بحوث ودراسات القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود 1 *عبد العظيم أبو زيد ABSTRACT Reciprocal loans are loans that are conditional on each other; a lender stipulates that the borrower provides him a simultaneous or deferred loan in exchange for his loan. The prohibition may approach this transaction from two angles; one is the possibility of the occurrence of Riba as the lender benefits from the loan he has stipulated. The other relates to the structure of this transaction as two contracts are combined in one transaction, which is known to be invalid in the Shari’ah. This paper discusses the applicability of these two possible prohibiting elements to the reciprocal loans after it explains their potential applications. The importance of this paper emerges from the fact that it also sets a criterion for determining the lawful benefits that can be obtained from Loan. Besides, it discusses the issue of whether the structure of the contract can alone determine its permissibility. املستخلص هو، أو متأخراً عنه،اشرتاط املقرض أن يقرضه املقرتض قرضاً متوقفاً على القرض األول ) ويُتصور احملذور فيما يسمى بالقروضReciprocal Loans( ما يسمى بالقروض التبادلية احتمال وقوع الربا من حيث إن املقرض ينتفع بإقراض اآلخر: األول:التبادلية يف أمرين أن شكلية هذا: والثاين. أي القرض املقابل الذي حيصل عليه بالشرط من املقرتض،له يناقش البحث. وهو منهي عنه يف احلديث،العقد حتتمل احلظر لتحقق عقدين يف عقد مدى وقوع هذين احملذورين يف القروض التبادلية على اختالف أنواعها بعد أن يبني وأمهية البحث تتجلى يف النتائج اليت يصل إليها.التطبيق العملي لصور هذه القروض ومدى صحة اعتبار شكلية العقود يف،يف قضية ضابط املنفعة احملرمة شرعاً يف القروض .التحرمي يف العقود بشكل عام . أستاذ الفقه يف كلية الشريعة من جامعة دمشق 123 2010 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب * عبد العظيم أبو زيد املقدمة احلمد هلل رب العاملني ،والصالة والسالم على خامت األنبياء واملرسلني حممد وعلى آله وصحبه أمجعني ،وبعد: فإنه قد ُعهد عن الفقهاء مقولة «كل قرض جر منفعة فهو ربا»، وأصلها حديث ضعيف ،وفُهم منها منع انتفاع املقرض من القرض مطلقاً بصرف النظر عن وجه هذا االنتفاع ومدى تضرر املقرتض به ،لكن هذه املقولة قاعدة فقهية ال ينبغي أن تفهم على عمومها ،لوجود بعض االستثناءات العملية يف تطبيقات الفقهاء أنفسهم .والقروض التبادلية هي إحدى أهم املسائل ذات التطبيقات املعاصرة املرتبطة بقضية انتفاع املقرض من قرضه ،ولذا منها سينطلق البحث للوصول إىل ضابط املنفعة احملرمة شرعاً يف القروض ،ولدراسة قضية اعتبار شكلية العقود يف احلكم عليها .وعليه فسيبدأ البحث باستعراض الصيغ احملتملة للقروض التبادلية، مث يتحول إىل املناقشة الفقهية. البحث القروض التبادلية هي القروض املشروطة ببعضها البعض ،أي حيث يكون تقدمي قرض باتفاق العاقدين متوقفاً على التزام املقرتض بتقدمي قرض مقابل. املطلب األول :أنواع القروض التبادلية يُتصور تقسيم القروض التبادلية باعتبار جهة املقرض واملقرتض إىل األنواع 1 التالية: 1انظر يف ذلك التقسيم جملة أحباث االقتصاد اإلسالمي ،جامعة امللك عبد العزيز ،جملد ،14حبثي الدكتور سعد بن محدان اللحياين والدكتور رفيق يونس املصري بعنوان" :القروض التبادلية". 124 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود النوع األول :ما يكون بني املصارف أو املؤسسات املالية وبني األفراد ويتفرع عن هذا النوع صورتان: الصورة األوىل :اإليداع برشط اإلقراض يتفق املصرف يف هذه الصورة مع عميله مث ً ال على إيداع العميل لديه مبلغاً من املال ،ويف مقابل ذلك ّ ميكنه املصرف من انكشاف حسابه إىل حد ووقت معني ( ،1)Overdraftأو يف مقابل أن يقرضه املصرف قرضاً مستق ً ال -مبلغاً من املال -إىل أجل يتفقان عليه. فهنا قرض مشروط بقرض ،إذ إيداع العميل مبلغاً من املال لدى املصرف مسي وديعة؛ ما هو إال إقراض للمصرف ،لوجود اإلذن باالستعمال وإن ّ وتفصيل ذلك أن الوديعة يف األصل ما هي إال استنابة يف حفظ مال ،فال ُ استعمال الوديعة؛ فإن أذن له املودِع ،فهي عاريّة إذن وإن يسع املوَدُع عنده مسيّت وديعة ،ألن العربة يف العقود للمقاصد واملعاين ال لأللفاظ واملباين؛ فإذا كان هذا الشيء املعار املأذون باستعماله مما يهلك باالستعمال كالنقود ،فإن هذا العقد قرض ،للقاعدة السابقة. وإذا كانت وديعة العميل هنا لدى املصرف قرضاً ،فإن هذا القرض مشروط اتفاقاً بني الطرفني بقرض آخر ،وهو إما القرض املستقل ،بأن يقرض املصرف العميل مبلغاً معيناً من املال إىل أجل يتفقان عليه ،سواء أكان املبلغ أقل من القرض األول ،أم أعلى منه ،أو مساوياً له؛ أو أنه الصورة األخرى ،أي 1تعرف هذه العملية باسم السحب على املكشوف ،ومعناها أن يكون للساحب ُ عميل املصرف رصيد يف املصرفّ ، فيمكنه املصرف من أن يسحب أكثر من هذا الرصيد .أي أن يتحول عميل املصرف من كونه مقرضاً للمصرف إىل كونه مقرتضاً؛ فمن املعلوم أن الوديعة املصرفية تكيّف قرضاً ،وهلذا ميتنع على العميل املودع أخذ فوائد عن وديعته ،فهو مقرض للصرف .وقد قرر اجملمع الفقهي حديثاً أن الودائع املصرفية ،سواء أكانت ودائع جارية ،أم آجلة ،أم أي نوع آخر ،هي قروض باملنظور الفقهي ،يسري عليها ما يسري على القرض من أحكام .انظر قرار اجملمع الفقهي رقم 90بشأن الودائع املصرفية ،املؤمتر التاسع بأبو ظيب1415 ،هـ. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 125 عبد العظيم أبو زيد انكشاف احلساب ،1حيث يسمح مبقتضاه املصرف للعميل بأن يسحب أكثر من مبلغ الوديعة إىل مقدار معني وأجل معني ،أي يصري عميل املصرف مديناً للمصرف مقرتضاً منه بعد أن كان دائناً ومقرضاً له .وإن مل يتحقق يف السحب على املكشوف اشرتاط قرض بقرض نصاً ووقوعاً ،فال أقل من أنه على سبيل: أقرضك على أن يل احلق يف أن أقرتض منك مىت أشاء ،وهذا من قبيل قرض مشروط بقرض .وال يعنينا هنا التفصيل يف قضية احتساب املصرف فائدة عن مقدار انكشاف احلساب ،ألننا هنا بصدد بيان حكم اشرتاط قرض يف قرض. الصورة الثانية :اإلقراض برشط اإليداع ميكن القول إن الصورة هنا بعكس الصورة السابقة ،فيكون اإليداع ،أي إيداع العميل لدى املصرف مبلغاً من املال -واإليداع قرض كما تقدم -شرطاً حلصول العميل على قرض من املصرف. كحل بديل عن فرض املصارف فائدة عن وقد مت اقرتاح هذه الصورة ٍ املبالغ اليت تقدمها بشكل قروض لألفراد ،فتلجأ املصارف إىل هذا دفعاً للخسارة االقتصادية اليت تنجم عن تقدمي القروض بال فائدة ،أو حتقيقاً لربح اقتصادي حسايب زائد. والربح االقتصادي ،أو اخلسارة االقتصادية ،الذي نتكلم عنه هنا خيتلف عن الربح املادي أو اخلسارة املادية املتحققين فعالً؛ ألن تقدمي مبلغ من املال قرضاً آلخر دون فرض زيادة هو يف نظر االقتصاديني خسارة ،إذ يف ذلك تعطيل الستثمار ذلك املال ليعود مآالً بالربح ،أي فالذي يقرض القرض خاسر اقتصادياً وإن عاد إليه رأس املال؛ وباملقابل ،فإن الذي يقرتض احلسن ٌ القرض احلسن رابح اقتصادياً ،إذ يتسىن له بذلك فرصة استثمار ذلك املال وإن مل يربح فعالً. 1انكشاف احلساب هو إحدى مزايا احلصول على بطاقات اعتماد من مثل Master Card / Visa Cardوأنواع ومسميات أخرى كثرية تتباين يف مقدار انكشاف احلساب املسموح وأجله والفائدة املضروبة عليه. 126 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود هذا ،ولإلقتصاديني طريقة يف تصحيح اخلسارة االقتصادية النامجة عن اإلقراض ،فهم يقولون :إن من يقرض مبلغاً من املال إىل أجل معني بوسعه أن يعوض عن خسارته االقتصادية باقرتاض ذات املبلغ لذات املدة ،أو بإقراض مبلغ أقل ملدة أطول ،أو مبلغ أكرب ملدة أقل ،على أن يكون حاصل جداء املبلغ املقرتض مضروباً مبدته مساوياً حلاصل جداء مبلغ القرض مضروباً مبدته. فعلى سبيل املثال :لو أقرض شخص مئة ألف إىل ستة أشهر ،فإن بوسعه أن يدفع عن نفسه اخلسارة االقتصادية باقرتاض ما يساوي جداء ضرب ذلك املبلغ بأجل القرض ،أي ما يساوي ( )6×100000أي ،600000 :كأن يقرتض مخسني ألفاً إىل سنة ( ،600000 = )12×50000أو مئة ومخسني ألفاً إىل أربعة أشهر (.600000 = )4×150000 بناء على ما تقدم يتحقق باشرتاط أما حتقيق الربح االقتصادي ،فهو ً قرض يكون حاصل جداء ضربه بأجله يفوق جداء ضرب القرض املمنوح ٍ بأجله؛ أي كأن يقرض مئة ألف إىل ستة أشهر ويقرتض خسمني ألفاً إىل 18 شهراً مث ً ال (.900000 =)18×150000( < = 600000 )6×100000 فعليه ،إذا ما أراد املصرف املقرض بال فائدة أن ال خيسر اقتصادياً بسبب منحه قروضاً للغري ،فإنه يشرتط قرضاً من عميله بالكيفية املتقدمة .والصورة العملية املقرتحة يف ذلك أن يشرتط املصرف على عميله إيداع جزء من ذات القرض لديه إىل مدة أطول حبيث تنتفي اخلسارة االقتصادية ،كأن يقرض املصرف شخصاً مئة ألف ملدة ثالثة شهور ويشرتط على ذلك الشخص إيداع جزء من القرض وقت تسليمه إياه ملدة أطول ،عشرة آالف مث ً ال إىل ثالثني شهراً .)300000 = 30×10000 = 3×100000( .فيستلم العميل مئة ألف يودع منها عشرة آالف؛ فإذا مرت ثالثة أشهر ودفع العميل املئة ألف ،بقي 1 دائناً للمصرف بعشرة آالف يستوفيها منه بعد 27شهراً. 1انظر جملة أحباث االقتصاد اإلسالمي ،جامعة امللك عبد العزيز ،جملد ،14حبث الدكتور سعد بن محدان اللحياين ،بعنوان" :القروض التبادلية" ص .106 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 127 عبد العظيم أبو زيد النوع الثاني :ما يكون بني األفراد أنفسهم ويشمل هذا النوع مسألتني: املسألة األوىل :ما يعرف بالجمعيات كل مبلغاً مالياً تقوم فكرة اجلمعيات على اتفاق جمموعة من األفراد على دفع ٍ يف تواريخ دورية متفق عليها ،وبعد اجتماع تلك املبالغ يف كل دورة يأخذها بناء على توزيع سابق لألدوار ،أو على أساس القرعة، أحد أفراد تلك اجملموعة ً أو على أساس احلاجة األشد. نفسه على والغرض األساس من قيام هذه الفكرة هو محل الفرد املساهِم َ ادخار جزء من وارده املايل بشكل دوريَ ، لينال مبلغاً هو جمموع مدخراته السابقة أو الالحقة يستطيع به قضاء بعض شؤونه. ومن الواضح أن العالقة اليت حتكم هؤالء األفراد فيما بينهم عالقة إقراض واقرتاض ،فكل واحد يقرض ألجل أن يقرتض ،فقرضه غريه مشروط باقرتاضه من غريه. وتفصي ً ال يف املسألة ،فإن اجلمعية املكونة من أربعة أفراد مثالً ،بقسط شهري قدره ألف درهم ،حيصل فيها من يأخذ أوالً على ثالثة آالف درهم قرضاً من الثالثة الباقني؛ والشخص الثاين حيصل كذلك على ثالثة آالف ،منها ألفان قرضاً ،واأللف الثالثة استيفاء لقرضه يف الشهر األول؛ وكذا الشخص استيفاء لقرضه الثالث ،سيحصل على ثالثة آالف ،منها ألف قرضاً ،وألفان ً غريَه يف الشهر األول والثاين؛ أما الشخص الرابع األخري ،فسيحصل على ثالثة آالف كلها استيفاء لقروضه اليت أقرضها يف األشهر الثالثة السابقة. فيمكن القول إن الشخص األول مقرتض فقط ،مث هو بعد ذلك ٍ موف لقروضه ،والشخص الرابع األخري مقرض فقط ،مث هو بعد ذلك مستوف لقروضه؛ وَمن بينهما مقرضون ملن قبلهم ومقرتضون ممن بعدهم يف الرتتيب. وإذا اشرتط استمرار اجلمعية لدورة أخرى خبالف الرتتيب السابق ،كما هو 128 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود الغالب ،فرمبا صار من كان مقرتضاً فقط مقرضاً ،ومن كان مقرضاً فقط مقرتضاً. فاخلالصة إذن يف اجلمعيات أهنا قروض مشروطة ببعضها البعض. املسألة الثانية :إقراض فرد آلخر قرضا ً مقا َبالً بقرض مساو أو أكرب التفصيل يف هذه املسألة كالتفصيل يف الصورة الثانية من النوع األول؛ فيشرتط املقرض على املقرتض أن يقرضه قرضاً أكرب ،أو مساوياً ،أو أقل ولكن إىل أجل 1 أبعد ،حىت يربح املقرض اقتصادياً ،أو الخيسر على األقل. النوع الثالث :ما قد يكون بني األفراد أو بني البنوك عىل السواء احلديث يف هذا النوع هو عن اشرتاط قرض بقرض مع اختالف عملة القرض: قد ميلك رجل أو مصرف مبلغاً من املال بعملة ما وحيتاج إىل مبلغ بعملة أخرى جيده عند شخص أو مصرف آخر ،والشخص أو املصرف األخري حمتاج إىل العملة األوىل ،وكل منهما يرى أن ال مصلحة له يف إجراء عقد صرف يف الوقت الراهن ،فيقرتحان أن يقرض كل منهما اآلخر قرضاً بالعملة اليت لديه إىل أجل معني؛ فإذا جاء األجل ،دفعكل منهما من جنس عملة ما استقرض واسرتد جنس عملة ما أقرض .أي فيحالن مشكلتهما دون احلاجة إىل إجراء عقد 2 صرف ،وتكون هذه العملية من حيث التكييف قرضاً مشروطاً بقرض. املقرض مضروباً 1يتحقق الربح االقتصادي للمقرض،كما تقدم ،عندما يكون حاصل جداء املبلغ َ مبدته أكرب من حاصل جداء مبلغ القرض املشروط مضروباً مبدته؛ وتنتفي الربح واخلسارة عندما تكون النتيجتان متساويتني. 2انظر يف التقسيمات املذكورة جملة أحباث االقتصاد اإلسالمي ،جامعة امللك عبد العزيز ،اجمللد ،14 حبث الدكتور سعد بن محدان اللحياين ،بعنوان" :القروض املتبادلة" ص ،107وحبث الدكتور رفيق يونس املصري بذات العنوان ص .101 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 129 عبد العظيم أبو زيد املطلب الثاني :حكم القروض التبادلية مما تقدم تتبني احلاجة إىل معرفة حكم األمور التالية ،ليمكن بعد ذلك معرفة احلكم الشرعي يف احلاالت والصور واملسائل املتقدمة: 1 .1هل اشرتاط قرض يف قرض هو اشرتاط منفعة زائدة للمقرض، فتحرم لذلك؟ 2 .2هل التعويض االقتصادي عن القرض املمنوح للغري بقرض آخر ليعوض املقرتض عن خسارته االقتصادية، يُفرض على املقرتض ّ أو ليحقق لنفسه نفعاً اقتصادياً ،ميكن أن يع ّد من مجلة املنافع اليت تصيب املقرض وتكون مقصودة يف التحرمي؟ 3 .3هل حيرم اشرتاط قرض يف قرض جملرد اجتماع العقدين وإن مل يكن مثَّ نفع يف ذلك االستقراض ألحد العاقدين؛ وبعبارة أخرى ،هل التحرمي جملرد ارتباط عقد بعقد ،أو هو ملا قد يرتتب على ذلك من انتفاع؟ بني يدي األسئلة املتقدمة ندرس النصوص التالية ذات الصلة باملسألة: •حديث علي رضي اهلل تعاىل عنه أنه قال« :قال رسول اهلل صلى 1 اهلل عليه وسلم :كل قرض جر منفعة فهو ربا». •عن ابن مسعود رضي اهلل تعاىل عنه قال« :هنى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن صفقتني يف صفقة» 2.ومثل حديث ابن مسعود يف النهي عن اجتماع عقدين يف عقد -احلديثان التاليان: •عن أيب هريرة رضي اهلل تعاىل عنه قال« :هنى رسول اهلل صلى اهلل 3 عليه وسلم عن بيعتني يف بيعة». •عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ِّ جده رضي اهلل تعاىل عنهم قال :قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم« :ال حيل سلف 1سبل السالم لألمري الصنعاين( ،دار الكتاب العريب ،ط1418 ،11هـ1998/م)،105-104/3 ، احلديث رقم .812 2أخرجه أمحد يف املسند( ،مؤسسة قرطبة ،مصر) ،398/1 ،رقم .3792والطرباين يف األوسط، (مكتبة املعارف ،الرياض ،ط1995 ،1م) ،364/2 ،حديث رقم (.)1633 3الرتمذي يف السن( ،دار احلديث ،القاهرة)،524/3 ،كتاب البيوع ،12باب ما جاء يف النهي عن بيعتني يف بيعة .18رقم ( .)1231والنسائي يف السنن( ،دار الكتب العلمية ،بريوت ،ط 1411 ،1هـ1991/م)،43/4 ، كتاب البيوع ،52باب بيعتني يف بيعة ،74حديث رقم ( .)6228وأمحد يف املسند ،432/2 :رقم .9621 130 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود وبيع ،وال شرطان يف البيع ،وال ربح ما مل يضمن ،وال بيع ما 1 ليس عندك». وقبل مناقشة هذه األدلة وداللتها على املراد يف هذا الباب نعرض لبعض 2 أقوال الفقهاء يف قضية اشرتاط قرض يف قرض: قال احلطاب يف املواهب« :وال خالف يف املنع من أن يسلف اإلنسان 3 شخصاً ليسلفه بعد ذلك». 4 ويف الشرح الكبري للدردير« :أسلفين وأسلفك هو سلف جر نفعاً». وقال ابن قدامة« :وإن شرط يف القرض أن يؤجره داره ،أو يبيعه شيئاً، أو أن يقرضه املقرتض مرة أخرى ،مل جيز ،ألن النيب صلى اهلل عليه وسلم هنى شرط عقداً يف عقد ،فلم جيز كما لو باعه داره بشرط عن بيع وسلف؛ وألنه َ 5 أن يبيعه اآلخر داره». وعن البهويت« :إن شرط املقرتض الوفاء أنقص مما اقرتض ،مل جيز إلفضائه إىل فوات املماثلة؛ أو شرط أحدمها على اآلخر أن يبيعه أو يؤجره أو 6 يقرضه ،مل جيز ذلك ألنه كالبيعتني يف بيعة املنهي عنه». 7 ومثل الكالم السابق باملنع والتعليل بأنه قرض جير نفعاً ذكره الشافعية. لكن جاء يف حاشية قليويب« :اجلمعة املشهورة بني النساء بأن تأخذ امرأة من 1أخرجه :أبو داود يف سننه( ،املكتبة العصرية ،بريوت) ،283/3 ،كتاب البيوع ،باب الرجل يبيع ما ليس عنده ،رقم .3504والرتمذي يف سننه ،526/3 :كتاب البيوع ،12باب ما جاء يف كراهة بيع ما ليس عندك ،19رقم .1234والنسائي يف سننه ،39/4 :كتاب البيوع ،52باب بيع ما ليس عند البائع ،61رقم .6204وأمحد يف املسند ،178/2 :رقم .6689والدارقطين يف سننه( ،دار الكتب العلمية ،بريوت ،ط ،1 1411هـ1991/م) ،62/3 ،كتاب البيوع ،رقم .3054والبيهقي يف سننه( ،مكتبة دار الباز ،مكة املكرمة، 1414هـ) ،267/5 ،كتاب البيوع ،21باب من قال :ال جيوز بيع الغائبة ،5رقم .10189 2نقل أقوال الفقهاء هذه الدكتور رفيق املصري والدكتور اللحياين يف حبثيهما املشار إليهما آنفاً. 3مواهب اجلليل للحطاب( ،دار الفكر ،ط.391/4 ،)1987 ،2 4الشرح الكبري للدردير (مطبوع مع حاشية الدسوقي ،دار إحياء الكتب العربية ،طبع عيسى البايب احلليب).364/3 ، 5املغين البن قدامة( ،دار الفكر ،بريوت1405 ،هـ ،ط.211/4 ،)1 6كشاف القناع للبهويت( ،دار الفكر ،بريوت1402 ،هـ).317/3 ، 7انظر حاشية البجريمي (املكتبة اإلسالمية ،ديار بكر).356/2 ، مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 131 عبد العظيم أبو زيد كل واحدة من مجاعة منهن قدراً معيناً يف كل مجعة أو شهر ،وتدفعه لواحد ٍة 1 نص جبواز بعد واحدةٍ ،إىل آخرهن ،جائزة ،كما قال الويل العراقي» .وهذا ٌ اجلمعيات القائمة على القروض التبادلية كما تقدم. ويالحظ على نصوص املنع أن بعضها قد رد املنع إىل حصول منفعة للقرض ،وبعضها رّده إىل حصول جمرد اجتماع عقدين؛ أي فتنحصر مناقشة مسألتنا ،وهي حكم اشرتاط قرض يف قرض ،أو القروض التبادلية ،يف قضيتني، فيهما اإلجابة عن األسئلة الثالثة املتقدمة ،ومها: •حصول املنفعة احملرمة ،أو الربا للمقرض. •اجتماع عقدين يف عقد. أوالً :حصول املنفعة أو ربا القرض باشرتاط قرض آخر إن مبىن هذا القول حبصول املنفعة أو الربا هو احلديث املتقدم« :كل قرض جر منفعة فهو ربا» .وفيما يلي التفصيل يف هذا الدليل: من حيث السند قال األمري الصنعاين :رواه احلارث بن أيب أسامة وإسناده ساقط ،ألن يف 2 سوار بن مصعب اهلمذاين املؤذن األعمى ،وهو مرتوك. إسناده ّ لكن روى البيهقي عن الصحايب فضالة بن عبيد موقوفاً« :كل قرض 3 ابن جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا» .وروى حنوه عن إبراهيم (النخعي) ُ 4 أيب شيبة وعبد الرزاق يف مصنفيهما. 1حاشية قليويب .360/4 2انظر سبل السالم لألمري الصنعاين ،105-104/3احلديث رقم .812 3سنن البيهقي ،350/5كتاب البيوع ،21باب كل قرض جر منفعة فهو ربا ،99رقم .10705 4مصنف ابن أيب شيبة( ،الدار السلفية باهلند ،ط 1400 ،1هـ ،180/6 ،)1980/كتاب البيوع واألقضية ،باب من كره كل قرض جر منفعة ،79رقم .731ومصنف عبد الرزاق (املكتب اإلسالمي، بريوت ،حتقيق حبيب الرمحن األعظمي ،ط1403 ،2هـ) ،145/8 ،باب قرض جر منفعة وهل يأخذ أفضل من قرضه. 132 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود وذكره ابن جنيم قاعد ًة يف «األشباه» بلفظ «كل قرض جر نفعاً 1 حرام». فهذا احلديث مل يصح من حيث السند ،لكن معناه يُع ّد قاعد ًة يف باب القرض ،ويستدل به العلماء على اختالف مذاهبهم .ومنه يستنبط أن أي نفع يستجره املقرض من قرضه ُّ يعد ربا ،وسبب ذلك أن عقد القرض قد شرع يف فمنِع انتفاع املقرض بقرضه لذلك ،إذ انتفاعه األصل ليكون من عقود التربعُ ، 2 وضع له من التربع والرتفق والتيسري. خيرج هذا العقد عما ُ لكن من االستثناءات على هذه القاعدة ،أو احلديث ،جواز أن يرد املقرتض أفضل مما اقرتض مع غري شرط منصوص أو ملحوظ باتفاق الفقهاء،3 ووجه االستثناء أن هذه الزيادة املردودة نفع حاصل للمقرض بسبب القرض وقد أجيزت؛ فيمكن أن تقيد القاعدة على ذلك فتصبح «كل قرض جر نفعاً مشروطاً أو ملحوظاً فهو ربا». ومن االستثناءات أيضاً ما أجازه احلنابلة من جواز اشرتاط مكان معني لوفاء القرض إذا مل يكن لنقل القرض مؤنة على املقرتض ،فهذا نفع أصاب 4 املقرض بسبب قرضه وأجيز يف قول احلنابلة كما سيأيت. والسؤال :ملَ متنع الشريعة ُّ وتعد رباً النفع الذي يصيب املقرض بسبب قرضه وال يتضرر به املقرتض!؟ إن األصل يف الربا يف باب القرض أنه زيادة كمية أو نوعية يدفعها املقرتض إىل املقرض ،أي أهنا كلفة على املقرتض يدفعها بسبب ذلك القرض وس أَ ْم َوال ُ إىل املقرض ،ويف ذلك نص الكتابَ ﴿ :وإ ِْن ُ�تبْتُ ْم َ�فل ُ ِك ْم لاَ َك ْم ُرُء ُ 1األشباه والنظائر البن جنيم( ،دار الفكر ط1983/1م) ،ص .316 2يستأنس هلذا مبا يف مغين احملتاج للشربيين( ،دار الفكر ،بريوت).119/2 ، 3انظر حاشية ابن عابدين( ،دار إحياء الرتاث العريب ،بريوت ط1407 ،2هـ) ،175/4 ،حاشية الدسوقي ،224/3روضة الطالبني للنووي( ،دار الكتب العلمية ،بريوت1992 ،م) ،279/3 ،املغين البن قدامة .391/4 4املغين ،كتاب القرض ،فصل يف قرض شرط فيه أن يزيده .391-390/4 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 133 عبد العظيم أبو زيد تَ ْظل ُِمو َن َولاَ تُ ْظل َُمو َن﴾ 1.فالزيادة اليت يدفعها املقرتض حبسب ظاهر هذا النص ربا وظلم. لكن ما يضري املقرتض أن يستجر املقرض نفعاً من القرض إذا كان ذلك النفع مما ال يتضرر به املقرتض وليس فيه عليه أدىن كلفة! إن الشريعة ملا أجازت أن يدفع املقرتض زيادة من غري شرط منصوص أو مالحظ فقد ّ دل ذلك على أن منع انتفاع املقرض إمنا هو حلق املقرتض، ال لذات النهي عن انتفاع املقرض بالقرض؛ وإال ،لكان املقرتض منهياً عن أن يدفع زيادة من عنده تربعاً! وعليه فإن ما ينبغي فهمه هو منع املقرض من االنتفاع بالقرض إذا مل يتضرر بذلك املقرتض ،وهذا ما فهمه احلنابلة وبنوا عليه جواز اشرتاط مكان معني لوفاء القرض إذا مل يكن يف ذلك إضرار باملقرتض بأن كان للقرض نص صريح يف جواز النفع الذي يصيب املقرض وال يتضرر مؤونة .والبن قدامة ٌ به املقرتض: «وقد نص أمحد على أن من شرط أن يكتب له هبا سفتجة مل جيز، ومعناه :اشرتاط القضاء يف بلد آخر ،وروي عنه جوازها ،لكوهنا مصلحة هلما مجيعاً .وقال عطاء :كان ابن الزبري يأخذ من قوم مبكة دراهم ،مث يكتب هلم هبا فسئل عن ذلك ابن عباس فلم ير إىل مصعب بن الزبري بالعراق فيأخذوهنا منهُ . به بأساً ،وروي عن علي رضي اهلل عنه أنه سئل عن مثل هذا ،فلم ير به بأساً. وممن مل ير به بأساً ابن سريين ،والنخعي؛ رواه كله سعيد .وذكر القاضي أن ض مال اليتيم يف بلد أُخرى لريبح خطر الطريق .والصحيح جوازه، للوصي َ�ق ْر َ ألنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما ،والشرع ال يرد بتحريم المصالح التي ال مضرة فيها ،بل بمشروعيتها .وألن هذا ليس بمنصوص 2 على تحريمه ،وال في معنى المنصوص ،فوجب إبقاؤه على اإلباحة». 1 2 134 آخر اآلية ( )279من سورة البقرة. املغين ،كتاب القرض ،فصل يف قرض شرط فيه أن يزيده .391-390/4 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود بناء على ما تقدم يصلح تقييد القاعدة يف هذا الباب لتصبح( :كل ً قرض جر نفعاً مشروطاً أو ملحوظاً ويتضرر به املقرتض فهو ربا). ولعل الفهم مبنع املقرض من أن يستجلب أي نفع بإقراضه غريه ولو من غري ضرر به قد أتى من احليطة البالغة يف قضية الربا ،باعتماد مفهوم القرض احلسن الذي ال يبتغي فيه املقرض جز ًاء وال شكوراً كما يف قوله تعاىل﴿ :إ ِْن 1 ِيم ﴾. ُ�ت ْقر ُ ِضوا اللَّ َه َ�ق ْر ًضا َح َسنًا يُ َضا ِع ْف ُه لَ ُك ْم َوَ�ي ْغف ِْر لَ ُك ْم َواللَّ ُه َش ُك ٌ ور َحل ٌ فقد فهم الناس أن القرض ال يكون قرضاً حىت يكون حسناً ال حيصل فيه أي نفع للمقرض؛ لكن إقراض اهلل تعاىل ليس كإقراض الناس ،فمعىن إقراض اهلل حسناً خلوص النية هلل تعاىل فيه ،وعدم رجاء جزاء سوى الثواب ،وهذا شرط 2 مضاعفة الثواب واملغفرة عند اهلل سبحانه وتعاىل. أي فالذي نراه بعدما تقدم من مناقشة أن القرض احلسن للناس الذي ال يرجو املقرض فيه جز ًاء وال شكوراً مطلقاً ولو من غري كلفة على املقرتض إمنا هو من الورع ،ال من الواجب ،فعمر رضي اهلل تعاىل عنه قد امتنع عن االستظالل بظل الدار املرهونة لديه على أن ذلك نف ٌع ورعاً ومل يكن ذلك ّ يستظل هبا عمر!! واجباً عليه؛ فما يضري الدار ويضري صاحبها أن وجتدر اإلشارة هنا إىل أمر مهم ،وهو أن عدم خلوص نية التربع لدى املقرض يف القرض ال خيرج العقد من صفة القرض إىل املعاوضة ،ليدخل بعد ذلك يف دائرة ربا البيوع حيث ربا النسيئة حاصل يف كل األحوال مع التفاوت يف تسليم البدلني ،وذلك ألن ربا القروض ربا خاص منفرد يف أحكامه عن ربا البيوع؛ فالربا يف القرض إما أن حيصل ،فيتحقق ربا قرض ال غري ،وإما أن ال حيصل ،فيكون القرض غري ربوي .ومما يؤكد استقالل ربا القرض عن ربا البيوع يف أحكام ،منها أن ربا القرض حيصل يف كل مال ،أما ربا البيوع ،فال حيصل إال يف أموال خمصوصة حبسب العلة املقول هبا .ومنها أيضاً وقوع الربا يف بيع 1اآلية ( )17من سورة التغابن. 2راجع تفسري القرطيب والبيضاوي واجلاللني وغري ذلك من التفاسري فإهنا دلت على هذا املعىن للقرض احلسن. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 135 عبد العظيم أبو زيد مال مبال زاد فيه أحد العاقدين عن غري شرط منصوص أو ملحوظ ،وال يقع الربا بزيادة غري مشروطة أو ملحوظة يدفعها املقرتض يف عقد القرض .ويفرتقان أيضاً يف أن وجود األجل أصل يف القرض ،بينما هو سبب لوقوع الربا يف بيع األموال الربوية .وعليه ،فال جيتمع ربوان ،ربا قرض وربا بيع يف معاملة واحدة، بل إما هذا ،وإما هذا. وإذا اعتمدنا النتائج املتقدمة ،فقد آن لنا أن ننظر يف قضية اشرتاط قرض بقرض من منظور تضرر املقرتض باشرتاط قرض عليه أو عدم تضرره. فالسؤال اآلن :هل يتضرر املقرتض يف تلك احلاالت والصور املتقدمة بالقرض املشروط عليه أو ال يتضرر؛ هذا مع التسليم كما تقدم بأن أي زيادة كمية أو نوعية مستحقة على املقرتض هي ضرر وممنوعة بالنص؟ الظاهر أن يف احلاالت اليت يشرتط فيها املقرض ،مصرفاً كان أو فرداً، حاصل باملقرتض من على املقرتض ،فرداً كان أو مصرفاً ،أن يقرضه نوع ضرر ٍ حيث إلزامه بإخراج مال عن حيازته يدفعه إىل غريه ،ويف ذلك تعطيل ملنفعة ذلك املال ،وهو ضرر؛ فال حيق للمقرض أن يطالب املقرتض بذلك ليعوض عن الضرر احلاصل له بتعطيل منفعة مال القرض مدة القرض ،ألن املقرض يف األصل متربع بالقرض ،وألن القرض من عقود التربعات ،وحدود املنفعة اجلائزة للمقرتض هي ،حبسب ما توصلنا إليه ،فيما ال يتضرر به املقرتض فقط ،ويف 1 شرط القرض ضرر باملقرتض كما تقدم. أي فال جيوز للمقرض أن يشرط على املقرتض عقد قرض آخر تعويضاً عن فوات املنفعة االقتصادية ،ألن ذلك مما يتضرر به املقرتض وإن مل يكن وجه هذا الضرر حاص ً ال بزيادة مال يدفعها املقرتض .ومن باب أوىل أن ال جيوز للمقرض أن يشرط على املقرتض قرضاً حيقق له نفعاً اقتصادياً على النحو احلسايب الذي سبق بيانه ،ألن يف ذلك زيادة ضرر على املقرتض بإقراض مبلغ أكرب أو ألجل أطول. السحب على املكشوف إنكانت الوديعة استثمارية يف البنوك 1نشري هنا إىل أنه ال مينع على هذا االعتبار ُ اإلسالمية ،ألن العالقة احلاكمة بني املصرف وعميله هنا عالقة شراكة أو مضاربة ،وتلك قضية أخرى. 136 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود حكم اشرتاط قرض بقرض مع اختالف العملة من حيث حصول الربا ال شكلية العقد أما اشرتاط قرض بقرض مع اختالف عملة القرض ،فيمكن القول من حيث اعتبار حصول الربا يف القروض املتبادلة ال من حيث شكلية العقد :إن الغرض من هذه املعاملة بني الطرفني كما صورناها ليس حقيقة القرض ،أي احلاجة إىل حقيقة املال ،بل احلصول على عملة معينة من جنس آخر غري جنس العملة املتوفرة لكل من الطرفني؛ فهو تعامل صري إليه فراراً من إجراء عقد الصرف الذي ليس فيه مصلح ُة أي من الطرفني؛ فعلى هذا ،ال يقع ما قدمنا من حلوق ضرر باملقرتض ناجم عن حبسه عن االنتفاع مببلغ املال الواجب عليه تقدميه إىل املقرض ،ألن املقصود من األمر ليس قرضاً كما تقدم ،بل االستغناء بصيغة القرض عن الصرف .لكن يتقيد اجلواز ،وتبعاً ملا تقدم ،بأن تتساوى قيمة القرضني؛ فلو كانت قيمة أحدمها أكرب ،أو ألجل أبعد ،أو بأي صيغة ينجم عنها تفاوت يف االعتبار احلسايب االقتصادي ،فإن هذا يعين إضراراً بأحد العاقدين على حساب انتفاع الطرف اآلخر ،وذلك بتعطيل منفعة ذلك املبلغ الفاضل باحلساب االقتصادي عن املبلغ اآلخر. وكمثال على هذا :لو كان الرينغت املاليزي يساوي 14لرية سورية، فتقارض تاجران بقصد جتنب الصرف ،فأقرض أحدمها اآلخر ألف رينغت على أن يقرض اآلخر 20ألف لرية سورية لذات املدة ،ولتكن سنة ،فإن هذا ميتنع حبسب االعتبار املتقدم ،ألن مقرض العشرين ألفاً يتضرر حببسه عن االنتفاع مبا يزيد عما يقابل قيمة القرض املمنوح له ،أي مبا يفضل عن 14 ألفاً ،أي 6آالف لرية. فاخلالصة إذن يف قضية اشرتاط قرض بقرض مع اختالف عملة القرض أن العملية ال بأس هبا حبسب املبدأ الذي اعتمدناه ما دام القصد جتنب الصرف ال حقيقة القرض ،وما دام مبلغا القرض متساويني حسابياً. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 137 عبد العظيم أبو زيد حكم قروض الجمعيات قروض اجلمعيات قروض مشروطة ببعضها ،وليس القصد منها القرض حقيقة كما تقدم ،بل االدخار ،فهي ،أي اجلمعيات ،طريقة إللزام املرء نفسه باالدخار .لكن ال ينكر أن املساهم الذي يستلم املال أوالً ،فمن بعده بالرتتيب ،يتيسر له االنتفاع باملال على حنو ال يتيسر للمستلم آخراً ،بل هو مقرتض حقيقة ومستفيد باحلساب االقتصادي -بناء على أن املعجل أعلى قيمة من املؤجل -أكثر ممن يأيت بعده .وهكذا من بعده إىل واسطة العقد حيث يتساوى الضرر والنفع االقتصاديني ،مث يكون من بعده متضرراً أكثر منه منتفعاً ،إىل أن يصار إىل آخرهم ،فيكون هذا متضرراً ضرراً اقتصادياً باملرة. وغري منتفع ّ وهلذا ،فإننا ال نرى هذه املسألة جائزة إال أن يغلب عليها صفة التربع والتكافل؛ فيأخذ املال احملتاج األشد إليه يف كل مرة؛ أو أن يرتب املسامهون احتياجاهتم سلفاً ،فيتفقون على ترتيب معني حبيث تقتضي مصلحة كل فرد منهم هذا الرتتيب؛ فحينئذ يكون املتأخر يف استالم اجلمعية متربعاً ملن قبله أو يف حكم املتربع -تربعاً حقيقياً على أساس التكافل ،سواء أكان هذاالتوزيع على أساس احلاجة األشد أو مصلحة اجلميع؛ وبغري هذا ،أي مع فوات التربع ،فإن اإلضرار حاصل بالبعض ،أي املتأخرين يف استالم اجلمعية، فتمتنع العملية. ولو فات شرط التربع والتكافل بسخط أحدهم ،فإن املسألة يف رأينا تبقى يف دائرة احملظور ،ألن األصل فيها احلظر كما تقدم لوجود املتضررين ،فال خترج عن احملظور إال بقصد التربع والتكافل ،كما هو احلال يف التأمني التكافلي اإلسالمي املفىت فيه باجلواز ،حيث يساهم كل فرد حبصة ،مث يعطى هذا املال ملن تنزِل به نازلة من املسامهني؛ إذ لو مل يكن األمر قائما على التربع هنا ،ملا جاز أيضاً للغرر .فالتربع هو الذي أجاز العملية هنا يف التأمني التكافلي ،وهو فيه بذات املال ،بينما يف اجلمعيات حيصل التربع بالدور والرتتيب. 138 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود ثانياً :شبهة اجتماع عقدين يف عقد بعد احلديث عن شبهة الربا ومدى حصوهلا يف القروض التبادلية ،نتناول اآلن يف الكالم اآليت الشبه َة الباقية املتعلقة بالشكلية ،وهي شبهة اجتماع العقدين يف عقد. فالقرض عقد ،ويف اشرتاط قرض بقرض اجتماع عقد يف عقد ،أي فقد وجد عقدان يف عقد واحد ،وهذا منهي عنه بنص حديث ابن مسعود املتقدم. ولئن كان املراد هبذا احلديث البيعتان يف بيعة كما هو صريح حديث أيب هريرة «هنى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن بيعتني يف بيعة» ،فإن الداللة على منع القرض بقرض أوىل من منع البيعتني يف بيعة ،ألنه إذا امتنع اجتماع ومثمن ومساومة ،فاألوىل منع اجتماع البيعتني مع أن البيع عقد معاوضة فيه مثن َّ القرضني ،ألن القرض من عقود التربعات حيث ال معاوضة بني الطرفني. وهذا حييجنا إىل البحث يف النهي عن اجتماع البيعتني يف بيعة خباصة، والعقدين يف عقد بعامة ،ولذا فإننا سنستعرض األقوال يف معىن البيعتني يف بيعة أو الصفقتني يف صفقة وحكمها ولكن قبل ذلك نورد مجلة من األحاديث والروايات والكالم يف األسانيد: أ .األحاديث الواردة يف البيعتني يف بيعة وبيان أسانيدها •عن أيب هريرة رضي اهلل تعاىل عنه قال« :هنى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن بيعتني يف بيعة» 1.وروي أبو هريرة مرفوعاً أيضاً: 2 «من باع بيعتني يف بيعة فله أوكسهما أو الربا». •عن ابن مسعود رضي اهلل تعاىل عنه قال« :هنى رسول اهلل صلى 3 اهلل عليه وسلم عن صفقتني يف صفقة». 1تقدم ختريج هذا احلديث. 2سنن أيب داود ،274/3كتاب البيوع ،باب بيعتني يف بيعة ،حديث رقم .3461والبيهقي يف السنن الكربى 21 ،343/5كتاب البيوع 90 ،باب النهي عن بيعتني يف بيعة ،رقم .10651 3تقدم خترجيه هذا احلديث. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 139 عبد العظيم أبو زيد الكالم يف األسانيد صححه الرتمذي هبذا اللفظ وقال :حديث حديث أيب هريرة باللفظ األول َّ 1 حسن صحيح. أما باللفظ الثاين ،فقد قال فيه احلافظ املنذري يف خمتصر السنن :يف إسناده حممد بن عمرو بن علقمة ،وقد تكلَّم فيه غري واحد .وقال فيه 2 الشوكاين مثل ذلك. وأما حديث ابن مسعود ،فهو من رواية عبد الرمحن بن عبد اهلل بن مسعود عن أبيه ،ويف مساعه منه كالم ،حيث ذكر أن أباه تويف وهو ابن ست سنني .وقد أورده احلافظ ابن حجر يف التلخيص احلبري وسكت عنه 3.وقال 4 اهليثمي يف جممع الزوائد :رجال أمحد -أي يف هذا احلديث -ثقات. فالنصوص يف البيعتني يف بيعة إذن مقبولة باجلملة. ب .معنى البيعتني يف بيعة وردت تفسريات كثرية يف معىن البيعتني يف بيعة ،فقد قيل معناها: 1 .1أن يذكر البائع مثنني خمتلفني يف السلعة زيادة ونقصاً ،أو أحدمها ّ حال والثاين مؤجل ،ويفرتق العاقدان من غري أن يتفقا على أحد الثمنني .وكذلك إن اختلف املبيعان 5.مثال اختالف الثمنني: أن يقول البائع :بعتك داري ٍ بألف نقداً أو بألفني نسيئة؛ فيقول املشرتي :قبلت ،مث يفرتقان دون االتفاق على أحد الثمنني. 1سنن الرتمذي .524/3 2نيل األوطار للشوكاين( ،دار الكلم الطيب ،دمشق وبريوت ،ط1419 ،1هـ)،532-531/3 ، كتاب البيوع ،باب بيعتني يف بيعة ،عند احلديث رقم .2179 3تلخيص احلبري البن حجر العسقالين( ،دار الملعرفة ،بريوت).12/3 ، 4جممع الزوائد للهيثمي( ،دار الفكر ،بريوت1414 ،هـ) .151/4 ،كتاب البيوع ،11باب ما جاء يف الصفقتني يف صفقة ،33احلديث رقم .6384-6382وانظر مسند اإلمام أمحد.398/1 : 5سبل السالم لألمري الصنعاين ،31/3 :كتاب البيوع ،بيع الغرر ،عند احلديث .752شرح سنن الرتمذي «عارضة األحوذي» البن العريب ،( ،دار إحياء الرتاث العريب ،بريوت ،ط1995/1م)-239/5 ، ،240املغين البن قدامة .314/4 140 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود .2 .3 .4 .5 ومثال اختالف املبيعني أن يقول البائع :بعتك هذا الكتاب مبائة أو هذا القلم بعشرة. 2أن يشرتط أحد املتبايعني على اآلخر عقداً آخر ،كقرض أو صرف أو إجارة ،كأن يقول البائع مثالً :بعتك هذه الدار على أن تقرضين ألف دينار .وهذا تفسري آخر لإلمام الشافعي بعد أن 1 ذكر التفسري األول. 3أن يقول البائع :أبيعكها مبائة إىل سنة على أن أشرتيها منك ورجح هذا املعىن ابن القيم 2.أو أن يقول :أبيعكها بثمانني حالّةّ . بثمانني نقداً على ان أشرتيها منك مبائة إىل أجل. 4أن يبيعه سلفاً (سلماً) إىل أجل عشرة أطنان قمح مث ً ال إىل سنة؛ فإذا ّ علي حل األجل ،قال املشرتي :بعين تلك احلنطة اليت لك ّ خبسمة عشر إىل سنة أخرى( .زدين يف األجل أزدك يف العوض). 5أن يقول البائع :بعتك هذا بعشرة دنانري مث ً ال على أن تعطيين هبا صرفها دراهم .وقال باحتمال هذا املعىن فقهاء منهم اإلمام الشافعي وأبو حنيفة وأمحد وإسحاق وأبو ثور ،إذ جيتمع حينئذ 3 البيع مع الصرف يف عقد واحد. ج .أقوال الفقهاء يف حكم البيعتني يف بيعة ين كثرية ،و َّ لعل الراجح منها تلك الصور رأينا كيف أن يف البيعتني يف بيعة معا َ اليت يذكر فيها مثنان أحدمها أقل من اآلخر ،نظراً ملوافقتها لرواية (فله أوكسهما أو الربا) حينئذ ،إذ تقتضي هذه الرواية وجود مثنني خمتلفني .ومعىن أوكسهما: أقلهما. 1مغين احملتاج للشربيين .381/2سبل السالم لألمري الصنعاين .32/3 2هتذيب السنن البن القيم« ،حاشية ابن القيم على سنن أيب داود»( ،دار الكتب العلمية ،بريوت، ط1415 ،2هـ).247 /9 ، 3شرح سنن الرتمذي البن العريب .240-239/5 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 141 عبد العظيم أبو زيد وهذا حيتمل تفسري البيعتني يف بيعة على املعىن األول ،كما لو قال: بعتك داري هذه ٍ بألف نقداً أو بألفني نسيئة ،مث افرتقا من غري أن يتفقا على أحد الثمنني .وهذا مينعه مجهور الفقهاء ألجل اجلهالة يف الثمن، خبالف املالكية ،فإهنم مينعونه ألجل شبهة الربا إن كان الثمن الزماً يف أحد الثمنني؛ وتفسريه عندهم أن املشرتي قد خيتار أوالً يف قرارة نفسه املعجل ،مث يبدو له غري ذلك ،فيكون املؤجل أو َّ إنفاذ العقد بأحد الثمنني َّ حينئذ قد ترك أحد الثمنني إىل اآلخر ،أي كأنه باع أحد الثمنني بالثمن اآلخر .وسبب ذلك أنه عندما اختار يف قرارة نفسه أحد الثمنني فكأنمَّ ا ملك السلعة به ،واحلال أن العقد الزم على كل حال ،مث غيرَّ رأيه واختار الثمن اآلخر ،فقد آل األمر إىل أنه استبدل مثناً عاج ً آجل مع ال بآخر ٍ تفاضل أو العكس؛ وهذا من الربا .أ ّما إذا كان اخليار للمشرتي بعدم التزامه بالبيع أصالً�َ ،فَ�تنْتَفي هذه الشبهة ،ألن العقد غري الزم أصالً ،فال عربة حينئ ٍذ باالنتقال من مثن إىل مثن يف اختيار املشرتي مادام غري الزم يف ِّ يصرح بإنفاذه البيع بأحد الثمنني 1 .وهذا تكلف كما يبدو من حقه ومل ِّ زي من املالكية خالفاً املالكية يف التعليل بالذريعة الربوية ،لكنَّا جند ابن ُج ّ صحة هذه الصورة من معاين البيعتني يف بيعة مبا علَّل به هلم قد علَّل عدم َّ 2 اجلمهور من الغرر واجلهالة ال بالربا. وحيتمل أيضاً التفسري على املعىن الثالث ،وهو أن يقول له :أبيعكها مبائة إىل سنة على أن أشرتيها منك بثمانني حالّة .وهو مضمون بيع العينة عند اجلمهور ،أو اآلجال عند املالكية؛ وهو بيع يتخذ ذريعة ربوية .وحيتمل التفسري 3 على املعىن الرابع ،وهو كربا اجلاهلية. 1انظر بداية اجملتهد البن رشد (احلفيد) (دار الفكر ،بريوت).116/2 ، زي( ،دار الكتب العلمية ،بريوت) ،ص .170وانظر التفصيل يف 2القوانني الفقهية البن ُج ّ ذلك كتاب «فقه الربا» ،عبد العظيم أبوزيد( ،مؤسسة الرسالة ناشرون ،بريوت ،ط 2004 /1م)، ص .530 3انظر للتفصيل يف هذا البيع وحكمه كتاب «العينة املعاصرة بيع أم ربا» ،عبد العظيم أبوزيد( ،دار امللتقى ،حلب ،ط2004/1م). 142 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود محل معىن البيعتني يف بيعة على معىن اجتماع عقدين فعلى هذا ،فإن ْ يف عقد مطلقاً ولو مل يكن مثة جهالة ،أو غرر ،أو عينة ،أو حمذور آخر أمر مرجوح وإن قال به بعض الفقهاء كاإلمام الشافعي. فالراجح مما نرى من معىن النهي عن بيعتني يف بيعة أن املقصود به اجتماع العقدين يف عقد صورة «أبيعك مبائة نقداً ومبائة ومخسني إىل أجل» دون أن يُتفق على أحد الثمنني ،وذلك للجهالة احلاصلة يف الثمن ،وهي مفسدة للعقد؛ أو حيث يكون اجتماع العقدين لتحصيل الربا أو للتحيّل عليه ،كما يف صورة بيع العينة املتقدمة ،أو فسخ السلم بثمن أعلى مؤجل؛ أو يف حنو اجتماع البيع مع السلف ،وهي صورة يتجلى فيها التحايل على الربا واضحاً كما سيأيت .أما حيث ال ربا وال حتايل عليه ،وال جهالة وال غرر وال حمظور ،وال ضرر واقع بأحد العاقدين ،فنرى عدم وجود ما يستدعي فهم منع جمرد اجتماع عقدين من احلديث مطلقاً؛ وال سيما أن الوقوف عند شكلية النهي قد اخنرم بالنص جبواز اشرتاط عقود التوثيق كالرهن والكفالة يف عقود القروض أو البيوع ،1فهي عقود يف اجلملة وقد جاز اجتماعها إىل عقود أخرى؛ وال سيما أيضاً أن طبيعة التعامل املعاصر قد اقتضت ارتباط عقود كثرية ببعضها وابتناءها على بعضها البعض ،والقول بعموم املنع يورث حتجريَ واسع ،وحرجاً وتأثيماً دون وجود ما ينهض لذلك الفهم من النص؛ اللهم إال أن يكون اجتماع العقدين يف عقد مقصوداً ألجل التحايل على الربا ،كما يف بعض صور بيوع املراحبة اليت قصد منها التمويل بفائدة ،حيث يُلزم طالب شراء سلعة ما ليس لديه مثنها بأخذها من املمول بعد أن يشرتيها هذا األخري له ،فهنا جيتمع عقدان يف عقد حني ّ َّ وجود االتفاق امللزم على شراء املمول للسلعة ومن ثمَ بيعها إىل طالب الشراء؛ وكذا األمر يف بيوع العينة. 1 انظر روضة الطالبني للنووي 277-276/3؛ املغين البن قدامة .391/4 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 143 عبد العظيم أبو زيد فاخلالصة إذن أن اجتماع عقدين يف عقد ليس ممنوعاً لذاته ،بل يف الصور اليت تؤدي إىل حمظور من أكل الربا أو التحيل عليه ،أو حصول الغرر واجلهالة وحنو ذلك .فيكون على هذا تفسري القول مبنع قرض بقرض ،يف احلالة اليت يتضرر هبا أحد العاقدين ،بالربا ،أوتفسري منعه باجتماع عقدين يف عقد سو ًاء ألن املؤدى واحد؛ فعليه ،لو سلم «القرض بقرض» من إضرار بأحد العاقدين كما يف بعض الصور اليت قدمنا ،فال يقال ببقاء املنع لبقاء حصول عقدين يف عقد ،ألن املنع يف اجتماع العقدين ليس مقصوداً لذاته ،بل ملا يشتمل عليه من حمظور ،وال حمظور هنا مع فوات اإلضرار بأحد العاقدين. فعليه ،ال يقال مبنع اجلمعيات بالصور اليت قلنا جبوازها ،وكذا ال يقال مبنع صورة التقارض مع اختالف جنس العملة اليت قلنا جبوازها ،وذلك خللو هذه الصور عن احملظور وإن حتقق اجتماع عقدين يف عقد. وكالمنا اآليت يف اجتماع البيع مع السلف سيؤيد وجهة نظرنا يف عدم هنوض شكلية اجتماع العقود بذاهتا سبباً كافياً للتحرمي. اجتماع البيع مع القرض (السلف) السلف لغة هو القرض1؛ أما اصطالحاً فيطلق ويراد به أحد معنيني :القرض يعرف بأنه بيع آجل بعاجل .واملراد بالسلف الذي يكون أو السلم .والسلم ِّ مع البيع املعىن األول ،أي القرض. وقد جاء يف النهي عن اجتماع البيع مع السلف احلديث املتقدم لعمرو بن شعيب عن أبيه عن ِّ جده -رضي اهلل تعاىل عنهم -حيث قال :قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم« :ال حيل سلف وبيع ،وال شرطان يف البيع ،وال ربح 2 ما مل يضمن ،وال بيع ما ليس عندك». 1 2 144 انظر لسان العرب ،البن منظور( ،بريوت :دار إحياء الرتاث ،ط ،)3مادة «سلف». تقدم ختريج هذا احلديث. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود تعليل النهي عن سلف وبيع قد يتخذ اشرتاط البيع مع السلف طريقة للتحيل على الربا بانتفاع املقرض من قرضه على حساب إضرار املقرتض ،وذلك بأن يَشرتط مث ً يسلف آخر ال من ُ مبلغاً ما أن يبيعه سيارته مببلغ معني يوافق مصلحته ،فيقول على سبيل املثال: أسلفك ألفاً على أن تبيعين سيارتك بألفني مع أن قيمتها قد تكون أكرب من ذلك :ألفني ومخسمائة .أو إن شرط املسلف شراء املستلف شيئاً منه ،شرط مثناً هو أكثر من الثمن احلقيقي لذلك الشيء ،أو كان هذا الشيء مما ال يُرغب بشرائه .ومثل البيع يف هذا اإلجارة ،إذ اإلجارة ما هي إال بيع املنافع؛ فيسلفه على أن يستأجر منه بأقل من أجرة املثل أو على أن يؤجره بأكثر من أجرة املثل؛ وكذا الصرف ،إذ هو بيع نقد بنقد ،فيقول له مثالً :أسلفك ألفاً على أن تصرف مين مئة درهم بألف ومخسمائة لرية سورية مع أن مئة درهم تصرف بألف وأربعمئة؛ فيشرتط املقرض مثناً للصرف يوافق مصلحته. وهذه احلاالت والصور ممنوعة كلها باتفاق الفقهاء ،ففيها حتيّل صريح على ربا القرض .أما يف غري حالة زيادة الثمن أو نقصانه ألجل السلف ،فقد منع الفقهاء هذا أيضاً ،لكن تعليلهم هنا خمتلف ،وفيه ما يدل على ما يؤيد وجهة نظرنا السابقة من اعتبار املنفعة االقتصادية باجلملة ،وعدم اعتبار شكلية اجتماع العقدين يف عقد إذا مل يؤد إىل ربا أو حمظور. وبيانه أن احلنفية عللوا منع اشرتاط السلف حني البيع ولو خال البيع عن الزيادة أو النقصان يف الثمن ألجل السلف بأن السلف مع البيع شرط ال يقتضيه العقد ،وفيه منفعة ألحد العاقدين ،فيمتنع .وحنو هذا قول احلنابلة، فقد عللوا املنع بأن اشرتاط السلف حني البيع شرط عقد يف عقد ،فكان بيعتني يف بيعة. أما اإلمام الشافعي ،رمحه اهلل تعاىل ،فتعليله للمنع خمتلف وجدير باالعتبار والتأمل ،فهو مل يعلله بشكلية العقد من اجتماع عقدين يف عقد، أو بوجود شرط ال يقتضيه العقد كما ذهب احلنفية واحلنابلة؛ بل علل املنع مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 145 عبد العظيم أبو زيد حبصول اجلهالة ،فقال إن شرط السلف يف البيع يورث جهالة يف الثمن، وذلك ألن منفعة السلف جمهولة ،إذ السلف ٌّ حال يف احلكم ،فإن للمسلف أن يطالب بدينه مىت شاء؛ والبائع مل يرتض البيع بذلك الثمن إال مع شرط السلف ،فكانت منفعة السلف ضمن الثمن الذي ارتضاه البائع ،وهي منفعة 1 جمهولة ،فأورث ذلك جهال ًة يف الثمن ،فيمنع. وزياد ًة يف البيان ،فإن اإلمام الشافعي رأى أن البائع مل يرتض بيع سلعة وقرض مؤجل يدفعه املشرتي إليه ،أي املنفعة إال مبقابل مثن هو مبل ٌغ حمدد ٌ جمموع هذين الشيئني؛ وملا مثن مبيعه َ االقتصادية لذلك القرض ،أي فقد جعل َ كان األجل غري الزم يف القرض ،فقد أورث هذا جهالة يف الثمن من حيث إن املشرتي قد ال حيصل على الثمن الذي أراده عوضاً ملبيعه ،وهو املبلغ احملدد مع املنفعة االقتصادية للقرض الذي شرطه لنفسه ،أي فقد كانت هذه املنفعة االقتصادية املشروطة جمهولة القدر ،أو حمتملة لعدم الوجود أصالً ،وذلك بسبب حق املقرض يف استيفاء دينه مىت شاء ،فأورث ذلك جهالة يف العوض، أي مثن املبيع ،ففسدت املعاملة. يقول اإلمام الشافعي يف األم« :والبيع والسلف الذي هنى عنه أن تنعقد العقدة على بيع وسلف ،وذلك أن أقول :أبيعك هذا بكذا على أن تسلفين كذا2؛ وحكم السلف 3أنه حال ،فيكون البيع وقع بثمن معلوم وجمهول ،والبيع 4 ال جيوز إال أن يكون بثمن معلوم». 1انظر اهلداية للمرغيناين مع فتح القدير( ،مطبوع هبامش فتح القدير ،دار إحياء الرتاث العريب ،بريوت)، ،80/6الكايف يف فقه ابن حنبل( ،املكتب اإلسالمي ،بريوت ،حتقيق زهري الشاويش ،ط ،38/2 ،)5املغين البن قدامة ،314/4 :األم لإلمام الشافعي( ،دار املعرفة ،بريوت ،ط 1393 ،2هـ) .76/3 2أراد اإلمام الشافعي السلف باملعىن الذي يشمل القرض وإن كان سياق حديثه يف السلف مبعىن السلم ،انظر لتأكيد انطباق القرض على هذا املعىن وصحة التمثيل «خمتصر املزين» ،بيع وسلف ،ص ،89وهو كتاب مطبوع مع كتاب «األم». 3السلف مبعىن السلم ال يلزم األجل فيه أيضاًكما يقول الشافعية ،بل بوسع املسلم إليه تسليم املبيع قبل حلول األجل إال أن يكون حلفظ املبيع مؤنة على رب السلم وال حاجة له به حاالً ،فيتضرر بتسلمه قبل األجل املتفق عليه ،فحينئذ يلزم األجل ،فال جيرب رب السلم على استالم املبيع ،أي استالم املسلم فيه. 4األم للشافعي .76/3 146 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود فسبب املنع عند اإلمام الشافعي إذن :جهالة الثمن ال شكلية العقد من فلما مل يروا وجهاً للربا فيها -ملا اجتماع عقدين يف عقد .أما احلنفية واحلنابلةّ ، تقدم من افرتاض عدم الزيادة يف مثن املبيع ألجل السلف -متسكوا بشكلية العقد فقالوا باملنع ،وجاوز اإلمام الشافعي الشكلية هنا ،فعلل املنع بأمر ال صلة له بالشكلية .وهذا يدل على أن األصل أن املقصود باملنع من اجتماع البيع والسلف من ُع التحايل على الربا بزيادة الثمن يف البيع أو إنقاصه ،ال ظاهر اجتماع العقدين؛ لكن بعض الفقهاء تردد يف هذا ،فحيث أمكنهم أن يفسروا النهي بالربا كما يف الصورة األوىل ،محلوه عليه؛ وحيث مل ميكن ذلك ،كما يف احلالة الثانية املفرتضة اليت ال زيادة فيها أو نقصان يف الثمنَّ ،رد بعضهم املنع إىل الشكل من اجتماع عقدين يف عقد ،وهذا يدل على اضطراب يف ع ّد شكلية اجتماع العقود سبباً يف املنع .وقد سبق أيضاً ما جاء يف حاشية قليويب من احلكم جبواز اجلمعيات على الرغم من اشتماهلا على قروض تبادلية ،وهذا يدل على عدم اعتبار شكلية العقد؛ إذ لو اعتبرِ ت ،المتنعت لوجود اشرتاط عقد يف عقد آخر. إذن ،فاجتماع البيع مع السلف قد يتضمن توص ً ال إىل الربا يف بعض حاالته وهو يف حاالت أخرى ليس كذلك ،وخالف الفقهاء يف تعليل املنع يف بعض الصور ،كما تقدم ،دليل على أن املنع ال يفهم منه أنه مقصود لذاته، أي لشكلية اجتماع العقدين ،بل ملا قد يرتتب عنه ،كما سبق بيانه يف اجتماع البيعتني يف بيعة. وعليه ،فإن هذا يؤيد ما توصلنا إليه من قبل من أن اجتماع عقدين يف عقد ليس ممنوعاً لذاته ،بل يف الصور اليت تؤدي إىل حمظور من أكل الربا أو التحيّل عليه ،أو حصول الغرر واجلهالة وحنو ذلك من احملرمات .أي أن شكلية العقد غري مقصودة بالتحرمي ،فال يعرتض على جواز القروض التبادلية يف احلاالت اليت صرنا إىل جوازها بتحقق عقدين يف عقد ،النتفاء وجود احملرمات اليت هي حمل التحرمي يف اجتماع عقدين يف عقد. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 147 عبد العظيم أبو زيد نتائج البحث 1 .1القرض الذي حيقق نفعاً للطرفني ،املقرض واملقرتض ،وال يتضرر به أحدمها، وال خيالف أص ً ال شرعياً ،جائ ٌز وال ينايف موضوع عقد القرض ،ألنه مصلحة لكليهما ،والشرع ال حيرم املصلحة اليت ال تضر أحداً ،بل يقرها ،وعلى هذا نص بعض احلنابلة .مث إنه مل يوجد الدليل الذي مينع ذلك ،وأما مقولة (كل قرض جر منفعة فهو ربا) فهي قاعدة فقهية ال تفهم على عمومها لوجود بعض االستثناءات العملية يف تطبيقات الفقهاء. 2 .2القرض احلسن مبعىن عدم انتفاع املقرض بأي وجه نفع ولو على غري حساب املقرتض ال يعدو كونه من الورع غري الواجب. 3 .3عدم خلوص نية التربع لدى املقرض يف القرض ال خيرج العقد من صفة القرض إىل املعاوضة ،ليدخل بعد ذلك يف دائرة ربا البيوع حيث ربا النسيئة حاصل يف كل األحوال مع التفاوت يف تسليم البدلني ،وذلك ألن ربا القروض ربا خاص منفرد يف أحكامه عن ربا البيوع. 4 .4يف احلاالت اليت يشرتط فيها املقرض ،مصرفاً كان أو فرداً ،على حاصل باملقرتض نوع ضرر ٍ املقرتض ،فرداً كان أو مصرفاً ،أن يقرضه ُ من حيث إلزامه بإخراج مال عن حيازته يدفعه إىل غريه ،ويف ذلك تعطيل ملنفعة ذلك املال ،وهو ضرر؛ فال حيق للمقرض أن يطالب املقرتض بذلك ليعوض عن الضرر احلاصل له بتعطيل منفعة مال القرض مدة القرض ،ألن املقرض يف األصل متربع بالقرض ،وحدود املنفعة اجلائزة له هي فيما ال يتضرر به املقرتض فقط ،ويف شرط القرض ضرر باملقرتض كما تقدم. 5 .5يستثىن من النتيجة السابقة تطبيق اشرتاط قرض بقرض مع اختالف العملة ،فيجوز ،ألن الغرض هنا النجاء عن الصرف ال حقيقة القرض، لكن يتقيد اجلواز ،بأن تتساوى قيمة القرضني (اقتصادياً) حىت ال ينتفع طرف على حساب آخر. 148 مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 القروض التبادلية بني شبهة الربا وشكلية العقود .6 .7 .8 .9 6جتوز أيضاً قروض اجلمعيات ،ألن القصد االدخار ال حقيقة القرض، ولكن نظراً لوجود بعض املنتفعني (اقتصادياً) على حساب آخرين ،فإنه ال بد من أن تسود نية التربع والتكافل على هذه املعاملة جلوازها ،وهذا يستلزم توزيع املال دورياً على أساس احلاجة األشد ،أو االتفاق على دور معني هو يف مصلحة اجلميع. 7اجتماع عقدين يف عقد ليس ممنوعاً لذاته ،بل يف الصور اليت تؤدي إىل حمظور من أكل الربا أو التحيل عليه ،أو حصول الغرر واجلهالة وحنو ذلك من احملرمات .أي أن شكلية العقد غري مقصودة بالتحرمي ،فال يعرتض على جواز القروض التبادلية يف احلاالت اليت صرنا إىل جوازها بتحقق عقدين يف عقد ،النتفاء وجود احملرمات اليت هي حمل التحرمي يف اجتماع عقدين يف عقد. 8وجود أقوال لبعض الفقهاء تؤكد اعتبار املنفعة االقتصادية ،وعدم اعتبار شكلية العقود يف التحرمي ،بل النظر إىل مضامينها ،وإن اجتمع فيها عقدان يف عقد. 9اجتماع البيع مع السلف ليس ممنوعاً دائماً ،بل عندما يؤدي إىل التوصل إىل الربا ،أو عندما ينطوي على حمظور. مجلة إرسا الدولية للمالية اإلسالمية • املجلد األول • العدد األول • ديسمرب 2010 149
© Copyright 2026 Paperzz