تحميل الملف المرفق

‫النَّسيئةَّوالنَّساءَّهلَّهماَّبمعنىَّواحدَّ؟‬
‫مقدمة َّ‬
‫ميزون بين نسيئة‬
‫كثير من الكاتبين في الربا‪ ،‬من القدامى والمعاصرين‪ ،‬ال ي ّ‬
‫وتعقيدا على تعقيده‪.‬‬
‫ونساء‪ ،‬فيزداد بذلك الربا في بعض أبوابه صعوبة على صعوبته‪،‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ميز بينهما ألغراض التوضيح‪ ،‬ولتجنب التشويش في‬
‫في هذه الورقة سأختار رأي من ّ‬
‫الفهم‪ ،‬ورغبة في المزيد من الطرح العلمي الدقيق‪.‬‬
‫هذا وان تقليب الربا على وجوهه المختلفة البد وأن يساعد على المزيد من الفهم‪،‬‬
‫وعلى تحسين الصياغة‪ ،‬لعل ذلك يصل إلى مسامع الناس وعقولهم‪ .‬وتبدو مساهمة‬
‫المركز وباحثيه ال من خالل الوقوف على الكتب والكتابات فقط‪ ،‬بل من خالل أفكار‬
‫يعبر عن حالة أرقى‬
‫محددة ودقيقة‪ ،‬وال ريب أن الوقوف على هذه اإلسهامات الدقيقة ّ‬
‫للجامعة والمجتمع‪ .‬وما لم يتمكن كل منهما من ذلك فإن من العسير استثمار الكفاءات‬
‫وخوض معركة المنافسة بين الوحدات العلمية المختلفة‪.‬‬
‫في هذه الورقة سأتكلم عن النسيئة و َّ‬
‫النساء بشكل خاص‪ ،‬ولكني سأتوسع قليالً‬
‫في الحديث عن الربا والفائدة لكي أجيب عن األسئلة التي طرحت علي أثناء اللقاء‬
‫ّ‬
‫فرقت‬
‫وبعده‪ ،‬ولكي تكون هناك ورقة موجزة حول الموضوع أرجو أن تكون مفيدة‪ .‬وقد ّ‬
‫األسئلة حسب مواضعها‪ ،‬ولم أجمعها كلها في آخر الورقة‪ ،‬ليتبين القارئ عالقتها‪ ،‬ولكي‬
‫أقلل من التكرار‪.‬‬
‫فيَّاللغة ‪:‬‬
‫النسيئة و َّ‬
‫الن ساء في معاجم اللغة بمعنى واحد هو التأخير‪ ،‬فهما من عائلة واحدة‬
‫الدين‪ ،‬نسأ‬
‫وأصل واحد‪ .‬يقال ‪ :‬باعه بنسيئة ‪ :‬أي بتأخير‪ ،‬أي باعه َبدين‪ .‬ومنه ‪ :‬نسأ َ‬
‫أخره‪ .‬هذا ما تذكره المعاجم‬
‫البيع‪ ،‬نسأ للاه أجَله‪ ،‬أو في أجله‪ .‬أنسأ‬
‫الشيء ‪ :‬نسأه‪ّ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اللغوية‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫أقول من الممكن التفريق بين النسيئة و َّ‬
‫النساء في اللغة على أساس القاعدة القائلة‬
‫بأن زيادة المبنى دليل على زيادة المعنى‪ .‬فالنسيئة على هذا األساس تشمل ربا َّ‬
‫النساء‬
‫وربا الفضل‪.‬‬
‫التمييزَّبينَّالنسيئةَّوالنَّساءَّفيَّاالصطالح َّ‬
‫الربا نوعان ‪ :‬ربا نسيئة ( ربا قروض ) وربا بيوع‪ .‬وربا البيوع نوعان ‪ :‬ربا فضل‬
‫وربا َنساء‪ .‬يقول محمد أبو زهرة ‪ :‬ربا َّ‬
‫النساء ليس هو ربا النسيئة ( بحوث في الربا ص‬
‫ويسمون‬
‫يسمي الفقهاء الزيادة عند وجوب المماثلة ربا الفضل‪،‬‬
‫‪ .) 79‬ويقول ً‬
‫ّ‬
‫أيضا ‪ّ :‬‬
‫التأجيل عند وجوب القبض ربا َّ‬
‫ويسمون ربا الديون الذي حرمه القرآن ربا‬
‫النساء‪،‬‬
‫ّ‬
‫النسيئة‪ ،‬وهو الزيادة في َّ‬
‫الدين نظير األجل ( بحوث في الربا ص ‪ .) 32‬كذلك يقول‬
‫محمد زكي عبد البر ‪ :‬يجب عدم الخلط بين ربا النسيئة المحرم بالقرآن وربا َّ‬
‫النساء‬
‫لسنة ( الربا ص ‪.) 77‬‬
‫المحرم با ّ‬
‫يمكن أن نستخدم هنا‪ ،‬في أول سطر من سطور هذا المبحث‪ ،‬عبارة " ربا‬
‫قروض " أو " ربا ديون "‪ ،‬ألن الديون تأخذ حكم القروض بعد ثبوتها في الذمة‪ ،‬وألن‬
‫الديون تشمل القروض والبيوع‪ ،‬فالبيوع اآلجلة نوع من الديون‪ .‬فكل بيع تأجل أحد بدليه‬
‫فهو َدين‪ .‬ففي بيع يتأجل فيه الثمن يكون الثمن فيه هو َّ‬
‫الدين‪ ،‬وفي بيع يتأجل فيه‬
‫السَلم ) يكون المبيع فيه هو َّ‬
‫الدين‪ .‬فإذا تأجل البدالن صار َد ًينا َبدين‪ ،‬أو‬
‫المبيع ( بيع َّ‬
‫كالئا بكالئ‪.‬‬
‫ً‬
‫رباَّالفضل ‪100 :‬غرام ذهب معجلة بـ ‪ 101‬غرام ذهب معجلة‪ ،‬فيها ربا فضل بمقدار ‪:‬‬
‫السنة بقوله صلى للا عليه وسلم ‪ :‬الدينار‬
‫غرام واحد‪ .‬وهذا المصطلح قد ورد في ّ‬
‫بالدينار ال فضل بينهما والدرهم بالدرهم ال فضل بينهما ( صحيح مسلم‪ ،‬باب المساقاة‬
‫‪ .) 100/4‬يفهم من هذا أن الفضل ربا‪ .‬وفي كتب الحنفية‪ ،‬كالمبسوط للسرخسي وغيره‪،‬‬
‫هذكرت روايات لحديث األصناف الستة‪ ،‬جاء فيها هذه العبارة ‪ :‬والفضل ربا‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫ويمكن القول بأنه لو كانت المبادلة ‪100‬غرام ذهب معجلة بـ ‪101‬غرام ذهب‬
‫مؤجلة‪ ،‬لكان فيها ربا فضل بمقدار الفرق بين الوزنين‪ ،‬وربا َنساء بمقدار الفرق بين‬
‫النساء فيها‪ ،‬أي زيد في القدر ألجل َّ‬
‫الزمنين‪ .‬والفضل في هذه المبادلة في مقابل َّ‬
‫النساء‪.‬‬
‫واجتماع ربا الفضل وربا َّ‬
‫النساء هو ما يشكل ربا النسيئة‪ ،‬كما سيأتي‪ .‬الغرض من هذه‬
‫متجانس ْين‪،‬‬
‫أيضا على مبادلة بين‬
‫األسطر األربعة األخيرة أن ربا الفضل يمكن أن يطلق ً‬
‫َ‬
‫أحدهما معجل واآلخر مؤجل‪ .‬وبهذا المعنى يزول اإلشكال عند من استشكل معنى ربا‬
‫الفضل وحرمته‪.‬‬
‫رباَّالنَّساء ‪ 100 :‬غرام ذهب معجلة بـ ‪ 100‬غرام ذهب مؤجلة‪ ،‬فيها ربا َنساء‪ .‬فالذي‬
‫قبض المائة المعجلة أربى على الذي قبض المائة المؤجلة‪ ،‬ألن المعجل خير من‬
‫المؤجل‪ .‬فربا َّ‬
‫الن ساء ‪ :‬هو فضل التعجيل على التأجيل‪ ،‬أو فضل الحلول على التأخير‪،‬‬
‫أو فضل العين على َّ‬
‫الدين‪.‬‬
‫وفي بعض الكتب الفقهية يسمى هذا النوع " ربا النقد "‪ .‬وكال المصطلحين‬
‫مقبول‪ ،‬فإذا قلنا ربا نقد كان المعنى أن من حصل على النقد ( الكاش ) أربى على من‬
‫حصل على المؤخر أو المؤجل‪ .‬واذا قلنا ربا َنساء كان المعنى أن من حصل على‬
‫المعجل أربى على من حصل على المؤجل‪ ،‬والسبب في ذلك هو " َّ‬
‫النساء "‪ ،‬أي تأخير‬
‫بدله عن بدل صاحبه‪.‬‬
‫وربا َّ‬
‫النساء ممنوع في البيع‪ ،‬جائز في القرض‪ .‬فـ ‪ 100‬غرام ذهب معجلة بـ‬
‫قرضا‪ ،‬ألن البيع قائم على العدل والقرض‬
‫بيعا وجائزة ً‬
‫‪ 100‬غرام ذهب مؤجلة‪ ،‬ممنوعة ً‬
‫قائم على اإلحسان‪ .‬فإذا كان ربا َّ‬
‫النساء لصالح المقترض فإن هذا ال يتنافى مع مقصود‬
‫عقد القرض‪ ،‬وهو اإلحسان‪ .‬أما إذا كان ربا َّ‬
‫النساء لصالح أحد المتبايعين فإن هذا‬
‫يتنافى مع مقصود عقد البيع‪ ،‬وهو العدل بين المتبايعين‪.‬‬
‫ويمكن القول بأنه لو كانت المبادلة ‪ 100‬غرام ذهب معجلة بـ ‪ 101‬غرام ذهب‬
‫مؤجلة‪ ،‬لكان فيها ربا فضل بمقدار الفرق بين الوزنين‪ ،‬وربا َنساء بمقدار الفرق بين‬
‫‪3‬‬
‫النساء فيها‪ ،‬أي زيد في القدر ألجل َّ‬
‫الزمنين‪ .‬والفضل في هذه المبادلة في مقابل َّ‬
‫النساء‪.‬‬
‫واجتماع ربا الفضل وربا َّ‬
‫النساء هو ما يشكل ربا النسيئة‪ ،‬كما سيأتي‪ .‬والغرض من هذه‬
‫األسطر األربعة األخيرة أن ربا َّ‬
‫متجانس ْين (‬
‫النساء يمكن أن يطلق على مبادلة بين‬
‫َ‬
‫ذهب بذهب )‪ ،‬أو متقارَب ْين ( ذهب بفضة )‪ ،‬أحدهما معجل واآلخر مؤجل‪ ،‬والمؤجل‬
‫فيها أكبر من المعجل‪ ،‬وذلك كما ذكرنا لدى الكالم عن ربا الفضل‪.‬‬
‫قرضا )‪ ،‬فيها ربا‬
‫رباَّالنسيئة ‪ 100 :‬غرام ذهب معجلة بـ ‪ 101‬غرام ذهب مؤجلة ( ً‬
‫نسيئة بمقدار غرام واحد لقاء التأجيل‪.‬‬
‫ربا النسيئة = ربا فضل ‪ +‬ربا َنساء‪.‬‬
‫يرى بعض العلماء بأن منع ربا الفضل وربا َّ‬
‫معا ربا البيوع ) جاء‬
‫النساء ( وهما ً‬
‫ًّ‬
‫سدا للذريعة ‪ :‬ذريعة التوصل بالبيع إلى القرض الربوي‪ .‬فمن همنع من ربا القرض أمكنه‬
‫أن يتحايل ويلجأ إلى البيع‪ ،‬أي بأن هيخرج القرض مخرج البيع‪ ،‬ويقول ‪ :‬أبيعك ‪100‬‬
‫معجلة بـ ‪ 101‬مؤجلة‪ ،‬فالفرق بين البدلين في المقدار هو ربا فضل‪ ،‬والفرق بينهما في‬
‫الزمن هو ربا َنساء‪ .‬فعن طريق الجمع بين الفضل و َّ‬
‫النساء في البيع أمكنه الوصول إلى‬
‫ومنع كذلك البيع الموصل إليه‪،‬‬
‫ربا القرض المحرم‪ .‬ولهذا َمنع الشارع القرض الربوي‪َ ،‬‬
‫َّ‬
‫بويا‪.‬‬
‫بيعا ر ً‬
‫وعده ً‬
‫واذا استخدمنا مصطلح " ربا َّ‬
‫بالسنة النبوية‪،‬‬
‫النساء " في شرح ربا البيوع المحرم‬
‫ّ‬
‫كنا بحاجة إلى مصطلح آخر يجمع بين ربا َّ‬
‫النساء وربا الفضل‪ ،‬وهذا المصطلح هو ربا‬
‫النسيئة‪ .‬فال بد إذن من النسيئة و َّ‬
‫معا‪ ،‬وال بد من التمييز بينهما في االصطالح‪.‬‬
‫النساء ً‬
‫األنواعَّالثالثةَّللرباَّ‪َّ:‬تعبيرَّآخر َّ‬
‫ميسرة إن ربا الفضل ‪ :‬زيادة بال زمن‪ ،‬وربا َّ‬
‫النساء ‪:‬‬
‫يمكن أن نقول بعبارة أخرى ّ‬
‫زمن بال زيادة‪ ،‬وربا النسيئة ‪ :‬زيادة وزمن‪ .‬والمقصود بالزيادة ‪ :‬الفرق الكمي بين‬
‫البدلين‪ ،‬والمقصود بالزمن ‪ :‬الفرق الزمني بين البدلين‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫حديثَّاألصنافَّالستة َّ‬
‫بالب ّر‪ ،‬والشعير بالشعير‪ ،‬والتمر بالتمر‪،‬‬
‫الب ّر ه‬
‫" الذهب بالذهب‪ ،‬والفضة بالفضة‪ ،‬و ه‬
‫اء بسواء‪ً ،‬يدا بيد‪ .‬فإذا اختلفت هذه األصناف فبيعوا كيف‬
‫والملح بالملح‪ ،‬مث ً‬
‫ال بمثل‪ ،‬سو ً‬
‫شئتم‪ ،‬إذا كان ًيدا بيد " ( صحيح مسلم ‪ .) 98/4‬وسيأتي شرحه من خالل هذه الورقة‪،‬‬
‫وفي آخرها على الخصوص‪.‬‬
‫أقسامَّالرباَّفيَّالمذاهبَّالمختلفة‬
‫إذا أردت أن تعرف أقسام الربا أو أنواعه فليس من السهل الوصول إلى ذلك من‬
‫خالل الكتب الفقهية القديمة‪ .‬ولكن الفقهاء في جميع المذاهب متفقون على حديث‬
‫الب ّر‪ ،‬الشعير‪ ،‬التمر‪ ،‬الملح‪ ،‬ومتفقون على تقسيم‬
‫األصناف الستة ‪ :‬الذهب‪ ،‬الفضة‪ ،‬ه‬
‫هذه األصناف الستة إلى فئتين ‪ :‬فئة الذهب والفضة‪ ،‬وفئة األصناف األربعة الباقية‪،‬‬
‫ومتفقون على أن مبادلة الصنف بالصنف نفسه‪ ،‬في أي فئة من الفئتين‪ ،‬هيمنع فيها‬
‫الفضل و َّ‬
‫النساء‪ ،‬وعلى أن مبادلة صنف من فئة بصنف آخر في الفئة نفسها هيمنع فيها‬
‫َّ‬
‫النساء ويجوز الفضل‪ ،‬وعلى أن مبادلة صنف من فئة بصنف من الفئة األخرى يجوز‬
‫أيضا الفضل ألجل َّ‬
‫فيها الفضل و َّ‬
‫النساء‪ .‬فلو أراد الشارع منع‬
‫النساء‪ ،‬بل يجوز فيها ً‬
‫النساء في الذهب بالقمح لمنع َّ‬
‫الفضل ألجل َّ‬
‫النساء كما في الذهب بالفضة‪ .‬لم يختلف‬
‫الفقهاء في هذا وانما اختلفوا في علة الربا‪ ،‬والقياس على األصناف الربوية الستة‪ ،‬أو‬
‫األصناف الواردة في كل من الفئتين ‪ :‬فئة الذهب والفضة‪ ،‬وفئة األصناف األربعة‬
‫األخرى‪.‬‬
‫وفي بداية المجتهد عقد ابن رشد في الربا ثالثة فصول ‪:‬‬
‫ فصل لما هيمنع فيه الفضل و َّ‬‫النساء‪.‬‬
‫ويمنع َّ‬
‫النساء‪.‬‬
‫‪ -‬فصل لما يجوز فيه الفضل ه‬
‫ فصل لما يجوز فيه الفضل و َّ‬‫النساء ( بداية المجتهد ‪.) 96/2‬‬
‫‪5‬‬
‫وكثير من الفقهاء يستخدمون النسيئة و َّ‬
‫النساء بمعنى واحد‪ ،‬وقليلون منهم من يميزون‬
‫بينهما‪ ،‬وأنا أقترح في هذه الورقة األخذ بهذا التمييز‪.‬‬
‫هلَّوردَّلفظَّ"َّالنَّسيئةَّ"َّفيَّالقرآنَّ؟ َّ‬
‫ننسخ من آية أو هن ْنسها نأت بخير منها أو مثلها " ( البقرة ‪106‬‬
‫قال تعالى ‪ " :‬ما‬
‫ْ‬
‫)‪ .‬وفي قراءة ‪َ " :‬ن ْنسأها "‪ ،‬أو " هن ْنس ْئها " ( معجم القراءات ‪ ،) 243/1‬أي نؤخرها أو‬
‫نؤخر نسخها‪ .‬والقراءة األخيرة الثالثة أقرب في الرسم للقراءة األولى‪.‬‬
‫أيضا ‪ " :‬إنما َّ‬
‫ض ُّل به الذين كفروا هيحّلونه‬
‫النسيء زيادة في الكفر هي َ‬
‫وفي القرآن ً‬
‫حرم للا " ( التوبة ‪.) 37‬‬
‫عدة ما َّ‬
‫عاما ليواطئوا ّ‬
‫فيحّلوا ما ّ‬
‫وي ّ‬
‫حرم للا ه‬
‫عاما ه‬
‫حرمونه ً‬
‫ً‬
‫النسيء ‪ :‬تأخير شهر إلى شهر‪ ،‬وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يجعلون‬
‫المحرم مكان‬
‫َّ‬
‫صفر فيؤخرونه إليه‪.‬‬
‫َ‬
‫وفيه أيضا قول للا تعالى عن سليمان ‪ " :‬فلما قضينا عليه الموت ما َّ‬
‫دلهم على‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫فلما َخ ّر تبينت ُّ‬
‫الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما‬
‫موته إال ّ‬
‫داب هة األرض ه‬
‫تأكل م ْنسأته ّ‬
‫يؤخر بها الشيء ( مفردات‬
‫المهين " ( سبأ ‪ .) 14‬والمنسأة ‪ :‬العصا ّ‬
‫لبثوا في العذاب ه‬
‫القرآن للراغب ص ‪ ،804‬وعمدة الحفاظ في تفسير أشرف األلفاظ للسمين الحلبي‬
‫‪ ،) 192/4‬لعل المقصود ‪ :‬تأخير اكتشاف الموت كما في اآلية‪ ،‬وللا أعلم‪ .‬وربما ال‬
‫يصلح استخدام لفظ " المنسأة " إال في هذه الحالة‪ ،‬وربما يصلح استخدامه في جميع‬
‫الحاالت‪ ،‬وان كان األصل ما ذكرناه‪.‬‬
‫الخالصة أن " النسيئة " لم ترد في القرآن في البيع أو َّ‬
‫الدين أو الربا‪ ،‬إنما وردت‬
‫أخرت‬
‫في تأخير آية أو تأخير نسخها‪ ،‬أو في تأخير الشهر الحرام‪ ،‬أو في العصا التي ّ‬
‫اكتشاف الموت‪.‬‬
‫لكن ورد في القرآن لفظ " َّ‬
‫الدين "‪ ،‬وهو بمعنى النسيئة‪ .‬يقال ‪ :‬باعه بالنسيئة ‪:‬‬
‫أي باعه َّ‬
‫مسمى فاكتبوه " ( البقرة ‪282‬‬
‫بالدين‪ .‬قال تعالى ‪ " :‬إذا تداينتم َبدين إلى أجل ّ‬
‫‪6‬‬
‫)‪ .‬كذلك ورد لفظ َّ‬
‫الدين في سورة النساء‪ ،‬في اآليتين ‪ 11‬و ‪ 12‬المتعلقتين بالمواريث‬
‫والوصايا‪.‬‬
‫هلَّوردَّلفظَّ"َّالنَّسيئةَّ"َّفيَّالسنةَّ؟ َّ‬
‫نعم‪ .‬قال رسول للا صلى للا عليه وسلم ‪ " :‬ال ربا إال في النسيئة "‪ ،‬أو ‪ " :‬إنما‬
‫الربا في النسيئة " ( صحيح البخاري ‪ ،98/3‬وصحيح مسلم ‪ .) 109/4‬وهذا يعني أن‬
‫مظنة الربا‪ ،‬سواء أكان ربا نسيئة أم َنساء‪ ،‬فإذا لم يكن في المبادلة نسيئة‪ ،‬أي‬
‫النسيئة ّ‬
‫كانت المبادلة ًيدا بيد‪ ،‬فال نسيئة وال َنساء‪ .‬ومن ثم فإن ربا الفضل قد ال يحرم إال إذا‬
‫اجتمع مع ربا َّ‬
‫النساء‪ .‬وقد يجتمع معه في عقد واحد‪ ،‬أو يكون في عقد آخر‪ ،‬كاجتماع‬
‫السَلف‪ .‬فهذه الزيادة في البيع هي الفضل الممنوع‪،‬‬
‫وسَلف‪ ،‬فيزاد في البيع ألجل َّ‬
‫بيع َ‬
‫سواء تم التوصل إليه في مبادلة ذهب بذهب ( وما شابه )‪ ،‬أو في مبادلة ذهب بقمح‪.‬‬
‫فإذا كانت هناك زيادة في مبادلة ذهب بذهب فهذا هو ربا الفضل الصريح الممنوع‪ ،‬واذا‬
‫ذت‬
‫كانت هناك زيادة في مبادلة ذهب بقمح فهذا في حكم ربا الفضل الممنوع‪ ،‬إذا اتهخ ْ‬
‫حيل ًة للربا‪ .‬واعلم أن مبادلة ذهب بذهب هي مبادلة ربوية هيمنع فيها الفضل و َّ‬
‫معا‪،‬‬
‫النساء ً‬
‫وأن مبادلة ذهب بفضة هي مبادلة ربوية هيمنع فيها َّ‬
‫النساء دون الفضل‪ ،‬وأن مبادلة‬
‫ذهب بقمح هي مبادلة عادية غير ربوية يجوز فيها الفضل و َّ‬
‫أيضا‬
‫النساء‪ ،‬ويجوز فيها ً‬
‫الفضل ألجل َّ‬
‫النساء‪ ،‬ومن هنا قال الفقهاء في البيع ‪ :‬إن للزمن حصة من الثمن‪.‬‬
‫وسنعود إلى المبادالت الربوية واألموال الربوية في فقرة أخرى مستقلة ضمن هذه الورقة‬
‫نفسها‪.‬‬
‫هلَّوردَّلفظَّ"َّالنَّساءَّ"َّفيَّالقرآنَّ؟ َّ‬
‫لم يرد بهذا اللفظ في القرآن‪ ،‬والقول هنا كالقول هناك في " النسيئة "‪.‬‬
‫هلَّوردَّلفظَّ"َّالنَّساءَّ"َّفيَّالسنةَّ؟ َّ‬
‫‪7‬‬
‫نعم‪ .‬قال رسول للا صلى للا عليه وسلم لما سئل عن الصرف ‪ " :‬إن كان ًيدا‬
‫ساء فال يصلح " ( صحيح البخاري ‪ ،) 72/3‬وفي رواية أخرى‬
‫بيد فال بأس‪ ،‬وان كان َن ً‬
‫‪ :‬ما كان ًيدا بيد فال بأس به وما كان نسيئة فهو ربا ( صحيح مسلم ‪ .) 100/4‬وربما‬
‫يكون هذا الحديث الذي رواه البخاري أصالً عند الفقهاء للقول بربا َّ‬
‫النساء‪ .‬ذلك ألن‬
‫البدل ين في الصرف ال يجوز تأجيل أي منهما سواء كان هناك فضل ( زيادة ) في البدل‬
‫المؤجل أو لم يكن‪ .‬فإن كان هناك فضل كان هناك ربا نسيئة‪ ،‬وان لم يكن هناك فضل‬
‫كان هناك ربا َنساء‪ .‬ويجب أن نالحظ أن الصرف ضرب من ضروب البيع‪ ،‬ال يجوز‬
‫فيه ربا َّ‬
‫النساء‪ ،‬أما في القرض فيجوز ألن القرض قائم على اإلحسان‪ ،‬والبيع قائم على‬
‫العدل‪ ،‬كما سبق أن قلنا‪.‬‬
‫رباَّالنَّساءَّلمَّيكنَّمعروًفا َّ‬
‫ربا َّ‬
‫الن ساء كما قال الجصاص في أحكام القرآن لم تكن تعرفه العرب‪ .‬وربما ال‬
‫يعرفه كثير منهم حتى اليوم‪ .‬وربا َّ‬
‫السنة‪ ،‬في أحاديث الربا‪ ،‬صراحة‬
‫النساء جاء في ّ‬
‫باالسم إما في نصوص الشرع أو في نصوص الفقهاء‪ .‬وفهمه عند الناس أصعب من‬
‫ظنوا أن ‪ 100‬دينار اليوم بـ ‪ 100‬دينار‬
‫فهم ربا النسيئة‪ .‬حتى إن ًا‬
‫كثير من " العلماء " ّ‬
‫كثير‬
‫قرضا ) ظنوا أن هذا من العدل‪ ،‬وحقيقته أنه من اإلحسان‪ .‬كذلك فإن ًا‬
‫بعد سنة ( ً‬
‫ظنوا أن قوله تعالى ‪ " :‬ال تَظلمون وال تهظلمون " في سورة البقرة‪ ،‬يعني أن‬
‫من المفسرين ّ‬
‫رده المقترض إلى المقرض كان هذا من العدل الذي ال ظلم فيه للمقترض وال‬
‫القرض إذا ّ‬
‫مظلوما‪.‬‬
‫للمقرض‪ .‬والحق أن هذا من اإلحسان‪ ،‬ولوال ثواب للا للمقرض لكان المقرض‬
‫ً‬
‫ومن ثم فإن معنى " ال تَظلمون " أي بالزيادة على رأس مال القرض‪ ،‬أما " ال تهظلمون "‬
‫فمعناها ‪ :‬ال تهظلمون بالثواب‪ ،‬أي إن ثواب المقرض في القرض سيكون على قدر‬
‫إحسانه في مبلغ القرض ومدته‪.‬‬
‫وبهذا ترى أن ربا َّ‬
‫قديما وحديثًا‪ .‬وربما يدخل‬
‫النساء ّ‬
‫يدق فهمه حتى على العلماء ً‬
‫هذا في قول الغزالي ( ‪505 -‬هـ ) بأن مسألة الربا من أغمض المسائل‪ ،‬وقول ابن كثير‬
‫‪8‬‬
‫( ‪774 -‬هـ ) بأن باب الربا من أشكل األبواب على أكثر أهل العلم‪ ،‬وقول الشاطبي (‬
‫ ‪790‬هـ ) بأن الربا محل نظر يخفى وجهه على المجتهدين ‪ ،‬وهو من أخفى األمور‬‫أيضا‪ ،‬منهم ابن القيم‬
‫التي لم يتضح معناها إلى اليوم‪ .‬يؤيد ذلك ما فعله بعض العلماء ً‬
‫( ‪751-‬هـ )‪ ،‬من تقسيم الربا إلى ربا جلي وربا خفي‪ ،‬وجعلوا ربا َّ‬
‫النساء من الربا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الخفي‪ .‬وال شك أن ربا النسيئة هو من الربا الواضح الذي الشك فيه كما قال اإلمام‬
‫ّ‬
‫أحمد‪ ،‬أما الخفي أو المشكل في الربا فهو ربا البيوع‪ ،‬بل هو بالتحديد ما يتعلق بالعلة‬
‫والقياس على األصناف الستة الواردة فيه‪ .‬فمن العلماء من رفض القياس‪ ،‬ومنهم من‬
‫قاس‪ ،‬ولكنهم اختلفوا في علة القياس‪ .‬هذا االختالف هو الذي يدخل في المسائل‬
‫الم ْشكلة‪.‬‬
‫الغامضة و ه‬
‫أيضا‪ ،‬ولكن الخالف عندهم لم يكن في‬
‫وترى مثل هذه األقوال عند علماء الغرب ً‬
‫القياس وعلته كما هو األمر عندنا‪ ،‬بل كان في ربا النسيئة الجلي‪ ،‬ويضاف إليه بالتأكيد‬
‫ربا َّ‬
‫النساء‪ ،‬إذ يقابله عندهم ما أطلقوا عليه التفضيل الزمني أو القيمة الزمنية للنقود‪.‬‬
‫يقول هابرلر ‪1937‬م بأن نظرية الفائدة تبقى نقطة ضعف في علم االقتصاد‪ ،‬وال‬
‫يزال تفسيرها وتحديدها يثيران الكثير من الخالف بين االقتصاديين‪ ،‬مما ال يوجد مثله‬
‫في أي فرع آخر من فروع النظرية االقتصادية‪.‬‬
‫ويقول آليه ‪1947‬م بأن كبار المفكرين في علم االقتصاد جهدوا منذ أكثر من‬
‫قرنين في حل مشكلة الفائدة‪ ،‬إال أنه على الرغم من تباين األساليب المستخدمة‪ ،‬ال يزال‬
‫فرضا‬
‫مخي ًما في األذهان‪ ،‬وأن واحدة من النظريات لم تستطع فرض نفسها ً‬
‫القلق ّ‬
‫حاسما‪ ،‬والصعوبات التي تطرحها مشكلة الفائدة لم تزل آخذة باالزدياد مع ازدياد العمق‬
‫ً‬
‫في تحليلها ودراستها‪ ،‬وأنها تشكل في الواقع واحدة من أعوص المشكالت في علم‬
‫عموما‪.‬‬
‫خصوصا يتوقف فهم علم االقتصاد‬
‫االقتصاد‪ .‬وعلى فهمها النهائي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫هلَّحَّرمَّرباَّالنَّساءَّسدَّاَّللذريعةَّ؟ َّ‬
‫‪9‬‬
‫نصادف في بعض كتب الفقه القديمة والحديثة أن الربا نوعان ‪ :‬ربا ديون‪ ،‬وربا‬
‫سدا للذريعة‪ .‬يقول‬
‫بيوع‪ ،‬وأن ربا الديون محرم‬
‫قصدا‪ ،‬وربا البيوع محرم وسيل ًة‪ ،‬أي ً‬
‫ً‬
‫محمد أبو زهرة ‪ :‬الربا األصلي المحرم لذاته هو ربا النسيئة الذي ذكره القرآن الكريم‪ ،‬ولم‬
‫يختلف فيه أحد من الصحابة وال التابعين وال الفقهاء المجتهدين وال غيرهم في أي عصر‬
‫من العصور‪ ،‬والعلة في تحريم الفضل و َّ‬
‫سد الذريعة إلى الربا األصلي (‬
‫النساء هو ّ‬
‫بحوث في الربا ص ‪.) 85‬‬
‫قد يصح هذا إذا كان المراد من ربا البيوع التوصل إلى ربا القروض‪ .‬غير أنه‬
‫يمكن القول بأن ربا َّ‬
‫سدا للذريعة‪ .‬وظاهر كالم‬
‫قصدا‪ ،‬وليس ً‬
‫النساء‪ ،‬كربا النسيئة‪ ،‬محرم ً‬
‫ابن القيم يفيد ذلك‪ ،‬ألنه تكلم عن ربا الفضل‪ ،‬ولم يتكلم عن ربا َّ‬
‫النساء إال بمعنى‬
‫النسيئة ( انظر إعالم الموقعين ‪ 134/2‬و ‪ .) 138‬ففي مبادلة ذهب بذهب مساو له‬
‫مثالً‪ ،‬هيمنع َّ‬
‫بيعا‪ ،‬ألن الذي قبض البدل المعجل قد أربى على‬
‫النساء إذا كانت المبادلة ً‬
‫الذي قبض أو سيقب ض البدل المؤجل‪ .‬لكن إذا زيد في البدل المؤجل‪ ،‬سواء كانت‬
‫بيعا‪ ،‬أمكن القول بأن ربا َّ‬
‫النساء مع ربا الفضل صار ذريعة إلى ربا‬
‫المبادلة ً‬
‫قرضا أو ً‬
‫المتجانس ْين ( مثل ذهب بذهب ) والمتقارَب ْين ( مثل‬
‫النسيئة‪ .‬وهذا ينطبق على مبادلة‬
‫َ‬
‫المختلف ْين ( مثل ذهب بقمح )‪ ،‬حيث يجوز‬
‫ذهب بفضة )‪ ،‬وال ينطبق على مبادلة‬
‫َ‬
‫النساء‪ ،‬ويجوز كذلك الزيادة في الفضل ألجل َّ‬
‫الفضل و َّ‬
‫النساء‪ ،‬ألن هذه المبادلة صارت‬
‫مقيدا بأحكام الربا‪.‬‬
‫بويا أو‬
‫مشبوها‪ً ،‬‬
‫ً‬
‫بيعا ر ً‬
‫بيعا ً‬
‫عاديا‪ ،‬ولم تعد ً‬
‫ً‬
‫هذا القول بأن ربا َّ‬
‫سدا للذريعة قد يؤيده الحديث النبوي القائل بأن‬
‫النساء لم يحرم ً‬
‫ال ربا إال في النسيئة‪ ،‬أو إنما الربا في النسيئة‪ ،‬إذا أخذت النسيئة بمعناها الذي يشمل‬
‫النسيئة و َّ‬
‫النساء‪ .‬وقد يستنبط هذا من الحديث النبوي القائل بأنه ال ربا فيما كان ًيدا بيد‪.‬‬
‫َّ‬
‫فالنساء هو خالف ما كان ًيدا بيد‪ .‬أال تذكر الحديث الذي ذكرناه أعاله ورواه البخاري ‪:‬‬
‫ساء فال يصلح "‪ .‬وربما تكون هناك رواية أخرى ‪:‬‬
‫" إن كان ًيدا بيد فال بأس‪ ،‬وان كان َن ً‬
‫النساء )‪ ،‬وعندئذ يكون كل من النسيئة و َّ‬
‫( ال ربا إال في َّ‬
‫أصليا‬
‫يما‬
‫النساء‬
‫ً‬
‫محرما تحر ً‬
‫ً‬
‫لسد الذريعة‪ ،‬كما فهم البعض‪.‬‬
‫لذاته‪ ،‬وليس ّ‬
‫‪10‬‬
‫أهميةَّرباَّالنَّساء َّ‬
‫ربا َّ‬
‫الن ساء عند الفقهاء هو فضل التعجيل على التأجيل‪ ،‬أو فضل الحلول على‬
‫التأخير‪ ،‬أو فضل العين على َّ‬
‫الدين ‪ .‬وهذا يعني أن المعجل خير من المؤجل‪ ،‬إذا تساويا‬
‫ثمنا أو حصة من الثمن‪.‬‬
‫أيضا ً‬
‫في القدر والنوع‪ .‬فكما أن للقدر والنوع ً‬
‫ثمنا فإن للزمن ً‬
‫أيضا من‬
‫الكم والنوع‪ ،‬بل البد ً‬
‫فالتساوي بين البدلين ال يتم بمجرد التساوي بينهما في ّ‬
‫التساوي بينهما في األجل أو في الزمن‪ .‬فإذا كان هناك مبلغان متساويان في المقدار‬
‫ولكنهم ا مختلفان في الزمن‪ ،‬فإن قيمة البدل المعجل منهما أعلى من المؤجل على الرغم‬
‫من التساوي بينهما في المقدار‪.‬‬
‫فباالعتماد على فهمنا لربا َّ‬
‫النساء توصلنا إلى قيمة الزمن والتفضيل الزمني‬
‫معا‪ .‬فعليها‬
‫والقيمة الزمنية للنقود أو للمال‪ .‬وهي مسألة مهمة ً‬
‫جدا في الفقه واالقتصاد ً‬
‫أيضا بيع التقسيط وما انطوى عليه من زيادة في الثمن ألجل الزمن‪ .‬ومن هذه‬
‫هبني ً‬
‫المسألة نفسها استنبطنا أهمية الزمن في تقويم المشروعات‪ .‬وباالعتماد عليها يمكن‬
‫التوصل إلى مؤشر أو معدل للحسم أو الحطيطة أو الوضيعة ألجل أن نحسب في نقطة‬
‫زمنية واحدة القيم الحالية للمشروعات البديلة لتسهيل المقارنة بينها والترجيح‪ ،‬فال يمكن‬
‫أيضا أدركنا أهمية التفريق‬
‫ذلك إال بهذه الطريقة الرياضية‪ .‬وبالرجوع إلى هذه المسألة ً‬
‫بين معدل الفائدة ومعدل الربح‪ ،‬وأهمية الفرق بين الفائدة والربح من الناحيتين العلمية‬
‫أيض ا يتبين لنا أن مفهوم الفائدة أو الربا في الفكر الغربي‪،‬‬
‫والعملية‪ .‬ومن هذه المسألة ً‬
‫وفي الفقه اإلسالمي ( من خالل البيع اآلجل )‪ ،‬مفهوم أساسي ال هيستغنى عنه لدى‬
‫الفريقين‪ ،‬وان اختلف الفريقان في مدى األخذ به‪ ،‬فالغربيون أخذوا به حتى في القرض‪،‬‬
‫والمسلمون أخذوا به في البيع اآلجل دون القرض‪.‬‬
‫الرباَّوالربح َّ‬
‫‪11‬‬
‫سألني ‪ :‬ما الفرق بين الربا والربح ؟ فقلت له ‪ :‬الربح في تاريخ وقوعه ربح‪ ،‬لكن‬
‫تقويمه في تاريخ الحق هو ربا‪ ،‬وتقويمه في تاريخ سابق هو حطيطة ( وضيعة )‪ ،‬وهذا‬
‫معروف في علم االقتصاد وعلم الرياضيات المالية‪.‬‬
‫معدلَّالفائدةَّومعدلَّالربح َّ‬
‫كثير من الباحثين في االقتصاد اإلسالمي يرون أن معدل الربح يغني عن معدل‬
‫وثانيا ألن‬
‫الفائدة‪ .‬والحقيقة أنه ال يغني‪ .‬أوالً الختالف الربح عن الفائدة كما ذكرنا‪،‬‬
‫ً‬
‫الربح له معدله والفائدة لها معدلها‪ .‬وعند تقويم مبالغ ذات أزمان مختلفة نحتاج إلى‬
‫أبدا في‬
‫معدل فائدة‪ ،‬وال يصلح معدل الربح‪ .‬وثالثًا ليس من الصحيح أن الفائدة ال توجد ً‬
‫اإلسالم‪.‬‬
‫معدلَّفائدةَّصفر َّ‬
‫قد ينخفض معدل الفائدة بواسطة السياسات النقدية السائدة في العالم إلى الصفر‬
‫أو إلى ما هو قريب من الصفر‪ ،‬كما هو في اليابان وفي بلدان العالم األخرى السيما‬
‫تحت وطأة األزمة العالمية الحالية‪ .‬والمشاهد أنهم يخفضون معدل الفائدة بالنسبة‬
‫للمودعين المقرضين‪ ،‬وهم من الصغار‪ ،‬ويرفعونه على المقترضين الصغار إلى‬
‫مستويات عالية ‪ % 50‬وأكثر‪ .‬ويخفضونه على المقترضين الكبار‪.‬‬
‫وما نجده في اإلسالم هو العكس‪ ،‬فمعدل الفائدة يبلغ الصفر بالنسبة للمقترضين‬
‫مجانا إلى غيره‪ .‬فكيف‬
‫المحتاجين‪ .‬وال يرى رب المال في اإلسالم ضرورة لتقديم ماله‬
‫ً‬
‫يخفض معدل الفائدة عليه‪ ،‬على الرغم من زيادة مخاطر اإلقراض تحت األزمة ؟ ال‬
‫ريب أنه يفضل االحتفاظ بماله‪ ،‬أو االشتراك مع آخر على حصة من الربح‪ .‬فإذا ما‬
‫ونسب مبلغ هذا الربح إلى رأس المال الذي قدمه فإنه ربما يحصل‬
‫َحصل على الربح‪َ ،‬‬
‫مجانا‬
‫على فائدة ( الحقة ) تصل إلى ‪ % 10‬أو أكثر‪ .‬فالمال في اإلسالم ال يقدم‬
‫ً‬
‫‪12‬‬
‫ألغراض اإلنتاج‪ ،‬وال يجوز للسياسة النقدية أن تكرهه على ذلك بطريقة أو بأخرى‪،‬‬
‫السيما في بلد يدعي الليبرالية ( الحرية )‪.‬‬
‫مضطر ألن يبيع سلعته ألجل بسعر النقد‪ .‬فثمن‬
‫ًا‬
‫والبائع باألجل ال يرى نفسه‬
‫بالسَلم ال يجب عليه‬
‫السلعة في هذا البيع المؤجل أعلى منه في البيع المعجل‪ .‬والمشتري َّ‬
‫َّ‬
‫سيتسلم السلعة المشتراة حاالً‪ .‬فثمن السلعة في بيع‬
‫ثمنا معجالً كما لو كان‬
‫أن يدفع ً‬
‫السَلم أقل منه في البيع المعجل‪.‬‬
‫َّ‬
‫تطبيقات َّ‬
‫َّاستخدامَّمعدلَّالفائدةَّفيَّالبيعَّاآلجلَّجائز َّ‬‫إن الزيادة المشروطة في القرض حرام‪ ،‬بخالف الزيادة المشروطة في البيع‪ ،‬فإنها‬
‫سمها ما شئت‪ .‬وال بأس في استخدام‬
‫حالل‪ .‬ومن ثم فهي فائدة حالل‪ ،‬أو ربا حالل‪ّ ،‬‬
‫يضا لحساب‬
‫معدل الفائدة لحساب معدل الزيادة في الثمن في بيع النسيئة‪ ،‬واستخدامه أ ً‬
‫السَلف )‪ .‬وال ريب أن استخدام معدل‬
‫السَلم ( بيع َّ‬
‫معدل التخفيض في الثمن في بيع َّ‬
‫الفائدة‪ ،‬أو معدل الحطيطة‪ ،‬في البيوع اآلجلة أفضل من استخدام الزيادات العشوائية‬
‫غير العلمية‪ ،‬وغير المقدرة بمقدار منضبط‪.‬‬
‫اعيا أن يحسب بنفسه المعدل السنوي للفائدة المركبة‪،‬‬
‫وعلى المستدين إن كان و ً‬
‫لدى تعامله مع البنوك‪ ،‬سواء كانت تقليدية أو إسالمية‪ ،‬كي ال يقع ضحية معدل‬
‫فاحش‪ ،‬وهم إما أن يخفوا عنه المعدل أصالً‪ ،‬أو يصرحوا له بمعدل فائدة كاذب‪ ،‬كأن‬
‫ال للفائدة البسيطة بدل المركبة‪ .‬يجب أن يعلم المستدين بالمعدل كعلم الدائن‬
‫يكون معد ً‬
‫به‪ ،‬فالمتبايعان لهما الحق في معلومات متساوية بخصوص الوزن وغيره‪ ،‬وال يكفي أن‬
‫يعلم البائع بوزن السلعة دون المشتري‪ .‬فالبيع الشرعي هو الذي يجري فيه الميزانان ‪:‬‬
‫معا‪.‬‬
‫ميزان البائع وميزان المشتري ً‬
‫َّاستخدامَّمعدلَّالفائدةَّفيَّاإلجارةَّجائز َّ‬‫‪13‬‬
‫إذا كانت األجرة مؤجلة جاز الربا فيها للتأجيل‪ ،‬كما في البيع اآلجل‪ ،‬فاإلجارة‬
‫ضرب من ضروب البيع‪ .‬وبالمقابل إذا كانت األجرة معجلة جازت الحطيطة فيها‬
‫للتعجيل‪ .‬ال فرق في ذلك بين إجارة األموال واجارة األشخاص‪ .‬ولهذا قال الفقهاء ‪ :‬إن‬
‫غدا فلك نصف درهم‪.‬‬
‫خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم‪ ،‬وان خطته ً‬
‫َّاستخدامَّمعدلَّالفائدةَّفيَّالجعالةَّجائز َّ‬‫إذا كان الجعل مؤجالً جاز الربا للتأجيل‪ ،‬واذا كان معجالً جازت الحطيطة‬
‫غدا فلك ‪.90‬‬
‫للتعجيل‪ .‬لهذا قال الفقهاء ‪ :‬إن وجدت متاعي اليوم فلك ‪ ،100‬أو ً‬
‫‪َّ-‬استخدامَّمعدلَّالفائدةَّفيَّالمناقصاتَّوالمزايداتَّجائز َّ‬
‫إذا كانت العروض المقدمة تنطوي على دفعات مؤجلة‪ ،‬مختلفة المبالغ والمدد‪،‬‬
‫كان البد من استخدام معدل الفائدة أو معدل الحطيطة لحساب القيم الحالية للعروض‪،‬‬
‫بغرض المفاضلة بينها‪ ،‬وارساء المناقصة أو المزايدة على واحد منها‪.‬‬
‫تقدم بعض العروض تسهيالت ائتمانية ال تقدمها العروض األخرى‪ ،‬أو‬
‫فقد ّ‬
‫تشترط دفعات مقدمة ال تشترطها سائر العروض‪ .‬فيتعين اللجوء إلى حساب القيمة‬
‫الحالية لكل عرض‪ ،‬واال لم يمكن المقارنة بينها مقارنة علمية رشيدة‪.‬‬
‫‪َّ-‬استخدامَّمعدلَّالفائدةَّفيَّتقويمَّالمشروعاتَّجائز َّ‬
‫قد نحتاج إلى المقارنة بين عدة مشروعات بديلة‪ ،‬تختلف مبالغها وتختلف‬
‫أزمانها‪ ،‬وال يمكن المفاضلة بينها لترجيح أحدها إال بأن نحسب في تاريخ واحد القيم‬
‫الحالية لهذه المشروعات في هذا التاريخ‪ .‬وهنا يمكن استخدام معدل الفائدة‪ ،‬أو معدل‬
‫الحطيطة‪ ،‬لهذا الغرض‪ ،‬وهذا أمر ال غنى عنه‪ ،‬وال بديل له‪ .‬وال يدخل في الربا الحرام‪،‬‬
‫فإذا كان معدل الفائدة في البيع اآلجل ال ي دخل في الربا الحرام‪ ،‬فكذلك معدل الفائدة في‬
‫تقويم المشروعات ال يدخل في الربا الحرام‪ ،‬بل هو هنا من باب أولى‪ .‬ذلك ألن العالقة‬
‫‪14‬‬
‫في بيع التقسيط هي عالقة بين شخصين‪ ،‬ومع ذلك زيد عليه في الثمن ألجل الزمن‪،‬‬
‫أما العالقة في تقويم المشروعات فهي عالقة بين شخص ومشروع‪ ،‬أو قل إن شئت هي‬
‫محضا‪ ،‬ال‬
‫فنيا‬
‫عالقة بين مشروعات‪ ،‬ال بين أشخاص‪ ،‬مما يجعل األمر هنا ًا‬
‫ً‬
‫أمر ً‬
‫عالقة له بالربا بين الناس أو بين األشخاص‪.‬‬
‫َّاستخدامَّمعدلَّالفائدةَّفيَّالزكاةَّجائز َّ‬‫إذا تأخر مسلم في سداد الزكاة جاز أن تحسب عليه فوائد تأخير‪ ،‬السيما وأن‬
‫هذه الفوائد إنما تذهب إلى الفقراء وسائر المصارف الزكوية‪ .‬وبالمقابل إذا تعجل مسلم‬
‫في سداد الزكاة جاز أن يستفيد من معدل الحطيطة‪ .‬وبهذا نكون قد طبقنا في الحالة‬
‫األولى الربا للتأجيل‪ ،‬وفي الحالة الثانية الحطيطة للتعجيل‪ .‬يؤيد هذا أن الفقهاء قالوا في‬
‫باب الزكاة ‪ :‬إن خمسة معجلة تساوي ستة مؤجلة‪.‬‬
‫‪َّ-‬استخدامَّمعدلَّالفائدةَّفيَّالتأمينَّجائز َّ‬
‫في شركات التأمين هناك نوعان من الربا ‪ :‬ربا حرام وربا حالل‪ .‬الربا الحرام‬
‫يتعلق باستثمار أموال الشركة بفوائد تعويضية أو تأخيرية‪ .‬وهنا يمكن للشركة أن تستثمر‬
‫أموالها بطرق بديلة‪ ،‬كشراء األسهم بدل السندات والودائع الربوية‪.‬‬
‫أما الربا الحالل فهو يخص العالقة بين قسط التأمين ومبلغ التأمين‪.‬‬
‫فالقسط الوحيد الصافي = القيمة الحالية لمبلغ التأمين × احتمال وقوع الحادث‪.‬‬
‫واذا تعددت األقساط فإن ‪:‬‬
‫القسط الوحيد الصافي = القيمة الحالية لمجموع األقساط‪.‬‬
‫وقد ذكرنا في موضع آخر من هذه الورقة أن تقويم مبالغ التأمين أو أقساطه‪ ،‬أو‬
‫تقويم التدفقات النقدية للمشاريع‪ ،‬في أي تاريخ آخر‪ ،‬غير تاريخ دفعها أو قبضها‪ ،‬نحتاج‬
‫فيه إلى معدل ربا أو معدل حطيطة ( معدل خصم )‪.‬‬
‫‪15‬‬
‫َّاستخدامَّمعدلَّالفائدةَّبينَّالمنشأةَّوفروعهاَّجائز َّ‬‫ال بأس في أن يقرض المركز الرئيسي للمنشأة أحد الفروع‪ ،‬أو أن يقرض أحد‬
‫الفروع فرًعا آخر‪ ،‬بالربا‪ ،‬ألنه ال ربا للشخص مع نفسه‪.‬‬
‫‪َّ-‬استخدامَّمعدلَّالفائدةَّفيَّالوصاياَّجائز َّ‬
‫إذا أوصى شخص بمنافع دورية وما في حكمها من رواتب أو ثمار أو غالت‪،‬‬
‫لمدة محددة أو غير محددة‪ ،‬فال بد من استخدام معدل فائدة أو حطيطة لحساب القيمة‬
‫الحالية لهذه التدفقات أو الدفعات الدورية‪ ،‬عند الوفاة‪ ،‬لكي ال تتعدى الوصايا ثلث‬
‫التركة‪ .‬قال اإلمام الشافعي ‪ " :‬لو أوصى بغّلة داره‪ ،‬أو ثمرة بستانه‪ ،‬والثلث يحتمله‪،‬‬
‫جازت الوصية "‪ .‬وقال الماوردي ‪ " :‬الوصايا بمنافع األعيان جائزة كالوصايا باألعيان‪،‬‬
‫مؤبدة "‪ ،‬أي سواء كانت الدفعات محدودة العدد أو‬
‫بمدة أو جعلت ّ‬
‫قدرت الوصية ّ‬
‫سواء ّ‬
‫دائمة‪.‬‬
‫‪َّ-‬استخدامَّنظامَّالفائدةَّفيَّتوزيعَّاألرباحَّعلىَّالمودعينَّجائز َّ‬
‫الودائع في المصارف اإلسالمية تختلف مبالغها وتختلف مددها‪ ،‬فال يجوز توزيع‬
‫األرباح عليها بالتساوي‪ ،‬بل يجب توزيعها حسب مبلغها ومدتها‪ .‬والمبلغ × المدة =‬
‫النمر ( األعداد )‪ .‬وطريقة النمر وان كانت مستخدمة في البنوك الربوية لحساب‬
‫الفوائد على الودائع‪ ،‬يجوز تطبيقها في توزيع األرباح ( العوائد ) على المودعين في‬
‫ائيا‬
‫المصارف اإلسالمية‪ ،‬ألنها أعدل طريقة في هذا الباب‪ .‬ولو وزعت األرباح عشو ً‬
‫أو بالتساوي لكان هذا من الظلم وعدم الرشاد‪.‬‬
‫‪َّ-‬الرباَّفيَّالسَّفتجةَّجائز َّ‬
‫السفتجة هي قرض ي شترط وفاؤه في بلد آخر‪ .‬وهذا جائز إذا كان للمقترض مال‬
‫ُّ‬
‫في هذا البلد اآلخر يكفي لوفاء القرض‪ .‬فالمقترض ال يحتاج إلى تحويل ماله إلى بلد‬
‫‪16‬‬
‫القرض ألجل الوفاء‪ ،‬والمقرض ينتفع بتحويل ماله من بلد القرض إلى بلد الوفاء‪،‬‬
‫مضمونا في ذمة المقترض‪ .‬فإذا صادفت منفعة المقترض منفعة مقابلة للمقرض فهذا‬
‫ً‬
‫جائز‪ ،‬بل مستحب‪ ،‬لما فيه من تعظيم للمنافع‪ ،‬وتوفير لنفقات التحويل‪ ،‬سواء بالنسبة‬
‫للمقرض أو للمقترض‪.‬‬
‫َّمعدلَّالفائدةَّهوَّالمؤشر َّ‬‫يبحث كثير من األشخاص والهيئات في أيامنا هذه عن مؤشر آخر غير معدل‬
‫الفائدة‪ ،‬ويضيعون األوقات واألموال والجهود في المؤتمرات والندوات دون طائل‪ .‬يريد‬
‫هؤالء أن يكون لهم مؤشر غير معدل الفائدة‪ .‬وكل هذا نشأ من عدم فهم الربا بدقة‪،‬‬
‫ومن تعميم مقولة خاطئة أخذت بها المجامع والهيئات‪ ،‬مفادها أن الربا كله حرام‪،‬‬
‫أصرح بهذه المناسبة بأن‬
‫والفائدة كلها حرام‪ .‬وأنا أقول ‪ :‬هذا كله غلط ! ويجب أن‬
‫ّ‬
‫التفاهم مع الناس في الدقائق العلمية أمر شاق وعسير‪ .‬ولذلك تشيع الكتابات السطحية‬
‫والخاطئة‪ ،‬في البحث والتعليم والتدريب‪ ،‬ويتقبلونها بقبول حسن‪ ،‬ألن خطأها ينزل على‬
‫خطئهم‪ ،‬فال ينزعجون ! ولو أجمع الناس كلهم على الخطأ ما بالى العالم بإجماعهم‪،‬‬
‫فليعلم هؤال ء أن الفكرة الجيدة والجديدة والنافعة تبدأ برجل واحد‪ ،‬يقاومه سائر الناس !‬
‫ْ‬
‫أحيانا زعزعة األفكار السائدة‪ ،‬ببساطة ألن هذه األفكار غير‬
‫فأين اإلجماع ؟! يجب‬
‫ً‬
‫وضياعا‪ " .‬إن‬
‫وتقهقر‬
‫ًا‬
‫تخلفا‬
‫علمية وغير مفيدة وغير منتجة‪ ،‬والشتبث بها ال ينتج إال ً‬
‫ً‬
‫يغيروا ما بأنفسهم "‪ ،‬وأقسى ما عانيته في حياتي البحثية‬
‫يغير ما بقوم حتى ّ‬
‫للا ال ّ‬
‫يسير ! فال‬
‫أغير ما في نفوس الناس وعقولهم‪ ،‬مهما كان ًا‬
‫والتعليمية واالجتماعية أن ّ‬
‫يغيرهم إال رّب هم الذي خلقهم‪ .‬ولكن هذا ال يعفي الباحث من البيان والتبليغ‪ .‬فعلى‬
‫ّ‬
‫الباحث البيان وعلى للا القبول‪ .‬فال هيسأل الباحث عن هداية الناس واقناعهم‪ ،‬إنما هيسأل‬
‫عن بذل الجهد‪ ،‬وللا الموفق لما يريد‪ .‬إن بيئتنا العلمية يغلب عليها التصحر والتصخر‬
‫وال حول وال قوة إال باهلل‪ .‬فال أقول اليوم إال ما قاله يعقوب ‪ " :‬إنما أشكو بثي وحزني‬
‫إلى للا "‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫معدلَّالفائدةَّهلَّيمكنَّاالستغناءَّعنهَّ؟ َّ‬
‫يرى رجال االقتصاد الغربي أن معدل الفائدة أمر أساسي وحاسم في االقتصاد‪،‬‬
‫وال يمكن االستغناء عنه‪ .‬وبالمقابل يرى رجال الفقه واالقتصاد اإلسالمي أن معدل‬
‫الفائدة ال ضرورة له‪ ،‬ويمكن‪ ،‬بل يجب‪ ،‬االستغناء عنه‪ .‬والحقيقة واقعة بين هذين‬
‫الطرفين المتناقضين‪ .‬فهناك فائدة يجب االستغناء عنها في القروض االستهالكية‬
‫الضرورية‪ ،‬وفائدة ال يمكن االستغناء عنها في البيوع اآلجلة‪ ،‬لتحقيق العدالة الزمنية بين‬
‫الطرفين‪ ،‬ولتحقيق الكفاءة في تقويم المشروعات‪ .‬فما هيستغنى عنه‪ ،‬ويجب االستغناء‬
‫عنه‪ ،‬هو الربا الحرام بالتعبير الشرعي‪ ،‬وما ال يستغنى عنه هو الربا الحالل الذي قد‬
‫آنفا من أجل تحقيق الكفاءة‬
‫يصير‬
‫اجبا في الحاالت التي أشرنا إليها ً‬
‫مستحبا أو و ً‬
‫ً‬
‫معا في البيوع وتقويم المشروعات وما شاكل ذلك‪.‬‬
‫والعدالة ً‬
‫أيهماَّأفضلَّ؟ َّ‬
‫ال‬
‫أيهما أفضل ‪ :‬أن نقول إن الربا كله حرام‪ ،‬ثم نحتال عليه فنجعله بالحيل حال ً‬
‫كل ه‪ ،‬أم نقول ‪ :‬إن الربا ربوان ‪ :‬حالل وحرام‪ ،‬وهذه االستخدامات حالل‪ ،‬وهذه‬
‫االستخدامات حرام ؟ أيهما أفضل ‪ :‬الربا الحالل الصريح في ضوء النهار‪ ،‬أم الربا‬
‫حاليا في الفقه‬
‫الحرام التحايلي في ظالم الليل ؟ أيهما أضل ‪ :‬نظرية الربا الحرام السائدة ً‬
‫اإلسالمي‪ ،‬أو نظرية الربا الحالل والحرام التي أنادي بها منذ سنين طويلة‪ ،‬وأقدم عليها‬
‫األدلة النقلية والعقلية‪ ،‬والناس عنها معرضون ؟‬
‫إعجازَّاقتصاديَّفيَّرباَّالنَّساء َّ‬
‫قلت إن ربا َّ‬
‫النساء أوصلنا إلى قيمة الزمن والتفضيل الزمني والقيمة الزمنية للنقود‬
‫السنة النبوية سبقت علم االقتصاد الحديث بقرون طويلة في هذا‬
‫أو للمال‪ ،‬وبهذا فإن ّ‬
‫الباب‪.‬‬
‫‪18‬‬
‫أيضا‪ ،‬وقد سبق أن ّبينته في موضع‬
‫وهذا اإلعجاز االقتصادي ثابت في القرآن ً‬
‫يحبون العاجلة‬
‫آخر‪ ،‬ولكن ّ‬
‫أذكر به هنا‪ ،‬للربط بين اإلعجازين‪ .‬قال تعالى ‪ " :‬إن هؤالء ّ‬
‫يوما ثقيالً " ( اإلنسان ‪ .) 27‬فالناس فطروا على تفضيل العاجل على‬
‫ويذرون وراءهم ً‬
‫اآلجل‪ ،‬ولهذا ثّقل للا اآلخرة‪ ،‬ثوابها وعقابها‪ ،‬لكي يقلب تفضيلهم نحو اآلجل ( اآلخرة )‪.‬‬
‫أيضا ‪ " :‬بل تؤثرون الحياة الدنيا واآلخرة خير وأبقى " ( األعلى ‪.) 17-16‬‬
‫قال تعالى ً‬
‫أشد وأبقى " ( طه ‪.) 127‬‬
‫وقال ‪ " :‬ولعذاب اآلخرة ّ‬
‫هذا هو اإلعجاز االقتصادي في ربا َّ‬
‫السنة‪.‬‬
‫النساء‪ ،‬في كل من القرآن و ّ‬
‫تعليق َّ‬
‫الذم‪ .‬والجواب‬
‫عّلق د‪ .‬أحمد بلوافي بأن ما جاء في اآلية قد يكون المراد به هو ّ‬
‫مؤمنا كان أو غير مؤمن‪ ،‬أنه يح ّب العاجلة‪ ،‬وأن للا فطره على‬
‫أن األصل في اإلنسان‪ً ،‬‬
‫ذلك‪ .‬وهذا يعني أنه يفضل الحاضر على المستقبل‪ ،‬ما دام أنهما متساويان‪ ،‬وهذا‬
‫بالكم والنوع والزمن‪ ،‬وكان هذا‬
‫ومجرب‪ ،‬ولكن إذا تم تثقيل المستقبل ( اآلخرة )‬
‫مشاهد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كافيا وزيادة فإن المؤمن سيختار المستقبل ( اآلخرة )‪ ،‬أما غير المؤمن فال بد أنه‬
‫التثقيل ً‬
‫يختار الحاضر ( الدنيا )‪ .‬وال شك أنه بعد تثقيل اآلخرة إذا اختار اإلنسان الدنيا فإنه‬
‫معجل‬
‫الذم َمن هخّير بين خيرين ‪ ،‬أحدهما ّ‬
‫للذم‪ .‬وال يستحق ّ‬
‫يكون غير رشيد‪ ،‬ومستحًقا ّ‬
‫واآلخر مؤجل‪ ،‬مع التساوي بينهما في جميع الشروط ما عدا الزمن ( التعجيل والتـأجيل‬
‫المعجل‪.‬‬
‫)‪ ،‬فاختار‬
‫ّ‬
‫تعليقَّآخر َّ‬
‫عّلق أحد اإلخوة الحضور بأن تفضيل الحاضر على المستقبل ليس مسّل ًما‪،‬‬
‫وهناك مدارس اقتصادية ال تقول به‪ .‬وكان جوابي أن هذا التفضيل صحيح‪ ،‬ومن لم‬
‫تحبون العاجلة‬
‫يهتد إليه بالعقل‪ ،‬يمكن أن يهتدي إليه بالنقل ( القرآن )‪ ،‬والقرآن يقول ‪ّ " :‬‬
‫أيضا بالنقل‪ ،‬والنقل ال يخالف العقل‪ ،‬نعم‬
‫"‪ .‬ومن اهتدى إلى ذلك بالعقل أمكنه أن يتأيد ً‬
‫‪19‬‬
‫صحيحا‪ .‬ومن صعب عليه الترجيح بين النظريات‬
‫اختل أحدهما فلم يكن‬
‫يتخالفان إذا‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫االقتصادية المختلفة في التفضيل الزمني يمكنه الترجيح بواسطة التفسير العلمي‬
‫االقتصادي‪ ،‬أي باالعتماد على القرآن الكريم‪ .‬وهناك من خالفني في هذا الباب منذ‬
‫مرات‬
‫يرد حتى اآلن‪ ،‬وقد ه‬
‫طلب منه ّ‬
‫سنوات وخالفته‪ ،‬ولكنه لم ّ‬
‫الرد مني ومن غيري ّ‬
‫ولكنه لم يفعل‪ .‬ثم قلت للمعترض ‪ :‬لو هخّيرت بين قبض راتبك اآلن أو بعد شهر فماذا‬
‫يرجح‪ ،‬أي‬
‫تختار ؟ نعم يمكن أن يختار اإلنسان المستقبل ولكن إذا تم ترجيحه‪ ،‬وما لم ّ‬
‫المعجل‪ .‬ومن ال يعلم‬
‫ما دامت الشروط مستوية إال الزمن‪ ،‬فإن اإلنسان الرشيد يختار‬
‫ّ‬
‫شرط بقاء األشياء األخرى على حالها ال يمكن التفاهم معه ال حول هذا الموضوع وال‬
‫بمرجحات كثيرة‪.‬‬
‫رجحها على الدنيا ّ‬
‫غيره‪ .‬والمؤمن يختار اآلخرة ألن للا ّ‬
‫ولو كانت المبالغ المختلفة في األزمان متساوية فيما بينها لما كان َمطل الغني‬
‫بناء على هذا الفهم غير الصحيح‪،‬‬
‫ً‬
‫ظلما‪ ،‬كما في الحديث الشريف‪ .‬فالمدين الغني‪ً ،‬‬
‫يستطيع أن يفي ما عليه من َدين في االستحقاق أو بعد االستحقاق دون أي مؤاخذة أو‬
‫عقوبة‪ ،‬ودون أن َيشعر الدائن بأي ضيق !‬
‫لوالَّقيمةَّالزمنَّألعرضتَّعنَّاالقتصادَّاإلسالمي َّ‬
‫يعتقد بعض المسلمين‪ ،‬حتى من العلماء‪ ،‬أن اإلسالم لم يعط الزمن قيمة في‬
‫القرض‪ ،‬فـ ‪ 100‬اليوم تساوي ‪ 100‬بعد سنة‪ .‬وهذا استنتاج غير صحيح‪ ،‬ألنه لوال قيمة‬
‫الزمن في القرض ما كان للقرض ثواب عند للا‪ .‬فثواب القرض يتبع مبلغه ومدته‪.‬‬
‫والمبلغ × المدة = النمر ( األعداد )‪ ،‬وهذا معروف في علم الرياضيات المالية‪.‬‬
‫ويعتقد آخرون أن الزيادة في الثمن ألجل الزمن في البيع اآلجل حرام‪ ،‬ألنها من‬
‫تماما كما في القرض‪ .‬وهذا الرأي موجود في الفقه‪ ،‬ولكنه مرجوح‪ ،‬فجميع‬
‫الربا الحرام‪ً ،‬‬
‫المذاهب الفقهية تجيز الزيادة في الثمن‪ ،‬وجمهور الفقهاء كذلك‪ ،‬ولم يش ّذ إال القليل من‬
‫الفقهاء‪.‬‬
‫‪20‬‬
‫ولوال أني توصلت إلى قيمة الزمن بمعناها الفني‪ ،‬أي المعجل خير من المؤجل‪،‬‬
‫أبدا أن اإلسالم‬
‫ألعرضت عن االقتصاد اإلسالمي‪ .‬ولكن بحمد للا تعالى لم أشعر ً‬
‫معا بصورة عميقة ودقيقة‬
‫يخالف العلم الصحيح‪ .‬إنما علينا أن نفهم اإلسالم والعلم ً‬
‫معا‪.‬‬
‫وأمينة في آن ً‬
‫ابنَّالقيمَّالَّيميَّزَّبينَّنَّسيئةَّونَّساء َّ‬
‫قسم ابن القيم الربا إلى نوعين ‪ :‬ربا جلي هو ربا النسيئة‪ ،‬وربا خفي هو ربا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الفضل ( إعالم الموقعين ‪ .) 136-135/2‬وهو وان ذكر ربا َّ‬
‫النساء ( إعالم الموقعين‬
‫‪ ) 138/2‬إال أنه يبدو أنه استعمله بمعنى النسيئة‪ .‬وكذلك فعل كثيرون من قبله ومن‬
‫بعده‪ ،‬سواء كانوا من القدامى أو من المعاصرين‪ ،‬وال حاجة لذكر األسماء‪.‬‬
‫ويمكن حمل كالم ابن القيم على تأويل أن " الفضل " نوعان ‪ :‬فضل أحد البدلين‬
‫على اآلخر ( وهو المعروف بربا الفضل )‪ ،‬وفضل المعجل على المؤخر ( وهو‬
‫المعروف بربا َّ‬
‫النساء )‪ .‬وعندئذ يكون ربا الفضل بمعنى ربا البيوع‪ ،‬ولكن التقسيم الذي‬
‫نقترحه أوضح وأبعد عن االلتباس‪.‬‬
‫يمكنَّاختزالَّالرباَّكلهَّبأنهَّرباَّفضل َّ‬
‫الربا معناه في اللغة ‪ :‬الزيادة ( الفضل )‪ .‬وربا الفضل ‪ :‬هو الفضل في أحد‬
‫البدلين على اآلخر‪ .‬وربا َّ‬
‫النساء ‪ :‬هو فضل التعجيل على التأجيل‪ .‬وربا النسيئة ‪ :‬هو‬
‫الفضل في المقدار أو النوع يلحق بالبدل المؤجل في مقابل فضل البدل المعجل على‬
‫المؤجل‪ .‬وبهذا تجد أن الربا كله فضل بفضل ( زيادة بزيادة )‪ .‬ولكن مع ذلك يحسن‬
‫التمييز في األسماء حسب التمييز في المسميات‪ .‬فهذا الفضل أنواع ‪ :‬فضل في المقدار‬
‫يرد إلى فضل في المقدار ) يسمى ربا الفضل‪ ،‬وفضل في الزمن‬
‫( وفضل في النوع ّ‬
‫يسمى ربا َّ‬
‫النساء‪.‬‬
‫‪21‬‬
‫رباَّالفضلَّبالمعنىَّالواسع َّ‬
‫متجانس ْين‪ ،‬يتعجل فيها البدالن‪ .‬فـ‬
‫يرى الفقهاء أن ربا الفضل ينشأ من مبادلة‬
‫َ‬
‫أيضا‪ ،‬نجد أن هناك ربا فضل بمقدار كغ‬
‫‪ 100‬كغ قمح معجلة بـ ‪ 101‬كغ قمح معجلة ً‬
‫واحد‪ ،‬وهو حرام‪ .‬وفي مبادلة ‪ 100‬كغ قمح معجلة بـ ‪ 700‬كغ شعير معجلة‪ ،‬نجد أن‬
‫هناك ربا فضل بمقدار ‪ 600‬كغ‪ ،‬نتيجة اختالف الصنفين‪ ،‬وهو هنا حالل‪ .‬هذا هو‬
‫المجال الذي يستعمل فيه ربا الفضل عند الفقهاء‪.‬‬
‫غير أن مبادلة ‪ 100‬كغ قمح معجلة بـ ‪ 800‬كغ شعير مؤجلة‪ ،‬نجد أن هناك ربا‬
‫فضل بمقدار ‪ 700‬كغ‪ ،‬منها ‪ 600‬الختالف الصنفين‪ ،‬ومنها ‪ 100‬الختالف الزمنين‪.‬‬
‫هذه المبادلة غير جائزة‪ ،‬ألن فيها ربا فضل وربا َنساء‪.‬‬
‫ويجوز الفضل و َّ‬
‫معا في مبادلة ذهب بقمح‪ .‬المهم هنا أن ربا الفضل أطلق‬
‫النساء ً‬
‫المتجانس ْين ( قمح بقمح )‪ ،‬وكذلك على ربا الفضل في المتقارَب ْين (‬
‫على ربا الفضل في‬
‫َ‬
‫المختلف ْين ( قمح بذهب )‪ .‬وهو ممنوع في‬
‫قمح بشعير )‪ ،‬وكذلك على ربا الفضل في‬
‫َ‬
‫األولى‪ ،‬جائز في الثالثة‪ ،‬وجائز في الثانية إذا لم يكن َنساء في المبادلة‪ ،‬وممنوع إذا‬
‫كان هناك َنساء‪.‬‬
‫وضوحا‪ ،‬أما بمعناه الضيق فقد‬
‫إن ربا الفضل بهذا المعنى الواسع يجعله أكثر‬
‫ً‬
‫كان موضع اعتراض من البعض‪ .‬قال الغزالي ‪ :‬أما بيع الدرهم بدرهم يماثله (‪ )...‬فال‬
‫يرغب فيه عاقل ( إحياء علوم الدين ‪ ،) 80/4‬بل أثر عن ابن عباس وغيره أنهم أنكروا‬
‫ربا الفضل‪.‬‬
‫الَّوجه إلنكارَّرباَّالفضل َّ‬
‫ربا البيوع الوارد في السنة النبوية نوعان ‪ :‬ربا فضل وربا َنساء‪ ،‬وهما ركنان في‬
‫تكوين ربا النسيئة‪ ،‬ألن النسيئة = فضل ‪َ +‬نساء‪ .‬فإذا استبعدنا ربا الفضل صارت‬
‫المعادلة ‪ :‬النسيئة = النساء‪ ،‬وهذا خطأ ألنهما مفهومان مختلفان‪ .‬يقول أبو زهرة ‪:‬‬
‫استمر ابن عباس يفتي بأنه ال ربا إال في النسيئة إلى أن مات‪ .‬ولكن الجمهرة العظمى‬
‫ّ‬
‫‪22‬‬
‫على أن ربا الفضل و َّ‬
‫الن ساء الشك فيهما لورود الحديث المثبت لتحريمهما ( بحوث في‬
‫أيضا ‪ :‬ال نختار نظر ابن عباس رضي للا عنهما ألننا‬
‫الربا ص ‪ .) 80‬ويقول أبو زهرة ً‬
‫ال نتبع غرائب الفتيا‪ ،‬وألننا ال نستطيع أن ننكر حديثًا تلقاه علماء األمصار في كل‬
‫األقطار بالقبول ( بحوث في الربا ص ‪.) 86‬‬
‫إنماَّالرباَّفيَّالنسيئة َّ‬
‫إذا كان الربا كله فضل‪ ،‬فلماذا جاء في الحديث النبوي ‪ :‬إنما الربا في النسيئة (‬
‫صحيح مسلم ‪ ،) 108/3‬أو ال ربا إال في النسيئة ( صحيح البخاري ‪ ،) 98/3‬أو ال ربا‬
‫فيما كان ًيدا بيد ( صحيح مسلم ‪ ،) 108/3‬أو ما كان ًيدا بيد فال بأس به‪ ،‬وما كان‬
‫نسيئة فهو ربا ( صحيح مسلم ‪.) 100/4‬‬
‫قد يفهم من الحديث أن من لم يفهم النسيئة و َّ‬
‫النساء في الربا فإن فهمه يبقى‬
‫ناقصا‪ .‬كما قد يفهم من الحديث أن المبادلة ما لم يكن فيها نسيئة ال يمكن أن يكون‬
‫ً‬
‫فيها ربا‪ .‬فالقرض فيه نسيئة‪ ،‬ومن ثم يمكن أن يكون فيه ربا‪ .‬والبيع إذا كان فيه نسيئة‬
‫أمكن أن يكون فيه ربا‪ .‬والنسيئة بمعناها العام الذي يشمل النسيئة و َّ‬
‫النساء تشمل نوعين‬
‫من الربا ‪ :‬ربا النسيئة‪ ،‬وربا َّ‬
‫الن ساء‪ .‬وربا النسيئة أو ربا القرض هو األصل في التحريم‪،‬‬
‫سدا للذريعة‪ ،‬الذريعة إلى ربا القرض‪ .‬وربا‬
‫أما ربا ا َّلنساء فقد رأى بعض العلماء أنه حرم ً‬
‫الفضل في ذاته قد ال يفهم وجه حرمته‪ ،‬بل قد ال يفهم وجه المبادلة فيه أصالً‪ ،‬فلماذا‬
‫طبعا قد تأتي الزيادة من فرق العيار‪ ،‬أو من فرق‬
‫الذهب بالذهب معجلين‪ ،‬وفيه زيادة ؟ ً‬
‫الجودة‪ ،‬كما في ا لتمر بالتمر‪ .‬رأى بعض العلماء أن ال أحد يبادل التمر بالتمر‪ ،‬بلى‬
‫يمكن ذلك إما لفرق النوع‪ ،‬أو لفرق الجودة‪ ،‬أو الختالف البلد ‪ :‬تمر سعودي بتمر‬
‫جزائري مثالً‪ ،‬أو عملة ذهبية لبلد ما بعملة ذهبية لبلد آخر‪ .‬وقد سبق أن قلنا إن ربا‬
‫تأجال‪ .‬وعندئذ يكون ربا‬
‫أيضا الزيادة في‬
‫تعجال أو َّ‬
‫متجانس ْين َّ‬
‫الفضل قد يطلق ويراد به ً‬
‫َ‬
‫الفضل أقرب إلى الفهم‪ ،‬كما قلنا أعاله‪.‬‬
‫‪23‬‬
‫على كل حال تبدأ شبهة الربا بربا الفضل‪ ،‬ثم تزداد َّ‬
‫بالنساء أو بالنسيئة‪ ،‬ويصبح‬
‫اضحا وكامالً إذا اجتمع الفضل و َّ‬
‫النساء‪ ،‬كما في القرض الربوي‪ ،‬أو البيع الربوي‬
‫الربا و ً‬
‫الذي يراد فيه الوصول بالحيلة إلى القرض الربوي‪ .‬وقد يقترن البيع بالقرض‪ ،‬ويتم الزيادة‬
‫في البيع ألجل الوصول إلى الزيادة في القرض‪ .‬وعندئذ يمكن أن ينصرف معنى الفضل‬
‫إلى أي زيادة في بيع يراد بها الوصول إلى الربا‪ ،‬وعندئذ فإن ربا الفضل ال يقتصر‬
‫معناه على الفضل في أحد البدلين المتجانسين على اآلخر‪ ،‬بل يمكن أن يمتد إلى‬
‫مختلف ْين‪ ،‬أي سواء كان‬
‫متجانس ْين أو متقارَب ْين أو‬
‫الفضل في أي بيع‪ ،‬سواء كان بيع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذلك في بيع ربوي أو غير ربوي‪.‬‬
‫رباَّالنسيئةَّوحدهَّالَّيكفي َّ‬
‫ربا النسيئة كما يقول العلماء هو الربا الكامل‪ ،‬وهو األصل في التحريم‪ .‬وربا النسيئة هو‬
‫كل زيادة في القرض يشترطها المقرض على المقترض‪ ،‬وهي زيادة في مقابل الزمن‪.‬‬
‫ويشمل ربا النسيئة‪ ،‬باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬كل زيادة في الدين يشترطها الدائن على‬
‫المدين‪ ،‬ألجل التأجيل في الدين‪ ،‬الذي قد يكون نتيجة بيع آجل استحق بدله المؤجل (‬
‫السَلم ) وعجز المدين فيه عن الوفاء‪ .‬فيقول‬
‫الثمن في بيع التقسيط‪ ،‬والمبيع في بيع َّ‬
‫ك‪ .‬وعلى هذا فإن‬
‫الدائن للمدين ‪ :‬تَقضي أم تهربي‪ .‬أو يقول المدين للدائن ‪ :‬أنظ ْرني أزْد َ‬
‫ربا النسيئة حرام‪ ،‬وارتبط في األذهان أنه كذلك‪ .‬فلو اعتمدنا عليه وحده لربما طبقناه‬
‫أيضا على البيع اآلجل‪ ،‬وذهبنا في هذا البيع إلى أن كل زيادة فيه في مقابل التأجيل‬
‫ً‬
‫هي ربا نسيئة محرم‪ .‬وهناك من ذهب من المسلمين وغيرهم‪ ،‬ممن يحرمون ربا النسيئة‪،‬‬
‫يفرق بين القرض والبيع‪ ،‬ورأى أن الزيادة المشروطة فيهما حكمها‬
‫هذا المذهب‪ ،‬ولم ّ‬
‫واحد‪ ،‬وهو عدم الجواز‪.‬‬
‫لكن لو دخلنا من مدخل ربا الَّنساء فإننا نصل إلى رأي مختلف‪َّ .‬‬
‫فالنساء حرام‬
‫المختلف ْين‪ .‬فالذهب بالذهب ال يجوز فيه‬
‫المتجانس ْين‪ ،‬وفي المتقارَب ْين‪ ،‬وحالل في‬
‫في‬
‫َ‬
‫َ‬
‫النساء‪ ،‬وكذلك الذهب بالفضة‪ ،‬ولكن الذهب بالقمح يجوز فيه َّ‬
‫َّ‬
‫النساء‪ ،‬ويجوز فيه‬
‫‪24‬‬
‫الفضل‪ .‬والفضل جائز فيه الختالف الصنفين‪ ،‬والختالف الزمنين ( ألجل َّ‬
‫النساء )‪ .‬أي‬
‫هناك فرق في مقابل اختالف الصنفين‪ ،‬يضاف إليه فرق آخر في مقابل اختالف‬
‫عبر عنه الفقهاء بقولهم ‪ :‬إن للزمن حصة من‬
‫الزمنين‪ .‬وهذا الفرق األخير هو ما ّ‬
‫الثمن‪.‬‬
‫صحيحا متوازًنا إال بفهم أنواعه‬
‫فهما‬
‫ً‬
‫وعلى هذا فإن الربا في اإلسالم ال هيفهم ً‬
‫جميعا‪ ،‬أي البد من فهم ربا َّ‬
‫النساء بشكل خاص باإلضافة إلى ربا النسيئة‪ .‬ومن لم‬
‫ً‬
‫يميز بينهما فإن فهمه للربا ال يستقيم‪ .‬ومن ثم فنحن بحاجة إلى ربا النسيئة‪ ،‬وبحاجة‬
‫النساء‪ ،‬وال يمكن أن نستغني بربا النسيئة الوارد في القرآن عن ربا َّ‬
‫كذلك إلى ربا َّ‬
‫النساء‬
‫السنة‪ .‬ويمكن القول بعبارة أوسع ‪ :‬ال يمكن أن نستغني بأحدهما عن اآلخر‪،‬‬
‫الوارد في ّ‬
‫جنبا إلى جنب تؤدي إلى مفاهيم وتطبيقات صحيحة شرًعا‪.‬‬
‫معا ً‬
‫بل إن معالجتهما ً‬
‫رباَّالفضلَّورباَّالنساء َّ‬
‫ربا الفضل المحرم إنما يكون في الصنف الواحد‪ ،‬وربا َّ‬
‫النساء المحرم إنما يكون‬
‫في الفئة الواحدة‪ .‬فربا الفضل هو في الصنف بالصنف نفسه‪ .‬وربا َّ‬
‫النساء هو في‬
‫الصنف بالصنف نفسه‪ ،‬وباإلضافة إلى ذلك هو في صنف بصنف آخر في الفئة‬
‫نفسها‪ .‬فربا الفضل يعمل في الصنف‪ ،‬وربا َّ‬
‫صنفا وصنفين‪.‬‬
‫النساء يعمل في الفئة ‪:‬‬
‫ً‬
‫أشد من ربا الفضل‪ ،‬ألن ربا الفضل سرعان ما يزول‪ ،‬أما ربا‬
‫وهذا يعني أن ربا النساء ّ‬
‫َّ‬
‫بقاء منه‪ .‬ولعل هذا ما هيسهم في تفسير حديث " إنما الربا في النسيئة "‬
‫النساء فهو أكثر ً‬
‫أو في َّ‬
‫النساء‪.‬‬
‫سيدَّسابقَّ َّ‬
‫كثير من المعاصرين الذين بحثوا في الربا قسموا الربا إلى نوعين ‪:‬‬
‫قلت إن ًا‬
‫نسيئة وفضل‪ .‬يقول سيد سابق مثالً ‪ :‬الربا قسمان ‪ :‬ربا النسيئة‪ ،‬وربا الفضل‪ .‬وربا‬
‫السنة‬
‫النسيئة هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل ( فقه ّ‬
‫‪25‬‬
‫ال‪ ،‬ولكن أين ربا َّ‬
‫النساء‪ ،‬وأين‬
‫‪ .) 135/3‬فهذا التعريف هو تعريف لربا النسيئة فع ً‬
‫تعريفه ؟‬
‫الموسوعةَّالفقهيةَّالكويتيةَّمشوشةَّفيَّهذهَّالمسألة َّ‬
‫في صفحة واحدة من الموسوعة المذكورة ورد تعريفان مختلفان لربا النسيئة‪ ،‬جاء‬
‫في العمود األيمن من الصفحة تعريفه بأنه فضل الحلول على األجل‪ ،‬وجاء في العمود‬
‫األيسر أنه الزيادة في الدين نظير األجل‪ ،‬وسمي ربا القرآن وربا الجاهلية والربا الجلي (‬
‫ّ‬
‫الموسوعة ‪ .) 57/22‬أقول ‪ :‬إن التعريف األول يصلح لربا َّ‬
‫النساء‪ ،‬والثاني لربا النسيئة‪.‬‬
‫وكان يجب شرًعا التمييز في االسم حسب التمييز في المعنى‪ .‬أرجو إعادة النظر في‬
‫هذا في الطبعة الالحقة من الموسوعة‪ .‬وأرجو من أهل الموسوعة أن يفرحوا بمثل هذه‬
‫المالحظات وال يحزنوا‪ .‬فقد الحظت على بعضهم ذلك في مناسبات أخرى‪ .‬وبهذه‬
‫مادة من مو ّادها اسم كاتب هذه‬
‫المناسبة أقترح على إدارة الموسوعة أن تبين في ذيل كل ّ‬
‫المادة‪ ،‬كما تفعل الموسوعات األجنبية‪ ،‬حتى لو خضعت المسودة األولى للمراجعة‪ ،‬ذلك‬
‫أن التأليف يبقى أهم من المراجعة‪ ،‬السيما إذا أحسن اختيار المؤلف‪ .‬ويمكن إعداد‬
‫جدول في الموسوعة بأسماء الكاتبين والمواد التي كتبوها وبأسماء المراجعين‪ ،‬مع بيان‬
‫فتراتهم المختلفة‪ .‬فلو كنت أعلم من هو صاحب هذه المادة لم أكتب للموسوعة للسؤال‬
‫عن اسمه‪ ،‬فقد حدث أن أحدهم سرق ‪ 100‬صفحة منها‪ ،‬ولعله أراد أن يوهم الناس بأنه‬
‫هو كاتب المادة التي سرقها‪.‬‬
‫شرحَّحديثَّاألصنافَّالستة َّ‬
‫َّالذهبَّبالذهب َّ‬‫الباء هنا تفيد المقابلة‪ ،‬فتدخل على األعواض‪ ،‬أي الذهب مقابل الذهب (‬
‫عوضه‪ ،‬بدله )‪.‬‬
‫‪26‬‬
‫‪َّ-‬مَّثالًَّبمَّثل َّ‬
‫هذه العبارة الواردة في حديث األصناف الستة تعني ‪ :‬مثالً بمثل في الوزن‪.‬‬
‫اءَّبسواء َّ‬
‫‪َّ-‬سو ً‬
‫اء بسواء في النوع‪ .‬وسيزيد‬
‫قد تعني التأكيد لقوله ‪ " :‬مثالً بمثل "‪ .‬وقد تعني ‪ :‬سو ً‬
‫وضوحا بعد شرح العبارة التالية‪.‬‬
‫هذا‬
‫ً‬
‫يداَّبيد َّ‬
‫‪ً َّ-‬‬
‫تعني ‪ :‬تعجيل البدلين‪ ،‬بال تأخير وال تأجيل‪ .‬وفي روايات أخرى جاء التعبير‬
‫وهاء‪ ،‬أي خذ وهات‪.‬‬
‫هاء َ‬
‫عنها بقوله ‪َ :‬‬
‫من هذه العبارات الثالثة قد نفهم أن التساوي بين البدلين ال يتم إال بالتساوي في‬
‫ال‬
‫الجنس ( الذي عبر عنه بقوله ‪ :‬الذهب بالذهب ‪ ...‬إلخ )‪ ،‬والتساوي في الوزن ( مث ً‬
‫اء بسواء )‪ ،‬والتساوي في الزمن ( ًيدا بيد )‪ .‬هذه هي‬
‫بمثل )‪ ،‬والتساوي في النوع ( سو ً‬
‫أسس المبادلة العادلة‪ .‬وربما ذكرها الشارع ليتم البناء عليها حال اختالف الصنف‪،‬‬
‫واختالف النوع‪ ،‬واختالف القدر‪ ،‬واختالف الزمن‪.‬‬
‫‪َّ-‬إذاَّاختلفتَّاألصناف َّ‬
‫جاء في آخر الحديث النبوي المتعلق باألصناف الستة ‪ " :‬إذا اختلفت األصناف‬
‫فبيعوا كيف شئتم إذا كان ًيدا بيد "‪ .‬المقصود باألصناف ‪ :‬األصناف الستة ‪ :‬الذهب‪،‬‬
‫الفضة‪ ،‬القمح‪ ،‬الشعير‪ ،‬التمر‪ ،‬الملح‪ .‬واختالف األصناف في هذا الحديث اختالفان ‪:‬‬
‫اختالف فئة‪ ،‬واختالف فئتين‪ .‬اختالف الفئة مثل ‪ :‬االختالف بين الذهب والفضة‪ ،‬أو‬
‫االختالف بين القمح والشعير‪ .‬واختالف الفئتين مثل ‪ :‬االختالف بين الذهب والقمح‪ ،‬أو‬
‫بين الفضة والشعير‪ .‬فقوله في الحديث ‪ " :‬إذا اختلفت األصناف " المقصود به ‪:‬‬
‫االختالف بين األصناف في الفئة الواحدة‪ ،‬بدليل قوله ‪ " :‬إذا كان ًيدا بيد "‪ ،‬ألن‬
‫‪27‬‬
‫ساء‬
‫االختالف بين الفئتين ال ّ‬
‫يقيد بقوله ‪ً " :‬يدا بيد "‪ ،‬بل يمكن أن تتم المبادلة فيه َن ً‬
‫أيضا‪.‬‬
‫ً‬
‫المختلف ْين‪ .‬أما‬
‫المتجانس ْين‪ ،‬المتقارَب ْين‪،‬‬
‫في هذه الورقة استخدمت ثالث عبارات ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫المتجانسان فكالذهب بالذهب أو القمح بالقمح‪ ،‬وأما المتقاربان فكالذهب بالفضة‪ ،‬أو‬
‫القمح بالشعير‪ ،‬وأما المختلفان فكالذهب بالقمح‪ ،‬أو الفضة بالشعير‪ .‬فعبارة " المتقاربين "‬
‫حلت محل عبارة " المختلفين " في الحديث النبوي‪ ،‬ألنه اختالف متقارب‪ .‬وتهركت عبارة‬
‫" المختلفين " لالختالف المتباعد‪.‬‬
‫لو كانت العبارة في الحديث النبوي ‪ " :‬فبيعوا كيف شئتم " بدون العبارة التي‬
‫بعدها ‪ " :‬إذا كان ًيدا بيد " لفهم من الحديث االختالف المتباعد ( مثل الذهب بالقمح )‬
‫الذي يمكن فيه أن يبيع المسلم كيف يشاء‪ ،‬أي بدون قيود ربوية‪ ،‬أي بإمكان اللجوء إلى‬
‫الفضل و َّ‬
‫النساء‪ ،‬وهو البيع العادي الذي تعود فيه الحرية للمتبايعين‪ ،‬بعد أن هقيدت مرة‬
‫بعدم التفضيل‪ ،‬ومرة بالتعجيل‪ ،‬أي مرة بالمماثلة في الكم‪ ،‬ومرة بالمماثلة في الزمن‪.‬‬
‫َّبيعواَّكيفَّشئتم َّ‬‫هذه العبارة الواردة في آخر حديث األصناف الستة يفهم منها العودة إلى حرية‬
‫البيع بدون قيود ربوية‪ .‬وتقدير الكالم ‪ ( :‬بيعوا بالفضل‪ ،‬أو بالتفاضل‪ ،‬كيف شئتم إذا‬
‫أيضا أن الحرية ال تزال ناقصة‪ ،‬لقوله ‪ " :‬إذا كان ًيدا بيد‬
‫كان ًيدا بيد )‪ .‬لكن يفهم منها ً‬
‫"‪ .‬فالحرية الكاملة هي في جواز الفضل و َّ‬
‫معا‪ .‬فقوله ‪ " :‬إذا كان ًيدا بيد " فيه‬
‫النساء ً‬
‫منع َّ‬
‫عبر عنه بقوله " إذا اختلفت‬
‫للنساء‪ .‬ويفهم كذلك من العبارة أن االختالف الذي ّ‬
‫األصناف " هو اختالف بين األصناف في حدود الفئة الواحدة‪.‬‬
‫أما االختالف بين الفئتين فالتقدير فيه ‪ :‬بيعوا كيف شئتم بالفضل و َّ‬
‫النساء‪ .‬وال‬
‫فسروا‬
‫ريب أن شرح هذا الجزء من الحديث ّ‬
‫يعبر عن ذكاء الشراح والفقهاء الذين ّ‬
‫االختالف‪ ،‬وميزوا بين نوعين منه ‪ :‬اختالف بين صنف وصنف من فئة واحدة‪،‬‬
‫واختالف بين صنف من فئة وصنف من فئة أخرى‪.‬‬
‫‪28‬‬
‫إذاَّكانَّيداَّبيد َّ‬
‫َّ‬‫ً‬
‫يفهم من هذه العبارة التي هختم بها حديث األصناف الستة أن مبادلة صنف‬
‫بصنف آخر ال يحضرها الربا الحرام ( ربا الفضل الحرام ) إذا كان البدالن فيها معجَل ْين‬
‫وهاء‪ ،‬كما جاء في بعض األحاديث‪.‬‬
‫هاء َ‬
‫‪ :‬خ ْذ وهات‪ ،‬أو َ‬
‫أيضا أنها تقييد بعد إطالق‪ ،‬فقد أطلق بقوله ‪ " :‬بيعوا كيف شئتم "‪،‬‬
‫ويفهم منها ً‬
‫قيد‪.‬‬
‫قيد بقوله ‪ " :‬إذا كان ًيدا بيد "‪ ،‬أي أطلق ثم ّ‬
‫ثم ّ‬
‫عبر عنه حديث " إنما الربا في النسيئة " أو في َّ‬
‫النساء‪.‬‬
‫ويفهم منها ً‬
‫أيضا ما ّ‬
‫‪َّ-‬األموالَّالربويةَّوالمبادالتَّالربوية َّ‬
‫األموال الربوية هي األموال المذكورة في أحاديث الربا‪ ،‬أحاديث األصناف الستة‪،‬‬
‫وما يضاف إليها عند القائلين بالقياس‪.‬‬
‫والمب ادالت الربوية هي المبادالت الخاضعة للقيود الربوية‪ ،‬أما المبادالت العادية‬
‫تطبق عليها هذه القيود‪.‬‬
‫التي ال تخضع لهذه القيود فهي مبادالت طليقة ال ّ‬
‫فمبادلة ذهب بذهب هي مبادلة ربوية ألنها مقيدة بشرطين ‪ :‬شرط التعجيل‪،‬‬
‫مقيدة بشرط‬
‫وشرط المماثلة وعدم التفاضل‪ .‬ومبادلة ذهب بفضة هي مبادلة ربوية ألنها ّ‬
‫واحد‪ ،‬هو شرط التعجيل‪ .‬أما مبادلة ذهب بقمح فهي مبادلة عادية غير ربوية‪ ،‬ألنها‬
‫مقيدة بأي من الشرطين‪ ،‬فيجوز فيها التفاضل و َّ‬
‫النساء‪.‬‬
‫غير ّ‬
‫‪َّ-‬أموالَّرباَّالبيوعَّوأموالَّرباَّالقروض َّ‬
‫أموال ربا البيوع هي األموال الوارد ذكرها في حديث األصناف الستة وما يقاس‬
‫آنفا‪ .‬أما أموال ربا القروض فهي األموال القابلة للقرض‪،‬‬
‫عليها عند القائسين‪ ،‬كما قلنا ً‬
‫سواء كانت من أموال ربا البيوع أو من غيرها‪.‬‬
‫‪29‬‬
‫لكن المتأمل في أموال ربا البيوع ‪ :‬الذهب‪ ،‬الفضة‪ ،‬القمح‪ ،‬الشعير‪ ،‬التمر‪،‬‬
‫الملح‪ ،‬يجد أنها أموال قابلة للقرض‪ .‬ولعل هذا يدل على أن المقصود هو تحريم ربا‬
‫القروض‪ ،‬وتحريم ربا البيوع الموصل إلى ربا القروض‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫النسيئة و َّ‬
‫قد ال يكون ثمة فرق بين َّ‬
‫النساء في اللغة‪ ،‬لكن هناك فرق بينهما في‬
‫االصطالح‪ .‬وكثير من العلماء القدامى والمعاصرين يخلطون بينهما‪ ،‬ويعتقدون أنهما‬
‫مت اردفان ال فرق بينهما‪ ،‬وقد حدث مثل هذا حتى في الموسوعة الفقهية الكويتية‪ ،‬مع أنها‬
‫ضرب من ضروب العمل الجماعي‪ ،‬الجتماع المؤلفين فيها والمراجعين‪ .‬وربما يكون ابن‬
‫القيم مسؤوالً عن ذلك‪ ،‬بالنسبة لمن جاؤوا بعده‪ .‬فكثير من الكتابات المعاصرة عن الربا‬
‫ار من‬
‫تعتمد إلى حد كبير على ما كتبه ابن القيم في كتابه " إعالم الموقعين "‪ ،‬فرًا‬
‫التعقيد النسبي الذي يجدونه في الكتب الفقهية األخرى‪.‬‬
‫يصرح الكثيرون‪ ،‬أن يقال إن الربا قسمان ‪ :‬ربا نسيئة‬
‫فليس من الصحيح‪ ،‬كما‬
‫ّ‬
‫ونساء‪ ،‬وفضل‪ ،‬أو قل إن شئت‬
‫وربا فضل‪ ،‬بل الصحيح أن الربا ثالثة أقسام ‪ :‬نسيئة‪َ ،‬‬
‫هو قسمان ‪ :‬ربا قروض‪ ،‬وربا بيوع‪ ،‬وربا البيوع قسمان ‪ :‬ربا فضل‪ ،‬وربا َنساء‪ .‬وفهم ربا‬
‫َّ‬
‫عموما‬
‫وبينا أن ال وجه إلنكار ربا الفضل‪ .‬وفهم الربا‬
‫النساء أدق من فهم ربا النسيئة‪ّ .‬‬
‫ً‬
‫جدا في االقتصاد‪.‬‬
‫جدا في الفقه‪ ،‬ومهم ً‬
‫وبأنواعه كلها مهم ً‬
‫أيضا فوائد أخرى‪ ،‬تتعلق بأهمية ربا َّ‬
‫النساء‪ ،‬ويظهر‬
‫في هذه الورقة يجد القارئ ً‬
‫من خاللها أن فهم ربا النسيئة ال يغني الباحث في الفقه واالقتصاد عن فهم ربا َّ‬
‫النساء‪.‬‬
‫يؤيد هذا أن ربا النسيئة = ربا الفضل ‪ +‬ربا َّ‬
‫النساء‪ .‬فربا النسيئة حرام في القرض‬
‫سدا‬
‫والدين‪ ،‬وحرام على من أراد الوصول إليه من مدخل البيع‪ .‬هل حرم ربا النساء ً‬
‫وثانيا هذه المسألة تناقش ألول‬
‫ال ليس هو‬
‫للذريعة ؟ أو ً‬
‫محرما في الحاالت العادية للبيع‪ً ،‬‬
‫ً‬
‫مرة في بحوث الربا‪ .‬ومن أدرك ربا َّ‬
‫النساء أدرك أن قيمة دينار اليوم أعلى من قيمة‬
‫دينار الغد‪ ،‬وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء واالقتصاديين‪ ،‬وهو أمر أساسي‪ ،‬خال ًفا لما‬
‫‪30‬‬
‫يعتقده البعض‪ ،‬وهو يفيد أن من الربا ما ال هيستغنى عنه‪ ،‬ولكن في حين أن رجال‬
‫االقتصاد طبقوا ذلك حتى في القرض‪ ،‬نجد أن رجال الشريعة منعوه في القرض وأجازوه‬
‫السنة إلى ربا َّ‬
‫النساء وما يترتب عليه من أهمية‬
‫في البيع العادي‪ .‬واني أعتقد أن سبق ّ‬
‫اقتصادية في باب قيمة الزمن والتفضيل الزمني والقيمة الزمنية للمال أو النقود‪ ،‬ال ريب‬
‫للسنة النبوية‪ ،‬المؤيد باإلعجاز االقتصادي للقرآن في‬
‫أن هذا من اإلعجاز االقتصادي ّ‬
‫ال " ( اإلنسان ‪.) 27‬‬
‫يوما ثقي ً‬
‫قوله تعالى ‪ " :‬إن هؤالء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم ً‬
‫والحمد هلل رب العالمين‪.‬‬
‫تعليقانَّأخيران َّ‬
‫*َّمنَّالرباَّماَّالَّيَّستغنىَّعنه َّ‬
‫عّل ق اثنان من اإلخوة الحضور بأن الربا كله حرام‪ ،‬وليس هناك ربا حالل‪ ،‬وأن‬
‫هذا يؤدي إلى تشويش أذهان المسلمين‪ .‬والجواب ‪:‬‬
‫ ربا النسيئة هو كل زيادة في مقابل الزمن‪ ،‬فإن كانت مشروطة فهو حرام‪ ،‬وان‬‫كانت غير مشروطة فهي ربا حالل‪.‬‬
‫تعد من الربا الحرام‪.‬‬
‫ في بعض الحاالت قد تكون الزيادة مشروطة في القرض وال ّ‬‫فإذا اتفق المقرض والمقترض على وفاء القرض في بلد آخر ( وهو ما يسمى‬
‫بالسفتجة )‪ ،‬وكان في هذا منفعة للمقرض في تحويل ماله إلى بلد آخر قابلتها‬
‫منفعة للمقترض بأن ماله يوجد في بلد الوفاء‪ ،‬فهذا ربا للمقرض ولكنه حالل‪،‬‬
‫ألن منفعة المقترض صادفت منفعة للمقرض‪ ،‬واإلسالم ال يحرم المنافع‪ ،‬بل‬
‫يدعو إلى تعظيمها‪.‬‬
‫اما‪،‬‬
‫‪ -‬ربا النسيئة هو كل زيادة في مقابل الزمن‪ ،‬إذا شرطت في القرض كانت حر ً‬
‫واذا شرطت في البيع اآلجل كانت حالالً‪ .‬فالزيادة المشروطة في القرض ال‬
‫تجوز‪ ،‬والزيادة المشروطة في البيع اآلجل جائزة‪ ،‬ولهذا قال الفقهاء إن للزمن‬
‫حصة من الثمن‪.‬‬
‫‪31‬‬
‫ جاء في كتب التفسير أن الربا ربوان ‪ :‬حالل وحرام‪ ،‬روي عن ابن عباس من‬‫الصحابة وعن عدد من التابعين ( عكرمة والضحاك )‪.‬‬
‫ جاء في كتب التفسير ‪ " :‬تحريم بعض البيع‪ ،‬واحالل بعض الربا " ( تفسير‬‫الماوردي‪ ،‬تفسير األلوسي )‪ " .‬ثبت بهذا أن الربا قسمان ‪ :‬منه حالل‪ ،‬ومنه‬
‫حرام " ( تفسير القرطبي )‪ " .‬تحريم الربا كله إنما يؤدي إلى تضييق التجارات‬
‫واألرباح " ( المجموع للنووي )‪.‬‬
‫ جاء في األم لإلمام الشافعي ‪ " :‬الطعام ( القمح ) الذي إلى األجل القريب أكثر‬‫قيمة من الطعام الذي إلى األجل البعيد "‪ 100 " .‬صاع أقرب أجالً من ‪100‬‬
‫صاع أبعد أجالً منها أكثر في القيمة "‪ .‬ومثله كثير في كتب الفقه ( راجع كتابي‬
‫‪ " :‬بيع التقسيط " )‪.‬‬
‫ جاء في كتب الفقه ‪ " :‬الربا الجائز " ( حاشية الشرقاوي )‪.‬‬‫وحرم الربا " ال يفيد أن كل بيع حالل‪ ،‬وال يفيد‬
‫أحل للا البيع َّ‬
‫ قوله تعالى ‪ " :‬و ّ‬‫السنة النبوية‪ ،‬وهي مبينة‬
‫بالمقابل أن كل ربا حرام‪ .‬فهناك بيوع محرمة حرمتها ّ‬
‫في كتب الحديث الشريف‪.‬‬
‫ ليس من وظيفة الباحث أن يستنيم الناس‪ ،‬بل عليه أن يوقظهم بالحقائق العلمية‬‫وان صادمت أع ارًفا أو عادات بالية‪ .‬وتزداد أهمية ذلك كلما كانت الحقيقة العلمية‬
‫وعمليا‪.‬‬
‫علميا‬
‫ً‬
‫مهمة وذات آثار مفيدة ً‬
‫*َّالضروراتَّتبيحَّالمحظورات َّ‬
‫عّلق أحد اإلخوة الحضور بهذه القاعدة الفقهية‪ ،‬ورأى أنها تدعم فكرة الربا‬
‫الحالل‪ .‬والجواب أن األمر مختلف‪ ،‬فعندما أتكلم عن ربا حالل ال أقصد حالة الضرورة‪،‬‬
‫بل أقصد الحاالت االعتيادية‪ .‬فأنا في هذه الحاالت االعتيادية ال أبيح ربا النسيئة في‬
‫القرض‪ ،‬ولكني أبيحه في البيع المؤجل‪ .‬أما في حالة الضرورة فمن الممكن إباحة ربا‬
‫‪32‬‬
‫النسيئة في القرض‪ ،‬أي إباحة الربا الحرام‪ .‬أما الربا الحالل فال يستباح عند الضرورة‬
‫ألنه مستباح أصالً‪.‬‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫‪33‬‬