تحميل الملف المرفق

‫نحو منتجات مالية إسالمية مبتكرة‬
‫المحور الثالث‪ :‬صيغ التمويل اإلسالمية وتطوير‬
‫المنتجات (الخدمات) اإلسالمية‬
‫إعداد‬
‫محمد عمر جاسر‬
‫مستشار – الرقابة الشرعية‬
‫بيت االستثمار الخليجي‪ ،‬دولة الكويت‬
‫ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر المصارف اإلسالمية اليمنية المقام تحت عنوان " الواقع ‪..‬وتحديات المستقبل"‪ ،‬تنظيم‬
‫نادي رجال األعمال اليمنيين في الفترة ‪ 21-20‬مارس ‪ 2010‬صنعاء – الجمهورية العربية اليمنية‬
‫‪1‬‬
‫المستخلص‪:‬‬
‫تهدف هذه الورقة الى النظر في واقع التطوير وابتكار المنتجات المالية اإلسالمية‬
‫في مواكبة النمو المتسارع في الصناعة المالية اإلسالمية من حيث الحفاظ على السالمة‬
‫الشرعية للمنتج وقدرته على تلبية الحاجة االقتصادية بكفاءة وفعالية والتأكد من أن‬
‫التفكير االسالمي "‪ ”Islamic thinking‬ما زال يحكم العقلية المالية واالقتصادية في‬
‫المؤسسات المالية اإلسالمية ويرشدها في هذه المسيرة‪ ،‬وفي سبيل ذلك‪ ،‬فالمسئولية ملقاة‬
‫على عاتق المصرفيين والمختصين في المالية اإلسالمية البتكار وتطوير منتجات مالية‬
‫اسالمية تجمع ما بين المثالية المقاصدية والواقعية العملية‪.‬‬
‫و تناقش هذه الورقة مسألتين هامتين ففي القسم األول تناقش األسس التي قامت‬
‫عليها المنتجات المالية اإلسالمية وخصائصها التي تميزها عن المنتجات المالية‬
‫التقليدية‪ ،‬وتتطرق إلى طبيعة وجوهر العقود المالية اإلسالمية‪ ،‬والتي بدورها تقوم على‬
‫تحريم الربا والغرر الفاحش وآثارهما و"مقاصد الشريعة" جراء التحريم التي تشكل بعض‬
‫خصائص المنتجات المالية اإلسالمية‪.‬‬
‫أما القسم الثاني في هذه الورقة فسيتطرق إلى واقع المنتجات المالية اإلسالمية‬
‫واستراتيجيات تطويرها‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫مقدمــة‪:‬‬
‫على مدى ما يقارب األربعة عقود‪ ،‬تسعى الصناعة المالية اإلسالمية في خطى‬
‫حثيثة لترسيخ وجودها كنظام مالي واقتصادي بديل عن النظام المالي التقليدي الذي‬
‫ناهز على شيخوخة تخطت ثالثة قرون تخللتها أزمات مالية عاصفة أوشكت أحدث‬
‫حلقاتها أن تودي به إلى حافة االنهيار‪ ،‬رغم المحاوالت المستمرة إلنعاشه واالبقاء على‬
‫ديمومته عبر ضخ مزيد من األموال إلى االقتصاد وتدخالت حكومية مباشرة تمتلت‬
‫بإصدار قوانين اإلستقرار االقتصادي “ ‪ “Economic Stabilization Act‬التي‬
‫وجهت إلى دعامات االقتصاد الرأسمالي المتمثلة في قطاعات المصارف والتأمين‬
‫والصناعة‪ ،‬غير أن هذه المحاوالت تغدو قاصرة وبمثابة مسكنات ألم طالما أن المعالجة‬
‫الجذرية لجذور األزمة المالية الراهنة القائمة على الربا والغرر وآثارهما المدمرة ال يتم‬
‫االلتفات إليها بعمق وموضوعية‪.‬‬
‫وباستعرض سريع للبنوك التي انهارت في الواليات المتحدة األمريكية نجد أن في‬
‫مقدمتها ”‪ “Lehman Brothers‬البنك االستثماري الذي طالما تشدق مسؤولوه‬
‫بحصانتهم من االختالالت والهزات االقتصادية كنتيجة لصمودهم في الكساد العظيم عام‬
‫‪1929‬‬
‫وقدرتهم‬
‫على‬
‫إدارة‬
‫المخاطر‬
‫وتقليلها‬
‫وايجاد‬
‫منتجات‬
‫ومشتقات‬
‫بديلة”‪ ”Derivatives‬في سبيل التحوط”‪ ”Hedging‬واستغالل التقلبات والمضاربات‬
‫السعرية الحادة مستفيدين من سيل عارم من التدفقات النقدية العابرة للقارات وتوظيفها في‬
‫أسواق رأس المال والسلع الدولية مسترشدين بأدبيات الهندسة المالية ‪“Financial‬‬
‫”‪ ، Engineering‬إال أن هذا التكيف والتأقلم مع الظروف االقتصادية المتغيرة‬
‫والشديدة الحساسية لتقلبات أسعار الفائدة لم يمنعها من االنهيار كدليل فعلي على فشل‬
‫النظام الرأسمالي الليبرالي كفكر وتطبيق في تحقيق االستقرار والديمومة‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫وفي المقابل من ذلك أثبت النظام المالي اإلسالمي هذه المقدرة والقوة‪ ،‬حيث تشهد‬
‫فيه الصناعة المالية اإلسالمية نموا سريعا وضخما من حيث عدد المؤسسات والتي‬
‫وصلت إلى حوالي ‪ 430‬مؤسسة تعمل في ‪ 75‬دولة حول العالم‪ ،‬ويبلغ حجم أصولها‬
‫‪ 822‬مليار دوالر بمعدل نمو سنوي بلغ حوالي ‪ %15‬سنويا‪ ،‬وحجم اصدار الصكوك‬
‫اإلسالمية بلغ ‪ 100‬مليار دوالر في نهاية العام ‪ ،2009‬كما بلغ اجمالي حجم الصناديق‬
‫االستثمارية اإلسالمية في نهاية الربع الثالث من عام ‪ 28 2009‬مليار دوالر‪.‬‬
‫وعلى الرغم من هذا النمو والتنوع واالبتكارات الخالقة‬
‫في المنتجات المالية‬
‫اإلسالمية المصرفية واالستثمارية والتأمينية الذي نشهده في واقع الصناعة اليوم إال أن‬
‫هناك عالمات ”‪ “signs‬انحراف عن المبادئ التي قامت عليها الصناعة تعد بمثابة‬
‫تضحية مقابل وصف "العالمية" للصناعة المالية اإلسالمية في ظل وجود منتجات أقل‬
‫ما يقال عليها أنها "مشبوهة" أجمع على عدم قبولها العامة قبل الخاصة من العلماء‬
‫والمختصين وال تعد ابتكا ار وال تطوي ار بل تقزيما وتشويها لنظام اقتصادي محكم بأصول‬
‫الشريعة ومقاصدها التي رعت قواعد راسخة مثل "درء المفاسد أولى من جلب المصالح"‬
‫في محاكاة وتقليد ”‪ “mimic‬لمنتجات مالية تقليدية محرمة أثرت في النهاية على‬
‫االقتصادات الكلية لحواضنها‪ .‬ولهذا‪ ،‬كان لزاما مراجعة إستراتيجيات وآليات تطوير‬
‫المنتجات المالية اإلسالمية ‪-‬كبديل عن نظيراتها التقليدية‪ -‬ومن ثم تفعيل دورها في‬
‫تعزيز متانة النظام المالي اإلسالمي‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫القسم األول‬
‫خصائص المنتجات المالية اإلسالمية‬
‫تمتاز عقود المعامالت والمنتجات المالية اإلسالمية بأنها –في الغالب‪ -‬مشتقة من الفقه‬
‫اإلسالمي فهي إذن ملزمة باتباع أحكام الشريعة اإلسالمية ومبادئها في المعامالت‪،‬‬
‫ويمكن حصر المبادئ الرئيسية التي تحكم العقود المالية اإلسالمية حسب الشريعة‬
‫اإلسالمية في رزمتين‪ :‬األولى‪ :‬المبادئ العامة في التعاقد‪ ،‬وتتضمن‪ :‬األهلية القانونية‬
‫للتعاقد كالعقل والبلوغ والتمييز‪ ،‬التراضي بين األطراف المتعاقدة ومراعاة القوانين السائدة‪.‬‬
‫والمالحظ هنا أن الشريعة اإلسالمية تتفق مع القوانين الوضعية في هذا االطار بالرغم‬
‫من وجود بعض الفوارق الطفيفة في هذا الخصوص كاعتماد السن القانونية المؤهلة‬
‫للتعاقد‪.‬‬
‫أما الرزمة الثانية من المبادئ فهي هامة وتتميز بالخصوصية في المعامالت‬
‫المالية اإلسالمية وتشمل‪ :‬االلتزام األخالقي والقيمي‪ ،‬اإلباحة الشرعية‪ ،‬التوازن والحاجة‬
‫الحقيقية‪.‬‬
‫لذلك وحتى يكون المنتج مقبوال‪ ،‬من وجهة النظر الشرعية‪ ،‬فيتوجب حينها أن يكون‬
‫أخالقياً وموافقاً للقيم الحميدة‪ ،‬فكما أن الشريعة شجعت على العمل والتجارة والكسب‬
‫الحالل فإنها منعت المنتجات والخدمات المحرمة اخالقيا التي من شانها االضرار بالفرد‬
‫والمجتمع مثل تحريم االتجار بالمخدرات والكحول‪ ،‬والقمار والمالهي الليلية والحانات‬
‫واالتجار باألدوية المحرمة وكذلك المواد الضارة بالبيئة‪ ،‬وكذلك توزيع وانتاج أي سلعة أو‬
‫خدمة أو نشاط غير مقبول أخالقيا وتأنفه الطباع البشرية السليمة وهو ما يتعارف عالميا‬
‫باالستثمار األخالقي ”‪.“Ethical Investment‬‬
‫‪5‬‬
‫المبدأ الثاني الهام هو اإلباحة األصلية للمعامالت‪ ،‬فالشريعة قررت في قواعدها‬
‫وضوابطها الفقهية القاعدة الشرعية التي نصت على أن " األصل في البيوع اإلباحة"‬
‫المنبثقة من األصل العام "األصل في األشياء اإلباحة" حتى يثبت النهي‪ ،‬وهذا في كل‬
‫شيء‪ .‬وهذا أصل جليل يعول عليه في تخريج العقود والمسائل المستجدة في الحياة‬
‫المعاصرة مما لم يتطرق إليه الفقهاء من قبل‪ ،‬يكون مقبوال شرعا‪ ،‬إذا لم يتصادم مع‬
‫دليل شرعي من المصادر األصلية وكان مما اقتضه مصالح الناس العامة ولم يشتمل‬
‫على مفسدة راجحة‪ .‬واألمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها‪ :‬عقد اإلجارتين‪ ،‬عقد التحكير‪،‬‬
‫عقد المقاولة و االشتراط لمصلحة الغير‪.‬‬
‫أما مبدأ التوازن فيتطلب وجود العدالة في تحمل كل من طرفي العقد اللتزاماته مقابل‬
‫الحصول على حقوقه‪ ،‬فال ينبغي أن يتحمل طرف التزامات الطرف اآلخر وال ينتقص‬
‫من حقوقه‪ ،‬ويجب كذلك مراعاة االلتزام بالشروط فالمسلمون عند شروطهم‪ ،‬وموجب ذلك‬
‫كله الى حكمة الشريعة ورغبتها في قطع الطريق على النزاع والخصومة‪ ،‬ومن أمثلة ذلك‬
‫اشتراط الزيادة في القرض إلى أجل أو الغرر والجهالة في المبيع أو الثمن أو األجل‪،‬‬
‫وكل شرط أو عرف من شأنه أن يخالف مقتضى العقد –على تفصيل‪.-‬‬
‫والمبدأ الهام األخير هنا الواقعية (الصالحية) أي أن الحاجة وتلبية االحتياجات‬
‫والتعامالت االقتصادية هي الباعث على التعاقد وليس مجرد العبث تدعو للعقد حاجة‬
‫ويتم فيها تبادل أصول أو حقوق ملموسة لها قيمة من وجهة نظر الشريعة وليست أمور‬
‫احتمالية أو وهمية كالمتاجرة في مؤشرات األسهم أو المشتقات المالية التي يغلب عليها‬
‫صفة المبادالت الصفرية ”‪.“Zero-Sum Games‬‬
‫وكما للشريعة اإلسالمية مبادئها فإن لها غايات وأهداف (مقاصد الشريعة)‪ ،‬وتدور هذه‬
‫المقاصد وفلسفة تشريعها حول األمور العامة وقصدت إلى حفظها في الناس "تحقيق‬
‫مصلحة العباد في الدنيا واآلخرة لكي يقوم الناس بخالفة األرض‪ ،‬وذلك بجلب المنافع‬
‫لهم ودفع المضار عنهم واخالء المجتمع من الفاسد"‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫وتنقسم المقاصد الكلية إلى ثالث مستويات هي‪ :‬الضروريات‪ :‬حفظ النفس‪ ،‬حفظ الدين‪،‬‬
‫حفظ العقل‪ ،‬حفظ النسل والعرض‪ ،‬حفظ المال‪ .‬والحاجيات ‪ :‬وهي ما تحتاج اليه األمة‬
‫لتحسين أحوالها‪ ،‬والتحسينيات‪ :‬وهو األخذ بمحاسن العادات واألخالق‬
‫ولقد ُعد حفظ المال من المقاصد الضرورية وتقوم فلسفته الشرعية على اعتبار أن المال‬
‫وسيلة ال غاية‪ ،‬وسيلة لحياة االنسان ومعاشه‪ ،‬ومن أجل ذلك نظم اإلسالم التشريعات‬
‫حتى ال يجر الى الطغيان‪ ،‬ألنه ال بد من ضوابط تكبح جماحه فاالنسان ميال بطبعه‬
‫إليه‪.‬‬
‫ومن أهم مقاصد الشريعة اإلسالمية في حفظ المال التداول‪ :‬تشريع وسائل إيجابية‬
‫لتحقيق المقصد‪ ،‬وضرورة استثمار المال بالطرق التي حددها الشرع‪ ،‬وحسن تداول النقود‬
‫والتعامل بها‪ .‬وفي المقابل حرم االسالم الوسائل السلبية التي تحد من التداول مثل‪:‬منع‬
‫الكنز‪ ،‬منع التعامل بالربا‪ ،‬منع الميسر‪ ،‬منع االحتكار و منع حكر تداول األموال في‬
‫أيدي فئة من الناس‪.‬‬
‫أما المقاصد األخرى في حفظ المال فتتضمن الوضوح (التوثيق واالشهاد)‪ ،‬العدل في‬
‫األموال من حيث المساواة بين الناس‪ ،‬االنفاق المحمود في النفقة الواجبة‪ ،‬الكف عن‬
‫االمساك المذموم والنهي عن الشح والبخل‪ ،‬وأخي ار دفع المظالم‪ :‬حيث منع التعدي‬
‫بالنهب والسرقة والسلب والغصب وأكل المال بالباطل‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫القسم الثاني‬
‫واقع المنتجـات الماليـة اإلسالمية و استراتيجيـات تطويرهـا‬
‫مقدمة ‪:‬‬
‫لماذا تطوير المنتجات‬
‫أود أن أتحدث هنا في إشارة سريعة إلى أهمية تطوير المنتجات في الصناعة المالية‬
‫اإلسالمية والمفارقة التي يلحظها كثير من الباحثين والمراقبين لهذه الصناعة أنه وعلى‬
‫الرغم من إجماع الكل على أهمية التطوير المستمر للمنتجات المالية إال أن هذا‬
‫االهتمام لم يترجم حتى اآلن إلى منهج علمي وعملي يتناسب وأهميتها فما زالت إدارات‬
‫تطوير المنتجات بحاجة الى مزيد من التخصصية والمهنية مقارنة مع غيرها من‬
‫اإلدارات في مؤسسات الصناعة التقليدية التي نجدها تولي اهتماما أكبر في هذا الجانب‬
‫وتنفق مبالغ طائلة لتطوير وابتكار منتجاتها المالية التي تلبي احتياجاتها وتغطي طلب‬
‫األسواق‪.‬‬
‫ويمكن تلخيص حاجة مؤسسات الصناعة المالية لتطوير منتجاتها في النقاط التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬تنويع مصادر الربحية للمؤسسة المالية‪.‬‬
‫‪ -2‬تجنب تقادم النتجات الحالية للمحافظة على النمو وكما هو معلوم أن لكل منتج‬
‫دورة حياة وفي مرحلة تشبع السوق يتوقف الطلب على المنتج ويستقر عند أدنى‬
‫مستوياته‪.‬‬
‫‪ -3‬تقليل مخاطر االستثمار بتنويع صيغه وقطاعاته‪.‬‬
‫‪ -4‬دعم المركز التنافسي للمؤسسة المالية في السوق‪.‬‬
‫‪ -5‬التطوير المستمر للمنتجات يزيد من خبرة المؤسسة ويبقيها في حيوية مستمرة‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫أوالً‪ :‬واقع المنتجات المالية اإلسالمية‬
‫تختلفف الصفناعة الماليفة اإلسفالمية عفن التقليديفة ففي جوهرهفا فكالهمفا تعمفل وففق مبفادئ‬
‫وأسفس وآليففات مختلففة تمامففا لففذلك تبقفى مشففكلة المحاكفاة ”‪“Simulation‬وأقصففد بهففا أن‬
‫يتم سلفا تحديد النتيجة المطلوبة من منتج الصناعة المالية اإلسالمية‪ ،‬وهي عادة النتيجفة‬
‫نفسها التي يحققها المنتج التقليدي ‪.‬‬
‫إن محاكاة المصرفية اإلسالمية لنظيرتها التقليدية في هندسة التمويل المالي تبقى من‬
‫أهم المشكالت التي تواجه المصارف اإلسالمية هذه األيام وتحرفها عن مسارها الذي‬
‫انطلقت من أجله في أواخر القرن الماضي ولعل هذا األمر كان السبب األكبر في أن‬
‫واجهت الصناعة المالية اإلسالمية في اآلونة األخيرة انتقادات واسعة‬
‫ولكففن هففذا ال يعنفي بالضففرورة أن جميففع المنتجففات التففي تقففدمها الصففناعة الماليففة التقليديففة‬
‫غير مناسبة للتمويل اإلسالمي‪ ،‬فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجفدها أخفذ بهفا‪ .‬ولكفن يجفب‬
‫التميي ففز ب ففين اقتب ففاس م ففا ي ففتالءم م ففع فلس فففة التموي ففل اإلس ففالمي ومبادئ ففه‪ ،‬وب ففين محاك ففاة‬
‫األساس الذي تقوم عليه المنظومة التقليدية ومع ذلك يترك هذا أثفره الخطيفر فففي حفين ال‬
‫تتطلففب إنتففاج هففذه األدوات الكثيففر مففن الجهففد والوقففت فففي البحففث والتطففوير‪ ،‬بففل مجففرد‬
‫متابعة المنتجات التي تطرحها الصفناعة التقليديفة وتقلفدها مفن خفالل توسفيط السفلع‪ ،‬فإنهفا‬
‫تلقي بظاللها الفاسدة وتترك آثا ار سلبية كثيرة على الصناعة المالية اإلسالمية منها ‪:‬‬
‫ ضففعف قناعففة العمففالء بالمنتجففات اإلسففالمية‪ ،‬وجعففل التمويففل اإلسففالمي محففل شففك‬‫وريبة وقد يؤدي ذلك إلى أن تبدأ المصرفية اإلسالمية بفقد عمالئها خاصة الفذين ال‬
‫يشكل الوازع الديني لديهم الدافع األكبر للتعامل مع هذه المصارف‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫ تحول الضوابط الشرعية إلى تكلفة إضافية‪ .‬ومن الطبيعي ففي هفذه الحالفة أن تحمفل‬‫المؤسسات المالية هذه التكلففة علفى العميفل‪ ،‬لتكفون المنتجفات اإلسفالمية المقلفدة ففي‬
‫النهاية أكثر كلفة من المنتجات التقليدية‪ ،‬مع أنها تحقق في النهاية النتيجة نفسها ‪.‬‬
‫ حيففث إن المنتجففات التقليديففة تناسففب الصففناعة التقليديففة وتحففاول معالجففة مشففكالتها‬‫وأم ارضففها‪ ،‬ف ففإن محاك ففاة ه ففذه المنتج ففات تس ففتلزم التع ففرض ل ففنفس المش ففكالت ‪ ،‬وه ففذا‬
‫بففدوره يتطلففب محاكففاة المزيففد مففن المنتجففات التقليديففة بحيففث تصففبح الصففناعة الماليففة‬
‫اإلسففالمية فففي النهايففة تعففاني مففن نفففس األم فراض واألزمففات التففي ألمففت بالصففناعة‬
‫المالية التقليدية‪.‬‬
‫ أي من ففتج لص ففناعة الهندس ففة المالي ففة التقليدي ففة ه ففو ج ففزء م ففن منظوم ففة متكامل ففة م ففن‬‫األدوات والمنتج ففات القائم ففة عل ففى فلس فففة ورؤي ففة مح ففددة‪ .‬فمحاول ففة تقلي ففد ”‪“mimic‬‬
‫ج ففوهر ه ففذه المنظوم ففة وأساس ففها‪ ،‬يج ففر الص ففناعة اإلس ففالمية لمحاك ففاة س ففائر أدوات‬
‫المنظوم ففة وعناص ففرها‪ ،‬وه ففو م ففا يجع ففل الص ففناعة المالي ففة اإلس ففالمية مه ففددة بفق ففدان‬
‫شخصففيتها حيففث تغففدو تابعففة بالجملففة للصففناعة التقليديففة‪ ،‬وبففذلك فففإن كففل األم فراض‬
‫والمشكالت التي تعاني منها الصناعة التقليديفة سفتنتقل بفدورها إلفى الصفناعة الماليفة‬
‫اإلسففالمية‪ .‬فبففدال مففن أن يكففون التمويففل اإلسففالمي هففو الحففل للمشففكالت االقتصففادية‬
‫الت ف ففي يع ف ففاني منه ف ففا الع ف ففالم الي ف ففوم‪ ،‬يص ف ففبح ل س ف ففف مج ف ففرد ص ف ففدى وانعك ف ففاس له ف ففذه‬
‫المشكالت‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫ثانيا ‪ :‬بناء إستراتيجية علمية وعملية للتطوير‬
‫إن الصف ففناعة الماليف ففة اإلسف ففالمية مطالبف ففة اآلن أكثف ففر مف ففن أي وقف ففت مضف ففى بوضف ففع‬
‫إستراتيجية فعالة وواضحة تقوم على مفنهج علمفي وعملفي رصفين مسفتمد مفن ثوابتهفا‬
‫ويففتالءم مففع طبيعتهففا االسففتثمارية القائمففة علففى تحمففل المخففاطر‪ ،‬وهففذه اإلسففتراتيجية‬
‫تتطل ففب د ارس ففة مس ففتمرة الحتياج ففات الس ففوق والعم ففل عل ففى تط ففوير األس ففاليب التقني ففة‬
‫‪10‬‬
‫والفني ففة الالزم ففة له ففا‪ ،‬و ذلف فك لض ففمان الكف ففاءة االقتص ففادية للمنتج ففات المالي ففة‪ ،‬كم ففا‬
‫تتطلففب وضففع أسففس واضففحة لصففناعة ماليففة إسففالمية مسففتقلة عففن الصففناعة الماليففة‬
‫التقليدية‪ .‬وعلى الرغم من أن ذلك سيكون أكثر كلفة مفن التقليفد والمحاكفاة‪ ،‬لكنفه ففي‬
‫المقابل أكثر جدوى وأكثر إنتاجية‪ ،‬هذا من جهة‪ .‬ومن جهة ثانية فإن هذا مفن شفأنه‬
‫أن يحافظ على أصالة المؤسسات المالية اإلسالمية ‪ ،‬كما يسفمح لهفا باالسفتفادة مفن‬
‫منتجات الصناعة المالية التقليدية ما دامت تفي بمتطلبات المصداقية الشفرعية‪ ،‬كمفا‬
‫يساعد ذلك على استكمال المنظومة المعرفية للصناعة المالية اإلسالمية‪.‬‬
‫نحو بناء إستراتيجية علمية وعملية لتطوير المنتجات المالية اإلسالمية ‪:‬‬
‫تقدم هفذه الورقفة محاولفة لوضفع معفالم تعفد بمثابفة مقدمفة لبنفاء هفذه اإلسفتراتيجية ففي‬
‫محاولففة السففتكمال المنظومففة المعرفيففة للصففناعة الماليففة اإلسففالمية يمكففن تلخيصففها‬
‫فيما يلي ‪:‬‬
‫‪ .1‬تفعي ففل دور الرقابف ففة الشف ففرعية ف ففي عمليف ففة تطف ففوير المنتج ففات والمتابعف ففة المسف ففتمرة‬
‫لعمليات التنفيذ‪.‬‬
‫‪ .2‬العمففل علففى تجميففع الجهففود وتضففافرها لوضففع معففايير شففرعية موحففدة للصففناعة‬
‫المالي ففة اإلسف ففالمية وهف ففذا م ففن شف ففأنه أن يقف ففدم رؤي ففة واضف ففحة للض ف فوابط الشف ففرعية‬
‫للمنتجات المالية اإلسالمية ويعزز ثقة الجمهور والمساهمين بها‪.‬‬
‫‪ .3‬تش ففجيع البح ففث العلم ففي وتخص ففيص عوائ ففد مالي ففة م ففن أرب ففاي المنتج ففات المالي ففة‬
‫ألغراض الدراسات والبحوث العلمية التي تهدف لتطوير المنتجات‪.‬‬
‫‪ .4‬العم ففل عل ففى إنش ففاء س ففوق مالي ففة إس ففالمية تض ففمن تس ففويق مؤسس ففات الص ففناعة‬
‫الماليففة اإلسففالمية منتجاتهففا مففن خاللهففا‪ ،‬وتففأمين السففيولة الالزمففة لهففا حيففث أن‬
‫هذه المؤسسات تواجه تحفديات كبيفرة وعوائفق عديفدة ففي تسفويق منتجاتهفا وايجفاد‬
‫التمويل المناسب لها من خالل األسواق التقليدية‬
‫‪11‬‬
‫‪ .5‬تأسفيس وتفعيففل دورمؤسسفات البنيففة التحتيففة ففي الصففناعة الماليفة اإلسففالمية مثففل‬
‫مجلففس الخففدمات الماليففة اإلسففالمية والمجلففس العففام للبنففوك والمؤسسففات الماليففة‬
‫اإلسالمية وغيرها في مجال التطوير واالبتكار‪.‬‬
‫‪ .6‬الوص ففول ف ففي تكلف ففة اإلنت ففاج إل ففى أدن ففى مس ففتوياتها لتحقي ففق ميف فزة تنافس ففية عل ففى‬
‫مثيالتها التقليدية‪.‬‬
‫‪ .7‬ت ففدريب وتأهي ففل الع ففاملين ف ففي تش ففغيل ه ففذه المنتج ففات حي ففث تلع ففب خبف فرة هف فؤالء‬
‫الموظفين دو ار مهما في تقليل المخاطر ويؤدي فهمهم الدقيق لطبيعة المنفتج إلفى‬
‫االحتراز من الوقوع في المخالفات الشرعية وفهم أكبر لمتطلبات التطوير‪.‬‬
‫الخاتمة‬
‫ما لم تنتهج المؤسسات المالية اإلسالمية نهجا واضح الرؤية والمعالم في سبيل تطوير‬
‫الصناعة المالية اإلسالمية ورفدها بمنتجات وخدمات تراعي المقاصد الشرعية في‬
‫األموال‪ ،‬مسترشدة ومستفيدة باإلرث العريق من المعامالت التي أوردها الفقهاء في‬
‫أمهات كتب الفقه التي فاقت األلف معاملة مالية‪ ،‬واذا ما سعت إلى تحقيق المعادلة‬
‫الصعبة في تطوير منتجات تجمع بين المصداقية الشرعية والكفاءة اإلقتصادية‪ ،‬فإنها‬
‫ستبقى أسيرة التقليد والمحاكاة للمنتجات المالية التقليدية‪ ،‬وهو ما قد يؤدي إلى أن‬
‫تنحرف هذه المؤسسات المالية اإلسالمية عن الطريق القويم‪.‬‬
‫قال تعالى‪:‬‬
‫"ثم جعلناك على شريعة من األمر فاتبعها وال تتبع أهواء الذين ال يعلمون“‬
‫الجاثية (‪)18‬‬
‫‪12‬‬
‫قائمة المراجع‪:‬‬
‫سامي السفويلم‪" ،‬المنتجات الماليـة اإلسـالمية بـين اإلبـدا والتقليـد"‪ ،‬جريفدة االقتصفادية‪،‬‬
‫‪ 1/9/1427‬و ‪.8/9/1427‬‬
‫سامي السفويلم "صناعة الهندسة المالية ‪..‬نظرات فـي الواقـع االسـالمي‪ ،:‬مركفز البحفوث‬
‫‪ ،‬شركة الراجحي لالستثمار‪ ،‬ديسمبر ‪2000‬‬
‫عب ففد الكف فريم قن ففدوز‪" ،‬الهندســـة الماليـــة اإلســـالمية بـــين النظريـــة و التطبيـــ "‪ ،‬مؤسس ففة‬
‫الرسالة ناشرون‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان‪ ،2009 ،‬ص‪.40‬‬
‫علي أحمد الندوي" موسوعة القواعد والضوابط الفقهية الحاكمة للمعامالت المالية في‬
‫الفقه االسالمي"‪ ،‬المجلد الثالث‪1999 ،‬‬
‫محمد الجاسر‪ ،‬الشرق األوسط‪ ،‬العدد ‪ 16 ،11431‬مارس ‪.2010‬‬
‫‪13‬‬