الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية
الفقهية_ وعد المرابحة أنموذجا_
االستاذ :بن تاسة محمد
استاذ بجامعة أدرار
………………… بن تاسة.…..وعد المرابحة أنموذجا: الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية
الملخص
التي تعترب من أهم آليات اهلندسة،تتناول هذه الدراسة الرشعية آلية الوعد امللزم
ومن أبرز ما تم التوصل إليه باستعامل، يف ابتكار منتجات جديدة،املالية اإلسالمية املعارصة
، وباملرابحة، فيتعرض البحث للتعريف بالوعد، ،هذه اآللية صيغة املرابحة لآلمر بالرشاء
تتعلق، وما نتج عن ذلك من إشكاالت رشعية، واإللزام به قضاء،وبيان حكم الوفاء بالوعد
وهل كل، ومدى مرشوعية دخول الوعد املعاوضات املالية،أساسا بمشاهبة الوعد امللزم للعقد
ما جيب ديانة يصح أن يلزم به قضاء؟ ثم يستعرض البدائل واحللول للخروج من هذه
واملصداقية الرشعية، سعيا إىل الوصول إىل ما حيقق الكفاءة االقتصادية،اإلشكاالت الرشعية
.للمنتجات املالية اإلسالمية
Abstract
This study deals with the legitimate mechanism that promise binding. It is one
of the most important mechanisms of contemporary Islamic financial
engineering. It contributes in the innovation of new products. The main
achievement using this mechanism is the formula of "El Murabaha" to buy
something. This Research defines the promise, Murabaha and the loyalty of
keeping the promise and doing it.
It also deals with the legitimate problems which are exactly about the promise
binding the contract and legality of financial compensations stated
religiously.
Finally this research or study reviews the alternatives and solutions to
get rid of these problems.
The purpose is to achieve the economic efficiency and legitimate credibility of
Islamic financial products .
2
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
تمهيد:
مع ظهور املرصفية اإلسالمية يف هذا العرص ،حاول القائمون عليها ابتكار منتجات
متطورة قادرة عىل منافسة ما تقدمه املصارف التقليدية ،مع احلرص عىل توافق هذه املنتجات
مع أحكام الرشيعة اإلسالمية ،ومن أهم اآلليات التي تم التوصل إليها البتكار صيغ جديدة
للمعامالت اإلسالمية آلية الوعد ،فنتج عن استعامل هذه اآللية صيغ تطبيقية كثرية ،من
أشهرها :املرابحة لآلمر بالرشاء ،واإلجارة املنتهية بالتمليك ،واملشاركة املتناقصة ،وغريها من
التطبيقات .بل أصبح الوعد امللزم بمثابة العصا السحرية ،التي تستعمل الستحالل املعامالت
غري املرشوعة ،بمجرد تغيري اسم العقد إىل الوعد امللزم .
(
1
ورغم أن الوعد امللزم _خصوصا يف املرابحة_ قد تناولته بحوث كثرية ،منذ ظهور
هذه الصيغة يف االستعامل املعارص إال أن املوضوع مل حيسم و ال يزال مثار جدل ،وحمل
إشكاالت عديدة بني الفقهاء ،ورغبة يف تسليط الضوء عىل هذه اآللية ،وبيان أهم اجلوانب
الرشعية املتعلقة هبا جاء هذا البحث يف املباحث اآلتية:
املبحث األول :مفهوم الوعد وحكم الوفاء واإللزام به.
املبحث الثاين :إشكاالت الواعد امللزم يف املرابحة.
املبحث الثالث :بدائل وحلول الوعد امللزم يف املرابحة.
.1مفهوم الوعد والمرابحة وحكم الوفاء واإللزام بالوعد.
.1.1مفهـوم الـوعـد
.1.1.1معنى الوعد لغة.
ِ
رضب َي ِ
رضبِ ،عدَ ة ووعدا وموعدا ،والوعد
َ
الو ْعدُ لغة :من َو َعدَ َيعدُ من باب َ
ُيستعمل يف اخلري والرش ،فيقالَ :و َعدْ ُت ُه خَ ْريا ،ووعدته رشا ،فإذا أسقطوا اخلري والرش؛ قالوا يف
ِ
والعدَ ة ،ويف الرش :ا ِ
والو ِعيد .ومعنى الوعد اإلخبار عن فعل أمر يف
اخلري :الوعد
إلي َعا ُد َ
املستقبل .
نقصان.
و ِ
العدَ ُة مصدر َو َعدَ وتكون اسام منقوصا من الوعد وحتمل معناه دون زيادة أو
واملواعدة مفاعلة ،وهي مابني طرفني ،فهذا َي ِعدُ فالنا ،واآلخر َي ِعدُ ه يف مقابلة ذلك
)1
(
.
.1.1.1معنى الوعد اصطالحا.
عرف العيني الوعد
يستعمل الفقهاء كلمة الوعد بنفس معناها اللغوي ،فقد ّ
بأنّه":إخبار عن إيصال اخلري يف املستقبل ،واإلخالف جعل الوعد خالفا ،وقيل عدم الوفاء" .
(
)2
وقد الحظ الدكتور نزيه محاد استعامل الفقهاء للوعد بمعناه اللغوي فقال يف تعـريفـه" :الوعد
يف اللغة وعند كثري من الفقهاء :هو اإلخبار عن فعل املرء أمرا يف املستقبل يتعلق بالغري ،سواء
ِ
وحدُّ ه:
أكان خريا أم رشا .وقد َن َق َل عن ابن عقيل يف الواضح قوله :والوعد والعدة خرب أيضاَ .
3
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
خبار بمنافع الحقة باملُخْ َرب من جهة املُخْ ِرب يف املستقبل" ،وهذا املعنى هو ما عناه الناظم يف
إِ ٌ
( )3
قوله:
وإن أردت ضابطا للوعد فاسمع ملا أذكر يف ذا َ
احلـدِّ
إخبار خمرب عن اإلنشاء
للعرف فيام يأيت و احلبـاء
( )4
.1.1.1الفـرق بين الوعـد و العِـدَة و المواعـدة.
ظهر مما سبق بيانه يف املعنـى اللغوي أن هذه األلفاظ الثالثة مشتقة من نفس املادة
اللغوية إال أن اصطالح الفقهاء أو بعضهم أعطى لكل كلمة منها معنى جديـدا ،ربام كان
أخص أو أضيق شموال واستيعابا .
َّ
( )5
فال ِعــدَةَ :د َر َج املالكية عىل استعامهلا بداللة خاصة وهي":اإلعالن عن رغبة الواعد يف
إنشاء معروف يف املستقبل يعود بالفائدة والنفع عىل املوعود" .وهذا التعريف مأخوذ من
( )6
ِ
املخرب معروفا يف املستقبل" .
قول ابن عرفة يف تعريفها":إِخْ بَ ٌار عن إنشاء
()7
والمواعـدة :هي إعالن ش خصني عن رغبتهام يف إنشاء عقد يف املستقبل ،تعود أثاره
رب َ
احلطَّاب عن هذا املعنى وعن الفرق بينها وبني العدة -وهو يتحدث عن
عليهام .وقد َع َّ َ
املواعدة عىل النكاح -فقال ":املواعدة أن َي ِعد كل واحد منهام صاحبه بالتزويج فهي مفاعلة،
ال تكون إال من اثنني فإن وعد أحدمها دون اآلخر فهذه ِ
العـــدَ ة" .
( )8
والـوعـد :هو أوسع هذه األلفاظ داللة ،إذ يشمل الوعد بمعروف ،وهو ما ُيطلِق
عليه املالكية ِ
العـدَ ة ،ويشمل املواعدة ،كام يشمل الوعد ب ِ ِص َل ٍة أو ٍبر أو مؤانسة ،كعيادة مريض،
أو زيارة صديقِ ،
أوص َلة رحم ،وقد يكون بمعصية ،كأن ي عد غريه بأن يقتل له خصمه ،أو
يتلف له ماله ظلام وعدوانا و نحو ذلك .
( )9
.1حقيقة المرابحة المصرفية
.1.1معنى المرابحة ومشروعيتها
المسألة األولى :المرابحة في اللغة
املرابحة لغة :عىل وزن مفاعلة ،من الربح ،وهو النامء يف التجارة ،يقال ،ربح يف جتارته
ير َبح ِربحا و َر َبحا و َر َباحا بمعنى استشف ،وهو اسم ما ربحه .والعرب تقول :هذا بيع
مربح ،إذا كان يربح فيه ،وتقول :ربحت جتارته ،إذا ربح صاحبها فيها ،قال تعاىلَ { :ف َام َرب ِ َحت
ِ
ين } ،أي ما ربحوا يف جتارُتم ،ألن التجارة ال تربح إنام يربح فيها،
ِّ َجت َار ُ ُُت ْم َو َما كَانُو ْا ُم ْهتَد َ
( )10
فإذا ربحوا فيها فقد ربحت .قال ابن منظور يف لسان العرب" :وأربحته عىل سلعته ،أي
() 11
أربحه بمتاعه ،وأعطاه ماال مرابحة أي عىل الربح بينهام ،وبعت اليشء
أعطيته ربحا ،وقد
َ
مرابحة" .
( )12
4
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
المسألة الثانية :المرابحة في االصطالح
تعددت عبارات الفقهاء يف تعريف املرابحة ،و املتأمل لتعريفاُتم جيدها وإن اختلفت
ألفاظها وتعددت عباراُتا متفقة عىل معنى واحد ،ولذلك يمكن اختيار هذا
التعريف ":املرابحة بيع بمثل الثمن األول وزيادة ربح معلوم متفق عليه بني املتعاقدين".
(
)13
المسألة الثالثة :مشروعية بيع المرابحة
املرابحة نوع من أنواع البيع ،وصورة من صوره ،لذلك قرر مجهور الفقهاء جواز هذا
البيع .فهو جائز بجواز أصله ،ومرشوع بمرشوعيته .قال ابن عبد الرب " البيع جائز
( )15
( )14
مساومة ومرابحة" .
( )16
.1.1.1حقيقة المرابحة المصرفية
المسألة األولى :تعريف المرابحة المصرفية
املرابحة املطبقة يف املصارف اإلسالمية هي ":طلب رشاء للحصول عىل مبيع
موصوف ،مقدم من عميل إىل مرصف ،يقابله قبول من املرصف ،والتزام من الطرفني ،األول
بالرشاء ،والثاين بالبيع ،بثمن وربح يتفق عليهام مسبقا" .
()17
يعرف بيع املرابحة كام جتريه البنوك اإلسالمية ببيع املرابحة لآلمر بالرشاء ويتكون
من:
أ -وعد بالرشاء من الطرف األول ( العميل ).
ب -عقد بيع بني الطرف الثاين ( املرصف غالبا ) ،والطرف الثالث ( املالك للسلعة ).
ت -عقد بيع مرابحة بني املرصف والعميل.
المسألة الثانية :التكييف الفقهي للمرابحة لآلمر بالشراء.
بيع املرابحة لآلمر بالرشاء معاملة تقوم عىل عالقة عقدية تعتمد عىل وجود ثالثة
أطراف ،وتبنى عىل املواعدة بالبيع إىل أجل .فهي عالقة عقدية ألن العقد فيها عىل موضعني:
األول :عقد البيع الذي يتم بني البنك والبائع ،ليحصل البنك عىل السلعة التي طلبها
اآلمر بالرشاء.
الثاني :عقد املرابحة بني البنك واآلمر بالرشاء بعد أن ملكها البنك بالعقد األول.
وأما املواعدة ،فهذه الصيغة تقوم عىل وعد من اآلمر بالرشاء للبنك برشاء السلعة بعد
متلك البنك هلا ،ووعد من البنك لآلمر برشاء السلعة ثم بيعها له بعد ملكها.
فبيع املرابحة لآلمر بالرشاء مركب من بيع عادي ،ووعد ،وبيع مرابحة ،فالبيع من
البائع للمرصف وبيع املرابحة من املرصف لآلمر بالرشاء ،والوعد من اآلمر برشاء السلعة من
البنك ،ومن البنك برشاء السلعة ،ووعد ثان من البنك ببيع السلعة لآلمر.
ويف هذه املعاملة ثالثة أطراف :اآلمر بالرشاء ،وبائع السلعة والبنك .
(
)18
.1.1حكم الـوفـاء بالوعـد
1.1.1تحرير محل النزاع.
إذا كان الوعد يعني اإلخبار عن فعل أمر يف املستقبل ،سواء أكان خريا أم رشا ،فإن
الواعد إما أن:
5
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
ٍ
منهي عنه :ويف هذه احلالة ال خالف بني الفقهاء يف أنه ال جيوز له
بيشء
أَ -ي ِعد
ٍّ
الوفاء بوعده .
بَ -ي ِعد بيشء واجب رشعا؛ وذلك كأداء حق ثابت ،أو فعل أمر الزم ،وال خالف
بني العلامء أيضا يف هذه احلالة يف أنه جيب عليه إنجاز ما وعد به ِ َ .عد بيشء
( )19
( )20
يفي بوعده ألن الوفاء بالوعد من
مباح أو مندوب إليه :فينبغي له حينئذ أن َ
خصال ومكارم األخالق ،وإ َ
خال َفه من أَمارات النفاق ،ولكن حمل اخلالف هو:
مستحب؟ يقول اإلمام النووي ":وقد أمجع العلامء
واجب أم
هل الوفاء حينئذ
ٌ
ٌ
عىل أن من وعــد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه فينبغي له أن يفي بوعده ،وهل
ذلك واجب أم مستحب؟ فيه خالف بينهــم. "...
()21
.1.1.1أقوال الفقهاء وأدلتهم في المسألة.
يمكن تصنيف أقوال الفقهاء يف املسألة إمجاال إىل ثالثة أقوال:
القول األول :الوفاء بالوعد واجب مطلقا ،وهو قول عدد من الفقهاء منهم :ابن
رب َمة .حيث قال ابن حزم" :قول ابن شربمة بأن الوعد ك َّله الزم ويقىض به عىل الواعد
ُش ْ ُ
وجيرب" .
( )22
وذكر البخاري يف صحيحه أن القايض ابن األشوع قىض بالوعد وذكر ذلك عن
سمرة بن جندب ،وقال البخاري ":رأيت إسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه -حيتج
بحديث بن أشوع" ،وذكر أن احلسن فعله ،وهو قول ضعيف عند املالكية ،وهو مروي
( )24
( )23
عن عمر بن عبد العزيز.
أدلة هـذا القول:
استدل أصحاب هذا القـول عىل قوهلم بوجوب الوفاء بالوعـد مطلقا أي أن
الـوعــد ملـزم ديانـة وقضاء بعموم اآليات القرآنية واألحاديث النبوية وأقوال السلف.
أوال :اآليات القرآنية:
ِ
ِ
ِ
َرب َم ْقتا عندَ اَّللَِّ َأن َت ُقولُوا َما ال
ون َما ال َت ْف َع ُل َ
ين َآ َمنُوا مل َ َت ُقولُ َ
كقوله تعاىلَ ﴿:يا َأ ُّ َُّيا الَّذ َون ك ُ َ
ون ﴾ .
َت ْف َع ُل َ
( )25
وجـه الـداللـة:
يقول ابن كثري يف تفسري هذه اآلية ":إنكار عىل من َيعد عدة ،أو يقول قوال ال
يفى[كذا]به ،وهلذا استد[ل] هبذه اآلية الكريمة من ذهب من علامء السلف إىل أنه جيب الوفاء
بالوعد مطلقا ،سواء ترتب عليه غُرم للموعود أم ال" .
قوله تعاىلَ ﴿:وا ْذك ُْر ِيف الْكِت َِاب إِ ْس َام ِع َ
َان َر ُسوال َّنبِيّا ﴾ .
َان َصادِ َق الْ َو ْع ِد َوك َ
يل إِ َّن ُه ك َ
وجــه الـداللة:
(
)26
()27
أن اَّلل مدح إسامعيل عليه السالم بصدق الوعد ،فهو من مكارم األخالق ،وخالفه
من مثـالب األخـالق ،وإنام جاء حممد صىل اَّلل عليه وسلم ليتمم مكارم األخالق.
ثانيا :األحاديث النبوية:
6
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
أ -حديث أيب هريرة-ريض اَّلل عنه -عن النبي صىل اَّلل عليه وسلم -قال( :آية املنافق
ثالث إذا حدّ ث كذب ،وإذا وعد أخلف ،وإذا اؤمتن خان) .
( )28
ب -عن عبد اَّلل بن عمرو -ريض اَّلل عنه -أن النبي -صىل اَّلل عليه وسلم -قال(:أربع من
كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى
ّ
يدعها إذا اؤمتن خان ،وإذا حدث كذب ،وإذا عاهد غدر ،وإذا خاصم فجر) .
( )29
وجه الداللة:
احلديثان جعال اخللف بالوعد نفاقا ،وكفى بذلك إثام يوجب الوفاء بالوعد.
أ -عن جابر -ريض اَّلل عنه -قال( :ملا مات النبي صىل اَّلل عليه وسلم جاء أبا بكر من قبل
العالء بن احلرضمي ،فقال أبوبكر :من كان له عىل النبي صىل اَّلل عليه وسلم دين ،أو
كانت له قبله عدة فليأتنا ،قال جابر :فقلت وعدين رسول اَّلل صىل اَّلل عليه وسلم أن
يعطيني هكذا وهكذا وهكذا ،فبسط يديه ثالث مرات ،قال جابرَ :ف َعدَّ يف يدي
مخسامئة،ثم مخسامئة ،ثم مخسامئة) .
( )30
وجه الداللة:
يف هذا احلديث دليل عىل وجوب الوفاء بالوعد ،ألن أبا بكر مل يدفع من ماله ،وإنام
من بيت مال املسلمني ،فدل ذلك عىل أن هذه العدة َدين عىل رسول اَّلل صىل اَّلل عليه وسلم .
31
وهناك أحاديث أخرى استدل هبا هذا الفريق.
القول الثاني :الوفاء بالوعد مستحب وليس واجبا ،وهو رأي مجهور الفقهاء ،فبه
( )32
قال الشافعية ،واحلنابلة ،والظاهرية ،وهو قول عند املالكية .
( )33
( )34
( )35
( )36
أدلة هذا القول :استدلوا ما ييل:
أ -عن عطاء بن يسار أن رجال قال لرسول اَّلل صىل اَّلل عليه وسلم صىل اَّلل عليه وسلم:
(أكذب امرأيت يا رسول اَّلل ،فقال رسول اَّلل ’ ال خري يف الكـذب قال الرجل :يا
رسول اَّلل َأ ِعدُ ها وأقول هلا؟ فقال رسول اَّلل ’ :ال جناح عليك) .
()37
وجه الداللة:
قال القرايف تعليقا عىل احلديث":ف َمنَ َع ُه من الكذب املتعلق باملستقبل ،فإن رضا
النساء إنام حيصل بـه ،ونفى اجلناح عىل الوعـد ،وهو يدل عىل أمرين :أحدمها :أن إخالف
الوعد ال يسمى كذبا جلعله قسيم الكذب ،وثانيهام :أن إخالف الوعد ال حرج فيه" .
( )38
ب -ما رواه زيد بن أر قم عن رسول اَّلل صىل اَّلل عليه وسلم قال ( :إذا وعد الرجل أخاه
ومن نيته أن يف فلم يف ،ومل جييء للميعاد فال إثم عليه) .
( )39
وجه الداللة:
أ ّن النبي صىل اَّلل عليه وسلم قد رفع اإلثم عن من وعد فلم يف ،فدل ذلك أ َّن الوفاء
بالوعد مستحب وليس بواجب.
7
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
ت -ماروه حكيم بن حــزام عن النبي صىل اَّلل عليه وسلم قال( :البيّعان باخليار ما مل
يتفرقا)
(
)40
ث -إمجاع الفقهاء عىل أن املوعود ال يرضب بام وعد به مع الغرماء .قال ابن عبد الرب
...":وإنام قلنا ذلك غري واجب فرضا إلمجاع اجلميع عىل أن من ُو ِعد بامل مل يدخل
مع الغرماء ،فلذلك قلنا إجياب الوفاء من حسن املروءة ،وال يقىض به" .
()41
وجه الداللة:
هذا احلديث يعطي العاقدين اخليار ،ما داما يف جملس العقد ومل يتفرقا باألبدان ،وذلك
ال يستقيم مع القول باإللزام بالوعد ،فهل يعقل أن يكون للمتعاقدين اخليار ،وال يكون
للمتواعدين؟ فالرشع قد أعطى املتبايعني حق الرجوع ما داما يف املجلس ،ومل يلزمهام بإمتامه،
وعليه فال جيوز أال يكون اخليار للمتواعدين ،وال يصح إلزامهام بالوعد .
( )42
ج -الوعد من جنس التربعات ،والتربع ال يلزم ،كام أن عقود التربعات كاهلبة والعارية ال
تلزم قبل قبضها ،فيجوز للمتربع الرجوع قبل إمتام تربعه .فإذا جاز الرجوع يف التربع
باهلبة قبل قبضها مع وجود اإلجياب والقبول الذي هو أقوى من الوعد ،فجواز
الرجوع يف الوعد املجرد من باب أوىل .
( )43
القول الثالث :أن الوفاء بالوعد واجب وفيه ثالثة أراء عىل تفصيل:
الرأي األول :أن الوعد املجرد غري واجب .أما إذا ُع ِّلق الوعد عىل رشط ،فإنه يكون
الزما ويقىض به عىل الواعد.
و مثال الوعد املعلق عىل رشط ،أن يقول لصاحبه :بع هذا الفرس لفالن فإن مل
عيل ،فإن مل يدفع املشرتي ثمن الفرس للبائع لزم الواعد أداؤه وجيرب ،أما إذا مل
يعطك ثمنه ،فهو َّ
ُيعلق الوعد عىل رشط كأن يقول لصاحـبه :بع فرسك لفالن وأنا أدفع لك الثمن ،فال يلزم
الواعد يشء ،وهذا القول للحنفية ،فقد ورد يف املادة 48من املجلة " املواعيـد باكتساب
آخر بأداء َدينِه بقولهَ :أ ِّد ديني
صــور التعاليق تكون الزمة" ،ويف املادة "1111لو أمر أحدٌ َ
الذي مقداره كذا من مالك؟ فوعده بتأديته ،ثم امتنع من األداء ال جيرب عىل أدائه بمجرد
وعده" .
(
)44
دليل هذا الرأي:
أن الوعد املعلق عىل رشط يكتسب قوة بذلك التعليق ،إذ يصري التزاما وتعهدا،
ويكون حينئذ ملزما لصاحبه .
( )45
الرأي الثاني :الوفاء بالوعد واجب ،ويقىض به عىل الواعد إذا كان الوعد عىل سبب،
حتى لو مل يدخل املوعود يف السبب ،وهو قول أصبغ من املالكية فلو سألك مديان أن تؤخره
إىل أجل كذا وكذا فقلت :أنا أؤخرك .لزمك تأخريه إىل األجل فهي ِعدَ ة َت ْل َز ُمك ،وهو جار
( )46
عىل قـول أصبغ يف القضاء بالعدة إذا كانت عىل سبب وإن مل يدخل بسببه يف يشء .
()47
8
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
دليله :لعل دليل هذا الرأي هو نفس دليل الرأي السابق ،ألنه قريب منه من حيث
عدم وجوب الوفاء بالوعد املجرد ،ووجوب الوفاء به إذا علق عىل رشط عند احلنفية ،يقابله
إذا ارتبط بسبب عند أصبغ .
( )48
الرأي الثالث :الوفاء بالوعد واجب إذا كان الوعد مرتبطا بسبب ،ودخل املوعود
نتيجة للوعد يف يشء ،وهو املشهور الراجح يف مذهب املالكية ،ومثال ذلك أن يقول الرجل
( )49
للرجـل :هـدّ م دارك وأنا أسلفك ،أو أخرج إىل احلج وأنا أسلفك ،أو تـزوج امرأة وأنا
أسلفك ،فإن فعل املوعود شيئا من هذه الترصفات ،فإنه ُيلزم الواعد بتنفيذ وعده ،ويقىض به
عليه .أما إذا مل يفعل املوعود شيئا مما سبق فال يلزم الواعد بيشء.
دليل هذا الرأي :إذا دخل املوعود يف يشء بسبب الواعد ثم مل يف له الواعد بوعده
فإنه يكون قد أرض به ،وليس للمسلم اإلرضار بأخيه لقول النبي صىل اَّلل عليه وسلم( :ال
رضر وال رضار ) ،فيلزمه أن يرفع الرضر عنه ،وذلك بالوفاء بوعده .
(
( )50
)51
.1.1.1مناقشة األدلة:
أوال :مناقشة أدلة الرأي األول:
نوقش استدالهلم باآلية من وجهني:
األول :أن املراد باآلية الذين يقولون ماال يفعلون يف األمور الواجبة عليهم أصال،
فالوعد فيها واجب الوفاء .
( )52
الثاين :قيل يف اآلية أهنا نزلت يف قوم كانوا يقولون "جاهدنا" وما جاهدوا،
و"فعلنا أنواعا من اخلريات" وما فعلوها ،والشك أن هذا حمرم ،ألنه كذب ،وألنه تسميع
بطاعة اَّلل تعاىل ،وكالمها حمرم ومعصية اتفاقا .
(
)53
وأجيب عىل هذه املناقشة:
أ -الوفاء بام جيب الوعد ال يزيده إال تأكيدا ،أما اآلية فليس فيها أن قوهلم كان وعدا بيشء
واجب ،بل اآلية عامة فيذم كل من قال ما ال يفعل.
ب -عدم التسليم بنزول اآلية فيام ذكر ،فقد جاء يف سبب نزوهلا أقوال أخرى ،وعىل فرض
ما ذكرتم فإن العربة بعموم اللفظ ال بخصوص السبب و اخلطاب يف اآلية عام جلميع
أهل اإليامن.
نوقش استدالهلم باحلديث من وجهني:
األول :أن احلديث ليس عىل ظاهره ،بدليل أن من وعد بمحرم فال حيل له الوفاء به،
فليس كل من أخلف فهو عاص ،وعليه فيكون اإلخالف املذموم اإلخالف بأمر واجب ،وهو
املعترب من عالمات النفاق .
(
)54
الثاين :حيمل احلديث عىل من قارن إخالفه عزم عىل عدم الوفاء ،أما من عرض له
عارض ،أو منعه مانع ،أو بدا له رأي ،فهذا ليس فيـه صفة النفاق.
وأجيب عىل ذلك:
9
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
أن احلديث مطلق يف كل وعد ،أما خروج من وعد بمحرم ،فليس ذلك ألن الوعد
ال جيب الوفاء به ،بل ألن املوعود به حمرم ،وليس هناك دليل مس ّلم خيرج ماعدا املنهي عنه من
وجوب الوفاء به.
أما االستدالل بقصة جابر مع أيب بكر ريض اَّلل عنهام ،فليس فيها داللة عىل وجوب
الوفاء بالوعد ،بل أكثر ما تدل عليه ما كان يتحىل به رسول اَّلل صىل اَّلل عليه وسلم من مكارم
األ خالق ،فكان عىل خليفة رسول اَّلل صىل اَّلل عليه وسلم أن يؤدي مواعيده عنه ،ال للزوم
الوفاء بالوعد ،بل إلمتام ما حتىل به صىل اَّلل عليه وسلم ؛ وما يؤكد ذلك قول ابن حجر يف
رشحه للحديث ":إن أبا بكر ملا قام مقام النبي صىل اَّلل عليه وسلم ،تكفل بام كان عليه من
واجب أو تطوع ،فلام التزم ذلك لزمه أن يويف مجيع ما عليه من دين أو عدة ،وكان صىل اَّلل عليه
وسلم حيب الوفاء بالوعد ،فنفذ أبو بكر ذلك .وقد َعدَّ بعض الشافعية من خصائصه صىل اَّلل
عليه وسلم وجوب الوفاء بالوعد أخذا من هذا احلديث ،وال داللة يف سياقه عىل اخلصوصية
وال عىل الوجوب" .
( )55
ثانيا :مناقشة أدلة الجمهور:
نوقشت أدلة اجلمهور مما ييل:
حديث عطاء بن يسار ال يصح االستدالل به من ثالثة أوجه:
أوهلا :أن احلديث ضعيف ال يثبت فال تقوم به حجة قال ابن عبد الرب":هذا
احلديث ال أحفظه هبذا اللفظ عن النبي صىل اَّلل عليه وسلم مسندا" .
( )56
.ثانيها :عدم التسليم بأن اإلخالف ال يسمى كذبا ،وإن سلم بكونه ليس من الكذب
فال يدل عىل أنه مباح ،فقد يكون حمرما وإن مل يكن كذبا.
ثالثها :حتى وإن قلنا أن يف احلديث دليال عىل الرتخيص يف عدم الوفاء بالوعد ،فإنه
اوز يف العالقة الزوجية ماال ُيت ََجاوز
ينبغي أن يقترص عىل وعد الرجل زوجته ،ومعروف أنه ُيت ََج َ
يف غريها ،ومن ذلك ترخيص الشارع يف الكذب للمصلحة الزوجية؛ كام يف حديث أم كلثوم
بنت عقبة -ريض اَّلل عنها( : -أهنا مل تسمع الـنبـي صىل اَّلل عليه وسلم ُي َرخِّ ص يف يشء مما
يقول كذب إال يف ثالث:احلرب ،واإلص الح بني الناس ،وحديث الرجل امرأته ،وحديث املرأة
زوجها) ،ولذلك فال يقاس عىل العالقة الزوجية غريها .
(
)57
( )58
نوقش حديث زيد بن أرقم من وجهني:
األول :أن احلديث ضعيف ،فيه راويان جمهوالن مها أبو النعامن وأبو وقاص ،فال
( )59
يصح االحتجاج به.
الثاين :أنه عىل فرض صحة احلديث ،فإنه حيمل عىل أنه مل يف مضطرا ،حتى ال
يتعارض مع األدلة التي متنع إخالف الوعد ،مجعا بني األدلة .
( )60
نوقش استدالهلم باإلمجاع من وجهني:
األول :أن دعوى اإلمجاع ال تثبت لوجود من خالف ،فمن العلامء من يرى أن املوعود
يضارب مع الغرماء بام ُو ِعدَ به -وإن كانوا قلة -وذلك يكفي لنقض دعوى اإلمجاع .
()61
1
0
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
الـثـاين :كون املوعود ال يضارب مع الغرماء ال يلزم منه عدم وجوب الوفاء بالوعد،
فليس كل واجب يقىض به ،و مسألة الوجوب مستقلة عن مسألة اإللزام به ،فهؤالء نظروا إىل
أثر الوعد عىل املوعود ،واألدلة يف ذم اإلخالف املتعلق بالواعد ،فالدليل يف غري حمل
الدعوى .
( )62
قوهلم أن الوعد تربع و التربع ال يلزم؛ نوقش بأنه استدالل يف غري حمل اخلالف،
فاخلالف يف حكم الوفاء بالوعد ،وليس يف وجوب إمتام التربع ،ولزومه قبل قبضه ،إذ ليس كل
التربعات ناشئة عن وعد ،وكل تربع ناشئ عن غري وعد يمكن الرجوع فيه ،أما التربع الناشئ
عن وعد فهو حمل اخلالف ،والقائلون بوجوب الوفاء بالوعد يرون وجوب إمتام التربع؛ ألن
الوفاء بالوعد ال يتحقق إال به ،فاملوجب لذلك ليس كونه تربعا ،وإنام املوجب له الوفاء
بالوعد .
( )63
ثـالثـا :مناقشة أدلة القائلين أن الوفاء واجب على تفصيل:
نوقش دليلهم بالقول أن ختصيص وجوب الوفاء بحالة معينة واالقتصار عليها بأنه
خمالف لألدلة النقلية الكثرية التي توجب الوفاء بالوعد مطلقا.
ويمكن أن جياب أن هذا الرد إن صح أن َي ِر َد عىل قول احلنفية الذين يوجبون الوفاء
إذا كان الوعد معلقا ،أو قول أصبغ من املالكية الذي يقرص وجوب الوفاء عىل حالة ما لو تم
العقد عىل سبب ولو مل يدخل املوعود يف السبب؛ ألهنام يربطان وجوب الوفاء بالصيغة اللفظية
للوعد ،وهي ال تغري من حقيقة الوعد شيئا ،فال يمكن أن َي ِ
ـر َد عىل القول املشهور للاملكية ألن
قوهلم لي س مبنيا عىل أن يف الوعد قوة ملزمة للواعد ،وإنام بناء عىل أنه أدخل املوعود يف ورطة
بسبب الوعد ،فيكون املتسبب مسئوال.
.8.1.1الترجيح
بعد إمعان النظر يف أدلة األقوال املختلفة يبدو أن الراجح -واَّلل أعلم -هو القول بأن
الوفاء بالوعد واجب ديانة عىل الواعد إ ال لعذر ،فهذا الذي تسنده األدلة الرصحية التي أمرت
بالوفاء بالوعد ،وذمت إخالفه ،وجعلت اإلخالف من عالمات املنافقني ،وال يوجد دليل
صحيح رصيح يرصف هذه األدلة من وجوب الوفاء إىل القول بالندب فقط.
فإذا صدر الوعد من الواعد ،وهو عـازم علـى الوفـاء ،ولكن طـرأ عليـه طارئ
دعاه للخلف ،فال جيب عليه الوفاء ،وتلك هي حكمة الرشع يف أنه ينبغي استثناء الوعد
باملشيئة لقول اَّلل تعاىل﴿ :وال َت ُقولَن لِ َيش ٍء إِين َف ِ
ك غَدا إال أن يشاء اَّلل ﴾
اع ٌل َذلِ َ
َّ ْ ِّ
َ
(
)64
.
أما مسألة إلزام الواعد بوعده قضاء ،فإن الذي يطمئن إليه القلب أهنا مسألة
خمتلفة -كام سيأيت تفصيله -؛ وبالتايل ترجيح قول املالكية املشهور؛ بأن الوعد ال يكون الزما،
ويقىض به إال إذا تم عىل سبب ،ودخل املوعود بسببه يف ورطة ،و حينئذ يكون الواعد متسببا
ومسئوال عن الرضر الذي حلق املوعود ،فلزم أن ُي ْل َزم بوعده ،و ُي َع ِّوض عن الرضر دفعا
أن يف الوعد قوة ملزمة للواعد.
للرضر ،وليس بناء عىل َّ
1
1
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
وهذا الـرأي -واَّلل أعلـم -هو الذي حيقق اجلمع بني األدلة ،و ُي ْع ِم ُل القاعـد َة
الفقهية" :الرضر يزال" ،وهو الرأي الذي انتهى إليه املجمع الفقهي اإلسالمي يف قراره رقم
( )1-1الصادر عن الدورة اخلامسة املنعقدة بالكويت سنة1844:م .
( )65
.1إشكاالت الوفاء واإللزام بالوعد
خلصنا -يف ما سبق -إىل ترجيح القول بوجوب الوفاء بالوعد ديانة وعدم اإللزام به
قضاء إال يف حالة دخول املوعود يف ورطة بسبب الوعد وهو رأي ُي َو ِّف ُق بني األدلة ،ولكنه
يطرح إشكاالت يتحتم دفعها و بيان الرأي فيها ،وسأتناول أمهها:
ملاذا التفريق بني الوجوب ديانة واإللزام قضاء؟ وما هو أسـاس ذلك؟
هل يقترص الـوعـد عىل التربعات أم يشمل املعاوضات؟
ما هو الفرق بني املواعدة امللزمة والعقد؟
وهذه املسائل هي التي سيتوىل هذا املبحث بياهنا.
.1.1بين الوجوب ديانة واإللزام قضاء.
هل هناك فـرق بني ما جيب ديانة وما يلزم قضاء؟ وهل كل ما جيب رشعا يلزم
قضاء؟ و هل يمكن أن يكون الوعد واجبا ديانة دون أن يلزم قضاء؟ وما هو أساس ذلك؟
الشك أن هذه املسألة متفرعة عن املسألة السابقة ،ولذلك يمكن القول :أن نفس
األقوال الواردة يف مسألة حكم الوفاء با لوعد واردة يف مسألة اإللزام بالوعد قضاء؛ أي أن يف
املسألة ثالثة أقوال:
األول :أن الواعد يلزم بالوفاء بوعده و يقىض به عليه مطلقا.
الثاين :ال يلزم الواعد بالوفاء ،وال يقىض به عليه مطلقا ،وهو رأي اجلمهور القائلني
باستحباب الوفاء بالوعد.
الثالث :التفصيل كام يف املسألة السابقـة.
والذي ينبغي مالحظته و الوقوف عنده أن أصحاب الرأي األول ،القائلني بوجوب
الوفاء بالوعد قد اختلفوا يف مسألة اإللزام ،فمنهم من رصح باإللزام ،وهو مروي عن عمر بن
عبد العزيز ،و القايض ابن األشوع ،وابن شربمة وقول للاملكية .
(
)66
ومنهم من رصح بعدم لزوم الوعد قضاء ،كتقي الدين السبكي الذي يقول ":ال
أقول يبقى دينا حتى يقىض من تركته ،وإنام أقول جيب الوفاء حتقيقا للصدق وعدم
اإلخالف" ،وحممد األمني الشنقيطي ،الذي يقول " :والذي يظهر يل أن إخالف الوعد ال
()67
جيوز...ولكن الواعد إذا امتنع عن ا نجاز الوعد ال حيكم عليه به ،وال يلزم به جربا ،بل يؤمر به،
وال جيرب عليه ألن أكثر علامء األمة عىل أنه ال جيرب عىل الوفاء به :ألنه وعد بمعروف حمض" .
( )68
وأما بقية من نسب إليهم القول بوجوب الوفاء ،فبعضهم مل ُي َف ِّصل يف موضوع
جيزَم حتى بنسبة القول بالوجوب إليهم فضال عن القول باإللزام .
اإللزام ،وبعضهم ال ُ ْ
(
)69
1
2
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
و قد استشكل القائلون بلزوم الوعد قضاء من املعارصين أساس التفريق بني ما
( )70
جيب ديانة وما يلزم قضا ء ،ألن األصل هو اإللزام بكل ما أوجبه اَّلل ورسوله ،وأن مهمة
السلطات تنفيذ ما أمر اَّلل به ،ومعاقبة من خرج عليه .
()71
وقد استدلوا لرأُّيم بأدلة أمهها:
أ -أن هذا الرأي ينسجم مع عموم نصوص الكتاب و السنة ،التي تأمر بالوفاء بالعقود و
العهود والوعود مطلقـا ،ومل تف رق بني أن يكون ذلك االلتزام ديانة أو قضاء ،واللفظ
العام يبقى عىل عمومه حتى يرد ما خيصصه ،وال دليل عىل التخصيص .
( )72
ب -أن األحاديث اعتربت اإلخالف بالوعد من صفات املنافقني ،و الرشع يسعى لتطهري
املجتمع من النفاق ،وتوعد املنافقني ،ودعا إىل جهادهم ،و القول بعدم لزوم الوعد
مناقض ملقصد الرشع ،وذريعة إىل انتشار هذه اخلصلة يف املجتمع .
( )73
ت -أن التفريق بني الديانة و القضاء ،إنام يكون فيام له ظاهر وباطن ،كحكم القايض ملن
هو أحلن بحجته ،و إن كان الواقع خالف ذلك ،فيجوز له أن يأخذ ما حكم له به
( )74
القضاء ،وال جيوز له أخذه ديانة ،وكذلك يف املسائل التي ختتلف فيها النية املكنونة
عن الظاهر املشهود ،كام يف بعض مسائل الطالق .
( )75
ث -أن يف القول باإللزام بالوعد مصلحة للمتعاقدين ،من جهة االطمئنان إىل إمتام العقد،
ومصلحة عامة بضبط املعامالت ،واستقرارها ،و تقليل النزاع و اخلالف ،مع عدم
وجود حمظـور رشعـي يف القـول باإللزام.
ج -أن مبادئ الرشيعة اإلسالمية تقوم عىل العدل ،وعىل منع إرضار اإلنسان بنفسه ،فضال
عن إرضاره بأخيه ،وعىل رفع الرضر إن وقع حلديث النبي صىل اَّلل عليه وسلم( :ال
رضر وال رضار) .والقول بعدم اإللزام فيه إرضار بأحد الطرفني غالبا.
فقد يلحق الرضر بالبنك ،بعد أن يشرتي السلعة ،فيَ ْع ِدل اآلمر عن رشائها ،وقد
(
)76
تكون سلعة متخصصة ،فال جيد من يشرتُّيا منه .وقد يلحق الرضر باآلمر ،كام لو كان مقاوال
ملتزما بتوريد أجهزة متخصصة جلهة حكومية مثال ،وبعد أن تواعد مع البنك َعدَ ل البنك،
فيتعرض املقاول للتغريم ،وتنزل درجته ،وتتدهور سمعته .
()77
ومل خيل دليل من هذه األدلة من مناقشة قوية وأجوبة مقنعة ،ترجح -يف تقديري-
رأي القائلني بعدم اإللزام ،وجتعله هو اجلدير باالعتداد و االعتبار.
( )78
فأما كونه ينسجم مع عموم النصوص الدالة عىل وجوب الوفاء ،فإن جوابه أن أقىص
ما يمكن أن تدل عليه تلك األدلة هو حتريم اإلخالف بالوعد ،ووجوب الوفاء ،وهو حكم
يتعلق بالواعد؛ أما اإللزام باحلكم والقضاء به فيتعلق باملوعود ،وهو يرجع إىل مدى استحقاقه
ملا وعد به ،وهذا االستحقاق:
1
3
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
أ -غري ثابت؛ إذ املوعود ما مل يقبض ما وعد به فهو غري مالك له حتى يقىض له به،
فهو يف معنى اهلبة قبل القبض ،فإذا كانت اهلبة ال متلك إال بعد القبض فالوعد هبا من باب
أوىل.
ب -هو خارج عن داللة تلك األدلة العامة ،وحيتاج إىل إقامة دليل عليه وال دليل
عليه .
(
)79
فإن قيل :وكيف جيب عىل الواعد وال يستحقه املوعود؟ وهل ينفك أحد األمرين
عن اآلخر؟
أجيب عليه :أن السخاوي أجاب عىل ذلك بقوله ":نظري ذلك نفقة القريب ،إذ
مضت مدة ،فإنه يأثم بعدم الدفع وال ُيلزم به ،ونحوه قوهلم يف فائدة القول بأن الكفار خماطبون
بفروع الرشيعة :تضعيف العذاب هلم يف اآلخرة ،مع عدم إلزامهم باإلتيان هبا" .
( )80
وأما االستدالل باألحاديث التي اعتربت اإلخالف بالوعد من صفات املنافقني
فيجاب عليه من وجهني:
األول :أن يقال أن غـايـة ما تدل عليه تلك األحاديث هو حرمة اإلخـالف بالوعد
وهو أمر-كام سبق بيانه -ال يستلزم اإللزام وال يقتضيه.
الثاين :أن العلامء قد رصفوا تلك األحاديث عن ظاهرها ،وإن اختلفوا يف تأويل ذلك
ويمكن إمجال أقواهلم يف ما ييل:
أ -أن املقصود بتلك األحاديث أن تلك اخلصال -ومنها اإلخالف بالوعد -خصال
نفاق وصاحبها شبيه باملنافقني ،ومتخلق بأخالقهم ،وهذا فيمن كانت هذه اخلصال غالبة
عليه ،وأما من يندر وجودها فيه فال يدخل يف مراد احلديث .وهو اختيار النووي .
()81
أن الوعد بنية اخللف نفاق ،وهو اختيار اإلمام الغزايل.
ب -أ ّن املقصود ّ
( )82
ج -املقصود بالنفاق نفاق العمل ،أي أهنا من أعامل املنافقني ،وليس أن من فعلها
أصبح منافقا ،وهو اختيار القرطبي ،و رجحه ابن حجر .
( )83
د -أن املقصود يف احلديث مجاعة املنافقني الذين كانوا يف زمن النبي صىل اَّلل عليه
وسلم ،وقد اشتهروا هبذه اخلصال .
( )84
أما قوهلم أن التفريق بني الديانة والقضاء إنام يكون فيام له ظاهر و باطن ،والوعد
ليس كذلك ،فيقال يف جوابه :أنه ليس صحيحا أن الوعد ليس له ظاهر وباطن ،وذلك ألن
اإلخالف بالوعد إما أن يكون:
إخالفا بنية الوفاء لعذر طارئ. أو إخالفا بنية اإلخالف من البداية.فالظاهر يف احلالني واحد ،وهو اإلخالف بالوعد ،ولكن الباطن خمتلف ،وال
سبيل للقضاء ملعرفة الباطن ألنه متعلق بالنية و القصد ،وبناء عىل ذلك يفرق فيه بني الديانة و
القضاء ،فيقال :بوجوب الوفاء به ديانة ،وال يقال :بوجوب اإللزام به قضـاء .
(
)85
1
4
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
القول أن يف اإللزام مصلحة ،مع عدم وجود حمظور رشعي ،ال يس َّلم به ،وذلك ألن:
أ -املحظور الرشعي قائم يف اإللزام باملواعدة ،ألن اإللزام ُي َص ُّ ُريها أقرب ما تكون
للعقد ،فيرتتب عليها بيع البنك ماال يملك ،وهو منهي عنه رشعا؛ فتكون املصلحة يف اإللزام
إن وجدت -مصلحة ملغاة .( )86
ب -ليس يف اإللزام مصلحة الطرفني كام َص َّور ذلك الدكتور سامي محود ،بل
مصلحة طرف واحد فقط هو البنك؛ فالعميل -كام يف حالة املقاول التي َمثَّ َل هبا -ال يستفيد
حقيقة ،ألن القائلني باإللزام يقولون أن البنك ال يصبح ملزما إال بعد أن يشرتي السلعـة،
وهـو ليس ملزما برشاء السلعة ،ولكنه إذا اشرتاها صار ملزما ببيعها للعميل .فلو فرضنا أن
()87
البنك مل يشرت األجهزة املتخصصة التي طلبها املقاول بناء عىل عقد التوريد مع اجلهة احلكومية،
فإن املقاول سيترضر ،بتعرضه للتغريم وتنزل درجته ،و تتدهور سمعته.
ج-إن كانت مصلحة البنوك اآلنية يف القول باإللزام ،فإن مصلحتها عىل األمد
املتوسط والطويل ليست فيه؛ ألن مصدر قوة هذه البنوك ،و العامل األول يف نجاحها هو ثقة
اجلمهور العريض يف معامالُتا ،وأهنا بعيدة عن املخالفات للرشع؛ وهذا القول وما تفرع عنه
من حماذير وإشكاالت وشبهات قد أساء كثريا إىل مكانة وسمعة البنوك اإلسالمية ،وجعلها إىل
التمويل الربوي أقرب منها إىل البيع املرشوع عند كثري من الفقهاء ،فضال عن عوام الناس،
وتلك لعمري هي املفسدة األكرب ليس من املنطلقات الرشعية فقط بل حتى باالعتبارات
التجارية ألبحثه ،وهي مفسدة ال تضاهيها مفسد ُة خسارة مبالغ من األموال مهام بلغت نتيجة
نكول عميل عن صفقة َو َعدَ هبا.
املصلحة املرتتبة عىل عدم اإللزام بالوعد أكرب ،ألن ذلك يتطلب من البنك أن يكون
لديه خمازن ومستودعات حلفظ البضاعة ،ووجود عدد كبري من املوظفني لإلرشاف عىل
عمليات البيع والرشاء ،مما يزيد من تشغيل اليد العاملة ،و تقليل البطالة ،وزيادة االنتعاش
االقتصادي .
(
)88
الق ول أن يف األخذ بعدم اإللزام إرضارا بالبنك إذ ربام اشرتى سلعة متخصصة بمئات
املاليني ثم تركها الواعد ،فال جيد هلا البنك مشرت؛ يمكن اجلواب عليه من أوجه رشعية
وجتارية:
أ -أن عرض هذه الدعوى عىل واقع البنوك اإلسالمية التي مل تأخذ بمبدأ اإللزام عىل
مدى الثالثني سنة املاضية أو قريبا منها خيرب أنه مل يرتتب عىل مبدأ اخليار رضر كبري َع َّرض
أموال املستثمرين للضياع؛ بدليل أهنا استمرت طيلة هذه املدة الزمنية الطويلة بالعمل باخليار؛
فهل يعقل أن تتكرر خسائرها بسبب اخللف بالوعد ومع ذلك تستمر يف األخذ به ،معرضة
أمواهلا للضياع ؟
(
)89
ب -إذ وجدت خسائر يف بعض األحيان ،فإهنا أمر طبيعي من مقتضيات املامرسة
التجارية ،فللبنك أن يربح من عملية البيع إذا َ َحت َّمل خماطرها؛ يقول الدكتور عبد الستار
1
5
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
أبوغدة -رغم كونه من القائلني بجواز اإللزام" :-و احلقيقة أن زوال الشبهة متاما هو القول
حيفُّ بذلك من املخاطر التي ال ختلو عنها طبيعة التجارة ،وأسلوب
بعدم لزوم الوعد رغم ما َ ُ
املرابحة أسلوب جتاري ،وليس أسلوبا مرصفيا للتمويل دون خماطر" .
( )90
ج -أن الرضر الواقع عىل البنك وحصول اخلسارة أحيانا ،وإن كان مفسدة جزئيا،
فإن فيه مصلحة أكرب باملقابل؛ ألنه سيدف ع البنوك إىل التقليل من أسلوب املرابحة ،وبالتايل
معاجلة االختالل التي وقعت فيه بسبب االعتامد الكيل عىل املرابحة لقلة خماطرها ،ومن ت ََّم
االنرصاف إىل صيغ التمويل اإلسالمية األخرى ،و االنطالق يف فضائها الرحب الفسيح بدل
االنحباس يف سجن املرابحة الضيق؛ َف ُرب ضارة نافعة.
د -ال جيب عىل البنك وال يلزمه -حتى عىل القول باإللزام -أن يشرتي كل سلعة أمر
برشائها ،فبإمكانه الدراسة ثم اختاذ القرار عىل ضوء ذلك ،فيشرتي من السلع ما كانت سوقه
رائجة ،ويتفادى السلع التي ال تطلبها السوق إال إذا اطمئن إىل وفاء العميل ووثق يف ذمته.
.1.1الوعد بين التبرعات و المعاوضات.
من بني ما استدل به القائلون بلزوم الوعد قضاء أنه إذا جاز اإللزام بالوعد
باملعروف و القضاء به إذا تم عىل سبب ،ودخل املوعود يف السببَ ،ف َألَن ُي ْلزَم به يف املعاوضات
أوىل وأحرى؛ ألن الوعد باملعروف أصله تربع حمض ،فإذا ترتب عليه التزام مايل بأن دخل
ِ
ِض بالوعد ،فكيف ال ُيلزم بالوعد ويقىض به إذا كانت املعاملة كلها قائمة
املوعود يف ورطة ُق َ
عىل أساس اإللزام و الكلفة املالية ،كام يف املواعدة باملعاوضة؟ .
()91
وقد جاء هذا االستدالل عىل اإللزام ردا عىل اعرتاض القائلني بعدم القضـاء
بالوعد وذلك انطالقا من معنى الوعد عند الفقهاء واستعامهلم له.
فالسؤال املطلوب اجلواب عنه هو :هل يقترص الوعد عىل عقود التربعات ،أم
يشمل عقود املعاوضات كذلك؟ أو بعبارة أخرى :هل الوعد الذي اختلف العلامء يف حكمه
يشمل كل ما ينطبق عليه معـنى الوعد لغ ة من أمور املعروف ،وأمور املعاوضات ،أم خيتص
فقط بأمور املعروف واإلحسان؟
إن من تتبع كالم الفقهاء يف استعامهلم للفظ الوعد -خصوصا املالكية -جيد
(
)92
أهنم قرصوا استعامله عىل عقود التربعات ،كالقرض و اهلبة وما شاهبها؛ ومما يشهد لذلك قول
احلطاب يف كتابه حترير الكالم يف مسائل االلتزام " :مدلول االلتزام لغة :إلزام الشخص نفسه
ما مل يكن الزما له ،وهو هبذا املعنى شامل للبيع واإلجارة و النكاح وسائر العقود .وأما يف
عرف الفقهاء :فهو إلزام الشخص نفسه شيئا من املعروف مطلقا أو معلقا عىل يشء ،فهو
بمعنى العطية ،وقد يطلق يف العرف عىل ما هو أخص من ذلك ،وهو :إلزام املعروف بلفظ
االلتزام وهو الغالب يف عرف الناس اليوم" .
( )93
وقد أكد ناظم هذا الكتاب ذلك املعنى حني قال:
االلتزام حـَدُّ ُه أن تلــزما
نفسك معروفا لدى من علام
( )94
1
6
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
و اإلمام ابن عرفة يف تعريفه للوعد يقول :هو إخبار عن إنشاء املخرب معروفا يف
املستقبل ،وهذا املعنى هو ما عناه الناظم يف قوله:
وإن أردت ضابطا للـوعد
إخبـار خمرب عن اإلنـشاء
وال خالف جاء يف استحباب
فاسمع ملا أذكر يف ذا احلـد
عـرف فيام يأيت و احلبـاء
وفائها عند ذوي األلبـاب
( )95
وقد أوردنا سابقا تعريف الفقيه احلنفي العيني للوعد بأنه إخبار بإيصال اخلري.
فألفاظ :املعروف ،و العرف ،و اخلري يف هذه التعريفات تبني أن جمال الوعد عند
الفقهاء هو عقود التربعات ،ولذلك فإن عقود املعاوضات كالبيع و اإلجارة و النكاح ال يلزم
فيها الوعد؛ ألن طريق هذه الترصفات هو العقد اجلازم ،و ليس الوعد املرتدد.
.1.1بين المواعدة و العقد
فضال عىل أن الوعد إنام يكون يف التربعات ،وهو ال يلزم قضاء ،فإن ما حيصل يف
املرابحة لآلمر بالرشاء هو وعد من طرفني ،وهذا جيعله مواعدة وليس جمرد عدة .فإذا أضيف
إىل املواعدة وصف اإللزام صارت أقرب إىل العقد منها للوعد ،وهذا هو أكرب إشكاالت هذه
املعاملة بصيغتها املعارصة املطبقة يف أكثر البنوك اإلسالمية .
( )96
لقد حاول القائلون باإللزام الدفاع عن رأُّيم ،بالقول أن املواعدة التي حتصل بني
البنك و العميل ابتداء تظل جمرد وعد خيتلف عن العقد ،وما يؤكد هذا أن العقد ال يتم بني
(
)97
الطرفني إال بعد أن يتملك البنك السلعة ،وهلذا نجد عند أهم البنوك اإلسالمية استامرتني؛
تسمى األوىل :رغبة أو وعد بالرشاء من العميل و بالبيع من البنك ،و الثانية :عقد بيع بعد
رشاء السلعة ومتلكها .وللوصول إىل رأي ُيطْ َمأَ ُّن إليه يف هذه املسألة الشائكة البد من موازنة
( )98
بني عقد البيع و املواعدة امللز مة ،وهل مها التزامان متغايران؟ أم أن حقيقتهام واحدة و إن
اختلفت األسامء؟
َّ
ركَز القائلون بأهنام التزامان متغايران عىل إظهار الفوارق بينهام ومن أمهها:
جيوز للمتواعدين(البنك والعميل) االتفاق عل تعديل البنود الواردة يف الوعد :سواء بالنسبةلألجل أو الثمن أو الربح ،ألن الوعد هو جمرد إطار ينظم التعامل املستقبيل بني الطرفني ،وليس
عقدا إذ ال يرتتب عليه بيع وال رشاء .
(
)99
أن عقد البيع يرتتب عليه انتقال ملكية املبيع ويرتتب عليه الثمن بمجرد العقد ،أما اإللزامبالوعد فال يرتتب عليه إال احلصول عىل تعويض الرضر إن وقع .
( )100
أن يف الوعد تعليقا ،وعقد البيع ال يقبل التعليق. أن تبعة اهلالك بعد الوعد ،وقبل إجراء العقد تقع عىل البنك ،وال تبعة عىل الواعد إال بعدإمتام عقد البيع.
1
7
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
جييب الفريق اآلخر بأن معظم هذه الفروق ليست جوهرية؛ فهي ال متس جوهر
العقد ،وإنمـا تتعلق باآلثار والرشوط ،إذ لو ثبت أن املواعدة امللزمة عقد بيع لكانت تلك
الفروق زيادة يف حتريم املواعدة امللزمة ،فاجلهالة يف الثمن تؤدي إىل الغرر الذي يغتفر منه يف
التربعات وال يغتفر منه يف املعاوضات و البيع منها ،فيفرتض أن يكون الثمن معلوما يف جملس
املواعدة ألهنا ملزمة فصارت كاملعاقدة .و التعليق كذلك ليس مهام إلثبات املغايرة ألن من
الفقهاء من أجاز التعليق يف البيع .
()101
وأما كون عقد البيع يرتتب عليه انتقال امللك و الثمن بمجرد العقـد ،فإن الـرشع قد
أعطى املتبايعني اخليار ما داما يف جملس العقد ،وليس للمتواعدين ذلك ،وكأن قوة اإللزام يف
الوعد أقوى من قوة إلزام العقد؛ كام أن مسألة انتقال امللك هي مسألة وقت فقط إذ سيتم العقد
حتت ضغط اإللـزام ،و املساءلة القضائية باإلكراه و اجلرب بعيدا عن الرضا الواجب يف العقود.
وحتى مع التسليم بعدم اعتبار املواعدة عقدا -لعدم ترتب امللك عليها -فذلك ال
يمنع من اعتبارها يف حكم العقد ،ألهنا صائرة إليه.
وأما القول أن تبعة اهلالك تقع عىل البنك ،وكذلك يتحمل البنك تبعة رد السلعة
بالعيب مما يثبت الضامن الذي هو سبب استحقاق الربح؛ فهذا القول ال يستقيم ألن مفهوم
الض امن أشمل فهو يتضمن ضامن التلف و اهلالك ،وكذلك ضامن كساد السلعة ،وتذبذب
األسعار .ويف الواقع فإن خماطر اهلالك و التلف يف التجارة هي خماطر ثانوية؛ أما املخاطر
األساسية يف املامرسة التجارية فهي خماطر الكساد و تذبذب األسعار ،و البنك مل يلجأ إىل اإللزام
بالـوعـد إال لتفادي تلك املخاطر
(
)102
وحتى املخاطر االستثنائية ،كالتلف الذي قد يظهر يف
حي ِّمل العميل مبلغ التأمني بإضافته إىل
السلعة ،ال يتحملها البنك عمليا ،ولكنه ُي َؤ ِّمن عليها و ُ َ
تكلفة السلعة ،كام ت َُض ِّمن أكثر البنوك عقودها رشط الرباءة من العيب.
(
)103
إن الضامن يقتِض من البنك أن يكون تاجرا يشرتي السلع و حيوزها ،و يتحمل
خماطر تلفها وكسادها و تذبذب أسعارها ،ثم له أن يبيعها بعد ذلك للعميل؛ ألن البنك تاجر و
التجارة ال ختلو من املخاطر ،أما أن يسعى البنك ليجمع بني النقيضني ،العمل التجـاري
ظاهريا و التمو يل اخلايل من املخاطر عمليا ،فــذاك ما ال يستقيم مع املقتضيات الرشعية.
ومما يـؤكـد أن املواعـدة امللزمة أقرب إىل حقيقة العقد وجيعل رأي القائلني بأن
حقيقتهام واحدة راجحا -إضافة إىل ما سبق -أمور أخرى مهمة أمهها:
أ -القاعدة أن العربة يف العقود للمقاصد و املعاين ال لأللفاظ و املباين :
(
)104
ومعنى هذه القاعدة أنه عند حصول العقد ال ينظر لأللفاظ التي يستعملها العاقدان
حني العقد ،وإنام ينظر إىل مقاصدمها احلقيقية من الكالم الذي يلفظ به حني العقد ،ألن
املقصود احلقيقي هو املعنى ،وليس اللفظ وال الصيغـة املستعملة ،وما األلفاظ إال قوالـب
للمعـاين ،دون أن يعني ذلك إلغاء األلفاظ إذا أمكن اجلمع و التأليف بني األلفاظ و املعاين
املقصودة .
( )105
1
8
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
وهذا يعني أن االتفاق بني البنك و العميل عىل كون املواعدة ملزمة للطرفني بجعل
الوعد عقدا ،فينبغي إجر اء أحكام العقود عليه ،إذ اإللزام من أبرز خصائص العقد ،وحتى إن
وجد عقد بعد ذلك فهو صوري .
( )106
ب -أن فقهاء املذاهب عىل اعتبار املواعدة امللزمة عقدا:
وسنركز يف هذا املقام عىل املذهبني الشافعي و املالكي ،ألن األول ( الشافعي) كان
نصه يف كتاب األم هو مستند القول بامل رابحة لآلمر بالرشاء بصورُتا املعروفة ،وأما الثاين
(املالكي) فألن القائلني باإللزام كان مستندهم املذهب املالكي .
()107
َ
ُ
الرجل السلع َة
الرجل
وبالرجوع إىل املذهبني نجد اإلمام الشافعي يقول ":وإذا أرى
فقال :اشرت هذه وأربحك فيها كذا ،فاشرتاها الرجل ،فالرشاء جائز و الذي قال:أربحك
فيهــا باخليـار ،إن شاء أحدث فيها بيعا ،وإن شاء تركه ،وهكذا إن قال :اشرت يل متاعا،
ووصفـه له ،أو متاعا أي متاع شئت ،وأنا أربحك فيه ،فكل هذا سواء ،جيوز البيع األول،
ويكون هذا فيام أعطى من نفسه باخليار ،وسواء هذا ما وصفت إن كان قال :ابتاعه واشرتيه
منك بنقد ،أو بدين ،جيوز البيع األول ويكونان باخليار يف البيع األخر ،فإن جدّ داه جاز ،وإن
تبايعا عىل أن ألزما أنفسهام األمر األول فهو منسوخ من قبل شيئني :أحدمها أهنام تبايعا قبل أن
يملكه البائع ،و الثاين أنه عىل خماطرة إنك إن اشرتيته عىل كذا أربحك فيه كذا" .
(
)108
فاإلمام الشافعي يعترب املواعدة امللزمة بيعا كام هو واضح يف عبارته ،ولذلك علل املنع
ببيع ما مل يملك.
وال يقال بأن مراد الشافعي بقوله ":وإن تبايعاه عىل أن ألزما أنفسهام األمر األول"
هو أهنام يقعان يف شبهة بيع ما ليس عند البائع لو اقترصا عىل املواعدة التي كانت بينهام ،ومل
يعقدا عقدا الحقا ،أما لو أجريا عقد بيع الحق بعد رشاء املأمور السلعة ،فال يكون هناك
حمذور بيع ما ليس عند البائع ،أي أن املراد ب"ألزاما أنفسهام األمر األول" ،هو االقتصار عىل
تلك الصيغة السابقة يف إجراء العقد؛ ال يقال هذا ألن ال صيغة بحاهلا ال تصلح للتعاقد ،حتى
يرتتب عليها ذلك املحذور ،ألن ألفاظها مضارعة متمحضة لالستقبال ،فتفيد الوعد ال العقد
امللزم ،فالبد من فهم أن املراد بـ " ألزما أنفسهام األمر األول ،أهنام اتفقا عىل التزام بينهام برشاء
املأمور ،ورشاء اآلمر منه الحقا" .
(
)109
وأما املالكية فقد روى اإلمام مالك يف املوطأ ،أنه بلغه أن رجال قال لرجل ":ابتع يل
هذا البعري بنقد حتى ابتاعه منك إىل أجل َف ُسئِ َل عن ذلك عبد اَّلل بن عمر فكرهه وهنى عنه
( ، )110
وقد ذكر اإلمام هذا البالغ يف باب" بيعتــان يف بيعة" فكأنه يرى أنه من قبيل البيعتني يف بيعة.
وقد فرس اإلمام الباجي ذلك بقوله ":وال يمتنع أن يوصف بذلك من جهة أنه انعقد
بينهام أن املبتاع للبعري بالنقد ،إنام يرشيه عىل أنه قد لزم مبتاعه بأجل بأكثر من الثمن ،فصار قد
انعقد بينهام عقد بيع ،تضمن بيعتني إحدامها األوىل ،وهي بالنقد ،والثانية املؤجلة ،وفيها مع
ذلك بيع ما ليس عنده؛ ألن املبتاع بالنقد قد باع من املبتاع باألجل البعيد قبل أن يملكه" .
()111
1
9
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
واضح من هذا التفسري أن االتفاق بني الطرفني كان له قوة العقد ،ومن هنا كان
اعتباره هو البيعة التي تضمنت بيعتني ،وقـد استعمل للتعبري عن ذلك لفظ العقد واالنعقاد
حني قال " :قد انعقد بينهام عقد بيع تضمن بيعتني".
ومن قواعد املالكية :قاعدة منع املواعدة بالعقد الذي ال يمكن إيقاعه رشعا يف احلال،
كام ورد يف النظم:
واملنع للوعد بام ال يمكن
إيقاعه يف احلال أصل بني
فهذا املنع أصل ظاهر من أصول املالكية ،ومن فروع هذا األصل عندهم :منع
املواعدة بالنكاح يف العدة ،ومنع املواعدة يف الرصف ،ومنع املواعدة يف بيع الطعام قبل
قبضه .
( )112
الشب ِ
ـه التي طرحت دليال عىل أن مذهب املالكية هو اإللزام بالوعد يف عقـود
ومن ُ َ
املعاوضات ،القول ب أن املالكية جوزوا املواعدة امللزمة عىل الرصف مع ما يرتتب عليها من
التأخري يف عويض الرصف .وقد حقق الدكتور الصادق الغـرياين هذه املسألة وانتهى فيها إىل أن
اختالف املالكية -يف مسألة املواعدة عىل الرصف -هو اختالف تنوع ينتهي إىل قول واحد .فإذا
قال شخص آلخر آتيك غدا ألرصف عندك كذا وكذا و يتفقان عىل ثمن الرصف ،وجيعالن
ذلك عقدا يلتزمان به وال يستأنفان عقدا جديدا غدا.
فالقول املشهور أن هذه املواعدة حرام ،قال ابن رشد :هو ظاهر املدونة وذلك للتأخري
احلاصل يف قبض عويض الرصف .وشهر املازري الكراهة ،ونسبه اللخمي البن القاسم
ومالك ،وقال ابن نافع باجلواز.
فعىل القول بالتحريم يفسخ الرصف إذا وقع ويـ َُر ُّد ،وعىل القول بالكراهة يمِض بعد
الوقوع وال يرد.
وقد وجه ابن رشد
(
)113
هذا اخلالف توجيها مفاده أن القول بالكراهة و القول باجلواز
مبنيان عىل حالة ما إذا مل يكن يف الوعد بالرصف عقد وال إلزام ،و القول باملنع مبني عىل ما إذا
جعل العاقدان الوعد الزما هلام ،بأن جعاله عقدا ال ينشئان معه عند وقوع الرصف عقدا آخر،
أو جعاله ملزما يف قو ة العقد بأن تساوما و تراوضا وقت املواعدة ولو مل جيعاله عقدا يف ذاته
ألهنم جعلوا املواعدة عىل الرصف مع املراوضة عىل السوم يف قوة العقد قبل التقابض يف عويض
الرصف .ويؤكد هذا أن اخلريش وهو يتناول مسألة املواعدة يف الرصف ذكر جواز التعريض
( )114
يف املسألة ثم عقب عىل ذلك بقوله" وانظر ما معنى التعريض ألنه ان جعله عقدا فسد الرصف
وان مل جيعله عقدا بل انشأ عقده بعد ذلك جاز وحينئذ ال فرق بينه وبني املواعدة يف اجلواز" .
( )115
ت -موقف علامء القانون من الوعد :اجته علامء القانون إىل أن مجيع العقود جيوز أن تكون
موضوعا للوعد ،فيجوز الوعد بالبيع واإلجيار و القرض وغريها ،وأن الوعد عقد
ينعقد بإجياب وقبول من الواعد واملوعود له ،و يسمى" عقد الوعد" ،فأعطوا بذلك
للوعد يف البيع و الرشاء حكم العقد املـوعـود به من ترتيب حق شخيص للموعود له
2
0
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
عىل الواعد ،وإن اعتربوه عقدا متهيديا ال عقدا هنائيا ،وأنه خطوة نحو التعاقد
النهائي ،فالعقد التمهيدي أو االتفاق االبتدائي ت ََّم ليستكمل املتواعدان مستلزمات
العقد النهائي؛كاستشارة آخرين أو ُتيئة ثمن؛ يف حني أن العقد النهائي يعترب عقدا
ناقال للملكية ال يتوقف عىل يشء " .وبيان هذا أن الواعد بالتعاقد بالبيع مثال،
( )116
يلتزم أن يبيع اليشء املوعود بيعه ،إذا أبدى الطرف اآلخر رغبته يف الرشاء ،وهذا أكثر
من إجياب ،ألنه إجياب اقرتن به القبول ،فهو عقد كامل؛ ولكن ٌّ
كل من اإلجياب و
القبول مل ينصب إال عىل جمرد الوعد بالبيع" .
()117
و القانون املدين اجلزائري نظم مسألة الوعد بالتعاقد ب وجه عام ،ومل يعرض للوعــد
بالبيع ،وذلك يف املادتني .11 ، 11:فقد نصت األوىل عىل أن " االتفاق الذي يعد له كال
املتعاقدين أو أحدمها بإبرام عقد معني يف املستقبل ال يكون له أثر إال إذا عينت مجيع املسائل
اجلوهرية للعقد املراد إبرامه ،واملدة التي جيب إبرامه فيها.
إذا اشرتط القانون لتامم العقد استيفاء شكل معني ،فهذا الشكل يطبق أيضا عىل
االتفاق املتضمن الوعد بالتعاقد".
وجاء يف املادة " :11إذا وعد شخص بإبرام عقد ثم نكل وقاضاه املتعاقد اآلخر طالبا
تنفيذ الوعد ،وكانت الرشوط الالزمة لتامم العقد وخاصة ما يتعلق منها بالشكل متوافرة ،قام
احلكم مقام العقد".
و يستخلص من املادة 11أنه جيب أن يتوافر يف الوعد ثالثة أركان هي:
أوال :حصول ا التفاق عىل طبيعة الوعد .
ثانيا :تعيني مجيع املسائل اجلوهرية لعقد البيع وهي املبيع و الثمن.
ثالثا :تعيني املدة التي جيب فيها إبرام البيع .
(
)118
والقانون األردين أخذ بالقول بإلزامية الوعد يف ما ّدته ، 81والتي تقول ":صيغة
االستقبال التي تكون بمعنى الوعد المج ّرد ،ينعقد بها العقد وعدا ملزما ،إذا انرصف إليه
تنص عىل أنه :
نص أيضا عىل إلزامية الوعد بالبيع يف ما ّدته 101والتي ّ
قصد العاقدين"؛ بل ّ
شخص بإبرام عقد ثم نكل ،وقاضاه اآلخر طالبا تنفيذ الوعد ،وكانت الرشوط
"إذا وعد
ٌ
وبخاصة ما يتعلق منها بالشكل ،متوافرة ،قام احلكم ،متى حاز قوة القضية
الالزمة للعقد،
ّ
املقضية ،مقام العقد"؛ وهذه املا ّدة تفيد إلزامية الوعد بالبيع ،والوعد بالبيع هو أن يتفق
شخصان عىل إبرام عقد البيع يف املستقبل ،فإذا أبدى الطرف اآلخر قبوال ،فإن الوعد يلزمه،
وحيكم القضاء بلزوم الوعد ،إذا قاضاه .
واملا ّدة 118من القانون املدين األردين نصت أن ":الوعدُ يلزم صاحبه ما مل يمت أو
يفلس"
وهو تأكيد من القانون األردين عىل القول بإلزامية الوعد .
( )119
2
1
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
و قد يقول قائل إن املسألة رشعية ،فام دخل القانون يف الرتجيح؟ فيكون اجلواب أن
القانون يف هناية املطاف هو الفيصل بني البنك والعميل ،و املحاكم هي ميدان فض النزاعات
التي قد حتدث بينهام ،ذلك ما تنص عليه وثائق البنوك اإلسالمية.
فالقول بأن الوعد ليس عقدا ال يغني شيئا ،ألنه إذا أحيل النزاع إىل القضاء فالقايض
حيكم بمقتىض القانون الذي ينص عىل أن الوعد عقد.
ب قائل يقول :إن النظام األسايس للبنك اإلسالمي ،وكذلك العقد املربم بني
و ُر َّ
العميل و البنك ينصان عىل تطبيق أحكام الرشيعة اإلسالمية ،وهذا يضمن رجوع القايض إىل
أحكام الرشيعة اإلسالمية ،وليس إىل أحكام القانون الوضعي ،و العقد رشيعة املتعاقدين كام
هو مقرر قانونا .و يكون اجلواب أن يف القانـون نصـوص آمـرة
( )120
عىل خالفها ،وحتى بالنسبة للنصوص املفرسة و املكملة
()121
ال يعتـد باتفاق الطرفني
التي يمكن للطرفني استبعادها فإن
اإلحالة إىل الرشيعة اإلسالمية ،واعتبارها واجبة التطبيق ال حيل املشكلة عمليا .فا ألراء يف
املسائل اجلزئية يف الرشيعة كثرية ومتعددة حتى يف املذهب الفقهي الواحد ،ويف مسألتنا(
(
)122
الوعد والعقد) أراء فقهية كام سبق َتن ُُّص عىل اإللزام بالوعد ديانة وقضـاء .و األكيد أن
القايض وهو يرجع إىل الرشيعة سيأخذ من الرشيعة أقرب األقوال إىل رأي القانون ،وهو يف
حالتنا القول باإللزام ديانة وقضاء.
.1بدائل وحلول المواعدة الملزمة في المرابحة
ال تكاد صيغة املرابحة لآلمر بالرشاء إذا خلت من القول باإللزام تثري إشكاال جوهريا
حول مرشوعيتها بني الفقهاء املعارصين ،نورد دليال عىل ذلك أراء لثالثة من املعارصين ممن
(
)123
عارضوا معارضة شديدة بيع املرابحة لآلمر بالرشاء بصورته امللزمة املطبقة يف معظم البنوك
اإلسالمية.
األول :هو الشيخ حممد سليامن األشقر ،وهو أشهر الفقهاء معارضة لإللزام يف
املرابحة ،وقد ضمن آراءه البحث الذي ألقاه يف مؤمتر املرصف اإلسالمي الثاين املنعقد يف
الكويت يف مجادي اآلخرة 1801ه1841 -م ،وقد طبع يف كتاب بعنوان :بيع املرابحة كام جتريه
البنوك اإلسالميـة ،و أورد فيه بخصوص املرابحة غري امللزمة ":الذي يظهر يل -واَّلل أعلم-
أن التواعد عىل بيع املرابحة ،وذكر السعر الذي سيشرتي به الواعد يف املرابحة ال جيعلها إذا
أمتمت بعد ذلك حراما ...ألن البنك يشرتي لنفسه ،وهو يعلم أن العميل ربام مل يرجع إليه،
وربام رجع فاشرتى أومل يشرت ،فله مطلق احلرية يف ذلك ،وألن البنك يستطيع أن يبيع لغري
العميل ،فلكل منهام أن يع ِ
ـدل عن وعده إن وجد فرصة أنسب ،وألن السلعة إن هلكت ُتلك
َ ْ
عىل ملك البنك ،وهــذه الدرجة من املخاطرة وهي أن كون البنك يشرتي البضاعة ،وهو عىل
2
2
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
غري يقني من رشاء العميل هلا بربح ،هذه الدرجة هي التي تبيح هذه املعاملة ،وخترجها من َحيِّ ِز
التحريم إىل حيز ِ
احل ِّل ،و تفصل بني كون هذه املعاملة بيعا وجتارة ،وبني كوهنا قرضا
ّ
بفائدة" .
( )124
الثانـي :هو الدكتور رفيق يونس املرصي الباحث االقتصادي املعروف الذي تناول
صيغة املرابحة لآلمر بالرشاء يف العديد من كتبه ،كام تناوهلا يف بحث مستقل بعنوان ":بيع
املرابحة لآلمر بالرشاء يف املصارف اإلسالمية " ،وقد وجه انتقادات الذعة للقائلني باملرابحة
امللزمة وخصوصا يف كتابه " :بحوث يف املصارف اإلسالمية" الذي نأخذ منه هذه العبارة التي
تدل عىل مرشوعية املرابحة لآلمر بالرشاء إذا خلت من عنرص اإللزام ،يقول ":فارق ما بني
احلالل و احلرام يف هذه املعاملة -يقصد املرابحة لآلمر بالرشاء -هو عنرص اإللزام" .
( )125
الثالث :هو للشيخ الدكتور الصديق حممد األمني الرضير الذي يقول ":ال أعلم
خالفا معتربا بني الفقهاء املعارصين يف جواز بيع املرابحة لآلمر بالرشاء إذا جعل للطرفني أو
ألحدمها اخليار ،وإنام اخلالف بينهم فيام إذا وقع هذا البيع عىل اإللزام من أول األمر" .
(
)126
وسعيا لتخليص هذه املعاملة من معضلة الوعد امللزم ،وما يرتتب عليها من
إشكاالت رشعية متعددة ،حاول كثري من الباحثني طرح بدائل هلذه الصيغة املثرية للجدل ،وقد
سعيت جاهدا يف هذا املبحث استقصاء هذه البدائل املطروحة ،وعرضها بالصورة التي طرحها
هبا أصحاهبا .
(
)127
.1.1الوعد بديال للمواعدة.
فرق بني مفهوم الوعد الذي يكون من طرف واحد ،و بني املواعدة التي هي وعد من
طرفني كل منهام وعد اآلخر .والذي يتم بني العميل و البنك يف صيغة املرابحة لآلمر بالرشاء
هي مواعـدة ،فإذا صارت ملزمة صارت عقدا أو أشبهته -عىل األقل -فأخذت حكمه ،وتولد
عن ذلك إشكاالت متعـددة كبيع البنك ما ال يملك ،وربحه مامل يضمن ،وكون ما قام به
سلف بزيادة ،أو بيعتني يف بيعة .وهروبا من ذلك اقرتح بعض العلامء أن يكون اإللزام ألحد
الطرفني دون اآلخر ،وهذا ما قـرره جممع الفقه اإلسالمي يف قراره رقم ( )1،1بشأن الوفاء
بالوعد و املرابحة لآلمر بالرشاء ،وقد جاء يف هذا القرار ما ييل:
"الوعد ( وهو الذي يصدر من اآلمر أو املأمور عىل وجه االنفراد) يكون ملزما
للواعد ديانة إال لعذر وهو ملزم قضاء إذا كان معلقا عىل سبب ودخل املوعود يف كلفة نتيجة
الوعد ،ويتحدد أثر االلتزام يف هذه احلالة إ ما بتنفيذ الوعد ،وإما بالتعويض عن الرضر الواقع
فعال بسبب عدم الوفاء بالوعد بال عذر.
املواعدة( وهي التي تصدر من الطرفني) جتوز يف بيع املرابحة برشط اخليار
للمتواعدين كليهام أو أحدمها ،فإذا مل يكن هناك خيار فإهنا ال جتوز ،ألن املواعدة امللزمة يف
املرابحة تشبه البيع نفسه حيث يشرتط حينئذ أن يكون البائع مالكا للمبيع حتى ال يكون هناك
خمالفة لنهي النبي صىل اَّلل عليه وسلم عن بيع اإلنسان ما ليس عنده" .
( )128
2
3
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
حي ُّل اإلشكال
وقد أخذت أكثر البنوك اإلسالمية بالقول بإلزام العميل ،وهو أمر ال َ ُ
ألن إلزام البنك بالبيع هو حتصيل حاصل ،ال حيتاج إىل أن يشرتط عليه ،ألنه راغب يف الصفقة،
وهو مل يشرت إال من أجل أن يبيع ،وال يريد أن يورط نفسه يف رشاء السلعة قبل وجود مشرت هلا،
إضافة إىل شبهة إكراه اآلمر عىل الرشاء ،وإعدام خيار املجلس-عند القائلني به.-
واجتهت بعض البنوك إىل القول بإلزام البنك دون العميل ،وهو رأي له يشء من
(
)129
الوجاهة؛ ألن إعطاء اخليار للعميل بعد وجود السلعة يعطي للتعاقد اجلديد حقيقة العقد بعد
متلك السلعة
( )130
فال يكون جمرد تنفيذ ملقتىض اتفاق الزم سبق.
ومع ذلك فإن األوىل واألفضل هو إعطاء اخليار للطرفني ألنه كام َت ْع ِر ُض للعميل
أسباب قد تدفعه إىل عدم إمضاء وعده ،فكذلك البنك قد تعرض له مثل تلك األسباب كتغري
سعر ال سلعة بني تاريخ الوعد و تاريخ العقد أو زيادة املصاريف الواقعة عن املتوقعة مثل
مصاريف الشحن والتأمني و اجلامرك وأسعار رصف العمالت ،فيكون قد وقع العقد منه حتت
طائلة اإلكراه وانعدام الرضا .
(
)131
.1.1المرابحة من خالل المشاركة.
وقد عرض هذه الصيغة الدكتور سامي إبراهيم سويلم يف بحث له بعنوان:
" الوساطة املالية يف االقتصاد اإلسالمي" ،ويمكن توضيح هذه الصيغة من خالل مثال
(
)132
رضبه الدكتور سويلم يف بحثه املذكور :إذا افرتضنا أن هناك وكيال للسيارات يسعى إىل زيادة
مبيعاته ،ويعتقد أن الب يع بالتقسيط حيقق ذلك الغرض ،ولكنه ال يملك السيولة الكافية وال
اآلليات الرضورية ملتابعة املدينني وحتصيل األقساط مع أن له خربة بالسوق واألسعار و
البضائـع ،وهنـاك بنك يرغب يف استثامر فائض السيولة لديه يف مرشوع ال يستلزم خربة
متخصصة ،ومنخفض املخاطر ،فيدخل الطرفان يف رشاكة عىل النحو التايل:
يساهم وكيل السيارات بالثلث و املرصف بالثلثني من مبلغ يودع يف حساب مشرتك
لدى البنك ليمول السيارات التي يتم بيعها بالتقسيط .عىل أن يتوىل البنك مراقبة رصيد العميل
وحتصيل األقساط ،يف حني يتوىل الوكيل إجراءات البيع ،ونقل امللكية ،و التأكد من جودة
السيارة ،عىل أن توزع األرباح بينهام بحسب ما يتفقان عليـــه.
وهذه الصيغة هلا مزاياها االقتصادية ،وقد أشار الدكتور يف بحثه إىل بعضها وهي:
أ -ختلص البنك من إجراءات الرشاء و القبض و احليازة ،وتكاليفها و املخاطر املتصلة
هبا ،ويستفيد من خربة الوكيل يف كل ذلك فتقل املخاطر.
ب -زيادة املبيعات ،و تفرغ البنك ملا حيسنه من متابعة للديون ،وحتصيل لألقساط.
ت -صار البنك رشيكا للتجار فحقق الوساطة املالية دون أن ينافس التجار.
و إضافة إىل ما ذكر جتدر اإلشارة إىل ميزات أخرى من أمهها:
ث -تفادي كثريا من اإلشكاالت الرشعية املتعلقة بالوعد ،و القبض ،واحليازة والتوكيل
وغريها ،وما يرتتب عىل أكثرها من حماذير رشعية.
2
4
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
ج -إدخال عنرص املشاركة يف عمليات البنوك اإلسالمية ،كمرحلة انتقالية العتامد
املشاركة وجعلها أساسا يف عمل البنوك اإلسالمية.
إن صيغة املرابحة من خالل املشاركة ال تصلح أن تعمم يف كل عملية جزئية
للمرابحة جيرُّيا البنك اإلسالمي ،ولكنها يمكن أن تكون بديال ع مليا للمرابحة يف سلع يكثر
اإلقبال عىل رشائها مرابحة من البنوك اإلسالمية كالسيارات عىل سبيل املثال.
.1.1البيع المعلق بديال عن المواعدة الملزمة.
وهي صيغة اقرتحها الباحث الدكتور العيايش فداد يف مقال بعنوان" :الرشوط يف
العقد و تطبيقها يف املسائل املستجدة" ،وتقوم عىل جعل بيع املرابحة لآلمر بالرشاء بني
( )133
العميل و البنك بيعا معلقا عىل رشط؛ بأن يصدر إجياب من العميل الراغب يف رشاء السلعة
معلق عىل رشاء البنك للسلعة املبينة بالوصف ودخوهلا يف ملكه ،كأن يقول العميل" :إن
اشرتيتم السيارة بامئة فقد اشرتيتها منكم بامئة وعرشين" ،فإذا وافق البنك انعقد العقد من
حلظة التعاقد ،أما انتقال امللك فيرتتب بمجرد اقتناء البنك للسلعة.
لحِق الوعد
وقد برر اقرتاحه هذا باإلشكاالت التي أثارها الوعد امللزم؛ وأنه حينام ُأ ْ
امللزم باملرابحة ،مل يتم التوصل إىل الفتوى فيه إال عن طريق التلفيق بني املذاهب؛ بينام التعليق
يف البيع بحث أصيل ،تناوله الفقهاء تفصيال ،وإن اختلفـوا فيه ،فإذا أخذنا برأي القائلني
(
)134
بجوازه -إن كان مناسبا -أبعدنا املرابحة عن الصورية ،واالعتامد عىل التلفيق.
وبعد عرض الصيغة املقرتحة ،ذكر أن مجلة من االعرتاضات واإلشكاالت يمكن أن
ترد عليها ،ومنها:
أ -أن عقد البيع من عقود التمليكات ،وهي عقود ال يدخلها التعليق.
ب -يف مسألة العقد املعلق هل ينعقد ويتوقف ترتيب آثاره عىل حصول األمر املعلق عليه؟
أو أنه ال ينعقد إال حينام يتحقق الرشط املعلق عليه وترتتب آثاره يف حينه ،يف هذه
املسألة رأيان ،فإذا أخذنا بالرأي األول فإن البيـع ينعقد ،والثمن واملثمن فيه مؤجالن
إىل وقت حصول األمر املعلق عليه ،وهذا فيه تأجيل البدلني وهو ممنوع.
.8.1خيار الشـرط أو ( بيـع المخايرة).
.1.8.1حقيقة خيار الشرط.
خيار الرشط مركب إضايف ،وهو يف االصطالح الفقهي":حق يثبت باالشرتاط
خيول مشرتطه فسخ العقد خالل مدة معلومة" .
ألحد املتعاقدين أو كليهام ِّ
( )135
وسمى بذلك ألن منشأه اشرتاط يبديه أحد العاقدين أو كالمها عند العقد ،ويكون
لصاحبه احلق يف فسخ العقد أو إمضائه خالل مدة معينة .
( )136
.1.8.1خيار الشرط في المرابحة.
إن أول من عرض هذا األسلوب هو اإلمام حممد بن احلسن الشيباين ،وذلك يف كتابه
املخارج حيث جاء فيه ":أرأ يت رجال أمر رجال أن يشرتي دارا بألف درهم ،وأخربه أنه إن
2
5
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
فعل اشرتاها اآلمـر بألف درهم ومائة درهم ،فأراد املأمور رشاء الدار ،ثم خاف إن اشرتاها أن
يبدو لآلمر فال يأخذها ،فتبقى الدار يف يد املأمور ،كيف احليلة يف ذلك؟
قال :يشرتي املأمور الدار ،عىل أنه باخليار فيها ثالثة أيام ،ويقبضها وجييء اآلمر إىل
املأمور فيقول له :قد أخذت منك هذه الدار بألف درهم ومائة درهم ،فيقول املأمور :هي لك
بذلك فيكون ذلك لآلمر الزما ،ويكون استيجابا من املأمور للمشرتي" .
()137
ويعترب الدكتور عبد الستار أبو غدة أول من طرح هذا األسلوب يف التطبيق
املعارص ،ويقوم عىل اخلطوات العملية اآلتية:
( )138
أ -يتلقى البنك اإلسالمي رغبة عميله مع وعد منه بالرشاء.
ب -يشرتى البنك السلعة املوعود برشائها مع اشرتاطه اخليار خالل مدة يغلب عىل ظنه
كفايتها للتوث ق من تصميم الواعد عىل الرشاء وصدور إرادته بذلك.
ت -يطالب العميل الواعد بتنفيذ وعده بالرشاء ،فإذ اشرتى السلعة باعه البنك إياها
وبمجرد موافقته عىل البيع يسقط اخليار الذي له.
ث -إذا أخلف الواعد بالرشاء ،ومل يربم العقد مع البنك ،استطاع البنك أن يبطل البيع
ويرد السلعة يف أثناء مدة اخليار.
.1.8.1مـــزايا هذا األسلــوب.
أ -ال يثري استعامله حماذير رشعية باعتبار أن خيار الرشط حمل اتفاق أكثر الفقهاء إىل
درجة أن بعض الفقهاء نقل اإلمجاع عىل جوازه ومرشوعيته .
(
)139
ب -خيلص املعاملة من الوعد امللزم وما يرتتب عليه من إشكاالت وشبهات رشعية.
ت -جينب البنك الرضر الذي يمكن أن يلحق به نتيجة نكول العميل ،وختلفه عن رشاء
السلعة التي وعد برشائها.
ثُ -ي َم َ
كَِّن البنك من املبادرة إىل رشاء سلع حتى دون وجود آمرين بالرشاء ألن له حق
الفسخ خالل مدة معلومة.
.1.1البيع احلال أو املؤجل ،املرابحة احلالة أو املؤجلة:
وهي صيغة اقرتحها الباحث الدكتور رفيق املرصي حتت عنوان" :مقرتح للمصارف
اإلسالمية" .
( )140
.1.1.1حقيقة الصيغة المقترحة.
أن يقول املشرتي للمرصف :بعني سلعة كذا (يصفها له) تسلمها يل يف موعد كذا (أو
ال يذكر أجال) ،بثمن كذا (أو بربح كذا) ،أسدده لك يف موعد كذا (أو عند التسليم)-.كام يف
عقود االستصناع واملقاولة-
وينتج عن هذه الصيغة االحتامالت اآلتية:
أوال :أن يتطابق موعد تسليم الثمن وموعد تسليم البضاعة ،فيكون قد تأجل
التسليم ،باملقدار الالزم لرشاء البضاعة أو إعدادها وتسليمها للمشرتي بعد قبضها ،وهذا
2
6
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
التأخري هو ما جيري يف عقود االستصناع واملقاولة ،حيث يدفع الثمن عىل أقساط حسب
الكميات املسلمة.
التعليق الرشعي :علق الدكتور عىل هذه احلالة بام ييل:
رأي ابن تيمية وابن القيم أنه ليس من موجب عقد البيع أن يتم التقابض عقبه ،بل
يقع القبض عىل حسب ما اقتضاه العقد لفظا وعرفا ،وقد يكون للمتعاقدين مقصود
صحيح يف تأخريه ،كام يف حديث جابر.
أن ابن حجر علق عىل حديث جابر يف الفتح أن القبض ليس رشطا يف صحة
البيع.
هذا التأخري هو ما جيري عليه العمل يف عقود االستصناع واملقاولة.
أن حديث "الكالئ بالكالئ" مل يصح ومل يثبت ،والصورة الوحيدة املتفق
عليها بني الفقهاء يف احلديث هي فسخ الدين بالدين ،أي ربا اجلاهلية:
تقِض أم تريب؟ أنظرين أزدك.
ليس يف هذا التأخري شغل ذمتني بغري فائدة ،بل هذا شغل هلام بمصلحة
معتربة ال ختفى.
ثانيا :تأخر موعد ت سديد الثمن عن موعد تسليم البضاعة ،فالبيع مؤجل الثمن
(نسيئة) ،لكن تأخر فيه تسليم البضاعة باملقدار الالزم فقط لت هيئتها وتسليمها للمشرتي كام
تقدم.
التعليق الرشعي :علق الدكتور عىل هذه احلالة بام ييل:
البيع هنا نسيئة وليس سلام ،ألن أجل النسيئة هو الغالب ،وألن تسليم الثمن
يتأخر عن تسليم املبيع.
أن العروض غري ربوية ،فيعود التبادل إىل أصل احلرية ،فال يشرتط حلول وال
تساوي.
قد ال حتدد مدة لتسليم املبيع ،بل يعترب تسليمه حاال ،كام يف السلم احلال عند
من أجازه ،أو كام يف البيع عىل الصفة بال خيار الرؤية ،وقد أجازه عدد أكرب من
الفقهاء ،وقد أجاز املالكية تأخري رأس مال السلم ملدة قليلة ال نظن أن هلا حدا
مضبوطا إال العرف واحلاجة.
هذا البيع ال يشمله النهي عن بيع ما ليس عنده ،ألنه بيع صفة مضمونة يف
الذمة ،قابلة للتسليم ،والزمة للمشرتي إذا جاءت مطابقة ،وال خالف عىل هذا
بني عامة الفقهاء.
ثالثا :يمكن للمرصف أن يشرتي نقدا ويبيع نقدا ،أو يشرتي نقدا ويبيع نسيئة ،أو
يشرتي نسيئة ويبيع نسيئة.
2
7
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
رابعا :إذا كان البيع مرابحة ،أمكن للمرصف احتساب مجيع مصاريف الرشاء،
وزيادة ربح ،بمبلغ معني ،أو بنسبة مئوية من جمموع هذه املصاريف ،ويمكن أن تكون هذه
املرابحة معجلة ،أو مؤجلة ،مع إمكان تأخري التقابض.
.1.1.1مزايا هذه الصيغة:
أ -التخلص من بيع املرابحة لآلمر بالرشاء بام فيه من تناقضات ،والتخلص من معضلة
الوعد امللزم.
ب -صيغة (بعني) أكثر قبوال يف الفقه من صيغة (اشرت يل) ،والعالقة ثنائية بني طرفني،
فهي ختلو من بيعتني يف بيعة.
ت -العملية أقرب ما تكون إىل عقود االستصناع واملقاولة الشائعة ،والتي يتعرس إن مل
يتعذر االستغناء عنها.
.1.1العملية الواحدة بدال من العقود المتعددة.
انتقد بعض الباحثني التكييف الفقهي لبيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،و املعامالت
املركبة األخرى ،كاالعتامدات املستندية ،واإلجارة املنتهية بالتمليك ،و املشاركة املتناقصة ،وما
شاهبها ،ألنه يقوم عىل حتليل أجزاء املعاملة ،و تقطيع أوصاهلا إىل عقود خمتلفة ،ومسائل جزئية،
فتعالج"كل معاملة فرعية -حتت ضغط حاجة التعامل إليها -بإجياد ثوب فقهي هلا من خزانة
الفقه التقليدي ،ال تتغري معه طبيعة املعاملة ،بقدر ما يتغري اسمها حتى ترتبط بفصل أو مبحث
وأحيانا بعبارة وردت يف أحد كتب الفقه" ،و البديل عن ذلك هو النظر إىل املعاملة عىل أهنا
(
)141
عملية واحدة مرتبطة تتضمن " جمموعة عقود ووعود ،مرتابطة ،متوالية ،صممت عىل نسق
حمدد ،متتابع األجزاء ،متالحق املراحل ،وفقا لرشوط حتكمها ،كمعاملة واحدة ال تقبل
التفكيك و التجزئةُ ،تدف إىل حتقيق وظيفة حمددة ،وبلوغ غرض معني ،اجتهت إرادة العاقدين
وقصدمها إىل حتقيقه" .
( )142
فالرتكيز ينبغي أن يتوجه إىل قصد املتعاقدين ،وقصدمها بال شك منرصف إىل إبرام
عقد واحد ،وما األجزاء إال رشوط والتزامات ومراحل داخل نطاق العقد الواحد ،ال تقبل
التفكيك واالنفصال واالجتزاء أو التغيري اهليكيل ،ألهنا لو مل تكن كذلك لكان اهلدف و القصد
من إجرائها احتامليا غري مؤكد التحقق ،وملا جازف الطرفان باإلقدام عىل إبرامها ،ألن إبرامها
حينئذ يفوت الغرض منها ،ويلحق باملتعاقدين أو أحدمها رضرا جسيام .
( )143
من منطلق هذه النظرة الكلية طرحت نظرة مستحدثة يمكن اعتبارها تكييفا جديـدا
لصيغة املرابحة لآلمر بالرشاء:
يطرح الدكتور نزيه محاد تكييفا جديدا هلذا العقـد ،وما شاهبـه من عقود ،يقوم عىل
أساس أن هذه العقود تتضمن مواطأة ،هلا يف النظر و التكييف الفقهي ثالث خصائص:
( )144
أ -أهنا اتفاق بني طرفني عىل إجراء عقود وإنجاز وعـود يف املستقبل.
ب -يعترب هذا االتفاق بمثابة الرشط املتقدم عىل العقد فترسي عليه أحكامه.
2
8
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
ت -القوة امللزمة للمواطأة هلا نفس القوة امللزمة للرشوط املتقدمة عىل
العقود .
(
)145
وقد رجح الدكتور محاد قول املالكية و احلنابلة بأن الرشط املتقدم كالرشط املقارن
يف الصحة ،ووجوب الوفاء ،ويف الفساد واإللغاء ،فإذا كان الرشط صحيحا مرشوعا كان
ملزما قضاء .وبناء عىل ذلك قرر أن تواطؤ الطرفني عىل إنشاء وإبرام االتفاقيات املستجدة-
( )146
املرابحة لآلمـر بالرشاء وما شاهبها -يعترب جائزا صحيحا ،ملزما لطرفيه ،ألنه اتفاق يف منزلة
وحكم الرشط املقارن للعقد ،وذلك إذا توفرت الضوابط اخلمس اآلتية:
أ -أن ال يقع التواطؤ عىل إنشاء اتفاقية حمظورة بنص رشعي كاجلمع بني بيع
وقرض.
ب -أن ال تقع املواطأة عىل حيلة ربوية كالتواطؤ عىل العينة.
ت -أن ال تقع املواطأة عىل ذريعة ربوية كدفع املقرتض للمقرض هدية ،أو زيادة
عىل مقدار القرض.
ث -أن ال يكون التواطؤ عىل اجلمع بني عقدين -فأكثر -بينهام تناقض أو تضاد
يف املوجبات واألحكام؛كأن يتوارد العقدان عىل حمل واحد كام يف اجلمع بني
املضاربة وإقراض املضارب رأس املال.
ج -أن يكون كل جزء من أجزاء االتفاقـية املتواطأ عليها ( أي العقود و
الوعـود و الرشوط) صحيحا مرشوعا بمفرده .
(
)147
وبناء عىل ذلك فان " كل اتفاقية مركبة من جمموعة عقودُ ،تدف بصورُتا املتكاملة
إىل حتقيق وظيفة معينة ،جيب اعتبارها يف النظر الفقهي االجتهادي وحدة واحدة ،وال يكفي
للتعرف عىل حكمها الرشعي تفكيكها إىل أجزاء مفردة ،والنظر يف مرشوعية كل جزء منها عىل
حدة ،ألهنا عقد مركب مزيج من ذلك كله وفقا لرشوط معينة حتكمها كمعاملة واحدة مرتابطة
ال تقبل التجزئة" .
( )148
اختم هذا الفرع باستنتاج وتعليق:
لقد طرح الباحث رؤيته اجلديدة هذه بعد أن تبلورت وتطورت انطالقا من بحثه
عن الوعد املنشور يف جملة جممع الفقه اإلسالمي العدد اخلامس اجلزء الثاين حيث رأى الباحث
أن الوعد امللزم هو عقد يف الواقع إذ يقول " :عىل أن املتواعدين لو اتفقا عىل أن يكون العقد
الذي توا عدا عىل إنشائه يف املستقبل ملزما للطرفني من وقت املواعدة ،فإهنا تنقلب إىل عقد،
وترسي عليها أحكام ذلك العقد ،إذ العربة يف العقود للمقاصد واملعاين ال لأللفاظ
واملباين" .وهو ما يعني ترجيح منع املرابحة امللزمة ،مرورا بام كتبه يف بحثه املوسوم بـ
( )149
"العقـود املستجدة :ضوابطها ونامذج منها" ،وبحثه " اجتامع العقود املتعددة يف صفقة
واحدة" ضمن كتابه "قضايا فقهية معارصة يف املال واالقتصاد" ،حيث بدأت تتبلور بعـض
املفاهيم ،كتحديد مفهوم العقود املجتمعة ،وذكر بعض ضوابط اجلمع بني العقود ،وانتهاء
2
9
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
بالنظرة املتكاملة القائمة عىل دقة يف التعبري ،وجودة يف العرض ،ودقة يف التأصيل ،كام ظهرت
يف كتاب "العقود املركبة" ،وكتاب " يف فقه املعامالت املالية و املرصفية املعارصة قراءة
جديدة".
إن أعظم ما طرحه الدكتور يف رؤيته تلك هو االنطالق من النظرة الشمولية لتلك
العقود بعيدا عن التجزئة و ال تبعيض ،ملا فيهام من قصور يف الرؤية ،وعدم دقة يف التصور ،ويف
ذلك تأثري كبري عىل النتيجة ،وإخالل بصواب احلكم املتوصل إليه ،ألن احلكم عىل اليشء هو
فرع عن تصوره ،واخللل يف التصور خمل باحلكم.
فالفكرة من حيث املبدأ -بعيدا عن التفاصيل و اجلزئيات -جديرة بالبحث و
املناقشة ،وأن تعرض عىل أعىل هيئات البحث لتنال ن صيبها من التمحيص ،خصوصا وأن
مجاهري علامء األمة عىل مرشوعية استحداث عقود جديدة ،انطالقا من مبدأ أن األصل حرية
التعاقد يف الرشيعة اإلسالمية.
.1.1البديـل الجـامـع.
عرض البحث عددا من املقرتحات و احللول إلشكال املواعدة امللزمة ،والشك أَ َّن
أ ًّيا من هذه البدائل املقرتحة ،ال خيلو من اعرتاضات عليه ،إما من جهة جوازه الرشعي ،أو من
أي منها حال جذريا ،وبديال نظريا
جهة تطبيقه امليداين ،أو من اجلهتني معا ،لذا قد ال يعترب ٌّ
وعمليا كامال ملسألة اإللزام باملواعدة ،وم ن هنا أقرتح أن يكون البديل جامعا هلذه املقرتحات،
مستفيدا بام فيها من حماسن ،ومبتعدا عن ما فيها من نقائص وسلبيات ،وأن ُيستعمل كل
مقرتح يف احلالة امليدانية املناسبة له ،من منطلق التكامل بني احللول ،و التوفيق بني البدائل ،وأن
ُيلبس لكل حالة عملية لبوسها.
يقوم البديل املقرتح عىل مرتكزات ثالثة نتناوهلا يف الفروع اآلتية:
.1.1.1التفصيل ال التعميـم
فالسلع التي تتعامل فيها البنوك اإلسالمية بصيغة املرابحة لآلمر بالرشاء خمتلفة،
ومتنوعة ،منها الرائجة يف السوق ،التي ال يكاد البنك جيد صعوبة يف ترصيفها عند نكول
العميل عن وعده برشائها ،ومنها املتخصصة ،مثل آلة أشعة لطبيب خمتص ،أو إطارات طائرة
معينة ،أو قطعة غيار آللة يف مصنع متخصص ،وبالتايل فإن درجة خماطرة البنك ختتلف تبعا
لذلك ،فإذا كانت درجة املخاطرة عالية جدا يف السلع املتخصصة ،خاصة إذا كانت الصفقة
كبرية ،أو السلعة غاليـة ،وقد تكون اخلسائر املرتتبة عنها باملاليني ،فإن املخاطرة قد تكون
باملقابل ضعيفة جدا ،وربام منعدمة أحيانا ،حني تكون السلعة من املثليات العامة ،و التي هلا
رواج يف السوق كنوع سيارة تشهد إقباال كبريا عىل رشائها ،أو مواد غذائية واسعة االستهالك،
وكذلك احلال بالنسبة للعمالء ،فإهنم خيتلفون يف شخصياُتم ،ويرمز مصطلح الشخصية هنا
إىل معاين األمانة والسمعة ،و اخلربة و الثقة ،واالجتهاد يف العمل و جتويد املنتج ،وااللتزام
3
0
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
بأخالق املهنة ،فمنهم من لديه الرغبة و العز م يف دفع االلتزامات وأداء احلقوق ،ومنهم املقرص
يف ذلك .
(
)150
ويرتتب عىل هذا التفريق ،اختالف تعامل البنك مع الطلبات املختلفة ،ورضورة
تصنيفها بحسب درجة املخاطرة التي تتضمنها ،وقيمة الرضر الذي سيتحمله عند نكول
الواعد عن رشائها ،واختالف تعامله مع العمالء عىل حسب شخصياُتم ،وما حييط هبم من
ظروف.
وهذا يقودنا إىل املرتكز الثاين الذي ينبغي أن يعتمده البنك.
.1.1.1الفحـص و الدراســة:
إن املطلوب من البنوك اإلسالمية أن تساير العرص ،فتسعى إىل تطوير أنظمتها
وأدواُتا باستمرار ،وهذا يؤكد رضورة وجود إدارة تعمل بكفاءة عالية ،مستندة إىل جهاز
استثامر كفؤ ،يقوم عىل وحدات للتخطيط و البحوث و اإلحصاء ،ووحدات لالستعالم و
البيانات وغريها .
(
)151
هلذا خيضع الطلب املقدم من اآلمر قبل املوافقة عليه للفحص و املراجعة ،مع تركيز
الدراسـة عىل املعلومات التي متكِّن البنك من تفـادي اخلطر أو تقليله ،ابتداء بدارسة السلعة،
من حيث حجم سوقها هل هو متسع أم ضيق؟ ومن حيث اجتاه نشاط السوق رواجا وانكامشا،
ومن حيث الثمن املعروض للسلعة ،ومدى مناسبته ،مرورا بدراسة العميل ومستوى مصداقية
شخصيته التمويلية ،ومدى وفائه بالتزاماته مع املؤسسات األخرى ،وهذا كله يتطلب من
البنك اإلسالمي أن يكون لديه بنك للمعلومات ،كام حيتم عىل البنوك أن تتبادل املعلومات فيام
بينها .وأن تستقي املعلومات من اجلهات التي سبق للعميل التعامل معها بعقود ،أيا كان
( )152
نوعها ،ولو مع املؤجرين له و املستأجرين منه.
.1.1.1القبول أو الرفض:
ليس واجبا عىل البنك اإلسالمي أن يشرتي كل سلعة أمر برشائها ،فهو يملك
الرفض ،كام يملك القبول ،وقراره هبذا أو بذاك متوقف عىل نتيجة الفحص و الدراسة التي قام
هبا للسلعـة والعميل ،فإذا كانت نتيجة الدراسة إجيابية أقدم ،وإن كانت نتيجتها سلبية
أحجم.
إن اإلشكال منتف بالنسبة للصفقات التي يطلبها السوق ،وتلقى رواجا فيه ،ويمكن
للبنك ختفيفا لبعض األعباء عن نفسه ،وتقليال من حجم املخاطر أن يلجأ يف بعض السلع
كالسيارات مثال إىل مبدأ املرابحة مع املشاركة ،وفقا ملا تم بيانه .ويف هذه احلالة ال حاجة لألمر
بالشـراء ألن الرشكة مالكة للسلعة فيكون البيع من خالل املرابحة العادية (البسيطة).
وأما الصفقات املتخصصة التي تكتنفها خماطر نكول العميل عن وعده بالرشاء،
وعجز البنك عن تسويق السلعة إثر ذلك ،فاحلل هو اللجوء إىل اشرتاط البنك خيار الرشط
عىل من يبيعه ،فإذا تراجع الواعد عن الرشاء أمكن للبنك رد السلعة إىل صاحبها ،فإذا تعذر
3
1
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
ذلك بأن مل يقبل البائع خيار الرشط ،فإن البنك باخليار بني أن يمِض يف الصفقة _خصوصا إذا
اطمأن لشخصية العميل ،وعرف مصداقيته بعد دراسته ،أو ألسبقية التعامل معه_ وبني أن
يرفض املِض يف الصفقة ،إذا كانت نسبة املخاطرة مرتفعة ،بأن غلب عىل الظن إمكان تعثر
الصفقة.
.1نتائج البحث
الوعد يف اللغة وعند الفقهاء هو اإلخبار عن فعل املرء أمرا يف املستقبل يتعلق بالغري،
سواء أكان خريا أم رشا.
بيع املرابحة لآلمر بالرشاء مركب من بيع عادي ،ووعد ،وبيع مرابحة ،فالبيع من
البائع للمرصف ،وبيع املرابحة من املرصف لآلمر بالرشاء ،والوعد من اآلمر برشاء
السلعة من البنك ،و من البنك ببيع السلعة لآلمر .ويف هذه املعاملة ثالثة أطراف:
اآلمر بالرشاء ،وبائع السلعة ،والبنك.
الرحى يف دراسة
يعترب إشكال الوعد ،ومدى وجوب الوفاء به ديانة وقضاء ،قطب ّ
عقد املرابحة لآلمر بالرشاء.
الوفاء بالوعد واجب ديانة عىل الواعد إال لعذر؛ أما مسألة إلزام الواعد بوعده
قضاء ،فالراجح أن الوعد ال يكون الزما ويقىض به ،إال إذا تم عىل سبب ،ودخل
املوعود بسببه يف ورطة ،و حينئذ يكون الواعد متسببا ومسئوال عن الرضر الذي حلق
أن
املوعود ،فلزم أن ُي ْل َزم بوعده ،و ُي َع ِّوض عن الرضر دفعا للرضر وليس بناء عىل َّ
يف الوعد قوة ملزمة للواعد.
جمال الوعد عند الفقهاء هو عقود التربعات ،ولذلك فإن عقود املعاوضات ال يلزم
فيها الوعد ،ألن طريق هذه الترصفات هو العقد اجلازم و ليس الوعد.
املواعـدة امللزمة أقرب إىل حقيقة العقد ،والفروق بينهام ال متس جوهر العقد ،وإنمـا
تتعلق باآلثار والرشوط.
صيغة املرابحة لآلمر بالرشاء إذا خلت من القول باإللزام ال تثري إشكاال جوهريا
حول مرشوعيتها بني الفقهاء.
طرح العلامء عدة بدائل وحلول للمرابحة امللزمة يمكن أن تلجأ إليها البنوك
اإلسالمية.
.1توصيات البحث
عدم التوسع يف اللجوء إىل آلية الوعد امللزم ،و ضبط استعامل هذه اآللية بالضوابط
الرشعية.
3
2
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
ختصيص دراسات للصيغ املقرتحة بديال للمواعدة امللزمة ،من جهة املصداقية
الرشعية ،والكفاءة االقتصادية.
تعميق البحث الرشعي يف موضوع املنظومات العقدية املركبة ،التي ينضوي حتت كل
منها جمموعة عقود ووعود مرتابطة ،باعتبارها عقودا جديدة مستقلة مستحدثة.
أن تسعى املصارف اإلسالمية إىل بناء قاعدة معلومات توفر هلا التاريخ التجاري
للعميل ،وسمعته ومركزه املايل ،وتوحيد قواعد البيانات بينها .ومعاجلة القصور
الذي تعانيه يف دراسات اجلدوى االقتصادية.
المراجع
)1(1الرازي ،خمتار الصحاح ،ص818؛ الراغب األصفهاين ،املفردات يف غريب القرآن111-111 ،؛ ابن فارس،
اللغة .111/1
,
معجم مقاييس
( )2العيني ،عمدة القاري رشح صحيح البخاري.181/1 ،
( )3محاد ،معجم املصطلحات املالية واالقتصادية ،ص.818-811
( )4
السميج ،تذكرة احلكام يف البحث يف الوعد وااللتزام ،ص .11و احلباء هو العطاء بال َم ّن وال جزاء[.ابن
منظور ،لسان العرب]11/8 ،
( )5محاد( ،الوفاء بالوعد يف الفقه اإلسالمي) ،جملة جممع الفقه اإلسالمي ،العدد .411/1 ،1
( )6املرجع السابق.
( )7السميج ،تذكرة احلكام ،ص.11
( )8احلطاب ،مواهب اجلليـــل.818/1 ،
( )9محاد( ،الوفاء بالوعد يف الفقه اإلسالمي) 418 /1/1 ،؛ ابن حزم ،املحىل.18/4 ،
( )10سورة البقرة ،من اآلية.11:
( )11ابن منظور ،لسان العرب 11-11/1 ،؛ الرازي ،خمتار الصحاح ،ص.111 -118
(.11/1 )12
( )13العيل ، ،بيع املرابحة وتطبيقاُتا يف املصارف اإلسالمية ،ص.4
( )14
ابن اهلامم ،رشح فتح القدير 811/1 ،؛ الدسوقي ،حاشية عىل الرشح الكبري110/1 ،؛ النووي ،روضة
الطالبني141/1 ،؛ املرداوي ،اإلنصاف 144/1 ،؛ اجلزيري ،عبد الرمحن ،كتاب الفقه عىل املذاهب األربعة،
.114/1
( )15موسوعة الفقه اإلسالمي املعارص.181/1 ،
( )16
ابن عبد الرب ،الكايف يف فقه أهل املدينة.14 /1 ،
( )17العيل ،بيع املرابحة و تطبيقاُتا يف املصارف اإلسالمية ،ص.10
( )18العمراين ،العقود املركبة ،ص.111
( )19ابن حزم ،املحىل.18/4 ،
( )20املرجع السابق.
( )21النـــووي ،األذكار ،ص.801
( )22ابن حزمّ ،
املحىل.14/4 ،
3
3
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
( )23صحيح البخاري ،كتاب الشهادات ،باب من أمر بانجاز الــوعـد.811/1 ،
( )24عليش ،فتح العيل املالك. 111/1 ،
( )25ســــورة الصف ،اآليتان.1-1 :
( )26ابن كثري ،تفسري القرآن العظيم.101/4 ،
( )27سورة مريم ،اآلية 18:
( )28متفق عليه :أخرجه البخاري ،كتاب الشهادات /باب من أمر بإنجاز الوعد ،حديث رقم)811/1( ،1111:؛
ومسلم ،كتاب اإليامن ،باب بيان خصال املنافق ،رقم.)14/1( ،18
( )29متفق عليه :أخرجه البخاري يف كتاب اإليامن ،باب عالمات املنافق ،حديث رقم)11/1( ،18؛ وأخرجه
مسلم يف باب خصال املنافق ،رقم.)14/1( ،14
( )30
متفق عليه :أخرجه البخاري يف كتاب الشهادات ،باب من أمر بإنجاز الوعد ،حديث رقم،1111:
()811/1؛ و مسلم يف كتاب الفضائل ،باب ما سئل رسول اَّلل ’ شيئا قط ،...رقم .)1401/8( ،1118
( )31املنيع ،بحوث يف االقتصاد اإلسالمي ،ص.101
( )32النـــووي ،األذكـــــــار ،ص.801
( )33املرجع السابق.
( )34املرداوي ،اإلنصاف.1411/1 ،
( )35ابن حزم ،املحىل.14 /4 ،
( )36عليش ،فتح العيل املالك.111/1 ،
( )37أخرجه مالك يف املوطأ،كتاب الكالم ،باب ما جاء يف الصدق و الكذب ،رقم احلديث)1880/1( ،411؛ قال
ابن عبد الرب"هذا احلديث ال أحفظه هبذا اللفظ عن النبي ’ مسندا" [ابن عبد الرب ،التمهيد ملا يف املوطأ من املعاين
واألسانيد.]181/11 ،
( )38القرايف ،الفروق.1118-1114/8 ،
( )39أخرجه الرتمذي ،كتاب اإليامن ،باب من عالمة املنافق ،رقم )111/8( ،1111؛ و أبو داود ،كتاب األدب،
باب يف العدة ،رقم )181 /1( ،8881؛ البيهقي ،السنن الكربى ،كتاب الشهادات ،باب من وعد غريه شيئا،
رقم .)184/10( ،10111قال الرتمذي :هذا حديث غريب ،وليس إسناده بالقوي.
( )40أخرجه البخاري يف كتاب البيوع ،باب البيعان باخليار ما مل يتفرقا ،رقم .)181/1( ،1008
( )41ابن عبد الرب ،التمهيد.101/1 ،
()42
احلطاب( ،القبض واإللزام بالوعد يف عقد املرابحة) ،جملة مؤتة للبحوث والدراسات181/1/11 ،
(1000م).
( )43ابن عبد الرب ،التمهيد 108/1 ،؛ القرطبي ،اجلامع ألحكام القرآن.111/11 ،
( )44جملة األحكام العدلية ،ص ،81وص .800
( )45الزرقا ،املدخل الفقهي العام1018/1 ،؛ احلموي ،غمز عيون البصائر. 111/1 ،
( )46عليش ،فتح العيل املالك.111/1 ،
( )47املرجع السابق.111/1 ،
( )48االسالمبويل( ،حكم الوعد يف الفقه اإلسالمي و تطبيقاته املعارصة) ،جملة جامعة امللك عبد العزيز :االقتصاد
اإلسالمي1818 (11/1/11 ،ه=1001م).
( )49عليش ،فتح العيل املالك .111/1 ،
3
4
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
( )50أخرجه ابن ماجه يف سننه ،كتاب األحكام ،باب من بنى يف حقه ما يرض بجاره ،رقم ،)148/1( ، 1180و
الدارقطني يف سننه ،كتاب البيوع ،رقم )148/1( ،144/1081؛ وقال األلباين –بعدما ذكر عدة طرق وشواهد
للحديث " -فهذه طرق كثرية هلذا احلديث قد جاوزت العرش ،وهي وإن كانت ضعيفة يف مفرداُتا فإن كثريا منها
مل يشتد ضعفها ،فإذا ضم بعضها إىل بعض تقوى احلديث هبا و ارتقى إىل درجة الصحيح إن شاء اَّلل تعاىل"
[األلباين ،حممد نارص الدين ،إرواء الغليل.]811/1 ،
( )51الشنقيطي ،أضواء البيان قي إيضاح القرآن بالقرآن.111/8 ،
( )52ابن حزم ،املحىل.10-18/4 ،
( )53القرايف ،الفروق.1181/8 ،
( )54ابن حزم ،املحىل.18 /4 ،
( )55ابن حجر ،فتح الباري.188/8 ،
()56ابن عبد الرب ،التمهيد ملا يف املوطأ من املعاين واألسانيد.181/11 ،
( )57أخرجه مسلم ،كتاب الرب والصلة ،باب الكذب وبيان املباح منه ،رقم ،1011/8 ،1101:و أبو داود ،كتاب
األدب ،باب يف إصالح ذات البني ،رقم .)141/1( ،8811
( )58ابن عبد البـــر ،التمهيد148/11 ،؛ القرضاوي ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص.18
()59
الرتمذي ،اجلامع الكبري.111/8 ،
( )60ابن الشاط ،إدرار الرشوق عىل أنواء الفروق (مطبوع عىل هامش الفروق).18/8 ،
( )61ابن حجر ،فتح الباري.111/1 ،
( )62الرتكي ،بيع التقسيط ،ص.888
( )63املرجع السابق.
( )64ســـورة الكهـــف ،آية رقم.18-11:
( )65جملة جممع الفقه اإلسالمي ،العدد .1188/1 ،1ونصه" :ثانيا :الوعد( وهو الذي يصدر من اآلمر أو املأمور
عىل وجه اإلنفراد) يكون ملزما للواعد ديانة إال لعذر ،وهو ملزم قضاء إذا كان معلقا عىل سبب ودخل املوعود يف
كلفة نتيجة الوعد ،ويتحدد أثر اإللزام يف هذه احلالة إما بتنفيذ الوعد ،وإما بالتعويض عن الرضر الواقع فعال
بسبب عدم الوفاء بالوعد بال عذر".
( )66أنظر صفحة 01من هذه البحث.
( )67الصديقي ،الفتوحات الربانية عىل األذكار النواوية.118-114 /1 ،
( )68الشنقيطي ،أضواء البيان.141/8 ،
( )69ومن هؤالء :احلسن البرصي ،و القايض رشيح ،و الغزايل ،وابن القيم[.انظر :الربيعة ،سعود حممد ،صيغ
التمويل باملرابحة ،ص 14وما بعدها].
( )70من أبرز القائلني بلزوم الوعد قضاء :الشيخ يوسف القرضاوي ،والشيخ مصطفى الزرقا ،والشيخ عبد اَّلل
املنيع ،والدكتور عبد الستار أبو غدة.
()71
القرضاوي ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص 18-14؛ محود ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،جملة جممع الفقه
اإلسالمي ،العدد 1108/1 ،1؛ سانو ،املدخرات ،ص180وما بعدها.
( )72سانو ،املدخرات ،ص .181 -188
( )73املرجع السابق.
3
5
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
( )74
إيل
إشارة إىل حديث حديث أم سلمة ريض اَّلل عنها عن رسول اَّلل صىل اَّلل عليه وسلم وفيه ( :إنكم ختتصمون َّ
ولعل بعضكم أن يكون أحلن بحجته من بعض ،فأقِض له عىل نحو ما أسمع ،فمن قطعت له من حق أخيه شيئا
فال يأخذه ،فإنام أقطع له به قطعة من النار)[متفق عليه].
( )75القرضاوي ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص.18
( )76سبق خترجيه يف اهلامش .81
( )77محود( ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء) ،ص .1108
( )78من أبرز هؤالء من املعارصين :حممد سليامن األشقر ،و بكر أبو زيد ،ورفيق املرصي ،وحسن األمني ،وعيل
السالوس.
( )79الرتكي ،بيع التقسيط وأحكامه ،ص.818
( )80املرجع السابق ،ص.811-818
( )81النووي ،حيي بن رشف ،صحيح مسلم برشح النووي.81/1 ،
( )82ابن حجر ،فتح الباري.111/1 ،
( )83املرجع السابق.111-111/1 ،
( )84النووي ،صحيح مسلم برشح النووي81/1 ،؛ ابن حجر ،فتح الباري.111/1 ،
( )85الربيعة ،صيغ التمويل باملرابحة ،ص.111-111
( )86الرضير ،الصديق حممد األمني( ،املرابحة لآلمر بالرشاء) ،جملة جممع الفقه اإلسالمي ،العدد .1001/1 ،1
( )87املرصي ،بيع املرابحة ،لآلمر بالرشاء ،ص 80؛ وهذا املعنى واضح يف تصوير الشيخ القرضاوي للمسألة حني
يقول...":فكل مابني املرصف وبينك (أي العميل) اآلن تواعد عىل البيع بعد متلك السلعة وحيازُتا"[
القرضاوي ،املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص.]18
( )88احلطاب( ،القبض واإللزام بالوعد يف املرابحة) ،ص.118
( )89الغرياين ،الصادق بن عبد الرمحن( ،الوعد امللزم يف بيع الرابحة لآلمر بالرشاء) ،بحث يف موقع الفقه اإلسالمي
عىل
الرابط:
،http://www.islamfeqh.com/News/NewsItem.aspx?NewsItemID=1737
يوم1018/01/11:
( )90أبو غدة ( ،أسلوب املرابحة واجلوانب الرشعية و التطبيقية يف املصارف اإلسالمية) ،جملة جممع الفقه اإلسالمي،
العدد .1118 /1 ،1
( )91القرضاوي ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص .14-11
( )92هم من توسعوا يف استعامل الوعد ،كام أن القائلني باإللزام استندوا دائام إىل رأي املالكية.
()93عليش ،فتح العيل املالك.111/1 ،
( )94السميج ،تذكرة احلكام ،ص.11
( )95املرجع السابق ،ص.11
( )96ختتلف البنوك اإلسالمية فيام يتعلق باإللزام ،فأكثرها يأخذ به ،وبعضها ال يأخذ به.
( )97خوجة ،الدليل الرشعي للمرابحة ،ص118
( )98القرضاوي ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص.11
( )99خوجة ،الدليل الرشعي للمرابحة ،ص.181-181
( )100املرجع السابق ،ص.118
( )101كاإلمام بن تيمية ،وابن القيم.
3
6
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
( )102شخار ،أبو نرص بن حممد( ،قاعدة الربح بالضامن) ،معهد العلوم الرشعية وزارة األوقاف والشؤون الدينية
سلطنة
عامن،
=1818
1004م،
ص.111عىل
الرابط:
http://www.kantakji.com/fiqh/Fitles/Fatawa/4653.txيوم.1018/01/11:
( )103عمر( ،التفاصيل العلمية لعقد املرابحة لآلمر بالرشاء) ،ص.184
( )104أنظر هذه القاعدة يف :الزرقا ،أمحد ،رشح القواعد الفقهية ،ص11؛ إسامعيل ،حممد بكر ،القواعد الفقهية بني
األصالة و التوجيه ،ص :18كامل ،عمر عبد اَّلل ،القواعد الفقهية الكربى وأثرها يف املعامالت املالية ،ص.11
( )105الرتكي ،بيع التقسيط ،ص.811
( )106املرجع السابق.
( )107ورد يف قرارات املؤمتر األول للمرصف اإلسالمي املنعقد بديب 1818بشأن وعد املرابحة ( :ومثل هذا الوعد
ملزم للطرفني قضاء طبقا ألحكام املذهب املالكي ،وملزم للطرفني ديانة طبقا ألحكام املذاهب األخرى)...
( )108الشافعي ،األم.18/1 ،
( )109أبو زيد ،بيع املرابحة.114-111 ،
( )110أخرجه اإلمام مالك ،املوطأ ،كتاب البيوع ،باب :بيعتني يف بيعة ،رقم احلديث/ 1881 :ص.814
( )111الباجي ،املنتقى رشح موطأ مالك.188/1 ،
()112
الواليت ،الدليل املاهر الناصح.111-111 ،
( )113املقدمات املمهدات.14/1،
( )114الغرياين( ،الوعد امللزم يف بيع املرابحة لآلمر بالرشاء) ،ص 1وما بعدها.
115اخلريش ،حاشية اخلريش عىل خمترص خليل.811/1 ،
( )116العاين( ،قوة الوعد امللزمة يف الرشيعة و القانون) ،جملة جممع الفقه اإلسالمي ،العدد .110/1 ،1
( )117السنهوري ،الوسيط يف رشح القانون املدين.108-104/1 ،
( )118السعدي ،الواضح يف رشح القانون املدين ،ص .101-101
( )119جواد حممود ،نظرية الرشط اجلزائي بني الفقه والقانون ،ص.81
( )120النصوص اآلمرة :هي مجلة القواعد القانونية الباتة أو الناهية التي ال جيوز لألفراد االتفاق عىل خمالفتها ،أو
استبعاد أحكامها ،فهي مفروضة فرضا عىل األشخاص ال يملكون حياهلا أن يتنصلوا منها أو يعملوا ما خيالفها،
ولذلك فإنه غالبا ما ُي ْل َجأُ إىل تنظيم سلوك األفراد من خالل تلك القواعد ،إذا كانت املصلحة التي يراد محايتها
متعلقة بالنظام العام ،أو اآلداب يف املجتمع [ .النجار ،أصول القواعد القانونية ،ص].111-118
( )121القواعد املكملة أو املفرسة ،هي تلك التي جيوز لألفراد أن يتفقوا عىل ما خيالفها ،ووجودها ال يؤثر يف توجه
اإلرادة إىل ما سواها ،وال تؤدي تلك املخالفة إىل بطالن اإلرادة ،وقد صيغت لتكون أداة يف يد الناس يستأنسون هبا
عند صياغة اتفاقاُتم أو إنشاء عقودهم ،وهي نمثل الرضا املفرتض بني األطراف ،فهي تنظم السلوك اخلاص بني
األفراد والذي ال يتعلق باملصالح األساسية للمجتمع .وتسمى القواعد املفرسة ألهنا تفرس إرادة املتعاقدين
الغامضة [.النجار ،أصول القواعد القانونية ،ص]118-114
( )122عطية ( ،اجلوانب القانونية) ،ص.118
حرم هذه الصيغة حتى مع عدم اإللزام،
( )123يعترب الشيخ حممد بن صالح العثيمني الوحيد -حسب اطالعي -الذي َّ
واعتربها حيلة ربوية ال ختتلف عن القرض بفائدة[ .أنظر :فتاوى البيوع و املعامالت املالية ،ص 11وما بعدها].
وقد وجدت بعد ذلك أن الدكتور يوسف الشبييل ينسب هذا القول أيضا إىل الشيخ األلباين[.اخلدمات املرصفية،
ص ]144
( )124األشقر ،بيع املرابحة كام جتريه البنوك اإلسالمية ،ص.81
3
7
الوعد الملزم بين الهندسة المالية والمشروعية الفقهية :وعد المرابحة أنموذجا ………………….…..بن تاسة
( )125املرصي ،بحوث يف املصارف اإلسالمية ،ص.111
( )126الرضير( ،املرابحة لآلمر بالرشاء) ،جملة جممع الفقه اإلسالمي ،العدد .881 /1 ،1
( )127حتتاج هذه البدائل إىل دراسات متعمقة ،تتعذر عىل مبتدئ مثيل ،وحسبي يف هذا البحث أين مجعتها وعرضتها
يف مكان واحد ،والشك أن مجع ما تفرق هدف من أهداف البحث وغرض من أغراض التأليف.
( )128القرار صادر عن دورة جملس جممع الفقه اإلسالمي يف دورة مؤمتره اخلامس بالكويت من 01إىل 01مجادى
األوىل 1808ه 10/إىل11ديسمرب1844م[ .جملة جممع الفقه اإلسالمي ،العدد .]1188 /1 ،1
( )129خصوصا البنوك السودانية [.انظر :املرصي ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص11؛ توثيق جتربة السودان يف جمال
املصارف و املؤسسات املالية اإلسالمية ،املراشد الفقهية الصادرة عن اهليئة العليا للرقابة الرشعية للجهاز املرصيف
واملؤسسات املالية ،ص.]1
( )130الغرياين ،الوعد امللزم يف بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص.11
( )131املرصي ،بيع املرابحة لآلمر بالرشاء ،ص.18
( )132جملة جامعة امللك عبد العزيز :االقتصاد اإلسالمي ،العدد1814(10ه = 1884م).111-48/1/
( )133عىل موقع ،http://www.kantakji.com/media/5699/4653.txt:يوم1018/01/11:
( )134اخلالف بني مجهور الفقهاء وبني شيخ اإلسالم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
( )135محاد ،معجم املصطلحات املالية و االقتصادية ،ص.108
( )136املرجع السابق.
( )137الشيباين ،املخارج يف احليل ،ص .11
( )138أبوغدة ،أسلوب املرابحة و اجلوانب الرشعية التطبيقية يف املصارف اإلسالمية ،ص.1411
( )139النووي ،املجموع 111/8 ،؛ و الصحيح أن اجلمهور عىل مرشوعيته فقد خالف فيه الثوري ،وابن شربمة،
وطائفة من أهل الظاهر[.ابن رشد ،بداية املجتهد]108/1 ،
( )140املرصي ،بحوث يف املصارف اإلسالمية ،من ص 11إىل 11بترصف.
( )141عطية ،البنوك اإلسالمية ،ص.111
( )142محاد ،يف فقه املعامالت املالية و املرصفية املعارصة ،ص.104
( )143محاد ،العقود املركبة يف الفقه اإلسالمي ،ص.11
( )144ورد لفظ املواطأة بعدة معان ،و املراد هنا :اتفاق إرادة طرفني يف املداولة التمهيدية التي تسبق إبرام الصفقة
املركبة من جمموعة عقود ووعــود متتابعـة مرتابطـــة عىل عـقدها وانجازها علــى النحو الذي تقدم االتفاق
عليه[.محاد ،العقود املركبة ،ص .]81
( )145محاد ،العقود املركبة ،ص.88-84
( )146املرجع السابق ،ص.18-11
( )147محاد ،يف فقه املعامالت املالية و املرصفية املعارصة ،ص81وما بعدها.
( )148محاد ،قضايا فقهية معارصة يف املال و االقتصاد ،ص .11
( )149محاد ،الوفاء بالوعد ،جملة جممع الفقه اإلسالمي العدد .410/1 ،1
( )150بنك السودان املركزي ،توثيق جتربة السودان يف جمال املصارف و املؤسسات املالية ،ص.11
( )151محاد ،خماطر االستثامر يف املصارف اإلسالمية ،ص 144وما بعدها
( )152بنك السودان ،توثيق جتربة السودان ،ص.18-14
3
8
© Copyright 2026 Paperzz