الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة بسم هللا الرحمن الرحيم االمة االسالمية والتحوالت السياسية واالقتصادية المعاصرة المقدمة :اثر األزمات االقتصادية على التحوالت السياسية و االقتصادية: يعيش العالم اإلسالمي اليوم في خضم متغيرات سياسية واقتصادية متسارعة ،وباستقرائنا لإلحداث و المتغيّرات المتتالية خالل القرن الماضي تتكشف لنا العالقة الوثيقة بين تلك المتغيّرات في الفكرين االقتصادي والسياسي ،وبين تطورات األزمات االقتصادية .إذ كانت تلك المتغيرات مرتبطة من ناحية الفكرين السياسي واالقتصادي بجذور تطورات تاريخية حدثت في القرن التاسع عشر وخالل الربع األول من القرن الماضي ،وكانت األمة اإلسالمية آنذاك تعيش في مشاكلها ،حيث أخضعت جل الدول اإلسالمية في أسيا و أفريقيا والشرق األوسط تحت سيطرة الدول االستعمارية المتغيرات في نهج الغربية ،و منذ الثالثينيات وإلى نهاية القرن الماضي -،بل إلى يومنا هذا -فان كل ّ وأساليب إدارة االقتصادات في الدول اإلسالمية كانت ومازالت مرتبطة باألزمات االقتصادية والتحوالت السياسية في الدول الغربية التى ارتبطت بها سياسيا ً واقتصادياً .كما انعكست آثار تلك المتغيرات الفكرية واأليدلوجية على نظم الحكم وعلى نماذج إدارة االقتصادات في الدول اإلسالمية خالل النصف الثاني من القرن الماضي ،حيث اعتنقت معظم الدول اإلسالمية األفكار اليسارية وانعكس ذلك في التحوالت في الفكرين االقتصادي والسياسي وفي إدارة اقتصاداتها وفي أوضاع نظم الحكم فيها .وفى نفس السياق فان التحوالت السياسية التى أفرزتها نهاية الحرب العالمية األولى كان من تداعياتها على العالم اإلسالمي تفكيك الخالفة العثمانية ووضع الدول المنضوية تحت مظلة الخالفة العثمانية تحت سيطرة الدول الغربية المنتصرة. وتمثل الفترة ما قبل نهاية الحرب العالمية الثانية إخضاع العالم اإلسالمي ،أي فترة ستغلت خاللها مواردها المادية والبشرية واستغاللها في مواجهة ما اصابها من االستعمار المباشر ،ا ُ الكساد الكبير " "The Great Depressionو ما الزمته من التداعيات المدمرة لالقتصادات في معظم دول العالم ،وبصفة خاصة الدول الصناعية ،حيث تراجعت معدالت اإلنتاج والدخول، واستفحلت معدالت البطالة ،إذ أحدث الكساد أزمة اقتصادية حادة في تلك الدول تمثلت في تراجع اإلنتاج و تدهور الدخول و في استفحال مشكلة البطالة و اختالل العالقة بين الطلب و العرض الكليين .و أصبحت الدول الغربية اكثر نهما ً على نهب موارد المستعمرات و أستنزافها لمقابلة متطلبات الحربين العالميتين األولى والثانية . ومن أهم تداعيات الكساد الكبير وخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ان اتضح جليا ً إنه ال يمكن محاصرة تلك األزمة في ظل النموذج االقتصادي و السياسي اللبرالي السائد آنذاك .إذ أن مواجهة تلك األزمة ،خاصة مشكلة البطالة -التى أحدثتها الحرب العالمية كانت تستدعى تدخل الدولة والذي كان يعتبر آنذاك من المحرمات في ظل الفكر اللبرالي .اذ أتضح عندئذ فشل النموذج اللبرالي وتحولت إدارة االقتصاد من النظام اللبرالي المرتكز على المفهوم الذي يحصر وظائف الدولة في الشئون التنظيمية و في إطار الحد األدنى :األمن والقضاء وتحسين العالقات الخارجية .أما سائر الوظائف األخرى فكانت -حسب المفهوم اللبرالي -من اختصاصات القطاع الخاص ،وكان من المحظور تدخل الدولة في شئون اإلدارة االقتصادية واالجتماعية ،وفق الفكر اللبرالي ،وان قوى السوق وحدها هي التى تقرر ماذا ؟ و كيف ؟ و لمن ينتج؟ .في ظل هذا النموذج االقتصادي تُحدد 1 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة األطر االقتصادية الكلية والجزئية وتُجرى في إطارها المعامالت في كل القطاعات االقتصادية و الخدمية واإلنتاجية. ترمز نهاية الحرب العالمية الثانية تحوالت سياسية هامة في الدول اإلسالمية .فقد شهدت تلك الفترة حصول جل الدول النامية في أفريقيا واسيا وأمريكا الالتينية استقاللها السياسي من الدول الغربية لتبدأ مرحلة جديدة من نماذج الحكم الذاتي. وقد تأثرت الدول النامية ،ومن بينها الدول اإلسالمية ،بالتحوالت الكبرى التى شهدها العالم، اذ اندثر الفكر اللبرالي ليحل محله نموذج الرفاه ،وتطورت في إطاره وظائف الدولة المبررة للتدخل من اجل تحقيق رفاهية المواطنين من خالل التدخل للتنظيم وتفعيل إدارة االقتصاد .و يمثل هذا التدخل في قيام الدولة بتوفير السلع والخدمات وتوجيه اإلنتاج واالستهالك وتوزيع الدخول وتصميم برامج االستخدام األمثل لم وارد البالد لتحقيق األهداف االجتماعية ودعم و تحفيز القطاعات ذات األسبقية و تعضيدها ،واتباع سياسيات ائتمانية موجهة لدعم القطاعات ذات األسبقية. وقد استند هذا التحول في الفكر االقتصادي على نظرية العمالة الكاملة ( Full )Employmentالتى أرساها االقتصادي البريطاني(جون كينز)والذي اتهم عندئذ بالنزعة االشتراكية .وكان من أهم المرتكزات الفكرية لهذه النظرية رفع مستوى الطلب الفعّال على العمل والعمالة .وهو ما يسمى بالمالية الوظيفية والتي تقابل المالية المحايدة التى سادت في الفكر التقليدي. ى لدى كثير من الدول اإلسالمية ،شأن وقد نال هذا النهج الجديد في الفكر االقتصادي هو ً الدول النامية األخرى التى نالت استقاللها حديثاً .وصاحب هذا التطور في الفكر االقتصادي في جانب وظائف الدولة التوسع في النفقات العامة ،ساعد تلك الدول كثيرا ً في تحقيق إنجازات إنمائية في الخدمات االجتماعية .وكانت النتائج السالبة لذلك االتجاه عدم قدرة مؤسسات القطاع العام ،التى أوكلت لها جل تلك المسئوليات في ظل التحول في نهج إدارة االقتصاد ،على المساهمة بفعالية في تحقيق تلك المهام مما أدى فيما بعد إلى مبررات بروز حركة التحرير ،اذ إنها لم تعد قادرة على مواكبة التطورات في مجاالت التكنولوجيا التى أصبحت المحرك األساسي لإلنتاج ومكمن القوة والقدرة على المنافسة الشرسة التى يطلبها التعايش مع العولمة .اذ أحدثت التكنولوجيا و تقانة المعلومات تطورا ً مذهالً وهاما ً في عمليات التنمية االقتصادية واالجتماعية ،وفى ربط تلك التطورات بمقدار جودة التقنيات المستخدمة لإلنتاج والخدمات .واكب ذلك تراجع في مفهوم ربط اإلنتاج واإلنتاجية بعملية تكثيف عاملي رأس المال والعمالة كمصدرين أساسيين لإلنتاج .وببروز حركة التحرير كمفهوم وواقع معاش تبدأ مرحلة تحول احدث متغيرات وارتباك خطير وهام في العالقات الت جارية وفى نشء فوارق بين الدول الصناعية والدول النامية ،وتعاظمت االتجاهات االحتكارية مع ظهور المؤسسات العمالقة متعددة الجنسيات .وفى الوقت ذاته احدث تحرير أسواق المال ارتباكا ً في األسواق المالية العالمية وأشعل األزمة المالية التى هزت أسواق المال الدولية قادت إلى انهيار مؤسسات مالية ومصارف كبرى خالل العقدين األخيرين من القرن الماضي ،مما اضطرت الدول العشرة الكبرى للعمل على إعادة هيكلة لجنة بازل لمحاصرة األزمة. واتضح عندئذ ان القطاع الخاص يتمتع بقدرة افضل على االستجابة لمتطلبات التطورات التكنولوجية وأكثر كفاءة للتفاعل اإليجابي معها .ومما دعم ذلك االتجاه نحو القطاع الخاص فشل المؤسسات العامة في توليد موارد مالية كافية لمقابلة التزامات الدولة الخارجية نحو خدمة الديون التى أُستغلت في االستثمارات التى أشرفت عليها تلك المؤسسات العامة .وقد أفضى هذا الوضع إلى بروز أزمة الديون الخارجية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي ومازالت زيولها باقية إلى يومنا. وتعتبر النماذج اإلدارية التى اتبعتها الدول ،في أطار تفعيل دور وظائف الدولة في تحقيق الرفاهية لشعوبها من سلبيات تلك الفترة .اذ اعتمدت تلك النماذج على الضوابط اإلدارية الكابحة والمقيدة للنشاط االقتصادي التى لم تعد مواكبة لمتطلبات التطورات التكنولوجية ومقتضيات المنافسة الشرسة التى استبطنتها العولمة االقتصادية و التجارية .وسوف نرى فيما بعد سلبيات تلك النماذج في إدارة االقتصاد على قدرة الدول اإلسالمية في التخلص منها وبالتالي أضعاف قدرتها على مواكبة التطورات االقتصادية وعلى مواجهة تداعيات العولمة. 2 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة ان التطورات السالبة لنماذج إدارة االقتصادات قد أفضت إلى تراجع الدول عن ذلك النهج في إدارة االقتصاد والبحث عن نماذج بديلة .وقد جاء هذا التحول في إطار الجهود التى بذلت لمعالجة األزمات االق تصادية التى بدأت تطل برأسها مع بروز أزمة النفط في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي .وقد ارتبط ذلك التحول ببرامج إصالحية استهدفت النظم الهيكلية واالقتصادية وتحقيق استقرارها. ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الفكر االقتصادي والتي تعتبر من اخطر المراحل التى يمر بها االقتصاد العالمي .كما شهدت هذه الفترة خالل عقدي الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي تحوالت سياسية أثرت سلبا ً على الدول النامية ،ومن بينها اإلسالمية في أفريقيا واسيا نى إزالة القيود على التجارة والشرق األوسط .اذ شهدت هذه الفترة التحرير االقتصادي والذي تَبَ َ الخارجية و تحرير األسعار و دعم المنافسة لتحفيز القطاع الخاص و تشجيعه (وهنا تتأكد عالقة األزمات االقتصادية بالتحوالت في الفكرين االقتصادي والسياسي) ،حيث بدأت مشكلة تراجع كفاءة القطاع العام عن القيام بمهام ومتطلبات الرفاه منذ السبعينيات ،إال إنها تفاقمت وأصبحت أزمة اقتصادية في النصف األول من الثمانينيات عند بروز أزمة الديون وتحول اهتمام الدول األوربية من الدول النامية لصالح دول أوروبا الشرقية بعد اتفاقية هليسنكى وما تبع ذلك من التطورات المذهلة في العالقات بين المعسكرين الشرقي والغربي و بداية تفكك(حلف وارسو) .ومن ثم بدأ تحول النموذج االقتصادي المبني على الدور المتعاظم للدولة في إدارة االقتصاد والمستند على التحكم و الكبح المالي ،إلى نموذج جديد يستند على االنفتاح االقتصادي والتحرير المالي والذي تلعب فيه قوى السوق ،المعتمدة على المنافسة الحرة ،دورا ً أساسيا ً في إطار اقتصادي كلى تميز بعدم االستقرار .اذ لم يكن هذا النموذج الجديد ،بدوره ،بمنأى عن األزمات ،ذلك الن عملية التحرير المالي ،خاصة و إن عمليات إزالة القيود على حركة حساب رأس المال وعلى أسعار الفائدة قد تمت قبل تهيئة المناخ المواتي لعمليات التحرير،بما في ذلك متطلبات توفير األطر التشريعية و قواعد الرقابة المصرفية والضوابط االحترازية الفاعلة ،وإعادة هيكلة وتكييف األوضاع االقتصادية ايفاءا ً بمتطلبات عمليات التحرير .إذ سرعان ما واجه عدد كبير من المصارف في الدول المتقدمة والناشئة والنامية صعوبات وأزمات ،حتى بلغ عدد الدول التى واجهت أزمات مصرفية حوالي ( )133دولة من جملة ()181 دولة عضو في صندوق النقد الدولي وفي خضمها دول العالم اإلسالمي .ثم تفاقمت مشكلة التحرير و تداعياتها مع اندفاع األسواق نحو العولمة (كما سوف نسردها بالتفصيل في الصفحات القادمة). بالرغم من أن المجتمع الدولي -ممثالً في مجموعة الدول العشرة الكبرى و صندوق النقد الدولي و بنك التسويات الدولية – بدأ في التحرك لمحاصرة األزمات المالية ووضع المعايير والضوابط االحترازية لتصويب أداء المؤسسات المالية و األسواق المالية الدولية ،و بالرغم من التحس ن الكبير الذي طرأ على أداء كثير من األسواق الدولية ،إال انه مازالت هنالك بعض الدول اإلسالمية تعانى من تبعات التحرير المالي وتداعيات العولمة .و سوف نتناول التطورات و التداعيات التى شهدتها هذه الفترة في الصفحات القادمة إن شاء هللا. و الذي يهمنا هنا من هذا التحليل هو أن هذا التحول من سياسات الكبح المالي و سيطرة الدولة على إدارة االقتصاد ،إلى التحرير المالي و االنفتاح على األسواق الخارجية و توسيع نطاق حركة القطاع الخاص ،جاء نتيجة ألزمات مالية .ومازالت هذه األزمات ماثلة ،خاصة في أعقاب التطورات و المتغيرات المذهلة التى بدأت ترسم خطوطا ً " كنتورية " جديدة للعالم -وبصفة أخص بالنسبة لالمة اإلسالمية -بعد أحداث 11سبتمبر 2001م وحرب الخليج الثالثة والتطورات الخطيرة الماثلة في العراق -العمق اإلسالمي -و ال ندرى إلى أين سوف تقودنا هذه التطورات في ظل التهديدات التى تمارسه ا القوى المعادية لألمة اإلسالمية .ومن جراء تلك التهديدات أحاطت غيوم كثيفة حول مصير األمة اإلسالمية .و مازال الوقت مبكرا ً للتنبؤ بمستقبل األمة اإلسالمية ومصير عالقاتها االقتصادية والسياسية في ظل المتغيرات الدولية التى تهدد االستقرار السياسي و االقتصادي لالمة خاصة في ظل ضعفها وهوانها .فإن استقراء التطورات السياسية واالقتصادية والعلمية العالمية اظهر ان األمة اإلسالمية قد تعرضت جراء تلك التحوالت إلى أزمات سياسية واقتصادية المست هويتها وعقيدتها. 3 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة كما أدت تلك التحوالت إلى تهميش العالم اإلسالمي اقتصاديا وسياسيا ً في عالم لم يعد يعرف التهميش أو التخلف عن ركب التقدم الحضاري واكتساب القدرة على التعايش مع العالم. نحاول في الصفحات التالية ،ان شاء هللا ،إبراز متطلبات تحرير األمة اإلسالمية من حلقات التخلف التى تعيشها وأحداث التحوالت السياسية واالقتصادية التى تعيد لها كرامتها وتمكنها من التعايش مع المجتمع الدولي واالستفادة من المزايا التى تفرزها التطورات التكنولوجية والتحوالت السياسية واالقتصادية التى توجه الحياة في عالم اليوم. 4 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة اوالً :األمة اإلسالمية والتحوالت السياسية الدولية -: شهد النصف الثاني من القرن الماضي تحوالت سياسية بالغة الخطورة على األمة اإلسالمية. وكان اخطر هذه المتغيرات المؤامرة الكبرى التى أفضت الى قيام الكيان الصهيوني في قلب العالم اإلسالمي .وقد قامت الصهيونية العالمية والقوى اإلمبريالية و الصليبية على خلفية الصراع ضد الحضارة اإلسالمية التى بدأت بالحمالت الصليبية في القرون الوسطى ثم طرد المسلمين من جنوب القارة األوروبية ثم إخضاع أقطار الدول اإلسالمية في شمال إفريقيا و غربها و الشرق األوسط تحت سيطرت االستعمار الغربي ،ثم تفكيك الخالفة اإلسالمية وتحويل األراضي التى ظلت تحت مظلتها إلى مستعمرات ومحميات ودويالت وممالك سيطرت عليها الدول االستعمارية .و إمعانا في السيطرة على العالمين اإلسالمي والعربي تم إنشاء الكيان الصهيوني ليصبح نقطة ارتكاز لها وبؤرة لعدم االستقرار في المنطقة لتسهيل السيطرة الكاملة على العالم العربي واإلسالمي. ومن أهم المخاطر التى برزت في التسعينيات من القرن الماضي نهاية الحرب الباردة وانهيار المعسكر االشتراكي وزوال الثنائية القطبية لتبرز الواليات المتحدة األمريكية وحلفاؤها كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية أحادية في ظل النظام الدولي الجديد ،مستغلة المنظمات الدولية مثل مؤسستي بريتون ودز ،منظمة التجارة العالمية ومنظمات ووكاالت األمم المتحدة من خالل نفوذها وسيطرتها على العالم خاصة دول العالم الثالث واستخدام المعايير المزدوجة في التعامل مع ما يسمى بدول العالم الثالث ،وبصورة أخص مع الدول اإلسالمية .وبذلك غيرت هذه التحوالت المتسارعة كثيرا ً من المفاهيم المنظمة للعالقات الدولية السياسية واالقتصادية التى سادت أبان الحرب الباردة وما قبلها. وكنتيجة لتداعيات هذه التحوالت وما استبطنتها من إفرازات تواجه األمة اإلسالمية تطورات سياسية واقتصادية وعسكرية خطيرة ومتسارعة ،في ظل تعرض الحضارات البشرية الموروثة للتهميش و التعدي ،كما يتعرض دور األديان في توجيه الحياة البشرية لالنتقاص. أصبح اإلسالم يشكل في نظر القوى الغربية العدو الرئيسي بعد زوال المعسكر الشيوعي، فكرا ً ونظاماً .كما تعتبر استراتيجية الغرب الحضارة اإلسالمية ،كأقوى الحضارات في الساحة الدولية وبذلك تشكل تهديدا ً مباشرا ً لحضاراتها العلمانية المسنودة بالفكر الرأسمالي اللبرالي والصليبي المتطرف و المسنود باطماع الصهاينة .و مما عمق هذه النظرة االستراتيجية للرأسمالية الغربية للعالم اإلسالمي ما تتميز به كثير من مناطقها بموارد طبيعية هامة واستراتيجية مثل النفط والمواقع الجغرافية ذات األهمية االستراتيجية ،خاصة المناطق التى تربط العالم والبالد اإلسالمية بمناطق ذات استراتيجية في أفريقيا واسيا .هذا الى جانب اتسهدافها الدول إسالمية التى تملكت القدرة على تطوير األسلحة النووية مثل العراق وإيران. هكذا نجد مؤامرات الواليات المتحدة األمريكية المسنودة بدوائر الصهيونية والكنيسة المتطرفة تأخذ بعُدا ً جديدا ً بعد انهيار المعسكر االشتراكي ،مرتكزة على األحادية القطبية ومستغلة معطيات العولمة فى إزالة الحدود الجغرافية بين الدول و الحضارات لصالح الرأسمالية الغربية والدوائر الصهيونية وأفكارها.وليس ُهل اكتمال سيطرة الرأسمالية الغربية الكاملة على كل مناح الحياة البشرية االقتصادية والدينية والثقافية واالجتماعية استخدمت معايير مزدوجة وشعارات فضفاضة مختلفة مثل الديمقراطية ،حقوق اإلنسان ,الشفافية و محاربة االرهاب ...الخ .ويتم تنفيذ هذه الخطط عن طريق استغالل الم ؤسسات والمنظمات التابعة لألمم المتحدة مثل لجان حقوق اإلنسان ومجلس األمن و المؤسسات المالية مثل صندوق النقد ،ومنظمة التجارة العالمية و التى أصبحت مطية للدول الغربية لتمارس من خاللها أستراتيجياتها فى اخضاع دول العالم الثالث عامةً و الدول األسالمية بصفة خاصة حيث تمارس قوى األمبريالية من خالل هذه المؤسسات ضغوطا ً هائلة على األمة اإلسالمية .و ذلك الى جانب التدخل المباشر في شئونها الداخلية لتدمير بنياتها األساسية بأبشع صورة الوحشية المنافية لإلنسانية ،كما هو الحال في فلسطين ,افغانستان و العراق .وهنالك عدة دول إسالمية تتعرض للضغوط الهائلة ،بل وللتهديد بالتدخل المسلح ،ومثال ذلك ما يتعرض له السودان وإيران وسوريا .وكل ذلك في إطار المؤامرات الغربية المسنودة بالدوائر الكنسية والصهيونية .وتستغل 5 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة الواليات المتحدة في ذلك كل قدراتها االقتصادية والعسكرية ونفوذها السياسي في التعدي على هوية األمة اإلسالمية و مقوماتها و تهميش دور الدين اإلسالمي في حياة المسلمين عن طريق مطالبة الدول اإلسالمية بتعديل المناهج اإلسالمية في مؤسساتها التعليمية ،كما حاصرت حركة أموال المسلمين الموجهة إلى األعمال الخيرية إلفساح المجال للمنظمات الطوعية الغربية المشبوهة والجاهدة في تنصير المسلمين وإشعال الفتن في البالد اإلسالمية.و يحدث كل ذلك تحت ستار محاربة اإلرهاب و إصالح نظم الحكم في البالد اإلسالمية .ويستخدم في تحقيق ذلك المعايير المزدوجة و ابشع المجازر البشرية في فلسطين وأفغانستان و العراق .وابرز األمثلة إلزدواجية المعايير التى تستخدمها الواليات المتحدة والدول األوروبية انها تحرم على إيران والعراق تطوير السالح بينما يسمحون في الوقت ذاته إلسرائيل بامتالك ترسانات األسلحة النووية والبايولوجية. واعتقد ان ما تم وما يدور اآلن من مؤامرات و تكتالت ضد األمة اإلسالمية ال يعدو أن يكون حلقة من حلقات الحرب الصليبية وصراعاتها ضد األمة اإلسالمية والتي بدأت منذ العصور الوسطى .و تتخذ هذه الصراعات في كل مرحلة من مراحلها أساليب وتدابير مختلفة تتواءم و تتفق مع الظروف و المعطيات الدولية الماثلة. فقد استغلت قوى االستعمار األوروبية انحسار المدى اإلسالمي وضعف خلفاء الدولة اإلسالمية فقامت باستنزاف ثرواتها وتهميش حضاراتها وهويتها. ففي نهاية الحرب العالمية األولى تم تفكيك أخر ما تبقى من الخالفة اإلسالمية وتجزئتها إلى أقطار ودويالت و ممالك ومحميات استبقتها تحت نفوذها. واالَن تستغل القوى الصليبية في صراعها مع األمة اإلسالمية الظروف الدولية المواتية تحت ظل األحادية القطبية – النظام العالمى الجديد -و التفوق العلمي واالقتصادي والسياسي والعسكري، إلى جانب تفكك األمم اإلسالمية وضعفها السياسي والعسكري .وتستخدم تلك القوى في صراعها ضد األمة األسالمية ,إلى جانب قواها العسكرية واالقتصادية ،وكاالت ومؤسسات األمم المتحدة، ومؤسستي بريتون ودز والمؤسسات المالية األخرى ،وتفرض على هذه المؤسسات استخدام المعايير المزدوجة في تعاملها مع الدولة اإلسالمية. وصف السيد /دينس هاليداي مساعد األمين العام لألمم المتحدة السابق الرئيس األمريكي جورج بوش (في ندوة نظمتها نقابة الصحفيين المصريين مؤخرا ً) بأنه الديكتاتور األكبر للنظام العالمي لتورطه في الجرائم التى ترتكب بالعراق وفلسطين وأفغانستان. وقال هاليداي ان األمم المتحدة صارت اآلن أداة لتحقيق أهداف الواليات المتحدة لذلك يجب على العالم أن يرفض دورها باعتبارها أداة لبسط الهيمنة األمريكية. و أضاف هاليداي أن الواليات المتحدة تسعى الى فرض نظم بعينها في الشرق األوسط حتى ال تهدد المصالح األمريكية كما تهدف الى فرض هيمنتها وليس الديمقراطية كما تدعى وتسعى الستثمار تلك الهيمنة باستنزاف الموارد الطبيعية للعرب وفى مقدمتها النفط. وشبه هاليداي الهيمنة األمريكية على الوطن العربي بأنها (تسونامي أمريكي) مضيفا ً أن الواليات المتحدة عند غزوها للعراق رفعت شعار(الصدمة و الرعب) مما يندرج تحت قائمة (إرهاب الدولة) وأن النتائج التى أسفرت عنها عملية غزو العراق تعد انتهاكا ً صريحا لميثاق األمم المتحدة واتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة األسرى .وأكد أن المقاومة العراقية تمارس حقها المشروع لتحرير وطنها وميثاق األمم المتحدة ينص على حق األفراد في الدفاع عن النفس في ظل االحتالل(.1انتهى حديث هاليداي) وبعد أن استخدمت الواليات المتحدة األمريكية قواها العسكرية في أحداث المجازر البشرية البشعة في العراق وأفغانستان وتمكين الصهاينة من احتالل فلسطين وتذليل شعبها ،بدأت ترفع عصا التهديد على دول إسالمية أخرى مثل السودان وسوريا وإيران. 1صحيفة الرياض السعودية – يوم 2005/1/13م 6 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة وفى إطار صراعها ضد األمة اإلسالمية وإخضاعها تحت سيطرتها تقوم القوى الصليبية بدعم وتقوية الكيان اإلسرائيلي لتكون بؤرة لعدم استقرار دائم في الوطن اإلسالمي .وتوفر لها كل مقومات التفوق على العالم اإلسالمي وذلك بمدها بالمال وكل أنواع األسلحة المتطورة .وفى حين تقوم دولة الكيان اإلسرائيلي بامتالك وتطوير األسلحة النووية والكيماوية الفتاكة تقوم تلك القوى بحرب إبادة على العراق تحت زعم إبادة أسلحة الدمار الشامل ،وفى ذات الوقت تحول دون امتالك إيران للسالح المتطور.وبكل أسف يحدث كل ذلك تحت سمع وبصر قادة الدول اإلسالمية. ومن التداعيات السالبة التى صاحبت انهيار المعسكر االشتراكي التعاون بين شطري أوروبا. اذ يعتبر انهيار المعسكر االشتراكي فكرا ً ونظاما ً اكبر تحوالت استراتيجية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية .وكان لهذه التحوالت بالغ األثر على العالقات السياسية واالقتصادية الدولية واإلقليمية .فقد تحولت العالقات بين الكتلتين الغربية والشرقية من حالة الخصام والمواجهة التى اتسمت بها العالقات بين القطبين طيلة فترة الحرب الباردة ،الى حالة تقارب ووئام وتعاون أسست على القيم والموروثات األوروبية المشتركة .وعلى ضوء تلك الموروثات تم األلتقاء على مبادئ متفق عليها لنبذ الخص ام والمقاطعة بين شطري أوروبا والبحث عن وسائل للتعاون اإلقليمي والحلول الدائمة للمشاكل المشتركة بين شطري القارة ،وأنهاء حالة تجزئة القارة بين كتلتين عقيديتين وعسكريتين جامدتين ،إلى جانب إرساء دعائم التعاون االقتصادي واألمني والتكنولوجي والعلمي، وبناء جسور الثقة وإزالة الحاجز النفسي الذي سيطر على الشطرين طيلة عقدي الستينيات والسبعينيات .ووفق ميثاق باريس نشأت تحوالت جوهرية في خريطة أوروبا السياسية والعسكرية لتبدأ مرحلة جديدة في العالقات األوروبية األوروبية .وامتدت آثار هذا التحول الى جميع أنحاء العالم ،خاصة دول العالم الثالث التى تربطها بأوروبا عالقات تاريخية. لقد افقد هذا التحول اإلستراتيجي في العالقات األوروبية الدول اإلسالمية النامية األهمية االستراتيجية التي تمتعت بها طيلة فترة الحرب الباردة ،من خالل التوجه العام لعالقات القطبين الكبيرين مع دول العالم الثالث وكتلة دول عدم االنحياز .فقد اتسمت فترة الحرب الباردة بالسباق والمنافسة بين القطبين الستقطاب تلك الدول .وكانت بعض الدول اإلسالمية مثل مصر والجزائر والعراق وباكستان ونيجيريا ,قد تميزت بعالقات استراتيجية مع القطبين شملت المجاالت السياسية واإلقتصادية .وبانتهاء الحرب الباردة وتغيّر خريطة أوروبا فقدت الدول اإلسالمية تلك األهمية االستراتيجية .وبعد التقارب بين الشرق والغرب لم تعد دول الكتلتين في حاجة إلى استقطاب دول العالم الثالث .ومن ناحية أخرى وفي إطار التعاون بين شطري أوروبا الموحدة تحول اهتمام دول أوروبا الغربية ،الذي كان يمثل ثقل التعاون االقتصادي التاريخي مع كثير من الدول اإلسالمية إلى أوروبا الشرقية .ولم تعد كثير من الدول اإلسالمية النامية قادرة على منافسة دول أوروبا الشرقية في جذب االستثمارات الغربية ،نسبة للفجوة الكبرى القائمة بين اإلقليميين في البنيات التحتية الجاذبة لالستثمار الخاص وفى مناخ األستقرار السياسي والفجوة الواسعة بينهما في توطين التكنولوجيا والعمالة الفنية والماهرة. لقد عمقت هذه التحوالت حالة العزلة و التهميش لكثير من الدول اإلسالمية غير البترولية إقتصاديا ً وسياسياً ،بعد أن أضيفت العزلة الجغرافية والسياسية إلى العزلة اإلقتصادية وفجوة التكنولوجيا ،التي تميزت بها العالقات الدولية في أعقاب أزمة الديون ،وتدهور شروط تبادل التجارة الدولية والتي أوضحناها من قبل. تجدر اإلشارة هنا الي أن هذه التحوالت تمت في ذات الوقت الذي التزمت فيه عدة دول إسالمية ب تنفيذ برامج إقتصادية قاسية فرضتها عليها الدول الغربية في إطار التعاون اإلقتصادي وتقديم المساعدات المالية .وبتراجع مسار التعاون اإلقتصادي وضمور المساعدات اإلقتصادية المقدمة من الدول الغربية ،لم تعد برامج اإلصالح التى تقوم بتنفيذها بعض الدول اإلسالمية ،قادرة عرض كثيرا ً من الحكومات اإلسالمية الفقيرة إلى حرج سياسي مع الدول على تحقيق أهدافها مما ّ والمؤسسات المالية المانحة. 7 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة لقد أوضحنا من قبل في الصفحات السابقة من هذه الورقة التطورات المذهلة التي شهدها العالم خالل العقود الثالثة الماضية ،وأحدثت تحوالت كبرى في الهياكل االقتصادية والمالية وفي مجاالت اإلنتاج والتوزيع ،اقتضتها متطلبات التعايش مع حركة العولمة اإلقتصادية التي أثرت على النظم اإلقتصادية وعلى نظم الحكم ،حيث برزت في أوربا وأمريكا وأسيا تجمعات و تكتالت إقتصادية وسياسية .وتبنت دول العالم برامج وإستراتيجيات لمواكبة ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية واإلتصال ،والعمل على اإلستفادة من الفرص التي تتيحها تلك التغيرات في الساحة الدولية ،في نظم وأنماط األنشطة اإلقتصادية المختلفة ،وفي وسائل ونماذج أدارتها .وبذلك تم ّكن كثير من دول العالم من المواكبة مع تلك التطورات واستطاعت أن تتجاوز مخاطرها و التبعات السالبة للعولمة. ولما كانت الدول اإلسالمية ،التي خرجت من قبضة اإلستعمار مثقلة بمشاكلها الداخلية، مشغولة بأزماتها اإلقتصادية والسياسية واألجتماعية عما يجري حولها ،فلم تتمكن– باستثناء الدول القليلة التى وصلت مرحلة األسواق الناشئة مثل ماليزيا وتركيا وإندونيسيا -من مواكبة تلك التحوالت و التطورات .وتخلفت األمة اإلسالمية عن ركب التحوالت وفشلت في اإلستفادة من الفرص اإليجابية التي أتاحتها العولمة اإلقتصادية .كما لم تتمكن تلك الدول من تجاوز مخاطر التهميش والعزلة في عالم لم يعد يعرف التقاعس عن الركب والتهميش .وفيما يلي نحاول إبراز العوامل الخارجية التي حالت دون تم ّكن الدول اإلسالمية من مواكبة تلك التحوالت و التطورات ،وتتجاوز بها مخاطر التهميش والتي عمقت تبعات العوامل التى افرزها خضوعها لالستعمار اإلمبريالي خالل القرنين السابقين. .1األزمات االقتصادية الدولية و أثرها على العالم اإلسالمى: تميز عقد الثمانينيات من القرن الماضي بعدة أزمات اقتصادية أهمها الركود االقتصادي الذي شهدته الدول الصناعية ،ثم أزمة الديون الخارجية التي أحدثت تحوالً هاما ً في حركة تدفقات رؤوس األموال الخارجية إلى الدول النامية غير البترولية ،خاصة الي الدول الفقيرة المثقلة بالديون ،وكان اثر هذه األزمات علي اإلقتصاد فى العالم اإلسالمي بارزا ً ومؤثرا ً للغاية. تعود جذور إنعكاسات األزمات اإلقتصادية الخارجية على اقتصادات العالم اإلسالمي إلى طبيعة العالقات التاريخية بين الدول اإلسالمية والدول الصناعية في أوربا التي أرست استراتيجياتها السياسية واإلقتصادية على إستغالل موارد وخامات الدول النامية والناشئة لصالح مؤسساتها الصناعية والتجارية والمالية ،و إخضاع الدول اإلسالمية النامية إلى التبعية المستدامة والمستمرة للدول الغربية .ومع التطورات اإلقتصادية والمالية والتكنولوجية الهائلة في الدول الصناعية في أوربا وأمريكا الشمالية واليابان ،خالل العقود الثالثة الماضية ،تعمقت تبعية الدول اإلسالمية وإقتصاداتها بدرجة أكبر للعالم الخارجي ،وإتسعت الفوارق اإلقتصادية والمالية وفجوات التكنولوجيا والمعلوماتية بين الدول الغربية الغنية والدول اإلسالمية .وذلك في اطار الظاهرة القوية التي تحكم العالقات الدولية ،خاصة بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة التى تنتمى اليها الدول االسالمية ،بل أصبحت هذه الظاهرة سمة العصر الحديث .وفي ظل هذه العالقات الدولية تفاقمت أثار موروثات الحقبة االستعمارية من التبعية االقتصادية وماتبعها من بعد االستقالل السياسي من عدم االستقرار السياسي واالقتصادي وأصبحت أكثر حدة مما زاد في معاناة الشعوب اإلسالمية -غير البترولية وباستثناء بعض دول األسواق الناشئة -من الفقر والتخلف بسبب تراجع معدالت اإلنتاج وتدهور القدرة التنافسية الخارجية إلقتصاداتها ،باإلضافة إلى مزيد من التدهور في شروط التبادل التجاري مع الغرب نتيجة لألزمات اإلقتصادية التى صاحبت بروز صدمات النفط وما صاحبها من الكساد في األسواق الخارجية وهبوط األسعار ،وتراجع الطلب على صادرات الدول اإلسالمية النامية المعتمدة على السلع األولية والزراعية ومنتجات المعادن ،والتي تعتبر المصدر األساسي لمواردها من النقد األجنبي. لذا يعتبر تراجع حصة الدول اإلسالمية النامية غير البترولية ،من التجارة الدولية وتدهور شروط التبادل التجاري من أهم األسباب لتخلف وتعميق تهميشها .وقد انعكست آثار هذا التراجع في موارد الصادرات سلبا ً على القوة الشرائية في تلك البالد ،مما عمق قصور قدرة اإلقتصادات 8 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة اإلسالمية على تنويع صادراتها وجذب رؤوس األموال الخاصة ،فزاد اعتماد الدول اإلسالمية النامية على المساعدات الخارجية الرسمية في شكل معونات وقروض ميسرة. ،وفي نهاية القرن الماضي بلغ حجم الديون المتراكمة حجم الناتج المحلي اإلجمالي للدول النامية بما في ذلك معظم الدول اإلسالمية غير البترولية ،مضيفا ً بذلك أعباء مالية جديدة على كآهل تلك الدول في شكل خدمات الديون على حساب النفقات الحكومية على الخدمات األساسية ،مما أدي إلى مزيد من التدهور في مستويات خدمات التعليم والصحة ..الخ .كما أدي ذلك إلى تعميق المشاكل االجتماعية واألمنية التي تعاني منها تلك الدول أصالً .ومن جانب أخر إنعكست آثار وتداعيات ضمور موارد العمالت األجنبية بصورة أعمق على هياكل وكفاءة اإلنتاج الزراعي ،وبالتالي على معدالت النمو اإلقتصادي في معظم الدول اإلسالمية غير البترولية .هذا وواكب ذلك هبوط مماثل في معدالت نمو اإلستثمار أفضى الى تراجع معدالت النمو اإلقتصادي وبالتالي إلى مزيد من التدهور في األوضاع اإلقتصادية واإلجتماعية في كثير من الدول اإلسالمية النامية. هذا ويعزي النمو المتواضع في الدول اإلسالمية النامية غير البترولية – إلى جانب ضمور الموارد المالية – إلى القصور في استخدام الموارد المتاحة – على قلتها -بكفاءة عالية ومثمرة. وينعكس ذلك على عائد اإلستثمارات في تلك بالمقارنة بالمستويات المحققة في الدول الناشئة. فقد بدأ تدهور معدل اإلنتاجية في الدول اإلسالمية النامية -غير البترولية منذ عام 1973م في أعقاب صدمة النفط ،حيث تراجع المعدل من بعد أزمة النفط فى 1973بسبب األزمات والتحوالت االقتصادية والسياسية التي انعكست سلبا ً على األداء االقتصادي في الدول اإلسالمية غير البترولية. كما تراجع عائد االستثمار تراجعا ً واضحا ً في نفس الفترة .وقد انعكس هذا األداء على االستثمارات والنمو االقتصادي وعلى جدوي االستثمار من مصادر التمويل التجاري ،مما عمق اعتماد الدول اإلسالمية النامية على التمويل من المصادر الرسمية ومن المعونات والقروض الميسرة. .2صدمة النفط و ذيول أزمة الديون و آثرها على العالم اإلسالمي-: تمثلت إفرازات صدمة النفط بصورة أساسية في األزمة االقتصادية والكساد في األسواق العالمية وأزمة الديون ,التي أدت بجملتها الي تراجع حركة تدفقات القروض والمساعدات للدول النامية .هذا الي جانب تبعات األعباء الثقيلة التي أفرزتها خدمة الديون على ميزانيات الدول اإلسالمية الفقيرة المثقلة بالديون إثر ارتفاع أسعار النفط في عام 1973م .وبرز كساد إقتصادي وتراجع الطلب على السلع ،خاصة المدخالت الصناعية التي كانت تغطي معظم صادرات الدول اإلسالمية .وفي الوقت ذاته ارتفعت أسعار السلع المصنعة وشبه المصنعة والتي تمثل جل واردات تلك الدول ،مما أدى إلى تعميق الخلل في الحسابات الخارجية للدول اإلسالمية .ومن هنا بدأت الدول اإلسالمية غير البترولية تعتمد على القروض الخارجية لردم الفجوة بين موارد اإلدخار المحلي واحتياجات التنمية التي أحدثتها صدمة ارتفاع أسعار النفط .وفي نهاية األمر تطورت حاالت االعتماد المكثف على الموارد الخارجية لتشكل أزمة الديون التي تمثل اليوم إحدى كبرى المشاكل التي تواجه الدول النامية .هذا ويمثل التراجع في معدالت عائدات االستثمارات الممولة من القروض الخارجية السبب الرئيسي لتراكم الديون وتوقف تدفقات رؤوس األموال الخارجية الجديدة. لتغطية العجز في الموارد الخارجية سعت الدول اإلسالمية النامية غير البترولية الي اإلستفادة من الموارد المالية األجنبية الكبيرة المتراكمة في أسواق المال الدولية ،من فوائض موارد النفط والمتاحة إلعادة تدويرها ،و شجع على ذلك استعداد األسواق المالية والدول الغربية الغنية لتمويل مشاريع التنمية في إطار إعادة تدوير تلك الفوائض ،وتوسيطها في سد الفجوات التمويلية للتنمية .وكما أوضحنا من قبل ،فإلي جانب اآلثار المترتبة على تدهور شروط التبادل التجاري ،فإن فشل كثير من المشروعات الممولة من تلك القروض وعجزها عن توليد موارد مالية افقدت الدول المدينة القدرة على مقابلة إلتزامات الديون ،مما أدي الي تراكم متأخرات الديون المتعثرة والهالكة .ثم شهد العالم في مطلع الثمانينيات الدورة الثانية لصدمة أرتفاع أسعار النفط – للمرة الثانية خالل عقد واحد – التى أدت الي بروز أزمة إقتصادية وكساد في األسواق الدولية نتيجة لتراجع معدالت اإلنتاج في الدول الصناعية ،تمخض عنها اعنف أزمة إقتصادية يشهدها العالم ،ومن ثَم الدول اإلسالمية غير 9 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة البتر ولية ،منذ نهاية تداعيات الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية .وأدت تلك الصدمة الي تراجع حركة االستثمارات في تلك الدول التي شهدت معدالت نمو متدنية ،وسالبة في بعض الحاالت ،مما أدي الي تفاقم األزمات اإلقتصادية القائمة أصالً ،والي تعميق إختالل في التوازن الداخلي والخارجي لإلقتصادات الكلية لكثير من الدول اإلسالمية ،والى عدم قدرتها على مقابلة التزامات خدمة ديونها الخارجية .وكان أكثر القطاعات المتأثرة بهذه التطورات اإلقتصادية السالبة وتداعياتها مؤسسات القطاع العام والبنيات األساسية الداعمة والمساندة لالنتاج إلى جانب قطاع الصناعات التحويلية ،التي كانت تعتمد على تدفقات القروض الرسمية طويلة األجل ،التي توقفت .وافضت تلك التطورات الى انهيار القدرات اإلنتاجية بصفة عامة ،وفي قطاعات الصناعة والزراعة بصفة خاصة .هذا الي جانب تراجع قدرة الدول اإلسالمية ،على تقديم الخدمات اإلجتماعية األساسية للمواطنين ،مع الحفاظ على األمن الداخلي والبيئة. وانعكست إفرازات أزمة الديون و ذيولها – الي جانب األعباء المالية المرتبطة بخدمة الديون -على التراجع ،و ربما توقفت تدفقات القروض الخارجية الجديدة إلى الدول النامية .وقد افرز ذلك تحوالً خطيرا ً في قدرة الدول اإلسالمية على مواصلة عمليات التنمية اإلقتصادية .وتكمن أهمية أزمة الديون وافرازاتها في أنها برزت والعالم في خضم تحوالت إقتصادية وسياسية وإجتماعية هائلة .ثم ان التعايش مع تلك التحوالت ومواكبتها كان يحتاج إلى موارد مالية طائلة ،لتتمكن الدول من إ عادة هيكلة اإلقتصادات القطرية إلستيعاب التكنولوجيا الحديثة ،والوفاء بمتطلبات العولمة واستحقاقات التعايش مع الواقع الذي تفرضه .ويستدعي ذلك بدوره تهيئة هياكل اإلقتصاد الكلي ومؤسسات اإلنتاج ،وإعادة تكييف أوضاع أسواق المال والتجارة لمواكبة المنافسة الحادة التي تفرضها العولمة في ظل قواعد إتفاقيات منظمة التجارة العالمية .وبتوقف التدفقات المالية الخارجية واجهت الدول اإلسالمية مصير التهميش والعزلة عن التحوالت الجارية في العالم من حولها، لعجزها عن إحداث تحوالت إقتصادية عن طريق التوسع في اإلستثمار ورفع كفاءة أداء المؤسسات اإلنتاجية والخدمية ،وتعظيم مساهمتها في النشاط اإلقتصادي الدولي خاصة في التجارة الدولية. هذا ولم تقتصر آثار أزمة الديون وتداعياتها على إرباك حركة تدفقات القروض والمعونات إلي الدول النامية فحسب ،بل تجاوزت آثارها إلى الموارد المحلية .لقد أثقلت خدمة الديون كاهل الميزانيات في الدول المثقلة بالديون ،وأفرزت ضغوطا ً على الموارد المخصصة للخدمات األساسية، مثل الصحة والتعليم .كما أدي ذلك الضمور في تدفقات القروض الناشئ عن أزمة الديون الي تراجع عمليات تراكم األصول ،خاصة في البنيات األساسية والمؤسسات اإلنتاجية ،وبالتالي أفضى إلى الهبوط في معدالت النمو إلي مستوي عجزت معه دول إسالمية عديدة على المحافظة على مستويات اإلستثمارات القائمة حيث شمل التدهور كفاءة معدات اإلنتاج وأحجامها ،إلى جانب البنيات األساسية الداعمة لإلنتاج واإلنتاجية مثل الطرق والسكك الحديدية واالتصال ،وذلك لتوقف الصيانات واإلصالحات الدورية والطارئة التي اعتمدت على التدفقات الخارجية .هذا إلي جانب التراجع في اإلنتاج الزراعي والصناعي للعجز في توفير المدخالت المستوردة. لقد شملت انعكاسات أزمة الديون و ذيولها على تدفقات رؤوس األموال قدرة الدول اإلسالمية غير البترولية والناشئة على مواصلة عمليات اإلصالحات اإلقتصادية والهيكلية ،وتطوير هياكل التجارة الداخلية والخارجية لمواجهة متطلبات التطورات اإلقتصادية الدولية. ومع تصاعد المشاكل االجتماعية وتدهور معدالت النمو اإلقتصادي تضاءلت قدرة الدول اإلسالمية أكثر على مقابلة التزامات خدمة الديون المستحقة ،فاستمر تراكم متأخرات الديون حتى أصبحت أزمة الديون تشكل هاجسا ً دولياً .أذ بلغت نسبة خدمة الديون إلى الناتج المحلي اإلجمالي حوالي %35إلى %60في الدول اإلسالمية النامية .كما وصلت نسبة حجم الدين إلى الناتج المحلي اإلجمالي إلى مستويات حرجة للغاية . ً وكما أوضحنا من قبل ،فإن كثيرا من الدول اإلسالمية غير البترولية والناشئة تواجه مواقف حرجة العتمادها على القروض والمساعدات المالية والفنية في أستيراد السلع االستهالكية ومدخالت 10 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة اإلنتاج الزراعية والصناعية ،ومعدات التنمية الزراعية والصناعية مما أضعف قدرة تلك الدول على مواصلة جهودها في أحداث تحوالت إقتصادية وإجتماعية وتحقيق اإلنعاش االقتصادي. أصبحت أزمة الديون وتشابك ذيولها تشكل هاجسا ً دوليا ً وأخذت تُحدث في السنوات األخيرة ضغوطا ً على مؤسسات التمويل الدولية من قبل الدول المدينة ومنظمات العمل الطوعي الدولي ووكاالت األمم المتحدة حتى أضحت تحتل أسبقية في أجندة اجتماعات قمة مجموعة الـ 8دول وفي دوائر صندوق النقد والبنك الدوليين .ولكن وبالرغم من الوعود المتعددة والمبادرات المتكررة فقد استمر تراكم الديون في التوسع ،وان نتائج المبادرات التي برزت في أروقة المنظمات الدولية ،مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ،وفي اجتماعات مجموعة الدول الـثمانية الكبرى حول تخفيف وطأة هذه الديون على الدول الفقيرة المثقلة بالديون ( )HIPCSما زالت ضعيفة وغير مؤثرة ،وذلك نسبة لضآلة األموال المخصصة لتلك المبادرات حتى اآلن ،ونسبة لتعقيد اإلجراءات المتصلة بتأهيل الدول المرشحة إلى مراحل اإلستفادة من تلك المبادرات .هذا إلى جانب ضعف اإلرادة السياسية للدول المانحة في تنفيذ الوعود التي التزمت بها ،باإلضافة الى تدخل المعايير المزدوجة والعوامل السياسية غير الموضوعية في عمليات اختيار وترشيح الدول الفقيرة المستفيدة من تلك المبادرات خاصة الدول اإلسالمية. .3األمة اإلسالمية وتداعيات العولمة-: تعتبر العولمة من أهم واخطر التحوالت التى شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية – وتعمقت ذيولها وتحدياتها خالل الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي .اذ يوضح االستقراء لتطورات العولمة و تداعياتها من جوانبها السياسية واإلقتصادية والثقافية إنها تحمل بذور الشر والظلم للدول النامية الفقيرة في العالم الثالث كما إصطلح عليه،التى تنتمى اليها الدول اإلسالمية و الطبقات الفقيرة داخل الدول الغنية نفسها .لقد كرست العولمة كل مفاهيم الرأسمالية الغربية خاصة بعد زوال الثنائية القطبية بانهيار االتحاد السوفيتي ،وبرزت الواليات المتحدة األمريكية مع حلفائها كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية أحادية في ظل النظام الدولي الجديد ،مستغلة المنظمات الدولية، مثل مؤسستي بريتون ودز ،ومنظمة التجارة العالمية ومنظمات ووكاالت هيئة األمم المتحدة لتمارس من خاللها نفوذها وسيطرتها على دول العالم خاصة دول العالم الثالث .وقد استندت الواليات المتحدة على قوتها اإلقتصادية والعسكرية في سيطرتها وهيمنتها على العالم .وبذلك غيرت العولمة كثيرا ً من المفاهيم المنظمة للعالقات الدولية والتى سادت أبان الحرب الباردة وما قبلها. ونتيجة لتداعيات العولمة وما استبطنتها من إفرازات يواجه العالم اليوم تطورات اقتصادية وسياسية وعسكرية و ثقافية خطيرة ومتسارعة نابعة عن إزالة الحدود الجغرافية والحواجز االقتصادية والثقافية بين الدول ،فتعرضت الحضارات البشرية الموروثة للتهميش كما يتعرض دور األديان في توجيه حياة البشرية إلى التحييد .وأصبحت أسواق العالم ساحة للمنافسة الحادة بين المؤسسات اإلقتصادية العمالقة العابرة للقارات .وصار البقاء في ذلك العالم المعولم لألقوياء اقتصاديا ً ولمن استطاعوا امتالك زمام المعرفة والتكنولوجيا الحديثة. و األمة اإلسالمية كجزء من هذا الكوكب تواجه ،أيضاً ،تداعيات تلك التطورات وإفرازاتها في المجاالت السياسية واإلقتصادية والثقافية واألمنية ،ومما تحمله تلك التحوالت من تغيرات خطيرة ومتسارعة تغطى كل مناحي الحياة في العالم الذي أصبح قرية معولمة ،تتالشى فيها الحدود الجغرافية والسياسية ،وتختفي فيها الحواجز اإلقتصادية في ظل تطبيق شروط إتفاقيات منظمة التجارة العالمية ،التى تسيطر عليها الدول الكبرى وتوجهها حسب مقتضيات مصالحها القومية الضيقة .ان إتفاقيات التجارة العالمية ،المنظمة لحرية انتقال العمالت والعمالة والسلع ،تنتقص من دور السلطات الوطنية وتنتهك سيادتها ،خاصة في مجاالت إدارة حركة النقد األجنبي ،وفي إتخاذ القرارات اإلقتصادية والسياسية .إذ أصبح البقاء في هذا العالم لألقوى اقتصاديا ً وتكنولوجياً .وبدأ بالفعل ظهور التكتالت والكيانات اإلقليمية والمؤسسات العمالقة عابرة القارات ،وأخذت تسيطر على أسواق السلع والخدمات والمال وتوجه اإلنتاج في العالم ،خاصة في دول العالم الثالث التى تنتمي 11 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة إليها األمة اإلسالمية.وقد مكنها من ذلك احتكارها للتقنيات الحديثة ،و اكتساب القدرة على التحكم في مكمن ومصادر الثورة المعلوماتية وامتالك زمام المبادرة فيها .فيما نوضح بعض إفرازات العولمة االقتصادية. اوالً :تحرير التجارة-: أن معطيات العولمة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة قامت على االستفادة اإلقتصادية والسياسية والثقافية للدول الكبرى على حساب الدول األ ُخرى ،خاصة دول العالم الثالث .فاالستفادة االقتصادية للعولمة قامت على إزالة الحواجز الجغرافية بين الدول لتتيح حرية الحركة للسلع ورؤوس األموال والعمالت والخدمات المالية والمهنية بين الدول دون قيود إدارية أو جمركية او عوائق سيادية ،ودون تدخل من السلطات الوطنية اال بالقدر الذي تسمح به قواعد إتفاقيات منظمة التجارة العالمية لتفسح المجال للشركات العمالقة للسيطرة على األسواق العالمية وتسمح إلنتاج مصانع الدول الصناعية سهولة غزو أسواق دول العالم الثالث .وتعتبر منظمة التجارة العالمية اآللية المؤسسية لمراقبة تنفيذ قواعد أتفاقيات متعددة األطراف ،والتي تم التفاوض حولها في دورات متعددة أهمها دورتى اوروغواي ومراكش ثم الدوحة ،او القواعد التي سوف يتم التفاوض حولها مستقبالً. وتشمل قواعد إتفاقيات التجارة العالمية – إلى جانب القواعد المتصلة بنظم تجارة السلع – قواعد تساعد المنظمة على تنظيم تجارة الخدمات ،إلى جانب القواعد المتصلة بحقوق الملكية الفكرية( . ) TRIPSوبالرغم من أن عمليات التبادل التجارى واندياح الحركة الثقافية السلمية تعتبر ظاهرة تاريخية إنسانية ،وإن كان قد تخللها في حدها األقصى أحيانا ً اإلكراه عن طريق الحروب والغزوات، فق د اصبح من أخطر تداعيات العولمة االقتصادية في ظل النظام الراهن و الذى يستند على األحادية القطبية ،اذ أصبح العالم قرية ٌمعولَمة يعيش فيها الالعبون اإلقتصاديون في زوبعة او دوامة التنافس ال ُمرعب ،والبقاء فيها لإلصلح الذي يمتلك قدرة التنافس ،والتي تعتمد على القوة االقتصادية والقدرة على اقتناء التكنولوجيا الحديثة .لذا نجد المؤسسات الكبري في الدول الرأسمالية تتجه نحو االندماج لتكوين كيانات عمالقة عابرة القارات لرفع قدراتها المالية التي تم َكنها من إمتالك زمام المبادرة عن َ طريق التكنولوجيا الحديثة .لذا انحصرت االستفادة من العولمة في الدول الصناعية الغربية و اليابان وبعض الدول المصنفة بدول األسواق الناشئة .لذا فقد التبادل التجاري بين المجتمعات إطاره اإلنسانى وقيمه التنافسية ،اذ تحول التعامل التنافسي في تلك المجاالت الى منافسة جائرة تتسم بالظلم والغبن االجتماعي ،و عدم العدالة في الفرص المتاحة و توسع فجوات التقانة والمعلوماتية بين الدول الصناعية الغنية و دول العالم الثالث الفقيرة .لذا أثار الوضع تخوف دول العالم الثالث الفقيرة وبعض المنظمات الدولية المعنية بحقوق اإلنسان والقضايا اإلجتماعية واإلنسانية. و بالرغم من التداعيات المتوقعة للعولمة وبروز معارضات لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ،والعمل على محاصرة تداعياتها ومخاطرها االقتصادية والسياسية واالجتماعية من خالل االتفاقات االقتصادية و النقدية ،و المؤتمرات الدولية و اإلقليمية العديدة ،فإن وتيرة العولمة تسارعت نحو اإلنفالت خالل العقدين األخيرين من القرن الماضي ،واتخذت ابعادا ً خطيرة يدفعها التطور الهائل و المتسارع في مجاالت التكنولوجيا الحديثة و تقنية المعلومات و االتصاالت. إن معطيات العولمة ،في ظل اآلحادية القطبية ،تتجلى في التفوق االقتصادي الذي يمكَ ٌٌ ن الدول الكبرى من فرض مصالحها االستراتيجية و إرادتها على العالم .و سوف تواصل الدول الكبرى العمل على تعميق مفهوم العولمة -من وجهة نظرها -طالما إنها تمثل القوة الدافعة لتحقيق مصالحها القومية الضيقة .ولكن تحقيق التوازن بين تلك المصالح بين الدول الكبرى يبدو غير ميسور في ظل األطم اع األمريكية التى تحول دون التفوق اإلقتصادي لالتحاد األوروبي واليابان والصين ،مما أدى الى خلق تناقضات كبرى في استراتيجيات الغرب الهادفة الى التم َكن من االستمرار في الهيمنة االقتصادية والسياسية على العالم من خالل االقتصاد الحر واالنفتاح بال حدود في األسواق العالمية، و التعدي على الحدود الجغرافية والسيادة الوطنية لدول العالم الثالث .ولكن يالحظ من واقع التعامل بين الدول الكبرى انه بالرغم من ذلك الصراع بين الواليات المتحدة األمريكية واالتحاد األوروبي حول المصالح القومية ،وذلك بعد سقوط االتحاد السوفيتي الذي كان يحقق التوازن بين القوى 12 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة الكبرى ،فان أهدافها نحو التعامل مع دول العالم الثالث – التى تشكل فيها الدول اإلسالمية رقما ً هاماً، لم تتغير واستمرت في المنافسة على التحكم في األسواق على حساب الدول النامية. بالرغم من الجوانب السالبة أعاله فان بعض السياسيين والنخب المستفيدة من العولمة يعتقدون ان العولمة المتصلة باألفكار حول الديمقراطية والمجتمع المدني أحدثت تحوال في طريقة تفكير الناس ،الى جانب ان اهتمام الحركات السياسية الدولية ساعدت على العمل في تخفيف أعباء الديون وإبرام اتفاقيات إزالة األلغام ،اال ان الدول المانحة لم توف بالتزاماتها نحو تخفيض الديون لضعف اإلرادة السياسية التى تبديها الدول المانحة،و هذا الى جانب استخدام المعايير المزدوجة والعوامل السياسية فى تقديم المساعدات للدول الفقيرة. فقد استفادت الدول الصناعية الكبرى وبعض دول األسواق الناشئة من العولمة االقتصادية فقد استطاعت تلك الدول ان تنتهز وتفتح أمام صادراتها أسواقا ً جديدة وبالعمل على جذب االستثمارات األجنبية .و كما استفادت من العولمة االقتصادية الدول التى استطاعت ان تقرر مصيرها بنفسها وترسم برامجها اعتمادا ً على نفسها ،بعيدا ً عن امالءات مؤسسات بريتون ودز. وكذلك الدول التى استطاعت ان تلعب دورا ً ايجابيا ً وناجحا ً في جذب العمليات االستثمارية وفي توزيع الموارد دون ايالء ذلك لقوى السوق وحدها. وباستثناء دول قليلة جداً ،مثل ماليزيا وإندونيسيا ،فان جل الدول اإلسالمية لم تستفد من الجوانب الموجبة للعولمة. وفي الجانب اآلخر فان العولمة لم تسعد ماليين البشر .بل أدت العولمة الى تدهور أوضاعها نتيجة لتراجع فرص العمل وارتفاع معدالت البطالة و أصبحت حياة الطبقات الضعيفة اقل امانا ً اذ فقدوا القدرة على التعايش مع الواقع الجديد الذي فرضته العولمة االقتصادية .كما ساءت حياتهم السياسية بتدهور النظم الديمقراطية والتعدي على ثقافاتهم. وبهذه الصورة لم تفشل العولمة في ترقية النمو وتخفيض الفقراء فحسب ،بل عمقت الفقر وعدم االستقرار. فقد صارت العولمة كارثة للدول النامية ومصدر عدم استقرار سياسي للدول المتقدمة .فالدول النامية تقاسي من مآسي التدهور االقتصادي واالجتماعي ،كما ان الدول الغنية تواجه التحوالت السياسية التى يقودها فقراؤها والطبقات الوسطى .فالوضع اآلن أشبه باألوضاع في الثالثينيات من القرن الماضي حين واجه العالم الكساد الكبير وتصاعد معدالت البطالة في الدول الصناعية .واالن يقف النظام الرأسمال ي فى مفترق الطرق ،فقد تم إنقاذه من قبل من خالل النظرية "الكينزية " التى قضت بتوجيه السياسات االقتصادية نحو رفع الطلب الفعال على العمل والعمالة بديال لما يسمى المالية الوظيفية ....ثم ماذا بعد مأزق العولمة ؟. ان أهم األدوات التى استخدمتها العولمة هو تحرير التجارة و أسواق المال .وهنا تهدف العولمة الى إزالة تدخل الدول في األسواق المالية والحواجز التجارية .لقد صادف تحرير التجارة دعم بعد النخب في الدول الصناعية .ولكن لدى استقراء آثار وتبعات التحرير على الدول النامية والفقراء والطبقات الوسطى في الدول الغنية نقف على اسباب ومبررات المعارضة العارمة التى قوبلت بها اجتماعات المجلس الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في كل من واشنطن وسياتل وكذلك االجتماعات السنوية لمجلس المحافظين لمؤسستي بريتون ودز في براغ وواشنطن...الخ. من المفروض ،نظرياً ،ان يساعد التحرير على رفع معدالت النمو االقتصادي من خالل تحريك الموارد من النشاطات األقل إنتاجية واقل تفاعال مع حركة التحرير الى النشاط اكثر استجابة لها وتتمتع بإنتاجية أعلى .اما حركة التحرير التى يتم من خاللها تحريك الموارد الى مجاالت اإلنتاجية التى تتمتع بإنتاجية متدنية فلن يستفيد االقتصاد من تحرير التجارة .لذا ففي ظل المنافسة العالمية فان األثر المباشر للتحرير هو انهيار القطاعات اإلنتاجية الوطنية ذات الكفاءات المتدنية مما يؤدى إلى تدهور اإلنتاج وارتفاع معدالت البطالة وتراجع معدالت النمو االقتصادية. لذا نالحظ ان اكثر الدول المتأثرة سلبا بالعولمة هي الدول النامية التى فشلت في تطبيق سياسات اقتصادية مستقرة بسبب ارتباطها بتنفيذ برامج صندوق النقد الدولي التى أدت إلى ارتفاع 13 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة أسعار الفائدة .اما الدول التى استفادت من تحرير التجارة فهى الدول التى سلكت نهج التأني والتدرج في إزالة الحواجز الحمائية والتأكد من توفير الموارد الكافية لخلق وظائف جديدة نتيجة لالنفتاح نحو األسواق الخارجية .ويعزى نجاح دول شرق أسيا في االستفادة من االنفتاح التبعاها سياسات التدرج المتناسقة ،بذلك استطاعت فتح األسواق الخارجية أمام صادراتها مما أدى إلى النمو السريع القتصاداتها. وعل يه فان تحرير التجارة وإزالة الحواجز الحمائية قد يفشل في تحقيق األهداف المعقودة عليه في رفع معدالت النمو وتخفيض معدالت البطالة اذا لم يتم تحرير قطاع الصادر وفرض إجراءات حماية كافية للقطاعات اإلنتاجية التى قد تتعرض الى منافسة من السلع المستوردة ،وتمثل ذلك السياسات الى تتبعها الدول الكبرى والتى أدت الى فشل دورات اجتماعات مجلس منظمة التجارة العالمية ،خاصة لدى تناول الموضوعات المتعلقة بحماية المنتجات الزراعية والمنسوجات. 14 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة ثانياً :تحرير أسواق المال واالنفتاح على األسواق المعولمة: يعتبر تحرير أسواق المال اكثر خطورة من تحرير التجارة .فإن الدول التى حاولت تحرير أسواق رأس المال واجهت أزمات حادة،بما في ذلك بعض الدول الغنية .فان انهيار مؤسسات االدخار والتمويل في الواليات المتحدة األمريكية أدى إلى كساد عام1991م. بالرغم من الدوافع اإليجابية للتحرير أسواق المال واالنفتاح على األسواق الخارجية، والمتمثلة في رفع كفاءة القطاع المالي وزيادة قدراته على الوساطة المالية واستقطاب الموارد الخارجية للمساعدة في تحقيق أهداف الدول النامية والناشئة في التنمية االقتصادية واالجتماعية ،إال إن هذا المسار لم يخ ُل من المخاطر الجسيمة التي أثرت سلبا ً على السالمة المالية للقطاعات المالية ،و خاصة القطاع المصرفي ،في معظم دول العالم .اذ واجهت المؤسسات المالية الدولية أزمات ومخاطر االنهيار ،نتيجة لالنفتاح على األسواق المعولمة و العمل باألدوات المستحدثة المعقدة و ما واكبها من ارتفاع معدالت المخاطر للمصارف ،منفردة و على مستوي القطاع ككل .إن عولمة وحرية انتقال رؤوس األموال عبر الحدود الجغرافية ساعدت على سرعة انتشار األزمات المالية و انتقالها من دولة إلى أخرى و من منطقة إلى أخري على نطاق العالم ”. "Contagion Effect إن أهم أسباب األزمات المالية وانهيار المصارف في ظل التطورات السياسية و االقتصادية يعزي إلى تسارع الدول ،التي واجهت تلك الصعاب ،إلى التحرير المالي وإزالة القيود على انتقال رؤوس األموال األجنبية من و إلى خارج حدود بالدها ،و إلغاء سياسات التمويل ونظم التحكم على أسعار الفائدة ...الخ ،قبل تهيئة اقتصاداتها ومؤسساتها المالية للدخول في األسواق المعولمة ،التي اتسمت بالتذبذب و عدم االستقرار و المخاطر المترتبة على التقلبات في نظم أسعار الصرف والتباين في أسعار الفائدة بين سوق واخري .وكان من أهم متطلبات تهيئة تلك االقتصادات لمرحلة التحرير المالي و العولمة وضع قواعد و أسس جديدة لنظم الرقابة الفعالة للمصارف قبل الولوج في عمليات التحرير المالي ،خاصة تحرير حساب رأس المال .فقد كانت السمة الغالبة في نشوء األسواق المعولمة – كما تمت اإلشارة إليه من قبل – هي إزالة القيود التي كانت تتحكم في حركة رؤوس األموال األجنبية خارج الحدود الجغرافية. وعليه فأن أسباب استفحال األزمات المالية وسرعة انتشارها الى الدول األخرى تعزى الى اتجاهات العولمة وانفتاح المؤسسات المالية على األسواق الخارجية و سهولة انتقال رؤوس األموال- خاصة قصيرة األجل -من قطر الى أخر و خاصة في غياب قواعد االنضباط في األسواق المحلية وضعف الرقابة الرسمية و الداخلية ،باإلضافة إلى محدودية قدرات وكفاءة المصارف المحلية في الدول النامية والناشئة ،في إدارة الموارد قصيرة األجل ،و قلة خبراتها في التعامل مع األدوات المصرفية المستحدثة. و من التحديات الكبرى التي واجهتها المؤسسات المالية ،أيضا ،ضعف قدراتها على التعامل مع التطورات الهائلة في أسواق رؤوس األموال عقب ارتفاع أسعار النفط في أوائل السبعينيات ،و تراكم فوائض أرباح الدول النفطية و بأحجام هائلة .فقد تصاعدت تدفقات القروض الى الدول النامية و الناشئة – خاصة في أمريكا الالتينية – قبل ظهور أزمة الديون في النصف األول من الثمانينيات .و كانت أحجام و سرعة تدفقات هذه األموال فوق قدرة المصارف في تلك الدول على استيعابها واستغاللها بكفاءة و احتراز ،مما أدي إلى تراكم متأخرات الديون إثر عجزها عن مقابلة االلتزامات المستحقة ،فتفاقمت أوضاع تلك المؤسسات المالية ،واستفحلت مشاكل المالءة المالية بها وانعكس على جودة أصولها ،وبالتالي اهتزت أوضاعها عندما تراجعت المصادر الخارجية عن مواصلة تقديم القروض لتلك البالد .وهنا بدأ اشتداد الضغوط على الحسابات الخارجية للبالد واختالل موازين المدفوعات .و انعكست آثار ذلك سلبا ً على أوضاع المصارف التي و واجهت ضغوطا ً هائلة و انهيارات شاملة( )Systemic Failuresفي القطاع المصرفي. 15 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة ومن أخطر تداعيات تحرير أسواق المال فتح المجال للمضاربين في أسواق األسهم والعقودات وتحويل الموارد المالية في األسواق الى المضاربات في األسهم والعقودات والتجارة في المستقبل على حساب الموارد المالية التى يمكن تحويلها الى القطاعات اإلنتاجية وتجارة السلع .وقد أوضحت التقارير ،الصادرة مؤخراً ،ان أجهزة االستخبارات الغربية تساهم بدورها في استخدام أسواق المال المفتوحة في عمليات غسيل أموال تجارة المخدرات واستخدام مواردها في العمليات االستخبارية الى جانب خلق أزمات اقتصادية في دول األسواق الناشئة والدول النامية ،مما يفتح لها مجاالت أعمال استخبارية جديدة. ونتيجة لتلك األسباب و غيرها من العوامل المتصلة بتعامل القطاع المالي مع تطورات االنفتاح، شهد العقدان األخيران من القرن الماضي اهتزازا ً كبيراً ،وغير مسبوق ،في أسواق المال الدولية في التاريخ المعاصر .وكانت هذه األزمات ،التي طالت قطاعات واسعة في أسواق المال العالمية والمحلية ،بالغة األثر على النظم المالية العالمية ،ومن خاللها على توازن االقتصادات الكلية في تلك الدول ،اذ شكلت ضرورة التصدي لمواجهة تلك األزمات أعباء مالية جسيمة على الميزانيات العامة، في شكل تعويضات ودعومات للمصارف المتأثرة بتلك التطورات ،إلى جانب إصدار ضمانات أو االستيالء على المصارف اآليلة لالنهيار. اقتصادات الدول اإلسالمية ومواجهة التطورات في أسواق المال والثورة التكنولوجية والمعلوماتية: لم تكن المؤسسات المالية في الدول اإلسالمية بمنأى عن تلك التطورات الخطيرة التي طالت أسواق المال المحلية والدولية ،وما الزمها من اختالل التوازن في مفاصل االقتصادات الكلية ،و برزت من خاللها العالقة الوطيدة بين التطورات في القطاع المالي ،والتغّيرات في أوضاع االقتصاد الكلي جراء التعديالت التي طرأت على منهجيات ادارة االقتصاد في الدول اإلسالمية ،خاصة في مجاالت السياسات االقتصادية والنقدية والمالية المبنية على الكبح المالي والتدخل المباشر في الرقابة على النظم المالية ،خا صة في تحديد أسعار الفائدة و السقوفات االئتمانية والنوعية ،ثم التحول دون تدرج إلى سياسات التحرير ورفع القيود على نشاط القطاع المالي وتحرير أسواق المال .ومعلوم إن معظم الدول اإلسالمية النامية والناشئة كانت تمارس سياسات الكبح المالي و االعتماد على األدوات المباشرة في إدارة االقتصاد والسياسة النقدية ،حسب مقتضيات األيدلوجية االشتراكية او اليسارية التي انتهجتها معظم الدولة اإلسالمية النامية والناشئة خالل الستينيات وجزء من عقد السبعينيات .وقد تم البدء في عمليات التحرير المالي ومحاولة االنفتاح على األسواق الخارجية قبل تهيئة اقتصاداتها فتعرضت الدول النامية والناشئة إلى الصعوبات ومؤسساتها المالية للتعامل مع بيئة التحرير، ّ واألزمات االقتصادية و المالية التى أوضحناها من قبل .وكانت ماليزيا وإندونيسيا هما الدولتان اإلسالميتان من ضحايا األزمة المالية التى واجهتها دول جنوب شرق اسيا عام 1997م كنتيجة لمخاطر االنفتاح غير المتوازن على أسواق المال الخارجية قبل تهيئة مؤسساتها المالية للتعامل فيها. و مع دخول األلفية الثالثة واجهت المؤسسات المالية في أسيا وأمريكا الالتينية تحديات جديدة تتمثل في حتمية مواجهة تداعيات العولمة ،التي اتسعت مساحات تطبيقها بسرعة مذهلة ،وما استبطنتها من تطورات في ثورة التكنولوجيا و المعلوماتية و االتصال ،و المنافسة الشرسة في أسواق المال والخدمات المصرفية ،محليا وخارجيا ،و تطورات في تكنولوجيا اإلنتاج والتوزيع. اليوم ،مازالت الدول النامية ومن بينهما الدول اإلسالمية ،تعانى من تبعات التحول من سياسات الكبح المالي و استعمال األدوات الرقابية المباشرة في ظل تخطيط وتنفيذ مركزي ،إلى مرحلة التحرير المالي و استخدام أدوات غير مباشرة ،و تقليص دور الدولة في إدارة االقتصاد .إذ تم هذا التحول قبل تهيئة اقتصاداتها لعمليات التحول و خلق البيئة السليمة المعافاة من خالل إعداد تشريعات ووضع ضوابط وقواعد إجراءات جديدة تتواءم ومقتضيات المرحلة الجديدة ،مما ادي الى 16 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة اختالل التوازن في االقتصاد الكلي وتراجع في السالمة المالية للنظام المالي ،و مواجهته لسلسلة من االنهيارات وضعف المالءة المالية.كما حدث لنمور جنوب شرق أسيا في عام 1997م. في ظل مثل هذا الوضع المليء باألزمات االقتصادية و المالية ،دخلت الدول اإلسالمية عهد العولمة التي بدأت تتغيّر بسرعة مذهلة ،مدفوعة بثورة التكنولوجيا و تقنية المعلومات واالتصاالت، و التي تمخضت عنها ثورة في نظم ووسائل عمل المصارف .إذ أخذت المصارف في األسواق المعولمة ،تعتمد على الصيرفة اإللكترونية الشاملة ،وفي ظل منظمة التجارة العالمية ،أصبح التعامل لتكون مع االقتصاد الدولي كوحدة واحدة ،مترابطة تندمج فيها المؤسسات المصرفية والتجارية ّ وحدات مالية و إنتاجية وخدمية عمالقة .وهنا أصبحت ،و في ظل المنافسة الشرسة ،الغلبة للمؤسسات العمالقة التي تمتلك زمام المعرفة والتقنيات العالية ،و القدرة على مواكبة مقتضيات العصر واستيعاب معطيات تطورات العولمة .و عندئذ يكون البقاء لمن التمس أسباب القوة المالية، ّ ووطن واكتسب التكنولوجيا الحديثة عبر التكاتف والدمج و التحالفات ،وفق خطط استراتيجية تتكامل فيها إرادة التكاتف والتعاضد التي تم ّكنها من استغالل كل معطيات العولمة ،و االستفادة من كل الفرص اإليجابية التى تتيحها ،الى جانب العمل على تأسيس البنيان الذي يم ّكن اقتصاداتها للتأقلم مع بيئة العولمة التى أصبح إيقاف اندفاعها أو إبطاء خطاها أمرا ً مستحيال .وفي ظل مثل هذه األوضاع، فال خيار للدول اإلسالمية سوي تهيئة هياكل اقتصاداتها وبيئة عمل النظم المالية بالتماس أسباب التكنولوجيا والمعلوماتية ،وبالترابط والعمل المشترك الواعي ،وفق خطة استراتيجية تم ّكنها من تجاوز التهميش في عالم لم يعد يعرف التقاعس أو التراخي عن مواكبة التطورات ،والسعي نحو مدارج النمو و االزدهار .فاقتصاد اليوم – اقتصاد العولمة – اقتصاد جديد يرتكز على القدرة على التناسق المحلى واإلقليمي و الدولي ،في بيئة تسيطر عليها المنافسة الحرة ،وفي ظل أسواق التجارة واالستثمار المفتوحة ،و في مناخ تسود فيه حرية انتقال رؤوس األموال والسلع والخدمات واألشخاص ،وتباح فيه حرية التملك عبر الحدود. إن أكبر التحديات التي تفرضها العولمة ،هو ما تواجهه المصارف والمؤسسات اإلنتاجية و الخدمية اليوم من منافسة في عقر دارها .و نتيجة ألوضاع مصارف الدول اإلسالمية الراهنة ،فإنها سوف تقف مكتوفة األيدي أمام الخطر الداهم ،إذ إنها لم تتهيأ بعد لمواجهة مثل هذه اإلخطار ،بالرغم مما بذلته و ما زالت تبذله السلطات النقدية و المصرفية من اهتمام وجهد من أجل تطوير وإصالح وتحرير القطاع المصرفي ،انطالقا من إيمانها بأهمية الدور المنتظر ان تلعبه القطاعات المالية في دعم وتعزيز النمو االقتصادي المستدام ،وفي تحقيق استقرار األسعار ورفع كفاءة أداء االقتصاد، واعترافا ً من جانب السلطات النقدية والمصرفية ،أيضا ،بارتباط قدرة المصارف على التصدي للصدمات الخارجية غير المتوقعة ،بنجاح اإلصالحات الهيكلية والمالية للقطاع المالي المطلوبة لمواجهة تحديات العولمة ،ولكن لن تجدي تلك الجهود القطرية المنعزلة كثيرا ً ما لم تتم تلك الجهود في إطار تكامل إسالمي .لذا فأن الدول اإلسالمية لم تحقق بعد ،المستوى المطلوب لمواجهة تداعيات العولمة ومقومات االقتصاد المتشبع بالتقنية الرقمية ،أو تبني االقتصاد القائم على المعرفة وتكنولوجيا المعلومات واالتصاالت .و يتزامن مع هذه التطورات بروز مخاطر متنوعة ومستجدة ،لم تسترع اهتمام المصارف في العالم اإلسالمي من قبل .وتتمثل هذه المخاطر المتنامية في المخاطر التشغيلية، ومخاطر التنافس في أسواق تدار بأدوات مستحدثة ومعقدة ،ومخاطر قانونية مرتبطة بالتعامل بأدوات مستحدثة وكيانات جديدة في داخل حدود جغرافية تختلف أطرها القانونية وبيئة العمل فيها. .4اآلثار االجتماعية للعولمة على األمة اإلسالمية-: لم تكن تداعيات العولمة السالبة على الحياة االجتماعية لالمة اإلسالمية بأقل خطورة من آثار العولمة االقتصادية ،إذ أن أهم خصائص العولمة السالبة إنها كرست وعمقت مفاسد الرأسمالية الغربية ،فسلبت من نفوس الالعبين في حلبة العولمة الجانب االجتماعي واإلنساني و أضعفت الوازع الديني واصبح هم الناس ينحصر في تكريس نشاطهم في جمع المال واستغالل كل الوسائل الممكنة 17 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة في متابعة تحقيق الثراء والرفاه الذاتى .وأفقدت تلك الخصائص اإلحساس بمصالح اآلخرين وولدت قيم األنانية وحب الذات والغرور والفجور .ونشأت عن ذلك جزر بين طبقات األغنياء والفقراء أفضت الى توليد الكراهية والحسد ،وانتشار األمراض النفسية للذين فقدوا وظائفهم و أعمالهم. وتمخض عن كل ذلك ارتفاع معدالت الجريمة مثل المخدرات والسرقات وتزييف العمالت والمتاجرة باألعضاء البشرية...الخ. وفى ظل العولمة أخذت األفكار الرأسمالية اإلمبريالية تقضي على المكاسب الديمقراطية ومبادئ العدالة االجتماعية ،التى أخذت تنمو بعد الحرب العالمية الثانية ،وبعد اندثار الفكر اللبرالي وحل محله الفكر االقتصادي الذي يدعم الرفاه .وفى ظل التوجهات التى تغذيها العولمة واألفكار اإلمبريالية الجديدة التى تدعو الى إنهاء دولة الرفاه ،وحيث ال يرى النخب المستفيدة من تلك األفكار وجود مبرر لمجتمع الرفاه .ويعتقد دعاة هذه األفكار َّ أن على كل فرد تحمل قدر من التضحية حتى يكتسب وضعا ً في حلبة المنافسة .لقد أخذت هذه األفكار تغذى نمو العولمة بخطوات واسعة مصاحبة معها التداعيات االجتماعية واالقتصادية مؤدية إلى اتساع الفروقات المطردة لتعمق الفجوات فى الدخول وفى مستويات النمو االقتصادي بين الدول والفوارق بين الطبقات االجتماعية حتى اصبح حوالي ( )358مليارديرا ً في العالم يستحوزون على أكثر مما يمتلكه حوالى 2.5مليار من البشر في العالم ،كما يستحوزون على %84من التجارة الدولية ،ويستأثرون بـ %85من مجموع مدخرات العالم. َّ ومما يهدد االقتصاد الدولي في مجاالت اإلنتاج الزراعي والصناعي أن أسواق المعامالت المالية بما في ذلك المضاربات في األسهم و العقودات و التجارة في المستقبل تستحوز عشرين ضعفا ً مما تستحوزه القطاعات اإلنتاجية ،كالصناعة والزراعة ،وتجارة السلع في العالم ،مما يهدد بتصاعد معدالت البطا لة و تراجع النمو االقتصادي في الدول التى تعتمد اقتصادتها على تصدير السلع الصناعية والزراعية .لذا أخذت الفوارق بين الدول و بين الطبقات والفئات االجتماعية تتسع .حيث تعيش األغلبية الساحقة من السكان ،خاصة سكان الريف ،على هامش الحياة .وبإستقراء مسار العولمة ونم و األفكار اللبرالية المنفصمة عن الدين التى تغذى اندفاع العولمة ،وتسارع التطورات التكنولوجية والمعلوماتية التى تمكن المؤسسات العمالقة عابرة القارات من التوسع ،يتأكد مآل آثارها المدمرة على األوضاع االقتصادية واالجتماعية في الدول النامية. َّ فإن األفكار اإلمبريالية والرأسمالية المنفصمة عن الدين ،تعمق سلبيات العولمة خاصة آثارها على المجتمعات الريفية التقليدية التى ال تستطيع مواكبة التحوالت التى تفرزها العولمة .لذا تواجه العولمة االن هجوما من المجتمعات المتعددة ممن تضررت ماديا ً واجتماعيا ً من السلبيات التى تفرزها العولمة ،الى جانب تقليلها من شأن القيم التقليدية الموروثة ،ومساعدتها على نمو الحضر على حساب المجتمعات الريفية التقليدية .والمؤسف ان الدوائر التى تدير العولمة والنخب المستفيدة منها يعبرون عن ارتياحهم من نتائج العولمة ،ولم يهتموا بعدُ بالنتائج السالبة .ترى المجتمعات المتضررة ان العولمة تعنى استبدال دكتاتوريات النخب بدكتاتوريات رأس المال األجنبي .ومعلوم انه إذا فشلت الدول في اإليفاء بمتطلبات وبشروط التى يمليها عليها الصندوق النقد الدولي وأباطرة أسواق المال فلن يتأهلوا للحصول على التدفقات المالية مما يهدد الدول النامية -منها الدول اإلسالمية – بالتنازل عن جانب من سياداتها الوطنية للسماح لها باستقبال تدفقات من أسواق المال ،بما في ذلك مصادر المضاربين الذين ينحصر اهتمامهم في تمويل قصير األجل اكثر من تمويل للتنمية طويل األجل .فالدول النامية ال تملك الخيار اال الخضوع المالءات أسواق المال .لذا نرى أن دول شرق أسيا التى استطاعت تجاوز هذه األسواق تميزت بمعدالت نمو عالية مع تحقيق عدالة في التوزيع والنجاح في تخفيض حاالت الفقر بمستويات أعلى من تلك الدول التى ارتبطت ببرامج صندوق النقد الدولي. أمام الهجوم العارم على العولمة من منظمات المجتمع المدني ومن المجتمعات الريفية والدول النامية المتضررة من سلبيات العولمة ،بدأ االن االتجاه الى االعتراف بالمشاكل التى أفرزتها العولمة ،ونمو لإلرادة السياسية لعمل شئ .فالواليات المتحدة نفسها اعترفت بان ترك النمو المتسارع 18 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة لألسواق المالية ،التى أخذت تستحوذ جل الموارد المالية الدولية ،دون ضوابط تشكل خطرا ً على استقرار أسواق المال العالمية. هذا وان األزمة المالية التى اجتاحت أسواق جنوب شرق اَسيا في عام 1997م ,وامتدت زيولها الى الدول الكبرى ،أفضت الى االعتراف بخطأ الضغوط المالية التى مورست على دول جنوب شرق أسيا ،والتي أدت الى انهيار األسواق المالية وتدهور عمالئها. ويمكن تلخيص أهم تداعيات العولمة األقتصادية فيما يلى -: .1تدهور نمط توزيع الدخل ضد مصلحة الدول الفقيرة ولصالح النخب الغنية فى الدول المتقدمة نفسها. .2توسع االستثمارات المالية فى أسواق المضاربات والمشتقات على حساب االستثمار فى قطاعات الزراعة و الصناعة والتجارة مما يهدد نمو القطاعين الصناعي والزراعي واالقتصاد ككل. .3انتشار البطالة نتيجة لتدنى االستثمار الصناعي. .4تنامي الفجوة فى معدالت األجور بين العمال المهرة وغير المهرة. .5البطء فى تحرير التجارة العالمية فى القطاع الزراعي واألنسجة التى تتمتع الدول الفقيرة فيها بميزات اكبر بسبب رفض الدول الكبرى خاصة االتحاد األوروبي التراجع عن السياسات الحمائية للقطاع الزراعي والمنسوجات . .6إحتكار التكنولوجيا الحديثة والمعلومات وعلوم االتصال بواسطة الدول الكبرى أدى الى حدوث فجوة تكنولوجية بين الدول الغنية والفقيرة نتج عنها تهميش الدول الفقيرة وتنامي معدالت الفقر وعدم قدرتها على االستفادة من الفرص التى تتيحها الثورة التكنولوجية والمعلوماتية. .7تحرير أسواق المال أدى الى تحويل الموارد المالية في األسواق الى المضاربات في األسهم والعقودات الوهمية على حساب الموارد التى يمكن توجيهها الى القطاعات اإلنتاجية واثر ذلك على مستوى البطالة. .8استخدام موارد أسواق المال في غسيل موارد المخدرات. نخلص مما تقدم ان العولمة االقتصادية تحمل فى طياتها بذور التقدم وتنامي الثروات للدول التى استطاعت ان تمتلك زمام التكنولوجيا الحديثة والقدرة على الهيمنة على أسواق السلع والمال .وفى ذات الوقت تحمل العولمة بذور الظلم الى الدول واألقاليم ،وداخل الدولة الواحدة بين النخب الغنية والمحظوظة والطبقات الضعيفة والمهمشة كما تحمل بذور الفقر والمرض والتهميش للدول الفقيرة فى العالم الثالث .وعمقت العولمة وكرست كل مفاسد الرأسمالية المادية. لكل ذلك تحتل قضية العولمة اهتماما ً فائقا ً فى كل المحافل الدولية وعلى مستوى األكاديمي واإلعالمي .كما نالت قضية العولمة اهتمام علماء االقتصاد والسياسة والفالسفة والمهتمين بالشئون البيئية واالجتماعية ،وال غرو فى ذلك ،فإن زيول العولمة تجاوزت حدود القضايا االقتصادية والسياسية لتصل أثارها المدمرة الى مجاالت الثقافة والبيئة واضعاف الوازع الديني والعالقات االجتماعية والقيم اإلنسانية الكريمة الموروثة بين الشعوب. لقد تولدت عن هذا االهتمام الكاسح بتطورات العولمة مواجهات شعبية وفئوية .وتعالت الصيحات ضد اجتماعات منظمة التجارة العالمية ومؤسستى (بريتون ودز) واجتماعات قمم الدول الصناعية الكبرى .واستطاعت جموع المتظاهرين إزعاج تلك االجتماعات و افشالها .وفى الجانب االخر بدأ االقتصاديون والسياسيون يبحثون عن المخارج من مأزق العولمة ،وتنادوا الى مؤتمرات وندوات. وبدأت التكتالت اإلقليمية ،السياسية واالقتصادية تستجمع قواها لمناهضة العولمة وتنسيق المواقف لدرء مخاطرها او خلق منافذ تتيح لها لعب دور ايجابى ومؤثر فى حلبة العولمة . ولكن بالرغم من كل ذلك فان الدول اإلمبريالية والنخب المستفيدة من العولمة سائرة فى دعم آليات وامكانيات العولمة غير مبالية لصيحات الفقراء ومواجهات العلماء والكتاب. 19 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة الخالصة: ان مواجهة المخاطر التى تحدق باألمة اإلسالمية في إطار مرحلة جديدة من الصراع ضد األمة اإلسالمية ،والتي تعتبر اخطر مراحل صراع الصليبية ضد اإلسالم في ظل العولمة و األحادية القطبية ،يتطلب من األمة اإلسالمية وقفة لمراجعة مواقفها إزاء التطورات الخطيرة التى تطالها. وفيما يلى سوف اطرح المواقف المطلوب اتخاذها إزاء مواجهة المخاطر التى تواجه األمة. منظمة المؤتمر األسالمى-: أمام توسع نطاق العولمة وما تستبطنها من المنافسة الشرسة وغير المتكافئة لم يعد أمام الدول بمختلف مستوياتها االقتصادية والسياسية سوى اللجوء الى مالذ التكتالت االقتصادية والسياسية واالحتماء بالكيانات الكبرى .وقد بادرت الدول الصناعية الكبرى ودول األسواق الناشئة الى إنشاء التكتالت اإلقليمية لدعم مركزاها االقتصادية واكتساب القدرة على التحكم على األسواق، لذا برزت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في العالم أهمية التكامل اإلقليمي كإطار مؤسسي للتعاون االقتصادي والعمل المشترك للتنمية االقتصادية وتطوير التجارة البينية. التكتالت اإلقليمية-: و كأول بادرة في هذا السياق اجتمعت ست دول أوروبية في روما عام 1957م وتم إنشاء السوق األوروبية المشتركة التي اتسعت لتضم ( )12دولة أوروبية بما في ذلك بريطانيا وجمهورية ايرلندا ،ثم تطورت لتتحول الي اتحاد أوروبي ونظام نقدي جديد وبرلمان أوربي ورئاسة دورية لالتحاد .وفي النصف األول من الستينيات قامت منظمة الوحدة األفريقية لتمثل المظلة السياسية للعمل السياسي المشترك ،ثم تم إنشاء اللجنة االقتصادية األفريقية لتغطي التعاون في المجاالت االقتصادية. وفي عام 1967م قامت منظمة سيان( )ASEANفي أسيا ثم توالي قيام منظمات التكامل االقتصادي في أمريكا الالتينية ومنظمة اتحاد التجارة الحرة لشمال أمريكا(.)NAFTA وفي ظل التطورات والتحوالت الكبرى التي شهدها العالم خالل العقدين األخيرين من القرن الماضي وتوسع نطاق العولمة وماتستبطنه من المنافسة الشرسة وغير المتكافئة ،لم يعد أمام الدول سوى خيار اللجوء إلى مالذ التكتالت االقتصادية والسياسية لالحتماء بالكيانات الكبرى .لذا تعاظم دور هذه التكتالت االقتصادية ،خالل العقدين األخيرين من القرن الماضي ،حيث تطورت تلك المنظمات في أوروبا وأسيا وفي األمريكتين لتواكب التطورات في أسواق السلع والمال الدولية ،التي سيطرت عليها منافسات حادة ،واالستفادة القصوى من ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية التي أصبحت اآللة المحركة لإلنتاج والتوسع للسلع المتطورة والخدمات االجتماعية والمهنية وفي مجال األعمال والصرافة .وأصبحت مواكبة هذه التطورات المذهلة في مجاالت اإلنتاج والتوزيع ،والقدرة على االستفادة من منتجات ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية واالتصال تشكل األساس للتعايش مع متطلبات المجتمع الدولي ،دون عزلة سياسية أو تهميش اقتصادي ،أذ لم تعد للعواطف الفياضة والمفاهيم النبيلة والمبادئ السامية التي تسيطر على أجواء المحافل الدولية أي أثر يذكر في العالقات الدولية على أرض الواقع ،بل اتسمت القرارات التى تُصدر في تلك المحافل بازدواجية المعايير .وان المصالح القومية الضيقة وقصيرة األمد ،هي التي تحرك تلك العالقات وتحكمها .وتتعاظم قوة تلك العالقات في حاالت الدول التي تتمتع باقتصادات قوية وتمتلك مؤسسات تجارية ومالية قادرة على التنافس في األسواق العالمية واختراق الحدود الجغرافية للوصول واستحواذ مواقع في األسواق الخارجية. لذا وإزاء هذا الوضع لم يعد أمام الدول اإلسالمية سوى خيار التجمع في تكتل اقتصادي وسياسي لحماية بالدها من المخاطر السياسية واقتصادية التى تحيط بها من كل جانب. 20 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة لذا قامت الدول اإلسالمية بإنشاء منظمة المؤتمر اإلسالمي في جده .وعلى خلفية التطورات الدولية المتالحقة والمتسارعة أصبح التكامل اإلقليمي يمثل اإلطار األنسب والمتاح لتحريك الجهود اإلسالمية ألحداث التحول المنشود ،ومن خالله محاصرة المشاكل الخارجية التي تعتري أحداث تحوالت اقتصادية واجتماعية وتوفير الحماية المطلوبة الكافية من المؤامرات التى تحيكها الصليبيون والصهاينة .كما أن التعاون اإلقليمي يمثل السبيل األوفق إلزاحة سياج التهميش االقتصادي والعزلة السياسية عن كاهل الدول اإلسالمية ،خاصة بعد ان أصبحت التكتالت االقتصادية اإلقليمية السمة الغالبة في المجتمعات الدولية. يتطلب من األمة اإلسالمية إعادة هيكلة منظمة المؤتمر اإلسالمي او إنشاء منظمة جديدة لتمثل إطارا ً فاعالً للعمل اإلسالمي المشترك وقابلة لتحويلها مستقبال الى اتحاد إسالمي جامع ويمكن االستفادة في ذلك من تجارب المنظمات اإلقليمية القائمة .فإن قدرة األمة اإلسالمية على التحرك الداخلي في إطار تكامل جماعي تمثل إحدى أهم التحديات التي تواجهها .وتكمن مواجهة ذلك التحدي في قدرة المنظمة على التغلب على العوامل التي أدت الي فشل المحاوالت التي بذلتها منظمة المؤتمر اإلسالمي وجامعة الدول العربية في تحقيق أهدافها وحماية الدول اإلسالمية من المخاطر السياسية واالقتصادية التى تواجهها وتهدد بقاءها كأمة ذات رسالة في عالم اختلت فيه موازين العدل. ويمثل نجاح االتحاد األوروبي ومنظمة أسيان ( )ASEANفي أسيا المفتاح للتطورات االقتصادية التي شهدتها القارتان .فإن منظمة أسيان تعتبر إحدى انجح التكتالت الدولية ،ويمثل ما حققته في الساحات االقتصادية والسياسية أكبر إنجاز في الدول النامية بعد الحرب العالمية الثانية. حيث استطاعت ان تحقق استقرارا ً سياسيا ً وامنيا ً في المنطقة التي كانت تمثل من قبل بؤرة لالضطرابات السياسية ،وقد تحقق ذلك بفضل األسس والمبادئ التي اتبعتها الدول األعضاء في المنظمة في تسيير أمور المنظمة خاصة فيما يتعلق بالعالقات السياسية البينية والتعاون االقتصادي الى جانب توفر العزيمة واإلرادة السياسية القوية والرغبة الصادقة في التعاون والعمل المشترك في تحقيق أهداف المنظمة .تلك المبادئ التي تنبع من صميم تقاليد وإرث المنطقة ،خاصة عدم التدخل في شئون الدول األخرى ،او مس سيادتها ،والعمل على حل المشاكل السياسية والخالفات البينية بالطرق السلمية. وفى مقابل ذلك النجاح المتميز الذي حققته منظمة( )ASEANنجد جامعة الدول العربية تفشل في تفعيل مؤسساتها االقتصادية والسياسية لتمثل الكيان المتين الذي يمكن ان يحقق المالذ األمن للدول العربية ضد تحديات التهميش التى تفرضها العولمة واألحادية القطبية والوقوف بصالبة أمام المؤامرات التى تحيكها قوى االستعمار. وبرز فشل الجامعة العربية في توفير المالذ االَمن ألعضائها وفى دورها السالب إزاء ما تتعرض له بعض الدول العربية من الضغوط واإلذالل من قبل الدول اإلمبريالية .ومثال ذلك ما تعرض له العراق من تدمير ومجازر بشرية من صواريخ وقاذفات انطلقت من أراضى عربية و إسالمية ،وكان دور جامعة الدول العربية والحكومات العربية واإلسالمية دور المتفرج بل والشماتة وتقديم الدعم السياسي والمعنوي للمعتدي اآلثم ،إلى جانب تقديم التسهيالت االستراتيجية والعسكرية لتنطلق من أراضيها القاذفات والصواريخ لتحطيم البنيات التحتية مع إحداث مجازر بشرية في دولة عضوة في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر اإلسالمى. كما تعرض ويتعرض السودان اليوم إلى الضغوط السياسية والتهديد بالويل والثبور إذا لم ينصاع إلى أوامر اإلمبريالية و منظمه األمم المتحدة .و تطال سيادته و أمنه لالنتهاك والتدخل في شئونه الداخلية وإصدار التوجيهات المتالحقة والمتجددة .يحدث كل ذلك وجامعة الدول العربية ودولها في غياب كامل وكأن األمر ال يعنيها. وكما تتعرض سوريا اليوم لضغوط هائلة وتهديدات وتوجيهات بالخروج من لبنان لينكشف ظهرها فتصبح عرضة لمخاطر الهجوم االسرائلي او اشعال الفتن والحروب األهلية تمهيدا ً لتدخل الدول االستعمارية عسكريا ً والسيطرة السياسية عليها. 21 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة ولم تفشل جامعة الدول العربية في القيام بدور فاعل في المجال السياسي أو اكتساب القدرة في توفير المالذ األمن لدولها ،والذي يعتبر من أهم أهداف إنشاء التكتالت والمنظمات اإلقليمية، فحسب بل فشلت جامعة الدول العربية ايضا ً في خلق كيان للتعاون االقتصادي بين دولها. فيما يلى يمكن تلخيص أهم التحديات التي تواجه المؤسسات االقتصادية التابعة للجامعة العربية والتى تحد من قدراتها على مواكبة معطيات عصر العولمة وتجاوز تداعياته او تعوق تهيئتها للتعاون والتكامل وخلق المالذ األمن لالمة العربية-: .1مازالت االقتصادات العربية ومؤسساتها اإلنتاجية والمالية تعاني من تراكمات وتداعيات المشاكل التى نتجت عن التحول من سياسات الكبح المالي والتحكم باألدوات الرقابية المباشرة إلى سياسات التحرير المالي -خاصة تحرير حساب راس المال وأسعار الفائدة - قبل وضع الضوابط االحترازية و التشريعات المالئمة لبيئة التحرير ،كما ذكرنا سابقاً. .2تنامي فجوة التكنولوجيا و المعلوماتية بين الدول العربية وأسواقها ،وبين الدول المتقدمة، والتي مازالت فى توسع مستمر بالرغم الجهود التي تبذلها السلطات النقدية ومؤسساتها المالية لردم وتضيق تلك الفجوة . .3قيام مؤسسات عمالقة في األسواق العالمية ،وتزايد أهمية عمليات الدمج والتملك عبر الحدود .بل أصبحت تلك المؤسسات تنافس المؤسسات العربية داخل بالدها . .4تنامي وتنوع المخاطر المرتبطة بالعمل المصرفي ،والتي لم تكن موضع اهتمام المصارف من قبل ،منها مخاطر تشغيليه وقانونية ،ومخاطر التعامل فى أسواق تسيطر عليها المنافسة الحامية. .5إرتفاع المديونية الخارجية لمعظم الدول العربية ،مما يحد من حجم تدفقات رؤوس أموال جديدة ،وتنعكس أثارها على أوضاع الحسابات الخارجية فى تلك البالد ،مما يؤدى الى تشجيع هروب موارد النقد األجنبي الى الخارج البالد بحثا من مالذ اكثر امانا ً . .6الضغوط التى تتعرض لها المصارف العربية فى سبيل تطبيق تقنيات ومعايير العمل المصرفي الحديثة ،وبما يتفق مع التطورات الحديثة فى مجال الخدمات والمنتجات المصرفية ال جديدة،وتكنولوجيا المعلومات واإلتصاالت المتطورة ،وضرورة توفير الكوادر البشرية و اإلدارية المؤهلة إلستخدام طرق التسويق الفعالة التي تواكب مع السوق المعولمة ،الى جانب تطبيق قواعد الرقابة المالية والمحاسبية السليمة ،واإلفصاح وفقا ً لمعايير لجنة بازل .هذه المتطلبات ضرورية للتعايش مع التطورات فى األسواق المالية ،اال ان استيفاءها يتطلب تكلفة مالية عالية تصعب مقابلتها على كثير من الدول والمؤسسات المالية العربية . .7ضعف الترابط والتعاون والتنسيق بين الدول والمؤسسات العربية لمواجهة هذه االخطار بصورة جماعية وتكاملية . .8ضعف األسواق المالية والسلعية فى الدول العربية .فإن حجم مجمل موجودات المصارف العربية تقل عن موجودات مجموعة يابانية او أوروبية واحدة .ان حجم الصادرات العربية غير النفطية اليتعدي %1من جملة الصادرات الدولية ،وحجم التبادل التجاري بين الدول العربية ال يتعدي %10من جملة تجارتها مع دول العالم .وان االستثمارات العربية البينية ال تتعدي 2.18مليار دوالر فى العام . .9فى جانب أسواق األوراق المالية ،فإنها مازالت تتسم بتخلف األطر التنظيمية والتشريعية، وضيق األسواق ،ومحدودية أحجامها و أطرها ،باإلضافة الفتقارها الى األدوات المالية الحديثة ،وقلة عدد الشركات المدرجة فى سجل األسواق .الى جانب غياب المؤسسات المساندة وصانعة األسواق ،و مؤسسات اإليداع المركزي و شركات التسوية و المقاصة ومؤسسات الترويج . لكل هذه المعوقات ،كان تطوير أسواق األوراق المالية فى معظم الدول العربية محدودا ً جداً ،و يتمثل ضعف األسواق األولية فى الدول العربية فى تدني نسبة اإلصدارات األولية الى الناتج المحلي 22 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة اإلجمالى والتي لم تتعد %4كما لم تتجاوز نسبتها الى القروض المصرفية الممنوحة للقطاع الخاص . %15 يتضح مما تقدم ان النظم المالية العربية ومؤسساتها اإلنتاجية مواجهة بتحديات كبري، يتطلب تجاوزها تفعيل التعاون االقتصادي العربي ،على مستوي الحكومات العربية والمصارف و المؤسسات اإلنتاجية والتجارية وجامعة الدول العربية ،ومؤسساتها االقتصادية والمالية .خاصة وان دول العالم أخذت تتمحور حول تكتالت اقتصادية ومالية إقليمية ،لتعظيم دور التجارة واالستثمارات البينية .فى ظل هذه التكتالت واالستثمارات عبر الحدود ،بدأت الشركات الدولية فى اإلندماج واإلستيالء لتكوين مؤسسات عمالقة عابرة القارات .ولذا ،وأمام هذه التحديات ،ال يمكن للدول العربية التأقلم مع معطيات العولمة وتحويل مهدداتها ومخاطرها الى فرص حقيقية للنمو واالزدهار، اال من خالل إطار تكتل وتكامل اقتصادي حقيقي ،و يُبني من خالله ،وبه إقتصاد إقليمي قوي، ومؤسسات مالية وإنتاجية قادرة على الصمود أمام المنافسة الشرسة التي تفرضها ضرورة التعامل فى األسواق المعولمة .وان تحقيق ذلك يعتمد على تعاون إستراتيجي مثمر ،وقادر على تمكين المؤسسات المالية العربية من بناء تلك القدرات. هكذا فشلت مؤسسات التعاون االقتصادي التي انشأتها جامعة الدول العربية خالل العقود االربعه الماضية ،والتي لم تزل ضعيفة بالمقارنة مع القدرات المالية واالمكانيات الطبيعية المتوفرة، وبالرغم من العزيمة القوية والرغبة األكيدة لرؤوساء الدول والملوك فى التعاون العربي ،وتقوية أواصر الترابط والتكاتف ،والتي عبرت عنها قرارات القمم المنعقدة بشأن تحقيق الوحدة االقتصادية العربية والمناطق والمنظمات العربية االقتصادية الحرة .ولكن بكل أسف فان األداء فى هذه المؤسسات لم يرتق بعدُ الى مستوي طموحات الحكومات ،فى خلق كيانات اقتصادية قادرة على توليد تعاون اقتصادي مالى فعّال بين الدول العربية و مؤسساتها المالية. إنعكست أثار ضعف األداء فى مؤسسات الجامعة العربية على ضمور نمو التجارة العربية البينية واالس تثمار المشترك ،وتضاؤل التعاون المالي بين المصارف واألسواق المالية العربية .ويعود هذا الضعف فى أداء مؤسسات الجامعة العربية الى عدة عوامل أهمها مايلي-: .1التطورات السياسية واألمنية الدولية واإلقليمية خاصة مشكلة فلسطين ،خالل الفترات الماضية استوعبت جل نشاط الجامعة واهتماماتها وذلك على حساب الرعاية المطلوبة للتعاون العربي في مجاالت االقتصاد والمال والتجارة. .2الخالفات االيدولوجية بين بعض الدول أدت الى فتور العالقات والنظم العربية مما جعل مجال التعاون العربي االقتصادي والسياسي محدودا ً . .3ضعف الكيانات المالية فى الدول العربية ماليا وهيكليا ً ،الى جانب غياب األطر التشريعية المناسبة والمحفزه لالستثمار ،جعل التعاون بين المؤسسات العربية ضعيفا. .4التفاوت بين مستويات الدخول ومعدالت النمو االقتصادي بين الدول العربية وضعف المنتجات – غير النفطية -وعدم تنوعها ومحدودية التعاون المالي – خاصة فى مجال تمويل الصادر -أعاق نمو التجارة البيئية . .5تبني عدد كبير من الدول العربية فلسفة مركزية التخطيط والكبح المالي وتقليص دور القطاع الخاص -قبل التحول الى تحرير األسواق -قفل الباب أمام مبادرات القطاع الخاص فى مجال االستثمار وتطوير مؤسسات القطاع المالي الخاصة القادرة على دفع التعاون البيني. عليه فإنه بالرغم من مرور سنوات طويلة على بروز فكرة التعاون العربي ،وبالرغم من المحاوالت والقرارات المتعلقة بالتعاون اإلقتصادي والتجاري العربي ،و توفر األرضية الراسخة لتأسيس ودعم ذلك التعاونَّ ، فإن تلك القرارات لم تؤت ثمارها بالمستوى المطلوب فى المجاالت التجارية واإلستثمارية ،بإستثناء بعض الهيئات العربية المشتركة – مثل الصندوق العربي لإلنماء اإلقتصادي واإلجتماعي والهيئة العربية لإلستثمار الزراعي ،والمؤسسة العربية لضمان اإلستثمار، وصندوق النقد العربي ،وبعض الشركات العربية المشتركة ،مثل شركة سكر كنانة ،والمؤسسة 23 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة العربية المصرفية ،والصناديق العربية القطريه فى كل من المملكة العربية السعودية والكويت ،وصندوق ابوظبي باالمارات المتحدة .حيث قامت هذه المؤسسات والصناديق بجهود مقدرة فى التنمية االقتصادية فى الدول العربية. اال انه بالرغم من الجهد الذي بذلته هذه المؤسسات ،والموارد الهائلة التي تدفقت من خاللها الى كثير من الدول العربية ،فان نتائج ذلك الجهد لم تكن فى المستوي المستهدف،وذلك بسبب غياب البيئة االقتصادية والهيكلية المواتية و الداعمة لالستثمار فى كثير من الدول العربية المتلقية لتلك التدفقات .ويعزى ذلك الى ان كثيرا ً من الدول العربية كانت تنتهج اسلوب التخطيط المركزي، ووجهت جل تلك الموارد الى مؤسسات القطاع العام التي تميزت باالداء المتدني ،الى جانب االختناقات المرتبطة بضعف البنيات التحتية ،والنقص فى الكوادر االدارية والفنية القادرة على ادارة تلك االستثمارات بالكفاءه المطلوبة .واآلن وتجاوبا ً مع التحوالت التى استجدت فى الفكر االقتصادي العربي ،وبداية تراجع الدول العربية عن منهجية التخطيط المركزي لالقتصاد ،وتقليص دور الدولة فى إدارة االقتصاد ،وتفعيل دور القطاع الخاص ،والتوجه نحو التحرير المالي ،وتوسيع مساحات االنفتاح الخارجي ،بدأت الصناديق العربية – خاصة الصندوق العربي لإلنماء اإلقتصادى واإلجتماعى وصندوق النقد العربي والبنك اإلسالمي للتنمية -فى إنشاء نوافذ لتمويل مبادرات القطاع الخاص .ومن المؤكد ان تلعب هذه المبادرات دورا ً هاما ً فى التنمية االقتصادية فى الدول العربية ،مما يساعد على التعاون االقتصادي والمالي العربي. اما تجربة أفريقيا في التكتل والتعاون اقليميا ً وقاريا ً فقد باءت بالفشل وذلك بالرغم من الدوافع القوية التي دفعت الدول األفريقية نحو التكامل األقليمي ،خاصة بعد األقتناع بعدم جدوى الجهود القطرية المنعزلة لعمليات التنمية القطرية .فإن مشاريع التعاون والتكامل قد فشلت أيضا ً في تحقيق أهدافها وذلك نتيجة لعوامل محلية وخارجية نفصلها فيما يلي: .1 .2 .3 .4 .5 .6 كانت القرارات السياسية للتعاون أو التكامل اإلقتصادي قرارات فوقية ،تم إتخاذها على مستوي الحكومات دون إشراك ممثلي الشعوب أو منظمات المجتمع المدني في الدول األفريقية المكونة للمنظمات اإلقليمية ،وبالتالي أفتقدت الحكومات القدرة على استقطاب الدعم الشعبي لمشروعات التكامل أو التعاون. ضعف وعدم فعالية عمليات التنمية اإلقتصادية واإلجتماعية على مستوي الدول المنضوية تحت مظلة المنظمات ،والجهود التنموية القطرية المعزولة عن برامج التنمية في بقية الدول األخرى .وقد تفاقم الوضع في كثير من الدول األعضاء بسبب األزمات اإلقتصادية التي واجهت عددا ً كبيرا ً من الدول األفريقية ،خاصة في أعقاب األزمات اإلقتصادية المصاحبة لصدمة البترول في عام 1973م وزيول الكساد الذي طال الدول الصناعية في الثمانينيات من القرن الماضي. إفتقار مشاريع التعاون والتكامل اإلقليمي الي اإلرادة السياسية القوية من قبل قادة الدول األعضاء ،وعدم انعكاس أهداف التكامل في السياسات والخطط القطرية ،وبذلك أضحت قرارات وبروتوكوالت تلك المنظمات اإلقليمية هياكل عديمة اآلثر على واقع الحياة في المنطقة ،وفشلت في تحقيق أهدافها في التكامل والعمل المشترك إلحداث التحوالت اإلقتصادية المستهدفة. ضعف قدرة الحكومات على تسوية العالقات المتوترة بين الدول األعضاء قبل وبعد إنشاء المنظمات. تعدد منظمات اقليمية في أفريقيا داخل اإلقليم الواحد جعل من الصعوبة بمكان لكثير من الدول األعضاء مقابلة اإللتزامات المالية واإلستحقاقات االخري التى تتطلبها العضوية في اكثر من منظمة واحدة. شح الموارد المالية والكوادر البشرية المدربة المطلوبة لتسيير أعمال المنظمات األساسية وتحقيق أهداف التكامل اإلقليمي في أحداث التحول اإلقتصادي واالجتماعي المنشود. 24 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة .7التفاوت في قدرات الدول األعضاء في منظمة واحدة قلل من اإلستفادة من الفوائد التي تحقق أو األعباء التي تتحملها كل دولة من الدول األعضاء أفقد بعض األعضاء الحماس والرغبة في اإلستمرار في العضوية. .8األزمات االقتصادية والتحوالت السياسية التى طالت العالم خالل عقدي الثمانينات والتسعينيات انعكست سلبا ً على محاوالت أفريقيا في التكامل اإلقليمي. .9الحروب األهلية واإلقليمية في أجزاء كبيرة من القارة أفقدت القادة االرادة السياسية القوية نحو التكامل. وبعد ان إتضح لقادة الدول األفريقية فشل مشاريع التعاون والتكامل دون اإلقليمي(Sub- ،)Regionalالتي تم إنشاؤها خالل العقود الماضية ،في تحقيق أهدافها في أحتواء التدهور اإلقتصادي واالجتماعي في القارة ،وإزالة حالة العزلة والتهميش التي طوقت إفريقيا بسياج من الحواجز عن العالم الخارجي ،وأفقدتها القدرة على التعايش مع التحوالت اإلقتصادية التي طالت كل وسياسيوها ومفكروها قارات العالم ولم تستطع افريقيا التعامل معها تعامالً موجباً .لذا بدأ قادة افريقيا ّ يبحثون عن كيان بديل أكثر قدرة وفعالية على تحقيق أهداف التكامل القاري. ولكن الجهود التى بذلت في تحقيق التكامل على مستوى القارة قد باءت بالفشل وان مبادرة ( )NEPADمازالت تحت التجربة وان احتمال نجاحها مازال ضعيفاً. يتضح من تجارب جهود التكامل التى بذلت في كل من أفريقيا والعالم العربي إن من أهم أسباب عدم فعالية منظمات التكامل األفريقي ضعف اإلرادة السياسية وعدم تأسيس أجهزة تنفيذية فعالةَّ . فإن ضعف اإلرادة السياسية بالنسبة ألفريقيا يعزى الى الحروب اإلقليمية التى حالت دون تأسيس العالقات الودية بين األقطار المجاورة والتي تعتبر من اهم متطلبات خلق رغبة في العمل المش ترك الفاعل وتبادل المصالح المشتركة مما يدعم ويعزر اإلرادة السياسية القوية للعمل المشترك في إطار منظمات التكامل االقتصادي والسياسي .هذا الى جانب المشاكل السياسية واالقتصادية الداخلية التى كانت تواجهها الدول اإلفريقية. اما بالنسبة الدول العربية فان ضعف فعالية الجامعة العربية وعدم فعالية مؤسساتها فيعزى الى فتور العالقات بين الدول العربية ،بسبب الخالفات السياسية واأليديولوجية والتباين الكبير في نظم الحكم وفى السياسات الخارجية والخالفات حول التعامل مع قضية فلسطين والمواقف المتباينه حيال حرب الخليج الثانية والثالثة ودواعيها ونتائجها. يتضح مما تقدم ان إعادة بناء منظمات التكامل اإلسالمية والعربية وتفعيل دورها في التكامل السياسي واالقتصادي يتطلب كأسبقية أولى توفير المناخ والبيئة المواتية لتأكيد اإلرادة السياسية القوية النافذة والفاعلة لدى الدول األعضاء. ان أهمية إعادة بناء منظمة المؤتمر اإلسالمي وجامعة الدول العربية -كرافد هام -تكمن في دورها المرتجاة لربط األمة اإلسالمية وتفعيل قدراتها البشرية والمادية وتقويتها ولتهيئها لتعلب دورها المؤثر في حلبة المنافسات القائمة بين الكتل اإلقليمية.وحتى تكون قادرة على حماية األمة اإلسالمية وحضاراتها وهويتها من المخاطر والمؤامرات التى تحاك صدها ومقاومة الهيمنة اإلمبريالية التى ترمى الى إخضاع البالد اإلسالمية تحت سيطرتها لنهب مواردها وتعرضها الى المهانة واإلذالل. ان إعادة بناء المنظمات اإلسالمية وتفعيل دورها تتطلب – الى جانب اإلرادة السياسية النافذة والعزيمة القوية -تحقيق المتطلبات والمقومات الهامة االتية-: اوالً :إعادة هيكلة منظمة المؤتمر اإلسالمي لتكون نواة التحاد إسالمي .على ان تشمل عملية إعادة الهيكلة إنشاء أمانات فاعلة وقادرة على التفاعل مع التطورات في الساحة الدولية وعلى االستجاب ة الى متطلبات التحوالت السياسية في العالم أهمها األمانة السياسية والقادرة على تنسيق مواقف الدول األعضاء حيال العمل الدبلوماسي المشترك. ثانياً :تحديد مبادئ و أسس للتنسيق والعمل المشترك مع جامعة الدول العربية بمثابة رافد هام لمنظمة المؤتمر اإلسالمي. 25 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة ثالثاً :إنشاء برلمان العالم اإلسالمي لسن التشريعات الملزمة لحكومات الدول األعضاء لتوحيد الرؤى وتنسيق المواقف حيال القضايا الكبرى التى تهم األمة. رابعاً :أمانة اقتصادية للعمل على دعم التكامل اإلسالمي اقتصاديا وإنشاء منظمة التجارة اإلسالمية. خامساً :أمانة للبحث العلمي والتقنيات الحديثة وبناء القدرات للعمل على وضع خطط لتطوير البحث العلمي في الدول اإلسالمية وبناء القدرات. سادساً :قيام الدول األعضاء في المنظمة بإعادة ترتيب أوضاعها االقتصادية والسياسية ،لتبنى اقتصاداتها القطرية على أرضية راسخة تؤكد االستقرار االقتصادي وتحقيق معدالت نمو عالية ونظام مصرفي قوى قادر على مواجهة تحديات ومخاطر األسواق المالية الدولية المفتوحة خاصة مخاطر تحركات التدفقات المالية قصيرة األجل. وعليه فان تفعيل دور التكتل اإلسالمي في مواجهة التحديات التى تفرزها العولمة او تفرضها ظروف األحادية القطبية يتطلب تهيئة الدول اإلسالمية لمواجهة تحديات العولمة والمخاطر التى تستبطنها.وقد الحظنا ان القوى التى تسيطر على حركة المعطيات الدولية والمؤثرة على التوجهات السياسية الدولية والمسيطرة على األسواق العالمية هى الدول التى استطاعت ان تبني اقتصادات قوية وسليمة واستطاعت ان تواجه تداعيات العولمة واالستفادة من الميزات والحوافز التى تمنحها. واصبح التعامل مع الدول اقتصاديا وسياسيا ً يعتمد على القوة االقتصادية. ومن أهم متطلبات تحقيق اقتصاد قوى قادر على مواجهة تداعيات العولمة تحقيق االستقرار االقتصادي والذي يعتمد على األرضية االقتصادية الراسخة و القادرة على تمكين البالد من مواجهة تحديات العولمة وتجاوز التهميش واالنكفاء على ذاتها . و يعتمد تحقيق األرضية الراسخة لالقتصاد الوطنى -: -1االستقرار االقتصادي والذي تتوازن فيه العرض والطلب الكليان وتتحرك مؤشرات االقتصاد فى يتوازن وتناسق داخلي .ويتطلب تحقيق ذلك إيجاد التناسق بين السياسات المالية والنقدية والذي يعتبر أهم متطلبات التوازن االقتصادي والتناسق والتوازن بين مؤشرات االقتصاد الكلي المتغيرة والمتحركة .ومن متطلبات هذه التوازنات خلو البيئة االقتصادية من التشوهات الهيكلية المؤدية الى اختالل استقرار نظم أسعار الصرف غير الواقعية والمرنة والقيود على أسعار وحركة السلع والخدمات . باستقرائنا للتطورات االقتصادية في العالم خالل العقود الثالثة الماضية نجد ان السمات الحقيقية لألزمات والمشاكل االقتصادية التي الزمت اقتصادات الدول طيلة تلك العقود ،تتمثل في اختالل التوازن في االقتصاد الكلى نتيجة لألزمات االقتصادية خالل عقدي الثمانينيات والتسعينيات والتي أشرنا إليها من قبل. تزامنت هذه التطورات االقتصادية مع تطورات سياسية وأمنية سالبة والتي ترادفت مع تداعيات التطورات فى االقتصاد لتؤدي إلى تراجع فى معدالت نمو الناتج المحلي اإلجمالي جراء التدهور فى أداء القطاعات اإلنتاجية مما حال دون استفادة البالد اإلسالمية من مواردها الطبيعية والبشرية الهائلة واستغاللها فى النمو االقتصادي ورفع مستوي الحياة للشعب. وصل التدهور االقتصادي فى العالم اإلسالمي قمته فى عقد الثمانينيات والنصف األول من التسعينيات ،وذلك بالرغم من المحاوالت الجادة التي تمت من خالل برامج إصالح اقتصادي وبرامج التحرير االقتصادي والذي تم تنفيذها خالل التسعينيات والثمانينيات في إطار االتجاه الدولي العام نحو اإلصالح االقتصادي لمواكبة التحوالت في الفكر االقتصادي وعندئذ والتي أشرنا اليها من قبل. وعليه فأن قدرة الدول اإلسالمية على الحفاظ على االستقرار االقتصادي وتعميقه بسد الثغرات التي قد تعرض االقتصاد للتراجع أو للهزات تعتبر أمرا ً هاما لمستقبل البالد السياسي واالجتماعي وقدرة البالد على مواجهة تحديات العولمة . 26 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة ومن أهم واخطر هذه الثغرات التي قد يعرض اقتصادات الدول اإلسالمية لهزات عنيفة وتذبذب فى معدالت النمو ومخاطر الركود ،التراجع فى اإليرادات العامة نتيجة لتخلف مصادر اإليرادات وعدم تعظيم دورها فى موارد الميزانية العامة.ويمكن تحقيق هذا الهدف عن طريق كسر جمود الموارد وضعف االدخار الوطني من خالل برنامج لعمليات تحديث شاملة فى الدوائر المدرة للموارد .وذلك عن طريق استخدام التقنيات المالئمة وتوسيع دائرة التدريب والتأهيل على استيعاب تكنولوجيا المعلومات وبناء شبكات نظمها المتكاملة .إضافة الى األخذ بأساليب اإلدارة الحديثة وتطوير نظم المتابعة والرصد والتحليل .أن تحقيق هذه األهداف يتطلب أن يشمل التحديث القطاعات االنتاجية والخدمية المدرة للدخول على وجه الخصوص من اجل زيادة الدخول .هذا وان حسن توظيف المدخرات واألصول الموجودة والمتمثلة فى رؤوس المال يحتاج الى جرعات جديدة ومقدرة من التقنيات والمعرفة المتطورة .وسوف نتناول هذا الجانب عند تناولنا تحديات ترقية البحث العلمي فى الصفحات القادمة أن شاء هللا . هذا وعليه فان استدامة االستقرار االقتصادي ،والتي اعتبرناها من أهم الركائز التي يعتمد عليها صمود البالد اإلسالمية امام تحديات العولمة وتجاوز تداعي الهيمنة،يتطلب وجود نظام مصرفي قوي مستقر ،قادر على القيام بدوره فى الوساطة المالية وتعبئة الموارد المالية الداخلية والخارجية لتحقيق أهداف االقتصاد الكلي ،وقادر على مواجهة وامتصاص الصدمات الخارجية .وال يتوقع ان يلعب النظام المصرفي غير سليم الدور المناط به فى حركة االقتصاد وفق منظور الرؤية التى تفرضها تطورات وتحديات األلفية الثالثة والعولمة ،وخاصة تواجهه النظم المصرفية في الدول اإلسالمية من المنافسة الحادة فى سوق الصناعة المصرفية ،وما تتعرض له من مخاطر وصدمات خارجية .ان تحقيق نظام مصرفي سليم يعتمد ،بدوره على استقرار االقتصاد الكلي والذي ال يولد صدمات تؤثر على جودة أصول المصارف او تخلق ربكة وعدم استقرار فى أسواق الصناعة المصرفية ،فتؤثر على مواردها ومالءتها المالية ،وقدرتها على القيام بدورها فى الوساطة المالية.و من متطلبات وجود السالمة المالية أيضا قدرة السلطات وإدارات المصارف فى وضع الضوابط االحترازية التي تحقق جودة األصول وزيادة الموارد وحسن توظفيها .وتعتمد قدره السلطات الرقابية واإلدارة الداخلية العليا للمصرف فى تحقيق الرقابة الفاعلة على أداء المصرف الراشد على وجود نظام لتوصيل المعلومات الصحيحة والحقيقية الى تلك الجهات بإفصاح أمين وبشفافية كاملة توضح الوضع الحقيقي لألوضاع المالية للمصرف ومدي جودة أصوله واالنكشاف الخارجي . وكما أوضحنا من قبل فان تجارب انهيار المصارف والمؤسسات المالية فى كثير من الدول،خالل العقدين األخريين من القرن الماضي ،على اختالف درجات نموها ،بما فى ذلك الدول الصناعية ودول األسواق الناشئة في جنوب شرق أسيا وفى أمريكا الالتينية ،أوضحت ان السبب الرئيسي ،الى جانب الصدمات الناتجة عن األداء السالب لالقتصاد الكلي ،يعزى الى عدم مواكبة القواعد الرقابية السليمة النفتاح النشاط المصرفي على األسواق الخارجية وإزالة القيود على حركة النقد األجنبي. كما أوضحنا من قبل فان اكبر مهددات االستقرار االقتصادي وعلى سالمة أوضاع المصارف التحرك غير المنضبط لحركة رؤوس األموال األجنبية خاصة فى ظل االنفتاح وتحرير حركة النقد األجنبي في ظل غياب القواعد المنظمة والضابطة لحركته والمواكبة لسياسات تحرير حركة رأس المال . ان تحرير حساب رأس المال يواجه الدول اإلسالمية بتحديات كبري على حركة الموارد المالية وتدفقات رأس المال األمر الذي يلقى بظالله الكثيفة على أداء ودور النظم المصرفية في الدول االسالمية ويشكل بذلك مرتكزا ً رئيسيا ً فى دفع عجلة التنمية والتطور االقتصادي فى البالد .وتمثل هذه التحديات فى مواجهة تداعيات التحرير والتدويل التي يفتحها تحرير سوق المال وما يصحب ذلك من تفوق تنافسي كاسح لحركة انتقال رؤوس األموال بال حدود ،وتقارب األسواق وانخفاض تكاليف اإلنتاج في الدول الغنية .و قد برزت هذه االنعكاسات كمؤشر فى األزمة التي اجتاحت دول شرق أسيا فى منتصف عام 1997م ،بما فيها االقتصاد الياباني والذي عاني من انهيار رابع كبرى 27 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة مؤسساتها المالية المتعاملة فى السندات ،وهي (مؤسسة يامينش) والتي شكل انهيارها ضربة كبري لالقتصاد الياباني ،كما شهدت بقية النمور األسيوية ذات المشاكل واحتاجت لمليارات الدوالرات (78 مليار دوالر) من المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي للمساعدة فى استعادة توازنها االقتصادي. قد جاء هذا الوضع جراء االنفتاح غير المحدود لهذه االقتصاديات على العالم الرأسمالي حامل األزمات الدورية المتكررة ،وكان ما استخلص من نتائج هذه األزمة أن زيادة تدفق رؤوس األموال األجنبية قصيرة األجل – بال حدود قد يؤدي إلى تعرض االقتصاد القومي إلي صعوبات واختناقات كبري اذا لم تتسلح بقدرات إدارية كافية واستنباط قواعد احترازية فاعلة المتصاص مثل هذه الصدمات والتي سوف تزداد مستقبالً على أساس أنها حرب موارد وتقنيات ومعلومات مستمرة ، ومعرضه للمضاربات . من ناحية أخرى فإنه يتعين تكثيف عمليات البحث العلمي وتطوير القدرات للمحافظة على طبيعة النظام المصرفي في البالد اإلسالمية .وال بد من تضافر الجهود اإلقليمية لبناء شبكة مصرفية قادرة على مواجهة التنافس واإلسهام فى التنمية القطرية واإلقليمية على النحو الذي يجري التفاكر فيه فى إطار منظمة المؤتمر اإلسالمي وغيره. يتضح مما تقدم ان حركة رؤوس األموال قصيرة المدى تحتاج الى الكثير من الوعي الرقابة والحذ ر ألثرها المباشرة على أداء الحساب الخارجي ومن خالله على أوضاع االقتصاد الكلي .هذا وإن الحساب الجاري الخارجي يعتبر من مؤشرات االقتصاد الكلي المتغيرة ،لذا فأن أي اختالل فى الحساب الخارجي سرعان ما ينعكس على توازن المؤشرات األخرى وبالتالي تؤثر على االختالل فى توازن االقتصاد الكلي . ان زيول األزمة المالية التى طالت دول النمور األسيوية ودول أمريكا الجنوبية تجاوزت حدود االقتصاد الى النسيج االجتماعي والهياكل السياسية فانهارت بعض نظم الحكم المنطقة وأزمات الحكم فى البعض األخر كما حدث في إندونيسيا وغيرها. إن تجربة دول جنوب شرق أسيا تكشف أمام الدول اإلسالمية دروسا ً قيمه تستحق أن تتمعن فيها .ففيها كثير من العبر ،ويجب عليها أن تضع هذه الدروس والعبر نصب أعينها وهى تخطط للمستقبل لمواجهة التحديات التي يستبطنها االنفتاح غير المنضبط إلى أسواق المال الخارجية. يتضح مما تقدم ان من أهم استحقاقات مواجهة مخاطر العولمة وما يتبعها يكمن فى تهيئة القطاع المالي في الدول اإلسالمية لمواكبة االنفتاح المالي نحو أسواق المال الخارجية مع اتخاذ اإلجراءات والتدابير الواعية لتفادي الصدمات الخارجية التي يتعرض لها االقتصادات في الدول اإلسالمية من جراء االنفتاح الخارجي ،خاصة فى ظل نظام مصرفي ضعيف غير مؤهل للوقوف أمام المنافسة الخارجية الشرسة وغير قادر على امتصاص الصدمات الخارجية التي قد يتعرض لها. ان آثار هذه الصدمات الخارجية سرعان ما تسري الى مفاصل االقتصاد الكلى فتؤثر على أداء الموازنة العامة وبالتالي يؤدي الى الخلل فى التوازن الداخلي بين السياسات المالية والنقدية الى جانب أثرها السلبي المباشر على قطاع اإلنتاج فتؤدي الى مزيد من التراجع للقدرة التنافسية لالقتصاد الوطني فتتضاعف مخاطر العولمة على البالد . ومن جانب أخر يعتبر – قطاع اإلنتاج – هو احد الركيزتين األساسيتين الى جانب القطاع المالي – التي يرتكز عليهما االقتصاد الوطني فى اي قطر وتعتمد قوة االقتصاد الوطني على قدرة وسالمة هذين القطاعين. إن من أكبر مهددات اقتصاديات الدول النامية ،ومن بينها الدول اإلسالمية ،فى عالم اليوم الفجوة المعلوماتية بينها وبين الدول الصناعية وافتقار هذه الدول الى وسائل االرتقاء بإنتاجها ورفع مستوي الحياة للمواطنين .لذا فان من أكبر العوائق أمام االقتصاد اإلسالمي فى مواجهة العولمة والصمود أمام المنافسة الجائرة التي تفرضها ،يتمثل فى الفجوة المعلوماتية واالفتقار إلى التقنيات الحديثة والتي ال يمكن تجاوزها فى المحاوالت التى تبذلها الدول اإلسالمية لترقية اإلنتاج ورفع مستوي الخدمات .لذا يعتبر تنفيذ مشروع تطوير البحث العلمي على مستوى العالم اإلسالمي وبناء القدرات ونقل وتوطين التقنيات الحديثة أسبقية أولى لتحقيق األهداف التي تصوب إليها الرؤية 28 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة المستقبلية لمواجهة تحديات العولمة .بل يعتبر من التحديات التي تواجه االقتصاد الوطني ومستقبل األجيال القادمة. تزايدت أهمية البحث العلمي مع تطوير تقنيات المعلومات والمعرفة فى عالم اليوم ،حيث يشكل اآلن أحد الدعامات الكبرى لعمليات التحول االقتصادي الكلي لمواجهة عمليات التدويل والعولمة القسرية فى مجاالت التجارة والتنمية والتكنولوجيا والخدمات .معلوم ان معظم البالد االسالمية عايشت قصورا ً واضحا ً فى هذا المجال لفترات طويلة ،سواء من حيث االستفادة من نتائج األبحاث المكتملة أو من حيث تطوير مجاالت البحث لمواكبة التقدم العلمي الهائل فى هذا المجال. لذلك فقد بدا جليا ً ان ما تحققه من عائدات لالستثمارات القومية فى القطاعات المختلفة أو زيادة فى الدخول واإليرادات القومية يجئ نتاجا ألنماط وأساليب إنتاجية و إدارية ومؤسسية متكررة وليس انعكاسا ً لتطوير تقني بحثي متصل .ان النهضة االقتصادية التى أنجزتها كل من ماليزيا وإندونيسيا جاءت نتيجة لبرامج نقل وتطوير التقنيات الحديثة من خالل ترقية البحوث العلمية. وقد احتلت أهمية البحث العلمي وربطه بالتقنيات أسبقية عليا فى اهتمامات المفكرين والمستثمرين فى السنوات األخيرة .وقد برزت أراء ونظريات حول فجوات المعرفة والتقانة بين الدول المختلفة ،وقد تم ربط هذه الفجوات بالفجوات فى النمو االقتصادي ومستويات الدخول المعيشية بين الدول الغنية والدول الفقيرة ،وبدا جليا ً ايضا ً أن نظرية ربط التنمية االقتصادية واالجتماعية بمقدار تكثيف رأس المال والعمالة كمصدرين وحيدين لإلنتاج قد تالشت الن تناقص الغلة بالنسبة لرأس المال( )Diminishing Returnسرعان ما يؤدي الى تناقص كفاءة هذين العنصرين .وهنا تبرز أهمية المعرفة والتقنية فى ترقية واستمرارية أداء رأس المال والعمالة .والتقنية هي وسائل وطرق استعمال رأس المال وزيادة كفاءة العمالة فى اإلنتاج .وهي تعتمد على اكتساب الخبرة والمهارة فى استخدام عناصر اإلنتاج .وأصبحت التقانة والمعرفة جزءا ً مكمالً لعنصري اإلنتاج وضرورية للتقدم االقتصادي فى اي بلد .وقد أوضحت دراسة أجراها العالم ( )SOIOWعام 1956م ان تراكم رأس المال ونسبة زيادة العمالة أديا إلى اثر ضئيل فى حين ان تطبيق التقنية الحديثة يؤدي الى زيادة ملحوظة .واحسن مثال لذلك تجربة االتحاد السوفيتي الذي اعتمد فى نموه االقتصادي على تراكم وتكثيف رأس المال وفى نهاية األمر واجه ذلك االقتصاد تناقص الغلة ثم التدهور االقتصادي المعروف . ونشير هنا الى قول االقتصاد البريطاني (:) Alfred Marshal … 1) While nature …shows a tendency to diminishing return … man shows a tendency to increasing return … knowledge is our most powerful engine of production, it enables us to subdue nature and satisfy our wants. ومن المعلوم أن من اهم سمات التقدم فى القرن العشرين كان دور التحديث واالختراع المتمثالن فى تقدم بحوث المعامل الصناعية لتحديث اإلنتاج وكذلك بحوث الجامعات فى تنمية المعرفة األساسية والتطبيقية ،وهنا تبرز أهمية االهتمام بالمعرفة والتقنيات الحديثة وتضييق فجوات المعرفة بين الدول الغنية والفقيرة ،وبالتالي تضييق الفجوة فى النمو االقتصادي ،الن النمو المستدام ،كما ذكرنا ،يعتمد على مقدار جرعة المعرفة المستغلة فى العمليات اإلنتاجية وليس على تكثيف راس المال وحده .لذا لم يعد البحث العلمي واستيطان المعرفة أو نقلها من الدول األخر ترفا ذهنيا أو هامشيا ً وال معزوالً عن مجاالت التطبيق واالستفادة ،بل أصبح دور البحث العلمي أسبيقة قصوى فى توظيف الموارد .اذ ال مكان ألي تقاعس فى اقتصاد دولي يتسارع نحو التكامل والعولمة .حيث ال قدرة لبلد االنعزال عن هذه التحوالت األمر الذي يستوجب االنفتاح لألفكار الجديدة واقتناس كل الفرص المتاحة القتناء المعرفة من الدول األخرى . ويالحظ من تجربة بعض الدول اإلسالمية مثل ماليزيا وإندونيسيا ،قد استثمرت أمواال طائلة فى البحث العلمي واستطاعت بذلك تضييق فجوة المعرفة باستنباط التقنية من هذه البحوث ونقل 29 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة التقنية من الدول الغربية وأحداث ثورة صناعية كبري عن طريق استغالل مدخراتها بكفاءة عالية، حتى أصبحت من النمور األسيوية وفى ذات الوقت نالحظ ان دوالً إسالمية كثيرة تعانى من ضمور فى الموارد المالية وقصور فى التقنية ،فتلجأ الى التوسع األفقي فى اإلنتاج الزراعي بالوسائل التقليدية ،لذلك جاء النمو المتحقق فى اقتصاداتها فى قطاعات تعتمد علي الموارد الطبيعية بدرجة اكبر من القطاعات المعتمدة على التقانة الحديثة او االعتماد المباشر على الموارد الطبيعية كقطاعات الثروة الحيوانية والزراعة المطرية و الغابات .وهذه القطاعات ظلت ضعيفة الصلة بعملية التحول الحديث القائم على نتائج البحث العلمي الموطن أو المستورد. ً ً ً هذا المناخ لم يعد صالحا ً إلدارة الموارد االقتصادية مستقبال ،ذلك الن جزءا كبيرا من هذه الموارد سيصبح عرضة لالنعكاسات السلبية لعمليات تحرير وتدويل الموارد والخدمات القادمة ، األمر الذي ينذر بتهميش االقتصادات اإلسالمية ،وتحويلها ليس فقط لمجرد تابع لالقتصادات العمالقة ،وانما أيضا تتحول فيها الموارد االقتصادية المتاحة لموارد صماء عالية التكاليف ضعيفة المنافسة ال تقوي على مزاحمة أجيال جديدة من السلع عالية المحتوي التقني والعلمي والمحتكر ،مما يعني إبقاء هذه الموارد فى مستوي االقتصادات المعيشي او إتاحة استغاللها بواسطة جهات خارجية كما يحدث االن في كثير من الدول اإلسالمية .وبالطبع هذا ال يتماشي مع السيادة الوطنية .ولمواجهة هذه التحديات البد من العمل ،على مستوى الدول اإلسالمية خطة استراتيجية محكمة لتضيق فجوات المعرفة والتقانة عن طريق دعم وتطوير البحث العلمي ،هذا الى جانب ترتيب األوضاع الداخلية باتباع سياسات متحررة وغير مقيدة تهيئ اقتصاد البالد اإلسالمية الى االنفتاح نحو االقتصاد العالمي بإلغاء القيود على المنافسة الحرة بتدرج وتوفير الشفافية فى كل المعامالت المالية واالقتصادية . لقد اصبح واضحا أن العالم يشهد اآلن انتقال االقتصاديات التقليدية المعتمدة على عالقات اإلنتاج وحجم الموارد ووفرتها الى مرحلة اقتصاد جديد ال تلعب فيه الموارد االقتصادية بمعناها التقليدي اال جزءا ً يسيرا ً فى عملية التنمية والنمو .وتجري االن فى كثير من دول العالم من حول األمة اإلسالمية تهيئة مستمرة إلعادة هيكلة االقتصادات لتصبح معتمدة على قاعدة المعلومات والمعرفة والتقنيات المتقدمة الدارة النشاطات المالية واإلنتاجية و التوزيعية ،و تتالشى الحدود الفاصلة بين الدول ،بينما تتعاظم احتكارات المعرفة من خالل المؤسسات والشركات العمالقة ،وهو ما اصطلح عليه بمرحلة الـ(.)Cyber Economy لقد أوضحت الدراسات ان للتقدم التكنولوجي والبحث العلمي األثر المباشر في زيادة القيمة المضافة ومعدالت النمو ،وذلك من خالل تأثيره على كفاءة رأس المال المادي والعمالة. وهذه المعلومة القديمة تمثل اآلن شكالً جديدا ً في توليد القيمة المضافة في إطار ثورة المعلومات وتطور المعرفة والتقانة ،ويتم ذلك في إطار نظام اقتصادي عالمي جديد تتحكم فية المؤسسات المالية الكبرى والشركات عابرة القارات والمؤسسات الوسيطة و أسواق المال. وعلى خلفية هذه التطورات العلمية واالقتصادية تجد األمة اإلسالمية نفسها في وضع حرج للغاية .اذ انه ال يزال عدد كبير من الدول اإلسالمية يعيش مرحلة ما قبل االنطالق الذي عايشته الدول المتقدمة ودول األسواق الناشئة ،هذا االنطالق الذي جاء نتاجا ً عن التطور التقني والتحرير االقتصادي واالنفتاح على األسواق العالمية كما وضحنا من قبل. ومن أهم سمات التخلف العلمي لمعظم العالم اإلسالمي ضعف تلك الدول في ربط الدراسات بالتطور التقني والعلمي الهائل الذي ينعكس على مكونات االقتصاد الكلى والجزئي. يتضح لنا من تحليل األوضاع الحرجة التى تعيشها األمة اإلسالمية في خضم التحوالت العلمية والسياسية واالقتصادية ،انه في سبيل تجاوز التخلف العلمي االقتصادي ومخاطر المؤامرات التى تخططها القوى الصليبية والصهيونية ،ومقابلة متطلبات التعايش مع معطيات العولمة االقتصادية ومواكبة التطورات السياسية واالقتصادية والعلمية التى يشهدها العالم،ان ال خيار لالمة سوى العمل الجاد على تقوية الصف اإلسالمي و التراص حول برامج واستراتيجيات تحقق لها القدرة والمنعة للوقوف أمام مخاطر تلك المؤامرات و تفشيلها وتحقيق طفرة اقتصادية متشبعة بالتكنولوجيا الحديثة، 30 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة قادرة على إزالة العزلة االقتصادية عن العالم اإلسالمي وتمكينه من مواكبة التطورات السياسية واالقتصادية والعلمية الماثلة. لقد فطنت دول العالم واقاليمه إلى أهمية وحتمية التجمع في تكتالت اقتصادية وسياسية إقليمية لحماية مصالحها والوقوف بصالبة امام تحديات المنافسة الشرسة التى تفرزها العولمة. و لتحقيق هذه األهداف قد اقترحنا من قبل في هذه الورقة إعادة هيكلة منظمة المؤتمر اإلسالمي لتكون نواة التحاد إسالمي جامع مستقبالً ،وتفعيل مؤسساتها القائمة ،خاصة األمانة السياسية وإنشاء أمانات جديدة للتعاون االقتصادي وأخرى للتكنولوجيا والبحث العلمي حتى تصبح المنظمة بوتقة للعمل اإلسالمي المشترك والتعاون المثمر في المجاالت السياسية واالقتصادية واالجتماعية والعلمية. ان تمكين مؤسسات منظمة المؤتمر اإلسالمي وتفعيل أنشطتها ،خاصة في مخاطبة المشاكل االقتصادية والهيكلية الرئيسية التى تعوق الدول اإلسالمية في مواجهة التحديات السياسية واالقتصادية والعلمية التى تفرضها ضرورة التعايش مع العالم من حولها ،يتطلب دعمها بإنشاء مؤسسات مالية واقتصادية وتجارية قادرة على مساعدة الدول اإلسالمية في دعم خططها وبرامجها الهادفة الى تحقيق إصالح اقتصاداتها .هذا الى جانب ان منظمة المؤتمر اإلسالمي لن تكون فاعلة وقادرة على تحقيق أهدافها في حماية األمة اإلسالمية في غياب األرضية الراسخة للتعاون االقتصادي وفى مجاالت بناء القدرات فى الدول األعضاء .ويعتمد تحقيق ذلك على توفير بيئة اقتصادية مستقرة على مستوى الدول اإلسالمية ،في ظل معدالت نمو عالية ومستدامة ،وتوازن داخلي وخارجي. .5وعليه أرى ان تشمل إعادة هيكلة منظمة المؤتمر اإلسالمي ومؤسساتها إنشاء المؤسسات الداعمة االتية-: أوالً :دعم البنك اإلسالمي للتنمية -أحد روافد المؤتمر اإلسالمي -عن طريق رفع رأسماله وزيادة موارده المالية ليقوم بالمهام اآلتية ،إلى جانب عمله في تمويل التنمية في الدول اإلسالمية-: .1التوسع في عمليات التمويل للمساعدة في إزالة االختناقات الموجودة في البنيات األساسية في الدول اإلسالمية والتي تحد من جهود التنمية التى تبذلها تلك الدول. .2مساعدة الدول اإلسالمية في ترقية البحث العلمي وتوطين التكنولوجيا الحديثة ،وتنويع اإلنتاج لفتح أسواق جديدة لصادراتها. .3مساعدة الدول اإلسالمية في بناء القدرات البشرية وتكثيف عمليات التدريب. ثانيا ً :إنشاء صندوق نقدي إسالمي لمساعدة الدول اإلسالمية في دراسة األوضاع االقتصادية والهيكل ية ،إلى جانب تقديم النصح والمساعدة في إعداد برامج لإلصالح االقتصادي والهيكلي المطلوب ومراقبتها ،مع تقديم الدعم المالي المطلوب لإلصالح االقتصادي ولسد الفجوات في الحسابات الخارجية . ثالثاً :إنشاء منظمة للتجارة اإلسالمية ،لوضع األسس والشروط المطلوبة لتوسيع نطاق التعاون التجاري بين الدول اإلسالمية. إن تفعيل واالستفادة من هذه المؤسسات في جعل المؤتمر اإلسالمي بوتقة للعمل المشترك في إطار استراتيجيات تهدف إلى تحقيق تحوالت اقتصادية واجتماعية وعلمية تتجاوز بها األمة 31 الدكتور /عبدالوهاب عثمان شيخ موسى األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة اإلسالمية مخاطر العولمة والمؤامرات التى تحيكها أعدائها ،وتمكنها من مواكبة التطورات التى يشهدها العالم والتمكن من التعايش مع العالم من حولها دون تهميش أو عزله. وفى الختام اخلص إلى انه أمام األمة اإلسالمية في سبيل استعادة كرامتها والحفاظ على هويتها واكتساب القدرة على التعايش مع العالم من حولها وتملك القدرة على التحول من أمة متلقية الثار التطورات والتحوالت السياسية واالقتصادية إلى أمة مشاركة في خلق تلك األحداث والتأثير عليها تجد نفسها أمام خيارات ضيقة وال خيار في سبيل التعايش معها اال اللجوء إلى مالذ التكتل والعمل المشترك في إطار منظمة المؤتمر اإلسالمي بعد إعادة هيكلتها تقويتها هيكليا ً وماليا ً في اإلطار الذي أشرنا إليه بعاليه مع العمل على تتويج هذا الجهد المبذول في تقويم منظمة المؤتمر اإلسالمي بتحويلها مستقبالً الى اتحاد إسالمي على نفس النسق و األسس التى تم بها إنشاء االتحاد األوروبي. وفق هللا األمة اإلسالمية وجمع صفها وعلى هللا قصد السبيل د .عبد الوهاب عثمان شيخ موسى وزير المالية واالقتصاد الوطني (سابقا)ً السودان 01ربيع األول 1426هـ 09 -أبريل 2005م 32 عبدالوهاب عثمان شيخ موسى/الدكتور األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة مصادر البحث 1. Editors: Meghnad Desai and Paul Redfern: Global Governance "Ethics and Economics of the World" order 2. Mahathir Mohamad Globalization and the Realities 3. The Rules of the Game in the Global Economy "Policy Regimes for International Business" 4. Editors: Jerry Mander and Edward Goldsmith. The Case against the Global Economy and for a Return toward the Local 5. Editors: John H. Dunning and Khalil A. Hamdani. The New Globalism and the Developing Countries 6. Joseph Stiglitz Globalization and its Discontents 7. De Anne Julius. Global Companies and Public Policy "The growing challenge of foreign Direct Investment" 8. Hans Peter Martin and Harald Schumann. فخ العولمة ""األعتداء على الديمقراطية و الرفاهية عدنان عباس على:ترجمة 9. .Edited by: Michael Yeoh, Chong Kuang Yin and Linn Chai Mee. Globalization and its Impact on Asia البنك االسالمى للتنمية .وقائع ندوة االنضمام الى منظمة التجارة العالمية و تنفيذ اتفاقيات جولة اوروجواى 10. 11. Edited by: Said El-Naggar. The Uruguay Round and the Arab Countries. ""البنك االسالمى للتنمية 33 عبدالوهاب عثمان شيخ موسى/الدكتور األمة األسالمية و التحوالت السياسية و االقتصادية المعاصرة 12. Bob Woodward. Plan of Attack بيتر سكاون ايناس ابو حطب:ترجمة امريكا – الكتاب االسود 13. محاضر محمد.د المستقبل المسروق قصة الهجمة على النمور االَسيوية أمير صديق و محمد الخاتم:ترجمة 14. 15. البنك االسالمى للتنمية وقائع ندوة أعداد األمة للقرن الحادى و العشرين ""تطوير تكنولوجيا المعلومات من اجل التنمية .م1998 كتونو – جمهورية بنين – عام 16. Editor: Lara E. Furar Building the Global Information Economy. A Roadmap from the Global Information Infrastructure Commission. "Center for Strategic and International Studies (CSIS)". 17. Edited by: Daniele Archibugi and Jonanthan Michie. Technology, Globalization and Economic Performance. 18. World Bank. Information Technology and National Trade Facilitation "Guide to Best Practice" 19. Mahathir Mohamad A New Deal for Asia 34
© Copyright 2026 Paperzz