تحميل الملف المرفق

‫البحث العلمي‬
‫التمويل واستثمار األموال يف الشريعة‬
‫بقلم أ‪.‬د حسام الدين فرفور ( رئيس قسم التخصص والدراسات التخصصية)‬
‫بسم هللا الرمحن الرحيم‬
‫عنوان البحث‬
‫التمويل واستثمار األموال يف الشريعة اإلسالمية‬
‫نظرة موجزة يف ضوابط القواعد وسعة املقاصد‬
‫حبث علمي مقدم للمؤمتر الثاين للمصارف واملؤسسات املالية اإلسالمية حتت شعار‬
‫الصريفة اإلسالمية صريفة استثمارية‬
‫املقام يف دمشق برعاية حاكم مصرف سورية املركزي األستاذ الدكتور أديب ميّالة‬
‫يف الفرتة‪ 24 - 23( :‬صفر ‪1428‬هـ املوافق ‪ 13 - 12‬آذار ‪2007‬م)‬
‫إعداد‬
‫أ‪.‬د‪ .‬حسام الدين بن حممد صاحل فرفور‬
‫رئيس القسم اجلامعي والدراسات العليا يف معهد مجعية الفتح اإلسالمي بدمشق‬
‫أستاذ فقه املعامالت املالية املقارن والفكر اإلسالمي املعاصر‬
‫بسم هللا الرمحن الرحيم‬
‫مقدمة‬
‫احلمد هلل ِّ‬
‫السالم على سيدان حممد خامت املرسلني وعلى آله وأصحابه أمجعني‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫رب العاملني‪ ،‬و َّ‬
‫الصالة و َّ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫أثر هامٌّ يف النُّهوض ابلواقع املرتدي للعامل اإلسالمي‪ ،‬ويف ختليصه من‬
‫إن البنوك اإلسالميَّة ميكن أن يكون هلا ٌ‬
‫السلبية؛ َّ‬
‫ألن هذا الواقع الذي يعانيه العامل اإلسالمي وهو‪ :‬االحنطاط واالهنزام والتخلف َّإَّنا‬
‫ظاهريت‪ :‬التَّبعية‪ ،‬و َّ‬
‫األمة على أن تستفحل‬
‫هو نتيجةٌ حتميةٌ لعقلية التبعية والسلبية املنتشرة يف عاملنا اإلسالمي‪ ،‬اليت حيرص أعداء َّ‬
‫وُُتيمن على شعوبنا ِّ‬
‫لتجمد أفكاران وتُعيق تطوران‪ ،‬على حني َّ‬
‫األمة اإلسالميَّة متلك وتسيطر على ثلث‬
‫أن َّ‬
‫املوارد االقتصاديَّة للعامل‪ ،‬وتم ربع سكان العامل‪ ،‬وتنتشر يف ُُس ِّ‬
‫ِ مساحة الكرة األريية‪ ،‬إال أهنا ال تتقدم وال‬
‫تتطور بسبب عقلية التبعية والسلبية‪.‬‬
‫ويطيب يل يف هذا الصدد‪ ،‬أن أنقل بعض فقرات احملايرة القيمة اليت ألقاها ابلفرنسية املفكر اإلسالمي‬
‫الفرنسي رجاء جارودي يف أول رجب سنة ‪1406‬هـ املوافق ‪ 11‬مارس سنة ‪1986‬م‪ ،‬وذلك ابلرايض‬
‫يمن فعاليات مؤسسة امللك فيصل اخلريية وعنواهنا‪(( :‬كيف أسلمت))‪.‬‬
‫((إن العامل الثالث ميوت بسبب افتقاده إىل الوسائل‪ ،‬بينما العاملان الغريب الرأمسايل والشرقي االشرتاكي ميواتن‬
‫بسبب افتقارمها إىل الغاايت))‪.‬‬
‫((إن العلوم احلديثة وتقنياُتا قد ويعت طاقات عمالقة بني يدي قزم منحرف يال‪ ،‬فاستغلها خلدمة أهوائه‬
‫يف القوة واملتعة والنمو املادي‪ ،‬مهدداً حقوق األغلبية ليسحقها اجلوع واحلرمان واملعاانة‪ ،‬مما أدى إىل ما نطلق‬
‫عليه اليوم ابلسالم املتهالك‪ ،‬أو التوازن القائ على الرعب والذي قد يؤدي بكتليت القوى العظمى املتجاهبتني‬
‫إىل القماء على الكرة األريية أبسرها))‪.‬‬
‫إن املاليني من ذوي النوااي الصادقة يف كل العامل‪ ،‬يبحثون قلقني يف هذا الليل الدامِ عن معىن حلياُت وموُت‬
‫واترخيه املشرتك إىل كل هؤالء يستطيع اإلسالم أن جييء ابلنور املؤدي إىل الصراط املستقي الذي يهدي هللا‬
‫يعيد إىل العقل اإلنساين املستنري ابلتعالي اإلهلية‪ ،‬بـُ سع َديسه‬
‫إليه عباده‪ ،‬فاإلسالم وحده هو الذي يستطيع أن َ‬
‫احلقيقني الكاملني‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ بعد العلم الباحث عن األسباب والوسائل‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ وبعد احلكمة الباحثة عن الغاايت وعن هللا اخلالق‪.‬‬
‫ولقد صنع هذا االستعمال الكامل الالحمدود للعقل اجلامع بني العلم والوحي اإلهلي جمد املسلمني األوائل))‪.‬‬
‫((إن إسالماً حياً كهذا نعيشه على هذا النحو وطبقاً ملبادئه ذاُتا‪ ،‬قادر على أن حيظى اليوم يف العامل ابنتشار‬
‫ال يقل عن انتشاره أايم ازدهاره يف القرن الثامن‪ ،‬ففي تلك الفرتة‪ ،‬ويف وجه قوتني عظيمتني كانت تنخرمها‬
‫نفِ قوى التفكك والتفتت اليت نراها اليوم‪ ،‬امرباطورية الساسانيني وامرباطورية بيزنطة‪ ،‬استطاع اإلسالم أن‬
‫مينح املاليني من الرجال والنساء شعوراً حبقيقة إنسانيته ومعىن حلياُت الدنيا‪ ،‬فيهبه حياة جديدة سعيدة‬
‫ال ذَ َّرٍة َخ ْرياً يَـ َره `‬
‫بويعه على الطريق إىل هللا احلق الواحد األحد‪ ،‬إىل الرجعى واحلساب‪ ) ،‬فَ َمن يَـ ْع َمل ِمثْـ َق َ‬
‫ال ذَ َّرةٍ َش َّراً يَـ َره( [الزلزلة‪ 7 :‬ـ ‪.]8‬‬
‫َوَمن يَـ ْع َم ْل ِمثْـ َق َ‬
‫((لقد أسلمت ألين وجدت يف اإلسالم ما كنت أحبث عنه طوال حيايت‪ ،...‬وإذا كان اإلسالم هو‬
‫االستجابة الصادقة لنداء هللا‪ ،‬فسنحيا ومنوت كلنا مسلمني))‪.‬‬
‫خصائص االقتصاد اإلسالمي‬
‫َّ‬
‫إن لكل نظام اقتصادي خصائصه االقتصادية اليت متيزه من النظ األخرى‪ ،‬والنظام االقتصادي اإلسالمي له‬
‫هويته الفريدة واملستقلة اليت متيزه من النظام الرأمسايل واالشرتاكي؛ حيث يقوم على عقيدة وايحة املعامل يستمد‬
‫منها خصائصه ومقوماته وأهدافه‪ ،‬ويرتكز على تشريع إهلي يمبط هذه اخلصائص واملقومات‪.‬‬
‫ومن خصائصه‪ :‬أنه اقتصاد رابين‪ ،‬وعقدي‪ ،‬وأخالقي‪ ،‬وواقعي‪ ،‬وإنساين عاملي‪ ،‬ويوازن بني مصلحة الفرد‬
‫واجملتمع‪ ،‬وأنه فريد يف نوعه‪ ،‬مستقل عن غريه‪ ،‬وهو اقتصاد موجه‪ ،‬واملال فيه وسيلة وليِ غاية‪ ،‬وذو طابع‬
‫تعبدي‪ ،‬وامللكية فيه هلل تعاىل‪ ،‬واإلنسان مستخلف فيها‪ ،‬وميكن أن نذكر بعض هذه اخلصائص وأمهها يف‬
‫املباحث اآلتية‪:‬‬
‫املبحث األول‪ :‬االقتصاد اإلسالمي اقتصاد إهلي رابين وعقدي‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬اقتصاد إهلي رابين‪:‬‬
‫إذا كانت النظ االقتصادية الرأمسالية واالشرتاكية تقوم على القوانني اليت ويعها البشر فتستمد منها تشريعها‬
‫ومبادئها وخصائصها اليت تنظ احلياة االقتصادية للفرد واجملتمع فإن االقتصاد اإلسالمي إهلي يستمد قواعده‬
‫وأصوله ومبادئه وخصائصه من مصادر التشريع اإلسالمي اليت شرعها هللا عز وجل‪ ،‬وقد ذكر القرآن الكرمي‬
‫والسنة النبوية كثرياً من املبادئ االقتصادية‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ني فِيه[‬
‫‪ 1‬ـ املال مال هللا والبشر مستخلفون فيه‪ ،‬قال سبحانه وتعاىل‪َ ] :‬وأَنف ُقوا ِمَّا َج َعلَ ُكم ُم ْستَ ْخلَف َ‬
‫ض وما فِي ِه َّن وهو علَى ُك ِل َش ٍ‬
‫[احلديد‪ ،]7 :‬وقوله سبحانه وتعاىل‪ِ ] :‬‬
‫ْك اْ َّ ِ‬
‫يء قَ ِدير[‬
‫هلل ُمل ُ‬
‫َ َُ َ‬
‫لس َم َوات َواْ ْ‬
‫ألر ِ َ َ‬
‫ّ‬
‫[املائدة‪.]120 :‬‬
‫ص ِ‬
‫ص ِ‬
‫ِ‬
‫ِِ ِ ِ‬
‫لرج ِ ِ‬
‫س ْْب[‬
‫‪ 2‬ـ احرتام امللكية اخلاصة‪ :‬قال سبحانه وتعاىل‪ ] :‬ل ِّ َ‬
‫يب ِّمَّا ا ْكتَ َسبُواْ َوللنّ َساء نَ ٌ‬
‫ال نَ ٌ‬
‫يب ِّمَّا ا ْكتَ َ‬
‫[النساء‪.]32 :‬‬
‫َّ ِ‬
‫آمنُواْ ال ََت ُكلُوا أ َْم َوالَ ُكم بَـ ْيـنَ ُكم‬
‫ين َ‬
‫‪ 3‬ـ احلرية االقتصادية املقيدة‪ :‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪َ ] :‬ايأَيـُّ َها الذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ارةً َعن تَـ َر ٍ‬
‫اض ِّمن ُكم[ [النساء‪.]29 :‬‬
‫ِابلبَاط ِل إالَّ أ ْن تَ ُكو َن ِتَ َ‬
‫ب ال ُْم ْس ِرفِني[‬
‫اشربُواْ َوال تُ ْس ِرفُوا إنَّهُ ال ُُِي ُّ‬
‫‪ 4‬ـ ترشيد اإلنفاق‪ :‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪َ ] :‬وُكلُواْ َو َ‬
‫[األعراف‪.]31 :‬‬
‫َكم ِّم َن األ َْر ِ‬
‫استَـ ْع َم َرُك ْم فِ َيها[‬
‫ض َو ْ‬
‫‪ 5‬ـ التنمية االقتصادية وعمارة الكون‪ :‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪ُ ] :‬ه َو أَن َشأ ُ‬
‫[هود‪.]61 :‬‬
‫ني‬
‫‪ 6‬ـ العدالة االجتماعية وحفظ التوازن بني أفراد اجملتمع‪ :‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪َ ] :‬ك ْي ال يَ ُكو َن ُدولَةً بَـ َْ‬
‫األَ ْغنِيَ ِاء ِمن ُك ْم[ [احلشر‪.]7 :‬‬
‫ِ ِ‬
‫يل َهلُ ْم ال تُـ ْف ِس ُدوا‬
‫‪ 7‬ـ محاية البيئة وعدم إفساد املوارد الطبيعية واالقتصادية‪ :‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪َ ] :‬وإذَا ق َ‬
‫ض قَالُوا إِ َّمنَا ََْنن مصلِحو َن ` أَال إِنَّـهم هم الْم ْف ِس ُدو َن ول ِ‬
‫ِيف األ َْر ِ‬
‫َكن ال يَ ْشعُ ُرون[ [البقرة‪ 11 :‬ـ ‪،]12‬‬
‫ُُ ْ ُ‬
‫َ‬
‫ُْ ُُ ُ‬
‫وقال هللا سبحانه وتعاىل‪َ ] :‬وإ َذا تَـ َوََّّل َس َعى ِيف األ َْر ِ‬
‫ب‬
‫َّس َل َوهللاُ ال ُُِي ُّ‬
‫ك ا ْحلَ َ‬
‫ض لِيُـ ْف ِس َد ِف َيها ويـُ ْهلِ َ‬
‫رث والن ْ‬
‫الْ َف َساد[ [البقرة‪.]205 :‬‬
‫‪ 8‬ـ إابحة الطيبات وحترمي اخلبائث‪ :‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪ ] :‬وُُِي ُّل َهلُم الطَّيِ ِ‬
‫بات َوُُيَ ِّرُم َعلَْي ِه ُم اخلَبَائِث [‬
‫ُ ّ‬
‫َ‬
‫[األعراف‪.]157 :‬‬
‫اء أ َْم َوالَ ُك ُم الَِِّت َج َع َل هللاُ لَ ُك ْم‬
‫‪ 9‬ـ استثمار املال وعدم َكسنزه‪ :‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪َ ] :‬وال تُـ ْؤتُواْ ُّ‬
‫الس َف َه َ‬
‫قِياماً وارُزقُ ِ‬
‫وهم َوقُولُواْ َهلُ ْم قَـ ْوالً َّم ْع ُروفاً[ [النساء‪.]5 :‬‬
‫ْكس ُ‬
‫َ َْ ُ‬
‫وهم ف َيها َوا ُ‬
‫إن من مقتمى كون االقتصاد اإلسالمي إهلياً ورابنياً مسؤولية الفرد واجملتمع عن القيام أبي نشاط اقتصادي‬
‫خيالف فيه شرع هللا عز وجل‪ ،‬فإذا ما عصي هللا عز وجل بشيء من ذلك فإنه سبحانه وتعاىل سيجعل الفرد‬
‫ض َعن ِذ ْك ِري فَ َّ‬
‫إن‬
‫واجملتمع يف مشقة من العيش وأزمة اقتصادية يف الدنيا‪ ،‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪َ ] :‬وَم ْن أَ ْع َر َ‬
‫ك‬
‫ضنكاً[ [طه‪ ،]124 :‬وسيسألون عما فعلوا يف اآلخرة‪ ،‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪ ] :‬فَـ َوَربِّ َ‬
‫لَهُ َم ِعي َشةً َ‬
‫لَنَسأَلَنـَّهم أ ْ ِ‬
‫ني ` َع َّما َكانُوا يَـ ْع َملُون[ [احلجر‪ 92 :‬ـ ‪.]93‬‬
‫َمجَع َ‬
‫ْ ُْ‬
‫اثنياً‪ :‬اقتصاد عقدي‪:‬‬
‫إن األسِ العقدية اليت يقوم عليها االقتصاد اإلسالمي وينبثق منها ويرتبط فيها لتوجيه النشاط االقتصادي‬
‫الوجهة الصحيحة هي اليت تنسج مع توجيهات العقيدة وترتتب عليها نتائج اقتصادية طيبة‪.‬‬
‫فالعقيدة اإلسالمية اليت ُتدف إىل ربط قلب املسل ابإلميان ابهلل عز وجل املالك األصلي واحلقيقي لكل ما يف‬
‫هذا الكون واإلميان ابليوم اآلخر الذي حياسب فيه كل امرئ على ما قدم وأخر‪ ،‬ومراقبة هللا سبحانه وتعاىل يف‬
‫كل نشاط يقوم به هلا أثر عظي يف تصحيح مسرية االقتصاد والنشاط االقتصادي الفردي واجلماعي؛ حيث‬
‫يعتقد املسل أن هللا عز وجل خلقه لعمارة هذا الكون قال هللا سبحانه وتعاىل‪ُ ] :‬ه َو أَن َشأ ُكم ِّم َن األ َْر ِ‬
‫ض‬
‫َواستَـ ْع َم َرُك ْم فَ َيها [ [هود‪ ،]61 :‬وأن ما فيه من خريات ونع إَّنا سخرها هللا عز وجل له‪ ،‬قال هللا سبحانه‬
‫ِ ِ‬
‫وتعاىل‪ ] :‬وسخَّر لَ ُكم ال ُف َ ِ‬
‫َّر لَ ُك ُم َّ‬
‫س َوال َق َم َر‬
‫لك لتَ ْج َ‬
‫َّر لَ ُك ُم األَنْـ َهار ` َو َسخ َ‬
‫ري يف البَ ْح ِر ِب َْم ِره َو َسخ َ‬
‫ََ َ ُ‬
‫الش ْم َ‬
‫ني وسخَّر لَ ُكم الَّليل والنـَّهار ` وءاات ُكم ِمن ُك ِل ما سألتموه وإِن تَـعدُّواْ نِعم َ ِ‬
‫ِ‬
‫صوها إِ َّن‬
‫ت هللا ال ُحتْ ُ‬
‫ّ ّ َ َ ُُ ُ َ ُ ْ َ‬
‫َدائبَـ ْ ِ َ َ َ ُ َ َ َ َ َ َ‬
‫وم َك َّفار[ [إبراهيم‪ 32 :‬ـ ‪.]34‬‬
‫اإلنسا َن لَظَلُ ٌ‬
‫َ‬
‫وإن ملكية اإلنسان هي ملكية مؤقتة واملالك احلقيقي هو هللا عز وجل‪ ،‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪ ] :‬إان َنن‬
‫نرث األرض ومن عليها وإلينا يرجعون [ [مرمي‪ ،]40 :‬وأن هللا عز وجل فاوت يف الرزق بني العباد‬
‫وجعله درجات يف ذلك‪ ،‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪ ] :‬وهللا فضل بعضكم على بعض يف الرزق فما الذين‬
‫فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أمياهنم فهم فيه سواء أفبنعمة هللا جيحدون [ [النحل‪.]71 :‬‬
‫املبحث الثاين‪ :‬االقتصاد اإلسالمي اقتصاد ذو طابع تعبدي وأخالقي‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬اقتصاد ذو طابع تعبدي‪:‬‬
‫خلق هللا عز وجل اخللق لعبادته‪ ،‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪ ] :‬وما خلقت اجلن واإلنس إال ليعبدون[‬
‫[الذارايت‪ ،]56 :‬ومن فمله سبحانه وتعاىل على عباده أنه مل جيعل العبادة حمصورة فيما افرتض عليه بل‬
‫وسع من دائرُتا لتشمل كل عمل خري انفع يفيد الفرد واجملتمع بشرط إخالص النية فيه هلل تعاىل وكون هذا‬
‫العمل مشروعاً‪ ،‬لقوله سبحانه وتعاىل‪ ] :‬قل إن صاليت ونسكي وحمياي وِمايت هلل رب العاملني[ [األنعام‪:‬‬
‫‪.]162‬‬
‫وقد جعل النيب صلى هللا عليه وسل األعمال اليت يقوم هبا اإلنسان ملعيشته وكفاية نفسه وأهله وجمتمعه عبادة‬
‫يتقرب هبا العبد إىل هللا‪ ،‬فالزارع يف حقله يثاب على عمله‪ ،‬لقول النيب صلى هللا عليه وسل ‪(( :‬ما من مسلم‬
‫يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طري أو إنسان أو هبيمة إال كان له به صدقة))‪.‬‬
‫اثنياً‪ :‬االقتصاد اإلسالمي اقتصاد أخالقي‪:‬‬
‫ظلت العالقة بني االقتصاد والقي األخالقية مويع جدل ونقاش بني االقتصادين منذ القرن السابع عشر‬
‫امليالدي حىت يومنا هذا‪ ،‬حيث يستبعد بعض االقتصاديني ربط األخالق ابالقتصاد‪ ،‬وعلى هذا قامت النظ‬
‫االقتصادية املعاصرة اليت فصلت بني األخالق واالقتصاد‪ ،‬ومل متيز بني ما هو أخالقي وما هو غري أخالقي يف‬
‫الع ِّامل االقتصادي مل يهت إال ابلوسائل اليت تشبع رغبات اإلنسان‪ ،‬بغض النظر عن‬
‫أي سلوك اقتصادي؛ إذ َ‬
‫طبيعة هذه الرغبات ودوافعها وأهدافها‪ ...‬فما يه االقتصادي إال إشباع رغبة اإلنسان أبي شكل كان‪ ،‬وأبي‬
‫وسيلة‪ ،‬ولو كانت حمرمة‪.‬‬
‫أما االقتصاد اإلسالمي فال يفرق بني االقتصاد واألخالق‪ ،‬بل يربط بينهما برابط وثيق؛ إذ إن معظ أحكام‬
‫الشريعة اإلسالمية مرتبطة ابألخالق‪ ،‬وتقوم على أسِ أخالقية وال سيما املعامالت املالية االقتصادية‪.‬‬
‫الصدق واألمانة‪ :‬قال سبحانه وتعاىل‪ ] :‬اي أيها الذين آمنوا ال ختونوا هللا والرسول وختونوا أماانتكم وأنتم‬
‫تعلمون[ [األنفال‪ ،]27 :‬وقال سبحانه وتعاىل‪ ] :‬اي أيها الذين آمنوا اتقوا هللا وكونوا مع الصادقني[‬
‫[التوبة‪ ،]119 :‬وقال النيب صلى هللا عليه وسل ‪(( :‬البيعان ابخليار ما مل يتفرقا فإن صدقا وبينَّا بورك هلما‬
‫يف بيعهما‪ ،‬وإن كتما وكذاب حمقت بركة بيعهما))‪.‬‬
‫فهذه األصول األخالقية أتمر املسل ابلصدق واألمانة أثناء مزاولة النشاط االقتصادي فيكون صادقاً يف‬
‫معاملته مع اآلخرين‪ ،‬وأميناً يف عمله‪ ،‬فال خيون فيه‪ ،‬وبناءً على هذه القي األخالقية استنبط الفقهاء املسلمون‬
‫مجلة من املعامالت االقتصادية‪ ،‬وجعلوا الصدق واألمانة أساساً يف صحتها‪ ،‬وترتُّب النتائج عليها‪ ،‬مثال ذلك‪:‬‬
‫بيوع األمانة الِت تعتمد على حتديد الثمن فيها على ذكر رأس املال الذي اشرتى به البائع سلعته‪ ،‬وهي‬
‫أنواع‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ املراحبة‪ :‬وهي بيع السلعة ابلثمن الذي اشرتيت به مع زايدة شيء معلوم من الربح‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ الوضيعة أو احلطيطة‪ :‬وهي بيع السلعة أبقل مما اشرتيت به‪ ،‬أي‪ :‬خبسارة معلومة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ التولية‪ :‬وهي بيع السلعة بنفِ الثمن الذي اشرتيت به‪ ،‬أي‪ :‬البيع بال ربح وال خسارة‪ ،‬وهي نقل مجيع‬
‫املبيع من البائع إىل املشرتي بنفِ الثمن الذي اشرتى به‪ ،‬من غري زايدة وال نقصان‪.‬‬
‫ومسيت هذه البيوع بيوع األمانة؛ ألن البائع مؤمتن يف إخباره عن الثمن الذي اشرتى املبيع به‪.‬‬
‫إَّنا ذكرانه من األدلة الشرعية وغريها كثري يرد بشكل صريح على أولئك الذي يزعمون أن اإلسالم ليِ إال‬
‫وصااي أخالقية يف االقتصاد ليست هلا أي صفة إلزامية‪ ،‬ومن هنا يبدو أن االقتصاد اإلسالمي هو النظام‬
‫الوحيد الذي ربط بويوح بني االقتصاد واألخالق‪.‬‬
‫املبحث الثالث‪ :‬االقتصاد اإلسالمي اقتصاد إنساين عاملي وواقعي‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬اقتصاد إنساين عاملي‪:‬‬
‫ملا كان اإلسالم ديناً عاملياً إنسانياً أبدايً لقوله سبحانه وتعاىل‪ ] :‬وما أرسلناك إال رمحة للعاملني[ [األنبياء‪:‬‬
‫‪ ]107‬فإن كل ما يتصل به أيخذ هذه الصفة؛ لذلك يكون االقتصاد اإلسالمي اقتصاداً إنسانياً عاملياً‪.‬‬
‫ومما يدل على ذلك أن االقتصاد اإلسالمي مل يفرق يف املعاملة بني فرد وآخر أو بني شعب وآخر أو بني أمة‬
‫تؤدوا األماانت إَّل‬
‫وأخرى‪ ،‬ولذلك كان التشريع للناس كافة‪ ،‬يقول هللا سبحانه وتعاىل‪ ] :‬إن هللا أيمركم أن ُّ‬
‫أهلها وإذا حكمتم بني الناس أن حتكموا ابلعدل[ [النساء‪.]58 :‬‬
‫اثنياً‪ :‬اقتصاد واقعي‪:‬‬
‫االقتصاد اإلسالمي اقتصاد واقعي ألنه يراعي يف نظرته االقتصادية واقع الفرد واجملتمع فريى متطلباته من خالل‬
‫الواقع الذي يعيش فيه‪ ،‬فينظر إىل إمكانياته وظروفه وبيئته وطبيعته وفطرته‪ ...‬فال حيمله من التكاليف ما ال‬
‫يطيق‪ ،‬قال هللا سبحانه وتعاىل‪ ] :‬ال يكلف هللا نفساً إَّل وسعها[ [البقرة‪.]286 :‬‬
‫إن الرأمسالية على الرغ من اإلبداع املادي الذي حققته مل حتل مشكالت اإلنسان ومل تستطع إسعاده؛ ألهنا مل‬
‫تنظر إىل هذا اإلنسان على أنه سيد هذا الكون‪ ،‬بل جعلته يسابق الريح من أجل احلصول على أكرب مبلغ‬
‫ممكن من املال‪ ،‬فهو يسعى إىل الربح ولو على حساب اآلخرين‪ ،‬فجعلت من الفرد آلة‪ ،‬وهللا عز وجل أراد‬
‫لإلنسان أن يكون مهندساً لآللة ال آلة‪.‬‬
‫الراب يف َّ‬
‫أهم اخلصائص التَّشريعية‬
‫الشريعة اإلسالميَّة من ِّ‬
‫حترمي ّ‬
‫حترمي الراب مما ثبت ابلكتاب والسنة واإلمجاع‪ ،‬بل هو مما عل من دين الرسل ابلمرورة‪ ،‬فهو مل حيل شريعة قط‪.‬‬
‫ومن أدلة حترميه من الكتاب‪:‬‬
‫قوله تعاىل‪ } :‬الذين أيكلون الراب ال يقومون إال كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من املس ذلك ِبهنم‬
‫قالوا إمنا البيع مثل الراب وأحل هللا البيع وحرم الراب فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره‬
‫إَّل هللا ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ` ميحق هللا الراب ويريب الصدقات وهللا ال ُيب‬
‫كل كفار أثيم{ [البقرة‪ 275 :‬ـ ‪.]276‬‬
‫إىل قوله تعاىل‪ } :‬اي أيها الذين آمنوا اتقوا هللا وذروا ما بقي من الراب إن كنتم مؤمنني ` فإن مل تفعلوا‬
‫فأذنوا حبرب من هللا ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ال تظلمون وال تظلمون{ [البقرة‪ 278 :‬ـ‬
‫‪.]279‬‬
‫ويف هذه اآلية رد قاطع على زع من زع أن الراب ال حيرم إىل إذا كان أيعافاً مماعفة؛ ألن هللا عز وجل مل‬
‫يبح إىل رؤوس األموال دون الزايدة عليها‪.‬‬
‫ومن السنة‪:‬‬
‫ما جاء يف الصحيح من حديث جابر أنه قال‪(( :‬لعن رسول هللا صلى هللا عليه وسل آكل الراب ومؤكله‬
‫وكاتبه وشاهديه))‪" ،‬مسل بشرح النووي"‪" ،26/11 :‬أمحد"‪" ،83/1 :‬ابن ماجة"‪.764/2 :‬‬
‫وما رواه احلاك يف صحيحه عن عبدهللا أن النيب صلى هللا عليه وسل قال‪(( :‬للراب سبعون ابابً أيسرها أن‬
‫ينكح الرجل أمه‪ ،‬وإن أرىب الراب عرض الرجل املسلم))‪" ،‬املستدرك"‪.37/2 :‬‬
‫وما جاء يف الصحيحني من حديث أيب هريرة‪ :‬أن النيب صلى هللا عليه وسل قال‪(( :‬اجتنبوا السبع املوبقات‪،‬‬
‫قيل اي رسول هللا‪ :‬ما هي؟ قال‪ :‬الشرك ابهلل‪ ،‬والسحر‪ ،‬وقتل النفس الِت حرم هللا إالَّ ابحلق‪ ،‬وأكل الراب‪،‬‬
‫وأكل مال اليتيم‪ ،‬والتويل يوم الزحف‪ ،‬وقذف احملصنات الغافالت املؤمنات))‪" ،‬البخاري"‪،12/4 :‬‬
‫"مسل بشرح النووي"‪.477/1 :‬‬
‫وما رواه الرتمذي من قوله صلى هللا عليه وسل يف خطبة الوداع‪(( :‬أال وإن كل راب اجلاهلية موضوع‪))...‬‬
‫"الرتمذي"‪" ،273/5 :‬ابن ماجة"‪(( ،1015/2 :‬وراب اجلاهلية موضوع‪ ،‬وأول راب أضع رابان ـ راب عباس‬
‫بن عبد املطلب ـ فإنه موضوع كله))‪.‬‬
‫وهذا اإلهدار للراب وإن كان فيما كان أصله يف اجلاهلية‪ ،‬فإن ما يستأنف من ذلك يف اإلسالم ألشد حترمياً‬
‫وأ سَوىل بعدم اجلواز‪.‬‬
‫ومن اإلمجاع‪:‬‬
‫و َّأما اإلمجاع فقد أمجع املسلمون يف سائر األعصار واألمصار على حرمته يف اجلملة وقد نقل هذا اإلمجاع‬
‫فقهاء املذاهب مجيعاً‪.‬‬
‫هذا وإن حرمة الراب أظهر من أن يستدل عليها‪ ،‬فهي يف ثبوُتا كثبوت أصول الفرائض‪ ،‬كوجوب الصالة‬
‫والصيام والزكاة واحلج‪ ،‬ومن هنا كان اإلسهاب يف تقرير ذلك من انفلة القول‪.‬‬
‫ومن طرائف ما يروى أن رجالً أتى مالك بن أنِ فقال‪ :‬اي أاب عبدهللا‪ :‬رأيت رجالً سكران يتفاقر يريد أن‬
‫أيخذ القمر بيده‪ ،‬فقلت‪ :‬امرأيت طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من اخلمر‪ ،‬فقال‪ :‬ارجع حىت أتفكر‬
‫يف مسألتك‪ ،‬فأاته من الغد فقال‪ :‬امرأتك طالب‪ ،‬إين تصفحت الكتاب والسنة فل أر شيئاً أشر من الراب؛‬
‫ألن هللا تعاىل آذن فيه ابحلرب‪ ،‬أي‪ :‬يف قوله تعاىل‪ } :‬فأذنوا حبرب من هللا ورسوله{ [البقرة‪]279 :‬‬
‫حترمي الراب يف مجيع الشرائع السماوية‪:‬‬
‫مل يقتصر حترمي الراب على الشريعة اإلسالمية بل امتد ليصبح من احلقائق املسلمة يف مجيع الشرائع السماوية‪.‬‬
‫جاء يف العهد القدمي‪:‬‬
‫((إذا أقريت ماالَ ًً ألحد من أبناء شعيب فال تقف منه موقف الدائن‪ ،‬ال تطلب منه رحباً ملالك))‪.‬‬
‫وجاء فيه أيضاً‪:‬‬
‫((إذا افتقر أخوك فامحله‪ ...‬ال تطلب منه رحباً وال منفعة))‪.‬‬
‫(‪ 25‬ـ ‪ 35‬من سفر الالويني)‬
‫إال َّ‬
‫أن اليهود ال يرون مانعاً من أخذ الراب من غري اليهودي كما يف سفر التثنية‪ ،‬بل قد استحلوا فيما بينه‬
‫ذلك أبنواع من احليل‪ ،‬وقد بكته القرآن الكرمي بذلك يف قوله تعاىل‪ } :‬وأخذهم الراب وقد هنوا عنه وأكلهم‬
‫أموال الناس ابلباطل{ [النساء‪.]161 :‬‬
‫أي أن هللا قد هناه عن الراب فتناولوه وأخذوه‪ ،‬واحتالوا عليه أبنواع من احليل وصنوف من الشبه وأكلوا أموال‬
‫الناس ابلباطل‪.‬‬
‫ويف العهد اجلديد‪:‬‬
‫((إذا أقريت ملن تنتظرون منه املكافأة فأي فمل يعرف لك ؟ ولكن افعلوا اخلريات وأقريوا غري منتظرين‬
‫عائداُتا وإذن يكون ثوابك جزيالً))‪.‬‬
‫(‪ 34‬ـ ‪ 35‬ـ ‪ 36‬اجنيل لوقا)‬
‫وقد اتفقت كلمة الكنيسة على حترمي الراب حترمياً قاطعاً استناداً إىل هذه النصوص‪.‬‬
‫يقول سكوابر‪(( :‬إن من يقول إن الراب ليِ مبعصية يعد ملحداً خارجاً عن الدين))‪.‬‬
‫ويقول األب بوين‪(( :‬إن املرابني يفقدون شرفه يف احلياة الدنيا‪ ،‬وليسوا أهالً للتكفني بعد موُت ))‪.‬‬
‫أما يف املذاهب الوضعية‪:‬‬
‫فإن حترمي الراب والتفطن إىل خطورته مل يقتصر فقط على طائفة العلماء واألحبار والرهبان‪ ،‬بل تعدى ذلك إىل‬
‫غريه من الويعيني فلقد تفطن كثري من قادة االقتصاد يف الغرب إىل مساوئ الراب وجنايته على البشرية‬
‫فأعلنوا عليه حرهب كذلك بال هوادة‪ ،‬ومن هؤالء‪:‬‬
‫االقتصادي الربيطاين آدم مسيث يف القرن الثامن عشر‪.‬‬
‫كيسنز الربيطاين يف القرن العشرين‪.‬‬
‫شاخت األملاين‪.‬‬
‫ولقد ألقى هذا األخري حمايرة بدمشق عام ‪1952‬م جاء فيها‪:‬‬
‫((إن بعملية راييية ـ غري متناهية ـ يتمح َّ‬
‫أن مجيع املال يف األرض صائر إىل عدد قليل جداً من املرابني؛ ذلك‬
‫أن الدائن املرايب يربح دائماً يف كل عملية‪ ،‬بينما املدين معرض للربح واخلسارة‪ ،‬ومن مث فإن املال كله يف النهاية‬
‫ال بد ـ ابحلساب الراييي ـ أن يصري إىل الذي يربح دائماً وإن هذه النظرية يف طريقها للتحقيق الكامل؛ فإن‬
‫معظ مال األرض اآلن ميلكه ـ ملكاً حقيقياً ـ بمعة ألوف‪ ،‬أما مجيع املالك وأصحاب املصانع الذين‬
‫يستدينون من البنوك والعمال وغريه فه ليسوا سوى أجراء يعملون حلساب أصحاب املال‪ ،‬وجيين مثرة كده‬
‫أولئك األلوف))‬
‫مفهوم االستثمار يف الفكر اإلسالمي‬
‫يتميز االستثمار اإلسالمي أبن له طبيعة خاصة ومتميزة حيث يعد استثمار املال وتنميته واجباً شرعياً انطالقاً‬
‫من قوله صلى هللا عليه وسل ‪(( :‬من ويل يتيماً فليتجر له يف ماله وال يرتكه حىت َتكله الصدقة))‪ ،‬ويعد‬
‫احملافظة على األموال من مقاصد الشريعة‪ ،‬واليت ذكرها الشاطيب‪(( :‬حفظ الدين والنفِ والعقل والعرض‬
‫واملال))‪.‬‬
‫ويعد الربح يف الفكر اإلسالمي وقاية لرأس املال؛ حيث جيمع مجهور الفقهاء على أنه‪(( :‬ال ربح إالَّ بعد‬
‫سالمة رأس املال))‪ ،‬وعلى أن الربح وقاية لرأس املال وجابر له من اخلسران الذي يلحق به‪.‬‬
‫أ ـ معايري استثمار األموال يف اإلسالم‪:‬‬
‫ويع اإلسالم جمموعة من املعايري اليت حتك استثمار األموال من أمهها‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ معيار العقيدة؛ حيث ينطلق استثمار املال وفقاً للموابط الشرعية وأن املال مال هللا واإلنسان مستخلف‬
‫فيه‪ ،‬وجيب استخدامه بعيداً عن الراب‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ املعيار األخالقي؛ حيث يلتزم الفرد املسل مبجموعة من القي األخالقية عند استثمار األموال من أمهها‪:‬‬
‫عدم الغش‪ ،‬وعدم أكل أموال الناس ابلباطل‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ معيار التنمية؛ حيث يهدف التشغيل الكامل لرأس املال إىل حتقيق التنمية االجتماعية واالقتصادية‪ ،‬وعلى‬
‫أن يت مراعاة أولوايت االستثمار وهي المرورايت واحلاجيات والتحسينات‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ معيار ربط الكسب ابجلهد‪ ،‬وهو من القواعد الشرعية اليت حتك املعامالت يف اإلسالم‪ ،‬فال كسب بال‬
‫جهد وال جهد بال كسب‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ معيار الغنم ابلغرم‪ ،‬وهو الربح مقابل اخلسارة‪ ،‬وينطلق هذا املعيار من القاعدة الشرعية‪( :‬اخلراج‬
‫ابلضمان) واليت تعين أن من يمن أصل شيء فله ما خيرج منه من ربح أو خسارة‪.‬‬
‫ب ـ السمات الِت يتميز هبا االستثمار يف البنوك اإلسالمية‪:‬‬
‫يتميز االستثمار يف البنوك اإلسالمية ابلعديد من السمات من أمهها‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ التعدد والتنوع مبا يوفر أساليب تتناسب مع كافة االحتياجات‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ البعد عن استخدام أسعار الفائدة‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ متسك إدارة البنك اإلسالمي ابملفهوم احلقيقي للنقود ابعتبارها وسيلة لالستثمار وليست سلعة؛‬
‫حيث إن النقود كما قال ابن القيم هي‪ :‬رؤوس أموال وجدت ليتجر هبا ال فيها‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ ربط املشروعات االستثمارية ابالحتياجات احلقيقية للمجتمع عمالً أبولوايت االستثمار يف الشريعة‪:‬‬
‫(الضرورايت واحلاجيات والتحسينات)‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ االلتزام ِبحكام اإلسالم إابحة أو منعاً يف خمتلف األنشطة االستثمارية للبنك‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ إن مجيع األساليب تضمن استخدام التمويل يف االقتصاد احلقيقي مبعىن توجيهها إلنتاج وتوزيع‬
‫السلع واخلدمات‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ حتقيق العدالة بني طريف املعاملة االستثمارية‪.‬‬
‫وابختصار‪ :‬إنه اقتصاد استثماري إنتاجي حقيقي يقوم بتنمية اجملتمع مادايً ومعنوايً‪ ،‬دينياً ودنيوايً‪.‬‬
‫جمموعات الصيغ الِت تتعامل هبا املصارف اإلسالمية‬
‫َّ‬
‫إن أسلوب تعامل البنوك اإلسالمية يعتمد َّناذج جديدة مبتكرة للطرق التمويلية بعيدة عن استخدام أسعار‬
‫الفائدة الثابتة‪ ،‬فهذه األدوات اإلسالمية البديلة مصممة بشكل تنحاز فيه لصاحل النشاط احلقيقي املنتج ال‬
‫النشاط النقدي الطفيلي‪ ،‬وهي بذلك تؤدي دوراً مهماً يف دفع احلركة االقتصادية واإلنتاجية يف اجملتمع‪ ،‬كما أن‬
‫هذه األدوات والصيغ تالمِ االحتياجات الفعلية للعمالء‪ ،‬وتتفق مع املبادئ واألحكام الشرعية للمعامالت‪،‬‬
‫وبذلك فإهنا تكون أقرب ملشاعر ونفسية اجملتمعات اإلسالمية‪ ،‬وميكن تقسي هذه الصيغ وأساليب التمويل‬
‫املنتشرة حالياً لدى البنوك واملصارف اإلسالمية إىل أربع جمموعات رئيسية كل جمموعة هلا خصائص حمددة‬
‫متيزها وحتدد طبيعتها‪ ،‬كما يندرج يمن كل منها عدد من العقود املختلفة املعروفة اليت تتعامل هبا البنوك‬
‫واملصارف اإلسالمية واليت هي مستمدة أساساً من الفقه اإلسالمي‪ ،‬وهذه اجملموعات األربع هي‪:‬‬
‫ـ جمموعة صيغ ِّ‬
‫االِتار‪.‬‬
‫ـ وجمموعة صيغ اإلجيار‪.‬‬
‫ـ وجمموعة صيغ االشرتاك‪.‬‬
‫ـ وجمموعة صيغ االسرتابح‪.‬‬
‫أما جمموعة ِّ‬
‫االّتار فهي تشمل الصيغ واألساليب القائمة على التمويل ابلبيوع‪ ،‬أي‪ :‬عمليات الشراء بقصد‬
‫البيع؛ للحصول على الربح احلالل املتمثل يف الفرق بني تكلفة الشراء ومثن البيع‪ ،‬ومتكن هذه الصيغ من تقدمي‬
‫املواد األوىل وخمتلف البمائع والسلع واألصول لكل من حيتاجها‪ ،‬وأه خصائص هذه اجملموعة أهنا‪:‬‬
‫ـ متكن من توفري احتياجات األفراد أو املؤسسات من السلع والبمائع املختلفة‪.‬‬
‫ـ تنقل ملكية السلع والبمائع من البائع إىل املشرتي مبجرد التعاقد‪.‬‬
‫ـ يندمج الربح فيها مع الثمن املؤجل‪ ،‬ويعترب جزءاً ال يتجزأ من القيمة التمليكية‪.‬‬
‫ويالحظ هنا أن هذه اجملموعة تتممن خمتلف عقود البيوع املعروفة‪ ،‬مثل‪ :‬بيع األجل‪ ،‬وبيع املراحبة املؤجلة‪،‬‬
‫وبيع السلم‪ ،‬وبيع االستصناع‪.‬‬
‫وبيع األجل وبيع املراحبة كما ّتريه البنوك اإلسالمية ينتج عنهما مديونية اثبتة يف ذمة املشرتي؛ ألن البنك‬
‫يلعب دور البائع يف هذه الصيغ؛ حيث إنه بعد شراء السلع واألصول ومتلكها يقوم ببيعها ابألجل أو ابملراحبة‬
‫لعميله‪ ،‬وابلتايل يقوم البنك هنا بتمويل عمالئه بصفته مشرتين للسلع‪.‬‬
‫بينما األمر معكوس يف عقد السل ؛ ألن الدور األساسي الذي يلعبه البنك يف هذه احلالة هو دور املشرتي‬
‫وليِ البائع‪ ،‬فالبنك مبوجب عقد السل يشرتي سلعة موصوفة يف الذمة مقابل دفعه الثمن كامالً لعميله البائع‬
‫عند إبرام العقد وابلتايل يقوم البنك هنا بتمويل عمالئه بصفته ابئعني للسلع‪ ،‬وحسب عقد السل فإن البنك‬
‫اإلسالمي يستل السلعة يف األجل املتفق عليه‪ ،‬ولكنه سوف لن يبقي هذه السلعة لديه‪ ،‬بل سيعمل على‬
‫تصريفها وكسب رحبه من إعادة بيعها للغري بسعر أعلى‪ ،‬والبنك هنا أمامه عدة خيارات‪:‬‬
‫ـ فقد يقوم إببرام عقود سل موازية؛ حبيث يبيع ابلسل سلعة من نفِ مواصفات السلعة اليت اشرتاها‪ ،‬وقد يبيع‬
‫نفِ الكمية اليت اشرتاها بعقد واحد‪ ،‬أو يبيع كميات جمزئة منها بعقود متعددة‪.‬‬
‫ـ وقد حيصل البنك على وعد من طرف اثلث مستفيد يلتزم مبوجبه بشراء سلعة من نفِ مواصفات السلعة‬
‫املربم بشأهنا عقد السل ‪ ،‬وعليه بعد أن يستل البنك السلعة يف األجل يقوم ببيعها على هذا الطرف الثالث‬
‫الواعد ابلشراء‪ ،‬وهذا األسلوب يسمى السل املقرتن ابلوعد ابلشراء‪.‬‬
‫ـ وقد يقوم البنك بتوكيل البائع ابلسل بتصريف السلعة وبيعها للغري نيابة عن البنك ملعرفته األوسع أبوياع‬
‫السوق واملتعاملني فيه ويسمى هذا األسلوب ابلسل مع توكيل البائع‪.‬‬
‫أما ابلنسبة لعقد االستصناع فإن البنك ميكن أن يدخل يف التمويل مع عميله إما بصفته صانعاً أو مستصنعاً‪:‬‬
‫فإذا كان عميله الراغب يف التمويل هو جهة تقوم ابلتصنيع واإلنتاج فهنا يدخل البنك كمستصنع حبيث‬
‫يشرتي مبوجب عقد االستصناع سلعة حمددة املواصفات يتسلمها يف األجل ويدفع مثنها معجالً أو مقسطاً أو‬
‫مؤجالً‪ ،‬مث بعد أن يستل هذه السلعة املصنوعة يسعى إىل تصريفها أبي شكل من األشكال اليت ذكرانها يف‬
‫السل حبيث يربم عقد استصناع موازايً يكون فيه هو البائع الصانع‪ ،‬أو حيصل على وعد بشراء السلعة‬
‫املصنوعة يف األجل بعد تسلمها‪ ،‬أو يوكل عميله الصانع ببيع السلعة نيابة عنه‪.‬‬
‫ويف حالة قيام البنك بدور الصانع فإنه حينئذ يقوم بتمويل عمالئه بصفته املشرتين للسلع املصنوعة والذين ال‬
‫ميكنه دفع مثنها نقداً للمقاول فيتوسطون يف هذه املعاملة‪ ،‬والبنك بعد أن يتعاقد مع عمالئه على بيع السلعة‬
‫املصنوعة يقوم إببرام عقد استصناع موا ٍز مع أحد املقاولني حىت يتمكن بعد شرائها وتسلمها من تسليمها‬
‫للعميل املشرتي‪ ،‬وهذا ما يسمى ابالستصناع واالستصناع املوازي‪.‬‬
‫إن هذه العقود‪ :‬البيع ابألجل‪ ،‬واملراحبة‪ ،‬وعقد السل ‪ ،‬واالستصناع‪ ،‬أصبحت واحلمد هلل من األساليب‬
‫املستخدمة بكثرة يف نشاط البنوك اإلسالمية‪ ،‬وقد مت تقنني هذه العمليات بشكل مفصل وحمدد‪ ،‬كما مت يبط‬
‫إجراءاُتا وشروطها وأحكامها مبا حيقق إبذن هللا حسن التنفيذ والتطبيق‪.‬‬
‫أنيت اآلن إىل اجملموعة الثانية‪ ،‬وهي جمموعة أساليب اإلجيار‪:‬‬
‫فهي ختتلف عن اجملموعة السابقة أساساً؛ من حيث إهنا ال تنقل ملكية العني نفسها‪ ،‬وإَّنا تنقل فقط ملكية‬
‫املنفعة‪ ،‬فهذه األساليب متكن من احلصول على األعيان واألصول ليِ المتالكها‪ ،‬وإَّنا لالنتفاع ابستخدامها‬
‫خالل مدة زمنية حمددة مقابل أجر معلوم‪.‬‬
‫وخالل كامل مدة اإلجارة يبقى البنك املمول بصفته املؤجر هو مالك األعيان واألصول وابلتايل هو الذي‬
‫يتحمل تبعات وخماطر هالك العني املؤجرة؛ ألهنا ابقية على ملكه‪ ،‬وهو الذي يلتزم بصيانتها األساسية نظري‬
‫استمراره يف استحقاق األجرة‪.‬‬
‫وجند يف تطبيقات البنوك اإلسالمية ثالثة أنواع رئيسية من اإلجارة‪:‬‬
‫ـ فهناك اإلجارة التشغيلية اليت يتوىل فيها البنك إجارة العني مرة تلو األخرى حىت ال تبقى بدون استعمال إال‬
‫لفرتات قصرية‪ ،‬ويتحمل البنك يف ذلك خماطر ركود السوق وافخفاض الطلب على تلك األعيان مما يؤدي إىل‬
‫خماطر عدم استغالهلا‪.‬‬
‫ـ وهناك اإلجارة املنتهية ابلتمليك‪ ،‬وهي ختتلف عن اإلجارة التشغيلية من حيث إن ملكية األعيان املؤجرة‬
‫تؤول يف هناية عقد اإلجارة إىل املستأجر نفسه بعد سداده لكامل أقساط اإلجارة‪ ،‬وذلك طبقاً ملا يصدره‬
‫املؤجر من وعد ابلبيع أو إبرامه لعقد هبة معلق على شرط السداد‪ ،‬ويكون الوعد ابلبيع أو اهلبة املعلقة على‬
‫شرط السداد يف عقد منفصل عن عقد اإلجارة‪ ،‬وتسري بطبيعة احلال مجيع أحكام اإلجارة التشغيلية على‬
‫اإلجارة التمليكية قبل انتقال ملكية األعيان إىل املستأجر‪.‬‬
‫ـ وهناك نوع اثلث من اإلجارة طبقته البنوك اإلسالمية وإن كان بشكل أقل وهي اإلجارة املوصوفة يف الذمة‪،‬‬
‫ففي هذه احلالة ال تكون العني املؤجرة موجودة معينة تسل عند التعاقد وإَّنا تكون اإلجارة على منفعة عني‬
‫موصوفة بصفات دقيقة يتفق عليها متنع حدوث أي تنازع‪ ،‬ويلتزم املؤجر ابحلصول عليها لتسليمها يف التاريخ‬
‫احملدد وتكون هذه اإلجارة املوصوفة شبيهة بعقد السل ولكن ال يشرتط فيها تعجيل األجرة‪.‬‬
‫وعموماً تتميز عقود اإلجارة مبختلف أنواعها يف كون الربح فيها مستقالً عن قيمة العني؛ ألنه عبارة عن أجر‬
‫حيصل مع ّتدد املنفعة‪ ،‬ولذلك تكون اإلجارات مرتبطة ابلزمن‪ ،‬وتكون سالمة العني طيلة فرتة العقد من‬
‫مسؤولية املالك املؤجر‪.‬‬
‫وبعد هاتني اجملموعتني‪ :‬جمموعة أساليب ِّ‬
‫االّتار‪ ،‬وجمموعة أساليب اإلجيار‪ ،‬هناك أيضاً جمموعتان أُ ْخ َراين‬
‫ومها‪ :‬جمموعة أساليب االشرتاك‪ ،‬وجمموعة أساليب االسرتابح‪ ،‬ويندرج يمن جمموعة االشرتاك خمتلف أنواع‬
‫املشاركات اليت يساه فيها خمتلف األطراف يف تقدمي رأس املال سواء كان رأس املال هذا من النقود كما يف‬
‫شركات األموال‪ ،‬أو كان عمالً كما يف شركات األبدان‪ ،‬أو األعمال املعروفة يف الفقه اإلسالمي ويتميز هذا‬
‫النوع من األساليب ابشرتاك خمتلف املسامهني يف العمل واإلدارة والتصرف يف املال فهو حق لكل منه ‪ ،‬كما‬
‫يتميز ابشرتاكه مجيعاً يف األرابح الناّتة وفقاً ملا يتفقون عليه من نسب‪ ،‬أما اخلسارة فإهن يتحملوهنا مجيعاً‬
‫حبسب حصص مسامهته يف رأس املال أو يف يمان الديون‪.‬‬
‫وهذه اجملموعة من أساليب االشرتاك ختتلف عن جمموعة أساليب االسرتابح من الناحية التمويلية‪ ،‬ففي هذه‬
‫األخرية ال يوجد اشرتاك مجيع املسامهني يف تقدمي رأس املال‪ ،‬كما أهن ال يتحملون مجيعاً اخلسارة‪ ،‬فهناك فصل‬
‫اتم بني اجلهة املالكة بني رأس املال واجلهة اليت تقوم ابلعمل والتصرف فيه‪.‬‬
‫كما تتميز أساليب االسرتابح أبن الطرف املقدم لرأس املال هو الذي يتحمل وحده اخلسارة إن حدثت‪ ،‬أما‬
‫الربح فهو يوزع بني خمتلف األطراف حسب االتفاق؛ ألن الغاية من عقود االسرتابح هو حتقيق الربح‬
‫واالشرتاك فيه‪ ،‬ويندرج يمن جمموعة االسرتابح‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ عقود املماربة إذا كان رأس املال نقوداً‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ عقود املزارعة إذا كان رأس املال املقدم عبارة عن أرض يزرعها املزارع لقسمة احلاصل بني الطرفني‬
‫ابحلصص املتفق عليها وقت العقد‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ وعقود املساقات يف حالة تقدمي أشجار ملن يصلحها بنصيب شائع معلوم من الثمر‪ ،‬ومسيت بذلك ألن‬
‫أه األعمال اليت يصلح هبا الشجر هو السقي‪.‬‬
‫هذه هي إذاً اجملموعات األربع الرئيسية لصيغ وأساليب التمويل اإلسالمية‪ ،‬وهي جمموعات لكل منها ذاتيتها‬
‫وخصائصها‪ ،‬ميكن للبنوك واملصارف اإلسالمية أن تبين على أساسها عدداً من العقود األخرى املستجدة وفقاً‬
‫الحتياجات املتعاملني معها طاملا كانت هذه العقود متفقة مع الموابط العامة واملبادئ املقررة‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ وتعترب سندات املقارية ـ أي‪ :‬املماربة عند احلنفية ـ من األدوات األوىل اليت مت تصميمها‪ ،‬وهي األكثر‬
‫استخداماً يف واقع البنوك واملصارف اإلسالمية‪ ،‬وهذه السندات متثل حصص مشاركة يف أصول ومنافع مت‬
‫تكوينها من االكتتاب يف رأس مال مشروع أو مشروعات معينة‪ ،‬وهي تقوم على أساس عقد املماربة الشرعية‪،‬‬
‫فيمثل أصحاب هذه السندات أرابب مال‪ ،‬أما اجلهة اليت تصدرها فهي متثل املمارب الذي يتمتع حبق اإلدارة‬
‫والتصرف ابملشروع وحق اختاذ القرارات اإلدارية واالستثمارية املتعلقة ابملشروع وذلك من أجل حتقيق الربح‬
‫وتوزيعه بينه وبني أرابب املال ابلنسب املتفق عليها‪.‬‬
‫وميكن للمستثمرين أفراداً أو مؤسسات االستفادة من سندات املقارية هذه الستقطاب األموال الالزمة إذا ما‬
‫رغبت يف إنشاء مشروعات جديدة أو توسيع مشروعات قائمة مع سعيها يف احملافظة على حقها يف اإلدارة‬
‫والتصرف‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ وهناك سندات السل اليت ميكن أن تصدرها الدولة لتوفري املوارد العاجلة مقابل التزامها بتقدمي كمية حمددة‬
‫من السلع القابلة للوصف يف اتريخ معني مثل‪ :‬البرتول‪ ،‬والغاز‪ ،‬واحلبوب‪ ،‬وغريها‪ ،‬وتبيع الدولة هذه السلع‬
‫أبسعار منخفمة؛ حبيث حيقق مالكها كسباً من فارق سعر الشراء وسعر السلعة يف اتريخ تسلمها‪ ،‬كما‬
‫تتممن هذه السندات عادة توكيل الدولة ببيع املنتج بعد التسلي نيابة عن صاحب السند‪ ،‬وهذه السندات‬
‫غري قابلة للتداول؛ ألهنا متثل ديوانً‪ ،‬وهي من قبيل بيع املسل فيه قبل قبمه املمنوع شرعاً‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ وتنطبق نفِ الصيغة السابقة على سندات االستصناع من حيث املبدأ؛ ألن االستصناع كما يقول‬
‫الفقهاء‪ :‬هو السل يف الصناعات‪ ،‬واالختالف األساسي بينهما أن املبيع يف االستصناع يشرتط أن يكون مما‬
‫يصنع صنعاً‪ ،‬وليِ من املنتجات اليت ال تدخلها الصنعة كاملواد اخلام واملنتجات الزراعية وغريها‪ ،‬لذا ميكن‬
‫للجهات احلكومية استخدام سندات االستصناع يف متويل بيوت السكن واجملمعات وَنوها‪ ،‬وهي ال تقبل‬
‫التداول إال بعد تسلم املصنوعات الِت هلا منافع قابلة للتأجري‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ وهناك أيماً سندات إجارة األعيان اليت ميكن أن تصدرها اجلهات احلكومية بنفسها أو عن طريق البنوك‬
‫واملصارف‪ ،‬ومتثل هذه السندات ملكية أصول اثبتة يت أتجريها إىل تلك اجلهات احلكومية مقابل أجرة حمددة‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ كما يوجد نوع آخر من سندات اإلجارة‪ ،‬وهي سندات إجارة اخلدمات‪ ،‬وهي تصلح للجهات‬
‫احلكومية اليت تقدم خدمات معينة للمواطنني مبقابل مثل اخلدمات الصحية وخدمات اهلاتف‪ ،‬والتعلي اجلامعي‬
‫وغريها من اخلدمات العامة‪ ،‬ففي هذه احلالة ميكن لتلك اجلهات احلكومية إصدار سندات خدمات يستحق‬
‫حاملها يف األجل احملدد احلصول على اخلدمة املوصوفة يف الذمة مقابل تعجيله مثنها عند شراء السند‪ ،‬وبذلك‬
‫فإن املواطن املستثمر يف سندات إجارة اخلدمات يستفيد من افخفاض مثن اخلدمة املدفوع مقارنة بثمنها عند‬
‫األجل‪ ،‬كما تستفيد الدولة من توفر السيولة الالزمة لديها‪.‬‬
‫وال بد من اإلشارة أن هذه السندات مبختلف أنواعها ميكن أن تتوىل البنوك واملصارف مهمة طرحها لالكتتاب‬
‫العام‪ ،‬كما ميكن أن تقوم هذه البنوك بدور املتعهد بتغطية االكتتاب فيها‪ ،‬أبن تشرتي املوجودات مجلة مث‬
‫تبيعها مفرقة للمكتتبني هبامش ربح‪ ،‬كما نشري إىل أن أه ميزة هلذه السندات هي قابلية أكثرها للتداول ما‬
‫عدا‪( :‬سندات السلم واالستصناع يف حاالت خاصة)؛ حيث إهنا إذا كانت متثل موجودات حقيقية فال مينع‬
‫شرعاً انتقال ملكيتها من مستثمر آلخر‪ ،‬لتوافر الموابط الشرعية لذلك‪ ،‬وهو األمر الذي سيساعد بال شك‬
‫يف سرعة انتشارها‪ ،‬وميكن أن تقوم البنوك واملصارف اإلسالمية كذلك بدور املتعهد إبعادة الشراء لضمان‬
‫حركة التداول‪.‬‬
‫وأخرياً‪ :‬إن ما ذكرانه من َّناذج سابقة هو يف احلقيقة بعض َّناذج األدوات املالية املشروعة اليت ميكن االستفادة‬
‫منها من قبل اجلهات احلكومية من أجل تعبئة املوارد اليت حتتاجها سواء مت ذلك مباشرة أو من خالل البنوك‬
‫واملؤسسات املالية‪ ،‬وال زالت هناك جهود كبرية من أجل يبط التعامل هبذه السندات املختلفة‪.‬‬
‫ويف هذا اخلصوص جيب أن يتحقق مزيد من التعاون بني اجلهات احلكومية والبنوك اإلسالمية ممثلة يف قياداُتا‬
‫الفنية وهيئاُتا الشرعية ورجال الفكر واملال املتهمني هبذا اجملال‪ ،‬وذلك حىت نصل إىل املرحلة اليت تكون فيها‬
‫هذه األدوات املالية مؤسسة على قوانني وأنظمة مقررة يف خمتلف الدول اإلسالمية؛ حبيث يت استخدامها يف‬
‫يوء تلك املقررات ملا خيدم مصلحة مجيع اجلهات‬
‫ملحوظة هامة‪:‬‬
‫أقول‪ :‬كل الصيغ والعقود اليت اختلف يف مشروعيتها أو يف بعض شروطها أو أوصافها أو أحكامها يرجع فيها‬
‫إىل قرارات اجملامع الفقهية اإلسالمية‪ ،‬ويف حال اختالفها فإن للهيئة الشرعية يف املصارف اإلسالمية أن ختتار‬
‫ما تراه راجحاً ابلدليل مع مراعاة املصلحة العامة ومالءمة الزمان واملكان حتقيقاً ملقاصد الشريعة الغراء؛ حبيث‬
‫ّتمع بني يوابط القواعد وسعة املقاصد‪.‬‬
‫خالصة‬
‫‪ 1‬ـ َّ‬
‫إن مجاع القول يف األعمال املصرفية اليت تت يف املصارف الربوية أهنا إما خدمة مقابل أجر وإما إقراض‬
‫نظري فائدة وعوائدها إما عمولة وإما فائدة ‪.‬‬
‫واألوىل ال أبس هبا ألن اإلجارة جائزة شرعا على أن يكون األجر مقطوعاً ال يتكرر إال بتكرار اخلدمة حىت ال‬
‫ختفي العمولة يف طياُتا مآرب ربوية‪.‬‬
‫وأما الفائدة فهي صريح الراب الذي نزل القرآن الكرمي بتحرميه وقد ثبت ُتافت مجيع التخرجيات اليت حاول‬
‫أصحاهبا تربير الفائدة على وجه أو على آخر ‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ وإن مجاع القول يف التطوير اإلسالمي للعمل املصريف أنه يبقي اخلدمات املأجورة ويمع لعمولتها من‬
‫الموابط ما ينفي عنها شبهة الراب ‪ ،‬ويستعيض عن العقود الربوية عقود االستثمار الشرعية اليت تقوم على فكرة‬
‫التجر واملشاركة أو القرض احلسن الذي قد يرى املصرف اإلسالمي تقدميه يف بعض احلاالت‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ إن عقد املماربة الشرعية قادر بشيء من التوسع يف أحكامه على الوفاء حباجات العمل املصريف وإن‬
‫مجيع الدفوع اليت طعن هبا البعض يف صالحية هذا العقد لالستثمار اجلماعي يف املصارف فيها نظر‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ جواز املماربة املؤقتة واملماربة ابلدين إن كان على مأل واجلميع بني الشركة واملماربة وإن املماربة تلزم‬
‫ابلشروع يف العمل إىل خلوص املال يف إابنه ‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ إن تثبيت العائد يف عقد املماربة يفسدها ألن األصل يف ربح املماربة أن يكون على الشيوع بني‬
‫املمارب وبني رب املال فإذا أييف إىل تثبيت العائد الذي يناله رب املال فكرة تممني املصرف ألموال‬
‫املماربة فقد حتولت املعاملة إىل قرض ربوي يف حقيقة األمر وإن استعريت هلا أمساء أخرى ‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ إنه ميكن للمصرف اإلسالمي أن يعتمد على بقية عقود االستثمار كاملشاركة واملراحبة والسل واالستصناع‬
‫يف ترتيب أعماله االستثمارية وال وجه العرتاض البعض أبن هذه عقود استثمار مباشر ال شأن هلا ابألعمال‬
‫املصرفية وذلك ألن مفهومك األعمال املصرفية مل يتفق عليه عامليا حىت هذه اللحظة‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ جواز السل احلال كما هو مذهب الشافعي رمحه هللا وجواز االستعاية عن دين السل قبل قبمه من‬
‫املسل إليه شريطة أال يرابح رب السل مرتني أي ال يستعيض عنه مبا هو أكثر قيمة منه كما أثر ذلك عن ابن‬
‫عباس وغريه من أهل العل وأن هذا العمل من جنِ الوفاء ابلدين وليِ من جنِ البيع ‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ أنه ال جيوز ملن اشرتى شيئا أن يبيعه قبل قبمه وفقا للراجح من أقوال أهل العل وأن هلذا املبدأ دوره اهلام‬
‫يف ترتيب العمل يف املصرف اإلسالمي حيث يلزمه يف عمليات املراحبة وحنوها أن يتوىل فعال شراء السلع بنفسه‬
‫وأن يقبمها فعال وفقا ملا فصلناه من أحكام القبض حىت يتمكن من بيعها إىل اآلمر بعد ذلك وبذلك يغلق‬
‫اباب من أخطر أبواب التالعب والغرر وهو ماتقوم به البورصة العاملية من املمارابت الومهية على صفقات ومهية‬
‫معدومة فيثرى هبا فريق ويتحط هبا آخرون واليهود من وراء الكواليِ يوجهون املسار وجينون الثمار‪.‬‬
‫‪ 9‬ـ إن املراحبة املصرفية ختتلف يف جوهرها عن مسألة العينة اليت ذهب إىل حرمتها مجهور الفقهاء ولكن بشرط‬
‫أن تت وفقا خلطوات معينة موجزها‪:‬أن يقوم املصرف بشراء السلعة املقصودة فإذا مت له قبمها قام ببيعها بعد‬
‫ذلك لعملية اآلمر ابلشراء الذي يكون له احلق يف القبول أو الرد وفقا ملا حيقق مصلحته ولكن احنرافات‬
‫التطبيق هي اليت حادت هبذه املعاملة عن جادة املشروعية ولكي يؤمن املصرف موقعه ميكن أن يشرتط لنفسه‬
‫اخليار عند شرائه للسلعة حىت إذا نكل العميل عن الشراء قام بردها إىل البائع ومل خيسر شيئاً‪.‬‬
‫‪ 10‬ـ إن النقود الورقية املتداولة اليوم أتخذ أحكام الذهب والفمة يف وجوب الزكاة فيها ويف جراين الراب فيما‬
‫بينها حبيث تعترب عملة كل بلد من البالد جنسا قائما بذاته فإن بيعت بعملة من جنسها فقد وجب التماثل‬
‫والتقابض وإن بيعت بعملة أخرى لبد آخر حرم النساء فقط وحلت الزايدة كما هي القاعدة يف الذهب‬
‫والفمة وقد أفىت بذلك مجهور أهل العل يف هذا الزمان‪.‬‬
‫ملزم يف ابب القماء إذا ترتَّب على‬
‫‪ 11‬ـ إن الوفاء ابلوعد واجب وملزم يف ابب الداينة وحسن اخللق وهو ٌ‬
‫إخالفه حصول يرٍر للطرف اآلخر؛ فإنَّه حينئذ جيب الوفاء به دفعاً للمرر الذي ينبين على عدم الوفاء‪،‬‬
‫عمالً ابلقاعدة الكلية ـ احلديث الشريف ـ ((ال ضرر وال ضرار))‪[ .‬متفق عليه]‬
‫‪ 12‬ـ ال جيوز اإليداع يف املصارف الربوية ولو كان بدون فائدة ملا يتممنه هذا العقد من اإلعانة على املعصية‬
‫فاملصارف ال حتتفظ من هذه الودائع إال بنسبة االحتياطي املقررة مث تدفع ابلباقي إىل قنوات اإلقراض الربوي‬
‫وهي ال تقنع ابحلج احلقيقي هلذه الودائع‪ ،‬بل تشتق منها ما يزيد على حجمها أيعافاً كثرية بواسطة ما‬
‫يسمى خبلق النقود أو إحداث االئتمان‪.‬‬
‫وأخرياً‪ :‬فإنين أتوجه إَّل املشتغلني بقضية املصارف اإلسالمية هبذه التوصيات‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬جيب على من ينتصب للمعاجلة اإلسالمية لألعمال املصرفية أن يبدأ أوالً بدراسة األحكام الشرعية‬
‫للعقود اليت تنظ هذه األعمال حىت ميسك بيديه املشاعل املميئة اليت يشق هبا طريقه إىل معاجلة هذه األعمال‬
‫إسالمياً يف يوء ما تقرر عنده من األحكام والقواعد الشرعية؛ وذلك حىت يكون املنطلق هو تقومي هذه‬
‫األعمال ابإلسالم وليِ هو تطوير األحكام الشرعية مبا يتفق مع هذه األعمال‪.‬‬
‫اثنياً‪ :‬أن تكون الغاية من البحث هي إحقاق احلق وإبطال الباطل‪ ،‬وليِ توزيع صكوك الشرعية على أكرب‬
‫اإلسالم أن يهدم تسعة أعشار هذه‬
‫قدر ممكن من هذه األعمال مهما كان فيها من خلل وّتاوز‪ ،‬فلن يمري‬
‫َ‬
‫النظ ما دام ميلك البديل األقوم والسبيل األهدى ومل يرتك الناس سدى أو يرهقه من أمره عسراً‪ ،‬فاألصل‬
‫هو اتباع احلق ابلدليل وليِ االعتذار عن هذا النظام أو ذاك وتلمِ املخارج له من أي وجه حتت ستار‬
‫املرونة والتوسعة‪.‬‬
‫اثلثاً‪ :‬أن نفرق يف األحكام الفقهية بني ما كان منها معتمداً على نص أو إمجاع‪ ،‬وبني ما كان منها مرده‬
‫املصلحة واألقيسة‪ ،‬فاألوىل حرم مقدس‪ ،‬ومن يرد فيه إبحلاد بظل نذقه من عذاب ألي ‪ ،‬والثانية مويع نظر‬
‫واجتهاد يرجح فيها العلماء يف كل عصر ما يرونه مناسباً حلاجاته ومصاحله‪ ،‬عمالً ابلقاعدة املقررة‪(( :‬حيثما‬
‫تكون املصلحة فثَ َّم وجه هللا))‪.‬‬
‫رابعاً‪ :‬أنه حيث يكون مرد اخلالف يف مسألة ما إىل تعارض ظاهر بني النصوص فال تكفي املصلحة وحدها‬
‫للرتجيح‪ ،‬بل ال بد من اعتبار الدليل األقوى وفقاً لموابط الرتجيح املقررة يف عل األصول مع مر ٍ‬
‫اعاة دقيقة‬
‫لفقه املقاصد حتقيقاً ملقاصد التشريع اإلسالمي‪.‬‬
‫خامساً‪ :‬إننا يف سعينا إىل حتقيق مركز تنافِ متقدم للمصارف اإلسالمية ال ينبغي أن حيملنا االندفاع والعجلة‬
‫على التفلت والعدوان على حدود هللا‪ ،‬فإن رسالة املصارف اإلسالمية إىل أهل األرض تتمثل يف املقام األول‬
‫يف محل لواء التطبيق الشرعي واملمارسة اإلسالمية والعودة ابالقتصاد اإلسالمي إىل حظرية الكتاب والسنة فال‬
‫جيوز أن حتملها العجلة أو الرغبة يف كسب جولة من اجلوالت على التفريط يف هذه الرسالة املقدسة‪.‬‬
‫سادساً‪ :‬أنه ال بد أن يعاد النظر فيما تروج له املصارف التقليدية الربوية من نظ ومبادئ تقدمها ابعتبارها‬
‫مكاسب ومغامن؛ ألن بعض هذه املكاسب املزعومة تعد يف ميزان اإلسالم إمثاً وخطيئة‪ ،‬وتصطدم مع كلياته‬
‫ومبادئه األساسية‪ ،‬فما مل يتفطن لذلك فقد حيملنا معرتك املنافسة على تبين هذه األفكار‪ ،‬مث حماولة تطويع‬
‫األحكام الشرعية إلقرارها‪ ،‬فنفقد بذلك استقامة املنهج وويوح اهلدف ونكون كمن يدور يف حلقة مفرغة‪.‬‬
‫والقصد أن تكون حماكاتنا بوعي‪ ،‬وأن يكون اقتباسنا من ّتارب اآلخرين منوطاً ابلنظر الشرعي الذي ينبغي أن‬
‫تكون له اهليمنة املطلقة يف كل شيء‪ ،‬ومن هنا كانت أمهية أن يواكب اليقظة اإلسالمية يف جمال املصارف‬
‫يقظة إسالمية شاملة ُتت ببناء الفرد املسل ‪ ،‬وتصحيح مفاهيمه وتنقيتها مما شاهبا من الدخن لتتفاعل مع‬
‫املمارسة اإلسالمية يف شىت اجملاالت فال حياكمها إىل مقررات سابقة‪ ،‬وال يزهنا مبوازين غريبة مما يؤدي إىل الريبة‬
‫والتأرجح‪.‬‬
‫سابعاً‪ :‬أن يهت القائمون على أمر املصارف اإلسالمية بتوعية العاملني يف هذا اجملال حبقيقة رسالته وابلدور‬
‫اهلام الذي يناط هب أداؤه‪ ،‬مث ابخلطوات الشرعية الالزمة لصحة املعامالت اليت ميارسها املصرف مع بيان الغاية‬
‫من كل هذه اخلطوات واألدلة الشرعية على لزومها‪ ،‬وذلك حىت ال حيِ العاملون يف هذا اجملال أهن يف تنفيذ‬
‫هذه اخلطوات أمام سلسلة من اإلجراءات اإلدارية العادية اليت ال تفسري هلا إال البريوقراطية والتعقيدات‬
‫الشكلية اليت متليها عليه اإلجراءات الرمسية وحنو ذلك مما قد حيمله على التجاوز عن بعض هذه اخلطوات‬
‫أو التقصري يف القيام هبا وقد ينعكِ ذلك على العملية كلها ابلبطالن من الناحية الشرعية‪.‬‬
‫وإين ألوصي أبن تفتتح كافة املصارف اإلسالمية مراكز لتدريب العاملني لديها تقوم على تدريِ التصور‬
‫اإلسالمي للعمل املصريف وتتوىل شرح العقود الشرعية اليت يت ترتيب العمل على أساسها يف املصارف‬
‫اإلسالمية مع بيان صياغتها املصرفية واخلطوات التنفيذية الالزمة لذلك‪ ،‬مث يشرتط فيمن يريدون االلتحاق‬
‫ابلعمل لدى املصارف اإلسالمية أن يكون قد خترج يف هذه املراكز اليت تكفل للمتخرجني فيها حداً أدىن من‬
‫املعرفة اإلسالمية هبذا اجملال‪ ،‬كما أوصي أن ختتار هذه املصارف موظفيها ممن عرفوا ابلصالح والتقوى فهؤالء‬
‫ه الممان احلقيقي لدقة وأمانة التطبيق اإلسالمي يف هذا اجملال‬
‫وأخرياً‪ :‬فإن النجاح الكبري الذي شهدته املصارف اإلسالمية منذ اليوم األول الفتتاحها إَّنا حيمل أصدق‬
‫األدلة على أن رصيد الفطرة من حب احلق والتطلع إليه ال يزال غماً طرايً وأن أمة اإلسالم وإن تعاقبت عليها‬
‫خمتلف النظ واحلكومات فإهنا ما فتئت تتطلع إىل ساعة اخلالص وتنشد حياة الطهر يف ظل االعتصام‬
‫ابلكتاب والسنة واالستقامة على أمر هللا عز وجل‪.‬‬
‫احلمد هلل الذي بنعمته تت الصاحلات‪ ،‬وصلى هللا وسلَّ على سيدان حممد وعلى آله وأصحابه أمجعني‪ ،‬متت‬
‫بعون هللا‪.‬‬