البحث العلمي
التمويل واستثمار األموال يف الشريعة
بقلم أ.د حسام الدين فرفور ( رئيس قسم التخصص والدراسات التخصصية)
بسم هللا الرمحن الرحيم
عنوان البحث
التمويل واستثمار األموال يف الشريعة اإلسالمية
نظرة موجزة يف ضوابط القواعد وسعة املقاصد
حبث علمي مقدم للمؤمتر الثاين للمصارف واملؤسسات املالية اإلسالمية حتت شعار
الصريفة اإلسالمية صريفة استثمارية
املقام يف دمشق برعاية حاكم مصرف سورية املركزي األستاذ الدكتور أديب ميّالة
يف الفرتة 24 - 23( :صفر 1428هـ املوافق 13 - 12آذار 2007م)
إعداد
أ.د .حسام الدين بن حممد صاحل فرفور
رئيس القسم اجلامعي والدراسات العليا يف معهد مجعية الفتح اإلسالمي بدمشق
أستاذ فقه املعامالت املالية املقارن والفكر اإلسالمي املعاصر
بسم هللا الرمحن الرحيم
مقدمة
احلمد هلل ِّ
السالم على سيدان حممد خامت املرسلني وعلى آله وأصحابه أمجعني ،وبعد:
رب العاملني ،و َّ
الصالة و َّ
ُ
َّ
أثر هامٌّ يف النُّهوض ابلواقع املرتدي للعامل اإلسالمي ،ويف ختليصه من
إن البنوك اإلسالميَّة ميكن أن يكون هلا ٌ
السلبية؛ َّ
ألن هذا الواقع الذي يعانيه العامل اإلسالمي وهو :االحنطاط واالهنزام والتخلف َّإَّنا
ظاهريت :التَّبعية ،و َّ
األمة على أن تستفحل
هو نتيجةٌ حتميةٌ لعقلية التبعية والسلبية املنتشرة يف عاملنا اإلسالمي ،اليت حيرص أعداء َّ
وُُتيمن على شعوبنا ِّ
لتجمد أفكاران وتُعيق تطوران ،على حني َّ
األمة اإلسالميَّة متلك وتسيطر على ثلث
أن َّ
املوارد االقتصاديَّة للعامل ،وتم ربع سكان العامل ،وتنتشر يف ُُس ِّ
ِ مساحة الكرة األريية ،إال أهنا ال تتقدم وال
تتطور بسبب عقلية التبعية والسلبية.
ويطيب يل يف هذا الصدد ،أن أنقل بعض فقرات احملايرة القيمة اليت ألقاها ابلفرنسية املفكر اإلسالمي
الفرنسي رجاء جارودي يف أول رجب سنة 1406هـ املوافق 11مارس سنة 1986م ،وذلك ابلرايض
يمن فعاليات مؤسسة امللك فيصل اخلريية وعنواهنا(( :كيف أسلمت)).
((إن العامل الثالث ميوت بسبب افتقاده إىل الوسائل ،بينما العاملان الغريب الرأمسايل والشرقي االشرتاكي ميواتن
بسبب افتقارمها إىل الغاايت)).
((إن العلوم احلديثة وتقنياُتا قد ويعت طاقات عمالقة بني يدي قزم منحرف يال ،فاستغلها خلدمة أهوائه
يف القوة واملتعة والنمو املادي ،مهدداً حقوق األغلبية ليسحقها اجلوع واحلرمان واملعاانة ،مما أدى إىل ما نطلق
عليه اليوم ابلسالم املتهالك ،أو التوازن القائ على الرعب والذي قد يؤدي بكتليت القوى العظمى املتجاهبتني
إىل القماء على الكرة األريية أبسرها)).
إن املاليني من ذوي النوااي الصادقة يف كل العامل ،يبحثون قلقني يف هذا الليل الدامِ عن معىن حلياُت وموُت
واترخيه املشرتك إىل كل هؤالء يستطيع اإلسالم أن جييء ابلنور املؤدي إىل الصراط املستقي الذي يهدي هللا
يعيد إىل العقل اإلنساين املستنري ابلتعالي اإلهلية ،بـُ سع َديسه
إليه عباده ،فاإلسالم وحده هو الذي يستطيع أن َ
احلقيقني الكاملني:
1ـ بعد العلم الباحث عن األسباب والوسائل.
2ـ وبعد احلكمة الباحثة عن الغاايت وعن هللا اخلالق.
ولقد صنع هذا االستعمال الكامل الالحمدود للعقل اجلامع بني العلم والوحي اإلهلي جمد املسلمني األوائل)).
((إن إسالماً حياً كهذا نعيشه على هذا النحو وطبقاً ملبادئه ذاُتا ،قادر على أن حيظى اليوم يف العامل ابنتشار
ال يقل عن انتشاره أايم ازدهاره يف القرن الثامن ،ففي تلك الفرتة ،ويف وجه قوتني عظيمتني كانت تنخرمها
نفِ قوى التفكك والتفتت اليت نراها اليوم ،امرباطورية الساسانيني وامرباطورية بيزنطة ،استطاع اإلسالم أن
مينح املاليني من الرجال والنساء شعوراً حبقيقة إنسانيته ومعىن حلياُت الدنيا ،فيهبه حياة جديدة سعيدة
ال ذَ َّرٍة َخ ْرياً يَـ َره `
بويعه على الطريق إىل هللا احلق الواحد األحد ،إىل الرجعى واحلساب ) ،فَ َمن يَـ ْع َمل ِمثْـ َق َ
ال ذَ َّرةٍ َش َّراً يَـ َره( [الزلزلة 7 :ـ .]8
َوَمن يَـ ْع َم ْل ِمثْـ َق َ
((لقد أسلمت ألين وجدت يف اإلسالم ما كنت أحبث عنه طوال حيايت ،...وإذا كان اإلسالم هو
االستجابة الصادقة لنداء هللا ،فسنحيا ومنوت كلنا مسلمني)).
خصائص االقتصاد اإلسالمي
َّ
إن لكل نظام اقتصادي خصائصه االقتصادية اليت متيزه من النظ األخرى ،والنظام االقتصادي اإلسالمي له
هويته الفريدة واملستقلة اليت متيزه من النظام الرأمسايل واالشرتاكي؛ حيث يقوم على عقيدة وايحة املعامل يستمد
منها خصائصه ومقوماته وأهدافه ،ويرتكز على تشريع إهلي يمبط هذه اخلصائص واملقومات.
ومن خصائصه :أنه اقتصاد رابين ،وعقدي ،وأخالقي ،وواقعي ،وإنساين عاملي ،ويوازن بني مصلحة الفرد
واجملتمع ،وأنه فريد يف نوعه ،مستقل عن غريه ،وهو اقتصاد موجه ،واملال فيه وسيلة وليِ غاية ،وذو طابع
تعبدي ،وامللكية فيه هلل تعاىل ،واإلنسان مستخلف فيها ،وميكن أن نذكر بعض هذه اخلصائص وأمهها يف
املباحث اآلتية:
املبحث األول :االقتصاد اإلسالمي اقتصاد إهلي رابين وعقدي:
أوالً :اقتصاد إهلي رابين:
إذا كانت النظ االقتصادية الرأمسالية واالشرتاكية تقوم على القوانني اليت ويعها البشر فتستمد منها تشريعها
ومبادئها وخصائصها اليت تنظ احلياة االقتصادية للفرد واجملتمع فإن االقتصاد اإلسالمي إهلي يستمد قواعده
وأصوله ومبادئه وخصائصه من مصادر التشريع اإلسالمي اليت شرعها هللا عز وجل ،وقد ذكر القرآن الكرمي
والسنة النبوية كثرياً من املبادئ االقتصادية ،منها:
ِ ِ
ِ
ني فِيه[
1ـ املال مال هللا والبشر مستخلفون فيه ،قال سبحانه وتعاىلَ ] :وأَنف ُقوا ِمَّا َج َعلَ ُكم ُم ْستَ ْخلَف َ
ض وما فِي ِه َّن وهو علَى ُك ِل َش ٍ
[احلديد ،]7 :وقوله سبحانه وتعاىلِ ] :
ْك اْ َّ ِ
يء قَ ِدير[
هلل ُمل ُ
َ َُ َ
لس َم َوات َواْ ْ
ألر ِ َ َ
ّ
[املائدة.]120 :
ص ِ
ص ِ
ِ
ِِ ِ ِ
لرج ِ ِ
س ْْب[
2ـ احرتام امللكية اخلاصة :قال سبحانه وتعاىل ] :ل ِّ َ
يب ِّمَّا ا ْكتَ َسبُواْ َوللنّ َساء نَ ٌ
ال نَ ٌ
يب ِّمَّا ا ْكتَ َ
[النساء.]32 :
َّ ِ
آمنُواْ ال ََت ُكلُوا أ َْم َوالَ ُكم بَـ ْيـنَ ُكم
ين َ
3ـ احلرية االقتصادية املقيدة :قال هللا سبحانه وتعاىلَ ] :ايأَيـُّ َها الذ َ
ِ
ِ
ارةً َعن تَـ َر ٍ
اض ِّمن ُكم[ [النساء.]29 :
ِابلبَاط ِل إالَّ أ ْن تَ ُكو َن ِتَ َ
ب ال ُْم ْس ِرفِني[
اشربُواْ َوال تُ ْس ِرفُوا إنَّهُ ال ُُِي ُّ
4ـ ترشيد اإلنفاق :قال هللا سبحانه وتعاىلَ ] :وُكلُواْ َو َ
[األعراف.]31 :
َكم ِّم َن األ َْر ِ
استَـ ْع َم َرُك ْم فِ َيها[
ض َو ْ
5ـ التنمية االقتصادية وعمارة الكون :قال هللا سبحانه وتعاىلُ ] :ه َو أَن َشأ ُ
[هود.]61 :
ني
6ـ العدالة االجتماعية وحفظ التوازن بني أفراد اجملتمع :قال هللا سبحانه وتعاىلَ ] :ك ْي ال يَ ُكو َن ُدولَةً بَـ َْ
األَ ْغنِيَ ِاء ِمن ُك ْم[ [احلشر.]7 :
ِ ِ
يل َهلُ ْم ال تُـ ْف ِس ُدوا
7ـ محاية البيئة وعدم إفساد املوارد الطبيعية واالقتصادية :قال هللا سبحانه وتعاىلَ ] :وإذَا ق َ
ض قَالُوا إِ َّمنَا ََْنن مصلِحو َن ` أَال إِنَّـهم هم الْم ْف ِس ُدو َن ول ِ
ِيف األ َْر ِ
َكن ال يَ ْشعُ ُرون[ [البقرة 11 :ـ ،]12
ُُ ْ ُ
َ
ُْ ُُ ُ
وقال هللا سبحانه وتعاىلَ ] :وإ َذا تَـ َوََّّل َس َعى ِيف األ َْر ِ
ب
َّس َل َوهللاُ ال ُُِي ُّ
ك ا ْحلَ َ
ض لِيُـ ْف ِس َد ِف َيها ويـُ ْهلِ َ
رث والن ْ
الْ َف َساد[ [البقرة.]205 :
8ـ إابحة الطيبات وحترمي اخلبائث :قال هللا سبحانه وتعاىل ] :وُُِي ُّل َهلُم الطَّيِ ِ
بات َوُُيَ ِّرُم َعلَْي ِه ُم اخلَبَائِث [
ُ ّ
َ
[األعراف.]157 :
اء أ َْم َوالَ ُك ُم الَِِّت َج َع َل هللاُ لَ ُك ْم
9ـ استثمار املال وعدم َكسنزه :قال هللا سبحانه وتعاىلَ ] :وال تُـ ْؤتُواْ ُّ
الس َف َه َ
قِياماً وارُزقُ ِ
وهم َوقُولُواْ َهلُ ْم قَـ ْوالً َّم ْع ُروفاً[ [النساء.]5 :
ْكس ُ
َ َْ ُ
وهم ف َيها َوا ُ
إن من مقتمى كون االقتصاد اإلسالمي إهلياً ورابنياً مسؤولية الفرد واجملتمع عن القيام أبي نشاط اقتصادي
خيالف فيه شرع هللا عز وجل ،فإذا ما عصي هللا عز وجل بشيء من ذلك فإنه سبحانه وتعاىل سيجعل الفرد
ض َعن ِذ ْك ِري فَ َّ
إن
واجملتمع يف مشقة من العيش وأزمة اقتصادية يف الدنيا ،قال هللا سبحانه وتعاىلَ ] :وَم ْن أَ ْع َر َ
ك
ضنكاً[ [طه ،]124 :وسيسألون عما فعلوا يف اآلخرة ،قال هللا سبحانه وتعاىل ] :فَـ َوَربِّ َ
لَهُ َم ِعي َشةً َ
لَنَسأَلَنـَّهم أ ْ ِ
ني ` َع َّما َكانُوا يَـ ْع َملُون[ [احلجر 92 :ـ .]93
َمجَع َ
ْ ُْ
اثنياً :اقتصاد عقدي:
إن األسِ العقدية اليت يقوم عليها االقتصاد اإلسالمي وينبثق منها ويرتبط فيها لتوجيه النشاط االقتصادي
الوجهة الصحيحة هي اليت تنسج مع توجيهات العقيدة وترتتب عليها نتائج اقتصادية طيبة.
فالعقيدة اإلسالمية اليت ُتدف إىل ربط قلب املسل ابإلميان ابهلل عز وجل املالك األصلي واحلقيقي لكل ما يف
هذا الكون واإلميان ابليوم اآلخر الذي حياسب فيه كل امرئ على ما قدم وأخر ،ومراقبة هللا سبحانه وتعاىل يف
كل نشاط يقوم به هلا أثر عظي يف تصحيح مسرية االقتصاد والنشاط االقتصادي الفردي واجلماعي؛ حيث
يعتقد املسل أن هللا عز وجل خلقه لعمارة هذا الكون قال هللا سبحانه وتعاىلُ ] :ه َو أَن َشأ ُكم ِّم َن األ َْر ِ
ض
َواستَـ ْع َم َرُك ْم فَ َيها [ [هود ،]61 :وأن ما فيه من خريات ونع إَّنا سخرها هللا عز وجل له ،قال هللا سبحانه
ِ ِ
وتعاىل ] :وسخَّر لَ ُكم ال ُف َ ِ
َّر لَ ُك ُم َّ
س َوال َق َم َر
لك لتَ ْج َ
َّر لَ ُك ُم األَنْـ َهار ` َو َسخ َ
ري يف البَ ْح ِر ِب َْم ِره َو َسخ َ
ََ َ ُ
الش ْم َ
ني وسخَّر لَ ُكم الَّليل والنـَّهار ` وءاات ُكم ِمن ُك ِل ما سألتموه وإِن تَـعدُّواْ نِعم َ ِ
ِ
صوها إِ َّن
ت هللا ال ُحتْ ُ
ّ ّ َ َ ُُ ُ َ ُ ْ َ
َدائبَـ ْ ِ َ َ َ ُ َ َ َ َ َ َ
وم َك َّفار[ [إبراهيم 32 :ـ .]34
اإلنسا َن لَظَلُ ٌ
َ
وإن ملكية اإلنسان هي ملكية مؤقتة واملالك احلقيقي هو هللا عز وجل ،قال هللا سبحانه وتعاىل ] :إان َنن
نرث األرض ومن عليها وإلينا يرجعون [ [مرمي ،]40 :وأن هللا عز وجل فاوت يف الرزق بني العباد
وجعله درجات يف ذلك ،قال هللا سبحانه وتعاىل ] :وهللا فضل بعضكم على بعض يف الرزق فما الذين
فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أمياهنم فهم فيه سواء أفبنعمة هللا جيحدون [ [النحل.]71 :
املبحث الثاين :االقتصاد اإلسالمي اقتصاد ذو طابع تعبدي وأخالقي:
أوالً :اقتصاد ذو طابع تعبدي:
خلق هللا عز وجل اخللق لعبادته ،قال هللا سبحانه وتعاىل ] :وما خلقت اجلن واإلنس إال ليعبدون[
[الذارايت ،]56 :ومن فمله سبحانه وتعاىل على عباده أنه مل جيعل العبادة حمصورة فيما افرتض عليه بل
وسع من دائرُتا لتشمل كل عمل خري انفع يفيد الفرد واجملتمع بشرط إخالص النية فيه هلل تعاىل وكون هذا
العمل مشروعاً ،لقوله سبحانه وتعاىل ] :قل إن صاليت ونسكي وحمياي وِمايت هلل رب العاملني[ [األنعام:
.]162
وقد جعل النيب صلى هللا عليه وسل األعمال اليت يقوم هبا اإلنسان ملعيشته وكفاية نفسه وأهله وجمتمعه عبادة
يتقرب هبا العبد إىل هللا ،فالزارع يف حقله يثاب على عمله ،لقول النيب صلى هللا عليه وسل (( :ما من مسلم
يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طري أو إنسان أو هبيمة إال كان له به صدقة)).
اثنياً :االقتصاد اإلسالمي اقتصاد أخالقي:
ظلت العالقة بني االقتصاد والقي األخالقية مويع جدل ونقاش بني االقتصادين منذ القرن السابع عشر
امليالدي حىت يومنا هذا ،حيث يستبعد بعض االقتصاديني ربط األخالق ابالقتصاد ،وعلى هذا قامت النظ
االقتصادية املعاصرة اليت فصلت بني األخالق واالقتصاد ،ومل متيز بني ما هو أخالقي وما هو غري أخالقي يف
الع ِّامل االقتصادي مل يهت إال ابلوسائل اليت تشبع رغبات اإلنسان ،بغض النظر عن
أي سلوك اقتصادي؛ إذ َ
طبيعة هذه الرغبات ودوافعها وأهدافها ...فما يه االقتصادي إال إشباع رغبة اإلنسان أبي شكل كان ،وأبي
وسيلة ،ولو كانت حمرمة.
أما االقتصاد اإلسالمي فال يفرق بني االقتصاد واألخالق ،بل يربط بينهما برابط وثيق؛ إذ إن معظ أحكام
الشريعة اإلسالمية مرتبطة ابألخالق ،وتقوم على أسِ أخالقية وال سيما املعامالت املالية االقتصادية.
الصدق واألمانة :قال سبحانه وتعاىل ] :اي أيها الذين آمنوا ال ختونوا هللا والرسول وختونوا أماانتكم وأنتم
تعلمون[ [األنفال ،]27 :وقال سبحانه وتعاىل ] :اي أيها الذين آمنوا اتقوا هللا وكونوا مع الصادقني[
[التوبة ،]119 :وقال النيب صلى هللا عليه وسل (( :البيعان ابخليار ما مل يتفرقا فإن صدقا وبينَّا بورك هلما
يف بيعهما ،وإن كتما وكذاب حمقت بركة بيعهما)).
فهذه األصول األخالقية أتمر املسل ابلصدق واألمانة أثناء مزاولة النشاط االقتصادي فيكون صادقاً يف
معاملته مع اآلخرين ،وأميناً يف عمله ،فال خيون فيه ،وبناءً على هذه القي األخالقية استنبط الفقهاء املسلمون
مجلة من املعامالت االقتصادية ،وجعلوا الصدق واألمانة أساساً يف صحتها ،وترتُّب النتائج عليها ،مثال ذلك:
بيوع األمانة الِت تعتمد على حتديد الثمن فيها على ذكر رأس املال الذي اشرتى به البائع سلعته ،وهي
أنواع:
1ـ املراحبة :وهي بيع السلعة ابلثمن الذي اشرتيت به مع زايدة شيء معلوم من الربح.
2ـ الوضيعة أو احلطيطة :وهي بيع السلعة أبقل مما اشرتيت به ،أي :خبسارة معلومة.
3ـ التولية :وهي بيع السلعة بنفِ الثمن الذي اشرتيت به ،أي :البيع بال ربح وال خسارة ،وهي نقل مجيع
املبيع من البائع إىل املشرتي بنفِ الثمن الذي اشرتى به ،من غري زايدة وال نقصان.
ومسيت هذه البيوع بيوع األمانة؛ ألن البائع مؤمتن يف إخباره عن الثمن الذي اشرتى املبيع به.
إَّنا ذكرانه من األدلة الشرعية وغريها كثري يرد بشكل صريح على أولئك الذي يزعمون أن اإلسالم ليِ إال
وصااي أخالقية يف االقتصاد ليست هلا أي صفة إلزامية ،ومن هنا يبدو أن االقتصاد اإلسالمي هو النظام
الوحيد الذي ربط بويوح بني االقتصاد واألخالق.
املبحث الثالث :االقتصاد اإلسالمي اقتصاد إنساين عاملي وواقعي:
أوالً :اقتصاد إنساين عاملي:
ملا كان اإلسالم ديناً عاملياً إنسانياً أبدايً لقوله سبحانه وتعاىل ] :وما أرسلناك إال رمحة للعاملني[ [األنبياء:
]107فإن كل ما يتصل به أيخذ هذه الصفة؛ لذلك يكون االقتصاد اإلسالمي اقتصاداً إنسانياً عاملياً.
ومما يدل على ذلك أن االقتصاد اإلسالمي مل يفرق يف املعاملة بني فرد وآخر أو بني شعب وآخر أو بني أمة
تؤدوا األماانت إَّل
وأخرى ،ولذلك كان التشريع للناس كافة ،يقول هللا سبحانه وتعاىل ] :إن هللا أيمركم أن ُّ
أهلها وإذا حكمتم بني الناس أن حتكموا ابلعدل[ [النساء.]58 :
اثنياً :اقتصاد واقعي:
االقتصاد اإلسالمي اقتصاد واقعي ألنه يراعي يف نظرته االقتصادية واقع الفرد واجملتمع فريى متطلباته من خالل
الواقع الذي يعيش فيه ،فينظر إىل إمكانياته وظروفه وبيئته وطبيعته وفطرته ...فال حيمله من التكاليف ما ال
يطيق ،قال هللا سبحانه وتعاىل ] :ال يكلف هللا نفساً إَّل وسعها[ [البقرة.]286 :
إن الرأمسالية على الرغ من اإلبداع املادي الذي حققته مل حتل مشكالت اإلنسان ومل تستطع إسعاده؛ ألهنا مل
تنظر إىل هذا اإلنسان على أنه سيد هذا الكون ،بل جعلته يسابق الريح من أجل احلصول على أكرب مبلغ
ممكن من املال ،فهو يسعى إىل الربح ولو على حساب اآلخرين ،فجعلت من الفرد آلة ،وهللا عز وجل أراد
لإلنسان أن يكون مهندساً لآللة ال آلة.
الراب يف َّ
أهم اخلصائص التَّشريعية
الشريعة اإلسالميَّة من ِّ
حترمي ّ
حترمي الراب مما ثبت ابلكتاب والسنة واإلمجاع ،بل هو مما عل من دين الرسل ابلمرورة ،فهو مل حيل شريعة قط.
ومن أدلة حترميه من الكتاب:
قوله تعاىل } :الذين أيكلون الراب ال يقومون إال كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من املس ذلك ِبهنم
قالوا إمنا البيع مثل الراب وأحل هللا البيع وحرم الراب فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره
إَّل هللا ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ` ميحق هللا الراب ويريب الصدقات وهللا ال ُيب
كل كفار أثيم{ [البقرة 275 :ـ .]276
إىل قوله تعاىل } :اي أيها الذين آمنوا اتقوا هللا وذروا ما بقي من الراب إن كنتم مؤمنني ` فإن مل تفعلوا
فأذنوا حبرب من هللا ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ال تظلمون وال تظلمون{ [البقرة 278 :ـ
.]279
ويف هذه اآلية رد قاطع على زع من زع أن الراب ال حيرم إىل إذا كان أيعافاً مماعفة؛ ألن هللا عز وجل مل
يبح إىل رؤوس األموال دون الزايدة عليها.
ومن السنة:
ما جاء يف الصحيح من حديث جابر أنه قال(( :لعن رسول هللا صلى هللا عليه وسل آكل الراب ومؤكله
وكاتبه وشاهديه))" ،مسل بشرح النووي"" ،26/11 :أمحد"" ،83/1 :ابن ماجة".764/2 :
وما رواه احلاك يف صحيحه عن عبدهللا أن النيب صلى هللا عليه وسل قال(( :للراب سبعون ابابً أيسرها أن
ينكح الرجل أمه ،وإن أرىب الراب عرض الرجل املسلم))" ،املستدرك".37/2 :
وما جاء يف الصحيحني من حديث أيب هريرة :أن النيب صلى هللا عليه وسل قال(( :اجتنبوا السبع املوبقات،
قيل اي رسول هللا :ما هي؟ قال :الشرك ابهلل ،والسحر ،وقتل النفس الِت حرم هللا إالَّ ابحلق ،وأكل الراب،
وأكل مال اليتيم ،والتويل يوم الزحف ،وقذف احملصنات الغافالت املؤمنات))" ،البخاري"،12/4 :
"مسل بشرح النووي".477/1 :
وما رواه الرتمذي من قوله صلى هللا عليه وسل يف خطبة الوداع(( :أال وإن كل راب اجلاهلية موضوع))...
"الرتمذي"" ،273/5 :ابن ماجة"(( ،1015/2 :وراب اجلاهلية موضوع ،وأول راب أضع رابان ـ راب عباس
بن عبد املطلب ـ فإنه موضوع كله)).
وهذا اإلهدار للراب وإن كان فيما كان أصله يف اجلاهلية ،فإن ما يستأنف من ذلك يف اإلسالم ألشد حترمياً
وأ سَوىل بعدم اجلواز.
ومن اإلمجاع:
و َّأما اإلمجاع فقد أمجع املسلمون يف سائر األعصار واألمصار على حرمته يف اجلملة وقد نقل هذا اإلمجاع
فقهاء املذاهب مجيعاً.
هذا وإن حرمة الراب أظهر من أن يستدل عليها ،فهي يف ثبوُتا كثبوت أصول الفرائض ،كوجوب الصالة
والصيام والزكاة واحلج ،ومن هنا كان اإلسهاب يف تقرير ذلك من انفلة القول.
ومن طرائف ما يروى أن رجالً أتى مالك بن أنِ فقال :اي أاب عبدهللا :رأيت رجالً سكران يتفاقر يريد أن
أيخذ القمر بيده ،فقلت :امرأيت طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من اخلمر ،فقال :ارجع حىت أتفكر
يف مسألتك ،فأاته من الغد فقال :امرأتك طالب ،إين تصفحت الكتاب والسنة فل أر شيئاً أشر من الراب؛
ألن هللا تعاىل آذن فيه ابحلرب ،أي :يف قوله تعاىل } :فأذنوا حبرب من هللا ورسوله{ [البقرة]279 :
حترمي الراب يف مجيع الشرائع السماوية:
مل يقتصر حترمي الراب على الشريعة اإلسالمية بل امتد ليصبح من احلقائق املسلمة يف مجيع الشرائع السماوية.
جاء يف العهد القدمي:
((إذا أقريت ماالَ ًً ألحد من أبناء شعيب فال تقف منه موقف الدائن ،ال تطلب منه رحباً ملالك)).
وجاء فيه أيضاً:
((إذا افتقر أخوك فامحله ...ال تطلب منه رحباً وال منفعة)).
( 25ـ 35من سفر الالويني)
إال َّ
أن اليهود ال يرون مانعاً من أخذ الراب من غري اليهودي كما يف سفر التثنية ،بل قد استحلوا فيما بينه
ذلك أبنواع من احليل ،وقد بكته القرآن الكرمي بذلك يف قوله تعاىل } :وأخذهم الراب وقد هنوا عنه وأكلهم
أموال الناس ابلباطل{ [النساء.]161 :
أي أن هللا قد هناه عن الراب فتناولوه وأخذوه ،واحتالوا عليه أبنواع من احليل وصنوف من الشبه وأكلوا أموال
الناس ابلباطل.
ويف العهد اجلديد:
((إذا أقريت ملن تنتظرون منه املكافأة فأي فمل يعرف لك ؟ ولكن افعلوا اخلريات وأقريوا غري منتظرين
عائداُتا وإذن يكون ثوابك جزيالً)).
( 34ـ 35ـ 36اجنيل لوقا)
وقد اتفقت كلمة الكنيسة على حترمي الراب حترمياً قاطعاً استناداً إىل هذه النصوص.
يقول سكوابر(( :إن من يقول إن الراب ليِ مبعصية يعد ملحداً خارجاً عن الدين)).
ويقول األب بوين(( :إن املرابني يفقدون شرفه يف احلياة الدنيا ،وليسوا أهالً للتكفني بعد موُت )).
أما يف املذاهب الوضعية:
فإن حترمي الراب والتفطن إىل خطورته مل يقتصر فقط على طائفة العلماء واألحبار والرهبان ،بل تعدى ذلك إىل
غريه من الويعيني فلقد تفطن كثري من قادة االقتصاد يف الغرب إىل مساوئ الراب وجنايته على البشرية
فأعلنوا عليه حرهب كذلك بال هوادة ،ومن هؤالء:
االقتصادي الربيطاين آدم مسيث يف القرن الثامن عشر.
كيسنز الربيطاين يف القرن العشرين.
شاخت األملاين.
ولقد ألقى هذا األخري حمايرة بدمشق عام 1952م جاء فيها:
((إن بعملية راييية ـ غري متناهية ـ يتمح َّ
أن مجيع املال يف األرض صائر إىل عدد قليل جداً من املرابني؛ ذلك
أن الدائن املرايب يربح دائماً يف كل عملية ،بينما املدين معرض للربح واخلسارة ،ومن مث فإن املال كله يف النهاية
ال بد ـ ابحلساب الراييي ـ أن يصري إىل الذي يربح دائماً وإن هذه النظرية يف طريقها للتحقيق الكامل؛ فإن
معظ مال األرض اآلن ميلكه ـ ملكاً حقيقياً ـ بمعة ألوف ،أما مجيع املالك وأصحاب املصانع الذين
يستدينون من البنوك والعمال وغريه فه ليسوا سوى أجراء يعملون حلساب أصحاب املال ،وجيين مثرة كده
أولئك األلوف))
مفهوم االستثمار يف الفكر اإلسالمي
يتميز االستثمار اإلسالمي أبن له طبيعة خاصة ومتميزة حيث يعد استثمار املال وتنميته واجباً شرعياً انطالقاً
من قوله صلى هللا عليه وسل (( :من ويل يتيماً فليتجر له يف ماله وال يرتكه حىت َتكله الصدقة)) ،ويعد
احملافظة على األموال من مقاصد الشريعة ،واليت ذكرها الشاطيب(( :حفظ الدين والنفِ والعقل والعرض
واملال)).
ويعد الربح يف الفكر اإلسالمي وقاية لرأس املال؛ حيث جيمع مجهور الفقهاء على أنه(( :ال ربح إالَّ بعد
سالمة رأس املال)) ،وعلى أن الربح وقاية لرأس املال وجابر له من اخلسران الذي يلحق به.
أ ـ معايري استثمار األموال يف اإلسالم:
ويع اإلسالم جمموعة من املعايري اليت حتك استثمار األموال من أمهها:
1ـ معيار العقيدة؛ حيث ينطلق استثمار املال وفقاً للموابط الشرعية وأن املال مال هللا واإلنسان مستخلف
فيه ،وجيب استخدامه بعيداً عن الراب.
2ـ املعيار األخالقي؛ حيث يلتزم الفرد املسل مبجموعة من القي األخالقية عند استثمار األموال من أمهها:
عدم الغش ،وعدم أكل أموال الناس ابلباطل.
3ـ معيار التنمية؛ حيث يهدف التشغيل الكامل لرأس املال إىل حتقيق التنمية االجتماعية واالقتصادية ،وعلى
أن يت مراعاة أولوايت االستثمار وهي المرورايت واحلاجيات والتحسينات.
4ـ معيار ربط الكسب ابجلهد ،وهو من القواعد الشرعية اليت حتك املعامالت يف اإلسالم ،فال كسب بال
جهد وال جهد بال كسب.
5ـ معيار الغنم ابلغرم ،وهو الربح مقابل اخلسارة ،وينطلق هذا املعيار من القاعدة الشرعية( :اخلراج
ابلضمان) واليت تعين أن من يمن أصل شيء فله ما خيرج منه من ربح أو خسارة.
ب ـ السمات الِت يتميز هبا االستثمار يف البنوك اإلسالمية:
يتميز االستثمار يف البنوك اإلسالمية ابلعديد من السمات من أمهها:
1ـ التعدد والتنوع مبا يوفر أساليب تتناسب مع كافة االحتياجات.
2ـ البعد عن استخدام أسعار الفائدة.
3ـ متسك إدارة البنك اإلسالمي ابملفهوم احلقيقي للنقود ابعتبارها وسيلة لالستثمار وليست سلعة؛
حيث إن النقود كما قال ابن القيم هي :رؤوس أموال وجدت ليتجر هبا ال فيها.
4ـ ربط املشروعات االستثمارية ابالحتياجات احلقيقية للمجتمع عمالً أبولوايت االستثمار يف الشريعة:
(الضرورايت واحلاجيات والتحسينات).
5ـ االلتزام ِبحكام اإلسالم إابحة أو منعاً يف خمتلف األنشطة االستثمارية للبنك.
6ـ إن مجيع األساليب تضمن استخدام التمويل يف االقتصاد احلقيقي مبعىن توجيهها إلنتاج وتوزيع
السلع واخلدمات.
7ـ حتقيق العدالة بني طريف املعاملة االستثمارية.
وابختصار :إنه اقتصاد استثماري إنتاجي حقيقي يقوم بتنمية اجملتمع مادايً ومعنوايً ،دينياً ودنيوايً.
جمموعات الصيغ الِت تتعامل هبا املصارف اإلسالمية
َّ
إن أسلوب تعامل البنوك اإلسالمية يعتمد َّناذج جديدة مبتكرة للطرق التمويلية بعيدة عن استخدام أسعار
الفائدة الثابتة ،فهذه األدوات اإلسالمية البديلة مصممة بشكل تنحاز فيه لصاحل النشاط احلقيقي املنتج ال
النشاط النقدي الطفيلي ،وهي بذلك تؤدي دوراً مهماً يف دفع احلركة االقتصادية واإلنتاجية يف اجملتمع ،كما أن
هذه األدوات والصيغ تالمِ االحتياجات الفعلية للعمالء ،وتتفق مع املبادئ واألحكام الشرعية للمعامالت،
وبذلك فإهنا تكون أقرب ملشاعر ونفسية اجملتمعات اإلسالمية ،وميكن تقسي هذه الصيغ وأساليب التمويل
املنتشرة حالياً لدى البنوك واملصارف اإلسالمية إىل أربع جمموعات رئيسية كل جمموعة هلا خصائص حمددة
متيزها وحتدد طبيعتها ،كما يندرج يمن كل منها عدد من العقود املختلفة املعروفة اليت تتعامل هبا البنوك
واملصارف اإلسالمية واليت هي مستمدة أساساً من الفقه اإلسالمي ،وهذه اجملموعات األربع هي:
ـ جمموعة صيغ ِّ
االِتار.
ـ وجمموعة صيغ اإلجيار.
ـ وجمموعة صيغ االشرتاك.
ـ وجمموعة صيغ االسرتابح.
أما جمموعة ِّ
االّتار فهي تشمل الصيغ واألساليب القائمة على التمويل ابلبيوع ،أي :عمليات الشراء بقصد
البيع؛ للحصول على الربح احلالل املتمثل يف الفرق بني تكلفة الشراء ومثن البيع ،ومتكن هذه الصيغ من تقدمي
املواد األوىل وخمتلف البمائع والسلع واألصول لكل من حيتاجها ،وأه خصائص هذه اجملموعة أهنا:
ـ متكن من توفري احتياجات األفراد أو املؤسسات من السلع والبمائع املختلفة.
ـ تنقل ملكية السلع والبمائع من البائع إىل املشرتي مبجرد التعاقد.
ـ يندمج الربح فيها مع الثمن املؤجل ،ويعترب جزءاً ال يتجزأ من القيمة التمليكية.
ويالحظ هنا أن هذه اجملموعة تتممن خمتلف عقود البيوع املعروفة ،مثل :بيع األجل ،وبيع املراحبة املؤجلة،
وبيع السلم ،وبيع االستصناع.
وبيع األجل وبيع املراحبة كما ّتريه البنوك اإلسالمية ينتج عنهما مديونية اثبتة يف ذمة املشرتي؛ ألن البنك
يلعب دور البائع يف هذه الصيغ؛ حيث إنه بعد شراء السلع واألصول ومتلكها يقوم ببيعها ابألجل أو ابملراحبة
لعميله ،وابلتايل يقوم البنك هنا بتمويل عمالئه بصفته مشرتين للسلع.
بينما األمر معكوس يف عقد السل ؛ ألن الدور األساسي الذي يلعبه البنك يف هذه احلالة هو دور املشرتي
وليِ البائع ،فالبنك مبوجب عقد السل يشرتي سلعة موصوفة يف الذمة مقابل دفعه الثمن كامالً لعميله البائع
عند إبرام العقد وابلتايل يقوم البنك هنا بتمويل عمالئه بصفته ابئعني للسلع ،وحسب عقد السل فإن البنك
اإلسالمي يستل السلعة يف األجل املتفق عليه ،ولكنه سوف لن يبقي هذه السلعة لديه ،بل سيعمل على
تصريفها وكسب رحبه من إعادة بيعها للغري بسعر أعلى ،والبنك هنا أمامه عدة خيارات:
ـ فقد يقوم إببرام عقود سل موازية؛ حبيث يبيع ابلسل سلعة من نفِ مواصفات السلعة اليت اشرتاها ،وقد يبيع
نفِ الكمية اليت اشرتاها بعقد واحد ،أو يبيع كميات جمزئة منها بعقود متعددة.
ـ وقد حيصل البنك على وعد من طرف اثلث مستفيد يلتزم مبوجبه بشراء سلعة من نفِ مواصفات السلعة
املربم بشأهنا عقد السل ،وعليه بعد أن يستل البنك السلعة يف األجل يقوم ببيعها على هذا الطرف الثالث
الواعد ابلشراء ،وهذا األسلوب يسمى السل املقرتن ابلوعد ابلشراء.
ـ وقد يقوم البنك بتوكيل البائع ابلسل بتصريف السلعة وبيعها للغري نيابة عن البنك ملعرفته األوسع أبوياع
السوق واملتعاملني فيه ويسمى هذا األسلوب ابلسل مع توكيل البائع.
أما ابلنسبة لعقد االستصناع فإن البنك ميكن أن يدخل يف التمويل مع عميله إما بصفته صانعاً أو مستصنعاً:
فإذا كان عميله الراغب يف التمويل هو جهة تقوم ابلتصنيع واإلنتاج فهنا يدخل البنك كمستصنع حبيث
يشرتي مبوجب عقد االستصناع سلعة حمددة املواصفات يتسلمها يف األجل ويدفع مثنها معجالً أو مقسطاً أو
مؤجالً ،مث بعد أن يستل هذه السلعة املصنوعة يسعى إىل تصريفها أبي شكل من األشكال اليت ذكرانها يف
السل حبيث يربم عقد استصناع موازايً يكون فيه هو البائع الصانع ،أو حيصل على وعد بشراء السلعة
املصنوعة يف األجل بعد تسلمها ،أو يوكل عميله الصانع ببيع السلعة نيابة عنه.
ويف حالة قيام البنك بدور الصانع فإنه حينئذ يقوم بتمويل عمالئه بصفته املشرتين للسلع املصنوعة والذين ال
ميكنه دفع مثنها نقداً للمقاول فيتوسطون يف هذه املعاملة ،والبنك بعد أن يتعاقد مع عمالئه على بيع السلعة
املصنوعة يقوم إببرام عقد استصناع موا ٍز مع أحد املقاولني حىت يتمكن بعد شرائها وتسلمها من تسليمها
للعميل املشرتي ،وهذا ما يسمى ابالستصناع واالستصناع املوازي.
إن هذه العقود :البيع ابألجل ،واملراحبة ،وعقد السل ،واالستصناع ،أصبحت واحلمد هلل من األساليب
املستخدمة بكثرة يف نشاط البنوك اإلسالمية ،وقد مت تقنني هذه العمليات بشكل مفصل وحمدد ،كما مت يبط
إجراءاُتا وشروطها وأحكامها مبا حيقق إبذن هللا حسن التنفيذ والتطبيق.
أنيت اآلن إىل اجملموعة الثانية ،وهي جمموعة أساليب اإلجيار:
فهي ختتلف عن اجملموعة السابقة أساساً؛ من حيث إهنا ال تنقل ملكية العني نفسها ،وإَّنا تنقل فقط ملكية
املنفعة ،فهذه األساليب متكن من احلصول على األعيان واألصول ليِ المتالكها ،وإَّنا لالنتفاع ابستخدامها
خالل مدة زمنية حمددة مقابل أجر معلوم.
وخالل كامل مدة اإلجارة يبقى البنك املمول بصفته املؤجر هو مالك األعيان واألصول وابلتايل هو الذي
يتحمل تبعات وخماطر هالك العني املؤجرة؛ ألهنا ابقية على ملكه ،وهو الذي يلتزم بصيانتها األساسية نظري
استمراره يف استحقاق األجرة.
وجند يف تطبيقات البنوك اإلسالمية ثالثة أنواع رئيسية من اإلجارة:
ـ فهناك اإلجارة التشغيلية اليت يتوىل فيها البنك إجارة العني مرة تلو األخرى حىت ال تبقى بدون استعمال إال
لفرتات قصرية ،ويتحمل البنك يف ذلك خماطر ركود السوق وافخفاض الطلب على تلك األعيان مما يؤدي إىل
خماطر عدم استغالهلا.
ـ وهناك اإلجارة املنتهية ابلتمليك ،وهي ختتلف عن اإلجارة التشغيلية من حيث إن ملكية األعيان املؤجرة
تؤول يف هناية عقد اإلجارة إىل املستأجر نفسه بعد سداده لكامل أقساط اإلجارة ،وذلك طبقاً ملا يصدره
املؤجر من وعد ابلبيع أو إبرامه لعقد هبة معلق على شرط السداد ،ويكون الوعد ابلبيع أو اهلبة املعلقة على
شرط السداد يف عقد منفصل عن عقد اإلجارة ،وتسري بطبيعة احلال مجيع أحكام اإلجارة التشغيلية على
اإلجارة التمليكية قبل انتقال ملكية األعيان إىل املستأجر.
ـ وهناك نوع اثلث من اإلجارة طبقته البنوك اإلسالمية وإن كان بشكل أقل وهي اإلجارة املوصوفة يف الذمة،
ففي هذه احلالة ال تكون العني املؤجرة موجودة معينة تسل عند التعاقد وإَّنا تكون اإلجارة على منفعة عني
موصوفة بصفات دقيقة يتفق عليها متنع حدوث أي تنازع ،ويلتزم املؤجر ابحلصول عليها لتسليمها يف التاريخ
احملدد وتكون هذه اإلجارة املوصوفة شبيهة بعقد السل ولكن ال يشرتط فيها تعجيل األجرة.
وعموماً تتميز عقود اإلجارة مبختلف أنواعها يف كون الربح فيها مستقالً عن قيمة العني؛ ألنه عبارة عن أجر
حيصل مع ّتدد املنفعة ،ولذلك تكون اإلجارات مرتبطة ابلزمن ،وتكون سالمة العني طيلة فرتة العقد من
مسؤولية املالك املؤجر.
وبعد هاتني اجملموعتني :جمموعة أساليب ِّ
االّتار ،وجمموعة أساليب اإلجيار ،هناك أيضاً جمموعتان أُ ْخ َراين
ومها :جمموعة أساليب االشرتاك ،وجمموعة أساليب االسرتابح ،ويندرج يمن جمموعة االشرتاك خمتلف أنواع
املشاركات اليت يساه فيها خمتلف األطراف يف تقدمي رأس املال سواء كان رأس املال هذا من النقود كما يف
شركات األموال ،أو كان عمالً كما يف شركات األبدان ،أو األعمال املعروفة يف الفقه اإلسالمي ويتميز هذا
النوع من األساليب ابشرتاك خمتلف املسامهني يف العمل واإلدارة والتصرف يف املال فهو حق لكل منه ،كما
يتميز ابشرتاكه مجيعاً يف األرابح الناّتة وفقاً ملا يتفقون عليه من نسب ،أما اخلسارة فإهن يتحملوهنا مجيعاً
حبسب حصص مسامهته يف رأس املال أو يف يمان الديون.
وهذه اجملموعة من أساليب االشرتاك ختتلف عن جمموعة أساليب االسرتابح من الناحية التمويلية ،ففي هذه
األخرية ال يوجد اشرتاك مجيع املسامهني يف تقدمي رأس املال ،كما أهن ال يتحملون مجيعاً اخلسارة ،فهناك فصل
اتم بني اجلهة املالكة بني رأس املال واجلهة اليت تقوم ابلعمل والتصرف فيه.
كما تتميز أساليب االسرتابح أبن الطرف املقدم لرأس املال هو الذي يتحمل وحده اخلسارة إن حدثت ،أما
الربح فهو يوزع بني خمتلف األطراف حسب االتفاق؛ ألن الغاية من عقود االسرتابح هو حتقيق الربح
واالشرتاك فيه ،ويندرج يمن جمموعة االسرتابح:
1ـ عقود املماربة إذا كان رأس املال نقوداً.
2ـ عقود املزارعة إذا كان رأس املال املقدم عبارة عن أرض يزرعها املزارع لقسمة احلاصل بني الطرفني
ابحلصص املتفق عليها وقت العقد.
3ـ وعقود املساقات يف حالة تقدمي أشجار ملن يصلحها بنصيب شائع معلوم من الثمر ،ومسيت بذلك ألن
أه األعمال اليت يصلح هبا الشجر هو السقي.
هذه هي إذاً اجملموعات األربع الرئيسية لصيغ وأساليب التمويل اإلسالمية ،وهي جمموعات لكل منها ذاتيتها
وخصائصها ،ميكن للبنوك واملصارف اإلسالمية أن تبين على أساسها عدداً من العقود األخرى املستجدة وفقاً
الحتياجات املتعاملني معها طاملا كانت هذه العقود متفقة مع الموابط العامة واملبادئ املقررة.
4ـ وتعترب سندات املقارية ـ أي :املماربة عند احلنفية ـ من األدوات األوىل اليت مت تصميمها ،وهي األكثر
استخداماً يف واقع البنوك واملصارف اإلسالمية ،وهذه السندات متثل حصص مشاركة يف أصول ومنافع مت
تكوينها من االكتتاب يف رأس مال مشروع أو مشروعات معينة ،وهي تقوم على أساس عقد املماربة الشرعية،
فيمثل أصحاب هذه السندات أرابب مال ،أما اجلهة اليت تصدرها فهي متثل املمارب الذي يتمتع حبق اإلدارة
والتصرف ابملشروع وحق اختاذ القرارات اإلدارية واالستثمارية املتعلقة ابملشروع وذلك من أجل حتقيق الربح
وتوزيعه بينه وبني أرابب املال ابلنسب املتفق عليها.
وميكن للمستثمرين أفراداً أو مؤسسات االستفادة من سندات املقارية هذه الستقطاب األموال الالزمة إذا ما
رغبت يف إنشاء مشروعات جديدة أو توسيع مشروعات قائمة مع سعيها يف احملافظة على حقها يف اإلدارة
والتصرف.
5ـ وهناك سندات السل اليت ميكن أن تصدرها الدولة لتوفري املوارد العاجلة مقابل التزامها بتقدمي كمية حمددة
من السلع القابلة للوصف يف اتريخ معني مثل :البرتول ،والغاز ،واحلبوب ،وغريها ،وتبيع الدولة هذه السلع
أبسعار منخفمة؛ حبيث حيقق مالكها كسباً من فارق سعر الشراء وسعر السلعة يف اتريخ تسلمها ،كما
تتممن هذه السندات عادة توكيل الدولة ببيع املنتج بعد التسلي نيابة عن صاحب السند ،وهذه السندات
غري قابلة للتداول؛ ألهنا متثل ديوانً ،وهي من قبيل بيع املسل فيه قبل قبمه املمنوع شرعاً.
6ـ وتنطبق نفِ الصيغة السابقة على سندات االستصناع من حيث املبدأ؛ ألن االستصناع كما يقول
الفقهاء :هو السل يف الصناعات ،واالختالف األساسي بينهما أن املبيع يف االستصناع يشرتط أن يكون مما
يصنع صنعاً ،وليِ من املنتجات اليت ال تدخلها الصنعة كاملواد اخلام واملنتجات الزراعية وغريها ،لذا ميكن
للجهات احلكومية استخدام سندات االستصناع يف متويل بيوت السكن واجملمعات وَنوها ،وهي ال تقبل
التداول إال بعد تسلم املصنوعات الِت هلا منافع قابلة للتأجري.
7ـ وهناك أيماً سندات إجارة األعيان اليت ميكن أن تصدرها اجلهات احلكومية بنفسها أو عن طريق البنوك
واملصارف ،ومتثل هذه السندات ملكية أصول اثبتة يت أتجريها إىل تلك اجلهات احلكومية مقابل أجرة حمددة.
8ـ كما يوجد نوع آخر من سندات اإلجارة ،وهي سندات إجارة اخلدمات ،وهي تصلح للجهات
احلكومية اليت تقدم خدمات معينة للمواطنني مبقابل مثل اخلدمات الصحية وخدمات اهلاتف ،والتعلي اجلامعي
وغريها من اخلدمات العامة ،ففي هذه احلالة ميكن لتلك اجلهات احلكومية إصدار سندات خدمات يستحق
حاملها يف األجل احملدد احلصول على اخلدمة املوصوفة يف الذمة مقابل تعجيله مثنها عند شراء السند ،وبذلك
فإن املواطن املستثمر يف سندات إجارة اخلدمات يستفيد من افخفاض مثن اخلدمة املدفوع مقارنة بثمنها عند
األجل ،كما تستفيد الدولة من توفر السيولة الالزمة لديها.
وال بد من اإلشارة أن هذه السندات مبختلف أنواعها ميكن أن تتوىل البنوك واملصارف مهمة طرحها لالكتتاب
العام ،كما ميكن أن تقوم هذه البنوك بدور املتعهد بتغطية االكتتاب فيها ،أبن تشرتي املوجودات مجلة مث
تبيعها مفرقة للمكتتبني هبامش ربح ،كما نشري إىل أن أه ميزة هلذه السندات هي قابلية أكثرها للتداول ما
عدا( :سندات السلم واالستصناع يف حاالت خاصة)؛ حيث إهنا إذا كانت متثل موجودات حقيقية فال مينع
شرعاً انتقال ملكيتها من مستثمر آلخر ،لتوافر الموابط الشرعية لذلك ،وهو األمر الذي سيساعد بال شك
يف سرعة انتشارها ،وميكن أن تقوم البنوك واملصارف اإلسالمية كذلك بدور املتعهد إبعادة الشراء لضمان
حركة التداول.
وأخرياً :إن ما ذكرانه من َّناذج سابقة هو يف احلقيقة بعض َّناذج األدوات املالية املشروعة اليت ميكن االستفادة
منها من قبل اجلهات احلكومية من أجل تعبئة املوارد اليت حتتاجها سواء مت ذلك مباشرة أو من خالل البنوك
واملؤسسات املالية ،وال زالت هناك جهود كبرية من أجل يبط التعامل هبذه السندات املختلفة.
ويف هذا اخلصوص جيب أن يتحقق مزيد من التعاون بني اجلهات احلكومية والبنوك اإلسالمية ممثلة يف قياداُتا
الفنية وهيئاُتا الشرعية ورجال الفكر واملال املتهمني هبذا اجملال ،وذلك حىت نصل إىل املرحلة اليت تكون فيها
هذه األدوات املالية مؤسسة على قوانني وأنظمة مقررة يف خمتلف الدول اإلسالمية؛ حبيث يت استخدامها يف
يوء تلك املقررات ملا خيدم مصلحة مجيع اجلهات
ملحوظة هامة:
أقول :كل الصيغ والعقود اليت اختلف يف مشروعيتها أو يف بعض شروطها أو أوصافها أو أحكامها يرجع فيها
إىل قرارات اجملامع الفقهية اإلسالمية ،ويف حال اختالفها فإن للهيئة الشرعية يف املصارف اإلسالمية أن ختتار
ما تراه راجحاً ابلدليل مع مراعاة املصلحة العامة ومالءمة الزمان واملكان حتقيقاً ملقاصد الشريعة الغراء؛ حبيث
ّتمع بني يوابط القواعد وسعة املقاصد.
خالصة
1ـ َّ
إن مجاع القول يف األعمال املصرفية اليت تت يف املصارف الربوية أهنا إما خدمة مقابل أجر وإما إقراض
نظري فائدة وعوائدها إما عمولة وإما فائدة .
واألوىل ال أبس هبا ألن اإلجارة جائزة شرعا على أن يكون األجر مقطوعاً ال يتكرر إال بتكرار اخلدمة حىت ال
ختفي العمولة يف طياُتا مآرب ربوية.
وأما الفائدة فهي صريح الراب الذي نزل القرآن الكرمي بتحرميه وقد ثبت ُتافت مجيع التخرجيات اليت حاول
أصحاهبا تربير الفائدة على وجه أو على آخر .
2ـ وإن مجاع القول يف التطوير اإلسالمي للعمل املصريف أنه يبقي اخلدمات املأجورة ويمع لعمولتها من
الموابط ما ينفي عنها شبهة الراب ،ويستعيض عن العقود الربوية عقود االستثمار الشرعية اليت تقوم على فكرة
التجر واملشاركة أو القرض احلسن الذي قد يرى املصرف اإلسالمي تقدميه يف بعض احلاالت.
3ـ إن عقد املماربة الشرعية قادر بشيء من التوسع يف أحكامه على الوفاء حباجات العمل املصريف وإن
مجيع الدفوع اليت طعن هبا البعض يف صالحية هذا العقد لالستثمار اجلماعي يف املصارف فيها نظر.
4ـ جواز املماربة املؤقتة واملماربة ابلدين إن كان على مأل واجلميع بني الشركة واملماربة وإن املماربة تلزم
ابلشروع يف العمل إىل خلوص املال يف إابنه .
5ـ إن تثبيت العائد يف عقد املماربة يفسدها ألن األصل يف ربح املماربة أن يكون على الشيوع بني
املمارب وبني رب املال فإذا أييف إىل تثبيت العائد الذي يناله رب املال فكرة تممني املصرف ألموال
املماربة فقد حتولت املعاملة إىل قرض ربوي يف حقيقة األمر وإن استعريت هلا أمساء أخرى .
6ـ إنه ميكن للمصرف اإلسالمي أن يعتمد على بقية عقود االستثمار كاملشاركة واملراحبة والسل واالستصناع
يف ترتيب أعماله االستثمارية وال وجه العرتاض البعض أبن هذه عقود استثمار مباشر ال شأن هلا ابألعمال
املصرفية وذلك ألن مفهومك األعمال املصرفية مل يتفق عليه عامليا حىت هذه اللحظة.
7ـ جواز السل احلال كما هو مذهب الشافعي رمحه هللا وجواز االستعاية عن دين السل قبل قبمه من
املسل إليه شريطة أال يرابح رب السل مرتني أي ال يستعيض عنه مبا هو أكثر قيمة منه كما أثر ذلك عن ابن
عباس وغريه من أهل العل وأن هذا العمل من جنِ الوفاء ابلدين وليِ من جنِ البيع .
8ـ أنه ال جيوز ملن اشرتى شيئا أن يبيعه قبل قبمه وفقا للراجح من أقوال أهل العل وأن هلذا املبدأ دوره اهلام
يف ترتيب العمل يف املصرف اإلسالمي حيث يلزمه يف عمليات املراحبة وحنوها أن يتوىل فعال شراء السلع بنفسه
وأن يقبمها فعال وفقا ملا فصلناه من أحكام القبض حىت يتمكن من بيعها إىل اآلمر بعد ذلك وبذلك يغلق
اباب من أخطر أبواب التالعب والغرر وهو ماتقوم به البورصة العاملية من املمارابت الومهية على صفقات ومهية
معدومة فيثرى هبا فريق ويتحط هبا آخرون واليهود من وراء الكواليِ يوجهون املسار وجينون الثمار.
9ـ إن املراحبة املصرفية ختتلف يف جوهرها عن مسألة العينة اليت ذهب إىل حرمتها مجهور الفقهاء ولكن بشرط
أن تت وفقا خلطوات معينة موجزها:أن يقوم املصرف بشراء السلعة املقصودة فإذا مت له قبمها قام ببيعها بعد
ذلك لعملية اآلمر ابلشراء الذي يكون له احلق يف القبول أو الرد وفقا ملا حيقق مصلحته ولكن احنرافات
التطبيق هي اليت حادت هبذه املعاملة عن جادة املشروعية ولكي يؤمن املصرف موقعه ميكن أن يشرتط لنفسه
اخليار عند شرائه للسلعة حىت إذا نكل العميل عن الشراء قام بردها إىل البائع ومل خيسر شيئاً.
10ـ إن النقود الورقية املتداولة اليوم أتخذ أحكام الذهب والفمة يف وجوب الزكاة فيها ويف جراين الراب فيما
بينها حبيث تعترب عملة كل بلد من البالد جنسا قائما بذاته فإن بيعت بعملة من جنسها فقد وجب التماثل
والتقابض وإن بيعت بعملة أخرى لبد آخر حرم النساء فقط وحلت الزايدة كما هي القاعدة يف الذهب
والفمة وقد أفىت بذلك مجهور أهل العل يف هذا الزمان.
ملزم يف ابب القماء إذا ترتَّب على
11ـ إن الوفاء ابلوعد واجب وملزم يف ابب الداينة وحسن اخللق وهو ٌ
إخالفه حصول يرٍر للطرف اآلخر؛ فإنَّه حينئذ جيب الوفاء به دفعاً للمرر الذي ينبين على عدم الوفاء،
عمالً ابلقاعدة الكلية ـ احلديث الشريف ـ ((ال ضرر وال ضرار))[ .متفق عليه]
12ـ ال جيوز اإليداع يف املصارف الربوية ولو كان بدون فائدة ملا يتممنه هذا العقد من اإلعانة على املعصية
فاملصارف ال حتتفظ من هذه الودائع إال بنسبة االحتياطي املقررة مث تدفع ابلباقي إىل قنوات اإلقراض الربوي
وهي ال تقنع ابحلج احلقيقي هلذه الودائع ،بل تشتق منها ما يزيد على حجمها أيعافاً كثرية بواسطة ما
يسمى خبلق النقود أو إحداث االئتمان.
وأخرياً :فإنين أتوجه إَّل املشتغلني بقضية املصارف اإلسالمية هبذه التوصيات:
أوالً :جيب على من ينتصب للمعاجلة اإلسالمية لألعمال املصرفية أن يبدأ أوالً بدراسة األحكام الشرعية
للعقود اليت تنظ هذه األعمال حىت ميسك بيديه املشاعل املميئة اليت يشق هبا طريقه إىل معاجلة هذه األعمال
إسالمياً يف يوء ما تقرر عنده من األحكام والقواعد الشرعية؛ وذلك حىت يكون املنطلق هو تقومي هذه
األعمال ابإلسالم وليِ هو تطوير األحكام الشرعية مبا يتفق مع هذه األعمال.
اثنياً :أن تكون الغاية من البحث هي إحقاق احلق وإبطال الباطل ،وليِ توزيع صكوك الشرعية على أكرب
اإلسالم أن يهدم تسعة أعشار هذه
قدر ممكن من هذه األعمال مهما كان فيها من خلل وّتاوز ،فلن يمري
َ
النظ ما دام ميلك البديل األقوم والسبيل األهدى ومل يرتك الناس سدى أو يرهقه من أمره عسراً ،فاألصل
هو اتباع احلق ابلدليل وليِ االعتذار عن هذا النظام أو ذاك وتلمِ املخارج له من أي وجه حتت ستار
املرونة والتوسعة.
اثلثاً :أن نفرق يف األحكام الفقهية بني ما كان منها معتمداً على نص أو إمجاع ،وبني ما كان منها مرده
املصلحة واألقيسة ،فاألوىل حرم مقدس ،ومن يرد فيه إبحلاد بظل نذقه من عذاب ألي ،والثانية مويع نظر
واجتهاد يرجح فيها العلماء يف كل عصر ما يرونه مناسباً حلاجاته ومصاحله ،عمالً ابلقاعدة املقررة(( :حيثما
تكون املصلحة فثَ َّم وجه هللا)).
رابعاً :أنه حيث يكون مرد اخلالف يف مسألة ما إىل تعارض ظاهر بني النصوص فال تكفي املصلحة وحدها
للرتجيح ،بل ال بد من اعتبار الدليل األقوى وفقاً لموابط الرتجيح املقررة يف عل األصول مع مر ٍ
اعاة دقيقة
لفقه املقاصد حتقيقاً ملقاصد التشريع اإلسالمي.
خامساً :إننا يف سعينا إىل حتقيق مركز تنافِ متقدم للمصارف اإلسالمية ال ينبغي أن حيملنا االندفاع والعجلة
على التفلت والعدوان على حدود هللا ،فإن رسالة املصارف اإلسالمية إىل أهل األرض تتمثل يف املقام األول
يف محل لواء التطبيق الشرعي واملمارسة اإلسالمية والعودة ابالقتصاد اإلسالمي إىل حظرية الكتاب والسنة فال
جيوز أن حتملها العجلة أو الرغبة يف كسب جولة من اجلوالت على التفريط يف هذه الرسالة املقدسة.
سادساً :أنه ال بد أن يعاد النظر فيما تروج له املصارف التقليدية الربوية من نظ ومبادئ تقدمها ابعتبارها
مكاسب ومغامن؛ ألن بعض هذه املكاسب املزعومة تعد يف ميزان اإلسالم إمثاً وخطيئة ،وتصطدم مع كلياته
ومبادئه األساسية ،فما مل يتفطن لذلك فقد حيملنا معرتك املنافسة على تبين هذه األفكار ،مث حماولة تطويع
األحكام الشرعية إلقرارها ،فنفقد بذلك استقامة املنهج وويوح اهلدف ونكون كمن يدور يف حلقة مفرغة.
والقصد أن تكون حماكاتنا بوعي ،وأن يكون اقتباسنا من ّتارب اآلخرين منوطاً ابلنظر الشرعي الذي ينبغي أن
تكون له اهليمنة املطلقة يف كل شيء ،ومن هنا كانت أمهية أن يواكب اليقظة اإلسالمية يف جمال املصارف
يقظة إسالمية شاملة ُتت ببناء الفرد املسل ،وتصحيح مفاهيمه وتنقيتها مما شاهبا من الدخن لتتفاعل مع
املمارسة اإلسالمية يف شىت اجملاالت فال حياكمها إىل مقررات سابقة ،وال يزهنا مبوازين غريبة مما يؤدي إىل الريبة
والتأرجح.
سابعاً :أن يهت القائمون على أمر املصارف اإلسالمية بتوعية العاملني يف هذا اجملال حبقيقة رسالته وابلدور
اهلام الذي يناط هب أداؤه ،مث ابخلطوات الشرعية الالزمة لصحة املعامالت اليت ميارسها املصرف مع بيان الغاية
من كل هذه اخلطوات واألدلة الشرعية على لزومها ،وذلك حىت ال حيِ العاملون يف هذا اجملال أهن يف تنفيذ
هذه اخلطوات أمام سلسلة من اإلجراءات اإلدارية العادية اليت ال تفسري هلا إال البريوقراطية والتعقيدات
الشكلية اليت متليها عليه اإلجراءات الرمسية وحنو ذلك مما قد حيمله على التجاوز عن بعض هذه اخلطوات
أو التقصري يف القيام هبا وقد ينعكِ ذلك على العملية كلها ابلبطالن من الناحية الشرعية.
وإين ألوصي أبن تفتتح كافة املصارف اإلسالمية مراكز لتدريب العاملني لديها تقوم على تدريِ التصور
اإلسالمي للعمل املصريف وتتوىل شرح العقود الشرعية اليت يت ترتيب العمل على أساسها يف املصارف
اإلسالمية مع بيان صياغتها املصرفية واخلطوات التنفيذية الالزمة لذلك ،مث يشرتط فيمن يريدون االلتحاق
ابلعمل لدى املصارف اإلسالمية أن يكون قد خترج يف هذه املراكز اليت تكفل للمتخرجني فيها حداً أدىن من
املعرفة اإلسالمية هبذا اجملال ،كما أوصي أن ختتار هذه املصارف موظفيها ممن عرفوا ابلصالح والتقوى فهؤالء
ه الممان احلقيقي لدقة وأمانة التطبيق اإلسالمي يف هذا اجملال
وأخرياً :فإن النجاح الكبري الذي شهدته املصارف اإلسالمية منذ اليوم األول الفتتاحها إَّنا حيمل أصدق
األدلة على أن رصيد الفطرة من حب احلق والتطلع إليه ال يزال غماً طرايً وأن أمة اإلسالم وإن تعاقبت عليها
خمتلف النظ واحلكومات فإهنا ما فتئت تتطلع إىل ساعة اخلالص وتنشد حياة الطهر يف ظل االعتصام
ابلكتاب والسنة واالستقامة على أمر هللا عز وجل.
احلمد هلل الذي بنعمته تت الصاحلات ،وصلى هللا وسلَّ على سيدان حممد وعلى آله وأصحابه أمجعني ،متت
بعون هللا.
© Copyright 2026 Paperzz