روضة الناظر" ( ،)257/2و"شرح الكوكب املنري"
( ،)115/4و"مذكرة الشنقيطي" (.)252
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)210/1و"روضة الناظر" ( ،)257/2و"قواعد األصول"
( ،)88و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)145و"شرح الكوكب املنري" ( ،)117/4و"مذكرة
الشنقيطي" (.)252
( )3انظر يف داللة اإلمياء والتنبيه (ص )447من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
203
املسلك الثاين :اإلمجاع( ،)1واملراد هبذا املسلك :أن جتمع األمة على أن هذا
احلكم علته كذا ،كاإلمجاع على أن الصغر علة الوالية يف املال ،أو يف اإلجبار على
النكاح.
املسلك الثالث :االستنباط ،وهو ثالثة أنواع:
النوع األول( :)2السرب والتقسيم ،وقد يسمى ابلسرب فقط ،وابلتقسيم فقط،
معا وهو األكثر.
وهبما ً
والسرب والتقسيم مبين على أمرين:
أحدمها :حصر األوصاف ،وهو املعرب عنه ابلتقسيم ،وذلك كقوله تعاىل:
أ َْم ُخلِ ُقوا ِم ْن غَ ِْْي َش ْب ٍء أَ ْم ُه ُر ْ
اخلَالِ ُقو َن[ الطور ،]35 :فيقال :ال خيلوا احلال من
ثالثة أمور:
األول :أن يكونوا قد خلقوا من غري شيء؛ أي :بدون خالق.
والثاين :أن يكونوا خلقوا أنفسهم.
والثالث :أن يكون خلقهم خالق غري أنفسهم.
واألم الثاين :إبطال ما هو ابطل من األوصاف احملصورة ،وإبقاء ما هو
صحيح منها ،وهذا ما يعرب عنه ابلسرب ،فيقال يف املثال السابق :ال شك أن
القسمني األولني ابطالن ضرورة ،والقسم الثالث هو احلق الذي ال شك فيه ،فإن
هللا عز وجل هو خالقهم املستحق وحده للعبادة.
وهذا احلصر وما يتبعه من اإلبطال مىت كان قطعيًا كان التعليل به قطعيًا.
ومىت كان ذلك ظنيًا كان التعليل كذلك ،وهكذا....
النوع الثاين( :)3الدوران الوجودي والعدمي ،ويسمى ابلدوران فقط ،وابلطرد
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)265/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)116/4و"مذكرة
الشنقيطي" (.)254
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)289 – 286/2و"شرح الكوكب املنري" (،)146 – 142/4
و"أضواء البيان" ( ،)369 ،368/4و"مذكرة الشنقيطي" (.)259 – 257
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)289 – 286/2و"شرح الكوكب املنري" (،)198 – 191/4
و"مذكرة الشنقيطي" (.)260
204
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
والعكس.
وعدما دليل على أنه
واملراد هبذا املسلك أن اقرتان احلكم بوصف ما ً
وجودا ً
علته ،فال يكفي اقرتانه به يف الوجود فقط أو يف العدم فقط.
وذلك مثل الشدة يف اخلمر فإهنا علة حترميه.
النوع الثالث( :)1املناسبة واإلخالة ،واملراد هبذا املسلك عند األصوليني:
مقرتًن بوصف مناسب لبناء احلكم عليه ،فيجعل هذا
أن يكون احلكم
ً
الوصف علة هلذا احلكم؛ الشتمال هذا الوصف على مصلحة معتربة.
وذلك كاإلسكار فإنه مناسب للتحرمي؛ ألن املنع من اإلسكار فيه مصلحة
حفظ العقل .وقد تقدم بيان أن األوصاف منها ما هو مناسب لبناء احلكم عليه،
وهو املقصود يف هذا املقام؛ إذ الوصف املناسب هو "ما كان يف إثباي ا كر عقبه
مصلحة"( )2فيدل ذلك على التعليل به.
ومن األوصاف ما ال يكون مناسبًا لبناء احلكم عليه ،وهذا ما يسمى
ابلوصف الطردي ،ومن األوصاف ما هو مرتدد بني الوصف املناسب والوصف
الطردي(.)3
والوصف املناسب للعلية ينقسر من حيث اعتبار الشرع له يف ربط
األحكام به وعدم اعتباره إىل أربعة أقسام:
مؤث ،ومالئر ،وغ يب ،وم سل.
ألن الوصف املناسب إما أن يدل الدليل على اعتباره يف احلكم ،وإما أن يدل
على عدم اعتباره فيه ،وإما أال يدل على اعتباره فيه وال على عدمه ،فهذه ثالثة
أقسام ال رابع هلا ،وواحد منها ينقسم إىل قسمني ،وهو ما دل الدليل على اعتبار
الوصف يف احلكم ،ألنه مؤثر أو مالئم.
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)281 – 267/2و"شرح الكوكب املنري" (،)186 – 152/4
و"مذكرة الشنقيطي" (.)257 – 254
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)269 ،268/2و"شرح الكوكب املنري" (.)153/4
( )3انظر (ص )195من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
205
فاملؤث :ما دل الدليل فيه على اعتبار عني الوصف يف عني احلكم،
إمجاعا،
كتعليل والية املال ابلصغر؛ فإنه اعترب عني الصغر يف عني الوالية يف املال ً
وجنسا فظهر أتثريه يف احلكم.
ومسي هذا القسم ً
مؤثرا حلصول التأثري فيه عينًا ً
واملالئر :ما دل الدليل على اعتبار جنس الوصف يف جنس احلكم ،كتأثري
القتل ابملثقل يف القصاص؛ فإنه اعترب جنس اجلناية يف جنس القصاص.
وكذلك ما دل الدليل على اعتبار عني الوصف يف جنس احلكم ،كتقدمي
األخ الشقيق على األخ ألب يف املرياث ،فاعترب ذلك يف جنس الوالية ،ومنها والية
النكاح.
وكذلك ما دل الدليل على اعتبار جنس الوصف يف عني احلكم ،كتأثري
جنس املشقة يف إسقاط الصالة عن احلائض ،ويف التخفيف عن املسافر ،فاعتربت
هذه املشقة املشرتكة يف عني إسقاط القضاء عن احلائض.
والغ يب :هو ما دل الدليل على عدم اعتبار هذا الوصف يف احلكم ،وهو
املعروف ابملصلحة امللغاة اليت أهدرها الشارع.
وامل سل هو ما مل يقم دليل خاص على اعتبار مناسبته أو إهدارها ،وهذا
ما يعرف ابملصلحة املرسلة(.)1
وحاصل القول يف الوصف املناسب:
أنه مبين على أن أحكام هللا سبحانه مشتملة على مصاحل ومنافع(.)2 وأن أحكامه معللة هبذه املصاحل(.)3 وأن هذه املصاحل ترجع إىل :حفظ الدين ،والنفس ،والعقل ،والنسل،واملال(.)4
وأن هذه املصاحل اخلمس تكون على ثالث مراتب(:)5( )1انظر الكالم على املصلحة املرسلة يف (ص )235من هذا الكتاب.
( )2انظر (ص )198من هذا الكتاب.
( )3انظر (ص )200من هذا الكتاب.
( )4انظر فيما يتعلق هبذه املصاحل اخلمس (ص )236من هذا الكتاب.
( )5انظر فيما يتعلق هبذه املراتب الثالث (ص )236من هذا الكتاب.
206
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
امل تبة األوىل :أن تكون هذه املصلحة يف حمل الضرورة.
امل تبة الثانية :أن تكون هذه املصلحة يف حمل احلاجة.
امل تبة الثالثة :أن تكون هذه املصلحة يف حمل التحسني.
وأن املعترب يف هذه املصاحل غلبة الظن ،فقد يقطع حبصول املصلحةكحصول امللك من البيع ،وقد يظن كحصول االنزجار ابلقصاص عن القتل ،وقد
يشك ،وقد يتوهم.
وأن من شرط اعتبار هذه املصاحل أوصافًا مناسبة السالمة من القوادح.جممعا على عليته وهذا هو
وأن الوصف املناسب قد يكونمنصوصا أو ً
ً
املؤثر واملالئم ،وقد ال يكون كذلك كما هو يف املناسب املرسل.
وأن األوصاف منها ما هو مناسب تناط به األحكام ،وهذا الوصفاملناسب منه ما يكون مصلحة ضرورية ،أو حاجية ،أو حتسينية ،فهذه أنواع الوصف
على وجه العموم مث اخلصوص.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفصل الثالث
األدلة املختلف فيها
ويف هذا الفصل مخسة مباحث:
املبحث األول :االستصحاب.
املبحث الثاين :قول الصحايب.
املبحث الثالث :شرع من قبلنا.
املبحث ال انع :االستحسان.
املبحث اخلامق :املصاحل املرسلة.
207
208
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث األول
الستصحا
ويف هذا املبحث مخق مسائل:
املسألة األوىل :تعريف االستصحاب.
املسألة الثانية :أنواع االستصحاب وحكم كل نوع.
املسألة الثالثة :شرط العمل ابالستصحاب.
املسألة ال انعة :حكم األشياء قبل ورود السمع.
املسألة اخلامسة :هل النايف يلزمه الدليل؟
209
210
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف الستصحا
الستصحا لغة :طلب الصحبة ،وهي املالزمة(.)1
ويف اصطالح األصوليني" :استدامة إثبات ما كان اثبتًا ،أو نفي ما كان
منفيًا"(.)2
واملالحظ من خالل هذا التعريف أن االستصحاب:
إما أن يكون استدامة إثبات أمر ،أو استدامة نفي أمر ،فهو استدامة على
كال احلالني.
املسألة الثانية
أنواع الستصحا وحكر كل نوع
إذا أطلق االستصحاب فاملراد به :البقاء على األصل فيما مل يعلم ثبوته
وانتفاؤه ابلشرع ،وهذا يسمى بدليل العقل املبقي على النفي األصلي( ،)3وهو النوع
األول من أنواع االستصحاب اآليت بياهنا.
وملا كان لالستصحاب صور أخرى – اصطلح البعض على إدخاهلا حتت
مسماه – صح بذلك أن جيعل لالستصحاب أنواع متعددة ،وذلك على النحو
اآليت:
النوع األول :استصحاب الرباءة األصلية ،أو استصحاب دليل العقل ،أو
استصحاب العدم األصلي ،وذلك مثل نفي وجوب صالة سادسة(.)4
وهذا النوع ال خالف يف اعتباره( ،)5بل جعله البعض من األدلة املتفق
( )1انظر" :القاموس احمليط" (.)95/1
( )2انظر" :إعالم املوقعني" (.)339/1
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)342/11
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)216/1و"روضة الناظر" ( ،)390 ،389/1و"شرح
الكوكب املنري" (.)404/4
( )5بشروط أييت بياهنا يف املسألة التالية.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
211
عليها(.)1
النوع الثاين :استصحاب دليل الشرع ،وهذا النوع له فرعان:
األول :استصحاب عموم النص حىت يرد ختصيص.
الثاين :استصحاب العمل ابلنص حىت يرد ًنسخ.
واالتفاق واقع على صحة العمل هبذا النوع ،إذ األصل عموم النص وبقاء
استصحااب(.)2
العمل به ،لكن وقع نزاع يف تسمية ذلك
ً
النوع الثالث :استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته واستمراره لوجود سببه
حىت يثبت خالفه ،كاستمرار امل ْلك بعد ثبوته – وذلك حلصول سببه وهو البيع مثالً
– حىت يثبت الناقل واملزيل هلذا الدوام واالستمرار من بيع ،أو هبة ،أو تنازل.
وهذا النوع من االستصحاب ال نزاع يف صحته(.)3
النوع ال انع :استصحاب حكم اإلمجاع يف حمل النزاع.
مثال ذلك :أن يقال – يف الرجل الذي تيمم لعدم املاء مث رآه بعد دخوله يف
الصالة :-أمجع العلماء على صحة ابتداء الصالة وذلك قبل رؤية املاء فيستصحب
هذا اإلمجاع وينقل إىل موضع النزاع وهو رؤية املاء أثناء الصالة ،فيحكم بصحة
استصحااب هلذا اإلمجاع.
إمجاعا ويف استمرارها وبقائها
صالته يف ابتدائها ً
ً
وهذا النوع من االستصحاب حمل خالف بني العلماء:
فاألكثر على أنه ليس حبجة ألنه يؤدي إىل تكافؤ األدلة؛ إذ يصح لكل من
اخلصمني أن يستصحب اإلمجاع يف حمل النزاع على النحو الذي يوافق مذهبه.
ففي املثال املتقدم يقول أحدمها :أمجع العلماء على صحة صالته قبل رؤية
املاء فأًن أستصحب ذلك إىل ما بعد رؤية املاء أثناء الصالة؛ فتكون صالته
صحيحة.
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)176/1و"قواعد األصول" ( ،)76 ،75و"املدخل إىل
مذهب اإلمام أمحد" (.)133
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)392 ،391/1و"شرح الكوكب املنري" (.)404/4
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)392/1و"إعالم املوقعني" ( ،)341 – 339/1و"شرح
الكوكب املنري" (.)405/4
212
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ويقول اآلخر :أمجع العلماء على بطالن صالته –لو صلى– وذلك عند رؤية
املاء قبل الصالة ،فأًن أستصحب ذلك إىل أثناء الصالة؛ فتكون صالته ابطلة(.)1
املسألة الثالثة
ش ط العمل ابلستصحا
يشرتط لصحة العمل ابالستصحاب البحث اجلاد عن الدليل املغري والناقل،
مث القطع أو الظن بعدمه وانتفائه( .)2وبناء على ذلك :فالعمل ابالستصحاب قد
يكون قطعياا وقد يكون ظنيًا ،وذلك على النحو اآليت:
-1يكون العمل ابلستصحا قطعياا :إذا قطع ابنتفاء الدليل الناقل
واملغري ،كنفي وجوب صالة سادسة.
-2يكون العمل ابلستصحا ظنياا :إذا ظن انتفاء الدليل الناقل.
ويف املقابل فإن الدليل الناقل إذا علم أو ظن ثبوته ترجح العمل به على
العمل ابالستصحاب ،وهذا ظاهر حالة الصحابة رضي هللا عنهم(.)3
ونناء على لك :فرتك العمل ابالستصحاب قد يكون قطعياا ،وقد يكون
ظنيًا؛ وذلك على النحو اآليت:
-3يكون ت ك العمل ابلستصحا قطعياا إذا قطع بثبوت الدليل الناقل
واملغري ،كوجوب صيام رمضان.
-4يكون ت ك العمل ابلستصحا ظنياا إذا ظن ثبوت الدليل الناقل.
فهذه أربع حاالت للعمل ابالستصحاب أو تركه.
إال أنه ال بد من مالحظة األمور اآلتية:
( )1انظر :روضة الناظر" ( ،)393 ،392/1و"إعالم املوقعني" (،)344 – 341/1
و"شرح الكوكب املنري" (.)407/4
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)391 ،390/1و"جمموع الفتاوى" (،)166 ،165/29
و"إعالم املوقعني" (.)342/1
( )3وذلك مثل أخذ الصحابة رضي هللا عنهم بعموم هنيه عن لبس احلرير ،بل كان ابن
الزبري حيرمه على الرجال والنساء ،والعمل هبذا النهي راجح على األخذ ابالستصحاب
النايف للتحرمي ،وقد عمل الصحابة رضي هللا عنهم ابلراجح؛ فأخذوا النهي وتركوا
االستصحاب .انظر" :جمموع الفتاوى" (.)122 ،121/13
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
213
أ -أن الستصحا آخ مدار الفتوى ،إذ ال يلجأ إليه إال عند انتفاء
مجيع األدلة من الكتاب ،والسنة ،واإلمجاع ،والقياس ،وغري ذلك مما يصح
االستدالل به.
فإذا انتفت هذه األدلة ومل توجد صح عند ذلك األخذ ابالستصحاب ،ولذلك
قال ابن تيمية" :فاالستصحاب يف كثري من املواضع من أضعف األدلة"(.)1
ب -أن الستصحا قد يوافقه دليل خاص آخ فيقويه ،وقد ال يوافقه
دليل آخر فيكون مستند االستصحاب ٍ
حينئذ انتفاء الدليل الناقل ،وهذا االنتفاء قد
يكون قطعيًا وقد يكون ظنيًا ،فيكون االستصحاب كذلك(.)2
جـ -عند العمل ابالستصحاب بناءً على انتفاء الدليل الناقل ال بد من احلذر
من حتميل االستصحاب فوق ما يستحقه.
كثريا ممن توسعوا
وذلك بتوسعة العمل ابالستصحاب مع وجود النص ،فإن ً
حكما أثبتوه ،ومل يبالوا مبا وراءه من إشارة وإمياء
يف االستصحاب فهموا من النص ً
وإحلاق ،وحيث مل يفهموا منه نفوه ومحلوا االستصحاب وجزموا مبوجبه لعدم علمهم
علما ابلعدم ،وهذا يتأتى غالبًا من نفاة القياس(.)3
ابلناقل ،وعدم العلم ليس ً
املسألة ال انعة
حكر األشياء قبل ورود السمع
مذهب أهل السنة يف هذه املسألة التوقف ،وسيأيت بيان هذه املسألة – إن
شاء هللا – عند الكالم على اإلابحة(.)4
املسألة اخلامسة
هل النايف يل مه الدليل؟
حكما هل يكفيه
عالقة هذه املسألة مبوضوع االستصحاب هي أن من نفى ً
(" )1جمموع الفتاوى" ( .)112/13وانظر.)16 ،15/23( :
( )2انظر املصدر السابق (.)122 ،121/13
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)16/23و"إعالم املوقعني" (.)339 – 337/1
( )4انظر (ص )310 :من هذا الكتاب.
214
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
كونه ًنفيًا أو أنه يكلف إبقامة الدليل على ما ادعاه من النفي()1؟
الصوا يف هذه املسألة أنه ال فرق بني املثبت والنايف ،إذ يلزم كل صاحب
دعوى إقامة الدليل على دعواه سواء كانت دعواه دعوى نفي أو إثبات(.)2
ومن األدلة على لك(:)3
ْك
ص َارى تِل َ
-1قوله تعاىلَ :وقَالُوا لَ ْن يَ ْد ُخ َل ا ْجلَنَّةَ إِل َم ْن َكا َن ُه ً
ودا أَ ْو نَ َ
ِ
ص ِادقِ َني[ البقرة ،]111 :فطالب هللا سبحانه
أ ََمانيُّـ ُه ْر قُ ْل َهاتُوا نُـ ْ َهانَ ُك ْر إِ ْن ُك ْنـتُ ْر َ
–وهو أعدل احلاكمني– أصحاب هذه الدعوى ابلربهان والدليل ،ودعواهم دعوى
نفي.
ختلصا من
-2أن املثـْببِت ال يعجزه أن يعرب عن مذهبه أبسلوب النفي ً
الدليل ،فيقول بدالً من "عاجز" "غري قادر" وهكذا ،وال شك أن هذا يفضي إىل
سقوط الدليل عن اجلميع وهو ابطل.
( )1انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)160
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)395/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)84/9و"اجلواب الصحيح"
( ،)291/4و"شرح الكوكب املنري" ( ،)525/4و"مذكرة الشنقيطي" (.)160
( )3انظر" :روضة الناظر" (.)397 ،396/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين
قول الصحا
والكالم على هذا املبحث يف النقاط اآلتية:
-1قول الصحا فيما ل جمال لل أي فيه.
-2قول الصحا إ ا خالفه غْيه من الصحانة.
-3قول الصحا إ ا انتش ومل خيالف.
-4قول الصحا فيما عدا لك.
-5حت ي ول الن اع.
-6قول الصحا ل خيالف النص.
-7قول الصحا إ ا خالف القياي.
-8األدلة على حجية قول الصحا .
215
216
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1قول الصحا فيما ل جمال لل أي فيه:
قول الصحايب فيما ال جمال في ه للرأي واالجتهاد له حكم الرفع إىل النيب
)1(يف االستدالل به واالحتجاج ،أو يكون ذلك يف حكم املرفوع إىل النيب
لكن من ابب الرواية ابملعىن؛ فإن الصحابة يروون السنة اترة بلفظها واترة
مبعناها.
()2
وال يصح بناءً على ذلك أن يقال فيه :هذا قول رسول هللا .
-2قول الصحا إ ا خالفه غْيه من الصحانة:
إذا اختلف الصحابة رضي هللا عنهم فيما بينهم مل يكن قول بعضهم حجة
على بعض ،ومل جيز للمجتهد بعدهم أن يقلد بعضهم ،بل الواجب يف هذه احلالة
التخري من أقواهلم حبسب الدليل(- )3عند األكثر( -)4وال جيوز اخلروج عنها(.)5
قال ابن تيمية" :وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إىل هللا والرسول ،ومل يكن قول
بعضهم حجة مع خمالفة بعضهم له ابتفاق العلماء"(.)6
-3قول الصحا إ ا انتش ومل خيالف:
إمجاعا وحجة
قول الصحايب إذا اشتهر ومل خيالفه أحد من الصحابة صار ً
( )1قيد ذلك بعضهم أبال يعرف عن الصحايب األخذ من اإلسرائيليات .انظر" :مذكرة
الشنقيطي" (.)165
( )2انظر" :املسودة" ( ،)338و"إعالم املوقعني" ( ،)154 ،153/4و"شرح الكوكب املنري"
( ،)120/4و"مذكرة الشنقيطي" (.)165
( )3انظر" :الرسالة" ( ،)597 ،596و"الفقيه واملتفقه" ( ،)175/1و"روضة الناظر"
( ،)406/1و"إعالم املوقعني ( ،)119/4و"شرح الكوكب املنري" (.)422/4
( )4للخطيب البغدادي وابن القيم تفصيل يف هذه املسألة ،وذلك أن اخلطيب البغدادي يرجح
ابلكثرة واإلمامة ،وابن القيم يرجح ابإلمامة .انظر املصادر السابقة.
( )5انظر مسألة إذا اختلف الصحابة على قولني هل جيوز ملن بعدهم إحداث قول اثلث فيما
مضى من مسائل اإلمجاع (ص )175 ،174من هذا الكتاب.
(" )6جمموع الفتاوى" (.)14/20
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
217
عند مجاهري العلماء(.)1
قال ابن تيمية" :وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ومل تنكر يف زماهنم فهي
حجة عند مجاهري العلماء"(.)2
-4قول الصحا فيما عدا لك "وهذا هو املقصود حبثه يف هذا
املقام":
قول الصحايب إذا مل خيالفه أحد من الصحابة ومل يشتهر بينهم ،أو مل يعلم هل
اشتهر أو ال؟ وكان للرأي فيه جمال ،فقول األئمة األربعة ومجهور األمة :أنه حجة
خالفًا للمتكلمني(.)3
قال ابن تيمية:
"وإن قال بعضهم قوالً ومل يقل بعضهم خبالفه ومل ينتشر فهذا فيه نزاع،
ومجهور العلماء حيتجون به كأيب حنيفة ومالك وأمحد – يف املشهور عنه –
والشافعي يف أحد قوليه ،ويف كتبه اجلديدة االحتجاج مبثل ذلك يف غري موضع،
ولكن من الناس من يقول :هذا هو القول القدمي"(.)4
-5حت ي ول الن اع:
ميكن حترير حمل النزاع يف قول الصحايب من خالل النقاط املاضية فيما أييت:
أ -أن يكون يف املسائل االجتهادية ،أما قول الصحايب فيما ال جمال
لالجتهاد فيه فله حكم الرفع.
أل خيالفه غْيه من الصحانة ،فإن خالفه غريه اجتهد يف أرجح القولنيابلدليل.
( )1انظ ـ ــر" املس ـ ــودة" ( ،)335و"إع ـ ــالم امل ـ ــوقعني" ( ،)120/4و"ش ـ ــرح الكوك ـ ــب املن ـ ــري"
( ،)422/4 ،212/2و"رسالة ابن سعدي" (.)107
(" )2جمموع الفتاوى" (.)14/20
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)174/1و"روضة الناظر" ( ،)403/1و"إعالم املوقعني"
( ،)120/4و"شرح الكوكب املنري" ( ،)422/4و"رسالة ابن سعدي" (.)107
(" )4جمموع الفتاوى" (.)14/20
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
218
جـ -أل يشته هذا القول ،فإن اشتهر –ومل خيالفه أحد من الصحابة–
إمجاعا عند مجاهري العلماء.
كان ً
يضاف إىل لك ش طان:
نصا.
أوهلما :أال خيالف ً
معارضا ابلقياس.
اثنيهماً :أال يكون
ً
بتلك الضوابط وهبذين الشرطني ذهب األئمة إىل االحتجاج بقول الصحايب.
-6قول الصحا ل خيالف النص:
قول الصحايب الذي ذهب األئمة إىل االحتجاج به ال يكون خمال ًفا للنص ،إذ
نصا وال خيالفه صحايب آخر.
من املستبعد أن خيالف الصحايب ً
قال ابن القيم" :من املمتنع أن يقولوا -أي الصحابة -يف كتاب هللا اخلطأ
احملض؛ وميسك الباقون عن الصواب فال يتكلمون به ،وهذه الصورة املذكورة وأمثاهلا
[يعين قول الصحايب املخالف للنص] قد تكلم فيها غريهم ابلصواب.
واحملظور إمنا هو خلو عصرهم عن ًنطق ابلصواب ،واشتماله على ًنطق بغريه
فقط ،فهذا هو احملال"(.)1
فلدينا إذن أمران متالزمان ،ومها شرطان وقيدان لالحتجاج بقول الصحايب:
نصا.
األول :أال خيالف الصحايب ً
والثاين :أال خيالف الصحايب صحايب آخر.
نصا فال بد أن خيالفه بعض الصحابة ،فال يكون حينئذ
فإن خالف الصحايب ً
قول بعضهم حجة؛ إذ كال القولني حيتمل الصواب.
وإن مل خيالف الصحايب أح ٌد من الصحابة فذلك لكونه نطق ابلصواب
فأمسك بقية الصحابة عن الكالم يف املسألة.
-7قول الصحا إ ا خالف القياي:
قول الصحايب الذي اتفق األئمة على االحتجاج به ال يكون خمال ًفا للقياس.
(" )1إعالم املوقعني" (.)155/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
219
أما إن كان خمال ًفا للقياس:
فاألكثر على أنه حيمل على التوقيف؛ ألنه ال ميكن أن خيالف الصحايب
القياس ابجتهاد من عنده.
وقول الصحايب املخالف للقياس – عند هؤالء – مقدم على القياس؛ ألنه
نص والنص مقدم على القياس ،وقد تعارض دليالن واألخذ أبقوى الدليلني متعني.
وذهب بعض األئمة إىل أن قول الصحايب ال يكون حجة إذا خالف القياس؛
ألنه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس ،وهو ال يكون حجة إال عند عدم
املعارض(.)1
-8األدلة على حجية قول الصحا :
من األدلة على لك:
الدليل األول :ما ورد من النصوص الدالة على عدالتهم وتزكية هللا تعاىل
()2
السانِ ُقو َن َّ ِ
ِ
صا ِر
هلم وبيان علو منزلتهم ،كقوله تعاىلَ :و َّ
ين َواألنْ َ
األولُو َن م َن ال ُْم َهاج ِ َ
َّ ِ
ان ر ِ
وهر ِبِِح ٍ
ضوا َع ْنهُ[ التوبة.]100 :
ض َب هللاُ َع ْنـ ُه ْر َوَر ُ
س َ
َوالذ َ
ين اتَّـبَـ ُع ُ ْ ْ َ
وقوله « :ل تسبوا أصحا ،فلو أن أحدكر أنفق مثل أحد هبًا ما نلغ
مد أحدهر ول نصيفه»(.)3
الدليل الثاين :أن الصحابة -رضي هللا عنهم -انفردوا مبا جعلهم أبر األمة
علما وأقلهم تكل ًفا ،فقد خصهم هللا بتوقد األذهان وفصاحة اللسان،
ً
قلواب وأعمقهم ً
فالعربية طبيعتهم وسليقتهم ،واملعاين الصحيحة مركوزة يف فطرهم وعقوهلم ،وال حاجة
هبم إىل النظر يف اإلسناد وأحوال الرواة وعلل احلديث واجلرح والتعديل ،وال إىل
النظر يف قواعد األصول وأوضاع األصوليني ،بل قد غنوا عن ذلك كله.
فليس يف حقهم إال أمران:
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)598 ،597و"إعالم املوقعني" ( ،)156/4و"شرح الكوكب املنري"
(.)424/4
( )2انظر" :الكفاية" ( ،)67 – 63و"إعالم املوقعني" (.)146 – 123/4
( )3أخرجه البخاري ( )21/7برقم ( ،)3673ومسلم (.)92/16
220
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أحدمها :قال هللا تعاىل كذا ،وقال رسول هللا كذا.
والثاين :معناه كذا وكذا.
وهم أسعد الناس هباتني املقدمتني ،وأحظى األمة هبما ،فقواهم متوفرة جمتمعة
عليهما؛ لذلك كان قوهلم أقرب إىل الصواب وأبعد عن اخلطأ؛ فإهنم حضروا التنزيل،
عهدا
ومسعوا كالم رسول هللا منه ،وهم أعلم ابلتأويل وأعرف ابملقاصد ،وأقرب ً
بنور النبوة ،وأكثر تلقيًا من املشكاة النبوية(.)1
الدليل الثالث :أن فتوى الصحايب ال خترج عن ستة أوجه(:)2
الوجه األول :أن يكون مسعها من النيب .
الوجه الثاين :أن يكون مسعها ممن مسعها منه ،فإن الصحابة -رضي هللا
عنهم -كانوا يهابون الرواية عن رسول هللا ،ويعظموهنا ،ويقللوهنا خوف الزايدة
والنقصان.
فهما خفي علينا.
الوجه الثالث :أن يكون فهمها من آية من كتاب هللا ً
الوجه ال انع :أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ،ومل ينقل إلينا إال قول املفيت
هبا وحده.
الوجه اخلامق :أن يكون لكمال علمه ابللغة وداللة اللفظ على الوجه الذي
انفرد به عنا ،أو لقرائن حالية اقرتنت ابخلطاب ،أو جملموع أمور فهمها على طول
الزمان من رؤية النيب ،ومشاهدة أفعاله ،وأحواله ،وسريته ،ومساع كالمه ،والعلم
مبقاصده ،وشهود تنزيل الوحي ،ومشاهدة أتويله ابلفعل ،فيكون فهم ما ال نفهمه
حنن.
وعلى هذه التقادي اخلمسة تكون فتواه حجة جيب اتباعها.
الوجه السادي :أن يكون فهم ما مل يرده الرسول ،وأخطأ يف فهمه ،واملراد
غري ما فهمه.
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)405/1و"إعالم املوقعني" (– 148/4 ،82 – 79/1
.)150
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)174/1و"إعالم املوقعني" (.)148/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
221
وعلى هذا التقدير ال يكون قوله حجة.
قطعا أن وقوع احتمال من مخسة أغلب على الظن من وقوع احتمال
ومعلوم ً
واحد معني.
****
222
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثالث
ش ع من قبلنا
والكالم على هذا املبحث يف النقاط التالية:
-1وجه اتفاق الشرائع السابقة.
-2وجه اختالف الشرائع السابقة.
-3الشريعة اإلسالمية ًنسخة جلميع الشرائع السابقة.
-4حترير حمل النزاع يف مسألة شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟
-5حكم االحتجاج بشرع من قبلنا.
-6اخلالف يف شرع من قبلنا خالف لفظي.
223
224
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1وجه اتفاق الش ائع السانقة:
مجيعا هبا،
اإلسالم دين مجيع األنبياء واملرسلني ،وهو امللة اليت أمر األنبياء ً
وقد بوب لذلك اإلمام البخاري يف صحيحه ،فقال" :ابب ما جاء يف أن دين
األنبياء واحد"(.)1
وقال ابن تيمية........." :فصل يف توحد امللة وتعدد الشرائع وتنوعها،
وتوحد الدين امللي دون الشرعي....
ال إِِين ج ِ
قال هللا تعاىل :وإِ ِ انـتَـلَى إِنـ ِاهير رنُّهُ نِ َكلِم ٍ
ك لِلن ِ
َّاي
اي فَأََمتَُّه َّن قَ َ
اعلُ َ
َ ْ
َ
َْ َ َ
َ
إِ َم ًاما[البقرة ]124 :فهذا نص يف أنه إمام الناس كلهم .
ِ َّ ِ ِ
ير َحنِي ًفا َوَما َكا َن
مث قالَ :وقَالُوا ُكونُوا ُه ً
ودا أ َْو نَ َ
ص َارى تَـ ْهتَ ُدوا قُ ْل نَ ْل مل َة إنْـ َاه َ
ِم َن ال ُْم ْش ِكِ َني[ البقرة ]135 :فأمر ابتباع ملة إبراهيم ،وهنى عن التهود والتنصر،
وأمر ابإلميان اجلامع كما أنزل على النبيني وما أوتوه ،واإلسالم له ،وأن نصبغ بصبغة
هللا ،وأن نكون له عابدين"(.)2
أيضا" :واألنبياء كلهم دينهم واحد ،وتصديق بعضهم مستلزم تصديق
وقال ً
سائرهم ،وطاعة بعضهم تستلزم طاعة سائرهم.
وكذلك التكذيب واملعصية.)3(......
-2وجه اختالف الش ائع السانقة:
شرائع األنبياء خمتلفة ومناهجهم متعددة ،وذلك يف تفاصيل العبادات
ومفردات األحكام.
ِ
ِ
اء ُه ْر َع َّما
قال ابن تيمية يف قوله تعاىل :فَ ْ
اح ُك ْر نَـ ْيـنَـ ُه ْر مبَا أَنْـ َ َل هللاُ َول تَـتَّب ْع أ َْه َو َ
ِ
ِ
ج ِ
ِ
ِ
اجا[ املائدة:]48 :
اء َك م َن ا َْ ِق ل ُك ٍل َج َعلْنَا م ْن ُك ْر ش ْ َعةً َوم ْنـ َه ً
ََ
"فأمره أن حيكم مبا أنزل هللا على من قبله ،لكل جعلنا من الرسولني والكتابني
(" )1صحيح البخاري" (.)477/6
(" )2جمموع الفتاوى" (.)107 ،106/ 19
( )3املصدر السابق (.)185/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
225
ومنهاجا؛ أي :سنة وسبيالً ،فالشرعة :الشريعة وهي السنة ،واملنهاج :الطريق
شرعة
ً
والسبيل ،وكان هذا بيان وجه تركه ملا جعل لغريه من السنة واملنهاج إىل ما جعل
له.)1("....
فاملقصود أن كل نيب إمنا تعبده هللا بشريعة خاصة به ،أما الدين اجلامع وهو
اإلسالم فإنه عام جلميع األنبياء ،وهذا معىن توحد امللة والدين ،وتعدد الشرائع
واملناهج.
()2
-3الش يعة اإلسالمية انسخة جلميع الش ائع السانقة .
-4حت ي ول الن اع يف مسألة :ش ع من قبلنا هل هو ش ع لنا؟:
ذلك أن هلذه املسألة طرفني وواسطة(.)3
إمجاعا.
شرعا لنا ً
أ -طرف يكون فيه شرع من قبلنا ً
إمجاعا.
شرعا لنا ً
ب -وطرف يكون فيه شرع من قبلنا ليس ً
جـ -وواسطة هي حمل اخلالف.
إمجاعا ،فهو ما
شرعا لنا ً
أما الط ف األول الذي يكون فيه شرع من قبلنا ً
ثبت أوالً أنه شرع ملن قبلنا وذلك بطريق صحيح ،وثبت اثنيًا أنه شرع لنا .وذلك
َّ ِ
َّ ِ
ِ
ِ
ِ
ين ِم ْن
ب َعلَْي ُك ُر الصيَ ُ
ين َ
ب َعلَى الذ َ
كقوله تعاىلََ :ي أَيُّـ َها الذ َ
ام َك َما ُكت َ
آمنُوا ُكت َ
قَـ ْبلِ ُك ْر[ البقرة.]183 :
إمجاعا،
وأما الط ف الثاين وهو الذي يكون فيه شرع من قبلنا غري حجة ً
فهو أحد أمرين:
األول :ما مل يثبت بطريق صحيح أصالً ،كاملأخوذ من اإلسرائيليات.
والثاين :ما ثبت بطريق صحيح أنه شرع ملن قبلنا وصرح يف شرعنا بنسخه
ص َ ُه ْر
كاألصرار واألغالل اليت كانت عليهم ،كما يف قوله تعاىلَ :ويَ َ
ض ُع َع ْنـ ُه ْر إِ ْ
(" )1جمموع الفتاوى" (.)113/19
( )2انظر بيان ذلك يف :مبحث النسخ (ص )251من هذا الكتاب.
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)7 ،6/19و"اقتضاء الصراط املستقيم" (،)412 ،411/1
و"شرح الكوكب املنري" ( ،)414 – 412/4و"مذكرة الشنقيطي" (،)162 ،161
و"رحلة احلج إىل بيت هللا احلرام" (.)113 ،112
226
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ت َعلَْي ِه ْر[ األعراف.]157 :
َواأل ْغ َ
الل الَِّيت َكانَ ْ
والواسطة اليت وقع فيها اخلالف هي ما اشتملت على ثالثة ضوابط:
األول :أن يثبت أنه شرع ملن قبلنا بطريق صحيح وهو الكتاب والسنة
شرعا لنا
الصحيحة ،ويكفي اآلحاد يف ذلك ،فإن ورد بطريق غري صحيح مل يكن ً
بال خالف.
الثاين :أال يرد يف شرعنا ما يؤيده ويقرره ،فإن ورد يف شرعنا ما يؤيده كان
شرعا لنا بال خالف.
ً
الثالث :أال يرد يف شرعنا ما ينسخه ويبطله ،فإن ورد يف شرعنا ما ينسخه
شرعا لنا بال خالف ،ومن املعلوم أن ذلك ال يكون يف أصول الدين وأمور
مل يكن ً
مجيعا كما تقدم.
العقيدة؛ ألهنا مما اتفق عليه بني األنبياء ً
-5حكر الحتجاج نش ع من قبلنا:
اختلف العلماء يف االحتجاج بشرع من قبلنا ،فذهب األكثر إىل أنه يكون
حجة( )1وذلك وفق الضوابط الثالثة املوضحة يف حترير حمل النزاع.
ومما يقوي هذا املذهب:
"أن هللا تعاىل أنزل علينا هذا الكتاب العزيز لنعمل بكل ما دل عليه من
شرعا ملن قبلنا أم ال.
األحكام سواء كان ً
وهللا تعاىل ما قص علينا أخبار املاضني إال لنعترب هبا ،فنجتنب املوجب الذي
هلك بسببه اهلالكون منهم ،ونغتنم املوجب الذي جنا بسببه الناجون منهم ،وقد قال
تعاىل :لََق ْد َكا َن ِيف قَص ِ
ص ِه ْر ِع ْبـ َةٌ ِ
ألويل األلْبَا ِ [ يوسف.]111 :
َ
ِ
جدا كقولهَ :وإنَّ ُك ْر
واآلايت الدالة على االعتبار أبحوال املاضني كثرية ً
صبِ ِح َني * َوِابللَّْي ِل أَفَال تَـ ْع ِقلُو َن[ الصافات،]138 ،137 :
لَتَ ُم ُّو َن َعلَْي ِه ْر ُم ْ
ِ
ِ
يل ُم ِق ٍير[ احلجر ،]76 :وكقولهَ :وإِنَّـ ُه َما لَبِِإ َم ٍام ُمبِ ٍ
سبِ ٍ
ني
وكقولهَ :وإنَّـ َها لَب َ
[احلجر.)2(]79 :
( )1انظر" :روضة الناظر" (" ،)400/1قواعد األصول" ( ،)76و"تفسري ابن كثري" (،)64/2
و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)161و"شرح الكوكب املنري" (.)412/4
(" )2رحلة احلج إىل بيت هللا احلرام" (.)109
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
227
-6اخلالف يف ش ع من قبلنا خالف لفظب:
ميكن رد اخلالف يف هذه املسألة إىل اللفظ دون احلقيقة إذا علم اتفاق
اجلميع على تقرير احلقائق التالية:
أ -وجوب العمل جبميع نصوص الكتاب والسنة.
ب -أن شريعة نبينا حممد ً نسخة جلميع الشرائع ،يوضح ذلك:
شرعا لألنبياء السابقني ال جيوز
جـ -أن العمل بشرع من قبلنا من حيث كونه ً
عند اجلميع.
شرعا
ومن ذهب إىل تصحيح العمل بشرع من قبلنا فذلك من حيث كونه ً
لنبينا حممد ،)1(يوضحه:
شرعا
د -أن شرط العمل بشرع من قبلنا عند القائلني حبجيته أن يثبت كونه ً
ملن قبلنا بطريق صحيح وهو :الكتاب والسنة الصحيحة ،كما سبق التنبيه على ذلك
عند حترير حمل النزاع.
****
( )1انظر" :املسودة" ( ،)185و"شرح الكوكب املنري" ( ،)413/4و"رحلة احلج إىل بيت هللا
احلرام" (.)109
228
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث ال انع
الستحسان
والكالم على هذا املبحث يف ثالث نقاط:
-1معىن االستحسان عند األصوليني.
-2موقف اإلمام الشافعي من االستحسان.
-3موقف اإلمام أيب حنيفة من االستحسان.
229
230
اتفاقًا.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1معىن الستحسان عند األصوليني:
االستحسان( )1يطلق على عدة ٍ
معان ،بعضها صحيح اتفاقًا ،وبعضها ابطل
فاملعىن الصحيح ابتفاق هو أن االستحسان :ترجيح دليل على دليل ،أو هو
العمل ابلدليل األقوى أو األحسن(.)2
وهذا ما يعرب عنه بـ"العدول حبكم املسألة عن نظائرها لدليل شرعي
خاص"(.)3
أما املعىن الباطل لالستحسان فهو" :ما يستحسنه اجملتهد بعقله"()4؛ يعين:
هبواه وعقله اجملرد دون استناد إىل شيء من أدلة الشريعة املعتربة.
وإذا تبني أن لالستحسان معنيني متقابلني أحدمها صحيح اتفاقًا واآلخر
ابطل اتفاقًا فال بد من التنبيه على ما أييت:
أولً :أن لفظ االستحسان من األلفاظ اجململة ،فال يصح لذلك إطالق
احلكم عليه ابلصحة أو البطالن.
اثنيًا :أن من أثبت االستحسان من أهل العلم وأخذ به فإمنا أراد املعىن
قطعا.
الصحيح ً
اثلثًا :أن من أنكر االستحسان من أهل العلم وشنع على من قال به فإمنا
قطعا.
أراد املعىن الباطل ً
( )1مثال االستحسان :جواز دخول احلمام من غري تقدير أجرة ،والقياس أن تكون األجرة
مقدرة ،فاالستحسان هو العدول عن القياس .انظر" :روضة الناظر" (،)409/1
و"جمموع الفتاوى" (.)46/4
( )2قال ابن تيمية" :ولفظ االستحسان يؤيد هذا؛ فإنه اختيار األحسن" "املسودة" (.)454
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)407/1و"قواعد األصول" ( ،)77و"خمتصر ابن اللحام"
( ،)162و"شرح الكوكب املنري" (.)431/4
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)408/1و"قواعد األصول" ( ،)77و"خمتصر ابن اللحام"
(.)162
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
231
انعا :أن العمل ابالستحسان ابملعىن الصحيح أمر متفق على صحته ،إذ ال
رً
استحساًن.
نزاع يف وجوب العمل ابلدليل الراجح ،وإمنا اختلف يف تسمية ذلك
ً
خامسا :أن العمل ابالستحسان ابملعىن الباطل أمر متفق على حترميه ،إذ
ً
األمة جممعة على حترمي القول على هللا بدون دليل ،وال شك أن ما يستحسنه اجملتهد
حمرما.
بعقله وهواه من قبيل القول على هللا بدون دليل فيكون ً
-2موقف اإلمام الشافعب من الستحسان:
أنكر اإلمام الشافعي القول ابالستحسان وابلغ يف رده.
فمن ذلك قوله" :من استحسن فقد شرع"(.)1
ووجهة نظر الشافعي تتضح يف قوله اآليت:
".....وال أن يفيت إال من جهة خرب الزم ،وذلك الكتاب ،مث السنة ،أو ما
قاله أهل العلم ال خيتلفون فيه ،أو قياس على بعض هذا.
وال جيوز أن حيكم وال يفيت ابالستحسان؛ إذ مل يكن االستحسان واجبًا وال
يف واحد من هذه املعاين"(.)2
ومن هذا النص يتبني لنا أن الشافعي إمنا ينكر االستحسان الذي ال يعتمد
على شيء من األدلة الشرعية :الكتاب ،والسنة ،واإلمجاع ،والقياس.
وهذا حق بال ريب إذ العلماء قاطبة جممعون على حترمي القول يف دين هللا بال
علم ،ال فرق يف ذلك بني العامل واجلاهل؛ إذ اجلميع مل يرجع فيما قال إال إىل هواه
ونفسه ،وهذا عني احملظور(.)3
ويف ذلك يقول الشافعي:
أحدا من أهل العلم رخص ألحد من أهل العقول واآلداب يف
"....ال أعلم ً
أن يفيت وال حيكم برأي نفسه إذا مل يكن عاملا ابلذي تدور عليه أمور القياس من
ً
الكتاب والسنة واإلمجاع والعقل"(.)4
( )1انظر" :املستصفى" (.)247
(" )2إبطال االستحسان" (.)29
( )3انظر" :روضة الناظر" (.)410 ،409/1
(" )4إبطال االستحسان" (.)37
232
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وجيلي ابن القيم موقف اإلمام الشافعي ،فيقول" :الشافعي يبالغ يف رد
االستحسان ،وقد قال به يف مسائل:
خادما ،ويف حق
أحدها :أنه استحسن يف املتعة يف حق الغين أن يكون ً
الفقري مقنعة( ،)1ويف حق املتوسط ثالثني درمهًا"(.)2
وبذلك يتبني أن الشافعي إمنا أنكر االستحسان مبعىن القول بدون علم
ابهلوى والتشهي ،أما إن كان االستحسان مبعىن يوافق الكتاب والسنة ،فإن الشافعي
نفسه يقول به على النحو الذي يذكره ابن القيم.
-3موقف اإلمام أيب حنيفة من االستحسان :نسب إىل اإلمام أيب حنيفة
القول ابالستحسان الذي مبعىن القول بدون علم ،وهذه النسبة ابطلة ال تصح ،إذ
العلماء كافة جممعون على حترمي القول بدون علم ،بل إن أاب يوسف( )3يقول عن
أيب حنيفة ملا رحل بعد موته إىل احلجاز واستفاد سننًا مل تكن معلومة عندهم يف
الكوفة" :لو رأى صاحيب ما رأيت لرجع كما رجعت".
وذلك لعلم أيب يوسف أبن صاحبه ما كان يقصد إال اتباع الشريعة ،لكن قد
يكون عند غريه من علم السنن ما مل يبلغه(.)4
فاملقصود أن أاب حنيفة يقول ابالستحسان الذي مبعىن تقدمي النص على
القياس ،وهذا حق ،وهو ينكر األخذ ابالستحسان الذي مبعىن العمل ابلرأي يف
مقابلة النص(.)5
( )1املقنعة والقناع :ما تتقنع به املرأة من ثوب تغطي به رأسها وحماسنها .انظر" :لسان
العرب" (.)300/8
(" )2بدائع الفوائد" (.)32/4
( )3هو :يعقوب بن إبراهيم بن حبيب ،أبو يوسف القاضي ،صاحب أيب حنيفة ،أخذ عن
أيب حنيفة وويل القضاء لثالثة من اخللفاء :املهدي واهلادي ،والرشيد ،وقيل :إنه أول من
وضع الكتب يف أصول الفقه على مذهب أيب حنيفة ،وقد بث علم أيب حنيفة يف
األقطار ،من كتبه "األمايل" ،و"اخلراج" ،تويف سنة (182ه) .انظر" :اتج الرتاجم"
( ،)315و"شذرات الذهب" (.)298/1
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" (.)74/4
( )5مما يدل على ذلك قول أيب حنيفة" :ال أتخذوا مبقاييس زفر ،فإنكم إن أخذمت مبقاييسه
حرمتم احلالل وحللتم احلرام"" .جمموع الفتاوى" (.)47/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث اخلامق
املصاحل امل سلة
ويف هذا املبحث متهيد وست مسائل:
املسألة األوىل :تعريف املصلحة املرسلة.
املسألة الثانية :أقسام املصلحة املرسلة.
املسألة الثالثة :حكم االحتجاج ابملصلحة املرسلة.
املسألة ال انعة :ضوابط األخذ ابملصلحة املرسلة عند القائلني هبا.
املسألة اخلامسة :أدلة اعتبار املصلحة املرسلة.
املسألة السادسة :سد الذرائع وإبطال احليل.
233
234
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
التمهيد
وفيه أم ان:
األم األول :أوجه التالزم نني املصلحة والش يعة:
وبيان ذلك يف أمور أربعة بعضها مبين على بعض(:)1
األم األول :أن هذه الشريعة مبنية على حتقيق مصاحل العباد ودرء
املفاسد عنهم يف الدنيا واآلخرة ،فالشارع ال أيمر إال مبا مصلحته خالصة أو
راجحة ،وال ينهى إال عما مفسدته خالصة أو راجحة .وهذا األصل شامل جلميع
الشريعة ال يشذ عنه شيء من أحكامها.
األم الثاين :أن هذه الشريعة مل هتمل مصلحة قط ،فما من خري إال وقد
حثنا عليه النيب ،وما من شر إال وحذرًن منه.
األم الثالث :إذا علم ذلك فال ميكن أن يقع تعارض بني الشرع
واملصلحة ،إذ ال يتصور أن ينهى الشارع عما مصلحته راجحة أو خالصة ،وال أن
أيمر مبا مفسدته راجحة أو خالصة.
األم ال انع :إذا علم ذلك فمن ادعى وجود مصلحة مل يرد هبا الشرع
فأحد األمرين الزم له:
إما أن الشرع دل على هذه املصلحة من حيث ال يعلم هذا املدعي.
وإما أن ما اعتقده مصلحة ليس مبصلحة ،فإن بعض ما يراه الناس من
األعمال مقرًاب إىل هللا ومل يشرعه هللا فإنه ال بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه ،وإال
فلو كان نفعه أعظم مل يهمله الشارع.
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)96/13 ،345 ،344/11و"مفتاح دار السعادة" (،14/2
،)22و"إعالم املوقعني" ( ،)3/3و"القواعد واألصول اجلامعة" (.)5
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
235
األم الثاين :أقسام مطلق املصلحة(:)1
تنقسم املصلحة( )2ابإلضافة إىل شهادة الشرع إىل ثالثة أقسام:
شرعا ،ومصلحة مسكوت عنها.
شرعا ،ومصلحة ملغاة ً
مصلحة معتربة ً
أ -أما املصلحة املعتربة ش ًعا :فهي املصلحة الشرعية اليت جاءت األدلة
الشرعية بطلبها من الكتاب ،أو السنة ،أو اإلمجاع ،أو القياس ،وذلك كالصالة.
وأما املصلحة امللغاة ش ًعا :فهي املصلحة اليت يراها العبد – بنظرهالقاصر – مصلحة ولكن الشرع ألغاها وأهدرها ومل يلتفت إليها ،بل جاءت األدلة
الشرعية مبنعها والنهي عنها من الكتاب أو السنة أو اإلمجاع أو القياس ،وذلك
كاملصلحة املوجودة يف اخلمر .فهذا النوع من املصاحل يف نظر الشارع يعترب مفسدة،
وتسميته مصلحة ابعتبار اجلانب املرجوح أو ابعتبار نظر العبد القاصر ،مث هي
موصوفة بكوهنا ملغاة من جهة الشرع.
جـ -وأما املصلحة املسكوي عنها :فهي اليت مل يرد يف اعتبارها أو إبطاهلا
دليل خاص من الكتاب أو السنة أو اإلمجاع أو القياس ،لكنها مل ختل عن دليل عام
ٌ
كلي يدل عليها ،فهي إذن ال تستند إىل دليل خاص معني ،بل تستند إىل مقاصد
الشريعة وعموماهتا ،وهذه تسمى ابملصلحة املرسلة.
وإمنا قيل هلا مرسلة إلرساهلا؛ أي :إطالقها عن دليل خاص يقيد ذلك
الوصف ابالعتبار أو ابإلهدار.
املسألة األوىل
()3
تع يف املصلحة امل سلة
مما مضى ميكن تعريف املصلحة املرسلة أبهنا:
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)412/1و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)162و"شرح الكوكب املنري"
( ،)433/4و"مذكرة الشنقيطي" ( ،)168و"املصاحل املرسلة" للشنقيطي (.)15 ،8
( )2املصلحة :ضد املفسدة ،وهي :جلب املنفعة أو دفع املضرة .انظر" :جممل اللغة"
( ،)539/1و"روضة الناظر" (..)412/1
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)413/1و"مذكرة الشنقيطي" ( ،)169 ،168و"املصاحل
املرسلة" (.)15
236
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
"ما مل يشهد الشرع العتباره وال إللغائه بدليل خاص" ،وتسمى ابالستصالح
وابملناسب املرسل.
املسألة الثانية
أقسام املصلحة امل سلة
أولً :تنقسم املصلحة املرسلة ابعتبار األصل الذي تعود عليه ابحلفظ إىل
مخسة أقسام(:)1
-1مصلحة تعود إىل حفظ الدين.
-2مصلحة تعود إىل حفظ النفس.
-3مصلحة تعود إىل حفظ العقل.
-4مصلحة تعود إىل حفظ النسب.
-5مصلحة تعود إىل حفظ املال.
وهذه األمور اخلمسة تسمى" :ابلضرورايت اخلمس ،ومبقاصد الشريعة ،وهي
األمور اليت عرف من الشارع االلتفات إليها يف مجيع أحكامه ،ويستحيل أن يفوهتا
يف شيء من أحكامه ،بل مجيع التكاليف الشرعية تدور حوهلا ابحلفظ والصيانة.
والدليل على لك :هو االستقراء التام احلاصل بتتبع نصوص الكتاب
والسنة وقرائن األحوال وتفاريق األمارات(.)2
أيضا إىل ثالثة أقسام ،وذلك ابعتبار
اثنيًا :تنقسم املصلحة املرسلة ً
قوهتا(:)3
القسر األول :املصلحة الضرورية ،وتسمى درء املفاسد ،وهي :ما كانت
( )1انظر" :منهج التشريع اإلسالمي وحكمته" (.)24 – 17
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)415 ،414/1و"شرح الكوكب املنري" (،)160 – 159/4
و"منهج التشريع اإلسالمي وحكمته" ( ،)17و"املصاحل املرسلة" للشنقيطي (.)15
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)414 – 412/1و"املصاحل املرسلة" للشنقيطي (،)6
و"مذكرة الشنقيطي" (" ،)169شرح الكوكب املنري" (" .)166 -159 /4منهج
التشريع اإلسالمي وحكمته" (.)24 -16
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
237
املصلحة فيها يف حمل الضرورة حبيث يرتتب على تفويت هذه املصلحة تفويت شيء
من الضرورايت أو كلها ،وهذه أعلى املصاحل ،وذلك كتحرمي القتل ،ووجوب
القصاص.
القسر الثاين :املصلحة احلاجية ،وتسمى جلب املصاحل ،وهي :ما كانت
املصلحة فيها يف حمل احلاجة ال الضرورة فيحصل بتحقيق هذه املصلحة التسهيل
وحتصيل املنافع ،وال يرتتب على فواهتا فوات شيء من الضرورايت ،وذلك كاإلجارة
واملساقاة.
القسر الثالث :املصلحة التحسينية ،وتسمى التتميمات ،وهي :ما ليس
ضرورًاي وال حاجيًا ،ولكنها من ابب اجلري على مكارم األخالق واتباع أحسن
املناهج ،وذلك كتحرمي النجاسات.
املسألة الثالثة
حكر الحتجاج ابملصلحة امل سلة
جلب املصاحل ودرء املفاسد أصل متفق عليه بني العلماء ،لكنهم اختلفوا يف
املصلحة املرسلة .فمن رأى أهنا من ابب جلب املصاحل ودرء املفاسد اعتربها دليالً
واحتج هبا ،ومن رأى أهنا ليست من هذا الباب ،بل رأي أن املصلحة املرسلة من
ابب وضع الشرع ابلرأي وإثبات األحكام ابلعقل واهلوى قال :إهنا ليست من األدلة
الشرعية وأنه ال جيوز االحتجاج هبا وال االلتفات إليها(.)1
قال الشيخ الشنقيطب:
"فاحلاصل أن الصحابة -رضي هللا عنهم -كانوا يتعلقون ابملصاحل املرسلة اليت
مل يدل دليل على إلغائها ،ومل تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية.
وأن مجيع املذاهب يتعلق أهلها ابملصاحل املرسلة ،وإن زعموا التباعد منها.
ومن تتبع وقائع الصحابة وفروع املذاهب علم صحة ذلك.
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)344 ،34/11
238
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ولكن التحقيق أن العمل ابملصلحة املرسلة أمر جيب فيه التحفظ وغاية احلذر
حىت يتحقق صحة املصلحة وعدم معارضتها ملصلحة أرجح منها ،أو مفسدة أرجح
منها أو مساوية هلا ،وعدم أتديتها إىل مفسدة يف اثين حال"(.)1
وبذلك يتبني أن اخلالف يف االحتجاج ابملصلحة املرسلة خالف لفظي؛ ألن
اجلميع متفق على أن حتصيل املصاحل وتكميلها وتعطيل املفاسد وتقليلها أصل
شرعي اثبت إال أن اخلالف وقع يف تسمية العمل هبذا األصل وااللتفات إىل حتقيقه
– فيما مل يرد ابعتباره أو إلغائه دليل خاص – مصلحة مرسلة(.)2
قياسا( ،)3أو
فبعضهم يسمي ذلك مصلحة مرسلة ،وبعضهم يسمي ذلك ً
اجتهادا ،أو عمالً مبقاصد الشريعة.
عموما ،أو
ً
ً
ومما يقرر كون اخلالف لفظيًا أن املثبتني للمصلحة املرسلة إمنا يقولون هبا وفق
الضوابط اآلتية:
املسألة ال انعة
ضوانط األخذ ابملصلحة امل سلة عند القائلني هبا
األول :أال تكون املصلحة مصادمة لنص أو إمجاع(.)4
الثاين :أن تعود على مقاصد الشريعة ابحلفظ والصيانة(.)5
الثالث :أال تكون املصلحة يف األحكام اليت ال تتغري ،كوجوب الواجبات،
(" )1املصاحل املرسلة للشنقيطي" ( .)21وانظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)170
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)415/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)343/11و"قواعد األصول"
( ،)78و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)163و"شرح الكوكب املنري" ( ،)433/4و"املدخل
إىل مذهب اإلمام أمحد" ( ،)138و"املصاحل املرسلة" للشنقيطي (.)10
( )3الفرق بني القياس واملصلحة املرسلة أن القياس يرجع إىل أصل معني خبالف املصلحة فإهنا
ال ترجع إىل أصل معني ،بل إىل أصل كلي .انظر" :شرح الكوكب املنري"
(.)170/4
( )4انظر" :املصاحل املرسلة" للشنقيطي (.)21
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" (.)343/11
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
239
وحترمي احملرمات ،واحلدود ،واملقدرات الشرعية ،ويدخل يف ذلك األحكام املنصوص
عليها ،واجملمع عليها ،وما ال جيوز فيه االجتهاد(.)1
ال انع :أال تعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية هلا ،وأال يستلزم من
العمل هبا مفسدة أرجح منها أو مساوية هلا(.)2
قال ابن القيم" :فاألعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة،
وإما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة ،وإما أن تستوي مصلحتها
ومفسدهتا.
فهذه أقسام مخسة :منها أربعة أتيت هبا الشرائع.
فتأيت مبا مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به أو مقتضية له.
وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه.
فتأيت بتحصيل املصلحة اخلالصة والراجحة أو تكميلها حبسب اإلمكان،
وتعطيل املفسدة اخلالصة أو الراجحة أو تقليلها حبسب اإلمكان.
فمدار الشرائع والدايًنت على هذه األقسام األربعة"(.)3
( )1انظر" :إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" (.)331 ،330/1
( )2انظر" :املصاحل املرسلة" للشنقيطي (.)21
(" )3مفتاح دار السعادة ( .)14/2وقد ذكر ابن القيم يف هذا املقام مسألتني :األوىل :يف
وجود املصلحة اخلالصة واملفسدة اخلالصة ،انتهى فيها إىل قوله" :وفصل اخلطاب يف
املسألة إذا أريد ابملصلحة اخلالصة أهنا يف نفسها خالصة من املفسدة ال يشوهبا مفسدة
فال ريب يف وجودها ،وإن أريد هبا املصلحة اليت ال يشوهبا مشقة وال أذى يف طريقها
والوسيلة إليها وال يف ذاهتا فليست موجودة هبذا االعتبار) .واملسألة الثانية :يف وجود ما
تساوت مصلحته ومفسدته ،اختار فيها عدم وجود هذا القسم يف الشريعة وإن حصره
التقسيم ،ذلك ألن الشيء إما أن يكون حصوله أوىل ابلفاعل وهو راجح املصلحة ،وإما
أن يكون عدمه أوىل به وهو راجح املفسدة.
240
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة اخلامسة
أدلة اعتبار املصلحة امل سلة
من األدلة على اعتبار املصلحة املرسلة(:)1
أ -عمل الصحابة -رضي هللا عنهم -هبا يف وقائع كثرية مشتهرة(.)2
ب -أن العمل ابملصاحل املرسلة مما ال يتم الواجب إال به فيكون واجبًا(.)3
وذلك أن احملافظة على مقاصد الشريعة اخلمسة ثبت ابالستقراء اعتبارها
ووجوهبا ،وهذه احملافظة إمنا تتم ابألخذ ابملصلحة املرسلة وبناء األحكام عليها.
املسألة السادسة
سد الذرائع وإنطال ا يل
مما يدخل حتت الضابط الرابع من ضوابط األخذ ابملصلحة املرسلة -السابق
ذكرها( -)4أال يؤدي العمل هبا إىل مفسدة أرجح منها أو مساوية هلا يف املآل واثين
احلال.
واملقصود هبذا القيد التنبيه على أصلني من أصول الشريعة وقواعدها الكلية،
هذان األصالن مها سد الذرائع وإبطال احليل:
لقد جاءت هذه الشريعة بسد الذرائع وهو حترمي ما يتذرع ويتوصل بواسطته
إىل احلرام ،كما جاءت إببطال احليل اليت تفتح ابب احلرام.
قال ابن القيم " :وإذا تدبرت الشريعة وجدهتا قد أتت بسد الذرائع إىل
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)415/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)170/4و"املصاحل
املرسلة" للشنقيطي (.)22 ،21
( )2من األمثلة على ذلك تولية أيب بكر رضي هللا عنه لعمر رضي هللا عنه اخلالفة من بعده،
دارا للسجن مبكة .انظر:
وتدوين الدواوين يف عهد عمر رضي هللا عنه ،واختاذه ً
أيضا ً
"املصاحل املرسلة" للشنقيطي ( ،)12 ،11و"رحلة احلج إىل بيت هللا احلرام" (،175
.)176
( )3انظر (ص )298من هذا الكتاب فيما يتعلق مبسألة «ما ال يتم الواجب إال به».
( )4انظر (ص )239 ،238من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
241
احملرمات ،وذلك عكس ابب احليل املوصلة إليها.
فاحليل وسائل وأبواب إىل احملرمات ،وسد الذرائع عكس ذلك ،فبني البابني
أعظم التناقض.
والشارع حرم الذرائع وإن مل يقصد هبا احملرم إلفضائها إليه ،فكيف إذا قصد
هبا احملرم نفسه"()1؛ يعين :بذلك احليل.
أمرا واجبًا
مثال سد الذرائع :هني هللا عن سب آهلة املشركني مع كون ذلك ً
من مقتضيات اإلميان أبلوهيته سبحانه ،وذلك لكون هذا السب ذريعة إىل أن يسبوا
كفرا على وجه املقابلة(.)2
هللا سبحانه وتعاىل ً
عدوا و ً
ِ
ِ ِ
َّ ِ
سبُّوا هللاَ َع ْد ًوا نِغَ ِْْي ِعل ٍْر
سبُّوا الذ َ
ين يَ ْد ُعو َن م ْن ُدون هللا فَـيَ ُ
قال تعاىلَ :ول تَ ُ
[األنعام.]108 :
ومثال ا يل احمل مة اليت يتوصل هبا إىل فعل احلرام :فعل بين إسرائيل ملا حرم
عليهم صيد احليتان يوم السبت ،إذ نصبوا الربك واحلبائل للحيتان قبل يوم السبت،
فلما جاءت يوم السبت على عادهتا يف الكثرة نشبت بتلك احلبائل ،فلما انقضى
السبت أخذوها ،فمسخهم إىل صورة القردة(.)3
ِ
تح ِ
الس ْب ِ
ت
اض َ َة الْبَ ْح ِ إِ ْ يَـ ْع ُدو َن ِيف َّ
قال تعاىلَ :و ْ
اسأَ ْهلُ ْر َع ِن الْ َق ْ يَة الَِّيت َكانَ ْ َ
وه ْر ِمبَا َكانُوا
إِ ْ َأتْتِي ِه ْر ِحيتَانُـ ُه ْر يَـ ْوَم َس ْبتِ ِه ْر ُش َّ ًعا َويَـ ْوَم ل يَ ْسبِتُو َن ل َأتْتِي ِه ْر َك َذلِ َ
ك نَـ ْبـلُ ُ
يَـ ْف ُس ُقو َن[ األعراف.]163 :
وعالقة سد الذرائع وإبطال احليل ابملصلحة جيليه ابن القيم بقوله" :وابجلملة
فاحملرمات قسمان :مفاسد ،وذرائع موصلة إليها مطلوبة اإلعدام ،كما أن املفاسد
مطلوبة اإلعدام.
والقرابت نوعان :مصاحل للعباد ،وذرائع موصلة إليها.
ففتح ابب الذرائع يف النوع األول كسد ابب الذرائع يف النوع الثاين ،وكالمها
(" )1إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" (.)361/1
( )2انظر املصدر السابق.
( )3انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)162/3و"تفسري ابن كثري" (.)109/1
242
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
مناقض ملا جاءت به الشريعة ،فبني ابب احليل وابب سد الذرائع أعظم التناقض.
وكيف يظن هبذه الشريعة العظيمة الكاملة اليت جاءت بدفع املفاسد وسد
أبواهبا وطرقها أن جتوز فتح ابب احليل وطرق املكر على إسقاط واجباهتا واستباحة
حمرماهتا ،والتذرع إىل حصول املفاسد اليت قصدت دفعها"(.)1
****
(" )1إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" ( ،)370/1وانظر" :إعالم املوقعني" ()135/3
خبصوص سد الذرائع ،وخبصوص حترمي احليل انظر ( )159/3منه.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفصل ال انع
النسخ والتعارض والرتجيح وت تيب األدلة
ويف هذا الفصل أرنعة مباحث:
املبحث األول :النسخ.
املبحث الثاين :التعارض.
املبحث الثالث :الرتجيح.
املبحث ال انع :ترتيب األدلة.
243
244
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث األول
النسخ
ويف هذا املبحث مخق مسائل:
املسألة األوىل :تعريف النسخ.
املسألة الثانية :شروط النسخ.
املسألة الثالثة :حكم النسخ واحلكمة منه.
املسألة ال انعة :أقسام النسخ.
املسألة اخلامسة :الزايدة على النص.
245
246
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف النسخ
النسخ لغة( :)1النقل ،يقال :نسخت الكتاب؛ أي :نقلته.
والنسخ اإلزالة :يقال نسخت الشمس الظل؛ أي :أزالته.
ويف اصطالح املتقدمني – عند السلف – معناه :البيان(.)2
فيشمل ختصيص العام( ،)3وتقييد املطلق ،وتبيني اجململ ،ورفع احلكم جبملته
وهو ما يعرف – عند املتأخرين – ابلنسخ.
قال ابن القيم:
"قلت :مراده ومراد عامة السلف ابلناسخ واملنسوخ :رفع احلكم جبملته اترة –
وهو اصطالح املتأخرين– ورفع داللة العام واملطلق والظاهر وغريها اترة ،إما
بتخصيص أو تقييد أو محل مطلق على مقيد وتفسريه وتبيينه ،حىت إهنم يسمون
نسخا لتضمن ذلك رفع داللة الظاهر وبيان املراد.
االستثناء والشرط والصفة ً
فالنسخ عندهم ويف لساهنم هو :بيان املراد بغري ذلك اللفظ بل أبمر خارج
عنه ومن أتمل كالمهم رأى من ذلك فيه ما ال حيصى ،وزال عنه به إشكاالت
أوجبها محل كالمهم على االصطالح احلادث املتأخر"(.)4
والنسخ يف اصطالح املتأخرين(" :)5رفع ا كر الثانت خبطا متقدم
اخ" ،ألن احلكم
اخ عنه" ،أو يقال" :رفع ا كر الش عب خبطا مرت ٍ
خبطا مرت ٍ
الثابت خبطاب متقدم إمنا هو احلكم الشرعي.
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)603 ،602
( )2انظر" :االستقامة" ( ،)23/1و"جمموع الفتاوى" (،)101/14 ،272 ،29/13
و"إعالم املوقعني" (.)316/2 ،35/1
( )3انظر (ص )322 ،421من هذا الكتاب فيما يتعلق ابلفرق بني التخصيص والنسخ.
(" )4إعالم املوقعني" (.)35/1
( )5انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)80/1و"روضة الناظر" ( ،)190/1و"قواعد األصول" (،)71
و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)136و"شرح الكوكب املنري" ( ،)526/3و"مذكرة
الشنقيطي" (.)66
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
247
وقد اشتمل هذا التعريف على القيود اآلتية(:)1
األول :أن النسخ رفْع ألصل احلكم ومجلته حبيث يبقى احلكم مبنزلة ما مل
ختصيصا.
تقييدا أو استثناءً أو
يشرع ألبتة ،وليس ً
ً
الثاين :أن النسخ رفع للحكم الشرعي الثابت خبطاب متقدم ،وليس رف ًعا
حلكم الرباءة األصلية الثابت بدليل العقل ،كإجياب الصالة فإنه رافع حلكم الرباءة
نسخا.
األصلية وهو عدم وجوهبا ،فهذا ال يسمى ً
الثالث :أن النسخ رفع للحكم الشرعي خبطاب شرعي اثن ،وهذا احرتاز
عما رفع بغري خطاب؛ كزوال احلكم الشرعي ابملوت ،أو اجلنون ،وحنو ذلك.
ال انع :أن النسخ رفع خبطاب شرعي ٍ
اثن مرت ٍاخ عن اخلطاب األول ،أما إذا
وبياًن وال
اتصل اخلطاب الثاين ابخلطاب األول ومل يرتاخ عنه فإنه يكون
ختصيصا له ً
ً
يكون نسخا ،كقوله تعاىل :وَِِّ
َّاي ِح ُّج الْبـ ْي ِ
َّلل َعلَى الن ِ
اع إِلَْي ِه َسبِيال[ آل
استَطَ َ
ت َم ِن ْ
َ
ً
َ
نسخا لوجوب احلج على الناس :املستطيع
عمران ،]97 :فالتقييد ابملستطيع ليس ً
منهم وغري املستطيع؛ إمنا هو استثناء وختصيص.
جدت حقيقة النسخ ومعناه ،أما إذا اختل شيء
وهذه القيود إن وجدت ،و ْ
من هذه القيود فإن حقيقة النسخ ترتفع ،وهذه احلالة:
وبياًن :وذلك إذا مل يرفع أصل احلكم ومجلته بل رفع
تقييدا ً
* إما أن تكون ً
بعضه أو تغريت صفته بزايدة شرط ،أو قيد ،أو مانع.
حكما شرعيًا ،بل كان املرفوع
حكما ً
جديدا :وذلك إذا مل يكن املرفوع ً
* أو ً
حكم الرباءة األصلية.
* أو إسقاطًا وإلغاء :وذلك إذا ارتفع احلكم بدون خطاب ٍ
اثن بل ارتفع
ً
بسبب املوت وحنوه.
وختصيصا :وذلك إذا مل حيصل الرتاخي بني اخلطابني بل كاًن
بياًن
* أو ً
ً
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)80/1و"روضة الناظر" ( ،)193 – 190/1و"قواعد
األصول" ( ،)71و"إعالم املوقعني" ( ،)319 ،317 ،316/2و"شرح الكوكب املنري"
( ،)528 ،527/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)67 ،66
248
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
متصلني.
املسألة الثانية
ش وط النسخ
يشرتط يف صحة النسخ الشروط اآلتية:
* الش ط األول :أن توجد حقيقة النسخ ومعناه ،وقد تقدم بيان ذلك يف
املسألة السابقة.
* الش ط الثاين :أن يكون الناسخ وحيًا ،من كتاب أو سنة(.)1
اي قَ َ َّ ِ
والدليل على ذلك قوله تعـاىل :وإِ َا تُـ ْتـلَى َعلَْي ِهر آَيتُـنَا نـيِنَ ٍ
ين ل
ْ َ َ
ال الذ َ
َ
ـْي ه ـ َذا أَو ن ِدلْــه قُــل مــا ي ُكــو ُن ِيل أَ ْن أُن ِدلَــه ِمــن تِْل َقـ ِ
ِ
ٍ
ِ
ـاء
َ ُ ْ
ـاء َان ائْــت نِ ُق ـ ْآن غَـ ِْ َ ْ َ ُ ْ َ َ
يَـ ْ ُجــو َن ل َقـ َ
ِ
ت َرِ َع َذا َ يَـ ْوٍم َع ِظ ٍير[ يـونس:
يل إِِين أَ َخ ُ
وحى إِ ََّ
صْي ُ
اف إِ ْن َع َ
نَـ ْفسب إِ ْن أَتَّبِ ُع إِل َما يُ َ
.]15
ونذلك يعلر:
أن النسخ مبجرد اإلمجاع ال جيوز؛ فإن اإلمجاع ال ينعقد إال بعد وفاته ،
وبعد وفاته ينقطع النسخ ألنه تشريع ،وال تشريع ألبتة بعد وفاته .)2(
وإذا وجد يف كالم العلماء أن اإلمجاع نسخ نصا ،فاملراد ابإلمجاع الناسخ،
النص الذي استند إليه اإلمجاع ال نفس اإلمجاع ،فيكون من قبيل نسخ النص بنص
مثله(.)3
وأن النسخ ال جيوز ابلقياس؛ ألن القياس إمنا يعترب فيما ال نص فيه وحيث
( )1انظر" :أضواء البيان" (.)361/3
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)123 ،86/1و"روضة الناظر" ( ،)230 ،229/1و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)570/3و"أضواء البيان" ( ،)362 ،361/3و"مذكرة الشنقيطي"
(.)88
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)230 ،229/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)570/3و"أضواء
البيان" ( ،)362/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)88
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
249
وجد النص بطل القياس املخالف له(.)1
وأنه ال جيوز النسخ أبدلة العقل؛ ألن دليل العقل ضرابن:
ضرب ال جيوز أن يرد الشرع خبالفه فال يتصور نسخ الشرع به.
وضرب جيوز أن يرد الشرع خبالفه –وهو البقاء على حكم األصل– فهذا إمنا
جيب العمل به عند عدم الشرع(.)2
وال يشرتط يف الناسخ أن يكون أقوى من املنسوخ ،أو يف مرتبته ،بل يكفي أن
يكون الناسخ وحيًا صحيح الثبوت( )3خالفًا ملا ذهب إليه األصوليون من قوهلم:
"ال جيوز نسخ املتواتر ابآلحاد ،ألن املتواتر أقوى من اآلحاد واألقوى ال يرفع
مبا هو دونه"(.)4
وميكن بيان غلط األصوليني يف هذا من وجهني:
الوجه األول :ما ذكره الشيخ حممد األمني الشنقيطي إذ يقول:
"أما قوهلم :إن املتواتر أقوى من اآلحاد ،واألقوى ال يرفع مبا هو دونه فإهنم
عظيما مع كثرهتم وعلمهم ،وإيضاح ذلك:
قد غلطوا فيه غلطًا ً
أنه ال تعارض ألبتة بني خربين خمتلفي التاريخ؛ إلمكان صدق كل منهما يف
وقته ،وقد أمجع مجيع النظار أنه ال يلزم التناقض بني القضيتني إال إذا احتد زمنهما،
أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما يف وقتها(.)5
أيضا :مل يصل إىل بيت
فلو قلت :النيب صلى إىل بيت املقدس ،وقلت ً
املقدس ،وعنيت ابألوىل ما قبل النسخ ،وابلثانية ما بعده؛ لكانت كل منهما صادقة
يف وقتها"(.)6
افعا الستمرار حكم املنسوخ
الوجه الثاين" :أن الناسخ يف احلقيقة إمنا جاء ر ً
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)86/1و"شرح الكوكب املنري" (،)573 – 571/3
و"مذكرة الشنقيطي" (.)89 ،88
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" (.)123/1
( )3انظر" :أضواء البيان" ( ،)251 ،250/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)86
( )4انظر على سبيل املثال" :اإلحكام" لآلمدي (.)134/3
( )5انظر (ص )286من هذا الكتاب.
(" )6مذكرة الشنقيطي" (.)86
250
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ودوامه ،وذلك ظين وإن كان دليله قطعيًا ،فاملنسوخ إمنا هو هذا الظين ال ذلك
القطعي"(.)1
* الش ط الثالث :أن يتأخر الناسخ عن املنسوخ ،وذلك يثبت بطرق،
منها(:)2
اإلمجاع :وهو أن جتمع األمة على خالف ما ورد من اخلرب فيستدل بذلك على
أنه منسوخ لئال جتتمع على اخلطأ ،فاإلمجاع يف مثل هذا بني أن النص املتأخر ًنسخ
للنص املتقدم ،ال أن اإلمجاع هو الناسخ كما تقدم التنبيه على ذلك قريبًا.
وقوله وفعله.
وقول الراوي :كان كذا ونسخ ،أو ر َّخص يف كذا مث هني عنه.
وأن يضبط اتريخ القصص؛ فيعلم الناسخ بتأخره مع وجود ما يعارضه.
واحلاصل أن الناسخ واملنسوخ إمنا يعرفان مبجرد النقل الدال على ذلك ،وال
يعرف ذلك بدليل عقلي وال بقياس(.)3
* الشـ ـ ط ال ان ــع :أن ميتن ــع اجتم ــاع الناس ــخ واملنس ــوخ؛ أبن يك ــوًن متن ــافيني ق ــد
تواردا على حمل واحد( ،)4يقتضي املنسوخ ثبوته والناسخ رفعه أو ابلعكس(.)5
خربا( ،)6إذ األخبار ال
* الش ط اخلامق :أن يكون املنسوخ ً
حكما ال ً
(" )1نزهة اخلاطر العاطر" (.)229 ،228/1
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)127 ،126/1و"روضة الناظر" (،)235 ،234/1
و"شرح الكوكب املنري" ( ،)566 – 563/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)93 ،92
( )3انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)570 ،569/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)92
( )4ملا سيأيت بيانه من أنه إذا وجد التعارض فالواجب أوالً اجلمع وهو إعمال كال الدليلني ولو
من بعض الوجوه دون بعض ،فهذا أوىل من النسخ وهو من طرق اجلمع إال أنه إعمال
ألحد الدليلني دون اآلخر ،أو هو إعمال لكال الدليلني يف وقت دون وقت انظر (ص
)271من هذا الكتاب.
( )5انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)321 ،320 ،319/2و"شرح الكوكب املنري" (،529/3
.)530
( )6إال إذا أريد هبذا اخلرب اإلنشاء فإنه ينسخ ،كقوله تعاىل :واملطلقات يرتبصن[ البقرة:
.]228انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)539 ،538/3
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
251
يدخلها النسخ ،كأخبار ما كان وما يكون ،وأخبار اجلنة والنار ،وما ورد من أمساء
هللا وصفاته(.)1
املسألة الثالثة
ُحكر النسخ وا كمة منه
للنسخ أحكام كثرية ابعتبار أنواعه وأقسامه ،وليس املراد يف هذا املقام بيان
هذه األحكام( ،)2إمنا املراد يف هذه املسألة :بيان حكم النسخ من حيث اجلملة
وذلك من جهتني:
اجلهة األوىل :حكم وقوع النسخ بني الشرائع السماوية.
ويف ذلك يقول ابن كثري(" :)3ولكنه تعاىل شرع لكل رسول شريعة على حدة
سخ اجلميع مبا بعث به عبده
مث نسخها أو بعضها برسالة اآلخر الذي بعده حىت نَ َ
حممدا الذي ابتعثه إىل أهل األرض قاطبة وجعله خامت األنبياء كلهم"(.)4
ورسوله ً
وبذلك يتبني(:)5
أ -أن هذه الشريعة ًنسخة جلميع الشرائع السابقة(.)6
ب -وأن القرآن الكرمي آخر الكتب السماوية وأعظمها وأكملها ،كما قال
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)86 ،85/1و"االستقامة" ( ،)23/1و"جمموع الفتاوى"
( ،)201/19 ،65/5و"شرح الكوكب املنري" ( ،)543/3و"أضواء البيان" (.)308/3
( )2انظر بيان هذه األحكام عند الكالم على أقسام النسخ (ص )263 -255من هذا
الكتاب.
( )3هو :إمساعيل بن عمر بن كثري الدمشقي ،عماد الدين أبو الفداء ،احلافظ واملفسر واملؤرخ،
الفقيه الشافعي ،صحب ابن تيمية ،من مؤلفاته" :البداية والنهاية" ،و"تفسري القرآن
العظيم" ،تويف سنة (774ه) .انظر" :شذرات الذهب" ( ،)231/6و"األعالم"
(.)320/1
(" )4تفسري ابن كثري" (.)69/2
( )5انظر املصدر السابق ( ،)156 ،155/1و"معارج القبول" (.)355 – 349/2
( )6يستثىن من ذلك أصول الدين والعقائد ومكارم األخالق.
252
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ْكتا ِاب ْ ِق مص ِدقًا لِما نـ ْني ي َدي ِه ِمن ال ِ
تعاىل :وأَنْـ لْنَا إِلَي َ ِ
ْكتَا ِ َوُم َه ْي ِمنًا َعلَْي ِه
َ َ ْ
ك ال َ َ َ ُ َ
َ ََ َ ْ َ
[املائدة.]48 :
ول ِ
هللا
حممدا خامت األنبياء والرسل ،كما قال تعاىلَ :ولَ ِك ْن َر ُس َ
جـ -وأن ً
َو َخ َامتَ النَّبِيِ َني[ األحزاب.]40 :
د -ولذلك كانت هذه الشريعة صاحلة لكل زمان ومكان وهي للناس كافة
اك إِل َكافَّةً لِلن ِ
َّاي نَ ِش ًْيا َونَ ِذي ًا[ سبأ:
إىل قيام الساعة .كما قال تعاىلَ :وَما أ َْر َسلْنَ َ
.]28
ﻫ -وبذلك كانت هذه الشريعة خري الشرائع السماوية ،وهذه األمة وسطًا
بني األمم.
واجلهة الثانية :حكم وقوع النسخ يف الشريعة اإلسالمية.
()1
لقد أمجعت األمة على جواز النسخ ووقوعه يف هذه الشريعة .
ومن األدلة على ذلك:
ت[ الرعد.]39 :
-1قوله تعاىل :ميَْ ُحو هللاُ َما يَ َ
شاءُ َويُـثْبِ ُ
-2وقوله تعاىل :ما نَـ ْنس ْخ ِمن آي ٍة أَو نُـ ْن ِسها ََن ِ
ْي ِخبَ ٍْْي ِم ْنـ َها أ َْو ِمثْلِ َها أََملْ تَـ ْعلَ ْر
َ
َ َ ْ َ ْ
أ َّ
َن هللاَ َعلَى ُك ِل َش ْب ٍء قَ ِدي ٌ [ البقرة.]106 :
-3وقوع النسخ .فمن ذلك حتويل القبلة إىل الكعبة عن بيت املقدس،
ونسخ العدة أبربعة أشهر وعشر للحول ،ونسخ مصابرة املسلم لعشرة من الكفار
إىل مصابرة االثنني(.)2
-4أن هللا سبحانه وتعاىل حيكم ما يشاء ويفعل ما يريد ،وله سبحانه
احلكمة البالغة وامللك التام ،كما قال سبحانه :أَل لَهُ ْ
األم ُ [ األعراف:
اخلَل ُ
ْق َو ْ
.)3(]54
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)122/1و"روضة الناظر" ( ،)200/1و"تفسري ابن كثري"
( ،)156/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)535/3و"تيسري الكرمي الرمحن" (،)122/1
و"أضواء البيان" (.)361 ،360/3
( )2انظر" :تفسري ابن كثري" (.)156/1
( )3انظر املصدر السابق.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
253
ومن حكمته سبحانه وتعاىل يف النسخ(:)1
أولً :الرمحة خللقه والتخفيف عنهم والتوسعة عليهم ،كما قال تعاىل:
ف َع ْن ُك ْر[ النساء ،]28 :وهذه احلكمة تتضح يف نسخ األثقل
يُ ِي ُد هللاُ أَ ْن ُخيَِف َ
ابألخف ،مثل نسخ وجوب مصابرة املسلم عشرة من الكفار املنصوص عليه يف قوله
ِ
ِ
صانُِو َن يَـ ْغ ِلبُوا ِمائَـتَـ ْ ِني[ األنفال ،]65 :مبصابرة
تعاىل :إِ ْن يَ ُك ْن م ْن ُك ْر ع ْش ُو َن َ
ف هللاُ َعْن ُك ْر َو َعِل َر
املسلم اثنني من الكفار املنصوص عليه يف قوله تعاىل :اآل َن َخ َّف َ
ِ ِ
أ َّ
صانَِةٌ يَـ ْغِلبُوا ِمائَـَتـ ْ ِني[ األنفال.]66 :
َن ِفي ُك ْر َ
ض ْع ًفا فَِإ ْن يَ ُك ْن مْن ُك ْر مائَةٌ َ
اثنيًا :تكثري األجر للمؤمنني وتعظيمه هلم ،كما قال تعاىل :إِ ََّّنَا يُـ َو ََّّف
َج َ ُه ْر نِغَ ِْْي ِح َسا ٍ [ الزمر ،]10 :وهذه احلكمة تتضح يف نسخ
َّ
الصانُِو َن أ ْ
َّ ِ
ين
األخف ابألثقل ،كنسخ التخيري بني الصوم واإلطعام يف قوله تعاىلَ :و َعلَى الذ َ
يُ ِطي ُقونَهُ فِ ْديَةٌ طَ َع ُام ِم ْس ِك ٍني[ البقرة ،]184 :بتعيني إجياب الصوم يف قوله تعاىل:
فَ َم ْن َش ِه َد ِم ْن ُك ُر َّ
ص ْمهُ[ البقرة.]185 :
الش ْه َ فَـلْيَ ُ
مستلزما حلكمة خارجة عن ذاته ،وذلك فيما إذا كان
اثلثًا :أن يكون النسخ
ً
الناسخ مماثالً للمنسوخ ،كنسخ استقبال بيت املقدس ابستقبال بيت هللا احلرام ومها
جهتان كلتامها متاثل األخرى وال فرق بينهما يف حد ذاتيهما ،إال أن الناسخ الذي
هو استقبال بيت هللا احلرام يستلزم حكمة ابلغة وهي دفع حجة اليهود وحجة
املشركني على النيب .
أيضا أبن
فاليهود حيتجون عليه بقوهلم :تعيب ديننا وتصلي لقبلتنا ،وحيتجون ً
عندهم يف كتاهبم أنه يؤمر ابستقبال بيت املقدس مث حيول إىل بيت هللا احلرام.
واملشركون يقولون :تدعي أنك على ملة إبراهيم عليه الصالة والسالم وتصلي
لغري قبلته ،وقد أشار هللا سبحانه إىل هذه احلكم بقوله :لِئَال يَ ُكو َن لِلن ِ
َّاي َعلَْي ُك ْر
ُح َّجةٌ[ البقرة.]150 :
أيضا متييز قوي اإلميان من ضعيفه ،كما قال سبحانه:
ومن احلكم يف ذلك ً
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)106و"الفقيه واملتفقه" ( ،)83/1و"أضواء البيان" (– 364/3
،)366و"رحلة احلج" (.)62 – 59
254
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وما جعلْنا ال ِْقبـلَ َة الَِّيت ُك ْنت علَيـها إِل لِنـعلَر من يـتَّبِع ال َّس َ ِ
ِ
ب َعلَى َع ِقبَـ ْي ِه
ََ َ َ َ ْ
َ َ َْ
َْ َ َ ْ َ ُ ُ
ول ممَّ ْن يَـ ْنـ َقل ُ
ِ
وإِ ْن َكانَ ْ ِ
َّ
ين َه َدى هللاُ[ البقرة.]143 :
ْيًة إِل َعلَى الذ َ
َ
ت لَ َكب َ
انعا :االمتحان بكمال االنقياد ،واالبتالء ابملبادرة إىل االمتثال ،وذلك فيما
رً
أيضا ،فيكون هذا
إذا أمر هللا عبده أبمر فامتثله مث أمره بنقيض ذلك األمر فامتثله ً
دليالً على كمال االنقياد واالستسالم.
()1
وتتضح هذه احلكمة يف نسخ األمر قبل التمكن من فعله ،وذلك مثل أمر
هللا إبراهيم عليه الصالة والسالم أن يذبح ابنه مث نسخ هللا عنه هذا احلكم بفدائه
بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل ،واحلكمة من ذلك االبتالء ،قال تعاىل :إِ َّن
َه َذا َهلَُو الْبَالءُ ال ُْمبِ ُني[ الصافات.]106 :
فابتلى هللا نبيه يف حمبته له سبحانه وتقدميها على حمبته البنه حىت تتم خلته،
فكان املقصود االبتالء ال نفس الفعل؛ ألن هللا سبحانه وتعاىل ال أيمر بفعل ال
مصلحة وال منفعة وال حكمة فيه( ،)2بل أوامره سبحانه ونواهيه ومجيع شرائعه مبنية
على حكم ومصاحل ومنافع كما سبق بيان ذلك(.)3
فاحلكمة هنا ًنشئة من نفس األمر ،واملصلحة حاصلة به ،أما الفعل فال
مصلحة فيه ألبتة ،لذلك كان املقصود من األمر احلكمة منه وهي االبتالء دون
الفعل(.)4
( )1مذهب أهل السنة يف مسألة نسخ األمر قبل التمكن من الفعل اجلواز والوقوع ،ووافقهم
األشاعرة ،أما املعتزلة فمنعوا ذلك .انظر" :جمموع الفتاوى" (،)203/17 ،145/14
و"أضواء البيان" ( ،)368/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)73
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (،)297/19 ،203 – 201/17 ،147 – 144/14
و"مذكرة الشنقيطي" (.)74 ،73
( )3انظر (ص )201 -198من هذا الكتاب.
( )4مذهب أهل السنة يف هذه املسألة مبين على إثبات احلكمة يف أفعال هللا سبحانه وتعاىل
وأحكامه أبنواعها الثالثة:
أ -احلكمة املوجودة يف نفس الفعل؛ كما يف الصدق والعدل.
ب -احلكمة املكتسبة للفعل من األمر؛ كحسن الصالة وقبح اخلمر.
جـ -احلكمة الناشئة من نفس األمر ،وذلك كأمر إبراهيم عليه الصالة والسالم بذبح ابنه ،إذ
املقصود ابتالؤه :هل يطيع أو يعصي؟
أيضا خفي على املعتزلة فلم يثبتومها ،بل مل يعرفوا إال النوع
وهذا النوع من احلكمة والذي قبله ً
األول وهو احلكمة الثابتة للفعل فالشرع عندهم كاشف عن حسن الفعل أو قبحه ،وهذا
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
255
وحاصل القول يف احلكمة من النسخ:
* أن الناسخ خري من املنسوخ كما قال تعاىلَ :ما نَـ ْن َس ْخ ِم ْن آيٍَة أ َْو نُـ ْن ِس َها
ََن ِ
ْي ِخبَ ٍْْي ِم ْنـ َها أ َْو ِمثْلِ َها[ البقرة.]106 :
مساواي للمنسوخ.
فالناسخ خري سواء كان هو األخف أو األثقل أو كان
ً
* وأن أوامر هللا ونواهيه مشتملة على احلكم واملصاحل ،فإذا انتهت احلكمة
واملصلحة من اخلطاب األول وصارت يف غريه ،أمر جل وعال برتك األول الذي
زالت حكمته ،واألخذ ابخلطاب اجلديد املشتمل على احلكمة اآلن.
فاملنسوخ – وقت العمل به – كانت فيه املصلحة واحلكمة ،والناسخ هو
املشتمل على احلكمة واملصلحة بعد النسخ(.)1
املسألة ال انعة
أقسام النسخ
للنسخ تقسيمات متعددة ابعتبارات خمتلفة ،وبيان ذلك على النحو اآليت:
أولً :ينقسم النسخ إىل ثالثة أقسام:
نسخ األخف ابألثقل ،ونسخ األثقل ابألخف ،ونسخ املساوي ابملساوي.
=
بناءً على قوهلم أبن احلسن والقبح صفتان ذاتيتان لألفعال ،وأن العقل يدرك ذلك ،والشرع
كاشف لذلك ،ومن هنا أنكر املعتزلة نسخ األمر قبل التمكن من الفعل بناءً على إنكار
احلكمة الناشئة من نفس األمر.
أما نفاة احلكمة – وهم األشاعرة واجلهمية – فقد أنكروا النوع األول والثالث ،فهم ينكرون أن
تكون يف الفعل حكمة أصالً ال يف نفسه وال يف نفس األمر به.
وهذا مبين على نفي احلكمة والقول أبن العقل ال يدرك احلسن والقبح لذلك أثبتوا النوع الثاين
وهو احلكمة املكتسبة للفعل لتعلق اخلطاب به ،فقالوا ألجل ذلك جبواز النسخ قبل
التمكن من االمتثال؛ إذ األفعال عندهم سواء بناءً على أنه سبحانه ال أيمر حلكمة.
فانظر إىل الفرق بني مأخذ أهل السنة ومأخذ األشاعرة فإن بينهما ما بني املشرقني.
انظر" :روضة الناظر" ( ،)204/1و"جمموع الفتاوى" (،201/17 ،147 – 144/14
،)297/19 ،203وانظر "مسألة التحسن والتقبيح العقليني" فيما أييت من هذا
الكتاب .وانظر" :مسألة احلكمة والتعليل" يف (ص ) 201 -196من هذا الكتاب.
(" )1رحلة احلج" (.)61
256
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وقد تقدم التمثيل هلذه األقسام وبيان احلكمة يف الكل(.)1
اثنيًا :ينقسم النسخ ابلنظر إىل وقته إىل نسخ بعد التمكن من الفعل ،وهذا
هو الغالب يف األحكام املنسوخة ،كاستقبال بيت املقدس ،وعدة املتويف عنها زوجها
حوالً كامالً.
وإىل نسخ قبل التمكن من الفعل كقصة إبراهيم عليه الصالة والسالم وأمره بذبح
ولده .وقد تقدم بيان مذهب السلف يف هذه املسألة ومأخذهم يف ذلك(.)2
اثلثًا :ينقسم النسخ ابلنظر إىل بدله إىل قسمني :نسخ إىل غري بدل –عند
القائلني به– ونسخ إىل ندل ،كنسخ استقبال بيت املقدس ابستقبال بيت هللا
س ْخ ِم ْن
احلرام ،فهذا القسم متفق عليه بني العلماء ،وهو املوافق لقوله تعاىلَ :ما نَـ ْن َ
آي ٍة أَو نـُ ْن ِسها ََن ِ
ْي ِخبَ ٍْْي ِم ْنـ َها أ َْو ِمثْلِ َها[ البقرة ،]106 :فاآلية تدل داللة صرحية
َ
َ ْ
على أن النسخ ال بد فيه من البدل؛ إذ إن هللا وعد أنه ال بد للمنسوخ من بدل
مماثل أو خ ٍري ،فال يزال املؤمنون يف نعمة من هللا ال تنقص بل تزيد ،فإنه إذا أتى خبري
منها زادت النعمة ،وإذا أتى مبثلها كانت النعمة ابقية(.)3
ومتابعة هلذه اآلية ذهب بعض أهل السنة إىل أن النسخ ال يكون إال إىل بدل(.)4
وذهب مجهور األصوليني( )5إىل أن النسخ قد يكون إىل غري بدل ،ومثلوا لذلك
بنسخ وجوب تقدمي الصدقة بني يدي املناجاة(.)6
( )1انظر (ص )253من هذا الكتاب.
( )2انظر (ص )253من هذا الكتاب.
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)195 ،184/17
( )4انظر" :الرسالة" ( ،)110 ،109و"جمموع الفتاوى" ( ،)195 ،184/17و"اجلواب
الكايف" ( ،)227و"أضواء البيان" ( ،)362/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)79
( )5قال اآلمدي" :مذهب اجلميع جواز نسخ حكم اخلطاب ال إىل بدل ،خالفًا لبعض
الشذوذ" ( .)135/3وقد وافق اخلطيب البغدادي وابن قدامة وابن النجار الفتوحي من
أهل السنة مذهب مجهور األصوليني ،وسيتضح أن اخلالف يف هذه املسألة خالف
لفظي .انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)82/1و"روضة الناظر" ( ،)215/1و"شرح الكوكب
املنري" (.)545/3
( )6انظر اجلواب على التمثيل واالستدالل آبية املناجاة يف كالم ابن القيم اآليت ،ويف" :أضواء
البيان" (.)363 ،362/3
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ذلك:
257
والظاهر أن اخلالف يف هذه املسألة يرجع إىل اللفظ دون احلقيقة ،وبيان
حكما عوض املؤمنني عنه
أن اجلميع متفق على أن هللا سبحانه وتعاىل إذا نسخ
ً
حبكم آخر هو خري من احلكم املنسوخ أو مثله ،فال يرتكهم مهالً بال حكم(.)1
وردا إىل احلكم
رجوعا ً
وإمنا اختلفوا يف تسمية احلكم املنتقل إليه بدالً إذا كان ً
السابق الذي كانوا عليه؟
فعند مجهور األصوليني – وهم القائلون ابلنسخ إىل غري بدل – ال يسمى
هذا بدالً ،إذ البدل عندهم خاص مبا هو حكم شرعي آخر ضد املنسوخ كاستقبال
الكعبة بدالً من بيت املقدس ،أما الرد إىل ما كانوا عليه قبل شرع املنسوخ – كما يف
املناجاة – فليس هذا بدالً عند هؤالء.
أما النافون للنسخ إىل غري بدل فمرادهم ابلبدل ما هو أعم من حكم آخر
ضد املنسوخ فيشمل – إضافة إليه – الرد إىل ما كانوا عليه قبل شرع املنسوخ ،لذا
رجوعا إىل احلكم
فإن احلكم املنتقل إليه يسمى – عند هؤالء – بدالً ولو كان ً
السابق(.)2
يوضح ذلك قول ابن القيم......" :فإن الرب تعاىل ما أمر بشيء مث أبطله
رأساً ،بل ال بد أن يبقي بعضه أو بدله ،كما أبقى شريعة الفداء ،وكما أبقى
استحباب الصدقة بني يدي املناجاة ،وكما أبقى اخلمس للصلوات بعد رفع
اخلمسني وأبقى ثواهبا"(.)3
كل أن يقال :إن النسخ ال بد فيه من البدل ،وإن هذا البدل قد
واألوىل على ِّ
رجوعا إىل احلكم
حكما شرعيًا
ً
جديدا كما يف استقبال القبلة ،وقد يكون ً
يكون ً
السابق كما يف املناجاة ،ففي هذا التفصيل أتدب مع اآلية القرآنية الكرمية ََ ن ِ
ْي ِخبَ ٍْْي
ِ
ِ
أيضا مالحظة لألحكام اليت نسخت فأبقيت
م ْنـ َها أ َْو مثْلِ َها[ البقرة .]106 :وفيه ً
( )1انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)548/3
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)216/1و"شرح الكوكب املنري" (.)549 ،548/3
(" )3اجلواب الكايف" (.)227
258
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
على حكمها السابق ،أو على حكم الرباءة األصلية.
انعا :ينقسم النسخ إىل ثالثة أقسام(:)1
رً
معا.
القسر األول :نسخ التالوة واحلكم ً
()2
معا.
وذلك مثل آية التحرمي بعشر رضعات ،فإهنا منسوخة التالوة واحلكم ً
القسر الثاين :نسخ التالوة وبقاء احلكم.
وذلك كنسخ آية الرجم.
القسر الثالث :نسخ احلكم وبقاء التالوة.
وهو غالب ما يف القرآن من املنسوخ ،كقوله تعاىل :وعلَى الَّ ِذ ِ
ََ
ين يُطي ُقونَهُ
َ
فِ ْديَةٌ طَ َع ُام ِم ْس ِك ٍني[ البقرة.]184 :
خامسا :ينقسم النسخ ابلنظر إىل دليله إىل أقسام متعددة ،ميكن مجعها يف
ً
قسمني :قسم متفق على جوازه ،وقسم وقع فيه اخلالف.
أما القسر املتفق عليه فهو(:)3
نسخ القرآن ابلقرآن. نسخ السنة املتواترة واآلحادية مبتواتر السنة. نسخ اآلحاد من السنة ابآلحاد من السنة.وأما القسم املختلف فيه فيمكن بيانه يف ثالث مسائل:
املسألة األوىل :نسخ الق آن ابلسنة.
ذهب مجهور األصوليني إىل أنه جيوز نسخ القرآن ابلسنة املتواترة( ،)4وهو
اختيار األمني الشنقيطي(.)5
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)82 – 80/1و"روضة الناظر" (،)203 – 201/1
و"جمموع الفتاوى" ( ،)185/17و"شرح الكوكب املنري" (،)559 – 553/3
و"أضواء البيان" (.)366/3
( )2انظر فيما يتعلق هبذا األثر الصفحة التالية ،تعليق رقم (.)7
( )3انظر :قواعد األصول ( ،)72وخمتصر ابن اللحام ( ،)138ونزهة اخلاطر العاطر
( ،)223/1ومذكرة الشنقيطي (.)83
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)563/3و"نزهة اخلاطر العاطر" (.)225/1
( )5انظر" :أضواء البيان" ( ،)367/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)85
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
259
وذهب اإلمام الشافعي( )1وأمحد( )2إىل أنه ال جيوز نسخ القرآن ابلسنة ،بل
ال ينسخ القرآن إال قرآن مثله ،وهذا اختيار ابن قدامة وابن تيمية(.)3
وهذا اخلالف يف اجلواز ويف الوقوع.
حجة اجلمهور أن اجلميع وحي من هللا تعاىل ،فالناسخ واملنسوخ من عند هللا،
وهللا هو الناسخ حقيقة ،لكنه أظهر النسخ على لسان رسوله .)4(
ومثل اجلمهور للوقوع أبن آية التحرمي بعشر رضعات نسخت ابلسنة(.)5
-1وحجة اإلمام الشافعب( )6قوله تعاىل :قُ ْل َما يَ ُكو ُن ِيل أَ ْن أُنَ ِدلَهُ ِم ْن
ت َو ِع ْن َدهُ أ ُُّم
تِْل َق ِاء نَـ ْف ِسب[ يونس ،]15 :وقوله تعاىل :ميَْ ُحو هللاُ َما يَ َ
شاءُ َويُـثْبِ ُ
ال ِ
ْكتَا ِ [ الرعد.]39 :
وجه الدللة :أنه قد تبني من جمموع اآليتني أن املبتدئ لفرض الكتاب
إمنا هو هللا وال يكون ذلك ألحد من خلقه ،وإمنا جعل لرسوله أن يقول من
كتااب ،ومعلوم أن موقع سنته
تلقاء نفسه – بتوفيقه سبحانه – فيما مل ينزل به ً
أيضا
من الكتاب إمنا هو البيان له والتفسري جململه دون النسخ .ويدل على ذلك ً
قوله تعاىل :م ا نَـنْس ْخ ِمن آي ٍة أَو نـُنْ ِسه ا ََن ِ
ْي ِخبَ ٍْْي ِمنْـ َها أ َْو ِمثْلِ َها[ البقرة:
َ
ْ َ ْ
َ
َ
ٍ
،] 106وقوله تعاىلَ :وإِ َا نَ َّدلْنَا آيَةً َم َك ا َن آيَة َو َّ
اَّللُ أَ ْعلَ ُر ِمبَا يـُنَـ ِ ُل قَالُوا إِ ََّّنَا
ت ُم ْف ٍَرت[ النحل.]101 :
أَنْ َ
()7
-2واستدل الشافعب على عدم جواز نسخ القرآن ابلسنة – وهي هذه
( )1انظر" :الرسالة" (.)106
( )2انظر" :العدة" أليب يعلى" ( ،)788/3و"روضة الناظر" ( ،)224/1و"جمموع الفتاوى"
(.)399 – 397/20
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)225/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)202/19 ،197 ،195/17ورمبا
يفهم من كالم ابن القيم موافقة هذا املذهب .انظر" :إعالم املوقعني" (.)308 ،306/2
( )4انظر" :أضواء البيان" (.)367/3
( )5ورد ذلك فيما روته عائشة رضي هللا عنها ،قالت( :كان فيما أنزل من القرآن عشر
رضعات معلومات حيرمن ،مث نسخن خبمس معلومات ،فتويف رسول هللا وهن فيما يقرأ
من القرآن) .رواه مسلم (.)29/10
( )6انظر" :الرسالة" (.)109 – 106
( )7انظر" :الرسالة" (.)113 – 111
260
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة – ونسخ السنة ابلقرآن – وهي املسألة الالحقة – أبن القول بتجويز النسخ
يف املسألتني يؤدي إىل مفسدة ،أال وهي جواز أن يقال :إن ما بينه رسول هللا يف
سنته كتحرمي بعض البيوع ،ورجم الزًنة حيتمل أن يكون ذلك قبل أن ينزل عليه قوله
ال َّانِيَةُ َوال َّ ِاين
َح َّل هللاُ الْبَـ ْي َع َو َح َّ َم ال ِ َاب[ البقرة ،]275 :وقوله:
تعاىلَ :وأ َ
ًنسخا للسنة،
اجلِ ُدوا ُك َّل َو ِاح ٍد ِم ْنـ ُه َما ِمائَةَ َج ْل َد ٍة[ النور ،]2 :فيكون القرآن
فَ ْ
ً
وجيوز بناءً على ذلك رد كل سنة عن رسول هللا فيها بيان جململ القرآن جملرد
وجود وجه خمالفة بني جممل القرآن وبيان السنة.
-3وقد ذكر ابن تيمية أن منهج السلف يف احلكم هو النظر يف الكتاب
أوالً مث يف السنة اثنيًا( ،)1وبني أن هذا املنهج إمنا ينسجم مع القول مبنع نسخ
القرآن ابلسنة والسنة ابلقرآن.
قال رمحه هللا" :وهم إمنا كانوا يقضون ابلكتاب أوالً؛ ألن السنة ال تنسخ
الكتاب فال يكون يف القرآن شيء منسوخ ابلسنة ،بل إن كان فيه منسوخ كان يف
القرآن ًنسخه ،فال يقدم غري القرآن عليه ،مث إذا مل جيد ذلك طلبه يف السنة وال
يكون يف السنة شيء منسوخ إال والسنة نسخته ،ال ينسخ السنة إمجاع وال
غريه.....فيجوز له إذا مل جيده يف القرآن أن يطلبه يف السنة.
()2
معارضا ملا يف القرآن" .
وإذا كان يف السنة مل يكن ما يف السنة
ً
املسألة الثانية :نسخ السنة ابلق آن:
ذهب مجهور األصوليني إىل أنه جيوز نسخ السنة ابلقرآن( ،)3وهذا اختيار
ابن النجار الفتوحي واألمني الشنقيطي(.)4
وذهب اإلمام الشافعي( )5إىل أن السنة ال ينسخها إال سنة مثلها ،وأن
ًنسخا للسنة ،لكن ال بد من جميء سنة تدل على أن سنته األوىل
القرآن قد أييت ً
منسوخة بسنته اآلخرة حىت تقوم احلجة أبن الشيء ينسخ مبثله ،فال ينسخ القرآن
( )1انظر (ص )279من هذا الكتاب.
(" )2جمموع الفتاوى" (.)202/19
( )3انظر" :خمتصر ابن اللحام" (.)138
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)559/3و"أضواء البيان" (.)367/3
( )5انظر" :الرسالة" (.)110
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
261
إال قرآن مثله ،وال ينسخ السنة إال سنة مثلها.
وقد استدل الفريقان ابألدلة اليت مضى بياهنا يف املسألة السابقة .
وقد مثل اجلمهور للوقوع أبمثلة كثرية منها(:)2
التوجه إىل بيت املقدس وهو اثبت ابلسنة ،وًنسخه يف القرآن قوله تعاىل:فَـ َو ِل َو ْج َه َك َشطْ َ ال َْم ْس ِج ِد ا ََْ ِام[ البقرة.]144 :
-2حترمي مباشرة النساء يف رمضان ليالً اثبت ابلسنة ،وًنسخه يف القرآن
ِ
وه َّن[ البقرة.]187 :
قوله تعاىل :فَاآل َن َابش ُ ُ
-3وجوب صوم عاشوراء اثبت ابلسنة ،فنسخ بوجوب صوم رمضان بقوله
تعاىلَ :ي أَيُّـها الَّ ِذين آمنُوا ُكتِب َعلَْي ُكر ِ
الصيَ ُام[ البقرة.]183 :
َ َ
َ َ
َ
ُ
وخالصة القول يف هاتني املسألتني:
أن اخلالف يف جواز نسخ القرآن ابلسنة والعكس خالف ال يرتتب عليه أثر
كبري واخلطب فيه يسري.
وذلك إذا تقرر – عند اجلميع – ما أييت:
()3
أولً :تعظيم نصوص الكتاب والسنة وتقدمي جانب العمل هبا مهما أمكن .
اثنيًا :أن الكتاب والسنة وحي من عند هللا ،وأهنما متفقان ال خيتلفان،
متالزمان ال يفرتقان(.)4
اثلثًا :أن النسخ ال يكون إال أبمر من عند هللا سبحانه :ميَْ ُحو هللاُ َما يَ َ
شاءُ
ت[ الرعد.)5(]39 :
َويُـثْبِ ُ
انعا :عدم التفريق يف ذلك بني السنة املتواترة واآلحادية(.)6
رً
أما اخلالف يف وقوع النسخ يف هاتني املسألتني فإنه خالف اعتباري ،يعود –
ًنسخا للسنة والعكس ،ومن
عند التحقيق إىل اللفظ :فمن قال ابجلواز اعترب القرآن ً
()1
( )1يستثىن من ذلك الدليل األول للشافعي فإنه خاص ابملسألة األوىل فقط.
( )2انظر" :املستصفى" ( ،)147و"أضواء البيان" (.)367/3
( )3انظر (ص )69وما بعدها من هذا الكتاب.
( )4انظر (ص )135 ،134من هذا الكتاب.
( )5انظر (ص )248من هذا الكتاب.
( )6انظر (ص )249من هذا الكتاب.
262
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قرآًن مثله ،والناسخ للسنة سنة مثلها.
منع اعترب الناسخ للقرآن ً
يوضح ذلك نقالن عن إمامني جليلني:
النقل األول :عن اإلمام ابن تيمية ،وهو يتعلق مبسألة نسخ القرآن
ابلسنة.
قال رمحه هللا" :فإن الشافعي وأمحد وسائر األئمة يوجبون العمل ابلسنة
نسخا لبعض أي القرآن.
املتواترة احملكمة ،وإن تضمنت ً
لكن يقولون :إمنا نسخ القرآن ابلقرآن ال مبجرد السنة ،وحيتجون بقوله تعاىل:
ما نَـ ْنس ْخ ِمن آي ٍة أَو نُـ ْن ِسها ََن ِ
ْي ِخبَ ٍْْي ِم ْنـ َها أ َْو ِمثِْل َها[ البقرة ،]106 :ويرون من
َ
َ َ ْ َ ْ
()1
متام حرمة القرآن أن هللا مل ينسخه إال بقرآن" .
والنقل الثاين :عن اإلمام الشافعي ،وهو يتعلق مبسألة نسخ السنة ابلقرآن.
قال رمحه هللا" :فإن قال قائل :هل تنسخ السنة ابلقرآن؟
قيل :لو نسخت السنة ابلقرآن كان للنيب فيه سنة تبني أن سنته األوىل
منسوخة بسنته اآلخرة"(.)2
املسألة الثالثة :نسخ املتوات ابآلحاد:
-1ذهب مجهور األصوليني إىل أنه ال جيوز نسخ املتواتر – من القرآن
والسنة – ابآلحاد من السنة.
واحتجوا أبن اآلحاد ضعيف ،واملتواتر أقوى منه فال يرفع األقوى مبا هو
دونه( .)3وقد تقدم بيان غلط األصوليني – من وجهني – يف هذه احلجة(.)4
-2وذهب اإلمام الشافعي وأمحد وابن تيمية إىل أنه ال جيوز نسخ املتواتر
من القرآن ابآلحاد من السنة.
()5
وهذا املذهب فرع عن القول أبن السنة ال تنسخ القرآن .
(" )1جمموع الفتاوى" (.)399/20
(" )2الرسالة" (.)110
( )3انظر" :اإلحكام" لآلمدي (.)134/3
( )4انظر (ص )249من هذا الكتاب.
( )5وقد تقدم بيان ذلك (ص )259 ،258من هذا الكتاب ،وهل جيوز عند هؤالء نسخ
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
263
-3وذهب األمني الشنقيطي إىل جواز نسخ القرآن أبخبار اآلحاد(.)1
وهذا املذهب مبين على:
أ -القول جبواز نسخ القرآن ابلسنة ،وقد تقدم بيان ذلك(.)2
ب -القول أبنه ال يشرتط يف الناسخ أن يكون أقوى من املنسوخ أو يف
صحيحا اثبتًا ،وقد تقدم بيان ذلك(.)3
درجته بل يكفي أن يكون
ً
جـ -الوقوع :ومثل له بنسخ إابحة احلمر األهلية املنصوص عليها ابحلصر يف
يل ُوَ َّما علَى طَ ِ
ِ
قوله تعاىل :قُل ل أ ِ
اع ٍر يَط َْع ُمهُ إِل أَ ْن يَ ُكو َن َم ْيـتَةً أ َْو
َج ُد ِيف َما أُوح َب إِ ََّ ً َ
ْ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ق أ َْو ف ْس ًقا أُه َّل لغَ ِْْي هللا نه[ األنعام،]145 :
َد ًما َم ْس ُف ً
وحا أ َْو َْ َر خ ْن ِي ٍ فَإنَّهُ ِر ْج ٌ
وذلك بتحرميه احلمر األهلية ،وكان ذلك يف خيرب( ،)4واآلية من سورة األنعام
وهي مكية(.)5
وحاصل الكالم يف هذه املسألة:
أن قول مجهور األصوليني مبين على أن األقوى ال يرفع مبا هو دونه ،وقد
سبق بيان ضعف هذه احلجة .فيعود اخلالف – يف هذه املسألة بني القولني الثاين
والثالث – إىل قضية نسخ السنة للقرآن على وجه اخلصوص ،وهذه القضية سبق
الكالم عليها ،هذا فيما يتعلق جبانب اجلواز.
أما ابلنسبة للوقوع فإن املثال املذكور ميكن أن يعرتض عليه أبن هذا ليس
من ابب النسخ وإمنا هو من ابب ختصيص عموم مفهوم احلصر.
=
السنة املتواترة ابآلحاد؟ مقتضى استدالهلم جواز ذلك .وهللا أعلم.
( )1انظر" :أضواء البيان" ( ،)367/3 ،251/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)86
( )2انظر (ص )259من هذا الكتاب.
( )3انظر (ص )249من هذا الكتاب.
( )4انظر" :صحيح البخاري" ( )134/6برقم (.)2991
( )5انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)86
264
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة اخلامسة
ال َيدة على النص
ال َيدة على النص( )1نوعان:
نسخا( ،)2وذلك أن الزايدة املستقلة عن
أ -نوع متفق على أنه ال يكون ً
املزيد عليه إن كانت خمالفة جلنس املزيد عليه؛ كزايدة الصالة على الزكاة فليست
إمجاعا ،أما إن كانت الزايدة املستقلة من جنس املزيد عليه؛ كزايدة الصالة
نسخا ً
ً
على الصالة فليست بنسخ عند األئمة األربعة.
ب -ونوع اختلف فيه( ،)3وهو ما إذا كانت الزايدة غري مستقلة عن املزيد
عليه كزايدة التغريب على اجللد مائة يف حد الزاين غري احملصن ،فإن التغريب ال
يستقل بنفسه ألنه جزء من احلد.
والكالم على مسألة الزايدة على النص – إن كانت غري مستقلة – هل
نسخا أو ال؟ يف مقامني:
تكون ً
املقام األول :أن "الزايدة على النص" لفظ جممل ،فال جيوز إطالق احلكم
نسخا وذلك إذا
عليه ابلنسخ نفيًا وال ً
إثباات ،ألن الزايدة على النص منها ما يكون ً
نسخا
حتقق معىن النسخ ووجدت شروطه يف الزايدة ،وما مل يكن كذلك فال يكون ً
حبال من األحوال إال إن أريد ابلنسخ معناه اخلاص املعروف عند السلف وهو مطلق
حكما ،مث أييت نص آخر فيزيد
( )1املراد ابلزايدة على النص :أن يوجد نص شرعي ،ويفيد ً
على النص األول زايدة مل يتضمنها .والغالب أن يكون النص من القرآن الكرمي والزايدة
نسخا من قبيل
من أخبار اآلحاد؛ لذلك جعل ابن القيم مسألة كون الزايدة على النص ً
رد السنن بظاهر القرآن ،وأدرج ذلك حتت رد احملكم ابملتشابه .انظر" :إعالم املوقعني"
( ،)294 ،293/2و"الزايدة على النص" للدكتور سامل الثقفي ( ،)19و"الزايدة على
النص" للدكتور عمر بن عبد العزيز (.)26
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)209/1و"شرح الكوكب املنري" (.)583/3
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)210/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)408 ،407/6و"املسودة"
( ،)208و"إعالم املوقعني" ( ،)306/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)581/3و"أضواء
البيان" ( ،)368/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)75
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
265
البيان ،فال منازعة يف االصطالح عند ذلك(.)1
نسخا ابلشروط اآلتية(:)2
واملقصود :أن الزايدة على النص إمنا تكون ً
-1أن ترفع هذه الزايدة أصل احلكم املزيد عليه ومجلته ،أما إن كانت رافعة
نسخا.
لبعضه فإهنا ال تكون ً
صحيحا اثبتًا ،أما إن كانت الزايدة غري صحيحة
نصا
-2أن تكون الزايدة ً
ً
فال يلتفت إليها ،وال يشرتط أن تكون الزايدة يف درجة املزيد عليه أو أقوى منه.
-3أن تكون الزايدة متأخرة وغري متصلة ابملزيد عليه ،أما إن كانت متصلة
نسخا.
به فإهنا تكون
ختصيصا ال ً
ً
-4أن يكون حكم الزايدة منافيًا حلكم املزيد عليه من كل وجه ،أما إن كان
التنايف بني الزايدة واملزيد عليه من وجه دون وجه فإن النسخ ممتنع يف هذه احلالة.
-5أن تكون الزايدة واملزيد عليه يف األحكام ال يف األخبار؛ ألن األخبار ال
يدخلها النسخ.
املقام الثاين :أن الزايدة على النص إمنا هي سنة من سنن املصطفى ،وهذه
السنة الزائدة ال ختلو من ثالثة أحوال(:)3
بياًن ملا يف القرآن ،وهذه السنة جيب العمل هبا ،وذلك مثل
-1أن تكون ً
تقييدها ملطلق القرآن ،أو ختصيصها لعمومه ،وهذه السنة ليست معارضة للقرآن بل
هي موضحة ومفسرة له.
-2أن تكون منشئة حلكم مل يتعرض له القرآن ،وهذه السنة جيب العمل هبا
أيضا؛ ألهنا تشريع مبتدأ من النيب جتب طاعته فيه وال حتل معصيته ،وهذه السنة
ً
ال تعارض القرآن بوجه ما.
-3أن تكون مغرية حلكم القرآن ًنسخة له فهذه جيب العمل هبا ،ولكن ال
بد من مراعاة شروط النسخ وضوابطه كما تقدم.
واملقصود :أن السنة الزائدة على القرآن جيب العمل هبا على كل حال ،سواء
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)317 ،316/2
( )2انظر بيان هذه الشروط يف املسألتني األوىل والثانية من هذا املبحث.
( )3انظر" :إعالم املوقعني" (.)309 ،307 ،306/2
266
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أكانت مبينة للقرآن ،أو مستقلة عنه ،أو ًنسخة له ،وال جيوز التوقف يف العمل
ابلزايدة وردها.
****
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين
التعارض
267
268
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
والكالم على هذا املبحث يف النقاط اآلتية:
-1امل اد نتعارض األدلة :تقابل الدليلني على سبيل املمانعة ،وذلك إذا
كان أحد الدليلني يدل على خالف ما يدل عليه اآلخر ،كأن يدل أحد الدليلني
على اجلواز واآلخر على املنع ،فدليل اجلواز مينع التحرمي ودليل التحرمي مينع اجلواز؛
فكل منهما مقابل لآلخر ومعارض له وممانع له(.)1
-2قد يكون التعارض بني الدليلني كليًا أو جزئيًا فإن كان التعارض بني
الدليلني من كل وجه حبيث ال ميكن اجلمع بينهما فهذا هو التناقض ،وهو التعارض
الكلي .أما إذا كان التعارض بني الدليلني من وجه دون وجه حبيث ميكن اجلمع
بينهما بوجه من الوجوه فهذا هو التعارض اجلزئي.
وقد قرر العلماء أنه ال تناقض بني القضيتني إذا اختلف زمنهما الحتمال
صدق كل منهما يف وقتها؛ ألنه يشرتط يف التناقض احتاد القضيتني يف الوحدات
الثمان اليت منها الزمان واملكان والشرط واإلضافة.
فال تناقض إذن بني الناسخ واملنسوخ ،وال بني العام واخلاص ،وال بني املطلق
واملقيد ،وعلى وجه العموم حيث أمكن اجلمع فال تناقض ،إذ التناقض هو الذي
يستحيل معه اجلمع بوجه من الوجوه ،أما إن أمكن اجلمع فإن هذا من قبيل
التعارض اجلزئي(.)2
-3كتاب هللا سامل من االختالف واالضطراب والتناقض؛ ألنه تنزيل من
حكيم محيد فهو حق من حق ،قال تعاىل :ولَو َكا َن ِمن ِع ْن ِد غَ ِْي ِ
هللا لَ َو َج ُدوا فِ ِيه
ْ
ْ
َْ
ا ْختِالفًا َكثِ ًْيا[ النساء ،]82 :وهلذا مدح هللا تعاىل الراسخني يف العلم حيث قالوا:
آمنَّا نِ ِه ُكلٌّ ِم ْن ِع ْن ِد َرنِنَا[ آل عمران]7 :؛ أي :حمكمه ومتشاهبه حق(.)3
َ
ضا ،نل يصدق نعضه
وقال « :إن الق آن مل ين ل يكذ نعضه نع ً
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)342و"شرح الكوكب املنري" (.)605/4
( )2انظر" :أضواء البيان" (.)251 ،250/2
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)221/1و"إعالم املوقعني" ( ،)294/2و"تفسري ابن كثري"
(.)542/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
269
ضا ،فما ع فتر منه فاعملوا نه ،وما جهلتر منه ف دوه إىل عامله»(.)1
نع ً
-4أحاديث النيب الصحيحة مربأة من التناقض واالختالف؛ ألن النيب
معصوم من التناقض واالختالف إبمجاع األمة ،ال فرق يف ذلك بني املتواتر واآلحاد ،قال
ِ
وحى[ النجم.)2(]4 ،3 :
تعاىلَ :وَما يَـْنط ُق َع ِن ا ْهلََوى* إِ ْن ُه َو إِل َو ْح ٌب يُ َ
-5وكذلك إمجاع األمة ال ميكن أن يتناقض ،فال ينعقد إمجاع على خالف
أبدا(.)3
إمجاع ً
()4
أبدا .
-6أما القياي فما كان منه
صحيحا فإنه ال يتناقض ً
ً
أيضا ال تتناقض مع
-7إذا علم أن أدلة الشرع ال تتناقض يف نفسها فإهنا ً
بعضها ،بل إهنا متفقة ال ختتلف ،متالزمة ال تفرتق.
قال ابن تيمية" :وكذلك إذا قلنا :الكتاب ،والسنة ،واإلمجاع ،فمدلول الثالثة
واحد ،فإن كل ما يف الكتاب فالرسول موافق له ،واألمة جممعة عليه من حيث
اجلملة؛ فليس يف املؤمنني إال من يوجب اتباع الكتاب.
وكذلك كل ما سنه الرسول فالقرآن أيمر ابتباعه فيه ،واملؤمنون جممعون
على ذلك.
وكذلك كل ما أمجع عليه املسلمون فإنه ال يكون إال ح ًقا مواف ًقا ملا يف
الكتاب والسنة.
لكن املسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول.
وأما الرسول فينزل عليه وحي القرآن ،ووحي آخر هو احلكمة ،كما قال « :أل
إين أوتيت الكتا ومثله معه»(.)5
( )1رواه أمحد يف "املسند" ( ،)181/2وصححه األلباين .انظر" :شرح العقيدة الطحاوية"
( )585هامش رقم (.)1
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)210و"الكفاية" ( ،)473و"الفقيه واملتفقه" ( ،)221/1و"جمموع
الفتاوى" ( ،)289/10و"إعالم املوقعني" (.)167/1
( )3انظر ذلك فيما تقدم ( :ص )173 ،172من هذا الكتاب.
( )4انظر" :إعالم املوقعني" (.)331/1
(" )5جمموع الفتاوى" ( ،)40/7واحلديث تقدم خترجيه انظر ( )121من هذا الكتاب.
270
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أيضا ........." :كما يقال :قد دل على ذلك الكتاب ،والسنة،
وقال ً
واإلمجاع ،وكل من هذه األصول يدل على احلق مع تالزمها؛ فإن ما دل عليه
اإلمجاع قد دل عليه الكتاب والسنة ،وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ،
فالكتاب والسنة كالمها مأخوذ عنه ،وال يوجد مسألة يتفق اإلمجاع عليها إال وفيها
نص"(.)1
أيضا" :وكذلك القياس الصحيح حق يوافق الكتاب والسنة"(.)2
وقال ً
()3
بعضا .
وذلك ألن أدلة الشرع حق ،واحلق ال يتناقض ،بل يصدق بعضه ً
-8ال تعارض بني األدلة الش عية والعقل ،بل إن العقل الصريح موافق
للنقل الصحيح ،إذ إن خالق هذا العقل هو الذي أنزل الشرع؛ أَل يَـ ْعلَ ُر َم ْن َخلَ َق
وهو ِ
يف ْ
اخلَبِ ُْي[ امللك.)4(]14 :
اللط ُ
َ َُ
-9إذا علم ذلك فما وجد من تعارض يف أدلة الشرع فإمنا هو حبسب ما
يظهر للمجتهد(.)5
أما يف حقيقة األمر فال تعارض ألبتة بني األدلة الشرعية ،كما تقدم تقريره
قريبًا.
-10إذا ظهر تعارض بني األدلة الشرعية ،فإن كان هذا التعارض بني
منسوخا.
خربين فأحد املتعارضني ابطل ،إما لعدم ثبوته أو لكونه
ً
وإن كان التعارض بني اخلرب والقياس فال خيلو من أمرين:
إما أن يكون هذا اخلرب غري صحيح.
فاسدا(.)6
وإما أن يكون القياس ً
(" )1جمموع الفتاوى" (.)195/19
( )2املصدر السابق (.)200/19
( )3انظر" :إعالم املوقعني" (.)331/1
( )4انظر" :درء تعارض العقل والنقل" ( ،)194 ،144/1و"الصواعق املرسلة" (،807/3
،)810و"خمتصر الصواعق" ( ،)90 ،60وانظر (ص )102 -98من هذا الكتاب.
( )5انظر" :الكفاية" ( ،)474و"شرح الكوكب املنري" ( ،)617/4و"مذكرة الشنقيطي"
(.)316
( )6انظر املصدرين السابقني.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
271
-11ال يقع التعارض نني دليلني قطعيني ،سواء كاًن عقليني أو مسعيني ،أو
أحدمها مسعيًا واآلخر عقليًا ،وهذا متفق عليه بني العقالء؛ ألن تعارض القطعيني
يلزم منه اجتماع النقيضني وهو حمال(.)1
-12وال يقع التعارض بني قطعب وظِ ،إذ الظين لغو ،والعمل إمنا يكون
ابلقطعي ،فإن الظن ال يرفع اليقني(.)2
-13حمل التعارض هو الظنيات ،فيقع التعارض بني دليلني ظنيني(.)3
-14إذا ظهر التعارض – وذلك إمنا يكون بني دليلني ظنيني – فالواجب
على الرتتيب(:)4
أولً :حماولة اجلمع بينهما إن أمكن ،ومن أوجه اجلمع:
أ -محل أحد الدليلني على حالة ،ومحل اآلخر على حالة أخرى ،وهذا ما
يعرف حبمل العام على اخلاص ،أو محل املطلق على املقيد.
ب -محل أحد الدليلني على زمن ،ومحل اآلخر على زمن آخر ،حبيث يكون
ًنسخا للمتقدم.
املتأخر منهما ً
اثنيًا :إذا مل ميكن اجلمع فيصار إىل الرتجيح بينهما ،بوجه من وجوه الرتجيح
اآليت بياهنا يف املبحث التايل.
اثلثًا :إذا تعذر الرتجيح ومل ميكن ،فقيل :يتخري بينهما ،وهذا القول يضعفه
أن التخيري مجع بني النقيضني( ،)5واطراح لكال الدليلني( ،)6وكال األمرين ابطل(.)1
( )1انظر" :الكفاية" ( ،)474و"روضة الناظر" ( ،)457/2و"درء التعارض" (،)79/1
و"الصواعق" ( ،)797/3و"شرح الكوكب املنري" (.)607/4
( )2انظر" :الكفاية" ( ،)474و"روضة الناظر" ( ،)457/2و"درء التعارض" (،)79/1
و"شرح الكوكب املنري" (.)608/4
( )3انظر" :الكفاية" ( ،)474و"شرح الكوكب املنري" ( ،)616/4و"مذكرة الشنقيطي"
(.)316
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)612 – 609/4و"مذكرة الشنقيطي" (.)317
حمرما أيمث
( )5بيان ذلك :أن املباح نقيض احملرم فإذا تعارض املبيح واحملرم فخريًنه بني كونه ً
مجعا بينهما وذلك حمال .انظر" :روضة
مباحا ال إمث على فاعله كان ً
بفعله وبني كونه ً
الناظر" (.)433/2
( )6بيان ذلك :أن املوجب واحملرم إذا تعارضا فاملصري إىل التخيري املطلق حكم اثلث غري حكم
=
272
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ولعل الصواب هو التوقف يف هذين الدليلني ،والبحث عن دليل جديد(.)2
وهذا يوافق منهج السلف فإهنم كانوا يطلبون الدليل يف القرآن ،فإن مل جيدوه يف
القرآن طلبوه يف السنة ،فإن مل جيدوه يف السنة طلبوه يف اإلمجاع ،وهكذا.)3(....
ومعلوم أنه ال ختلو مسألة عن دليل وبيان من الشرع( ،)4علمه من علمه
كل تقوى هللا بقدر املستطاع ،واالجتهاد يف طلب
وجهله من جهله ،والواجب على ِّ
احلق ومعرفة الدليل.
-15الواجب درء التعارض بني أدلة الشرع ما أمكن.
ومن الط ق املعينة على لك(:)5
أ -التثبت يف صحة الدليل وثبوته ،فالواجب احلذر من األحاديث اليت ال
تقوم هبا احلجة ،والتنبه مما يدعي أنه إمجاع وهو ليس كذلك ،والتثبت من صحة
األقيسة.
ب -االطالع على مصادر الشريعة وتتبع األدلة واستقراؤها ،والنظر إليها
جمتمعة .فال بد من مجع العام مع اخلاص ،واملطلق مع املقيد ،والناسخ مع املنسوخ،
وهذا ال يتم إال بتتبع نصوص الكتاب والسنة ،ولو اقتصر على بعض ذلك حلصل
بعضا،
التعارض ،وال بد من معرفة رواايت احلديث وألفاظه فإن بعضها يفسر ً
وكذلك القراءات الثابتة.
جـ -العلم بلغة العرب وما فيها من دالالت ٍ
ومعان ،فإن فهم النص وسياقه،
كثريا من اإلشكاالت ،ويدرأ كث ًريا من
وعمومه وخصوصه ،وحقيقته وجمازه مما يزيل ً
التعارضات.
=
احا هلما وتركا ملوجبهما .انظر املصدر السابق.
الدليلني ً
معا فيكون اطر ً
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)434 – 431/2و"جمموع الفتاوى" (.)120/13
( )2انظر" :جامع بيان العلم وفضله" (.)81/2
( )3انظر ما سيأيت ( )279من هذا الكتاب.
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)434/2و"إعالم املوقعني" (.)333/1
( )5ينظر لالستزادة" :منهج االستدالل على مسائل االعتقاد" (.)322 – 320/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثالث
الرتجيح
273
274
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
والكالم على هذا املبحث يف النقاط اآلتية:
-1امل اد ابلرتجيح :تقوية أحد الدليلني على اآلخر(.)1
-2ول الرتجيح :هو الظنيات ،فحيث وجد التعارض وجد الرتجيح،
وحيث إن التعارض ال يكون إال بني الدليلني الظنيني فقط؛ فكذلك الرتجيح ال
يكون إال بني دليلني ظنيني ،إذ الرتجيح فرع التعارض(.)2
-3ال يصار إىل الرتجيح بني األدلة املتعارضة إال بعد حماولة اجلمع بينها،
فإن اجلمع مقدم على الرتجيح ،فإن أمكن اجلمع وزال التعارض امتنع الرتجيح ،ومىت
امتنع اجلمع بني املتعارضني وجب الرتجيح(.)3
-4ال جيوز ترجيح أحد الدليلني املتعارضني على اآلخر بدون دليل ،إذ إن
ترجيح أحد الدليلني بال دليل حتكم ،وهو ابطل ،وال جيوز يف دين هللا التخري
ابلتشهي واهلوى بال دليل وال برهان(.)4
مظنوًن ،هذا هو
معلوما أو
ً
-5العمل ابلراجح متعني ،سواء كان الراجح ً
نفسا إال وسعها
الواجب على اجملتهد إذا اجتهد يف طلب األقوى ،وال يكلف هللا ً
وهو يف هذه احلالة معذور إن أخطأ إصابة األقوى واألرجح يف الباطن ،وله أجر
على اجتهاده(.)5
-6عمل اجملتهد ابلظن ال اجح ليس من ابب العمل ابلظن ،بل هو عمل
ابلعلم ،إذ ترجيح أحد الدليلني الظنيني على اآلخر من ابب تقوية ظن على ظن،
والظن متفاوت ،واملطلوب من اجملتهد العمل ابلظن الراجح .وكون هذا الظن هو
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)121/13و"شرح الكوكب املنري" (.)616/4
( )2انظر" :الكفاية" ( ،)474و"شرح الكوكب املنري" (.)616/4
( )3انظر" :الرسالة" ( ،)342 ،341و"الكفاية" ( ،)474و"شرح الكوكب املنري"
( ،)612 – 609/4و"مذكرة الشنقيطي" (.)317 ،224
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)410 ،409/1و"جمموع الفتاوى" (.)120 ،111 ،110/13
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)124 ،123 ،115/13و"شرح الكوكب املنري" (619/4
– .)627
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
275
الراجح أمر معلوم ومقطوع به لدى اجملتهد ،فأمام اجملتهد ظنان ،ظن يعلم رجحانه،
وظن ال يعلم رجحانه ،فالعمل ابلظن الذي يعلم رجحانه عمل ابلعلم ال ابلظن وأما
العمل ابلظن الذي ال يعلم رجحانه فال جيوز؛ ألنه من اتباع الظن الذي ذمه هللا
بقوله :إِ ْن يَـتَّبِ ُعو َن إِل الظَّ َّن[ النجم.)1(]23 :
-7أوجه الرتجيح كثرية ال تنحصر ،وذلك ألن ما حيصل به تغليب ظن
جدا ،والضابط فيه(:)2
على ظن كثري ً
أنه مىت اقرتن أبحد الدليلني ما يقويه ويغلب جانبه وحصل بذلك االقرتان
زايدة ظن أفاد ذلك ترجيحه على الدليل اآلخر.
-8الرتجيح إما أن يكون بني دليلني نقليني ،أو بني عقليني ،أو بني نقلي
وعقلي(.)3
فإن كان الرتجيح بني نقليني فيكون ذلك من ثالثة أوجه:
األول :منها ما يتعلق ابلسند.
الثاين :ابملنت.
الثالث :أبمر خارجي.
وإن كان الرتجيح بني عقليني فيكون من ثالثة أوجه:
األول :منها ما يعود إىل األصل.
الثاين :إىل الفرع.
الثالث :إىل أمر خارج.
وإن كان الرتجيح بني نقلي وعقلي فيكون ذلك ابلنظر إىل الظن األقوى
حبسب ما يقع للناظر(.)4
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( )120 – 114/13وانظر (ص )80 ،79من هذا الكتاب.
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)752 ،751/4و"مذكرة الشنقيطي" (.)339
( )3انظر" :شرح الكوكب املنري" ( )627/4وما بعدها ،و"املذكرة" ( )317وما بعدها.
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)744/4
276
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث ال انع
ت تيب األدلة
277
278
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
والكالم على هذا املبحث يف النقاط التالية:
دليل يف رتبته اليت يستحقها ٍ
-1املراد برتتيب األدلة :جعل كل ٍ
بوجه من
الوجوه(.)1
-2األدلة الشرعية تنقسم إىل :متفق عليها وخمتلف فيها ،وإىل قطعية وظنية،
وإىل نقلية وعقلية(.)2
ومما حيسن التنبيه عليه يف هذا املقام(:)3
أ -أن األدلة املتفق عليها أربعة ،وهي :الكتاب ،والسنة ،واإلمجاع ،والقياس.
ب -أن األدلة املختلف فيها ترجع مجيعها إىل األدلة املتفق عليها من حيث
أصلها والدليل على ثبوهتا .وبذلك يعلم:
جـ -أن األدلة الشرعية – املتفق عليها واملختلف فيها -ترجع إىل األدلة
األربعة املتفق عليها.
د -أن األدلة األربعة ترجع إىل الكتاب والسنة واجلميع يرجع إىل الكتاب.
هـ -أن األدلة األربعة متفقة ال ختتلف ،متالزمة ال تفرتق؛ إذ اجلميع حق،
بعضا.
واحلق ال يتناقض بل يصدق بعضه ً
-3األدلة الشرعية من حيث وجوب العمل هبا يف مرتبة واحدة ،إذ اجلميع
جيب اتباعه واالحتجاج به.
-4ترتيب األدلة من حيث املنزلة واملكانة :الكتاب مث السنة مث اإلمجاع مث
القياس(.)4
-5ترتيب األدلة من حيث النظر فيها –وهو املقصود حبثه يف هذا املقام–
( )1انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)600/4
( )2تقدم الكالم على كل من هذه التقسيمات يف الفصل األول من هذا الباب انظر
(ص )64من هذا الكتاب.
( )3انظر (ص )68من هذا الكتاب .فقد سبق ذكر هذه التنبيهات هنالك.
( )4هذا الرتتيب معروف على ألسنة العلماء ويف كتاابهتم ،فيقدمون عند الذكر والتلفظ
الكتاب؛ ألنه كالم هللا سبحانه ،مث السنة؛ ألهنا كالم رسوله ،مث اإلمجاع؛
والكتابة:
َ
ألنه دليل نقلي ،مث القياس؛ لكونه دليالً عقليًا ،وهذا ما دلت عليه اآلاثر الواردة يف
( ،)191تعليق رقم ( )3من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
279
على النحو اآليت(:)1
الكتاب ،مث السنة ،مث اإلمجاع ،مث القياس.
قلت عن عدد من الصحابة رضي هللا عنهم(.)2
هذه طريقة السلف ،وقد ن ْ
واألصل يف لك حديث معاذ املشهور(.)3
وقد فصل الشافعي هذا الرتتيب ،فقال:
"نعم حيكم ابلكتاب.
والسنة اجملتمع عليها اليت ال اختالف فيها ،فنقول هلذا :حكمنا ابحلق يف
الظاهر والباطن.
وحيكم ابلسنة قد رويت من طريق االنفراد ،ال جيتمع الناس عليها ،فنقول:
حكمنا ابحلق يف الظاهر؛ ألنه ميكن الغلط فيمن روى احلديث.
وحنكم ابإلمجاع.
مث القياس ،وهو أضعف من هذا ،ولكنها منزلة ضرورة؛ ألنه ال حيل القياس
واخلرب موجود"(.)4
وقد قرر ابن تيمية هذا الرتتيب وعلله أبن السنة ال تنسخ الكتاب فال يكون
منسوخ إال والسنة نسخته(.)5
شيءٌ منه
ٌ
ٌ
منسوخ ابلسنة ،مث ال يكون يف السنة شيءٌ
أيضا على مذهب من جوز نسخ القرآن ابلسنة
ويستقيم هذا الرتتيب ً
والعكس ،فعند هؤالء ينظر أوالً يف الكتاب مث يف السنة ،ولكون الناظر من أهل
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)81و"الفقيه واملتفقه" ( ،)21/2 ،219/1و"جمموع الفتاوى"
( ،)202/19 ،343 – 339/11و"إعالم املوقعني" (،)66 – 61/1 ،248/2
و"شرح الكوكب املنري" (.)600/4
( )2تقدم بيان ذلك انظر (ص )191تعليق رقم ( )3من هذا الكتاب.
( )3تقدم خترجيه يف (ص )191من هذا الكتاب.
(" )4الرسالة" (.)599
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( .)202/19وانظر نص كالم ابن تيمية يف (ص )260من هذا
الكتاب.
280
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
العلم ابلناسخ واملنسوخ ،والعام واخلاص ،واملطلق واملقيد ،ولكون الكتاب والسنة
يق بينها
متالزمني متفقني ،فإن النظر يف الكتاب أوالً ال يعين إقصاءَ السنة ،أو التفر َ
وبني الكتاب.
****
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
البا
281
الثاين
القواعد األصولية عند أهل السنة واجلماعة
ويف هذا البا ثالثة فصول:
الفصل األول :احلكم الشرعي.
الفصل الثاين :دالالت األلفاظ وطرق االستنباط.
الفصل الثالث :االجتهاد والتقليد والفتوى.
282
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفصل األول
ا كر الش عب
ويف هذا الفصل ثالثة مباحث
املبحث األول :تعريف احلكم الشرعي وأقسامه.
املبحث الثاين :لوازم احلكم الشرعي.
املبحث الثالث :قواعد يف احلكم الشرعي.
283
284
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث األول
تع يف ا كر الش عب وأقسامه
ويف هذا املبحث ثالثة مطالب:
املطلب األول :تعريف احلكم الشرعي.
املطلب الثاين :احلكم التكليفي.
املطلب الثالث :احلكم الوضعي.
285
286
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب األول
تع يف ا ُكر الش عب
به(.)1
احلكم يف اللغة :املنع ،ومنه قيل للقضاء :حكم؛ ألنه مينع من غري املقضي
اصطالحا :إثبات أم ٍر ألمر ،أو نفيه عنه.
و
ً
مثل :زيد قائم ،وعمرو ليس بقائم.
وهذا تعريف ملطلق احلكم؛ إذ إن احلكم ابالستقراء ينقسم إىل ثالثة
أقسام(:)2
-1حكر عقلب ،وهو ما يَعرف فيه العقل نسبة أمر ألمر أو نفيه عنه.
مثل :الكل أكرب من اجلزء ،واجلزء ليس أكرب من الكل.
-2حكر عادي ،وهو ما عرفت فيه النسبة ابلعادة ،مثل :املاء مرٍو.
-3حكر ش عب.
املتعلق
وهو املقصود يف هذا املقام ،وميكن تعريفه أبنه" :خطا هللا
ُ
ابملكلف من حيث إنه مكلف نه".
ويف هذا التعريف ثالثة قيود(:)3
القيد األول" :خطاب هللا" إذ التشريع واحلكم ال يكون إال خبطاب هللا ،وكل
()4
ِِ
ْر إِل ََِِّّلل[ يوسف]67 ،40 :
تشريع من غريه فهو ابطل قال تعاىل :إن ا ُْك ُ
وخطاب هللا كالمه ذو اللفظ واملعىن ،وليس هو املعىن النفسي اجملرد عن اللفظ
والصيغة(.)5
القيد الثاين" :املتعلق بفعل املكلف" خرج به مخسة أشياء:
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)145
( )2انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)8 ،7
( )3انظر" :شرح الكوكب املنري" ( 333/1وما بعدها) ،و"مذكرة الشنقيطي" (.)8
( )4انظر يف وجوب احلكم مبا أنزل هللا" :إعالم املوقعني" ( ،)51 ،50/1و"أضواء البيان"
(.)173 – 162/7
( )5انظر (ص )404 ،403 ،397 ،396من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
287
-1ما تعلق بذاته سبحانه ،حنو قوله تعاىلَ :ش ِه َد هللاُ أَنَّهُ ل إِلَهَ إِل ُه َو[ آل
عمران.]18 :
وم
-2ما تعلق بصفته سبحانه ،حنو قوله تعاىل :هللاُ ل إِلَ َه إِل ُه َو ا َْ ُّب الْ َقيُّ ُ
[البقرة.]255 :
-3ما تعلق بفعله سبحانه ،حنو قوله تعاىل :هللاُ َخالِ ُق ُك ِل َش ْب ٍء[ الزمر.]62 :
ص َّوْرَان ُك ْر
-4ما تعلق بذات املكلفني ،حنو قوله تعاىلَ :ولََق ْد َخلَ ْقنَا ُك ْر َُّ َ
[األعراف.]11 :
-5ما تعلق ابجلمادات ،حنو قوله تعاىلَ :ويَـ ْوَم نُ َسِْيُ ا ْجلِبَ َال[ الكهف.]47 :
وفعل املكلف ههنا يشمل القول واالعتقاد والعمل.
واملراد ابملكلف :البالغ العاقل الذاكر غري املكره.
القيد الثالث" :من حيث إنه مكلف به" خرج بذلك خطاب هللا املتعلق
بفعل املكلف ال من حيث إنه مكلف به ،كقوله تعاىل :يَـ ْعلَ ُمو َن َما تَـ ْف َعلُو َن
[االنفطار ،]12 :فهذا خطاب من هللا متعلق بفعل املكلف من حيث إن احلفظة
يعلمون ،وهذا ما يسمى خبطاب التكوين(.)1
واخلطاب املتعلق بفعل املكلف من حيث إنه مكلف به ال خيلو عن ثالثة
أمور:
األول :أن يرد فيه اقتضاء وطلب .وهذا يشمل األقسام األربعة :الواجب
واملندوب واحملرم واملكروه.
الثاين :أن يرد فيه التخيري .وهذا هو القسم اخلامس ألحكام التكليف:
املباح.
الثالث :أال يرد فيه اقتضاء وال ختيري فهذا هو خطاب الوضع ،وذلك أبن يرد
اخلطاب بنصب سبب أو مانع أو شرط ،أو كون الفعل رخصة أو عزمية ،وغري
ذلك.
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)182/8
288
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ويسمى ما ورد ابالقتضاء أو التخيري خطاب التكليف .فتبني بذلك أن
احلكم الشرعي قسمان :حكم تكليفي ،وحكم وضعي.
لذا عرب البعض عن هذا القيد بقوله" :خطا هللا املتعلق أبفعال املكلفني
ابلقتضاء ،أو التخيْي ،أو الوضع"(.)1
****
( )1انظر" :خمتصر ابن اللحام" (.)57
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب الثاين
ا كر التكليفب
وفيه متهيد ومخسة أقسام:
القسر األول :الواجب.
القسر الثاين :احلرام.
القسر الثالث :املندوب.
القسر ال انع :املكروه.
القسر اخلامق :املباح.
289
290
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
التمهيد
وفيه تع يف ا كر التكليفب
()1
وانقسامه إىل مخسة أقسام
أولً :تع يفه :احلكم التكليفي هو "خطاب هللا املتعلق أبفعال املكلفني
ابالقتضاء أو التخيري".
اثنيًا :للحكم التكليفي مخسة أقسام هي :اإلجياب ،والندب ،والتحرمي،
والكراهة ،واإلابحة.
ووجه ا ص يف هذه األقسام اخلمسة:
ختيريا.
أن اخلطاب الشرعي إما أن يكون طلبًا أو ً
فإن كان طلبًا فهذا يشمل طلب الفعل وطلب الرتك ،والطلب قد يكون
جازما وغري جازم ،فطلب الفعل يشمل الواجب واملندوب.
ً
فالواجب :ما كان طلب الفعل فيه على سبيل اجلزم حبيث يتعلق الذم بتاركه.
واملندو :ما كان طلب فعله بدون جزم حبيث ال يتعلق بتاركه ذم.
وطلب الرتك يشمل احملرم واملكروه.
فاحمل م :ما كان طلب تركه على سبيل اجلزم حبيث يتعلق بفاعله الذم.
واملك وه :ما كان طلب الرتك فيه بدون جزم حبيث ال يتعلق الذم بفاعله ،أما
ختيريا ال طلب فيه ،فهذا هو املباح ،فصارت بذلك
إن كان اخلطاب الشرعي ً
األقسام مخسة:
الواجب :وهو ما ميدح فاعله ويذم اتركه ،فهذا وجوده راجح على عدمه
ابلنسبة للشارع.
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)54/1و"روضة الناظر" ( ،)90/1و"جمموع الفتاوى"
( ،)529/10 ،486/8و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)58 ،57و"مذكرة الشنقيطي"
(.)9
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أيضا.
ً
أيضا.
ً
291
واملندو :وهو ما ميدح فاعله وال يذم اتركه ،فهذا وجوده راجح على عدمه
واحمل م :وهو ما ميدح اتركه ويذم فاعله ،فهذا عدمه راجح على وجوده.
واملك وه :وهو ما ميدح اتركه وال يذم فاعله ،فهذا عدمه راجح على وجوده
واملباح :وهو ما ال يتعلق بفعله أو تركه مدح وال ذم ،فهذا وجوده وعدمه
سواء ،هذا ما ميكن بيانه إمجالً ابلنسبة هلذه األقسام اخلمسة ،وهنالك تفاصيل
ميكن بياهنا على النحو اآليت:
القسر األول
الواجب
ويف هذا القسر ست مسائل:
املسألة األوىل :هل الفرض والواجب مبعىن واحد؟
املسألة الثانية :ألفاظ الوجوب.
املسألة الثالثة :تقسميات الواجب.
املسألة ال انعة :حكم الزايدة على الواجب.
املسألة اخلامسة :التفاضل بني الواجبات.
املسألة السادسة :األمر ابلشيء أمر بلوازمه.
املسألة األوىل
هل الف ض والواجب مبعىن واحد؟
اختلف يف الفرض والواجب هل مها مبعىن واحد أو بينهما فرق()1؟.
( )1ورد عن اإلمام أمحد رمحه هللا يف كثري من نصوصه التفريق بني الفرض والواجب وهذا
فرضا إال ملا ورد يف الكتاب والسنة
حممول على تورعه رمحه هللا؛ إذ الظاهر أنه ال يقول ً
فرضا؛ كقوله يف بر الوالدين" :ليس بفرض ،ولكن أقول :واجب ما مل يكن
تسميته ً
معصية" .ولعله كان يتوقف يف إطالق الواجب على ما كان وجوبه على الكفاية ال على
=
292
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وميكن اعتبار هذا اخلالف لفظيًا ابلنظر إىل ما أييت:
أ -املعىن اللغوي :فقد خيتلف املعىن اللغوي للفظني؛ إذ الفرض أييت مبعىن
القطع ،وأييت الوجوب مبعىن السقوط(.)1
وقد يتفق اللفظان يف املعىن اللغوي؛ إذ كالمها أييت مبعىن احلتم واإللزام(.)2
ب -أن املأمور به ليس على درجة واحدة ،إذ هو متفاضل متفاوت(،)3
فرضا وما عداه واجبًا أمر يعود إىل اللفظ.
فتسمية اآلكد منه ً
جـ -أن األحكام إمنا تتعلق ابحلقائق واملعاين ال ابأللفاظ واألسامي(،)4
فرضا أو مسي واجبًا ،وسواءٌ قيل ابلتفريق بني الفرض
فسواءٌ مسي املأمور به ً
والواجب ،أو قيل :إهنما مرتادفان فال بد من النظر على مجيع األحوال يف احلقيقة
واملعىن ،وهل يصح بناء تلك األحكام عليهما ْأو ال؟
املسألة الثانية
ألفاظ الوجو
قال ابن القيم" :ويستفاد الوجوب ابألمر اترة ،وابلتصريح ابإلجياب والفرض
والكتب ،ولفظة "على" ،ولفظة "حق" على العباد ،وعلى املؤمنني ،وترتيب الذم
=
ضا أنه كان
األعيان ،وهذا كقوله يف تغيري بعض املنكرات إنه غري واجب ،ويظهر أي ً
تورعا ،كقوله ملا سئل
يتوقف يف إطالق لفظ الواجب على ما مل أيت فيه لفظ اإلجياب ً
عن النفري :مىت جيب؟ قال" :أما إجياب فال أدري ولكن إذا خافوا على أنفسهم فعليهم
أن خيرجوا".
كل فما ورد عن اإلمام أمحد من التفريق بني الفرض والواجب حيتمل أنه رمحه هللا قصد
وعلى ِّ
التفريق بني اللفظني إال أن جمموع نصوصه ال تساعد على ذلك .انظر" :جامع العلوم
واحلكم" (.)155 – 153/2
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)648 ،469
( )2انظر" :القاموس احمليط" ( ،)352/2و"املصباح املنري" (.)469
( )3انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)353/1وانظر املسألة اخلامسة من هذا القسم
(ص.)295
( )4انظر (ص )364من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
293
والعقاب على الرتك ،وإحباط العمل ابلرتك ،وغري ذلك"(.)1
املسألة الثالثة
تقسيماي الواجب
ينقسر الواجب ثالثة تقسيماي(:)2
أ -ابعتبار ذاته إىل واجب معني ال يقوم غريه مقامه كالصالة والصوم ،وإىل
مبهم يف أقسام حمصورة فهو واجب ال بعينه ،كواحدة من خصال الكفارة يف قوله
ش ِة م ِ
ني ِم ْن أ َْو َس ِط َما تُط ِْع ُمو َن أ َْهلِي ُك ْر أ َْو كِ ْس َوتُـ ُه ْر أ َْو
ساك َ
تعاىل :فَ َك َّف َارتُهُ إِط َْع ُ
ام َع َ َ َ َ
َحتْ ِي ُ َرقَـبَ ٍة[ املائدة ،]89 :فالواجب منها واحد ال بعينه ،وهذا هو الواجب
املخري.
ب -ابعتبار وقته إىل مضيق وموسع .فالواجب املضيق :هو ما ال يسع وقته
أكثر من فعل مثله ،كصوم رمضان.
متسعا ألكثر من فعله ،كالصلوات
والواجب املوسع :هو ما كان الوقت فيه ً
اخلمس ،فجميع أجزاء الوقت صاحل إليقاع الواجب فيه.
قال ابن تيمية" :الوقت يعم أول الوقت وآخره ،وهللا يقبلها [أي الصالة] يف
مجيع الوقت لكن أوله أفضل من آخره ،إال حيث استثناه الشارع كالظهر يف شدة
احلر ،وكالعشاء إذا مل يشق على املأمومني .وهللا أعلم"(.)3
وال جيوز أتخري الواجب إىل آخر وقته إال بشرط العزم على فعله فيه(.)4
جـ -ابعتبار فاعله إىل واجب عيين وواجب على الكفاية.
أما الواجب العيين :فهو ما وجب على كل شخص بعينه ،كالصالة والصوم.
فمقصود الشارع فيه :النظر إىل فاعله وصدق امتثاله(.)5
وأما الواجب الكفائي :فقد وضحه اإلمام الشافعي ،فقال ..." :وهكذا كل
مقصودا به قصد الكفاية فيما ينوب ،فإذا قام به من املسلمني
ما كان الفرض فيه
ً
(" )1بدائع الفوائد" (.)3/4
( )2انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)11
(" )3جمموع الفتاوى" (.)93/22
( )4انظر" :نزهة اخلاطر العاطر" (.)99/1
( )5انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)12
294
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معا خفت أال خيرج واحد
من فيه الكفاية خرج من ختلف عنه من املأمث ،ولو ضيعوه ً
منهم مطيق فيه من املأمث ،بل ال شك إن شاء هللا لقوله :إِل تَـ ْن ِف ُوا يُـ َع ِذنْ ُك ْر َع َذ ًااب
أَلِ ًيما[ التوبة.]39 :
قال :فما معناها؟
قلت :الداللة عليها :أن ختلفهم عن النفري كافة ال يسعهم ،ونفري بعضهم إذا
كانت يف نفريه كفاية خيرج من ختلف من املأمث إن شاء هللا؛ ألنه إذا نفر بعضهم
وقع عليهم اسم النفري.
قال :ومثل ماذا سوى اجلهاد؟
قلت :الصالة على اجلنازة ودفنها؛ ال حيل تركها وال جيب على كل من
حبضرهتا كلهم حضورها وخيرج من ختلف من املأمث من قام بكفايتها....
ومل يزل املسلمون على ما وصفت منذ بعث هللا نبيه – فيما بلغنا – إىل
اليوم:
يتفقه أقلهم ويشهد اجلنائز بعضهم ،وجياهد ويرد السالم بعضهم ،ويتخلف
عن ذلك غريهم ،فيعرفون الفضل ملن قام ابلفقه واجلهاد وحضور اجلنائز ورد السالم
وال يؤمثون من قصر عن ذلك ،إذا كان هبذا قائمون بكفايته"(.)1
ومن خالل هذا النقل عن اإلمام الشافعي يتبني لنا أن فرض الكفاية ميتاز مبا
أييت(:)2
أولً :أن مقصود الشارع فيه نفس الفعل بقطع النظر عن فاعله.
اثنيًا :أن اإلمث يعم كل مطيق إذا مل يقم به أحد.
اثلثًا :أن اإلمث يسقط عن املتخلفني إذا قام البعض ابلفعل على الوجه
املطلوب.
انعا :أن الفضل واألجر ملن قام ابلفعل على وجهه املطلوب.
رً
(" )1الرسالة" (.)369 – 366
( )2لالستزادة انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)166/15 ،119 ،118/19و"مفتاح دار
السعادة" (.)157/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
295
املسألة ال انعة
حكر ال َيدة على الواجب
الزايدة على الواجب إذا مل تكن من لوازمه فإهنا ال تكون واجبة ،سواء كانت
متميزة كصالة النافلة بعد الفريضة ،أو غْي متمي ة كالقدر الزائد من الطمأنينة يف
الركوع على القدر الواجب؛ بدليل جواز تركه ،وجواز االقتصار على ما حيصل به
الفرض فقط(.)1
املسألة اخلامسة
()2
التفاضل نني الواجباي
التفاضل بني الواجبات أمر حاصل؛ إذ بعض الواجبات آكد من البعض
اآلخر.
مقررا لذلك وممثالً" :وكذلك ليس األمر ابلتوحيد واإلميان ابهلل
قال ابن تيمية ً
ورسوله وغري ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها ،و غري ذلك مما
يتضمن األمر ابملأمورات العظيمة ،والنهي عن الشرك وقتل النفس والزًن وحنو ذلك
مما حرمته الشرائع كلها ،وما حيصل معه فساد عظيم كاألمر بلعق األصابع وإماطة
األذى عن اللقمة الساقطة والنهي عن القران يف التمر ،ولو كان األمران واجبني،
فليس األمر ابإلميان ابهلل ورسوله كاألمر أبخذ الزينة عند كل مسجد واألمر
ابإلنفاق على احلامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت"(.)3
وال شك أن التفاضل يف الواجبات يتضمن تفاضلها يف الثواب ،ويكون
( )1انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)16
( )2انظر يف مسألة التفاضل على وجه العموم" :جمموع الفتاوى" (،)61 ،60/17 ،513/7
و"زاد املعاد" ( 52/1وما بعدها) ،و"بدائع الفوائد" ( 161/3وما بعدها) ،و"التقريب
لفقه ابن القيم" (.)173 – 310/1
(" )3جمموع الفتاوى" (.)61 ،60/17
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
296
أيضا يف األزمنة واألمكنة واألشخاص ،ويف اخلرب واإلنشاء ،فليس اخلرب
التفاضل ً
املتضمن للحمد هلل والثناء عليه أبمسائه احلسىن كاخلرب املتضمن لذكر أعدائه كفرعون
وإبليس(.)1
وتفاوات وأهنا على درجات ومراتب كان
وإذا عرف أن بني األعمال تفاضالً
ً
حكيما يكون طلبه
طلب األفضل أكمل من طلب املفضول ،والطالب إذا كان
ً
لألفضل آكد ،ومعلوم أن التفاضل خيتلف حسب األحوال واألشخاص
واألوقاي(.)2
قال ابن القيم" :فاألفضل يف كل وقت وحال :إيثار مرضاة هللا يف ذلك
الوقت واحلال ،واالشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه ،وهؤالء هم أهل
التعبد املطلق"(.)3
وقد مثل ابن القيم لذلك أبمثلة كثرية ،فمن ذلك قوله:
"فأفضل العبادات يف وقت اجلهاد اجلهاد ،وإن آل إىل ترك األوراد من صالة
الليل وصيام النهار ،بل ومن إمتام صالة الفرض كما يف حالة األمن .واألفضل يف
وقت حضور الضيف مثالً القيام حبقه واالشتغال به عن الورد املستحب ،وكذلك يف
أداء حق الزوجة واألهل"(.)4
املسألة السادسة
األم ابلشبء أم نلوازمه
حتت هذه القاعدة مسائل عديدة وفروع كثرية ،ميكن بياهنا يف النقاط اآلتية:
تبعا لتحقيق
أ -ال بد من التفريق بني ما يؤمر به ً
قصدا ،وما يؤمر به ً
املقصود ،مبعىن أن وجود الشيء يستلزم وجوده وانتفاء أضداده ،فوجود الشيء هو
املقصود ،ووسيلته :انتفاء الضد أو األضداد.
فاملقصود :هو الواجب الذي يذم ويعاقب على تركه.
لزوما -ال يعاقب على تركها.
والوسيلة- :وإن كانت واجبة ً
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)58/17
( )2انظر املصدر السابق (.)61/17
(" )3مدارج السالكني" (.)102/1
( )4املصدر السابق (.)100/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
297
بعيدا فعليه أن يسعى من املكان
نيان لك :أن من أمر ابحلج وكان مكانه ً
البعيد ،ومن كان مكانه قريبًا فعليه أن يسعى من املكان القريب ،فقطع تلك
املسافات من لوازم املأمور به ،ومع هذا فإذا ترك هذان احلج مل تكن عقوبة البعيد
أعظم من عقوبة القريب ،بل األوىل أن تكون عقوبة القريب أعظم لقرب مكانه
وسهولة الفعل عليه أكثر من البعيد ،مع أن ثواب البعيد أعظم .فالعقوبة على الرتك
إمنا تكون على ترك املقصود ابألمر ال على فعل األضداد وترك اللوازم(.)1
للوسائل حكر املقاصد:قال ابن القيم" :ملا كانت املقاصد ال يتوصل إليها إال أبسباب وطرق تفضي
إليها كانت طرقها وأسباهبا اتبعة هلا معتربة هبا ،فوسائل احملرمات واملعاصي يف
كراهتها واملنع منها حبسب إفضائها إىل غاايهتا وارتباطاهتا هبا ،ووسائل الطاعات
والقرابت يف حمبتها واإلذن فيها حبسب إفضائها إىل غايتها ،فوسيلة املقصود اتبعة
للمقصود ،وكالمها مقصود ،لكنه مقصود قصد الغاايت ،وهي مقصودة قصد
الوسائل"(.)2
وقال الشيخ ابن سعدي" :الوسائل هلا أحكام املقاصد فما ال يتم الواجب إال
به فهو واجب ،وما ال يتم املسنون إال به فهو مسنون ،وطرق احلرام واملكروهات
اتبعة هلا ،ووسيلة املباح مباح.
ويتف ع عليها :أن توابع األعمال ومكمالهتا اتبعة هلا.
وهذا أصل عظيم يتضمن عدة قواعد ،كما ذكره يف األصل.
ومعىن الوسائل :الطرق اليت يسلك منها إىل الشيء ،واألمور اليت تتوقف
األحكام عليها من لوازم وشروط.
أمرا جبميع
أمرا به ،ومبا ال يتم إال به ،وكان ً
فإذا أمر هللا ورسوله بشيء كان ً
شروطه الشرعية والعادية واملعنوية واحلسية ،فإن الذي شرع األحكام عليم حكيم
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)161 – 159/20
(")2إعالم املوقعني" (.)135/3
298
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
يعلم ما يرتتب على ما حكم به على عباده من لوازم وشروط ومتممات.
فاألمر ابلشيء أمر به ومبا ال يتم إال به ،والنهي عن الشيء هني عنه وعن كل
ما يؤدي إليه .فالذهاب واملشي إىل الصالة وجمالس الذكر ،وصلة الرحم ،وعيادة
املرضى ،واتباع اجلنائز ،وغري ذلك من العبادات داخل يف العبادة .وكذلك اخلروج
إىل احلج والعمرة واجلهاد يف سبيل هللا من حني خيرج ويذهب من حمله إىل أن يرجع
إىل مقره وهو يف عبادة؛ ألهنا وسائل للعبادة ومتممات هلا.
يل ِ
ِ
صةٌ ِيف َسبِ ِ
هللا َول
قال تعاىلَ :لِ َ
ب َول َخمْ َم َ
ك ِأبَنَّـ ُه ْر ل يُصيبُـ ُه ْر ظَ َمأٌ َول نَ َ
صٌ
يطَئو َن مو ِطئا ي ِغي ُ الْ ُك َّفار ول يـنالُو َن ِمن ع ُد ٍو نَـيال إِل ُكتِب َهلر نِ ِه عمل ِ
َ َ ََ
ْ َ ْ
صال ٌح إِ َّن هللاَ
َ ُْ َ َ ٌ َ
َ ُ َْ ً َ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ب
َج َ ال ُْم ْحسن َ
يع أ ْ
ني * َول يُـ ْنف ُقو َن نَـ َف َق ًة َ
ل يُض ُ
ْيًة َول يَـ ْقطَ ُعو َن َواد ًَي إل ُكت َ
ْيًة َول َكب َ
صغ َ
ِ
َح َس َن َما َكانُوا يَـ ْع َملُو َن[ التوبة.)1("]121 ،120 :
َهلُ ْر ليَ ْج ِيَـ ُه ُر هللاُ أ ْ
جـ -ال بد من التفريق بني ما ال يتم الواجب إال به وبني ما ال يتم الوجوب
إال به ،فما ال يتم الواجب إال به فهو واجب ،وهذا قد سبق بيانه.
أما ما ال يتم الوجوب إال به فهو غري واجب ،ومثاله:
أن االستطاعة شرط يف وجوب احلج ،وملك النصاب شرط يف وجوب الزكاة،
فإن وجوب احلج ال يتم إال ابالستطاعة ،ووجوب الزكاة ال يتم إال مبلك النصاب،
وال جيب على العبد حتصيل االستطاعة وال ملك النصاب ،فما ال يتم الواجب إال
به يتوقف عليه إيقاع الواجب ،وما ال يتم الوجوب إال به يتوقف عليه وجوب
الواجب(.)2
د -ما ل يتر الواجب إل نه نوعان:
مأمورا نه ش ًعا ،كالسعي إىل اجلمعة ،يف قوله تعاىل:
-1أن يكون
ً
الة ِمن يـوِم ا ْجلمع ِة فَاسعوا إِ َىل ِ ْك ِ ِ
لص ِ
َي أَيُّـها الَّ ِذين آمنُوا إِ َا نُ ِ
هللا[ اجلمعة،]9 :
ود َي لِ َّ
َ َ
ْ َ ْ ُُ َ ْ َ ْ
َ َ
الص ِ
َّ ِ
الة فَا ْغ ِسلُوا
آمنُوا إِ َا قُ ْمتُ ْر إِ َىل َّ
ين َ
وكالطهارة للصالة يف قوله تعاىلََ :ي أَيُّـ َها الذ َ
(" )1القواعد واألصول اجلامعة" (.)11 ،10
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)160/20و"نزهة اخلاطر العاطر" (.)107/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
299
وه ُك ْر[ املائدة.]6 :
ُو ُج َ
فما ال يتم الواجب إال به وهو السعي والطهارة اجتمع عليه دليالن:
األول :النص القرآين.
والثاين :قاعدة ما ال يتم الواجب إال به فهو واجب(.)1
مباحا مل يرد فيه أمر مستقل من الشارع ،كإفراز املال إلخراج
-2أن يكون ً
قصدا إمنا وجب بقاعدة ما ال يتم الواجب إال به فهو
الزكاة فهذا ليس بواجب ً
واجب.
وعلى هذا النوع تنطبق القاعدة القائلة :جيب التوصل إىل الواجب مبا ليس
بواجب وهي ال تنطبق على النوع األول.
ﻫ -بناءً على ذلك نستطيع أن نقول :إن املباح قد يكون واجبًا إذا كان
الواجب ال يتم إال به ،وقد يبقى املباح على حاله األصلي من جواز الفعل والرتك
وذلك إذا مل يكن وسيلة إىل أمر آخر.
مكروها ،وقد يكون ح ًاما ،وذلك
مندواب ،وقد يكون
وقد يكون املباح
ً
ً
حسب تعلقه بغريه(.)2
و -النهب عن الشبء هنب عما ل يتر اجتنانه إل نه.
مثال ذلك :إذا اختلطت امليتة ابملذكاة ،فإن الكل حيرم تناوله؛ امليتة بعلة
املوت ،واملذكاة بعلة االشتباه.
معا
إذ الواجب الكف عن امليتة فقط ،وذلك ال يتم إال ابلكف عن االثنتني ً
بسبب االشتباه(.)3
وبذلك يتبني أن ما ال يتم الواجب إال به قد يكون فعالً كالطهارة للصالة،
وقد يكون ك ًفا وترًكا ،كرتك أكل املذكاة يف املثال املتقدم.
أيضا أن النهي فرع عن األمر؛ إذ األمر هو الطلب ،والطلب
ز -وهبذا يتبني ً
( )1انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)15
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( )533/10وسيأيت إن شاء هللا بيان أنه إبعطاء الوسائل حكم
مقاصدها تنحل شبهة الكعيب الذي يقول" :إن املباح مأمور به" انظر (ص )309من
هذا الكتاب.
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)110/1و"جمموع الفتاوى" (.)533/10
300
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قد يكون للفعل أو للرتك.
قال ابن تيمية....." :األمر أصل والنهي فرع ،فإن النهي نوع من األمر ،إذ
األمر هو الطلب واالستدعاء واالقتضاء ،وهذا يدخل فيه طلب الفعل وطلب الرتك
لكن خص النهي ابسم خاص"(.)1
واملقصود أن قاعدة" :النهي عن الشيء أمر بضده" داخلة حتت القاعدة
مستلزما لألمر
الكربى "األمر ابلشيء أمر بلوازمه" فيكون النهي عن الشيء إذن
ً
بضده إذا تقرر أن النهي فرع عن األمر.
قال ابن تيمية – يف األمر والنهي " :-وابجلملة فهما متالزمان ،كل من أمر
بشيء فقد هنى عن فعل ضده ،ومن هنى عن فعل فقد أمر بفعل ضده كما بسط يف
موضعه ،ولكن لفظ األمر يعم النوعني ،واللفظ العام قد خيص أحد نوعيه ابسم ،ويبقى
االسم العام للنوع اآلخر ،فلفظ األمر عام لكن خصوا أحد النوعني بلفظ النهي ،فإذا
قرن النهي ابألمر كان املراد به أحد النوعني ال العموم"(.)2
حـ -األمر املطلق ال ميكن امتثاله إال بتحصيل املعني ،مع أن املأمور به
مطلق ،وذلك كاألمر بعتق الرقبة يف قوله تعاىل :فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَ ٍة[ اجملادلة ،]3 :فإن
العبد ال ميكنه االمتثال إال إبعتاق رقبة معينة.
قال ابن تيمية...." :فاحلقيقة املطلقة هي الواجبة ،وأما خصوص العني فليس
مأمورا به ،وإمنا هو أحد األعيان اليت حيصل هبا املطلق؛ مبنزلة الطريق إىل
واجبًا وال
ً
مكة ،وال قصد لآلمر يف خصوص التعيني"(.)3
ط -إذا علم أن األمر املطلق ال يتحقق إال بتحصيل املعني فإن إطالق
مأمورا به ،بل يرجع
األمر ال يدل على ختصيص ذلك املعني بكونه مشروعًا أو ً
يف ذلك إىل األدلة؛ فإن كان يف األدلة ما يكره ختصيص ذلك املعني كره ،وإن
كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب ،وإال بقي غري مستحب وال مكروه.
أمرا مطل ًقا،
مثال لك :أن هللا شرع دعاءه وذكره ً
شرعا مطل ًقا ً
عاما وأمر به ً
(" )1جمموع الفتاوى" (.)119/20
( )2املصدر السابق (.)675/11
( )3املصدر السابق (.)300/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
301
ِ ِ
ض ُّ ًعا َو ُخ ْفيَةً
ْيا[ األحزاب ،]41 :وقال :ا ْدعُوا َرنَّ ُك ْر تَ َ
فقال :ا ْ ُك ُوا هللاَ ْك ًا َكث ً
[األعراف ،]55 :فاالجتماع للدعاء والذكر يف مكان معني ،أو زمان معني ،أو
االجتماع لذلك :تقييد للذكر والدعاء ،وهذا التقييد ال تدل عليه الداللة العامة
املطلقة خبصوصه وتقييده ،لكنها تتناوله ملا يف هذا التقييد من القدر املشرتك.
فإن دلت األدلة الشرعية على استحباب ذلك؛ كالذكر والدعاء يوم عرفة
بعرفة ،أو الذكر والدعاء املشروعني يف الصلوات اخلمس واألعياد واجلمع وطريف
النهار وعند الطعام واملنام واللباس ودخول املسجد واخلروج منه وحنو ذلك :صار
ائدا على االستحباب العام
مشروعا
ذلك الوصف اخلاص مستحبًا
استحبااب ز ً
ً
ً
املطلق.
ويف مثل هذا يعطف اخلاص على العام ،فإنه مشروع ابلعموم واخلصوص،
وإن مل يكن يف اخلصوص أمر وال هني بقي على وصف اإلطالق ،وجاز اإلتيان أبي
فعل معني يتحقق به امتثال األمر املطلق(.)1
وقد عرب ابن تيمية رمحه هللا عن هذه القاعدة بقوله:
شرع هللا ورسوله للعمل بوصف العموم واإلطالق ال يقتضي أن يكون
ْ
مشروعا بوصف اخلصوص والتقييد.)2("....
ً
وقد بني ابن تيمية فائدة هذه القاعدة ،فقال رمحه هللا:
"وهذه القاعدة إذا مجعت نظائرها نفعت ،ومتيز هبا ما هو البدع من
العبادات اليت يشرع جنسها من الصالة والذكر والقراءة ،وأهنا قد متيز بوصف
اختصاص تبقى مكروهة ألجله أو حمرمة :كصوم يومي العيدين ،والصالة يف أوقات
النهي.
كما قد تتميز بوصف اختصاص تكون واجبة ألجله أو مستحبة كالصلوات
اخلمس والسنن والرواتب"(.)3
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)197 ،196/20
( )2املصدر السابق (.)196/20
(" )3جمموع الفتاوى" (.)198/20
302
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وخالصة القول:
أن هذه القاعدة تفصيل وشرح للقاعدة السابق ذكرها حتت قاعدة األمر
ابلشيء أمر بلوازمه ،وهي "أن األمر املطلق ال بد يف امتثاله من حتصيل املعني" ،إذ
إن من لوازم امتثال األمر املطلق حتصيل املعني ،ولكن هذا املعني يشرتط يف جواز
حتصيله أال تكون األدلة الشرعية قد تعرضت له أبمر أو هني.
جائزا ،بل
أما يف حالة ورود األمر أو النهي يف هذا املعني فتحصيله ال يكون ً
اتبعا للدليل الوارد فيه من استحباب ،أو كراهة ،أو وجوب ،أو حترمي،
يكون حكمه ً
ومعلوم أن ورود األمر بتحصيل املعني مواف ًقا لألمر املطلق من ابب عطف اخلاص
على العام وتعاضد األدلة ،وأن ورود النهي عن حتصيل املعني خمال ًفا لألمر املطلق
من ابب ختصيص العموم وتقييد املطلق.
ي -تبني مما مضى أن األم املطلق يتحقق امتثاله نتحصيل معني.
وهذا املعني إذا كان امتثال الواجب يفتقر إليه فال يتصور النهي عنه ،إذ
يكون هذا املعني واحلالة كذلك قد أمر به وهنى عنه ،وهذا ممتنع؛ ألنه تكليف ما ال
يطاق؛ إذ هو تكليف للفاعل أن جيمع بني وجود الفعل املعني وعدمه.
أما إذا كان هذا املعني ال يفتقر إليه امتثال الواجب فالنهي عنه ممكن،
فاملطلوب من العبد واحلالة كذلك االمتثال للواجب ابإلتيان مبعني ليس منهيًا عنه،
والعبد يف هذه احلالة ممنوع من امتثال الواجب مبعني منهي عنه؛ إذ ميكنه امتثال
الواجب مبعني غري منهي عنه ،وبذلك يسهل فهم مسألة الصالة يف الدار املغصوبة،
إذ األمر ابلصالة مطلق يف أي مكان ،والنهي عن الغصب مطلق يف جنس الكون،
فلدينا أمر بصالة مطلقة ،وهني عن كون مطلق ،ومل أيمر الشارع ابجلمع بينهما فال
تالزم إذن بني األمر والنهي ،إذ مورد األمر غري مورد النهي ،لكن العبد هو الذي
مجع بني املأمور به واملنهي عنه يف املعني.
أما الشارع فلم أيمره بصالة مقيدة يف مكان معني إذ الشارع ال أيمر ابملعني
إال لتحصيل األمر املطلق.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
303
فيمكن أن يقال :فعل الصالة يف الدار املغصوبة اجتمع فيه املأمور به وهو
مطيعا من وجه
األمر بصالة مطلقة ،واملنهي عنه وهو الكون املطلق ،ويكون الفاعل ً
عاصيًا من وجه آخر ،فجهة األمر منفكة عن جهة النهي ،فتكون الصالة صحيحة
حيصل هبا اإلجزاء ،وأيمث على الغصب.
وميكن أن يقال :فعل الصالة يف الدار املغصوبة منهي عن االمتثال به ،إذ هو
مأمور ابلصالة ،منهي عنها ،فيكون هنيًا عن بعض الصالة ،فتكون اجلهة واحدة
وهي أن هذه الصالة منهي عنها فال حيصل هبا اإلجزاء.
وعلى كل فكال النظرين حمل لالجتهاد .لكن ال يصح أن يقال على كل
حال :إن عني هذه األكوان مأمور هبا منهي عنها(.)1
وذلك ألن:
مأمورا نه من وجه منهيًا عنه من وجه
ك -الفعل الواحد ميكن أن يكون ً
آخ ،إذ إن الفعل الواحد جتتمع فيه مصلحة ومفسدة من جهات خمتلفة.
مأمورا به أو
وكون الفعل مصلحة أو مفسدة ،مقتضيًا للثواب أو العقابً ،
منهيًا عنه ،ليس من الصفات الالزمة وإمنا هو من الصفات اإلضافية ،وهلذا يعقل
معا ،فيؤمر بتحصيل املنافع ،وينهى عن
أن يوجد يف الفعل الواحد منفعةٌ ومضرة ً
حتصيل املضار ،فيؤمر ابلصالة املشتملة على املنفعة وينهى عن الغصب املشتمل
على املضرة ،لكن من غري املمكن أن يؤمر ابلفعل الواحد وينهى عنه من ٍ
وجه
تفعل ،يف وقت
واحد؛ إذ إن هذا
افعل وال ْ
تكليف ما ال يطاق ،إذ كيف يقال لهْ :
()2
و ٍ
احد من ٍ
وجه واحد .
ل -مما مضى نستطيع أن نقسم ما يتم به االمتثال للواجب إىل أربعة
أقسام(:)3
األول :أن يكون ما يتم به االمتثال للواجب واجبًا ،كاإلمساك الذي جيب
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( .)300 ،299/19وانظر ما سيأيت يف مسائل النهي:
(ص )409من هذا الكتاب.
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (.)297 ،296/19
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)301/19
304
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
امتثاالً إلجياب صيام رمضان.
مباحا ،كاخلصلة الواحدة من
الثاين :أن يكون ما يتم به االمتثال للواجب ً
خصال الكفارة فإن كل واحدة مباحة لكن الواجب وهو التكفري ال يتم إال بفعل
ٍ
خصلة منها.
الثالث :أن يكون ما يتم به االمتثال غري منهي عنه ،كالعتق املطلق فإنه يتم
بعتق مطلق الرقبة.
والف ق بني هذا النوع والذي قبله أن املطلق –وهو هذا النوع -مل يؤمر فيه أبحد
أشياء حمصورة وإمنا أمر ابملطلق ،أما املخري فقد أمر فيه أبحد أشياء حمصورة.
ال انع :أن يكون ما يتم به االمتثال منهيًا عنه ،وذلك كالصالة يف الدار
املغصوبة .وحكم هذا القسم يرجع إىل النظر يف انفكاك جهة األمر والنهي.
فَ َم ْن قال :إن جهة األمر منفكة عن جهة النهي؛ قال :إن الصالة صحيحة
وعلى املصلي إمث الغصب ،ومن قال :إن جهة األمر والنهي واحدة فالصالة يف
الدار املغصوبة فعل منهي عنه؛ قال :إن الصالة ابطلة.
م -حترمي الشيء مطل ًقا يقتضي حترمي كل جزء منه ،وذلك كتحرمي اخلنزير
وامليتة ،فال حيل شيء من أجزائهما(.)1
ن -إذا علــم أن األمــر ابلشــيء أم ـ ر بلوازمــه ثبــت العمــل بســد الــذرائع ألنــه
أصــل مهــم ينــدرج حتــت هــذه القاعــدة ،إذ مــن لـوازم األمــر ابلشــيء األمــر ابلوســائل
احملققة له والسبل امليسرة لوقوعه ،وكذلك من لوازم النهي عن الشيء النهي عن
الوســائل املفضــية إليــه والــذرائع املوقعــة فيــه ،وهــذا مــا يســمى بســد الــذرائع(،)2
أيض ا حترمي احليل اليت يتوصل هبا إىل حتليل ما حرم هللا(.)3
ويدخل يف ذلك ً
ي -تبني من خالل النقاط املاضية العالقة الوثيقة بني املسائل التالية:
-1مقدمة الواجب أو ما ال يتم الواجب إال به.
( )1انظر املصدر السابق (.)85/21
( )2انظر (ص )240من هذا الكتاب خبصوص سد الذرائع.
( )3انظر" :إعالم املوقعني" ( )159/3وانظر (ص )240من هذا الكتاب فيما يتعلق
ابحليل.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
305
-2هل املباح مأمور به ْأو ال؟
-3هل النهي عن الشيء أمر بضده؟
-4هل األمر ابلشيء هني عن ضده؟
-5حترمي الشيء يقتضي حترمي مجيع أجزائه.
-6سد الذرائع.
-7حترمي احليل.
-8من لوازم االمتثال لألمر املطلق حتصيل املعني.
-9للوسائل أحكام املقاصد.
-10األمر ابلشيء الواحد يستلزم عدم النهي عنه من ٍ
وجه واحد(.)1
واجلامع بني هذه املسائل قاعدة" :األم ابلشبء أم نلوازمه".
القسر الثاين
ا ام
ألفاظ التح مي:
قال ابن القيم" :ويستفاد التح مي من :النهي والتصريح ابلتحرمي ،واحلظر
والوعيد على الفعل ،وذم الفاعل وإجياب الكفارة ابلفعل.
وشرعا.
وقوله" :ال ينبغي" يف لغة القرآن والرسول للمنع عقالً ً
ولفظة" :ما كان هلم كذا ،ومل يكن هلم" وترتيب احلد على الفعل ،ولفظة" :ال
حيل" ،و"ال يصلح".
ووصف الفعل أبنه فساد ،وأنه من تزيني الشيطان وعمله ،وأن هللا ال حيبه،
وأنه ال يرضاه لعباده ،وال يزكي فاعله ،وال يكلمه ،وال ينظر إليه ،وحنو ذلك"(.)2
( )1هناك عالقة بني هذه املسألة ،ومسألة التحسني والتقبيح العقليني ،ومسألة النسخ قبل
التمكن من االمتثال .انظر" :جمموع الفتاوى" ( )297/19وانظر (ص )325من هذا
الكتاب يف املسألة األوىل ،و(ص )254يف املسألة الثانية.
(" )2بدائع الفوائد" (.)4 ،3/4
306
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
تضمن التفصيل السابق لقاعدة "األم ابلشبء أم نلوازمه" الكالم على
مسائل تتعلق ابحلرام.
وهذه املسائل هي:
-1هل النهي عن الشيء أمر بضده؟
-2هل األمر ابلشيء هني عن ضده؟
-3حترمي الشيء يقتضي حترمي مجيع أجزائه.
-4األمر ابلشيء الواحد يستلزم عدم النهي عنه من وجه واحد.
القسر الثالث
املندو
وتطوعا ،ونفالً ،وقربة ،ومرغبًا فيه،
أولً :يسمى املندو سنة ،ومستحبًا،
ً
وإحساًن(.)1
ً
اثنيًا :املندو مأمور نه؛ ألنه طلب للفعل ،لكنه طلب غري جازم ،وليس
مطلق بدليل أن الفعل فيه أرجح من الرتك(.)2
فيه ختيري ٌ
اثلثًا :املندو جيوز ت كه ،لكن ل جيوز اعتقاد ت ك استحبانه(.)3
( )1انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)403/1
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)114/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)405/1و"مذكرة
الشنقيطي" (.)17 ،16
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)436/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
307
القسر ال انع
املك وه
املك وه :هو ما ميدح اتركه وال يذم فاعله ،وقد يطلق –خاصة يف كالم
السلف– على احمل م(.)1
قال ابن القيم:
"وقد غلط كثري من املتأخرين من أتباع األئمة على أئمتهم بسبب ذلك،
حيث تورع األئمة عن إطالق لفظ التحرمي وأطلقوا لفظ الكراهة ،فنفى املتأخرون
التحرمي عما أطلق عليه األئمة ،مث سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم
فحمله بعضهم على التنزيه.....فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى
األئمة"(.)2
القسر اخلامق
املباح
ويف هذا القسر مخق مسائل:
املسألة األوىل :هل املباح من األحكام التكليفية؟
املسألة الثانية :ألفاظ اإلابحة.
املسألة الثالثة :أقسام اإلابحة.
املسألة ال انعة :هل املباح مأمور به؟
املسألة اخلامسة :حكم األشياء املنتفع هبا قبل ورود الشرع.
املسألة األوىل
هل املباح من األحكام التكليفية؟
املباح :هو ما أذن هللا يف فعله( )3وتركه غري مقرتن بذم فاعله واتركه
وال
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)123/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)241/32و"بدائع الفوائد"
( ،)6/4و"نزهة اخلاطر العاطر" (.)123/1
(" )2إعالم املوقعني" (.)39/1
( )3املباح :قد يطلق على املأذون يف فعله ،فيعم الواجب واملندوب واملكروه واملباح ،وهذا
يسمى ابحلالل ،كما قال تعاىل :فجعلتم منه حر ًاما وحلالً[ يونس .]59 :لكن
=
308
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
مدحه(.)1
ونذلك يُعلر أن املباح ال تكليف فيه وال طلب ،فهو هبذا االعتبار ال يدخل
يف أقسام التكليف( ،)2وهي :الواجب ،واملندوب ،واملكروه ،واحملرم ،فتكون األقسام
أربعة ،وإدخاله من اب املساوة وإكمال القسمة ،وذلك بناءً على أن التكليف
أيضا إذا عرف التكليف أبنه" :إل ام
هو "اخلطا أبم ٍ أو هنب" ،وميكن إدخاله ً
مقتضى خطا الشارع"(.)3
املسألة الثانية
ألفاظ اإلابحة
تستفاد اإلابحة من لفظ :اإلحالل ،ورفع اجلناح ،واإلذن ،والعفو ،والتخيري،
وغري ذلك(.)4وكل هذا يسمى ابإلابحة الشرعية ،وهي املصطلح عليها ابملباح.
املسألة الثالثة
أقسام اإلابحة
اإلابحة قسمان :إابحة شرعية وهي ما مضى بيانه ،وإابحة عقلية ،وهي
املصطلح عليها ابلرباءة األصلية واالستصحاب ،وقد مضى بيان ذلك(.)5
ومن فوائد الف ق نني اإلابحتني الشرعية والعقلية(:)6
ـخ ا؛ ألهنــا حكـم شــرعي ،أمـا رفــع
أ -أن رفـع اإلابحــة الشـرعية يســمى نس ً
=
األصل :إطالق املباح على ما استوى طرفاه .انظر" :منهاج السنة النبوية" "،)173/4
و"شرح الكوكب املنري" (.)427/1
( )1انظر" :روضة الناظر" (.)116/1
( )2وقيل :يدخل ابعتبار أنه يتضمن تكلي ًفا وهو وجوب اعتقاد إابحته .انظر" :نزهة اخلاطر
العاطر" (.)123/1
( )3انظر" :نزهة اخلاطر العاطر" ( ،)20/6 ،136/1و"مذكرة الشنقيطي" (،)20 ،9
وانظر (ص )336من هذا الكتاب فيما يتعلق بتعريف التكليف.
( )4انظر" :بدائع الفوائد" (.)6/4
( )5انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)428 ،427/1و"مذكرة الشنقيطي" (،)18 ،17
وانظر (ص )210من هذا الكتاب فيما يتعلق ابالستصحاب.
( )6انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)150/29و"مذكرة الشنقيطي" (.)18
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
309
حكم ا شرعيًا بل هي حكم عقلي.
اإلابحة العقلية فال يعد ً
نسخ ا؛ ألهنا ليست ً
ب -أن العقــد والشــرط يرفــع موجــب االستصــحاب ول يكــون ذلــك مــن
تغي ــري م ــا ش ــرع هللا ،لكنهم ــا ال يرفع ــان م ــا أوجب ــه ك ــالم الش ــارع م ــن اإلابح ــة
واحلل.
املسألة ال انعة
هل املباح مأمور نه؟
ذهب اجلمهور إىل أن املباح غري مأمور به ،وخالفهم يف ذلك الكعيب(،)1
وقال :إنه مأمور به.
قال ابن بدران" :واخلالف يف هذه املسألة لفظب؛ أي :يرجع إىل التسمية
فقط"( .)2ويتضح كون اخلالف لفظيًا إذا الحظنا األمور اآلتية:
أولً :ما مضى بيانه من التفريق بني املباح اجملرد ،واملباح الذي صار وسيلة إىل
حتصيل الواجب ،فوسيلة الواجب واجبة؛ وإن كانت مباحة يف األصل ،فمراد
الكعيب :املباح املتوسل به ،ومراد اجلمهور :املباح اجملرد(.)3
اثنيًا :االلتفات إىل القصـد ،فمـن فعـل املبـاح يصـري واجبًـا هبـذا االعتبـار،
وإن تع ــني طري ًقـ ـ ا ص ــار واجبً ـ ـا معينً ـ ـا ،وإال ك ــان واجبً ـ ـا خم ــريًا ،لك ــن م ــع ه ــذا
القصد.)4("...
اثلثًا :أن املباح ابلنسبة للسابقني املقربني ال يستوي فعله وتركه ،بل املباحات
عندهم طاعات؛ ألهنم يستعينون هبا على طاعة هللا ،ولديهم ح ْسن القصد ،أما غري
( )1هو :عبد هللا بن أمحد بن حممود الكعيب البلخي ،أبو القسم ،كان رأس طائفة من املعتزلة،
يقال هلم :الكعبية ،وكان من كبار املتكلمني وله مقاالت ،منها :أن هللا ليست له إرادة،
(،)74
كبريا ،تويف سنة (319ه) .انظر" :املنية واألمل"
علوا ً
تعاىل هللا عن ذلك ً
و"شذرات الذهب" (.)281/2
(" )2نزهة اخلاطر العاطر" (.)121/1
( )3انظر (ص )299من هذا الكتاب.
(" )4جمموع الفتاوى" (.)534/10
310
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املقربني – كما هو حال املقتصدين – فاملباح عندهم ال ميدح وال يذم.
فصح أن يقال :إن املباح مأمور به؛ يعين :ابلنسبة للمقربني ،فهم مأمورون إما
بفعله أو تركه(.)1
املسألة اخلامسة
حكر األشياء املنتفع هبا قبل ورود الش ع
الكالم على هذه املسألة ميكن ضبطه يف أربع نقاط:
أ -األصل يف األشياء بعد جميء الرسل وورود الشرع اإلابحة .
واألدلة على لك كثْية منها:
ض َِ
األر ِ
مج ًيعا[ البقرة.]29 :
قوله تعاىلَ :خلَ َق لَ ُك ْر َما ِيف ْ
وقول ابن عباس رضي هللا عنهما" :وما سكت عنه فهو مما عفا عنه"(.)3
قال ابن تيمية" :األصل يف العباداي التوقيف ،فال يشرع منها إال ما شرعه
هللا تعاىل وإال دخلنا يف معىن قوله :أَم َهلر ُش َكاء َش ُعوا َهلر ِمن ِ
الدي ِن َما َملْ َْأي َ ْن نِ ِه
ْ ُْ َ ُ َ ُْ َ
هللاُ[ الشورى.]21 :
والعادات األصل فيها العفو ،فال حيظر منها إال ما حرمه ،وإال دخلنا يف معىن
قوله :قُ ْل أ ََرأَيْـتُ ْر َما أَنْـ َ َل هللاُ لَ ُك ْر ِم ْن ِرْز ٍق فَ َج َعلْتُ ْر ِم ْنهُ َح َ ًاما َو َحالل[ يونس:
.)4(]59
ب -أن قبل الشرع ال حتليل وال حترمي وال شرع ،فالواجب التوقف(.)5
()2
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)535 – 533/10و"مدارج السالكني" (.)123 ،122/1
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)119/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)541/21و"شرح الكوكب
املنري" (.)328/1
( )3رواه أبو داود ( )354/3برقم ( ،)3800وصححه احلاكم ،ووافقه الذهيب .انظر:
مرفوعا ابن ماجه يف "سننه" ( )1117/1برقم
"املستدرك" ( .)115/4وقد رواه
ً
مرفوعا
( ،)3367والرتمذي ( )220/4برقم ( ،)1726وقال :حديث غريب ال نعرفه ً
إال من هذا الوجه .وقال :وكأن احلديث املوقوف أصح.
(" )4جمموع الفتاوى" ( .)17/29وانظر لالستزادة" :جمموع الفتاوى" ( ،)196/4و"القواعد
واألصول اجلامعة" (.)32 ،31
( )5انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)217/1و"روضة الناظر" ( ،)119/1و"جمموع الفتاوى"
(.)540 ،539/21
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
311
قال ابن قدامة" :وهذا القول [أي التوقف] هو الالئق ابملذهب ،إذ العقل ال
مدخل له يف احلظر واإلابحة على ما سنذكره إن شاء هللا تعاىل( ،)1وإمنا تثبت
األحكام ابلسمع"(.)2
جـ -أنه ال يصح إعطاء ما بعد الشرع حكم ما قبل الشرع.
علما مبدارك األحكام ،ومل
قال ابن تيمية" :ولست أنكر أن بعض من مل حيط ً
متييزا يف مظان االشتباه رمبا سحب ذيل ما قبل الشرع على ما بعده ،إال أن
يؤت ً
هذا غلط قبيح لو نبه له لتنبه ،مثل الغلط يف احلساب ،ال يهتك حرمي اإلمجاع وال
يثلم سنن االتباع"(.)3
وبذلك تبني أنه ال فائدة من عقد هذه املسألة :ما حكم األشياء قبل ورود
الشرع؟ إذ إن جميء الشرع ٍ
كاف يف معرفة حكم هذه األشياء.
د -اختلف يف وقوع هذه املسألة هل هو جائز أم ممتنع؟
الصحيح :أنه ممتنع ،ألن األرض مل ختل من نيب مرسلَ :وإِ ْن ِم ْن أ َُّم ٍة إِل َخال
فِ َيها نَ ِذي ٌ [ فاطر.]24 :
أو يكون املراد هبذه املسألة :حكم األشياء بعد ورود الشرع لكنه – أي
أبدا(.)4
الشرع – خال عن حكمها ،ومعلوم أن هذا ال يصح ً
أو يكون املراد بعد ورود الشرع ومل خيل عن حكمها ،لكن جهل هذا احلكم،
شرعا وعنده فواكه وأطعمة(.)5
كمن نشأ يف برية ،أو ولد يف جزيرة ،ومل يَعرف ً
( )1انظر ذلك يف ( )389/1من "روضة الناظر"
(" )2روضة الناظر" (.)119/1
(" )3جمموع الفتاوى" ( .)539/21وانظر" :درء تعارض العقل والنقل" (.)62/9
( )4انظر (ص )133من هذا الكتاب فيما يتعلق بتمام بيان الشرع وكماله.
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)539/21و"شرح الكوكب املنري" (.)325 – 323/1
312
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب الثالث
ا كر الوضعب
وفيه ست مسائل:
املسألة األوىل :تعريف احلكم الوضعي وتقسيمه.
املسألة الثانية :الفرق بني احلكم التكليفي واحلكم الوضعي.
املسألة الثالثة :السبب والشرط واملانع.
املسألة ال انعة :الصحة والفساد.
املسألة اخلامسة :األداء واإلعادة والقضاء.
املسألة السادسة :الرخصة والعزمية.
313
314
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف ا كر الوضعب وتقسيمه
أولً :تعريفه بناءً على التعريف املتقدم للحكم الشرعي أبنه:
"خطاب هللا املتعلق أبفعال املكلفني ابالقتضاء ،أو التخيري ،أو الوضع" ميكن
تعريف احلكم الوضعي على وجه اخلصوص أبنه:
"خطاب هللا املتعلق أبفعال املكلفني ابلوضع" ،إذ إن قيد "ابالقتضاء أو
التخيري" خاص ابحلكم التكليفي ،أما قيد "الوضع"( )1فهو خاص ابحلكم الوضعي
كما تقدم(.)2
اثنيًا :ينقسم احلكم الوضعي إىل ثالثة أقسام:
السبب ،والشرط ،واملانع.
ابعا هو العلة.
قسما ر ً
وأضاف البعض ً
وهذا التقسيم ابعتبار ما يظهر احلكم.
أقساما أخرى:
وبعضهم أحلق ابحلكم الوضعي ً
كالصحة والفساد ،والقضاء واألداء واإلعادة ،والرخصة والعزمية(.)3
املسألة الثانية
الف ق نني ا كر التكليفب وا كر الوضعب
يتضح هذا الفرق من وجهني(:)4
األول :أن احلكم التكليفي يشرتط فيه علم املكلف وقدرته على الفعل
أمورا يعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي.
( )1معىن الوضع :أن الشرع وضع ً
وهذه األمور هي :األسباب ،والشروط ،واملوانع.
انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)435/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)40
( )2انظر ( )287من هذا الكتاب.
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)157/1و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)65و"شرح الكوكب املنري"
( ،)438/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)40
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)436/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)41 ،40
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
315
كالصالة والصوم.
أما احلكم الوضعي فال يشرتط فيه شيء من شروط التكليف كالصيب فإنه –
()1
حكم وضع إزاء سببه وهو
وإن مل يكن مكل ًفا – يضمن غرم املتلفات ،فالضمان ٌ
اإلتالف.
الثاين :أن احلكم التكليفي أمر وطلب ،كاألمر ابلصالة ،خبالف احلكم
الوضعي فإنه إخبار.
املسألة الثالثة
السبب والش ط واملانع
ويف هذه املسألة مخس نقاط:
أ -ميكن تع يف كل من السبب ،والش ط ،واملانع ،مبا أييت:
السبب :ما يلزم من وجوده الوجود ،ومن عدمه العدم ،لذاته(.)2
الش ط :ما يلزم من عدمه العدم ،وال يلزم من وجوده وجود وال عدم ،لذاته،
خارجا عن املاهية(.)3
وكان ً
املانع :ما يلزم من وجوده العدم ،وال يلزم من عدمه وجود وال عدم،
لذاته(.)4
ب -ل ند يف وجود ا كر الش عب من توف ثالثة أمور(:)5
أ -وجود األسباب.
ب -وجود الشروط.
جـ -انتفاء املوانع.
وإذا ختلف أمر من هذه األمور انتفى احلكم الشرعي وال بد.
( )1انظر ( )346من هذا الكتاب.
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)445/1
( )3انظر املصدر السابق (.)452/1
( )4انظر املصدر السابق (.)456/1
( )5انظر املصدر السابق ( ،)435/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)40
316
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
مثال لك :وجوب الزكاة.
سببه :ملك النصاب.
وش طه :حوالن احلول.
واملانع منه :وجود الدين.
فإذا وجد النصاب واحلول وانتفى الدين وجب أداء الزكاة.
وال جتب الزكاة إذا مل يوجد النصاب أو مل حيل احلول ،أو وجد الدين.
جـ -قد يطلق السبب على العلة الش عية(.)1
وذلك مثل قوله تعاىل :ال َّانِيةُ وال َّ ِاين فَاجلِ ُدوا ُك َّل و ِ
اح ٍد ِمْنـ ُه َما ِمائَةَ َج ْل َد ٍة
ْ
َ
َ َ
[النور ،]2 :فلله سبحانه يف الزاين حكمان :أحدمها :وجوب اجللد ،وهذا حكم
تكليفي ،والثاين :كون الزًن سببًا لوجوب احلكم ،وهذا حكم وضعي ،وقد أطلق
السبب على العلة الشرعية وهي الزًن ،كما أن هذا املثال قد اجتمع فيه احلكم
التكليفي مع احلكم الوضعي(.)2
ِ
دخلت
د -ينقسر الش ط من حيث هو شرط إىل ثالثة أقسام :لغوي كإ ْن
الدار فأنت طالق ،وعقلي كاحلياة للعلم ،وشرعي كاشرتاط الطهارة للصالة،
واملقصود يف هذا املقام الشرط الشرعي ،وهو على قسمني:
ش ط وجو كالزوال لصالة الظهر ،وش ط صحة كالوضوء للصالة.
والفرق بني القسمني أن شرط الوجوب من خطاب الوضع ،وشرط الصحة
من خطاب التكليف(.)3
كثْيا ابلش ط.
ه -عدم املانع يلتبق ً
والف ق نينهما :أن الشرط وصف وجودي ،وأما عدم املانع فعدمي(.)4
( )1انظر مذهب أهل السنة يف األسباب والتعليل فيما سبق (ص )201 ،196من هذا
الكتاب.
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)168/1و"شرح الكوكب املنري" (.)449 ،447/1
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)163/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)454 ،453/1و"مذكرة
الشنقيطي" (.)43
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)461 ،460/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
317
املسألة ال انعة
الصحة والفساد
ويف هذه املسألة مثان نقاط:
-1امل اد ابلصحة يف العباداي( :)1سقوط القضاء مبعىن أنه ال حيتاج إىل
فعل العبادة مرة اثنية ،وهذا هو اإلجزاء ،وال تكون العبادة جمزيةً مسقطةً للقضاء إال
إذا كانت موافقة ألم الشارع(.)2
والدليل على ذلك قوله « :من عمل عمالً ليق عليه أم ان فهو رد»(.)3
قال ابن رجب(" :)4فهذا احلديث يدل مبنطوقه على أن كل عمل ليس عليه
أمر الشارع فهو مردود ،ويدل مبفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غري مردود،
واملراد أبمره ههنا :دينه وشرعه .......فاملعىن إذن:
متقيدا ابلشرع فهو مردود"(.)5
خارجا عن الشرع ليس ً
أن من كان عمله ً
أيضا:
وقال ً
"فمن كان عمله جارًاي حتت أحكام الشرع مواف ًقا هلا ،فهو مقبول ،ومن كان
خارجا عن ذلك فهو مردود.
ً
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)166 ،165/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)349/11و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)465/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)45 ،44
( )2الصحة يف العبادات عند املتكلمني :موافقة أمر الشارع ولو مل يسقط القضاء .وعند
الفقهاء :سقوط القضاء حبيث ال حيتاج إىل فعلها مرة اثنية.
وبناءً على ذلك فصالة من ظن الطهارة صحيحة على قول املتكلمني ،فاسدة على قول
الفقهاء ،فاملتكلمون نظروا إىل ظن املكلف ،والفقهاء نظروا ملا يف نفس األمر.
وقد اتفق الفريقان على وجوب القضاء فيكون اخلالف بينهما لفظيًا ،إذ يرى املتكلمون
– وهم القائلون بصحة صالة من ظن الطهارة – أن القضاء وجب أبمر جديد.
نظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)467 – 465/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)45 ،44
( )3تقدم خترجيه ،انظر (ص )188من هذا الكتاب.
( )4هو :عبد الرمحن بن أمحد بن رجب ،زين الدين أبو الفرج ،الفقيه احلنبلي ،احلافظ الزاهد،
له مؤلفات ًنفعة ،منها" :جامع العلوم واحلكم" ،و"ذيل طبقات احلنابلة" ،تويف سنة
(795ه) .انظر" :اجلوهر املنضد" ( ،)46و"شذرات الذهب" (.)339/6
(" )5جامع العلوم واحلكم" (.)177/1
318
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
واألعمال قسمان :عبادات ومعامالت.
خارجا عن حكم هللا ورسوله ابلكلية فهو مردود
فأما العبادات فما كان منها ً
على عامله ،وعامله يدخل حتت قوله :أَم َهلر ُش َكاء َش ُعوا َهلر ِمن ِ
الدي ِن َما َملْ َْأي َ ْن
ْ ُْ َ ُ َ ُْ َ
نِ ِه هللاُ[ الشورى.)1(]21 :
-2امل اد ابلصحة يف املعامالي :ترتب األثر املقصود من املعاملة ،فكل
بيع أابح التصرف يف املبيع وحقق كمال االنتفاع به فهو صحيح(.)2
-3بناءً على ما تقدم فامل اد ابلفساد( )3يف اب العباداي عدم اإلجزاء،
أو عدم سقوط القضاء ،أو عدم موافقة األمر الشرعي.
()4
ويف اب املعامالي عدم ترتب األثر املقصود من العقد .
مثااب عليه؛
-4اإلاثبة والصحة جيتمعان ويفرتقان ،فيكون العمل
ً
صحيحا ً
كالعمل الكامل الذي توفرت شروطه وأركانه ومل تقرتن به معصية ختل ابملقصود ،واترة
يكون العمل غْي صحيح ولكنه يثا عليه كأ ْن خيل ابلشروط واألركان ،فيثاب على
صحيحا لكن ل ثوا عليه وذلك إذا أتى
ما فعل وال تربأ ذمته ،واترة أخرى يكون
ً
ابملأمور على الوجه املطلوب لكن اقرتنت به معصية ختل ابملقصود(.)5
-5الكمال( )6يف العبادة نوعان(:)7
أ -الكمال الواجب :وهو أن يقتصر يف العبادة على الواجب منها ،وهذا
كمال املقتصدين.
(" )1جامع العلوم واحلكم" (.)178 ،177/1
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)166 ،165/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)467/1و"مذكرة
الشنقيطي" (.)45
( )3الفساد والبطالن مرتادفان عند اجلمهور فهما يقابالن الصحة الشرعية سواء كان ذلك يف
العبادات أواملعامالت .انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)473/1
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)167 ،166/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)473/1و"مذكرة
الشنقيطي" (.)46 ،45
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( )305 ،303/19وانظر (ص )405 ،404من هذا
الكتاب.
( )6مما يتصل ابلصحة والفساد الكمال والنقص.
( )7انظر" :جمموع الفتاوى" (.)293 – 290/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
319
ب -الكمال املستحب :وهو أن يؤيت يف العبادة ابملستحب ،وهذا كمال
املقربني.
-6النقص يف العبادة نوعان(:)1
فقد يراد ابلنقص نقص بعض الواجبات ،وقد يراد به ترك بعض املستحبات
وذلك مثل قول الفقهاء :الغسل ينقسم إىل كامل وجمزئ ،يريدون ابجملزئ االقتصار
على الواجب ،وابلكامل ما أيت فيه ابملستحب يف العدد والقدر والصفة ،وغالب
استعمال الفقهاء تفسري الكامل مبا كمل ابملستحبات.
أما يف ع ف الشارع فالكامل :هو ما كمل ابلواجبات.
-7اخلالف الواقع يف ح ف النفب الداخل على املسمياي الش عية؛
كقوله « :ل صالة ملن ل وضوء له»()2؛ هل حيمل على نفي الكمال الواجب
أو الكمال املسنون؟.
بيان ذلك :أن كل ما نفاه هللا ورسوله من مسمى أمساء األمور الواجبة،
كاسم اإلميان واإلسالم والدين والصالة والصيام والطهارة واحلج وغري ذلك فإمنا
يكون لرتك واجب من ذلك املسمى(.)3
قال ابن تيمية" :فمن قال :إن املنفي هو الكمال ،فإن أراد أنه نفي الكمال
الواجب الذي يذم اتركه ،ويتعرض للعقوبة فقد صدق.
وإن أراد أنه نفي الكمال املستحب فهذا مل يقع قط يف كالم هللا ورسوله ،وال
جيوز أن يقع"(.)4
وقال رمحه هللا ممثالً هلذه القاعدة ومطب ًقا هلا:
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)293 – 290/19
( )2رواه أبو داود يف "سننه" ( )25/1برقم ( ،)101وابن ماجه ( )140/1برقم (،398
،)400 ،399وصححه األلباين .انظر" :صحيح اجلامع" ( )1249/2برقم (،7514
،)7515ورواه مسلم يف صحيحه ( )102/3بلفظ« :ال تقبل صالة بغري طهور».
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)37/7
(" )4جمموع الفتاوى" (.)15/7
320
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
()1
".......وكذلك قوله« :من غشنا فليق منا»
يقال فيه :ليس من خيارًن كما تقول املرجئة.
كافرا كما تقوله اخلوارج.
وال أن يقال :صار من غري املسلمني فيكون ً
بل الصواب :أن هذا االسم املضمر ينصرف إطالقه إىل املؤمنني اإلميان
الواجب الذي به يستحقون الثواب بال عقاب ،وهلم املواالة املطلقة واحملبة املطلقة
وإن كان لبعضهم درجات يف ذلك مبا فعله من املستحب.
فإذا غشهم مل يكن منهم حقيقة :لنقص إميانه الواجب الذي به يستحقون
الثواب املطلق بال عقاب ،وال جيب أن يكون من غريهم مطل ًقا ،بل معه من اإلميان
ما يستحق به مشاركتهم يف بعض الثواب ،ومعه من الكبرية ما يستحق به العقاب.
قوما ليعملوا عمالً ،فعمل بعضهم بعض الوقت ،فعند
كما يقول من استأجر ً
التوفية يصلح أن يقال :هذا ليس منا ،فال يستحق األجر الكامل ،وإن استحق
بعضه.
وقد بسطت القول يف هذه املسألة يف غري هذا املوضع ،وبينت ارتباطها
بقاعدة كبرية هي :أن الشخص الواحد أو العمل الواحد يكون مأمورا به من ٍ
وجه
ً
منهيا عنه من ٍ
وجه ،وأن هذا هو مذهب أهل السنة واجلماعة خالفًا للخوارج
ً
()2
واملعتزلة . "......
-8النقص عن الواجب يف العباداي نوعان(:)3
نوع يُبطل العبادة؛ كنقص أركان الطهارة والصالة واحلج.
ونوع ل يبطلها؛ كنقص واجبات احلج اليت ليست أبركان ،ونقص واجبات
سهوا عند من يرى ذلك.
الصالة إذا تركها ً
وحنو ذلك ،ال جيوز أن
( )1رواه مسلم (.)108/2
(" )2جمموع الفتاوى" ( .)294/19وانظر (ص )303 ،302من هذا الكتاب فيما يتعلق
ابلقاعدة املشار إليها.
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)292/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
321
املسألة اخلامسة
األداء واإلعادة والقضاء
ويف هذه املسألة أربع نقاط:
شرعا(.)1
أولً :األداء هو فعل العبادة يف وقتها املعني هلا ً
اثنيًا :اإلعادة هي فعل العبادة مرة أخرى ،وذلك لبطالهنا مثالً ،أو لغري
ذلك ،كإعادهتا لفضل اجلماعة يف الوقت(.)2
شرعا ،ال
اثلثًا :القضاء هو فعل مجيع العبادة املؤقتة بعد خروج وقتها املقدر ً
فرق يف ذلك بني املعذور – كالنائم عن الصالة واملريض يف الصوم – وغري
املعذور(.)3
انعا :األداء والقضاء جيتمعان يف الصلوات اخلمس فإهنا تؤدي يف وقتها
رً
وتقضي بعد خروجه ،وقد ينفرد األداء عن القضاء كصالة اجلمعة فإهنا تؤدي يف
ظهرا ،وقد ينفرد القضاء عن األداء كما يف
وقتها وال تقضي بعد خروجه بل تكون ً
معا يف النوافل اليت ليس
صوم احلائض فإن أداءه حرام وقضاءه واجب ،وقد ينتفيان ً
هلا أوقات معينة(.)4
املسألة السادسة
ال خصة والع مية
ويف هذه املسألة جانبان:
اجلانب األول :الع مية :وهي احلكم الثابت بدليل شرعيٍ ،
خال عن معارض
راجح .وذلك يشمل الواجب ،واملندوب ،واحملرم ،واملكروه ،واملباح ،إذ اجلميع حكم
ثبت بدليل شرعي.
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)168/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)47
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)168/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)46
( )3إال أن الفرق يتضح يف حصول اإلمث ،فاملعذور ال أيمث خبالف من ال عذر له.
انظر" :روضة الناظر" (.)169 ،168/1
( )4انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)47
322
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
واألصل هو العمل مبا ثبت ابلدليل الشرعي ،إذ ال جيوز تركه إال إذا وجد
معارض أقوى مما ثبت ابلدليل الشرعي ،فيتعني يف حالة وجود املعارض األقوى
العمل هبذا املعارض وترك ما ثبت ابلدليل الشرعي ،وهذه احلالة هي الرخصة.
فيشرتط إذن يف العمل ابلدليل الشرعي عدم املعارض الراجح له(.)1
اجلانب الثاين :ال خصة :وهي احلكم الثابت على خالف الدليل الشرعي،
ٍ
ملعارض راجح(.)2
وقد تكون الرخصة واجبة؛ كأكل امليتة للمضطر.
وقد تكون مندونة؛ كقصر املسافر الصالة عند اجلمهور إذا اجتمعت
الشروط وانتفت املوانع.
وقد تكون مباحة؛ كاجلمع بني الصالتني يف غري عرفة ومزدلفة عند
اجلمهور(.)3
وبذلك يعلم أن الرخصة ال تكون حمرمة وال مكروهة(.)4
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)172 ،171/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)476/1و"نزهة
اخلاطر العاطر" (.)172/1
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)173/1و"شرح الكوكب املنري" (.)478/1
( )3انظر املصدر السابق (.)489 ،479/1
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)481 ،480/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين
لوازم ا كر الش عب
ملا كان احلكم الشرعي ال ب ّد له من حاكر وهو هللا سبحانه
وتعاىل ،ووكوم فيه هو فعل املكلف ،ووكوم عليه وهو
املكلفَ ،حس َن مجع هذه األمور اليت ال بد للحكم منها حتت
مبحث واحد .وملا كان الكالم على احملكوم فيه واحملكوم عليه
جيمع يف الغالب حتت عنوان واحد –وهو التكليف– اقتضى املقام
ألجل ذلك تقسيم هذا املبحث إىل مطلبني:
املطلب األول :ا اكر.
املطلب الثاين :التكليف.
323
324
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب األول
ا اكر
ويف هذا املطلب مسألة واحدة وهب:
مسألة التحسني والتقبيح العقليني
325
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
326
مسألة التحسني والتقبيح العقليني
والكالم على هذه املسألة ميكن ضبطه يف النقاط التالية:
أ -املراد ابحل ْسن والقبح.
ب -األقوال يف املسألة.
جـ -أصول مهمة عند أهل السنة.
د -تفصيل مذهب أهل السنة.
ه -مذهب أهل السنة وسط بني الطرفني.
و -تنبيهات.
أ -امل اد اب ُ ْسن وال ُق ْبح:
يطلق احلسن والقبح بثالثة اعتبارات(:)1
العتبار األول :مبعىن مالءمة الطبع ومنافرته ،فما الءم الطبع فهو حسن؛
كإنقاذ الغريق ،وما ًنفر الطبع فهو قبيح؛ كاهتام الربيء.
العتبار الثاين :مبعىن الكمال والنقص ،فاحلسن :ما أشعر ابلكمال؛ كصفة
العلم ،والقبيح :ما أشعر ابلنقص؛ كصفة اجلهل.
واحلسن والقبح هبذين االعتبارين :ال خالف أهنما عقليان ،مبعىن أن العقل
يستقل إبدراكهما من غري توقف على الشرع.
والعتبار الثالث :مبعىن املدح والثواب ،والذم والعقاب.
اآليت:
واحلسن والقبح هبذا االعتبار :حمل نزاع بني الطوائف ،وذلك على النحو
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)347/11و"مفتاح دار السعادة" ( ،)44/2و"شرح
الكوكب املنري" (.)301 ،300/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
327
األقوال يف املسألة:القول األول :إثبات احلسن والقبح العقليني ،مبعىن أن العقل يدرك احلسن
والقبح ،فهو حيسن ويقبح ،وهذا مذهب املعت لة(.)1
القول الثاين :نفي احلسن والقبح العقليني ،مبعىن أن العقل ال يدرك احلسن
والقبح ،فالعقل ال حيسن وال يقبح ،وهذا مذهب األشاع ة(.)2
القول الثالث :مذهب أهل السنة ،وهم وسط بني الطرفني ،وقبل تفصيل
مذهبهم يف هذه املسألة ال بد من ذكر ٍ
أصول هلم حيتاج إىل بياهنا يف هذا املقام:
جـ -أصول مهمة عند أهل السنة:
األصل األول :أهنم يثبتون احلكمة والتعليل يف أفعال هللا سبحانه وتعاىل
وأحكامه ،فجميع األوامر والنواهي مشتملة على مصاحل العباد(.)3
قال ابن القيم" :كيف والقرآن وسنة رسول هللا مملوآن من تعليل األحكام
ابحلكم واملصاحل وتعليل اخللق هبما والتنبيه على وجود احلكم اليت ألجلها شرع تلك
األحكام ،وألجلها خلق تلك األعيان ،ولو كان هذا يف القرآن والسنة يف حنو مائة
موض ٍع أو مائتني لسقناها ،ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة.
فتارة يذكر الم التعليل الصرحية ،واترة يذكر املفعول ألجله ،الذي هو املقصود
ابلفعل ،واترة يذكر "من أجل" الصرحية يف التعليل ،واترة يذكر أداة "كي" ،واترة
يذكر "الفاء" و"إن" ،واترة يذكر أداة "لعل" املتضمنة للتعليل اجملردة عن معىن الرجاء
املضاف إىل املخلوق ،واترة ينبه على السبب بذكره صرحيًا.... ،واترة خيرب بكمال
حكمته وعلمه املقتضي أنه ال يفرق بني متماثلني وال يسوي بني خمتلفني وأنه ينزل
األشياء منازهلا ويرتبها مراتبها"(.)4
األصل الثاين :أن أفعال هللا سبحانه كلها حسنةٌ مجيلة ،ال يقبح منها
( )1انظر" :املعتمد" (.)315/2
( )2انظر" :اإلحكام" لآلمدي ( ،)79/1و"املواقف" لإلجيي (.)323
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)300/17 ،434/8و"شفاء العليل" البن القيم (.)190
(" )4مفتاح دار السعادة" ( .)23 ،22/2وانظر األمثلة على ما تقدم (ص)201 -199
من هذا الكتاب.
328
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ِ
َح َس َن ُك َّل َش ْب ٍء َخلَ َقهُ[ السجدة.]7 :
شيء ،قال تعاىل :الَّذي أ ْ
وقال « :إن هللا مجيل حيب اجلمال»( ،)1فأفعال هللا إذن مباينة ألفعال
متاما(.)2
املخلوقني ً
األصل الثالث :أهنم يصفون هللا سبحانه مبا وصف به نفسه وما وصفه به
رسوله من غري حتريف وال تعطيل وال تكييف وال متثيل ،فال جيوز نفي ما أثبته هللا
لنفسه من الصفات ،وال أن متثل صفاته بصفات املخلوقني ،وال أفعاله سبحانه
أبفعال املخلوقني(.)3
األصل ال انع :أهنم ال يوجبون على هللا شيئًا إال ما أوجبه سبحانه على
َل َع َّما يَـ ْف َع ُل َو ُه ْر يُ ْسأَلُو َن
نفسه تفضالً منه
وتكرما ،كما قال تعاىل :ل يُ ْسأ ُ
ً
[األنبياء.]23 :
قال ابن تيمية" :وأما اإلجياب عليه سبحانه وتعاىل والتحرمي ابلقياس على
خلقه ،فهذا قول القدرية ،وهو قول مبتدع خمالف لصحيح املنقول وصريح املعقول،
وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه ،وأنه ما شاء
كان وما مل يشأ مل يكن ،وأن العباد ال يوجبون عليه شيئًا"(.)4
أحدا إال بعد إقامة
األصل اخلامق :أن هللا سبحانه وتعاىل ال يعذب ً
()5
ِ
ث َر ُسول
ني َح َّىت نَـ ْبـ َع َ
احلجة عليه برسله وكتبه ،قال تعاىلَ :وَما ُكنَّا ُم َعذنِ َ
َّاي علَى ِ
ِ
[اإلسراء ،]15 :وقال تعاىل :رسال مب ِش ِين وم ْن ِذ ِر ِ
هللا
ين لئَال يَ ُكو َن للن ِ َ
ُ ُ َُ َ َ ُ َ
ُح َّجةٌ نَـ ْع َد ال ُّ ُس ِل[ النساء.]165 :
وقال « :ول أحد أحب إليه العذر من هللا ،ومن أجل لك نعث
املبش ين واملنذرين»(.)6
( )1رواه مسلم (.)88/2
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (.)353 ،351/11
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)432/8و"شرح العقيدة الطحاوية" (.)144 ،143 ،99
(" )4اقتضاء الصراط املستقيم" (.)776/2
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)435/8و"طريق اهلجرتني" (.)414 – 411
( )6رواه البخاري هبذا اللفظ )399/13( :برقم ( ،)7416ومسلم ( )78/17وانظر
(ص ،)342وما بعدها من هذا الكتاب فيما يتعلق هبذا األصل.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
329
األصل السادي :أن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر يف الفطر والعقول
–ومن ذلك حتسني احلسن واألمر به ،وتقبيح القبيح والنهي عنه– فال تعارض بني
الشرع والعقل ،أَل يـعلَر من َخلَ َق وهو ِ
يف ْ
اخلَبِ ُْي[ امللك.]14 :
اللط ُ
َْ ُ َ ْ
َ َُ
قال ابن القيم" :وأنه [أي الشرع] مل جيئ مبا خيالف العقل والفطرة ،وإن جاء
مبا يعجز العقول عن أحواله واالستقالل به ،فالشرائع جاءت مبحارات( )1العقول ال
حماالهتا ،وفرق بني ما ال تدرك العقول حسنه وبني ما تشهد بقبحه ،فاألول مما أييت
به الرسل دون الثاين"(.)2
األصل السانع :أن العقل ال مدخل له يف إثبات األحكام الشرعية ،وال
يف تعلق املدح والذم ابألفعال عاجالً أو تعلق الثواب والعقاب هبا آجالً ،وإمنا طريق
ذلك السمع اجملرد(.)3
د -تفصيل مذهب أهل السنة:
()4
ميكن إيضاح مذهب أهل السنة يف هذه املسألة وأدلتهم عليه يف ثالث نقاط :
-1أن ا سن والقبح صفاي اثنتة ل فعال ،وهذا الثبوت قد يكون
بطريق العقل ،وقد يكون بطريق الفط ة ،وقد يكون بطريق الش ع ،فالعقل والفطرة
أيضا حيسن
حيسنان ويقبحان ،وال ميكن أن أييت الشرع على خالف ذلك ،والشرع ً
ويقبح فكل ما أمر به الشرع فهو حسن ،وكل ما هنى عنه فهو قبيح .فثبت إذن أن
احلسن والقبح قد يعرفان ابلعقل ،وقد يعرفان ابلفطرة ،وقد يعرفان ابلشرع.
-2أن ما أدرك العقل أو الفطرة حسنه أو قبحه فحكمته معلومة لدينا وال
شك ،أما ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقد تغيب حكمته وعلته عن عقولنا
القاصرة ،ولكن األمر الذي ال شك فيه أن مجيع ما حسنه الش ع أو قبحه له علة
وحكمة يعلمها هللا – والواجب التسليم لشرع هللا – فإن من صفاته العلم
( )1يف األصل" :مبجازات" وهو حمتمل.
(" )2مفتاح دار السعادة" (.)59/2
( )3انظر املصدر السابق ( .)44/2وانظر (ص ،)355وما بعدها من هذا الكتاب فيما
يتعلق هبذا األصل.
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)431 ،428 ،90/8و"مفتاح دار السعادة" (،12 ،7/2
،)59 ،57 ،43و"احلكمة والتعليل يف أفعال هللا" (.)91 – 89
330
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أيضا أنه ال جيوز عليه سبحانه أن أيمر ابلظلم وينهي عن
واحلكمة ،وهذا يقتضي ً
العدل ،لكمال حكمته سبحانه.
-3أن ما عرف حسنه وقبحه بطريق العقل والفطرة ل يرتتب عليه مدح
ول م ،ول ثوا ول عقا ما مل ِ
أتي نه ال سل؛ ألن الدليل الشرعي إمنا أثبت
املدح والذم والثواب والعقاب على من قامت عليهم احلجة ابلرسل والكتب ،فاملدح
والذم والثواب والعقاب إمنا يرتتب على ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقط.
وهبذا التفصيل يتبني لنا أن مذهب أهل السنة وسط بني الطرفني ،وبيان ذلك
كاآليت:
ه -مذهب أهل السنة وسط نني الط فني(:)1
ذلك أن املعت لة الذين أثبتوا التحسني والتقبيح العقليني ارتكبوا عدة حماذير
عندما قالوا :إن العقل حيسن ويقبح:
قاطعا،
احملذور األول :أهنم جمدوا العقل وجعلوا ما أدركته عقوهلم أصالً ً
فاحلسن ما حسنته عقوهلم والقبيح ما قبحته عقوهلم ،والشرع عندهم إمنا هو كاشف
عن حكم العقل.
واحملذور الثاين :أهنم رتبوا على حتسني العقل وتقبيحه أن أوجبوا على هللا فعل
األصلح ،وهو األمر مبا حسنته عقوهلم والنهي عما قبحته.
واحملذور الثالث :أهنم رتبوا على حتسني العقل :املدح والثواب ،وعلى
تقبيحه :الذم والعقاب ،ومعلوم أن املدح والذم والثواب والعقاب مما ال يدرك إال
ابلسمع اجملرد.
واحملذور ال انع :أهنم شبهوا هللا سبحانه وتعاىل خبلقه ،وذلك أهنم قالوا :ما
َحس َن من املخلوق َحس َن من اخلالق ،وما قَـب َح من املخلوق قَـب َح من اخلالق ،ومن
أيضا تشبيه هللا
املعلوم أنه سبحانه لكمال حكمته ال يقبح منه شيء ً
أبدا ،وال جيوز ً
خبلقه ،ال يف صفاته ،وال يف أمسائه ،وال يف أفعاله.
ومن جهة أخرى جند أن األشاع ة الذين نفوا التحسني والتقبيح العقليني
ارتكبوا عدة حماذير عندما صاروا إىل ذلك:
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)431/8و"مفتاح دار السعادة" (.)59 ،57 ،7/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
331
احملذور األول :أهنم خالفوا بداهة العقل والفطرة السليمة ،ذلك أهنم قالوا
ابستواء األفعال حسنها وقبيحها ،فال فرق عندهم بني الظلم والفواحش وبني العدل
واإلحسان ،بل قالوا :إنه جيوز أن أيمر هللا ابلشرك وينهي عن التوحيد ،ومعلوم أن
الشرع موافق للفطرة والعقل ،وال ميكن أن يستقر يف العقول والفطر ما يناقض
الشرع ،فالعقل يدرك حسن عبادة هللا وحده وقبح عبادة ما سواه.
واحملذور الثاين :أهنم نفوا عن هللا احلكمة والتعليل يف أفعاله ،إذ قالوا :إن هللا أيمر
وينهى ال حلكمة ،وال خيلق هللا شيئًا حلكمة لكن نفس املشيئة أوجبت وقوع ما وقع ،فهم
ال يثبتون إال حمض اإلرادة ،وهذا مما علم بطالنه أبدلة الكتاب والسنة وإمجاع سلف
أيضا للمعقول الصريح( ،)1فإن هللا وصف نفسه ابحلكمة يف غري موضع،
األمة ،وخمالف ً
ونزه نفسه عن الفحشاء ،فقال :إِ َّن هللاَ ل َأي ُْم ُ ِابلَْف ْح َش ِاء[ األعراف ،]28 :ونزه نفسه
عن التسوية بني اخلري والشر ،فقال تعاىل :أَفَـنَ ْج َع ُل ال ُْم ْسِل ِم َني َكال ُْم ْج ِِم َني[ القلم:
،]35وقال :أ َْم ََْن َع ُل ال ُْمت َِّق َني َكالُْف َّجا ِر[ ص.]28 :
واحملذور الثالث :أهنم جعلوا انتفاء العذاب قبل بعثه الرسل دليالً على انتفاء
التحسني والتقبيح العقليني واستواء األفعال يف أنفسها ،ومعلوم أنه ال يلزم من إثبات
التحسني والتقبيح العقليني إثبات الثواب والعقاب؛ ألن الثواب والعقاب من األمور
اليت ال تثبت إال ابلسمع اجملرد.
أمـا أهل السنة فقـد توسـطوا بـني الطـرفني ومل يرتكبـوا شـيئًا مـن احملـاذير الـيت وقـع
فيها الفريقان ،فإهنم :أثبتـوا مـا أثبتـه هللا لنفسـه مـن احلكمـة والتعليـل ونزهـوا هللا سـبحانه
وتعــاىل ع ــن أن أيم ــر ابلقبــائح والنق ــائص لكم ــال حكمتــه وعلم ــه وعدل ــه ،ول ــذلك ال
ميكن أن جييء الشرع عندهم مبا خيالف العقل والفطرة ،وإن جاء مبا يعجز العقل
أيضا أثبـت أهـل السـنة حتسـني العقـل وتقبيحـه ،لكـن
عن فهمه وإدراكه ،ولذلك ً
ال يرتتب عندهم على ذلك مدح وال ذم ،وال ثواب وال عقاب؛ ألن ترتيب ذلك
مما ال يثبت ابلعقل ،وإمنا يستقل السمع اجملرد يف إثباته.
و -تنبيهاي:
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)434/8
332
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1بين على مسألة التحسني والتقبيح العقليني مسألة :شك املنعر ،هل
مسعا أو عقالً؟
هو واجب ً
فمن قال :إن العقل حيسن ويقبح قال :إن شكر املنعم واجب عقالً ،وهؤالء
هم املعت لة.
مسعا ال عقالً
ومن نفى كون العقل حيسن ويقبح قال :إن شكر املنعم واجب ً
وهؤالء هم األشاع ة.
أما أهل السنة فعندهم أن شكر املنعم واجب ابلسمع والعقل والفطرة(.)1
-2كثر اخللط بني مذهب أهل السنة ومذهب األشاعرة يف مسألة
التحسني والتقبيح العقليني ،وكذلك يف مسألة شكر املنعم ،بل جعل البعض
احدا ،فقال :إن أهل السنة واألشاع ة متفقون على أن العقل ل
املذهبني مذهبًا و ً
حيسن ول يقبح.
وهذا خلط عظير( ،)2سببه :اتفاق الفريقني يف بعض اجلوانب؛ إذ الكل
متفق على إثبات أن الشرع حيسن ويقبح ،ويوجب وحيرم ،وأن الثواب والعقاب
واملدح والذم ال يعرف ابلعقل ،وإمنا يعرف ذلك ابلشرع وحده ،ويف حقيقة األمر
دورا
جند أن هناك جوانب أخرى يف املسألة اختلفوا فيها ،فأهل السنة يثبتون للعقل ً
ِ
أيضا
متاما ،وأهل السنة ً
يف التحسني والتقبيح بينما ينكر األشاع ة دور العقل ً
يثبتون هلل احلكمة والتعليل يف أفعاله ،بينما ينفي ِ
األشاع ة ذلك ،إىل غري ذلك من
األمور اليت سبق بياهنا يف النقاط السابقة.
وبذلك يتبني تباعد الفريقني وافرتاق املذهبني.
-3ميكن إرجاع اخلالف يف هذه املسألة إىل اللف إذا فسر احلسن بكون
منافرا له ،أو فسر
الفعل ً
مالئما له ،والقبح بكون الفعل ً
ًنفعا للفاعل ً
ضارا للفاعل ً
( )1انظر" :مفتاح دار السعادة" (.)8/2
( )2انظر يف هذا اخللط على سبيل املثال" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)56 ،55و"املسودة"
( .)473وانظر لالعتذار هلم ما سيأيت يف فقرة رقم ( )5من هذه التنبيهات.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
333
احلسن مبعىن الكمال ،والقبح مبعىن النقص .وذلك أبن يعطى هذا املعىن حقه وتلتزم
لوازمه.
إذ اجلميع متفق على أن احلسن والقبح هبذين املعنيني عقليان ،مبعىن أن العقل
ميكنه معرفة ما يالئم الطبع وما ينافره ،وما هو صفة كمال أو نقص ،إذ يلزم من
املالئمة واملنافرة الكمال والنقص ،وال شك أن املدح والذم مرتب على احلب
والبغض املستلزم للكمال والنقص(.)1
قال ابن القيم......" :قال هؤالء :فيطلق احلسن والقبح مبعىن املالءمة
واملنافرة ،وهو عقلي ،ومبعىن الكمال والنقصان ،وهو عقلي ،ومبعىن استلزامه للثواب
والعقاب وهو حمل النزاع ،وهذا التفصيل لو أعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع
الفعل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثبات تعلق
وأعاد املسألة اتفاقية ،وأن كون ْ
املالءمة واملنافرة ،ألن الكمال حمبوب للعامل والنقص مبغوض له ،وال معىن للمالءمة
واملنافرة إال احلب والبغض......وهللا سبحانه حيب كل ما أمر به ،ويبغض كل ما
نَـ َهى عنه...... ،فأما املدح والذم فرتتبه على النقصان والكمال املتصف به وذمهم
ملؤثر النقص واملتصف به أمر عقلي فطري وإنكاره يزاحم املكابرة.)2(".....
-4بين على مسألة التحسني والتقبيح العقليني مسألة حكم األعيان املنتفع
هبا قبل ورود الشرع ،وقد سبق الكالم على هذه املسألة يف مسائل املباح(.)3
-5إثبات حتسني العقل وتقبيحه وأن العقل حيسن ويقبح أو نفي ذلك
حيتاج إىل تفصيل؛ إذ إن ذلك من األلفاظ اجململة اليت ال جيوز إطالقها دون تقييد
أو بيان ،والتفصيل يف ذلك أن يقال:
إن أريد إبثبات حتسني العقل وتقبيحه ترتيب الثواب والعقاب عليه فالصوا
نفيه ،وإن أريد إبثباته أن العقل يدرك حسن احلَ َسن وقـْبح القبيح من غري ترتيب
ثو ٍ
اب وال عقاب على ذلك فالصواب إثباته.
ولعل هذا التفصيل هو مراد بعض من نَـ َفى أو أثبت التحسني والتقبيح
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)90/8و"مفتاح دار السعادة" (.)44/2
(" )2مفتاح دار السعادة" (.)44/2
( )3انظر (ص )310من هذا الكتاب.
334
العقليني مطل ًقا دون تفصيل أو تقييد.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب الثاين
التكليف
ويف هذا املطلب ثالث مسائل:
املسألة األوىل :تعريف التكليف.
املسألة الثانية :شروط التكليف العائدة إىل الفعل.
املسألة الثالثة :شروط التكليف العائدة إىل املكلف.
335
336
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف التكليف
التكليف لغة :إلزام ما فيه كلفة ،والكلفة هي املشقة(.)1
واصطالحا" :إلزام مقتضى خطاب الشرع"(.)2
ً
()3
واملراد مبقتضى خطاب الشرع :األمر والنهي واإلابحة .
فبهذا التعريف تدخل اإلابحة يف التكليف ،وال تدخل اإلابحة يف التكليف
عند من عرف التكليف أبنه "اخلطاب أبمر أو هني"(.)4
املسألة الثانية
ش وط التكليف العائدة إىل الفعل
يشرتط يف الفعل املكلف به ثالثة شروط:
معدوما ،وذلك ألن التكليف بتحصيل
الش ط األول :أن يكون الفعل
ً
املوجود حتصيل حاصل وهو حمال .وتوضيح هذا الشرط أن الصالة املأمور هبا وقت
الطلب ال بد أن تكون غري موجودة ،واملكلف ملزم إبجيادها على الوجه املطلوب،
أما املوجود احلاصل فال يصح التكليف به ،كما لو صلى ظهر هذا اليوم بعينه صالة
اتمة من كل جهاهتا ،فال ميكن أمره إبجياد تلك الصالة بعينها اليت أداها على الوجه
الكامل؛ ألن األمر بتحصيلها معناه أهنا غري حاصلة ،والغرض أهنا حاصلة فيكون
تناقضا(.)5
ً
معلوما لدي املكلف معروفًا عنده ،ليتصور
الش ط الثاين :أن يكون الفعل
ً
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)538 ،537
(" )2املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" ( .)58وانظر" :نزهة اخلاطر العاطر" (.)136/1
( )3انظر" :املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" (.)58
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)136/1و"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" ( ،)58و"نزهة
اخلاطر العاطر" ( ،)136/1وانظر (ص )307من هذا الكتاب.
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)150/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)35 ،30
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
337
قصده إليه( .)1وذلك مثل" :املأمور ابلصالة جيب عليه أوالً أن يعلم حقيقتها ،وأهنا
مجلة أفعال من قيام وركوع وسجود وجلوس يتخللها أذكار خمصوصة ،مفتتحة
ابلتكبري خمتتمة ابلتسليم حىت يصح قصده هلذه األفعال ويشرع فيها شيئًا بعد شيء.
فلو مل يعلم ما حقيقة الصالة مل يدر يف أي فعل يشرع من أنواع األفعال ،فيكون
تكليفه بفعل ما مل يعلم حقيقته تكلي ًفا مبا ال يطاق"(.)2
شرعا
الش ط الثالث :أن يكون الفعل ممكنًا،
ومقدورا عليه؛ ألن املطلوب ً
ً
حصول الفعل ،وال ميكن حصوله إال أبن يكون متصور الوقوع ،أما احملال فال
يتصور وقوعه(.)3
هذه هي شروط الفعل املكلف به من حيث اجلملة ،وهناك تفاصيل هلذه
الشروط ميكن إيضاحها يف النقاط اآلتية:
-1التكليف مبا ل يطاق ،أو التكليف ابحملال ،قسمان(:)4
أ -املستحيل لذاته :كاجلمع بني الضدين ،وهذا غري واقع يف الشريعة ،وال
ف هللاُ نَـ ْف ًسا إِل ُو ْس َع َها[ البقرة:
إمجاعا؛ لقوله تعاىل :ل يُ َكلِ ُ
جيوز التكليف به ً
ق إِل ُو ْس َع َها[ البقرة.]233 :
،]286وقوله :ل تُ َكلَّ ُ
ف نَـ ْف ٌ
ب -املستحيل ال لذاته :بل لتعلق علم هللا أبنه ال يوجد ،وذلك كإميان أيب هلب
فإن إميانه ابلنظر إىل جمرد ذاته جائز عقالً اجلواز الذايت؛ ألن العقل يقبل وجوده وعدمه،
شرعا تكليفه ابإلميان مع أنه مكلف به
ولو كان إميانه مستحيالً عقالً لذاته الستحال ً
إمجاعا .ولكن هذا اجلائز عقالً الذايت مستحيل من جهة أخرى ،وهي من حيث
قطعا ً
ً
تعلق علم هللا فيما سبق أنه ال يؤمن الستحالة تغري ما سبق به العلم األزيل .وهذا النوع
شرعا وهو واقع إبمجاع املسلمني.
من املستحيل جيوز التكليف به ً
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)149/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)490/1و"مذكرة
الشنقيطي" (.)34
(" )2نزهة اخلاطر العاطر" (.)149/1
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)154 ،150/1و"شرح الكوكب املنري" ( ،)484/1و"نزهة
اخلاطر العاطر" (.)150
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)479 ،301 ،295/8و"مذكرة الشنقيطي" (.)37
338
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-2بناءً على هذا التفصيل يف التكليف مبا ال يطاق فإنه ال جيوز إطالق
القول يف حكم التكليف مبا ال يطاق ابجلواز أو املنع ،ألن لف "التكليف مبا ل
يطاق" من األلفاظ اجململة ،إذ هو مشتمل على املعنيني املذكورين؛ أحدمها حق
اثبت وهو املستحيل ال لذاته بل لتعلق علم هللا أبنه ال يوجد ،واألخ ابطل ال
يثبت يف هذه الشريعة وهو املستحيل لذاته(.)1
أيضا من وجه آخر ،هذا بيانه:
والتكليف مبا ال يطاق جممل ً
-3لف القدرة والستطاعة والطاقة :من األلفاظ املُجملة؛ ألن لفظ
القدرة يتناول نوعني:
أ -القدرة الشرعية املصححة للفعل ،اليت هي مناط األمر والنهي ،وهي
املذكورة يف قوله تعاىل :وَِِّ
َّاي ِح ُّج الْبـ ْي ِ
َّلل َعلَى الن ِ
اع إِلَْي ِه َسبِيال
استَطَ َ
ت َم ِن ْ
َ
َ
استَطَ ْعتُ ْر[ التغابن.]16 :
[آل عمران ،]97 :وقوله :فَاتَّـ ُقوا هللاَ َما ْ
ب -القدرة القدرية املوجبة للفعل ،املقرتنة به ،احملققة له ،اليت هي مناط
الس ْم َع َوَما َكانُوا
القضاء والقدر ،وهي املذكورة يف قوله تعاىلَ :ما َكانُوا يَ ْستَ ِط ُيعو َن َّ
َّ ِ
ِ
ت أَ ْعيُـنُـ ُه ْر ِيف ِغطَ ٍاء َع ْن ِ ْك ِي َوَكانُوا ل
ين َكانَ ْ
يُـ ْبص ُو َن[ هود ،]20 :وقوله :الذ َ
يَ ْستَ ِط ُيعو َن ْسَْ ًعا[ الكهف.)2(]101 :
قال ابن تيمية " :وعلى هذا تتفرع مسألة تكليف ما ال يطاق ،فإن الطاقة هي
االستطاعة ،وهي لفظ جممل ،فاالستطاعة الشرعية اليت هي مناط األمر والنهي مل يكلف
أحدا شيئًا بدوهنا ،فال يكلف ما ال يطاق هبذا التفسري .وأما الطاقة اليت ال تكون إال
هللا ً
مقارنة للفعل؛ فجميع األمر والنهي تكليف ما ال يطاق هبذا االعتبار ،فإن هذه ليست
مشروطة يف شيء من األمر والنهي ابتفاق املسلمني"(.)3
-4هل القدرة متقدمة على الفعل أو هب مقارنة له؟
الصواب يف ذلك أن القدرة نوعان:
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)295 ،294/8
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)373 ،372 ،291 ،290/8و"شرح العقيدة الطحاوية"
(.)488
(" )3جمموع الفتاوى" (.)130/8
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
339
أ -القدرة الشرعية :فهذه تتقدم الفعل ،وهي صاحلة للضدين ،مبعىن أهنا قد
توجد ويوجد معها الفعل ،وقد توجد وال يوجد معها الفعل.
ب -أما القدرة القدرية :فهذه مقارنة للفعل ل تكون إل معه(.)1
قال ابن تيمية" :ومن مواقع الشبهة ومثارات الغلط تنازع الناس يف القدرة هل
جيب أن تكون مقارنة للفعل؟ أو جيب أن تكون متقدمة عليه؟
والتحقيق الذي عليه أئمة الفقهاء:
أن االستطاعة املشروطة يف األمر والنهي ....ال جيب أن تقارن الفعل ،فإن
هللا إمنا أوجب احلج على من استطاعه ،فمن مل حيج من هؤالء كان عاصيًا ابتفاق
املسلمني ،ومل يوجد يف حقه استطاعة مقارنة ،وكذلك سائر من عصى هللا من
املأمورين املنهيني وجد يف حقه االستطاعة املشروطة يف األمر والنهي .وأما املقارنة
فإمنا توجد يف حق من فعل.)2("....
-5هل تشرتط القدرة يف التكليف؟
لعل اجلواب على ذلك تبني مما مضى ،وهو أن القدرة الش عية ل ند منها
يف التكليف ،وذلك مثل اشرتاط االستطاعة يف احلج ،فهذه استطاعة شرعية تشرتط
يف وجوب احلج ،فمن كانت لديه هذه االستطاعة وجب عليه احلج ،ومن مل توجد
عنده هذه االستطاعة مل جيب عليه احلج.
أما القدرة القدرية فإهنا ل تشرتط يف التكليف وذلك مثل العصاة والكفار
التاركني ملا أمر هللا به ،فإن هؤالء لرتكهم ما وجب عليهم مل حتصل هلم القدرة
القدرية ،ومع ذلك فهم مكلفون مبا فرض عليهم ،فحصول القدرة األوىل ٍ
كاف يف
التكليف ،أما حصول القدرة الثانية فال يشرتط يف التكليف(.)3
-6من األدلة على اشرتاط الستطاعة والقدرة –الش عيتني– يف مجيع
التكاليف ما ذكره ابن تيمية وقرره يف غري موضع ،قال رمحه هللا:
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)441/8و"شرح العقيدة الطحاوية" (.)488
(" )2جمموع الفتاوى" (.)441/8
( )3انظر املصدر السابق ( ،)373 ،291 ،290 ،130/8و"شرح العقيدة الطحاوية"
(.)429
340
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
" .....والشريعة طافحة أبن األفعال املأمور هبا مشروطة ابالستطاعة والقدرة،
()1
قائما ،فإن مل تستطع فقاع ًدا،
كما قال النيب لعمران
بن)2احلصني « :صل ً
(
فإن مل تستطع فعلى جنب» ،وقد اتفق املسلمون على أن املصلي إذا عجز عن
بعض واجباهتا؛ كالقيام أو القراءة أو الركوع أو السجود أو سرت العورة أو استقبال
القبلة أو غري ذلك سقط عنه ما عجز عنه ،وإمنا جيب عليه ما إذا أراد فعله إرادة
جازمة أمكنه فعله .وكذلك الصيام اتفقوا على أنه يسقط ابلعجز عن مثل الشيخ
الكبري والعجوز الكبرية ،الذين يعجزون عن أداء وقضاء ،وإمنا تنازعوا هل على مثل
ذلك الفدية ابإلطعام؟ .....وكذلك احلج فإهنم أمجعوا على أنه ال جيب على العاجز
عنه ،وقد قال تعاىل :وَِِّ
َّاي ِح ُّج الْبـ ْي ِ
َّلل َعلَى الن ِ
اع إِلَْي ِه َسبِيال[ آل
استَطَ َ
ت َم ِن ْ
َ
َ
عمران .]97 :بل مما ينبغي أن يعرف أن االستطاعة الشرعية املشروطة يف األمر
ِ
قادرا
والنهي مل يكتف الشارع فيها مبجرد املكنة ولو مع الضرر ،بل مىت كان العبد ً
على الفعل مع ضرر يلحقه جعل كالعاجز يف مواضع كثرية من الشريعة :كالتطهر
ابملاء ،والصيام يف املرض ،والقيام يف الصالة ،وغري ذلك حتقي ًقا لقوله تعاىل :يُ ِي ُد
هللاُ نِ ُك ُر الْيُ ْس َ َول يُ ِي ُد نِ ُك ُر ال ُْع ْس َ [ البقرة ...]185 :فمن قال :إن هللا أمر العباد
مبا يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على هللا ورسوله ،وهو من املفرتين
َّ ِ
ب ِم ْن َرهبِِ ْر َوِ لَّةٌ ِيف ا َْيَ ِاة
ين َّاَتَ ُذوا ال ِْع ْج َل َسيَـنَا ُهلُ ْر غَ َ
ضٌ
الذين قال هللا فيهم :إِ َّن الذ َ
ُّ
ين[ األعراف.)3(]152 :
الدنْـيَا َوَك َذلِ َ
ك ََْن ِي ال ُْم ْف َِرت َ
أيضا" :واتفقوا على أن العبادات ال جتب إال على مستطيع ،وأن
وقال ً
مستطيعا مع معصيته وعدم فعله ،كمن استطاع ما أمر به من
املستطيع يكون
ً
الصالة والزكاة والصيام واحلج ومل يفعله ،فإنه مستطيع ابتفاق سلف األمة وأئمتها
وهو مستحق للعقاب على ترك املأمور الذي استطاعه ومل يفعله ال على ترك ما
( )1هو :عمران بن حصني بن عبيد بن خلف اخلزاعي ،صحايب أسلم عام خيرب ،نزل البصرة
وكان قاضيًا هبا ،وتويف هبا سنة (52ه) .انظر" :هتذيب األمساء واللغات"
( ،)35/2و"اإلصابة يف متييز الصحابة" (.)27/3
( )2رواه البخاري ( )587/2برقم (.)1117
(" )3جمموع الفتاوى" (.)440 ،139 ،438/8
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
341
مل يستطيعه"(.)1
-7القدرة والستطاعة من األلفاظ اجململة كما تقدم ،لكن غلب على
الفقهاء يف إطالقاهتر استعمال القدرة الش عية ل الكونية.
قال ابن تيمية" :فاألوىل هي الشرعية اليت هي مناط األمر والنهي والثواب
والعقاب ،وعليها يتكلم الفقهاء وهي الغالبة يف عرف الناس"(.)2
-8األفعال اليت يكلف هبا اإلنسان ل َت ج عن أرنعة أقسام(:)3
األول :الفعل الص يح كالصالة.
الثاين :فعل اللسان ،وهو القول ،والدليل على أن القول فعل قوله تعاىل:
ُ ز ْخ َ ِ
ورا َولَ ْو َش َاء َرنُّ َك َما فَـ َعلُوهُ[ األنعام.]112 :
ف الْ َق ْول غُ ُ ً
ُ
الثالث :الرتك .والتحقيق أنه فعل ،وهو :كف النفس وصرفها عن املنهي
عنه ،خالفًا ملن زعم أن الرتك أمر عدمي ال وجود له ،والعدم عبارة عن ال شيء،
اه ْو َن َع ْن ُم ْن َك ٍ
والدليل على أن الرتك فعل :من القرآن قوله تعاىلَ :كانُوا ل يَـتَـنَ َ
ِ
ق َما َكانُوا يَـ ْف َعلُو َن[ املائدة ،]79 :فسمى هللا عدم تناهيهم عن املنكر
فَـ َعلُوهُ لَب ْئ َ
ِ
ق َما َكانُوا يَـ ْف َعلُو َن ،ومن السنة
فعالً وذمهم على هذا الفعل فقال سبحانه :لَب ْئ َ
قوله « :املسلر من سلر املسلمون من لسانه ويده»( .)4فسمى ترك األذى
إسالما وهو يدل على أن الرتك فعل.
ً
ال انع :الع م املصمر على الفعل .والدليل على أنه فعل قوله « :إ ا
التقى املسلمان نسيفيهما فالقاتل واملقتول يف النار» ،قيل اي رسول هللا هذا
يصا على قتل صاحبه»( .)5فاحلديث
القاتل فما ابل املقتول؟ قال« :إنه كان ح ً
()6
يدل على أن عزم املقتول املصمم على قتل صاحبه فعل ،دخل بسببه النار .
(" )1جمموع الفتاوى" (.)480 ،479/8
(" )2جمموع الفتاوى" (.)373/8
( )3انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)39 ،38
( )4رواه البخاري ( )53/1برقم ( ،)10ومسلم (.)10/2
( )5رواه البخاري ( )84/1برقم ( ،)31ومسلم (.)10/18
عزما واقرتن به قول أو فعل لكنه عجز
( )6وبذلك يعلم أن العبد ال يؤاخذ ابهلم إال إذا صار ً
=
342
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-9ل يثبت حكر اخلطا إل نعد البالغ ،ول يقوم التكليف مع اجلهـل
وعدم العلر(.)1
قال ابن تيمية:
أحدا إال بعد إبالغ
أيضا فإن الكتاب والسنة قد دال على أن هللا ال يعذب ً
"و ً
أسا ،ومن بلغته مجلة دون بعض التفصيل مل
الرسالة ،فمن مل تبلغه مجلة مل يعذبه ر
ً
يعذبه إال على إنكار ما قامت عليه احلجة الرسالية"(.)2
وقد ك انن تيمية األدلة على لك من الكتا والسنة( ،)3فمن ذلك:
ِ
ث َر ُسول[ اإلسراء.]15 :
ني َح َّىت نَـ ْبـ َع َ
أولً :قوله تعاىلَ :وَما ُكنَّا ُم َعذنِ َ
َّاي علَى ِ
ِ
ِ
هللا ُح َّجةٌ نَـ ْع َد ال ُّ ُس ِل[ النساء:
اثنيًا :قوله تعاىل :لئَال يَ ُكو َن للن ِ َ
.]165
ث ِيف أ ُِم َها َر ُسول يَـ ْتـلُو
ك الْ ُق َى َح َّىت يَـ ْبـ َع َ
ك ُم ْهلِ َ
اثلثًا :قوله تعاىلَ :وَما َكا َن َرنُّ َ
آَيتِنَا[القصص.]59 :
َعلَْي ِه ْر َ
انعا :حديث املسيء صالته( ،)4ووجه الداللة منه أنه علمه الصالة
رً
اجملزية ومل أيمره إبعادة ما صلى قبل ذلك مع قول الرجل :ما أحسن غري هذا ،وإمنا
أمره أن يعيد تلك الصالة ،ألن وقتها ٍ
ابق فهو خماطب هبا.
قال ابن تيمية" :فهذا املسيء اجلاهل إذا علم بوجوب الطمأنينة يف أثناء
ٍ
حينئذ ،ومل جتب عليه قبل ذلك ،فلهذا أمره
الوقت فوجبت عليه الطمأنينة
()5
ابلطمأنينة يف صالة ذلك الوقت دون ما قبلها" .
خامس ـ ــا :ح ـ ــديث امل ـ ـرأة املستحاض ـ ــة( )6ال ـ ــيت قال ـ ــت :إين ام ـ ـرأة أس ـ ــتحاض
ً
=
عن إمتام مراده بعد سعي منه واجتهاد ،وهذا ما دل عليه احلديث السابق.
انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)123 – 120/14ولالستزادة انظر املصدر السابق (720/10
– .)769
( )1وهذا عام ألصول الدين وفروعه .انظر (ص )491 -488من هذا الكتاب.
(" )2جمموع الفتاوى" (.)493/12
( )3انظر املصدر السابق ( )41/22وما بعدها.
( )4احلديث رواه البخاري ( )237/2برقم ( ،)757ومسلم (.)105/4
(" )5جمموع الفتاوى" (.)44/22
( )6وهي :محنة بنت جحش ،واحلديث أخرجه أبو داود ( )76/1برقم ( ،)287وابن ماجه
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
343
حيضة كثرية شديدة فما ترى فيها قد منعتين من الصالة والصوم؟ فأمرها ابلصالة
زمن االستحاضة ومل أيمرها ابلقضاء.
سادسا :أن بعض الصحابة قال :اي رسول هللا ما اخليط األبيض من اخليط
ً
األسود؟ أمها اخليطان؟ قال« :إنك لع يض القفا إن أنص ي اخليطني» ،مث قال:
«ل ،نل هو سواد الليل ونياض النهار»( .)1ومل أيمره ابإلعادة.
آاثرا ترتتب على لك
-10إ ا ثبت أن اجلهل عذر ش عب ،فإن هناك ً
منها:
أ -أنه ال جيوز تكفري اجلاهل الذي مل تبلغه الرسالة ،وال تفسيقه.
ب -أن اجلاهل ال حيكم عليه بدخول النار فضالً عن اخللود فيها.
جـ -أنه يسقط عن اجلاهل القضاء واإلعادة إذا انقضى وقت اخلطاب.
وإليك فيما أييت شذرات من كالم ابن تيمية تقرر ذلك وتؤيده ابألدلة
والشواهد:
قال رمحه هللا« :وإذا تبني هذا فمن ترك بعض اإلميان الواجب لعجزه عنه ،إما
مأمورا
لعدم متكنه من العلم :مثل أال تبلغه الرسالة ،أو لعدم متكنه من العمل مل يكن ً
مبا يعجز عنه ،ومل يكن ذلك من اإلميان والدين الواجب يف حقه ،وإن كان من
الدين واإلميان الواجب يف األصل ،مبنزلة صالة املريض واخلائف واملستحاضة وسائر
أهل األعذار الذين يعجزون عن إمتام الصالة ،فإن صالهتم صحيحة حبسب ما
قدروا عليه ،وبه أمروا إذ ذاك ،وإن كانت صالة القادر على اإلمتام أكمل وأفضل
كما قال النيب « :املؤمن القوي خْي وأحب إىل هللا من املؤمن الضعيف ويف
()2
علما
كل خْي» )3(.....ولو أمكنه العلم به دون العمل لوجب اإلميان بهً ،
اعتقادا دون العمل» .
و ً
=
( )205/1برقم ( ،)627والرتمذي ( )221/1برقم ( )128وقال" :هذا حديث حسن
صحيح ،وكذا قال اإلمام أمحد".
( )1رواه البخاري ( )182/8برقم ( ،)4510 ،4509ومسلم (.)200/7
( )2رواه مسلم (.)215/16
(" )3جمموع الفتاوى" (.)479 ،478/12
344
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أيضا:
وقال ً
أحدا من املسلمني وإن أخطأ وغلط حىت تقام عليه
«وليس ألحد أن يكفر ً
احلجة ،وتبني له احملجة ،ومن ثبت إسالمه بيقني مل يزل ذلك عنه ابلشك ،بل ال
يزول إال بعد إقامة احلجة وإزالة الشبهة»(.)1
أيضا« :واألظهر أنه ال جيب قضاء شيء من ذلك ،وال يثبت اخلطاب
وقال ً
إال بعد البالغ لقوله تعاىل :ألنْ ِذ َرُك ْر نِ ِه َوَم ْن نَـلَ َغ[ األنعام ،]19 :وقولهَ :وَما ُكنَّا
َّاي علَى ِ
ِ
ِ
ِ
هللا
ني َح َّىت نَـ ْبـ َع َ
ث َر ُسول[ اإلسراء ،]15 :ولقوله :لئَال يَ ُكو َن للن ِ َ
ُم َعذنِ َ
ُح َّجةٌ نَـ ْع َد ال ُّ ُس ِل[ النساء .]165 :ومثل هذا يف القرآن متعدد».
أحدا حىت يبلغه ما جاء به الرسول .ومن علم أن
بني سبحانه أنه ال يعاقب ً
كثريا مما جاء به مل يعذبه هللا على ما مل
ً
حممد(ا)2رسول هللا فآمن بذلك ،ومل يعلم ً
يبلغه .
أيضا« :وقد ثبت عندي ابلنقل املتواتر أن يف النساء والرجال ابلبوادي
وقال ً
صل،
وغري البوادي من يبلغ وال يعلم أن الصالة عليه واجبة ،بل إذا قيل للمرأةِّ :
تقول :حىت أكرب وأصري عجوزة ،ظانة أنه ال خياطب ابلصالة إال املرأة الكبرية
كالعجوز وحنوها
ويف أتباع الشيوخ طوائف كثريون ال يعلمون أن الصالة واجبة عليهم ،فهؤالء
كفارا ،أو معذورين
ال جيب عليهم يف الصحيح قضاء الصلوات ،سواء قيل :كانوا ً
ابجلهل»(.)3
أيضا« :فاألحوال املانعة من وجوب القضاء للواجب والرتك للمحرم:
وقال ً
الكفر الظاهر ،والكفر الباطن ،والكفر األصلي ،وكفر الردة ،واجلهل الذي يعذر به
لعدم بلوغ اخلطاب ،أو ملعارضة أتويل ابجتهاد أو تقليد»(.)4
-11اجلهل نوعان :نوع يعـذر نـه صـاحبه ،وذلـك كمـن مل تبلغـه الرسـالة،
(" )1جمموع الفتاوى" (.)466/12
( )2املصدر السابق (.)42 ،41/22
( )3املصدر السابق (.)103 ،102/22
( )4املصدر السابق (.)23/22
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
345
أو بلغته الرسالة لكنه مل يتمكن من حتصيل العلم.
والنوع اآلخ ل يعذر نه صاحبه ،وذلك كمن قدر على التعلم ومتكن من
هتاوًن(.)1
العلم لكنه ترك ذلك تكاسالً أو ً
-12تبني مما مضى أن ش وط التكليف العائدة إىل الفعل املكلف نه
ت جع إىل القدرة والستطاعة.
معدوما يقصد منه متكني املكلف من إجياد الفعل
فإن اشرتاط كون الفعل
ً
وحتصيله؛ إذ حتصيل احلاصل حمال.
وكذلك اشرتاط العلر يعود إىل اشرتاط القدرة فإن اجلاهل عاجز عن الفعل
ألنه غري متصور ملا طلب منه.
قال ابن تيمية« :فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبني له أن التكليف
عاجزا عن أحدمها سقط عنه ما
مش وط ابلقدرة على العلر والعمل ،فمن كان ً
نفسا إال وسعها»(.)2
يعجزه ،وال يكلف هللا ً
املسألة الثالثة
ش وط التكليف العائدة إىل املكلف
يشرتط يف اآلدمي املكلف شرطان :العقل ،وفهر اخلطا ،وخيرج هبذين
الشرطني :اجملنو ُن ،والصيب؛ ألهنما ال يفهمان وال يدركان خطاب الشرع ،وقد خيتل
الفهم ويغيب اإلدراك لغري هذين السببني – اجلنون والصىب – وذلك :كالغفلة،
والنسيان ،والنوم ،والسك ،واإلغماء ،فهل هذه األمور مانعة من التكليف؟ وهل
خمتارا غري مكره؟
يشرتط يف املكلف – إضافة إىل العقل وفهم اخلطاب – أن يكون ً
مسلما غري كافر؟
أو أن يكون ً
هذا جممل الكالم على شروط املكلف ،أما التفاصيل فيمكن بياهنا فيما أييت:
-1اجملنون غْي مكلف اتفاقًا؛ ألن مقتضى التكليف االمتثال والطاعة ،وال
يتم االمتثال والطاعة إال ابلقصد إليهما ،وال يتصور قصد االمتثال وقصد الطاعة يف
( )1انظر" :طريق اهلجرتني" (.)413 ،412
(" )2جمموع الفتاوى" (.)634/21
346
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
حق اجملنون؛ ألن القصد إمنا يكون بعد الفهم ،واجملنون ال يفهم(.)1
وألن الرسول رفع عنه التكليف بقولهُ « :رفع القلر عن ثالثة :عن النائر
حىت يستيق ،وعن الصغْي حىت يكرب ،وعن اجملنون حىت يعقل أو يفيق»(.)2
-2الصيب غْي مكلف؛ ألنه ال فهم له وال قصد ،كما تقدم بيانه يف
اجملنون ،وألنه رفع عنه التكليف بقوله« :وعن الصغْي حىت يكرب» وهذا يشمل
املمي وغْي املمي ،وذلك ألن املميز مع كونه يفهم لكن فهمه مل يكمل فيما يتعلق
صحيحا فجعل الشارع البلوغ عالمة لظهور العقل(.)3
قصدا
ابلقصد إىل االمتثال ً
ً
قال ابن تيمية.......« :بل قد تسقط الشريعة التكليف عمن مل تكمل فيه
أداة العلم والقدرة ختفي ًفا عنه ،وضبطًا ملناط التكليف ،وإن كان تكليفه ممكنًا ،كما
رفع القلم عن الصيب حىت حيتلم وإن كان له فهم ومتييز ،لكن ذاك ألنه مل يتم فهمه،
وألن العقل يظهر يف الناس شيئًا فشيئًا ،وهم خيتلفون فيه ،فلما كانت احلكمة خفية
ومنتشرة قيدت ابلبلوغ»(.)4
-3وجو ال كاة وقيم املتلفات واجلناايت على غري املكلف كالصيب
واجملنون ليق من اب التكليف ،وإمنا وقع ذلك من ابب خطاب الوضع وربط
األحكام أبسباهبا(.)5
-4الناسب حال نسيانه والنائر حال نومه غْي مكلفني ،وكذلك املخطئ
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)137/1و"جمموع الفتاوى" (،)115/14 ،431/10
و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)15و"شرح الكوكب املنري" (.)499/1
( )2رواه أبو داود يف "سننه" ( )139/4برقم ( ،)4403 – 4398وابن ماجه يف "سننه"
( )658/1برقم ( ،)2041واللفظ له ،والرتمذي يف "سننه" ( )32/4برقم (،)1423
وقال" :والعمل على هذا احلديث عند أهل العلم" ،وصححه األلباين .انظر" :صحيح
اجلامع" ( )659/1برقم (.)3514 – 3512
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)139/1و"جمموع الفتاوى" (،)115/14 ،431/10
و"شرح الكوكب املنري" ( ،)500 ،499/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)30
(" )4جمموع الفتاوى" (.)345/10
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)138 ،137/1و"جمموع الفتاوى" ( ،)119/14و"القواعد
والفوائد األصولية" ( ،)15و"شرح الكوكب املنري" ( ،)512/1و"نزهة اخلاطر العاطر"
( ،)138 ،137/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)30
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
347
فيما أخطأ فيه ،وذلك لقوله « :إن هللا وضع عن أميت اخلطأ والنسيان»(،)1
وقولهُ « :رفع القلر عن ثالثة :عن النائر حىت يستيق ».
قال ابن رجب« :واألظهر –وهللا أعلم– أن الناسي واملخطئ إمنا عفي عنهما
مبعىن رفع اإلمث عنهما ،ألن اإلمث مرتب على املقاصد والنيات ،والناسي واملخطئ ال
قصد هلما فال إمث عليهما»(.)2
فتبني أن هؤالء ال يلحقهم اإلمث ،وإمنا وجب عليهم القضاء؛ ألن سبب
الوجوب قد انعقد عليهم وإمنا منع منه مانع النوم أو النسيان ،أو منع من متامه مانع
اخلطأ ،وكذلك يشمل هؤلء ما مضى بيانه يف الفقرة السابقة من لزوم الغرامات
وحنوه(.)3
-5املُغْمى عليه غْي مكلف حال إغمائه ،إذ هو مرتدد بني النائم واجملنون،
فبالنظر إىل كون عقله مل يزل وإمنا سرته اإلغماء فهو كالنائم ،وابلنظر إىل كونه إذا
نبه مل ينتبه يشبه اجملنون(.)4
قال ابن اللحام« :وكذلك اختلفوا يف األحكام املتعلقة به ،فتارة يلحقونه
ابلنائم ،واترة ابجملنون ،واألظهر إحلاقه ابلنائم .وهللا أعلم»(.)5
-6الغافل غري العامل مبا كلف به إذا مل يقصر ومل يفرط يف تعلم احلكم
يعذر ،أما إذا قصر أو فرط فال يعذر( ،)6وقد تقدم الكالم تفصيالً على هذا القيد
يف املسألة السابقة عند الكالم على الشرط الثاين للفعل املكلف به ،وهو كونه
معلوما لدي املكلف(.)7
ً
-7الغضبان ،هل هو مكلف؟ فيه تفصيل.
( )1سيأيت خترجيه قريبًا انظر (ص .)350
(" )2جامع العلوم واحلكم" (.)369/2
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)139/1و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)30و"شرح الكوكب
املنري" ( ،)512 ،511/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)31
( )4انظر" :القواعد والفوائد األصولية" ( ،)35و"شرح الكوكب املنري" (.)510/1
(" )5القواعد والفوائد األصولية" ( .)35وانظر" :املغين" البن قدامة" (.)52 – 50/2
( )6انظر" :القواعد والفوائد األصولية" (.)58
( )7انظر (ص ،)336وانظر فقرة ( )11/10/9من املسألة السابقة.
348
نزاع.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قال ابن القيم« :الغضب على ثالثة أقسام»(:)1
أحدها :ما يزيل العقل ،فال يشعر صاحبه مبا قال ،وهذا ال يقع طالقه بال
الثاين :ما يكون يف مباديه ،حبيث ال مينع صاحبه من تصور ما يقول
وقصده ،فهذا يقع طالقه.
الثالث :أن يستحكم ويشتد به ،فال يزيل عقله ابلكلية ،ولكن حيول بينه
وبني نيته حبيث يندم على ما فرط منه إذا زال ،فهذا حمل نظر ،وعدم الوقوع يف هذه
احلالة قوي متجه"(.)2
-8السك ان هل هو مكلف؟
حمرما يزيل عقله وقتًا دون وقت فال
قال ابن قدامة« :وأما السكر ومن شرب ً
يؤثر يف إسقاط التكليف ،وعليه قضاء ما فاته يف حال زوال عقله ،ال نعلم فيه
خالفًا؛ ألنه إذا وجب عليه القضاء ابلنوم املباح فبالسكر احملرم أوىل»(.)3
وقد اختلف العلماء يف السكران( )4حال سكره هل هو مكلف تصح منه
تصرفاته؟ .قال ابن تيمية« :مسألة يف تصرفات السكران؟ قد تنازع الناس( )5فيه
( )1هذا التقسيم نقله ابن القيم عن شيخه ابن تيمية .انظر" :إعالم املوقعني" (.)50/4
(" )2زاد املعاد" ( .)215/5وانظر لالستزادة كتاب" :إغاثة اللهفان يف حكم طالق
الغضبان" البن القيم ،و"إعالم املوقعني" (.)54 – 52/3
(" )3املغين" (.)52/2
( )4حــد الســكر الــذي وقــع اخلــالف يف صــاحبه :هــو الــذي جيعلــه خيلــط يف كالمــه وال يعــرف
رداءه من رداء غريه ،ونعله مـن نعـل غـريه وحنـوه ،وال يشـرتط فيـه حبيـث ال مييـز بـني السـماء
واألرض ،وب ــني ال ــذكر واألنث ــى .ذل ــك ألن هللا تع ــاىل يق ــول :ح ــىت تعلم ـ ـوا م ــا تقول ــون
[النسـ ـ ـ ــاء ،]43 :فجعـ ـ ـ ــل عالمـ ـ ـ ــة زوال السـ ـ ـ ــكر علمـ ـ ـ ــه مـ ـ ـ ــا يقـ ـ ـ ــول .انظـ ـ ـ ــر" :املغـ ـ ـ ــين"
( ،)438/10و"القواعـ ـ ـ ـ ــد والفوائـ ـ ـ ـ ــد األص ـ ـ ـ ـ ـولية" ( ،)38و"شـ ـ ـ ـ ــرح الكوكـ ـ ـ ـ ــب املنـ ـ ـ ـ ــري"
(.)508 ،507/1
( )5اخلالف واقع يف السكران الذي ال يعلم ما يقول ويف النشوان ،وفيمن يعذر بسكره وفيمن
ال يعذر .انظر" :الفتاوى الكربى" ( ،)205 ،202/4و"القواعد والفوائد األصولية"
( ،)38و"مذكرة الشنقيطي" (.)31
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
349
قدميًا وحديثًا ،وفيه النزاع يف مذهب أمحد وغريه.)1(»....
وقد اختار رمحه هللا أن تصرفات السكران ال تصح( )2وذكر لذلك أدلة( )3منها:
أ -أن عبادته كالصالة ال تصح ابلنص واإلمجاع ،فإن هللا هنى عن قرب
الصالة مع السكر حىت يعلم ما يقوله ،واتفق الناس على هذا ،فكل من بطلت
عبادته لعدم عقله فبطالن عقوده أوىل وأحرى ،كالنائم واجملنون.
ب -أن مجيع األقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل ،فمن ال متييز له
وال عقل ليس لكالمه يف الشارع اعتبار أصالً ،كما قال « :أل وإن يف اجلسد
مضغة إ ا صلحت صلح اجلسد كله وإ ا فسدي فسد اجلسد كله أل وهب
القلب»( .)4فإذا كان القلب قد زال عقله الذي به يتكلم ويتصرف فكيف جيوز أن
جيعل له أمر أو هني أو إثبات ملك أو إزالته؟
وهذا معلوم ابلعقل مع تقرير الشارع له.
جـ -أن كون السكران معاقبًا أو غري معاقب ليس له تعلق بصحة عقوده
وفسادها؛ فإن العقود ليست من ابب العبادات اليت يثاب عليها ،وال اجلناايت اليت
يعاقب عليها ،بل هي من التصرفات اليت يشرتك فيها الرب والفاجر واملؤمن والكافر،
وهي من لوازم وجود اخللق؛ فإن العهود والوفاء هبا أمر ال تتم مصلحة الناس إال به
وإمنا تصدر عن العقل ،فمن مل يكن له عقل وال متييز مل يكن قد عاهد وال حلف
وال ابع وال نكح وال طلق وال أعتق.
(" )1الفتاوى الكربى" ( .)202/4وانظر" :املغين" ( ،)348 – 346/10و"القواعد
والفوائد األصولية" ( ،)39 – 37و"شرح الكوكب املنري" (.)508 – 505/1
( )2وقد بوب لذلك اإلمام البخاري يف صحيحه فقال" :ابب الطالق يف اإلغالق والكره،
والسكران واجملنون وأمرمها ،والغلط والنسيان يف الطالق والشرك وغريه لقول النيب
«األعمال ابلنية ،ولكل امرئ ما نوى» (.)388/9
واختار ابن القيم ذلك فقال" :والصحيح أنه ال عربة أبقواله من طالق وال عتاق وال بيع وال هبة
وال وقف وال إسالم وال ردة وال إقرار ،لبضعة عشر دليالً ليس هذا موضع ذكرها".
"إعالم املوقعني" (.)4
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( 108 – 106/33و.)118 – 115/14
( )4رواه البخاري ( )126/1برقم ( ،)52ومسلم ( )26/11وستأيت قطعة من هذا احلديث
يف (ص )493من هذا الكتاب.
350
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-9املك ه :إن كان كاآللة ال اختيار له فغري مكلف؛ إذ تكليفه واحلالة
كذلك تكليف مبا ال يطاق .هذا ال إشكال فيه وال نزاع(.)1
قال ابن رجب« :من ال اختيار له ابلكلية وال قدرة له على االمتناع ،كمن
كرها وضرب
كرها وأدخل إىل مكان حلف على االمتناع من دخوله ،أو محل ً
محل ً
به غريه حىت مات ذلك الغري ،وال قدرة له على االمتناع ،أو أضجعت مث زين هبا من
غري قدرة هلا على االمتناع .فهذا ال إمث عليه ابالتفاق.)2(»...
أما من أكره إكر ًاها دون ذلك؛ مطي ًقا لإلقدام واإلحجام سواء ابلضرب أو
التعذيب أو التهديد ابلقتل؛ فإن هذا املكره واحلالة كذلك يف تكليفه تفصيل:
فإن كان إك ًاها على األقوال :فالعلماء متفقون على أن للمكره أن يقول
القول احملرم ،وال إمث عليه؛ لقوله تعاىل :إِل من أُ ْك َِه وقَـلْبهُ مطْمئِ ٌّن ِابإلميَ ِ
ان[ النحل:
َْ
َ ُ ُ َ
،]106وال يرتتب على قول حكم من األحكام ،وكالمه لغو؛ ألنه كالم صدر
من قائله وهو غري ر ٍ
اض به ،فلذلك عفي عنه ومل يؤاخذ به يف أحكام الدنيا
واآلخرة .ولقوله « :إن هللا وضع عن أميت اخلطأ والنسيان وما استك هوا
عليه»(.)3
أما األفعال :فما كان منها ح ًقا هلل؛ كاألكل يف هنار رمضان والعمل يف
الصالة ولبس املخيط يف اإلحرام فهو متجاوز عنه.
وما كان ح ًقا للمخلوقني فهو مؤاخذ به؛ كقتل املعصوم وإتالف ماله،
واإلكراه ال حيل له ذلك(.)4
قال ابن القيم:
«والف ق نني األقوال واألفعال يف اإلك اه أن األفعال إذا وقعت مل ترتفع
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)344/10و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)39و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)509/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)32
(" )2جامع العلوم واحلكم" (.)370/2
( )3رواه ابن ماجه يف "سننه" ( )659/1برقم ( ،)2045وصححه احلاكم يف "املستدرك"
ووافقه الذهيب ( ،)198/2وقال ابن كثري" :إسناده جيد"" ،حتفة الطالب" (.)271
( )4انظر" :زاد املعاد" ( ،)205/5و"جامع العلوم واحلكم" ( ،)372/2و"مذكرة
الشنقيطي" (.)33 ،32
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
351
مفسدهتا ،بل مفسدهتا معها ،خبالف األقوال فإنه ميكن إلغاؤها وجعلها مبنزلة أقوال
النائم واجملنون ،فمفسدة الفعل الذي ال يباح ابإلكراه اثبتة ،خبالف مفسدة القول؛
خمتارا له(.»)1
فإهنا إمنا تثبت إذا كان قائله عاملا به
ً
ً
وقد ذكر ابن قدامة ثالثة شروط لإلكراه(:)2
األول :أن يكون من قادر بسلطان أو تغلب كاللص وحنوه.
الثاين :أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن مل جيبه إىل ما طلبه.
كثريا؛ كالقتل والضرب الشديد.
الثالث :أن يكون مما يستضر به ً
ضررا ً
-10الكفار خماطبون إمجاعًا ابإلميان الذي هو األصل ،وإَّنا وقع اخلالف يف
ف وع اإلميان؛ كالصالة ،والصوم ،واحلج ،والزكاة :هل هم خماطبون هبا أو ال()3؟
وهذا اخلالف يتالشى إذا ثبت لدينا اتفاق الطرفني على األمور اآلتية:
األم األول :أن الكافر غري مطالب بفعل الفروع حال كفره .يوضحه:
األم الثاين :وهو أن فروع اإلميان ال تصح وال تقبل وال يثاب عليها
الكافر إال بتحصيل أصل اإلميان.
والدليل على هذين األم ين قوله تعاىلَ :وقَ ِد ْمنَا إِ َىل َما َع ِملُوا ِم ْن َع َم ٍل
ورا[ الفرقان.)4(]23 :
اء َم ْنـثُ ً
فَ َج َعلْنَاهُ َهبَ ً
األم الثالث :أن الكافر إذا أسلم ال يلزمه قضاء ما فاته من العبادات
املاضية زمن كفره؛ ألن اإلسالم جيب ما قبله.
األم ال انع :أن الكافر مطالب ابلفروع لكن مع حتصيل شرطها الذي
هو اإلميان ،وذلك لعموم اآلايت واألوامر اإلهلية؛ كقوله تعاىل :وَِِّ
َّلل َعلَى الن ِ
َّاي ِح ُّج
َ
الْبـ ْي ِ
اع إِلَْي ِه َسبِيال[ آل عمران.]97 :
استَطَ َ
ت َم ِن ْ
َ
(" )1زاد املعاد" (.)206 ،205 /5
( )2انظر" :املغين" (.)353/10
( )3انظر" :روضة الناظر" ( )145/1وما بعدها ،و"جمموع الفتاوى" (،)16 – 7/22
و"زاد املعاد" ( ،)699 ،698/5و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)49و"شرح الكوكب
املنري" ( )500/1وما بعدها ،و"نزهة اخلاطر العاطر" ( ،)145/1و"مذكرة الشنقيطي"
(.)34 ،33
( )4انظر" :أضواء البيان" (.)353/3
352
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األم اخلامق :أن الكافر يعاقب يف اآلخرة على تركه أصل اإلميان وعلى
حتذيرا
إخبارا عن
تركه الفروع ،وذلك لقوله تعاىل ً
املشركني يف معرض التصديق هلم ً
ِ
ك ِمن الْمص ِلني * وَمل نَ ُ ِ
ني
ك نُطْع ُر ال ِْم ْسك َ
من فعلهمَ :ما َسلَ َك ُك ْر ِيف َس َق َ * قَالُوا َملْ نَ ُ َ ُ َ َ َ ْ
[املدثر.]44 – 42 :
-11اجلامع لشروط املكلف أن يكون عاقالً فامهًا للخطاب ،فإذا طرأ على
العقل عارض مينعه من فهم اخلطاب وإدراكه ارتفع التكليف ،كما هو احلال ابلنسبة
للناسي والنائم والسكران ،فإذا زال العارض وحسن من العقل فهم اخلطاب وجب
ٍ
حينئذ .وقد يعرتي العقل خلل يؤثر يف كماله وسالمته كما هو احلال
التكليف
ابلنسبة للمجنون والصيب فال يزال التكليف ساقطًا عن هؤالء حىت يعود إىل العقل
كماله وسالمته .فال بد إذن يف التكليف من صحة العقل وسالمته وارتفاع املوانع
اليت متنعه من فهم اخلطاب(.)1
أيضا عدم اإلكراه؛ ألن اإلكراه وإن مل مينع من فهم اخلطاب إال
كما يشرتط ً
أنه يسلب القدرة على قصد االمتثال ،وما فائدة فهم اخلطاب إذا مل تكن القصد إىل
الطاعة واالمتثال؟
وحاصل القول :أن قصد االمتثال إمنا حيصل ابلعقل وفهم اخلطاب ،وكل
ذلك حيتاج إىل القدرة ،فال بد من القدرة على القصد وذلك ابلفهم والعلم ،وال بد
من القدرة على القصد وذلك ابلفهم والعلم ،وال بد من القدرة على الفهر وذلك
إمنا يكون بكمال العقل وسالمته من املوانع املخلة ابلفهم ،فاجتمعت ش وط
املكلف يف القدرة.
القدرة على فهم اخلطاب ،والقدرة على قصد االمتثال.
()2
أيضا بيان أن اجلامع لشروط الفعل املكلف به القدرة ،
-12وقد تقدم ً
فبذلك جتتمع مجيع شروط التكليف ،ما يعود منها إىل الفعل املكلف به وما يعود
منها إىل اإلنسان املكلف يف القدرة والستطاعة.
قال ابن تيمية« :األمر والنهي الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي
هو مشروط ابملمكن من العلم والقدرة»(.)3
( )1انظر" :نزهة اخلاطر العاطر" (.)140 ،139/1
( )2انظر (ص )345من هذا الكتاب.
(" )3جمموع الفتاوى" (.)344/10
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثالث
قواعد يف ا كر الش عب
ضا ،وينتج نعضـها عـن نعـض،
هذه القواعد نعضها يق ر نع ً
وق ــد اشـ ــتملت هـ ــذه القواعـ ــد علـ ــى خصـ ــائص ا كـ ــر الش ـ ـ عب
ومعامله ،وتضمنت اإلشارة إىل أصوله وضوانطه.
353
354
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قد يعرب عن احلكم الشرعي ابألم والنهب؛ ذلك ألن األحكام
-26
أيضا يعرب ابإلجيا
الشرعية ال خترج عن األمر والنهي ،ولذلك ً
والتح مي عن احلكم الشرعي أما املندوب فهو اتبع للواجب؛ إذ
كالمها مأمور به ،وكذا املكروه فهو اتبع للمحرم؛ إذ كالمها
منهي عنه ،مث إن كال من املندوب واملكروه ال جزم فيه ،وال
يرتتب عليه عقاب ،فبالنظر إىل ترتب العقاب اجتمع احلكم
الشرعي يف الواجب الذي يرتتب على تركه عقاب ،ويف احملرم
الذي يرتتب على فعله عقاب.
()1
وقد يعرب عن احلكم الشرعي :اب الل وا ام ،إذ احلالل – كما تقدم –
يقصد به :ما أذن يف فعله ،وذلك يشمل :الواجب ،واملندوب ،واملكروه ،واملباح.
وقــد يعــرب عــن احلكــم الشــرعي ابلواجــب ،واملنــدو ،واملكـ وه ،وا ـ ام،
وذلك ابلنظر إىل الطلب واالقتضاء ،فاملباح بذلك خيرج عن احلكـم الشـرعي()2؛
إذ ال اقتضــاء فيــه وال طلــب ،لكــن ســبق التنبيــه علــى أن إدخالــه حتــت األحكــام
الشــرعية إمنــا كــان علــى وجــه املســاحمة وإكمــال القســمة( ،)3وقــد يعــرب عــن احلكــم
الشرعي ابألم فقط( ،)4وذلك بناءً على أن النهي فرع عن األمر؛ إذ األمـر هـو
()5
أيضـ ا مبــين علــى أن املنــدوب
الطلــب ،وهــذا يشــمل الــرتك وهــو النهــي ،وهــذا ً
واملكروه اتبعـان للواجـب واحلـرام علـى مـا سـبق .وكثـْيًا مـا يعـرب اب كـر الشـ عب
ع ــن ا ك ــر التكليف ــب ،م ــع أن احلك ــم الش ــرعي ذو ش ــطرين :احلك ــم التكليف ــي
حكم ـ ا فيه ــا جت ــوز وتس ــاهل؛ إذ
واحلك ــم الوض ــعي ،ألن تس ــمية احلك ــم الوض ــعي ً
احلكم الشرعي خطاب الشارع ،واخلطاب يتضمن وال بـد أم ًـرا أو هنيًـا ،وهـذا هـو
على حكمـه فهـذه
احلكم التكليفي ،أما نصب الشارع عالمات للداللة
( )1انظر (ص )307تعليق رقم ( )3من هذا الكتاب.
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (.)461/10
( )3انظر (ص )307من هذا الكتاب.
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" (.)457 ،456/10
( )5انظر (ص )299من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
355
العالمـات مــن أسـباب وشــروط وموانـع إمنــا هـي بيــان وإظهـار هلـذا احلكـم وإخبــار
وإعالم بوجوده أو انتفائه.
نوعا من أنواع احلكم
وعلى كل فتسمية خطاب الوضع
حكما وجعله ً
ً
الشرعي أمر اصطالحي ،وال مشاحة يف االصطالح.
ونذلك يتبني أن احلكم التكليفي هو األصل وهو املهم ،لذا ساغ أن يكون
هو املراد عند إطالق احلكم الشرعي.
-2أن احلكم الشرعي إمنا يؤخذ من الشرع ،إذ احلكم هلل وحده ،وال جيوز
إثبات حكم شرعي بغري األدلة الشرعية اليت جعلها هللا طري ًقا ملعرفة أحكامه ،وهذا
أصل عظير من أصول هذا الدين(.)1
قال ابن تيمية......." :فلهذا كان دين املؤمنني ابهلل ورسوله أن األحكام
اخلمسة :اإلجياب ،واالستحباب ،والتحليل ،والكراهية ،والتحرمي ،ال يؤخذ إال عن
رسول هللا ،فال واجب إال ما أوجبه هللا ورسوله ،وال حرام إال ما حرمه هللا ورسوله
"(.)2
-3إذا علم أن احلكم الشرعي إمنا يؤخذ عن هللا ورسوله فالقول على هللا
ف أَل ِ
بغري علم حمرم ،كما قال تعاىل :ول تَـ ُقولُوا لِما تَ ِ
ْسنَـتُ ُك ُر الْ َك ِذ َ َه َذا َح ٌ
الل
ص ُ
َ
َ
وه َذا ح ام لِتـ ْفتـ وا علَى ِ
هللا الْ َك ِذ َ [ النحل.]116 :
َ َ ََ ٌ َ َُ َ
ٍ
أحدا من أهل العلم رخص ألحد من أهل
قال الشافعب...« :ال أعلم ً
العقول واآلداب يف أن يفيت وال حيكم برأي نفسه إذا مل يكن عاملا ابلذي تدور عليه
ً
أمور القياس من الكتاب والسنة واإلمجاع والعقل ،لتفصيل املشتبه»(.)3
وقال انن قدامة......« :أًن نعلم إبمجاع األمة قبلهم على أن العامل ليس له
احلكم مبجرد هواه وشهوته من غري نظر يف األدلة.)4(».........
وقد خصص انن القير فصالً هلذه املسألة يف كتابه القيم «إعالم املوقعني»،
( )1انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)51 ،50/1و"أضواء البيان" (.)173 – 162/7
(" )2جمموع الفتاوى" (.)226/22
(" )3إبطال االستحسان" (.)37
(" )4روضة الناظر" (.)410 ،409/1
356
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فقال« :ذكر حترمي اإلفتاء يف دين هللا بغري علم ،وذكر اإلمجاع على ذلك»(.)1
-4أن األحكام الشرعية مبنية على حتقيق مصاحل الناس وتكميلها ،وتعطيل
املفاسد وتقليلها(.)2
قال ابن القيم...« :فإن الشريعة مبناها وأساسها على احلكم ومصاحل العباد
يف املعاش واملعاد ،وهي عدل كلها ،ورمحة كلها ،ومصاحل كلها ،وحكمة كلها.
فكل مسألة خرجت عن العدل إىل اجلَور ،وعن الرمحة إىل ضدها ،وعن
املصلحة إىل املفسدة ،وعن احلكمة إىل العبث ،فليست من الشريعة وإن أدخلت
فيها ابلتأويل.
فالشريعة عدل هللا بني عباده ،ورمحته بني خلقه ،وظله يف أرضه ،وحكمته
الدالة عليه وعلى صدق رسوله أمت داللة وأصدقها»(.)3
-5أن األحكام الشرعية مبنية على حتصيل أعلى املصلحتني وإن فات
أدًنمها ودفع أعلى املفسدتني وإن وقع أدًنمها(.)4
ومن األمثلة على ذلك ترك النيب تغيري بناء الكعبة( )5ملا يف إبقائه من
أتليف القلوب(.)6
-6تبني مما مضى أن مقصود الشارع من مجيع األوامر والنواهي حتصيل
املصلحة واملنفعة ،أما ما يرتتب على ذلك من مشقة فليس مبقصود للشارع.
قـ ــال ابـ ــن تيمي ــة .......« :وأم ـ ـرًن ابألعمـ ــال الص ــاحلة ملـ ــا فيه ــا مـ ــن املنفعـ ــة
واألمر
والصالح لنا ،وقد ال حتصل هذه األعمال إال مبشقة ،كاجلهاد ،واحلج،
ابملعـروف ،والنهـي عـن املنكــر ،وطلـب العلـم ،فيحتمـل تلــك املشـقة ويثـاب عليهـا ملــا
(" )1إعالم املوقعني" ( .)184/2وانظر ( )44 – 38/1منه.
( )2انظر (ص )234من هذا الكتاب.
(" )3إعالم املوقعني" (.)3/3
( )4املصدر السابق (.)279/3
( )5ورد ذلك يف حديث رواه البخاري ( )407/6برقم (.)3368
( )6انظر" :جمموع الفتاوى" ( )407/22ولالستزادة من األمثلة .انظر" :جمموع الفتاوى"
( ،)273 ،272/25و"إعالم املوقعني" ( )4/3وما بعدها.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
357
يعقبها من املنفعة.)1(».....
-7إذا علم ذلك كان من ابب أوىل أال أيمر الشارع مبا مفسدته راجحة أو
خالصة.
قال ابن تيمية« :وأما إذا كانت فائدة العمل منفعة ال تقاوم مشقته فهذا
فساد ،وهللا ال حيب الفساد»(.)2
وقال ابن القيم« :فكل مسألة خرجت عن العدل إىل اجلور ،وعن الرمحة إىل
ضدها ،وعن املصلحة إىل املفسدة ،وعن احلكمة إىل العبث ،فليست من الشريعة،
وإن أدخلت فيها ابلتأويل»( .)3يوضح ذلك:
-8أن األحكام الشرعية كلها مصاحل للعباد ،لكن منها ما يكون نعمة؛
كإجياب اإلميان واملعروف ،وحترمي الكفر واملنكر.
ِ ِ َّ ِ
ادوا َح َّ ْمنَا َعلَْي ِه ْر
ين َه ُ
ومنها ما يكون عقونة؛ كقوله تعاىل :فَبظُل ٍْر م َن الذ َ
طَيِب ٍ
ت َهلُ ْر[ النساء.]160 :
اي أ ُِحلَّ ْ
َ
ِ
ِ
س ُقو َن
ومنها ما يكون حمنة كقوله تعاىلَ :ك َذل َ
ك نَـ ْبـلُ ُ
وه ْر مبَا َكانُوا يَـ ْف ُ
[األعراف.]163 :
واملقصود أن احلكم الشرعي ال خيلو عن حكمة ومصلحة ،لكن قد تعلم هذه
احلكمة فيسهل االمتثال ،وقد تكون احلكمة منه التعبد احملض ،ليعلم هللا من يطيعه
ومن يعصيه .وهذا هو االبتالء ،كما ابتلى هللا نبيه إبراهيم عليه الصالة والسالم
بذبح ابنه(.)4
-9أن األحك ــام الش ــرعية مبني ــة عل ــى النظـ ـ إىل امل ــآل ،فم ــن ذل ــك س ــد
الذرائع ،وحترمي احليل ،واملنع من الغلو يف العبادات؛ إذ اجلميع يفضي إىل ترك املأمور
به والوقوع يف احملظور .ذلك أن وسائل احلرام تفضي إىل احلرام.
وكذلك احليل يتوصل هبا إىل حتليل احملرمات ،وقد تقدم الكالم على هذين
(" )1جمموع الفتاوى" (.)283 ،282/25
( )2املصدر السابق (.)283/25
(" )3إعالم املوقعني" ( .)3/3وانظر" :جامع العلوم واحلكم" (.)223/2
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( )203 ،201/17 ،201 ،200/20وانظر (ص،199
)254 ،253من هذا الكتاب.
358
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األمرين( .)1أما الغلو يف العباداي والزايدة على احلد املشروع فيها فإنه قد يؤدي
إىل السآمة وامللل وترك العمل ابلكلية.
قال ابن تيمية« :ومما ينبغي أن يعرف أن هللا ليس رضاه أو حمبته يف جمرد
عذاب النفس ومحلها على املشاق حىت يكون العمل كل ما كان أشق كان أفضل
كما حيسب كثري من اجلهال أن األجر على قدر املشقة يف كل شيء
ال ،ولكن األجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته ،وعلى قدر طاعة
أمر هللا ورسوله ،فأي العملني كان أحسن ،وصاحبه أطوع وأتبع كان أفضل ،فإن
األعمال ال تتفاضل ابلكثرة وإمنا تتفاضل مبا حيصل يف القلوب حال العمل»(.)2
وقال ابن رجب« :إن أحب األعمال إىل هللا ما كان على وجه السداد
واالقتصاد والتيسري دون ما كان على وجه التكلف واالجتهاد والتعسري ،كما قال
تعاىل :يُ ِي ُد هللاُ نِ ُك ُر الْيُ ْس َ َول يُ ِي ُد نِ ُك ُر ال ُْع ْس َ [ البقرة ،]185 :وقال تعاىل:
َ ما يُ ِي ُد هللاُ لِيَ ْج َع َل َعلَْي ُك ْر ِم ْن َح َ ٍج[ املائدة ،]6 :وقال تعاىلَ :وَما َج َع َل َعلَْي ُك ْر
ِيف ِ
الدي ِن ِم ْن َح َ ٍج[ احلج ،]78 :وكان النيب يقول« :يس وا ول تعس وا»(،)3
وقال « :فإَّنا نعثتر ميس ين ومل تبعثوا معس ين»(.)4
-10أن األحكام الشرعية مبنية على التيسري ورفع احلرج عن املكلفني.
فمن ذلك أهنا مشروطة ابلقدرة واالستطاعة( ،)5وأهنا قائمة على حتقيق مصاحل
اخللق ودفع املفاسد عنهم(.)6
ويف كالم ابن رجب السابق ما يقرر ذلك ويبينه.
-11أن األحكام الشرعية ال تبين على الصور النادرة ،بل العربة ابلكثري
الغالب ،ولو فرض وجود مصلحة عظمى يف صورة جزئية فإن حكمة هللا سبحانه
( )1انظر (ص )240من هذا الكتاب.
(" )2جمموع الفتاوى" (.)282 ،281/25
( )3رواه البخاري ( )163/1برقم ( ،)69ومسلم (.)42/12
(" )4احملجة يف سري الدجلة" ( ،)47 ،46واحلديث رواه البخاري ( )323/1برقم (.)220
( )5انظر ما سيأيت يف القاعدة رقم ( )26من هذا املبحث.
( )6انظر ما سبق يف القاعدة رقم ()5( ،)4و ()6و ( )7من هذا املبحث.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
359
وتعاىل أوىل من مراعاة هذه املصلحة اجلزئية اليت يف مراعاهتا تعطيل مصلحة أكرب
وأهم .وقاعدة الشرع والقدر :حتصيل أعلى املصلحتني وإن فات أدًنمها ،ودفع أعلى
املفسدتني وإن وقع أدًنمها(.)1
-12أن األحكام الشرعية مبنية على التسوية نني املتماثالي وإ اق
النظْي ننظْيه.
قال ابن القيم« :وأما أحكامه األمرية الشرعية فكلها هكذا ،جتدها مشتملة
على التسوية بني املتماثلني ،وإحلاق النظري بنظريه ،واعتبار الشيء مبثله ،والتفريق بني
املختلفني وعدم تسوية أحدمها ابآلخر ،وشريعته سبحانه منزهة أن تنهى عن شيء
ملفسدة فيه مث تبيح ما هو مشتمل على تلك املفسدة أو مثلها أو أزيد منها .فمن
جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها وال قدرها حق قدرها .وكيف يظن
ابلشريعة أهنا تبيح شيئًا حلاجة املكلف إليه ومصلحته مث حترم ما هو أحوج إليه
واملصلحة يف إابحته أظهر ،وهذا من أحمل احملال»(.)2
-13أن األحكام الشرعية قد جتمع بني املختلفات إذا اشرتكت يف سبب
احلكم.
قال ابن القيم« :وأما قوله( :إن الشريعة مجعت بني املختلفات ،كما مجعت بني
اخلطأ والعمد يف ضمان األموال) فغري منكر يف العقول والفطر والشرائع والعادات :اشرتاك
املختلفات يف حكٍم واحد ابعتبار اشرتاكها يف سبب ذلك احلكم.
فإنه ال مانع من اشرتاكها يف أمر يكون علة حلكم من األحكام ،بل هذا هو
الواقع ،وعلى هذا فاخلطأ والعمد اشرتكا يف اإلتالف الذي هو علة للضمان ،وإن
افرتقا يف علة اإلمث»(.)3
وقد ذكر ابن القيم أمثلة عديدة على هذه القاعدة وبني أوجه اجلمع فيها(.)4
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)279/3
(" )2إعالم املوقعني" (.)196 ،195/1
(" )3إعالم املوقعني" (.)171/2
( )4انظر" :إعالم املوقعني" (.)175 – 171/2
360
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-14األحكام الشرعية نوعان :اثنتة ل تتغْي ،وال جيوز االجتهاد فيها،
ومتغْية خاضعة لجتهاد اجملتهدين حسب املصلحة وهي ختتلف من شخص آلخر
ومن مكان آلخر.
قال ابن القيم« :األحكام نوعان ،نوع ال يتغري عن حالة واحدة ،وهو عليها،
ال حبسب األزمنة وال األمكنة ،وال اجتهاد األئمة.
كوجوب الواجبات ،وحترمي احملرمات ،واحلدود املقدرة ابلشرع على اجلرائم،
وحنو ذلك .فهذا ال يتطرق إليه تغيري وال اجتهاد خيالف ما وضع عليه.
ومكاًن وحاالً؛ كمقادير
زماًن
ً
والنوع الثاين :ما يتغري حبسب اقتضاء املصلحة لهً :
التعزيرات وأجناسها وصفاهتا ،فإن الشارع ينوع فيها حبسب املصلحة»(.)1
-15إذا علم هذا فإن من األحكام الشرعية ما خيتلف ابختالف الزمان
واملكان واألحوال.
أيضا دليل على
وعدما ،وهذا ً
ذلك أن احلكم الشرعي يدور مع علته ً
وجودا ً
أن هذه الشريعة إمنا جاءت لتحقيق مصاحل الناس ودرء املفاسد عنهم.
وكون احلكم الشرعي خيتلف من واقعة إىل واقعة إذا تغري الزمان ،أو املكان،
أو احلال ،ليس معناه أن األحكام الشرعية مضطربة وحيصل فيها التذبذب والتباين،
بل إن احلكم الشرعي الزم لعلته وسببه وجا ٍر معه ،لكن حيث اختلف الزمان أو
املكان اختلفت احلقيقة والعلة والسبب ،فالواقعة غري الواقعة ،واحلكم كذلك غري
احلكم.
أما أن خيتلف احلكم الشرعي يف واقعتني متماثلتني يف احلقيقة مشرتكتني يف
أبدا(.)2
العلة والسبب فهذا ما ال ميكن حدوثه ً
-16وكذلك فإن من األحكام الشرعية ما خيتلف من شخص آلخر ،كل
حسب حاله.
قال ابن القيم« :وهلل سبحانه على كل أحد عبودية حبسب مرتبته ،سوى
(" )1إغاثة اللهفان" ( .)331 ،330/1وانظر" :إعالم املوقعني" (.)263 ،262/4
( )2انظر" :إعالم املوقعني" ( )3/3وما بعدها ،و"إغاثة اللهفان" ( )330/1وما بعدها.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
361
العبودية العامة اليت سوى بني عباده فيها.
فعلى العلم من عبودية نشر السنة والعلم الذي بعث هللا به رسوله ما ليس
على اجلاهل ،وعليه من عبودية الصرب على ذلك ما ليس على غريه.
وعلى ا اكر من عبودية إقامة احلق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به والصرب
على ذلك واجلهاد عليه ،ما ليس على املفيت.
وعلى الغِ من عبودية أداء احلقوق اليت يف ماله ما ليس على الفقري.
وعلى القادر على األمر ابملعروف والنهي عن املنكر بيده ولسانه ما ليس
على العاجز عنهما»(.)1
-17أن أحكام الدنيا جت ي على األسبا الظاه ة ،ما مل يقم دليل على
خالف ذلك ،قال الشافعي« :فمن حكم على الناس خبالف ما ظهر عليهم
استدالالً على أن ما أظهروا حيمل غري ما أبطنوا بداللة منهم أو غري داللة مل يسلم
عندي من خالف التنزيل والسنة ،وذلك أن يقول قائل :من رجع عن اإلسالم ممن
ولد على اإلسالم قتلته ومل أستتبه ،ومن رجع عنه ممن مل يولد على اإلسالم
استتبته.)2(».....
وقال ابن القيم........« :أن هللا تعاىل مل جي ِر أحكام الدنيا على علمه يف
عباده ،وإمنا أجراها على األسباب اليت نصبها أدلة عليها وإن علم سبحانه وتعاىل
أهنم مبطلون فيها مظهرون خلالف ما يبطنون .وإذا أطلع هللا رسوله على ذلك مل
يكن ذلك مناقضا حلكمه الذي شرعه ورتبه على تلك ٍ
األسباب.
ً
كما رتب على املتكلم ابلشهادتني حكمه ،وأطلع رسوله وعباده املؤمنني
على أحوال كثري من املنافقني وأهنم مل يطابق قوهلم اعتقادهم.)3(».....
أيضا« :فأحكام الرب تعاىل جارية على ما يظهر للعباد ،ما مل يقم دليل
وقال ً
()4
على أن ما أظهروه خالف ما أبطنوه» .
-18أن العربة يف األحكام الشرعية ابملقاصد والنياي ،وذلك إذا ظهرت،
(" )1إعالم املوقعني" (.)176/2
(" )2إبطال االستحسان" (.)24
(" )3إعالم املوقعني" (.)128/3
( )4املصدر السابق (.)127/3
362
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أما إذا مل يظهر قصد وال نية فالعربة ابلظاهر.
قال ابن القيم« :إذا ظهر قصد املتكلم ملعىن الكالم ،أو مل يظهر قصد خيالف
كالمه :وجب محل كالمه على ظاهره»(.)1
وقد ذكر ابن القيم العتبار النية والقصد يف املعامالت والعبادات والثواب
والعقاب أمثلة كثرية(.)2
مسلما حرام ابطل؛ ملا فيه من
منها :بيع الرجل السالح ملن يعرف أنه يقتل به ً
اإلعانة على اإلمث والعدوان ،وبيعه ملن يعرف أنه جياهد به يف سبيل هللا طاعة وقربة.
وكذلك احليوان حيل إذا ذبح ألجل األكل وحيرم إذا ذبح لغري هللا.
وكذلك الصوم ،فلو أمسك رجل من املفطرات عادة واشتغاالً ومل ينو القربة مل
صائما.
يكن ً
ولو دار حول الكعبة يلتمس شيئًا سقط منه مل يكن طائ ًفا.
وكذلك لو جامع أجنبية يظنها زوجته أو أمته مل أيمث بذلك وقد يثاب بنيته.
ولو جامع يف ظلمة من يظنها أجنبية فبانت زوجته أو أمته أمث على ذلك بقصده
ونيته للحرام.
ومن األدلة على هذه القاعدة:
()3
قوله « :إ ا التقى املسلمان نسيفهما فالقاتل واملقتول يف النار» .
وعلل ذلك أبن نية كل واحد منها قتل صاحبه.
وكذلك قوله « :صيد الرب لكر حالل وأنتر ح م ما مل تصيدوه أو يصد
لكر»( .)4فحرم على احملرم األكل بناء على قصد الصائد ونيته.
قال ابن القيم« :فالنية روح العمل ولبه وقوامه ،وهو اتبع هلا يصح بصحتها
ويفسد بفسادها ،والنيب قد قال كلمتني كفتا وشفتا ،وحتتهما كنوز العلم ،ومها
(" )1إعالم املوقعني" (.)108/3
( )2انظر املصدر السابق (.)111 – 109/3
( )3سبق خترجيه ،انظر (ص )341من هذا الكتاب.
( )4رواه أبو داود ( )171/2برقم ( ،)1851والنسائي ( )187 /5والرتمذي واللفظ له
( )204/3برقم ( ،)846وقال" :وقال الشافعي :هذا أحسن حديث روي يف هذا
الباب وأقيس .والعمل على هذا ،وهو قول أمحد وإسحاق".
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
363
()1
قوله« :إَّنا األعمال ابلنياي ،وإَّنا لكل ام ئ ما نوى»
فبني يف اجلملة األوىل أن العمل ال يقع إال ابلنية ،وهلذا ال يكون عمل إال
بنية ،مث بني يف اجلملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إال ما نواه ،وهذا يعم
العبادات واملعامالت واألميان والنذور وسائر العقود واألفعال»(.)2
-19أن األحكام الشرعية ال تكون خمالفة للعقول والفطر.
قال ابن القيم« :بل أخبارهم [أي الرسل] قسمان:
أحدمها :ما تشهد به العقول والفطر.
الثاين :ما ال تدركه العقول مبجردها ،كالغيوب اليت أخربوا هبا عن تفاصيل
الربزخ واليوم اآلخر ،وتفاصيل الثواب والعقاب .وال يكون خربهم حماالً يف العقول
أصالً .وكل خرب يظن أن العقل حييله فال خيلو من أحد أمرين:
كذاب عليهم ،أو يكون ذلك العقل فاس ًدا ،وهو شبهة
إما أن يكون اخلرب ً
َّ ِ
ِ
ْر الَّ ِذي
خيالية يظن صاحبها أهنا معقول صريح؛ قال تعاىلَ :ويَـ َى الذ َ
ين أُوتُوا الْعل َ
ِ ِ
اط الْع ِي ِ ا ْ ِم ِ
ِ
يد[ سبأ.]6 :
ك ِم ْن َرنِ َ
أُنْ ِ َل إِلَْي َ
ك ُه َو ا َْ َّق َويَـ ْهدي إِ َىل ص َ َ
َ
وقال تعاىل :أَفَ َم ْن يَـ ْعلَ ُر أَََّّنَا أُنْ ِ َل إِلَْي َك ِم ْن َرنِ َك ا َْ ُّق َك َم ْن ُه َو أَ ْع َمى[ الرعد:
ْكتا يـ ْف حو َن ِمبَا أُنْ ِ َل إِلَي َ ِ
ِ
َّ ِ
األح َا ِ
ين آتَـ ْيـنَ ُ
ْ
ك َوم َن ْ
اه ُر ال َ َ َ َ ُ
.]19وقال تعاىلَ :والذ َ
ضهُ[ الرعد ،]36 :والنفوس ال تفرح ابحملال ،وقال تعاىلََ :ي أَيُّـ َها
َم ْن يُـ ْن ِك ُ نَـ ْع َ
الص ُدوِر وه ًدى ور ْمحةٌ لِل ِ
ِ ِ
ِ ِ ِ
ني * قُ ْل
ْم ْؤمنِ َ
اءتْ ُك ْر َم ْوعظَةٌ م ْن َرن ُك ْر َوش َفاءٌ ل َما ِيف ُّ َ ُ َ َ َ ُ
َّاي قَ ْد َج َ
الن ُ
ض ِل ِ
هللا َونَِ ْمحَتِ ِه فَبِ َذلِ َك فَـ ْليَـ ْف َ ُحوا[ يونس ،]58 ،57 :واحملال ال يشفي ،وال
نَِف ْ
هدى وال رمحة ،وال يفرح به»(.)3
حيصل به ً
-20أن األحكام الشرعية ويطة جبميع أفعال املكلفني ،وافية بكل احلوادث.
قال ابن القيم« :وهذه اجلملة إمنا تنفصل بعد متهيد قاعدتني عظيمتني:
وإذًن
أمرا وهنيًاً ،
إحدامها :أن الذك األم ي حميط جبميع أفعال املكلفني ً
علما وكتابةً وقد ًرا ،فعلمه وكتابه وقدره
وعفوا ،كما أن الذك القدري حميط جبميعها ً
ً
( )1رواه البخاري ( )9/1برقم (.)1
(" )2إعالم املوقعني" (.)111/3
(" )3الروح" (.)62
364
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قد أحصى مجيع أفعال عباده الواقعة حتت التكليف وغريها ،وأمره وهنيه وإابحته
وعفوه قد أحاط جبميع أفعاهلم التكليفية ،فال خيرج فعل من أفعاهلم عن أحد
احلكمني :إما الكوين وإما الشرعي األمري ،فقد بني هللا سبحانه على لسان رسوله
بكالمه وكالم رسوله مجيع ما أمر به ،ومجيع ما هنى عنه ،ومجيع ما أحله ،ومجيع ما
الْيَـ ْوَم
حرمه ،ومجيع ما عفا عنه .وهبذا يكون دينه كامالً كما قال تعاىل:
ت َعلَْي ُك ْر نِ ْع َم ِيت[ املائدة.)1(»]3 :
ْت لَ ُك ْر ِدينَ ُك ْر َوأ َْمتَ ْم ُ
أَ ْك َمل ُ
-21أن األحكام الشرعية ظاه ة واضحة مبينة ،خاصة ما حتتاج األمة
إليه منها.
قال ابن تيمية« :إن األحكام اليت حتتاج األمة إىل معرفتها ال بد أن يبينها
عاما ،وال بد أن تنقلها األمة»(.)2
الرسول ً
بياًن ً
وقال ابن رجب« :ويف اجلملة فما ترك هللا ورسوله حالالً إال مبينًا ،وال حر ًاما
بياًن من بعض.
إال مبينًا ،لكن بعضه كان أظهر ً
فما ظاهر بيانه واشتهر وعلم من الدين ابلضرورة من ذلك :مل يبق فيه شك،
وال يعذر أحد جبهله يف بلد يظهر فيه اإلسالم.
وما كان بيانه دون ذلك فمنه ما اشتهر بني محلة الشريعة خاصة فأمجع
العلماء على حله أو حرمته ،وقد خيفي على بعض ما ليس منهم.
أيضا فاختلفوا يف حتليله وحترميه ،وذلك
ومنه ما مل يشتهر بني محلة الشريعة ً
أسباب.)3(»....
-22أن العربة يف احلكم الشرعي اب قائق واملعاين ال ابأللفاظ واملباين.
قال ابن القيم ...« :فاهلل سبحانه إمنا حرم هذه احملرمات وغريها ملا اشتملت
عليه من املفاسد املضرة ابلدنيا والدين ،ومل حيرمها ألجل أمسائها وصورها ،ومعلوم
(" )1إعالم املوقعني" (.)332/1
(" )2جمموع الفتاوى" (.)236/25
(" )3جامع العلوم واحلكم" ( ،)196/1ولالستزادة ينظر" :درء التعارض" ( ،)72/1و"إعالم
املوقعني" (.)376 ،375/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
365
أن تلك املفاسد اتبعة حلقائقها ال تزول بتبدل أمسائها وتغري صورها»(.)1
وقال رمحه هللا مستدالً هلذه القاعدة وممثالً هلا:
«ولو أوجب تبديل األمساء والصور تبدل األحكام واحلقائق لفسدت
الدايًنت وبدلت الشرائع ،واضمحل اإلسالم.
وأي شيء نفع املشركني تسميتهم أصنامهم آهلة ،وليس فيها شيء من
صفات اإلهلية وحقيقتها؟
وأي شيء نفعهم تسمية اإلشراك ابهلل تقرًاب إىل هللا؟
()2
وأي شيء نفع املعطلني حلقائق أمساء هللا وصفاته تسمية ذلك تنز ًيها» .
أيضا« :فتغيري صور احملرمات وأمسائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها
وقال ً
زايدة يف املفسدة اليت حرمت ألجلها ،مع تضمنه ملخادعة هللا تعاىل ورسوله ،ونسبة
املكر واخلداع والغش والنفاق إىل شرعه ودينه ،وأنه حيرم الشيء ملفسدة ويبيحه
ألعظم منها»(.)3
-23أن احلكم الشرعي جيب اعتقاده ،وهذا أصل من أصول الدين؛ إذ
جيب اعتقاد وجوب الواجبات ،وحرمة احملرمات ،واستحباب املستحبات ،وكراهة
املكروهات ،وإابحة املباحات.
كفرا خيرج من
معلوما من الدين ابلضرورة
حكما شرعيًا
فمن أنكر
ً
ً
فهو)كافر ً
امللة( ،)4أما إذا كان احلكم الشرعي مما ميكن فيه اخلالف فال(. 5
-24أن احلكم الشرعي جيب اتباعه واألخذ به ،وهذا قد تقدم بيانه(.)6
-25أن العلر ابألحكام الش عية ف ض كفاية على مجيع األمة ،وجيب
(" )1إغاثة اللهفان" (.)353/1
(" )2إعالم املوقعني" (.)118/3
(" )3إغاثة اللهفان" (.)354/1
( )4مع مراعاة شروط التكفري ابلنسبة للمعني .انظر" :جمموع الفتاوى" (،179/3
.)501 – 487/12
( )5انظر بيان ما جيوز فيه اخلالف وما ال جيوز فيه ،وذلك عند الكالم على شروط املسائل
اجملتهد فيها (ص )475من هذا الكتاب.
( )6انظر (ص )71من هذا الكتاب.
366
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
على كل واحد أن يعرف من األحكام الشرعية ما حيتاج إليه(.)1
اعتقادا مش وط ابملمكن من
-26أن اتباع احلكم
علما وعمالً و ً
الشرعي ً
العلر والقدرة على ما سبق بيانه(.)2
****
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)391 ،390/15
( )2انظر (ص )344فقرة رقم ( ،)11و(ص )347فقرة رقم ( )6من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفصل الثاين
دللي األلفاظ وط ق الستنباط
ويف هذا الفصل ثالثة مباحث:
املبحث األول :املبادئ اللغوية.
املبحث الثاين :النص ،والظاهر ،واملؤول ،واجململ ،والبيان.
املبحث الثالث :األمر والنهي ،والعام واخلاص ،واملطلق واملقيد،
واملنطوق واملفهوم.
367
368
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث األول
املبادئ اللغوية
ويف هذا املبحث ست مسائل:
املسألة األوىل :عالقة اللغة العربية ابلشريعة.
املسألة الثانية :مبدأ اللغات.
املسألة الثالثة :األمساء الشرعية.
املسألة ال انعة :االشرتاك.
املسألة اخلامسة :الرتادف.
املسألة السادسة :العطف واالقرتان.
369
370
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
عالقة اللغة الع نية ابلش يعة
تتجلى أمهية اللغة العربية وعالقتها بعلوم الشريعة يف اآليت:
-1أن الكتاب والسنة عربيان:
آان َع َنِياا
فالقرآن الكرمي إمنا نزل بلغة العرب ،قال تعاىل :إِ َّان أَنْـ َلْنَاهُ قُـ ْ ً
[يوسف.]2 :
والرسول من العرب ،وهو ذو لسان عريب فصيح.
قال الشافعي« :ومن مجاع علم كتاب هللا :العلم أبن مجيع كتاب هللا إمنا نزل
بلسان العرب»(.)1
أيضا« :وبلساهنا نزل الكتاب وجاءت السنة»(.)2
وقال ً
-2أن معاين كتاب هللا موافقة ملعاين كالم العرب ،وظاهر كتاب هللا مالئم
لظاهر كالم العرب.
ففي القرآن من اإلجياز واالختصار ،والعام واخلاص كما يف كالم العرب(.)3
-3إذا علم ذلك فإن فهم مراد هللا ورسوله متوقف على فهم لغة العرب
ومعرفة علومها؛ فعلى كل مسلم أن يتعلم من هذه اللغة ما يقيم به دينه.
قال الشافعي« :ألنه ال يعلم من إيضاح مجل علم الكتاب أحد جهل سعة
لسان العرب وكثرة وجوهه ومجاع معانيه وتفرقها.
ومن علمه انتفت عنه الشبه اليت دخلت على من جهل لساهنا»(.)4
أيضا« :فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حىت
وقال ً
(" )1الرسالة ( .)40وانظر ( )103من هذا الكتاب فيما يتعلق مبسألة :هل يف القرآن لفظ
غري عريب؟
(" )2الرسالة" (.)53
( )3انظر" :الرسالة" ( ،)52 ،51و"أتويل مشكل القرآن" ( ،)21 ،20و"جامع البيان"
للطربي (.)7/1
(" )4الرسالة" (.)50
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
371
حممدا عبده ورسوله ،ويتلو به كتاب هللا»(.)1
يشهد أال إله إال هللا وأن ً
وقال ابن تيمية:
«فمعرفة العربية اليت خوطبنا هبا مما يعني على أن نفقه مراد هللا ورسوله
بكالمه»(.)2
-4أن اإلحاطة بلسان العرب حاصلة ابلنسبة لعام األمة؛ إذ ال يذهب منه
شيء إال ويوجد يف هذا األمة من يعرفه ،أما النسبة للواحد فقد يعزب عنه بعض
كالم العرب.
وهذا كأحاديث النيب ؛ فإنه قد يعزب احلديث عن واحد من العلماء ،إال
أنه ال ميكن أن يعزب عن عامة األمة(.)3
املسألة الثانية
مبدأ اللغاي
اختلف يف مبدأ اللغات(:)4
اء ُكلَّ َها
آد َم ْ
فذهب اجلمهور إىل أهنا توقيفية؛ لقوله تعاىلَ :و َعلَّ َر َ
األْسَ َ
[البقرة.]31 :
وقيل :إهنا اصطالحية ،وقيل غري ذلك.
قال ابن قدامة بعد ذكره لألقوال.
«أما الواقع منها فال مطمع يف معرفته يقينًا؛ إذ مل يرد به نص ،وال جمال للعقل
والربهان يف معرفته.
مث هـ ـ ــذا أمـ ـ ــر ال ي ـ ـ ـرتبط بـ ـ ــه تعبـ ـ ــد عملـ ـ ــي ،وال ترهـ ـ ــق إىل اعتقـ ـ ــاده حاجـ ـ ــة.
(" )1الرسالة" (.)48
(" )2جمموع الفتاوى" (.)116/7
( )3انظر" :الرسالة" (.)44 – 42
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)3/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)91/7و"قواعد األصول" (،)49
و"شرح الكوكب املنري" ( .)285 ،97/1وانظر تعليق رقم (( )5ص )114من هذا
الكتاب يف صلة هذه املسألة ابجملاز.
372
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فاخلوض فيه فضول ،فال حاجة إىل التطويل»(.)1
املسألة الثالثة
األْساء الش عية
والكالم على هذه املسالة يف أربع نقاط:
أولً :تنقسر األلفاظ إىل أرنعة أقسام(:)2
حقيقة وضعية أو لغوية ،وحقيقة شرعية ،وحقيقة عرفية ،وجماز.
ووجه ا ص يف األقسام األربعة:
أن اللفظ إما أن يبقى على أصل وضعه :فهذه هي احلقيقة الوضعية ،أو يغري
عنه وال بد أن يكون هذا التغيري من قبل الشرع ،أو من قبل عرف االستعمال ،أو
من قبل استعمال اللفظ يف غري موضعه لعالقة بقرينة.
فإن كان تغيريه من قبل الشرع فهو ا قيقة الش عية ،وإن كان من قبل عرف
االستعمال فهو ا قيقة الع فية ،وإن كان من قبل استعمال اللفظ يف غري موضعه
لداللة القرينة فهو اجملاز(.)3
مثال احلقيقة الوضعية:
«أسد» فإنه يطلق يف أصل الوضع على احليوان املفرتس ،فإن استعمل يف غري
ما وضع له فهو اجملاز؛ مثل إطالق لفظ «أسد» على الرجل الشجاع.
ومثال احلقيقة الشرعية :لفظ الصالة والصيام وا ج ،فإهنا تطلق ويراد هبا
تلك العبادات املعروفة ،مع أن هلذه األلفاظ معاين أخرى يف أصل وضعها اللغوي،
فالصالة :الدعاء ،والصيام :اإلمساك ،واحلج :القصد.
(" )1روضة الناظر" ( ،)3/2وقد مت تصويب الكالم من كتاب "املستصفى" ( )261إذ عبارة
الروضة فيها بعض االضطراب.
( )2انظر" :روضة الناظر" ( )8/2وما بعدها ،و"قواعد األصول" ( ،)51 ،50و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)150 ،149/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)175 ،174
( )3تقدم الكالم على اجملاز انظر (ص )110من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
373
ومثال احلقيقة العرفية :لفظ الدانة ،فإنه يطلق ويراد به عرفًا ذوات األربع من
احليوان ،مع أن معناه األصلي يف اللغة يشمل كل ما يدب على األرض.
اثنيًا :اختلف األصوليون يف األْساء الش عية(:)1
و لك على أقوال:
-1أن الشارع نقلها عن مسماها يف اللغة؟
-2أهنا ابقية على ما كانت عليه يف اللغة إال أن الشارع زاد يف أحكامها؟
-3أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف؛ فهي ابلنسبة إىل اللغة
جماز ،وابلنسبة إىل عرف الشارع حقيقة؟
وهذا اخلالف يعود إىل اللفظ إذا حصل االتفاق على وجو ال جوع إىل
نيان الشارع هلذه األْساء وتفسْيه هلا(.)2
قال ابن تيمية« :واالسم إذا بني النيب حد مسماه مل يلزم أن يكون قد نقله
عن اللغة أو زاد فيه ،بل املقصود أنه عرف مراده بتعريفه هو كيف ما كان األمر،
فإن هذا هو املقصود.
وهذا كاسم اخلمر فإنه قد بني أن كل مسكر مخر( ،)3فعرف املراد ابلقرآن.
وسواء كانت العرب قبل ذلك تطلق لفظ اخلمر على كل مسكر أو ختص به عصري
العنب :ال حيتاج إىل ذلك؛ إذ املطلوب معرفة ما أراد هللا ورسوله هبذا االسم .وهذا
قد عرف ببيان الرسول .)4(»
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)14 – 10/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)298/7و"إعالم
املوقعني" (.)173/2
( )2وذلك دون تفريق بني األلفاظ الدينية كاإلميان والكفر ،وغري الدينية كالصالة واحلج،
وعلى ذلك اتفق السلف .إال أن اخلالف السابق يعود إىل املعىن ابلنظر إىل طريقة أهل
البدع الذين يعرضون عن بيان الشارع وتفسريه لألمساء الشرعية الدينية – على وجه
اخلصوص – وهي األلفاظ املتعلقة أبصول الدين.
مثال ذلك :أن املرجئة جعلوا لفظ اإلميان حقيقة يف جمرد التصديق.
انظر" :املستصفى" ( ،)264و"جمموع الفتاوى" (.)298 ،289/7
( )3ورد ذلك يف قوله « :كل مسكر مخر وكل مسكر حرام» .رواه مسلم (.)172/13
(" )4جمموع الفتاوى" (.)236/19
374
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اثلثًا :أن نيان الشارع أللفاظه وتفسْيه هلا مقدم على أي نيان(.)1
قال ابن تيمية« :ومما ينبغي أن يعلم أن األلفاظ املوجودة يف القرآن واحلديث
إذا عرف تفسريها وما أريد هبا من جهة النيب مل حيتج يف ذلك إىل االستدالل
أبقوال أهل اللغة وال غريهم»(.)2
بياًن ال حيتاج معه إىل
أيضا« :فالنيب قد بني املراد هبذه األلفاظ ً
وقال ً
االستدالل على ذلك ابالشتقاق وشواهد استعمال العرب وحنو ذلك.
فلهذا جيب الرجوع يف مسميات هذه األمساء إىل بيان هللا ورسوله فإنه ٍ
شاف
ٍ
كاف»(.)3
وقد بني رمحه هللا أن ط يقة أهل البدع إمنا هي تفسري ألفاظ الكتاب والسنة
برأيهم ومبا فهموه وأتولوه من اللغة ،واإلعراض عن بيان هللا ورسوله ،فهم
يعتمدون على العقل واللغة وكتب األدب(.)4
انعا :إذا علم أن بيان الشرع أللفاظه مقدم على كل بيان فالواجب مالحظة
رً
أربعة أمور يف هذا املقام:
األم األول :معرفة حدود هذه األلفاظ ،والوقوف عند هذا احلد؛ حبيث ال
يدخل فيه غري موضوعه ،وال خيرج منه شيء من موضوعه.
قــال ابــن القــيم« :ومعلــوم أن هللا ســبحانه حــد لعبــاده حــدود احلــالل واحل ـرام
بكالمــه؛ وذم مــن مل يعلــم حــدود مــا أنــزل هللا علــى رس ـوله ،والــذي أنزلــه هــو كالمــه،
فحدود ما أنزل هللا هو الوقوف عند حد االسم الذي علق عليه احلل واحلرمة»(.)5
( )1خطاب الشارع وألفاظه حتمل على احلقيقة الشرعية ،فإن تعذر محله عليها فتحمل على
احلقيقة العرفية ،مث احلقيقة اللغوية ،مث اجملاز إن دلت عليه قرينة .انظر" :روضة الناظر"
( ،)14/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)436 ،435/3و"مذكرة الشنقيطي" (،174
.)175
(" )2جمموع الفتاوى" (.)286/7
( )3املصدر السابق (.)287/7
( )4مثال ذلك – وقد تقدم ذكره يف الصفحة السابقة تعلي ًقا – أن املرجئة جعلوا لفظ اإلميان
حقيقة يف جمرد التصديق .انظر املصدر السابق (.)289 ،288 ،119 – 116/7
(" )5إعالم املوقعني" (.)266/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
375
وقد ذكر رمحه هللا أن تعدي حدود هللا يكون من جهتني:
-1من جهة التقصْي والنقص.
-2من جهة حتميل اللف فوق ما حيتمل وال َيدة عليه.
فاألول :كإخراج بعض األشربة املسكرة عن مشول اسم اخلمر هلا ،فهذا
تقصري به وهضم لعمومه ،واحلق ما قاله صاحب الشرع« :كل مسك مخ »(.)1
أيضا.
ويف هذا غنية عن القياس ً
والثاين :كإدخال بعض صور الراب يف التجارة املباحة حبيلة من احليل ،فهذا
إدخال ما ليس من اللفظ فيه ،وهو يقابل التقصري(.)2
األم الثاين :محل ألفاظ الكتاب والسنة على عادات عصره وعلى اللغة
والعرف السائدين وقت نزول اخلطاب ،وال يصح أن حتمل هذه األلفاظ على
عادات حدثت فيما بعد ،أو اصطالحات وضعها املتأخرون من أهل الفنون(.)3
ٍ
عادات
قال ابن تيمية« :وال جيوز أن حيمل كالمه [أي الرسول ]على
حدثت بعده يف اخلطاب مل تكن معروفة يف خطابه وخطاب أصحابه ،كما يفعله
كثري من الناس وقد ال يعرفون انتفاء ذلك يف زمانه»(.)4
أيضا« :فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم هللا ورسوله ال مبا حدث
وقال ً
( )1رواه مسلم يف صحيحه ( ،)172/13واحلديث تقدم ذكره يف (ص )373تعليق رقم
( )3من هذا الكتاب.
( )2انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)220/1و"زاد املهاجر إىل ربه" (.)10
( )3انظر" :مفتاح دار السعادة" ( ،)272 ،271/2وميكن التمثيل لذلك بقوله « :فما
أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» .فقد استدل بذلك على أن ما أدركه املسبوق هو آخر
صالته؛ ألن القضاء يطلق على فعل ما فات .مع أن هذه الرواية خمالفة لرواية (فأمتوا).
انظر" :بداية اجملتهد" (" ،)233/1نيل األوطار" ( ،)135 ،134/3و"مذكرة
الشنقيطي" (.)49
وانظر فيما يتعلق بتفاوت االصطالحات بني السلف املتقدمني واألصوليني املتأخرين املواضع
اآلتية من هذا الكتاب :أ -النسخ (ص ،)246ب -الكراهة (ص ،)307ج -التأويل
(ص ،)385د -اجململ (ص ،)388ه -االستثناء (ص )426 ،425تعلي ًقا.
(" )4جمموع الفتاوى" (.)115/7
376
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
بعد ذلك»(.)1
األم الثالث :مراعاة السياق ومقتضى احلال والنظر يف قرائن الكالم عند
تفسري ألفاظ الكتاب والسنة(.)2
ذلك أن داللة األلفاظ ختتلف حسب اإلطالق والتقييد ،والقرتان والتج يد.
وها
فلفظ الفقري مثالً إذا أطلق دخل فيه املسكني كقوله تعاىلَ :وإِ ْن َُتْ ُف َ
وها الْ ُف َق َ َاء فَـ ُه َو َخ ْيـ ٌ لَ ُك ْر[ البقرة.]271 :
َوتُـ ْؤتُ َ
ام
وكذلك لفظ املسكني إذا أطلق دخل فيه الفقري كقوله تعاىل :فَ َك َّف َارتُهُ إِط َْع ُ
ش ِة مس ِ
اك َني[ املائدة .]89 :أما إذا قرن بينهما أحدمها فأحدمها غري اآلخر،
َع َ َ َ َ
اي لِ ْل ُف َق َ ِاء َوال َْم َساكِ ِني[ التوبة.]60 :
كقوله تعاىل :إِ ََّّنَا َّ
الص َدقَ ُ
ومقيدا بقيد،
قال ابن تيمية« :واالسم كلما كثر التكلم فيه ،فتكلم به مطل ًقا ً
ومقيدا بقيد آخر يف موضع آخر؛ كان هذا سببًا الشتباه بعض معناه مث كلما كثر
ً
مساعه كثر من يشتبه عليه ذلك.
ومن أسباب ذلك :أن يسمع بعض الناس بعض موارده وال يسمع بعضه ،ويكون
مقيدا بقيد أوجبه اختصاصه مبعىن ،فيظن معناه يف سائر موارده كذلك.
ما مسعه ً
فمن اتبع علمه حىت عرف مواقع االستعمال عامة ،وعلم مأخذ الشبه أعطى كل
ذي حق حقه ،وعلم أن خري الكالم كالم هللا ،وأنه ال بيان أمت من بيانه»(.)3
وكذلك ال بد من التف يق نني الكالم الذي اتصل نه ما يقيده ونني الكالم
العام املطلق.
سكوات طويالً مث وصله ابستثناء ،أو
فلو قال قائل :وهللا ال أسافر .وسكت
ً
عطف ،أو وصف ،أو غري ذلك ،مل يؤثر.
()4
ولو قال :وهللا ال أسافر إىل املكان الفالين لتقيدت ميينه هبذا القيد اتفاقًا .
قال ابن تيمية« :والفرق بني القرينة اللفظية املتصلة ابللفظ الدالة
(" )1جمموع الفتاوى" ( .)106/7وانظر" :جالء األفهام" (.)217
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( )162/7وما بعدها ،و(.)39/13
(" )3جمموع الفتاوى" (.)357 ،356/7
( )4انظر املصدر السابق (.)111 ،110/31
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
377
ابلوضع....وبني األلفاظ املنفصلة معلوم يقينًا من لغة العرب والعجم.
ومع هذا فال ريب عند أحد من العقالء أن الكالم إَّنا يتر آبخ ه ،وأن
داللته إمنا تستفاد بعد متامه وكماله ،وأنه ال جيوز أن يكون أوله داالً دون آخره،
جمازا ،وال أن يقال :إن أوله يعارض آخره
سواء مسي أوله حقيقة أو ً
فإن التعارض إمنا يكون بني دليلني مستقلني.
والكالم املتصل كله دليل واحد ،فاملعارضة بني أبعاضه كاملعارضة بني
أبعاض األمساء املركبة»(.)1
أيضا« :إن الكالم مىت اتصل به صفة أو شرط أو غري ذلك من
وقال ً
األلفاظ اليت تغري موجبه عند اإلطالق وجب العمل هبا ،ومل جيز قطع ذلك الكالم
عن تلك الصفات املتصلة به.
أيضا بني الفقهاء بل وال بني العقالء.
وهذا مما ال خالف فيه ً
وعلى هذا تبىن مجيع األحكام املتعلقة أبقوال املكلفني من العبادات
واملعامالت مثل الوقف والوصية واإلقرار.)2(»....
ويعلل انن تيمية هذا التفريق أبن التعارض فرع على استقالل الكالم
ابلداللة ،واالستقالل ابلداللة فرع على انقضاء الكالم وانفصاله ،أما مع اتصاله مبا
يغري حكمه فال جيوز أن جيعل بعضه خمال ًفا لبعض؛ ألن من شرط محل اللفظة على
عمومها أن تكون منفصلة عن صلة خمصصة.
فهي عامة عند اإلطالق وليست عامة على اإلطالق(.)3
صحيحا قبل أن يتم أن جيعل أول كلمة التوحيد
لذلك لزم من اعترب الكالم
ً
إمياًن ،وأن املتكلم هبا قد كفر مث آمن(.)4
كفرا وآخرها ً
ً
األم ال انع :اعتبار مراد املتكلم ومقاصده ،وضم النظري إىل نظريه ،وهذا
(" )1جمموع الفتاوى" (.)117/31
( )2املصدر السابق (.)101/31
( )3انظر املصدر السابق (.)118 ،113/31
( )4انظر املصدر السابق (.)116/31
378
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قدر زائد على جمرد فهم اللفظ(.)1
والناس يتفاوتون يف ذلك حبسب مراتبهم يف الفقه والعلم(.)2
قال ابن القيم« :واأللفاظ مل تقصد لذواهتا ،وإمنا هي أدلة يستدل هبا على
مراد املتكلم ،فإذا ظهر مراده ووضح أبي طريق كان عمل مبقتضاه:
سواء كان إبشارة ،أو كتابة ،أو إبمياءة ،أو داللة عقلية ،أو قرينة حالية ،أو
عادة له مطردة ال خيل هبا ،أو من مقتضى كماله وكمال أمسائه وصفاته ،وأنه ميتنع
منه إرادة ما هو معلوم الفساد وترك إرادة ما هو متيقن مصلحته.
وأنه يستدل على إرادته للنظري إبرادة نظريه ومثله وشبهه ،وعلى كراهة الشيء
بكراهة مثله ونظريه ومشبهه .فيقطع العارف به وحبكمته وأوصافه على أنه يريد
هذا ،ويكره هذا ،وحيب هذا ويبغض هذا.
وأنت جتد من له اعتناء شديد مبذهب رجل وأقواله كيف يفهم مراده من
تصرفه ومذاهبه ،وخيرب عنه أبنه يفيت بكذا ويقوله ،وأنه ال يقول بكذا ،وال يذهب
إليه ،ملا ال يوجد يف كالمه صرحيًا»(.)3
وقد ذكر ابن القيم لذلك أمثلة .فمن ذلك قوله رمحه هللا:
«وأنت إذا أتملت قوله تعاىل :إِنَّهُ لَ ُق آ ٌن َك ِميٌ * ِيف ِكتَا ٍ مكْنُ ٍ
سهُ إِل
ون * ل ميََ ُّ
َ
ْ
ال ُْمطَ َّه ُو َن[ الواقعة.]79 – 77 :
وجدت اآلية من أظهر األدلة على نبوة النيب .
وأن هذا القرآن جاء من عند هللا.
وأن الذي جاء به روح مطهر؛ فما لألرواح اخلبيثة عليه سبيل.
ت نِ ِه َّ ِ
ني * َوَما يَـ ْنـبَ ِغب َهلُ ْر َوَما
ووجدت اآلية أخت قولهَ :وَما تَـنَـ َّلَ ْ
الشيَاط ُ
يَ ْستَ ِط ُيعو َن[ الشعراء.]211 ،210 :
ووجدهتا دالة إبحسن الداللة على أنه ال ميس املصحف إال طاهر.
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)115 ،105/3 ،225 ،219/1
( )2يدل لذلك قول علي رضي هللا عنه« .والذي خلق اجلنة وبرأ النسمة ما عندًن إال ما يف
القرآن – إال فهما يعطى رجل يف كتابه – وما يف الصحيفة ».....رواه البخاري
( )246/12برقم ( .)6903انظر" :إعالم املوقعني" (.)268 ،225/1
(" )3إعالم املوقعني" (.)218/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
379
أيضا أبلطف الداللة على أنه ال جيد حالوته وطعمه إال من
ووجدهتا دالة ً
آمن به وعمل به»(.)1
املسألة ال انعة
()2
الشرتاك
االشرتاك واقع يف اللغة(:)3
يف األمساء :كالقرء للحيض والطهر.
ويف األفعال :مثل عسعس مبعىن أقبل وأدبر.
ويف احلروف :كالباء فإهنا أتيت للتبعيض ولبيان اجلنس.
وجيوز أن حيمل املشرتك على كال معنييه إذا أمكن ذلك(.)4
قال الشيخ الشنقيطي« :مع أن التحقيق جواز محل املشرتك على معنييه ،كما
حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رمحه هللا يف رسالته يف علوم
القرآن( ،)5وحرر أنه هو الصحيح يف مذهب األئمة األربعة رمحهم هللا»(.)6
املسألة اخلامسة
()7
الرتادف
الرتادف واقع يف اللغة(:)8
يف األمساء كاألسد والسبع.
(" )1إعالم املوقعني" (.)226 ،225/1
( )2االشرتاك هو أن يتعدد املعىن فقط دون اللفظ ،كلفظ العني فإنه يصدق على الذهب
والباصرة .انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)137/1
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)341 ،340/13و"شرح الكوكب املنري" (.)139/1
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" (.)341/13
( )5انظر املصدر السابق.
(" )6أضواء البيان" (.)15/2
( )7الرتادف هو أن يتعدد اللفظ دون املعىن ،كالرب والقمح املسمى به احلب املعروف.
انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)136/1
( )8انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)341/13و"شرح الكوكب املنري" (.)141/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
380
ويف األفعال مثل :قعد وجلس.
ويف احلروف مثل :إىل وحىت.
قال ابن القيم« :فاألمساء الدالة على مسمى واحد نوعان:
أحدمها :أن يدل عليه ابعتبار الذات فقط .....وهذا كاحلنطة والقمح
والرب...
والنوع الثاين :أن يدل على ذات واحدة ابعتبار تباين صفاهتا كأمساء الرب
تعاىل ،وأمساء كالمه ،وأمساء نبيه ،وأمساء اليوم اآلخر ،فهذا النوع مرتادف ابلنسبة
للذات ،متباين ابلنسبة إىل الصفات»(.)1
وقد أوضح ابن القيم أن من أنكر الرتادف يف اللغة فمراده النوع الثاين؛ ألنه
ما من امسني ملسمى واحد إال وبينهما فرق يف صفة ،أو نسبة ،أو إضافة ،مع أن
الذات واحدة(.)2
وقال ابن تيمية« :فإن الرتادف يف اللغة قليل ،وأما يف ألفاظ القرآن فإما ًندر
وإما معدوم.
وقل أن يعرب عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي مجيع معناه؛ بل يكون فيه
تقريب ملعناه .وهذا من أسباب إعجاز القرآن»(.)3
املسألة السادسة
العطف والقرتان
ويف هذه املسألة ثالثة أحباث:
-1مقتضى العطف.
-2هل تدل الواو على الرتتيب؟
-3داللة االقرتان.
(" )1روضة احملبني" (.)54
( )2انظر املصدر السابق.
(" )3جمموع الفتاوى" ( .)341/13وانظر (.)59/13 ،178 ،177/7
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
381
البحث األول :مقتضى العطف:
عطف الشبء على الشبء يقتضي مغايرة بني املعطوف واملعطوف عليه ،مع
اشرتاكهما يف احلكم املذكور هلما.
وهذه املغايرة على مراتب(:)1
األوىل :أن يكوًن متباينني ،ليس أحدمها هو اآلخر وال جزؤه ،وال مالزمة
ِ
يل َوِمي َك َال[ البقرة.]98 :
بينهما ،وهذه أعلى املراتب ،كقوله تعاىلَ :وج ِْرب َ
الثانية :أن يكون بينهما تالزم ،كقوله تعاىل :ول تَـ ْلبِسوا ا ْ َّق ِابلْب ِ
اط ِل
َ َ
َ
ُ
َوتَكْتُ ُموا ا َْ َّق َوأَنْـتُ ْر تَـ ْعلَ ُمو َن[ البقرة ،]42 :فإن من لبس احلق ابلباطل أخفى من
احلق بقدر ما أظهر من الباطل ،ومن كتم احلق أقام موضعه ابطالً فلبس احلق
ابلباطل.
ِ
الصلَو ِ
اي
الثالثة :عطف بعض الشيء عليه ،كقوله تعاىلَ :حافظُوا َعلَى َّ َ
الص ِ
الة ال ُْو ْسطَى[ البقرة.]238 :
َو َّ
ال انعة :عطف الشيء على الشيء الختالف الصفتني ،كقوله تعاىل:
ب وي ِقيمو َن َّ ِ
ِ
َّ ِ
ِ
َّ ِ
ين يُـ ْؤِمنُو َن ِمبَا أُنْ ِ َل
الصالةَ َوممَّا َرَزقـْنَ ُ
اه ْر يُـ ْنف ُقو َن * َوالذ َ
ين يُـ ْؤمنُو َن ِابلْغَْي ِ َ ُ ُ
ال ذ َ
ِ
آلخ ِة هر ي ِ
وقنُو َن[ البقرة.]4 ،3 :
ك َوَما أُنْ ِ َل ِم ْن قَـ ْبلِ َ
إِلَْي َ
ك َوِاب َ ُ ْ ُ
البحث الثاين :هل تدل الواو على الرتتيب؟
الواو ال تدل على الرتتيب ،وال التعقيب ،وال اجلمع املطلق ،بل هي ملطلق
اجلمع .واملراد :أي مج ٍع كان؛ فتدخل ٍ
حينئذ الصور السابقة كلها(.)2
البحث الثالث :دللة القرتان(:)3
وهي على ثالثة مراتب :إذ تظهر قوهتا يف موطن ،وضعفها يف موطن،
وتساوي األمرين يف موطن:
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)178 – 172/7و"شرح العقيدة الطحاوية" (.)388 – 387
( )2انظر" :بدائع الفوائد" ( ،)61/1و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)50و"شرح الكوكب املنري"
(.)230 ،229/1
( )3انظر" :بدائع الفوائد" ( .)184 ،183/4ولالستزادة راجع "املسودة" (،)141 ،140
و"شرح الكوكب املنري" ( ،)262 – 259/3و"أضواء البيان" (.)256/2
382
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أ -تظه قوهتا إذا مجع بني املقرتنني لفظ اشرتكا يف إطالقه وافرتقا يف
تفصيله ،وذلك كقوله « :ثالث حق على كل مسلر :الغسل يوم اجلمعة،
والسواك ،وميق من طيب إن وجد»(.)1
فقد اشرتك الثالثة يف إطالق لفظ احلق عليه ،فإذا كان السواك والتطيب
مستحبني كان الثالث وهو االغتسال مستحبًا كذلك.
ب -ويظه ضعفها عند تعدد اجلمل واستقالل كل واحد منها بنفسها،
كقوله « :ل يبولن أحدكر يف املاء الدائر ،ول يغتسل فيه من اجلنانة»(.)2
إذ إن كل مجلة مفيدة ملعناها وحكمها وسببها وغايتها ،وهي منفردة به عن
اجلملة األخرى ،واشرتاكهما يف جمرد العطف ال يوجب اشرتاكهما فيما وراءه؛ فإن
العطف يفيد االشرتاك يف املعىن إن كان عطف مفرد على مفرد :كقام زيد وعمرو،
عمرا.
أما إن عطفت مجلة على مجلة فال اشرتاك يف املعىن ،حنو :اقتل ز ً
يدا وأكرم ً
ظاهرا يف التسوية ،وكان قصد
جـ -ويظه التساوي حيث كان العطف ً
ظاهرا يف الفرق ،فيتعارض ههنا ظاهر اللفظ وظاهر القصد ،فإن غلب
املتكلم ً
ظهور أحدمها اعترب ،وإال طلب الرتجيح.
( )1أخرجه أمحد يف "مسنده" ( ،)34/4وصححه األلباين .انظر" :صحيح اجلامع"
( )581/1برقم (.)3028
( )2أخرجه أبو داود ( )18/1برقم ( ،)70وصححه األلباين .انظر" :صحيح اجلامع"
( )1259/2برقم (.)7595
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين
النص ،والظاه ،واملؤول ،واجململ ،والبيان
ويف هذا املبحث متهيد ،ومخق مسائل:
املسألة األوىل :النص.
املسألة الثانية :الظاهر.
املسألة الثالثة :املؤول.
املسألة ال انعة :اجململ.
املسألة اخلامسة :البيان.
383
384
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
متهيد
ينقسم الكالم إىل :نص ،وظاهر ،وجممل(.)1
وذلك أن اللفظ ال خيلو من أمرين:
إما أن يدل على معىن واحد ال حيتمل غريه .فهذا هو النص.
وإما أن حيتمل غريه ،وهذا له حالتان.
األوىل :أن يكون أحد االحتمالني أظهر .فهذا هو الظاه .
والثانية :أن يتساوى االحتماالن أبال يكون أحدمها أظهر من اآلخر .فهذا
هو اجململ.
ومعلوم أن اجململ حمتاج إىل البيان ،كما أن الظاهر قد يرد عليه التأويل
فيكون مؤولً.
فهذه أمور مخسة :النص ،والظاهر ،واملؤول ،واجململ ،والبيان.
والكالم عليها سيكون حبسب هذا الرتتيب يف املسائل اآلتية:
املسألة األوىل
()2
النص
احدا ،أو :ما يفيد بنفسه من غري احتمال.
تع يفه :ما ال حيتمل إال معىن و ً
ْك َع َش َةٌ َك ِاملَةٌ[ البقرة.]196 :
مثاله :قوله تعاىل :تِل َ
حكمه :أن يصار إليه وال يعدل عنه إال بنسخ.
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)26/2و"أضواء البيان" ( ،)94 ،93/1و"مذكرة الشنقيطي"
(.)176
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)27/2و"قواعد األصول" ( ،)51و"أضواء البيان" (،)93/1
و"مذكرة الشنقيطي" (.)176
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
385
املسألة الثانية
()1
الظاه
تع يفه :ما احتمل معنيني فأكثر ،هو يف أحدمها أو أحدها أرجح ،أو ما
تبادر منه عند اإلطالق معىن مع جتويز غريه.
مثاله« :األسد» فإنه ظاهر يف احليوان املفرتس ،ويبعد أن يراد به الرجل
الشجاع مع احتمال اللفظ له.
حكمه :أن يصار إىل املعىن الظاهر(.)2
وال جيوز العدول عنه إال بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره
املتبادر منه إىل االحتمال املرجوح ،وهذا ما يسمى ابلتأويل.
املسألة الثالثة
املؤول
ويف هذه املسألة أربعة أحباث:
-1معىن التأويل.
-2أنواع التأويل.
-3شروط التأويل الصحيح.
-4تنبيهات.
البحث األول :معىن التأويل.
للتأويل ثالثة ٍ
معان :معنيان عند السلف ،ومعىن اثلث عند املتأخرين.
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)30 ،29/2و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)131و"شرح الكوكب
املنري" ( ،)460/3و"أضواء البيان" ( ،)94/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)176
( )2انظر كالم اإلمام الشافعي ،وابن القيم يف وجوب محل الكالم على ظاهره فيما سبق من
ضا" :الرسالة" ( ،)580و"الفقيه واملتفقه" (،)222/1
هذا الكتاب (ص .)361وانظر أي ً
و"إعالم املوقعني" (.)109 ،108/3
386
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أما املعنيان األوالن عند السلف فعلى النحو اآليت(:)1
املعىن األول :احلقيقة اليت يؤول إليها األمر ،كقول كثري من السلف يف بعض
اآلايت« :هذه ذهب أتويلها ،وهذه مل أيت أتويلها».
واملعىن الثاين :التفسري والبيان ،كقول بعض املفسرين« :القول يف أتويل قول
هللا تعاىل».
وأما معىن التأويل عند املتأخرين – وهو املعىن الثالث – وهو املشهور عند
األصوليني ،فهو :صرف اللفظ عن االحتمال الراجح إىل االحتمال املرجوح بدليل
يدل على ذلك(.)2
البحث الثاين :أنواع التأويل.
ال خيلو التأويل من ثالث حاالت(:)3
األوىل :أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح يف نفس األمر يدل
الص ِ
الة[ املائدة]6 :؛ أي :إذا أردمت القيام ،وهذا
على ذلك ،كتأويل إِ َا قُ ْمتُ ْر إِ َىل َّ
ما يسمى ابلتأويل الصحيح والق يب.
والثانية :أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره ألمر يظنه الصارف دليالً ،وليس
بدليل يف نفس األمر ،وهذا ما يسمى ابلتأويل الفاسد أو البعيد ،كتأويل حديث« :أميا
ام أة نكحت نغْي إ ن وليها فنكاحها ابطل»( )4أبن املراد ابملرأة :الصغرية.
والثالثة :أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره ال لدليل أصالً ،وهذا يسمى
لعبًا ،كقول بعض الشيعة يف قوله تعاىل :إِ َّن هللاَ َأي ُْم ُ ُك ْر أَ ْن تَ ْذ َحبُوا نَـ َق َ ًة[ البقرة:
]67؛ قالوا :هي عائشة رضي هللا عنها(.)5
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (– 367 ،17 ،293 – 288/13 ،178 ،177/1
.)381
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)31 ،30/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)401/17و"خمتصر ابن
اللحام" ( ،)131و"مذكرة الشنقيطي" (.)176
( )3انظر" :أضواء البيان" ( ،)330 ،329/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)177
( )4أخرجه أبو داود ( )229/2برقم ( ،)2083والرتمذي ( )408/3برقم ()1102
واللفظ له ،وصححه األلباين .انظر" :صحيح اجلامع" ( )526/1برقم (.)2709
( )5هي :عائشة بنت أيب بكر الصديق رضي هللا عنها وعن أبيها ،أم املؤمنني ،عرفت ابلعلم
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
387
البحث الثالث :ش وط التأويل الصحيح.
للتأويل الصحيح أربعة شروط(:)1
الش ط األول:أن يكون اللفظ وتمالً للمعىن الذي أتوله املتأول يف لغة العرب.
الش ط الثاين :إذا كان اللفظ حمتمالً للمعىن الذي أتوله املتأول فيجب
عليه إقامة الدليل على تعني ذلك املعىن ،ألن اللفظ قد تكون له ٍ
معان ،فتعني املعىن
حيتاج إىل دليل.
الش ط الثالث :إثبات صحة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره،
فإن دليل مدعي احلقيقة والظاهر قائم ،ال جيوز العدول عنه إال بدليل صارف يكون
أقوى منه.
الش ط ال انع :أن يسلم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره عن
معارض.
البحث ال انع :تنبيهاي:
-1الفيصل نني صحيح التأويل وابطله :أن الصحيح ما وافق ما دلت
عليه النصوص وما جاءت به السنة وطابقها ،والباطل ما خالف النصوص
والسنة(.)2
-2جيب أن حتمل ألفاظ الكتاب والسنة على ظواهرها إال بدليل
صارف(.)3
-3الدليل الصارف للف عن ظاه ه على درجاي(:)4
=
والفقه ورواية احلديث ،توفيت سنة (58ه) .انظر" :االستيعاب" (،)345/4
و"اإلصابة" (.)348/4
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)360/6و"الصواعق املرسلة" ( ،)288/1و"بدائع الفوائد"
(.)205/4
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)21/6 ،67/3و"الصواعق املرسلة" (.)187/1
( )3انظر ما تقدم يف حكم الظاهر ( )385من هذا الكتاب.
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)33 ،32/2و"قواعد األصول" ( ،)52و"خمتصر ابن اللحام"
( ،)131و"شرح الكوكب املنري" ( ،)462 ،461/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)176
388
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فإن كان االحتمال قريبًا فيكفيه أدىن دليل.
وإن كان الحتمال نعي ًدا فيحتاج إىل دليل قوي.
وإن كان الحتمال متوسطًا فيحتاج إىل دليل متوسط.
-4إذا مل يوجد على التأويل دليل صحيح امتنع محل اللفظ وصرفه عن
ظاهره ،ووجب رد التأويل(.)1
املسألة ال انعة
اجململ
ويف هذه املسألة ست نقاط:
أولً :اجململ عند السلف هو« :ما ل يكفب وحده يف العمل» ،كقوله
ِ
ِِ
ص َدقَةً تُطَ ِه ُ ُه ْر َوتُـ َكِي ِه ْر ِهبَا[ التوبة ،]103 :فإن املأمور به
تعاىلُ :خ ْذ م ْن أ َْم َواهل ْر َ
صدقة تكون مطهرة مزكية هلم ،وهذا إمنا يعرف ببيان الرسول .)2(
اثنيًا :اجململ يف اصطالح األصوليني هو« :ما احتمل معنيني أو أكث من
غْي ت جح لواحد منهما أو منها على غْيه»(.)3
اثلثًا :مثال اجململ :القرء إذ هو مرتدد بني احليض والطهر(.)4
انعا :حكمه :التوقف فيه حىت يتبني املراد منه( ،)5فال جيوز العمل
رً
( )1انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)461/3
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)75/1و"أضواء البيان" (.)93/1
( )3انظر" :قواعد األصول" ( ،)52و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)126و"شرح الكوكب املنري"
( ،)414/3و"أضواء البيان" (.)93/1
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)43/2و"قواعد األصول" ( ،)52و"خمتصر ابن اللحام"
( ،)126و"مذكرة الشنقيطي" (.)179
( )5انظر األمثلة على منهج السلف يف التعامل مع األلفاظ اجململة يف املواضع اآلتية من هذا
الكتاب:
أ -السمع والعقل (ص ،)93ب -القياس (ص ،)184جـ -التحسني والتقبيح (ص
.)333د -تكليف ما ال يطاق (ص ،)337ه -القدرة (ص .)338وانظر يف بيان
هذا املنهج" :جمموع الفتاوى" ( ،)146 ،145/13و"القصيدة النونية" البن القيم (،)97
و"شرح العقيدة الطحاوية" (.)225 ،224
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
389
أبحد احتماالته إال بدليل خارجي صحيح ،فهو حمتاج إىل البيان(.)1
خامسا :اجململ واقع يف الكتاب والسنة ،فمنه ما يقع يف ح ف ،حنو الواو
ً
ِ
ِ
آمنَّا نِ ِه[ آل عمران ،]7 :فإنه حيتمل
يف قوله تعاىلَ :وال َّاس ُخو َن ِيف الْعل ِْر يَـ ُقولُو َن َ
أن تكون عاطفة أو مستأنفة ،ويقع يف اسر ،ويف غري ذلك(.)2
واضحا من وجه آخ ،كقوله
سادسا :قد يكون اللف جممالً من وجه،
ً
ً
ص ِاد ِه[ األنعام.]141 :
تعاىلَ :وآتُوا َح َّقهُ يَـ ْوَم َح َ
فإنه واضح يف إيتاء احلق ،جممل يف مقداره الحتماله النصف أو أقل أو أكثر(.)3
املسألة اخلامسة
البيان
ويف هذه املسألة ثالث أحباث:
-1معىن البيان.
-2طرق البيان.
-3حكم أتخري البيان عن وقت احلاجة.
البحث األول :معىن البيان(:)4
البيان :هو املبني( .)5ويطلق على ما حصل به التبيني :وهو الدليل.
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)322و"روضة الناظر" ( ،)45 ،43/2و"شرح الكوكب املنري"
( ،)414/3و"أضواء البيان" (.)94/1
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)415/3
( )3انظر" :أضواء البيان" (.)94/1
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)54 – 52/2و"قواعد األصول" ( ،)54و"شرح الكوكب
املنري" ( ،)440 – 437/3و"أضواء البيان" ( ،)97 – 94/1و"مذكرة الشنقيطي"
(.)184 ،183
( )5أما املبني ابلفتح فهو مقابل اجململ ،فإن قلت يف تعريف اجململ :هو ما ال يفهم منه عند
اإلطالق معىن معني ،فقل يف تعريف املبني :هو ما فهم منه عند اإلطالق معىن .فيشمل
النص والظاهر ،وإن قلت يف اجململ :هو اللفظ املرتدد بني احتمالني فأكثر على السواء،
فقل يف املبني :هو ما دل على املعىن دون احتمال .وقد يطلق على املبني واملبني ابلكسر
والفتح البيان.
انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)437/3و"نزهة اخلاطر العاطر" ( ،)52/2و"أضواء
البيان" (.)94/1
390
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
واملراد به :كل ما يزيل اإلشكال ،فيدخل فيه التقييد ،والتخصيص،
والنسخ ،والتأويل.
ويطلق البيان على كل إيضاح ،سواء تقدمه خفاء وإمجال أم ال؛ فالبيان اترة
يكون ابتداء ،ويكون اترة بعد إمجال.
البحث الثاين :ط ق البيان(:)1
حيصل البيان بقول من هللا سبحانه أو من رسوله .)2(
وحيصل بفعله وبكتابته ،وإشارته ،وإقراره ،وسكوته ،وتركه.
والقاعدة الكلية فيما حيصل نه البيان:
أنه حيصل بكل مقيد من جهة الشرع .فتتناول القاعدة ما سبق ذكره من
طرق البيان وغريه ،وذلك من وجوه:
منها :الرتك .مثل أن يرتك فعالً قد أمر به ،أو قد سبق منه فعله فيكون
تركه له مبينًا لعدم وجوبه ،كصالته الرتاويح مجاعة يف رمضان ،مث إنه تركها خشية
أن تفرض عليهم()3؛ فدل على عدم وجوهبا.
ويتعلق نط ق البيان أم ان:
األم األول :جيوز أن يكون البيان أضعف رتبة ال داللة من املبني ،فيجوز
بيان املتواتر ابآلحاد(.)4
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)55 ،54/2و"قواعد األصول" ( ،)54و"إعالم املوقعني"
( ،)315 ،314/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)447 – 441/3و"مذكرة الشنقيطي"
(.)184 ،183
( )2من األصول املقررة يف هذا املقام :أن الرسول قد أمت البيان وترك أمته على احملجة
البيضاء ،وأنه ال بيان أحسن من بيان هللا ورسوله .انظر" :جمموع الفتاوى"
( )287/7وانظر (ص )365 ،364 ،133من هذا الكتاب.
( )3تقدم ختريج ذلك انظر (ص )131تعليق رقم ( )5من هذا الكتاب.
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)57/2و"نزهة اخلاطر العاطر" ( ،)67/2و"أضواء البيان"
(.)95 ،94/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
391
األم الثاين :ال يشرتط يف البيان أن يعلمه مجيع املكلفني املوجودين يف
وقته ،بل جيوز أن جيهله بعضهم(.)1
البحث الثالث :حكر أتخْي البيان عن وقت ا اجة:
ال جيوز أتخري البيان عن وقت ا اجة؛ ألن ذلك يؤدي إىل التكليف مبا
شرعا.
ال يطاق وهو ممتنع ً
هذا مذهب العلماء( ،)2وجوزه من أجاء التكليف ابحملال إال أنه وافق على
عدم وقوعه (.)3
أما أتخري البيان عن وقت اخلطاب إىل وقت ا اجة فهو جائز وواقع عند
اجلمهور.
ومن األدلة على ذلك قوله تعاىل :فَاتَّبِ ْع قُـ ْآنَهُ * َُّ إِ َّن َعلَْيـنَا نَـيَانَهُ[ القيامة:
،]19 ،18و«مث» للرتاخي ،فدلت على تراخي البيان عن وقت اخلطاب.
كثريا من النصوص العامة ورد ختصيصها بعدها(.)4
وكذلك فإن ً
إ ا علر أن أتخْي البيان عن وقت ا اجة ل جيوز فال بد أن يفهم هذا
على وجهه الصحيح ،إذ إن احلاجة قد تدعو إىل تعجيل بيان الواجبات واحملرمات
من العقائد واألعمال ،وقد تدعو احلاجة إىل أتخري هذا البيان(.)5
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)54/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)456 ،455/3و"أضواء
البيان" ( .)99/1وانظر الدليل على ذلك فيما أييت (ص )433تعليق رقم ( )2من هذا
الكتاب :وهو أن فاطمة رضي هللا عنها مل تعلم بقوله « :ال نورث ،ما تركناه صدقة»،
الذي بني قوله تعاىل :يوصيكم هللا يف أوالدكم وخصصه.
( )2نقل ابن قدامة اإلمجاع على ذلك فقال« :وال خالف يف أنه ال جيوز أتخري البيان عن
وقت احلاجة»" .روضة الناظر" ( .)57/2وانظر" :املسودة" (.)181
( )3انظر قواعد األصول )54( :و"خمتصر ابن اللحام" ( )129و"شرح الكوكب املنري"
( ،)452 ،451/3و"أضواء البيان" ( ،)98 ،97/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)185
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)60 – 57/2و"قواعد األصول" ( ،)55 ،54و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)454 ،453/3و"أضواء البيان" ( ،)99 ،98/1و"مذكرة
الشنقيطي" (.)186 ،185
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)61 – 59/20و"املسودة" ( )182 ،181و"شرح
الكوكب املنري" (.)453 ،452/3
392
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ومن األمثلة على مشروعية أتخري البيان ألجل احلاجة:
مجيعا ابتداء ،فعليه أن يبلغ من
-1أن املبلغ ال ميكنه أن خياطب الناس ً
يستطيع تبليغه.
-2أن املبلغ ال ميكنه خماطبة الناس جبميع الواجبات مجلة ،بل يبلغ حبسب
الطاقة واإلمكان على سبيل التدريج ،فيبدأ ابألهم ويؤخر غريه.
وكذلك إذا ضاق عليه الوقت.
وهذا التأخري يف البيان لبعض الواجبات ال ينفي قيام احلاجة اليت هي سبب
وجوب البيان ،بل احلاجة قائمة إال أن حصول الوجوب والعقاب على الرتك ممتنع
لوجود املزاحم املوجب للعجز.
وهذا كالدين على املعسر ،أو كاجلمعة على املعذور.
-3أن يكون يف اإلمهال وأتخري البيان من املصلحة ما ليس يف املبادرة؛ إذ
البيان إمنا جيب على الوجه الذي حيصل به املقصود.
فيكون أتخري البيان هو البيان املأمور به ،ويكون هو الواجب أو املستحب،
مثل :أتخري النيب البيان لألعرايب املسيء صالته إىل املرة الثالثة(.)1
وإمنا جيب التعجيل إذا خيف الفوت أبن يرتك الواجب املؤقت حىت خيرج عن
وقته وحنو ذلك.
()2
فائدة :
أ -كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ ألنه كتمان وتدليس ،ويدخل يف
هذا :اإلقرار ابحلق ،والشهادة ،و الفتيا ،واحلديث ،والقضاء.
ب -وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز بل واجب إذا أمكن ووجب
اخلطاب.
جـ -وإن جاز بيانه وكتمانه :فحيث كانت املصلحة يف كتمانه فالتعريض فيه
مستحب ،وحيث كانت املصلحة يف إظهاره وبيانه فالتعريض مكروه واإلظهار
مستحب.
وإن تساوت املصلحة يف كتمانه وإظهاره جاز التعريض والتصريح.
( )1تقدم خترجيه انظر (ص )339تعليق رقم ( )6من هذا الكتاب.
( )2انظر" :الفتاوى الكربى" ( ،)122/6و"إعالم املوقعني" (.)235/3
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
393
املبحث الثالث
األم والنهب ،والعام واخلاص ،واملطلق واملقيد ،واملنطوق واملفهوم.
ويف هذا املبحث أرنعة مطالب:
املطلب األول :األمر والنهي.
املطلب الثاين :العام واخلاص.
املطلب الثالث :املطلق واملقيد.
املطلب ال انع :املنطوق واملفهوم.
394
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب األول
األم والنهب
والكالم على هذا املطلب يف جانبني:
اجلانب األول :األم .
اجلانب الثاين :النهب.
أما اجلانب األول وهو األم ،ففيه تسع مسائل و لك كاآليت:
املسألة األوىل :تعريف األمر.
املسألة الثانية :صيغة األمر.
املسألة الثالثة :داللة األمر على الوجوب.
املسالة ال انعة :داللة األمر على الفور.
املسألة اخلامسة :داللة األمر على التكرار.
املسألة السادسة :األمر بعد احلظر.
املسألة السانعة :هل يستلزم األمر اإلرادة؟
املسألة الثامنة :األمر ابلشيء هل يستلزم النهي عن ضده؟
املسألة التاسعة :تنبيهات.
395
396
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اجلانب األول
األم
والكالم على هذا اجلانب يف تسع مسائل:
املسألة األوىل
تع يف األم
ميكن تعريف األمر أبنه« :استدعاء الفعل ابلقول على وجه الستعالء»(.)1
وهذا التعريف يشمل األمور اآلتية(:)2
أ -أن األمر من قبيل الطلب إذ هو استدعاء ،ومعلوم أن الكالم إما طلب
وإما خرب.
ب -أن األمر طلب الفعل ،وذلك خبالف النهي فهو طلب الكف.
جـ -املراد ابألمر القول حقيقة ،فيخرج بذلك اإلشارة.
د -أن األمر يكون على وجه االستعالء من جهة اآلمر ،أما إن كان اآلمر
يف رتبة املأمور فهو التماس ،وإن كان أدون منه فهو سؤال.
املسألة الثانية
صيغة األم
اتفق السلف على أن ل م صيغة ،وأن هذه الصيغة مبجردها تدل على
األمر ،وهذه الصيغة هي :افعل للحاضر ،وليفعل للغائب(.)3
( " )1روضة الناظر" (.)62/2
( )2انظر« :الفقيه واملتفقه" ( ،)67/1و"روضة الناظر" ( ،)62/2و"قواعد األصول" (،)64
و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)97و"شرح الكوكب املنري" ( ،)10/3و"نزهة اخلاطر العاطر"
(.)62/2
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)67/1و"روضة الناظر" ( ،)63/2و"قواعد األصول" (،)65
و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)98و"شرح الكوكب املنري" ( ،)13/3و"مذكرة الشنقيطي"
(.)188
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
397
وزعم بعض املبتدعة أنه ال صيغة لألمر( )1بناءً على أن الكالم معىن قائم
ابلنفس جمرد عن األلفاظ ،فاألمر عند هؤالء قسمان :نفسي ولفظي ،فاألمر
النفسي عندهم هو :اقتضاء الفعل بذلك املعىن القائم ابلنفس اجملرد عن الصيغة.
واألمر اللفظي هو :اللفظ الدال عليه كصيغة :افعل.
وا ق أن إثبات كالم النفس الباطل خمالف للكتاب والسنة واللغة
والعرف(.)2
ك أَل
اج َع ْل ِيل آيَةً قَ َ
-1فمن الكتا قوله تعاىل لزكراي :قَ َ
ال آيَـتُ َ
ال َر ِ ْ
تُ َكلِر النَّاي ثَ َ ٍ
ج َعلَى قَـ ْوِم ِه ِم َن ال ِْم ْح َا ِ فَأ َْو َحى إِلَْي ِه ْر أَ ْن َسبِ ُحوا
الث لَيَال َس ِواَي * فَ َخ َ َ
َ َ
ِ
كالما ألنه مل يتكلم
نُ ْك َةً َو َعشياا[ مرمي ،]11 ،10 :فلم يسم هللا إشارته إىل قومه ً
بشيء من األلفاظ.
-2ومن السنة قوله « :إن هللا جتاوز ألميت عما وسوست أو حدثت نه
أنفسها ما مل تعمل نه أو تكلر»( ،)3ففرق بني حديث النفس وبني الكالم
ابأللفاظ واحلروف ،فأضاف األول إىل النفس وأطلق الثاين ألنه هو املتبادر إىل
الفهم وهو األصل يف الكالم ،فلم حيتج إىل قيد أو إضافة.
-3واتفق أهل اللغة على أن الكالم :اسم وفعل وحرف ،ولذلك اتفق
الفقهاء أبمجعهم على أن من حلف ال يتكلم فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق
بلسانه مل حينث ،ولو نطق حنث.
متكلما ،ومن عداه ساكتًا أو أخرس.
-4وأهل الع ف كلهم يسمون الناطق ً
( )1ذهب إىل ذلك األشاعرة ،وهذا القول مل يسبقهم إليه أحد .انظر" :قواطع األدلة"
(.)81/1
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)65 ،64/2و"شرح الكوكب املنري" (،)115 – 9/2
و"مذكرة الشنقيطي" (.)189 ،188
( )3رواه البخاري ( )548 /11برقم ( ،)6664واللفظ له ،ومسلم (.)146/2
398
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
والصيغ الدالة على األم أرنع(:)1
الصالةَ[ اإلسراء.]78 :
أ -فعل األمر ،حنو :أَقِ ِر َّ
َّ ِ
ين ُخيَالِ ُفو َن َع ْن أ َْم ِِه
ب -الفعل املضارع اجملزوم بالم األمر ،حنو :فَـلْيَ ْح َذ ِر الذ َ
[النور.]63 :
جـ -اسم فعل األمر ،حنوَ :علَْي ُك ْر أَنْـ ُف َس ُك ْر[ املائدة.]105 :
ض ْ َ ال ِقَا ِ [ حممد.]4 :
د -املصدر النائب عن فعله ،حنو :فَ َ
املسألة الثالثة
دللة األم على الوجو
صيغة األمر املطلقة املتجردة عن القرائن تفيد الوجو
السلف ومجهور األمة(.)2
ومن األدلة على لك(:)3
َّ ِ
ين ُخيَالِ ُفو َن َع ْن أ َْم ِِه أَ ْن
أولً :من القرآن الكرمي قوله تعاىل :فَـلْيَ ْح َذ ِر الذ َ
ِ
ِ
ِ
ِ
ير[ النور ،]63 :ولو مل يكن األمر للوجوب ملا
تُصيبَـ ُه ْر ف ْتـنَةٌ أ َْو يُصيبَـ ُه ْر َع َذا ٌ أَل ٌ
رتب هللا على خمالفته إصابة الفتنة أو العذاب األليم.
ضى هللاُ َوَر ُسولُهُ أ َْم ًا أَ ْن يَ ُكو َن َهلُ ُر
وقوله تعاىلَ :وَما َكا َن لِ ُم ْؤِم ٍن َول ُم ْؤِمنَ ٍة إِ َا قَ َ
ْ
اخلِيَـ َةُ ِم ْن أ َْم ِ ِه ْر[ األحزاب ،]36 :فنفى هللا عن املؤمنني اخلرية إذا ورد األمر،
وهذا هو معىن الوجوب واإللزام.
هذا هو مذهب
( )1انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)188
( )2انظر" :صحيح البخاري" ( ،)336/13و"الفقيه واملتفقه" ( ،)68 ،67/1و"قواطع
األدلة" ( ،)92/1و"روضة الناظر" ( ،)70/2و"القواعد والفوائد األصولية" (،)159
و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)99و"شرح الكوكب املنري" ( ،)39/3و"املدخل إىل مذهب
اإلمام أمحد" ( ،)102و"رسالة ابن سعدي" ( ،)101و"وسيلة احلصول" (،)12
و"مذكرة الشنقيطي" (.)191
( )3انظر" :صحيح البخاري" ( ،)337 ،336/13و"الفقيه واملتفقه" ( ،)68/1و"قواطع
األدلة" ( ،)105 – 95/1و"روضة الناظر" ( ،)73 – 71/2و"شرح الكوكب املنري"
( ،)40/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)192 ،191
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
399
اثنيًا :من السنة قوله « :لول أن أشق على أميت – أو على الناي –
ألم هتر ابلسواك مع كل صالة»( ،)1ومعلوم أنه ندب أمته إىل السواك،
والندب غري شاق ،فدل على أن األمر يقتضي الوجوب فإنه لو أمر لوجب وشق.
اثلثًا :إمجاع الصحابة رضي هللا عنهم على امتثال أوامر هللا تعاىل ووجوب
طاعته من غري سؤال النيب عما عىن أبوامره.
انعا :أن أهل اللغة عقلوا من إطالق األمر الوجوب؛ ألن السيد لو أمر عبده
رً
وحس َن العذر يف عقوبته أبنه خالف األمر ،والواجب ما
فخالفه َحس َن عندهم لومه َ
يعاقب على تركه.
وصيغة األمر ترد ملعان كثْية ،منها(:)2
املعىن األول :الوجوب ،وهو األصل فيها ،إذ الوجوب حقيقة يف األمر ،وما
سواه جماز حيتاج إىل قرينة.
وه ْر إِ ْن َعلِ ْمتُ ْر فِي ِه ْر َخ ْيـ ًا[ النور:
املعىن الثاين :الندب كقوله تعاىل :فَ َكاتِبُ ُ
.]33
اصطَ ُادوا[ املائدة.]2 :
املعىن الثالث :اإلابحة ،كقوله تعاىلَ :وإِ َا َحلَلْتُ ْر فَ ْ
املعىن ال انع :التهديد ،كقوله تعاىل :ا ْع َملُوا َما ِش ْئـتُ ْر[ فصلت.]40 :
وغري ذلك من املعاين.
املسألة ال انعة
دللة األم على الفور
اختلف العلماء يف األمر اجملرد عن القرائن ،هل يدل على الفور وسرعة
املبادرة واالمتثال ،أو على الرتاخي؟
وكونه داالً على الفور اختيار ابن قدامة وابن القيم وابن النجار الفتوحي
( )1رواه البخاري ( )374/2برقم ( )887واللفظ له ،ومسلم (.)142/3
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)66 ،65/2و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)99 ،98و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)38 – 17/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)190 ،189
400
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
والشنقيطي(.)1
ومن األدلة على ذلك ما أييت(:)2
أولً :أن ظواهر النصوص تدل عليه ،كقوله تعاىلَ :و َسا ِر ُعوا إِ َىل َم ْغ ِف َ ٍة ِم ْن
اخلَْيـ ِ
رنِ ُكر[ آل عمران ،]133 :فَ ْ ِ
اي[ البقرة ،148 :املائدة.]48 :
َ ْ
استَب ُقوا ْ َ
اثنيًا :أن وضع اللغة يدل على ذلك؛ فإن السيد لو أمر عبده فلم ميتثل فعاقبه
مل يكن له أن يعتذر أبن األمر للرتاخي.
اثلثًا :أن السالمة من اخلطر والقطع برباءة الذمة إمنا يكون ابملبادرة ،وذلك
أحوط وأقرب لتحقيق مقتضى األمر وهو الوجوب.
املسألة اخلامسة
دللة األم على التك ار
اختلف العلماء يف األمر اجملرد غري املقيد ابملرة وال ابلتكرار وال بصفة وال
بشرط ،هل يقتضي التكرار أو املرة()3؟
أ -فقيل :إن األمر املطلق ال يقتضي التكرار ،بل خيرج من عهدة األمر مبرة
واحدة ،ألن امتثال األمر ال بد فيه من املرة فوجوهبا مقطوع به ،وأما الزايدة على
املرة فال دليل عليها ،ولفظ األمر مل يتعرض هلا .ولداللة اللغة على ذلك فلو قال
متاعا ،مل يلزمه ذلك إال مرة واحدة.
السيد لعبده :اش ِرت ً
ب -وقيل :إن األمر املطلق للتكرار .وهذا ما اختاره انن القير( ،)4واستدل
لذلك أبن عامة أوامر الشرع على التكرار.
مثل قوله تعاىلِ :
آمنُوا ابهلل ورسولِ ِه[ النساء ،]136 :ا ْد ُخلُوا ِيف ِ
السل ِْر
ََ ُ
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)85/2و"زاد املعاد" ( ،)307/3و"شرح الكوكب املنري"
( ،)48/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)195
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)88/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)196
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)68/2و"روضة الناظر" ( ،)78/2و"شرح الكوكب املنري"
( ،)43/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)194
( )4انظر" :جالء األفهام" (.)216
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
401
َطيعوا هللا وأ ِ
ِ
ول[ التغابن،]12 :
َط ُيعوا ال َّ ُس َ
َكافَّةً[ البقرةَ * ،]208 :وأ ُ
َ َ
ِ
الصالةَ َوآتُوا ال َّ َكا َة
يموا َّ
َ واتَّـ ُقوا هللاَ[ احلشر ،]18 :ويف مواضع أخرىَ ،وأَق ُ
[املزمل.]20 :
مث قال« :وذلك يف القرآن أكثر من أن حيصر ،وإذا كانت أوامر هللا ورسوله
على التكرار حيث وردت إال يف النادر علم أن هذا عرف خطاب هللا ورسوله األمة
وإن مل يكن يف لفظه اجملرد ما يؤذن بتكرار وال قول ،فال ريب أنه يف عرف خطاب
الشارع للتكرار فال حيمل كالمه إال على عرفه واملألوف من خطابه ،وإن مل يكن
مفهوما من أصل الوضع يف اللغة .)1(».....
ذلك
ً
املسألة السادسة
األم نعد ا ظ
إذا وردت صيغة األمر بعد النهي فإهنا تفيد ما كانت تفيده قبل النهب:
فإن كانت تفيد اإلابحة أفادت اإلابحة ،وكذا الوجوب واالستحباب.
وهذا املذهب هو املعروف عن السلف واألئمة(.)2
والذي يدل على ذلك هو الستق اء( ،)3فمن ذلك:
مباحا مث منع لإلحرام مث أمر به عند اإلحاللَ :وإِ َا
أ -قتل الصيد كان ً
اصطَ ُادوا[ املائدة .]2 :فرجع ملا كان عليه قبل التحرمي وهو اإلابحة.
َحلَلْتُ ْر فَ ْ
ب -قتل املشركني كان واجبًا مث منع ألجل دخول األشهر احلرم ،مث أمر به
عند انسالخها يف قوله تعاىل :فَِإ َا انْ َسلَ َخ األ ْش ُه ُ ا ُُْ ُم فَاقْـتُـلُوا ال ُْم ْش ِ ِك َني[ التوبة:
.]5
فرجع إىل ما كان عليه قبل املنع وهو الوجوب.
وهذا املذهب ينتظم مجيع األدلة وال يرد عليه دليل.
(" )1جالء األفهام" (.)217
( )2انظر" :القواعد والفوائد األصولية" (.)166 ،165
( )3انظر" :املسودة" ( ،)18و"أضواء البيان" ( ،)3/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)193
402
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اصطَ ُادوا[ املائدة:]2 :
قال ابن كثري عند قوله تعاىلَ :وإِ َا َحلَلْتُ ْر فَ ْ
«وهذا أمر بعد احلظر ،والصحيح الذي يثبت على السري أنه يرد احلكم إىل
ما كان عليه قبل النهي :فإن كان واجبًا رده واجبًا ،وإن كان مستحبًا فمستحب،
مباحا فمباح .ومن قال :إنه على الوجوب ينتقض عليه آبايت كثرية ،ومن قال:
أو ً
إنه لإلابحة يرد عليه آايت أخرى .والذي ينتظم األدلة كلها هذا الذي ذكرًنه كما
اختاره بعض علماء األصول .وهللا أعلم»(.)1
املسألة السانعة
هل يستل م األم اإلرادة؟
التحقيق يف هذه املسألة التفصيل:
وذلك أن اإلرادة نوعان(:)2
-1إرادة قدرية كونية فهذه هي املشيئة الشاملة جلميع املوجودات ،كقوله
تعاىل :إِ َّن هللاَ يَـ ْف َع ُل َما يُ ِي ُد[ احلج .]14 :وهي ال تستلزم حمبة هللا ورضاه.
-2إرادة دينية ش عية فهذه متضمنة حملبة هللا ورضاه ،كقوله تعاىل:
َ و َّ
اَّللُ يُ ِي ُد أَ ْن يَـتُو َ َعلَْي ُك ْر[ النساء .]27 :ولكنها قد تقع وقد ال تقع.
فأوامر هللا سبحانه وتعاىل تستلزم اإلرادة الشرعية لكنها ال تستلزم اإلرادة
شرعا وهو يعلم سبحانه أنه ال يريد وقوعه
الكونية؛ فقد أيمر سبحانه أبم ٍر يريده ً
وقدرا.
ً
كوًن ً
واحلكمة من ذلك :ابتالء اخللق ومتييز املطيع من غري املطيع.
(" )1تفسري ابن كثري" (.)7 ،6/2
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)131/8و"شرح العقيدة الطحاوية" ( ،)116و"مذكرة
الشنقيطي" (.)190
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
403
املسألة الثامنة
األم ابلشبء هل يستل م النهب عن ضده؟
ال شك أن األمر ابلشيء ليس هو النهي عن ضده من حيث اللف ،إذ
لفظ األمر غري لفظ النهي.
أما من حيث املعىن فإن األمر ابلشيء يستلزم النهي عن ضده ،فإن قولك:
اسكن ،مثالً يستلزم النهي عن احلركة؛ ألنه ال ميكن وجود السكون مع التلبس
بضده وهو احلركة ،الستحالة اجتماع الضدين ،فاألمر ابلشيء أمر بلوازمه وذلك
اثبت بطريق اللزوم العقلي ال بطريق قصد األمر(.)1
ذلك أن اآلمر ابلفعل قد ال يقصد طلب لوازمه وإن كان عاملا أبنه ال بد من
ً
وجودها مع فعل املأمور(.)2
تنبيه:
هذا القول خيتلف عن القول أبن األمر ابلشيء عني النهي عن ضده؛ ألن
مذهب القائلني أبن األمر ابلشيء هو عني النهي عن ضده مبين على أساس فاسد،
وهو أن األمر قسمان :نفسي ولفظي ،فباعتبار األمر النفسي زعموا أن األمر هو
عني النهي عن الضد(.)3
املسألة التاسعة
تنبيهاي
-1امل ـ ـراد ابألمـ ــر األمـ ــر اللفظـ ــب الدالـ ــة عليـ ــه صـ ــيغة األمـ ــر «افعـ ــل»؛ ذلـ ــك
ِ
ـالم
ألن كــالم هللا هــو الــذي نق ـرأه أبلفاظــه ومعانيــه ،قــال تعــاىل :فَـأَج ْهُ َحـ َّـىت يَ ْسـ َـم َع َكـ َ
( )1انظر (ص )296وما بعدها من هذا الكتاب.
( )2انظر" :املسودة" ( ،)49و"جمموع الفتاوى" ( ،)166 – 159/20و"خمتصر ابن
اللحام" ( ،)101و"مذكرة الشنقيطي" (.)28
( )3انظر" :القواعد والفوائد األصولية" ( ،)183و"شرح الكوكب املنري" ( ،)52/3و"مذكرة
الشنقيطي" ( ،)27وانظر فيما سبق من هذا الكتاب فيما يتعلق ابلكالم النفسي.
404
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ِ
هللا[ التوب ـة ،]6 :فص ــرح س ــبحانه أبن م ــا يس ــمع ذل ــك املش ــرك املس ــتجري –أبلفاظ ــه
ومعانيه– هو كالمه تعاىل.
هذا هو احلق الذي ذهب إليه سلف األمة يف هذه املسألة(.)1
وذهب كثري من املتكلمني إىل أن األمر نوعان:
أمر لفظي وهو ما سبق ذكره ،وأمر نفسي وهو الكالم القائم ابلنفس اجملرد
عن األلفاظ واحلروف.
فإثبات هؤالء األمر النفسي مبين على إثباهتم للكالم النفسي الباطل ،وهذا
خمالف للكتاب والسنة واللغة والعرف ،كما سبق بيانه(.)2
أمرا به.
-2األمر ابألمر ابلشيء ليس ً
وذلك كقوله « :م وا أولدكر ابلصالة وهر أنناء سبع سنني»( .)3فهذا
إجيااب عليه ،مع أن األمر واجب على الويل.
خطااب من الشارع للصيب وال ً
ليس ً
وقد يدل دليل على أن األمر ابألمر ابلشيء أمر به فيكون ذلك أم ًا نه بال
خالف .وذلك كقوله « :م ه فلْياجعها»( .)4فإن الم األمر يف قوله:
«فلْياجعها» ،صدرت منه متوجهة إىل عبد هللا بن عمر رضي هللا عنهما فيكون
مأمورا بال خالف(.)5
ً
-3فعل األمر هل يقتضي اإلاثبة واإلجزاء؟
اجلواب على ذلك أن اإلجزاء واإلاثبة جيتمعان ويفرتقان.
( )1انظر يف ذلك" :رسالة السجزي إىل أهل زبيد يف الرد على من أنكر احلرف والصوت" .لإلمام أيب
نصر السجزي ،وهي من مطبوعات اجمللس العلمي ابجلامعة اإلسالمية ابملدينة املنورة.
( )2انظر (ص )398 ،397من هذا الكتاب.
( )3رواه أبو داود ( )133/1برقم ( ،)495وحسنه األلباين .انظر" :صحيح اجلامع"
( )1022/2برقم (.)5868
( )4قال ذلك لعمر بن اخلطاب رضي هللا عنه يف شأن طالق ابنه عبد هللا رضي هللا عنهما
امرأته يف احليض .احلديث أخرجه البخاري ( )345/9برقم ( ،)5251ومسلم
(.)61/10
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)96/2و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)190و"مذكرة
الشنقيطي" (.)198
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
405
فاإلجزاء :براءة الذمة من عهدة األمر والسالمة من ذم الرب وعقابه.
واإلاثبة :اجلزاء على الطاعة.
مثال اإلج اء مع عدم اإلاثنة :إذا اشتمل الصيام مثالً على قول الزور
والعمل به فتربأ الذمة ويقع احلرمان من األجر ألجل املعصية.
ومثال اإلاثنة مع عدم اإلج اء :إذا فعل املأمور به ًنقص الشروط واألركان؛
فيثاب على ما فعل وال تربأ الذمة إال بفعله كامالً ابلنسبة للقادر العامل.
ومثال اجتماع اإلج اء واإلاثنة :إذا فعل املأمور به على الوجه الكامل ومل
يقرتن به معصية ختل ابملقصود.
فَـعلم بذلك أن امتثال األم على الوجه املطلوب يقتضب اإلج اء دون
الثوا (.)1
قال ابن تيمية بعد أن ذكر التفصيل السابق« :هذا حت ي جيد :أن فعل
املأمور به يوجب الرباءة ،فإن قارنه معصية بقدره ختل ابملقصود قابل الثواب ،وإن
نقص املأمور به أثيب ومل حتصل الرباءة التامة.
()2
فإما أن يعاد ،وإما أن جيرب ،وإما أن أيمث» .
-4األمر املطلق ابإلمتام أمر ابإلتيان ابلواجب واملستحب ،كقوله تعاىل:
َ وأَِمتُّوا ا َْ َّج َوال ُْع ْم َةَ ََِِّّلل[ البقرة .]196 :فما كان واجبًا فاألمر به إجياب ،وما
كان مستحبًا فاألمر به استحباب(.)3
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)93/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)303/19و"مذكرة الشنقيطي"
(.)197
(" )2جمموع الفتاوى" (.)304/19
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)292 ،291/19
406
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اجلانب الثاين
النهب
والكالم على هذا اجلانب يف ثالث مسائل:
املسألة األوىل
النهب على وزان األم
قال ابن قدامة« :اعلم أن ما ذكرًنه من األوامر تتضح به أحكام النواهي ،إذ
لكل مسألة من األوامر وزان من النواهي على العكس( ،)1فال حاجة إىل التكرار إال
يف اليسري»(.)2
وبيان ذلك فيما أييت(:)3
أ -يف التع يف فيقال :النهي هو استدعاء الرتك ابلقول على وجه االستعالء.
ب -أن األمر ظاهر يف الوجو مع احتمال غريه ،والنهي ظاهر يف التح مي
مع احتمال غريه.
جـ -أن صيغة األمر افعل ،وصيغة النهي ل تفعل.
د -أن النهي يلزمه التك ار والفور ،واألمر يلزمانه على خالف فيه.
ﻫ -أن األمر يقتضي صحة املأمور به ،والنهي يقتضي فساد املنهي عنه.
و -أن املكلف خيرج عن عهدة التكليف يف األمر بفعله ،ويف النهي برتكه.
( )1يف الروضة" :وعلى العكس" والتصويب من "املستصفى" (.)513
(" )2روضة الناظر" (.)112 ،111/2
( )3انظر" :مجاع العلم" ( ،)125و"صحيح البخاري" ( ،)336/13و"خمتصر ابن اللحام"
( ،)103و"شرح الكوكب املنري" ( ،)77/3و"نزهة اخلاطر العاطر" (،)111/2
و"مذكرة الشنقيطي" (.)201
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
407
املسألة الثانية
أن جنق فعل املأمور نه أعظر من جنق ت ك املنهب عنه.
وأن جنس ترك املأمور به أعظم من جنس فعل املنهي عنه.
وأن املثوبة على أداء الواجبات أعظم من املثوبة على ترك احملرمات.
()1
وأن العقوبة على ترك الواجبات أعظم من العقوبة على فعل احملرمات .
ومما يدل على ذلك(:)2
أ -أن أول ذنب عصي هللا به كان من أيب اجلن وأيب اإلنس ،أبوي الثقلني،
وكان ذنب أيب اجلن أكرب وأسبق ،وهو ترك املأمور به – وهو السجود – إابءً
استكبارا ،وذنب أيب اإلنس كان ذنبًا أصغر ،وهو فعل املنهي عنه – وهو األكل
و
ً
من الشجرة – مث إنه اتب منه.
ب -أن ذنب ارتكاب النهي مصدره يف الغالب الشهوة واحلاجة ،وذنب ترك
األمر مصدره يف الغالب الكرب والعزة ،وال يدخل اجلنة من يف قلبه مثقال ذرة من
كرب ،ويدخلها من مات على التوحيد وإن زىن وسرق.
جـ -أن املقصود من إرسال الرسل طاعة املرسل ،وال حتصل إال ابمتثال
أوامره ،ومن متام امتثال األوامر ولوازمها اجتناب النواهي.
مطيعا وكان عاصيًا،
وهلذا لو اجتنب املناهي ومل يفعل ما أمر به مل يكن ً
خبالف ما لو أتى ابملأمورات وارتكب املناهي فإنه وإن عد عاصيًا مذنبًا فإنه مطيع
ابمتثال األمرٍ ،
مطيعا
عاص ابرتكاب النهي ،خبالف اترك األمر فإنه ال يعد ً
ابجتناب املنهيات خاصة.
ًنج مطل ًقا إن غلبت حسناته
د -أن من فعل املأمورات واملنهيات فهو إما ٍ
سيئاته ،وإما ًنج بعد أن يؤخذ منه احلق ويعاقب على سيئاته ،فمآله إىل النجاة
وذلك بفعل املأمور.
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)158 – 85/20و"الفوائد" البن القيم (،)169 – 157
و"عدة الصابرين" (.)33 – 27
( )2انظر املصادر السابقة.
408
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة الثالثة
أن النهب يقتضب الفساد
وهذا ما عليه سلف األمة ،ال فرق يف ذلك بني العبادات واملعامالت
والعقود ،وال بني ما هني عنه لذاته أو لغريه ،إذ كل هن ٍي للفساد ،وهذا مذهب
الصحابة والتابعني هلم إبحسان وأئمة املسلمني(.)1
ومن األدلة على لك:
()2
أولً :قول النيب « :من عمل عمالً ليق عليه أم ان فهو رد» ؛ يعين:
مردود كأنه مل يوجد(.)3
اثنيًا :أن الصحابة استدلوا على فساد العقود ابلنهي عنها( ،)4وهذا أمر
إمجاعا(.)5
مشتهر بينهم من غري نكري فكان ً
اثلثًــا :أن املنهــي عنــه مفســدته راجحــة ،وإن كــان فيــه مصــلحة فمصــلحته
مرجوحــة مبفســدته ،فمــا نـَ َهـ ى هللا عنــه وحرمــه إمنــا أراد منــع وقــوع الفســاد ودفعــه؛
ألن هللا إمنـ ــا ينه ـ ـى عمـ ــا ال حيبـ ــه ،وهللا ال حيـ ــب الفسـ ــاد ،فعلـ ــم أن املنهـ ــي عنـ ــه
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)347و"روضة الناظر" ( ،)112/2و"جمموع الفتاوى" (،281/29
،)282/25و"شرح الكوكب املنري" ( ،)84/3و"أضواء البيان" (،)173 ،172/3
و"مذكرة الشنقيطي" (.)201
( )2سبق خترجيه انظر (ص )188من هذا الكتاب.
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)114/2و"جامع العلوم واحلكم" (.)177/1
( )4من األمثلة على ذلك:
أ -احتجاج ابن عمر رضي هللا عنهما يف فساد نكاح املشركات بقوله تعاىل :وال تنكحوا
املشركات ،ويف نكاح احملرم ابلنهي عنه بقوله « :ال ينكح احملرم وال ينكح وال
خيطب» .رواه مسلم (.)193/9
ب -استدالهلم على فساد عقود الراب بقوله « :ال تبيعوا الذهب ابلذهب إال مثالً مبثل».
رواه البخاري ( )379/4برقم ( ،)2177ومسلم ( .)9/11انظر" :روضة الناظر"
( ،)114/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)282 ،281/29و"شرح الكوكب املنري" (،85/3
.)86
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)114/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)282 ،281/29و"شرح
الكوكب املنري" (.)86 ،85/3
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
409
فاسد ليس بصاحل(.)1
ثبتت فيها
قال ابن تيمية« :وال يوجد قط يف شيء من صور النهي صورة ْ
الصحة بنص وال إمجاع.)2(»...
وميكن تفصيل قاعدة «النهب يقتضب الفساد» ببيان أقسام املنهي عنه،
وذلك على النحو اآليت:
ينقسم املنهي عنه أولً إىل ما هني عنه ألجل حق هللا ،وإىل ما هني عنه
ألجل حق اآلدمب(.)3
فاألول :كنكاح احملرمات ،وبيع الراب .والثاين :كتحرمي اخلطبة على اخلطبة،
وبيع النجش ،والكل فاسد ،إال أن القسم الثاين موقوف على إذن املظلوم؛ ألن
الزما كاحلالل ،بل أثبت حق
النهي هنا حلق اآلدمي ،فلم جيعله الشارع
ً
صحيحا ً
املظلوم وسلطه على اخليار ،فإن شاء أمضى وإن شاء فسخ(.)4
وينقسم اثنيًا إىل عباداي ومعامالي ،والكل يقتضي الفساد ،إال ما كان من
املعامالت من قبيل حق اآلدمي فهذا موقوف على إجازة صاحب احلق كما تقدم.
وينقسم اثلثًا إىل ما ُهنب عنه لذاته ،لكونه يشتمل على مفسدة ،مبعىن أنه
حمرم على أي صورة وقع ،وال ميكن أن يكون حالالً ،وذلك كتحرمي اخلمر والراب.
وإىل ما هنُب عنه لسد الذريعة ،فهو إن جرد عن الذريعة مل يكن فيه مفسدة.
مبع ـ ــىن أن ـ ــه حم ـ ــرم عل ـ ــى ص ـ ــورة معين ـ ــة وص ـ ــفة خاص ـ ــة ،لك ـ ــن أص ـ ــل الفع ـ ــل
حالل ،وذلك كالنهي عن الصالة يف أوقات النهي ،والصوم يوم العيد(.)5
وميكن أن نقول :إن النهي ينقسم إىل ما له جهة واحدة ،وإىل ما له جهتان
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)283 ،282/29 ،282/25
(" )2جمموع الفتاوى" (.)283/29
( )3ضابط حق هللا ما ليس للعبد إسقاطه كاإلميان وحترمي الكفر ،وضابط حق العبد ما لو
أسقطه لسقط كالديون واألمثان .انظر" :الفروق" (.)141 ،140/1
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)285 – 283/29و"جامع العلوم واحلكم" ( )181/1وما
بعدها.
( )5انظر" :الرسالة" ( ،)343و"جمموع الفتاوى" (.)288/29
410
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
هو من إحدامها مأمور به ومن األخرى منهي عنه ،ومعلوم أن القسم األول ال
خالف يف اقتضائه للفساد.
واخلالف يف القسم الثاين إمنا وقع يف انفكاك اجلهة :فمن رأى أن اجلهة
مأمورا به قربةٌ ،ومن حيث كونه منهيًا عنه
منفكة مبعىن أن الفعل من حيث كونه ً
معصية ،قال :إن النهب ل يقتضب الفساد ،ومن رأى أن اجلهة واحدة ليست
حمرما وال ميكن أن يقع قربة ،قال :إن النهب يقتضب
منفكة مبعىن أن الفعل يقع ً
()1
الفساد والكل متفق على أن املنهي عنه إن كانت جهته واحدة اقتضى الفساد .
تنبيه :كون النهي يقتضي الفساد مشروط أبن يتجرد النهي عن القرائن ،أما
مع وجود القرائن فيختلف احلال؛ إذ يقتضي النهي ههنا ما دلت عليه القرينة ،لذا
معا يف آن واحد(.)2
فإن النهي إذا جترد عن القرائن أفاد التحرمي والفساد ً
( )1انظر" :أضواء البيان" ( ،)172 ،171/3و"مذكرة الشنقيطي" ( )202وانظر
(ص )303 ،302من هذا الكتاب.
( )2انظر" :املسودة" ( ،)84و"نزهة اخلاطر العاطر" (.)112/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب الثاين
العام واخلاص
ويف هذا املطلب سبع مسائل:
املسألة األوىل :تعريف العام.
املسألة الثانية :أقسام العام.
املسألة الثالثة :صيغ العموم.
املسألة ال انعة :داللة العام بني القطع والظن.
املسألة اخلامسة :التخصيص.
املسألة السادسة :املخصصات.
املسألة السانعة :تعارض اخلاص والعام.
411
412
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف العام
العام لغة :الشامل(.)1
ويف اصطالح األصوليني ميكن تعريفه أبنه« :ما يستغ ق مجيع ما يصلح له،
حبسب وضع واحد ،دفعة ،نال حص »(.)2
ويف هذا التعريف النقاط اآلتية:
أ -أن العام ال بد فيه من الستغ اق ،أما ما ال استغراق فيه فال يدخل حتت
العام ،كلفظ الرجل إذا أريد به معني فإنه مل يستغرق ما يصلح له؛ إذ لفظ الرجل
يصلح للداللة على مجيع الرجال(.)3
ب -أن االستغراق يف العام شامل جلميع أفراده يف آن واحد ،وهذا هو املراد
من تقييد العام يف التعريف بـ"دفعة" ليخرج بذلك املطلق إذ إن استغراق املطلق
بديل – على سبيل التناوب – ال دفعة واحدة(.)4
جـ -أن االستغراق يف العام ال حد وال حصر له ،وبذلك خترج أْساء األعداد
فإهنا حمصورة وهذا معىن القيد الوارد يف تعريف العام «نال حص »(.)5
د -أن االستغراق يف العام يتعلق بشيء واحد ،فنجد العام يستغرق شيئًا
احدا ،أما املشرتك املوضوع الستغراق عدة أشياء فليس من العام ،وهلذا قيد العام
و ً
()6
أبنه «حبسب وضع واحد» .
املسألة الثانية
أقسام العام
ينقسم العام إىل أقسام عديدة ،وذلك حسب االعتبارات اآلتية:
( )1انظر" :املعجم الوسيط" (.)629/2
( )2انظر" :نزهة اخلاطر العاطر" ( ،)120/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)203
( )3انظر" :نزهة اخلاطر العاطر" (.)120/2
( )4انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)203
( )5انظر املصدر السابق.
( )6انظر املصدر السابق.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
413
-1ابعتبار ما فوقه وما حتته ينقسم العام إىل عام ال أعم منه ،كاملعلوم
واملذكور ،فإنه يشمل مجيع املوجودات واملعدومات ،وإىل عام هو ابلنسبة ملا حتته
أعم ،وابلنسبة ملا فوقه أخص ،كاحليوان فإنه أعم من اإلنسان وأخص من النامي.
فاألول عام مطلق ،والثاين عام نسيب إضايف(.)1
-2ابعتبار املراد منه ينقسم العام إىل عام أريد نه العام ،وإىل عام أريد نه
اخلاص.
وقد بوب الشافعي لكل قسم من هذين القسمني ،فقال يف القسم األول:
عاما يُ اد نه العام ويدخله اخلصوص»( ،)2ومثل
«اب نيان ما ن ل من الكتا
ً
ِ
ض إِل علَى ِ
ٍ
األر ِ
هللا ِرْزقُـ َها[ هود .]6 :فاملراد كل
َ
له بقوله تعاىلَ :وَما م ْن َدانَّة ِيف ْ
دابة دون استثناء.
وقال يف القسم الثاين« :اب نيان ما ن ل من الكتا عام الظاه ي اد نه
كله اخلاص»( ،)3ومثل له بقوله تعاىل :الَّ ِ
ال َهلُر النَّاي إِ
َّ
َّاي قَ ْد َمجَ ُعوا
ن
ال
ن
ق
ين
ذ
َ
َ
َ
َ
ُ
ُ
لَ ُك ْر[ آل عمران ،]173 :فههنا ثالث صيغ للعمود :الذين ،والناس يف
املوضعني ،ومعلوم أنه ال ميكن محل واحد من هذه األلفاظ على عمومه.
جمازا ،خبالف العام املخصوص؛
وقد يسمى العام الذي أريد به اخلصوص ً
ألن األول نقل اللفظ فيه عن موضوعه األصلي خبالف الثاين(.)4
-3ابعتبار ختصيصه ينقسم العام إىل عام وفوظ ٍ
ابق على عمومه مل يدخله
ختصيص ،وإىل عام خمصوص ،قد زال عمومه ودخله التخصيص.
ِ
ض إِل علَى ِ
ٍ
األر ِ
هللا ِرْزقُـ َها
َ
مثال القسر األول :قوله تعاىلَ :وَما م ْن َدانَّة ِيف ْ
[هود .]6 :قال الشافعي« :فهذا عام ال خاص فيه»(.)5
ومثال القسر الثاين :قوله تعاىل :والَّ ِذين ُهر لُِف ِ
وج ِه ْر َحافِظُو َن * إِل َعلَى أَ ْزَو ِاج ِه ْر أ َْو
َ َ ْ ُ
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)120/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)204
(" )2الرسالة" (.)53
(" )3الرسالة" (.)58
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)168 – 165/3
(" )5الرسالة" (.)54
414
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ت أَْميَانـُ ُه ْر فَِإنَّـ ُه ْر غَْيـُ َملُ ِوم َني[ املؤمنون ،6 ،5 :واملعارج.]30 ،29 :
َما َملَ َك ْ
ت أ َْميَانُـ ُه ْر ليست ابقية على عمومها
قال الشنقيطي« :إن آية ْ أو َما َملَ َك ْ
إمجاعا؛ لإلمجاع على
إبمجاع املسلمني؛ ألن األخت من الرضاع ال حتل مبلك اليمني ً
اع ِة[ النساء:
أن عموم ْ أو َما َملَ َك ْ
َخ َواتُ ُك ْر ِم َن ال َّ َ
ت أ َْميَانُـ ُه ْر خيصصه عموم َ وأ َ
ضَ
.)1(»]23
والصحيح :القول حبجية العام بقسميه احملفوظ واملخصوص ،فال فرق بني
العام قبل التخصيص والعام بعد التخصيص.
والدليل على لك متسك الصحابة رضي هللا عنهم ابلعمومات ،وكثري منها
خمصوص ،مث إن إسقاط االحتجاج ابلعام املخصوص يفضي إىل إبطال عمومات
القرآن اليت دخلها التخصيص(.)2
كما أن األصح يف تعارض العام احملفوظ مع العام املخصوص تقدمي العام احملفوظ.
وا جة يف لك أن األول متفق على حجيته وأنه حقيقة ،والثاين اختلف يف
كونه حجة يف الباقي بعد التخصيص ،والذين قالوا :هو حجة يف الباقي .قال مجاعة
منهم هو :جماز يف الباقي ،ومعلوم أن ما اتفق على أنه حجة وأنه حقيقة أوىل مما
اختلف يف حجيته وهل هو حقيقة أو جماز()3؟.
وذهب ابن تيمية إىل أن غالب عموماي الق آن وفوظة ،وذكر أن من
يقول :إن أكثر العمومات خمصوصة مع إثباته للعموم يرد عليه سؤال ال توجيه له،
وهو أن يقال:
هذا القدر الذي ذكرته إما أن مينع من االستدالل ابلعموم أو ال ،فإن كان
مانعا فهو مذهب منكري العموم ،وهو مذهب سخيف مل ينتسب هذا القائل إليه
ً
مانعا من االستدالل فهذا كالم ضائع.
وإن مل يكن ً
(" )1أضواء البيان" (.)762/5
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)151/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)214
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)210/23و"أضواء البيان" ( ،)762/5و"مذكرة
الشنقيطي" (.)324
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
415
مث ذكر رمحه هللا أن استق اء آَيي الق آن الك مي دال على أن غالب
عموماته حمفوظة ،كقوله تعاىل :ا َْ ْم ُد ََِِّّلل َر ِ ال َْعالَ ِم َني[ الفاحتة ،]1 :فهي شاملة
ك يـوِم ِ
ِِ
الدي ِن[ الفاحتة ،]3 :فكل شيء يف يوم الدين
لكل أحد ،وقولهَ :مال َ ْ
ميلكه(.)1
وقد جرى يف تعبري بعض أهل العلم أن أكث العموماي خمصوصة(.)2
وميكن محل ذلك على أن مرادهم نصوص األحكام (األمر والنهي) على
وجه اخلصوص .وأن مراد ابن تيمية أعم من ذلك؛ ألنه استند إىل االستقراء التام
فيما ذهب إليه ،فال تعارض بني املذهبني بناءً على هذا التفسري .وهللا أعلم.
ومما جيدر التنبيه عليه يف هذا املقام:
أن املبالغة يف القول أبن أكثر العمومات خمصوصة قد يراد هبا تضعيف
االستدالل ابلعمومات الواردة يف الكتاب والسنة ،واحلكم بتخصيصها أبدلة غري
صاحلة كالتخصيص ابملعارض العقلي(.)3
كما أن املبالغة يف القول أبن أكثر العمومات حمفوظة قد يراد هبا إبطال كثري
من املخصصات الصحيحة كخرب الواحد مما يفضي إىل تعطيل العمل بعدد كبري من
السنن اآلحادية(.)4
املسألة الثالثة
صيغ العموم
امل ـ ـ ـ اد نصـ ـ ــيغ العمـ ـ ــوم األلف ـ ــاظ الدال ـ ــة عل ـ ــى الش ـ ــمول واالس ـ ــتغراق يف
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)445 – 441/6
( )2انظر على سبيل املثال" :روضة الناظر" ( ،)166 ،159 ،151/2و"شرح الكوكب
املنري" ( ،)187/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)214
( )3انظر (ص )83من هذا الكتاب فيما يتعلق مبذهب القائلني بتقدمي املعارض العقلي على
النصوص.
( )4انظر (ص )432من هذا الكتاب فيما يتعلق مبذهب القائلني بعدم ختصيص العام وما مت
نقله عن ابن تيمية يف الرد عليهم.
416
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وضع لغة العرب ،وهذا ما ميكن أن يسمى ابلعموم اللفظي أو ألفاظ العموم.
ومذهب السلف( )1أن للعموم ألفاظًا ختصه(.)2
ومن األدلة على لك:
أولً :أن الصحابة رضي هللا عنهم أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم
إال ما دل على ختصيصه دليل ،فإهنم كانوا يطلبون دليل اخلصوص ال دليل العموم،
إمجاعا منهم(.)3
وكانوا يفهمون العموم من صيغته ،فكان هذا ً
اثنيًا :أن إنكار صيغ العموم يؤدي إىل اختالل أوامر الشرع العامة كلها؛ إذ
ال يصح االحتجاج بلفظ عام؛ ألن كل واحد ميكنه أن يقول :ليس يف هذا اللفظ
داللة على أين مراد به ،فبذلك تبطل داللة الكتاب والسنة وهذا معلوم فساده
أيضا إمام وال طائفة هلا مذهب مستقر يف
( )1قال ابن تيمية« :وأما العموم اللفظي فما أنكره ً
العلم ،وال كان يف القرون الثالثة من ينكره.
وإمنا حدث إنكاره بعد املائة الثانية وظهر بعد املائة الثالثة.
وأكرب سبب إنكاره إما من اجملوزين للعفو من أهل السنة ،أو من أهل املرجئة من ضاق عطنه
ملا ًنظره الوعيدية بعموم آايت الوعيد وأحاديثه فاضطره ذلك إىل أن جحد العموم يف
اللغة والشرع ،فكانوا فيما فروا إليه من هذا اجلحد كاملستجري من الرمضاء ابلنار».
"جمموع الفتاوى" ( ،)441 ،440 / 6وانظر ( )484 – 481/12منه.
( )2انظر" :قواطع األدلة" ( ،)292/1و"روضة الناظر" ( ،)123/2و"خمتصر ابن اللحام"
( ،)106و"شرح الكوكب املنري" (.)108/3
( )3من األمثلة على ذلك ما ذكره ابن قدامة يف" :الروضة" ( )129/2فمن ذلك:
أ -ملا نزل قوله تعاىل :ال يستوي القاعدون من املؤمنني[ النساء .]95 :قال ابن أم مكتوم:
إين ضرير البصر فنزل :غري أوىل الضرر[ النساء .]95 :ففهم الضرير وغريه من عموم
اللفظ .رواه البخاري ( )259/8برقم (.)4594 ،4593 ،4592
ب -وملا نزل :إنكم وما تعبدون من دون هللا حصب جهنم أنتم هلا واردون[ األنبياء.]98 :
حممدا .فقال له :قد عبدت املالئكة واملسيح ،أفيدخلون
قال ابن الزبعري :ألخصمن ً
النار؟ فنزل :إن الذين سبقت هلم منا احلسىن أولئك عنها مبعدون[ األنبياء.]101 :
فعقل العموم ومل ينكر عليه حىت بني هللا تعاىل املراد من اللفظ .أخرجه احلاكم وصححه،
ووافقه الذهيب .انظر" :املستدرك" (.)385/2
جـ -وملا مسع عثمان بن مظعون قول لبيد :وكل نعيم ال حمالة زائل ،قال له :كذبت إن نعيم
اجلنة ال يزول .انظر" :اإلصابة" (.)457/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
417
يقينًا(.)1
اثلثًا :أن صيغ العموم حيتاج إليها يف كل لغة ،واللغة موضوعة لإلابنة عما يف
جدا أن
النفوس ،واملتكلم حيتاج إىل البيان عن املسمى اخلاص والعام ،فمن البعيد ً
يغفل مجيع اخللق عن هذه الصيغ فال يضعوهنا وال يستعملوهنا مع احلاجة الشديدة
إليها(.)2
أما صيغ العموم اليت تفيد العموم بوضع اللغة فهي مخسة أقسام(:)3
القسر األول :كل اسم عرف ابأللف والالم غري العهدية ،وذلك يشمل
اعا ثالثة:
أنو ً
أ -ألفاظ اجلموع؛ كاملسلمني واملشركني.
ب -أمساء األجناس؛ كالناس واحليوان.
جـ -لفظ الواحد؛ كالسارق واإلنسان.
القسر الثاين :ما أضيف من هذه األنواع الثالثة املتقدمة يف القسم األول إىل
معرفة ،مثل :مال زيد ،عبيد زيد.
القسر الثالث :أدوات الشرط ،مثل" :من" للعاقل :ومن يـتـوَّكل علَى ِ
هللا
َ َ ْ ََ َ ْ َ
فَـ ُه َو َح ْسبُهُ[ الطالق ،]3 :ومثل" :ما" ملا ال يعقلَ :وَما تَـ ْف َعلُوا ِم ْن َخ ٍْْي يَـ ْعلَ ْمهُ هللاُ
[البقرة ،]197 :ومثل" :أي"« :أميا ام أة نكحت نغْي إ ن وليها فنكاحها
ابطل»( ،)4وهذه األدوات الثالث تعم مطل ًقا ،سواء كان شروطًا ،أو موصوالت،
أو استفهامية.
القسر ال انع :كل ومجيع ،كقوله تعاىلُ :ك ُّل نَـ ْف ٍ
ق َائَِقةُ ال َْم ْو ِي[ آل
عمران ،185 :العنكبوت.]57 :
ش ْب ٍء ِم ْن
القسر اخلامق :النكرة يف سياق النفي ،كقوله تعاىلَ :ول ُِحييطُو َن نِ َ
ِعل ِْم ِه إِل ِمبَا َش َاء[ البقرة.]255 :
( )1انظر" :روضة الناظر" (.)132/2
( )2انظر املصدر السابق (.)130/2
( )3انظر املصدر السابق ( ،)124 ،123/2و"بدائع الفوائد" ( ،)3 ،2/4و"مذكرة
الشنقيطي" (.)207 – 204
( )4سبق خترجيه انظر (ص )386من هذا الكتاب.
418
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وضعا:
ومما يفيد العموم ع فًا ل ً
اخلطا املوجه إىل ال سول ،إذ األصل العموم واألسوة ما مل يرد دليل
على التخصيص .ومن أجل ذلك فقد كان الصحابة رضي هللا عنهم يرجعون إىل
أفعاله فيما خيتلفون فيه من األحكام(.)1
قال ابن تيمية« :وهلذا كان مجهور علماء األمة على أن هللا إذا أمره أبمر أو هناه
عن شيء كانت أمته أسوة له يف ذلك ،ما مل يقم دليل على اختصاصه بذلك»(.)2
واختلف يف دخول النساء يف اخلطا العام()3؟
وتفصيل لك أن هذه املسألة هلا طرفان متفق عليهما ،وواسطة خمتلف فيها.
فالط ف األول :أن النساء يدخلن اتفاقًا يف اخلطا العام الذي يشمل
َّاي ،وأدوات الشرط مثل" :من".
معا ،مثلََ :ي أَيُّـ َها الن ُ
الرجال والنساء ً
والط ف الثاين :أن النساء ال يدخلن اتفاقًا يف لف ال جال وحنوه مما خيتص
هبم.
والواسطة املختلف فيها :اجلموع املذكرة ،الظاهرة واملضمرة ،حنو:
"املؤمنني"" ،كلوا واشربوا".
وهذا اخلالف – عند التحقيق – ي جع إىل اللف ؛ إذ اجلميع متفقون على
دخول النساء يف عموم األحكام الشرعية ما مل يرد يف ذلك ختصيص ،إال أن البعض
مستفادا من لغة الع لكوهنا تغلب املذكر على املؤنث يف
جعل دخوهلن
ً
مستفادا من ع ف الشارع ومن األدلة
اخلطاب ،والبعض اآلخر جعل دخوهلن
ً
الدالة على استواء الفريقني يف األحكام.
واختلف يف دخول العبد يف اخلطا العام()4؟
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)275 – 273/14 ،446/15و"زاد املعاد" (،)307/3
و"شرح الكوكب املنري" ( ،)221 ،218/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)210
(" )2جمموع الفتاوى" (.)322/22
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)439 – 437/6و"شرح الكوكب املنري" (،)334/3
و"مذكرة الشنقيطي" (.)212
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)148 ،147/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)211
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
419
والصحيح :أنه يدخل يف عموم اخلطاب إال ما استثناه الدليل.
دليل.
ألن العبد داخل ضمن األمة ،وهو مكلف ،فال خيرج من هذا العموم بال
وسقوط بعض التكاليف عنه ال يوجب إخراجه من العموم؛ فهو يف ذلك
كاملريض واملسافر واحلائض.
وإ ا ت ك النيب السؤال عن تفاصيل و ٍ
اقعة ،ما دل عدم السؤال على
()1
معا
عليهن
عقد
هل
:
عموم حكمها؛ كرتكه سؤال من أسلم على عشرة نسوة
ً
أو مرتبًا؟ فدل على عدم الفرق(.)2
وقد عرب اإلمام الشافعي عن هذه القاعدة بقوله:
«ت ك الستفصال يف حكاية ا ال مع قيام الحتمال ين ل من لة العموم
يف املقال ،وحيسن هبا الستدلل»(.)3
املسألة ال انعة
دللة العام نني القطع والظن
اتف ــق العلم ــاء عل ــى أن دالل ــة الع ــام قطعي ــة عل ــى أص ــل املع ــىن .واختلفـ ـوا يف
( )1رواه ابن ماجه يف "سننه" ( )628/1برقم ( ،)1953والرتمذي ( )435/3برقم
( )1128ولفظه« :أن غيالن بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة يف اجلاهلية فأسلمن
معه ،فأمره النيب أن يتخري أر ًبعا منهن» قال الرتمذي :والعمل على حديث غيالن بن
سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأمحد وإسحاق.
( )2انظر" :القواعد والفوائد األصولية" ( ،)235 ،234و"شرح الكوكب املنري" (- 171/3
،)174و"أضواء البيان" (.)547 ،516/6 ،581 ،100/5
( )3وقد نقل عنه قول آخر ،خيالف هذا القول هو« :حكاية احلال إذا تطرق إليها االحتمال
كساها ثوب اإلمجال وسقط منها االستدالل».
وقد استشكل ذلك بعض العلماء ،وجعلهما بعضهم قولني للشافعي ،ومجع بعضهم بني
بعيدا فال يسقط.
القولني أبن االحتمال إذا كان قريبًا سقط به االستدالل ،وإذا كان ً
انظر" :القواعد والفوائد األصولية" ( ،)235 ،234و"شرح الكوكب املنري" (172/3
– .)174
420
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
داللته على أفراده على قولني(:)1
القول األول :أن داللة العام على أفراده ظنية ظاهرة.
القول الثاين :أن داللة العام على أفراده قطعية.
وسواء قيل بقطعية العام أو ظنيته يف الداللة على أفراده ،فإن األمر ال خيتلف
إذا حصل االتفاق على القواعد اآلتية:
القاعدة األوىل :وجوب محل األلفاظ العامة وإجرائها على العموم،
واعتقاد عمومها يف احلال من غري حبث عن خمصص.
قال الشنقيطي« :حاصله :أن التحقيق ومذهب اجلمهور وجو اعتقاد
العموم والعمل به من غري توقف على البحث عن املخصص؛ ألن اللفظ موضوع
للعموم فيجب العمل مبقتضاه ،فإن اطلع على خمصص عمل به»(.)2
القاعدة الثانية :وجوب العمل بدليل التخصيص إذا ظهر ،والواجب يف
هذه احلالة إهدار داللة العام على صورة التخصيص(.)3
القاعدة الثالثة :شرط العمل بدليل التخصيص أن يكون هذا الدليل
مساواي أو أقوى رتبة من العام؛ إذ التخصيص
صحيحا ،وال يشرتط فيه أن يكون
ً
ً
بيان ،والبيان جيوز أن يكون أضعف رتبة من املبني فيجوز ختصيص الكتاب ابلسنة
واملتواتر ابآلحاد(.)4
القاعدة ال انعة :وجوب العمل ابللفظ العام – بعد التخصيص – فيما
نقب منه واالحتجاج به فيما عدا صورة التخصيص؛ إذ ال فرق بني العام قبل
التخصيص وبعده من حيث وجوب العمل(.)5
( )1انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)106و"شرح الكوكب املنري" (.)114/3
(" )2مذكرة الشنقيطي" (.)217
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)442/6
( )4انظر" :مذكرة الشنقيطي" ( )222وانظر (ص )249من هذا الكتاب.
( )5ويظهر الفرق بينهما إذا وجد التعارض كما سبق بيانه انظر (ص )414من هذا
الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
421
املسألة اخلامسة
التخصيص
أولً :تع يف التخصيص:
التخصيص هو« :قص العام على نعض أف اده ،ندليل يدل على لك»(.)1
اثنيًا :حكمه:
اإلمجاع منعقد على جواز َتصيص العموم من حيث اجلملة(.)2
قال ابن قدامة« :ال نعلم اختالفًا يف جواز ختصيص العموم»(.)3
اثلثًا :ش طه:
القاعدة العامة يف التخصيص :أنه ل يصح إل ندليل صحيح(.)4
قال الشيخ الشنقيطي" «وقد تقرر يف األصول أنه ال ميكن ختصيص العام إال
بدليل جيب الرجوع إليه ،سواء كان من املخصصات املتصلة أو املنفصلة»(.)5
انعا :أث ه:
رً
العمل ابلدليل املخصص – إ ا صح – يف صورة التخصيص وإهدار
جيب
ُ
داللة العام عليها ،ول جيوز – واحلالة كذلك – محل اللف العام وإنقاؤه على
عمومه .بل تبقى داللة العام قاصرة على ما عدا صورة التخصيص(.)6
خامسا :الف ق نني التخصيص والنسخ(.)7
ً
وذلك من وجوه:
( )1انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)218
( )2وذلك عند املثبتني لصيغ العموم.
(" )3روضة الناظر" ( ،)159/2وانظر" :إعالم املوقعني" (.)318/2
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" (.)442/6
(" )5أضواء البيان" (.)78/5
( )6انظر" :روضة الناظر" ( ،)151/2و"شرح الكوكب املنري" (.)160/3
( )7انظر" :روضة الناظر" (" ،)198 ،197/1وقواعد األصول" ( ،)59و"مذكرة
الشنقيطي" (.)69 ،68
422
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األول :أن التخصيص بيان أن ما خرج ابلتخصيص – وهو املخصوص –
غري مراد ابللفظ أصالً ،والنسخ إخراج ما أريد ابللفظ الداللة عليه(.)1
الثاين :أن النسخ يشرتط فيه الرتاخي بني الناسخ واملنسوخ ،أما التخصيص
فيجوز فيه اقرتان املخصص ابلعام ،وذلك كالتخصيص ابالستثناء والشرط.
الثالث :أن النسخ يدخل يف الشيء الواحد ،أما التخصيص فال يدخل إال
يف عام له أفراد متعددة خيرج بعضها ابملخصص ويبقى بعضها اآلخر.
ال انع :أن النسخ ال يكون إال خبطاب جديد ،والتخصيص قد يقع بغري
خطاب ،كالتخصيص ابلعقل وابلعرف املقارن للخطاب.
اخلامق :أن النسخ ال يدخل يف األخبار وإمنا هو يف اإلنشاء فقط ،خبالف
التخصيص فإنه يكون يف اإلنشاء ويف اخلرب.
السادي :أن النسخ ال يبقى معه للفظ املنسوخ داللة على ما حتته ،فهو
كالذي مل يوجد أصالً ،أما التخصيص فتنتفي معه داللة العام على صورة
التخصيص فقط وتبقى داللته على ما عداها.
السانع :وهو خاص ابلفرق بني التخصيص والنسخ اجلزئي ،وقد بينه الشيخ
الشنقيطي فقال رمحه هللا« :اعلم أن التخصيص إن مل يرد فيه املخصص – ابلكسر
– إال بعد العمل ابلعام ،والتقييد إن مل يرد فيه املقيد – ابلكسر – إال بعد العمل
ابملطلق ،فكالمها ٍ
حينئذ نسخ(.)2
وتقييدا؛ ألن التخصيص والتقييد بيان ،والبيان ال
وال جيوز أن يكوًن
ختصيصا ً
ً
نسخا»(.)3
جيوز أتخريه عن وقت العمل ،فلما أتخر تعني كونه ً
( )1وهذا معىن قول األصوليني« :التخصيص دفع والنسخ رفع ،والدفع أسهل من الرفع».
انظر يف ذلك" :النقص من النص" للدكتور عمر بن عبد العزيز ضمن جملة اجلامعة
اإلسالمية ابملدينة املنورة ،عدد (( )78 ،77ص.)29
( )2أي :نسخ جزئي.
(" )3مذكرة الشنقيطي" (.)70
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
423
املسألة السادسة
املخصصاي
املخصصات هي أدلة التخصيص ،وهي على نوعني(:)1
النوع األول :املخصصات املنفصلة.
مثل :احلس ،والعقل ،واإلمجاع ،وقول الصحايب ،والقياس ،واملفهوم ،والنص.
واملراد ابملخصص املنفصل :ما يستقل ننفسه دون العام ،وذلك أبال يكون
مرتبطًا بكالم آخر.
النوع الثاين :املخصصات املتصلة.
مثل :االستثناء ،والشرط ،والصفة ،والغاية ،والبدل.
واملراد ابملخصص املتصل :ما ل يستقل ننفسه ،بل هو مرتبط بكالم آخر.
وفيما أييت تنبيهاي مهمة على أدلة التخصيص.
ت ِم ْن ُك ِل َش ْب ٍء[ النمل:
-1مثال التخصيص اب ق قوله تعاىلَ :وأُوتِيَ ْ
،]23فإن الذي يتتبع أقطار الدنيا يشاهد ابحلس أن بعض األشياء مل تؤهتا ملكة
سبأ كعرش سليمان عليه الصالة والسالم.
وقد يعرتض على هذا املثال وغريه أبمرين(:)2
األول :أنه من العام الذي أريد به اخلصوص.
الثاين :أن ما خرج ابحلس مل يدخل أصالً.
-2دليل العقل ض ابن:
أحدمها :ما جيوز ورود الشرع خبالفه وهو ما يقتضيه العقل من براءة الذمة
فهذا ال جيوز التخصيص به.
ألن ذلك إمنا يستدل به عند عدم الشرع ،أما إذا ورد الشرع فيسقط به
( )1انظر" :شرح الكوكب املنري" ( )277/3وما بعدها ،و"مذكرة الشنقيطي" ( )218وما
بعدها.
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)279 ،278/3و"مذكرة الشنقيطي" ( .)220وانظر
يف التنبيه التايل مزيد بيان هلذين االعرتاضني.
424
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
االستدالل ويصري احلكم للشرع.
والثاين :ما ال جيوز ورود الشرع خبالفه ،مثل ما دل عليه العقل من نفي كون
صفات هللا سبحانه خملوقه ،فيجوز التخصيص هبذا ،كقوله تعاىل :هللاُ َخالِ ُق ُك ِل
َش ْب ٍء[ الزمر .]62 :فاملراد أن هللا خالق كل شيء ما عدا صفاته؛ ألن العقل قد
دل على أنه تعاىل ال جيوز أن خيلق صفاته.
وميكن أن يعرتض على هذا املخصص أولً :أبن ما دل العقل على خروجه
ال يدخل حتت العموم ابتداء(.)1
قال الشافعي بعد قوله تعاىل :هللاُ َخالِ ُق ُك ِل َش ْب ٍء[ الزمر« :]62 :فهذا
عام ال خاص فيه ،فكل شيء من مساء وأرض وذي روح وغري ذلك فاهلل
خلقه»(.)2
وميكن أن يعرتض عليه اثنيًا :أبن هذا من قبيل العام الذي أريد به
اخلصوص(.)3
وإذا اتفق على املعىن فالنزاع لفظي(.)4
-3امل اد ابلتخصيص ابإلمجاع :مستند اإلمجاع ال نفس اإلمجاع(.)5
-4امل اد نقول الصحا الذي خيصص العموم ابتفاق :ما كان له حكم
الرفع وذلك فيما ال جمال للرأي فيه.
أما ختصيص العموم بقول الصحايب عند القائلني به ففيه خالف(.)6
قطوعا به جاز التخصيص به بال إشكال.
-5القياي إن كان م ً
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)112/1و"روضة الناظر" ( ،)159/2و"شرح الكوكب املنري"
(.)280/3
(" )2الرسالة" (.)54
( )3انظر" :نزهة اخلاطر العاطر" (.)160/2
وقال ابن اللحام" :جيوز التخصيص ابلعقل عند األكثر .والنزاع لفظي"" .املختصر" (.)122
( )4انظر" :قواطع األدلة" (.)361/1
( )5انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)123و"شرح الكوكب املنري" ( ،)369/3و"مذكرة
الشنقيطي" ( ،)220وانظر (ص )248من هذا الكتاب فيما يتعلق ابلنسخ ابإلمجاع.
( )6انظر" :روضة الناظر" ( ،)168/2و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)296و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)375/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)223 ،165
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
425
أما إن كان القياس ظنيًا فيحتمل التخصيص؛ ألن كون صورة التخصيص
مرادة ابللفظ العام غري مقطوع به ،والقياس يدل على أهنا غري مرادة ،وهذا مذهب
اجلمهور ،وحيتمل عدم التخصيص ألن العموم أعلى رتبة من القياس؛ إذ العموم
أصل والقياس فرع(.)1
قطعا؛ ألن داللته
-6املفهوم إن كان مفهوم موافقة فالتخصيص به جائز ً
خاصا
قطعية ،أما إن كان مفهوم خمالفة فيحتمل تقدمي املفهوم لكونه دليالً ً
واخلاص مقدم على العام ،وحيتمل تقدمي العموم عند من ال حيتج ابملفهوم أو من
يرى أن العموم أقوى منه داللة(.)2
-7جيوز التخصيص ابلكتا وابلسنة أبنواعها :القولية ،والفعلية ،واإلقرارية.
ال فرق يف ذلك بني الكتاب والسنة؛ فيجوز ختصيص الكتاب ابلسنة
أيضا بني املتواتر واآلحاد؛ فيجوز ختصيص املتواتر خبرب
والعكس ،وال فرق يف ذلك ً
الواحد(.)3
قال الشيخ الشنقيطي« :واعلم أن التحقيق أنه جيوز ختصيص املتواتر أبخبار
قرآًن أو سنة.
اآلحاد؛ ألن التخصيص بيان .وقد قدمنا أن املتواتر يبني ابآلحادً ،
أيضا :جواز ختصيص السنة ابلكتاب كما ذكرًن ،خالفًا ملن
كما أن التحقيق ً
ِ
ني لِلن ِ
َّاي َما نُـ ِ َل إِلَْي ِه ْر[ النحل .]44 :ومن احلجة عليه
حمتجا بقوله :لتُـبَـِ َ
منعه ً
ك ال ِ
ْكتَا َ تِْبـيَ ًاان لِ ُك ِل َش ْب ٍء[ النحل.)4(»]89 :
َ ونَـ َّلْنَا َعلَْي َ
()5
خمصصا ابلش وط اآلتية:
-8الستثناء يكون
ً
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)172 – 169/2و"شرح الكوكب املنري" (.)381 – 377/3
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)167/2و"جمموع الفتاوى" (،)141 ،108 – 106/31
و"شرح الكوكب املنري" (.)369 – 366/3
( )3انظر" :روضة الناظر" ( )161/2وما بعدها ،و"شرح الكوكب املنري" ( )359/3وما
بعدها ،و"مذكرة الشنقيطي" (.)223 – 221
(" )4مذكرة الشنقيطي" (.)222
( )5االستثناء يف اصطالح األصوليني والنجاة" :كالم ذو صيغ حمصورة يدل على أن املذكور
فيه مل يرد ابلقول األول" ،وقيل :هو "اإلخراج إبال أو إحدى أخواهتا ملا كان داخالً أو
=
426
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أ -أن يكون االستثناء واملستثىن منه يف كالم واحد متصل بعضه ببعض،
حبيث ال يفصل بينهما فاصل من كالم أجنيب أو سكوت طويل ميكن الكالم فيه.
ذلك ألن االستثناء جزء من الكالم حيصل به اإلمتام ،فإذا وجد فاصل مل
إمتاما(.)1
يكن ً
بعضا مما
ب -أن يكون االستثناء متصالً ،وهو :أن يكون ما بعد "إال" ً
قبلها ،وأن حيكم عليه بنقيض ما حكم به على ما قبلها()2؛ ألن التخصيص إمنا
يكون يف االستثناء املتصل دون املنقطع(.)3
جـ -أن يكون املستثىن أقل من النصف ،فال جيوز –على الراجح– استثناء
النصف وال استثناء األكثر منه ،وهذا ما نقل عن أهل اللغة(.)4
-9إ ا تعقب الستثناء مجالً متعاطفة ابلواو( )5فهل يرجع إىل مجيع اجلمل
=
منزلة الداخل" .انظر" :روضة الناظر" ( ،)174/2و"املسودة ،)154( :و"شرح
األمشوين" ( .)141/2وقد نبه ابن تيمية إىل أن االستثناء يف كالم النيب والصحابة ويف
عرف الفقهاء أعم من ذلك إذ يشمل االشرتاط ابملشيئة وغريه .انظر" :املسودة"
(.)154
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)177/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)297/3و"مذكرة
الشنقيطي" ( ،)226وانظر (ص )377من هذا الكتاب فيما يتعلق ابلقرينة املتصلة.
بعضا مما قبلها –
( )2أما االستثناء املنقطع ،فهو :أن حتكم على ما بعد إال – وهو ليس ً
بعض مما قبلها –
بنقيض ما حكم به على ما قبلها ،أو حتكم على ما بعد إال – وهو ٌ
ثواب .والثاين مثل:
بغري نقيض ما حكم به على ما قبلها .مثال األول :رأيت إخوتك إال ً
يدا مل يسافر .انظر" :االستغناء يف االستثناء" ( ،)447و"شرح
رأيت إخوتك إال ز ً
األمشوين مع حاشية الصبان" (.)143 ،142/2
( )3سواء قيل بصحة االستثناء املنقطع أو ببطالنه ،وأنه حقيقة أو جماز .انظر" :روضة الناظر"
( ،)179/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)286/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)226
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)181/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)306/3و"مذكرة
الشنقيطي" (.)227
( )5وهل هناك فرق بني العطف ابلواو وغريها؟
قال ابن تيمية" :موجب ما ذكره أصحابنا وغريهم أنه ال فرق بني العطف ابلواو أو ابلفاء
()258
أو بثم؛ على عموم كالمهم"" .القواعد والفوائد األصولية" ( .)259وانظر:
منه ،و"مذكرة الشنقيطي" (.)231
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
427
كمــا ذهــب إىل ذلــك اجلمهــور ،أو يرجــع إىل اجلملــة األخــرية كمــا ذهــب إىل ذلــك
البعض(.)1
وهذا اخلالف فيما إذا جترد االستثناء عن القرائن وأمكن عوده إىل اجلملة
األخرية وإىل اجلميع.
أما إن قام دليل اقتضى عوده إىل األوىل فقط أو إىل األخرية فقط أو إىل كل
منها فال خالف يف العود إىل ما قام له الدليل(.)2
وقد اختار الشيخ الشنقيطي أن األظهر الوقف حىت يعلم الدليل ،مث إنه قال:
ظاهرا يف رجوعه للجميع»(.)3
«وال يبعد أنه إن جترد من القرائن واألدلة كان ً
واستدل رمحه هللا ملا ذهب إليه بقوله« :إن استقراء القرآن يدل على أن
الصواب يف رجوع االستثناء جلميع اجلمل املتعاطفة قبله أو بعضها حيتاج إىل دليل
منفصل.
ألن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع أو لبعضها دون بعض ،ورمبا دل
الدليل على عدم رجوعه لألخرية اليت تليه.
اجعا لغري اجلملة األخرية اليت تليه تبني أنه ال
وإذا كان االستثناء رمبا كان ر ً
ينبغي احلكم برجوعه إىل اجلميع إال بعد النظر يف األدلة ومعرفة ذلك منها ،وهذا
القول –الذي هو الوقف عن رجوع االستثناء إىل اجلميع أو بعضها املعني دون بعض
إال بدليل– مروي عن ابن احلاجب من املالكية( ،)4والغزايل من الشافعية(،)5
واآلمدي من احلنابلة(.)6
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)185/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)167/31و"القواعد والفوائد
األصولية" ( ،)257و"شرح الكوكب املنري" ( )312/3وما بعدها.
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)320 – 315/3
(" )3أضواء البيان" (.)92/6
( )4انظر" :خمتصر املنتهى" ( ،)139/2وقد ذكر العضد اإلجيي يف شرحه للمختصر أن
مذهب ابن احلاجب يرجع إىل الوقف .انظر" :شرح العضد" (.)140/2
( )5انظر" :املستصفى" (.)368
( )6كان اآلمدي حنبليًا مث صار من أئمة الشافعية وترك مذهب احلنابلة يف وقت مبكر من
حياته .انظر" :طبقات الشافعية" البن السبكي ( .)129/5وانظر رأي اآلمدي يف هذه
=
428
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
واستق اء الق آن يدل على أن هذا القول هو األصح»(.)1
مث ذكر رمحه هللا أمثلة على هذا االستقراء فمن ذلك(:)2
ٍ ٍِ ِ
ص َّدقُوا
سلَّ َمةٌ إِ َىل أ َْهلِ ِه إِل أَ ْن يَ َّ
أ -قوله تعاىل :فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَة ُم ْؤمنَة َوديَةٌ ُم َ
[النساء .]92 :فاالستثناء راجع للدية فهي تسقط بتصدق مستحقها هبا ،وال
احدا؛ ألن تصدق مستحق الدية هبا ال يسقط كفارة القتل
يرجع لتحرير الرقبة قوالً و ً
خطأ.
ضل ِ
هللا َعلَْي ُك ْر َوَر ْمحَتُهُ لتَّـبَـ ْعتُ ُر َّ
الش ْيطَا َن إِل قَِليال
ب -قوله تعاىلَ :ولَ ْول فَ ْ ُ
ضل ِ
هللا َعلَْي ُك ْر
[النساء ،]83 :فاالستثناء ليس ر ً
اجعا للجملة األخرية َ ولَ ْول فَ ْ ُ
َوَر ْمحَتُهُ لتَّـبَـ ْعتُ ُر َّ
الش ْيطَا َن؛ ألن فضل هللا ورمحته مينع اتباع الشيطان ابلكلية فال حيتاج
إىل استثناء قليل وال كثري.
ج ـ -قولــه تعــاىل :فَ ِ
ـك ُهـ ُـر
ادةً أَنَـ ًدا َوأُولَئِـ َ
ني َج ْل ـ َدةً َول تَـ ْقَبـلُـوا َهلـُ ْـر َشـ َـه َ
اجل ـ ُد ُ
وه ْر َـَـانِ َ
ْ
َّ ِ
ِ
ين َاتنُـ ـ ـ ـ ـوا[ النـ ـ ـ ـ ــور ،]5 ،4 :فاالسـ ـ ـ ـ ــتثناء ال يرجـ ـ ـ ـ ــع لقولـ ـ ـ ـ ــه:
الَْفاس ـ ـ ـ ـ ـ ُقو َن * إِل الـ ـ ـ ـ ــذ َ
فَ ِ
وه ْر ََانِ َني َج ْل َدةً؛ ألن القاذف إذا اتب ال يسقط بتوبته حد القذف.
اجل ُد ُ
ْ
وهبذا االستقراء يتبني أن االستثناء اآليت بعد اجلمل املتعاطفة قد يعود إليها
مجيعا ،وقد يعود إىل اجلملة األخرية دون ما قبلها ،وهذا إمنا يعرف أبدلة منفصلة.
ً
إل أن الغالب على الكتا والسنة وكالم الع رجوع االستثناء إىل مجيع
اجلمل.
قال ابن تيمية« :بل من أتمل غالب االستثناءات املوجودة يف الكتاب والسنة
اليت تعقبت مجالً وجدها عائدة إىل اجلميع.
هذا يف االستثناء ،فأمـا يف الشـروط والصـفات فـال يكـاد حيصـيها إال هللا .وإذا
اجلمـل
كان الغالب على الكتاب والسنة وكالم العرب عود االستثناء إىل مجيع
=
املسألة يف" :اإلحكام" (.)300/2
(" )1أضواء البيان" ( .)766/5وانظر منه (.)92 – 89/6
( )2انظر" :أضواء البيان" ( ،)768 – 766/5و"دفع إيهام االضطراب" (.)79 – 76
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
429
فاألصل إحلاق الفرد ابألعم األغلب»(.)1
فيحصل مما سبق نظ ان:
النظر األول ابعتبار األصل :فاالستثناء هبذا االعتبار قد يعود إىل مجيع
اجلمل وقد يعود إىل بعضها ،وهذا مما يفتق إىل أدلة خارجية.
وذلك ما ذكره الشنقيطي واستدل له ابلستق اء التام.
النظر الثاين ابعتبار الغالب وعرف الشارع :فاالستثناء هبذا االعتبار يعود إىل
مجيع اجلمل.
وذلك ما ذكره ابن تيمية واستدل له نغالب استعمال الشارع.
وقد مجع بني هذين النظرين والتفت إىل هذين االعتبارين القول أبن
مجيعا نش طني(:)2
الستثناء نعد اجلمل يعود إليها ً
األول :أن يصلح عوده إىل كل واحدة منها.
الثاين :أال يوجد مانع مينع من ذلك.
وهذا – عند التحقيق – مذهب اجلمهور ،وإليه أشار ابن النجار الفتوحي
بقوله« :أما كون االستثناء إذا تعقب مجالً يرجع إىل مجيعها ابلشروط املذكورة فعند
األئمة الثالثة وأكثر أصحاهبم»(.)3
-10الش ط والصفة والبدل والغاية كلها من املخصصات املتصلة،
وحكمها حكم االستثناء.
إذ اجلميع جزء من الكالم ال يتم الكالم إال به ،واجلميع يغري الكالم عما
كان يقتضيه لواله(.)4
أيضا نقل كالم
وقد تقدم بيان أن الكالم املتصل يقيد أوله آخره ،كما تقدم ً
ابن تيمية يف هذه املسألة(.)5
(" )1جمموع الفتاوى" (.)167/31
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)312/3وقد تقدمت اإلشارة إىل هذين الشرطني ضمن
حترير حمل النزاع انظر (ص )426من هذا الكتاب.
(" )3شرح الكوكب املنري" (.)313/3
( )4انظر" :روضة الناظر" (.)190/2
( )5انظر (ص )377 ،376من هذا الكتاب.
430
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
واملقصود ابلش ط ههنا الشرط اللغوي( ،)1مثل قوله تعاىل :لِ ُك ِل و ِ
اح ٍد
َ
ي ِممَّا تَـ َ َك إِ ْن َكا َن لَهُ َولَ ٌد[ النساء.)2(]11 :
ِم ْنـ ُه َما ُّ
الس ُد ُ
وامل اد ابلصفة هنا ما هو أعم من الصفة املعروفة عند النحاة ،بل الصفة هي
ما أشعر مبعىن يتصف به أفراد العام سواء كان الوصف نعتًا ،أو عطف بيان ،أو
حاالً ،مثل قوله تعاىل :من فتياتكم املؤمنات[ النساء.)3(]25 :
ومثال البدل –بدل البعض من الكل– قوله تعاىل :وَِِّ
َّلل َعلَى الن ِ
َّاي ِح ُّج
َ
الْبـ ْي ِ
اع إِلَْي ِه َسبِيال[ آل عمران.)4(]97 :
استَطَ َ
ت َم ِن ْ
َ
وامل اد ابلغاية :أن أييت بعد اللفظ العام حرف من أحرف الغاية مثل:
وه َّن َح َّىت يَط ُْه ْ َن[ البقرة.)5(]222 :
"حىت" ،كما يف قوله سبحانهَ :ول تَـ ْق َنُ ُ
املسألة السانعة
تعارض اخلاص والعام
صورة هذه املسألة :أن يرد اخلاص خمال ًفا للعام يف احلكم؛ حبيث يلزم من
ٍ
متعذرا.
العمل أبحدمها إلغاء اآلخر ،فيكون العمل هبما ً
معا يف آن واحد ً
اي ِمن الَّ ِذين أُوتُوا ال ِ
ْكتَا َ [ املائدة ]5 :فإنه
مثال ذلك :قوله تعاىلَ :وال ُْم ْح َ
صنَ ُ َ َ
خاص ،مع قوله تعاىل :ول تَـ ْن ِكحوا الْم ْش َِك ِ
اي[ البقرة ]221 :فإنه عام.
ُ ُ
َ
أما إذا ورد اخلاص مواف ًقا للعام مبعىن أنه قد أفرد فرد من أفراد العام ابلذكر
فإن اخلاص – واحلالة كذلك – ال خيصص العام.
ذلك أن ختصيص اخلاص ابلذكر ال مينع مشول العام لغريه ،إذ ختصيص
اخلاص ابلذكر قد يكون ملزية فيه اقتضت النص عليه.
( )1انظر أقسام الشرط فيما تقدم ( )316من هذا الكتاب.
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)190/2و"شرح الكوكب املنري" ( ،)340/3و"مذكرة
الشنقيطي" (.)218
( )3انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)347/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)218
( )4انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)354/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)219 ،218
( )5انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)349/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)218
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
431
معا ممكن ،فاملصري إليه
مث إنه ال تعارض بني اخلاص والعام ،والعمل هبما ً
أوىل(.)1
مثال لك قوله تعاىل :ول تَـ ْقتُـلُوا أَول َد ُكر ِمن إِ ْم ٍ
الق[ األنعام.]151 :
ْ ْ ْ
َ
فتخصيص النهي عن القتل حال الفقر ابلذكر وقع للحاجة إىل معرفته مع كون
املسكوت عنه أوىل ابحلكم وهو القتل مع الغىن واليسار(.)2
فا اصل :أن ذكر اخلاص بعد العام قد يكون لنكتة اقتضت ختصيصه
ابلذكر كما يف املثال السابق ،وقد يكون لبيان اختصاص املذكور اب كر ونفيه
عما عداه كما يف قوله « :يف سائمة الغنر ال كاة»( ،)3إذ ختصيص وجوب
الزكاة بسائمة الغنم يدل على أن هذا احلكم خاص هبا وأن املعلوفة غري السائمة ال
زكاة فيها ،وهذا ما يعرف مبفهوم املخالفة كما سيأيت بيانه(.)4
وأما إذا ورد اخلاص خمال ًفا للعام –وهو املقصود حبثه يف هذه املسألة– فال
خيلو املقام من األحوال اآلتية(:)5
أن يعلم التاريخ فيعلم:
اقرتان اخلاص ابلعام.
أو يعلم تقدم العام وأتخر اخلاص عنه.
أو يعلم تقدم اخلاص وأتخر العام عنه.
أو ال يعلم التاريخ فال يعلم تقدم أحدمها على اآلخر.
وعلى كل فإن العام – يف مجيع األحوال السابقة – حيمل على اخلاص ،مبعىن
عدا
أن اخلاص يقدم على العام وخيصصه ،ويبقى العام على عمومه فيما
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)506/17و"بدائع الفوائد" ( ،)217/2و"شرح الكوكب
املنري" (.)387 ،386/3
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (.)209/21
( )3رواه البخاري مبعناه )317/3( :برقم ( ،)1454من كتاب أيب بكر رضي هللا عنه،
ولفظه" :ويف صدقة الغنم يف سائمتها".
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( )446/15وانظر (ص )459 ،458من هذا الكتاب.
( )5انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)382/3
432
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
صورة التخصيص .هذا هو مذهب اجلمهور ،وعلى ذلك هنج الصحابة رضي هللا
عنهم والتابعون(.)1
ومن األدلة على تقدمي اخلاص على العام مطل ًقا يف مجيع األحوال:
أولً :أن يف تقدمي اخلاص عمالً نكال الدليلني ،فاخلاص يعمل به كامالً ،وذلك
يف صورة التخصيص ،والعام يعمل ببعضه وذلك فيما عدا صورة التخصيص.
خبالف تقدمي العام على اخلاص؛ فإنه عمل أبحد الدليلني وهو العام ،وإهدار
لآلخر وهو اخلاص.
والعمل بكال الدليلني – ولو من بعض الوجوه – أوىل من العمل أبحدمها
وإمهال اآلخر(.)2
يقول ابن تيمية« :ومعلوم من األصول املستقرة إذا تعارض اخلاص والعام
فالعمل ابخلاص أوىل؛ ألن ترك العمل به إبطال له وإهدار ،والعمل به ترك لبعض
معاين العام»(.)3
اثنيًا :أن الظاهر والغالب فيما إذا ورد عام وخاص أن املراد ابلعام ما عدا
اخلاص(.)4
قال ابن تيمية« :وليس استعمال العام وإرادة اخلاص ببدع يف الكالم؛ بل هو
غالب كثري»(.)5
وقال ابن القيم« :والنص العام ال يتناول مورد اخلاص وال هو داخل حتت
لفظه ،ولو قدر صالحية لفظه له فاخلاص بيان لعدم إرادته ،فال جيوز تعطيل حكمه
وإبطاله ،بل يتعني إعماله واعتباره ،وال تضرب أحاديث رسول هللا بعضها
ببعض.
وهذه القاعدة أوىل من القاعدة اليت تتضمن إبطال إحدى السنتني وإلغاء
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)107/1و"روضة الناظر" ( ،)161/2و"شرح الكوكب املنري"
( ،)382/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)222
( )2انظر" :إعالم املوقعني" (.)343/2
(" )3جمموع الفتاوى" (.)552/21
( )4انظر" :نزهة اخلاطر العاطر" (.)165/2
(" )5جمموع الفتاوى" (.)552/21
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
433
أحد الدليلني .وهللا املوفق»(.)1
اثلثًا :أن الصحابة رضي هللا عنهم كانوا يقدمون اخلاص على العام( ،)2وال
متأخرا(.)3
متقدما أو
ينظرون إىل التاريخ وال يستفصلون عما إذا كان العام ً
ً
قال الشنقيطي« :ومن تتبع قضاايهم [أي الصحابة] حتقق ذلك عنهم»(.)4
انعا :أن داللة اخلاص أقوى من داللة العام(.)5
رً
قال اخلطيب البغدادي« :والواجب يف مثل هذا أن يقضى ابخلاص على العام
لقوته؛ فإن اخلاص يتناول احلكم بلفظ ال احتمال فيه ،والعام يتناوله بلفظ حمتمل
فوجب أن يقضى ابخلاص عليه»(.)6
****
(" )1إعالم املوقعني" (.)343/2
( )2من األمثلة على ذلك أن فاطمة رضي هللا عنها جاءت إىل أيب بكر الصديق رضي هللا عنه
تسأله مرياثها مما ترك أبوها عمالً بعموم قوله تعاىل :يوصيكم هللا يف أوالدكم[ النساء:
،]11فقال أبو بكر :إن رسول هللا قال« :ال نورث ،ما تركنا صدقة» .فلم يعطها
شيئًا .انظر القصة يف "صحيح البخاري" ( )197 ،196/6برقم (،)3093 ،3092
( )336/7برقم ( ،)4035و"صحيح مسلم" ( )76/12وما بعدها.
( )3انظر" :قواطع األدلة" ( ،)372 ،371/1و"روضة الناظر" ( ،)164/2و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)383/3و"نزهة اخلاطر العاطر" (.)164/2
(" )4مذكرة الشنقيطي" (.)223
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)165 ،164/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)552/21و"خمتصر
ابن اللحام" ( ،)123و"شرح الكوكب املنري" ( ،)384/3و"نزهة اخلاطر العاطر"
( ،)161/2و"مذكرة الشنقيطي" (.)223
(" )6الفقيه واملتفقه" (.)107/1
434
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب الثالث
املطلق واملقيد
ويف هذا املطلب أرنع مسائل:
املسألة األوىل :تعريف املطلق واملقيد.
املسألة الثانية :أقسام املطلق واملقيد.
املسألة الثالثة :محل املطلق على املقيد.
املسألة ال انعة :الضابط يف محل املطلق على املقيد.
435
436
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف املطلق واملقيد
املتناول لواحد ل نعينه ،ابعتبار حقيقة شاملة
املطلق هو« :اللف
جلنسه»(.)1
ومعىن ذلك(:)2
احدا ،فخرج بذلك ألفاظ األعداد ألهنا تتناول أكثر
أ -أن املطلق يتناول و ً
من واحد ،وكذا العام.
ب -أن ما تناوله املطلق مبهم ،وهذا مأخوذ من قيد «ال بعينه» فيخرج
بذلك املعارف كزيد.
جـ -أن املطلق خيتلف عن املشرتك والواجب املخْي مع أن اجلميع يتناول
احدا غري معني .ذلك أن تناوهلما لواحد ال بعينه ابعتبار حقائق خمتلفة.
و ً
واملقيد هو« :املتناول ملعني أو لغْي معني موصوف أبم زائد على ا قيقة
الشاملة جلنسه»(.)3
مثال املطلق" :رقبة" من قوله تعاىل :فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَ ٍة[ اجملادلة.]3 :
ومثال املقيد :قوله تعاىل :فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَ ٍة ُم ْؤِمنَ ٍة[ النساء ،]92 :فقد قيد
الرقبة ابإلميان.
املسألة الثانية
أقسام املطلق واملقيد
وبيان ذلك وفق االعتبارات اآلتية:
-1املقيد على م اتب ،وذلك حسب قلة القيود وكثرهتا ،فما كث ي قيوده
( )1انظر" :روضة الناظر" (.)191/2
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)125و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)280و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)392/3و"نزهة اخلاطر العاطر" (.)191/2
( )3انظر" :روضة الناظر" (.)191/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
437
ِ
سى َرنُّهُ إِ ْن طَلَّ َق ُك َّن أَ ْن يُـ ْبدلَهُ
أعلى رتبة مما قلت قيوده ،مثال ذلك قوله تعاىلَ :ع َ
ِ
اي َاتئِب ٍ
اي قَانِتَ ٍ
اي م ْؤِمنَ ٍ
ِ ٍ
اي[ التحرمي .]5 :فهذا مثال ما
َ
اجا َخ ْيـ ًا م ْن ُك َّن ُم ْسل َم ُ
أَ ْزَو ً
كثرت قيوده.
وعلى كل فاإلطالق والتقييد أمران نسبيان ،فهناك مطلق ال مطلق بعده،
مثل" :معلوم" ،ومقيد ال مقيد بعده ،مثل" :زيد" وبينهما وسائط(.)1
وجه ،مقي ًدا من ٍ
-2قد يكون اللف الواحد مطل ًقا من ٍ
وجه آخ ،وذلك
كقوله تعاىل :فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَ ٍة ُم ْؤِمنَ ٍة[ النساء ،]92 :فالرقبة مقيدة – من حيث
الدين – ابإلميان ،مطلقة من حيث ما سوى اإلميان من األوصاف ككمال اخللقة
والطول والبياض.
فاآلية مقيدة ابلنسبة إىل مطلق الرقاب ومطلق الكفارات ،وهي مطلقة يف
كل رقبة مؤمنة ويف كل كفارة جمزئة(.)2
-3اإلطالق والتقييد اترة يكوًنن يف األم ،واترة يف اخلرب(.)3
مثال األول :اعتق رقبة ،واعتق رقبة مؤمنة.
()4
ومثال الثاين :قوله « :ل نكاح إل نويل» ،مع رواية« :ل نكاح إل
نويل م شد وشاهدي عدل»(.)5
وال يكون اإلطالق يف النهي والنفي بل يكون هذا من ابب العموم(.)6
( )1انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)125و"شرح الكوكب املنري" ( )395 – 393/3وانظر
(ص )419 ،418من هذا الكتاب.
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)192 ،191/2و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)125و"شرح
الكوكب املنري" (.)394/3
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)191/2و"شرح الكوكب املنري" (.)394/3
( )4رواه أبو داود ( )229/2برقم ( ،)2085وابن ماجه ( )605/1برقم (،1880
،)1881والرتمذي ( )407/3برقم ( )1102 ،1101وحسنه .واحلديث صححه
األلباين .انظر "صحيح اجلامع" ( )1254/2برقم (.)7555
( )5رواه هبذا اللفظ البيهقي يف سننه عن ابن عباس رضي هللا عنهما موقوفًا (.)112/7
( )6انظر" :بدائع الفوائد" ( ،)249/3و"القواعد والفوائد األصولية" (.)283
438
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة الثالثة
محل املطلق على املقيد
أولً :معىن محل املطلق على املقيد
املقصود مبسألة «محل املطلق على املقيد» أن أييت املطلق يف كالم مستقل،
وأييت املقيد يف كالم مستقل آخر.
حاكما على
ومعىن محل املطلق على املقيد – إذا تعني – أن يكون املقيد
ً
ٍ
حينئذ
مقيدا إلطالقه ،مقلالً من شيوعه وانتشاره؛ فال يبقى
بياًن لهً ،
املطلقً ،
للمطلق تناول لغري املقيد.
فرياد ابملطلق الذي ورد يف نص املقيد الذي ورد يف نص آخر(.)1
أما إن اجتمع املطلق واملقيد يف كالم واحد ،بعضه متصل ببعض ،فال
خالف أن املطلق حيمل على املقيد( ،)2وليس هذا من قبيل هذه املسألة.
اثنيًا :األصل يف املطلق واملقيد.
جيب محل النص املطلق على إطالقه والعمل به من هذا الوجه ،هذا هو
األصل.
وكذلك النص املقيد جيب محله على تقييده والعمل به من هذا الوجه ،هذا
هو األصل.
وال جتوز خمالفة هذا األصل أو ذاك إال بدليل يوجب تقييد املطلق أو إطالق
املقيد(.)3
اثلثًا :ش ط محل املطلق على املقيد.
يشرتط يف محل املطلق على املقيد أن يقوم الدليل الصحيح على تقييد
( )1انظر" :النقص من النص" للدكتور عمر بن عبد العزيز ضمن جملة اجلامعة اإلسالمية
ابملدينة املنورة ،عدد (( )78 ،77ص.)56
( )2سبق التنبيه على ذلك انظر (ص )377 ،376من هذا الكتاب.
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" (.)111/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
439
املطلق ،وال جيوز واحلالة كذلك العمل ابملطلق دون محله على املقيد ،فاملقيد ههنا
مقدم على املطلق وحاكم عليه ال فرق يف ذلك بني الكتاب والسنة ،واملتواتر
واآلحاد ،واملتقدم واملتأخر(.)1
قال ابن النجار الفتوحي« :ومها [أي املطلق واملقيد] كعام وخاص فيما ذكر
من ختصيص العموم من متفق عليه ،وخمتلف فيه ،وخمتار من اخلالف.
فيجوز تقييد الكتاب ابلكتاب وابلسنة ،وتقييد السنة ابلسنة وابلكتاب،
وتقييد الكتاب والسنة ابلقياس ،ومفهوم املوافقة واملخالفة ،وفعل النيب وتقريره،
ومذهب الصحايب ،وحنو ذلك على األصح يف اجلميع»(.)2
ذلك أن املقيد بيان للمطلق ،والبيان ال يشرتط فيه أن يكون يف درجة املبني
صحيحا(.)3
أو أقوى منه بل يكفي أن يكون البيان
ً
انعا :موانع محل املطلق على املقيد.
رً
ميتنع محل املطلق على املقيد يف اآليت:
أ -إذا ورد قيدان متضادان ،وليس هناك مرجح ألحدمها على اآلخر(.)4
ِ
ام َش ْه يْ ِن ُمتَـتَانِ َع ْ ِ
ني
وذلك مثل :تقييد صوم الظهار ابلتتابع يف قوله تعاىل :فَصيَ ُ َ
ِ
ام ثَالثَِة أ َََّيٍم ِيف ا َْ ِج
[اجملادلة ،]4 :وتقييد صوم التمتع ابلتفريق يف قوله تعاىل :فَصيَ ُ
َو َس ْبـ َع ٍة إِ َا َر َج ْعتُ ْر[ البقرة ،]196 :مع إطالق صوم قضاء رمضان يف قوله تعاىل:
ُخ َ [ البقرة.]185 ،184 :
فَ ِع َّدةٌ ِم ْن أ َََّيٍم أ َ
ب -إذا وجدت قرينة مانعة من احلمل كأن يستلزم محل املطلق على املقيد
أتخْي البيان عن وقت ا اجة فال محل واحلالة كذلك( ،)5وذلك مثل اشرتاطه
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)43/34
(" )2شرح الكوكب املنري" ( .)395/3وانظر" :قواعد األصول" ( ،)64و"املدخل إىل
مذهب اإلمام أمحد" (.)121
( )3انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)126و"شرح الكوكب املنري" ( )398/3وانظر
(ص )390من هذا الكتاب.
( )4انظر" :بدائع الفوائد" ( ،)349/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)234
( )5انظر" :بدائع الفوائد" ( ،)250/3و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)286و"شرح
الكوكب املنري" (.)409/3
440
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قطع أسفل اخلفني للمحرم الذي مل جيد نعلني( ،)1فهذا مقيد ،وكان ذلك يف
املدينة ،واملطلق أنه مل يشرتط القطع بل أطلق لبس اخلفني ،وكان هذا يف
عرفات( ،)2فال حيمل هنا املطلق على املقيد.
قال ابن القيم« :ألن احلاضرين معه بعرفات من أهل اليمن ومكة والبوادي مل
يشهدوا خطبته ابملدينة فلو كان القطع شرطًا لبينه هلم لعدم علمهم به ،وال ميكن
اكتفاؤهم مبا تقدم من خطبته ابملدينة.
ومن هنا قال أمحد ومن اتبعه :إن القطع منسوخ إبطالقه بعرفات للبس ،ومل
أيمر بقط ٍع يف أعظم أوقات احلاجة»(.)3
خامسا :أحوال املطلق واملقيد ابلنسبة للحمل وعدمه:
ً
إذا خال املطلق واملقيد عن القرائن املوجبة للحمل أو عدمه فال خيلو احلال
من أربعة أقسام(:)4
القسر األول :أن يتفق احلكم والسبب ،وذلك مثل :إطالق الدم يف قوله
( )1ورد ذلك يف حديث ابن عمر رضي هللا عنهما أن رسول هللا قال يف احملرم« :ال يلبس
القمص وال العمائم وال السراويالت وال الربانس وال اخلفاف إال أحد ال جيد نعلني فليلبس
()1542
خفني وليقطعهما أسفل من الكعبني» .رواه البخاري ( )401/3برقم
واللفظ له ،ومسلم (.)72/8
( )2ورد ذلك يف حديث ابن عباس رضي هللا عنهما أنه مسع النيب خيطب بعرفات يقول:
«السراويل ملن مل جيد اإلزار ،واخلفني ملن مل جيد النعلني» .رواه البخاري ( )272/10برقم
( ،)5804ومسلم ( )75 ،74/8واللفظ له.
(" )3بدائع الفوائد" ( ،)250/3ولإلمام أمحد رواية أخرى :أنه يقطعهما حىت يكوًن أسفل
من الكعبني ،وهذا مذهب اجلمهور.
وخروجا من اخلالف ،وأخ ًذا
قال ابن قدامة« :واألوىل قطعهما ،عمالً ابحلديث الصحيح،
ً
ابالحتياط»" .املغين" (.)122/5
( )4انظر" :روضة الناظر" ( )192/2وما بعدها ،و"جمموع الفتاوى" ( ،)443/15و"قواعد
األصول" ( ،)64 ،63و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)125و"القواعد والفوائد األصولية"
( )280وما بعدها ،و"شرح الكوكب املنري" ( )395/وما بعدها ،و"أضواء البيان"
( )545/6وما بعدها ،و"دفع إيهام االضطراب" ( ،)87 – 84و"مذكرة الشنقيطي"
(.)233 ،232
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
441
تعاىل :إِ ََّّنَا َح َّ َم َعلَْي ُك ُر ال َْم ْيـتَةَ َو َّ
الد َم[ البقرة ،173 :النحل ]115 :مع تقييد
وحا[ األنعام:
الدم بكونه
مسفوحا يف قوله تعاىل :إِل أَ ْن يَ ُكو َن َم ْيـتَةً أ َْو َد ًما َم ْس ُف ً
ً
.]145فاحلكم :حت مي الدم ،والسبب :ما يف الدم من املض ة واإليذاء.
فاجلمهور يقولون حبمل املطلق على املقيد يف هذا القسم.
القسر الثاين :أن يتفق احلكم وخيتلف السبب ،وذلك مثل إطالق الرقبة
يف كفارة الظهار يف قوله تعاىل :فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَ ٍة[ اجملادلة ]3 :مع تقييد الرقبة بكوهنا
مؤمنة يف آية قتل اخلطأ يف قوله تعاىل :فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَ ٍة ُم ْؤِمنَ ٍة[ النساء.]92 :
فاحلكم :العتق ،والسبب يف الرقبة املطلقة :الظهار ،ويف الرقبة املقيدة
ابإلميان :قتل اخلطأ ،وهذا املطلق حيمل على املقيد عند أكثر العلماء.
القسر الثالث :عكس الثاين ،وهو أن يتفق السبب وخيتلف احلكم،
ِ
ام
وذلك مثل إطالق اإلطعام يف كفارة الظهار يف قوله تعاىل :فَ َم ْن َملْ يَ ْستَط ْع فَِإط َْع ُ
ِستِ َني ِم ْس ِكينًا[ اجملادلة ،]4 :مع تقييد الصيام بكونه من قبل أن يتماسا يف قوله
ِ ِ
ام َش ْه يْ ِن ُمتَـتَانِ َع ْ ِ
اسا[ اجملادلة،]4 :
ني ِم ْن قَـ ْب ِل أَ ْن يَـتَ َم َّ
تعاىل :فَ َم ْن َملْ َجي ْد فَصيَ ُ َ
فالسبب واحد وهو الظهار ،واحلكم يف األول :اإلطعام ،ويف الثاين :الصيام ،فأكثر
العلماء ال حيملون املطلق على املقيد يف هذه احلالة.
القسر ال انع :أن خيتلف احلكم والسبب ،وهذا متفق على عدم احلمل
()1
ِ
ام
فيه ،ومثال ذلك :تقييد الصيام ابلتتابع يف كفارة اليمني يف قوله تعاىل :فَصيَ ُ
ثَالثَِة أ َََّيٍم[ املائدة ،]89 :مع إطالق اإلطعام يف كفارة الظهار يف قوله تعاىل:
فَِإط َْع ُام ِستِ َني ِم ْس ِكينًا[ اجملادلة.]4 :
احدا.
هذه األقسام األربعة فيما إذا كان املقيد و ً
أما إن كان هناك مقيدان بقيدين خمتلفني ،فإن كان القيدان متضادين ومل
( )1ورد ذلك يف قراءة عبد هللا بن مسعود وأيب بن كعب رضي هللا عنهما« :فصيام ثالثة أايم
متتابعات» .انظر «جامع البيان» للطربي (.)30/7
442
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
يكن أحدمها أقرب من اآلخر مل حيمل املطلق على واحد منهما اتفاقًا كما تقدم(.)1
أما إ ا ورد على املطلق قيدان متضادان ،وأمكن ت جيح أحدمها على
اآلخر فيحمل املطلق – عند بعض العلماء – على أرجح القيدين وأشبههما.
مثال لك :إطالق صوم كفارة اليمني عن قيد التتابع يف قوله تعاىل:
فَ ِصيَ ُام ثَالثَِة أ َََّيٍم[ املائدة ،]89 :مع تقييد صوم كفارة الظهار ابلتتابع يف قوله
تعاىل :فَ َم ْن َملْ َِجي ْد فَ ِصيَ ُام َش ْه َيْ ِن ُمتَـتَانِ َع ْ ِني[ اجملادلة ،]4 :وتقييد صوم التمتع
ابلتفريق يف قوله تعاىل :فَ ِصيَ ُام ثَالثَِة أ َََّيٍم ِيف ا َْ ِج َو َس ْبـ َع ٍة إِ َا َر َج ْعتُ ْر[ البقرة:
،]196فالظهار أقرب لليمني من التمتع؛ ألن كال منهما كفارة ،فيقيد صوم
كفارة اليمني ابلتتابع محالً على الصوم يف كفارة الظهار املقيد ابلتتابع.
املسألة ال انعة
الضانط يف محل املطلق على املقيد
الضابط فيه أن اتفاق حكم املطلق واملقيد يوجب احلمل إمجاالً.
كما أن اختالفه يوجب عدم احلمل إمجاالً.
ذلك أن اتفاق ا كر يدل على قوة الصلة بني الكالميني – الكالم الذي
بعضا؛ إذ
فيه إطالق والكالم الذي فيه تقييد – فاعتربا مجلة واحدة يفسر بعضها ً
إن احلكم استوىف بيانه يف أحد املوضعني ومل يستوف يف املوضع اآلخر .وهذا
أسلوب مألوف عند العرب؛ إذ تطلق يف موضع وتقيد يف موضع آخر ،فيحمل
املطلق على املقيد(.)2
فإذا أضيف إىل اتفاق احلكم التفا ُق يف السبب كان هذا قرينة قوية على
وحدة اجلملتني وشدة ارتباطهما ببعض وأن املراد هبذه هو املراد ابألخرى(.)3
أما إن اتفق ا ك ُر فقط وكان السبب خمتل ًفا فاحلمل هنا وارد وهو
( )1انظر (ص )439من هذا الكتاب.
( )2انظر« :الفقيه واملتفقه» ( ،)111/1و«روضة الناظر» ( ،)194/2و«مذكرة
الشنقيطي» ( ،)233و«أضواء البيان» (.)546/6
( )3انظر« :جمموع الفتاوى» (.)100/31 ،443/15
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
443
()1
اردا ،وهو األصل(.)2
أمرا و ً
األحوط ،لكن يبقى عدم احلمل ً
أما يف حالة اختالف ا كر فإن هذا االختالف يعترب دليالً على استقالل
كل من الكالمني حبكمه :املطلق إبطالقه واملقيد بتقييده ،والتعارض يف مثل هذه
احلالة ٍ
منتف ،فيبقى املطلق على إطالقه واملقيد على تقييده ،وهذا هو األصل.
ويقوي البقاء على هذا األصل اختالف السبب.
أما إن اتفق السبب مع كون ا كر خمتل ًفا فإن اتفاق السبب قرينةٌ على
خمالفة األصل.
فتعارض يف هذه الصورة :عدم احلمل املستفاد من اختالف ا كر مع احلمل
املستفاد من اتفاق السبب؛ فأصبح احلمل وعدمه أمرين واردين فيحتاج إىل اجتهاد
العلماء ونظرهم يف ترجيح أحد االحتمالني.
****
إهدارا للمقيد.
( )1وجه االحتياط أن العمل ابملقيد عمل ابملطلق ،أما العمل ابملطلق فإن فيه ً
( )2األصل :أن املطلق يبقى على إطالقه ،واملقيد يبقى على تقييده.
444
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب ال انع
املنطوق واملفهوم
ويف هذا املطلب جانبان:
اجلانب األول :املنطوق.
اجلانب الثاين :املفهوم.
445
446
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اجلانب األول
املنطوق
أولً :تع يف املنطوق.
املنطوق :هو ما دل عليه اللفظ يف حمل النطق ،فهو املعىن املستفاد من اللفظ
من حيث النطق به(.)1
اثنيًا :أقسام املنطوق(.)2
املنطوق قسمان :صريح ،وغري صريح.
فالص يح :هو املعىن الذي وضع اللفظ له ،وذلك يشمل دللة
املطانقة( ،)3كداللة الرجل على اإلنسان الذكر ،ودللة التضمن( )4كداللة
األربعة على الواحد ،ربعها(.)5
وغْي الص يح :هو املعىن الذي دل عليه اللفظ يف غري ما وضع له،
ويسمى دللة اللت ام( ،)6كداللة األربعة على الزوجية(.)7
اثلثًا :أقسام املنطوق غْي الص يح.
املنطوق غري الصريح وهو ما يسمى بداللة االلتزام ينقسم إىل
ثالثة
( )1انظر" :شرح الكوكب املنري" ( ،)473/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)234
( )2انظر« :شرح الكوكب املنري» (.)473/3
( )3داللة املطابقة :هي داللة اللفظ على متام املعىن املوضوع له اللفظ .انظر« :آداب البحث
واملناظرة» (.)12/1
( )4داللة التضمن هي داللة اللفظ على جزء مسماه يف ضمن كله ،وال تكون إال يف املعاين
املركبة .انظر املصدر السابق (.)13/1
( )5انظر املصدر السابق (.)13 ،12/1
ٍ
لزوما ذهنيًا ،أو خارجيًا.
( )6داللة االلتزام :هي داللة اللفظ على خارٍج عن مسماه الزم له ً
انظر املصدر السابق (.)13/1
( )7انظر املصدر السابق.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
447
أقسام(.)1
إضمارا ضرورًاي ال
القسر األول :داللة االقتضاء ،وهي :أن يتضمن الكالم
ً
بد من تقديره؛ ألن الكالم ال يستقيم دونه:
أ -إما لتوقف الصدق عليه ،كقوله « :إن هللا وضع عن أميت اخلطأ
والنسيان»( )2فإن ذات اخلطأ والنسيان مل يرتفعا ،فيتضمن تقدير رفع اإلمث أو
املؤاخذة؛ لتوقف الصدق على هذا التقدير.
اسأ َِل الْ َق ْيَ َة[ يوسف]82 :؛
ب -وإما لتوقف الصحة عليه عقالً ،مثلَ :و ْ
أي :أهل القرية.
شرعا ،كقول القائل« :اعتق عبدك عِ وعلى
جـ-وإما لتوقف الصحة عليه ً
َنه» ،فال بد من تقدير امللك السابق ،فكأنه قال« :بعين عبدك وأعتقه عين».
مقصودا
القسر الثاين :داللة اإلشارة :وهي :أن يدل اللفظ على معىن ليس
ً
ابللفظ يف األصل ولكنه الزم للمقصود ،فكأنه مقصود ابلتبع ،كاستفادة أن أقل
ِ
صالُهُ ثَالثُو َن َش ْه ًا[ األحقاف:
مدة احلمل ستة أشهر من قوله تعاىلَ :ومحَْلُهُ َوف َ
ِ
صالُهُ ِيف َع َام ْ ِني[ لقمان.]14 :
،]15مع قوله تعاىلَ :وف َ
القسر الثالث :داللة التنبيه وتسمى اإلمياء ،وهي :أن يقرتن ابحلكم وصف
حشوا يف الكالم ال فائدة منه
لو مل يكن هذا الوصف تعليالً هلذا احلكم لكن ذكره ً
وذلك ما تنزه عنه ألفاظ الشارع ،وذلك كقوله تعاىل :إِ َّن األنْـ َ َار لَِفب نَ ِع ٍير
[األنفطار ،13 :املطففني]22 :؛ أي :لربهم(.)3
( )1انظر« :روضة الناظر» ( )198/2وما بعدها ،و«قواعد األصول» ( ،)68 ،67و«شرح
الكوكب املنري» ( ،)477 – 474/3و«مذكرة الشنقيطي» (.)236 ،235
( )2سبق خترجيه انظر (ص )350من هذا الكتاب.
( )3انظر (ص )202من هذا الكتاب.
448
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اجلانب الثاين
املفهوم
-1تع يفه(:)1
املفهوم :هو ما دل عليه اللفظ ال يف حمل النطق.
فهو املعىن املستفاد من حيث السكوت الالزم للفظ.
-2أنواعه(:)2
املفهوم نوعان:
النوع األول :مفهوم املوافقة.
النوع الثاين :مفهوم املخالفة.
(« )1شرح الكوكب املنري» ( ،)480 ،473/3و«مذكرة الشنقيطي» (.)234
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)132و«شرح الكوكب املنري» ( ،)481/3و«مذكرة
الشنقيطي» (.)237
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
النوع األول
مفهوم املوافقة
وفيه أرنع مسائل:
املسألة األوىل :تعريفه.
املسألة الثانية :أقسامه.
املسألة الثالثة :حجيته ،ونوع داللته.
املسألة ال انعة :شرط العمل به.
449
450
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
()1
تع يفه
مفهوم املوافقة :هو ما وافق املسكوت عنه املنطوق يف احلكم.
ويسمى بفحوى اخلطاب ،وحلن اخلطاب ،وابلقياس اجللي ،وابلتنبيه.
املسألة الثانية
()2
أقسامه
ينقسر مفهوم املوافقة إىل قسمني ابعتبارين:
العتبار األول :ينقسم إىل :أولوي ،ومساوي.
أ -مفهوم أولوي :وهو ما كان املسكوت عنه أوىل ابحلكم من املنطوق؛
كداللة حترمي التأفيف على حترمي الضرب ألنه أشد ،وذلك يف قوله تعاىل :فَال تَـ ُق ْل
َهلما أ ٍ
ُف[ اإلسراء.]23 :
َُ
مساواي للمنطوق يف
مفهوم مساوي :وهو ما كان املسكوت عنهً
احلكم؛ كداللة حترمي أكل مال اليتيم على حترمي إحراقه ،وذلك يف قوله سبحانه :إِ َّن
َّ ِ
ين َأيْ ُكلُو َن أ َْم َو َال الْيَـتَ َامى ظُل ًْما إََِّّنَا َْأي ُكلُو َن ِيف نُطُوهنِِ ْر َان ًرا[ النساء.]10 :
ال ذ َ
فاألكل واإلحراق متساواين؛ إذ اجلميع إتالف.
العتبار الثاين :أن مفهوم املوافقة منه ما هو قطعب ،ومنه ما هو ظِ.
فالقطعب :ما قطع فيه بنفي الفارق بني املسكوت عنه واملنطوق ،كما مر يف
املثالني السابقني.
والظِ :ما ظن فيه انتفاء الفارق ،كأن يقال« :إذا ردت شهادة الفاسق
( )1انظر« :روضة الناظر» ( ،)200/2و«خمتصر ابن اللحام» ( ،)132و«شرح الكوكب
املنري» ( ،)481/3و«مذكرة الشنقيطي» (.)237
( )2انظر« :روضة الناظر» ( ،)256 – 254/2و«شرح الكوكب املنري» (– 486/3
،)488و«مذكرة الشنقيطي» (.)251 – 249 ،237
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
451
فالكافر أوىل؛ ألن الكافر قد حيرتز من الكذب لدينه ،والفاسق متهم يف الدين».
املسألة الثالثة
حجيته ،ونوع دللته
مفهوم املوافقة حجة ِبمجاع السلف(.)1
قال ابن تيمية« :بل وكذلك قياس األوىل وإن مل يدل عليه اخلطاب ،لكن
عرف أنه أوىل ابحلكم من املنطوق هبذا ،فإنكاره من بدع الظاهرية اليت مل يسبقهم هبا
أحد من السلف ،فما زال السلف حيتجون مبثل هذا وهذا»(.)2
وإَّنا وقع اخلالف يف دللته :هل هي لفظية أو قياسية؟(.)3
وقد نقل الشافعي هذا اخلالف فقال« :وقد ميتنع بعض أهل العلم من أن
قياسا ،ويقول :هذا معىن ما أحل هللا وحرم ،ومحد وذم؛ ألنه داخل يف
يسمي هذا ً
مجلته فهو بعينه ،ال قياس على غريه.
......ويقول غريهم من أهل العلم :ما عدا النص من الكتاب أو السنة
فكان يف معناه ،فهو قياس .وهللا أعلم»(.)4
وعلى كل فاخلالف كما هو واضح يرجع إىل التسمية حلصول التفاق على
أن دللته قد تكون قاطعة(.)5
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)513و"جامع بيان العلم وفضله" ( ،)74/2و"روضة الناظر"
( ،)254/2و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)150و"شرح الكوكب املنري" (،483/3
،)208 ،207/4و"مذكرة الشنقيطي" (.)250
(" )2جمموع الفتاوى" (.)207/21
( )3انظر" :روضة الناظر" (" )200/2قواعد األصول" ( ،)68و"خمتصر ابن اللحام" (،)132
و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)287 ،286و"شرح الكوكب املنري" (،)483/3
و"مذكرة الشنقيطي" (.)237
(" )4الرسالة" (.)516 ،515
( )5ذكر بعضهم أن من فوائد هذا اخلالف :جتويز النسخ مبفهوم املوافقة عند من يقول :إن
قياسا ال
داللته لفظية ،ومنع النسخ به عند من يقول :إهنا قياسية .والصحيح أن تسميته ً
تضر وأن النسخ جيوز به إن كانت علته منصوصة .انظر" :روضة الناظر" (،232/1
،)202/2 ،233و"شرح الكوكب املنري" ( ،)486/3و"نزهة اخلاطر العاطر"
( ،)233/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)90 ،89
452
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة ال انعة
ش ط العمل نه
ش ط العمل مبفهوم املوافقة :أن يفهم املعىن من اللفظ يف حمل النطق ،وأن
مساواي له ،وإمنا يفهم ذلك من داللة
يكون املفهوم أوىل ابحلكم من املنطوق أو
ً
سياق الكالم وقرائن األحوال(.)1
موضحا هذا الشرط« :يعين أن شرط مفهوم املوافقة فهم املعىن
قال ابن بدران
ً
يف حمل النطق كالتعظيم وحنوه ،فإًن فهمنا من آية :فَال تَـ ُقل َهلما أ ٍ
ُف[ اإلسراء:
ْ َُ
]23أن املعىن املقتضي هلذا النهي هو تعظيم الوالدين؛ فلذلك فهمنا حترمي الضرب
تعظيما ملا فهمنا حترمي الضرب أصالً.
بطريق أوىل ،حىت لو مل نفهم من ذلك ً
لكن ـ ــه مل ـ ــا نف ـ ــى الت ـ ــأفيف األع ـ ــم دل عل ـ ــى نف ـ ــي الض ـ ــرب األخ ـ ــص بطري ـ ــق
األوىل»(.)2
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)200/2و"قواعد األصول" ( ،)68و"خمتصر ابن اللحام"
( ،)132و"شرح الكوكب املنري" (.)482/3
(" )2نزهة اخلاطر العاطر" (.)200/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
النوع الثاين
مفهوم املخالفة
وفيه أرنع مسائل:
املسألة األوىل :تعريفه.
املسألة الثانية :أقسامه.
املسألة الثالثة :حجيته.
املسألة ال انعة :شرط العمل به.
453
454
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
()1
تع يفه
مفهوم املخالفة :هو ما خالف املسكوت عنه املنطوق يف احلكم.
ويسمى بدليل اخلطاب.
املسألة الثانية
()2
أقسامه
مفهوم املخالفة ستة أقسام(:)3
القسر األول :مفهوم الصفة ،كصفة السوم يف قوله « :يف سائمة الغنر
ال كاة»( ،)4فمقتضى هذا عدم وجوب الزكاة يف املعلوفة غري السائمة ،وليس املراد
من الصفة كاملثال السابق.
( )1انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)132و"شرح الكوكب املنري" (،)489 ،488/3
و"مذكرة الشنقيطي" (.)237
( )2انظر" :روضة الناظر" ( )218/2وما بعدها ،و"قواعد األصول" ( ،)69و"خمتصر ابن
اللحام" ( ،)134 ،133و"القواعد والفوائد األصولية" ( ،)290 – 287و"شرح
الكوكب املنري" ( )497/3وما بعدها ،و"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" (،127
،)128و"مذكرة الشنقيطي" (.)239 ،238
( )3هنالك صور اختلف األصوليون فيها :هل هي من املنطوق أو من املفهوم؟ منها:
أ -احلصر ابلنفي واالستثناء ،مثل" :ال عامل إال زيد".
ب -احلصر بـ"إمنا" ،مثل" :إمنا الراب يف النسيئة".
جـ -حصر املبتدأ يف اخلرب ،مثل" :حترميها التكبري ،وحتليلها التسليم".
صورا أنكرها منكروا املفهوم بناء على
قال ابن قدامة عندما ذكر الصور السابقة" :اعلم أن ههنا ً
أهنا منه ،وليست منه ،وهي ثالثة" .".......روضة الناظر" (.)211/2
أيضا" :روضة الناظر" ( ،)218 – 211/2و"خمتصر ابن اللحام" (،135
ولالستزادة انظر ً
،)136و"شرح الكوكب املنري" ( ،)524 – 515/3و"مذكرة الشنقيطي" (.)238
( )4سبق خترجيه انظر (ص )431من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
455
القسر الثاين :التقسيم ،كقوله « :الثيب أحق ننفسها من وليها والبك
تستأم »( .)1ووجهه :أن تقسيمه إىل قسمني وختصيص كل و ٍ
احد حبكم؛ يدل على
انتفاء ذلك احلكم عن القسم اآلخر ،ولو عم احلكم النوعني مل يكن للتقسيم فائدة.
القسر الثالث :مفهوم الشرط ،واملراد به ما علق من احلكم على شيء أبداة
الشرط ،مثل" :إن" و"إذا" ،وهو املسمى ابلشرط اللغوي ال الشرط الذي هو قسيم
السبب واملانع.
وذلك كقوله تعاىل :وإِ ْن ُك َّن أ ِ
ض ْع َن محَْلَ ُه َّن
ُولي محَْ ٍل فَأَنِْف ُقوا َعلَْي ِه َّن َح َّىت يَ َ
َ
[الطالق ،]6 :فإنه يدل مبفهومه على عدم وجوب النفقة للمعتدة غري احلامل.
القسر ال انع :مفهوم الغاية ،وهو :مد احلكم أبداة الغاية ،مثل :إىل ،وحىت،
ومثال ذلك قوله تعاىل :فَال َِحت ُّل لَهُ ِم ْن نَـ ْع ُد َح َّىت تَـ ْن ِك َح َزْو ًجا غَْيـ َهُ[ البقرة:
.]230
القسر اخلامق :مفهوم العدد ،وهو :تعليق احلكم بعدد خمصوص ،حنو قوله
تعاىل :فَ ِ
وه ْر ََانِ َني َج ْل َد ًة[ النور.]4 :
اجل ُد ُ
ْ
)
2
(
القسر السادي :مفهوم اللقب ،وهو :ختصيص اسم حبك ٍم ،كالتنصيص
على األعيان الستة يف الراب( )3فإنه مينع جراينه يف غريها.
أما إن استلزم اللقب أوصافًا صاحلة إلًنطة احلكم به فإنه يعترب مفهوم صفة
سبِ ُح لَهُ ِف َيها ِابلْغُ ُد ِو
ال مفهوم لقب ،وذلك مثل لفظ" :رجال" يف قوله تعاىل :يُ َ
اآلص ِ
ال[ النور ،]37 ،36 :فقد يظهر للناظر أنه مفهوم ٍ
ال * ِر َج ٌ
لقب ال حيتج
َو َ
به ،ولكن مفهوم الرجال ههنا معترب؛ ألن الرجال ال ختشى منهم الفتنة وليسوا بعورة
خبالف النساء .ومعلوم أن وصف الذكورة وصف صاحل إلًنطة احلكم به الذي هو
التسبيح يف املساجد واخلروج إليها دون وصف األنوثة(.)4
املسألة الثالثة
( )1رواه مسلم.)205/9( :
( )2ضابط مفهوم اللقب عند األصوليني :هو كل اسم جامد سواء كان اسم جنس ،أو اسم
مجع ،أو اسم عني ،لقبًا كان أو كنية أو امسًا .انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)239
( )3انظر هذا احلديث يف :صحيح مسلم (.)14/11
( )4انظر" :أضواء البيان" (.)228/6
456
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
حجيته
()1
-1مفهوم املخالفة حجة عند مجاهْي العلماء جبميع أقسامه ،ويستثىن
من ذلك مفهوم اللقب؛ إذ التحقيق عدم االحتجاج به(.)2
يقول ابن قدامة يف مفهوم اللقب« :وأنكره األكثرون وهو الصحيح؛ ألنه
يفضي إىل سد ابب القياس ،وأن تنصيصه على األعيان الستة يف الراب متنع جراينه
يف غريها»(.)3
علمت أن احلق عدم اعتبار مفهوم اللقب ،وأن
ويقول الشنقيطي« :وقد
َ
فائدة ذكره إمكان اإلسناد إليه»(.)4
-2من األدلة على حجية مفهوم املخالفة:
أولً :أن فصحاء أهل اللغة يفهمون من تعليق احلكم على ٍ
ٍ
وصف
شرط أو
انتفاء احلكم بدون الشرط أو الوصف(.)5
ومن األمثلة على ذلك أن عمر )6(قد فهم من تعليق إابحة قصر الصالة
على حال اخلوف وجوب اإلمتام حال األمن وعجب من ذلك.
الص ِ
الة إِ ْن ِخ ْفتُ ْر أَ ْن
ص ُوا ِم َن َّ
اح أَ ْن تَـ ْق ُ
ق َعلَْي ُك ْر ُجنَ ٌ
وهذا يف قوله تعاىل :فَـلَْي َ
ِ َّ ِ
ين َكَف ُوا[ النساء ،]101 :لذلك سأل النيب عن هذه اآلية ،فقال :
يَـ ْفتنَ ُك ُر الذ َ
«صدقة تصدق هللا هبا عليكر فاقبلوا صدقته»(.)7
( )1انظر" :روضة الناظر" ( ،)203/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)136/31و"قواعد األصول"
(.)68
( )2انظر" :أضواء البيان" ( ،)228/6و"مذكرة الشنقيطي" (.)239
(" )3روضة الناظر" (.)225 ،224/2
(" )4مذكرة الشنقيطي" (.)240
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)209 ،208/2و"شرح الكوكب املنري" (.)504 ،503/3
فتحا على
( )6هو :عمر بن اخلطاب بن نفيل القرشي ،أبو حفص أمري املؤمنني ،كان إسالمه ً
وفرجا هلم عن الضيق ،وكان من املهاجرين األولني ،وشهد مجيع املشاهد ،وقد
املسلمني ً
ويل اخلالفة بعد أيب بكر رضي هللا عنه ،وتويف سنة (23ه) .انظر :االستيعاب"
( ،)450/2و"اإلصابة" (.)511/2
( )7رواه مسلم ( )195/5وللحديث قصة وهي :أن يعلى بن أمية قال :قلت لعمر بن
اخلطاب :فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصالة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
457
اثنيًا :أن التخصيص ابلذكر ال بد له من فائدة ،فإن استوت السائمة
واملعلوفة يف وجوب الزكاة فيهما فلم خص الشارع السائمة ابلذكر فقال« :يف سائمة
الغنر ال كاة» ،مع عموم احلكم واحلاجة إىل البيان؟ بل لو قال« :يف الغنم الزكاة»
لكان أقصر يف اللفظ وأعم يف بيان احلكم.
والتطويل لغري فائدة لكنه يف الكالم وعي ،وهذا مما ينزه عنه كالم العقالء،
فمن ابب أوىل كالم الشارع(.)1
-3أقسام مفهوم املخالفة –عند القائلني حبجيته– ليست على م تبة
واحدة ،بل إهنا متفاوتة قوة وضع ًفا ،فرتتيبها حسب القوة كاآليت(:)2
-1مفهوم الغاية.
-2مفهوم الشرط.
-3مفهوم الصفة ،ومثله يف القوة:
-4التقسيم.
-5مفهوم العدد.
-6مفهوم اللقب.
قال ابن بدران« :والضانط يف اب املفهوم :أنه مىت أفاد ظنًا عرف من تصرف
الشارع االلتفات إىل مثله –خاليًا عن معارض– كان حجة جيب العمل به.
والظنون املستفادة من دليل اخلطاب متفاوتة بتفاوت مراتبه ،ومن تدرب
ابلنظر يف اللغة وعرف مواقع األلفاظ ومقاصد املتكلمني سهل عنده إدراك ذلك
التفاوت والفرق بني تلك املراتب .وهللا املوفق»(.)3
=
فقد أمن الناس ،فقال :عجبت مما عجبت منه فسألت رسول هللا عن ذلك،
فقال.....احلديث .املصدر السابق.
( )1انظر" :روضة الناظر" (.)209 ،208/2
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)134 ،133و"القواعد والفوائد األصولية" (،228
،)289و"شرح الكوكب املنري" ( )505/3وما بعدها ،و"املدخل إىل مذهب اإلمام
أمحد" (.)128
(" )3املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" ( .)128وانظر فيما يتعلق بتفاوت الناس يف فهم
اخلطاب والقدرة على االستنباط حسب تفاوهتم يف الفهم ومعرفة اللغة واأللفاظ" :إعالم
=
458
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-4ل ف ق نني دللة املفهوم يف كالم الشارع وكالم الناي؛ إذ هو من
دالالت األلفاظ.
قال ابن تيمية« :ومما يقضي العجب ظن بعض الناس أن داللة املفهوم حجة
يف كالم الشارع دون كالم الناس –مبنزلة القياس– وهذا خالف إمجاع الناس ،فإن
الناس إما قائل أبن املفهوم من مجلة دالالت األلفاظ ،أو قائل إنه ليس من مجلتها،
أما هذا التفصيل فمحدث.
مث القائلون أبنه حجة إمنا قالوا :هو حجة يف الكالم مطل ًقا ،واستدلوا على
كونه حجة بكالم الناس ،ومبا ذكره أهل اللغة ،وأبدلة عقلية تبني لكل ذي نظر أن
داللة املفهوم من جنس داللة العموم واإلطالق والتقييد ،وهو داللة من دالالت
اللفظ ،وهذا ظاهر يف كالم العلماء»(.)1
املسألة ال انعة
ش ط العمل نه
للعمل مبفهوم املخالفة عند القائلني نه ش وط(.)2
خمتصا
واجلامع هلذه الش وط :أن يكون ختصيص املنطوق ابلذكر لكونه ً
ابحلكم دون سواه.
ب على الظن أال موجب للتخصيص ابلذكر
قال ابن تيمية« :فإذا علم أو َغلَ َ
()3
من هذه األسباب وحنوها ،علم أنه إمنا خصه ابلذكر ألنه خمصوص ابحلكم» .
ٍ
لسبب من األسباب –غري
أما إن ظهر أن ختصيص املنطوق ابلذكر كان
ختصيص احلكم به ونفيه عن سواه– فالتخصيص ابلذكر يف هذه احلالة ال يدل على
=
املوقعني" ( )355 – 350/1وانظر (ص )378من هذا الكتاب.
(" )1جمموع الفتاوى" (.)137 ،136/31
( )2انظر" :خمتصر ابن اللحام" ( ،)133و"القواعد والفوائد األصولية" (،)292 – 290
و"شرح الكوكب املنري" ( )489/3وما بعدها ،و"مذكرة الشنقيطي" (.)241
(" )3جمموع الفتاوى" (.)138/31
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
459
اختصاصه ابحلكم دون املسكوت عنه.
قال ابن النجار« :مث الضابط هلذه الشروط وما يف معناها :أال يظهر
لتخصيص املنطوق ابلذكر فائدةٌ غري نفي احلكم عن املسكوت عنه»(.)1
ٍ
واألسبا والفوائد والنكت اليت ألجلها خيص املنطوق ابلذك غري
ختصيص احلكم به ونفيه عن املسكوت عنه كثرية ،وهي تعرف مبوانع اعتبار
املفهوم(.)2
فمن ذلك:
أ -أن خي ج ك ه خم ج الغالب:
كقوله تعاىلَ :وَرَابئِبُ ُك ُر ِ
الاليت ِيف ُح ُجوِرُك ْر[ النساء ،]23 :فتقييد حترمي
الربيبة بكوهنا يف حجر الزوج ال يدل على أهنا تكون حالالً وال حترم إذا مل تكن يف
حجره؛ ألن الغالب كون الربيبة يف حجر زوج أمها.
جوااب لسؤال:
أن يقع ك ه ًكأن يسأل النيب مثال :هل يف الغنم السائمة زكاة؟
فيقول« :يف الغنر السائمة زكاة» فإن ذكر إحدى الصفتني املذكورتني يف
السؤال – وهي السوم يف هذا املثال – ال يلزم منه ختصيصها احلكم ونفيه عن
األخرى.
جـ -أن يكون ك ُه وقع على سبيل المتنان:
كقوله تعاىل :لِتَأْ ُكلُوا ِم ْنهُ َْ ًما طَ ِاَي[ النحل ،]14 :فال يدل وصف اللحم
بكونه طرًاي على حترمي اللحم غري الطري.
(" )1شرح الكوكب املنري" (.)496/3
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)138/31و"خمتصر ابن اللحام" ( ،)133و"القواعد
والفوائد األصولية" ( ،)292 – 290و"شرح الكوكب املنري" ( )489/3وما بعدها،
و"مذكرة الشنقيطي" (.)241
460
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفصل الثالث
الجتهاد والتقليد والفتوى
ويف هذا الفصل ثالثة مباحث:
املبحث األول :االجتهاد.
املبحث الثاين :التقليد.
املبحث الثالث :الفتوى.
461
462
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث األول
الجتهاد
ويف هذا املبحث ست مسائل:
املسألة األوىل :تعريف االجتهاد.
املسألة الثانية :أقسام االجتهاد.
املسألة الثالثة :شروط االجتهاد.
املسألة ال انعة :حكم االجتهاد.
املسألة اخلامسة :هل كل جمتهد مصيب؟
املسألة السادسة :تنبيهات.
463
464
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف الجتهاد
االجتهاد لغة :نذل الوسع والطاقة ،وال يستعمل إال فيما فيه جهد ومشقة،
يقال :اجتهد يف محل الرحى ،وال يقال :اجتهد يف محل النواة(.)1
ويف االصطالح« :نذل الوسع يف النظ يف األدلة الش عية لستنباط
األحكام الش عية»(.)2
وقد اشتمل هذا التعريف على الضوابط اآلتية(:)3
أ -أن االجتهاد هو بذل الوسع يف النظر يف األدلة ،فهو بذلك أعر من
القياي؛ إذ القياس هو إحلاق الفرع ابألصل ،أما االجتهاد فإنه يشمل القياس
وغريه.
ب -أن االجتهاد ال جيوز إال من فقيه ،عامل ابألدلة وكيفية االستنباط منها؛
إذ النظر يف األدلة ال يتأتى إال ممن كان أهالً لذلك.
جـ -أن االجتهاد قد ينتج عنه القطع ابحلكم أو الظن نه ،وذلك ما تضمنه
قيد "الستنباط".
أيضا بيان أن االجتهاد إمنا هو رأي اجملتهد
د -وقد تضمن قيد "الستنباط" ً
واجتهاده ،وذلك حماولة منه لكشف حكم هللا ،وال يسمى ذلك تشر ًيعا؛ فإن
التشريع هو الكتاب والسنة ،أما االجتهاد فهو رأي الفقيه أو حكم احلاكم.
( )1انظر" :املصباح املنري" ( ،)112/1و"مذكرة الشنقيطي" (.)311
( )2انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)178/1و"روضة الناظر" ( ،)401/2و"جمموع الفتاوى"
( ،)264/11و"شرح الكوكب املنري" ( ،)458/4و"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد"
( ،)179و"مذكرة الشنقيطي" (.)311
( )3انظر املصادر السابقة.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
465
املسألة الثانية
أقسام الجتهاد
أييت:
ينقسم االجتهاد إىل أقسام متعددة ،وذلك ابعتبارات خمتلفة ،وبيان ذلك كما
أولً :ينقسم االجتهاد ابلنظر إىل أهله إىل اجتهاد مطلق واجتهاد مقيد .ويف
هذين القسمني جتتمع أقسام اجملتهدين األربعة الذي ذكرها ابن القيم( ،)1وهي:
أ -جمتهد مطلق وهو العامل بكتاب هللا وسنة رسوله وأقوال الصحابة،
جيتهد يف أحكام النوازل يقصد فيها موافقة األدلة الشرعية حيث كانت.
فهذا النوع هم الذين يسوغ هلم اإلفتاء واالستفتاء ،وهم اجملددون هلذا الدين
القائمون حبجة هللا يف أرضه.
جمتهد مقيد يف مذهب من ائتم به ،فهو جمتهد يف معرفة فتاويه وأقوالهمقلدا
ومأخذه وأصوله ،عارف هبا ،متمكن من التخريج عليها ،من غري أن يكون ً
إلمامه ال يف احلكم وال يف الدليل ،لكن سلك طريقه يف االجتهاد والفتيا ،ودعا إىل
معا.
مذهبه ورتبه وقرره ،فهو موافق له يف مقصده وطريقه ً
جـ -جمتهد مقيد يف مذهب من انتسب إليه ،مقرر له ابلدليل ،متقن
لفتاويه ،عامل هبا ،ال يتعدى أقواله وفتاويه وال خيالفها ،وإذا وجد نص إمامه مل يعدل
عنه إىل غريه ألبتة.
بل نصوص إمامه عنده كنصوص الشارع ،قد اكتفى هبا من كلفة التعب
واملشقة ،وقد كفاه إمامه استنباط األحكام ومؤنة استخراجها من النصوص.
وشأن هؤالء عجيب؛ إذ كيف أوصلهم اجتهادهم إىل كون إمامهم أعلم من
غريه ،وأن مذهبه هو الراجح ،والصواب دائر معه ،وقعد هبم اجتهادهم عن النظر يف
( )1انظر" :إعالم املوقعني" ( .)214 – 212/4ويالحظ أن ابن القيم ذكرها ابسم أنواع
املفتني.
466
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
كالم هللا ورسوله واستنباط األحكام منه ،وترجيح ما يشهد له النص.
د -جمتهد يف مذهب من انتسب إليه ،فحفظ فتاوى إمامه ،وأقر على نفسه
ابلتقليد احملض له ،من مجيع الوجوه ،وذكر الكتاب والسنة عنده يكون على وجه
صحيحا
التربك والفضيلة ال على وجه االحتجاج به والعمل ،بل إذا رأى حديثًا
ً
خمال ًفا لقول من انتسب إليه أخذ بقوله وترك احلديث ،فليس عند هؤالء سوى
التقليد املذموم.
قال انن القير يف هذه األقسام األرنعة:
«ففتاوى القسم األول من جنس توقيعات امللوك وعلمائهم ،وفتاوى النوع
الثاين من جنس توقيعات نواهبم وخلفائهم ،وفتاوى النوع الثالث وال انع من جنس
توقيعات خلفاء نواهبم ،ومن عداهم فمتشبع مبا مل يعط ،متشبه ابلعلماءِ ،
حماك ٍٍ
للفضالء.)1(».....
اثنيًا :ينقسم االجتهاد ابلنظر إىل اجملتهد من حيث استيعابه للمسائل أو
اقتصاره على بعضها إىل جمتهد مطلق وجمتهد جزئي.
فاجملتهد املطلق :هو الذي بلغ رتبة االجتهاد حبيث ميكنه النظر يف مجيع
املسائل.
واجملتهد اجل ئب هو الذي مل يبلغ رتبة االجتهاد يف مجيع املسائل ،وإمنا بلغ
هذه الرتبة يف مسألة معينة ،أو ابب معني ،أو فن معني ،وهو جاهل ملا عدا ذلك.
وقد اختلف العلماء يف جواز جت ئة الجتهاد ،والذي عليه احملققون من أهل
العلم جوازه وصحته(.)2
جمتهدا
قال ابن القيم« :االجتهاد حالة تقبل التجزؤ واالنقسام ،فيكون الرجل ً
مقلدا يف غريه ،أو يف ابب من أبوابه.
يف نوع من العلم ً
كمن استفرغ وسعه يف نوع العلم ابلفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب
(" )1إعالم املوقعني" (.)215 ،214/4
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)407 ،406/2و"جمموع الفتاوى" (،)212 ،204/20
و"مذكرة الشنقيطي" (.)312
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
467
والسنة دون غريها من العلوم ،أو يف ابب اجلهاد ،أو احلج ،أو غري ذلك.
فهذا ليق له الفتوى فيما مل جيتهد فيه ،وال تكون معرفته مبا اجتهد فيه
مسوغة له اإلفتاء مبا ال يعلم يف غريه.
وهل له أن يفيت يف النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثالثة أوجه:
أصحها :اجلواز ،بل هو الصواب املقطوع به ،والثاين :املنع ،والثالث :اجلواز
يف الفرائض دون غريها.
فحجة اجلواز :أنه قد عرف احلق بدليله ،وقد بذل جهده يف معرفة الصواب
فحكمه يف ذلك حكم اجملتهد املطلق يف سائر األنواع»(.)1
أيضا« :فإن قيل :فما تقولون فيمن بذل جهده يف معرفة مسألة أو
وقال ً
مسألتني ،هل له أن يفيت هبما؟
قيل :نعم ،جيوز يف أصح القولني ،ومها وجهان ألصحاب اإلمام أمحد ،وهل
هذا إال من التبليغ عن هللا وعن رسوله ،وجزى هللا من أعان اإلسالم ولو بشطر
ٍ
خريا .ومنع هذا من اإلفتاء مبا علم خطأ حمض .وابهلل التوفيق»(.)2
كلمة ً
اثلثًا :ينقسم االجتهاد ابلنسبة لعلة احلكم إىل ثالثة أقسام(:)3
حتقيق املناط( ،)4وتنقيحه ،وخترجيه.
أ -فتحقيق املناط :هو أن يعلـق الشـارع احلكـم مبعـىن كلـي ،فينظـر اجملتهـد يف
واستشـهاد
ثبوته يف بعض األنـواع أو بعـض األعيـان .كـاألمر ابسـتقبال القبلـة
شــهيدين عــدلني فينظــر هــل املصــلي مســتقبل القبلــة؟ وهــذا الشــخص هــل هــو عــدل
مرضي؟
(" )1إعالم املوقعني" (.)216/4
( )2املصدر السابق (.)217 ،216/4
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)234 – 229/2و"جمموع الفتاوى" (،)18 – 14/19
و"مذكرة الشنقيطي" (.)245 – 243
( )4املناط لغة :موضع النوط ،وهو التعليق واإللصاق .ويف اصطالح األصوليني يطلق
على العلة .انظر" :خمتار الصحاح" ( ،)685و"قواعد األصول" ( ،)82و"الكليات"
(.)873
468
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وهذا النوع من االجتهاد متفق عليه بني املسلمني بل بني العقالء.
حكما إىل سببه
وتنقيح املناط :وهو هتذيب العلة ،فإذا أضاف الشارع ًواقرتن بذلك أوصاف ال مدخل هلا يف إضافة احلكم ،وجب حذف األوصاف غري
املؤثرة عن االعتبار وإبقاء الوصف املؤثر املعترب يف احلكم.
وذلك كأمر النيب األعرايب الذي واقع أهله يف رمضان ابلكفارة( )1فعلم أن
كونه أعرابيًا ،أو عربيًا ،أو املوطوءة زوجته ،ال أثر له يف احلكم ،فلو وطئ املسلم
العجمي سريته كان احلكم كذلك ،وهذا النوع قد أقر به أكثر منكري القياس.
جـ -وَت يج املناط :وهو القياس احملض ،وهو أن ينص الشارع على حكم
يف حمل ،وال يتعرض ملناطه أصالً ،كتحرمي الراب يف الرب ،فيجتهد اجملتهد يف البحث
عن علة احلكم ومناطه بطر ٍيق من طرق ثبوت العلة.
وهذا النوع هو الذي وقع فيه اخلالف املشهور يف حجية القياس.
ران ًعا :ينقسم االجتهاد ابلنظر إىل كون املسائل اجملتهد فيها جديدة أو
متقدمة إىل قسمني:
مسائل ل قول ألحد من العلماء فيها ،ومسائل تقدم لبعض العلماء فيها
قول.
فالقسم األول :وقع فيه خالف بني العلماء ،أما القسم الثاين :فال خالف
يف جواز االجتهاد فيه.
والصحيح يف القسر األول اجلواز(.)2
قال ابن القيم« :إذا حدثت حادثة ليس فيها قول ألحد العلماء ،فهل جيوز
االجتهاد فيها ابإلفتاء واحلكم أم ال؟ فيه ثالثة أوجه:
أحدها :جيوز ،وعليه تدل فتاوى األئمة وأجوبتهم ،فإهنم كانوا يسألون عن
حوادث مل تقع قبلهم فيجتهدون فيها ،وقد قال النيب « :إ ا اجتهد ا اكر
( )1احلديث رواه البخاري ( )163/4برقم ( ،)1937 ،1936ومسلم (.)224/7
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)526/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
469
فأصا فله أج ان ،وإن اجتهد فأخطأ فله أج »( .)1وهذا يعم ما اجتهد فيه مما
مل يعرف فيه قول من قبله ،وما عرف فيه أقواالً واجتهد يف الصواب منها.
وعلى هذا درج السلف واخللف ،واحلاجة داعية إىل ذلك لكثرة الوقائع
واختالف احلوادث»(.)2
أيضا ابلنظر إىل املسائل اجملتهد فيها من جهة
خامسا :ينقسم االجتهاد ً
ً
وقوعها أو عدم وقوعها إىل قسمني :مسائل واقعة انزلة ،ومسائل مل تقع.
وقد تقدم آن ًفا الكالم على القسم األول ،أما القسم الثاين وهو االجتهاد يف
مسائل مل تقع فهذا فيه تفصيل ألهل العلم سيأيت بيانه إن شاء هللا يف شروط
االجتهاد(.)3
سادسا :ينقسم االجتهاد ابلنظر إىل بذل الوسع فيه إىل قسمني :اجتهاد اتم،
ً
واجتهاد ًنقص ،فالجتهاد التام ما كان بذل الوسع فيه إىل درجة حيس فيها اجملتهد
من نفسه العجز عن املزيد ،والجتهاد الناقص ما مل يكن كذلك ،فيدخل فيه النظر
املطلق يف األدلة ملعرفة احلكم(.)4
ومعلوم أن املطلوب من اجملتهد بذل غاية وسعه وطاقته كما سيأيت نقل ذلك
عن الشافعي عند الكالم على شروط االجتهاد(.)5
سانعا :ينقسم االجتهاد إىل صحيح وفاسد.
ً
فالجتهاد الصحيح هو الذي صدر من جمتهد توفرت فيه شروط االجتهاد
وكان هذا االجتهاد يف مسألة يسوغ فيها االجتهاد.
أما الجتهاد الفاسد ،فهو :الذي صدر من جاهل ابلكتاب والسنة ولغة
( )1رواه البخاري ( )318/13برقم ( ،)7352ومسلم ( )13/12بلفظ آخر.
(" )2إعالم املوقعني" ( ،)266 ،265/4وقد ذكر ابن القيم رمحه هللا يف هذا املوضع أن احلق
يف هذه املسألة هو التفصيل ،وهو :أن ذلك جيوز بل يستحب وجيب عند احلاجة وأهلية
املفيت واحلاكم ،وإن عدم األمران مل جيز ،وإن وجد أحدمها دون اآلخر جاز للحاجة دون
عدمها.
( )3انظر (ص )476من هذا الكتاب.
( )4انظر" :روضة الناظر" ( ،)401/2و"نزهة اخلاطر العاطر" (.)402 ،401/2
( )5انظر (ص )473من هذا الكتاب.
470
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
العرب ،مل تتوفر فيه شروط االجتهاد ،أو صدر من جمتهد أهل لالجتهاد لكنه وقع
يف غري موضعه من املسائل اليت ال يصح فيه االجتهاد(.)1
قال ابن قدامة بعد ذكره آلاثر عن السلف يف ذم الرأي – يف معرض جوابه
عنها« :-قلنا هذا منهم ذم ملن استعمل الرأي ،والقياس يف غري موضعه أو بدون
شرطه ...جواب ِ
اثن ،أهنم ذموا الرأي الصادر عن اجلاهل الذي ليس أهالً لالجتهاد
والرأي ،ويرجع إىل حمض االستحسان ووضع الشرع ابلرأي ،بدليل أن الذين نقل
عنهم هذا هم الذين نقل عنهم القول ابلرأي واالجتهاد»(.)2
ولنن القير رمحه هللا تعاىل حبث نفيق يف أنواع الرأي ،أنقله فيما أييت
ملخصا(.)3
ً
«ال أي ثالثة أقسام :رأي ابطل بال ريب ،ورأي صحيح ،ورأي هو موضع
االشتباه.
واألقسام الثالثة قد أشار إليها السلف.
فاستعملوا ال أي الصحيح ،وعملوا به ،وأفتوا به ،وسوغوا القول به.
وذموا الباطل ،ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به ،وأطلقوا ألسنتهم بذمه
وذم أهله.
والقسم الثالث سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند االضطرار إليه ،حيث ال
أحدا العمل به ،ومل حيرموا خمالفته ،وال جعلوا خمالفه خمال ًفا
يوجد منه بد ،ومل يلزموا ً
للدين ،بل غايته أهنم خريوا بني قبوله ورده ،فهو مبنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام
والشراب الذي حيرم عند عدم الضرورة إليه.
كما قال اإلمام أمحد :سألت الشافعي عن القياس فقال يل :عند الضرورة
وكان استعماهلم هلذا النوع بقدر الضرورة.
( )1انظر يف املسألة اآلتية" :شروط االجتهاد" بيان من هو أهل لالجتهاد وبيان املسائل اليت
جيوز االجتهاد فيها.
(" )2روضة الناظر" ( .)242 ،241/2وانظر" :الفتاوى الكربى" (.)145/6
( )3انظر" :إعالم املوقعني" (.)85 – 67/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
471
مل يفرطوا فيه ،ويفرعوه ،ويولدوه ،ويوسعوه ،كما صنع املتأخرون حبيث
اعتاضوا به عن النصوص واآلاثر ،وكان أسهل عليهم من حفظها.
أنواع ال أي الباطل:
أ -الرأي املخالف للنص ،وهذا مما يعلم ابالضطرار من دين اإلسالم فساده
وبطالنه وال حتل الفتيا به وال القضاء ،وإن وقع فيه من وقع بنوع أتويل وتقليد.
ب -الكالم يف الدين ابخلرص والظن مع التفريط والتقصري يف معرفة
النصوص وفهمها واستنباط األحكام منها ،فإن من جهل النصوص وقاس برأيه من
غري نظر إليها فقد وقع يف الرأي املذموم الباطل.
جـ -الرأي املتضمن تعطيل أمساء الرب وصفاته وأفعاله ابملقاييس الباطلة اليت
وضعها أهل البدع والضالل ،حيث استعملوا قياساهتم الفاسدة ،وآراءهم الباطلة
وشبههم الداحضة يف رد النصوص الصحيحة الصرحية ،فقابلوا هذه النصوص
ابلتحريف والتأويل ،وقابلوا ابلتكذيب معاين النصوص اليت مل جيدوا إىل رد ألفاظها
سبيالً.
د -الرأي الذي أحدثت به البدع ،وغريت به السنن ،وعم به البالء.
فهذه األنواع األرنعة من الرأي الذي اتفق سلف األمة وأئمتها على ذمه
وإخراجه من الدين.
ﻫ -ما ذكره أبو عمر بن عبد الرب عن مجهور أهل العلم ،وهو استعمال
الرأي يف الوقائع قبل أن تنزل ،وتفريع الكالم عليها قبل أن تقع ،واالشتغال حبفظ
املعضالت واألغلوطات.
أنواع ال أي احملمود:
قلواب ،وأقلها تكل ًفا،
أ -رأي الصحابة رضي هللا عنهم فهم أفقه األمة وأبرها ً
الذين شاهدوا التنزيل ،وعرفوا التأويل ،وفهموا مقاصد الشريعة.
خريا من رأينا ألنفسنا ،كيف ال وهو الرأي الصادر
فحقيق أن يكون رأيهم لنا ً
وفهما عن هللا ورسوله ،
نورا ً
وعلما ،ومعرفة ً
وإمياًن ،وحكمة ً
من قلوب ممتلئة ً
ونصيحة لألمة ،وقلوهبم على قلب نبيهم وال وساطة بينهم وبينه ،وهم ينقلون
472
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
غضا طراي ،مل يشبه إشكال ،ومل يشبه خالف،
العلم واإلميان من مشكاة النبوة ً
ومل تدنسه معارضة ،فقياس رأي غريهم آبرائهم من أفسد القياس.
ب -الرأي الذي تفسر به النصوص ،ويبني وجه الداللة منها ،ويقررها
ويوضح حماسنها ويسهل طرق االستنباط منها.
جـ -الرأي اجملمع عليه ،الذي تواطأت األمة عليه وتلقاه خلفهم عن سلفهم،
فإن ما تواطئوا عليه من الرأي ال يكون إال صو ًااب ،كما أن ما تواطئوا عليه من الرواية
والرؤاي ال يكون إال صو ًااب.
د -الرأي الذي يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن فإن مل جيدها يف
القرآن ففي السنة ،فإن مل جيدها يف السنة فيما قضى به اخللفاء الراشدون أو اثنان
منهم أو واحد ،فإن مل جيده فبما قاله واحد من الصحابة رضي هللا عنهم ،فإن مل
جيده اجتهد رأيه ونظر إىل أقرب ذلك من كتاب هللا وسنة رسوله وأقضية
بعضا
أصحابه ،فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه ،وأقر بعضهم ً
عليه» اﻫ.
املسألة الثالثة
ش وط الجتهاد
يشرتط لصحة االجتهاد شروط ،بعض هذه الشروط يرجع إىل اجملتهد
والبعض اآلخر يرجع إىل املسائل اجملتهد فيها.
()1
أما الشروط الالزم توفرها يف اجملتهد فيمكن إمجاهلا فيما أييت :
أولً :أن حي ـ ـ ـ ــيط مب ـ ـ ـ ــدارك األحك ـ ـ ـ ــام وه ـ ـ ـ ــي :الكت ـ ـ ـ ــاب والس ـ ـ ـ ــنة واإلمج ـ ـ ـ ــاع
والقياس واالستصحاب ،وغريها من األدلة اليت ميكن اعتبارها.
وأن تكون لديه معرفة مبقاصد الشريعة ،واملعترب يف ذلك أن يعرف من
( )1انظر" :الرسالة" ( ،)511 – 509و"إبطال االستحسان" ( ،)40و"جامع بيان العلم
وفضله" ( ،)61/2و"روضة الناظر" ( ،)406 – 4091/2و"جمموع الفتاوى"
( ،)583/20و"إعالم املوقعني" ( ،)46/1و"شرح الكوكب املنري" (– 459/4
،)467و"مذكرة الشنقيطي" (.)312 ،311
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
473
الكتاب والسنة ما يتعلق ابألحكام ،ومعرفة الناسخ واملنسوخ ،وأسباب النزول،
ومواقع اإلمجاع واخلالف ،وصحيح احلديث وضعيفه.
اثنيًا :أن يكون عاملا بلسان العرب ،ويكفي يف ذلك القدر الالزم لفهم الكالم.
ً
اثلثًا :أن يكون عارفًا ابلعام واخلاص ،واملطلق واملقيد ،والنص والظاهر واملؤول،
واجململ واملبني ،واملنطوق واملفهوم ،واحملكم واملتشابه ،واألمر والنهي .وال يلزمه من ذلك
إال القدر الذي يتعلق ابلكتاب والسنة ويدرك به مقاصد اخلطاب وداللة األلفاظ،
حبيث تصبح لديه ملكة وقدرة على استنباط األحكام من أدلتها.
انعا :أن يبذل اجملتهد وسعه قدر املستطاع وأال يقصر يف البحث والنظر.
رً
قال الشافعي« :وعليه يف ذلك بلوغ غاية جهده ،واإلنصاف عن نفسه حىت
يعرف من أين قال ما يقول ،وترك ما يرتك»(.)1
خامسا :أن يستند اجملتهد يف اجتهاده إىل دليل ،وأن يرجع إىل أصل.
ً
وقد بوب لذلك ابن عبد الرب ،فقال« :ابب اجتهاد الرأي على األصول عند
عدم النصوص يف حني نزول النازلة»(.)2
وبعد ذكره رمحه هللا لبعض اآلاثر قال......« :هذا يوضح لك أن االجتهاد
ال يكون إال على أصول يضاف إليها التحليل والتحرمي ،وأنه ال جيتهد إال عامل هبا،
ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف ،ومل جيز له أن حييل على هللا قوالً يف دينه ال
نظري له من أصل ،وال هو يف معىن أصل.
وهو الذي ال خالف فيه بني أئمة األمصار قدميًا وحديثًا فتدبر»(.)3
وقد ذكر ابن القيم – كما سبق نقل ذلك عنه( –)4أن من أنواع الرأي
املذموم ابتفاق السلف:
الكالم يف الدين ابخلرص والتخمني ،مع التفريط والتقصري يف معرفة النصوص
وفهمها واستنباط األحكام منها.
(" )1الرسالة" (.)511
(" )2جامع بيان العلم وفضله" (.)55/2
( )3املصدر السابق (.)57/2
( )4انظر (ص )471من هذا الكتاب.
474
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وبني أن من جهل النصوص واآلاثر وقاس برأيه من غري نظر إليها فقد وقع
يف الرأي املذموم(.)1
وقد تقدم بيان حترمي القول على هللا بدون علم( ،)2فهذا الشرط راجع إىل
هذا األصل.
سادسا :أن يكون اجملتهد عارفًا ابلواقعة ،مدرًكا ألحوال النازلة اجملتهد فيها.
ً
قال الشافعي« :وال يكون له أن يقيس حىت يكون صحيح العقل ،وحىت
يفرق بني املشتبه ،وال يعجل ابلقول به ،دون التثبيت.)3(»......
وقال ابن القيم« :وأما قوله(( :)4اخلامسة معرفة الناس) فهذا أصل عظيم
فقيها يف األمر والنهي ،مث يطبق
فقيها فيهً ،
حيتاج إليه املفيت واحلاكم ،فإن مل يكن ً
أحدمها على اآلخر ،وإال كان ما يفسد أكثر مما يصلح ،فإنه إذا مل يكن فقيها يف
األمر ،له معرفة ابلناس تصور له الظامل بصورة املظلوم وعكسه ،واحملق بصورة املبطل
وعكسه ،وراج عليه املكر واخلداع واالحتيال.)5(».....
تنبيه:
جمتهدا ،بل مىت كان عاملا
قال ابن قدامة« :فأما العدالة فليست شرطًا لكونه ً
ً
مبا ذكرًنه فله أن أيخذ ابجتهاد نفسه ،لكنها شرط جلواز االعتماد على قوله ،فمن
ليس عدالً ال تقبل فتياه»(.)6
وأما الشروط الالزم توفرها يف املسألة اجملتهد فيها فيمكن إمجاهلا فيما
أييت:
أولً :أن تكون هذه املسألة غري منصوص( )7أو جممع عليها.
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)68/1
( )2انظر (ص )355من هذا الكتاب.
(" )3الرسالة" (.)510
( )4أي :اإلمام أمحد وسيأيت نقل كالمه كامالً .انظر (ص )509من هذا الكتاب.
(" )5إعالم املوقعني" (.)205 ،204/4
(" )6روضة الناظر" (.)402/2
( )7املراد بذلك أال يوجد يف املسألة نص أصالً – وهذا ما ذكر يف الشرط األول – وإن وجد نص
=
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
475
والدليل على هذا الشرط حديث معاذ املشهور( ،)1إذ جعل االجتهاد
مرتبة متأخرة إذا مل يوجد كتاب وال سنة.
وقد كان منهج الصحابة رضي هللا عنهم النظر يف الكتاب مث السنة مث اإلمجاع
مث االجتهاد(.)2
ومعلوم أن االجتهاد يكون ساقطًا مع وجود النص.
قال ابن عبد الرب« :ابب اجتهاد الرأي على األصول عند عدم النصوص يف
حني نزول النازلة»(.)3
أيضا« :ابب يف سقوط االجتهاد مع وجود
وقال اخلطيب البغدادي ً
النص»(.)4
وقال ابن القيم« :فصل يف حترمي اإلفتاء واحلكم يف دين هللا مبا خيالف
النصوص ،وسقوط االجتهاد والتقليد عند ظهور النص ،وذكر إمجاع العلماء على
ذلك»(.)5
اثنيًا :أن يكون النص الوارد يف هذه املسألة –إن ورد فيها نـص– حمـتمالً،
قـابالً للتأويـل ،كقولـه « :ل يصـلني أحـد العصـ إل يف نـِ ق يظـة»( .)6فقـد
فهم بعض الصحابة من هذا النص ظاهره من األمـر بصـالة العصـر يف بـين قريظـة
ولو بعد وقتها ،وفهم الـبعض مـن الـنص احلـث علـى املسـارعة يف السـري مـع أتديـة
الص ــالة يف وقته ــا ومل ينك ــر عل ــى الف ـريقني م ــا فه ــم ،ومل يعن ــف الط ــرفني عل ــى م ــا
=
فيشرتط أن يكون هذا النص حمتمالً غري قاطع – وهذا ما ذكر يف الشرط الثاين – وميكن بيان
املراد من هذين الشرطني ومجعهما يف شرط واحد أبن يقال :يشرتط أال يوجد يف املسألة نص
قاطع وال إمجاع .انظر" :مذكرة الشنقيطي" (.)315 ،314
( )1انظر (ص )190من هذا الكتاب.
( )2انظر" :إعالم املوقعني" ( )84 ،62 ،61 ،85/1وانظر ( )279من هذا الكتاب.
(" )3جامع بيان العلم وفضله" (.)55/2
(" )4الفقيه واملتفقه" (.)206/1
(" )5إعالم املوقعني" (.)279/2
( )6رواه البخاري ( )407/7برقم (.)4119
476
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فعل(.)1
قال الشافعي« :قال :فما االختالف احملرم؟ قلت :كل ما أقام هللا به احلجة يف
منصوصا بينًا مل حيل االختالف فيه ملن علمه ،وما كان من ذلك
كتابه أو على لسان نبيه
ً
قياسا ،فذهب املتأول أو القايس إىل معىن حيتمله اخلرب أو القياس،
حيتمل التأويل ويدرك ً
()2
وإن خالفه فيه غريه ،مل أقل :إنه يضيق عليه ضيق اخلالف يف املنصوص» .
وقد استدل الشافعي على أن االختالف مذموم فيما كان نصه بينًا بقوله
تعاىل :وما تَـ َف َّ َق الَّ ِذين أُوتُوا ال ِ
ْكتَا َ إِل ِم ْن نَـ ْع ِد َما َج َاءتْـ ُه ُر الْبَـيِنَةُ[ البينة،]4 :
ََ
َ
ِ
ِ
ِ
ِ
َّ
ك
اء ُه ُر الْبَـيِنَ ُ
اي َوأُولَئ َ
وقوله تعاىلَ :ول تَ ُكونُوا َكالذ َ
ين تَـ َف َّقُوا َوا ْختَـلَ ُفوا م ْن نَـ ْعد َما َج َ
ِ
ير[ آل عمران.]105 :
َهلُ ْر َع َذا ٌ َعظ ٌ
وقد عد ابن تيمية ذلك من أ ٍسباب االختالف بني العلماء فقال:
«.......واترة خيتلفون يف كون الداللة قطعية الختالفهم يف أن ذلك
ظاهرا فهل فيه ما ينفي االحتمال
احلديث :هل (هو )3نص أو ظاهر؟ وإذا كان ً
املرجوح أو ال؟» .
اثلثًا :أال تكون املسألة اجملتهد فيها من مسائل العقيدة ،فإن االجتهاد
والقياس خاصان مبسائل األحكام على النحو الذي سبق بيانه يف القياس(.)4
قال ابن عبد الرب« :قال أبو عمر :ال خالف بني فقهاء األمصار وسائر أهل
السنة – وهم أهل الفقه واحلديث – يف نفي القياس يف التوحيد وإثباته يف
األحكام ،إال داود بن علي بن خلف األصبهاين مث البغدادي( )5ومن قال بقوله
مجيعا.)6(».....
فإهنم نفوا القياس يف التوحيد واألحكام ً
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)344/3
(" )2الرسالة" (.)560
(" )3جمموع الفتاوى" (.)259/20
( )4انظر (ص )194 ،183من هذا الكتاب.
( )5هو :داود بن علي بن خلف األصبهاين مث البغدادي ،الفقيه املشهور ابلظاهري ،وكان صاحب
مذهب مستقل ،وتبعه مجع يعرفون ابلظاهرية ،وكان ولده أبو بكر حممد على مذهبه ،تويف سنة
(270ه) .انظر" :وفيات األعيان" ( ،)255/2و"شذرات الذهب" (.)158/2
(" )6جامع بيان العلم وفضله" (.)74/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
477
وعد ابن القيم( )1من أنواع الرأي املذموم ابتفاق سلف األمة الرأي املتضمن
تعطيل أمساء الرب وصفاته وأفعاله ابملقاييس الباطلة اليت وضعها أهل البدع
والضالل(.)2
انعا :أن تكون املسألة اجملتهد فيها من النوازل ،أو مما ميكن وقوعه يف الغالب
رً
واحلاجة إليه ماسة .أما استعمال الرأي قبل نزول الواقعة واالشتغال حبفظ املعضالت
واألغلوطات واالستغراق يف ذلك ،فهو مما كرهه مجهور أهل العلم واعتربوا ذلك
تعطيالً للسنن وترًكا ملا يلزم الوقوف عليه من كتاب هللا عز وجل ومعانيه(.)3
وقد استدل اجلمهور على ذلك بقوله « :إن أعظر املسلمني ج ًما من
سأل عن شبء مل حي م فح م من أجل مسألته»(.)4
ثالاث :قيل وقال ،وإضاعة املال ،وكث ة
وقوله « :إن هللا ك ه لكر ً
السؤال»( .)5قال ابن القيم« :ولكن إمنا كانوا [أي الصحابة رضي هللا عنهم يسألونه
[أي النيب ]عما ينفعهم من الواقعات ،ومل يكونوا يشتغلون بتفريع املسائل وتوليدها،
بل كانت مهمهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به فإذا وقع هبم أمر سألوا عنه فأجاهبم،
َّ ِ
آمنُوا ل تَ ْسأَلُوا َع ْن أَ ْشيَ ِ
س ْؤُك ْر َوإِ ْن
ين َ
وقد قال هللا تعاىلََ :ي أَيُّـ َها الذ َ
َ
اء إ ْن تُـْب َد لَ ُك ْر تَ ُ
ِ
اَّلل غَ ُف ِ
ير * قَ ْد َسأَ َهلَا قَـ ْوٌم ِم ْن
تَ ْسأَلُوا َعْنـ َها ح َ
ني يُـَنـ َّ ُل الْ ُق ْآ ُن تُـْب َد لَ ُك ْر َع َفا هللاُ َعْنـ َها َو َُّ ٌ
ور َحل ٌ
ِ
ِ ِ
ين[ املائدة.]102 ،101 :
قَـْبل ُك ْر َُّ أ ْ
َصبَ ُحوا هبَا َكاف ِ َ
ومل ينقطع حكم هذه اآلية ،بل ال ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا
له ساءه ،بل يستعفي ما أمكنه وأيخذ بعفو هللا .)6(»...
ٍ
مسألة ال تقع ،أو
فعلم بذلك أن اجملتهد ال ينبغي له أن يبحث ابتداء يف
( )1انظر" :إعالم املوقعني" ( )68/1وانظر (ص )471من هذا الكتاب.
( )2سبق التنبيه على حكم القياس يف ابب التوحيد وما جيوز منه وما ال جيوز انظر (ص
)183من هذا الكتاب.
( )3انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)139/2و"إعالم املوقعني" ( ،)69/1و"جامع
العلوم واحلكم" ( ،)252 – 240/1و"شرح الكوكب املنري" (.)588 – 584/4
( )4رواه البخاري ( )264/13برقم ( )7289واللفظ له ،ومسلم (.)110/15
( )5رواه البخاري ( ،)340/13برقم ( ،)1477ومسلم (.)12/12
(" )6إعالم املوقعني" ( ،)72 ،71/1وانظر ( )85/1منه ،و"تفسري ابن كثري" (.)109/2
478
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وقوعها ًندر ،لكن إن سئل عن مسألة من هذا القبيل ،فهذه قضية أخرى ،لعل
الكالم عليها أليق مبسائل الفتوى.
املسألة ال انعة
حكر الجتهاد
والكالم على هذه املسألة يف جهتني:
اجلهة األوىل :حكم االجتهاد إمجاالً.
اجلهة الثانية :حكم االجتهاد على التفصيل.
-1أما حكر الجتهاد على سبيل اإلمجال ،فالقول جبواز الجتهاد
مذهب اجلمهور(.)1
قال ابن تيمية« :والذي عليه مجاهري األمة أن االجتهاد جائز يف اجلملة»(.)2
واألدلة على لك كثْية منها:
ان ِيف ا ْ ِ
أ -قول هللا تعاىل :و َداو َد وسلَْيما َن إِ ْ َْحي ُكم ِ
ت فِ ِيه غَنَ ُر
ث إِ ْ نَـ َف َ
ش ْ
َْ
َ
َ ُ َُ َ
ِ
ِِ
ِ ِ
َّمنَ َاها ُسلَْي َما َن[ األنبياء.]79 ،78 :
ين * فَـ َفه ْ
الْ َق ْوم َوُكنَّا ُكْم ِه ْر َشاهد َ
دل قوله تعاىل :إِ ْ َْحي ُكم ِ
ان على أن داود وسليمان عليهما الصالة والسالم
َ
حكما يف هذه احلادثة معا ،كل منهما حبكم خما ٍ
لف لآلخر ،ولو كان وحيًا ملا ساغ
ً
اخلالف ،فدل على أن احلكم الصادر من كل منهما اجتهاد.
َّمنَ َاها ُسلَْي َما َن إذ خص هللا سـليمان عليـه الصـالة
يؤيد ذلك قوله تعاىل :فَـ َفه ْ
نصا الشرتك يف فهمـه االثنـان
والسالم بتفهيمه احلكم الصحيح ،ولو كان احلكم ً
عليهما الصالة والسالم(.)3
( )1انظ ــر" :الرس ــالة" ( ،)487و"ج ــامع بي ــان العل ــم وفض ــله" ( ،)55/2و"الفقي ــه واملتفق ــه"
(.)199/1
(" )2جمموع الفتاوى" (.)203/20
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)224/20و"أضواء البيان" (.)597 ،596/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
479
ب -قوله « :إ ا حكر ا اكر فاجتهد أصا فله أج ان ،وإ ا حكر
فاجتهد أخطأ فله أج »(.)1
جـ -حديث معاذ املشهور ،وذلك أن النيب حني بعثه إىل اليمن ،قال
له« :مب حتكر؟» قال بكتاب هللا ،قال« :فإن مل جتد؟» قال :بسنة رسول هللا ،قال:
«فإن مل جتد؟» قال اجتهد رأيي ،قال :فضرب رسول هللا يف صدره وقال:
«ا مد هلل الذي وفق رسول رسول هللا ملا ي ضب رسول هللا»(.)2
د -وقوع الجتهاد منه يف وقائع كثرية منها(:)3
أنه أخذ الفداء يف أسرى بدر( ،)4ولذلك عاتبه هللا فقال سبحانهَ :ما َكا َن
ِ
ِ
األر ِ
ض[ األنفال.]67 :
لنَِ ٍيب أَ ْن يَ ُكو َن لَهُ أ ْ
َس َى َح َّىت يُـثْخ َن ِيف ْ
ﻫ -أن النيب أذن ألصحابه –رضوان هللا عليهم– ابالجتهاد ،وكان يقرهم
على الصواب من اجتهاداهتم(.)5
فمن ذلك قوله لسعد بن معاذ( )6ملا حكمه يف بين قريظة« :لقد
حكمت فيهر حبكر هللا ع وجل»(.)7
-2أما حكر الجتهاد على وجه التفصيل ،فإنه قد جيب وقد حيرم ،وقد
مباحا.
يستحب وقد يكره ،وقد يكون ً
وذلك خيتلف حبسب أهلية اجملتهد ،وحسب نوع املسألة املنظور فيها،
( )1رواه البخاري ومسلم .وقد تقدم خترجيه .انظر (ص.)465
( )2سبق خترجيه .انظر (.)191
( )3انظر" :روضة الناظر" ( ،)409/2و"إعالم املوقعني" ( ،)198/1و"شرح الكوكب
املنري" (.)476/4
( )4انظر ذلك يف احلديث الذي رواه مسلم (.)84/12
( )5انظر" :روضة الناظر" ( ،)407/2و"إعالم املوقعني" ( ،)203/1و"زاد املعاد"
( ،)394/3و"شرح الكوكب املنري" (.)481/4
بدرا ،ورمي بسهم يوم
( )6هو :سعد بن معاذ بن النعمان األنصاري ،سيد األوس ،شهد ً
شهرا حىت حكم يف بين قريظة ،مث انتقض جرحه فمات وذلك
اخلندق فعاش بعد ذلك ً
سنة مخس للهجرة .انظر" :االستيعاب" ( ،)25/2و"اإلصابة" (.)35/2
( )7رواه البخاري ( )165/6برقم ( ،)3043ومسلم ( )95/12واللفظ له.
480
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وحسب احلاجة إليها ،وحسب الوقت(.)1
* فيكون االجتهاد واجبًا :إذا كان اجملتهد أهالً لالجتهاد ،وكانت املسألة مما
يسوغ فيه االجتهاد ،وقد قامت احلاجة الشديدة إىل معرفة احلكم مع ضيق الوقت.
متسعا مع كون
* ويكون مستحبًا إذا مل تكن احلاجة قائمة وكان الوقت ً
اجملتهد أهالً لالجتهاد.
* ويكون و ًما إذا مل يكن اجملتهد أهالً ومل توجد احلاجة لذلك ،أو كان أهالً
جممعا
لكن كانت املسألة مما ال جيوز فيه االجتهاد؛ أبن كان احلكم
منصوصا أو ً
ً
عليه.
وها إذا كان اجملتهد أهالً وكانت املسألة مما يستبعد وقوعه.
* ويكون مك ً
مباحا إذا كان اجملتهد أهالً وكانت املسألة مما ميكن وقوعه ،وكان
* ويكون ً
متسعا.
الوقت ً
املسألة اخلامسة
هل كل جمتهد مصيب؟
اجلواب على هذا السؤال حيتاج إىل تفصيل ،إذ إن اإلصابة لفظ جممل.
ذلك أن اإلصابة قد يراد هبا إصانة ا ق ،مبعىن :جمانبة اخلطأ.
وقد يراد هبا إصابة األجر والثواب ،مبعىن :انتفاء اإلمث(.)2
فإذا أريد ابإلصابة إصابة احلق فهذا ال يتضح إال بعد معرفة :هل ا ق عند
هللا واحد أو متعدد؟
احدا فال شك أن بعض اجملتهدين مصيب وبعضهم
فإن كان احلق عند هللا و ً
متعددا فكل جمتهد مصيب غري خمطئ .وبيان هذا
خمطئ ،وإن كان احلق عند هللا
ً
موضعه يف اجلانب األول.
( )1انظر" :إعالم املوقعني" ( .)266 ،219 ،157/4وانظر شروط االجتهاد السابق بياهنا
يف املسألة الثالثة.
( )2انظر" :منهاج السنة" (.)28 ،27/6
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
481
وإذا أريد ابإلصابة إصابة األجر وانتفاء اإلمث عن اجملتهدين فهذا حيتاج إىل
تفصيل ،وهذا بيانه يف اجلانب الثاين.
اجلانب األول :هل احلق عند هللا واحد أو متعدد؟
طرح اإلمام الشافعي هذا السؤال مث أجاب عليه ،قال رمحه هللا« :فإن قال
قائل :أرأيت ما اجتهد فيه اجملتهدون كيف احلق فيه عند هللا؟ قيل :ال جيوز فيه
احدا؛ ألن علم
عندًن -وهللا تعاىل أعلم – أن يكون احلق فيه عند هللا كله إال و ً
هللا عز وجل وأحكامه واح ٌد الستواء السرائر والعالنية عنده ،وأن علمه بكل و ٍ
احد
جل ثناؤه سواء»(.)1
وقد بوب ابن عبد الرب لذلك ،فقال« :اب ك الدليل يف أقاويل السلف
على أن الختالف خطأ وصوا »(.)2
آاثرا يف ذلك ،قال رمحه هللا« :هذا كثري يف كتب العلماء،
وبعد أن ذكر ً
()3
وكذلك اختالف أصحاب رسول هللا والتابعني ومن بعدهم من املخالفني وما
رد بعضهم على بعض؛ ال يكاد حييط به كتاب ،فضالً عن أن جيمع يف ابب ،وفيما
ذكرًن منه دليل على ما عنه سكتنا ،ويف رجوع أصحاب رسول هللا بعضهم إىل
بعض ،ورد بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختالفهم عندهم خطأ
وصواب.
ولذلك كان يقول كل واحد منهم :جائز ما قلت أنت ،وجائز ما قلت أًن،
وكالًن جنم يهتدي به ،فال علينا شيء من اختالفنا.
والصواب مما اختلف فيه وتدافع وجه واحد ،ولو كان الصواب يف وجهني
بعضا يف اجتهادهم وقضائهم وفتواهم.
متدافعني ما خطأ السلف بعضهم ً
والنظر أيىب أن يكون الشيء وضده صو ًااب كله»(.)4
ومن األدلة على أن بعض اجملتهدين مصيب وبعضهم خمطئ:
(" )1إبطال االستحسان" (.)41
(" )2جامع بيان العلم وفضله" (.)85/2
( )3يف األصــل" :املخــالفني" .والتصــويب مــن الطبعــة احملققــة" )919/2( :حتقيــق أيب األشــبال
الزهريي"
(" )4جامع بيان العلم وفضله" (.)88 ،87/2
482
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قوله « :إ ا حكر ا اكر فاجتهد أصا فله أج ان ،وإ ا حكر
فاجتهد أخطأ فله أج »( .)1فقسم اجملتهدين إىل مصيب له أجران ،وخمطئ
له أجر ،فعلم بذلك أن احلق عند هللا واحد ،غري متعدد ،وأن املصيب من اجملتهدين
واحد ،وليس كل جمتهد مصيبًا(.)2
اجلانب الثاين :ال خالف بني أهل العلم يف أن اجملتهد – الذي توف ي
الش وط يف اجتهاده – إ ا أصا ا ق له أج ان( ،)3للحديث املتقدم ،لكن
املسألة اليت وقع فيها نزاع بني العلماء هي:
هل اجملتهد – الذي توف ي الش وط يف اجتهاده – املخطئ للحق،
املخالف للصوا ،معذور أو ل؟ وهل أي أو ل أي ؟
()4
مذهب السلف من الصحابة رضي هللا عنهم والتابعني هلم إبحسان :
أحدا من اجملتهدين املخطئني ال يف
أهنم ال يكفرون ،وال يفسقون ،وال يؤمثون ً
مسألة علمية وال عملية ،وال يف األصول وال يف الفروع ،وال يف القطعيات وال يف
الظنيات(.)5
و لك وفق الضوانط اآلتية(:)6
ـدار مـ ـ ــا مـ ـ ــن اإلميـ ـ ــان ابهلل
-1أن يكـ ـ ــون مـ ـ ــع هـ ـ ــذا اجملتهـ ـ ــد املخطـ ـ ــئ مقـ ـ ـ ٌ
ورس ـوله .أم ــا م ــن مل ي ــؤمن أص ـالً فه ــو ك ــافر ،ال يقب ــل من ــه االعت ــذار ابالجته ــاد،
لظهور أدلة الرسالة وأعالم النبوة.
وألن العذر ابخلطأ حكم شرعي خاص هبذه األمة كما جاءت النصوص
( )1سبق خترجيه انظر (.)469
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)420 ،414/2و"جمموع الفتاوى" (،)123/19 ،27/20
و"شرح الكوكب املنري" (.)488/4
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)19/20 ،213/19 ،124/13
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)65 ،64/2و"جمموع الفتاوى" (،142 ،123 ،207/19
،213 ،216و ،125 ،124/13و ،44 ،43/29و– 252 ،36 – 31/20
،)280 ،254و"شرح الكوكب املنري" (.)491/4
( )5خالفًا ملن قال :ليس للحادثة عند هللا حكم يف نفس األمر ،وإمنا حكمه يف حق كل
مكلف يتبع اجتهاد املكلف واعتقاده .انظر تفصيل ذلك يف" :جمموع الفتاوى"
( )302 ،152 – 143/19وما بعدها.
( )6انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)256/20 ،493/12و"طريق اهلجرتني" (.)414 – 411
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
483
بذلك(.)1
فمن كان مؤمنًا ابهلل مجلة وثبت إميانه بيقني مل يزل ذلك عنه ابلشك ،بل ال
يزول إال بعد إقامة احلجة وإزالة الشبهة.
-2أن يكون ذا نية صادقة يف إرادة احلق والوصول إىل الصواب .أما أهل
اجلدال واملراء ،وأصحاب األغراض السيئة واملقاصد اخلبيثة ،فلكل منهم ما نوى،
واحلكم يف ذلك للظاهر ،وهللا يتوىل السرائر.
-3أن يبذل اجملتهد وسعه ،ويستفرغ طاقته ،ويتقي هللا ما استطاع ،مث إن أخطأ
لعدم بلوغ احلجة ،أو لوجود شبهة ،أو ألجل أتويل سائغ ،فهو معذور ما مل يفرط.
أما إن فرط يف شيء من ذلك ،فلم تبلغه احلجة بسبب تقصريه ،أو بلغته لكنه
أعرض عنها لشبهة يعلم فسادها ،أو أتول الدليل أتويالً ال يسوغ ،فإنه واحلالة
كذلك ال يعذر ،وعليه من اإلمث بقدر تفريطه.
ومن األدلة على ما ذهب إليه سلف هذه األمة ما أييت:
-1أن النيب قال« :كان رجل ممن كان قبلكر يسبء الظن نعمله،
فقال ألهله :إ ا أان مت فخذوين ،فذروين يف البح يف يوم صائف .ففعلوا نه.
فجمعه هللا ،قال :ما محلك على الذي صنعت؟ قال :ما محلِ عليه إل
خمافتك ،فغف له»(.)2
قال ابن تيمية« :فهذا الرجل ظن أن هللا ال يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق،
فظن أنه ال يعيده إذا صار كذلك.
وكل و ٍ
احد من إنكار قدرة هللا تعاىل ،وإنكار معاد األبدان وإن تفرقت ،كفر،
لكنه كان مع إميانه ابهلل وإميانه أبمره وخشيته منه جاهالً بذلك ،ضاالً يف هذا الظن
خمطئًا ،فغفر هللا له ذلك»(.)3
-2ما تقدم من األدلة على اعتبار املقاصد والنيات يف األحكام الشرعية
والثواب والعقاب(.)4
( )1انظر ( )347وما بعدها من هذا الكتاب.
( )2رواه البخاري ( )312/11برقم (.)6480
(" )3جمموع الفتاوى" (.)409/11
( )4انظر (ص )362من هذا الكتاب.
484
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
نفسا إال وسعها وأن التكاليف
-3ما تقدم من األدلة على أن هللا (ال)1يكلف ً
الشرعية مشروطة ابملمكن من العلم والقدرة .
-4ما تقدم من األدلة على أن اجلهل عذر شرعي ،وأن احلكم ال يثبت يف
حق املكلف واحلجة ال تقوم عليه إال بعد علمه ابألمر والنهي(.)2
وعا ،مل يكن معروفًا لدي
-5أن جعل الدين قسمني :أصولً وف ً
السلف( ،)3وكذلك تقسيم املسائل إىل قطعية وظنية ال يستقيم ،ألن كون املسألة
قطعية أو ظنية أمر إضايف حبسب حال املعتقد( ،)4مث إن هللا رفع اخلطأ دون تفريق
بني كونه يف مسألة قطعية أو ظنية(.)5
املسألة السادسة
تنبيهاي
-1ال جيوز أن خيلو عصر عن قائر هلل حبجته(.)6
وقد بوب اخلطيب البغدادي هلذه املسألة بقوله « :ذكر الرواية أن هللا تعاىل
ال خيلــي الوقــت مــن فقيــه أو متفقــه»( .)7ومــن األدلــة علــى ذلــك قولــه « :ل
ت ال طائفة من أميت ظاه ين على ا ق ،ل يض هر من خذهلر ،حىت أييت أم هللا
وهر كذلك»(.)8
( )1انظر (ص )339من هذا الكتاب.
( )2انظر (ص )345 -342من هذا الكتاب.
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،212 - 207/19و ،)61 - 56/6ففي هذا املوضع ذكر
ابن تيمية تفصيالً هلذا التقسيم .ولالستزادة يف قضية تقسيم الدين إىل أصول وفروع ينظر
ابإلضافة إىل ما سبق" :خمتصر الصواعق املرسلة" ( ،)495 – 489و"حقيقة البدعة
وأحكامها" ( )60/2وما بعدها ،و( ،)314 – 309/2و"منهج االستدالل على
مسائل االعتقاد" (.)249 – 246/1
( )4انظر (ص )80من هذا الكتاب.
( )5انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)211 ،210/19وانظر (ص )347من هذا الكتاب.
( )6انظر" :مفتاح دار السعادة" ( ،)144 ،143/1و"إعالم املوقعني" ( ،)276/2و"شرح
الكوكب املنري" ( ،)564/4و"أضواء البيان" (.)580/7
(" )7الفقيه واملتفقه" (.)30/1
( )8سبق خترجيه انظر (ص.)18
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
485
وقوله« :إن هللا يبعث هلذه األمة على رأي كل مائة سنة من جيدد هلا
دينها»(.)1
ومن املتفق عليه أن هذه األمة معصومة عن إضاعة احلق أو جهل نص
حمتاج إليه ،ابلنسبة جلميع العلماء ،أما ابلنسبة لبعضهم فقد خيطئ العام ،أو جيهل
العامل النص(.)2
فإذا ثبت أن احلق ال ميكن أن يضيع عن عامة األمة ،لزم أن يقوم هبذا احلق
قائم واحد على األقل.
-2أن اخلالف يف املسائل االجتهادية فيه رمحة ابألمة ،إذا التزم يف هذا
اخلالف ابلشرع.
قال ابن تيمية« :والنزاع يف األحكام قد يكون رمحةً إذا مل ي ِ
فض إىل شر عظيم
كتااب مساه كتا الختالف ،فقال أمحد :مسه
من خفاء احلكم ،وهلذا صنف رجل ً
كتا السعة ،وأن احلق يف نفس األمر واحد ،وقد يكون من رمحة هللا ببعض الناس
خفاؤه ملا يف ظهوره من الشدة عليه ،ويكون من ابب قوله تعاىل :ل تَ ْسأَلُوا َع ْن
أَ ْشيَ َاء إِ ْن تُـ ْب َد لَ ُك ْر تَ ُس ْؤُك ْر[ املائدة.)3(»]101 :
-3من األحكام املرتتبة على املسائل الجتهادية(:)4
أ -أنه ال جيوز اإلنكار على املخالف ،فضالً عن تفسيقه أو أتثيمه أو تكفريه.
ب -أن سبيل اإلنكار إمنا يكون ببيان احلجة وأيضاًح احملجة.
جـ -أن اجملتهد ليس له إلزام الناس ابتباع قوله.
د -أن غري اجملتهد جيوز له اتباع أحد القولني إذا تبينت له صحته ،مث جيوز له
( )1رواه أبو داود يف "سننه" ( )109/4برقم ( )4291وصححه األلباين .انظر" :السلسلة
الصحيحة" ( )150/2برقم (.)599
( )2انظر (ص )180من هذا الكتاب.
(" )3جمموع الفتاوى" ( .)159/14وانظر منه (.)79/30
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،207/20و ،80 ،79/30و،212 ،233 ،232/35
،213و ،)44 ،43/29و"إعالم املوقعني" (،49/1و ،)289 ،288/3و"شرح
الكوكب املنري" (.)492/4
486
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اتباعا للدليل.
تركه إىل القول اآلخر ً
ﻫ -ال يصح للمجتهد أن يقطع بصواب قوله وخطأ من خالفه فيما إذا
كانت املسألة حمتملة.
و -أن اخلالف يف املسائل االجتهادية ال خيرج املختلفني من دائرة اإلميان إذا
ردوا ما تنازعوا فيه إىل هللا ورسوله .
ز -أن اجملتهد جيب عليه اتباع ما أداه إليه اجتهاده ،وال جيوز له ترك ذلك إال
إذا تبني له خطأ ما ذهب إليه أوالً ،فيصح أن يرد عن اجملتهد قوالن متناقضان يف
وقتني خمتلفني ال يف وقت واحد.
حـ -أن اجملتهد يف مسائل االجتهاد بني األجر واألجرين ،وذلك إذا اتقى هللا
يف اجتهاده.
ط -أن املسائل االجتهادية ظنية يف الغالب ،مبعىن أنه ال يقطع فيها بصحة
هذا القول أو خطئه ،لكن قد توجد مسائل يسوغ فيها االجتهاد وهي قطعية
يقينية ،جيزم فيها ابلصواب ،وذلك أن اجملتهد قد خيالف الصواب دون تعمد ،إما
لتعارض األدلة أو خفائها ،فال طعن على من خالف يف مثل ذلك.
أحكاما ختصها ،ل م التف يق نني
-4إذا علم أن للمسائل االجتهادية
ً
املسائل الجتهادية واملسائل اخلالفية.
إذ جيب اإلنكار على املخالف يف املسائل اخلالفية غري االجتهادية ،كمن
خالف يف ٍ
شائعا.
قول خيالف سنة اثبتة ،أو ً
إمجاعا ً
وكذلك جيب اإلنكار على العمل املخالف للسنة أو اإلمجاع حبسب درجات
إنكار املنكر(.)1
-5ما مضى بيانه من الشروط الالزم توفرها يف اجملتهد ،ال تشرتط يف العمل
ابلوحب ،إذ العمل بكتاب هللا وسنة رسوله واجب على مجيع املكلفني( ،)2وال
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)289 ،288/3
( )2وهذا ما يسمى ابالتباع .انظر (ص )505 ،504من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
487
يشرتط يف ذلك سوى شرط واحد ،وهو العلم حبكم ما يعمل به منهما(.)1
-6من أسبا اخلالف نني العلماء(:)2
أ -أال يكون احلديث قد بلغ الواحد منهم.
ب -أن يكون احلديث قد بلغه ،لكنه مل يثبت عنده.
جـ -أن يكون احلديث قد بلغه وثبت عنده ،لكن نسيه.
د -اعتقاده أال داللة يف اآلية أو احلديث.
ﻫ -اعتقاده أن داللة النص صحيحة ،لكنه يعتقد أن تلك الداللة قد
عارضها ما يدل على ضعف النص أو نسخه أو أتويله.
-7من األعذار اليت تُلتمق للعلماء يف اختالفاهتر:
أ -أهنم ليسوا معصومني ،بل إن تطرق اخلطأ لرأي العامل أكثر من تطرقه إىل
األدلة الشرعية؛ إذ كل أحد يؤخذ من قوله ويرتك إال رسول هللا .)3(
ب -تفاوت املدارك واألفهام ،فإن إدراك الكالم وفهم وجوهه حبسب منح
هللا سبحانه ومواهبه(.)4
جـ -أن اإلحاطة حبديث رسول هللا مل تكن ألحد من هذه األمة(.)5
د -أن ترك السنة وخمالفها ال يثبت عن أحد من العلماء إال بسبب ولعذر،
ملا علم من عدالتهم وإمامتهم ،وأهنم متفقون على وجوب اتباع السنة(.)6
ﻫ -حصول بعض االحنرافات يف نسبة املذاهب إىل أهلها .فمن ذلك :أن
يكون هذا القول مل يقله اإلمام وإمنا هو قول لبعض املتأخرين من اتباعه ،أو قاله
( )1انظر" :أضواء البيان" (.)479 – 477/7
( )2انظر" :الرسالة" ( ،)330و"جمموع الفتاوى" ( ،)250 – 233/20و"الصواعق
املرسلة" (.)603 – 520/2
( )3انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)91/2و"جمموع الفتاوى" (،250 ،211/20
.)211 ،293 ،256
( )4انظر" :جمموع الفتاوى" (.)245/20
( )5انظر املصدر السابق (.)238 ،233/20
( )6انظر املصدر السابق (.)256 ،232/20
488
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اإلمام وغلط نعض أصحانه فيه ،أو قاله اإلمام ف يد عليه أو أن يفهم من كالمه
عاما أو مطل ًقا وليس كذلك ،أو أن يكون عنه يف املسألة
ما مل يرده ،أو جيعل كالمه ً
اختالف فيتمسكون ابلقول امل جوح ،أو أنه مل يقل مع كون لفظه وتمالً ملا نقل
عنه ،أو أنه قد قال وأخطأ(.)1
****
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)187 – 184/20و"أضواء البيان" (.)580 ،576/7
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثاين
التقليد
ويف هذا املبحث أرنع مسائل:
املسألة األوىل :تعريف التقليد.
املسألة الثانية :حكم التقليد.
املسألة الثالثة :التمذهب.
املسألة الرابعة :تنبيهات.
489
490
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف التقليد
التقليد لغة :جعل القالدة يف العنق ،والقالدة معروفة وهي ما تضعه املرأة يف
عنقها(.)1
واصطالحا :هو اتباع قول الغري من غري معرفة دليله(.)2
ً
()3
وميكن نيان هذا التع يف يف اآليت :
-1أن التقليد هو األخذ بقول الغري ،أما األخذ ابلكتا والسنة واإلمجاع
تقليدا وإمنا هو اتباع ،فيكون املراد من قول الغري اجتهاده.
فال يسمى ً
-2أن التقليد ال يكون إال مع عدم مع فة الدليل ،وهذا إمنا يتأتى من
العامي املقلد اجلاهل الذي ال قدرة له وال نظر له يف األدلة.
أما من له القدرة على النظر يف األدلة فإن أخذه بقول الغري إن تبني له صوابه
تقليدا ،بل هذا ترجيح واختيار ،أما إن أخذ بقول الغري دون نظر يف األدلة
ال يكون ً
قادرا على النظر فهو مقلد ،وال يعذر مع القدرة كما سيأيت.
مع كونه ً
-3موضع التقليد هو موضع الجتهاد ،فما جاز فيه االجتهاد من
املسائل جاز فيه التقليد ،وما حرم فيه االجتهاد حرم فيه التقليد.
واملقلد اتنع للمجتهد يف اجتهاده ،يلزمه تقليده ،وليس له أن يرجح أو
تقليدا،
يصوب أو خيطئ؛ إذ ال قدرة له على ذلك ،لذلك ساغ تسمية التقليد ً
فكأن املقلد وضع أمره وفوضه إىل اجملتهد كالقالدة إذا جعلت يف العنق.
( )1انظر" :املصباح املنري" (.)512
( )2انظر" :روضة الناظر" ( ،)450/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)233/35و"نزهة اخلاطر
العاطر" ( ،)450/2و"أضواء البيان" ( ،)486 ،485/7و"مذكرة الشنقيطي"
(.)314
( )3انظر املصادر السابقة.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة الثانية
حكر التقليد
491
التقليد مجلة جائ للعامة الذين ال قدرة هلم على النظر يف األدلة واستنباط
األحكام منها.
قال ابن عبد الرب« :ومل ختتلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها ،وأهنم
املرادون بقول هللا عز وجل :فَاسأَلُوا أ َْهل ِ
الذ ْك ِ إِ ْن ُك ْنـتُ ْر ل تَـ ْعلَ ُمو َن[ النحل،43 :
ْ
َ
األنبياء ،]7 :وأمجعوا على أن األعمى ال بد له من تقليد غريه ممن يثق مبيزه ابلقبلة
إذا أشكلت عليه ،فكذلك من ال علم له وال بصر مبعىن ما يدين به ال بد له من
تقليد عامله»(.)1
وقال ابن تيمية« :والذي عليه مجاهري األمة أن االجتهاد جائز يف اجلملة،
والتقليد جائ يف اجلملة ،وال يوجبون االجتهاد على كل أحد وحيرمون التقليد ،وال
يوجبون التقليد على كل أحد وحيرمون االجتهاد»(.)2
أما حكر التقليد على وجه التفصيل فمنه ما هو جائز ،ومنه ما ليس
جبائز(.)3
أما التقليد اجلائ فهو ما حتققت فيه الشروط اآلتية:
عاجزا عن معرفة حكم هللا ورسوله ،أما
-1أن يكون املقلد جاهالًً ،
القادر على االجتهاد فالصحيح أن جيوز له التقليد حيث عجز عن االجتهاد إما
لتكافؤ األدلة ،وإما لضيق الوقت عن االجتهاد ،وإما لعدم ظهور دليل له ،فإنه
حيث عجز سقط عنه وجوب االجتهاد وانتقل إىل بدله وهو التقليد(.)4
-2أن يقلد من عرف ابلعلم واالجتهاد من أهل الدين والصالح(.)5
(" )1جامع بيان العلم وفضله" (.)115/2
(" )2جمموع الفتاوى" (.)204 ،203/20
( )3انظر املصدر السابق ( ،)204 ،18/20و"أضواء البيان" (.)487/7
( )4انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)69 ،68/2و"جمموع الفتاوى" (.)225/20
( )5انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)115/2و"جمموع الفتاوى" (.)225/20
492
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-3أال يتبني للمقلد احلق وأال يظهر له أن قول غري مقلده أرجح من قول
مقلده ،أما إن تبني له ذلك أو عرف احلق وفهم الدليل فإن التقليد واحلالة كذلك ال
جيوز بل الواجب عليه اتباع ما تبينت صحته(.)1
-4أال يكون يف التقليد خمالفة واضحة للنصوص الشرعية أو إلمجاع
األمة(.)2
-5أال يلتزم املقلد مذهب إمام بعينه يف كل املسائل ،بل عليه أن يتحرى
احلق ،ويتبع األقرب للصواب ،ويتقي هللا ما استطاع(.)3
تتبعا للرخص وحبثًا عن األسهل
وعليه – يف املقابل – أال يتنقل بني املذاهب ً
على نفسه واألقرب هلواه(.)4
وأما التقليد املذموم فهو أنواع ،منها:
-1اإلعراض عما أنزل هللا ،وعدم االلتفات إليه اكتفاءً بتقليد اآلابء ،قال
ِ
ِ ِ
ِ
ِ
آاب َء َان أ ََولَ ْو َكا َن
يل َهلُ ُر اتَّب ُعوا َما أَنْـ َ َل هللاُ قَالُوا نَ ْل نَـتَّب ُع َما َو َج ْد َان َعلَْيه َ
تعاىلَ :وإ َا ق َ
َّ
الس ِع ِْي[ لقمان.)5(]21 :
وه ْر إِ َىل َع َذا ِ َّ
الش ْيطَا ُن يَ ْد ُع ُ
ف
-2تقليد من ال يعلم املقلد أنه أهل ألن يؤخذ بقوله ،قال تعاىلَ :ول تَـ ْق ُ
ق لَ َك نِ ِه ِعل ٌْر[ اإلسراء.)6(]36 :
َما لَْي َ
-3تقليد قول من عارض قول هللا ورسوله ،كائنًا من كان ذلك املعارض،
قال تعاىلَ :ول تَـتَّبِ ُعوا ِم ْن ُدونِِه أ َْولِيَ َاء[ األعراف.)7(]3 :
-4التقليد بعد وضوح احلق ومعرفة الدليل(.)8
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)225/20 ،261/19
( )2انظر املصدر السابق ( ،)261 ،260/19و"أضواء البيان" (.)486/7
( )3انظر (ص )496من هذا الكتاب فيما يتعلق بضوابط التمذهب.
( )4انظر (ص )502من هذا الكتاب فيما يتعلق بتتبع الرخص.
( )5انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)110/2و"جمموع الفتاوى" (،260/19
و ،)16 ،15/20و"إعالم املوقعني" (.)188 ،187/2
( )6انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)115/2و"جمموع الفتاوى" ( ،)17/20و"إعالم
املوقعني" (.)188 ،187/2
( )7انظر" :جمموع الفتاوى" (.)262/19
( )8انظر" :إعالم املوقعني" (.)188 ،187/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
493
-5تقلي ـ ــد اجملته ـ ــد الق ـ ــادر عل ـ ــى االجته ـ ــاد م ـ ــع اتس ـ ــاع الوق ـ ــت وع ـ ــدم
احلاجة(.)1
جمتهد و ٍ
ٍ
احد بعينه يف مجيع اجتهاداته ،وهذا ما سيأيت بيانه يف
-6تقليد
املسألة اآلتية.
املسألة الثالثة
التمذهب
ويف هذه املسألة أرنعة أمور:
األم األول :املوقف من األئمة األرنعة :أ حنيفة ومالك والشافعب
وأمحد ،رمحهر هللا تعاىل.
قال الشيخ الشنقيطي« :اعلم أن موقفنا من األئمة رمحهم هللا ،من األربعة
وغريهم هو موقف سائر املسلمني املنصفني منهم ،وهو موالهتر ووبتهر،
وتعظيمهر وإجالهلر ،والثناء عليهر مبا هم عليه من العلم والتقوى ،واتباعهم يف
العمل ابلكتاب والسنة وتقدميهما على رأيهم ،وتعلم أقواهلم لالستعانة هبا على احلق،
وترك ما خالف الكتاب والسنة منها.
أما املسائل اليت ال نص فيها ،فالصواب النظر يف اجتهادهم فيها ،وقد يكون
علما وتقوى منا ،ولكن
اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادًن ألنفسنا؛ ألهنم أكثر ً
علينا أن ننظر وحنتاط ألنفسنا يف أقرب األقوال إىل رضي هللا وأحوطها وأبعدها من
االشتباه ،كما قال « :دع ما ي يبك إىل ما ل ي يبك»( ،)2وقال« :فمن اتقى
الشبهاي استربأ لدينه وع ضه»(.)3
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" (.)69/2
( )2رواه الرتمذي ( )668/4برقم ( ،)2518وقال :هذا حديث حسن صحيح ،وصححه
األلباين .انظر" :صحيح اجلامع" ( )637/2برقم (.)3378
( )3رواه البخاري ( )126/1برقم ( ،)52ومسلم واللفظ له ( ،)26/11وهو قطعة من
حديث مضى خترجيه يف (ص )349من هذا الكتاب.
494
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وحقيقة القول الفصل يف األئمة رمحهم هللا أهنم من خيار علماء املسلمني،
وأهنم ليسوا معصومني من اخلطأ ،فكل ما أصابوا فيه فلهم فيه أجر االجتهاد وأجر
اإلصابة ،وما أخطئوا فيه فهم مأجورون فيه ابجتهادهم ،معذورون يف خطئهم ،فهم
مأجورون على كل حال ،ال يلحقهم ذم وال عيب وال نقص يف ذلك.
ولكن كتاب هللا وسنة نبيه حاكمان عليهم وعلى أقواهلم كما ال خيفي:
فــال تغــل يف شــبء مــن األم ـ واقتصــد كـ ـ ــال ط ـ ـ ـ يف قصـ ـ ــد األمـ ـ ــور مـ ـ ــير
فال تك ممن يذمهم وينتقصهم ،وال ممن يعتقد أقواهلم مغنية عن كتاب هللا
وسنة رسوله أو مقدمة عليهما»(.)1
واملقصود أنه ل ند من اجلمع نني أم ين عظيمني ،أحدمها أعظر من
اآلخ (:)2
األم األول :هو النصيحة هلل ول سوله ولكتابه ولدينه ،وتنزيه هذا
الدين عن األقوال الباطلة.
واألم الثاين :هو مع فة فضل أئمة اإلسالم ومقاديرهم ،وحقوقهم،
ومراتبهم.
فالنصيحة لدين هللا توجب رد بعض أقواهلم ،وترك مجلة من اجتهاداهم،
وليس يف ذلك تنقص هلم وال إهدار ملكانتهم.
وكذلك فإن معرفة فضل األئمة ال يوجب قبول كل ما قالوه.
فهذان طرفان جائران عن القصد ،وقصد السبيل بينهما:
الط ف األول :القول بعصمة األئمة وأهنم ال خيطئون ،وقبول مجيع أقواهلم،
ولو خالفت احلق.
الط ف الثاين :أتثيم األئمة والوقيعة هبم ،وإهدار مجيع أقواهلم ولو وافقت
احلق.
قال ابن القيم بعد أن قرر ما مضى:
(" )1أضواء البيان" (.)556 ،555/7
( )2انظر" :الفتاوى الكربى" ( ،)94 – 92/6و"إعالم املوقعني" (.)283 ،282/3
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
495
«وال منافاة بني هذين األمرين ملن شرح هللا صدره لإلسالم ،وإمنا يتنافيان عند
أحد رجلني :جاهل مبقدار األئمة وفضلهر ،أو جاهل حبقيقة الش يعة اليت نعث
هللا هبا رسوله.
قطعا أن الرجل اجلليل الذي له يف اإلسالم
ومن له علم ابلشرع والواقع يعلم ً
قدم صاحل وآاثر حسنة وهو من اإلسالم وأهله مبكان ،قد تكون منه اهلفوة والزلة،
هو فيها معذور ،بل مأجور الجتهاده ،فال جيوز أن يتبع فيها ،وال جيوز أن هتدر
مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب املسلمني»(.)1
األم الثاين :حكر الت ام مذهب معني من املذاهب الفقهية املع وفة.
قال ابن القيم« :وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض املذاهب املعروفة أم ال؟
فيه مذهبان:
أحدمها :ال يلزمه .وهو الصواب املقطوع به؛ إذ ال واجب إال ما أوجبه هللا
ورسوله ،ومل يوجب هللا وال رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب مبذهب رجل
من األمة فيقلده دينه دون غريه ،وقد انطوت القرون الفاضلة مربأة ،مربأ أهلها من
هذه النسبة»(.)2
فتبني بذلك أن التزام مذهب معني ال جيوز ،هذا هو األصل.
إال أن هذا ليس على إطالقه ،نل قد جيوز الت ام مذهب معني يف أحوال
معينة ،منها:
-1إذا مل يستطع العبد أن يتعلم دينه إال ابلتزام مذهب معني(.)3
-2أن يرتتب على التزام مذهب معني دفع ٍ
فساد عظي ٍم ال يتحقق دفعه إال
بذلك(.)4
وعلى كل فالضابط جلواز التزام مذهب معني النظ يف املصاحل واملفاسد،
مبذهب مع ٍ
ٍ
ني حتقيق ملصاحل عظمى جاز ذلك.
فإن كان يف االلتزام
وهذا اجلواز أيضاً ال بد فيه من ضوانط ،بياهنا على النحو اآليت:
(" )1إعالم املوقعني" (.)283/3
(" )2إعالم املوقعني" (.)262 ،261/4
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)209/20 ،514/11
( )4انظر املصدر السابق.
496
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األم الثالث :ضوانط جواز اللت ام مبذهب معني.
إذا جاز االلتزام مبذهب معني فال بد أن يراعى يف ذلك ما مضى من شروط
جواز التقليد( ،)1إضافة إىل اآليت:
الضانط األول :أال يكون هذا االلتزام سبيالً الختاذ هذا املذهب دعوة
يدعى إليها ،ويوايل ويعادي عليها ،مما يؤدي إىل اخلروج عن مجاعة املسلمني وتفريق
وحدة صفهم.
كالما يدعون إليه ويوالون به
فإن أهل البدع هم الذين ينصبون هلم
ً
شخصا أو ً
ويعادون عليه.
أما أهل السنة فإهنم ال يدعون إال إىل اتباع كتاب هللا وسنة رسوله وما
اتفقت عليه األمة ،فهذه أصول معصومة ،دون ما سواها.
واملقصود أن أهل اإلميان ال خيرجهم تنازعهم يف بعض مسائل األحكام عن
حقيقة اإلميان ،كما علم ذلك من تنازع الصحابة رضي هللا عنهم يف كثري من مسائل
األحكام(.)2
الضانط الثاين :أال يعتقد أنه جيب على مجيع الناس اتباع و ٍ
احد بعينه من
األئمة دون اإلمام اآلخر ،وأن قوله هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول من
خالفه ،فمن اعتقد هذا كان جاهالً ضاالً.
احدا ال
بل غاية ما يقال :إنه يسوغ أو ينبغي أو جيب على العام أن يقلد و ً
بعينه ،من غري تعيني زيد وال عمرو(.)3
الضـانط الثالـث :أن يعتقـد أن هــذا اإلمـام الـذي التـزم مذهبــه لـيس لـه مــن
الطاع ــة إال ألن ــه مبل ــغ ع ــن هللا دين ــه وش ــرعه ،وإمن ــا جت ــب الطاع ــة املطلق ــة العام ــة هلل
ولرسـ ـوله ف ــال جي ــوز أن أيخ ــذ بق ـ ٍ
ـول أو يعتق ــده؛ لكون ــه ق ــول إمام ــه ،ب ــل ألج ــل
( )1انظر (ص )491من هذا الكتاب.
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" (،)253- 251/22 ،514/11 ،164 ،163/20
و"إعالم املوقعني" (.)49/1
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)249 ،248/222و"إعالم املوقعني" (.)262/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
497
أن ذلك مما أمر هللا به ورسوله .)1(
الضانط ال انع :أن حيرتز من الوقوع يف شيء من احملاذير اليت وقع فيها
بعض املتمذهبني ،ومن ذلك:
األم ال انع :التنبيه على وا ي وقع فيها نعض املنتسبني للمذاهب.
▪ احملذور األول :التعصب والتفرق ،ووقوع الفنت بني أهل املذاهب.
ومعلوم أن االعتصام ابجلماعة واالئتالف أصل من أصول الدين ،واملسائل
املتنازع عليها بني هذه املذاهب من الفروع ،فكيف يقدح األصل حبفظ الفرع!
وقد حصل بسبب ذلك تسلط األعداء على املسلمني ،وال حول وال قوة إال
ابهلل(.)2
▪ احملذور الثاين :اإلعراض عن الوحي ،وعدم االنتفاع بنصوص الكتاب
والسنة ،واالستغناء عنه أبقوال الرجال ،ووزن ما جاء به الكتاب والسنة على رأي
املتبوعني(.)3
▪ احملذور الثالث :االنتصار للمذاهب ابألحاديث الضعيفة واآلراء الفاسدة،
وترك ما صح وثبت من األحاديث النبوية(.)4
▪ احملذور ال انع :تنزيل اإلمام املتبوع يف أتباعه منزلة النيب يف أمته ،وذلك
إذا التزم هؤالء األتباع قول إمامهم يف كل ما قال.
قال ابن تيمية« :أما وجوب اتباع القائل يف كل ما يقوله ،من غري ذكر دليل
يدل على صحة ما يقول فليس بصحيح ،بل هذه املرتبة هي مرتبة الرسول اليت ال
تصلح إال له»(.)5
وق ـ ــال أيض ـ ـاً« :وه ـ ــذا تب ـ ــديل لل ـ ــدين ،يش ـ ــبه م ـ ــا ع ـ ــاب هللا ب ـ ــه النص ـ ــارى يف
( )1انظر" :جمموع الفتاوى" (.)224 ،223 ،17 ،9 ،8/20
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)254/22و"إعالم املوقعني" (.)275/2
( )3انظر" :جمموع الفتاوى" (.)150/21 ،367/10
( )4انظر املصدر السابق (.)154/24 ،255/22
( )5املصدر السابق ( .)121/35وانظر" :إعالم املوقعني" (.)192/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
498
ِ
ِ ِ
ِ
ـيح انْـ َـن َم ـ ْ َميَ َوَمــا أ ُِم ـ ُوا إِل
قولــهَّ :اَتَـ ُذوا أ ْ
ـارُه ْر َوُرْهبَــانَـ ُه ْر أ َْرَاب ًاب مـ ْـن ُدون هللا َوال َْمسـ َ
َحبَـ َ
لِيَـ ْعبُ ُدوا إِ َهلًا َو ِاح ًدا ل إِلَـهَ إِل ُه َـو ُس ْـب َحانَهُ َع َّمـا يُ ْشـ ُِكو َن[ التوبـة .]31 :وهللا سـبحانه
وتعاىل أعلم ،واحلمد هلل وحده»(.)1
املسألة ال انعة
تنبيهاي
-1اتباع الوحب ،والعمل ابلنصوص ،واألخذ ابألدلة الشرعية ،أصل عظيم
من أصول هذا الدين.
نل إنه مقتضى توحيد هللا واإلميان نه.
قال شارح الطحاوية.........« :فهما توحيدان ،ال جناة للعبد من عذاب هللا
إال هبما ،توحيد املرسل ،وتوحيد متابعة الرسول ،فال حناكم إىل غريه ،وال نرضى
حبكم غريه»(.)2
واألدلة على وجو العتصام ابلكتا والسنة ل تكاد حتص .
فمن ذلك قوله تعاىل :اتَّبِ ُعوا َما أُنْ ِ َل إِلَْي ُك ْر ِم ْن َرنِ ُك ْر َول تَـتَّبِ ُعوا ِم ْن ُدونِِه
أَولِياء[ األعراف .]3 :وقوله :قُل أ ِ
ب
َط ُيعوا هللاَ َوال َّ ُس َ
ول فَِإ ْن تَـ َولَّ ْوا فَِإ َّن هللاَ ل ُِحي ُّ
ََْ
ْ
ِ
ين[ آل عمران.]32 :
الْ َكاف ِ َ
وقوله[ :فإن تنازعتم يف شيء فردوه إىل هللا والرسول إن كنتم تؤمنون ابهلل
واليوم اآلخر[ النساء.]59 :
أنوااب.
وقد صنف أئمة السلف كتبًا يف هذا األصل العظيم ،وعقدوا ً
فمن ذلك كتاب "الطاعة" لإلمام أمحد( ،)3وكتاب «العتصام ابلكتا
والسنة» لإلمام البخاري وهو جزء من صحيحه( ،)4وغري ذلك(.)5
(" )1جمموع الفتاوى" (.)216/20
(" )2شرح العقيدة الطحاوية" (.)217
( )3انظر" :إعالم املوقعني" (.)293 – 290/2
( )4انظر" :صحيح البخاري" (.)344 – 245/13
( )5انظر (ص )554فقرة رقم ( )29من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
499
-2ل ند من التف يق نني التباع والتقليد.
ذلك أن االتباع هو اتباع الدليل والعمل ابلوحي ،فقد ْسى هللا العمل
اتباعا يف مواضع كثرية ،منها:
ابلوحب ً
قوله تعاىل :اتَّبِعوا ما أُنْ ِ َل إِلَي ُكر ِمن رنِ ُكر[ األعراف ،]3 :اتَّبِع ما أ ِ
ُوح َب
ْ َ
ُ َ
ْ ْ ْ َ ْ
ِ
ِ
إِلَْي َك ِم ْن َرنِ َك[ األنعامَ ،]106 :و َه َذا كتَا ٌ أَنْـ َلْنَاهُ ُمبَ َار ٌك فَاتَّب ُعوهُ[ األنعام:
.]155
فمحمل التباع إ ن هو كل حكم ظهر دليله من الكتاب أو السنة أو اإلمجاع.
أما ول التقليد فهو حمل االجتهاد ،فال اجتهاد وال تقليد يف نصوص الوحي
الصحيحة ،الواضحة الداللة ،الساملة من املعارض(.)1
وال يشرتط يف االتباع والعمل ابلوحي سوى العلر مبا يعمل ،وال يتوقف ذلك
على حتصيل شروط االجتهاد ،كما تقدم التنبيه على ذلك(.)2
-3الصحيح أن إميان املقلد معترب ،وال يشرتط يف اإلميان النظر واالستدالل(.)3
فإن الصحابة رضي هللا عنهم فتحوا البالد وقبلوا إميان العجم واألعراب والعوام
نظر،
تبعا لكبري منهم أسلم ،ومل أيمروا ً
وإن كان حتت السيف أو ً
أحدا منهم برتديد ً
وال سألوه عن دليل تصديقه ،وال أرجئوا أمره حىت ينظر.
وألنه جيب على كل ٍ
عاما جممالً،
أحد أن يؤمن مبا جاء به الرسول ً
إمياًن ً
أما معرفة ذلك على وجه التفصيل فهو فرض كفاية على املؤمنني.
وما جيب على أعياهنم فهو يتنوع بتنوع قدرهم ،وحاجتهم ،ومعرفتهم ،وما أمر
به أعياهنم ،وال جيب على العاجز عن مساع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما جيب
على القادر على ذلك.
( )1انظر (ص )475من هذا الكتاب فيما يتعلق بسقوط االجتهاد عند وجود النص.
( )2انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( )109/2وما بعدها ،و"إعالم املوقعني" (،190/2
،)201 ،200و"أضواء البيان" ( )550 – 547/7وانظر (ص )468فقرة رقم ()5
من هذا الكتاب.
( )3انظر" :النبوات" البن تيمية ( ،)72 ،69 ،62 ،61و"جمموع الفتاوى" (،118/19
،)119و"شرح العقيدة الطحاوية" ( ،)67 ،66و"لوامع األنوار" (.)270/1
500
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فاملقصود أن ذلك مشروط ابالستطاعة والقدرة.
قال شارح الطحاوية« :وهلذا كان الصحيح أن أول واجب جيب على
املكلف شهادة أل إله إل هللا ،ال النظر ،وال القصد إىل النظر ،وال الشك ،كما
هي أقوال ألرابب الكالم املذموم.
بل أئمة السلف كلهر متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهاداتن،
ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ مل يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه ،بل
يؤمر ابلطهارة والصالة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك»(.)1
-4ثبت عن األئمة األرنعة وغْيهر النهب عن تقليدهر.
معصوما يف كل ما أيمر به
قال ابن تيمية« :واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد
ً
وينهى عنه إال رسول هللا ،وهلذا قال غري واحد من األئمة« :كل أحد من الناي
يؤخذ من قوله ويرتك إل رسول هللا .»
وهؤالء األئمة األربعة رضي هللا عنهم قد هنوا الناس عن تقليدهم يف كل ما
يقولونه ،وذلك هو الواجب عليهم.
فقال أنو حنيفة :هذا رأيي ،وهذا أحسن ما رأيت ،فمن جاء برأي خري منه
قبلناه....... ،ومالك كان يقول :إمنا أًن بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قويل على
كالما هذا معناه .والشافعب كان يقول :إذ صح احلديث
الكتاب والسنة ،أو ً
فاضربوا بقويل احلائط ،وإذا رأيت احلجة موضوعة على الطريق فهي قويل،.....
واإلمام أمحد كان يقول :ال تقلدوين وال تقلدوا مال ًكا ،وال الشافعي ،وال الثوري(،)2
وتعلموا كما تعلمنا.
وكان يقول :من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال.
وقال :ال تقلد دينك الرجال فإهنم لن يسلموا من أن يغلطوا»(.)3
(" )1شرح العقيدة الطحاوية" (.)75
إماما يف علم احلديث
( )2هو :سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكويف ،أبو عبد هللا ،كان ً
وغريه من العلوم ،أمجع الناس على دينه وثقته ،وهو أحد األئمة اجملتهدين ،تويف سنة
(161ه) .انظر" :وفيات األعيان" ( ،)386/2و"شذرات الذهب" (.)250/1
(" )3جمموع الفتاوى" ( .)212 ،211/20وانظر" :إعالم املوقعني" (،)201 ،200/2
و"أضواء البيان" (.)542 – 539/7
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
501
-5من األعذار الواهية اليت يعتذر هبا املقلدون يف تقليدهم(:)1
أ -ظنهم أن اإلمام الذي قلدوه ال بد أن يكون قد اطلع على مجيع معاين
الكتاب والسنة ومل يفته من ذلك شيء.
ب -ظنهم أن اإلمام لو أخطأ يف بعض األحكام وقلدوه يف ذلك اخلطأ كان
هلم من العذر يف اخلطأ واألجر مثل ما لذلك اإلمام.
جـ -قوهلم :إن هؤالء األئمة أعلم فاجتهادهم أوىل من اجتهادًن.
واجلوا عن هذه األعذار – على الرتتيب – أن يقال:
أ -إن األئمة كلهم معرتفون أبهنم مل حييطوا جبميع نصوص الوحي ،وكثرة علم
العامل ال تستلزم اطالعه على مجيع النصوص.
مث إن اإلمام قد يطلع على احلديث ولكن يكون السند الذي بلغه به ضعي ًفا،
فيرتكه ،وقد يرتك احلديث لشيء يظنه أرجح منه ،والواقع أن احلديث أرجح،
قطعا(.)2
فاحلاصل أن ظن اإلحاطة جبميع النصوص ليس
صحيحا ً
ً
ب -أن اإلمام الذي قلدوه قد بذل جهده وعمل ما جيب عليه فهو جدير
ابلعذر إن أخطأ يف اجتهاده.
أما املقلدون فقد تركوا النظر يف الكتاب والسنة وأعرضوا عن تعلمهما ،و نزلوا
أقوال الرجال منزلة الوحي املنزل من عند هللا.
فهذا الف ق العظير بني اإلمام وبني مقلديه يدل داللة واضحة على أهنم
ليسوا مأجورين يف اخلطأ كحال اإلمام ،إذ إن هؤالء املقلدين قد فرطوا وقصروا
وأعرضوا.
جـ -أن العلماء إما أن يتفقوا فاتفاقهم على حكم حجة ،وهو احلق الذي
جيب اتباعه ،وإما أن خيتلفوا ،فما احلجة يف تقليد بعضهم دون بعض ،وكلهم عامل،
فلعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إىل مذهبه.
( )1انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)118 ،117/2و"إعالم املوقعني" (،198/2
،)199و"أضواء البيان" (.)539 – 533/7
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)239 – 233/20وقد ذكر ابن تيمية يف هذا املوضع أمثلة
على خفاء بعض السنن على أعلم هذه األمة اخللفاء الراشدين رضي هللا عنهم.
502
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فإن قال :قلدته ألن قوله هو الصواب ،طولب ابلدليل وكان هذا إبطاالً
للتقليد.
وإن قال :قلدته ألنه أعلم الناس ،قيل له :فهو إذن أعلم من الصحابة ،وكفى
ٍ
قبحا.
بقول مثل هذا ً
-6نقل ابن عبد الرب اإلمجاع على املنع من تتبع الرخص ،واألخذ مبا يوافق
اهلوى والغرض من أقوال العلماء(.)1
وقال ابن القيم« :وابجلملة فال جيوز العمل واإلفتاء يف دين هللا ابلتشهي
والتخري وموافقة الغرض ،فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من حيابيه فيعمل
به ،ويفيت به ،وحيكم به ،وحيكم على عدوه ويفتيه بضده ،وهذا من أفسق الفسوق،
وأكرب الكبائر ،وهللا املستعان»(.)2
ذلك أنه ال أحد من العلماء يقول إبابحة مجيع الرخص ،فإن القائل ابلرخصة
يف هذا املذهب ال يقول ابلرخصة األخرى يف املذهب اآلخر.
معصوما ،فال جيوز قبول
-7صح وثبت أن العامل ي ل وخيطئ ،ألنه ليس
ً
كل ما يقوله ،وهذا من أقوى األدلة على فساد التقليد(.)3
قال ابن القيم« :واملصنفون يف السنة مجعوا بني فساد التقليد وإبطاله وبني زلة
العامل ،ليبينوا بذلك فساد التقليد»(.)4
****
( )1انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)92/2و"إعالم املوقعني" ( ،)211/4و"شرح
الكوكب املنري" (.)579 – 577/4
(" )2إعالم املوقعني" (.)211/4
( )3انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)111/2و"جمموع الفتاوى" (،)274/20
و"الفتاوى الكربى" (.)94/6
(" )4إعالم املوقعني" (.)192/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املبحث الثالث
الفتوى
ويف هذا املبحث سبع مسائل:
املسألة األوىل :تعريف الفتوى.
املسألة الثانية :أمهية منصب الفتوى وخطورته.
املسألة الثالثة :حكم الفتوى.
املسألة الرابعة :أنواع الفتاوى.
املسألة اخلامسة :شروط املفيت وصفاته وآدابه.
املسألة السادسة :آداب املستفيت.
املسألة السابعة :تنبيهات.
503
504
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة األوىل
تع يف الفتوى
الفتوى والفتيا لغة :بيان احلكم(.)1
واصطالحا :بيان احلكم الشرعي(.)2
ً
وهذا التعريف شامل ملا أخرب به املفيت مما نص عليه الكتاب والسنة ،أو
أمجعت عليه األمة ،وملا استنبطه وفهمه ابجتهاده(.)3
املسألة الثانية
أمهية منصب الفتوى وخطورته
وميكن أيضاًح ذلك فيما أييت:
-1أن املفيت موقع عن ر العاملني.
قال ابن القيم« :وإذا كان منصب التوقيع عن امللوك ابحملل الذي ال ينكر
فضله ،وال جيهل قدره ،وهو من أعلى املراتب السنيات ،فكيف مبنصب التوقيع عن
رب األرض والسماوات؟
فحقيق مبن أقيم يف هذا املنصب أن يعد له عدته ،وأن يتأهب له أهبته ،وأن
يعلم قدر املقام الذي أقيم فيه ،وال يكون يف صدره حرج من قول احلق والصدع به
فإن هللا ًنصره وهاديه ،وكيف وهو املنصب الذي تواله بنفسه رب األرابب ،فقال
ك ِيف النِ َس ِاء قُ ِل هللاُ يُـ ْفتِي ُك ْر فِي ِه َّن َوَما يُـ ْتـلَى َعلَْي ُك ْر ِيف الْ ِكتَا ِ
تعاىلَ :ويَ ْستَـ ْفتُونَ َ
[النساء ،]127 :وكفى مبا تواله هللا تعاىل بنفسه شرفًا وجاللة»(.)4
-2أن املف ـ ــيت م ـ ــن ش ـ ــأنه إص ـ ــدار الفت ـ ــاوى يف س ـ ــاعته مب ـ ــا حيض ـ ــره م ـ ــن
( )1انظر" :خمتار الصحاح" ( ،)491و"املصباح املنري" (.)462
( )2أضاف البعض أن يكون ذلك جو ًااب لسؤال ،وأن يكون ممن يعرف دليله.
( )3انظر" :إعالم املوقعني" (.)196 ،174/4 ،36/1
( )4املصدر السابق (.)11 ،10/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
505
القول ،فال يتهيأ له من الصواب ما يتهيأ ملن أطال النظر وتثبت كالقاضي(.)1
-3أن فتوى املفيت – وإن مل تكن ملزمة – حكم عام يتعلق ابملستفيت
عاما كليًا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا ،ومن قال
حكما ً
وبغريه ،فاملفيت حيكم ً
شخص مع ٍ
ٍ
ني ال
كذا لزمه كذا ،خبالف القاضي فإن حكمه جزئي خاص على
يتعداه إىل غريه(.)2
املسألة الثالثة
()3
حكر الفتوى
ملا كان حكم الفتوى مما تتطرق إليه األحكام التكليفية اخلمسة حسن توضيح
ذلك فيما أييت:
أ -حكر اإلفتاء يف األصل جائ فقد ثبت عن الصحابة رضي هللا عنهم
أهنم كانوا يفتون الناس ،فمنهم املكثر يف ذلك واملقل ،وكذلك كان يف التابعني
واتبعيهم ومن بعدهم(.)4
فال بد للناس من علماء يسألوهنم ،ومفتني يستفتوهنم.
اس ـ أَلُوا أ َْه ـ َل ال ـ ِـذ ْك ِ إِ ْن ُكنْـ ـ تُ ْر ل تَـ ْعلَ ُم ـ و َن [ النح ــل،43 :
ق ــال تع ــاىل :فَ ْ
األنبياء.]7 :
وقال « :أل سألوا إ مل يعلموا ،فإَّنا شفاء العب السؤال»(.)5
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)36/1
( )2انظر املصدر السابق (.)38/1
( )3ينظر يف حكم الفتوى ما سبق بيانه يف حكم االجتهاد ،إذ الفتوى واالجتهاد ابب واحد.
وذلك يف (ص )480 -478من هذا الكتاب ،وينظر كذلك ما مضى تقريره يف مسألة
أتخري البيان عن وقت احلاجة مىت جيوز ومىت جيب ومىت حيرم؟ إذ الفتوى بيان احلكم
الشرعي .وذلك (ص )392 ،391من هذا الكتاب.
( )4انظر" :إعالم املوقعني" (.)28 – 11/1
( )5قال ذلك للصحابة الذين أفتوا ابالغتسال للرجل الذي أصابه احتالم فاغتسل فمات،
فلما بلغ ذلك النيب :قال« :قتلوه قتلهم هللا».....إخل .واحلديث رواه أبو داود يف
"سننه" ( )93/1برقم ( ،)336وابن ماجه يف "سننه" ( )189/1برقم (،)572
وصححه األلباين .انظر" :صحيح اجلامع" ( )804/2برقم (.)4363 ،4362
506
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وقد يكون اإلفتاء واجبًا .وذلك إذا كان املفيت أهالً لإلفتاء ،وكانتاحلاجة قائمة ،ومل يوجد ٍ
مفت سواه ،فيلزمه واحلالة كذلك فتوى من استفتاه ،لقوله
تعاىل :إِ َّن الَّ ِذين يكْتُمو َن ما أَنْـ لْنَا ِمن الْبـيِنَ ِ
اي َوا ْهلَُدى ِم ْن نَـ ْع ِد َما نَـيَّـنَّاهُ لِلن ِ
َّاي ِيف
َ َ ُ َ َ َ َ
ِ
ال ِ
الالعنُو َن[ البقرة ،]159 :وقوله تعاىل:
ك يَـل َْعنُـ ُه ُر هللاُ َويَـل َْعنُـ ُه ُر
ْكتَا ِ أُولَئِ َ
اق الَّ ِذين أُوتُوا ال ِ
ْكتَا َ لَتُـبَـيِنُـنَّهُ لِلن ِ
اء
َخ َذ هللاُ ِميثَ َ
َ وإِ ْ أ َ
َ
َّاي َول تَكْتُ ُمونَهُ فَـنَـبَ ُذوهُ َوَر َ
ِِ
ِِ
ِ ِ
ق َما يَ ْشتَـ ُو َن[ آل عمران.]187 :
ظُ ُهوره ْر َوا ْشتَـ َ ْوا نه ََنًا قَليال فَب ْئ َ
وقال«:من سئل من علر فكتمه أجلمه هللا نلجام من انر يوم القيامة»(.)1
جـ -وقد يكون اإلفتاء مستحبًا إ ا كان املفيت أهالً ،وكان يف البلد غريه،
ومل تكن هنالك حاجة قائمة(.)2
د -وقد حي م على املفيت اإلفتاء .وذلك إذا مل يكن عاملا ابحلكم ،لئال يدخل
ً
ِ
ش َما ظَ َه َ ِم ْنـ َها َوَما نَطَ َن َواإل َْ َوالْبَـ ْغ َب نِغَ ِْْي
حتت قوله تعاىل :قُ ْل إِ ََّّنَا َح َّ َم َرِ َ الْ َف َواح َ
ا ْ ِق وأَ ْن تُ ْش ُِكوا ابهلل ما َمل يـنـ ِ ْل نِ ِه س ْلطَ ًاان وأَ ْن تَـ ُقولُوا علَى ِ
هللا َما ل تَـ ْعلَ ُمو َن
َ
َ ْ َُ
ُ
َ
َ َ
[األعراف.]33 :
فجعل هللا القول عليه بال علم من احملرمات اليت ال تباح حبال ،وهلذا حصر
التحرمي فيها بصيغة احلصر(.)3
وكذلك حيرم اإلفتاء فيما إذا عرف املفيت احلق؛ فال جيوز له أن يفيت بغريه،
عمدا ،وقد قال تعاىلَ :ويَـ ْوَم
فإن من أخرب عما يعلم خالفه فهو كاذب على هللا ً
ِ
َّ ِ
ِ ِ
وه ُه ْر ُم ْس َو َّدةٌ[ الزمر .]60 :والكاذب على
ين َك َذنُوا َعلَى هللا ُو ُج ُ
الْقيَ َامة تَـ َى الذ َ
جرما ممن أفىت بغري علم(.)4
هللا أعظم ً
جوع مف ٍ
ـرط ،أو هـم
ﻫ -ويكره للمفيت أن يفيت يف حال غضب شديد ،أو ٍ
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)182/2و"إعالم املوقعني" ( )222 ،157/4واحلديث رواه
أبو داود يف "سننه" واللفظ له ( )321/3برقم ( ،)3658وابن ماجه ( )96/1وما
بعدها برقم ( ،)266 – 264 ،261والرتمذي ( )29/5برقم ( )2649وحسنه،
وصححه األلباين .انظر" :صحيح اجلامع" ( )1077/2برقم (.)6284
( )2انظر" :شرح الكوكب املنري" (.)583/4
( )3انظر" :إعالم املوقعني" (.)157 ،173/4
( )4انظر" :إعالم املوقعني" (.)173/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
507
مقلــق ،أو خـ ٍ
ـتول عليــه ،أو حـ ِ
ـب مسـ ٍ
ـغل قلـ ٍ
ـاس غالـ ٍ
ـوف مــزعج ،أو نعـ ٍ
ـب ،أو شـ ِ
ـال
ِ
مدافعة األخبثني.
بل مىت أحس من نفسه شيئًا من ذلك خيرجه عن حال اعتداله وكمال تثبته
وتبينه أمسك عن الفتوى(.)1
و -وعلى كل ،فالضابط حلكم اإلفتاء النظر إىل املصاحل واملفاسد.
قال ابن القيم.....« :هذا إذا أمن املفيت غائلة الفتوى ،فإن مل أيمن غائلتها
ترجيحا لدفع أعلى
وخاف من ترتب شر أكثر من اإلمساك عنها أمسك عنها،
ً
املفسدتني ابحتمال أدًنمها .وقد أمسك النيب عن نقض الكعبة وإعادهتا على
قواعد إبراهيم ألجل حداثن عهد قريش ابإلسالم( )2وأن ذلك رمبا نفرهم عنه بعد
الدخول فيه.
وكذلك إن كان عقل السائل ال حيتمل اجلواب عما سأل عنه ،وخاف
املسئول أن يكون فتنة له ،أمسك عن جوابه»(.)3
ويف املسألة اآلتية (أنواع الفتاوى) بيان لبعض األحكام املتعلقة ابلفتوى مما
يتصل ابلنظر إىل املصلحة واملفسدة.
املسألة ال انعة
أنواع الفتاوى
أولً :ابلنسبة لقصد السائل فإن األسئلة تتنوع إىل أنواع ،وحبسبها تكون
الفتوى :فقد يرد السؤال عن حكم هللا ورسوله ،وقد يرد السؤال عن قول إمام
بعينه ،وقد يرد السؤال عما ترجح لدى املفيت.
سأل.
والواجب على املفيت أن جييب السائل عما َ
ففي القسم األول عليه أن يبني حكم هللا ورسوله إذا عرفه ،ال يسعه غري
ذلك.
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)27/4
( )2ورد ذلك يف حديث رواه البخاري ( )407/6برقم (.)3368
(" )3إعالم املوقعني" (.)158 ،157/4
508
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ويف القسم الثاين له أن خيرب عن قول ذلك اإلمام ،لكن عليه أن يتثبت وأال
ينسب القول إىل ذلك اإلمام إال إذا علم يقينًا أنه قوله ومذهبه.
ويف القسم الثالث له أن خيرب مبا عنده مما يغلب على ظنه أنه الصواب بعد
بذل اجلهد والنظر.
قال ابن القيم بعد أن ذكر األقسام املاضية:
«فلينزل املفيت نفسه يف منزلة من هذه املنازل الثالث ،وليقم بواجبها ،فإن
الدين دين هللا ،وهللا سبحانه وال بد سائله عن كل ما أفىت به ،وهو موقره عليه،
وحماسب وال بد .وهللا املستعان»(.)1
اثنيًا :ابلنسبة لوقوع ا ادثة أو عدم وقوعها تتنوع الفتاوى إىل ما
أييت(:)2
-1أن يسأل املستفيت عما وقع له وهو حمتاج إىل السؤال وقد حضره وقت
العمل فيجب على املفيت – إن مل يوجد غريه – املبادرة إىل جوابه على الفور ،وال
جيوز أتخري بيان احلكم عن وقت احلاجة.
-2أن يسأل عن احلادثة قبل وقوعها له ،فهذه ال ختلو من ثالث حاالت:
أ -أن يكون يف املسألة نص من كتاب أو سنة أو إمجاع ،فيجوز للمفيت وال
جيب عليه بيان احلكم ،وذلك حبسب اإلمكان.
ب -أن تكون احلادثة بعيدة الوقوع أو غري ممكنة الوقوع ،وإمنا هي من
املقدرات ،فيكره للمفيت الكالم فيها؛ ألن السلف كانوا يكرهون الكالم عما مل يقع،
وألن الفتوى ابلرأي إمنا جتوز للضرورة وليست هناك ضرورة.
جـ -أن تكون احلادثة غري ًندرة الوقوع ،وغرض السائل اإلحاطة بعلمها،
ليكون على بصرية إذا وقعت ،فيستحب للمفيت اجلواب مبا يعلم إن رأى املصلحة
يف ذلك.
(" )1إعالم املوقعني" (.)177/4
( )2انظر املصدر السابق ( ،)222 ،157/4وانظر من هذا الكتاب ( )477فيما يتعلق
حبكم االجتهاد يف املسألة قبل وقوعها ،و(ص )516فيما يتعلق حبكم سؤال املستفيت
عما ال يقع.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
509
املسألة اخلامسة
ش وط املفيت وصفته وآدانه
أولً :ش وط املفيت(:)1
أ -أن يكون عاملا ،قد توفرت فيه شروط االجتهاد السابق ذكرها(.)2
ً
ب -أن يكون عدالً ،متص ًفا ابلصدق واألمانة(.)3
قال ابن القيم« :وملا كان التبليغ عن هللا سبحانه يعتمد العلم مبا يبلغ
والصدق فيه ،مل تصلح مرتبة التبليغ ابلرواية والفتية إال ملن اتصف ابلعلم والصدق،
فيكون عاملا مبا يبلغ ،صادقًا فيه.
ً
ويكون مع ذلك حسن الطريقة ،مرضي السرية ،عدالً يف أقواله وأفعاله،
متشابه السر والعالنية يف مدخله وخمرجه وأحواله»(.)4
اثنيًا :صفاي املفيت:
للمفيت خصال ال بد أن يتحلى هبا يف نفسه ويف سائر حاله.
قال اإلمام أمحد« :ال ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حىت يكون فيه
مخس خصال:
أوهلا :أن تكون له نية ،فإن مل يكن له نية مل يكن عليه نور ،وال على كالمه
نور.
الثانية :أن يكون له علم ،وحلم ،ووقار ،وسكينة.
قواي على ما هو فيه ،وعلى معرفته.
الثالثة :أن يكون ً
الرابعة :الكفاية ،وإال مضغه الناس.
اخلامسة :معرفة الناس»(.)5
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)156/2و"إعالم املوقعني" (،)220 ،174/4 ،47 – 44/1
و"شرح الكوكب املنري" (.)557/4
( )2انظر (ص )472من هذا الكتاب.
( )3انظر" :روضة الناظر" (.)402/2
(" )4إعالم املوقعني" (.)10/1
( )5املصدر السابق ( .)199/4وانظر" :شرح الكوكب املنري" (.)552 – 550/4
510
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
قال ابن القيم« :فإن هذه اخلمسة هي دعائم الفتوى ،وأي شيء نقص منها
ظهر اخللل يف املفيت حبسبه»(.)1
اثلثًا :آدا املفيت:
للمفيت آداب ينبغي أن يتحلى هبا قبل إصداره الفتوى ،وأثناء الفتوى،
وبعدها ،فمن ذلك:
-1أال يفيت يف مسألة يكفيه غريه إايها ،فقد كان السلف رضي هللا عنهم
يتدافعون الفتوى ،ويتورعون عن اإلفتاء ،ويود أحدهم أن يكفيه اجلواب غريه ،فإذا
رأى أهنا قد تعينت عليه بذل جهده يف معرفة حكمها مستعينًا ابهلل تعاىل(.)2
-2أال يتسرع يف إصدار الفتوى إن تعينت عليه ،بل عليه أن يتأمل وينظر،
وال يبادر إىل اجلواب إال بعد استفراغ الوسع ،وبذل اجلهد ،وحصول االطمئنان(.)3
لذلك كان على املفيت:
ذهااب بنفسه
-3أن يستشري من يثق بدينه وعلمه ،وال يستقل ابجلواب ً
األم ِ [ آل عمران ،]159 :وأثىن
تفاعا هبا ،فقد قال هللا لنبيه َ :و َشا ِوْرُه ْر ِيف ْ
وار ً
على املؤمنني أبن أمرهم شورى بينهم.
هذا إذا مل يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر السائل أو تعريضه لألذى ،أو
مفسدة لبعض احلاضرين( .)4لذلك فإن على املفيت:
-4أن حيفظ أسرار الناس ،وأن يسرت ما اطلع عليه من عوراهتم(.)5
-5إذا اعتدل عند املفيت قوالن أو مل يعرف احلق منهما فلم يتبني له الراجح
من القولني فاألظهر أنه يتوقف وال يفيت بشيء(.)6
(" )1إعالم املوقعني" (.)199/4
( )2انظر" :جامع بيان العلم وفضله" ( ،)163/2و"الفقيه واملتفقه" ( ،)160/2و"إعالم
املوقعني" ( ،)33/1و"شرح الكوكب املنري" (.)588/4
( )3انظر املصادر السابقة.
( )4انظر" :إعالم املوقعني" (.)257 ،256/4
( )5انظر املصدر السابق (.)257/4
( )6انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)170/2و"إعالم املوقعني" ( ،)238 ،157/4وانظر رقم
( )12من هذه اآلداب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
511
-6للمفيت أن يدل املستفيت على عامل غريه ،لكن على املفيت أن يتقي هللا
ويرشده إىل رجل سنة ،فإنه إما أن يكون معينًا على الرب والتقوى ،أو على اإلمث
والعدوان(.)1
وهذه الداللة وذلك التوقف إمنا جيوز ابلتفصيل اآليت:
-7إذا كانت الفتوى خمالفة لغرض السائل فإن على املفيت أن يفيت ابحلق الذي
يعتقده ،وال يسعه أن يتوقف يف اإلفتاء به إذا خالف غرض السائل؛ فإن ذلك إمث
عظيم ،وكيف يسعه من هللا أن يقدم غرض السائل على هللا ورسوله ،وال جيوز له
أيضاً أن يدله على ٍ
ٍ
مذهب يكون غرضه عنده(.)2
مفت أو
-8ذكر الدليل والتعليل ،فإن مجال الفتوى وروحها هو الدليل ،وقول املفيت
إذا ذكر معه الدليل حجة حيرم على املستفيت خمالفتها ،ويربئ املفيت من عهدة اإلفتاء
بال علم ،ومن أتمل فتاوى النيب الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه
على حكمة احلكم ،ونظريه ،ووجه مشروعيته.
ومن ذلك :هنيه عن اخلذف( ،)3وتعليل ذلك أبنه« :يفقأ العني ويكسر
السن»(.)4
وكذلك أحكام القرآن فإن هللا يرشد إىل مداركها وعللها ،كقوله تعاىل:
ِ
اء ِيف ال َْم ِح ِ
ك َع ِن ال َْم ِح ِ
يض[ البقرة.)5(]222 :
َ ويَ ْسأَلُونَ َ
سَ
يض قُ ْل ُه َو أَ ًى فَا ْعتَ ِلُوا الن َ
-9التوطئة للحكم إذا كان مستغرًاب مل أتلفه النفوس مبا يؤذن به ويدل عليه،
ويقدم بني يديه مقدمات تؤنس به(.)6
-10اإلرشاد إىل البديل املناسب ،فإن من فقه املفيت ونصحه إذا منع
( )1انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)207/4و"شرح الكوكب املنري" (.)589/4
( )2انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)259 ،258/4وانظر رقم ( )10من هذه اآلداب.
( )3اخلذف :هو رمي احلصاة وحنوها بطريف اإلهبام والسبابة .انظر" :النهاية يف غريب احلديث
واألثر" ( ،)16/2و"املصباح املنري" (.)165
( )4رواه البخاري ( )599/10برقم ( ،)6220ومسلم (.)105/13
( )5انظر" :إعالم املوقعني" (.)260 ،259 ،163 – 161/4
( )6انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)164 ،163/4و"زاد املعاد" (.)309/3
512
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املستفيت مما حيتاجه أن يدله على ما هو عوض له منه ،فإذا سد عليه ابب احملظور
مشروعا أرشده إليه ونبهه عليه،
خمرجا
ً
فتح له ابب املباح ،فمىت وجد املفيت للسائل ً
كما قال تعاىل أليوب عليه الصالة والسالم ملا حلف أن يضرب زوجته مائةَ :و ُخ ْذ
نِي ِد َك ِ
ث[ ص.)1(]44 :
ض ِ ْ نِ ِه َول َحتْنَ ْ
ض ْغثًا فَا ْ
َ
-11ينبغي للمفيت أن يفيت بلفظ النص مهما أمكنه ،فإن النص يتضمن
احلكم والدليل مع البيان التام ،فهو حكم مضمون له الصواب ،متضمن للدليل عليه
يف أحسن بيان.
وقد كان الصحابة رضي هللا عنهم إذا سئلوا عن مسألة يقولون :قال هللا كذا،
قال رسول هللا كذا ،أو فعل رسول هللا كذا ،وال يعدلون عن ذلك ما وجدوا
إليه سبيالً(.)2
وحيرم على املفيت أن يفيت بضد لفظ النص( ،)3بل عليه أن يتبع النص ولو
خالف مذهبه ،وبيان ذلك:
-12جيب على املفيت أن يفيت ابحلق ولو خالف مذهبه( .)4وعليه أن جيعل
مذهبه ثالثة أقسام(:)5
أ -قسم ،احلق فيه ظاهر ،بني ،موافق للكتاب والسنة ،فهذا يفيت به مع
طيب نفس وانشراح صدر.
مرجوح وخمالفه معه الدليل ،فهذا ال يفيت به.
ب -قسم،
ٌ
قسم ،من مسائل االجتهاد اليت األدلة فيها متجاذبة ،فهذا قد يفيت به
جـٌ -
وقد ال يفيت ،حسب النظر.
بياًن مزيالً لإلشكال،
-13ينبغي على املفيت أن يبني للسائل اجلواب ً
متضمناً لفصل اخلطاب ،كافيًا يف حصول املقصود ،ال حيتاج معه إىل غريه ،وال يوقع
السائل يف احلرية واإلشكال.
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)194/2و"إعالم املوقعني" (.)159/4
( )2انظر" :إعالم املوقعني" (.)172 – 170/4
( )3انظر املصدر السابق (.)239/4
( )4انظر املصدر السابق (.)236 ،177/4
( )5انظر" :إعالم املوقعني" (.)237/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
513
وال يكون كاملفيت الذي سئل عن مسألة يف املواريث فقال :يقسم بني الورثة على
فرائض هللا عز وجل .وسئل آخر عن مسألة فقال :فيها قوالن ،ومل يزد.
وهذا حيد عن الفتوى ،إال أن املفيت املتمكن من العلم املضطلع به قد يتوقف
يف املسألة املتنازع فيها فال يقدم على اجلزم بغري علم ،وغاية ما ميكنه أن يذكر
اخلالف فيها للسائل(.)1
وهذا كثري يف أجوبة اإلمام الشافعي وأمحد ،فال أبس من اجلواب بذكر
اخلالف إن كان املفيت متوق ًفا(.)2
-14ينبغي للمفيت إذا كان السؤال حمتمالً استفصال السائل ،وعدم إطالق
نوعا من تلك األنواع املمكنة يف املسألة.
اجلواب إال إذا علم أنه أراد ً
فمىت دعت احلاجة إىل االستفصال استفصل ،ومىت كان االستفصال ال حيتاج
إليه تركه.
فإذا سئل عن مسألة من الفرائض مل جيب عليه أن يذكر موانع اإلرث؛
كافرا ،وال رقي ًقا ،وال قاتالً.
فيقول :بشرط أال يكون ً
وإذا سئل عن فريضة فيها أخ وجب عليه أن يقول :إن كان ألب فله كذا،
وإن كان ألم فله كذا(.)3
-15ينبغي للمفيت أن ينبه على وجه االحرتاز مما قد يذهب إليه الوهم على
خالف الصواب ،كقوله « :ل جتلسوا على القبور ول تصلوا إليها»( .)4فإن
هنيه عن اجللوس فيه نوع تعظي ٍم هلا ،لذا عقبه ابلنهي عن املبالغة يف تعظيمها حىت
جتعل قبلة(.)5
-16ال جيوز للمفيت أن يشهد على هللا ورسوله أبنه أحل كذا أو حرمه،
إال ملا يعلم أن األمر فيه كذلك مما نص هللا ورسوله على حله أو حترميه ،واألوىل
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)179 – 177/4
( )2انظر املصدر السابق (.)238 ،157/4
( )3انظر" :إعالم املوقعني" (.)256 ،255 ،195 – 187/4
( )4رواه مسلم (.)38/7
( )5انظر" :إعالم املوقعني" (.)161 ،160/4
514
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أن يقول :نكره كذا ،نرى هذا حسنًا ،ينبغي هذا ،ال نرى هذا ،وحنو ذلك مما نقل
عن السلف يف فتاواهم(.)1
ٍ
ٍ
وإخالص
بصدق
-17ينبغي للمفيت إذا نزلت به املسألة أن يتوجه إىل هللا
أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ،ويدله على حكمه الذي شرعه يف
املسألة ،فإذا استفرغ وسعه يف التعرف على احلكم فإن ظفر به أخرب به ،وإن اشتبه
عليه ابدر إىل التوبة واالستغفار واإلكثار من ذكر هللا.
فإن العلم نور هللا يقذفه يف قلب عبده ،واهلوى واملعصية عاصفة تطفئ ذلك
النور أو تكاد ،وال بد أن تضعفه.
ومما جيدر الدعاء به(:)2
ما ورد يف احلديث الصحيح« :اللهر ر جربائيل وميكائيل وإس افيل،
فاط السماواي واألرض ،عامل الغيب والشهادة ،أنت حتكر نني عبادك فيما
كانوا فيه خيتلفون ،اهدين ملا اختلف فيه من ا ق ِب نك ،إنك هتدي من تشاء
إىل ص اط مستقير»( .)3وكان بعض السلف يقرأ الفاحتة.
وكان بعضهم يقول عند اإلفتاء :سبحانَ َ ِ
ت
ْر لَنَا إِل َما َعلَّ ْمتَـنَا إِنَّ َ
ك أَنْ َ
ُْ َ
ك ل عل َ
ِ
ِ
ير[ البقرة.]32 :
ير ا َْك ُ
ال َْعل ُ
وبعضهم يقولَ« :ي معلر إن اهير علمِ».
وبعضهم يقول« :ل حول ول قوة إل ابهلل».
ِ
احلُ ْل ُع ْق َدةً ِم ْن
ص ْد ِري * َويَس ْ ِيل أ َْم ِي * َو ْ
وبعضهم يقولَ :ر ِ ا ْش َ ْح ِيل َ
لِ َس ِاين * يَـ ْف َق ُهوا قَـ ْوِيل[ طه.]28 – 25 :
-18جيوز للمفيت بل جيب عليه أن يغري فتواه إذا تبني له أهنا خطأ ،وألجل
هذا خرج عن بعض األئمة يف املسألة قوالن فأكثر ،وهذا ال يقدح يف علم املفيت وال
يف دينه ،بل هو دليل على تقواه وسعة علمه.
( )1انظر" :إعالم املوقعني" (.)175/4 ،39/1
( )2انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)258 ،257 ،172/4و"شرح العقيدة الطحاوية" (،229
.)230
( )3رواه مسلم (.)56/6
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
515
وال جيب عليه واحلالة كذلك أن خيرب املستفيت إن كان قد عمل ابلفتوى
نصا ال معارض له أو إمجاع
قطعا لكونه خالف ً
األوىل ،إال إن ظهر للمفيت اخلطأ ً
األمة ،فعليه إعالم املستفيت يف هذه احلالة(.)1
املسألة السادسة
آدا املستفيت
-1على املستفيت أن جيتهد يف البحث عن املفيت األعلم واألدين؛ ألنه
املستطاع من تقوى هللا املأمور به كل أحد(.)2
-2ينبغي للمستفيت أن يلزم األدب مع املفيت وأن يوقره وجيلَّه(.)3
-3ال جيوز للمستفيت العمل مبجرد فتوى املفيت إذا مل تطمئن نفسه إليها،
وكان يعلم أن األمر يف الباطن خبالف ما أفتاه به ،ومل ختلصه فتوى املفيت من هللا
كما ال ينفعه قضاء القاضي له بذلك ،كما قال « :فمن قضيت له حبق مسلر
فإَّنا هب قطعة من النار فليأخذها أو ليرتكها»( .)4وعلى املستفيت أن يسأل اثنيًا
واثلثًا حىت حتصل له الطمأنينة إذا كان عدم الثقة والطمأنينة ألجل املفيت؛ كأن يعلم
املستفيت جهل املفيت وحماابته يف فتواه ،أو عدم تقيده ابلكتاب والسنة ،أو ألنه
معروف ابلفتوى ابحليل والرخص املخالفة للسنة ،وغري ذلك من األسباب املانعة من
نفسا إال
الثقة بفتواه وسكون النفس إليها ،فإن مل جيد من يسأله فال يكلف هللا ً
وسعها ،والواجب تقوى هللا قدر االستطاعة(.)5
-4إذا استفىت املستفيت عن حكم حادثة فأفتاه املفيت وعمل بفتواه ،مث
( )1انظر" :سنن الدارمي" ( ،)153/1و"إعالم املوقعني" (.)233 ،232 ،225 – 222/4
( )2انظر" :جمموع الفتاوى" ( ،)168/33و"إعالم املوقعني" (،)261 ،255 ،177/4
و"شرح الكوكب املنري" (.)573/4
( )3انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)197/2و"شرح الكوكب املنري" (.)593/4
( )4رواه هبذا اللفظ البخاري ( )107/5برقم ( ،)2458ورواه مسلم (.)4/12
( )5انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)254/4و"شرح الكوكب املنري" (.)574/4
516
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وقعت له اثنية فاألحوط للمستفيت أن يستفيت مرة اثنية ،الحتمال أن يكون املفيت
قد غري اجتهاده ،والحتمال طروء بعض ما يغري حكم احلادثة ،فيظن املستفيت أن
احلادثة هي هي وأن حكمها مل يتغري ،والواقع أهنما حادثتان خمتلفتان وأن لكل
حكما خيصها(.)1
منهما ً
-5ال ينبغي للمستفيت أن يسال عما يبعد وقوعه أو ال ميكن وقوعه(،)2
حسن إسالم امل ء ت كه ما ل يعنيه»(.)3
لقوله « :من ْ
املسألة السانعة
تنبيهاي
-1ابب الفتوى له صلة قوية بباب االجتهاد والتقليد ،بل إن الفتوى فرع
كثريا من
عن االجتهاد والتقليد ،إذ املفيت هو اجملتهد ،واملستفيت هو املقلد ،لذا فإن ً
مباحث الفتوى يرجع فيها إىل ما تقدم من مباحث االجتهاد والتقليد.
فمن ذلك:
-2أنواع املفتني كأنواع اجملتهدين :فبعضهم جمتهد مطلق وبعضهم مقيد،
وبعضهم جمتهد يف مجيع املسائل ،وبعضهم يف مسألة أو ابب معني ،على ما مضى
يف أقسام االجتهاد( ،)4وال جيوز للمفيت أن يتجاوز مرتبته.
-3جيوز للمفيت أن يفيت أابه وابنه وشريكه ومن ال تقبل شهادته له؛ ألن
اإلفتاء حكمه عام جيري جمرى الرواية ال جمرى الشهادة(.)5
وجيـوز
-4ال جيوز للمفيت أن أيخذ أجرة على فتواه من أعيان مـن يفتـيهم،
( )1انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)261/4و"شرح الكوكب املنري" (.)555/4
( )2انظر" :إعالم املوقعني" ( ،)222 ،221/4و"جامع العلوم واحلكم" ( ،)287/1وانظر
(ص )508من هذا الكتاب فيما يتعلق ابملفيت إذا سئل عما ال يقع أو يبعد وقوعه.
( )3رواه ابن ماجه يف "سننه" ( )1315/2برقم ( ،)3976والرتمذي ( )558/4برقم
( ،)2317وحسنه النووي يف "األربعني النووية" .انظر منه.)287/1( :
( )4انظر (ص )466 ،465من هذا الكتاب.
( )5انظر" :إعالم املوقعني" (.)210/4
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
517
له أن أيخذ من نيت املال ما يغنيه إن احتاج لذلك.
وأما اهلدية فإن كانت بغري سبب الفتوى جاز قبوهلا ،واألوىل أن يكافئ
عليها ،وإن كانت بسبب الفتوى كره قبوهلا ألهنا تشبه املعاوضة على اإلفتاء.
وحيرم قبول اهلدية إن كانت سببًا إىل أن يفتيه مبا ال يفيت به غريه(.)1
-5جيوز للحي تقليد امليت والعمل بفتواه؛ ألن األقوال ال متوت مبوت
قائليها ،وهذا ما عليه عمل مجيع املقلدين يف أقطار األرض ،فإن خري ما أبيديهم
من التقليد تقليد األموات(.)2
-6ال جيوز للمستفيت تتبع الرخص ،والتخري بني أقوال املفتني ابلرأي اجملرد
والتشهي ،بل عليه أن يرجح قدر استطاعته القول األقرب للصواب يف نظره(.)3
وإذا كان تتبع الرخص ال جيوز للمستفيت ،فعلى املفيت أال يعينه على ذلك إال
إ ْن علِم منه حسن القصد فله أن يدله على ٍ
حيلة جائزةٍ ال شبهة فيها(.)4
َْ
ََ
****
( )1انظر" :الفقيه واملتفقه" ( ،)164/2و"إعالم املوقعني" ،)232/4و"شرح الكوكب
املنري" (.)550 – 547/4
( )2انظر" :إعالم املوقعني" (.)261 ،260 ،216 ،215/4
( )3انظر (ص )501من هذا الكتاب.
( )4انظر« :إعالم املوقعني» ( ،)222 ،211/4وانظر فيما يتعلق بتتبع الرخص (ص)502
من هذا الكتاب ،وفيما يتعلق ابإلرشاد إىل حيلة جائزة رقم ( )10 ،7 ،6من آداب
املفيت (ص )511من هذا الكتاب.
518
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
519
520
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
يف خامتة هذا الكتاب أسأل هللا برمحته اليت وسعت كل شيء أن يرمحين ،وأن
يعفو عين ،وأن يتجاوز عما وقع يف هذا الكتاب من خطأ أو غفلةَ ،رنَّـنَا ل
تُـ َؤ ِاخ ْذ َان إِ ْن نَ ِسينَا أ َْو أَ ْخطَأ َْان.
وأسأله سبحانه أن يكتب هذا العمل يف ميزان حسنايت وأن جيعله عمالً
صاحلًا مقبوالً.
وأسأله جل شأنه أن يغفر يل ولوالدي ولعلماء هذه األمة أمجعني ،وال سيما
أولئك األئمة األعالم الذين نقلت عنهم وأفدت منهم يف هذا الكتاب.
ِ ِ ِِ
ِ َّ ِ
ِ
ِ
ين
ين َسبَـ ُق َ
وان ِابإلميَان َول َْجت َع ْل ِيف قُـلُوننَا غال للَّذ َ
َ رنَّـنَا ا ْغف ْ لَنَا َوإل ْخ َواننَا الذ َ
ك رء ٌ ِ
ِ
ير.
َ
وف َرح ٌ
آمنُوا َرنَّـنَا إنَّ َ َ ُ
إن هذه اخلامتة تتضمن أم ين:
األول :النتائج.
الثاين :التوصيات.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
521
النتائج
يف هذا املقام حتسن اإلشارة إىل أهم النتائج املستفادة من هذا البحث
وعددها أربع:
وبياهنا على النحو اآليت:
اضحا يف أصول الفقه.
منهجا و ً
أولً :أن ألهل السنة واجلماعة ً
ومعامل هذا املنهج :سالمة املنطلق ،وقوة املستند ،ومشول النظر ،ووضوح
الفكرة.
لقد امتاز هذا املنهج أوالً :بسالمة املنطلق؛ إذ بين على إمجاع السلف
الصاحل ،وانطلق من عقيدهتم يف أبواب اإلميان والتوحيد.
وامتاز اثنيًا :بقوة املستند؛ إذ استند هذا املنهج يف تقرير القواعد وإقامة
الشواهد على نصوص الكتاب والسنة الصحيحة ،وما صح من اآلاثر املروية عن
خري القرون من الصحابة والتابعني .واستند أيضاً إىل الفهم واالستنباط ،وإعمال
الرأي واستخدام العقل يف حدود الشرع ،كما استند أيضاً إىل قواعد اللغة العربية
واستعماالهتا.
وامتاز اثلثًا :بشمول النظرة؛ إذ اجتمع يف هذا املنهج االلتفات إىل هذه
الشريعة الغراء يف مقاصدها العامة ،وقواعدها الكلية ،ويف أحكامها الفرعية،
وتفاصيلها اجلزئية(.)1
فروعا أربعة:
( )1من هنا نستطيع أن جنعل لعلم أصول الفقه ً
الفرع األول :القواعد األصولية.
والفرع الثاين :أثر القواعد األصولية يف اختالف الفقهاء ،أو ما يسمى :بتخريج الفروع
على األصول.
والفرع الثالث :مقاصد الشريعة.
والفرع الرابع :اخلالف بني العلماء :أسبابه وأحكامه وآدابه.
خامسا ،وهو :القواعد الفقهية.
فرعا
وقد يضيف البعض ً
ً
522
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
انعا :بوضوح الفكرة؛ فقد اتصف هذا املنهج ابخللو من التعقيد
وامتاز ر ً
واإلشكال ،والسمو عن التناقض واالضطراب.
اثنيًا :أن ملنهج أهل السنة واجلماعة يف علم أصول الفقه أئمة ورجاالً.
فمن أبرز أعالم هذا املنهج:
-1اإلمام الشافعي.
-2أبو املظفر السمعاين.
-3ابن قدامة املقدسي.
-4شيخ اإلسالم ابن تيمية.
-5ابن قيم اجلوزية.
-6ابن النجار الفتوحي.
-7الشيخ حممد األمني الشنقيطي.
أثرا بليغًا يف أصول الفقه.
اثلثًا :أن للمعتقد ً
يظهر هذا األثر جليًا يف املسائل املشهورة ،وذلك كالقول أبن األمر ال صيغة
له بناءً على إثبات الكالم النفسي الباطل ،ومذهب أهل السنة أن لألمر صيغة
ختصه بناءً على إثبات اللفظ واملعىن يف كالم هللا سبحانه ،ونفي الكالم النفسي
الباطل ،ولكن هذا األثر يكون خفيًا يف مسائل أخرى ،وهي تلك املسائل اليت
حصل االتفاق فيها بني أهل السنة وبعض خمالفيهم يف ظاهر املذهب مع
االختالف يف املأخذ ،وذلك يف مواجهة من خالف الفريقني يف املذهب واملأخذ
معا ،وذلك مثل مسألة النسخ قبل التمكن :إذ اتفق رأي أهل السنة ورأي األشاعرة
ً
يف القول ابجلواز ،وخالف يف ذلك املعتزلة فقالوا ابملنع.
واحلقيقة أن رأي األشاعرة وإن كان مواف ًقا يف الظاهر لرأي أهل السنة إال
أهنما خمتلفان يف املأخذ:
فأهل السنة قالوا ابجلواز بناءً على إثبات احلكمة والتعليل يف أفعاله سبحانه
وتعاىل ،وأن احلكمة قد تكون االبتالء والتمحيص.
أما ِ
األشاعرة فقد قالوا ابجلواز بناءً على إنكار احلكمة والتعليل يف أفعال هللا
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
523
سبحانه ،واستواء هذه األفعال ابلنسبة لألمر والنهي.
وأما املعتزلة فقد قالوا ابملنع بناءً على أصل عقدي ابطل ،وهو إثبات
التحسني والتقبيح العقليني وترتيب الثواب والعقاب عليهما.
واملقصود :أن األثر العقدي اترة يكون جليًا ،كالقول أبن األمر ال صيغة له،
وكمنع املعتزلة من النسخ قبل التمكن ،واترة يكون هذا األثر خفيًا كتجويز األشاعرة
النسخ قبل التمكن.
انعا :أن اتريخ علم أصول الفقه حباجة إىل مزيد من الدراسة.
رً
ذلك أن الكتابة يف اتريخ هذا العلم قاصرة على تقسيم جهود األصوليني إىل
ثالث طرق :طريقة املتكلمني ،وطريقة الفقهاء ،وطريقة املتأخرين أو اجلمع بني
الطريقتني.
صحيحا – قاصر على اعتبار واحد،
والواقع :أن هذا التقسيم – وإن كان
ً
وهو النظر إىل منهج الكتابة وطريقة التأليف .وهناك اعتبارات أخرى مل يلتفت
إليها.
وذلك مثل :اعتبار العقيدة فهناك كتب لألشاعرة ،وأخرى للمعتزلة ،وأخرى
للماتريدية ،وأخرى للشيعة ،وهناك كتب ألهل السنة واجلماعة.
ومثل اعتبار املذاهب الفقهية :فهناك كتب أصولية على املذهب احلنفي،
وعلى املذهب املالكي ،وعلى املذهب الشافعي ،وعلى املذهب احلنبلي ،وعلى
املذهب الظاهري.
ومثل اعتبار التوسع واالختصار :فهناك متون خمتصرة ،وهناك شروح وحو ٍ
اش،
وهناك كتب مطولة.
ومثل اعتبار مشول هذه املؤلفات ملباحث هذا العلم أو االقتصار على بعضها:
فهناك مؤلفات أصولية شاملة جلملة مباحث علم األصول ،وهناك مؤلفات خاصة
ببعض املباحث ،مثل كتاب« :تنقيح الفهوم يف تنقيح صيغ العموم» للعالئي.
524
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
التوصياي
لعل من املناسب يف هذا املقام طرح قضية مهمة.
هذه القضية هي جتديد علم أصول الفقه.
وبني يدي اآلن مشروع عملي لتجديد علم أصول الفقه.
وهذا املشروع يتضمن ثالثة جماالت:
اجملال األول :صياغة علم أصول الفقه صياغة جديدة.
اجملال الثاين :دراسة وتقومي الكتب األصولية املعروفة.
اجملال الثالث :إخراج اآلاثر األصولية ألهل السنة واجلماعة.
وتفصيل ذلك على النحو اآليت:
اجملال األول :صياغة علم أصول الفقه صياغة جديدة وفق املعامل األربعة
اآلتية(:)1
▪ املعلر األول :كتابة اتريخ هذا العلم ونشأته ومراحل التأليف فيه ،مع
مالحظة:
أ -إبراز دور اإلمام الشافعي ومنهجه ومسلكه يف كتاب "الرسالة" مع بيان
موقف األصوليني من بعده من حيث األخذ هبذا املنهج أو االنصراف عنه.
( )1تتضمن هذا املعامل األربعة تصحيح أبرز املالحظات املأخوذة على عموم الكتب األصولية
وهذه املالحظات هي:
-1إغفال جهود أهل السنة واجلماعة ودورهم يف اتريخ هذا العلم اجلليل.
-2أتثر عدد من املسائل األصولية بقواعد عقدية خمالفة ملا عليه أهل السنة واجلماعة.
-3اإلغراق يف األدلة العقلية والطرق الكالمية والقضااي اجلدلية ،والتجايف عن صحيح
النصوص السمعية ،واآلاثر السلفية ،واملقاصد الشرعية.
-4إبتناء عدد من املسائل األصولية على حمض افرتاضات جدلية وتقسيمات منطقية.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
525
ب -التعريف ابملناهج العقدية يف أصول الفقه.
وذلك ابإلشارة أوالً إىل األصول العقدية لدى هذه املناهج ،مع التنبيه على
خطورة هذه األصول ومفارقتها ملنهج السلف الصاحل.
والتعريف اثنيًا واثلثًا برجاالت هذه املناهج ومبؤلفاهتم يف أصول الفقه ،مع
بيان املالحظات وتصحيح األخطاء وفق منهج السلف الصاحل.
جـ -إبراز جهود أهل السنة واجلماعة يف أصول الفقه والتنويه آباثرهم ومآثرهم
خصوصا ابن تيمية وابن القيم ،مع بيان ما هلذين اإلمامني من جهود عظيمة يف
ً
تثبيت القواعد األصولية وفق منهج السلف الصاحل ،ويف نقد وتصحيح منهج
األصوليني املخالف ملنهج السلف الصاحل.
▪ املعلر الثاين :تقرير القواعد األساسية واملنطلقات العقدية لدي أهل السنة
واجلماعة اليت تبين عليها وترتتب على أثرها مسائل يف أصول الفقه ،وأتصيل هذه
القواعد وتثبيتها ابألدلة الشرعية النقلية والعقلية.
مث اإلشارة إىل تلك املسائل األصولية املبنية عليها وإرجاعها إىل أصوهلا
العقدية ،وهذا ما ميكن أن يسمى :بتخريج القواعد األصولية على األصول العقدية،
أو بناء األصول على األصول.
مث ذكر مذاهب املناهج املخالفة ألهل السنة واجلماعة يف األصول العقدية،
والقواعد األصولية.
▪ املعلر الثالث :العناية بتدعيم القواعد األصولية ابآلايت القرآنية الكرمية،
وما ثبت من األحاديث النبوية الشريفة ،واآلاثر املنقولة عن الصحابة والتابعني(،)1
وما صح من األدلة العقلية ،والشواهد اللغوية.
مع مالحظة القيام بدراسة وختريج تلك األحاديث واآلاثر وضبط ألفاظها،
والعناية كذلك إبيراد الفروع الفقهية واملقاصد الشرعية للقواعد األصولية.
( )1حبّذا لو متَّ مجع القواعد األصولية الواردة يف أقوال الصحابة رضي هللا عنهم والتابعني مع
ختريج هذه األقوال من مظاهنا األثرية وحتقيق أسانيدها مث تصنيفها وترتيبها على املسائل
األصولية.
526
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فبذلك جتتمع للقاعدة األصولية:
اآلايت القرآنية ،واألحاديث النبوية ،وآاثر الصحابة والتابعني ،واألدلة
العقلية ،والشواهد اللغوية ،واملقاصد الشرعية ،والفروع الفقهية.
▪ املعلر ال انع :حت ي القواعد األصولية وهتذيبها.
ت من هذه القواعد واستقام على ضوء األدلة الشرعية.
فيقتصر على ما ثَـبَ َ
ويقتصر – أيضاً – على املسائل األصولية اليت يرتتب على اخلالف فيها
فائدة ومثرة.
وبناءً على ذلك فيحذف من القواعد األصولية ما بين على أصل فاسد ،أو
ما ال مثرة له.
اجملال الثاين :دراسة وتقومي الكتب األصولية املع وفة:
سواء يف ذلك كتب املتكلمني من املعتزلة واألشاعرة ،وكتب الفقهاء من
املاتريدية واملعتزلة.
واملقصود من ذلك :إصالح اخللل وإبعاد الزلل قدر اإلمكان.
وهلذه الدراسة جانبان:
اجلانب األول :تقدمي دراسة مفصلة عن شخصية املؤلف العلمية وعقيدته،
وعن منهج الكتاب ،وقيمته العلمية ،وأثره.
اجلانب الثاين :نقد الكتاب والتنبيه على ما فيه من مالحظات وأخطاء
خمالفة ملنهج السلف الصاحل مع بيان احلق ابلدليل والتعليل.
() 1
اجملال الثالث :إخ اج اآلاثر األصولية ألهل السنة واجلماعة :
وذلك حيتاج إىل خطوات ثالث:
( )1وهذا يتضمن :اجلمع الشامل آلاثر أكرب عدد ممكن من أئمة أهل السنة واجلماعة،
ويتضمن أيضاً :اجلمع الشامل آلاثر بعض األئمة على وجه اخلصوص كابن تيمية وابن
القيم رمحهما هللا تعاىل .واحلاجة ماسة كذلك إىل مجع األقوال األصولية لكل إمام من
مجيعا – ليمكن
األئمة األربعة :أيب حنيفة ،ومالك ،والشافعي ،وأمحد – رمحهم هللا ً
املوقوف على القواعد األصولية لدي كل إمام فيحصل التفريق بني مذهب اإلمام ومذهب
أصحابه ،وحيصل التفريق أيضاً بني األقوال املصرح هبا واألقوال املستنبطة.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
527
-1البحث والتنقيب عن الكتب والرسائل األصولية؛ سواء يف ذلك ما
خاصا ببعض مباحثه ومسائله.
كان شامالً ملباحث األصول كافة ،وما كان ً
وذلك يف فهارس املخطوطات ،ويف بطون الكتب املطوالت ،ويف كتب
الرتاجم والطبقات ،ويف كتب العقائد والتفاسري واحلديث ،إضافة إىل املطبوع
واملخطوط من كتب أهل السنة يف أصول الفقه.
-2اجلمع والتصنيف هلذه اآلاثر اليت مت الوصول إليها ،وأمكن الوقوف
تيسريا على الباحثني وتقريبًا للطالبني.
عليها ،والقيام بتنظيمها وفهرستها ً
-3النش والتحقيق ملا مجع واجتمع من كتب وآاثر ورسائل ،وإخراج ذلك
بصورة مناسبة تتضمن توثيق النص وضبطه ،وختريج آاثره ،وخدمته بكل ما حيقق
االنتفاع به.
هذا آخ ما يس هللا كتانته.
وصلى هللا وسلر على نبينا ومد وعلى آله وصحبه أمجعني
وآخ دعواان أن ا مد هلل ر العاملني
528
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
امللحق
ويتضمن:
-1قائمة جبهود انن تيمية يف أصول الفقه.
-2قائمة جبهود انن القير يف أصول الفقه.
-3قائمة ابألحباث األصولية عند أهل السنة واجلماعة.
529
530
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1قائمة جبهود انن تيمية يف أصول الفقه
( )1
فيما يلي قائمة آباثر ابن تيمية وجهوده يف أصول الفقه ،وقد راعيت يف
مجعها األمور اآلتية:
-1رتبت القائمة ترتيباً موضوعياً وفق ترتيب كتاب "املستصفى" للغزايل(،)2
وما ال ذكر له يف "املستصفى" اجتهدت يف إحلاقه أبقرب موضوع يناسبه إن أمكن
ذلك ،وإال جعلته يف آخر القائمة.
-2اخرتت هلذه القائمة األحباث اليت حررها ابن تيمية ،وكان كالمه عليها
مما ميكن استالله ،أما ما يذكره ابن تيمية على سبيل اإلشارة ويف حدود أسطر
معدودة أو حنو ذلك فهذا مما يصعب مجعه؛ إذ حيتاج إىل فهارس طويلة ،لذا مل
أدخل ما كان من هذا القبيل يف هذه القائمة.
-3جعلت لألحباث عنواًنت تنبئ عن مضموهنا أبقرب عبارة ،مع احملافظة
على أمساء الكتب والرسائل املعروفة ،وفرقت بينها وبني العنواًنت املختارة بذكر
مشتهرا.
كلمة (كتاب) أو (رسالة) فيما كان
ً
ث ابن تيمية املوضوع أكثر من مرة جعلت لكل حبث عنواًنً
-4إذا َحبَ َ
مستقالً إن وجدت بني هذه األحباث تغايراً واضحاً يف املضمون ،وإن تقاربت
األحباث يف مضموهنا جعلت للجميع عنواًنً واحداً وأشرت إىل مواضع كل حبث
حتت هذا العنوان.
-5حرصت على تعدد العنواًنت ،وابتعدت قدر اإلمكان عن اإلمجال.
ومن األمثلة على ذلك أن ابن تيمية تكلم على أنواع اإلمجاع وبعض
أحكامه ،وعلى أنواع القياس ،وذلك ضمن كالمه على أن الرسول قد بني مجيع
الدين ،ففي مثل هذا أجعل لكل واحد من هذه املوضوعات الثالثة عنواًنً مستقالً،
( )1انظر إن شئت "ابن تيمية" أليب زهرة ،وأصول الفقه وابن تيمية للدكتور صاحل آل منصور.
( )2انظر هذا الرتتيب يف (ص )54من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
فإن التفريق – هاهنا – أدق وأيسر.
-6رجعت إىل كتب ابن تيمية اآلتية:
" -1جمموع الفتاوى" ( )37جملداً.
" -2الفتاوى الكربى" ( )6جملدات.
" -3درء تعارض العقل والنقل".
" -4اجلواب الصحيح ملن بدل دين املسيح".
" -5جمموعة الرسائل الكربى" يف جملدين.
" -6الصفدية".
" -7نقد مراتب اإلمجاع".
" -8االستقامة".
" -9اقتضاء الصراط املستقيم".
" -10املسودة".
****
531
532
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1التحسني والتقبيح العقليان:
جمموع الفتاوى (.)437 – 428/8
جمموع الفتاوى (.)358 – 346/11
-2األم ابلشبء أم نلوازمه:
جمموع الفتاوى (.)162 – 159 /20
-3األصل يف األعيان ا ل ،واألدلة على لك:
جمموع الفتاوى (.)541 – 535/21
-4الفعل الواحد قد يكون مأموراً نه من وجه ،منهياً عنه من وجه:
جمموع الفتاوى (.)305 – 295/19
-5الكمال والنقص يف العباداي:
جمموع الفتاوى (.)293 – 290/19
-6ت ك الواجباي هل يل م منه القضاء ابلنسبة للكاف أو املسلر؟ سواء
كان ذلك جهالً ،أو أتويالً ،أو إعراضاً:
جمموع الفتاوى (.)23 – 7/22
-7التكليف الش عب مش وط ابملمكن من العلر والقدرة:
جمموع الفتاوى (.)353 – 344/10
-8تكليف ما ل يطاق:
درء التعارض ([ ،)72 – 60/1تكرر يف جمموع الفتاوى (– 318/3
.])326
-9الستطاعة ،هل تكون مع الفعل أو قبله؟
جمموع الفتاوى (.)302 – 290/8
-10العذر ابجلهل:
جمموع الفتاوى (.)413 – 406/11
جمموع الفتاوى (.)502 – 489/12
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
533
-11اإلك اه وما يتعلق نه:
جمموع الفتاوى (.)348 – 311/2
– 12تص فاي السك ان:
الفتاوى الكربى (.)205 – 202/4
-13كل ما أوجبه هللا على العباد فال ند أن جيب على القلب فإنه
األصل:
جمموع الفتاوى (.)128 – 113/14
-14هل حيصل اإل مبج د الع م؟
جمموع الفتاوى (.)769 – 720/10
-15الكالم على األدلة الش عية( :الكتا ،السنة ،اإلمجاع ،القياي،
الستصحا ،املصاحل امل سلة):
جمموع الفتاوى (.)346 – 339/11
-16ثالثة أصول معصومة :الكتا والسنة وما اتفقت عليه األمة:
درء التعارض (.)279 – 272/1
-17أصول العلر والدين :الكتا والسنة واإلمجاع ،واألم ابتباعها:
جمموع الفتاوى (. )503 - 498/20
-18وجو العتصام ابلكتا والسنة:
جمموع الفتاوى (.)92 – 76/19
-19املتشانه يف الق آن:
املسودة (.)164 – 162
-20رسالة اإلكليل يف املتشانه والتأويل:
جمموع الفتاوى ([ ،)313 – 270/13تكرر يف جمموعة الرسائل
الكربى (.])36 – 5/2
-21اجملاز يف الق آن الك مي:
جمموع الفتاوى (.)497 – 400/20 ،116 – 87/7
-22نسخ الق آن ابلسنة:
جمموع الفتاوى (.)399 – 397/20
534
كذنه:
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-23ال َيدة على النص:
املسودة (.)212 – 208
-24عصمة األنبياء:
جمموع الفتاوى (.)299 – 289/10
-25أنواع اخلرب :ما يعلر صدقه ،ما يعلر كذنه ،ما ل يعلر صدقه ول
اجلواب الصحيح (.)309 – 287/4
-26أقسام ا ديث الصحيح:
جمموع الفتاوى (.)23 – 16/18
-27أفعال النيب :
جمموع الفتاوى (.)331 – 320/22
املسودة (.)192 – 191
اقتضاء الصراط املستقيم (.)808 – 794/2
-28ت كه :
اقتضاء الصراط املستقيم (.)597 – 591/2
-29ليق يف الش يعة شبء على خالف القياي:
جمموع الفتاوى ([ )583 – 504/20تكرر يف جمموعة الرسائل الكربى
(.])291 – 235/2
-30ال د على من قال :إن أاب ه ي ة مل يكن فقيهاً:
جمموع الفتاوى (.)539 – 532/4
-31أنواع اإلمجاع ،وحكر خمالفه ،وهل هو قطعب أو ظِ؟ ومسائل
أخ ى متعلقة ابإلمجاع:
جمموع الفتاوى (.)272 – 267 ،202 – 192/19
– 32رسالة صحة مذهب أهل املدينة:
جمموع الفتاوى (.)396 – 294/20
-33كتا نقد م اتب اإلمجاع لنن ح م( ،طبع مستقالً).
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
535
-34الستحسان:
املسودة (.)455 – 451
-35املصاحل امل سلة:
جمموع الفتاوى (.)346 – 342/11
-36تعارض ا سناي والسيئاي "تعارض املصاحل واملفاسد":
جمموع الفتاوى (.)61 – 48/20
-37سد الذرائع:
الفتاوى الكربى (.)182 – 172/6
-38ا يل:
كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل.
الفتاوى الكربى (.)320 – 5/6
-39اإلهلام:
جمموع الفتاوى (.)47 – 42/20
-40مبدأ اللغاي:
جمموع الفتاوى (.)96 – 90/7
-41أنواع األْساء اليت علق هللا هبا األحكام يف الكتا والسنة:
"ا قيقة الش عية واللغوية والع فية":
جمموع الفتاوى (.)259 – 235/19
-42ا قيقة الش عية وعالقتها ابإلميان:
جمموع الفتاوى (.)303 – 298/7
-43لزم املذهب هل هو مذهب؟
جمموع الفتاوى (.)219 – 217/20
الفتاوى الكربى (.)29 – 27/4
-44حكر أتخْي البيان عن وقت ا اجة:
املسودة (.)182 – 181
-45جنق فعل املأمور نه أعظر من جنق ت ك املنهب عنه ،األدلة على لك:
جمموع الفتاوى (.)158 – 85/20
536
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-46العموم اللفظب واملعنوي:
جمموع الفتاوى (.)191 – 188/20
-47العموم ثالثة أقسام :عموم الكل ألج ائه ،وعموم اجلميع ألف اده،
وعموم اجلنق ألعيانه:
اقتضاء الصراط املستقيم (.)168 – 165/1
-48للحقائق ثالثة اعتباراي :العموم واخلصوص واإلطالق:
جمموع الفتاوى (.)168 – 162/2
-49املطلق واملقيد:
املسودة (.)148 – 147
-50القياي الصحيح نوعان ،ونيان أنه يوافق النص ،والكالم على
القياي الفاسد:
جمموع الفتاوى (.)289 – 285/19
-51تعليل ا كر نعلتني:
جمموع الفتاوى (.)183 – 167/20
-52رسالة أقوم ما قيل يف القضاء والقدر وا كمة والتعليل:
جمموع الفتاوى ([ ،)158 – 81/8تكرر يف جمموعة الرسائل الكربى
(.])389 – 323/1
-53تعليل أفعال هللا:
جمموع الفتاوى (.)381 – 377/8
-54هل ا ق عند هللا واحد أو متعدد؟
جمموع الفتاوى (.)148 – 143/19
-55هل كل جمتهد مصيب؟
جمموع الفتاوى (.)227 – 203/19
جمموع الفتاوى (.)36 – 19/20
-56كتا رفع املالم عن األئمة األعالم( ك فيه أعذار العلماء يف اختالفاهتر)
جمموع الفتاوى (.)293 – 231/20
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
537
-57أنواع الختالف:
اقتضاء الصراط املستقيم (.)144 – 126/1
-58نيان الختالف املؤدي إىل الفتنة والف قة:
االستقامة (.)47 – 24/1
-59موقف السلف من املخالف:
جمموع الفتاوى (.)175 – 170/24
-60املفاسد املرتتبة على الختالف وط يق زواهلا:
جمموع الفتاوى ([ ،)375 – 356/22تكرر يف جمموعة الرسائل املنريية
([ ،])151 – 140/3وتكرر أيضاً يف جمموعة الرسائل املنريية (– 113/3
.])127
-61التقليد(:)1
جمموع الفتاوى (.)279 – 260/19
– 62الكالم على املذاهب األرنعة:
جمموع الفتاوى ([ ،)226 – 220/20تكرر يف الفتاوى الكربى
(.])127 – 123/5
-63حكر الت ام مذهب معني:
جمموع الفتاوى ([ ،)226 – 220/20تكرر يف الفتاوى الكربى
(.])98 – 94/5
– 64إن الدين عند هللا اإلسالم:
الصفدية (.)332 – 301/2
-65رسالة يف توحد امللة وتعدد الش ائع:
جمموع الفتاوى ([ ،)128 – 106/19تكرر يف جمموعة الرسائل املنريية
(.])140 – 128/3
( )1انظر إن شئت" :الدرة البهية يف التقليد واملذهبية من كالم شيخ اإلسالم أمحد بن تيمية"
مجع حممد شاكر الشريف.
538
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-66الكتفاء ابل سالة والستغناء هبا عما سواها:
جمموع الفتاوى (.)75 – 66/19
-67ال سالة ض ورية لصالح العباد:
جمموع الفتاوى (.)105 – 93/19
-68رسالة أيضاًح الدللة يف عموم ال سالة للثقلني "اجلن واإلنق":
جمموع الفتاوى ([ ،)65 – 9/19تكرر يف جمموعة الرسائل املنريية
(.])149 – 99/2
-69عموم رسالته للع ولغْيهر:
اجلواب الصحيح (.)140 – 126/1
-70رسالة معارج الوصول يف أن ال سول نني مجيع الدين ،أصوله وف وعه:
جمموع الفتاوى ([ ،)202 – 155/19تكرر يف جمموعة الرسائل
الكربى (.])211 – 173/1
- 71نيان أن النيب نص على كل ما يعصر من املهالك نصاً قاطعاً للعذر:
درء التعارض (.)78 – 72/1
-72دللة النصوص على مجهور ا وادث ،وال د على من يقول :إن
النصوص ل تفب نعش معشار الش يعة:
االستقامة (.)14 – 6/1
جمموع الفتاوى ([ ،)289 – 280/19تكرر يف الفتاوى الكربى
(.])159 – 152/1
-73حكر اتباع الظن:
جمموع الفتاوى (.)125 – 110/13
-74ال د على من قال :إن الفقه من اب الظنون:
االستقامة (.)69 – 47/1
جمموع الفتاوى (.)127 – 117/13
-75امتناع تعارض العقل والنقل:
" إمجاالً" درء التعارض (.)86 – 78/1
أما تفصيل ذلك فإنه موضوع الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-2قائمة جبهود انن القير يف أصول الفقه
539
()1
فيما أييت قائمة آباثر ابن القيم وجهوده يف أصول الفقه ،وقد راعيت يف
مجعها األمور اليت سبق مراعاهتا يف قائمة جهود ابن تيمية.
إال فيما يتعلق ابلكتب ،فقد رجعت يف هذه القائمة إىل كتب ابن القيم
اآلتية:
-1أحكام أهل الذمة.
-2إعالم املوقعني.
-3إغاثة اللهفان يف حكم طالق الغضبان.
-4إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (وهو املقصود عند إطالق اإلغاثة).
-5بدائع الفوائد.
-6زاد املعاد.
-7زاد املهاجر إىل ربه "الرسالة التبوكية".
-8شفاء العليل.
-9الصواعق املرسلة.
-10طريق اهلجرتني.
-11عدة الصابرين وذخرية الشاكرين.
-12الفوائد.
-13القصيدة النونية "الكافية الشافية".
-14خمتصر الصواعق املرسلة.
-15مدارج السالكني.
-16مفتاح دار السعادة.
-17هداية احليارى يف أجوبة اليهود والنصارى.
( )1انظر إن شئت كتاب" :التقريب لفقه ابن القيم" للشيخ بكر أبو زيد" :األصول والقواعد"
(.)292 – 258/1
540
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1التحسني والتقبيح العقليان:
مدارج السالكني (.)263 – 253/1
-2حت ي القول يف مسألة التحسني والتقبيح العقليني ونيان األصول اليت
ننيت عليها هذه املسألة:
مفتاح دار السعادة ( ،)62 – 42/2والتفصيل.)118 – 42/2( :
-3أصول الش ائع مجيعاً م كوز حسنها يف العقول:
مفتاح دار السعادة (.)13 – 2/2
-4األلفاظ اليت يستفاد منها :الوجو والتح مي والند والك اهة
واإلابحة:
بدائع الفوائد (.)6 – 3/4
-5تكليف ما ل يطاق:
بدائع الفوائد (.)177 – 175/4
-6طالق اهلازل والسك ان والغضبان واملك ه.
زاد املعاد (.)215 – 201/5
إعالم املوقعني (.)54 – 47/4
-7حكر طالق الغضبان:
كتاب إغاثة اللهفان يف حكم طالق الغضبان.
-8حكر املقلدين وجهال الكف ة ومعىن قيام ا جة:
طريق اهلجرتني (.)414 – 411
-9م اتب املكلفني يف الدار اآلخ ة ،وطبقاهتر فيها ( 18طبقة):
طريق اهلجرتني (.)427 – 349
-10أمثلة على رد احملكر ابملتشانه ( 73مثالً):
إعالم املوقعني (.)425 – 294/2
-11مل أيم هللا نشبء أنطله ابلكلية نل ل ند أن يثبته نوجه ما؛ أمثلة
على لك:
مفتاح دار السعادة (.)34 – 32/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
541
عمن
-12ال َيدة على النص ،أو رد السنن نظاه الق آن ،واجلوا
فعل لك من ( 52وجهاً):
إعالم املوقعني (.)329 – 306/2
-13األصول اليت ننيت عليها فتاوى اإلمام أمحد:
إعالم املوقعني (.)33 – 29/1
-14وجو العمل ابلنصوص ،ونيان أنه ل جتوز خمالفتها:
إعالم املوقعني (.)294 – 297/2
زاد املهاجر إىل ربه (.)30 – 25
-15كتا طاعة ال سول ( لإلمام أمحد):
إعالم املوقعني (.)293 – 290/2
-16من لة السنة من الكتا :
إعالم املوقعني (.)310 – 307/2
-17حجية السنة املستقلة :األدلة واألمثلة على لك:
إعالم املوقعني (.)309 – 306/2
-18ت كه :
إعالم املوقعني (.)391 – 389/2
-19حصول العلر خبرب الواحد:
خمتصر الصواعق (.)484 – 455
-20األدلة على حصول العلر خبرب الواحد ( 21دليالً):
خمتصر الصواعق (.)484 – 477
-21الحتجاج ابألحاديث النبوية على الصفاي ك فيه عش ة مقاماي:
خمتصر الصواعق (.)510 – 438
-22ليق يف الش يعة شبء على خالف القياي:
إعالم املوقعني (.)70 – 3/2
– 23نيان خطأ من ت ك السنة زاعماً أهنا خالف األصول:
إعالم املوقعني (.)341 – 335/2
542
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-24أمثلة على رد السنة الصحيحة احملكمة نكوهنا خالف األصول
وابملتشانه:
إعالم املوقعني (.)425 – 335/2
-25عمل أهل املدينة:
إعالم املوقعني (.)396 – 380/2
-26رسالة الليث إىل مالك"فيما يتعلق نعمل أهل املدينة":
إعالم املوقعني (.)88 – 83/3
-27تع يف الستصحا وأقسامه وم اتبها:
إعالم املوقعني (.)344 – 339/1
-28فتاوى الصحانة ،واألدلة على وجو اتباعهر ،ك فيه ( )46وجهاً:
إعالم املوقعني (.)156 – 118/4
-29نيان أن الصحانة هر أعلر الناي نعد األنبياء ،وأن العلوم املبثوثة
يف هذه األمة إَّنا هب مأخو ة من كالمهر وفتاويهر:
هداية احليارى (.)602 – 597
-30املصلحة اخلالصة واملفسدة اخلالصة وتساوي املصلحة مع املفسدة:
مفتاح دار السعادة (.)22 – 14/2
– 31سد الذرائع :حقيقة الذارئع وأقسامها ،واألدلة على منعها ،ك
فيه ( )99وجهاً:
إعالم املوقعني (.)159 – 135/3
– 32أمثلة على سد الذرائع:
إغاثة اللهفان (.)370 – 361/1
-33أقسام ا يل وم اتبها:
إعالم املوقعني (.)337 – 328/3
– 34حت مي ا يل واألدلة على لك:
إعالم املوقعني (.)187 – 159/3
إغاثة اللهفان (.)360 – 338/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
543
-35أدلة اجملي ين للحيل وال د عليها:
إعالم املوقعني (,)240 – 189/3
إغاثة اللهفان (.)121 – 72/2
-36قواعد الحتياط:
بدائع الفوائد (.)275 – 257/3
-37اإلهلام:
إغاثة اللهفان (.)125 – 122/1
-38أمهية مع فة حدود ما أن ل هللا على رسوله واألمثلة على لك:
زاد املهاجر إىل ربه (.)11 – 9
إعالم املوقعني.)227 – 220/1( :
-39اجملاز:
خمتصر الصواعق (.)294 – 231
-40من أنواع نيان ال سول :
إعالم املوقعني (.)315 – 314/2
-41أقسام األلفاظ ابلنسبة إىل مقاصد املتكلمني ونياهتر ،ومىت حيمل
الكالم على ظاه ه ،ومىت حيمل على غْي ظاه ه؟
إعالم املوقعني (.)134 – 107/3
-42التأويل ،و ك فيه فصولً كثْية مهمة:
الصواعق (.)631/2 – 170/1
خمتصر الصواعق (.)61 – 11
-43جناية التأويل على ما جاء نه ال سول ،وامل دود منه واملقبول:
القصيدة النونية (( ،)88 – 85انظر :شرح النونية البن عيسى– 3/2 :
.)17
-44دللة القرتان:
بدائع الفوائد (.)184 – 183/4
544
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-45لزم املذهب هل هو مذهب؟
القصيدة النونية (( ،)194 – 193انظر :شرح النونية البن عيسى:
.)401 – 394/2
-46الف ق نني األم املطلق ومطلق األم :
بدائع الفوائد (.)18 – 16/4
-47ت ك األم أعظر من ارتكا النهب ،واألدلة على لك:
الفوائد (.)169 – 157
عدة الصابرين (.)33 – 27
-48املطلو يف النهب أم وجودي أم عدمب؟
الفوائد (.)164 – 161
-49من مسائل الستثناء:
بدائع الفوائد (.)76 – 56/3
-50املطلق واملقيد:
بدائع الفوائد (.)250 – 248/3
-51أنواع القياي يف الق آن الك مي ،واألمثلة على لك:
إعالم املوقعني (.)150 – 130/1
-52األمثال يف الق آن الك مي من اب القياي:
إعالم املوقعني (.)190 – 150/1
-53األدلــة علــى حجيــة القيــاي مــن الســنة ،وفعــل الصــحانة ،وإمجــاع
الفقهاء:
إعالم املوقعني (.)206 – 202/1
-54مسائل استعمل فيها الصحانة رضب هللا عنهر القياي:
إعالم املوقعني (.)217 – 209/1
-55القياي الش عب الصحيح مبِ على اعتبار الشبء مبثله ،وعلى
علل وأوصاف مؤث ة ومعاين معتربة ،األمثلة على لك:
إعالم املوقعني (.)200 – 195/1
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
545
-56تعبْي ال ؤَي من األمثال املض ونة املبنية على القياي:
إعالم املوقعني (.)195 – 190/1
-57ك سؤال نفاة ا كمة والتعليل والقياي :أن الشريعة فرقت بني
املتماثلني ومجعت بني املختلفني ،وذكر أجوبة بعض األصوليني عنه ،مث ذكر ابن
القيم جوابني :أوهلما جممل ،والثاين مفصل ،وفيه اجلواب على كل مسألة قيل عنها:
إن الشارع فرق فيها بني املتماثلني ،أو مجع فيها بني املختلفني.
-58إل ام منك ي القياي ابلقياي يف مسائل ل ميكن األخذ فيها
ابلعموم اللفظب:
إعالم املوقعني (.)209 – 206/1
-59أرنعة أخطاء وقع فيها نفاة القياي:
إعالم املوقعني (.)349 – 338/1
-60مخسة أخطاء وقع فيها أصحا القياي:
إعالم املوقعني (" )350 – 349/1إمجاالً".
-61األدلة على م القياي وأنه ليق من الدين ،من الكتا والسنة
وقول الصحانة والتانعني ،وأمثلة على تناقض القياسيني:
إعالم املوقعني (.)330 – 227/1
– 62مشول النصوص وإغناؤها عن القياي ،واألمثلة على لك:
إعالم املوقعني (.)383 – 350/1
-63التعليل:
خمتصر الصواعق (.)216 – 209
– 64الق آن والسنة مملوءان من تعليل األحكام اب كر واملصاحل:
مفتاح دار السعادة (.)24 – 22/2
إعالم املوقعني (.)201 – 196/1
546
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-65إرشاد ال سول إىل العلل الش عية واألوصاف املعتربة ونعض
القواعد األصولية والقضاَي العقلية:
بدائع الفوائد (.)130 – 126/4
-66إثباي ا كمة والتعليل يف أفعال هللا تعاىل ،ك فيه ( 22نوعاً):
شفاء العليل (.)206 – 190
-67ال د على أدلة نفاة ا كمة والتعليل يف أفعال هللا سبحانه وتعاىل:
شفاء العليل (.)268 – 206
-68إثباي ٍ
األسبا يف األم والنهب والش ع والقدر ،وأمثلة من الق آن
الك مي على لك:
شفاء العليل (.)190 – 188
-69حكر هللا يف ا ادثة واحد معني ،ونيان أن اجملتهد يصيبه اترة
وخيطؤه اترة:
أحكام أهل الذمة (.)22 – 20/1
إعالم املوقعني (.)129 – 121/4
-70ال أي احملمود وال أي املذموم ،وأنواع كل منهما:
إعالم املوقعني (.)85 – 47/1
-71أنواع الختالف وأسبانه:
الصواعق (.)631 – 514/2
-72التقليد ،ونيان انقسامه إىل :ما حي م ،وما جيب ،وما جيوز:
إعالم املوقعني (.)201 – 187/2
-73نيان تناقض املقلدين يف مسائل كثْية:
إعالم املوقعني (.)226 – 215/2
– 74األدلة على نطالن التقليد:
إعالم املوقعني (.)279 – 208/2
-75جملق مناظ ة نني مقلد وصاحب حجة منقاد للحق حيث كان:
إعالم املوقعني (.)279 – 201/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
547
-76حت مي القول على هللا نغْي علر:
إعالم املوقعني (.)44 – 38/1
إعالم املوقعني (.)187 – 184/2
-77الفتيا :تورع السلف عنها ،خطورهتا ،ش وطها:
إعالم املوقعني (.)47 – 33/1
إعالم املوقعني (.)187 – 184/2
-78تغْي الفتوى واختالفها حبسب تغْي األزمنة واألمكنة واألحوال
والنياي ،وا كمة منه:
إعالم املوقعني (.)98 – 3/3
-79فوائد تتعلق ابلفتوى ،ك فيه ( )70فائدة:
إعالم املوقعني (.)266 – 157/4
-80نيان الستغناء ابلوحب املن ل من السماء عن تقليد ال جال واآلراء:
القصيدة النونية (( ،)191 – 188انظر :شرح النونية البن عيسى:
.)388 – 380/2
-81نيان ش وط كفاية النصني والستغناء ابلوحيني:
القصيدة النونية (( ،)193 – 191انظر :شرح النونية البن عيسى:
.)393 – 389/2
-82إحاطة النصوص حبكر مجيع ا وادث:
إعالم املوقعني (.)350 – 332/1
-83ال د على من قال :إن نصوص الوحب أدلة لفظية ل تفيد اليقني،
ك فيه ( )73وجهاً:
الصواعق (.)794 – 633/2
-84ال د على من قال :إ ا تعارض العقل والنقل وجب تقدمي العقل،
ك فيه ( )241وجهاً:
الصواعق (.)1538/4 ،796/3
خمتصر الصواعق (.)178 – 83
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
548
-3قائمة ابألحباث األصولية
يف املؤلفاي غْي األصولية ألهل السنة واجلماعة
وقد راعيت يف مجع هذه األحباث وتقريبها األمور اآلتية:
-1رتبت األحباث على الرتتيب املتبع يف قائمة جهود ابن تيمية(.)1
-2اقتصرت على األحباث اليت حررها أهل العلم وكانت مما ميكن استالله،
أما ما كان ذكره على سبيل اإلشارة ويف حدود أسطر معدودة أو حنو ذلك فلم
أتعرض إليراده هاهنا ،إذ إن إيراده يف هذا املقام عسري ،وما ال يدرك كله ال يرتك
جله.
-3مجعت األحباث املتفقة يف موضوعها حتت عنوان يصلح أن تندرج حتته،
وأعطيت كل عنوان رقماً مستقالً.
-4ضممت إىل هذه القائمة القائمتني السابقتني (جهود ابن تيمية وابن
القيم) إمتاماً للفائدة ،وتيسرياً للبحث ،إال أن الرجوع إىل قائميت جهود ابن تيمية
وابن القيم أوىل وأنفع ملن أراد االستزادة من جهود هذين اإلمامني والوقوف على
أحباثهما بصورة أدق ،وتفصيل أكثر.
-5رجعت يف هذه القائمة إىل كتب كثرية متنوعة ،بعضها مل أجد فيه
املطلوب ،وبعضها وجدت فيه ما مت تدوينه يف هذه القائمة.
وفيما أييت قائمة أبمساء الكتب اليت متت االستفادة منها ،دون ما عداها.
( )1انظر ً( )530من هذا الكتاب.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
549
قائمة أبْساء الكتب( )1املشتملة على أحباث أصولية
ألهل السنة واجلماعة" ،م تبة ت تيباً اترخيياً"
-1إبطال االستحسان لإلمام الشافعي (204ﻫ).
-2اختالف احلديث ،له أيضاً.
-3مجاع العلم ،له أيضاً.
-4صفة هني النيب ،له أيضاً.
-5سنن اإلمام الدارمي (255ﻫ).
-6صحيح اإلمام البخاري ( 256ﻫ).
-7أتويل خمتلف احلديث لإلمام ابن قتيبة (276ﻫ).
-8أتويل مشكل القرآن ،له أيضاً.
-9مسائل اإلمام أمحد برواية ابنه عبد هللا (290ﻫ).
-10جامع البيان عن أتويل آي القرآن لإلمام الطربي (310ﻫ).
-11مشكل اآلاثر لإلمام الطحاوي (321ﻫ).
-12صحيح ابن حبان (354ﻫ).
-13الشريعة لآلجري (360ﻫ).
-14اإلابنة عن شريعة الفرقة الناجية ،وجمانبة الفرق املذمومة البن بطة
(387ﻫ) ،وهي اإلابنة الكربى.
-15إبطال احليل ،له أيضاً.
( )1املقصود هبذه الكتب ما عدا الكتب األصولية املستقلة ألهل السنة واجلماعة .فيدخل يف
هذه القائمة:
أ -الكتب اليت اختصت أبحباث أصولية لكنها مل تشتمل على مجلة مسائل علم األصول،
وذلك ككتاب "إبطال االستحسان" للشافعي.
ب -ويدخل يف هذه القائمة أيضاً الكتب غري األصولية ككتب احلديث ،والعقيدة ،وحنو
ذلك.
550
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-16شرح أصول اعتقاد أهل السنة واجلماعة لاللكائي (418ﻫ).
-17جامع بيان العلم وفضله البن عبد الرب (463ﻫ).
-18الكفاية يف علم الرواية للخطيب البغدادي (463ﻫ).
-19شرح السنة للبغوي (516ﻫ).
-20احلجة يف بيان احملجة وشرح عقيدة أهل السنة واجلماعة لقوام السنة
األصبهاين (535ﻫ).
-21ذم التأويل البن قدامة (620ﻫ).
-22االستقامة لتقي الدين أمحد ابن تيمية (728ﻫ).
-23اقتضاء الصراط املستقيم ،له أيضاً.
-24اجلواب الصحيح ملن بدل دين املسيح ،له أيضاً.
-25درء تعارض العقل والنقل ،له أيضاً.
-26الصفدية ،له أيضاً.
-27الفتاوى الكربى ( )6جملدات ،له أيضاً.
-28جمموع الفتاوى ( )37جملداً ،له أيضاً.
-29املسودة "القسم املتعلق بتقي الدين أمحد ابن تيمية".
-30نقد مراتب اإلمجاع ،له أيضاً.
-31أحكام أهل الذمة البن قيم اجلوزية (751ﻫ).
-32إعالم املوقعني ،له أيضاً.
-33إغاثة اللهفان يف حكم طالق الغضبان ،له أيضاً.
-34إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ،له أيضاً" ،وهو املقصود بكتاب
اإلغاثة".
-35بدائع الفوائد ،له أيضاً.
-3زاد املعاد ،له أيضاً.
-37زاد املهاجر إىل ربه ،له أيضاً.
-38شفاء العليل ،له أيضاً.
-39الصواعق املرسلة ،له أيضاً.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
551
-40طريق اهلجرتني ،له أيضاً.
-41عدة الصابرين وذخرية الشاكرين ،له أيضاً.
-42الفوائد ،له أيضاً.
-43القصيدة النونية "الكافية الشافية" ،له أيضاً.
-44خمتصر الصواعق املرسلة ،له أيضاً ،وهو من اختصار املوصلي.
-45مدارج السالكني ،له أيضاً.
-46مفتاح دار السعادة ،له أيضاً.
-47هداية احليارى ،له أيضاً.
-48تفسري ابن كثري (774ﻫ).
-49شرح العقيدة الطحاوية البن أيب العز (792ﻫ).
-50جامع العلوم واحلكم البن رجب (795ﻫ).
-51لوامع األنوار البهية للسفاريين (1188ﻫ).
-52معارج القبول للشيخ حافظ احلكمي (1377ﻫ).
-53التنكيل "القائد إىل تصحيح العقائد" للمعلمي (1386ﻫ).
-54أضواء البيان يف تفسري القرآن ابلقرآن ،للشيخ حممد األمني الشنقيطي
(1393ﻫ)(.)1
-55دفع إيهام االضطراب عن أي الكتاب ،له أيضاً.
-56رحلة احلج إىل بيت هللا احلرام ،له أيضاً.
-57املصاحل املرسلة ،له أيضاً.
-58ملحق ملبحث القياس "مطبوع يف آخر مذكرة أصول الفقه" له أيضاً.
-59منع جواز اجملاز يف املنزل للتعبد واإلعجاز ،له أيضاً.
-60منهج التشريع اإلسالمي وحكمته ،له أيضاً.
( )1انظر إن شئت :فهرس املسائل األصولية يف "أضواء البيان" إعداد الشيخ عبد الرمحن
السديس.
552
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-1التحسني والتقبيح العقليان:
جمموع الفتاوى (.)437 – 428/8
جمموع الفتاوى (.)358 – 346/11
مدارج السالكني (.)263 – 253/1
مفتاح دار السعادة (.)118 – 42/2
لوامع األنوار (.)291 – 286/1
مجيعا م كوز حسنها يف العقول:
-2أصول الش ائع ً
مفتاح دار السعادة (.)13 – 2/2
-3الكالم على الصالح واألصلح:
لوامع األنوار (.)333 – 329/1
-4األلفاظ اليت يستفاد منها الوجو والتح مي والند والك اهة
واإلابحة:
بدائع الفوائد (.)6 – 3/4
-5هل الواجب مبعىن الف ض؟ والكالم على املعفو واملسكوي عنه:
جامع العلوم واحلكم (.)173 – 150/2
-6األم ابلشبء أم نلوازمه:
جمموع الفتاوى (.)162 – 159/20
-7األصل يف األعيان ا ل ،واألدلة على لك:
جمموع الفتاوى (.)541 – 535/21
-8اإلابحاي اليت أنيح ارتكاهبا ،وعددها ( )50نوعاً من سنن ال سول :
صحيح ابن حبان (.)144 – 140/1
-9الفعل الواحد قد يكون مأموراً نه من وجه ،منهياً عنه من وجه:
جمموع الفتاوى (.)305 – 295/19
-10الكمال والنقص يف العباداي:
جمموع الفتاوى (.)293 – 290/19
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
553
-11ت ك الواجباي هل يل م منه القضاء ابلنسبة للكاف أو املسلر؟
ضا:
سواء كان لك جهالً ،أو أتويالً ،أو إع ا ً
جمموع الفتاوى (.)23 – 7/22
-12التكليف:
صحيح ابن حبان (.)362 – 350/1
-13التكليف الش عب مش وط ابملمكن من العلر والقدرة:
جمموع الفتاوى (.)353 – 344/10
-14تكليف ما ل يطاق:
درء التعارض ([ )72 -60/1تكرر يف جمموع الفتاوى (.])326 -318/3
بدائع الفوائد (.)177 – 175/4
أضواء البيان (.)213 – 206/6
-15الستطاعة هل تكون مع الفعل أو قبله؟
جمموع الفتاوى (.)302 – 290/8
شرح العقيدة الطحاوية (.)493 – 488
-16العذر ابجلهل:
جمموع الفتاوى (.)413 – 406/11
جمموع الفتاوى (.)502 – 489/12
انظر فقرة رقم ( )21من هذه القائمة.
-17اإلك اه وما يتعلق نه:
االستقامة (.)348 – 311/2
جامع العلوم واحلكم (.)375 – 370/2
-18تص فاي السك ان:
الفتاوى الكربى (.)205 – 202/4
-19طالق اهلازل والسك ان والغضبان واملك ه:
زاد املعاد (.)215 – 201/5
إعالم املوقعني (.)54 – 47/4
554
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
كتاب إغاثة اللهفان يف حكم طالق الغضبان.
-20اخلطأ والنسيان:
جامع العلوم واحلكم (.)369 – 367/2
-21حكر املقلدين وجهال الكف ة ،ومعىن قيام ا جة ،والكالم على
أهل الفرتة:
طريق اهلجرتني (.)414 – 411
تفسري ابن كثري (.)35 – 31/3
أضواء البيان (.)484 – 471/3
دفع إيهام االضطراب (.)186 – 178
-22كل ما أوجبه هللا على العباد فال ند أن جيب على القلب ،فإنه األصل:
جمموع الفتاوى (.)128 – 113/14
-23هل حيصل اإل مبج د الع م؟
جمموع الفتاوى (.)769 – 720/10
-24م اتب املكلفني يف الدار اآلخ ة وطبقاهتر فيها ( 18طبقة):
طريق اهلجرتني (.)427 – 349
-25تقسير األدلة الش عية ونيان م اتبها:
جامع العلم (.)51 – 49
-26الكالم على األدلة الش عية :الكتا ،السنة ،اإلمجاع ،القياي،
الستصحا ،املصاحل امل سلة:
جمموع الفتاوى (.)346 – 339/11
-27األصول اليت بنيت عليها فتاوى اإلمام أمحد:
إعالم املوقعني (.)33 – 29/1
-28وجو التمسك ابلكتا والسنة واإلمجاع:
درء التعارض (.)279 – 272/1
جمموع الفتاوى (.)503 – 498/20
-29العتصام ابلكتا والسنة:
صحيح البخاري "كتاب االعتصام ابلكتاب والسنة" (.)344 – 245/13
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
555
الشريعة لآلجري "ابب احلث على التمسك ابلكتاب ،والسنة ،وسنة
الصحابة" (.)48 – 45
شرح أصول اعتقاد أهل السنة واجلماعة لاللكائي "سياق ما روي عن
النيب يف احلث على التمسك ابلكتاب والسنة وعن الصحابة والتابعني ومن
بعدهم واملخالفني هلم من علماء األمة رضي هللا عنهم أمجعني" (.)95 – 74/1
جامع بيان العلم وفضله "ابب معرفة أصول العلم وحقيقته"....
(.)36 – 23/2
شرح السنة للبغوي" :ابب االعتصام ابلكتاب والسنة" (.)209 – 189/1
جمموع الفتاوى (.)92 – 76/19
إعالم املوقعني (.)294 – 297/2
شرح العقيدة الطحاوية (.)230 – 216
معارج القبول "خامتة يف وجوب التمسك ابلكتاب والسنة والرجوع عند
االختالف إليهما ،فما خالفهما فهو رد" (.)435 – 416/2
أضواء البيان (.)485 – 479/7
-30احملكر واملتشانه:
جامع البيان للطربي (.)180 – 170/3
احلجة يف بيان احملجة (.)449 – 447/1
جمموع الفتاوى ([ ،)313 – 270/13تكرر يف جمموعة الرسائل
الكربى (.])36 – 5/2
املسودة (.)164 – 162
إعالم املوقعني ( ،)425 – 294/2ذكر فيه ( )73مثاالً على رد احملكم
ابملتشابه.
التنكيل للمعلمي (.)343 – 333/2
-31اجملاز يف الق آن الك مي:
جمموع الفتاوى (.)116 – 87/7
جمموع الفتاوى (.)497 – 400/20
خمتصر الصواعق (.)394 – 231
556
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
كتاب منع جواز اجملاز يف املنزل للتعبد واإلعجاز للشيخ حممد األمني
الشنقيطي.
َ -32ان مسائل يف النسخ:
أضواء البيان (.)369 – 360/3
-33نسخ الق آن ابلسنة:
جمموع الفتاوى (.)399 – 397/20
-34مل أيم هللا نشبء أنطله ابلكلية ،نل ل ند أن يثبته ٍ
نوجه ما:
مفتاح دار السعادة (.)34 – 32/2
-35ال َيدة على النص:
احلجة يف بيان احملجة (.)461 – 459/2
املسودة (.)212 – 208
إعالم املوقعني (.)329 – 306/2
-36ا كمة من النسخ:
الرحلة للشيخ الشنقيطي (.)62 – 57
-37وجو التمسك ابلسنة:
مجاع العلم (.)22 – 17
طاعة الرسول ( لإلمام أمحد) .انظر" :مسائل اإلمام أمحد برواية ابنه
عبد هللا" ( ،)1361 – 1355/3وإعالم املوقعني.)293 – 290/2( :
صحيح البخاري "ابب االقتداء بسنة رسول هللا .)251 -248/13( "
اإلابنة الكربى البن بطة "ابب ما افرتضه هللا تعاىل نصاً يف التنزيل من
طاعة الرسول .)222 – 215/1( "
صحيح ابن حبان "ابب االعتصام ابلسنة.)215 – 176/1( "......
جامع بيان العلم وفضله "ابب احلض على لزوم السنة واالقتصار عليها"
(.)188 – 180/2
جامع بيان العلم وفضله "ابب فضل السنة ومباينتها لسائر أقاويل علماء
األمة" (.)198 – 194/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
شرح العقيدة الطحاوية (.)401 – 398
-38من لة السنة من الكتا وأهنا مبينة له ،وأهنا ل تعارضه:
جامع العلم (.)124 – 118
الشريعة لآلجري (.)54 – 49
الكفاية للخطيب البغدادي (.)31 – 23
جامع بيان العلم وفضله (.)194 – 188/2
احلجة يف بيان احملجة (.)329 – 326
إعالم املوقعني (.)310 – 307/2
-39عصمة األنبياء:
جمموع الفتاوى (.)299 – 289 /10
التنكيل للمعلمي (.)259 – 248/2
-40حجية السنة املستقلة ،األدلة واألمثلة على لك:
اإلابنة الكربى البن بطة (.)269 – 223/1
اإلابنة الكربى البن بطة (.)306 – 295/2
إعالم املوقعني (.)309 – 306/2
-41أنواع اخلرب :ما يعلر صدقه ،ما يعلركذنه ،ما ل يعلر صدقه ولكذنه:
جامع بيان العلم (.)49 – 47
اجلواب الصحيح (.)309 – 287/4
-42أقسام ا ديث الصحيح:
جمموع الفتاوى (.)23 – 16/18
-43أفعال النيب اليت انف د هبا ،ك فيها ( )50نوعاً:
صحيح ابن حبان (.)149 – 145/1
-44أفعال ال سول :
اقتضاء الصراط املستقيم (.)807 – 794/2
املسودة (.)192 – 191
جمموع الفتاوى (.)331 – 320/22
557
558
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-45ت كه :
اقتضاء الصراط املستقيم (.)597 – 591/2
إعالم املوقعني (.)391 – 389/2
-46خرب الواحد واألدلة على حجيته وكونه مفيداً للعلر:
صحيح البخاري "كتاب أخبار اآلحاد" (.)244 – 231/13
الكفاية يف علم الرواية للخطيب البغدادي (.)48 – 42
احلجة يف بيان احملجة (.)349 – 345/1
خمتصر الصواعق (.)484 – 455
-47وجو العلر خبرب الواحد يف أصول الدين:
خمتصر الصواعق (.)510 – 438
لوامع األنوار (.)20 – 17/1
-48نيان خطأ من رد السنة احملكمة الصحيحة نكوهنا خالف األصول
وابملتشانه ،واألمثلة على لك:
إعالم املوقعني (.)425 – 335/2
-49ليق يف الش يعة شبء على خالف القياي:
جمموع الفتاوى (.)583 – 504/20
إعالم املوقعني (.)70 – 3/2
50ال د على من قال :إن أاب ه ي ة مل يكن فقيهاً:
جمموع الفتاوى (.)539 – 532/4
-51اإلمجاع :حجيته وإمكان وقوعه:
مجاع العلم (.)57 – 51
-52أنواع اإلمجاع ،وحكر خمالفه ،وهل هو قطعب أو ظِ؟ ومسائل
أخ ى متعلقة ابإلمجاع:
جمموع الفتاوى (.)272 – 267/19
-53نقد كتا انن ح م (م اتب اإلمجاع):
كتاب نقد مراتب اإلمجاع البن تيمية.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
559
-54عمل أهل املدينة:
رسالة الليث إىل مالك :إعالم املوقعني (.)88 – 83/3
جمموع الفتاوى (.)396 – 294/20
إعالم املوقعني (.)396 – 380/2
-55الستصحا :تع يفه ،أقسامه ،وم اتبها:
إعالم املوقعني (.)344 – 39/1
-56ش ع من قبلنا:
أضواء البيان (.)71 – 63/2
الرحلة للشيخ الشنقيطي (.)113 -108
-57فتاوى الصحانة :األدلة على وجو اتباعهر ،ونيان علمهر وفضلهر:
احلجة يف بيان احملجة (.)403 – 397/2
إعالم املوقعني ( ،)156 – 118/4ذكر فيه ( )46وجهاً على وجوب
اتباع الصحابة.
هداية احليارى (.)602 – 597
لوامع األنوار (.)385 – 380/2
-58الستحسان:
رسالة إبطال االستحسان لإلمام الشافعي.
املسودة (.)455 – 451
-59املصاحل امل سلة:
جمموع الفتاوى (.)346 – 342/11
رسالة املصاحل املرسلة للشيخ الشنقيطي.
الرحلة للشيخ الشنقيطي.)181 – 175( :
-60تع ـ ــارض املص ـ ــاحل واملفاس ـ ــد ،والك ـ ــالم عل ـ ــى املص ـ ــلحة اخلالص ـ ــة
واملفسدة اخلالصة:
جمموع الفتاوى (.)61 – 48/20
مفتاح دار السعادة (.)22 – 14/2
560
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-61الض ورَيي ،وا اجياي ،والتحسيناي:
أضواء البيان (.)452 – 448/3
منهج التشريع اإلسالمي وحكمته للشنقيطي (.)25- 16
-62سد الذرائع:
الفتاوى الكربى (.)182 – 172/6
إعالم املوقعني ( ،)159 – 135/3وذكر فيه ( )99مثاالً على سد
الذرائع.
إغاثة اللهفان (.)370 – 361/1
منهج التشريع اإلسالمي وحكمته للشنقيطي (.)28 – 27
-63ا يل:
كتاب إبطال احليل البن بطة.
كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل البن تيمية.
الفتاوى الكربى.)320 – 5/6( :
إعالم املوقعني (.)240 – 159/3
إغاثة اللهفان (.)360 – 338/1
إغاثة اللهفان (.)121 – 72/2
-64الحتياط:
بدائع الفوائد (.)275 – 257/3
جامع العلوم واحلكم (.)210 – 193/1
جامع العلوم واحلكم (.)286 – 278/1
-65اإلهلام:
جمموع الفتاوى (.)47 – 42/20
إغاثة اللهفان (.)125 – 122/1
-66مبدأ اللغاي:
جمموع الفتاوى (.)96 – 90/7
-67أمهية مع فة حدود ما أن ل هللا على رسوله ،واألمثلة على لك:
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
561
زاد املهاجر إىل ربه (.)11 – 9
إعالم املوقعني (.)227 – 220/1
-68ا قيقة الش عية وعالقتها ابإلميان ،والكالم على ا قيقة اللغوية والع فية:
جمموع الفتاوى (.)303 – 298/7
جمموع الفتاوى (.)259 – 235/19
-69اإلمجال والبيان:
أضواء البيان (.)99 – 93/1
-70من أنواع البيان يف كتا هللا:
أضواء البيان (.)92 – 68/1
-71من أنواع البيان يف السنة:
صحيح ابن حبان ( ،)139 – 131/1ذكر فيه ( )80نوعاً.
إعالم املوقعني (.)315 – 214/2
-72حكر أتخْي البيان عن وقت ا اجة:
املسودة (.)182 – 181
-73أقسام األلفاظ ابلنسبة إىل مقاصد املتكلمني ونياهتر ،ومىت حيمل
الكالم على ظاه ه ومىت حيمل على غْي ظاه ه؟
إعالم املوقعني (.)134 – 107/3
-74التأويل:
كتاب ذم التأويل البن قدامة.
الصواعق (.)631/2 – 170/1
خمتصر الصواعق (.)61/11
القصيدة النونية (( ،)88 – 85انظر :شرح النونية البن عيسى .)17 -3/2
-75دللة القرتان:
بدائع الفوائد (.)184 – 183/4
-76لزم املذهب هل هو مذهب؟
جمموع الفتاوى (.)219 – 217/20
562
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفتاوى الكربى (.)29 – 27/4
القصيدة النونية (( ،)194 – 193انظر :شرح النونية البن عيسى:
.)401 – 394/2
-77الف ق نني األم املطلق ومطلق األم :
بدائع الفوائد (.)18 – 16/4
-78ت ك األم أعظر من ارتكا النهب:
جمموع الفتاوى (.)158 – 85/20
الفوائد البن القيم (.)169 – 157
عدة الصابرين وذخرية الشاكرين (.)33 – 27
جامع العلوم واحلكم (.)257 – 252/1
-79األوام من سنن ال سول :
صحيح ابن حبان ( ،)118 – 105/1ذكر فيه ( )110أنواع.
-80هل يستل م األم اإلرادة؟
شرح العقيدة الطحاوية (.)119 – 117
-81صفة هنب النيب :
كتاب صفة هني النيب للشافعي املطبوع مع مجاع العلم (.)134 – 125
-82النهب يفيد التح مي:
صحيح البخاري "ابب هني النيب على التحرمي إال ما تعرف إابحته"
(.)337 – 336/13
-83النهب يقتضب الفساد:
احلجة يف بيان احملجة (.)532 – 531/2
-84املطلو يف النهب أم وجودي أم عدمب؟
الفوائد البن القيم (.)164 – 161
-85النواهب من سنن النيب :
صحيح ابن حبان ( ،130 – 119/1ذكر فيه ( )110أنواع.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
563
-86أنواع العموم:
جمموع الفتاوى (.)191 – 188/20
اقتضاء الصراط املستقيم (.)168 – 165/1
-87من مسائل الستثناء:
بدائع الفوائد ( ،)76 – 56/3ذكر فيه عدة مسائل.
أضواء البيان ( ،)339 – 336/4ذكر فيه مسألة االستثناء املنقطع.
أضواء البيان (.)92 – 89/6
أضواء البيان (.)768 – 763/5
دفع إيهام االضطراب للشيخ الشنقيطي ( ،)79 – 75ذكر يف هذا
املوضع واملوضعني السابقني مسألة ورود الستثناء نعد مجل متعاطفة.
-88للحقائق ثالثة اعتباراي :العموم واخلصوص واإلطالق:
جمموع الفتاوى (.)168 – 162/2
-89املطلق واملقيد:
املسودة (.)148 – 147
بدائع الفوائد (.)250 – 248/3
دفع إيهام االضطراب (.)87 – 84
-90الف ق نني دللي اإلشارة والقتضاء واإلمياء والتنبيه:
الرحلة للشيخ الشنقيطي (.)243 – 238
-91حجية القياي ،وال د على من نفاه:
صحيح البخاري "ابب من شبه أصالً معلوماً أبصل مبني" (.)296/13
صحيح البخاري (ابب األحكام اليت تعرف ابلدالئل وكيف معىن الداللة
وتفسريها" (.)330 – 329/13
جامع بيان العلم وفضله (.)78 – 74 ،69 – 55/2
إعالم املوقعني (.)175 – 71/2 ،209 – 150/1
" ملحق ملبحث القياس" للشنقيطي ،طبع يف آخر املذكرة (– 341
.)361
564
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-92نيان القياي الفاسد:
صحيح البخاري "ابب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس" (.)282/13
جامع بيان العلم وفضله "ذم الرأي والقياس على غري أصل" (.)150 – 133/2
جمموع الفتاوى (.)289 – 285/19
إعالم املوقعني (.)330 – 227/1
-93أنواع القياي ،ومسائل أخ ى متعلقة ابلقياي:
إعالم املوقعني (.)150 – 130/1
إعالم املوقعني (.)350 – 338/1
أضواء البيان (.)586 – 578/3
أضواء البيان (.)669 – 599/4
-94مشول النصوص وإغناؤها عن القياي:
االستقامة (.)14 – 6/1
جمموع الفتاوى (.)289 – 280/19
إعالم املوقعني (.)383 – 350/1
-95إثباي التعليل وا كمة ٍ
واألسبا :
جمموع الفتاوى (.)381 – 377 ،158 – 81/8
خمتصر الصواعق (.)216 – 209
إعالم املوقعني (.)201 – 196/1
مفتاح دار السعادة (.)24 – 22/2
شفاء العليل (.)268 – 188
لوامع األنوار (.)286 – 280/1
-96إرشاد ال سول إىل العلل الش عية ونعض القواعد األصولية
والقضاَي العقلية:
بدائع الفوائد (.)130 – 126/4
-97تعليل ا كر نعلتني:
جمموع الفتاوى (.)183 – 167/20
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
565
-98السرب والتقسير:
أضواء البيان (.)484 – 365/4
-99الجتهاد :األدلة على مش وعيته ،والكالم على ش وطه:
مجاع العلم (.)46 – 33
أضواء البيان (.)485 – 479/7
-100اخلطأ والصوا يف الجتهاد "هل كل جمتهد مصيب؟".
صحيح البخاري (.)318 ،317/13
جامع بيان العلم وفضله (.)74 – 69/2
جمموع الفتاوى (.)36 – 19/20 ،227 – 203 ،148 – 143/19
أحكام أهل الذمة (.)22 – 20/1
-101ال أي احملمود ،وال أي املذموم ،وأنواع كل منهما:
إعالم املوقعني (.)85 – 47/1
-102الختالف :أنواعه ،وأسبانه ،واملفاسد املرتتبة عليه ،واملوقف
الصحيح منه:
مجاع العلم (.)102 – 96
اإلابنة الكربى البن بطة (.)567 – 553/2
جامع بيان العلم وفضله (.)99 – 78/2
اقتضاء الصراط املستقيم (.)144 – 126
االستقامة (.)47 – 24/1
" رفع املالم عن األئمة األعالم" جمموع الفتاوى (.)293 – 231/20
جمموع الفتاوى (.)175 – 170/24
جمموع الفتاوى (.)375 – 356/22
الصواعق (.)631 – 514/2
شرح العقيدة الطحاوية (.)585 – 577
التنكيل للمعلمي (.)385 – 379/2
-103التقليد:
جامع بيان العلم وفضله (.)120 – 109/2
566
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
جمموع الفتاوى (.)270 – 260/19
إعالم املوقعني (.)279 – 187/2
لوامع األنوار (.)276 – 267/1
أضواء البيان (.)583 – 485/7
-104التمذهب ،واملذاهب األرنعة:
جمموع الفتاوى (.)216 – 210/20
جمموع الفتاوى (.)226 – 220/20
لوامع األنوار (.)467 – 465/2
-105الفتوى:
سنن الدارمي (.)64 – 46/1
جامع بيان العلم وفضله (.)166 – 163 ،55 – 43/2
إعالم املوقعني (.)47 – 33/1
إعالم املوقعني (.)187 – 184/2
إعالم املوقعني (.)266 – 157/4
-106تغْي الفتوى واختالفها حبسب األحوال:
إعالم املوقعني (.)98 – 3/3
-107ما يك ه من السؤال:
صحيح البخاري "ابب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما ال يعنيه"
(.)265 – 264/13
اإلابنة الكربى البن بطة "ابب ترك السؤال عما ال يعين والبحث والتنقري
عما ال يضر جهله" (.)424 – 390/1
جامع العلوم واحلكم (.)252 – 238/1
-108حت مي القول على هللا ندون علر:
إعالم املوقعني (.)44 – 38/1
إعالم املوقعني (.)187 – 184/2
معارج القبول (.)423 – 420/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
567
-109التعارض:
كتاب اختالف احلديث لإلمام الشافعي.
كتاب أتويل مشكل القرآن البن قتيبة.
كتاب أتويل خمتلف احلديث البن قتيبة.
كتاب مشكل اآلاثر للطحاوي.
كتاب دفع إيهام االضطراب عن أي الكتاب للشيخ حممد األمني
الشنقيطي.
-110الرتجيح:
الكفاية للخطيب البغدادي (.)478 – 474
-111إن الدين عند هللا اإلسالم:
الصفدية (.)332 – 301/2
-112توحد امللة وتعدد الش ائع:
جمموع الفتاوى (.)128 – 106/19
-113الكتفاء ابل سالة ،والستغناء هبا عما سواها:
جمموع الفتاوى (.)75 – 66/19
القصيدة النونية (" ،)193 – 188انظر :شرح النونية البن عيسى
.)393 – 380/2
-114ال سالة ض ورية لصالح العباد:
جمموع الفتاوى (.)105 – 93/19
-115عموم رسالته :
جمموع الفتاوى (.)65 – 9/19
اجلواب الصحيح (.)140 – 126/1
-116كون ال سول نني مجيع الدين ،أصوله وف وعه:
صحيح ابن حبان "إخبار املصطفى عما احتيج إىل معرفته" (131/1
– )139ذكر فيه ( )80نوعاً.
جمموع الفتاوى (.)202 – 155/19
568
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
درء التعارض (.)78 – 72/1
جامع العلوم واحلكم (.)197 – 193/1
معارج القبول ( ،)357 – 346/2ذكر فيه املسائل اآلتية:
أ -أن الرسول مبلغ عن هللا.
ب -أنه بلغ مجيع ما أرسل به مل يكتم منه حرفاً واحداً.
جـ -أن ما بلغه هو مجيع دين اإلسالم مكمالً حمكماً ،مل يبق فيه نقص
وال إشكال فيحتاج إىل تكميل أو حل.
د -أنه خامت الرسل وكتابه خامت الكتب.
-117إحاطة النصوص حبكر مجهور ا وادث:
االستقامة (.)14 – 6/1
جمموع الفتاوى (.)289 – 280/19
إعالم املوقعني (.)350 – 332/1
-118حكر اتباع الظن:
جمموع الفتاوى (.)125 – 110/13
-119ال د على من قال :إن الفقه من اب الظنون:
االستقامة (.)69 – 47/1
جمموع الفتاوى (.)127 – 117/13
-120ال د على من قال :إن نصوص الوحب ل تفيد اليقني:
الصواعق ( ،)794 – 633/2ذكر فيه ( )73وجهاً.
التنكيل للمعلمي (.)333 – 326/2
-121ال د على من قال :إ ا تعارض العقل والنقل وجب تقدمي العقل:
انظر ذلك تفصيالً يف كتاب "درء التعارض" البن تيمية ،وانظره فيه إمجاالً
(.)86 – 78/1
وجها.
الصواعق ( ،)1538/4 ،796/3ذكر فيه (ً )241
خمتصر الصواعق (.)178 – 83
التنكيل للمعلمي (.)325 – 313/2
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ثبت املصادر وامل اجع
الواردة يف اهلامش
569
570
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
آدا البح ــث واملن ــاظ ة :الشــيخ حمم ــد األمــني الش ــنقيطي (ت1393ﻫ)
شركة املدينة للطباعة والنشر جدة.
اإلابنة عن شريعة الفرقة الناجية وجمانبة الفـرق املذمومـة "اإلابنـة الكـربى" :ابـن
بطة (ت387ﻫ) حتقيق رضا معطي ،الطبعة األوىل ،دار الراية ،الرايض (1409ﻫ).
االبتهــاج بتخ ـريج أحاديــث املنهــاج :للغمــاري ،املطبــوع مــن منهــاج الوصــول
للبيضاوي ،علق عليه مسري اجملذوب ،الطبعة األوىل ،عامل الكتب (1405ﻫ).
إبطال االستحسان :اإلمام الشـافعي (ت204ﻫ) اسـتخرجه مـن كتـاب األم
علي سنان ،الطبعة األوىل ،دار القلم ،بريوت (1406ﻫ).
ابـ ـ ــن قدامـ ـ ــة وآاثره األص ـ ـ ـولية :الـ ـ ــدكتور عبـ ـ ــد العزيـ ـ ــز السـ ـ ــعيد ،الطبعـ ـ ــة الرابعـ ـ ــة
(1408ﻫ) من مطبوعات جامعة اإلمام حممد بن سعود اإلسالمية ابلرايض.
اإلحس ـ ـ ـ ــان يف تقري ـ ـ ـ ــب ص ـ ـ ـ ــحيح اب ـ ـ ـ ــن حب ـ ـ ـ ــان :ع ـ ـ ـ ــالء ال ـ ـ ـ ــدين الفارس ـ ـ ـ ــي
(ت739ﻫ) حتقي ـ ــق ش ـ ـ ـعيب األرًنؤوط ،الطبعـ ـ ــة األوىل ،مؤسسـ ـ ــة الرسـ ـ ــالة ،بـ ـ ــريوت
(1408ﻫ).
أحكــام أهــل الذمــة :ابــن القــيم (ت 751ﻫ) حتقيــق صــبحي الصــاحل ،الطبعــة
الثانية ،دار العلم للماليني ،بريوت (1401ﻫ).
اإلحكـ ــام يف أصـ ــول األحكـ ــام لآلمـ ــدي (ت 631ه ـ ــ) تعليـ ــق عبـ ــد الـ ــرزاق
عفيفي ،الطبعة الثانية ،املكتب اإلسالمي ،بريوت (1402ﻫ).
أحكــام القــرآن :لإلمــام الشــافعي (ت204ﻫ) مجعــه البيهقــي (ت458ﻫ)
عرف به وقدم له الكوثري ،وكتب هوامشه عبد الغين عبد اخلالق ،دار الكتب العلميـة،
بريوت (1400ﻫ).
اخ ــتالف احل ــديث :لإلم ــام الش ــافعي (ت204ﻫ) حتقي ــق حمم ــد أمح ــد عب ــد
العزيز ،الطبعة األوىل ،دار الكتب العلمية ،بريوت (1406ﻫ).
األربعــني النوويــة :للنــووي (ت676ﻫ) املطبــوع مــع شــرحه جــامع العلــوم واحلكــم
البن رجب ،انظر :جامع العلوم واحلكم من هذا الثبت.
أس ــاس البالغـ ــة :للزخمش ــري (ت538ﻫ) حتقيـ ــق عبـ ــد ال ــرحيم حممـ ــود ،الطبعـ ــة
األوىل ،مطبعة أوالد أورفاند (1372ﻫ).
االســتغناء يف أحكــام االســتثناء :للق ـرايف (ت682ﻫ) حتقيــق د.طــه حمســن،
مطبعة اإلرشاد بغداد1402( ،ﻫ) ،من مطبوعات وزارة األوقاف ابلعراق.
االستقامة :البن تيمية (ت728ﻫ) حتقيق د.حممد رشاد سامل ،الطبعة الثانية
(1409ﻫ) ،توزيع مكتبة السنة القاهرة.
االســتيعاب يف أمســاء األصــحاب :البــن عبــد الــرب (ت463ﻫ) املطبــوع مــع
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
571
اإلصابة ،دار الكتاب العريب ،بريوت.
اإلص ـ ــابة يف متيي ـ ــز الص ـ ــحابة :الب ـ ــن حج ـ ــر العس ـ ــقالن (ت851ﻫ) ومع ـ ــه
االستيعاب ،دار الكتاب العريب ،بريوت.
أض ـ ـواء البيـ ــان يف تفسـ ــري القـ ــرآن ابلقـ ــرآن :للشـ ــيخ حممـ ــد األمـ ــني الشـ ــنقيطي
(ت1393ﻫ) طبع وتوزيع اإلفتاء ابململكة العربية السعودية (1403ﻫ).
األعالم :للزركلي (ت1396ﻫ) الطبعة السابعة ،دار العلم للماليني ،بريوت
1986م.
إعــالم املــوقعني عــن رب العــاملني :الب ــن القــيم (ت751ﻫ) تعليــق طــه عب ــد
الرءوف سعد ،دار اجليل بريوت1973 ،م.
إغاثــة اللهفــان مــن مصــايد الشــيطان :البــن القــيم (ت751ﻫ) حتقيــق حممــد
حامد الفقي ،دار املعرفة ،بريوت.
اقتضاء الصراط املسـتقيم :البـن تيميـة (ت 728ﻫ) حتقيـق دً .نصـر العقـل،
الطبعة األوىل (1404ﻫ).
أهــل الســنة واجلماعــة "معــامل االنطالقــة الكــربى" :حملمــد عبــد اهلــادي املصــري،
الطبعة الثانية ،دار طيبة الرايض (1408ﻫ).
البحــر احملــيط يف أصــول الفقــه :للزركشــي (ت794ﻫ) ،حتريــر ومراجعــة عبــد
القادر العاين وعمر األشقر ،الطبعة الثانية ،وزارة األوقاف ابلكويت (1413ﻫ).
بدائع الفوائد :البن القيم (ت751ﻫ) دار الكتاب العريب ،بريوت.
بدايــة اجملته ــد وهناي ــة املقتص ــد :البــن رش ــد احلفي ــد (ت595ﻫ) تق ــدمي س ــيد
س ــابق ،ومراجع ــة عب ــد احلل ــيم حمم ــد عب ــد احلل ــيم ،وعب ــد ال ــرمحن حس ــن حمم ــود ،مطبع ــة
حسان القاهرة.
البدايــة والنهايــة :البــن كثــري (ت774ﻫ) حتقيــق د.أمحــد أيب ملحــم ومجاعــة،
الطبعة األوىل ،دار الكتب العلمية ،بريوت (1405ﻫ).
الب ــدر الطـ ــالع مبحاسـ ــن مـ ــن بع ــد القـ ــرن السـ ــابع :للشـ ــوكاين (ت1255ﻫ)
الطبعة األوىل ،مطبعة السعادة مبصر (1348ﻫ) الناشر دار املعرفة ،بريوت.
اتج الـ ـرتاجم :لقاس ــم ب ــن قطلوبغ ــا (ت879ﻫ) حتقي ــق حمم ــد خ ــري رمض ــان
يوسف ،الطبعة األوىل ،دار القلم دمشق (1413ﻫ).
اتريخ بغداد :للخطيب البغدادي (ت463ﻫ) دار الكتب العلميـة ،بـريوت،
توزيع دار الباز مبكة املكرمة.
أتويــل مشــكل القــرآن :البــن قتيبــة (ت276ﻫ) شــرحه ونشــره أمحــد صــقر،
الطبعة الثانية ،دار الرتاث القاهرة (1393ﻫ).
572
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
حتفـة الطالــب مبعرفـة أحاديــث خمتصـر ابــن احلاجـب :البــن كثــري (ت774ﻫ)
حتقيق عبد الغين الكبيسي ،الطبعة األوىل ،دار حراء مبكة املكرمة (1406ﻫ).
خت ـريج أحادي ــث خمتص ــر املنه ــاج يف أص ــول الفق ــه :للح ــافظ العراق ــي (ت804ﻫ)
حتقيق صبحي السامرائي ،مطبوعات دار الكتب السلفية ابلقاهرة.
تــدريب الـراوي يف شــرح تقريــب النـواوي :للســيوطي (ت911ﻫ) حتقيــق عبــد
الوهاب عبد اللطيف ،الطبعة الثانية ،دار الكتب احلديثة (1385ﻫ).
تسهيل املنطق :للشيخ عبد الكرمي بن مراد األثري ،دار مصر للطباعة.
التعريفـ ــات :للشـ ـريف اجلرجـ ــاين (ت816ﻫ) ضـ ــبطه مجاع ـ ــة مـ ــن العلم ـ ــاء،
الطبعة األوىل ،دار الكتب العلمية ،بريوت (1403ﻫ).
تفسـ ــري ابـ ــن كثـ ــري :تفسـ ــري القـ ــرآن العظـ ــيم :البـ ــن كثـ ــري (ت774ﻫ) تقـ ــدمي
د.يوسف املرعشلي ،الطبعة األوىل ،دار املعرفة ،بريوت (1407ﻫ).
التقريب لفقه ابن القيم :لبكر أبو زيد ،القسم األول ،دار اهلالل الرايض.
التقريــر والتحبــري :البــن أمــري احلــاج (ت861ﻫ) مصــورة عــن طبعــة بــوالق،
هبامشه هناية السول لألسنوي ،الطبعة الثانية ،دار الكتب العلمية ،بريوت (1403ﻫ).
التلخيص احلبري يف ختريج أحاديث الرافعي الكبري :البـن حجـر (ت851ﻫ)
بعناية عبد هللا مياين ،دار املعرفة ،بريوت (1384ﻫ).
التنكيل مبا يف أتنيب الكوثري من األابطيل :للمعلمي (ت1386ﻫ) حتقيق
األلباين ،الطبعة الثانية ،دار اإلفتاء ابململكة العربية السعودية (1403ﻫ).
هتــذيب األمســاء واللغــات :للنــووي (ت676ﻫ) إدارة الطباعــة املنرييــة ،الناشــر
دار الكتب العلمية ،بريوت.
تيسري التحرير علـى كتـاب التحريـر :ألمـري ابد شـاه (ت978ﻫ) دار الكتـب
العلمية ،بريوت.
تيس ــري الك ــرمي ال ــرمحن يف تفس ــري ك ــالم املن ــان :الب ــن س ــعدي (ت1376ﻫ)
حتقيق حممد زهري النجار ،طبع اإلفتاء ابململكة العربية السعودية (1404ﻫ).
جــامع البي ــان عــن أتوي ــل آي الق ــرآن :البــن جري ــر الط ــربي (ت310ﻫ) دار
الفكر ،بريوت (1405ﻫ).
جامع بيان العلم وفضله :البن عبد الرب (ت463ﻫ) تصـحيح إدارة الطباعـة
املنريية ،دار الكتب العلمية ،بريوت.
جـامع العلــوم واحلكـم يف شــرح مخسـني حــديثاً مـن جوامــع الكلـم :البــن رجــب
احلنبلي (ت795ﻫ) حتقيق شعيب األرًنؤوط وإبراهيم ابجس ،الطبعة الثانية ،مؤسسـة
الرسالة ،بريوت (1412ﻫ).
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
573
ج ـ ــالء األفه ـ ــام يف الص ـ ــالة والس ـ ــالم عل ـ ــى خ ـ ــري األًنم :الب ـ ــن ق ـ ــيم اجلوزي ـ ــة
(ت751ﻫ) الطبعة األوىل ،دار الكتـب العلميـة ،بـريوت (1405ﻫ) توزيـع دار البـاز
مبكة املكرمة.
مجاع العلم :لإلمام الشافعي (ت204ﻫ) حتقيق أمحد شاكر ،مكتبة ابن تيمية.
اجلواب الصحيح ملن بدل دين املسيح :البن تيمية (ت728ﻫ) مطابع اجملد.
اجل ـ ـواهر املض ــية يف طبق ــات احلنفي ــة :للقرش ــي (ت775ﻫ) حتقي ــق د .عب ــد
الفتاح احللو ،مطبعة عيسى البايب احلليب ،دار العلوم الرايض (1398ﻫ).
اجل ـ ــوهر املنض ـ ــد يف طبق ـ ــات مت ـ ــأخري أص ـ ــحاب أمح ـ ــد :الب ـ ــن عب ـ ــد اهل ـ ــادي
(ت909ﻫ) حتقيــق د .عبــد الــرمحن العثيمــني ،الطبعــة األوىل ،الناشــر مكتبــة اخلــاجني
ابلقاهرة (1407ﻫ).
حاشية الصبان على شرح األمشوين على ألفيـة ابـن مالـك :للصـبان (ت1206ﻫ)
معه شرح األمشوين وشرح الشواهد للعيين ،الناشر دار إحياء الكتب العربية.
احلج ـ ــة يف بيـ ـ ــان احملج ـ ــة وشـ ـ ــرح عقيـ ـ ــدة أه ـ ــل السـ ـ ــنة :لق ـ ـ ـوام السـ ـ ــنة األصـ ـ ــبهاين
(ت535ﻫ) حتقيـ ــق د .حممـ ــد ربيـ ــع وحممـ ــد أبـ ــو رحـ ــيم ،الطبعـ ــة األوىل ،دار الرايـ ــة ال ـ ـرايض
(1411ﻫ).
حقيقــة البدعــة وأحكامهــا :لســعيد بــن ًنصــر الغامــدي ،الطبعــة األوىل ،مكتبــة
الرشد ابلرايض (1412ﻫ).
احلكمــة والتعليــل يف أفعــال هللا تعــاىل :للــدكتور حممــد ربيــع املــدخلي ،الطبعــة
األوىل ،مكتبة لينة دمنهور1409( ،ﻫ).
خلــق أفعــال العبــاد والــرد علــى اجلهمي ـة وأصــحاب التعطيــل :لإلمــام البخــاري
(ت256ﻫ) حتقيـ ــق وتعليـ ــق حممـ ــد السـ ــعيد بـ ــن بسـ ــيوين ،مكتبـ ــة ال ـ ـرتاث اإلسـ ــالمي
ابلقاهرة.
درء االرتي ــاب ع ــن ح ــديث م ــا أًن علي ــه الي ــوم واألص ــحاب :لس ــليم اهل ــاليل،
الطبعة األوىل ،دار الراية الرايض (1410ﻫ).
درء تعــارض العقــل والنقــل :البــن تيميــة (ت728ﻫ) حتقيــق د .حممــد رشــاد
سامل ،الطبعة األوىل ،جامعة اإلمام حممد بن سعود اإلسالمية ابلرايض (1399ﻫ).
دراس ــات اترخيي ــة :لل ــدكتور أك ــرم العم ــري ،الطبع ــة األوىل1403( ،ﻫ) م ــن
مطبوعات اجمللس العلمي ابجلامعة اإلسالمية ابملدينة املنورة.
دفــع إيهــام االضــطراب عــن آايت الكت ـاب :للشــيخ حممــد األمــني الشــنقيطي
(ت1393ﻫ) املطب ـ ــوع م ـ ــع أضـ ـ ـواء البي ـ ــان "اجملل ـ ــد العاش ـ ــر" ،انظ ـ ــر :أضـ ـ ـواء البي ـ ــان
للشنقيطي من هذا الثبت.
574
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الديباج املـذهب يف معرفـة أعيـان علمـاء املـذهب :البـن فرحـون (ت799ﻫ)
ومعه نيل االبتهاج ،دار الكتب العلمية ،بريوت.
ذيل طبقات احلنابلة :البن رجب احلنبلي (ت795ﻫ) دار املعرفة بريوت.
رحل ـ ـ ـ ــة احل ـ ـ ـ ــج إىل بي ـ ـ ـ ــت هللا احل ـ ـ ـ ـرام :للش ـ ـ ـ ــيخ حمم ـ ـ ـ ــد األم ـ ـ ـ ــني الش ـ ـ ـ ــنقيطي
(ت1393ﻫ) الطبعة األوىل ،دار الشروق جدة (1403ﻫ).
الرســالة :لإلمــام الشــافعي (ت204ﻫ) حتقيــق أمحــد شــاكر ،املكتبــة العلميــة،
بريوت.
رســالة لطيفــة يف أصــول الفقــه :للشــيخ عبــد الــرمحن الســعدي (ت1376ﻫ)
الطبعة األوىل ،مكتبة ابن اجلوزي ،السعودية (1407ﻫ) املطبوعة مع منهج السالكني
بتصحيح وتعليق عبد هللا اجلار هللا.
الروح :البن القيم (ت751ﻫ) دار الكتب العلمية ،بريوت (1399ﻫ).
روضة احملبني ونزهـة املشـتاقني :البـن القـيم (ت751ﻫ) دار الكتـب العلميـة،
بريوت.
روضة الناظر وجنة املناظر :البن قدامة (ت620ﻫ) املطبوع مع نزهة اخلاطر
العاطر ،دار الكتب العلمية ،بريوت توزيع دار الباز مبكة املكرمة.
زاد املعاد يف هدي خري العباد :البن القيم (ت751ﻫ) حتقيق شعيب وعبد القادر
األرًنؤوط ،الطبعة الثالثة مؤسسة الرسالة ،مكتبة املنار اإلسالمية (1402ﻫ).
زاد امله ــاجر إىل رب ــه "الرس ــالة التبوكي ــة" :الب ــن الق ــيم (ت751ﻫ) تق ــدمي د.
حممد مجيل غازي ،دار املدين جدة1406( ،ﻫ).
ال ـزايدة عل ــى ال ــنص :لل ــدكتور س ــامل الثقف ــي ،الطبع ــة األوىل ،املطبع ــة الس ــلفية
القاهرة (1404ﻫ).
ال ـزايدة علــى الــنص حقيقتهــا وحكمهــا وأثــر ذلــك يف االحتجــاج ابلســنة اآلحاديــة
املستقلة ابلتشريع :للدكتور عمر بن عبد العزيز ،مطابع الرشيد املدينة املنورة.
سلســلة األحاديــث الصــحيحة وشــيء مــن فقههــا وفوائــدها :لأللبــاين ،الطبعــة
الثانية ،مكتبة املعارف الرايض (1407ﻫ).
سلس ــلة األحادي ــث الض ــعيفة واملوض ــوعة وأثره ــا الس ــيء يف األم ــة :لأللب ــاين،
الطبعة الثالثة ،املكتبة اإلسالمية عمان ومكتبة املعارف الرايض1406( ،ﻫ).
سنن ابن ماجه :لإلمام ابن ماجه (ت275ﻫ) حتقيق وترقيم حممد فؤاد عبـد
الباقي.
ســنن أيب داود :لإلمــام أيب داود السجســتاين (ت275ﻫ) تعليــق حممــد حمــي
الدين عبد احلميد ،دار الكتب العلمية ،بريوت.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
575
سنن البيهقي :السنن الكربى :لإلمام البيهقي (ت458ﻫ) ويف ذيلـه اجلـوهر
النقي ،الطبعة األوىل :صورة عن طبعة حيدر أابد ابهلند (1347ﻫ).
سنن الرتمذي :لإلمـام الرتمـذي (ت297ﻫ) حتقيـق وشـرح أمحـد شـاكر ومـن
معه ،دار إحياء الرتاث العريب.
ســنن الــدارمي :لإلمــام الــدارمي (ت255ﻫ) عنايــة حممــد أمحــد دمهــان ،دار
إحياء السنة النبوية ،دار الكتب العلمية ،بريوت.
ســنن النســائي :لإلمــام النســائي (ت303ﻫ) معــه شــرح الســيوطي وحاشــية
السندي ،املكتبة العلمية ،بريوت.
س ـ ــري أع ـ ــالم الن ـ ــبالء :لل ـ ــذهيب (ت748ﻫ) أش ـ ــرف عل ـ ــى التحقي ـ ــق وخ ـ ــرج
األحاديث شعيب األرًنؤوط ،الطبعة األوىل ،مؤسسة الرسالة ،بريوت (1405ﻫ).
الشافعي ،حياته وعصره ،آراؤه وفقهه :للشيخ حممد أيب زهرة ،دار الفكر العريب.
شــذرات الــذهب يف أخبــار مــن ذهــب :البــن العمــاد احلنبلــي (ت1089ﻫ)
دار إحياء الرتاث العريب ،بريوت.
شرح األمشوين على ألفية ابن مالك :لألمشـوين (900ﻫ) املطبـوع مـع حاشـية
الصبان ،انظر :حاشية الصبان من هذا الثبت.
شــرح أصــول اعتقــاد أهــل الســنة واجلماعــة :لاللكــائي (ت418ﻫ) حتقيــق د.
أمحد سعد محدان ،دار طيبة الرايض.
شرح السنة :لإلمام البغـوي (ت516ﻫ) حتقيـق األرًنؤوط وحممـد الشـاويش،
الطبعة األوىل ،املكتب اإلسالمي (1390ﻫ).
شــرح العضــد اإلجيــي علــى خمتصــر ابــن احلاجــب :لإلجيــي (ت756ﻫ) معــه
حاشية التفتازاين ،الطبعـة الثانيـة ،املطبعـة الكـربى األمرييـة ببـوالق ،دار الكتـب العلميـة،
بريوت (1403ﻫ).
شرح العقيدة الطحاوية :البن أيب العز احلنفي (ت792ﻫ) حققه مجاعة من
العلم ــاء وخ ــرج أحاديث ــه األلب ــاين ،الطبع ــة اخلامس ــة املكت ــب اإلس ــالمي (1399ﻫ)،
بريوت "طبع معه التوضيح".
شــرح الكوك ــب املنــري :الب ــن النج ــار الفتــوحي (ت972ﻫ) حتقي ــق د .حمم ــد
الزحيلي ونزيه محاد ،مركز البحث العلمي جبامعة أم القرى مبكة املكرمة.
شرح خمتصر الروضة :للطويف (ت716ﻫ) حتقيق د .عبد هللا الرتكـي ،الطبعـة
األوىل ،مؤسسة الرسالة ،بريوت (1409ﻫ).
شــرح النونيــة املســمى :توضــيح املقاصــد وتصــحيح القواعــد :للشــيخ أمحــد بــن
إبـ ـراهيم ب ــن عيس ــى (ت1329ﻫ) حتقي ــق زهـ ــري الش ــاويش ،الطبع ــة الثالث ــة ،املكتـ ــب
576
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اإلسالمي (1406ﻫ).
الش ـريعة :لآلجــري (ت360ﻫ) حتقيــق حممــد حامــد الفقــي ،الطبعــة األوىل،
دار الكتب العلمية ،بريوت (1403ﻫ).
ش ـ ــفاء العلي ـ ــل يف مس ـ ــائل القض ـ ــاء والق ـ ــدر واحلكم ـ ــة والتعلي ـ ــل :الب ـ ــن الق ـ ــيم
(ت751ﻫ) دار املعرفة ،بريوت.
ص ــحيح اب ــن حب ــان :الب ــن حب ــان (ت354ﻫ) انظ ــر :اإلحس ــان يف تقري ــب
صحيح ابن حبان للفارسي من هذا الثبت.
صــحيح البخــاري :لإلمــام البخــاري (ت256ﻫ) املطبــوع مــع فــتح البــاري،
ترقيم حممد فؤاد عبد الباقي وإشراف حمب الـدين اخلطيـب وتعليـق ابـن ابز ،دار املعرفـة،
بريوت.
صــحيح اجلــامع الصــغري وزايدتــه "الفــتح الكبــري" :لأللبــاين ،أشــرف علــى طبعــه
زهري الشاويش ،الطبعة الثانية ،املكتب اإلسالمي (1406ﻫ).
صحيح مسلم :لإلمام مسـلم (ت261ﻫ) املطبـوع مـع شـرح النـووي ،الطبعـة
الثانية ،دار إحياء الرتاث العريب ،بريوت (1392ﻫ).
الصفدية :البن تيمية (ت728ﻫ) حتقيق د .حممد رشاد سامل ،الطبعة الثانية
(1406ﻫ).
الصــواعق املرســلة علــى اجلهميــة واملعطلــة :البــن القــيم (ت751ﻫ) حتقيــق د.
علي الدخيل هللا ،الطبعة األوىل ،دار العاصمة الرايض (1408ﻫ).
صون املنطق والكالم عن فن املنطق والكـالم :للسـيوطي (ت911ﻫ) تعليـق
علــي ســامي النشــار ،طبــع معــه خمتصــر الســيوطي لكتــاب "نصــيحة أهــل اإلميــان يف الـرد
على منطق اليوًنن" البن تيمية ،دار الكتب العلمية ،بريوت.
طبقات احلنابلة :البن أيب يعلى (ت526ﻫ) دار املعرفة ،بريوت.
طبق ــات الش ــافعية :الب ــن قاض ــي ش ــهبة (ت851ﻫ) عناي ــة د .عب ــد العل ــيم
خان ،الطبعة األوىل ،عامل الكتب ،بريوت (1407ﻫ).
طبقــات الشــافعية الكــربى :البــن الســبكي (ت771ﻫ) الطبعــة الثانيــة ،دار
املعرفة ،بريوت.
طري ـ ــق اهلج ـ ـرتني وابب الس ـ ــعادتني :الب ـ ــن الق ـ ــيم (ت751ﻫ) دار الكت ـ ــب
العلمية ،بريوت.
عــدة الصــابرين وذخــرية الشــاكرين :البــن القــيم (ت751ﻫ) تصــحيح زك ـراي
علي يوسف ،دار الكتب العلمية ،بريوت.
العـ ــدة يف أصـ ــول الفقـ ــه :للقاض ـ ـي أيب يعلـ ــى (ت458ﻫ) حتقيـ ــق د .أمحـ ــد
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
577
املباركي ،الطبعة الثانية1410( ،ﻫ).
غاي ـ ــة امل ـ ـرام يف عل ـ ــم الك ـ ــالم :لآلم ـ ــدي (ت631ﻫ) حتقيـ ــق حس ـ ــن عب ـ ــد
اللطيف ،اجمللس األعلى للشئون اإلسالمية مبصر (1391ﻫ).
الفتــاوى الكــربى :البــن تيميــة (ت728ﻫ) حتقيــق حممــد عبــد القــادر عطــا،
ومصطفى عبد القادر عطا ،الطبعة األوىل ،دار الراين القاهرة (1408ﻫ).
الفـ ــروق :للقـ ـرايف (ت684ﻫ) وضـ ــع فهارسـ ــه حممـ ــد رواس قلعـ ــه جـ ــي ،دار
املعرفة ،بريوت.
الفصل يف امللل واألهواء والنحل :البن حـزم الظـاهري (ت456ﻫ) وهبامشـه
"امللل والنحل" للشهرستاين ،دار املعرفة ،بريوت (ت1403ﻫ).
الفقيــه واملتفقــه :للخطيــب البغــدادي (ت463ﻫ) تصــحيح وتعليــق إمساعيــل
األنصاري ،الطبعة الثانية ،دار الكتب العلمية ،بريوت (1400ﻫ).
الفوائــد :البــن القــيم (ت751ﻫ) علــق عليــه صــابر يوســف ،الطبعــة الرابعــة،
مكتبة القاهرة (1400ﻫ).
القاموس احمليط :للفريوزآابدي (ت817ﻫ) املؤسسة العربية للطباعة والنشـر،
بريوت.
القص ــيدة املس ــماة الكافي ــة الش ــافية يف االنتص ــار للفرق ــة الناجي ــة :الب ــن الق ــيم
(ت751ﻫ) دار املعرفــة ،بــريوت ،توزيــع دار البــاز مبكــة املكرمــة ،انظــر أيض ـاً" :شــرح
النونية" من هذا الثبت.
قواطـع األدلــة :البــن السـمعاين (ت489ﻫ) حتقيــق د .عبــد هللا احلكمــي ود.
علي عباس احلكمي ،الطبعة األوىل (1419ﻫ).
قواعــد األصــول ومعاقــد الفصــول :لصــفي الــدين احلنبلـي (ت739ﻫ) حتقيــق
د .علــي احلكم ــي ،الطبعــة األوىل (1409ﻫ) م ــن مطبوع ــات جامعــة أم الق ــرى مبك ــة
املكرمة.
القواعد احلسان لتفسري القرآن :البن سعدي (ت1376ﻫ) مطابع الصائغ الفنية.
القواعــد واألصــول اجلامعــة والفــروق والتقاســيم البديعــة النافعــة :البــن ســعدي
(ت1376ﻫ) مكتبة املعارف الرايض (1406ﻫ).
القواعــد والفوائــد األصـولية ومــا يتعلــق هبــا مــن األحكــام الفرعيــة :البــن اللحــام
(ت803ﻫ) حتقيــق حممــد حامــد الفقــي ،الطبعــة األوىل ،دار الكتــب العلميــة ،بــريوت
(1403ﻫ) نشر دار الباز مبكة املكرمة.
كشــف األس ـرار عــن أصــول فخــر اإلســالم البــزدوي :للبخــاري (ت730ﻫ)
دار الكتاب العريب ،بريوت (1394ﻫ).
578
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
كشـف الظنــون علــى أســامي الكتـب والفنــون :حلــاجي خليفــة (ت1067ﻫ)
دار الفكر (1402ﻫ).
الكفاي ــة يف عل ــم الرواي ــة :للخطي ــب البغ ــدادي (ت463ﻫ) حتقي ــق د .أمح ــد
عمر هاشم ،الطبعة الثانية ،دار الكتاب العريب ،بريوت (1406ﻫ).
الكلي ـ ـ ــات :للعك ـ ـ ــربي (ت1094ﻫ) مقابل ـ ـ ــة د .ع ـ ـ ــدًنن دروي ـ ـ ــش وحمم ـ ـ ــد
املصري ،الطبعة األوىل ،مؤسسة الرسالة ،بريوت (1412ﻫ).
لسان العرب :البن منظور (ت711ﻫ) دار صادر ،بريوت.
ملع ــة االعتق ـاد :الب ــن قدام ــة (ت620ﻫ) الطبع ــة الرابع ــة املكت ــب اإلس ــالمي
(1395ﻫ) ،بريوت.
لوامع األنوار البهية وسواطع األسرار األثرية شرح الدرة املضية يف عقيدة الفرقة
املرضــية :للســفاريين (ت1188ﻫ) مــع تعليقــات للشــيخ عبــد الــرمحن أاب بطــني والشــيخ
سليمان بن سحمان ،الطبعة الثانية ،املكتب اإلسالمي (1405ﻫ).
جمل ــة البح ــوث الفقهي ــة املعاص ــرة :الع ــدد األول ،الس ــنة األوىل :رمض ــان ،ذو
القعدة ،الرايض (1409ﻫ).
جملـ ــة اجلامعـ ــة اإلسـ ــالمية ابملدينـ ــة املنـ ــورة :السـ ــنة ( )16العـ ــدد ( )62ربيـ ــع
اآلخر ،مجادى األوىل ،مجادى اآلخرة (1404ﻫ) ،والسنة " "20العدد ()78 ،77
احملرم ،مجادى اآلخرة (1408ﻫ).
جمم ــل اللغ ــة :الب ــن ف ــارس (ت395ﻫ) حتقي ــق زه ــري عب ــد احملس ــن س ــلطان،
الطبعة األوىل ،مؤسسة الرسالة (1404ﻫ).
اجملم ــوع ش ــرح امله ــذب :للن ــووي (ت676ﻫ) مع ــه "ف ــتح العزي ــز" للرافع ــي،
و"التلخيص احلبري" البن حجر ،دار الفكر.
جمموعة الرسائل الكربى :البن تيميـة (ت728ﻫ) دار إحيـاء الـرتاث العـريب،
بريوت.
جمموع ــة الرس ــائل املنريي ــة :لع ــدد م ــن العلم ــاء ،مج ــع وتص ــحيح إدارة الطباع ــة
املنريية ،نشرت ألول مرة (1343ﻫ) دار إحياء الرتاث العريب ،بريوت.
جمموع الفتاوى :البن تيمية (ت728ﻫ) مجع وترتيـب عبـد الـرمحن بـن قاسـم
وابنه ،مكتبة النهضة احلديثة مبكة املكرمة (1404ﻫ).
احملجــة يف ســري الدجلــة :البــن رجــب (ت795ﻫ) حتقيــق حيــا خمتــار غـزاوي،
الطبعة الثانية ،دار البشائر اإلسالمية ،بريوت (1406ﻫ).
حمصــل أفكــار املتقــدمني واملتــأخرين مــن العلمــاء واحلكمــاء واملتكلمــني :للفخــر
الرازي (ت606ﻫ) تقدمي وتعليق د .مسيح دغيم ،دار الفكر اللبناين.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
579
خمتار الصحاح :للرازي (ت بعد 666ﻫ) ترتيـب حممـود خـاطر وحتقيـق محـزة
فتح هللا ،دار البصائر ،مؤسسة الرسالة ،بريوت (1405ﻫ).
خمتص ــر اب ــن اللح ــام :املختص ــر يف أص ــول الفق ــه :الب ــن اللح ــام (ت803ﻫ)
حتقيق د .حممد مظهر بقا ،مركز البحث العلمي جبامعة امللك عبد العزيز ،كلية الشـريعة
(1400ﻫ).
خمتص ـ ــر الصـ ـ ـواعق املرس ـ ــلة عل ـ ــى اجلهمي ـ ــة واملعطل ـ ــة :الب ـ ــن الق ـ ــيم (ت751ﻫ)
اختصره الشيخ حممد املوصلي ،الطبعة األوىل ،دار الكتب العلمية ،بريوت (1405ﻫ).
خمتصر املنتهى :البن احلاجب (ت646ﻫ) مطبوع مع "شرح العضد" انظر:
"شرح العضد" من هذا الثبت.
مـدارج السـالكني بــني منـازل إايك نعبـد وإايك نســتعني :البـن القــيم (ت751ﻫ)
راجــع النســخة جلنــة مــن العلمــاء إبشـراف الناشــر ،الطبعــة األوىل ،دار احلــديث ،القــاهرة
(1403ﻫ).
املدخل إىل مذهب اإلمـام أمحـد بـن حنبـل :البـن بـدران (ت1346ﻫ) قـدم
له أسامة الرفاعي ،مؤسسة دار العلوم ،بريوت.
م ــذكرة أص ــول الفق ــه :للش ــيخ حمم ــد األم ــني الش ــنقيطي (1393ﻫ) املكتب ــة
السلفية ابملدينة املنورة.
مسائل اإلمام أمحد روايـة ابنـه عبـد هللا :حتقيـق ودراسـة د .علـي املهنـا ،الطبعـة
األوىل ،مكتبة الدار ابملدينة املنورة (1406ﻫ).
املســائل اخلمس ــون يف أصــول ال ــدين :للفخــر ال ـرازي (ت606ﻫ) حتقي ــق د.
أمحد حجازي السقا ،الطبعة األوىل ،املكتب الثقايف ،مصر (1989م).
املس ـ ــتدرك عل ـ ــى الصـ ـ ــحيحني :للح ـ ــاكم (ت405ﻫ) ويف ذيلـ ـ ــه "تلخـ ـ ــيص
املستدرك" للذهيب ،دار الفكر ،بريوت.
املستص ــفى :للغـ ـزايل (ت505ﻫ) حتقي ــق حمم ــد مص ــطفى أيب الع ــال ،مكتب ــة
اجلندي ،مصر.
مسـ ــند اإلم ـ ــام أمح ـ ــد :لإلم ـ ــام أمح ـ ــد (ت240ﻫ) هبامش ـ ــه "منتخ ـ ــب كن ـ ــز
العمال" ،دار صادر ،بريوت.
املســودة يف أصــول الفقــه :آلل تيميــة ،مجــع أمحــد بــن حممــد احلـراين (ت745ﻫ)
حتقيق حممد حمي الدين عبد احلميد ،مطبعة املدين ،القاهرة.
املص ــاحل املرس ــلة :للش ــيخ حمم ــد األم ــني الش ــنقيطي (ت1393ﻫ) الطبع ــة األوىل
(1410ﻫ) من مطبوعات مركز شئون الدعوة ابجلامعة اإلسالمية ابملدينة املنورة.
املصــباح املنــري يف غريــب الشــرح الكبــري :للفيــومي (770ﻫ) املكتبــة العلميــة،
580
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
بريوت.
معارج القبـول بشـرح سـلم الوصـول إىل علـم األصـول :للشـيخ حـافظ احلكمـي
(ت1377ﻫ) ق ــدم ل ــه أمح ــد ب ــن ح ــافظ احلكم ــي ،الطبع ــة الثالث ــة ،املطبع ــة الس ــلفية
ابلقاهرة (1404ﻫ).
املعتــرب يف خت ـريج أحاديــث املنهــاج واملختصــر :للزركشــي (ت794ﻫ) حتقيــق
محدي السلفي ،الطبعة األوىل ،دار األرقم الكويت1404( ،ﻫ).
املعتمــد يف أصــول الفقــه :للبصــري (ت436ﻫ) تقــدمي خليــل املــيس ،الطبعــة
األوىل ،دار الكتب العلمية ،بريوت (1403ﻫ).
معج ــم امل ـؤلفني :لعم ــر كحال ــة ،مكتب ــة املث ــىن ،ب ــريوت – ودار إحي ــاء ال ـرتاث
العريب ،بريوت.
املعجــم الوســيط :إخـراج د .إبـراهيم أنــيس ومجاعــة ،الطبعــة الثانيــة ،مطــابع دار
املعارف مبصر1393( ،ﻫ) توزيع دار الباز مبكة املكرمة.
املغــين :البــن قدامــة (ت620ﻫ) حتقيــق د .عبــد هللا الرتكــي ود .عبــد الفتــاح
احللو ،الطبعة األوىل ،هجر مبصر (1408ﻫ).
مفتــاح دار الســعادة ومنشــور واليــة العلــم واإلرادة :البــن القــيم (ت751ﻫ)
مكتبة حممد علي صبيح ،مصر ،دار العهد اجلديد.
مفتــاح العلــوم :للســكاكي (ت626ﻫ) ضــبطه وشــرحه نعــيم زرزور ،الطبعــة
األوىل ،دار الكتب العلمية ،بريوت (1403ﻫ).
مفهوم أهل السنة واجلماعة عند أهل السـنة واجلماعـة :للـدكتور ًنصـر العقـل،
دار الوطن الرايض.
مقدمة ابن خلدون :البن خلدون (ت808ﻫ) دار الفكر.
مقدمة أضواء البيان :للشيخ عطية حممـد سـامل ،انظـر" :أضـواء البيـان" للشـيخ
الشنقيطي من هذا الثبت.
مقدمــة تيســري الكــرمي الــرمحن يف تفســري كــالم املنــان :بقلــم أحــد تالميــذ الشــيخ
عبد الرمحن السعدي تتضمن ترمجة الشيخ ،انظر" :تيسـري الكـرمي الـرمحن" للسـعدي مـن
هذا الثبت.
مقدمة الرسالة :للشيخ أمحد شاكر ،انظر :كتاب "الرسالة" للشافعي من هذا
الثبت.
مقدمة املـدخل إىل مـذهب اإلمـام أمحـد :ألسـامة عبـد الكـرمي الرفـاعي ،انظـر:
"املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد" البن بدران من هذا الثبت.
مقدمة املذكرة :للشيخ عطية حممد سامل ،انظر" :مـذكرة أصـول الفقـه" للشـيخ
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
581
حممد األمني الشنقيطي من هذا الثبت.
مقدمــة املســودة :حملمــد حمــي الــدين عبــد احلميــد ،انظــر" :املســودة" آلل تيميــة
من هذا الثبت.
مقدمــة معــارج القبــول :ألمحــد بــن حــافظ احلكمــي ،انظــر" :معــارج القبــول"
للشيخ حافظ احلكمي من هذا الثبت.
امللل والنحل :للشهرستاين (ت548ﻫ) مطبوع هبامش "الفصل" البن حزم،
انظر" :الفصل" البن حزم من هذا الثبت.
مناق ـ ــب الش ـ ــافعي :للفخ ـ ــر ال ـ ـرازي (ت606ﻫ) حتقي ـ ــق د .أمح ـ ــد حج ـ ــازي
السقا ،الطبعة األوىل ،مكتبة الكليات األزهرية ،القاهرة (1406ﻫ).
منــع جـواز اجملــاز يف املنــزل للتعبــد واإلعجــاز :للشــيخ حممــد األمــني الشــنقيطي
(ت1393ﻫ) مطبــوع مــع "أضـواء البيــان" (اجمللــد العاشــر) انظــر" :أضـواء البيــان" مــن
هذا الثبت.
املنه ــاج :منه ــاج الوص ــول يف معرف ــة عل ــم األص ــول :للبيض ــاوي (ت685ﻫ)
املطبوع مع "االبتهاج" ،انظر" :االبتهاج" للغماري من هذا الثبت.
منهــاج الســنة النبويــة :البــن تيميــة (ت728ﻫ) حتقيــق د .حممــد رشــاد ســامل،
الطبعة الثانية (1409ﻫ) مكتبة ابن تيمية القاهرة.
منهج االستدالل على مسائل االعتقاد عند أهل السنة واجلماعة :لعثمان بـن
علي بن حسن ،الطبعة األوىل ،مكتبة الرشد ،الرايض (1412ﻫ).
منهج ِ
األشـاعرة يف العقيـدة "تعقيبـات علـى مقـاالت الصـابوين" للـدكتور سـفر
احلوايل ،مطبوع ضمن جملة اجلامعة اإلسالمية ابملدينـة املنـورة العـدد (( )62مـن صـفحة
65إىل صفحة )104انظر :جملة اجلامعة اإلسالمية من هذا الثبت.
م ـ ـ ــنهج التش ـ ـ ـريع اإلس ـ ـ ــالمي وحكمت ـ ـ ــه :للش ـ ـ ــيخ حمم ـ ـ ــد األم ـ ـ ــني الش ـ ـ ــنقيطي
(ت1393ﻫ) الطبعــة الثانيــة ،مــن مطبوعــات مركــز شــئون الــدعوة ابجلامعــة اإلســالمية
ابملدينة املنورة.
املنية واألمل :للقاضي عبد اجلبار (ت415ﻫ) مجعه أمحد بن حيا املرتضى،
حتقيـ ـ ـ ـ ـ ــق د .عصـ ـ ـ ـ ـ ــام الـ ـ ـ ـ ـ ــدين حممـ ـ ـ ـ ـ ــد علـ ـ ـ ـ ـ ــي ،دار املعرفـ ـ ـ ـ ـ ــة اجلامعيـ ـ ـ ـ ـ ــة اإلسـ ـ ـ ـ ـ ــكندرية
(1985م).
املواقف يف علم الكالم :لإلجيي (ت756ﻫ) عامل الكتب ،بريوت ،دار الباز
مكة املكرمة.
النبوات :البن تيمية (728ﻫ) دار الكتب العلمية ،بريوت (1405ﻫ).
نزهــة اخلــاطر العــاطر :البــن بــدران (ت1346ﻫ) مطبــوع مــع الروضــة انظــر:
582
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
"روضة الناظر" البن قدامة من هذا الثبت.
النشر يف القـراءات العشـر :البـن األثـري اجلـزري (ت833ﻫ) حتقيـق د .حممـد
سامل حميسن ،مكتبة القاهرة مبصر.
الــنقص م ــن الــنص :لل ــدكتور عمــر عب ــد العزيــز ،مطب ــوع ضــمن جمل ــة اجلامع ــة
اإلسالمية ابملدينة املنورة ،العدد (( )78 ،77من صفحة 9إىل صفحة )101انظر:
جملة اجلامعة اإلسالمية من هذا الثبت.
هناي ــة الس ــول يف ش ــرح منه ــاج األص ــول :لألس ــنوي (ت772ﻫ) مع ــه "س ــلم
الوصول" للمطيعي ،عامل الكتب.
النهايــة يف غريــب احلــديث واألثــر :البــن األثــري اجلــزري (ت606ﻫ) حتقيــق
حممود الطناحي وطاهر الزواوي ،الناشر أنصار السنة احملمدية ابكستان.
نيـ ــل األوطـ ــار شـ ــرح منتقـ ــى األخبـ ــار :للشـ ــوكاين (ت1255ﻫ) مكتبـ ــة دار
الرتاث ،القاهرة.
وجــوب لــزوم اجلماعــة وتــرك التفــرق :جلمــال بــن أمحــد بــن بشــري ابدي ،الطبعــة
األوىل ،دار الوطن ،الرايض (1412ﻫ).
وسيلة احلصول إىل مهمات األصول :للشيخ حافظ احلكمي (ت1377ﻫ)
مكتبة ابن تيمية القاهرة ،مطبوع ضمن "جمموع بقلم حافظ احلكمي".
وفي ــات األعي ــان وأنب ــاء أبن ــاء الزم ــان :الب ــن خلك ـان (ت681ﻫ) حتقي ــق د.
إحسان عباس ،دار صادر ،بريوت.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفهاري
أولً :فه ي اآلَيي الق آنية الك مية.
اثنيًا :فه ي األحاديث النبوية الش يفة.
اثلثًا :فه ي األعالم املرتجر هلر.
انعا :فه ي الكتب املع ف هبا.
رً
خامسا :فه ي املصطلحاي األصولية املش وحة.
ً
سادسا :الفه ي التفصيلب للمسائل األصولية.
ً
سانعا :فه ي احملتوَيي.
ً
583
584
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أوال :فهرس اآليات القرآنية الكريمة
اآلية
رقر اآلية
(سورة الفاحتة)
ِِ
ني
1ا َْ ْم ُد ََّّلل َر ِ ال َْعالَ ِم َ
ك يـوِم ِ
ِِ
الدي ِن
َ 3مال َ ْ
(سورة البق ة)
3الَّ ِذين يـ ْؤِمنُو َن ِابلْغَي ِ ِ
الصال َة
يمو َن َّ
ْ
َُ
ب َويُق ُ
ِ
َّ ِ
ِ
ِ
ِ
ك
ين يـُ ْؤمنُو َن مبَا أُنْ َل إلَْي َ
َ 4والذ َ
22الَّ ِذي جعل لَ ُكر األر ِ
السم ِ
اء
ََ َ ُ ْ َ
اء ننَ ً
ض ف َا ًشا َو َّ َ َ
ِ
األر ِ
ض َمج ًيعا
َ 29خلَ َق لَ ُك ْر َما ِيف ْ
اء ُكلَّ َها
َد َم ْ
َ 31و َعلَّ َر آ َ
األْسَ َ
32سبحانَ َ ِ
ْر لَنَا إِل َما َعلَّ ْمَتـنَا
ُْ َ
ك ل عل َ
ِ
ِ
ِ
ِ
سوا ا َْ َّق ابلْبَاطل َوتَ ْكتُ ُموا ا َْ َّق
َ 42ول تَـ ْلب ُ
67إِ َّن َّ
اَّللَ َأي ُْم ُُك ْر أَ ْن تَ ْذ َحبُوا نَـ َق َ ًة
ِ
ال
يل َوِمي َك َ
َ 98وج ِْرب َ
106ما نَـْنس ْخ ِمن آَي ٍة أَو نـُْن ِسها ََن ِ
ْي ِخبٍَْْي ِمْنـ َها أ َْو ِمثْلِ َها
َ َ ْ َ ْ َ
111
124
135
143
143
144
()1
الصفحة
415
415
381
381
199
310
371
514
381
386
381
،255 ،252
،258 ،256
262 ،260
214
224
224
161
ص َارى
َ وقَالُوا لَ ْن يَ ْد ُخ َل ا ْجلَنَّ َة إِل َم ْن َكا َن ُه ً
ودا أ َْو نَ َ
وإِ ِ انـَتـلَى إِنـ ِاهير رنُّهُ نِ َكِلم ٍ
اي فَأََمتَُّه َّن
َ
َ ْ َْ َ َ
ص َارى تَـ ْهتَ ُدوا
َ وقَالُوا ُكونُوا ُه ً
ودا أ َْو نَ َ
ك َج َعلْنَا ُك ْر أ َُّمةً َو َسطًا
َ وَك َذلِ َ
ت َعلَْيـ َها إِل لَِنـ ْعلَ َر َم ْن يَـتَّبِ ُع
َ وَما َج َعلْنَا ال ِْقْبـلَ َة الَِّيت ُكْن
َ
254 ،200
ول
ال َّ ُس َ
261
ك َشطَْ ال َْم ْس ِج ِد ا ََْ ِام
فَـ َوِل َو ْج َه َ
( )1مرتبة حسب ورودها يف املصحف الشريف.
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
رقر اآلية
148
150
159
173
183
اآلية
585
الصفحة
اخلَْيـ ِ
فَ ْ ِ
400
اي
استَب ُقوا ْ َ
لِئَال يَ ُكو َن لِلن ِ
253
َّاي َعلَْي ُك ْر ُح َّجةٌ
إِ َّن الَّ ِذين ي ْكتُمو َن ما أَنْـ لْنَا ِمن الْبـيِنَ ِ
506
اي َوا ْهلَُدى
ََ ُ َ َ َ َ
ِ
ِ
ِ
إََِّّنَا َح َّ َم َعلَْي ُك ُر ال َْمْيـتَةَ َو َّ
الد َم َو َْ َر ْ
441
اخلْن ي
َّ ِ
ِ
ِ
261 ،225 ،200
ام
ب َعلَْي ُك ُر الصيَ ُ
ين آ ََمنُوا ُكت َ
ََ ي أَيـُّ َها الذ َ
،184
ُخ َ
185فَِع َّدةٌ ِم ْن أ َََّيٍم أ َ
184و َعلَى الَّ ِذ ِ
ِ
ام ِم ْس ِك ٍ
ني
ين يُطي ُقونَهُ ف ْديَةٌ طََع ُ
َ
َ
ِ
ِ
َّ
ص ْمهُ
185فَ َم ْن َشه َد مْن ُك ُر الش ْه َ فَـلْيَ ُ
185يُِي ُد َّ
اَّللُ نِ ُك ُر الْيُ ْس َ َول يُ ِي ُد نِ ُك ُر ال ُْع ْس َ
ِ
وه َّن
187فَاآل َن َابش ُ ُ
196وأَِمتُّوا ا ْ َّج والْعم َة َِِّ
َّلل
َ
َ َ َُْ
ٍ
ِ
ِ
ِ
ٍ
ِ
ام ثَالثَة أ َََّيم يف ا َْ ِج َو َسْبـ َعة إ َا َر َج ْعتُ ْر
196فَصيَ ُ
ش َةٌ َك ِاملَةٌ
ْك َع َ
196تِل َ
َ 197وَما تَـ ْف َعلُوا ِم ْن َخ ٍْْي يَـ ْعلَ ْمهُ َّ
اَّللُ
208ا ْد ُخلُوا ِيف ِ
السل ِْر َكافَّةً
221ول تَـْن ِكحوا الْم ْش َِك ِ
اي
ُ ُ
َ
ِ
ِ
ك َع ِن ال َْمحيض
َ 222ويَ ْسأَلُونَ َ
222قُ ْل ُه َو أَ ًى
وه َّن َح َّىت يَط ُْه ْ َن
َ 222ول تَـ ْق َنُ ُ
230فَال َِحت ُّل لَهُ ِم ْن نَـ ْع ُد َح َّىت تَـْن ِك َح َزْو ًجا غَْيـ َهُ
ق إِل ُو ْس َع َها
233ل تُ َكلَّ ُ
ف نَـ ْف ٌ
238حافظوا على الصالة والصالة الوسطى
َّ 255
وم
اَّللُ ل إِلَ َه إِل ُه َو ا َْ ُّب الَْقيُّ ُ
255ول ُِحييطُو َن نِ َ ٍ ِ ِ ِ ِ ِ ِ
اء
َ
ش ْبء م ْن علْمه إل مبَا َش َ
ِ
اء فَـ ُه َو َخْيـٌ لَ ُك ْر
وها َوتُـ ْؤتُ َ
َ 271وإ ْن َُتُْف َ
وها الْ ُف َق َ َ
َح َّل َّ
اَّللُ الَْبـْي َع َو َح َّ َم ال َِاب
َ 275وأ َ
439
258 ،253
253
358 ،340
261
405
442 ،439
348
417
401
430
511
511 ،202
430
455
337
381
287
417
376
260 ،134
586
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
رقر اآلية
ف َّ
سا إِل ُو ْس َع َها
286ل يُ َكِل ُ
اَّللُ نَـ ْف ً
(سورة آل عم ان)
ك ال ِ
اي
ي ُْو َك َم ٌ
ْكتَا َ ِمْنهُ آ َََي ٌ
ُ 7ه َو الَّ ِذي أَنْـ َ َل َعلَْي َ
َ 7وَما يَـ ْعلَ ُر َأتْ ِويلَهُ إِل َّ
اَّللُ
7وال َّ ِ
خو َن ِيف ال ِْعل ِْر يَـ ُقولُو َن آ ََمنَّا نِِه ُكلٌّ ِم ْن ِعْن ِد َرنِنَا
اس ُ
َ
18
32
97
105
110
133
137
159
173
185
187
10
11
23
23
25
27
الصفحة
337
105
108 ،105
،268 ،105
389
287
َ ش ِه َد َّ
اَّللُ أَنَّهُ ل إِلَ َه إِل ُه َو
قل أ ِ
اَّلل وال سول فِإن تـولَّوا فِإ َّن َّ
َطيعوا َّ
اَّلل ل ِحيب
ُ ْ ِ ِ ُ َ َ َّ ُ َ َ ْ َ َ ْ َ َ ُ ُّ 498 ،120
ين
الْ َكاف َ
،338 ،247
وَِِّ
َّاي ِح ُّج الْبـْي ِ
َّلل َعلَى الن ِ
،351 ،340
اع إِلَْي ِه َسبِيال
استَطَ َ
ت َم ِن ْ
َ
َ
430
اء ُه ُر
ين تَـ َف َّقُوا َوا ْخَتـلَ ُفوا ِم ْن نَـ ْع ِد َما َج
َ ول تَ ُكونُوا َكالَّ ِذ
َ
َ
476
اي
الَْبـيِنَ ُ
ت لِلن ِ
161
َّاي
ُ كْنـتُ ْر َخْيـ َ أ َُّم ٍة أُ ْخ ِ َج ْ
400
َ و َسا ِرعُوا إِ َىل َمغْ ِف َ ٍة ِم ْن َرنِ ُك ْر
قَ ْد َخلَ ْ ِ ِ
ِ
األر ِ
182
ض
ت م ْن قَـْبل ُك ْر ُسنَ ٌن فَسْيُوا ِيف ْ
510
األم ِ
َ و َشا ِوْرُه ْر ِيف ْ
َّ ِ
ال َهلُر الن ِ
413
َّاي قَ ْد َمجَعُوا لَ ُك ْر
الذ َ
َّاي إ َّن الن َ
ين قَ َ ُ ُ
ق َائَِقةُ الْمو ِ
ُ ك ُّل نَـ ْف ٍ
417
ي
َْ
َخ َذ ا ََّّلل ِميثَا َق الَّ ِذين أُوتُوا ال ِ
ْكتَا َ لَُتـَبـيُِنـنَّهُ لِلن ِ
506
َّاي َول تَكْتُ ُمونَهُ
َ وإِ ْ أ َ ُ
َ
(سورة النساء)
ال الَْيـتَ َامى ظُل ًْما إََِّّنَا َأيْ ُكلُو َن ِيف
إِ َّن الَّ ِذ
ين َأيْ ُكلُو َن أ َْم َو َ
َ
450 ،181
نُطُوهنِِ ْر َان ًرا
430
ي ِممَّا تَـ َ َك إِ ْن َكا َن لَهُ َولَ ٌد
لِ ُك ِل َوا ِح ٍد ِمْنـ ُه َما ُّ
الس ُد ُ
414
اع ِة
َخ َواتُ ُك ْر ِم َن ال َّ َ
َ وأ َ
ضَ
َ وَرَابئِبُ ُك ُر ِ
459
جوِرُك ْر
الاليت ِيف ُح ُ
ِمن فَـَتـياتِ ُكر الْم ْؤِمنَ ِ
430
اي
ْ َ ُ ُ
َ و َّ
402
اَّللُ يُ ِي ُد أَ ْن يَـتُو َ َعلَْي ُك ْر
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
587
اآلية
رقر اآلية
28يُِي ُد َّ
253
ف َعْن ُك ْر
اَّللُ أَ ْن ُخيَِف َ
29ل َأتْ ُكلُوا أَموالَ ُكر نـيـنَ ُكر ِابلْب ِ
134
اط ِل
ْ َ ْ َْ ْ َ
ِ
112
َح ٌد ِمْن ُك ْر ِم َن الْغَائِط
اء أ َ
43أ َْو َج َ
،120 ،72
ٍ
ِ
اَّلل وال َّ ُس ِ
ول
59فَِإ ْن تَـنَ َاز ْعتُ ْر ِيف َش ْبء فَـ ُدُّوهُ إِ َىل َّ َ
498 ،121
اع َّ
123
اَّللَ
َ 80م ْن يُ ِط ِع ال َّ ُس َ
ول فَـ َق ْد أَطَ َ
95 ،19
82أَفَال يَـتَ َدنـَّ ُو َن الْ ُق ْ َآ َن
،47 ،19
82ولَو َكا َن ِمن ِعْن ِد غَ ِْي َِّ
ِِ ِ ِ
ْيا
ْ
ْ
َْ
اَّلل لََو َج ُدوا فيه ا ْختالفًا َكث ً
268
ضل َِّ
اَّلل َعلَْي ُك ْر َوَر ْمحَتُهُ لتَّـَبـ ْعتُ ُر َّ
428
الشْيطَا َن إِل قَلِيال
َ 83ولَْول فَ ْ ُ
،436 ،428
ٍ ٍِ ِ
ص َّدقُوا
سلَّ َمةٌ إِ َىل أ َْهلِ ِه إِل أَ ْن يَ َّ
92فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَة ُم ْؤمنَة َوديَةٌ ُم َ
الصفحة
441 ،437
الص ِ
456
الة إِ ْن ِخ ْفتُ ْر
ص ُوا ِم َن َّ
اح أَ ْن تَـ ْق ُ
ق َعلَْي ُك ْر ُجنَ ٌ
101فَـلَْي َ
ِ
105إِ َّان أَنْـ لْنَا إِلَي َ ِ
ني الن ِ
اك َّ
105
اَّللُ
َّاي ِمبَا أ ََر َ
َ ْ
ك الْكتَا َ ِاب َِْق لتَ ْح ُك َر نَـ ْ َ
ِ
ِ
َ 113وأَنْـ َ َل َّ
118
ك الْكتَا َ َوا ْ ْك َم َة
اَّللُ َعلَْي َ
115
127
136
136
157
160
161
165
2
ني لَهُ ا ْهلَُدى َويَـتَّبِ ْع غَْيـ
ول ِم ْن نَـ ْع ِد َما تَـَبـ َّ
ش ِاق ِق ال َّ ُس َ
َ وَم ْن يُ َ
َ
َ
صْيا166 ،160
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
يم ِ
ِ
َّ
َسبِ ِ
ني نـُ َوله َما تَـ َوىل َونُ ْ
يل ال ُْم ْؤمن َ
َّر َو َس َ
اء ْ َ ً
صله َج َهن َ
ك ِيف النِ َس ِاء قُ ِل َّ
504
اَّللُ يُـ ْفتِي ُك ْر ِفي ِه َّن
يَ ْسَتـ ْفتُونَ َ
آَِمنوا ِاب َِّ
401
َّلل َوَر ُسولِِه
ُ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
َ وَم ْن يَ ْك ُف ْ اب ََّّلل َوَمالئ َكته َوُكتُبه َوُر ُسله َوالَْيـ ْوم اآلخ فَـقد
َ ْ 160
ضالل نَِعي ًدا
ض َّل َ
َ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
َّ
ِ
ٍ
78
اع الظ ِن
َ ما َهلُْر نه م ْن علْر إل اتبَ َ
ِ ِ َّ ِ
ادوا ح َّمنَا َعلَْي ِهر طَيِب ٍ
ت َهلُْر357 ،201
اي أ ُِحلَّ ْ
ين َه ُ َ ْ
ْ َ
فَبظُل ٍْر م َن الذ َ
201
َ وأَ ْخ ِذ ِه ُر ال َِاب َوقَ ْد نـُ ُهوا َعْنهُ
َّاي علَى َِّ
ِ
ِ
اَّلل ُح َّجةٌ ،342 ،328
ين لِئَال يَ ُكو َن لِلن ِ َ
ين َوُمْنذ ِر َ
ُ ر ُسال ُمبَش ِ َ
344
نَـ ْع َد ال ُّ ُس ِل
(سورة املائدة)
402 ،401 ،399
ادوا
اصطَ ُ
َ وإِ َا َحلَلْتُ ْر فَ ْ
588
رقر اآلية
3
5
6
6
6
32
38
48
48
48
48
67
67
79
89
89
98
101
102
105
19
106
108
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
الصفحة
،187 ،133
364
430
386 ،299
112
358
202 ،200
188
ْت لَ ُك ْر ِدينَ ُك ْر .....
الَْيـ ْوَم أَ ْك َمل ُ
اي ِمن الَّ ِذين أُوتُوا ال ِ
ْكتَا َ
َ وال ُْم ْح َ
صنَ ُ َ َ
َّ ِ
الصالةِ...
ين آ ََمنُوا إِ َا قُ ْمتُ ْر إِ َىل َّ
ََ ي أَيـُّ َها الذ َ
َح ٌد ِمْن ُك ْر ِم َن الْغَائِ ِط
اء أ َ
أ َْو َج َ
َ ما يُ ِي ُد َّ
اَّللُ لِيَ ْج َع َل َعلَْي ُك ْر ِم ْن َح َ ٍج
ِ
ِ ِ
يل
َج ِل َلِ َ
م ْن أ ْ
ك َكَتـْبـنَا َعلَى نَِِ إ ْس َائ َ
السا ِرقَةُ
السا ِر ُق َو َّ
َ و َّ
أَنْـ لْنَا إِلَي َ ِ
ص ِدقًا لِما نـني يدي ِه ِمن
َ ْ
ك الْكتَا َ ِاب َِْق ُم َ
َ َ ْ َ َ َ ْ َ 252
ِ
ال ِ
ِ
ْكتَا ِ َوُم َهْيمنًا َعلَْيه
ِ
اح ُك ْر نَـْيـَنـ ُه ْر ِمبَا أَنْـ َ َل َّ
224
اء ُه ْر
فَ ْ
اَّللُ َول تَـتَّب ْع أ َْه َو َ
ِ
ِ
ِ ِ
224
اجا
ل ُك ٍل َج َعلْنَا مْن ُك ْر ش ْ َعةً َومْنـ َه ً
اخلَْيـ ِ
فَ ْ ِ
400
اي
استَب ُقوا ْ َ
133
ك
ََ ي أَيـُّ َها ال َّ ُس ُ
ك ِم ْن َرنِ َ
ول نَـلِ ْغ َما أُنْ ِ َل إِلَْي َ
اَّلل يـ ْع ِ
ك ِم َن الن ِ
129
َّاي
ص ُم َ
َ و َُّ َ
ِ
341
ق َما َكانُوا يَـ ْف َعلُو َن
َ كانُوا ل يَـَتـنَ َاه ْو َن َع ْن ُمْن َك ٍ فَـ َعلُوهُ لَبْئ َ
فَ َك َّفارتُهُ إِطْعام َع َش ِة م ِ
376 ،293
ني
ساك َ
َ َُ َ ََ
ِ
442 ،441
ام ثَالثَِة أ َََّيٍم
فَصيَ ُ
اَّلل غَ ُف ِ
اَّللَ َش ِدي ُد ال ِْع َقا ِ َوأ َّ
ا ْعلَ ُموا أ َّ
َن َّ
88
ير
َن ََّ ٌ
ور َرح ٌ
َّ ِ
485 ،477
اء...
ين آ ََمنُوا ل تَ ْسأَلُوا َع ْن أَ ْشيَ َ
ََ ي أَيـُّ َها الذ َ
ِ ِ
ِ ِ
477
ين
قَ ْد َسأََهلَا قَـ ْوٌم م ْن قَـْبل ُك ْر َُّ أ ْ
َصبَ ُحوا هبَا َكاف ِ َ
398
س ُك ْر
َ علَْي ُك ْر أَنْـ ُف َ
(سورة األنعام)
وأ ِ
344 ،70
يل َه َذا الْ ُق ْ َآ ُن ألنْ ِذ َرُك ْر نِِه َوَم ْن نَـلَ َغ
ُوح َب إِ ََّ
َ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
499
ك
ك م ْن َرن َ
اتَّب ْع َما أُوح َب إلَْي َ
ون َِّ
ول تَسبُّوا الَّ ِذين ي ْدعُو َن ِمن ُد ِ
اَّلل فَـيسبُّوا َّ
اَّلل عدوا
ْ
َ َ
َ ُ
َ ُ َ َ ْ ً 241
نِغَ ِْْي ِعل ٍْر
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
589
اآلية
رقر اآلية
ُ 112ز ْخ َ ِ
341
ك َما فَـ َعلُوهُ
اء َرنُّ َ
ف الَْق ْول غُُ ً
ورا َولَْو َش َ
ُ
78
119وإن كثْيا ليضلوا أبهوائهر نغْي علر
76
َحَيـْيـنَاهُ
122أ ََوَم ْن َكا َن َمْيـتًا فَأ ْ
141وَآتُوا ح َّقهُ يـوم حص ِ
389
اد ِه
َ َ َْ َ َ َ
ِ
ِ
ِ
78
ني
صادق َ
143نَـبِئُ ِوين نِعل ٍْر إِ ْن ُكْنـتُ ْر َ
قل ل أجد يف ما أوحى إيل و ما على طاعر يطعمه إل أن
441 ،263
145
يكون ميتة أو دما مسفوحا
قُ ْل َه ْل ِعْن َد ُك ْر ِم ْن ِعل ٍْر فَـتُ ْخ ِ ُجوهُ لَنَا إِ ْن تَـتَّبِعُو َن إِل الظَّ َّن
78
148
صو َن
َوإِ ْن أَنْـتُ ْر إِل ََتُْ ُ
78
149قُ ْل فَِللَّ ِه ا ُْ َّجةُ الْبَالِغَةُ
151ول تَـ ْقتُـلُوا أَول َد ُكر ِمن إِ ْم ٍ
431
الق
ْ ْ ْ
َ
ِ
499
َ 155و َه َذا كِتَا ٌ أَنْـ َلْنَاهُ ُمبَ َارٌك فَاتَّب ُعوهُ
(سورة األع اف)
499 ،498
3اتَّبِعُوا َما أُنْ ِ َل إِلَْي ُك ْر ِم ْن َرنِ ُك ْر
ِ ِ ِِ ِ
498 ،492
اء
َ 3ول تَـتَّبعُوا م ْن ُدونه أ َْوليَ َ
287
ص َّوْرَان ُك ْر
َ 11ولََق ْد َخلَ ْقنَا ُك ْر َُّ َ
28إِ َّن َّ
331
ش ِاء
اَّللَ ل َأي ُْم ُ ِابلَْف ْح َ
ِ
ِ
ش َما ظََه َ مْنـ َها َوَما نَطَ َن َواإل َْ
قُ ْل إََِّّنَا َح َّ َم َرِ َ الَْف َواح َ
33والْبـغْب نِغَ ِْي ا ْ ِق وأَ ْن تُ ْش ُِكوا ِاب َِّ
َّلل َما َملْ يُـَنـ ِ ْل نِِه ُس ْلطَ ًاان َوأَ ْن 506
ََ َ ْ َ َ
تَـ ُقولُوا علَى َِّ
اَّلل َما ل تَـ ْعلَ ُمو َن
َ
ِ
198
ِ 39مبَا ُكْنـتُ ْر تَ ْكسبُو َن
54أَل لَهُ ْ
252
األم ُ
اخلَل ُ
ْق َو ْ
301
ض ُّ ًعا َو ُخ ْفيَ ًة
55ا ْدعُوا َرنَّ ُك ْر تَ َ
441 ،79
سنِ َها
145فَ ُخ ْذ َها نُِق َّوٍة َوأْ ُم ْ قَـ ْوَم َ
ك َأي ُ
ْخ ُذوا ِأب ْ
َح َ
ِ َّ ِ
340
ب ِم ْن َرهبِِ ْر
ين َّاَتَ ُذوا ال ِْع ْج َل َسَيـنَا ُهلُْر غَ َ
ضٌ
152إ َّن الذ َ
226
ت َعلَْي ِه ْر
ص َ ُه ْر َواأل ْغ َ
الل الَِّيت َكانَ ْ
َ 157ويَ َ
ض ُع َعْنـ ُه ْر إِ ْ
َّيب ِ
األم ِب الَّ ِذي يـ ْؤِمن ِاب َِّ
158فَآَِمنوا ِاب َِّ
َّلل َوَكِل َماتِِه 123
َّلل َوَر ُسولِِه النِ ِ
ُ
ُ ُ
الصفحة
590
رقر اآلية
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
َواتَّبِعُوهُ لَ َعلَّ ُك ْر تَـ ْهتَ ُدو َن
163واسأهلر عن الق ية اليت كانت حاض ي البح
ك نَـْبـلُ ُ ِ
س ُقو َن
َ 163ك َذلِ َ
وه ْر مبَا َكانُوا يَـ ْف ُ
13
65
66
67
5
6
31
39
60
100
103
120
121
122
15
15
الصفحة
241 ،111
،241 ،111
375
(سورة األنفال)
اَّللَ َوَر ُسولَهُ فَِإ َّن َّ
ش ِاق ِق َّ
160
اَّللَ َش ِدي ُد ال ِْع َقا ِ
َ وَم ْن يُ َ
ِ ِ
ِ
صانِ و َن يَـ ْغِلبُوا ِمائَـَتـ ْ ِ
253
ني
إ ْن يَ ُك ْن مْن ُك ْر ع ْش ُو َن َ ُ
ف َّ
253
اَّللُ َعْن ُك ْر
اآل َن َخ َّف َ
ِ
ِ
األر ِ
479
ض
َ ما َكا َن لنَِ ٍيب أَ ْن يَ ُكو َن لَهُ أ ْ
َس َى َح َّىت يُـثْخ َن ِيف ْ
(سورة التونة)
ِ
401
سلَ َخ األ ْش ُه ُ ا ُُْ ُم
فَإ َا انْ َ
وإِ ْن أَح ٌد ِمن الْم ْش ِكِ
الم
استَ َج َار َك فَأ َِج ْهُ َح َّىت يَ ْس َم َع َك
ني
ْ
َ
َ
َ َ َ ُ
404 ،102
َِّ
اَّلل
ون َِّ
َّ اَتَ ُذوا أَحبارُهر ورْهبانَـهر أَراباب ِمن ُد ِ
498
اَّلل
ْ َ َ ْ َ ُ َ ُ ْ َْ ً ْ
ِ
ِ
ِ
294
يما
إِل تَـْنف ُوا يُـ َعذنْ ُك ْر َع َذ ًااب أَل ً
اي لِْل ُف َق ِاء َوال َْمساكِ ِ
376
ني
إََِّّنَا َّ
َ
الص َدقَ ُ َ
السانُِقو َن َّ ِ
ِ
219
صا ِر
َ و َّ
ين َواألنْ َ
األولُو َن م َن ال ُْم َهاج ِ َ
ِ
ِِ
388
ص َدقَ ًة تُطَِه ُ ُه ْر َوتُـ َكِي ِه ْر ِهبَا
ُ خ ْذ م ْن أ َْم َواهل ْر َ
َ لِ
ك ِأبَنـَّ ُهر ل ي ِ
صةٌ ِيف
ب َول َخمْ َم
ص
صيبُـ ُه ْر ظَ َمأٌ َول ن
َ
َ
َ
َ
ٌ
ُ
ْ
298
يل َِّ
َسبِ ِ
اَّلل
ول يـْن ِف ُقو َن نَـ َف َق ًة ِ
ِ
298
ْيًة
َ
َ ُ
صغ َْيًة َول َكب َ
وما َكا َن الْم ْؤِمنُو َن لِيـْن ِف وا َكافَّ ًة فَـلَول نَـ َف ِمن ُك ِل ِف قَةٍ
ْ َ ْ
ََ
ْ
ُ
َ ُ
142
ِ
ِمْنـ ُه ْر طَائ َفةٌ
(سورة يونق)
وإِ َا تُـْتـلَى َعلَْي ِهر آََيتُـنَا نـيِنَ ٍ
اء َان
ين ل يَـ ْ ُجو َن لَِق
ال الَّ ِذ
اي قَ َ
ْ َ َ
َ
َ
َ
248
ت نُِق آ ٍ
ائْ ِ
َن غَ ِْْي َه َذا أ َْو نَ ِدلْهُ
ْ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
259 ،248
قُ ْل َما يَ ُكو ُن ِيل أَ ْن أُنَدلَهُ م ْن ت ْل َقاء نَـ ْفسب
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
591
اآلية
رقر اآلية
اء َّ
97
اَّللُ َما تَـلَ ْوتُهُ َعلَْي ُك ْر َول أَ ْد َرا ُك ْر نِِه
16قُ ْل لَْو َش َ
78
َ 36وَما يَـتَّبِ ُع أَ ْكثَـ ُ ُه ْر إِل ظَناا إِ َّن الظَّ َّن ل يُـغِِْ ِم َن ا َِْق َشْيـئًا
198
ِ 52مبَا ُكْنـتُ ْر تَ ْك ِسبُو َن
اءتْ ُك ْر َم ْو ِعظَةٌ ِم ْن َرنِ ُك ْر َو ِش َفاءٌ لِ َما ِيف
َّاي قَ ْد َج َ
ََ 57ي أَيـُّ َها الن ُ
363
الص ُدوِر
ُّ
ض ِل َِّ
363
ك فَـ ْلَيـ ْف َ ُحوا
58قُ ْل نَِف ْ
اَّلل َونَِ ْمحَتِ ِه فَبِ َذلِ َ
قُ ْل أ ََرأَيْـتُ ْر َما أَنْـ َ َل َّ
اَّللُ لَ ُك ْر ِم ْن ِرْزٍق فَ َج َعلْتُ ْر ِمْنهُ َح َ ًاما
310
59
َو َحالل
71فَأ ِْ
156
َمجعُوا أ َْم َ ُك ْر
(سورة هود)
ِ
105
ت آ َََيتُهُ
ُح ِك َم ْ
1كتَا ٌ أ ْ
ض إِل علَى َِّ
ِ ٍ
413
اَّلل ِرْزقُـ َها
األر ِ َ
َ 6وَما م ْن َدانَّة ِيف ْ
ِ
السمع وما َكانُوا يـْب ِ
338
ص ُو َن
ُ
َ 20ما َكانُوا يَ ْستَطيعُو َن َّ ْ َ َ َ
(سورة يوسف)
370
2إِ َّان أَنْـ َلْنَاهُ قُـ ْآ ًَان َع َنِياا
40إِ ِن ا ْ ْكر إِل َِِّ
286
َّلل أ ََم َ أَل تَـ ْعبُ ُدوا إِل إِ ََّيهُ
ُ ُ
ِ
ِ
ِ
286
ْت
67إِ ِن ا ُْ ْك ُر إِل ََّّلل َعلَْيه تَـ َوَّكل ُ
،113 ،112
اسأ َِل الَْق ْيَةَ
َ 82و ْ
447
111لََق ْد َكا َن ِيف قَص ِ
ص ِه ْر ِعْبـ َةٌ ِ
226
ألويل األلْبَا ِ
َ
(سورة ال عد)
363
ك ا َْ ُّق َك َم ْن ُه َو أَ ْع َمى
ك ِم ْن َرنِ َ
19أَفَ َم ْن يَـ ْعلَ ُر أَََّّنَا أُنْ ِ َل إِلَْي َ
36والَّ ِذين َآتَـيـنَاهر ال ِ
363
ك
ْكتَا َ يَـ ْف َ ُحو َن ِمبَا أُنْ ِ َل إِلَْي َ
َ َ ْ ُُ
103
ك أَنْـ َلْنَاهُ ُح ْك ًما َع َنِياا
َ 37وَك َذلِ َ
38ميَْ ُحوا َّ
261 ،259 ،252
ت
اَّللُ َما يَ َ
شاءُ َويُـثْبِ ُ
(سورة إن اهير)
ول إِل نِلِس ِ
4وَما أ َْر َسلْنَا ِم ْن ر ُس ٍ
103
ان قَـ ْوِم ِه
َ
َ
َ
الصفحة
592
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
رقر اآلية
(سورة ا ج )
9إِ َّان َْحنن نَـ َّلْنَا ِ
133 ،70
الذ ْك َ َوإِ َّان لَهُ ََ ِافظُو َن
ُ
76وإِنَّـ َها لَبِ
سبِ ٍ
226
يل ُم ِق ٍير
َ
َ
َ 79وإِنَّـ ُه َما لَبِِإ َم ٍام ُمبِ ٍ
226
ني
(سورة النحل)
459
14لِتَأْ ُكلُوا ِمْنهُ َْ ًما طَ ِاَي
43فَاسأَلُوا أ َْهل ِ
505 ،491
الذ ْك ِ إِ ْن ُكْنـتُ ْر ل تَـ ْعلَ ُمو َن
ْ
َ
ِ
ِ
ني للن ِ
425
َّاي َما نُـ ِ َل إِلَْي ِه ْر
44لتُـَبـِ َ
60وَِِّ
183
َّلل ال َْمثَ ُل األ ْعلَى
َ
ك ال ِ
425 ،201
ْكتَا َ تِْبـيَ ًاان لِ ُك ِل َش ْب ٍء
ي
ل
ع
ا
ْن
ل
ـ
ن
و
َّ
َ
َ ْ َ َ َ َ 89
260
َ 101وإِ َا نَ َّدلْنَا آَيًَة َم َكا َن آَيٍَة
ش لِ
سا ُن الَّ ِذي
َ ولََق ْد نَـ ْعلَ ُر أَنـَّ ُه ْر يَـ ُقولُو َن إََِّّنَا يُـ َعِل ُمهُ ن
َ
َ
ٌ
َ
104
103يـل ِ
ني
ْح ُدو َن إِلَْي ِه أَ ْع َج ِم ٌّب َو َه َذا لِ َسا ٌن َع َِ ٌّ ُمبِ ٌ
ُ
ِ
ِ
350
106إِل َم ْن أُ ْك َِه َوقَـلْبُهُ ُمط َْمئ ٌّن ِابإلميَان
115إََِّّنَا َح َّ َم َعلَْي ُك ُر ال َْمْيـتَ َة َو َّ
الد َم َو َْ َر ْ
441
اخلِْن ِي ِ
ف أَل ِ
ول تَـ ُقولُوا لِما تَ ِ
ْسَنـتُ ُك ُر الْ َك ِذ َ َه َذا َح ٌ
الل َو َه َذا
ص
ُ
َ
َ
355
116ح ام لِتـ ْفتـ وا علَى َِّ
اَّلل الْ َك ِذ َ
ََ ٌ َ َُ َ
(سورة اإلس اء)
ِ
344 ،342 ،328
ث َر ُسول
ني َح َّىت نَـْبـ َع َ
َ 15وَما ُكنَّا ُم َعذنِ َ
23فَال تَـ ُقل َهلما أ ٍ
452 ،450
ُف
ْ َُ
ِ
ِ
ِ
اح ُّ
112
الذل م َن ال َّ ْمحَة
َ 24وا ْخ ِف ْ
ض َهلَُما َجنَ َ
ف ما لَيق لَ َ ِِ ِ
492
ْر
ك نه عل ٌ
َ 36ول تَـ ْق ُ َ ْ َ
398
الصال َة
78أَقِ ِر َّ
(سورة الكهف)
ِ
287
ال
ْي ا ْجلِبَ َ
َ 47ويَـ ْوَم نُ َس ُ
112
ض
ِ 77ج َد ًارا يُ ِي ُد أَ ْن يَـْنـ َق َّ
َّ ِ
338
ت أَ ْعيُـنُـ ُه ْر ِيف ِغطَ ٍاء َع ْن ِ ْك ِي
ين َكانَ ْ
101الذ َ
الصفحة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
رقر اآلية
(سورة م مي)
ِ
الث لَيَ ٍ
ال َس ِواَي
َّاي ثَ َ
َ 10آيَـتُ َ
ك أَل تُ َكل َر الن َ
ج َعلَى قَـ ْوِم ِه ِم َن ال ِْم ْح َا ِ
11فَ َخ َ َ
(سورة طه)
ص ْد ِري
َ 25ر ِ ا ْش َ ْح ِيل َ
َ 26ويَ ِس ْ ِيل أ َْم ِي
ِ ِ
س ِاين
َ 27و ْ
احلُ ْل ُع ْق َد ًة م ْن ل َ
28يَـ ْف َق ُهوا قَـ ْوِيل
(سورة األنبياء)
7فَاسأَلُوا أ َْهل ِ
الذ ْك ِ إِ ْن ُكْنـتُ ْر ل تَـ ْعلَ ُمو َن
ْ
َ
َل َع َّما يَـ ْف َع ُل َو ُه ْر يُ ْسأَلُو َن
23ل يُ ْسأ ُ
ان ِيف ا ْ ِ
ود وسلَْيما َن إِ ْ َْحي ُكم ِ
ث
َْ
َ
َ 78و َد ُاو َ َ ُ َ
اها ُسلَْي َما َن َوُكال َآتَـْيـنَا ُح ْك ًما َو ِعل ًْما
َّمنَ َ
79فَـ َفه ْ
(سورة ا ج)
14إِ َّن َّ
اَّللَ يَـ ْف َع ُل َما يُِي ُد
78وما جعل َعلَي ُكر ِيف ِ
الدي ِن ِم ْن َح َ ٍج
ََ َ َ َ ْ ْ
(سورة املؤمنون)
5والَّ ِذين ُهر لُِف ِ
وج ِه ْر َح ِافظُو َن
َ َ ْ ُ
6إِل َعلَى أَ ْزو ِ
ت أَْميَانـُ ُه ْر
اج ِه ْر ْأو َما َملَ َك ْ
َ
68أَفَـلَ ْر يَ َّدنـَّ ُوا الَْق ْو َل
115أَفَ َح ِسْبـتُ ْر أَََّّنَا َخلَ ْقنَا ُك ْر َعَبـثًا
(سورة النور)
2ال انية وال اين فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة
4فَ ِ
ني َج ْل َد ًة
اجل ُد ُ
وه ْر ََانِ َ
ْ
ِ
َّ
ِ
ين َاتنُوا
5إل الذ َ
وه ْر إِ ْن َعِل ْمتُ ْر ِفي ِه ْر َخْيـ ًا
33فَ َكاتِبُ ُ
ِ
صِ
ال
سبِ ُح لَهُ ف َيها ِابلْغُ ُد ِو َواآل َ
36يُ َ
593
الصفحة
397
397
514
514
514
514
505 ،491
328 ،201
478 ،81
487 ،81
402
358
414
414
95
199
316 ،260
455 ،428
428
399
455
594
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
رقر اآلية
ال ل تُـ ْل ِهي ِهر ِجتَارةٌ ول نـيع عن ِ ْك ِ َِّ
ِ 37ر َج ٌ
455
اَّلل
ْ َ َ َْ ٌ َ ْ
َّ ِ
398 ،120
ين ُخيَالُِفو َن َع ْن أ َْم ِِه
63فَـلْيَ ْح َذ ِر الذ َ
(سورة الف قان)
ِ
ِِ ِ
ِ
70
ني نَ ِذي ًا
1تَـبَ َار َك الَّذي نَـ َّ َل الْ ُف ْقَا َن َعلَى َعْبده ليَ ُكو َن لل َْعالَ ِم َ
ِ ِ
ِ ِ
351
ورا
اء َمْنـثُ ً
َ 23وقَد ْمنَا إ َىل َما َعملُوا م ْن َع َم ٍل فَ َج َعلْنَاهُ َهبَ ً
(سورة الشع اء)
ِ
103
ني
يل َر ِ ال َْعالَ ِم َ
َ 192وإنَّهُ لََتـْن ِ ُ
ِ
ِِ
103 ،102
ني
وح األم ُ
193نَـ َ َل نه ال ُّ ُ
ِ
َ 194علَى قَـ ْلبِ َ ِ
ِ
103 ،102
ين
ك لتَ ُكو َن م َن ال ُْمْنذ ِر َ
ِِ ٍ
ان َع ٍِ ُمبِ ٍ
103
ني
195نل َس َ
ت نِِه َّ ِ
378
ني
َ 210وَما تَـَنـ َّلَ ْ
الشيَاط ُ
378
َ 211وَما يَـْنـبَ ِغب َهلُْر َوَما يَ ْستَ ِطيعُو َن
(سورة النمل)
423
ت ِم ْن ُك ِل َش ْب ٍء
َ 23وأُوتِيَ ْ
(سورة القصص)
342
ث ِيف أُِم َها َر ُسول
ك الْ ُق َى َح َّىت يَـْبـ َع َ
ك ُم ْهِل َ
َ 59وَما َكا َن َرنُّ َ
197
ار
ك َخيْلُ ُق َما يَ َ
َ 68وَرنُّ َ
شاءُ َوَخيْتَ ُ
(سورة العنكبوي)
ق َائَِقةُ الْمو ِ
ُ 57ك ُّل نَـ ْف ٍ
417
ي
َْ
(سورة ال وم)
ِ
ِ
ِ ِِ
199
اجا لِتَ ْس ُكنُوا إِلَْيـ َها
َ 21وم ْن آ َََيته أَ ْن َخلَ َق لَ ُك ْر م ْن أَنْـ ُفس ُك ْر أَ ْزَو ً
َّاي ِيف َه َذا الْ ُق آ ِ
ض َنْـنَا لِلن ِ
96
َن ِم ْن ُك ِل َمثَ ٍل
َ 58ولََق ْد َ
ْ
(سورة لقمان)
ْق َِّ
97
اَّلل
َ 11ه َذا َخل ُ
ِ
صالُهُ ِيف َع َام ْ ِ
447
ني
َ 14وف َ
يل َهلُُر اتَّبِعُوا َما أَنْـ َ َل َّ
اَّللُ قَالُوا نَ ْل نَـتَّبِ ُع َما َو َج ْد َان
َ وإِ َا ِق
َ
492
21
َعلَْي ِه آ ََاب َء َان
الصفحة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
595
اآلية
رقر اآلية
(سورة السجدة)
ِ
328
س َن ُك َّل َش ْب ٍء َخلََقهُ
7الَّذي أ ْ
َح َ
(سورة األح ا )
ول َِّ
21لََق ْد َكا َن لَ ُكر ِيف ر ُس ِ
123
سنَةٌ
اَّلل أ ْ
ْ َ
ُس َوةٌ َح َ
ِ
ٍ
ضى َّ
اَّللُ َوَر ُسولُهُ أ َْم ًا أَ ْن
َ وَما َكا َن لِ ُم ْؤِم ٍن َول ُم ْؤمنَة إِ َا قَ
َ
398 ،120
36
يَ ُكو َن َهلُُر ْ
اخلَِيـ َةُ ِم ْن أ َْم ِِه ْر
ول َِّ
252
ني
َ 40ولَ ِك ْن َر ُس َ
اَّلل َو َخ َامتَ النَّبِيِ َ
41ا ْ ُك وا َّ ِ ِ
301
ْيا
اَّللَ ْك ًا َكث ً
ُ
(سورة سبأ)
ك ِم ْن رنِ
ك ُه َو
ين أُوتُوا ال ِْعل َْر الَّ ِذي أُنْ ِ َل إِلَْي
َ ويَـ َى الَّ ِذ
َ
َ
َ
َ
363
6
ا َْ َّق
اك إِل َكافَّ ًة لِلن ِ ِ
252
ْيا َونَ ِذي ًا
َ 28وَما أ َْر َسلْنَ َ
َّاي نَش ً
(سورة فاط )
311
َ 24وإِ ْن ِم ْن أ َُّم ٍة إِل َخال ِف َيها نَ ِذيٌ
(سورة يق)
97
شأ ََها أ ََّو َل َم َّ ٍة
79قُ ْل ُْحييِ َيها الَّ ِذي أَنْ َ
(سورة الصافاي)
22اح ُ َّ ِ
192
اج ُه ْر
ْ
ين ظَلَ ُموا َوأَ ْزَو َ
ش ُوا الذ َ
ِ
254
ني
106إِ َّن َه َذا َهلَُو الْبَالءُ ال ُْمب ُ
137وإِنَّ ُكر لَتَم ُّو َن َعلَي ِهر م ِ
226
ني
ْ ُْ ْ
صبِح َ
َ ْ ُ
ِ
226
َ 138وِابللَّْي ِل أَفَال تَـ ْعقلُو َن
(سورة ص)
الصا ِ ِ
ين ِيف
اي َكال ُْم ْف ِس ِد
أ َْم ََْن َع ُل الَّ ِذ
ين آ ََمنُوا َو َع ِملُوا َّ
َ
َ
َ
331 ،199
28
ِ
األر ِ
ني َكالْ ُف َّجا ِر
ض أ َْم ََْن َع ُل ال ُْمتَّق َ
ْ
44و ُخ ْذ نِي ِد َك ِ
512
ث
ض ِ ْ نِِه َول َحتْنَ ْ
ض ْغثًا فَا ْ
َ َ
(سورة ال م )
ِ ِ
253
سا ٍ
10إََِّّنَا يـُ َوََّّف َّ
الصانُِو َن أ ْ
َج َ ُه ْر نغَ ِْْي ح َ
الصفحة
596
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
رقر اآلية
َّ ِ
79
سنَهُ
ين يَ ْستَ ِمعُو َن الَْق ْو َل فَـَيـتَّبِعُو َن أ ْ
18الذ َ
َح َ
105
ش ِاهبًا
23كِتَ ًااب ُمتَ َ
ِ
ِِ
ض َ َ َّ
192
سو َن
َ 29
اَّللُ َمثَال َر ُجال فيه ُش ََكاءُ ُمتَ َشاك ُ
79
س َن َما أُنْ ِ َل إِلَْي ُك ْر ِم ْن َرنِ ُك ْر
َ 55واتَّبِعُوا أ ْ
َح َ
60ويـوم ال ِْقيام ِة تَـ ى الَّ ِذين َك َذنوا علَى َِّ
506
وه ُه ْر ُم ْس َو َّدةٌ
َ ُ َ
اَّلل ُو ُج ُ
ََ ْ َ َ َ َ
ٍ
َّ 62
424 ،287
اَّللُ َخالِ ُق ُك ِل َش ْبء
(سورة فصلت)
ِ
ك تَـ ى األرض َخ ِ
ِ
182
اش َع ًة
َ 39وم ْن آ َََيتِه أَنَّ َ َ ْ َ
399
40ا ْع َملُوا َما ِشْئـتُ ْر
44ولَو جعلْنَاهُ قُـ آ ًَان أَ ْعج ِمياا لََقالُوا لَول فُ ِ
104
ت آ َََيتُهُ
صلَ ْ
َ
ْ
َ ْ ََ ْ
(سورة الشورى)
10وما ا ْختـلَ ْفتر ِف ِيه ِمن َشب ٍء فَح ْكمه إِ َىل َِّ
72
اَّلل
ْ ْ ُ ُُ
ََ َ ُ ْ
183
ق َك ِمثِْل ِه َش ْبءٌ
11لَْي َ
َّ 17
186
اَّللُ الَّ ِذي أَنْـ َ َل الْ ِكتَا َ ِاب َِْق َوال ِْمي َا َن
21أَم َهلر ُش َكاء َش عُوا َهلر ِمن ِ
الدي ِن َما َملْ َأيْ َ ْن نِِه َّ
318 ،310
اَّللُ
ْ ُْ َ ُ َ ُ ْ َ
(سورة األحقاف)
ِ
447
صالُهُ ثَالثُو َن َش ْه ًا
َ 15و َمحْلُهُ َوف َ
102
ك نَـ َف ًا ِم َن ا ْجلِ ِن يَ ْستَ ِمعُو َن الْ ُق ْ َآ َن
ص َ ْفـنَا إِلَْي َ
َ 29وإِ ْ َ
ِ ِ
ِ ِ
102
وسى
30إِ َّان َْس ْعنَا كتَ ًااب أُنْ ِ َل م ْن نَـ ْعد ُم َ
(سورة ومد)
398
ض ْ َ ال ِقَا ِ
4فَ َ
19فَا ْعلَ ْر أَنَّهُ ل إِلَ َه إِل َّ
88
ك
اسَتـ ْغ ِف ْ لِ َذنْبِ َ
اَّللُ َو ْ
95
24أَفَال يَـتَ َدنـَّ ُو َن الْ ُق ْ َآ َن
(سورة ق)
9ونَـ َّلْنا ِمن َّ ِ
198
اء ُمبَ َارًكا
الس َماء َم ً
َ َ َ
ِ
ٍ
198
َ 10والنَّ ْخ َل َابس َقاي
ِ 11رْزقًا لِل ِْعب ِ
198
اد
َ
الصفحة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
597
اآلية
رقر اآلية
(سورة الطور)
35أ َْم ُخِل ُقوا ِم ْن غَ ِْْي َش ْب ٍء أ َْم ُه ُر ْ
203
اخلَالُِقو َن
(سورة النجر )
269 ،134 ،69
َ 3وَما يَـْن ِط ُق َع ِن ا ْهلََوى
269 ،134 ،69
وحى
4إِ ْن ُه َو إِل َو ْح ٌب يُ َ
ِ
78
وها
23إِ ْن ه َب إِل أ َْْسَاءٌ َْسَّْيـتُ ُم َ
275 ،80 ،78
23إِ ْن يَـتَّبِعُو َن إِل الظَّ َّن
(سورة الواقعة)
378
77إِنَّهُ لَُق ْ َآ ٌن َك ِميٌ
ِ 78يف كِتَا ٍ م ْكنُ ٍ
378
ون
َ
378
سهُ إِل ال ُْمطََّه ُو َن
79ل ميََ ُّ
(سورة ا ديد)
اي وأَنْـ لْنَا معهر ال ِ
ِ ِ ِ
186
ْكتَا َ َوال ِْمي َا َن
25لََق ْد أ َْر َسلْنَا ُر ُسلَنَا ابلَْبـينَ َ َ َ َ ُ ُ
(سورة اجملادلة)
441 ،436 ،300
2فَـتَ ْح ِي ُ َرقَـبَ ٍة
4فَمن َمل يستَ ِطع فَِإطْع ِ
441
ني ِم ْس ِكينًا
ام ستِ َ
َ ْ َْْ ْ َ ُ
ِ
ام َش ْه يْ ِن ُمَتـتَانَِع ْ ِ
442 ،441 ،439
ني
4فَصيَ ُ َ
(سورة ا ش )
2فَا ْعتَِربُوا ََي أ ِ
192
صا ِر
ُويل األنْ َ
200
ني األ ْغنِيَ ِاء ِمْن ُك ْر
َ 7ك ْب ل يَ ُكو َن ُدولَ ًة نَـ ْ َ
147
ول فَ ُخ ُذوهُ
َ 7وَما آ ََات ُك ُر ال َّ ُس ُ
َ 18واتَّـ ُقوا َّ
401
اَّللَ
(سورة اجلمعة)
ودي لِ َّ ِ ِ ِ
ِ
ِ ِ
َّ ِ
اس َع ْوا299
لصالة م ْن يَـ ْوم ا ْجلُ ُم َعة فَ ْ
ين آ ََمنُوا إ َا نُ َ
ََ 9ي أَيُّـ َها الذ َ
(سورة التغانن)
اَّلل وأ ِ
ِ
401
ول
َطيعُوا ال َّ ُس َ
َ 12وأَطيعُوا ََّ َ
16فَاتَّـ ُقوا َّ
338 ،88
استَطَ ْعتُ ْر
اَّللَ َما ْ
الصفحة
598
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
رقر اآلية
(سورة الطالق)
َ 2وَم ْن يَـت َِّق َّ
202
اَّللَ َْجي َع ْل لَهُ َخمَْ ًجا
3ومن يـتـوَّكل علَى َِّ
417
اَّلل فَـ ُه َو َح ْسبُهُ
َ َ ْ ََ َ ْ َ
ِ
ِ
455
ض ْع َن َمحْلَ ُه َّن
َ 6وإِ ْن ُك َّن أُولي َمحْ ٍل فَأَنْف ُقوا َعلَْي ِه َّن َح َّىت يَ َ
(سورة التح مي)
ِ
437
اجا َخْيـ ًا ِمْن ُك َّن
َ 5ع َسى َرنُّهُ إِ ْن طَلََّق ُك َّن أَ ْن يُـْبدلَهُ أَ ْزَو ً
(سورة امللك)
يف ْ ِ
329 ،270
ْي
14أَل يَـ ْعلَ ُر َم ْن َخلَ َق َو ُه َو اللَّ ِط ُ
اخلَب ُ
(سورة القلر)
ِ
ِ
331 ،199
ني
ني َكال ُْم ْج ِم َ
35أَفَـنَ ْج َع ُل ال ُْم ْسل ِم َ
199
ف َحتْ ُك ُمو َن
َ 36ما لَ ُك ْر َكْي َ
(سورة ا اقة)
األَيِم ْ
197
اخلَالِيَ ِة
َسلَ ْفتُ ْر ِيف َّ
ُ 24كلُوا َوا ْش َنُوا َهنِيئًا ِمبَا أ ْ
(سورة املعارج)
29والَّ ِذين ُهر لُِف ِ
414
وج ِه ْر َح ِافظُو َن
َ َ ْ ُ
30إِل َعلَى أَ ْزو ِ
414
ت أَْميَانـُ ُه ْر
اج ِه ْر ْأو َما َملَ َك ْ
َ
(سورة امل مل)
ِ
401
الصال َة َوَآتُوا ال ََّكا َة
يموا َّ
َ 20وأَق ُ
(سورة املدث )
352
َ 42ما َسلَ َك ُك ْر ِيف َس َق َ
ك ِمن الْم ِ
352
ني
صل َ
43قَالُوا َملْ نَ ُ َ ُ َ
ِ
44وَمل نَ ُ ِ
352
ني
ك نُطْع ُر ال ِْم ْسك َ
َْ
(سورة القيامة)
391
18فَاتَّبِ ْع قُـ ْ َآنَهُ
391
َُّ 19إِ َّن َعلَْيـنَا نَـيَانَهُ
199
سا ُن أَ ْن يُـْتـ َ َك ُس ًدى
36أ َْ
َحي َس ُ
ب اإلنْ َ
(سورة اإلنسان)
الصفحة
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اآلية
رقر اآلية
اء َّ
اَّللُ
شاءُو َن إِل أَ ْن يَ َ
َ 30وَما تَ َ
شَ
(سورة امل سالي)
599
الصفحة
197
43
ِمبَا ُكْنـتُ ْر تُـ َعِل ُمو َن
12
13
يَـ ْعلَ ُمو َن َما تَـ ْف َعلُو َن
إِ َّن األنْـ َ َار لَِفب نَِع ٍير
(سورة املطففني)
447 ،203
إِ َّن األنْـ َ َار لَِفب نَِع ٍير
(سورة البينة)
وما تَـ َف َّ َق الَّ ِذين أُوتُوا ال ِ
اءْتـ ُه ُر
ْكتَا َ إِل ِم ْن نَـ ْع ِد َما َج
ََ
َ
َ
476
الَْبـيِنَةُ
22
4
(سورة النفطار)
198
287
447 ،203
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
600
اثنيًا :فه ي األحاديث النبوية الش يفة
()1
ا ديث
إذا التقى املسلمان بسيفيهما فالقاتل واملقتول يف النار
إذا أمرتكم أبمر فأتوا منه ما استطعتم.
إذا حكم احلاكم فاجتهد
أال إين أوتيت الكتاب ومثله معه
أال سألوا إذا مل يعلموا فإمنا شفاء العي السؤال
أال وإن يف اجلسد مضغة إذا صلحت صلح اجلسد كله
أال وإن ما حرم رسول هللا مثل ما حرم هللا
اللهم رب جربائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات واألرض
جرما من سأل عن شيء مل حيرم فحرم على من أجل
إن أعظم املسلمني ً
مسألته
إن أميت ال جتتمع على ضاللة
إن الروح األمني قد ألقى يف روعي
إن القرآن مل ينزل ليكذب بعضه بعضاً
إنك لعريض القفا
إن هللا جتاوز ألميت عما وسوست أو حدثت به أنفسها
إن هللا مجيل حيب اجلمال
إن هللا كره لكم ثالاثً :قيل وقال ،وإضاعة املال ،وكثرة السؤال
إن هللا وضع عن أميت اخلطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
إن هللا يبعث هلذه األمة على رأس مائة سنة من جيدد هلا دينها
إمنا األعمال ابلنيات وإمنا لكل امرئ ما نوى
أميا امرأة نكحت بغري إذن وليها فنكاحها ابطل
ثالث حق على كل مسلم :الغسل يوم اجلمعة ،والسواك ،وميس من
طيب إن وجد
الثيب أحق بنفسها والبكر تستأمر
دع ما يريبك إال ما ال يريبك
( )1مرتبة حسب حروف اهلجاء.
الصفحة
341
88
469
121
505
349
121
514
477
162
134
268
343
397
328
447
350
485
363
386
382
455
493
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
دعوين ما تركتم إمنا أهلك من كان قبلكم سؤاهلم
رفع القلم عن ثالثة
صدقة تصدق هللا هبا عليكم فاقبلوا صدقته
صل قائماً ،فإن مل تستطع فقاعداً ،فإن مل تستطع فعلى جنب
صيد الرب لكم حالل ما مل تصيدون أو يصد لكم
فإمنا بعثتم ميسريين ومل تبعثوا معسرين
فرب حامل فقه إىل من هو أفقه منه
فعليكم بسنيت وسنة اخللفاء املهديني الراشدين
فمن اتقى الشبهات استربأ لدينه وعرضه
فمن أراد حببوحة اجلنة فليلزم اجلماعة
فمن قضيت له حبق مسلم فإمنا هي قطعة من النار
يف سائمة الغنم الزكاة
كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله فقال ألهله
كل مسكر مخر
كيف تقضي (حديث معاذ املشهور)
ال جتلسوا على القبور وال تصلوا إليها
ال تزال طائفة من أميت ظاهرين على احلق
ال تسبوا أصحايب
ال صالة ملن ال وضوء له
ال نكاح إال بويل
ال نكاح إال بويل مرشد وشاهدي عدل
ال يبولن أحدكم يف املاء الدائم
ال يصلني أحد العصر إال يف بين قريظة
لقد حكمت فيهم حبكم هللا عز وجل
لوال أن أشق على أميت أو على الناس ألمرهتم ابلسواك مع كل صالة
املؤمن القوي خري وأحب إىل هللا من املؤمن الضعيف
مره فلرياجعها
مروا أوالدكم ابلصالة وهم أبناء سبع سنني
املسلم من سلم املسلمون من لسانه ويده
601
121
346
456
340
362
358
148
121
493
17
515
431
483
375
191
513
18
219
319
437
437
382
475
479
399
343
404
404
341
602
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
من حسن إسالم املرء تركه ما ال يعنيه
من سئل عن علم فكتمه أجلمه هللا
من عمل عمالً ليس عليه أمرًن فهو رد
من غشنا فليس منا
من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار
نضر هللا امرءاً مسع مقاليت فوعاها
وامي هللا لقد تركتكم على مثل البيضاء
والذي نفس حممد بيده لتفرتقن أميت على ثالث وسبعني فرقة
وال أحد أحب إليه العذر من هللا
يسروا وال تعسروا
يفقأ العني ويكسر السن
516
506
188
320
136
143
133
18
328
358
511
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
603
()1
اثلثًا :فه ي األعالم املرتجر هلر
السر
اآلمدي = علي بن أيب علي بن حممد بن سامل (سيف الدين)
أمحد بن حنبل = أمحد بن حممد بن حنبل
أمحد بن عبد احلليم بن عبد السالم (شيخ اإلسالم ابن تيمية)
أمحد بن علي بن اثبت (اخلطيب البغدادي)
أمحد بن حممد بن أمحد بن عبد الغين احلراين (شهاب الدين أبو العباس)
أمحد بن حممد بن حنبل
أمحد بن حممد بن شاكر
إمساعيل بن عمر (ابن كثري)
إمام احلرمني = عبد امللك بن عبد هللا اجلويين
البخاري = حممد بن إمساعيل
ابن بدران = عبد القادر بن أمحد بن مصطفى الدومي
البعلي = علي بن حممد بن عباس (ابن اللحام)
أبو بكر الصديق = عبد هللا بن أيب قحافة
ابن تيمية = أمحد بن عبد احلليم (شيخ اإلسالم)
ابن تيمية = عبد احلليم بن عبد السالم (أبو احملاسن شهاب الدين والد
شيخ اإلسالم)
ابن تيمية = عبد السالم بن عبد هللا (جمد الدين أبو الربكات جد شيخ
اإلسالم)
الثوري = سفيان بن سعيد بن مسروق
اجلويين = عبد امللك بن عبد هللا (إمام احلرمني)
ابن احلاجب = عثمان بن عمر بن أيب بكر بن يونس
حافظ بن أمحد بن علي احلكمي
احلراين = أمحد بن عبد احلليم
احلراين = أمحد بن حممد
احلراين = عبد احلليم بن عبد السالم
( )1مرتبة حسب حروف اهلجاء.
الصفحة
61
27
36
51
39
27
47
251
35
29
58
57
130
36
39
39
500
35
61
45
36
39
39
604
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
احلراين = عبد السالم بن عبد هللا
احلكمي = حافظ بن أمحد
أبو حنيفة = النعمان بن اثبت
اخلطيب البغدادي = أمحد بن علي بن اثبت
ابن خلدون = عبد الرمحن بن حممد بن حممد بن احلسن احلضرمي األشبيلي
الدارمي = عبد هللا بن عبد الرمحن بن الفضل (أبو حممد صاحب السنن)
داود بن علي بن خلف األصبهاين (الظاهري)
الدبوسي = عبيد هللا بن عمر بن عيسى
الرازي = حممد بن عمر بن احلسني (الفخر)
ابن رجب احلنبلي = عبد الرمحن بن أمحد بن رجب
السبكي = عبد الوهاب بن علي بن عبد الكايف
سعد بن معاذ
السعدي ابن سعدي = عبد الرمحن بن ًنصر
سفيان بن سعيد بن مسروق (الثوري)
سيف الدين اآلمدي = علي بن أيب علي بن حممد بن سامل
ابن السمعاين = منصور بن حممد بن عبد اجلبار (أبو املظفر)
الشافعي = حممد بن إدريس
الشنقيطي = حممد األمني بن حممد املختار
صفي الدين احلنبلي = عبد املؤمن بن عبد احلق
عائشة بنت الصديق رضي هللا عنهما
ابن عبد الرب = يوسف بن عبد هللا بن عبد الرب
عبد احلليم بن عبد هللا (ابن تيمية شهاب الدين والد شيخ اإلسالم)
عبد الرمحن بن أمحد بن رجب (ابن رجب)
عبد الرمحن بن حممد بن حممد بن احلسن احلضرمي األشبيلي (ابن خلدون)
عبد الرمحن بن مهدي
عبد الرمحن بن ًنصر السعدي
عبد السالم بن عبد هللا بن أيب القاسم اخلضر (ابن تيمية جمد الدين جد
شيخ اإلسالم).
عبد القادر بن أمحد بن مصطفى الدومي الدمشقي (ابن بدران)
39
45
35
51
32
72
476
32
47
317
34
479
44
500
61
33
46
58
57
386
30
39
317
32
46
44
39
58
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
عبد هللا بن أمحد بن قدامة (ابن قدامة)
عبد هللا بن أمحد بن حممود (الكعيب)
عبد هللا بن عبد الرمحن بن الفضل (أبو حممد الدارمي صاحب السنن)
عبد هللا بن عمر بن اخلطاب رضي هللا عنهما
عبد هللا بن أيب قحافة (أبو بكر الصديق) رضي هللا عنه
عبد هللا بن مسلم بن قتيبة الدينوري
عبد املؤمن بن عبد احلق (صفي الدين احلنبلي)
عبد امللك بن عبد هللا بن يوسف اجلويين (أبو املعايل إمام احلرمني)
عبد الوهاب بن علي بن عبد الكايف السبكي
عبيد هللا بن عمر بن عيسى الدبوسي
عثمان بن عفان رضي هللا عنه
عثمان بن عمر أيب بكر بن يونس (ابن احلاجب)
علي بن سليمان بن أمحد املرداوي
علي بن أيب علي بن حممد بن سامل (سيف الدين اآلمدي)
علي بن حممد بن عباس البعلي (ابن اللحام)
عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه
عمران بن احلصني
الغزايل = حممد بن حممد بن حممد
الفتوحي = حممد بن أمحد بن عبد العزيز (ابن النجار)
الفخر الرازي = حممد بن عمر بن احلسني
ابن قتيبة = عبد هللا بن مسلم
ابن قدامة = عبد هللا بن أمحد
ابن القيم = حممد بن أيب بكر بن أيوب الزرعي
ابن كثري = إمساعيل بن عمر
الكعيب = عبد هللا بن أمحد
ابن اللحام = علي بن حممد بن عباس (البعلي)
مالك بن أنس
حممد بن أمحد بن عبد العزيز الفتوحي (ابن النجار)
حممد بن إدريس الشافعي
605
54
309
72
126
130
39
57
35
34
32
167
61
60
61
57
456
340
32
59
47
29
54
36
251
309
57
25
59
46
606
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
حممد بن إمساعيل البخاري (صاحب الصحيح)
حممد األمني بن حممد املختار الشنقيطي (صاحب أضواء البيان)
حممد بن أيب بكر بن أيوب الزرعي (ابن القيم)
حممد بن احلسن الشيباين
حممد بن عمر بن احلسني (فخر الدين الرازي)
حممد بن حممد بن حممد الغزايل (أبو حامد)
املرداوي = علي بن سليمان بن أمحد
معاذ بن جبل رضي هللا عنه
منصور بن حممد بن عبد اجلبار (أبو املظفر ابن السمعاين)
ابن النجار = حممد بن أمحد بن عبد العزيز الفتوحي
النعمان بن اثبت (أبو حنيفة)
يعقوب بن إبراهيم بن حبيب (أبو يوسف)
يوسف بن عبد هللا بن حممد بن عبد الرب النمري القرطيب
أبو يوسف = يعقوب بن إبراهيم بن حبيب
29
58
36
26
47
32
60
190
33
59
25
232
30
232
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
رانعاً :فه ي الكتب املع ف هبا
الكتا
إعالم املوقعني البن القيم
التحرير للمرداوي
تقومي األدلة للدبوسي
جامع بيان العلم وفضله البن عبد الرب
الرسالة للشافعي
رسالة ابن سعدي يف أصول الفقه
روضة الناظر وجنة املناظر البن قدامة
شرح الكوكب املنري البن النجار الفتوحي
الفقيه واملتفقه للخطيب البغدادي
قواطع األدلة البن السمعاين
قواعد األصول ومعاقد الفصول لصفي الدين احلنبلي
القواعد والفوائد األصولية البن اللحام
خمتصر التحرير البن النجار الفتوحي
خمتصر ابن اللحام يف أصول الفقه
خمتصر نصيحة أهل احلديث للخطيب البغدادي
املدخل إىل مذهب اإلمام أمحد بن حنبل البن بدران
مذكرة أصول الفقه للشيخ حممد األمني الشنقيطي
املستصفي للغزاليي
املسودة آلل تيمية
نزهة اخلاطر العاطر البن بدران
وسيلة احلصول للشيخ حافظ احلكمي
( )1مرتبة حسب حروف اهلجاء.
607
()1
الصفحة
40
60
32
30
46
44
54
59
51
33
57
42
59
57
51
44
59
54
39
58
45
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
608
()1
خامسا :فه ي املصطلحاي األصولية املش وحة
ً
141
اآلحاد
308
اإلابحة الشرعية:
308
اإلابحة العقلية:
464
االجتهاد:
156
اإلمجاع:
157
اإلمجاع االستقرائي:
157
اإلمجاع السكويت:
157
اإلمجاع القويل:
231
األداء:
425
االستثناء:
426
االستثناء املتصل:
426
االستثناء املنقطع:
230
االستحسان:
210
االستصحاب:
379
االشرتاك:
22
األصل:
21
أصول الفقه:
321
اإلعادة:
396
األمر:
اإلمياء والتنبيه (من مسالك العلة)202 :
389
البيان:
125
التأسي ابلرسول :
386
التأويل
467
حتقيق املناط:
468
ختريج املناط:
421
التخصيص:
( )1مرتبة على حروف اهلجاء.
الرتادف:
ترتيب األدلة:
الرتجيح:
ترك النيب :
تعارض األدلة:
التعارض اجلزئي:
التعارض الكلي:
تعارض اخلاص والعام:
تقرير النيب :
التقليد:
التكليف:
تنقيح املناط:
احلسن والقبح:
احلكم:
احلكم التكليفي:
احلكم الشرعي:
احلكم الوضعي:
محل املطلق على املقيد:
داللة اإلشارة:
داللة االقتضاء:
داللة االلتزام:
داللة التضمن:
داللة التنبيه واإلمياء:
داللة املطابقة:
الدليل الشرعي:
الدليل الظين:
379
278
274
129
268
268
268
431
128
490
336
468
326
286
290
286
314
436
447
447
446
446
447
446
92
82
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
القياس اجللي:
القياس اخلفي:
قياس الداللة:
قياس الشبه:
قياس الطرد:
قياس العكس:
قياس العلة:
القياس يف معىن األصل:
الكتاب:
الكمال املستحب:
الكمال الواجب:
املؤثر:
املانع:
املباح:
املبني:
َّ
املبِّني:
املتواتر:
املتواتر اللفظي:
املتواتر املعنوي:
اجملاز:
اجململ:
احملرم:
احملكم واملتشابه:
املخصصات:
املخصص املتصل:
املخصص املنفصل:
92
الدليل غري الشرعي:
81
الدليل القطعي:
الدوران الوجودي والعدمي204 :
321
الرخصة:
264
الزايدة على النص:
315
السبب:
203
السرب والتقسيم:
118
السنة:
الشرط (من أقسام احلكم الوضعي)315 :
الشرط (من املخصصات املتصلة)430 :
317
الصحة يف العبادات:
318
الصحة يف املعامالت:
الصفة (من املخصصات املتصلة)430 :
415
صيغ العموم:
385
الظاهر:
78
الظن:
412
العام:
321
العزمية:
194
العلة:
الغاية (من املخصصات املتصلة)430 :
الغريب (من أنواع الوصف املناسب)205 :
504
الفتوى:
318
الفساد يف العبادات:
318
الفساد يف املعامالت:
22
الفقه:
109
القراءة الشاذة:
321املرسل (من أنواع الوصف املناسب):
القضاء:
78مسالك العلة:
القطع:
180املصلحة:
القياس:
609
181
181
182
195
182
182
182
182
102
318
319
205
315
291
278
278
136
136
136
110
388
290
105
423
423
423
205
202
235
610
236
املصلحة املرسلة:
235
شرعا:
املصلحة املعتربة ً
235
شرعا:
املصلحة امللغاة ً
436
املطلق:
448
املفهوم:
455
مفهوم الشرط:
454
مفهوم الصفة:
455
مفهوم العدد:
455
مفهوم الغاية:
455
مفهوم اللقب:
454
مفهوم املخالفة:
450
مفهوم املوافقة:
436
املقيد:
307 ،291 ،290
املكروه:
205
املالئم:
204
املناسبة واإلخالة:
205
املناسب املرسل:
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املناط:
املندوب:
املنطوق:
املنطوق الصريح:
املنطوق غري الصريح:
النسخ:
النص (يف مقابلة الظاهر):
النهي:
الواجب:
الواجب العيين:
الواجب الكفائي:
الواجب املضيق:
الواجب املوسع:
الوسائل:
الوصف الطردي:
الوصف املناسب:
الوضع
467
290
446
446
446
246
384
406
290
293
293
293
293
297
195
195
314
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
سادساً :الفه ي التفصيلب للمسائل األصولية
البا األول
األدلة الش عية عند أهل السنة واجلماعة
الكالم على األدلة الش عية إمجالً:
-1األدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها:
األدلة املعتربة شرعاً أربعة :الكتاب ،والسنة ،واإلمجاع ،والقياس األدلة األربعة متفقة ال ختتلف ،متالزمة ال تفرتق. الكتاب والسنة أصل األدلة خصائص أصل األدلة الكتاب والسنة ،وعددها ()29 -2األدلة الشرعية من حيث القطع والظن:
معىن القطع والظن العمل ابلظن نوعان العمل ابلعلم نوعان القطع والظن من األمور النسبية انقسام األدلة الشرعية إىل قطعية وظنية إفادة نصوص الكتاب والسنة القطع بطالن القول أبن نصوص الكتاب والسنة ال تفيد اليقني بطالن القول أبن الفقه كله أو أكثره ظنون العوامل اليت ساعدت على انتشار القول أبن الفقه أكثره ظنون بيان أن األدلة الظنية متفاوتة فيما بينها هل يكفي يف مسائل أصول الدين الظن؟ -3األدلة الشرعية من حيث النقل والعقل:
انقسام األدلة الشرعية إىل نقلية وعقلية السمع أصل جلميع األدلة بيان موافقة املعقول للمنقول مكانة العقل عند أهل السنة( )1مرتبة حسب ترتيب موضوعات هذا الكتاب.
611
( )1
67
68
68
69
69
77
78
78
79
80
81
83
83
85
86
87
88
91
92
93
94
95
612
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األدلة املتفق عليها:
-1الكتاب:
* املسألة األول :تعريف الكتاب:
الكتاب هو القرآن تعريف الكتابشرح التعريف
* املسألة الثانية :هل يف القرآن لفظ غري عريب؟
مذهب اجلمهور واألدلة عليه ال يشكل على كون القرآن عربيًا وجود بعض الكلمات األعجمية فيهوذلك لوجوه
* املسألة الثالثة :احملكم واملتشابه يف القرآن الكرمي:
معىن احملكم واملتشابه ابالعتبار العام معىن احملكم واملتشابه ابالعتبار اخلاص طريقة السلف يف التعامل مع احملكم واملتشابه ليس يف القرآن ما ال معىن له مجيع ما يف القرآن مما يفهم معناه ،وليس فيه ما ال ميكن أن يعلم معناهأحد
يف القرآن ما ال يعلم أتويله إال هللا (وقد يسمى هذا ابملتشابه) أمساء هللا وصفاته من املتشابه ابعتبار ،وليست منه ابعتبار آخر جيوز الوقف على لفظ اجلاللة يف قوله تعاىل :إِل هللا وال َّ ِاس ُخو َن
ُ َ
وجيوز تركه
طريقة املبتدعة يف التعامل مع احملكم واملتشابه* املسألة الرابعة :حكم العمل ابلقراءة الشاذة:
املراد ابلقراءة الشاذة عند األصوليني وعند القراء. القراءة الشاذة ال تكون قرآًن ابتفاق -اختالف العلماء يف العمل ابلقراءة الشاذة
101
102
102
102
102
103
103
104
105
105
105
106
106
106
107
108
108
108
109
109
109
109
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
613
* املسألة اخلامسة :هل يف القرآن جماز؟
تعريف اجملاز ومثاله شرط محل الكالم على اجملاز اجملاز ٍمنتف عن آايت الصفات
اجملاز واقع يف القرآن فيما عدا آايت الصفات إثبات اجملاز ال يلزم منه أتويل الصفات أو نفيها املثبتون للمجاز فريقان اخلالف بني أهل السنة يف إثبات اجملاز ونفيه خالف لفظي النافون للمجاز من أهل السنة أرادوا منع أتويل الصفات يف نفيهم114
للمجاز
117
-2السنة:
118
* املسألة األوىل :تعريف السنة:
118
السنة يف اللغة118
السنة عند األصوليني118
السنة هي احلكمة118
سنة اخللفاء الراشدين119
* املسألة الثانية :أقسام السنة:
119
ابعتبار ذاهتا119
ابعتبار بياهنا للقرآن119
ابعتبار وصوهلا إلينا وعدد نقلتها119
* املسألة الثالثة :حجية السنة:
120
وما:
أوالً :حجية السنة عم ً
120
إمجاع املسلمني على ذلك120
األدلة على حجية السنة من القرآن الكرمي121
األدلة على حجية السنة من السنة املطهرة122
اثنياً :حجية السنة االستقاللية:
110
110
110
111
111
112
113
113
614
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اتفاق السلف على ذلك. الدليل على حجية السنة االستقاللية حكاية قول من اشرتط يف حجية السنة أن توافق الكتاب والرد عليه اللوازم الفاسدة املرتتبة على رد السنة االستقالليةاثلثاً :حجية أفعال الرسول :
األدلة على وجوب االقتداء به يف أفعاله على وجه اخلصوص أصول أربعة ال بد من تقريرها يف أفعال الرسول بيان أن األمة تشارك النيب فيما أمر به وهني عنه إال ما خصهالدليل
الواجب على األمة التأسي ابلرسول يف أفعاله إال ما خصه الدليل الواجب على األمة اتباع أمره واجتناب هنيه قول الرسول آكد من فعله فعله يدل على الوجوب أو االستحباب أو اإلابحة فعله للشيء ينفي الكراهة حيث ال معارض له أفعاله على ثالثة أقسام ،ووجه القسمة مىت يثاب على التأسي ابلرسول يف أفعاله اجلبلية؟ ضابط فعل الرسول احملتمل للجبلي والتشريعي ومنشأ اخلالف فيه. ضابط فعل الرسول اجملرد وحكم االقتداء به فيهرانعاً :حجية تق ي ه :
املقصود ابلتقرير ومثاله الدليل على حجية تقريره تقريره حجة بشرطنيخامساً :حجية تركه
املقصود ابلرتك الرتك نوعان والتمثيل لكل منهما -تركه حجة بشرطني
122
122
122
123
123
123
124
124
124
124
124
125
125
127
128
128
128
128
128
129
129
129
129
129
130
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
تركه ال خيلو من ثالث حاالت السنة الرتكية أصل عظيم يوصد به ابب االبتداع يف الدين سنة الرتك مبنية على مقدمات اثبتة* املسألة الرابعة :منزلة السنة من القرآن:
ابعتبار املصدرية أقوال العلماء يف مصدرية السنة ابعتبار احلجية ابعتبار أن القرآن دل على وجوب العمل ابلسنة ابعتبار البيانكره اإلمام أمحد أن يقال :السنة تقضي على الكتاب
الكتاب والسنة متالزمان ال يفرتقان ،متفقان ال خيتلفان* املسألة اخلامسة :اخلرب املتواتر:
تعريف املتواتر لغة تعريف املتواتر عند األصوليني وبيان التعريف انقسام املتواتر إىل لفظي ومعنوي انقسام التواتر إىل تواتر عامة وخاصة إفادة املتواتر العلم العلم احلاصل ابلتواتر هل هو ضروري أو نظري؟ شروط املتواتر العلم حيصل بعدة طرق رأي ابن تيمية يف معىن املتواتر* املسألة السادسة :خرب اآلحاد:
تعريف اآلحاد لغة واصطالحاً إمجاع أهل العلم على وجوب العمل خبرب الواحد إمجاالً األدلة على وجوب العمل خبرب الواحد -خرب الواحد حجة يف األحكام والعقائد إبمجاع السلف
615
131
131
131
134
134
134
135
135
135
135
135
136
136
136
137
137
138
138
138
139
140
140
141
141
142
143
616
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الدليل على وجوب العمل خبرب الواحد يف العقيدة التفريق بني أحاديث األحكام والعقائد بدعة األدلة على حجية خرب الواحد فيما عمت به البلوى ،وفيما يسقطابلشبهات ،وفيما زاد على القرآن ،وفيما يقال إنه خالف القياس.
ما نقل عن اإلمام أيب حنيفة يف رد خرب الواحد فيما عمت به البلوىال يصح عنه
تقسيم السنة إىل متواتر وآحاد صحيح ابعتبار ،وابطل ابعتبار حكم االحتجاج ابألحاديث الضعيفة شروط قبول خرب الواحد ال يشرتط يف الراوي أن يكون فقيهاً أقوال الناس يف إفادة خرب الواحد العلم أو الظن مذهب أهل السنة يف مسألة هل يفيد خرب الواحد العلم أو الظن يتبنييف أربع قواعد
أوجه الفرق بني مذهب أهل السنة ومذهب املتكلمني يف القول أبنخرب الواحد يفيد الظن
-3اإلمجاع:
تعريف اإلمجاع لغة تعريف اإلمجاع عند األصوليني وشرح التعريف انقسام اإلمجاع إىل قويل وسكويت واستقرائي أقوال العلماء يف حجية اإلمجاع السكويت وسبب اخلالف. انقسام اإلمجاع إىل إمجاع عامة وإمجاع خاصة انقسام اإلمجاع إىل إمجاع الصحابة رضي هللا عنهم وإمجاع من بعدهم انقسام اإلمجاع إىل إمجاع ينقله أهل التواتر وإمجاع ينقله اآلحاد انقسام اإلمجاع إىل قطعي وظين اإلمجاع حجة شرعية ابتفاق أهل العلم -األدلة على كون اإلمجاع حجة من الكتاب والسنة
144
145
145
146
146
147
148
148
149
149
152
155
156
156
157
157
158
158
158
159
159
159
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
أدلة حجية اإلمجاع تدل على أصلني عظيمني هل يشرتط أن يبلغ اجملموعون عدد التواتر؟ منشأ اخلالف يف ذلك اإلمجاع حجة يف مجيع العصور والدليل على ذلك قول اإلمام أمحد( :من ادعى اإلمجاع فهو كاذب) الشروط املطلوبة يف أهل اإلمجاع هل يدخل يف أهل اإلمجاع اجملتهد اجلزئي؟ العامي ال يدخل اتفاقاً يف أهل اإلمجاع ،وبيان مراد من قال بدخوله الكافر ال يدخل اتفاقاً يف أهل اإلمجاع حكم دخول الفاسق يف أهل اإلمجاعهل يعتد بقول األكثر مع خمالفة واحد أو اثنني من أهل اإلمجاع؟
إمجاع أهل املدينة على أربع مراتب يشرتط يف اعتبار إمجاع أهل املدينة عند اإلمام مالك شرطان اتفاق اخللفاء الراشدين وحدهم ال يكون إمجاعاً إذا أدرك التابعي عصر الصحابة رضي هللا عنهم فهل يعتد خبالفه القاعدة يف أهل اإلمجاع أن املاضي ال يعترب واملستقبل ال ينتظر هل يشرتط يف صحة اإلمجاع انقراض العصر؟ ال إمجاع إال بدليل مذهب ابن تيمية :أن اإلمجاع ال بد أن يستند إىل نص ،وبياناملقدمات اليت بىن عليها مذهبه هذا
اخلالف يف مسألة استناد اإلمجاع إىل االجتهاد والقياس ميكن إرجاعهإىل اللفظ
األحكام املرتتبة على اإلمجاعأبدا وال على خالف إمجاع
ال ميكن أن يقع إمجاع على خالف نص ًسابق
أمة حممد معصومة من الردة ومن تضييع نص حتتاج إليه -إذا اختلف الصحابة على قولني فهل جيوز ملن بعدهم إحداث قول
617
162
162
163
163
165
165
165
166
166
166
167
168
169
169
169
169
171
171
172
172
173
173
174
618
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اثلث؟
هل جيوز إحداث أتويل اثلث يف معىن آية أو حديث؟ هل جيوز إحداث دليل مل يستدل به السابقون؟ إذا اختلف الصحابة على قولني فهل جيوز ملن بعدهم اإلمجاع علىأحدمها؟
حكم منكر احلكم اجملمع عليه من فوائد اإلمجاع -4القياس:
تعريف القياس لغة تعريف القياس اصطالحاً أركان القياس انقسام القياس إىل جلي وخفي انقسام القياس إىل قياس علة ،وداللة ،وقياس يف معىن األصل انقسام القياس إىل قياس طرد ،وقياس عكس حكم القياس يف التوحيد والعقائد حكم القياس يف األحكام الشرعية انقسام القياس إىل صحيح ،وابطل ،ومرتدد بينهما ،وضابط كل القياس من األلفاظ اجململة الناس يف القياس طرفان ووسط ضوابط االحتجاج ابلقياس عند أهل السنة القياس الصحيح هو امليزان وهو العدل األصول الشرعية اليت بىن عليها أهل السنة االحتجاج ابلقياس مشول النصوص الشرعية جلميع األحكام وإحاطتها أبفعال املكلفني موافقة القياس الصحيح للنصوص الشرعية األدلة على حجية القياس -شروط القياس
174
175
175
177
177
179
180
180
180
181
181
182
183
183
184
184
185
185
186
187
187
189
190
193
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اصطالحا
تعريف العلة لغة وً
األوصاف ثالثة :مناسب ،وطردي ،وشبه تقسيمات العلة ختلف احلكم مع وجود العلة الناس يف األسباب طرفان ووسط مذهب أهل السنة إثبات ابء السببية مذاهب الناس يف احلكمة وبيان مذهب السلف أنواع احلكمة مذهب أهل السنة يف التعليل مذهب أهل السنة إثبات الم التعليل القول أبن العلة جمرد عالمة حمضة ال يصح مسالك العلة:▪ النص
▪ اإلمياء والتنبيه
▪ اإلمجاع
▪ السرب والتقسيم
▪ الدوران الوجودي والعدمي
▪ املناسبة واإلخالة
تقسيم الوصف املناسب إىل :مؤثر ،ومالئم ،وغريب ،ومرسل -حاصل القول يف الوصف املناسب
619
194
195
195
196
197
197
198
199
200
200
201
202
202
202
203
203
204
204
204
205
620
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األدلة املختلف فيها:
-1االستصحاب:
تعريف االستصحاب استصحاب الرباءة األصلية استصحاب دليل الشرع وهو نوعان استصحاب ما دل الشرع على ثبوته واستمراره استصحاب حكم اإلمجاع يف حمل النزاع العمل ابالستصحاب اترة يكون قطعياً واترة يكون ظنياً ترك العمل ابالستصحاب اترة يكون قطعياً واترة يكون ظنياً االستصحاب آخر مدار الفتوى االستصحاب قد يوافقه دليل خاص آخر فيقويه الواجب احلذر من حتميل االستصحاب فوق ما يستحقه هل النايف يلزمه الدليل؟ -2قول الصحايب:
قول الصحايب فيما ال جمال للرأي فيه قول الصحايب إذا خالفه غريه من الصحابة قول الصحايب إذا انتشر ومل خيالف قول الصحايب فيما عدا ذلك (حترمي حمل النزاع) قول الصحايب ال خيالف النص قول الصحايب إذا خالف القياس األدلة على حجية قول الصحايب -3شرع من قبلنا:
وجه اتفاق الشرائع السابقة وجه اختالف الشرائع السابقة الشريعة اإلسالمية ًنسخة جلميع الشرائع السابقة -حترير حمل النزاع يف مسألة شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟
209
210
210
211
211
211
212
212
213
213
213
214
215
216
216
216
217
218
219
219
223
224
224
225
225
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
621
حكم االحتجاج بشرع من قبلنا اخلالف يف شرع من قبلنا خالف لفظي -4االستحسان:
معىن االستحسان عند األصوليني ومثاله لفظ االستحسان من األلفاظ اجململة موقف اإلمام الشافعي من االستحسان موقف اإلمام أيب حنيفة من االستحسان -5املصاحل املرسلة:
أوجه التالزم بني املصلحة والشريعة أقسام مطلق املصلحة تعريف املصلحة املرسلة أقسام املصلحة املرسلة ابعتبار األصل الذي تعود عليه ابحلفظ مقاصد الشريعة وهي الضرورايت اخلمس ،والدليل عليها تقسيم املصلحة املرسلة ابعتبار قوهتا إىل ضرورية وحاجية وحتسينية اخلالف يف االحتجاج ابملصلحة املرسلة خالف لفظي ضوابط األخذ ابملصلحة املرسلة عند القائلني هبا هل توجد مصلحة خالصة أو مفسدة خالصة؟ هل يوجد يف الشريعة ما تساوت مصلحته ومفسدته؟ األدلة على اعتبار املصلحة املرسلة -سد الذارئع وإبطال احليل
226
227
229
230
230
231
232
233
234
235
235
236
236
236
237
238
239
239
240
240
-1النسخ:
النسخ يف اللغة النسخ يف اصطالح املتقدمني تعريف النسخ يف اصطالح املتأخرين وشرح التعريف -شروط النسخ
245
246
246
246
248
النسخ والتعارض والرتجيح وت تيب األدلة:
622
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ًنسخا وكذا القياس ودليل العقل
اإلمجاع ال يكون ً ال يشرتط يف الناسخ أن يكون أقوى من املنسوخ أو يف مرتبته ،وبيانغلط األصوليني يف هذا من وجهني
طرق معرفة النسخ حكم وقوع النسخ بني الشرائع السماوية جواز النسخ ووقعه يف هذه الشريعة واألدلة على ذلك من حكم هللا سبحانه يف النسخ نسخ األثقل ابألخف واألخف ابألثقل بيان مذهب أهل السنة يف النسخ قبل التمكن ،وبيان مذهباألشاعرة ومذهب املعتزلة ومأخذ كل
حاصل القول يف احلكمة من النسخ أقسام النسخ اخلالف يف حكم النسخ إىل غري بدل خالف لفظيمعا ،ونسخ احلكم دون التالوة ،ونسخ التالوة
نسخ التالوة واحلكم ًدون احلكم
نسخ القرآن ابلقرآن ،والسنة املتواترة واآلحادية مبتواتر السنة ،ونسخاآلحاد من السنة ابآلحاد من السنة مما اتفق عليه
مسألة نسخ القرآن ابلسنة املتواترة مسألة نسخ السنة ابلقرآن خالصة القول يف املسألتني السابقتني مسألة نسخ القرآن ابآلحاد من السنة مسألة نسخ املتواتر من السنة ابآلحاد من السنة املراد ابلزايدة على النص الزايدة على النص إذا كانت مستقلة الزايدة على النص إذا كانت غري مستقلة تكون نسخاً بشروط -الزايدة على النص لفظ جممل
248
249
250
251
252
253
253
254
255
255
256
258
258
258
258
261
262
262
264
264
264
264
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الزايدة على النص هلا ثالثة أحوال -2التعارض:
املراد بتعارض األدلة التعارض بني الدليلني نوعان كتاب هللا سامل من االختالف واالضطراب أحاديث النيب مربأة من التناقض واالختالفأبدا
القياس الصحيح ال يتناقض ً أدلة الشرع ال تتعارض مع بعضها ال تعارض بني الدليلني القطعيني ،وال بني القطعي والظين حمل التعارض هو الظنيات بعضها مع بعض األمور الواجبة على الرتتيب عند التعارض إذا تعذر الرتجيح بني الدليلني فهل يتخري بينهما أو يتوقف؟ الطرق املعينة على درء التعارض بني أدلة الشرع -3الرتجيح:
املراد ابلرتجيح حمل الرتجيح هو الظنيات الرتجيح ال يصار إليه إال بعد حماولة اجلمع بني األدلة وتعذره ال بد للرتجيح من دليل العمل ابلراجح متعني الضابط يف أوجه الرتجيح -4ترتيب األدلة:
املراد برتتيب األدلة ترتيب األدلة من حيث احلجية ترتيب األدلة من حيث املنزلة واملكانة -ترتيب األدلة من حيث النظر ،والدليل على ذلك
623
265
267
268
268
268
269
269
269
271
271
271
271
272
273
274
274
274
274
274
275
277
278
278
278
279
624
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
ا كر الش عب:
285
-1تعريف احلكم الشرعي وأقسامه:
286
تعريف احلكم لغة واصطالحاً286
أقسام احلكم286
تعريف احلكم الشرعي وشرح التعريف289
احلكم التكليفي:
290
تعريف احلكم التكليفب290
تقسيم احلكم التكليفي إىل مخسة أقسام ووجه القسمة291
* القسم األول :الواجب:
291
هل الفرض والواجب مبعىن واحد؟291
ما ورد عن اإلمام أمحد يف التفريق بني الفرض والواجب292
ألفاظ الوجوب293
الواجب املعني واملخري293
الواجب املضيق واملوسع293
حكم أتخري الواجب إىل آخر وقته293
الواجب العيين والكفائي294
ما ميتاز به فرض الكفاية295
حكم الزايدة على الواجب295
التفاضل بني الواجبات296
تفصيل قاعدة األمر ابلشيء أمر بلوازمه وما يندرج حتتها297
للوسائل حكم املقاصد298
ما ال يتم الواجب إال به األمر املطلق ال يتحقق إال بتحصيل املعني .مثال هذه القاعدة وفائدهتا 300304
أقسام ما يتم به االمتثال للواجب304
* القسم الثاين :احلرام:
304
-حترمي الشيء مطل ًقا يقتضي حترمي كل جزء منه
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
النهي عن الشيء هني عما ال يتم اجتنابه إال به ألفاظ التحرمي لفظ (ال ينبغي) (ما كان هلم كذا ومل يكن هلم) (ال حيل وال يصلح) هل النهي عن الشيء أمر بضده؟ هل األمر ابلشيء هني عن ضده؟ األمر ابلشيء الواحد يستلزم عدم النهي عنه من وجه واحد حكم الصالة يف الدار املغصوبة* القسم الثالث :املندوب:
أمساء املندوب املندوب مأمور به املندوب ال جيوز اعتقاد ترك استحبابه* القسم الرابع :املكروه:
املكروه يف اصطالح األصوليني املكروه يف اصطالح املتقدمني والتنبيه على الغلط احلاصل بسبباخللط بني االصطالحني
* القسم اخلامس :املباح:
هل املباح من األحكام التكليفية؟ املباح قد يطلق على احلالل ،وقد يراد به ما استوى طرفاه ألفاظ اإلابحة الشرعية اإلابحة قسمان :شرعية وعقلية ،وفوائد التفريق بينهما. هل املباح مأمور به؟ بيان أن اخلالف لفظي يف هذه املسألة؟ حكم األشياء املنتفع هبا قبل الشرع:▪ األصل يف األشياء بعد الشرع
▪ مذهب أهل السنة يف هذه املسألة
▪ بيان أنه ال فائدة من هذه املسألة
▪ اختلف يف وقوع هذه املسألة هل هو جائز أو ممتنع؟
625
304
305
305
305
305
305
305
306
306
306
306
307
307
307
307
307
307
308
308
309
310
310
310
310
310
626
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
احلكم الوضعي:
تعريف احلكم الوضعي ،ومعىن الوضع تقسيم احلكم الوضعي الفرق بني احلكم التكليفي واحلكم الوضعي تعريف كل من السبب والشرط واملانع ال بد يف وجود احلكم من وجود السبب والشرط وانتفاء املانع قد يطلق السبب على العلة الشرعية مثال الجتماع احلكم التكليفي مع احلكم الوضعي أقسام الشرط الفرق بني الشرط وعدم املانع املراد ابلصحة يف العبادات واملعامالت التنبيه على أن اخلالف لفظي بني املتكلمني والفقهاء يف املراد ابلصحة317
يف العبادات
318
املراد ابلفساد يف العبادات واملعامالت405 ،404 ،318
اإلاثبة والصحة جيتمعان ويفرتقان318
الكمال يف العبادات نوعان319
النقص يف العبادات نوعان حرف النفي يف "ال صالة ملن ال وضوء له" هل حيمل على الكمال319
الواجب أو الكمال املسنون؟
320
النقص عن الواجب يف العبادات نوعان321
تعريف األداء واإلعادة والقضاء321
األداء والقضاء جيتمعان ويفرتقان321
تعريف العزمية321
مشول العزمية لألحكام التكليفية اخلمسة322
تعريف الرخصة322
أحكام الرخصة313
314
314
314
315
315
315
316
316
316
317
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
-2لوازم احلكم الشرعي:
مسألة التحسني والتقبيح العقليني:
املراد ابحلسن والقبح األقوال يف املسألة أصول مهمة عند أهل السنة تفصيل مذهب أهل السنة مذهب أهل السنة وسط بني الطرفني مسألة شكر املنعم وجه إرجاع اخلالف إىل اللفظ يف مسألة التحسني والتقبيح العقليني حتسني العقل وتقبيحه من األلفاظ اجململةالتكليف:
تعريف التكليف لغة للتكليف يف االصطالح تعريفان وبيان الفرق بينهما ذكر شروط التكليف العائدة إىل الفعل إمجاالً التكليف ابحملال قسمان التكليف ابحملال أو مبا ال يطاق من األلفاظ اجململة ،وكذا لفظ القدرةواالستطاعة
القدرة نوعان هل القدرة مقدمة على الفعل أو هي مقارنة له؟ ما القدرة املشرتطة يف التكليف؟ األدلة على اشرتاط القدرة واالستطاعة الشرعية يف التكليف أقسام األفعال اليت يكلف هبا اإلنسان القول فعل والدليل على ذلك الرتك فعل ،والدليل على ذلك ضابط العزم الذي يكلف به اإلنسان -قاعدة :ال يثبت التكليف مع اجلهل وعدم العلم ،وأدلة هذه القاعدة
627
323
326
326
327
327
329
330
332
333
333
335
336
336
336
337
338
338
338
339
339
341
341
341
341
342
628
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
وآاثرها
اجلهل نوعان شروط التكليف العائدة إىل الفعل ترجع إىل القدرة واالستطاعة ذكر شروط التكليف العائدة إىل املكلف إمجاالً اجملنون والصيب غري مكلفني اتفاقًا والدليل على ذلك وجوب الزكاة وقيم املتلفات على غري املكلفني من ابب خطابالوضع
الناسي والنائم واملخطئ غري مكلفني املغمي عليه هل يلحق ابلنائم أو ابجملنون؟ الغافل مىت يعذر ومىت ال يعذر؟ الغضبان هل هو مكلف؟ السكران هل هو مكلف؟بيان حد السكر
املكره هل هو مكلف؟ الفرق بني األقوال واألفعال يف اإلكراه شروط اإلكراه وجه إرجاع اخلالف يف مسألة هل الكفار خماطبون بفروع الشريعة إىلاتفاق
اجلامع لشروط املكلف أمران :كالمها يرجع إىل القدرة مجيع شروط التكليف ترجع إىل القدرة -3قواعد يف احلكم الشرعي:
أمساء وإطالقات احلكم الشرعي مصدر احلكم الشرعي حترمي القول على هللا بغري علم األحكام الشرعية مبنية على حتقيق املصاحل وتعطيل املفاسد -األحكام الشرعية مبنية على النظر إىل املآل
344
345
345
345
346
347
347
347
348
348
348
350
350
351
351
352
352
353
354
355
355
356
357
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األحكام الشرعية مبنية على التيسري ورفع احلرج عن املكلفني األحكام الشرعية ال تبىن على الصور النادرة ا ألحكام الشرعية نوعان :اثبتة ومتغرية وجه اختالف احلكم ابختالف الزمان واملكان واحلال أحكام الدنيا تبين على األسباب الظاهرة األحكام الشرعية تبين على املقاصد والنيات وذلك إذا ظهرت ،األمثلةواألدلة على ذلك
األحكام الشرعية ال تكون خمالفة للعقول والفطر األحكام الشرعية حميطة أبفعال املكلفني وافية بكل احلوادث األحكام الشرعية ظاهرة مبينة خاصة ما حتتاج إليه األمة -العربة يف األحكام الشرعية ابحلقائق واملعاين ال ابأللفاظ واملباين
دللي األلفاظ وط ق الستنباط
أوالً :املبادئ اللغوية:
عالقة اللغة العربية ابلشريعة مبدأ اللغات العالقة بني مسألة مبدأ اللغات وإثبات اجملاز األلفاظ أربعة أقسام ووجه احلصر فيها أمثلة على احلقيقة الوضعية والعرفية والشرعية االختالف يف األمساء الشرعية هل هي منقولة عن اللغة أو ابقية؟معنواي
وبيان كيف يكون هذا اخلالف لفظيًا وكيف يكون ً
طريقة أهل السنة :تفسري األلفاظ الشرعية ببيان الشارع هلا طريقة أهل البدع :اإلعراض عن البيان الشرعي األلفاظ الشرعية هي حدود هللا ،ال جيوز تعديها ،وتعديها يكون منجهتني
629
358
359
360
360
361
362
362
363
364
364
369
370
371
372
372
372
373
373
374
374
-الواجب محل األلفاظ الشرعية على عرف الشارع السائد وقت نزول 375
630
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اخلطاب ،وال يصح أن حتمل هذه األلفاظ على اصطالحات املتأخرين
أمثلة على تفاوت االصطالحات بني املتقدمني واملتأخرين من أهلالعلم
األلفاظ ختتلف داللتها حسب اإلطالق والتقييد ،واالقرتان والتجريد ال بد من التفريق بني الكالم الذي اتصل به ما يقيده وبني الكالمالعام املطلق
تفاوت الناس يف فهم األلفاظ واالستنباط منها أمهية ضم النظري إىل نظريه واعتبار مراد املتكلم عند تفسري كالمه االشرتاك هل هو واقع يف اللغة؟ هل جيوز محل املشرتك على كال معنييه؟ الرتادف هل هو واقع يف اللغة؟ الرتادف نوعان مراد من أنكر الرتادف يف اللغة الرتادف يف ألفاظ القرآن مقتضى العطف :املغايرة وهي على مراتب هل تدل الواو على الرتتيب؟ داللة االقرتان*اثنيًا :النص والظاهر واملؤول واجململ والبيان:
تقسيم الكالم إىل نص وظاهر وجممل ووجه القسمة تعريف النص ومثاله وحكمه تعريف الظاهر ومثاله وحكمه للتأويل عند السلف معنيان معىن التأويل عند األصوليني للتأويل ثالث حاالت (أنواع التأويل) شروط التأويل الصحيح -الفصل بني صحيح التأويل وابطله
375
375
376
377
377
379
379
379
380
380
380
381
381
381
383
384
384
385
385
386
386
387
387
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
دليل التأويل على درجات معىن اجململ عند السلف ،وعند األصوليني مثال اجململ وحكمه أمثلة على منهج السلف يف التعامل مع األلفاظ اجململة اجململ واقع يف الكتاب والسنة معاين البيان طرق البيان القاعدة الكلية فيما حيصل به البيان حكم أتخري البيان عن وقت احلاجة حكم أتخري البيان إىل وقت احلاجة املنع من أتخري البيان عن وقت احلاجة ليس على إطالقه ،واألمثلةعلى جواز التأخري
البيان ابلتعريض اترة حيرم ،واترة جيوز ،واترة جيب* اثلثًا :األمر والنهي ،والعام واخلاص ،واملطلق واملقيد ،واملنطوق
واملفهوم:
-1األمر والنهي:
تعريف األمر عند األصوليني وشرح التعريف مذهب السلف أن لألمر صيغة واألدلة على ذلك. الصيغ الدالة على األمر األمر للوجوب واألدلة على ذلك صيغة األمر قد ترد لغري الوجوب داللة األمر على الفور داللة األمر على التكرار األمر بعد احلظر هل يستلزم األمر اإلرادة -األمر ابلشيء هل يستلزم النهي عن ضده؟
631
387
388
388
388
389
389
390
390
391
391
391
392
393
395
396
396
398
398
398
399
400
401
402
403
632
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
األمر نوعان عند كثري من املتكلمني :لفظي ونفسي هل األمر ابألمر ابلشيء أمر به؟ فعل األمر هل يقتضي اإلاثبة واإلجزاء؟ النهي على وزان األمر جنس فعل املأمور به أعظم من جنس ترك املنهي عنه قاعدة اقتضاء النهي الفاسد :أدلة هذه القاعدة وتفصيلها -2العام واخلاص:
اصطالحا وشرح التعريف االصطالحي
تعريف العام لغة وً
تقسيمات العام حجية العام املخصوص ،وما احلكم إذا تعارض مع العام احملفوظ قول ابن تيمية :إن غالب عمومات القرآن حمفوظة ودليله قول األصوليني :إن أكثر العمومات خمصوصة حماولة التوفيق بني هذين القولني والتنبيه على ما ميكن أن يرتتب علىهذين القولني
املراد بصيغ العموم مذهب السلف أن للعموم ألفاظًا ختصه واألدلة على ذلك التنبيه على سبب إنكار املرجئة لصيغ العموم صيغ العموم مخسة أقساموضعا
ما يفيد العموم عرفًا ال ً اخلالف يف دخول النساء يف اخلطاب العام خالف لفظي الصحيح أن العبد يدخل يف اخلطاب العام قول الشافعي( :ترك االستفصال يف حكاية احلال مع قيام االحتمالينزل منزلة العموم يف املقال وحيسن هبا االستدالل)
داللة العام بني القطع والظن هل يتوقف العمل ابلعام على البحث عن خمصص؟ -تعريف التخصيص وحكمه وشرطه وأثره
403
404
404
406
407
408
411
412
412
413
414
415
415
415
416
416
417
418
418
418
419
419
420
421
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفرق بني التخصيص والنسخ الفرق بني التخصيص والنسخ اجلزئي أدلة التخصيص نوعان :متصلة ومنفصلة ،وبيان الفرق بني النوعني التخصيص ابحلس :مثاله وذكر االعرتاض عليه التخصيص بدليل العقل :مثاله وذكر االعرتاض عليه مىت يكون اخلالف لفظيًا يف جتويز التخصيص ابلعقل أو منعه التخصيص ابإلمجاع التخصيص بقول الصحايب التخصيص ابلقياس التخصيص ابملفهوم التخصيص ابلنص تعريف االستثناء عند األصوليني والفرق بني اصطالح األصولينيوالفقهاء
تعريف االستثناء املتصل واملنقطع شروط التخصيص ابالستثناء إذا تعقب االستثناء مجالً متعاطفة فما احلكم؟ التخصيص ابلشرط والصفة والبدل والغاية ما احلكم إذا ورد اخلاص مواف ًقا للعام يف احلكم؟ إذا تعارض اخلاص والعام يف احلكم :مذهب اجلمهور واألدلة عليه -3املطلق واملقيد:
تعريف املطلق واملقيد مع الشرح والتمثيل تقسيمات املطلق واملقيد الفرق بني اإلطالق والعموم معىن محل املطلق على املقيد األصل يف املطلق واملقيد -شرط محل املطلق على املقيد
633
421
422
423
423
423
424
424
424
425
425
425
425
426
426
426
429
430
431
435
436
436
437
438
438
438
634
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
موانع محل املطلق على املقيد أحوال املطلق واملقيد ابلنسبة للحمل وعدمه ما احلكم إذا ورد على املطلق قيدان متضادان؟ الضابط يف محل املطلق على املقيد -4املنطوق واملفهوم
تعريف املنطوق وأقسامه أقسام املنطوق غري الصريح داللة االقتضاء داللة اإلشارة داللة التنبيه واإلمياء تعريف املفهوم وأنواعه تعريف مفهوم املوافقة وأمساؤه انقسام مفهوم املوافقة إىل أولوي ومسا ٍو انقسام مفهوم املوافقة إىل قطعي وظين حجية مفهوم املوافقة عند السلف إنكار مفهوم املوافقة من بدع الظاهرية اخلالف لفظي يف داللة مفهوم املوافقة هل هي لفظية أو قياسية؟ شرط العمل مبفهوم املوافقة تعريف مفهوم املخالفة صور اختلف األصوليون فيها :هل هي من املنطوق أو من املفهوم؟ مفهوم املخالفة ستة أقسام مفهوم املخالفة حجة عند اجلمهور عدا مفهوم اللقب األدلة على حجية مفهوم املخالفة درجات أقسام مفهوم املخالفة حسب القوة ،والضابط لذلك. هل هناك فرق بني داللة املفهوم يف كالم الشارع وكالم الناس؟ -شروط العمل مبفهوم املخالفة
439
440
440
442
445
446
446
447
447
447
448
450
450
450
451
451
451
452
454
454
454
455
456
457
458
458
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الجتهاد والتقليد والفتوى:
-1االجتهاد
تعريف االجتهاد لغةاصطالحا وشرح التعريف
تعريف االجتهادً
الفرق بني التشريع واالجتهاد أنواع اجملتهدين مسألة جتزؤ االجتهاد االجتهاد يف العلة ثالثة أقسام االجتهاد فيما مل يقع االجتهاد التام واالجتهاد الناقص االجتهاد الصحيح واالجتهاد الفاسد الرأي ثالثة أقسام اجلمع بني ما ورد عن السلف من آاثر يف ذم الرأي وما ورد عنهم منالعمل ابلرأي واحلكم به
الشروط الالزم توفرها يف اجملتهد الشروط الالزم توفرها يف املسألة اجملتهد فيها حكم االجتهاد من حيث اجلملة واألدلة على ذلك اجتهاد الرسول اجتهاد الصحابة رضي هللا عنهم يف عصر النبوة حكم االجتهاد من حيث التفصيل مما تعرتيه األحكام التكليفيةاخلمسة
لفظ (اإلصابة) يف مسألة هل كل جمتهد مصيب؟ من األلفاظ اجململة هل احلق عند هللا واحد أو متعدد؟ هل اجملتهد إذا أخطأ احلق معذور؟ مذهب السلف وأدلتهم ،وضوابطذلك عندهم.
-هل جيوز أن خيلو عصر من قائم هلل حبجته؟
635
463
464
464
464
465
466
467
469
469
469
470
470
472
474
478
479
479
479
480
481
482
484
636
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
مىت يكون اخلالف يف املسائل االجتهادية رمحة ابألمة؟ األحكام املرتتبة على املسائل االجتهادية أمهية التفريق بني املسائل اخلالفية واملسائل االجتهادية شرط العمل ابلوحي من أسباب اخلالف بني العلماء من األعذار اليت تلتمس للعلماء يف اختالفاهتم -2التقليد:
تعريف التقليد لغةاصطالحا وشرح التعريف
تعريف التقليدً
حكم التقليد من حيث اجلملة شروط جواز التقليد أنواع التقليد املذموم املوقف من األئمة األربعة :أيب حنيفة ،ومالك ،والشافعي ،وأمحد –493
رمحهم هللا تعاىل
495
األحوال اليت جيوز فيها االلتزام أبحد املذاهب الفقهية496
ضوابط االلتزام مبذهب معني497
التنبيه على حماذير وقع فيها بعض املنتسبني للمذاهب498
اتباع الوحي أصل عظيم :ذكر األدلة هلذا األصل وبعض املؤلفات فيه499
الفرق بني االتباع والتقليد499
حكم التقليد يف اإلميان وأصول الدين500
ما ثبت عن األئمة من النهي عن تقليدهم501
أعذار املقلدين يف تقليدهم واجلواب عليها502
املنع من تتبع الرخص503
-3الفتوى:
504
اصطالحا
تعريف الفتوى لغة وً
504
أمهية منصب الفتوى وخطورته485
485
486
486
487
487
489
490
490
491
491
492
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
الفرق بني اإلفتاء والقضاء حكم الفتوى والضابط له أنواع الفتاوى ابلنسبة لقصد السائل حكم الفتوى فيما مل يقع شروط املفيت صفات املفيت آداب املفيت آداب املستفيت صلة الفتوى ابالجتهاد -حكم أخذ األجرة واهلدية على الفتوى
637
505
505
507
508
509
509
510
515
516
516
638
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
سانعا :فه ي احملتوَيي
ً
املوضوع
املقدمة
* مقاصد الكتاب
* خطة الكتاب
* منهج الكتاب
* شكر وتقدير
التمهيد
التعريف أبهل السنة واجلماعة من خصائص أهل السنة واجلماعةعلما
تعريف أصول الفقه ابعتباره ً تعريف أصول الفقه ابعتباره مركبًا موضوع أصول الفقه مصادر أصول الفقه فائدة أصول الفقه▪ املراحل اليت مر هبا علم أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة:
املرحلة األوىل:
* عصر اإلمام الشافعي
* آاثر الشافعي يف أصول الفقه
* القضااي األصولية اليت قررها الشافعي يف آاثره
* جهود أهل السنة بعد الشافعي
* اخلالصة
املرحلة الثانية:
* كتاب جامع بيان العلم وفضله البن عبد الرب
* أبرز املباحث األصولية اليت ذكرها ابن عبد الرب يف كتاب اجلامع
* كتاب قواطع األدلة البن السمعاين
* اخلالصة
املرحلة الثالثة
* عصر ابن تيمية وابن القيم
الصفحة
5
9
9
11
12
17
19
21
22
22
22
23
25
26
28
28
29
30
31
33
35
36
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
* دور اإلمامني يف أتصيل قواعد أهل السنة واجلماعة واألمثلة على
ذلك
* دور اإلمامني يف الرد على املتكلمني ونقد منهجهم واألمثلة على
ذلك
* كتاب املسودة آلل تيمية
* كتاب إعالم املوقعني البن القيم
* مؤلفات أهل السنة يف أصول الفقه يف هذه املرحلة
* اخلالصة
بعض املؤلفات املتأخرة ألهل السنة يف أصول الفقه
▪ دراسة مستقلة للكتب األربعة" :الرسالة"" ،الفقيه واملتفقه"،
"روضة الناظر"" ،شرح الكوكب املنري":
أوالً :كتاب الرسالة للشافعي:
* أصل الكتاب
* مميزات الكتاب
* مصادر الكتاب
* موضوعات الكتاب وترتيبها
اثنيًا :كتاب الفقيه واملتفقه للخطيب البغدادي:
* سبب أتليف الكتاب
* موضوعات الكتاب وترتيبها
* مميزات الكتاب
* تقومي الكتاب
اثلثًا :كتاب روضة الناظر وجنة املناظر البن قدامة:
* أصل الكتاب
* موازنة بني الروضة واملستصفى
* أثر كتاب الروضة يف الكتب الالحقة له
ابعا :كتاب شرح الكوكب املنري للفتوحي:
رً
* أصل الكتاب
* مميزات الكتاب
639
37
37
39
40
41
43
44
46
47
49
50
51
52
53
53
54
55
57
59
60
640
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
* البا األول *
األدلة الش عية عند أهل السنة واجلماعة
الفصل األول :الكالم على األدلة الشرعية إمجاالً
املبحث األول :األدلة الشرعية من حيث أصلها ومصدرها
املبحث الثاين :األدلة الشرعية من حيث القطع والظن
املبحث الثالث :األدلة الشرعية من حيث النقل والعقل
الفصل الثاين :األدلة املتفق عليها:
املبحث األول :الكتاب
املبحث الثاين :السنة
املبحث الثالث :اإلمجاع
املبحث الرابع :القياس
الفصل الثالث :األدلة املختلف فيها:
املبحث األول :االستصحاب
املبحث الثاين :قول الصحايب
املبحث الثالث :شرع من قبلنا
املبحث الرابع :االستحسان
املبحث اخلامس :املصاحل املرسلة
الفصل الرابع :النسخ والتعارض والرتجيح وترتيب األدلة:
املبحث األول :النسخ
املبحث الثاين :التعارض
املبحث الثالث :الرتجيح
املبحث الرابع :ترتيب األدلة
* البا الثاين *
القواعد األصولية عند أهل السنة واجلماعة
الفصل األول :احلكم الشرعي:
املبحث األول :تعريف احلكم الشرعي وأقسامه:
76
77
91
101
107
155
179
209
215
223
229
233
245
267
273
277
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املطلب األول :تعريف احلكم الشرعي
املطلب الثاين :احلكم التكليفي:
متهيد يف :تعريف احلكم التكليفي وتقسيمه
القسم األول :الواجب
القسم الثاين :احلرام
القسم الثالث :املندوب
القسم الرابع :املكروه
القسم اخلامس :املباح
املطلب الثالث :احلكم الوضعي:
املسألة األوىل :تعريف احلكم الوضعي وتقسميه
املسألة الثانية :الفرق بني احلكم التكليفي واحلكم الوضعي
املسألة الثالثة :السبب والشرط واملانع
املسألة الرابعة :الصحة والفساد
املسألة اخلامسة :األداء واإلعادة والقضاء
املسألة السادسة :الرخصة والعزمية
املبحث الثاين :لوازم احلكم الشرعي
املطلب األول :احلاكم (التحسني والتقبيح العقليان)
املطلب الثاين :التكليف:
املسألة األوىل :تعريف التكليف
املسألة الثانية :شروط التكليف العائدة إىل الفعل
املسألة الثالثة :شروط التكليف العائدة إىل املكلف
املبحث الثالث :قواعد يف احلكم الشرعي
الفصل الثاين :دالالت األلفاظ وطرق االستنباط
املبحث األول :املبادئ اللغوية:
املسألة األوىل :عالقة اللغة العربية ابلشريعة
املسألة الثانية :مبدأ اللغات
641
286
289
290
290
305
306
307
307
314
314
315
317
321
321
326
336
336
345
353
370
371
642
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
املسألة الثالثة :األمساء الشرعية
املسألة الرابعة :االشرتاك
املسألة اخلامسة :الرتادف
املسألة السادسة :العطف واالقرتان
املبحث الثاين :النص والظاهر واملؤول واجململ والبيان:
متهيد يف :تقسيم الكالم إىل نص وظاهر وجممل
املسألة األوىل :النص
املسألة الثانية :الظاهر
املسألة الثالثة :املؤول
املسألة الرابعة :اجململ
املسألة اخلامسة :البيان
املبحث الثالث :األمر والنهي ،والعام واخلاص ،واملطلق واملقيد ،واملنطوق
واملفهوم:
املطلب األول :األمر والنهي
املطلب الثاين :العام واخلاص
املطلب الثالث :املطلق واملقيد
املطلب الرابع :املنطوق واملفهوم
الفصل الثالث :االجتهاد و التقليد والفتوى:
املبحث األول :االجتهاد
املبحث الثاين :التقليد
املبحث الثالث :الفتوى
اخلامتة:
نتائج البحث
مشروع جتديد أصول الفقه:
اجملال األول :صياغة علم أصول الفقه صياغة جديدة -اجملال الثاين :دراسة وتقومي الكتب األصولية املعروفة
372
379
379
380
384
384
385
385
388
389
395
411
435
445
463
489
503
521
524
526
معامل أصول الفقه عند أهل السنة واجلماعة
اجملال الثالث :إخراج اآلاثر األصولية ألهل السنة واجلماعةامللحق:
-1قائمة جبهود ابن تيمية يف أصول الفقه
-2قائمة جبهود ابن القيم يف أصول الفقه
-3قائمة ابألحباث األصولية عند أهل السنة واجلماعة
ثبت املصادر واملراجع الواردة يف اهلامش
الفهارس
-1فهرس اآلايت القرآنية الكرمية
-2فهرس األحاديث النبوية الشريفة.
-3فهرس األعالم املرتجم هلم
-4فهرس الكتب املعرف هبا
-5فهرس املصطلحات األصولية
-6الفهرس التفصيلي للمسائل األصولية
-7فهرس احملتوايت
643
526
530
539
548
569
584
600
603
607
608
611
635
© Copyright 2026 Paperzz