بحوث ودراسات الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف د .منذر قحف* 1 ABSTRACT This research studies certain applications of the principles of [fiqh] renewal and of ijtihÉd in the institutions of zakÉh, Islamic banking and awqÉf in an attempt to find out just how important the renewal of fiqh is in these sectors and the extent to which it has reached. The final aim is to see how harmonious these applications are with the principles, rules and nature of fiqh renewal and ijtihÉd, as well as with contemporary knowledge and the art of dealing with the world as it is. املستخلص يسعى هذا البحث إىل دراسة بعض تطبيقات أصول التجديد واالجتهاد يف مؤسسات الزكاة والبنوك اإلسالمية واألوقاف يف حماولة للتعرف على مدى أمهية التجديد الفقهي يف هذه القطاعات واألبعاد اليت وصل إليها وعلى تناغم هذه التطبيقات واتساقها مع أصول التجديد واالجتهاد وقواعدها ومقتضياهتا ومع املعرفة العصرية وفن التعامل مع الواقع العملي. مقدمة إن التجديد يف فقه املعامالت املالية واالقتصادية هو من أهم اجلوانب اليت خطا فيها االجتهاد املؤسسي املعاصر خطوات كبرية؛ ففي دراسة نُ ِشرت يف العام الحظت أن ثالثة أرباع قرارات جممع الفقه اإلسالمي الدويل تتعلق 2000م ُ بالقطاعات املالية يف مقابل ٪10فقط بالقطاع الطيب والباقي مبسائل أخرى من ضمنها القرارات اإلدارية للمجمع .وإذا كان للفقه اإلسالمي املعاصر * أستاذ املالية اإلسالمية بكلية الدراسات اإلسالمية ،عضو مؤسسة قطر. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 67 منذر قحف أن يفخر بقدرته على اإلبداع يف معظم إجنازاته املالية ،فإن ذلك يعين أننا عندما نورد مالحظات على مناهج االجتهاد والتجديد يف كل من املساحات اليت ستشملها هذه الورقة -وهي مؤسسات البنوك والزكاة واألوقاف -إمنا نفعل ذلك حباً بالفقه والفقهاء وحناناً على عقل املسلم املعاصر الذي يضج بالتناقضات النابعة من منطلقات جزئية ومنظومة فكرية تعيش فقط يف أعماق التاريخ وال تنظر إىل الواقع الذي يعايشنا بكل ما حولنا. كما أن النظر إىل الفاعلية املؤسسية للتجديد يف هذه املؤسسات يستند أيضاً إىل النظر يف األسس الشرعية اليت تقوم عليها هذه الفاعلية ،ذلك أن املؤسسات إمنا تبىن أوال يف النفوس واألفكار ،مث تنطلق منها إىل جمال الواقع والتطبيق. االجتهاد املؤسيس :أهميته وقنواته كان االجتهاد املؤسسي من أهم العوامل اليت ساعدت على قيام املصارف اإلسالمية وتوسعها كما ساعدت على إعادة النهضة إىل مؤسسيت األوقاف والزكاة .وقد اختذ االجتهاد املؤسسي عدة أشكال من أمهها -من الناحية العملية -اهليئات واللجان الىت اعتمدت عليها املصارف اإلسالمية ،ومثل ذلك :مؤسسات الزكاة واألوقاف وإن كان يؤخذ على هذه اللجان واهليئات اعتباطية التشكيل وارتباطها املوضوعي واملادي باملؤسسات اليت َّ تقدم هلا الفتاوى لتستفيد منها .لذلك فإن مؤسسات أخرى قامت على أسس ال ترتبط باجلهات الىت تطبق الفتوى وطبقت مبدأ االجتهاد اجلماعي املؤسسي، ومن أهم هذه املؤسسات اجلماعية جممع الفقه اإلسالمي الدويل املنبثق عن منظمة املؤمتر اإلسالمي ملا له من قوة معنوية عالية بسبب متثيله جلميع البلدان ذات األكثرية اإلسالمية ،مع اعتماده على جمموعة كبرية من العلماء واخلرباء املستقلني .وهناك أيضاً جمامع فقهية أخرى ترتبط هبيئات أو حكومات معينة. لقد كان هلذا االجتهاد اجلماعي أمهية قصوى يف النظر يف معامالت مالية 68 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف كثرية .وإذا كان لنا أن نفخر بإجنازات املصارف اإلسالمية املعاصرة ومثل ذلك :إجنازات مؤسسات الزكاة واألوقاف ،فإن جانباً كبرياً من قدرهتا على تطوير أعماهلا يعود الفضل فيه إىل االجتهاد اجلماعي بشكليه من خالل اللجان واهليئات أو من خالل املؤسسات اإلسالمية العامة .مبنعى أن روح النهضة احلقيقية يف مسائل املال املعاصرة يعود الفضل فيها إىل علمائنا وفقهائنا الذين محلوا عبء التجديد يف الفقه املايل واستجابوا بتنبه واضح للتحديات الكبرية اليت طرحت يف وجوههم ،فالفقهاء املعاصرون هم يف احلقيقة عماد حركة املصارف اإلسالمية وجوهر التقدم يف مسائل الزكاة واألوقاف. الفاعلية املؤسسية للتجديد يف قضايا الزكاة يف واقعنا املعارص مع مالحظة استمرار تطبيق الزكاة يف اليمن دون انقطاع منذ أن أرسل النيب حممد عليه الصالة والسالم معاذاً إليها ،فإن أول تطبيق حديث عاىن من مواجهة واقع متطور خيتلف عن الواقع التقليدي هو تطبيق مصلحة الزكاة والضرائب يف اململكة العربية السعودية .بدأ هذا التطبيق يف العام 1951م مبرسوم ملكي يلزم وزارة املالية جبباية الزكاة من مجيع السعوديني ويضع توزيعها على زمرة الفقراء فقط يف يدي وزارة الشؤون االجتماعية. وإذا الحظنا أن أهم مسائل التجديد يف فقه الزكاة تتعلق باألموال والدخول والثروات احلديثة اليت قل أن جند مثيال هلا يف الفقه التقليدي املوروث بسبب التغيرّ الكبري يف وسائل اإلنتاج مما أدى إىل تغري كبري مماثل ىف أنواع الدخول والثروات ،فإننا جند اجتهادات مؤسسية غري مسبوقة بل وجريئة أيضاً قدمتها اهليئات املؤسسية للفتوى يف اململكة العربية السعودية يف بعض جوانب ما خيضع للزكاة من أموال ميتلكها السعوديون .من ذلك على سبيل املثال إخضاع دخول األطباء واملهندسني واحملامني والفنانني ومكاتب الوساطة العقارية وأصحاب وكاالت السفريات وسائقي سيارات الشحن والتاكسي مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 69 منذر قحف وغريهم من ذوي الدخول احلرة للزكاة ألول مرة يف التاريخ املعاصر .فقد خضعت هذه الدخول للزكاة يف الدولة السعودية منذ سبعينيات القرن املاضي، مع مالحظة عدم اإلشارة إىل كتاب «فقه الزكاة» لشيخنا احلبيب القرضاوي واجتهاداته املعروفة يف مسألة الدخول احلرة واملرتّبات .كما ينبغي أن نذكر أن الرواتب واألجور نفسها أُخضعت للزكاة يف اململكة السعودية يف الستينيات من القرن املاضى ،مث أُلغي ذلك يف منتصف السبعينيات .األمر الذي أدى إىل متايز يف املعاملة الزكوية بني دخل الطبيب الذي يعمل مستقال يف عيادته ودخل الطبيب الذي يعمل موظفاً يف عيادة تابعة للحكومة أو لشركة خاصة حىت لو تساوى هذان الدخالن أو زاد دخل املوظف عن زميله ذي العيادة األهلية. وكذلك األمر بالنسبة لسائر املهنيني مما ذكر أعاله .إن إخضاع الدخول املهنية للزكاة يشكل جتديداً حقيقياً غري مسبوق يف حتديد معىن «الغىن» الذي يخُ ِضع صاحبه للزكاة. أما التطبيقات الواقعية يف بلدان أخرى مثل ليبيا واليمن وماليزيا وباكستان فلم تتجه اجتاهاً جتديدياً وحافظت على األموال الزكوية كما هي حمددة وموصوفة يف كتب الرتاث الفقهي .ولعل السودان هو االستثناء اآلخر الوحيد .فقد بدأ التطبيق املؤسسي للزكاة فيه عام 1983م وأُردِف بديوان الزكاة (وهو إدارة حكومية) هيئة مؤسسية تتألف من كبار فقهاء السودان لتقدمي املشورة الفقهية .وكان من أهم التجديدات اليت تبنتها هذه اهليئة إقرار مبدأ زكوية كل من الدخول والرواتب واملال املستفاد والقطاع احلكومي االقتصادي الذي يقوم بإنتاج سلع استهالكية أو صناعية .وهذه دون شك اجتهادات جتديدية مهمة وتطوير كبري أيضا ملفهوم الغىن الذي جيعل صاحبه مطالباً بفريضة الزكاة. وينبغي أن ال ننسى اإلضافة الكبرية يف االجتهاد اجلماعي اليت قدمتها اهليئة الشرعية العاملية للزكاة من خالل دراساهتا وقراراهتا على مدى العقدين املاضيني .واهليئة الشرعية العاملية للزكاة مؤسسة أنشأها بيت الزكاة الكوييت 70 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف وهو خيتار هلا العضوية من بني العلماء والدارسني املهتمني مبسائل الزكاة .وقد ٍ اجتهادات ّثرة ىف جماالت الزكاة التطبيقية املتعددة. قدمت هذه اهليئة آر ًاء و ِّ موجهات أساسية يف التجديد الفقهي يف قضايا الزكاة مع األخذ بعني االعتبار لألمهية الكبرية لإلجنازات الفقهية يف ميدان تطبيق الزكاة يف واقعنا املعاصر ودورها يف توضيح جوانب عديدة من مسائل الزكاة، فإنه ال بد لنا من وقفة ناقدة ملنهج التجديد يف فقه الزكاة املعاصر حىت نستطيع تقييم جتربة العقود األربعة املاضية ،والتحضري ملرحلة جديدة أكثر عمقا وأغزر تطبيقا ملبادئ الشريعة الغراء ونصوصها يف جمال الزكاة. .1ما هي الثروات الخاضعة للزكاة؟ موجهات االجتهاد والتجديد يف فقه الزكاة املعاصر إدراك األموال إن من أهم ِّ الزكوية من الوجهتني الشرعية والواقعية وفهم التغريات اليت طرأت على أنواع الثروات وكيفية النظر إىل هذه التغريات من وجهة نظر نصوص الشريعة ومبادئها الكربى ومقاصدها العامة .ففي حوار مع أحد العلماء التقليديني وصل (عافاه اهلل) إىل نتيجة أن الزكاة ليس هلا تطبيق معاصر يف بلد مثل البحرين ألن الزكاة ال جتب برأيه إال على مثان مواد وردت يف النصوص وهذه املواد الثمانية مل يعد هلا وجود تقريبا يف البحرين ومثل ذلك ينطبق على مجيع البلدان اليت ضعفت فيها زراعة املنتجات األساسية وتربية األنعام مع مالحظة أن الذهب والفضة قد خرجا من جمال النقدية يف مجيع بلدان العامل .ويقابل وجهة النظر هذه نظرة أخرى تعميمية جتد أن الزكاة هي ٪2.5تقريبا من اإلنتاج القومي اإلمجايل ( )GDPوجند بذلك أن الزكاة تصبح أداة حتليلية يف االقتصاد اإلسالمي كما أهنا أداة لتنفيذ السياسة املالية فقط. ال بد لنا أن ندرك أن تغري وسائل اإلنتاج يف أي جمتمع يؤدي إىل تغيري يف أنواع الثروات اليت ميتلكها الناس وكذلك تغيري يف أشكال الدخول مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 71 منذر قحف ومصادرها .كما ينبغي أن ندرك بنفس الوقت النصوص األساسية اليت فرضت الزكاة ومقتضيات تطبيقاهتا يف اجملتمع النبوي يف عهد الرسالة حبيث نستطيع أن نفهم مقاصد الزكاة ومدى مشوليتها دون أن نقيد أنفسنا ببعض التطبيقات واالستنباطات التارخيية اليت ارتبطت بواقع خيتلف عن واقعنا املعاصر .فالزكاة فرضت على األموال بل على األغنياء ودخلت شريعتَنا وهي ركن أساسي من أركان هذا الدين حبيث ينبغي أن يكون هلا أثر واقعي يتوافق مع هذا املركز الركين الكبري. حصل الزكاة من مجيع وإذا الحظنا أن الرسول عليه الصالة والسالم قد ّ األموال اليت كانت يف عصره تشكل عناصر ثروة وغىن 1فإن كل ذلك يقتضي أن نطبق هذه املبادئ يف االجتهادات املعاصرة للزكاة مما جيعلين أقرتح أن كل جمتهد يف مسائل الزكاة جيب عليه أن يدرس مكونات كل من اإلنتاج والدخل القوميني وعناصرمها ومكونات الثورة القومية وعناصرها ،وكذلك مصادر دخول أفراد القطاع اخلاص وأنواع ثرواهتم يف اجملتمعات املعاصرة قبل أن يقدم على الفتوى يف مسائل الزكاة املعاصرة .وأذكر هنا مثاالً أن اهليئة الشرعية العاملية للزكاة أصدرت اقرتاحاً (مت قبوله بسبب تقليدية أكثرية احلاضرين) بأن الزكاة ال جتب إال يف األصول املتداولة للشركات وقد اقرتح أحد العلماء األفاضل يف ذلك االجتماع أن لو أدى شخص واحد من أغنياء املسلمني زكاة أمواله لكفت معظم فقراء املسلمني يف العامل وقد أشرت آناءها أن هذا الرأي الذي تبنته اهليئة جيعل ذلك الغين الذي عناه الشيخ الفاضل مستحقاً للزكاة ألن ثروته كلَّها مستثمرة يف موجودات يعفيها ذلك القرار من أي زكاة. إن االجتهاد التجديدي املعاصر يف فقه الزكاة يدفعنا إىل إعادة النظر عرفنا الغىن يف تعريف الغىن ،أهو غىن بالنقود أم هو غىن بالدخل والثروة؟وإذا ّ 1يف حبث مستقل ناقشت مسألة أنه مل تكن هناك قيمة تبادلية لألرض الزارعية وغريها من األصول اليت مل تفرض عليها الزكاة يف عهد الرسول عليه الصالة والسالم مع مالحظة إعفاء األموال اليت يستعملها املزكي بشخصه وأسرته .يرجع إىل حبث زكاة األصول االستثمارية وتعليقَي الزرقا والزحيلي عليه وردي على تعليقيهما. 72 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف تعريفاً صحيحاً مبنياً على واقعنا املعاصر نستطيع بعد ذلك أن حندد األموال نعرف الفقري احملتاج للزكاة. اليت جتب فيها الزكاة وأن ّ .2حصيلة الزكاة يف الواقع التطبيقي املعارص يالحظ أن حصيلة الزكاة يف الواقع التطبيقي املعاصر ضئيلة جداً حبيث ال تستطيع أن تكون عام ً ال له أثر يذكر يف حماربة الفقر أو يف سداد حاجات من قمت تقصر هبم قدراهتم عن سداد حاجاهتم الشخصية واألسرية .ففي دراسة ُ هبا يف أوائل التسعينيات من القرن املاضي الحظت أن حصيلة الزكاة الفعلية ال ختتلف كثرياً يف بلدان اإللزام القانوين بدفع الزكاة إلدارة حكومية عنها يف بلدان الدفع الطوعي ملؤسسات الزكاة احلكومية .فقد قارنت بني حصيلة الزكاة لدى بيت الزكاة يف الكويت وهو طوعي وإدارات الزكاة يف كل من اململكة العربية السعودية والسودان واليمن والحظت عندئ ٍذ أن حصيلة الزكاة ترتاوح ما بني ٪0.4-٪0.3من الدخل القومي (عدا البرتول) .إن مثل هذه النسبة ال تقوم أبداً بكفاية الفقراء وال تستطيع أبدا أن يكون هلا أثر ذو بال يف تغيري توزيع الدخول يف هذه اجملتمعات مما جيعل مجيع الدراسات اليت يقوم هبا االقتصاديون املتخصصون يف االقتصاد اإلسالمي اليت تبىن على إعطاء دور للزكاة مه ٍم يف النظام االقتصادي االسالمي غري ذات منعكس واقعي. وال بد من وقفة هنا لننظر هل مثل هذه النتيجة الفعلية تتناسب مع الدور الركين للزكاة يف الشريعة اإلسالمية ،أم أن هنالك إشكالية أساسية يف التطبيق الواقعي سببها عدم قدرة االجتهاد املعاصر على القفزة الزمنية للوصول إىل إدراك أن تغري أشكال الثروات وأساليب استعماالهتا املعاصرة ال ينبغي أن جتعل أغنياء عصرنا هذا يف معزل عن احلضور الزكوي. ومن جهة أخرى ويف مفارقة ثانية جند بعض الدراسات االقتصادية حول أثر الزكاة تبدأ من منطلقات تقليدية ال تلقي للتجديد باالً فتتحدث عن إعفاء بعض األموال من الزكاة رائي ًة يف ذلك تشجيعاً لالستثمار بإعفاء االستثمارات الثابتة من مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 73 منذر قحف الزكاة .والسؤال الذي يثار يف هذا اجملال هو :هل يستطيع االجتهاد التجديدي املعاصر للزكاة أن ميايز بني ملكية أصول متداولة إنتاجية وملكية أصول ثابتة إنتاجية يقصد منكليهما الربح؟ وهل ملثل هذا التمايز من وجهة شرعية أو اعتبار شرعي؟ أو بتعبري آخر ،هل من قيم الشريعة ونصوصها ومقاصدها ما جيعلها تتبىن تفضيل مالكي املشروعات ذات الكثافة العالية باالستثمارات الثابتة مثل :مصفاة برتول باملقارنة مع مالكي املشروعات ذات الكثافة العالية باالستثمارات املتداولة مثل: حمالت بيع املالبس ،فتعفِي أولئك األُ َول وتَفرض الزكاة على األُ َخر ،علما بأنه ال يوجد أي معيار اقتصادي يقتضي مثل هذا التفضيل؟ مع أن األموال الثابتة االستثمارية يقصد هبا االسرتباح شأهنا يف ذلك شأن األموال املتداولة االستثمارية وأن كل نوع منهما يكمل اآلخر وأن العالقة بينهما حتددها طبيعة املشروع ونوع التكنولوجيا ،فبأي وجهة من وجهات مقاصد الزكاة أو نصوصها وأدوات القياس واالستنباط ميكن أن منايز بني مالك األموال املتداولة االستثمارية اليت تقصد الربح وبني مالك األموال الثابتة االستثمارية اليت تقصد الربح أيضاً؟ .3التفاوت يف االجتهاد الجماعي يف مسائل الزكاة إن أساليب تركيب اجملموعات االجتهادية أو تشكيلها واليت تقدم الفتاوى اجلماعية بطريقة شخصية غري مؤسسية وعدم وجود معايري موضوعية يف جمتهد الزكاة ميكن من خالهلا اختيار من يدركون مسائلها للمجامع املتعددة يؤدي إىل تفاوت قد يصل إىل التناقض أحيانا يف االجتهادات اجلماعية .من أمثلة ذلك أن اهليئة الشرعية العاملية للزكاة اختذت مرة قراراً خبضوع الديون على الغري للزكاة يدفعها الدائن بسبب كثرة الشافعية ووضوح أصواهتم يف إحدى جلساهتا ،مث يف جلسة الحقة يف السنة التالية غريت اهليئة هذا القرار بسبب كثرة األحناف يف ذلك االجتماع الالحق! وكذلك جند تفاوتا مشاهبا يف الفتوى عندما تصدر فتاوى بزكاة العائدات اإلمجالية أو الصافية على سبيل التخيري مما جيعل الفتوى متأرجحة بني رأيني تتباعد حصيلتهما تباعدا كبريا! 74 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف .4الهروب من الفتوى الزكوية قد تعمد بعض مؤسسات الزكاة وأجهزة حتصيلها إىل اهلروب من الفتوى أحيانا بسبب التباعد الكبري بني اآلراء التقليدية والواقع الذي يراد تطبيق الزكاة فيه. من أمثلة ذلك أن إدارة الزكاة يف باكستان آثرت أن تصدر قراراً «برتك أمر الزكاة للمزارع نفسه بالنسبة لصغار املزارعني» بسبب أن الفقه التقليدي ال يتضمن أي إعفاء للمزارع لقاء ما حيتاجه من نفقات يف سنته املستقبلة وأن إنتاج املزارع الصغري هو يف احلقيقة أقل بكثري من حاجاته األساسية مما يضطر األسرة الزراعية أن يعمل أكثر من فرد من أعضائها يف جماالت غري زراعية لردف الدخل الزراعي الذي يفوق إنتاجه مقدار النصاب يف حني أنه ال يكاد يكفي لسداد جزء صغري من حاجات األسرة الزراعية. .5مسائل النصاب إن دراسة مسائل النصاب اليت وردت يف النصوص على ضوء ما هو معلوم من أسعار كانت سائدة يف العهد النبوي قد تسمح لنا بتكوين عالقات نسبية بني النصاب الذي ذكرته األحاديث لألموال الزكوية املتعددة .فهل ميكن أن جندد يف فقه النصاب َ فنقول إن التطبيق املعاصر للنصاب ينبغي أن يأخذ بعني االعتبار هذه العالقات النسبية ،مث نأيت على ضوء ذلك مبقدار للنصاب يقاس بوحدات ذات ثبات نسيب مثل إنتاج ساعات العمل أو كفاية حاجات اإلنسان من مستهلَكات أساسية ،أم أننا ينبغي أن نعود دائماً إىل وزن الذهب والفضة وأمثاهنماكما يقررها املضاربون يف أسواق نيويورك ولندن فنراقب شاشات االنرتنت ونغري النصاب كل يوم بل كل دقيقة حسب آخر األسعار. الحظ فضيلة الشيخ القرضاوي اهنيار أسعار الفضة يف األسواق العاملية بالنسبة ألسعار الذهب واقرتح أن يؤخذ نصاب الذهب يف زكاة النقود املعاصرة، ورأى غريُه أن أخذ نصاب الفضة على الرغم من التدين الكبري يف قيمتها أنفع للفقري فقال بذلك. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 75 منذر قحف ودون النظر إىل حماولة تفضيل أحد الرأيني على اآلخر فإن املسألة اليت تثار اليوم وقد غال الذهب كثريا يف السنوات األخرية بالنسبة للثروات األخرى فتجاوز حد النصاب الذي ارتآه فضيلة الشيخ القرضاوي وإذا كانت الفضة رخصت كثريا بالنسبة إىل الدخول والثروات األخرى ،فهل نرجع يف تقدير النصاب على النقود واألموال األخرى إىل معيار غري الذهب والفضة اللذين زالت عنهما صفة النقدية على كل حال؟ .6مسائل توزيع الزكاة مل تتطلب قضايا التوزيع حيزاً يذكر من االجتهاد ألن العامل اإلسالمى مليء بالفقر املباشر بشكليه املطلق والنسيب حبيث مل حنتج إىل تفصيالت كثرية ىف جمال اختيار من توزع عليهم الزكاة .وعلى الرغم من ذلك فقد مسعنا أصواتاً تنادي بتوسيع دائرة يف سبيل اهلل أو دائرة كيفية التوزيع على الفقراء مما جيعل بيان ذلك مفيداً. هنالك حاجات جديدة للفقراء مل تكن على جانب من األمهية يف عصر الرسالة وال يف عصر االجتهاد األول .من أهم هذه احلاجات اجلديدة التدريب وإعادة التأهيل لبناء قدرة إنتاجية لدى الفقري جتعله مكتفياً بنفسه والعناية الطبية اليت تؤدي أيضاً إىل حتسني قدرة الفقري على اإلنتاج واالكتفاء الذايت .ومثل ذلك أيضاً حاجات البيئات الفقرية إىل مصادر ملياه الشرب حبفر اآلبار أو مد القنوات وحاجاهتم إىل خدمات عامة أخرى ذات عالقة مسيسة بتحسني قدراهتم اإلنتاجية ورفعهم من دائرة الفقر مثل حفر اآلبار ملياه السقي للزراعة وحفر جمارى الصرف الصحي وتأمني حد أدىن من الكهرباء. كل هذه االستعماالت مما يصعب تطبيقه إذا ما التزمنا مببدأ التمليك الذي يتحدث عنه الفقهاء ويفسرون به مقتضي حرف الالم اليت التصقت بالتوزيع للفقراء واملساكني يف اآلية .60:9فهل ميكن لالجتهاد التجديدي أن يوصل إىل استعمال أموال الزكاة لتقدمي هذه اخلدمات للبيئات الفقرية تغاضياً عن 76 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف مبدأ التمليك؟ علماً بأنه ال ميكن أبداً اجلزم بأن نتائج هذا اإلنفاق الزكوي ستنحصر حتماً فيمن يستحقون الزكاة يف تلك البيئة .إننا حنتاج دون شك إىل جتديد وإعادة نظر يف مسألة التمليك ،وإىل وضع ضوابط شرعية الستعمال مصرف الفقراء واملساكني لتقدمي هذه األنواع من اخلدمات الضرورية. أما التوسع يف مصرف يف سبيل اهلل فقد حاول شيخنا القرضاوي أن يضع املسألة يف نصاهبا الشرعي احلقيقي بأن ال يشمل هذا املصرف إال اجلهاد سواء أكان بالسيف أم بالقلم أم باملرافعة الدفاعية القولية عن املسلمني وحقوقهم .ومع ذلك فإننا ما زلنا نسمع أصواتاً تنادي باستعماالت عامة أخرى هلذا املصرف. ولعل ذلك يرتبط مبسألة أخرى ذات عالقة وهي األولويات اليت تفرضها ٌ ظروف معينة يف بيئة بذاهتا على توزيع حصيلة الزكاة .يالحظ يف ذلك مث ً ال أن قانون الزكاة ىف الباكستان قد حصر التوزيع يف مصرف الفقراء واملساكني املشرع القانوين لألولويات اليت يعيشها وحده دون أي مصرف آخر تقديراً من ّ االقتصاد واجملتمع الباكستاين .فهل ميكننا من خالل تطبيق األولويات الظرفية أن نتوسع يف تطبيق مصرف يف سبيل اهلل حبيث نتجاوز معىن اجلهاد إىل معىن الرفاهية االجتماعية العامة؟ وما هي احلدود اليت ينبغي أن يقف عندها التجديد والتطوير يف مصارف الزكاة؟ هل الزكاة أداة بيد الدولة تديرها لتحقيق الرفاه االجتماعي أم هي حق معلوم للسائل واحملروم؟ الفاعلية املؤسسية للتجديد يف قضايا املرصفية اإلسالمية يف واقعنا املعارص إن قيام املصارف اإلسالمية يف عصرنا احلاضر مدين كله للتجديد الفقهي وخباصة من خالل االجتهاد املؤسسي املعاصر .فلو بقيت املضاربة فردية كما عرفها الفقه التقليدي ،ولو بقي القبض مادياً كما ورد يف الرتاث لبقي التمويل ّ اإلسالمي منحصرا يف مقارعة األسواق ومناطحة األسعار بدالً من مراحبة اآلمر مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 77 منذر قحف بالشراء ،وملا قام املصرف اإلسالمي بدور الوساطة املالية وملا استطعنا جتميع املدخرات من ذوي الفائض وإعطائها متوي ً ال للمستثمرين وغريهم من ذوي العجز ولبقينا عالة يف ذلك على الفكرة املصرفية الغربية اليت تقوم على مبدأ القرض الربوي وعلى تفسريات من يعللها بالضرورة أو باملضاربة ذات العائد املضمون احملدد مسبقاً. ولكن هذه اإلجنازات التجديدية الكبرية قد رافقتها بعض اهلنات والثغرات يف جوانب عدة ال بد لنا من النظر فيها ،من أمهها النقاط التالية: .1ما الوساطة املالية؟ الوساطة املالية مفهوم جديد ال بد أن ندركه ونفهم طبيعته والوظائف اليت تقدمها مؤسسات الوساطة املالية بأنواعها املتعددة وختصصاهتا املتباينة .إن حتصل معظم مواردها من أهم مؤسسات الوساطة املالية هي املؤسسات اليت ّ الوادئع اليت يقدمها األفراد الطبيعيون واالعتباريون على السواء .فالوسيط املايل ليس مسساراً كما ُع ّرفت السمسرة يف الفقه اإلسالمي والقوانني األخرى ،وإمنا هو رجل أعمال أو مؤسسة نشاط مايل حيصل على موارد هي من أموال اآلخرين وأمالكهم وذلك برتخيص قانوين ال يعطى لغريه ،ويستعمل هذه املوارد يف تقدمي التمويالت ملن حيتاجها ،ال فرق يف ذلك بني أن يقدم متويالت جتارية قصرية األجل كما تفعل البنوك التجارية أو طويلة األجل كما تفعل بنوك االستثمار. والوسيط املايل يف الثقافة املالية الغربية حيصل على معظم موارده اقرتاضاً من أصحاب الوادئع ،وميتلك بذلك هذه املوارد مقابل أن يصبح مديناً للمودعني ،ويقدم هذه األموال إقراضاً مقابل أن يصبح دائناً للمستثمرين وغريهم من املستفيدين من التمويل. أما الوسيط املايل اإلسالمي فيأخذ أموال اآلخرين بصفته مضا ربا كما هو الشأن بالنسبة للجزء األكرب من موارد البنوك اإلسالمية ،أو 78 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف يأخذها على سبيل القرض بالنسبة للحسابات اجلارية .فهو وكيل عن أصحاب األموال املودعة لديه مبقتضى عقد املضاربة يقدم التمويل للمستفيدين بإنشاء ديون من خالل عقود املراحبة واإلجارة التمويلية، وناد را ما يكون شريكا أو رب مال يف مضاربة .والوسيط املايل اإلسالمي يقوم إذن بدور الوساطة نفسه ولكن بصفة الوكيل يف معظم قرا رته املالية. إن فهم الوساطة املالية اإلسالمية أمر أساسي إلدراك الدور الذي تقوم به املصارف اإلسالمية وللحاجة إىل تقييدها القانوين بعدم متلك السلع أو املشروعات بنفسها واالكتفاء بالنشاط التمويلي وحده بعيداً عن النشاط التجاري احملض ،ألن يف خلط النشاط التجاري مع النشاط التمويلي إرباكاً كبرياً للنظام النقدي االئتماين الذي يديره يف العادة املصرف املركزي فضال عن خمالفة مبادئ العدالة اليت تتطلب املساواة بني الفرص جلميع الوحدات االقتصادية ،فكيف نرخص للبنك أن يتقبل الودائع االستثمارية واجلارية من الناس وال نرخص لسائر رجال األعمال أن يفعلوا مثل ذلك يف حني نسمح للبنك اإلسالمي أن ينافس رجال األعمال يف جماالت نشاطاهتم وذلك باملتاجرة بالسلع وال نسمح هلم أن ينافسوه يف أعماله املالية وذلك بقبول الودائع من اجلمهور على سبيل الوساطة املالية؟ فالوسيط املايل اإلسالمي إذن ينبغي له حصراً أن يقوم بشراء السلع اليت ميوهلا بناء على مبادرات ومبادءات من الراغبني يف التمول وليس بقرارات يتخذها بنفسه. ّ إن فهم كون الوساطة املالية اإلسالمية وظيفة اقتصادية حديثة جيعلنا ندرك األمهية الكبرية لرقابة املصرف املركزي وإشرافه ،ونفهم مقتضيات هذا اإلشراف على كمية النقود واالئتمان يف االقتصاد ،فال نسمح للمصرف اإلسالمي بتجاوز حدود العدالة بدعوى أن الشريعة تبيح ملن يشاء أن يشرتي ما يشاء من السلع املباحة. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 79 منذر قحف .2الشكل أم املضمون ارق بني أشكال املعامالت ومضامينها ،وحنن نعلم أن يف ال شك أن هناك فو َ الفقه اإلسالمي اجتاهني :يؤكد أحدمها على الشكل بينما يؤكد اآلخر على املضمون .ولكننا ينبغي أن ندرك أن املعامالت املالية هي من النوع الذي لو تغلب فيه الشكل على املضمون الحناز إىل جانب القرض الربوي ألن الفوارق بني التمويل الربوي والتمويل اإلسالمي هي يف احلقيقة من نتاج التفريق بني الشكل واملضمون. فالتمويل اإلسالمي ،سواء أكان بالبيوع من مراحبة واستصناع وغريمها، أم باإلجارات التمويلية أم باملشاركات هو متويل يتضمن دائماً أمداً زمنياً حمددا يرغب الوسيط املايل -حبكم اعتماده على أموال الغري ذات اآلجال احملددة- أن حيدد خمرجاً معلوماً من املعاملة التمويلية يساعده حتديد هذا املخرج وزمنه يف إدارة السيولة وخماطر التمويل (ويالحظ أن التمويل الربوي أيضاً يقوم على حتديد خمرج واضح املعامل) .لذلك فإن التفاوت بني الشكل واملضمون سيوقعنا حتماً يف حقيقة القرض الربوي بدالً من التمويالت اإلسالمية. إن الشكل هو بطبيعته وعاء املضمون يتخذ دائماً األحجام واألوضاع اليت يتطلبها املضمون مما جيعل التفاوت بينهما مؤدياً إىل فقدان جزء من حقيقة املضمون .يتجلى هذا يف املسائل املالية بشكل واضح ،فارتباط العقود ببعضها ودخول شروط على العقود وهل يؤثر يف أحكامها الشرعية انفصال وثائق العقود عن بعضها ،أو قصد إقامة مساحة مكانية أو زمانية يف إجرائها، أو تغيري أمساء بعض املعامالت عن أمسائها احلقيقة؟ ولنأخذ بعض األمثلة على ذلك: •تغيري الوكيل يف معاملة التورق ،هل يغري من شيء يف قصد النقود احلالّة بالدين اآلجل؟ •إهداء األصل يف اإلجارة التمويلية بعد سداد مجيع األقساط هل جيعل هذه املعاملة هبة من املصرف أم أهنا شراء حقيق ًة من املستأجر/املشرتي الذي دفع كامل الثمن؟ 80 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف •كتابة عقد البيع الثاين يف التورق بوثيقة مستقلة ،هل يغري من حقيقة التورق؟ •تعيني موظف من البنك وكي ً ال عنه يف استالم البضاعة املشرتاة يف معاملة املراحبة بدالً من تعيني الزبون املرابح وكيال يف ذلك ،هل يغري من حقيقة املراحبة؟ •توكيل الزبون بالشراء نيابة/وكي ً ال عن البنك مث البيع لنفسه بشروط متفق عليها سابقاً ،هل يغري ذلك من حقيقة املراحبة طاملا أن الوكيل ال يستطيع احملاباة عندما يبيع لنفسه؟ •لو مسينا بيع املنفعة إجارة كما هو معلوم ،فهل جيعل ذلك القرض مع اإلجارة جائزاً وال خمالفة فيه حلديث النهي عن بيع وسلف؟ •لو استبدلنا يف العينة الزيادة يف الثمن اآلجل بأجرة مسماة وأن يكون مثن البيع اآلجل عندئذ مماث ً ال لثمن الشراء بني املتبايعني، فهل تصبح املعاملة جائزة ،ليست عينة؟ أم أن الشراء األول هو شراء للعني ومنفعتها وعقدا البيع الثاين واإلجارة مها معا بيع للبائع لكل ما اشترُِي منه؟ •وهل إضفاء اسم اصطالحي على جمموعة عقود ركبت مع بعضها جيعل هلذه العقود حكم ذلك االسم؟ فما مسي بيع التورق مث ً ال هو عدة عقود ووكاالت وبيوع مساها البعض بيع التورق فهل جيعلها ذلك تنضوي حتت ﴿وأحل اهلل البيع﴾؟ إن ضعف الربط بني الشكل واملضمون يف املعامالت املالية ينقل املعاملة إىل حيز القرض الربوي وخيرجها عن طبيعة التمويل اإلسالمي وأهدافه. .3فهم مقاصد التحريم يف الربا إن االجتهاد التجديدي يف القضايا املصرفية اإلسالمية ينبغي أن ال يقتصر على الفروع الفقهية فإن فهم مقاصد حترمي الربا ينبغي أن يكون هو مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 81 منذر قحف الناظم األول واحملور األساس الذي تدور حوله اهلندسة املالية اإلسالمية، ومن مث فإن النصوص الفقهية التقليدية ينبغي أن تؤخذ من خالل هذا الفهم املقاصدي ملسألة الربا. فلماذا ُحرم الربا يف شريعتنا؟ هل ألن املعاملة فيه بني شخصني دائن ومدين فقط؟ أم ألننا أطلقنا على العقد اسم القرض أو السلف ،ومل نسمه نساء ومل نسمه تورقاً أو بيعاً استثماراً أو بيعاً مثالً؟ أم ألننا مسيّنا تأجيل الدين ً للدين؟ إن إنعام النظر يف نصوص حترمي الربا يف القرآن الكرمي (مع مالحظة أن حرم هو زيادة يف دين (اآلية )275:2وأن ربا القرآن هو ربا التمويل) يبني أن ما ِّ هذه الزيادة ليست مناء يف مال املقرِض وإمنا هي مناء يف مال الغري ﴿لَِ�ي ْرُ�ب َو فيِ َّاس﴾ مما ال يستحقه املقرِض (اآلية )39:30أما مال املقرض -الذي أَ ْم َو ِال الن ِ مناء أو زيادةٌ ألن الدين صار باإلقراض دينا يف ذمة -فليس فيه يف احلقيقة ٌ بطبيعته ويف حقيقته غري قابل للزيادة ﴿فَال َ�ي ْربُو ِعنْ َد اهلل﴾. مث إن الزيادة احملرمة هي زيادة يف دين (والقرض ينشئ دينا حلظ َة اإلقراض) وليست يف مثن سلعة أو خدمة مبيعة (اآلية .1)275:2نستخلص من ذلك املقاصد التالية: ُ 1 .1ح ِّرم الربا ألنه زيادة يف شيء من طبعه أنه ال يزيد. 2 .2أخذ هذه الزيادة يتعارض مع احرتام حقوق امللكية وخباصة مبدأ االستحقاق الذي يقضي أن أي زيادة يف امللك يستحقها صاحب هذا امللك وال جيوز لغريه االدعاء عليها ،وأن َمن ملك ماالً من طبعه أن ال يزيد ال ميكن له أن يستزيد. 3 .3إن أي زيادة ينبغي أن تكون دائماً مرتبطة خبلق قيمة مضافة حقيقية واقعية ،كما هو الشأن يف البيع واإلجارة ،غري مفرتضة أو غري افرتاضية. 1فالزيادة يف مثن البيع بسبب اآلجل إمنا أباحتها اآلية نفسها بعدم اعرتاضها على الشبه بني الربا والبيع وإمنا الشبه يكون يف فارق الثمن بسبب األجل .أيدت ذلك آية الديون اليت تلت. 82 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف 4 .4أن ينحصر التمويل االسرتباحي املشروع باألنشطة واألموال اليت هلا القدرة بطبيعتها على توليد أو خلق قيمة مضافة مما يعين عدم قبول إعادة جدولة الديون (إىل األمام أو إىل اخللف ومهما كان االسم الذي نطلقه على هذه املعاملة بيعاً أو خصماً أو غري ذلك) بطريقة اسرتباحية ألن الدين ال خيلق قيمة مضافة. 5 .5إن عقود البيوع واإلجارات ختلق قيمة مضافة مبجرد العقد ،وعقود املشاركات من طبعها توليد أو خلق قيمة مضافة تتأثر بالزمن، أي عند بيع ما قصدت املشاركات القيام به من تقدمي سلع أو خدمات .ويف كل هذه العقود من بيوع أو إجارات أو مشاركات إلنتاج سلعة أو خدمة جند أن لعامل الزمن أثراً يف مقدار القيمة املضافة ،وهو أمر أدركته السليقة السليمة لعلمائنا املتقدمني عندما أكدوا أن للزمن نصيبا من الثمن. 6 .6منع حتويل ثروة من شخص إىل آخر يف أي معاوضة ال تتولد فيها ثروة مضافة .مثال ذلك عقد حوالة الدين الذي هو معاوضة دين بدين ولكنه ال تتولد عنه قيمة مضافة .فجعلته الشريعة بالقيمة االمسية فقط .علماً بأن العقود اليت تتطلب إرادة واحدة وهي عقود التربعات بأنواعها واليت يكون حتويل الثروة فيه برغب ٍة واحد ٍة ال يشرتط فيها املقابلة من الطرف اآلخر. 7 .7حصر التمويل بالبيوع واإلجارات واملشاركات دون القروض يقتضي مروره عرب نافذة التملك مما جيعله بالضرورة مقرتناً باملعيار مموالً كان أم ضرر ليس ماالً ملسلم ِّ األخالقي ،ألن ما فيه ٌ متموالً. َّ تتأكد هذه املقاصد بنصوص من األحاديث وخباصة النهي عن بيع وسلف وبيعتني يف بيعة وبيع العينة .فمعاملة البعتني يف بيعة تنشئ ديناً بالسعر األدىن مما جيعل الفرق بني السعرين زيادة يف دين (والدين ال يزيد بطبيعته) مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 83 منذر قحف لذلك قال الرسول صلى اهلل عليه وسلم« :فله أوكسهما أو الربا» .أما العينة فقد هني عنها ألهنا يف احلقيقة ٌ التفاف على الزيادة يف دين بشكل عقدي بيع. فأي معاملة تتضمن زيادة يف دين ستبقى ربا مهما اختذت من أشكال سواء أكانت بيعاً دين أم بيع عينة أم إجارة عينة أم تورقاً .أما النهي عن بيع وسلف ازي الحتمال وجود زيادة يف مثن البيع تكون حقيقتها زياد ًة يف فهو هني احرت ٌ الدين الذي ينشئه القرض .فهل يعقل أن ينهى النيب صلى اهلل عليه وسلم عن نقر معامالت فيها زيادة احتمال زيادة يف دين حتت اسم آخر هو البيع مث ُّ صرحية يف الدين باسم عقود متعددة مركبة؟! وعلى ضوء هذا الفهم املقاصدي ميكننا عندئذ أن منيّز بني ما يُقبل من ابتكارات وأفكار ملنتجات مالية وما ال يُقبل .فعلى سبيل املثال تصبح الزيادة املفروضة على سحب النقود من اآللة بواسطة بطاقة االئتمان رباً (مبا يزيد عن الكلفة احلقيقة لوضع نقود بديلة يف اآللة) حىت لو مسينا هذه الزيادة أجرة وكالة بعد أن تعنتنا بتعطيل عملية السحب النقدي من آالت البنك الذي أصدر البطاقة لنجعل السحب النقدي ممكنا فقط من آالت بنوك أخرى ،كما تصبح الزيادة يف تأجيل دين بطاقة االئتمان أو القسط املتأخر يف بيع التقسيط أو الرتخص يف دفعات اإلجارة املنتهية بالتمليك رباً أيضاً حىت ولو حاول البعض ّ مسبق بإجراء تورق وكال ًة عن املدين إذا تأخر .وللعجب ،هل كان فيها بإذن ٍ ربا اجلاهلية اجللي إال أنسئ وأرب؟! .4النظر إىل النصوص الفقهية من خالل واقعها البيئي التاريخي ينسب إىل العامل القانوين الكبري املرحوم عبدالرزاق السنهوري قوله إنه يستطيع أن يأيت من كتابات الفقهاء القدماء مبا يتوافق مع كل نص يف القانون مستنسخاً من القوانني املدين الذي وضعه ملصر ،علماً بأن القانون املدين كان َ األوروبية .إن فقهنا الرتاثي مليء بالنصوص واألحكام اليت تتضمن بعداً تارخيياً 84 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف واضحاً وال بد من التمييز عند األخذ منه بني ما هو تارخيي وبيئي يف فهم النصوص وما هو مرتبط مبنطوق النصوص نفسها .فبيع العربون مثال رفضته املذاهب الثالثة وقول عند احلنابلة وقبله قول آخر هلم .وكانت ممارسته بصورة رئيسية يف بيئة شبه بدوية .وبيع العربون يستحق فيه البائع العربون بالشرط دون نفاذ عقد بيع أو إجارة أو شراكة .والبيئة اجلغرافية اليت طبق فيها يُتصور فيها وقوع ضرر حقيقي على البائع بسبب عدم نفاذ البيع الذي اتفق عليه وذلك لقلة الطلب يف البيئة البدوية شبه املرتحلة وكساد السلعة عندئذ .وقد ُرفض هذا البيع يف بيئات متمصرة (حيث شاعت املذاهب الثالثة األخرى) يكثر فيها الطلب بسبب كثرة السكان واستقرارهم ،فال يُتصور أن يتضرر البائع من عدم نفاذ البيع وال تكسد بضاعته الحتمال وجود مشرتين آخرين كثر .فبم 1 إذن يستحق البائع مال أخيه؟ ومن العجب أننا يف الوقت الذي ن ّدرس فيه أساليب كسب املال وحنصرها يف ستة هي املعاوضات واهلبات واإلرث واالستحقاق واالقتناء من املال املباح وجزاء املسؤولية التقصريية ،وال نرى منها التكسب بالشرط جند بعض الفقهاء املعاصرين يدافعون عن العربون بأنه يستحق بالشرط؟ أوليس الربا والقمار تكسباً بالشرط أيضا؟ وهل يكسب الشرط ماالً أو خيلق ثروة أو قيمة مضافة؟ خاصة وأن الفقه اإلسالمي يكاد جيمع على حق من أصابه ضرر بالتعويض عن الضرر حسب مقداره الفعلي ال مبقدار حمدد مسبقاً. إن العديد من مسائل اهلندسة املالية أبعدتنا عن مقاصد حترمي الربا وأدخلتنا يف دوامات اللهاث خلف تربير معامالت مالية مارستها البنوك الربوية وحقيقتها ربا حمض ولكنها تُصور لنا بأمساء وأشكال أخرى أداخت البعض منا وأبعدت به املنتَ َجع! 1ومما يعجب له املرء أن جممع الفقه الدويل قد أقر العربون -وهو معاملة متارس يف بعض قرى جند- على قلة من قال به من الفقهاء الكبار واملذاهب يف حني رفض بيع الوفاء املعروف عند أحناف وسط آسيا .مع أن احلقيقة أن يف كليهما تكسب خيالف مبادئ اكتساب امللك يف الشريعة. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 85 منذر قحف أما ما مسي يف عصرنا بالتورق الفردي فهو أيضاً حتصيل مال نقدي مقابل دين أكثر منه ،هو رباً دون شك على الرغم من صحة عقدي الشراء والبيع فيه لعدم وجود التواطؤ مع البائع والشاري .وإمنا تواطأ املتورق مع نفسه وضمن قلبه .فاحلرمة يف الربا ال تؤثر على صحة العقدين ونية املتورق ال يعلمها إال خالقها .وإن القول التارخيي جبواز هذا النوع من التورق إمنا هو قول بصحة العقدين ال بصحة نية التورق وهو قول مرتبط بعصره لقلة ممارسات الوساطة املالية يف وقتهم وانعدام وجود وسائلها .علماً بأن أدوات التمويل اإلسالمى املعاصر ومنتجاته تُلغي أي حاجة موهومة هلذا النوع من التورق ،ألن احلاجات إىل النقدية إمنا هي حاجات إنفاقية تستطيع أدوات التمويل اإلسالمي املعاصر االستجابة هلا ،فال حاجة يف عصرنا للتورق الفردي .ومن البدهي أيضاً أن قيام املؤسسات والشركات باالستوراق تنعدم أيضاً احلاجة إليه من باب أوىل ،ألن حاجات املؤسسات والشركات هي حاجات استثمارية بطبيعتها تستجيب هلا وتؤدي كل مقاصدها وأهدافها عقود التمويل اإلسالمية املعاصرة. أما ما مسي بالتورق املنظم أو املصريف فإن مبادلة النقد بالدين فيه جلية صراح ًة يف العقد أو من تركيب املعاملة جبمع العقود أو من العرف املألوف. جلي بينّ مل يُرتَك ملا بني املستورق وربه ،وهو يناقض مقاصد فالتواطؤ فيه ٌ التحرمي بشكل واضح كما نص على ذلك قرار جممع الفقه اإلسالمي الدويل يف دورته األخرية عام .2009 ومثل ذلك دعوى جواز بيع الديون كما نسبت إىل بعض كتب الرتاث الفقهي .إن َّ الديْن عند الفقهاء يشمل احلال منه واآلجل ،أما عند املاليني فالدين يف العادة هو اآلجل فقط والدين احلال هو دين متعثر يفرز يف بند خاص مستقل وحتتجز من أجله االحتياطيات .فبيع الدين اآلجل ال يكون إال رباً ألنه زيادة يف دين (والدين ال يزيد) يناله دافع النقد ّ احلال .فال بد من فهم النصوص الفقهية من واقع هذا التمييز التارخيي بني َّ الديْن ّ احلال املتعثر الذي ال يتضمن بيعه أي ربا والدين اآلجل الذي ال يكون بيعه إال رباً حمضاً ،ألن 86 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف الفرق يف بيع الدين املتعثر والدين اآلجل إمنا هو مقابل القدرة على التحصيل وهي خدمة ذات مثن وقيمة مضافة. .5االحتكار والقوة االحتكارية خيتلف تعريف االحتكار املألوف يف الفقه التقليدي عما يعرفه علماء االقتصاد املعاصرون .فاالحتكار يف الفقه التقليدي يشرتط فيه شرطان مهمان مها :أن يشرتي من السوق بقصد إغالء السعر ،وأن يكون يف مواد أساسية تتعلق هبا مصاحل واعتبارات أساسية للناس مثل الطعام .أما عند االقتصاديني فاالحتكار املطلق هو تفرد بائع واحد بسلعة أو خدمة يف سوق معينة وهو قليل احلدوث يف احلياة الواقعية .لذلك جند االقتصاديني يتحدثون عن القوة االحتكارية بدال من احلديث عن االحتكار املطلق .فالقوة االحتكارية ّتعرف بأهنا قدرة بائع أو منتج لسلعة يف التأثري على سعر السوق بإغالئه عن طريق حتديده ملا يطرحه يف السوق من كميات من سلعته أو خدمته .ونالحظ يف القوة االحتكارية أنه ال يشرتط أن يكون بائع السلعة قد اشرتاها من السوق كما ال يشرتط أن تكون السلعة أساسية. والواقع أن النصوص العامة املتعلقة مببادئ العدالة وعدم اإلضرار باآلخرين أو استغالل ظروفهم وحاجاهتم تتجه حنو تعريف موسع لالحتكار يشمل القوة االحتكارية ،فال يتحدد بشراء سلعة من السوق كما ال يتحدد بالسلع أو اخلدمات األساسية اليت تتعلق هبا املصاحل الكربى للناس .يؤيد هذا االجتاه النصوص العديدة املتعلقة باالحتكار اليت وردت عامة دون ختصيصها بالشراء ُ من السوق أو بالطعام وما شاهبه من مواد أساسية .فهل العدل -متمث ً ال بعدم مطلوب ملشرتي القمح وليس مطلوباً ملشرتي اجملوهرات لعرسه؟ إغالء السعر- ٌ أو لزبون البنك اإلسالمي فيما حيصل عليه من خدمات؟ إن عدم التوافق على معىن االحتكار والقوة االحتكارية وأمهيتهما يف العمل املصريف اإلسالمي خاصة ويف التمويل اإلسالمي عامة (ليشمل بذلك شركات مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 87 منذر قحف التكافل ومعامالت السوق املالية اإلسالمية) بني فقهاء البنوك اإلسالمية من جهة واالقتصاديني اإلسالميني وزبائن هذه البنوك من جهة أخرى هو مثار حتمل زبائنها عموالت وأرباحاً للشكوى املتكررة من أن البنوك اإلسالمية ّ وتكاليف احتكارية مرتفعة مقارنة مع التمويالت الربوية املشاهبة بسبب أهنا متارس قوة احتكارية على زبائنها الذين هم هلا أسرى ،ألهنم ال يرغبون إال باملعامالت املالية اإلسالمية مع مالحظة تفرد مصرف إسالمي واحد ببعض األسواق أو وجود بضعة مصارف إسالمية قليلة العدد بالنسبة حلاجات سوق التمويل اإلسالمية مما مينحها هذه القدرة أو القوة االحتكارية إلغالء أسعارها وتكاليفها .وال جند يف مقاالت اهليئات الشرعية وفتاواها للمصارف اإلسالمية ما يقف دون إغالء السعر على زبون املصرف اإلسالمي ،بل كثريا ما نسمع أن كلفة املصرف اإلسالمي أكرب (واحلقيقة غري ذلك!) وأن على املستهلك أن يتحمل ذلك يف سبيل دينه إلجناح املصرفية اإلسالمية ،وكأن واجب إجناح الصريفة اإلسالمية هو عبء تعفى منه املصارف ومالكوها! فال بد إذن من حتديد معىن العدالة يف مسائل االحتكار والقوة االحتكارية وتطبيقاهتا يف املصارف اإلسالمية على أساس فهم مقاصدي جتديدي هلذين 1 املعنيني عند التصدي للفتوى يف املسائل املالية. .6هل املرصفية اإلسالمية هي كل االقتصاد اإلسالمي؟ إن جناح املصارف اإلسالمية الرائع خالل العقود الثالثة املاضية وكثرة احلديث عن التمويل اإلسالمي أوقع يف كثري من األذهان ومهاً هو أن التمويل اإلسالمي ومسألة حترمي الربا مها أهم ما يف االقتصاد اإلسالمي من مبادئ ومكونات. ودون أن خيامرنا أي شك يف أن أذهان الفقهاء املاليني املعاصرين بريئة من هذا الوهم ،فإن قلة احلديث عن عناصر ذات أمهية كبرية يف التمويل 1يشبه ذلك قلة تصدي فقهاء البنوك اإلسالمية ملعاين العدالة يف مسائل استخدام العمالة ومتويل الشركات اليت ال تتوافق أنشطتها مع مبادئ العدالة املتعلقة باستخدام األطفال أو التمييز ضد النساء أو اإلضرار بالبيئة املادية أو االجتماعية العامة. 88 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف اإلسالمي مثل التنمية والسلوك االستهالكي يساعد على توليد هذا الوهم وانتشاره. إن املصارف اإلسالمية والتمويل اإلسالمي -على أمهيتهما -ال يشكالن إال جزئية واحدة من النظام االقتصادي اإلسالمي ،أما أجزاؤه األخرى فمنها ما يتعلق باألفراد ومنها ما يتعلق بالدولة .فما يتعلق بالسلوك الفردي يشمل مسائل االستهالك اخلاص كما يشمل قضايا القيم املؤسسية السلوكية لدى األفراد مما يرتبط بالتنمية ويشكل أساس املؤسسات والسياسات والرتتيبات االقتصادية العامة وخباصة قيم اإلتقان والدقة يف العمل واملعامالت والتحسني املستمر واملسؤولية الفردية عن احلاجات االجتماعية واستعمال الطاقات وعدم إضاعة املوارد وخباصة املوارد البشرية وغري ذلك .أما ما يتعلق بالدولة فأمهها على اإلطالق مسؤولية التمكني وهي تشمل السياسات والقوانني واملؤسسات اجملتمعية اليت ّ متكن األفراد من إطالق نشاطاهتم وإبداعاهتم اإلنتاجية يف خلق الثروة وزيادهتا ويأيت على رأس ذلك ضمان حريات األفراد وممتلكاهتم وضمان األمن االجتماعي والسياسي .فاحلرية وحدة ال تتجزأ واإلنسان احلر سياسياً ومنتج مادياً .وتشمل مسؤولية الدولة يف التمكني حماربة الفساد ٌ مبدع اقتصادياً ٌ اإلداري الذي يُقنع وجوده القوى املبدعة اليت تولد الثروة يف أي جمتمع بأن ال فائدة من العمل اجلاد واجلهد املضين يف اإلنتاج إذا كان من املمكن احلصول على الثروة عن طريق الرشوة والغلول من املال العام .كما تشمل مسؤولية الدولة يف التمكني خلق املؤسسات املادية واخلدمية اليت تعني األفراد على اإلنتاج وزيادته مبا فيها مؤسسات البنية التحتية ومؤسسات إعادة التوزيع اليت ال بد منها يف أي جمتمع .وإضافة إىل سياسات التمكني االقتصادي ال بد أيضا من سياسات نقدية ومالية تنموية فالنظام االقتصادي اإلسالمي يف جانبه املتعلق بالدولة يتضمن نظاما للمالية العامة منبثقا من املقوالت اليت جاء هبا الوحي يف القرآن الكرمي والسنة املطهرة كما يتضمن نظاما نقديا يقوم على هذه املبادئ واملقوالت ذاهتا. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 89 منذر قحف الفاعلية املؤسسية للتجديد يف قضايا األوقاف يف عاملنا املعارص إن طبيعة الوقف ومقاصده جتعل منه قطاعاً ثالثاً ،مقارنة مع القطاع اخلاص والقطاع احلكومي أو العام ،ال يقصد الربح ويهدف إىل إعادة التوزيع بتوفري خدمات عديدة ألنواع من الناس يغلب أال يتمكنوا من احلصول عليها بوسائل أخرى .وينبغي أن نالحظ أن املسألة األساسية الكربى بالنسبة لفقه األوقاف هي مسألة إدارة األموال الوقفية األمر الذي جيعل اإلدارة يف األوقاف العامل األساس لقدرهتا على القيام بدورها االجتماعي االقتصادي. ومع التأكيد على أن الفقه الرتاثي يف األوقاف كان دائماً حريصاً أن ييعد إدارة األوقاف عن احلكومة ،فإن فقه «ويل األمر» قد طغى على تنزيل مقاصد األوقاف على واقع األموال الوقفية مما أدى إىل جعل إدارة األوقاف يف عصرنا احلاضر والية من واليات الدولة تدير أموال الوقف حسب شهوة احلاكم وشهوات املتنفذين من حوله .لذلك جند أن احلديث الفقهي املعاصر عن األوقاف قد آىل على نفسه االقتصار على التغين باألجماد عموماً بدال من التجديد بإعادة صياغة اإلدارة الوقفية وشروط حتقيق كفاءهتا والتزامها بأهدافها اليت رمسها الواقفون مبا حيقق الدور االجتماعي الذي تتصوره الشريعة للوقف اإلسالمي .فإن جاء التعرض لضرورة عدم إمهال املمتلكات الوقفية املوروثة تسابق فقهاء العصر إىل احلديث عن إعانة الدولة وتدعيم إدارهتا غري الكفأة ألموال الوقف وممتلكاته باحلديث عن طرق ميكن فيها استجرار متويالت من القطاع اخلاص ملساعدة إدارات بريوقراطية متهالكة يف تنمية ما تركه لنا اآلباء واألجداد من عقارات وقفية. إن حصانة أموال األوقاف واحلرص على دميومة عطائها إمنا يكون بالتقنني التفصيلي ُحل ُرمات هذه األموال وأشكال إدارهتا بعيداً عن الدولة والقطاع احلكومي املعروف بقلة كفاءته اإلنتاجية وضعف قدرته على جتنب البريوقراطية والفساد. 90 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 الفاعلية املؤسسية لعملية التجديد يف الزكاة والبنوك اإلسالمية والوقف إن التجديد يف الفقه املعاصر لألوقاف 1ينبغي أن يركز على ابتكار منهج لإلدارة تتبناه القوانني الوقفية املعاصرة يقوم على التعويض عن فكرة إدارة املالك ملاله ألن األموال الوقفية ليست مملوكة لبشر وإمنا هي لصاحل البشر. وإن العناصر األساسية هلذه اإلدارة ينبغي أن تشرك مجيع ذوى املصلحة Stake Holdersمن أجل جناح وكفاءة إدارة املال الوقفي ،وهؤالء هم جمموع يتألف من :املنتفعني من عوائد املال الوقفي ،والعاملني فيه ،واجملتمع احمللي من حوله، واحلكومة احمللية أيضاً. ومن جهة أخرى فإن احلرص على كفاءة اإلدارة يتطلب إدخال عناصر تنافسية بني إدارات األوقاف املتعددة من جهة ،وبينها وبني القطاع اخلاص لالستثمارات املشاهبة من جهة أخرى مبا ينسجم مع أهداف املال املوقوف، لذلك فإن العنصر التجديدي اآلخر املطلوب يف فقه إدارة األوقاف هو تبين مبدأ اإلدارة َّ الذرية .ونقصد باإلدارة الذرية أن يدار كل مال وقفي من قبل إدارة حملية خاصة به ختضع لعوامل املنافسة ولقياسات الكفاءة واإلنتاجية. إننا حنتاج إىل جرأة فقهية معاصرة خترج بإدارة األوقاف من نطاق احلكومة وجتعلها إدارة جمتمعية ضمن معايري ومقاييس حمددة لقياس الكفاءة واإلجناز حبيث تُسبدل اإلدارة فيها كما تُستبدل اإلدارة يف الشركات املسامهة طبقاً لقدراهتا يف االستجابة لتحقيق مصاحل ذوي العالقة .Stake Holders واحلمد هلل رب العاملني. 1ال نقصد باحلديث عن األوقاف املساجد وما يلقي فيها من خطب أو مواعظ وإمنا نقصد األموال الوقفية الىت تقدم خدمات اجتماعية وإنسانية. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 91
© Copyright 2026 Paperzz