تحميل الملف المرفق

‫الدورة التاسعة عشرة‬
‫إمارة الشارقة‬
‫دولة اإلمارات العربية المتحدة‬
‫أحكام التورق‬
‫و‬
‫تطبيقاته المصرفية‬
‫محمد تقي العثماني‬
‫نائب رئيس دار العلوم كراتشي‬
‫ورئيس المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة‬
‫والمراجعة للمؤسسات المالية اإلسالمية بالبـحرين‬
‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬
‫الحمد هلل رب العالمين والصالة والسالم على سيدنا وموالنا محمد خاتم النبيين‬
‫وأشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ‪،‬‬
‫أما بعد ‪:‬‬
‫فإن هذه عجالة أردت فيها أن أجمع أحكام التورق وصوره العملية التي تطبق أو‬
‫يقترح تطبيقها في المؤسسات المالية اإلسالمية واسأل هللا سبحانه وتعالى أن يوفقني للسداد‬
‫والصواب ويعصمني من الزلل والخطل ‪ ،‬وأنه جل ذكره هو الموفق والمعين‪.‬‬
‫معنى التورق في اللغة واالصطالح‬
‫التورق مأخوذ من الورق‪ ،‬بفتح الواو وكسر الراء‪ ،‬وهي الدراهم المضروبة وكذلك‬
‫الرقة ( بكسر الراء وتخفيف القاف) وقال أبو عبيدة ‪ :‬الورق الفضة ‪ ،‬كانت مضروبة كدراهم‬
‫أوالا‪. 1‬‬
‫وال يوجد في اللغة كلمة التورق ‪ ،‬واألفعال المشتقة من الورق التي ذكرها أهل اللغة‬
‫تنحصر في اإليراق واإلستيراق فيقال‪ :‬أورق الرجل إذا كثر ماله‪ ،‬ويقال‪ :‬المستورق للذي‬
‫يطلب الورق‪ ،‬ولعل الفقهاء وضعوا اصطالح التورق لمن يتكلف الحصول على الورق‪.‬‬
‫والتورق في اصطالح الفقهاء‪ :‬أن يشتري المرء سلعة نسيئة‪ ،‬ثم يبيعها نقدا ا لغير البائع‬
‫بأقل مما اشتراها به ‪ ،‬ليحصل بذلك على النقد" ‪. 2‬‬
‫ولم ترد التسمية بهذا المصطلح إال عند فقهاء الحنابلة‪ ،‬يقول اإلمام شمس الدين ابن‬
‫مفلح رحمه هللا تعالى‪ " :‬ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فال بأس ‪ ،‬نص‬
‫عليه وهي التورق"‪. 3‬‬
‫وقد ذكر العالمة ابن قيم الجوزية ‪ ،‬رحمه هللا تعالى ‪ ،‬قوالا عن عبد العزيز رحمه هللا‬
‫تعالى‪ " :‬التورق آخيه الربا"‪.4‬‬
‫فإن ثبت هذا القول من عمر بن عبد العزيز رحمه هللا تعالى بهذا اللفظ (فإني لم أجده‬
‫في كتب األحاديث المسندة) فإنه يدل على أن الكلمة مستعملة في هذا المعنى منذ القرن األول‪،‬‬
‫ومن الغريب أن أهل اللغة‪ ،‬حتى الذين ألفوا في مصطلحات الفقهاء مثل الفيومي والمطرزي‬
‫وغيرهما لم يذكروا هذه الكلمة وإنما ذكر الفيومي رحمه هللا تعالى صورة التورق وسماها‬
‫عينة‪5‬وعلى هذا جرى جمهور الفقهاء غير الحنابلة فذكروه كصورة من صور العينة‪ ،‬كما‬
‫سيأتي إن شاء هللا تعالى ‪.‬‬
‫والفرق بين العينة والتورق ‪ -‬على اصطالح الحنابلة‪ -‬أن العينة ‪ :‬أن يبيع سلعة نسيئة‪،‬‬
‫ثم يشتريها البائع نفسه بثمن حال أقل منه ‪ .‬أما التورق فالمشتري فيه ليس البائع نفسه ‪ ،‬وإنما‬
‫يبيع فيه المشتري األول السلعة إلى طرف ثالث ال عالقة له بالبائع األول ‪ .‬فالعينة ترجع فيها‬
‫السلعة إلى البائع األول ‪ ،‬والتورق ليس فيه رجوع السلعة إلى البائع األول ‪ ،‬وإنما هو‬
‫‪)1‬‬
‫‪)2‬‬
‫‪)34‬‬
‫)‬
‫‪)5‬‬
‫لسان العرب البن منظور ‪ ، 375/10 :‬طبع قم‪ ،‬إيران ‪1405‬هـ‬
‫الموسوعة الفقهية الكويتية ‪. 147/14 :‬‬
‫الفروع البن مفلح ‪. 171/4 :‬‬
‫تهذذذيب السذذنن ألبذذي داود ‪ ، 108/5 :‬واآلخيذة ‪ :‬العذذروة فذذي طذذرف الحبذذل تذذرب بذذه الدابذذة‪ ،‬يعنذذي أن‬
‫التورق يجر إلى الربا‪.‬‬
‫المصباح المنير للفيومي ‪. 441/2 :‬‬
‫‪1‬‬
‫تصرف المشتري فيم ا ملكه ببيعه في السوق بثمن حال ليحصل على نقد‪ ،‬غير أن الذين‬
‫ذكروه في جملة صور العينة ‪،‬إنما نظروا إلى أنه يشارك العينة في أمور ‪ ،‬األول ‪ :‬أن البائع‬
‫األول يبيع السلعة في كليهما نسيئة بأكثر من الثمن الحال في السوق ‪ ،‬والثاني ‪ :‬أن مقصود‬
‫فيهما هو الحصول على نقد ‪ ،‬والثالث‪ :‬أن كال منهما أتخذ حيلة أو مخرجا ا لتفادي الوقوع في‬
‫اإلقراض الربوي‪.‬‬
‫حكم التورق عند الفقهاء‬
‫أما حكم التورق عند فقهاء الحنابلة فالذي يظهر من مراجعة كتبهم أنه وإن كان هناك‬
‫قوالن لإلمام أحمد‪ ،‬أحدهما الكراهة ‪ ،‬ولكن المختار عندهم جوازه فذكر ابن مفلح القولين‬
‫حيث قال ‪ " :‬ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائتين فال بأس‪ ،‬نص عليه‪ ،‬وهي‬
‫‪1‬‬
‫التورق ‪ .‬وعنه‪ :‬يكره ‪ ،‬وحرمه شيخنا"‬
‫وكذلك قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه هللا تعالى ‪ ":‬ولو كان مقصود المشتري‬
‫الدرهم وابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها ويأخذ ثمنها ‪ ،‬فهذا يسمى التورق ‪ ،‬ففي كراهته عن‬
‫احمد روايتان"‪.2‬‬
‫لكن قال المرداوي رحمه هللا تعالى‪ " :‬لو احتاج إلى نقد ‪ ،‬فاشترى ما يساوي مائة‬
‫بمائة وخمسين فال بأس ‪ .‬نص عليه ‪ ،‬وهو المذهب ‪ ،‬وعليه األصحاب ‪ ،‬وهي مسألة‬
‫التورق"‪.3‬‬
‫فذكر المرداوي رحمه هللا أن المذهب جوازه ‪ ،‬وعليه معظم أصحاب الحنابلة ‪ ،‬ولذا‬
‫قال البهوتي رحمه هللا تعالى ‪ " :‬ومن احتاج لنقد فاشترى ما يساوي ألفا ا بأكثر ليتوسع بثمنه‬
‫فال بأس نصاا"‪.4‬‬
‫وقال في الكشاف ‪ ":‬ولو احتاج إنسان إلى نقد فاشترى مايساوي مائة بمائة وخمسين‬
‫فال بأس بذلك نص عليه وهي أي هذه المسألة تسمى مسألة التورق"‪.5‬‬
‫ولم يذكر البهوتي خالفا ا ألن الجواز هو المعتمد في المذهب ‪ ،‬وهو الذي يظهر من‬
‫كالم ابن قدامه رحمه هللا تعالى ‪ ،‬فإنه وإن لم يذكر مسألة التورق صراحة ‪ ،‬ولكن أشار إليها‬
‫في أثناء كالمه على العينة ‪ ،‬فذكر أن العينة الممنوعة هي أن يشتري البائع نفسه السلعة التي‬
‫باعها نسيئة‪ ،‬ثم قال ‪ " :‬وفي كل موضع قلنا ال يجوز له أن يشتري‪ ،‬ال يجوز ذلك لوكيله‬
‫ألنه قائم مقامه ‪ ،‬ويجوز لغيره من الناس ‪ ،‬سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما ‪ ،‬ألنه غير البائع‬
‫‪6‬‬
‫اشترى بنسيئة أشبه األجنبي"‪.‬‬
‫وهذا يدل على أنه إن كان المشتري الثاني أجنبيا ا عن البائع األول فهو جائز‬
‫والمفروض في مسألة التورق ذلك‪.‬‬
‫فالظاهر أن المذهب المختار عند الحنابلة الجواز‪ ،‬ولكن مال العالمة ابن تيمية وتلميذه‬
‫العالمة ابن قيم الجوزية رحمهما هللا تعالى إلى المنع‪ ،‬فقال ابن تيمية رحمة هللا تعالى‪ ،‬وهو‬
‫يتحدث عن األنواع المختلفة للشراء‪:‬‬
‫‪ )1‬الفروع البن مفلح ‪. 171/4 :‬‬
‫‪ )2‬فتاوى شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪. 30/29 :‬‬
‫‪ )43‬اإلنصاف للمرداوى ‪ ، 337/4 :‬دار التراث العربي سنة ‪1400‬هـ‬
‫) شرح منتهى اإلرادات ‪ ، 158/2 :‬طبع دار الفكر ‪.‬‬
‫‪ )5‬كشاف القناع ‪ ، 175/3 :‬مطبعة الحكومة بمكة سنة ‪1394‬هـ ‪.‬‬
‫‪ )6‬المغني البن قدامة ‪ ، 46/4 :‬دار الكتب العلمية بيروت ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫والثالث‪ :‬أن ال يكون مقصوده ال هذا وال هذا‪ ( ،‬يعني ليس مقصود المشتري االنتفاع‬
‫بالسلعة‪ ،‬وال االتجار فيها) بل مقصوده دراهم لحاجته إليها‪ ،‬وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضا ا‬
‫أو سلما‪ ،‬فيشتري سلعة ليبيعها ويأخذ ثمنها ‪ ،‬فهذا هو التورق وهو مكروه في أظهر قولي‬
‫العلماء ‪ ،‬وهذا إحدى الروايتين عن أحمد"‪. 1‬‬
‫وقال العالمة ابن القيم رحمه هللا تعالى ‪ " :‬فإن قيل ‪ :‬فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه‪،‬‬
‫بل رجعت إلى ثالث ‪ ،‬هل تسمون ذلك عينة؟ قيل‪ :‬هذه مسألة التورق‪ ،‬ألن المقصود منها‬
‫الورق‪ ،‬وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة ‪ ،‬وأطلق عليها أسمها ‪ .‬وقد‬
‫اختلف السلف في كراهيتها ‪ ،‬فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها‪ ،‬وكان يقول‪ " :‬التورق آخية‬
‫الربا" ورخص فيها إياس بن معاوية ‪ .‬وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان‪ ،‬وعلل الكراهة‬
‫في إحداهما بأنه بيع مضطر ‪ ،‬وقد روى أبو داود عن علي‪ " :‬أن النبي ‪ ‬نهى عن بيع‬
‫المضطر" ‪ .‬فأحمد رحمه هللا تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد ‪،‬‬
‫ُّ‬
‫يضن عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها‪ ،‬فإن اشتراها منه‬
‫ألن الموسر‬
‫بائعها كانت عينة‪ ،‬وإن باعها من غيره فهي التورق‪ ،‬ومقصوده في الموضوعين ‪ :‬الثمن ‪ ،‬فقد‬
‫حصل في ذمته مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه‪ ،‬وال معنى للربا إال هذا‪ ،‬لكنه ربا سلم‪ ،‬لم‬
‫يحصل له مقصوده إال بمشقة ‪ ،‬ولو لم يقصده كان ربا بسهولة"‪. 2‬‬
‫مذهب الشافعية‬
‫أما اإلمام الشافعي رحمه هللا تعالى فقد صرح بجواز ما يسمى عينة عند الجمهور‪،‬‬
‫وهو أن يشتري البائع نفسه السلعة من المشتري بثمن أقل‪ ،‬وقد أيد جواز العينة الصريحة بقوة‬
‫في كتابه " األم" ثم قال ‪ " :‬وإذا كانت هذه السلعة كسائر مالي‪ ،‬لم ال أبيع ملكي بما شئت‬
‫وشاء المشتري؟"‪.3‬‬
‫وقد أطال اإلمام الشافعي رحمه هللا تعالى في التدليل على جواز العينة ولم يذكر فيه‬
‫أية كراهة ‪ .4‬وعلى ذلك مشى المتقدمون من الشافعية‪ ،‬فذكروا جوازها بدون كراهة‪ ،‬فقال‬
‫البغوي رحمه هللا ‪ " :‬إذا باع شيئا ا إلى أجل وسلم‪ ،‬ثم اشتراه قبل حلول األجل يجوز‪،‬سواء‬
‫اشتراه بمثل ما باع أو أقل أو بأكثر كما يجوز بعد حلول األجل "‪. 5‬‬
‫وقد بالغ اإلمام الماوردي رحمه هللا تعالى في مناقشة من يقول بمنع العينة ورد على‬
‫من استدل على ذلك بحديث عائشة وزيد بن أرقم رضي هللا عنهما‪،‬وقال في األخير ‪ " :‬وأما‬
‫الجواب عن قولهم إنه ذريعة إلى الربا الحرام فغل ‪ ،‬بل هو سبب يمنع من الربا الحرام‪ ،‬وما‬
‫‪6‬‬
‫منع من الحرام كان ندبا"‪ .‬واستدل على ذلك بحديث تمر خيبر‪.‬‬
‫وكذلك أطلق اإلمام النووي رحمه هللا تعالى الجواز فقال ‪ ":‬ليس من المناهي بيع‬
‫العينة ‪ ...‬وهو أن يبيع غيره شيئا بثمن مؤجل ويسلمه إليه‪ ،‬ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقل‬
‫من ذلك الثمن نقدا‪ ،‬سواء صارت العينة عادة له غالبة في البلد أم ال هذا هو الصحيح‬
‫المعرو ف في كتب األصحاب ‪ ،‬وأفتى األستاذ أبو إسحاق االسفرائيني والشيخ أبو محمد بأنه‬
‫إذا صار عادة له البيع الثاني كالمشروط في األول‪ ،‬فيبطالن جميعاا"‪. 7‬‬
‫‪)12‬‬
‫)‬
‫‪)3‬‬
‫‪)45‬‬
‫)‬
‫‪)6‬‬
‫‪7‬‬
‫فتاوى ابن تيمية ‪.442:29‬‬
‫تهذيب السنن البن القيم ‪ ، 109 ، 108/5 :‬طبع المكتبة األثرية باكستان‬
‫مختصر المزني ‪.‬‬
‫كتاب األم باب بيع اآلجال ‪ ، 78/3‬مكتبة الكليات األزهرية ‪ ،‬و ‪ 249/6‬وما بعده في طبعة دار قتيبة ‪.‬‬
‫التهذيب للبغوي ‪. 489/3 :‬‬
‫الحاوي الكبير للماوردي ‪ ، 290-287/5 :‬مكتبة دار الباز مكة المكرمة‪.‬‬
‫روضة الطالبين للنووي ‪. 417 ، 416/3 :‬‬
‫‪3‬‬
‫ولكن ذكر بعض المتأخرين من الشافعية الكراهة مع صحة العقد ‪ ،‬فقال القاضي‬
‫زكريا األنصاري رحمه هللا تعالى ‪ " :‬ويكره بيع العينة ‪ ...‬لما فيها من االستظهار على ذي‬
‫الحاجة ‪ ،‬وهو أن يبيعه عينا بثمن كثير مؤجل ويسلمها له ثم يشتريها منه بنقد يسير فيصح‬
‫ذلك‪ ،‬ولو صار عادة له غالبة"‪.1‬‬
‫وكذلك ذكر الشربيني الخطيب والرملى رحمهما هللا تعالى في شرحيهما على المنهاج‬
‫‪2‬‬
‫أن العينة من جملة البيوع المكروهة‪.‬‬
‫أما التورق فلم يذكروه‪ ،‬ال استقالال وال كصورة من صور العينة‪ ،‬ولكن الظاهر أنهم‬
‫حيث أجازوا للبائع األول أن يشتري السلعة بنقد أقل‪ ،‬فالبيع إلى أجنبي أولى بالجواز ‪ ،‬بل إن‬
‫اإلمام الشافعي رحمه هللا ذكر جواز هذه الصورة كمسألة متفق عليها بينه وبين مانعي العينة‪،‬‬
‫وألزمهم بها ‪ ،‬فقال وهو يناقشهم ‪ " :‬قيل ‪ :‬أفحرام عليه أن يبيع ماله بنقد‪ ،‬وإن كان اشتراه إلى‬
‫أجل؟ فإن قال‪ :‬ال‪ ،‬إذا باعه من غيره قيل‪ :‬فمن حرمه منه؟"‪. 3‬‬
‫ولذلك قال الفيومي ‪ ،‬رحمه هللا ‪ ،‬في العينة ‪ " :‬وذلك حرام إذا اشترط المشتري على‬
‫البائع أن يشتريها منه بثمن معلوم ‪ ،‬فإن لم يكن بينهما شرط ‪ ،‬فأجازها الشافعي لوقوع العقد‬
‫سالما ا من المفسدات‪ ،‬ومنعها بعض المتقدمين وكان يقول ‪ :‬هي أخت للربا ‪ .‬فلو باعها‬
‫المشتري من غير بائعها في المجلس فهي عينة أيضا ا لكنها جائزة باتفاق"‪.4‬‬
‫مذهب المالكية‬
‫أما المالكية فما سماه الشافعية والحنابلة عينة يدرجونه تحت بيوع اآلجال التي ظاهرها‬
‫الجواز لكنها تؤدي إلى الممنوع‪ . 5‬ومذهبهم في منعه أشد المذاهب‪ ،‬فإنهم يوجبون فسخ مثل‬
‫هذا البيع ما دامت السلعة قائمة ‪ ، 6‬ولكنهم لم يدرجوا صورة التورق في عداد هذه البيوع‬
‫الممنوعة‪ ،‬وإنما يظهر من كالمهم أن التورق جائز عندهم‪ ،‬يقول ابن رشد رحمه هللا‪ " :‬وسئل‬
‫مالك عن رجل ممن يعين يبيع السلعة من الرجل بثمن إلى أجل‪ ،‬فإذا قبضها منه ابتاعها منه‬
‫رجل حاضر كان قاعدا معهما فباعها منه‪ ،‬ثم إن الذي باعها األول اشتراها منه بعد‪ ،‬وذلك في‬
‫موضع واحد‪ ،‬قال‪ :‬ال خير في هذا‪ ،‬ورآه كأنه محلل فيما بينهما"‪. 7‬‬
‫وبهذا يظهر أن مالكا رحمه هللا تعالى إنما منع هذه الصورة لكون الرجل الثالث اتخذ‬
‫محلال للبائع األول‪ ،‬ولوال أنه باع السلعة إلى البائع األول‪ ،‬لجاز العقد عنده ‪ .‬وقال في‬
‫موضوع آخر ‪ ":‬قال عيسى‪ :‬وسمعت ابن القاسم وسئل عن رجل اشترى من رجل سلعة بثمن‬
‫إلى أجل‪ ،‬ثم إن البائع أمر رجال أن يشتري له سلعة بنقد ودفع إليه دنانيره فاشتراها المأمور‬
‫من المشتري بأقل من الثمن الذي كان ابتاعها به المشتري‪ ،‬وقد علم المأمور أن اآلمر باعها‬
‫منه أولم يعلم وقد فاتت السلعة‪ ،‬قال‪ :‬ال خير فيه" ‪.8‬‬
‫‪)1‬‬
‫‪)2‬‬
‫‪)34‬‬
‫)‬
‫‪)5‬‬
‫‪)6‬‬
‫‪)7‬‬
‫‪)8‬‬
‫أسنى المطالب لألنصاري ‪. 4،104 :‬‬
‫مغنى المحتاج ‪ ، 39/2 :‬دار إحياء التراث بيروت ؛ ونهاية المحتاج ‪ ، 460/3 :‬نفس المطبعة ‪.‬‬
‫األم للشافعي ‪ ، 250/6 :‬دار قتيبة ‪.‬‬
‫المصباح المنير للفيومي ‪. 441/2‬‬
‫والعينذذة فذذي اصذذطالحهم تعامذذل آخذذر يشذذابه المرابحذذة لتمذذر بالشذذراء التذذي تتعامذذل بذذه المصذذارف‬
‫اإلسالمية اليوم ‪.‬‬
‫قال ابن رشد‪ " :‬فإذا باع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثذم ابتاعهذا منذه بأقذل مذن ذلذك الذثمن نقذدا ا فسذخت‬
‫البيعتذان جميعذا ا عنذد ابذذن الماحبشذون‪ ،‬وهذذو الصذحيح فذذي النظذر" ( المقذذدمات الممهذدات البذذن رشذذد ‪:‬‬
‫‪ ، 53/2‬دار الغرب اإلسالمي) ‪.‬‬
‫البيان والتحصيل البن رشد ‪ ، 89/7 :‬دار الغرب اإلسالمي‪.‬‬
‫البيان والتحصيل ‪. 176/7 :‬‬
‫‪4‬‬
‫ولذلك ذكر الدسوقي رح مه هللا تعالى أن شروط بيوع اآلجال المتطرق إليها التهمة‬
‫خمسة وذكر منها ‪ " :‬أن يكون البائع ثانيا هو المشتري أوالا‪ ،‬أو من تنزل منزلته‪،‬والبائع أوال‬
‫هو المشتري ثانياا‪ ،‬أو من تنزل منزلته"‪.1‬‬
‫وقال القرافي رحمه هللا تعالى‪ " :‬إنا إنما نمنع أن يكون العقد الثاني من البائع األول"‪.2‬‬
‫فالظاهر أن التورق جائز عندهم بدون كراهة وهللا سبحانه أعلم‪.‬‬
‫مذهب الحنفية‬
‫أما الحنفية فمعظمهم سموا التورق عينة‪ ،‬ثم منهم من ذهب إلى كراهته‪ ،‬مثل اإلمام‬
‫محمد رحمه هللا تعالى‪ ،‬ومنهم من قال بالجواز مثل اإلمام أبي يوسف وغيره ‪ ،‬قال اإلمام‬
‫السرخسي رحمه هللا تعالى ‪" :‬وذكر عن الشعبي أنه كان يكره أن يقول الرجل للرجل ‪:‬‬
‫أقرضني فيقول ‪ :‬ال حتى أبيعك ‪ .‬وإنما أراد بهذا إثبات كراهية العينة ‪ ،‬وهو أن يبيعه ما‬
‫يساوي عشرة بخمسة عشر ‪ ،‬ليبيعه المستقرض بعشرة ‪ ،‬فيحصل للمقرض زيادة ‪ ،‬وهذا في‬
‫معنى قرض جر منفعة ‪ ،‬واإلقراض مندوب إليه في الشرع ‪ ،‬والغرر حرام ‪ ،‬إال أن البخالء‬
‫من الناس تطرقوا بهذا االمتناع مما يدنو إليه ‪ ،‬واإلقدام على ما نهوا عنه من الغرور"‪.3‬‬
‫وقال الحصكفي رحمه هللا تعالى في تفسير بيع العينة ‪ " :‬أي بيع العين بالربح نسيئة‬
‫ليبيعها المستقرض بأقل ‪ ،‬ليقضي دينه ‪ ،‬اخترعه أكلة الربا وهو مكروه مذموم شرعا ا لما فيه‬
‫من اإلعراض عن مبرة اإلقراض"‬
‫وقال ابن عابدين تحته‪ ":‬قوله" وهو مكروه" أي عند محمد ‪ ،‬وبه جزم في الهداية ‪.‬‬
‫قال في الفتح ‪ :‬وقال أبو يوسف ‪ :‬ال يكره هذا البيع ‪ ،‬ألنه فعله كثير من الصحابة وحمدوا‬
‫على ذلك ولم يعدوه من الربا حتى لو باع كاغذة بألف يجوز وال يكره ‪ ،‬وقال محمد‪ :‬هذا البيع‬
‫في قلبي كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا"‪.4‬‬
‫وذكر في الفتاوى الهندية عن المحي أن المشايخ اختلفوا في تفسير العينة التي ورد‬
‫النهي عنها ‪ ،‬فالتفسير الذي حكى عن بعض المشايخ هو عين ما يسمى التورق عند الحنابلة‪،‬‬
‫فقالوا‪ " :‬فيبيعه المقرض منه بأثنى عشر درهما ا ثم يبيعه المشتري في السوق بعشرة ليحصل‬
‫الرب الثوب ربح درهمين بهذه التجارة ويحصل للمستقرض قرض عشرة" ‪.‬‬
‫" وقال بعضهم‪ :‬تفسيرها أن يدخال بينهما ثالثا ا ‪ ،‬فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض‬
‫باثني عشر درهما ا ويسلم إليه ‪ ،‬ثم يبيع المستقرض من الثالث الذي أدخاله بينهما بعشرة‬
‫ويسلم الثوب إليه ‪ .‬ثم إن الثالث يبيع الثوب من صاحب الثوب‪ ،‬وهو المقرض بعشرة ويسلم‬
‫الثوب إليه ويأخذ منه العشرة ‪ ،‬ويدفعها إلى طالب القرض ‪ ،‬فيحصل لطالب القرض عشرة‬
‫دراهم ‪ ،‬ويحصل لصاحب الثوب عليه أثنا عشر درهما ا ‪ ،‬كذا في المحي ‪ .‬وعن أبي يوسف‬
‫رحمه هللا تعالى ‪ :‬العينة جائزة مأجور من عمل بها ‪ .‬كذا في مختار الفتاوى"‪.5‬‬
‫وإن ابن الهمام رحمه هللا تعالى وافق بين قولي الكراهة والجواز ‪ ،‬فحمل الجواز على‬
‫الصورة األولى ‪ ،‬وهي التورق ‪ ،‬وحمل الكراهة على الصورة الثانية وهي العينة عند جمهور‬
‫الفقهاء فقال رحمه هللا تعالى ‪ " :‬ثم الذي يقع في قلبي أن ما يخرجه الدافع إن فعلت صورة‬
‫‪ )1‬الدسوقي على الشرح الكبير ‪ ، 77/3 :‬دار الفكر‪.‬‬
‫‪ )23‬الفروق للقرافي ‪. 268/3 :‬‬
‫) المبسوط للسرخسي ‪ ، 36/14 :‬دار المعرفة‪ ،‬بيروت ‪.‬‬
‫‪ )4‬الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ‪ ، 310/4 :‬كتاب الكفالة ‪ ،‬مطلب بيع العينة ‪.‬‬
‫‪ )5‬الفتاوى الهندية ‪ ، 208/3 :‬مكتبة ماجدية كوئثه ‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫يعود فيها إليه هو أو بعضه‪ ،‬كعود الثوب أو الحرير فمكروه‪،‬وإال فال كراهة إال خالف األولى‬
‫على بعض االحتماالت ‪ ،‬كأن يحتاج المديون فيأبى المسئول أن يقرض‪ ،‬بل أن يبيع ما يساوي‬
‫عشرة بخمسة عشر إلى أجل فيشتريه المديون ويبيعه في السوق بعشر حالة وال بأس في هذا‬
‫فأن األجل قابله قس من الثمن ‪ ،‬والقرض غير واجب عليه دائما ‪ ،‬بل هو مندوب ‪ ،‬فإن تركه‬
‫لمجرد رغبة عنه إلى زيادة الدنيا فمكروه ‪ ،‬أو لعارض يعذر به فال‪ ،‬وإنما يعرف ذلك في‬
‫خصوصيات المواد ‪ ،‬وما لم ترجع إليه العين التي خرجت منه ال يسمى بيع العينة‪ ،‬ألنه من‬
‫‪2‬‬
‫العين المسترجعة ال العين مطلقاا‪ 1.‬وإال فكل بيع بيع العينة"‬
‫وما ذكره ابن الهمام رحمه هللا وجيه جدا ا ‪ ،‬ولذلك اختاره كثير من الحنفية وأفتوا به‪.‬‬
‫قال العيني في البناية ‪ " :‬إن الكراهة في هذا البيع حصلت من المجموع ‪ ،‬فإن اإلعراض عن‬
‫اإلقراض ليس بمكروه ‪ ،‬والبخل الحاصل من طلب الربح في التجارات كذلك ‪ ،‬وإال لكانت‬
‫المرابحة مكروهة"‪.3‬‬
‫وقال ابن عابدين بعد ذكر رأي ابن الهمام رحمه هللا تعالى ‪ " :‬وأقره في البحر والنهر‬
‫والشرنباللية‪ ،‬وهو ظاهر ‪ .‬وجعله السيد أبو السعود محمل قول أبي يوسف ‪ ،‬وحمل قول‬
‫محمد والحديث على صورة العود"‪. 4‬‬
‫وأن قول أبي السعود رحمه هللا تعالى في حمل قول محمد على الصور التي تعود فيها‬
‫السلعة إلى البائع األول مؤيد بما ذكره قاضي خان رحمه هللا حيث قال ‪ " :‬وحيلة أخرى ‪ :‬أن‬
‫يبيع المقرض من المستقرض سلعة بثمن مؤجل ويدفع السلعة إلى المستقرض ‪ ،‬ثم إن‬
‫المستقرض يبيعها من غيره بأقل مما اشترى ‪ ،‬ثم ذلك الغير يبيعها من المقرض بما اشترى‬
‫لتصل السلعة إليه بعينها ‪ ،‬ويأخذ الثمن ويدفعه إلى المستقرض فيصل المستقرض إلى القرض‬
‫ويحصل الربح للمقرض ‪ .‬وهذه الحيلة هي العينة التي ذكرها محمد رحمة هللا تعالى"‪.5‬‬
‫ومعروف أن قاضي خان من متقني المشايخ الحنفية ‪ ،‬توفي في القرن السادس فهو‬
‫أعلم بأقوال أئمة الحنفية‪.‬‬
‫فظهر بهذا أن الصور التي كرهها اإلمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه هللا تعالى‬
‫هي العينة التي ترجع فيها السلعة إلى البائع األول نفسه ‪ .‬أما ما يسمى التورق عند الحنابلة ‪،‬‬
‫والذي يشتري فيه الرجل سلعة إلى أجل ‪ ،‬ثم يبيعها في السوق ليحصل على نقد أقل ‪ ،‬فلم‬
‫يكرهه أحد من أئمة الحنفية ‪ ،‬وأجازه ابن الهمام والعيني وابن نجيم وصاحب النهر‬
‫والشرنباللي وأبو السعود ‪ ،‬وارتضاه ابن عابدين رحمهم هللا تعالى ‪ .‬وهو الذي يظهر من قول‬
‫قاضي خان رحمه هللا حيث إنه لم يذكر التورق في جملة الحيل التي يلجأ إليها الناس فرارا ا‬
‫من الربا ‪ ،‬وقصر قول الكراهة المنسوب إلى اإلمام محمد رحمه هللا على الصور التي ترجع‬
‫فيها السلعة إلى البائع ‪.‬‬
‫خالصة أقوال الفقهاء‬
‫‪)1‬‬
‫‪)23‬‬
‫)‬
‫‪)4‬‬
‫‪)5‬‬
‫هذا مبنى على أن الحنفية عرفوا العينة ببيع العين بالربح نسيئة كمذا فذي الذدر المختذار ‪ ،‬فيقذول ابذن الهمذام‬
‫رحمه هللا تعالى ‪ :‬إن العينة المذمومة ال يتحقق ببيع العين بالربح مطلقا ا وإنمذا تتحقذق إذا عذادت العذين إلذى‬
‫البائع حتى يثبت أن البائع إنما اتخذ العين حيلة مصطنعة ‪ ،‬وإال المقصود الزيادة مع بقاء العين عنده‪.‬‬
‫فتح القدير ‪ ، 224/6 :‬المكتبة الرشيدية كئثه‪.‬‬
‫ذكره في البحر الرائق ‪ ، 395/6 :‬بيروت ‪1418‬هـ وأقره‪,‬‬
‫ابن عابدين ‪( ، 311/4 :‬وهذه المسألة مذكورة في جميع كتب الحنفية السابقة في كتاب الكفالة)‪.‬‬
‫فتاوى قاضي خان بهامش الهندية ‪279:2‬‬
‫‪6‬‬
‫وعلى ضوء ما سردنا من نصوص الفقهاء من المذاهب األربعة ‪ ،‬يتلخص أن المختار‬
‫في جميع هذه المذاهب جواز التورق ‪ ،‬غير أنه يوجد عند الحنابلة والحنفية قول بالكراهة ‪.‬‬
‫فالكراهة رواية عن اإلمام أحمد‪ ،‬واختارها اإلمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم هللا تعالى‬
‫‪ ،‬وكذلك ذكر الكراهة بعض المتأخرين من الحنفية مثل الحصكفي صاحب الدار المختار ‪،‬‬
‫وحمل عليه قول اإلمام محمد رحمه هللا تعالى ‪ .‬أما المالكية فلم أجد عندهم ذكر التورق‬
‫صراحة ‪ ،‬ولكنهم اشترطوا لكراهة العينة أن تباع السلعة إلى البائع األول ‪ ،‬فخرج منها‬
‫التورق ‪ .‬وكذلك ال يوجد ذكر صريح للتورق في كتب الشافعية ‪ ،‬ولكنهم أكثر الناس توسعا ا‬
‫في إجازة العينة ‪ ،‬وإن كان المتأخرون منهم مثل الرملي و الخطيب الشربيني رحمهما هللا‬
‫تعالى ‪ ،‬جزموا بكراهة العينة ‪ ،‬ولكنهم لم يذكروا التورق في عداد صور العينة والبيوع‬
‫المكروهة‪.‬‬
‫والظاهر أن ما ذكره العالمة ابن الهمام رحمه هللا تعالى من اقتصار الكراهة على‬
‫الصور التي ترجع فيها السلعة إلى البائع األول هو الصواب ‪ ،‬ألن االحتيال في تلك الصور‬
‫واضح‪ ،‬فإن السلعة كلما رجعت إلى البائع األول بتدبير من المتعاقدين ‪ ،‬وكان دافع الثمن‬
‫األقل وآخذ الثمن األكثر عند األجل واحدا ا ‪ ،‬تبين أن بيع السلعة غير حقيقي وإنما احتال البائع‬
‫بوساطة هذا البيع الصوري المحض أن يحصل على نقد أكثر نسيئة بنقد أقل معجل ‪ ،‬وهذا‬
‫هو معنى الربا ‪.‬‬
‫أما التورق فدور البائع األول ال يتجاوز من أنه يبيع سلعته إلى أجل بثمن أكثر من ثمن‬
‫السوق ‪ ،‬وهو عقد مشروع عند جمهور الفقهاء ثم ال عالقة له بما يفعل المشتري بالسلعة بعد‬
‫الشراء ‪ ،‬ألنه ال يبيعها إليه مرة أخرى ‪ ،‬وإنما يبيعها في السوق ‪ .‬وإن الذي يشتريها من‬
‫المشتري األول هو الذي يدفع إليه الثمن األقل ‪ ،‬والذي يدفع إليه المشتري األول الثمن اآلجل‬
‫هو البائع األول ‪ ،‬فكان دافع الثمن األقل غير آخذ الثمن األكثر اآلجل ‪ ،‬والربا إنما يتحقق إذا‬
‫كان دافع األقل وآخذ األكثر واحدا ا ‪ ،‬فإذا اختلف الدافع واآلخذ اختالفا ا حقيقيا اندفعت شبهة‬
‫الربا‪.‬‬
‫والذين كرهوا التورق إنما كرهوه من حيث إن النتيجة األخيرة للعملية أن المشتري‬
‫األول يبقى بنقد أقل في حين أن في ذمته دينا ا أكثر منه ‪ .‬ولكن هذه النتيجة لو حصلت بعقود‬
‫كلها مشروعة والذي أخذ منه األقل غير من التزم له األكثر فال مانع من هذه العملية ‪ ،‬وإنه‬
‫يشابه ما أجازه رسول هللا ‪‬في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي هللا عنهما ‪" :‬‬
‫أن رسول هللا ‪ ‬استعمل رجال على خيبر فجاءه بتمر جنيب ‪ ،‬فقال رسول هللا ‪ : ‬أكل تمر‬
‫خيبر هكذا ؟ قال ‪ :‬ال وهللا يا رسول هللا ! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين‬
‫بالثالثة ‪ ،‬فقال رسول هللا ‪ : ‬ال تفعل ‪ ،‬بع الجمع بالدراهم ‪ ،‬ثم ابتع بالدراهم جنيبا"‪. 1‬‬
‫فنتيجة العملية التي أقترحها رسول هللا ‪ ‬نفس نتيجة شراء الصاع بالصاعين ‪ ،‬حيث‬
‫إن صاحب الجمع يعطي الصاعين ويأخذ صاعا ا من جنيب ‪ ،‬ولكن أجازه رسول هللا ‪ ‬لكون‬
‫هذه النتيجة حصلت بعقدين مستقلين مشروعين ال عالقة لواحد منهما باآلخر ‪ ،‬فتبين أن‬
‫مجرد كون النتيجة النهائية مثل ما ينتج من عقد الربا ال يحرم العملية مادامت النتيجة حصلت‬
‫بعقود حقيقية مشروعة‪.‬‬
‫ولذلك ال يوجد هناك نص يمنع التورق وإدراجه في عداد العينة ال مستند له ‪ ،‬فإنه ال‬
‫يوجد تفسير العينة في حديث أو أثر إال في أثر لعائشة رضي هللا عنها ‪ ،‬أخرجه عبد الرزاق‬
‫‪ )1‬صحيح البخاري ‪ ،‬كتاب البيوع ‪ ،‬باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه ‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫والدارقطني والبيهقي رحمهم هللا تعالى ‪ ،‬وإليكم نص رواية عبد الرزاق ‪" :‬أخبرنا معمر‬
‫والثوري عن أبي إسحاق ‪ ،‬عن امرأته أنها دخلت على عائشة رضي هللا عنها نسوة ‪ ،‬فسألتها‬
‫امرأة فقالت ‪ :‬يا أم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مائة إلى أجل‪ ،‬ثم‬
‫اشتريتها منه بست مائة ‪ ،‬فنقدته الست مائة وكتبت عليه ثمان مائة ‪ ،‬فقالت عائشة ‪ :‬بئس وهللا‬
‫ما اشتريت ! وبئس وهللا ما اشترى ! أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول هللا ‪‬‬
‫إال أن يتوب"‪.1‬‬
‫وهذه الصورة إنما شنعت عليها أم المؤمنين عائشة رضي هللا عنها من حيث إن‬
‫الجارية رجعت إلى بائعتها‪ ،‬وبقي لها ربح مائتين مؤجلتين ‪ .‬ولو كان زيد بن أرقم رضي هللا‬
‫عنه باعها في السوق بست مائة للحصول على النقد ‪ ،‬فالظاهر أن العملية لم تكن لتدخل تحت‬
‫إنكار أم المؤمنين رضي هللا عنها وهللا سبحانه وتعالى أعلم‪.‬‬
‫حقيقة التورق الذي أجازه الفقهاء‬
‫وحاصل ما ذكرنا فيما سبق أن التورق عملية جائزة في نفسها وغايذة مذا فذي البذاب – كمذا‬
‫قال ابن الهمام رحمه هللا‪ -‬أنه خالف األولى إن كان البذائع يعلذم أن المشذتري محتذاج إلذى نقذود‬
‫ألغراضه الشخصية و اليشتري السلعة بثمن غال إال بسذبب حاجتذه إليهذا ‪ .‬فلذو كذان فذي مكنذة‬
‫البائع أن يقرضه النقود التي يحتاج إليها فال شك أنه األفضل واألكثذر أجذرا ‪ ،‬فتذرك اإلقذراض‬
‫فذذي هذذذه الحالذذة واللجذذوء إلذذى بيذذع السذذلعة بذذثمن أكثذذر خذذالف األفضذذل ‪ ،‬وكلمذذا كانذذت حاجذذة‬
‫المشتري إلى النقود أشد ألغراضه الشخصذية أزدادت فضذيلة اإلقذراض ‪ ،‬وابتعذد التذورق مذن‬
‫المروءة بتلك النسبة ‪ ،‬ولكن ال سبيل إلى القول بأنه يجب عليه اإلقذراض إال إذا كذان المشذتري‬
‫بلغ حالة المخمصة أو االضطرار ‪ ،‬فإن لمثل هذه الحالة أحكامذا ا خاصذة ربمذا يجذب فيهذا علذى‬
‫المرء أن يهب أو يتصدق ما يحتاج إليه ‪ ،‬فضالا من أن يقرضه ‪ .‬وكذلك إن كذان البذائع يعذرف‬
‫أن المشتري المتورق يحتاج إلى سيولة نقدية ألغراضذه التجاريذة ‪ ،‬ومقصذوده الحصذول علذى‬
‫التمويذذل‪ ،‬فاألفضذذل للبذذائع أن يعقذذد معذذه الشذذركة أو المضذذاربة ‪ ،‬لكونهمذذا طذذريقين مفضذذلين‬
‫للتمويل ‪ ،‬فالعدول عنهما إلى التورق خالف األولى كلما كان الطريذق المفضذل ميسذرا ا ‪ .‬ولكذن‬
‫ال سبيل إلى القول بأنه يجب عليه أن يعقذد معذه الشذركة أو المضذاربة وال يذدخل فذي التذورق ‪.‬‬
‫ولكن ما ذكرنا من جواز التورق عند جمهذور الفقهذاء إنمذا يتذأتي فذي التذورق الذذي هذو عبذارة‬
‫عذن عمليتذذين بسذذيطتين‪ ،‬إحذذداهما شذذراء السذذعلة باألجذل ‪ ،‬وثانيتهمذذا بيعهذذا فذذي السذذوق عذذاجال ‪.‬‬
‫والتورق الذي تصوره الفقهاء وحكموا بجذوازه هذو أن السذلعة موجذودة عنذد البذائع مملوكذة لذه‬
‫ملكا حقيقيا‪ ،‬ثم تنتقل ملكيتها إلى المشتري بحكم البيذع الحقيقذي الذذي تتبعذه جميذع أحكذام البيذع‪.‬‬
‫ولكن إذا اقترنت بهذه العملية مالبسات أخرى‪ ،‬فال يبعد أن يتغير الحكذم‪ ،‬إمذا إلذى عذدم الجذواز‬
‫بتاتا‪ ،‬أو إلى الكراهة‪ ،‬أو إلى ازدياد بعدها عن العمليات المفضلة‪.‬‬
‫وما وصلنا إليه من حكذم التذورق وحقيقذة جذوازه عذين مذا قذرره المجمذع الفقهذي اإلسذالمي‬
‫لرابطة العالم اإلسالمي في دورته الخامسة عشرة بمكة المكرمة (في قرارها الخذامس) ونذص‬
‫القرار ما يأتي‪:‬‬
‫ذورق‪ :‬هذو شذذراء سذلعة فذذي حذوزة البذذائع وملكذه‪ ،‬بذذثمن مؤجذل‪ ،‬ثذذم يبيعهذذا‬
‫"أوالا‪ :‬أن بيذع التذ ُّ‬
‫المشتري بنقد لغير البائع‪ ،‬للحصول على النقد (الورق)‪.‬‬
‫‪ )1‬مصذنف عبذذد الذذرزاق ‪ ، 174/8 :‬رقذذم ‪ 14812‬وأعلذذه الذذبعض بجهالذذة المذذرأة أبذذي إسذذحاق ولكذذن قذذال‬
‫الزيلعي" بل هي امرأة جليلة القدر ذكرها ابن سعد في الطبقات‪( "..‬نصب الراية ‪. )15/4 :‬‬
‫‪8‬‬
‫ثانياا‪ :‬أن بيع التذورق هذذا جذائز شذرعاا‪ ،‬وبذه قذال جمهذور العلمذاء‪ ،‬ألن األصذل فذي البيذوع‬
‫اإلباحة‪ ،‬لقول هللا تعالى ( وأحل اَّلل ْالبيْع وحرم الربا )(البقرة‪ )275 :‬ولم يظهذر فذي هذذا البيذع‬
‫ربا ا ‪ ،‬ال قصدا ا وال صورة‪ ،‬وألن الحاجة داعية إلى ذلك لقضاء دين‪ ،‬أو زواج ‪ ،‬أو غيرهما‪.‬‬
‫ثالثاا‪ :‬جواز هذا البيع مشروط بأن ال يبيع المشتري السلعة بثمن أقذل ممذا اشذتراها بذه علذى‬
‫بائعهذذا األول‪ ،‬ال مباشذذرة وال بالواسذذطة‪ ،‬فذذإن فعذذل فقذذد وقعذذا فذذي بيذذع العينذذة المحذذرم شذذرعاا‪،‬‬
‫الشتماله على حيلة الربا ‪ ،‬فصار عقدا ا محرماا‪.‬‬
‫رابع ذاا‪ :‬إن المجلذذس ‪ -‬وهذذو يقذذرر ذلذذك ‪ -‬يوصذذي المسذذلمين بالعمذذل بمذذا شذذرعه هللا سذذبحانه‬
‫لعباده من القرض الحسن من طيب أموالهم‪ ،‬طيبة به نفوسهم‪ ،‬ابتغاء مرضذاة هللا‪ ،‬ال يتبعذه مذن‬
‫وال أذى ‪ ،‬وهو مذن أجذل أنذواع اإلنفذاق فذي سذبيل هللا تعذالى‪ ،‬لمذا فيذه مذن التعذاون والتعذاطف‪،‬‬
‫والتذذراحم بذذين المسذذلمين‪ ،‬وتفذذريج كربذذاتهم‪ ،‬وسذذد حاجذذاتهم‪ ،‬وإنقذذاذهم مذذن اإلثقذذال بالذذديون‪،‬‬
‫والوقذذوع فذذي المعذذامالت المحرمذذة‪ ،‬وإن النصذذوص الشذذرعية فذذي ثذذواب اإلقذذراض الحسذذن‪،‬‬
‫والحث عليه كثيرة ال تخفى كما يتعين على المسذتقرض التحلذي بالوفذاء وحسذن القضذاء وعذدم‬
‫‪1‬‬
‫المماطلة‪".‬‬
‫ومن تأمل هذا القرار اتضح له أن الجواز مشروط بأن تكون السذلعة فذي حذوزة البذائع وأن‬
‫ال تقترن مع التورق مالبسات أخرى‪ ،‬كما أن الفقرة الرابعذة مذن القذرار تؤكذد فضذيلة القذرض‬
‫الحسن‪ ،‬وأنه أفضل وأولى من التورق‪.‬‬
‫وبعذذد معرفذذة الحكذذم الشذذرعي للتذذورق‪ ،‬وتمهيذذد هذذذه المبذذادن ننتقذذل اآلن إلذذى التذذورق الذذذي‬
‫تطبقه المصارف اإلسالمية اليوم في عمليات التمويل‪.‬‬
‫التطبيقات المصرفية المعاصرة للتورق‬
‫حيذث إن عذذدة مذذن المجذذامع والنذدوات الفقهيذذة اتفقذذت علذذى جذواز التذذورق‪ ،‬فذذإن المصذذارف‬
‫والمؤسسات المالية اإلسالمية بذدأت تطبقذه فذي عمليذات التمويذل‪ .‬ونسذبة اسذتخدام أداة التذورق‬
‫متزايدة في أوسذاط هذذه المؤسسذات‪ ،‬ممذا يسذتدعي وقفذة ألهذل العلذم المعتنذين بتطبيذق األحكذام‬
‫الشرعية بجميع لوازمها واالحتراز عما يترتب على سوء استخدامها من مفاسد‪.‬‬
‫ونريذذد هنذذا التنبي ذـه علذذى بعذذض النقذذاط التذذي يجذذب أخ ذذها فذذي عذذين االعتبذذار مذذن الناحيذذة‬
‫التطبيقية ‪:‬‬
‫‪ .1‬التوسع في علميات التورق‬
‫ال شك أن التورق حيلة مشروعة ومخرج جائز للحصول علذى النقذود‪ ،‬ولكنهذا بذالرغم مذن‬
‫كونها جائزة‪ ،‬ال تخرج من كونها حيلة ومخرجا‪ .‬والحيل والمخارج إنما وضذعت للخذروج مذن‬
‫مأزق عند الحاجات الحقيقية على مستوى األفراد‪ ،‬أو على مستوى المؤسسات أحيانا‪ ،‬وإنهذا ال‬
‫تصلح ألن تكون هي النشاط األساسي لمؤسسات تجارية كبيذرة‪ ،‬وال ألن تمثذل نظذام االقتصذاد‬
‫الذي تهدف إليه الشريعة الغراء‪ ،‬فالتوسع في هذذه الحيذل والمخذارج علذى مسذتوى المؤسسذات‬
‫المالية الكبيرة يعرقل المسير الطبيعي لالقتصاد اإلسالمي‪ ،‬فإنه كلمذا توسذعت هذذه المؤسسذات‬
‫فذذي مثذذل هذذذه الحيذذل والمخذذارج‪ ،‬ضذذاق النطذذاق علذذى النشذذاطات االقتصذذادية التذذي تحذذث عليهذذا‬
‫الشريعة‪ ،‬والتي تمهد السبيل إلى إنشاء مجتمع اقتصادي مطلوب‪.‬‬
‫فذذالطريق األمثذذل للتمذذويالت التجاريذذة –فذذي الشذذريعة الغذذراء– هذذو التمويذذل علذذى أسذذاس‬
‫الشركة والمضاربة‪ ،‬فإنه هو الذي يضمن التوزيع العادل للثروة فيما بين أبناء الشعب‪ ،‬ويوجه‬
‫‪)1‬‬
‫قرارات المجمع الفقهي اإلسالمي ص ‪ 321‬و ‪ 322‬رابطة العالم اإلسالمي ‪1421‬هـ‬
‫‪9‬‬
‫فيضذذان األمذذوال مذذن األثريذذاء الكبذذار إلذذى العامذذة مذذن النذذاس‪ .‬فالتوسذذع فذذي عمليذذات المرابحذذة‪،‬‬
‫والتورق‪ ،‬وأمثالهما‪ ،‬وخاصة إذا كان تقويم هذه العلميات على أساس المؤشر الربذوي‪ ،‬يضذيق‬
‫المجال لعمليات الشركة والمضاربة‪ ،‬ويشجع العقليذة الربويذة التذي تهذدف إلذى االسذترباح دون‬
‫تحمل أي خطر‪ ،‬وال تحدث أي تغير جذري في النظام الرأسمالي السائد اليوم‪.‬‬
‫وإن المجذذامع والنذذدوات الفقهيذذة‪ ،‬وهيئذذات الرقاب ذة الشذذرعية للمؤسسذذات الماليذذة اإلسذذالمية‬
‫أفتت بجواز المرابحة لتمر بالشراء والتورق وما إلى ذلك من المخارج الشرعية ‪ ،‬نظذرا إلذى‬
‫الظروف المحيطة بالمصارف اإلسالمية عند بداية إنشاءها‪ .‬إنها بدأت تعمل فذي سذوق مكتظذة‬
‫بالعمليات الربوية البحتة‪ ،‬وكان من العسير جدا ا أن تتمحض نشاطاتها في التمويذل علذى أسذاس‬
‫الشذذركة والمضذذاربة‪ ،‬فذذأبيح لهذذا أن تلجذذأ إلذذى مثذذل هذذذه العمليذذات‪ ،‬لتذذتمكن مذذن اتخذذاذ خطواتهذذا‬
‫صذراح‪ ،‬وتمكذن عامذذة المسذذلمين مذذن االسذذتفادة بقنذذوات تمويليذذة ال‬
‫المبدئيذذة للفذذرار عذذن الربذذا ال ُّ‬
‫تدخل في الحرام البين‪ ,‬ولكن لم يكن في حسبان الفقهاء الذذين أجذازوا هذذه العلميذات أن تجلذس‬
‫هذه المؤسسات مقتنعة بهذه المخذارج إلذى أمذد ال نهايذة لذه‪ ،‬وتتخذذها هذي الهذدف المنشذود مذن‬
‫وراء إنشذاء المصذارف اإلسذالمية‪ ،‬والنشذاط األساسذي الذذذي يذدور حذول رحذى تعذامالتهم إلذذى‬
‫األبد‪.‬‬
‫ولقد مضت اآلن على إنشذاء المؤسسذات اإلسذالمية أكثذر مذن ثالثذين عامذا‪ ،‬وقذد تزايذد فذي‬
‫هذذذه المذذدة عذذددها وكبذذر حجمهذذا‪ ،‬وكثذذر عذذدد المتعذذاملين معهذذا‪ ،‬فحذذان اآلن لهيئذذات الرقابذذة‬
‫الشرعية لهذه المؤسسات أن تؤكد على التقليذل مذن عمليذات المرابحذة والتذورق‪ ،‬واإلكثذار مذن‬
‫العمليذذات المفضذذلة مذذن الشذذركة والمضذذاربة‪ ،‬وأن تكذذون نسذذب العمليذذات المختلفذذة مذذن إجمذذالي‬
‫تعامالتها تحت رقابة دائمة‪ ،‬حتى تتقدم المصارف اإلسذالمية إلذى مقاصذد التشذريع اإلسذالمي‪،‬‬
‫وتمثذذل االقتصذذاد اإلسذذالمي بصذذورته المتكاملذذة الني ذرة‪ ،‬دون أن تبذذرز أمذذام العذذالم كشذذركات‬
‫متمحضة للمخذارج والحيذل‪ ،‬فذإن ذلذك يسذبب سذمعة سذيئة‪ ،‬لذيس لهذذه المؤسسذات فحسذب‪ ،‬بذل‬
‫لالقتصاد اإلسالمي الذي تمثله‪.‬‬
‫وقد يقترح على أساس سد الذذرائع‪ ،‬أن تمنذع المصذارف اإلسذالمية مذن ممارسذات التذورق‬
‫بتاتاا‪ ،‬ومن هنا جاء السؤال التالي من قبل األمانة العامة للمجمع الفقهي اإلسالمي‪:‬‬
‫"هل اآلثار الناجمة عن توسذع المصذارف فذي التمويذل بذالتورق مذن نحذو زيذادة الذديون‬
‫االسذذتهالكية‪ ،‬وضذذعف الفذذارق بذذين العمذذل المصذذرفي اإلسذذالمي وعمذذل المصذذارف الربويذذة‪،‬‬
‫وطغيان هذا العقد على عقود المشاركة وتحمل المخاطر‪ ....‬يمكن أن تؤدي إلى منع هذذا العقذد‪،‬‬
‫حتى ولو كان مباحا من حيث األصل؟"‬
‫والجواب عن هذا السؤال في نظري أن إطالق المنع فذي هذذه المرحلذة االبتدائيذة يمكذن أن‬
‫يسبب مشاكل عمليذة فذي بعذض الحذاالت التذي يحتذاج فيهذا إلذى التذورق احتياجذا حقيقيذا‪ ،‬ولكذن‬
‫يجب أن تشدد هيئات الرقابة الشرعية في رقابتها على مثل هذه العمليات من جهتين‪:‬‬
‫الجهذذة األولذذى‪ :‬أن ال تسذذمح بمثذذل هذذذه العمليذذات إال فذذي حاجذذات حقيقيذذة‪ ،‬وأن تؤكذذد علذذى‬
‫المؤسسات اإلسالمية أن تقلل نسبتها من مجموع ممارساتها‪.‬‬
‫والجهذذة الثانيذذة‪ :‬أن يكذذون التذذورق خاليذذا عذذن المالبسذذات األخذذرى التذذي تخرجذذه مذذن حذذد‬
‫الجواز‪ ،‬أو تزيده كراهة‪ ،‬أو تجعله عملية صورية فق ‪ .‬ونشير إلى بعض هذه المالبسذات فيمذا‬
‫يأتي‪:‬‬
‫‪ .2‬توكيل المتورق بشراء السلعة للبائع‬
‫‪10‬‬
‫ذكرنا فيما سبق أن التورق الذي تصوره الفقهاء والذي حكموا بجذوازه يتكذون مذن عقيذدين‬
‫بسيطين‪ :‬األول أن يبيع البائع سلعة هي في ملكه وحوزته بيعذا مذؤجال إلذى المتذورق‪ ،‬والثذاني‪:‬‬
‫أن يبيذذع المتذذورق هذذذه السذذلعة إلذذى طذذرف ثالذذث ال عالقذذة لذذه بالبذذائع األول‪ .‬ولكذذن كثي ذرا مذذن‬
‫المصذذارف والمؤسسذذات تضذذيف إليذذه عقذذدا آخذذر‪ ،‬وهذذو التوكيذذل‪ ،‬فمذذثالا إذا طلذذب أحذذد عمذذالء‬
‫المصرف التمويل على أساس التورق‪ ،‬فإن المصذرف ال يبيذع سذلعة موجذودة فذي ملكذه‪ ،‬وإنمذا‬
‫يحتاج إلى أن يشتريها من السوق‪ ،‬فإن كان المصرف يشتريها بنفسه عن طريق أحد موظفيذه‪،‬‬
‫فهذا يمكن أن يكون مقبذوال‪ ،‬ولكذن المصذرف ال يشذتريها بنفسذه فذي كثيذر مذن األحذوال‪ ،‬وإنمذا‬
‫يوكذذل العميذذل المتذذورق نفسذذه أن يشذذتريها مذذن السذذوق نيابذذة عذذن المصذذرف‪ ،‬ثذذم إن المتذذورق‬
‫يشتريها من المصرف أصالة بثمن آجل‪ ،‬ثم يبيعها إلى طرف ثالذث‪ ،‬والعذادة المتبعذة فذي كثيذر‬
‫مذذن المصذذارف هذذي أن المصذذرف ال يذذدفع الذذثمن إلذذى البذذائع األصذذلي‪ ،‬وإنمذذا يذذدفع المبلذذغ إلذذى‬
‫المتورق بصفة كونه وكيال له بالشراء‪.‬‬
‫ومن أجل إضافة هذذا التوكيذل إلذى التذورق ‪ ،‬تصذبح العمليذة تشذابه التمويذل الربذوي ‪ ،‬فذإن‬
‫المتورق يأخذ من المصرف المبلذغ األقذل ‪ ،‬ويذدفع إليذه المبلذغ األكثذر عنذد حلذول األجذل ‪ ،‬وإن‬
‫كان أخذه للمبلغ األقل إنما يقع بصذفته وكذيالا بالشذراء ‪ ،‬ولذيس كمسذتقرض ‪ ،‬ولكذن هذذا الفذرق‬
‫الدقيق ال يبعد العملية عن مشابهة التمويل الربوي ‪ ،‬وإن هذا التوكيل قد يجعل العقد محظذوراا‪،‬‬
‫وقد يجعله مكروها ا ‪.‬‬
‫فإن اشترى المتورق البضاعة نيابة عن المصذرف‪ ،‬ثذم اشذتراه لنفسذه بذدون أن يرجذع إلذى‬
‫المصرف وينشئ معه البيع بعقد مستقل‪ ،‬فإن هذه العملية ال تجوز أصالا‪ ،‬ألن الوكيل ال يتذولى‬
‫طرفي البيع‪ ،‬وألنه يجب الفصذل بذين الضذمانين فذي البضذاعة وأمذا إذا رجذع الوكيذل المتذورق‬
‫إلى المصرف بعد شراء البضاعة‪ ،‬ثم عقد معه البيع بإيجاب وقبول‪ ،‬فالعقد لذيس بذاطال‪ ،‬ولكذن‬
‫ال يخلو من كراهة‪ ،‬ألنه يقرب العقد إلى الصورية‪.‬‬
‫وينبغي لهيئات الرقابة أن تمنع مثل هذا التوكيل‪ ،‬حتى تعود عملية التورق إلى أصلها‪.‬‬
‫‪ .3‬توكيل المتورق البائع ببيع البضاعة في السوق‬
‫وهناك صورة أخرى للتوكيل‪ .‬وهو أن المشذتري المتذورق بعذد شذراء البضذاعة مذن البذائع‬
‫يوكل نفس البائع بأن يبيع البضاعة في السوق نيابة عن المتورق‪ .‬مثالا‪ :‬إذا أراد زيد أن يطلذب‬
‫التمويل من مصرف فإنه يشتري بضاعة من المصرف بذثمن آجذل‪ ،‬ثذم يوكذل المصذرف نفسذه‬
‫بأن يقوم ببيعها في السوق نيابة عنه‪ ،‬وأن المصذرف بعذد مذا يبيذع البضذاعة إلذى طذرف ثالذث‪،‬‬
‫فإنه يتسلم الثمن من المشذتري ويدفعذه إلذى زيذد‪ ،‬ثذم يسذدد زيذد الذثمن اآلجذل الزائذد عنذد حلذول‬
‫األجل‪.‬‬
‫وإن هذذذذا التوكيذذذل إن كذذذان مشذذذروطا فذذذي البيذذذع األول‪ ،‬بذذذأن زيذذذدا اشذذذترى البضذذذاعة مذذذن‬
‫المصرف بشرط أن يقذوم ببيعهذا فذي السذوق‪ ،‬فذإن هذذا العقذد فاسذد‪ ،‬ألنذه يبيذع بشذرط التوكيذل‪،‬‬
‫ومثذذل ذلذذك العقذذد المشذذروط فاسذذد عنذذد جمهذذور الفقهذذاء‪ .‬أمذذا إذا كذذان عقذذد البيذذع خاليذذا مذذن هذذذا‬
‫الشرط ثم وكل زيد المصرف بعقد مستقل‪ ،‬فليس العقد فاسدا‪ ،‬ولكنه ال يخلو من كراهة‪ ،‬وذلذك‬
‫ألن المصرف هو الذي يدفع المبلغ األقل إلى زيد (بصفته وكيال بالبيع) وهو الذي يأخذذ المبلذغ‬
‫األكثذر عنذذد حلذذول األجذذل‪ ،‬وإن كذان األخذذذ والعطذذاء بصذذفتين مختلفتذين وبعقذذدين مسذذتقلين ممذذا‬
‫يخرج العملية من الربا الصريح‪ ،‬ولكن هذا الفرق الدقيق ال يبعده من مشابهة التمويل الربذوي‪.‬‬
‫وفي كثير من األحوال ال يتمثل هذا الفرق الذدقيق إال فذي صذورة توقيذع علذى األوراق لذيس لذه‬
‫كبير أثر في عالم الواقع‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫‪ .4‬التورق عن طريق سوق السلع العالمية‬
‫كثيرا ما تمارس المصارف اإلسالمية التورق عن طريق البورصات العالمية التي تتعامذل‬
‫فذذي السذذلع ألن هذذذه البورصذذات أقصذذر طريذذق الجذذراء البياعذذات السذذريعية‪ ،‬تقذذع فيهذذا آالف‬
‫البياعات في دقائق متعددة عن طريق الحاسب اآللي‪.‬‬
‫(‪ )1‬إن بورصات السلع العالمية تجرى فيها بيوع كثيرة ليست حقيقية‪ ،‬ال تسلم فيها السذلع إلذى‬
‫المشذذتري‪ ،‬وإنمذذا تذذدرج بيذوع كثيذذرة متعاقبذذة علذذى الحاسذذب اآللذذي‪ ،‬ثذذم تقذذع التصذذفية علذذى‬
‫أسذاس فذروق األسذعار‪ .‬فمنهذا مذا هذي بيذوع مسذتقبلية (‪ )Futures‬وهذي ممنوعذة شذرعاا‪،‬‬
‫ومنهذذا مذذا هذذي بيذذوع حال ذة ‪ ،‬ولكنهذذا ال تراع ذى فيهذذا الشذذروط الشذذرعية مذذن تعذذين المبيذذع‬
‫وإفذرازه عذذن غيذذر المبيذذع‪ ،‬ومذن كذذون المبيذذع فذذي ملذذك البذائع وحوزتذذه‪ ،‬وإنمذذا تقذذع البيذوع‬
‫المتعددة بتبادل األوراق‪ ،‬وهي في كثير مذن األحيذان ال تمثذل بضذاعة معينذة‪ ،‬وإنمذا تمثذل‬
‫حق الحامل في تسلم كمية من المخذازن التذي تذودع فيهذا آالف األطنذان مذن نفذس السذعلة‪.‬‬
‫والكمية التي تمثلها هذه األوراق غير متميزة عن الكمية الباقية‪ ،‬فال تأتي الكميذة المشذتراة‬
‫فذذذي ضذذذمان المشذذذتري‪ ،‬ويبيعهذذذا المشذذذتري إلذذذى آخذذذر قبذذذل أن تتميذذذز وتضذذذمن مذذذن قبذذذل‬
‫المشتري‪ ،‬فيقع فيها محظور ربح ما لم يضمن‪.‬‬
‫وإن البيع الحقيقي الشرعي ال يتحقق في هذه البورصات إال إذا كان هناك اهتمذام بذالغ مذن‬
‫قبل المتعامل فيها بالتزام الشروط الشرعية تحذت مراقبذة فقهذاء متخصصذين فذي هذذا المجذال‪،‬‬
‫وال يتيسر ذلك غالبا ا إال بوضع طريق خاص وصياغة عقود جديدة من قبل الهيئذات الشذرعية‪،‬‬
‫والتفاوض مع السماسرة والمتعاملين في هذا السوق لكي يلتزموا بالشروط الشرعية‪.‬‬
‫فمذذا لذذم يتحقذذق هذذذا االهتمذذام البذذالغ‪ ،‬ال يجذذوز التعامذذل فذذي بورصذذات السذذلع العالميذذة‪ ،‬ال‬
‫للتورق‪ ،‬وال لغرض آخر‪.‬‬
‫(‪ )2‬لو فرضنا أن آلية التعامل في البورصات قد تم تخطيطها بكل حذزم واحتيذاط ليكذون البيذع‬
‫حقيقيذا ملتزمذا بالشذروط الشذرعية‪ ،‬ثذم اتخذذت عمليذة التذورق بالشذكل الذذي شذرحناه فيمذا‬
‫سذبق‪ ،‬فإنذذه البذذد أن تذذأتي البضذذاعة فذذي حذذوزة المتذذورق بعذذد شذذرائه إياهذذا مذذن المصذذرف‪،‬‬
‫وقبل أن يبيعهذا إلذى المشذتري النهذائي‪ ،‬فيتحقذق منذه قبضذها إمذا بنفسذه‪ ،‬وإمذا عذن طريذق‬
‫وكيل له‪ ،‬وال يجوز أن يكون المصرف هذو الوكيذل للتذورق بذالقبض‪ ،‬فذإن المصذرف هذو‬
‫البائع‪ ،‬فذال بذد مذن أن تخذرج السذلعة مذن حوزتذه وضذمانه إلذى حذوزة المشذتري أو وكيلذه‬
‫الذي هو غير البائع‪.‬‬
‫(‪ )3‬ولئن فرضنا أن وكيل المشتري هو السمسار‪ ،‬فهو الذي يقبض السلعة من المصرف نيابة‬
‫عن المشتري‪ ،‬ثم يبيعها إلى المشتري النهائي‪ ،‬فإن المشذكلة ههنذا أن ذلذك السمسذار نفسذه‬
‫هو الوكيل للمصرف أيضاا‪ .‬فهو يشذتري السذلعة مذن البذائع األصذلي نيابذة عذن المصذرف‬
‫ويقبضها نيابة عنه ويبيعها إلى المتورق‪ ،‬فهذو فذي حكذم المصذرف مذن حيذث كونذه وكذيالا‬
‫له‪ ،‬فال يصح أن يكون وكيالا للمشتري بالقبض‪.‬‬
‫وال مساغ للخروج مذن ذلذك إال بذأن تقذع مذن المصذرف تخليذة السذلعة للمتذورق بعذد مذا تذم‬
‫شراء السلعة من البائع األصلي ‪ ،‬فإذا تحققت التخلية التي هي في حكم القبض خرجذت السذلعة‬
‫مذذن ضذذمان المصذذرف‪ ،‬ويمكذذن اآلن أن يوكذذل المتذذورق المصذذرف أو السمسذذار ببيعهذذا إلذذى‬
‫المشتري النهائي‪ .‬فإن اشترط التوكيل عند الشراء فسد العقد كما اسلفنا‪ ،‬وإن عقذد التوكيذل قبذل‬
‫التخلية فإنه ال يجوز لكون السلعة في ضمان المصرف حينئذ‪.‬‬
‫وال شك أن االلتزام بهذه اآللية في بيوع السلع الدولية السريعة من الصعوبة بمكان‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫والطريق الثاني‪ :‬أن يكون السمسار الذي يقبض السذلعة نيابذة عذن المتذورق ويبيعهذا وكذيال‬
‫لذذه‪ ،‬غيذذر السمسذذار الذذذي اشذذترى البضذذاعة للمصذذرف فيكذذون هنذذاك سمسذذاران‪ ،‬أحذذدهما وكيذذل‬
‫للمصرف‪ ،‬واآلخر وكيل للمتورق‪ .‬وبما أن الطريق األول فذي صذورة وحذدة السمسذار صذعب‬
‫تنفيذه‪ ،‬بل ال يكاد يتحقق مهما وقعت الدقة في المراقبذة‪ ،‬فهذذا الطريذق الثذاني هذو المتعذين‪ ،‬وال‬
‫ينبغي أن يسمح بالطريق األول من قبل الهيئات الشرعية‪.‬‬
‫(‪ )4‬ثم إن البيوع في نظام البورصات الجديد إنما تذتم عذن طريذق الحاسذب اآللذي‪ ،‬ولذم يتحقذق‬
‫لي حتذى اآلن أن مجذرد ظهذور اسذم المشذتري علذى شاشذة الحاسذوب ينقذل الملذك ويحقذق‬
‫القذذبض وينقذذل الضذذمان إليذذه‪ ،‬ويجذذب أن تكذذون العقذذود الجاريذذة عذذن طريذذق الحاسذذوب‬
‫موضوع دراسة مستقلة في ضوء القوانين واألعراف قبل الحكم عليها بالجواز وعدمه‪.‬‬
‫(‪ )5‬كل ما ذكرنا من الشروط الشرعية فيما سبق‪ ،‬إنما هي شروط للحكم بصحة العقد‪ .‬أما مذن‬
‫ناحية السياسة الشرعية‪ ،‬فقد رأينا أن الطرق المتبعة في المصارف اإلسالمية ليست علذى‬
‫سذاجة التورق الذذي تصذوره الفقهذاء‪ .‬فلذو كذان ذلذك التذورق السذاذج خذالف األولذى‪ ،‬فمذا‬
‫بالك بهذه الصور المعقدة التي أضيف إليها عدة عقود يصعب تنفيذ شروطها الشرعية في‬
‫مجال العمل المصرفي السريع؟‬
‫وهذا يؤكد ما ذكرنا مذن ضذرورة االمتنذاع عذن التوسذع فذي اسذتخدام التذورق فذي األعمذال‬
‫المصرفية وقصره على حاجات األفراد الحقيقية‪ ،‬وإجراءه بطريقة الالزم لصحة العقود‪ ،‬حتذى‬
‫ال تكون ذلك عملية صورية تؤول إلى تمويل ربوي بجيمع آثاره ونتائجة الشنيعة‪.‬‬
‫وهلل سبحانه وتعالى ولي التوفيق وهو المستعان وصذلى هللا تعذالى علذن نبينذا الكذريم وعلذى‬
‫آله وأصحابه أجمعين‪ ،‬وآخر دعوانا أن الحمد هلل رب العالمين‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫خالصة البحث‬
‫(‪ )1‬التذذورق أن يشذذتري الرجذذل سذذلعة بذذثمن مؤجذذل أكثذذر‪ ،‬ويبيعهذذا مذذن شذذخص ثالذذث بذذثمن‬
‫عاجل أقل‪ ،‬فيحصل على نقود ليسد بها حاجته‪.‬‬
‫(‪ )2‬الفرق بين التورق والعينة أن المتورق يبيذع السذلعة مذن شذخص ثالذث‪ ،‬والعينذة أن تبذاع‬
‫السلعة إلى البائع األول نفسه‪.‬‬
‫(‪ )3‬فذذي جذذواز التذذورق روايتذذان عذذن اإلمذذام أحمذذد بذذن حنبذذل‪ ،‬أظهرهمذذا الجذذواز‪ ،‬وبذذه أخذذذ‬
‫المحققون من الحنابلة‪ ،‬وذهب اإلمام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم رحمهما هللا إلذى‬
‫عدم جوازه‪.‬‬
‫(‪ )4‬التورق جائز حسب قواعد الشافعية‪ ،‬حيث إنهم أجازوا العينة الصريحة‪ ،‬فذالتورق أولذى‬
‫بالجواز‪.‬‬
‫(‪ )5‬المالكية شددوا في حرمذة العينذة‪ ،‬ولكذنهم اشذترطوا لتحقذق العينذة أن ترجذع السذلعة إلذى‬
‫البائع األول‪ ،‬فلو لم ترجع إليه‪ ،‬وإنما باعها المشتري من ثالث‪ ،‬فال حرمة‪.‬‬
‫(‪ )6‬بعض المتأخرين من الحنفية اعتبروا التورق عينة فذهبوا إلذى كراهتهذا‪ ،‬ولكذن المختذار‬
‫قذذول اإلمذذام ابذذن الهمذذام رحمذذه هللا أن العينذذة إنمذذا تتحقذذق إن رجعذذت السذذلعة إلذذى البذذائع‬
‫األول‪ ،‬أما إذا باعهذا المشذتري فذي السذوق فهذو جذائز بذال كراهذة‪ ،‬لكنذه خذالف األولذى‪.‬‬
‫وهذا القول اختاره جمهور الحنفية‪.‬‬
‫(‪ )7‬وعلذذى أسذذاس القذذول المختذذار فذذي المذذذاهب األربعذذة‪ ،‬فذذإن التذذورق جذذائز‪ ،‬لكذذن القذذرض‬
‫(بدون فائدة) أفضل منه‪.‬‬
‫(‪ )8‬هذا إذا كان التورق لم يقترن بمالبسات أخرى‪.‬‬
‫(‪ )9‬فإن وكل المصذرف المتذورق نفسذه بشذراء البضذاعة نيابذة عنذه‪ ،‬ثذم الشذراء لنفسذه فهذذا‬
‫غير جائز‪ ،‬ألن الوكيل ال يتولى طرفي البيع‪ .‬أما إذا وكله للشراء فقذ ‪ ،‬ثذم إنذه اشذتراها‬
‫من المصرف بعقد مستقل بإيجاب وقبول‪ ،‬فهذا العقد صحيح‪ ،‬ولكن ال يخلو من كراهة‪.‬‬
‫(‪ )10‬إن وكل المتورق المصرف ببيع السلعة إلى ثالث نيابة عن المتذورق‪ ،‬فذإن كذان التوكيذل‬
‫مشروطا في عقد البيع فإنه فاسد ال يجوز‪ .‬وإن لم يشترط التوكيل في البيع‪ ،‬وإنمذا وكلذه‬
‫بعد إتمام الشراء‪ ،‬فإن العقد صحيح‪ ،‬ولكنه ال يخلو من كراهة‪.‬‬
‫(‪ )11‬التورق عن طريق بورصات السلع الدولية معرض لفساد العقد فذي كثيذر مذن األحذوال‪،‬‬
‫لفقدان الشروط الشرعية لصحة العقد‪.‬‬
‫(‪ )12‬لئن استوفيت الشروط الشرعية المفصلة في البحذث‪ ،‬فإنذه يصذح العقذد‪ ،‬ولكنذه ال ينصذح‬
‫بالتوسع في مثل هذه العمليات نظرا إلى المفاسد المحتملة‪.‬‬
‫۞۞۞‬
‫‪14‬‬
SUMMARY
1.
Tawarruq is an arrangement whereby a person, in need of
liquidity, purchases a commodity from a seller on credit at a
higher price and than sells it at a lower price. The person who
acquires liquidity in this way is called ‘mutawarriq’.
2.
The difference between ‘inah’ and ‘tawarruq’ is that a
‘mutawarriq’ sells the commodity to a third party, while in ‘inah’
the buyer resells it to the same seller from whom he had bought
the commodity.
3.
There are two versions reported from Imam Ahmad Ibn Hanbal
about the permissibility of ‘tawarruq’. Majority of the Hanbali
jurists have preferred the version according to which ‘tawarruq’
is permissible.
How ever, Ibn Taimiyyah and Ibn Qayyim have held ‘tawarruq’
as impermissible.
4.
The Shafi’I jursts have allowed ‘inah’, and therefore it seems that
‘tawarruq’ is permissible with them with a greater force.
5.
Maliki jurists are very strict about ‘inah’, but it appears from
their books that they do not see a problem in ‘tawarruq’.
6.
Some Hanafi jurists of later days have held that ‘tawarruq’ is
‘inah’, hence makrooh. But majority of the Hanafi jurists have
preferred the view of Ibn-ul-Hamam that ‘inah’ is restricted to
the situation where the commodity comes back to the original
seller. But where the commodity is sold in the market, the
transactions are valid and permissible. However, lending money
(without interest) is more preferable.
15
7.
Thus the preferred view in all the four schools of Islamic figh is
that tawarruq is permissible. However, lending (without interest)
is more advisable.
8.
This is the position with regard to the original concept of
tawarruq, but the ruling may change if the transaction is
infiltrated by some other elements.
9.
If the bank appoints the mutawarriq himself as its agent to
purchase the commodity on behalf of the bank, then to sell it to
himself, this transaction is invalid. However, if the bank appoints
him as an agent only for the purchase of a commodity on behalf
of the bank, then once it is purchased, the bank itself sells it to
him through a proper contract with offer and acceptance, the
transaction is valid, but not advisable.
10. If the ‘mutawarriq’ after purchasing the commodity from the
bank, appoints the bank his agent to sell it in the market and his
agency is stipulated in the contract of sale as a condition, the
transaction is not valid. However, if the agency was not a
condition in the sale contract, and it has been affected after
unconditioned sale, the transaction is valid, but not advisable.
11. If ‘tawarruq’ is carried out through the international commodity
exchanges, it is vulnerable to many violations of Sharjah,
because many conditions of a valid Islamic sale may be lacking.
12. however, if all the condition of a valid sale, fully discussed in the
paper, are properly observed, the transaction may be valid, but its
extensive use is not advised.
16
‫المصـــــادر‬
‫(‪)1‬‬
‫(‪)2‬‬
‫(‪)3‬‬
‫(‪)4‬‬
‫(‪)5‬‬
‫(‪)6‬‬
‫(‪)7‬‬
‫(‪)8‬‬
‫(‪)9‬‬
‫(‪)10‬‬
‫(‪)11‬‬
‫(‪)12‬‬
‫(‪)13‬‬
‫(‪)14‬‬
‫(‪)15‬‬
‫األنصاري‪ :‬زكريا بن محمد سنه ‪926‬هـ ‪ ،‬أسنى المطالب شذرح روض الطالذب‪ ،‬دار‬
‫الكتب العلمية بيروت‪ ،‬الطبعة األولى ‪1422‬هـ‪.‬‬
‫البخاري‪ :‬محمد بن إسماعيل سنه ‪256‬هـ ‪ ،‬الجذامع الصذحيح‪ ،‬دار ابذن كثيذر بيذروت‪،‬‬
‫الطبعة الرابعة سنه ‪1410‬هـ‪.‬‬
‫البغوي‪ :‬الحسين بن مسعود سنه ‪510‬هـ‪ ،‬التهذيب في فقه اإلمذام الشذافعي‪ ،‬دار الكتذب‬
‫العلمية بيروت‪ ،‬الطبعة األولى سنة ‪1418‬هـ‪.‬‬
‫البهذذوتي‪ :‬منصذذور بذذن يذذونس سذذنه ‪1051‬هذذـ (أ) شذذرح منته ذى اإلرادات‪ ،‬دار الفكذذر‬
‫بيذذروت‪ ،‬بذذدون تذذاريخ (ب) كشذذاف القنذذاع عذذن مذذتن اإلقنذذاع‪ ،‬مطبعذذة الحكومذذة مكذذة‬
‫المكرمة سنه ‪1394‬هـ‪.‬‬
‫ابذذن تيميذذة‪ :‬أحمذذد بذذن عبذذدالحليم ‪782‬هذذـ ‪ ،‬مجموعذذة فتذذاوى شذذيخ اإلسذذالم‪ ،‬مطبعذذة‬
‫الحكومة مكة المكرمة‪ ،‬الطبعة األولى ‪1381‬هـ‪.‬‬
‫جماعذذذة مذذذن علمذذذاء الهنذذذد‪ :‬الفتذذذاوى الهنديذذذة‪ ،‬مكتبذذذة ماجديذذذة كوئتذذذه‪ ،‬الطبعذذذة الثانيذذذة‬
‫‪1403‬هـ‪.‬‬
‫جماعة العلماء‪ :‬الموسوعة الفقهية الكويتية‪ ،‬طبع وزارة األوقذاف والشذئون اإلسذالمية‬
‫‪ ،‬الكويت‪ ،‬الطبعة األولى ‪1400‬هـ‬
‫الدسوقي‪ :‬محمد بن أحمد ‪1230‬هـ حاشية الدسذوقي علذى الشذرح الكبيذر‪ ،‬دار الفكذر ‪،‬‬
‫بيروت‪ ،‬بدون تاريخ‪.‬‬
‫الزيلعي‪ :‬عبدهللا بذن يوسذف ‪762‬هذـ نصذب الرايذة ألحاديذث الهدايذة‪ ،‬المجلذس العلمذي‬
‫سورت بالهند‪ ،‬الطبعة األولى ‪1357‬هـ‬
‫السرخسي ‪ :‬محمد بن أحمد ‪383‬هـ ‪ ،‬المبسوط ‪ ،‬دار المعرفة ‪ ،‬بيروت ‪.‬‬
‫الشذذذافعي‪ :‬محمذذذد بذذذن إدريذذذس ‪203‬هذذذـ األم (أ) أ دار قتيبذذذة بيذذذروت‪ ،‬الطبعذذذة األولذذذى‬
‫المحققة ‪1416‬هـ‪.‬‬
‫‪( ‬ب) مكتبة الكليات األزهرية‪ ،‬الطبعة األولى ‪1481‬هـ‬
‫الشذذربيني‪ :‬محمذذد بذذن أحمذذد ‪977‬هذذـ ‪ ،‬مغنذذى المحتذذاج إلذذى معرفذذة ألفذذاظ المنهذذاج‪ ،‬دار‬
‫إحياء التراث العربي بيروت‪ ،‬بدون تاريخ‪.‬‬
‫الصنعاني‪ :‬عبدالرزاق بن همام المصنف لعبدالرازق‪ ،‬المجلس العلمي سورت بالهند‪،‬‬
‫الطبعة األولى ‪1390‬هـ‪.‬‬
‫ابن عابدين‪ :‬محمد بن أمين بن عمر ‪1252‬هـ ‪ ،‬رد المحتار على الدر المختار‪ ،‬ايج ـذـ‬
‫ايم ــ سعيد كمبنى كراتشي ‪1406‬هـ‪.‬‬
‫الفيومي‪ :‬أحمد بن محمد ‪720‬هـ ‪ ،‬المصباح المنير في غريب الشذرح الكبيذر‪ ،‬المكتبذة‬
‫العلمية بيروت‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫(‪)16‬‬
‫(‪)17‬‬
‫(‪)18‬‬
‫(‪)19‬‬
‫(‪)20‬‬
‫(‪)21‬‬
‫(‪)22‬‬
‫(‪)23‬‬
‫(‪)24‬‬
‫(‪)25‬‬
‫قاضي خان‪ :‬حسين بن منصذور ‪592‬هذـ ‪ ،‬الفتذاوى‪ /‬المطبذع العذالي للمنشذي نولكشذور‬
‫لكهنو بالهند بدون تاريخ‪.‬‬
‫ابن قدامة‪ :‬عبدهللا بن أحمد ‪620‬هـ ‪ ،‬المغنى ‪ ،‬دار الكتاب العلمي ‪ ،‬بيروت‪1392 ،‬هـ‬
‫القرافي‪ :‬أحمد بن إدريس ‪284‬هـ ‪ ،‬الفروق‪ ،‬دار المعرفة بيروت بدون تاريخ‪.‬‬
‫ابن القيم‪ :‬محمد بن أبي بكر ‪751‬هـ ‪ ،‬تهذيب السنن‪ ،‬المكتبة األثرية باكسذتان‪ ،‬الطبعذة‬
‫الثانية‪1399 ،‬هـ‬
‫المجمع الفقهي اإلسالمي‪ :‬قرارات المجمع الفقهي‪ ،‬رابطة العالم اإلسالمي ‪1422‬هـ‬
‫المذذاوردي‪ /‬علذذي بذذن محمذذد ‪450‬هذذـ ‪ ،‬الحذذاوي الكبيذذر شذذرح مختصذذر المزنذذي ‪ ،‬دار‬
‫الكتب العلمية بيروت‪ ،‬الطبعة األولى ‪1414‬هـ‪.‬‬
‫ابن منظور‪ :‬محمد بن مكرم ‪711‬هـ ‪ ،‬لسان العرب‪ ،‬قم إيران ‪1405‬هـ‬
‫ابن نجيم‪ :‬زين الدين بن إبراهيم ‪970‬هـ ‪ ،‬البحر الرائق شرح كنز الدقائق‪ ،‬دار الكتب‬
‫العلمية بيروت‪ ،‬الطبعة األولى ‪1418‬هـ‬
‫النذذووي‪ :‬يحيذذى بذذن شذذرف ‪676‬هذذـ ‪ ،‬روضذذة الطذذالبين‪ ،‬المكتذذب اإلسذذالمي بيذذروت‪،‬‬
‫الطبعة الثانية‪1405 ،‬هـ‬
‫ابن الهمام‪ :‬محمد بذن عبدالواحذد ‪861‬هذـ ‪ ،‬فذتح القذدير‪ ،‬مكتبذة رشذيدية كوئتذه ‪ ،‬بذدون‬
‫تاريخ‪.‬‬
‫‪18‬‬