تحميل الملف المرفق

‫حنو تأهيل اجتهادي‬
‫ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫( رؤية يف تفعيل املمارسة الشرعية )‬
‫إعــداد‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫أستاذ الفقه وأصوله املساعد جبامعة الشارقة‬
‫ٌ‬
‫حبث َّ‬
‫مقد ٌم إىل‬
‫« مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملأمول ‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫‪ 31‬مايو – ‪ 3‬يونيو ‪ 2009‬م‬
‫يعب عن ر�أي الباحث‬
‫هذا البحث رّ‬
‫يعب بال�رضورة عن ر�أي دائرة ال�ش�ؤون الإ�سالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫وال رّ‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخليري بدبي‬
‫هاتف‪+971 4 6087777 :‬‬
‫اإلمارات العربية املتحدة‬
‫‪[email protected]‬‬
‫فاكس‪+971 4 6087555 :‬‬
‫ص‪ .‬ب‪ - 3135 :‬دب��ي‬
‫‪www.iacad.gov.ae‬‬
‫‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫ملخص البحث‬
‫عن�ي البحث بصياغة مرشوع تأهييل ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسلامية ينحو إىل‬
‫النهوض بمكنتهم االجتهادية يف ثالثة جماالت ‪ :‬جمال األدوات ‪ ،‬وجمال منهجية البحث ‪ ،‬وجمال‬
‫فق�ه التنزي�ل ؛ إذ ال س�بيل إىل احلفاظ عىل اهلوية الرشعي�ة للمصارف اإلسلامية ‪ ،‬إال بمواكبة‬
‫اجتهادية للمستجدات املالية ‪ ،‬وتأصيل راشد لبدائل املعامالت الربوية ‪.‬‬
‫وقد انتهى البحث إىل نتائج ذات أثر يف تفعيل املامرسة الرشعية ملفتي املصارف اإلسالمية‪،‬‬
‫ولع�ل أرجحه�ا وزن ًا ‪ ،‬وأبعدها أثر ًا يف هذا التفعيل ‪ :‬أن التأهيل االجتهادي يتيح للمفتي جودة‬
‫االس�تنباط ‪ ،‬وقوامة البح�ث يف القضايا املعارصة ‪ ،‬وإحكام التنزيل على الواقعات‪ ،‬وكلام كان‬
‫التأهيل يف هذه اجلوانب متكام ً‬
‫ال وحمك ًام ‪ ،‬إال وكان اجلهد العقيل مسدّ د ًا يف املالءمة بني العنارص‬
‫الثالث�ة ‪ :‬النص بمدركه الرشعي ‪ ،‬واملقصد الث�اوي يف النص ‪ ،‬وآحاد الوقائع اجلزئية ‪ ،‬مما يثمر‬
‫يف هناي�ة املطاف ترش�يد املعاملات املالية واملرصفية بالصبغة اإلسلامية احلاكم�ة عىل األفعال‬
‫والترصفات ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫مقدمة‬
‫تع�دّ املعامالت املالية جماالً مرتاحب ًا لالجته�اد ‪ ،‬وأفق ًا النقداح األفكار واألنظار ؛ إذ ترتى‬
‫يش�ب ذه�ن الفقيه املجتهد يف طلب املخ�ارج ‪ ،‬وحيدوه حدو ًا‬
‫نوازهلا ‪ ،‬وتطرد مس�تجداهتا ‪ ،‬بام‬
‫ّ‬
‫إىل الت�ديل إىل الواق�ع االقتصادي وأس�بابه الدائ�رة ‪ ،‬ومدارجتـه بالتكييف الفقه�ي املطلوب ‪،‬‬
‫والتأصيل الرشعي املسدَّ د ‪.‬‬
‫وقد باتت املصارف اإلسلامية ـ بعد انتش�ارها يف اآلفاق ‪ ،‬ومزامحتها للمؤسس�ات املالية‬
‫الربوي�ة ‪ ،‬واس�تئثارها بحظ�وة اجلمهور ‪ -‬كيان ًا ش�اخم ًا يف املضامر االقتصادي وامل�ايل ‪ ،‬عىل فتاء‬
‫عمره ‪ ،‬ومناوشته بتحديات رشسة قد تنقص العائدة ‪ ،‬وتعقب االضطراب ‪.‬‬
‫جلي ‪ ،‬أال وهو اجلري عىل‬
‫وملا كانت املصارف اإلسلامية تس�تقل بوس�م بائ�ن ‪ ،‬ومقصد ّ‬
‫ج�ادة الّش�رّ ع أحكام ًا وقواعدَ ومقاصدَ يف إجراء املعامالت املالي�ة ‪ ،‬وصياغة البدائل الرشعية‪،‬‬
‫ف�إن النض�ج الرشعي لألداء ال يتأت�ى إال بالتأهيل االجتهادي ألعضاء هيئ�ة الفتوى ؛ ذلك أن‬
‫االجته�اد يف الن�وازل مما يش�غل َّ‬
‫الذرع ‪ ،‬ويمل�ك الطاقة ‪ ،‬ويك�دّ الفكر ‪ ،‬واملتص�دي له ‪ -‬وإن‬
‫ِ‬
‫املع�ارف ‪ ،‬والتوفر عىل املهارات ‪ ،‬رشط ال‬
‫أويت فقاه�ة النف�س ‪ ،‬وس�عة األفق ‪ -‬فإن التزود من‬
‫ويقر يف نصابه ‪ .‬وال نتصور ديموم ًة‬
‫ندحة عن اس�تيفائه إن أريد للنظر الفقهي أن يصيب ح َّقه ‪َّ ،‬‬
‫للمصرف اإلسلامي ‪ ،‬وصون ًا هلويته الرشعي�ة ‪ ،‬وإقباالً موصوالً عىل خدمات�ه ومنتجاته ‪ ،‬إال‬
‫بإرشاف مفتني جمتهدين حيرصون أشد احلرص وأقواه عىل مطابقة املعامالت ألحكام الرشيعة‪،‬‬
‫ودوران العقود يف ِ‬
‫فلكها ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫‪ -1‬بواعث اختيار املوضوع ‪:‬‬
‫لي�س من اهلينّ وامليس�ور أن يرتصد الباحث الس�تجالء البواعث الت�ي حدت به إىل انتقاء‬
‫موض�وع بعين�ه جماالً للدرس واملفاتش�ة ‪ ،‬وما ذل�ك إال لتداخل هذا الباع�ث أو ذاك ‪ ،‬وتراوح‬
‫طبيعته بني الذاتية واملوضوعية ‪ ،‬وربام كان خفي ًا متدسس ًا إىل األطواء ‪ ،‬ال حييط به الباحث خرب ًا‪،‬‬
‫وإن أحاط به فال يستطيع له طلب ًا ‪ ،‬عىل ما قد يكون له من ضلع يف احلفز واالستحثاث ‪.‬‬
‫ِ‬
‫الس�نن الالئح يف‬
‫مهام يكن من أمر فإين صائر إىل بيان بواعث اختيار املوضوع ‪ ،‬جري ًا عىل َّ‬
‫أوضاع املؤلفني ‪ ،‬وإليكم البيان ‪:‬‬
‫يتيس هلم من عدّ ة االجتهاد ‪ ،‬وآلة‬
‫أ ‪ -‬النهوض باملستوى االجتهادي لفقهاء العرص ‪ ،‬حتى رّ‬
‫ٍ‬
‫الحب ‪ ،‬وس�ابلة موثقة ‪،‬‬
‫النظر ‪ ،‬ما يعينهم عىل مواجهة النوازل ‪ ،‬والبحث يف القضايا ‪ ،‬بمنهج‬
‫تفيض إىل إصابة احلق ‪ ،‬وإبداء حكم الرشع يف احلوادث ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬صياغة نموذج املجتهد العرصي الذي جيمع يف أهليته العلمية بني فقه النص الرشعي‪،‬‬
‫وفقه الواقع املرصيف ‪ ،‬وهذا النموذج عزيز الوجود ‪ ،‬صعب املنال ؛ بل هو أعز من بيضة الديك!‬
‫وإن الظفر به ال يتاح إال بالتأهيل االجتهادي املحكم لفقهاء العرص ومفتيه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬مواكبة الركب احلثيث للمصارف اإلسالمية الذي ال يكاد يفتح أفق ًا جديد ًا من آفاق‬
‫املعامالت املالية ‪ ،‬حتى يتسع خطوه إىل أفق أوسع ‪ ،‬ويرتاده وثاب ًا ‪ ،‬بالغ ًا ُقنَّ َة الرحابة واالنفتاح‪،‬‬
‫وكيف تتاح هذه املواكبة إذا مل يرتصد هلا أهل الفتوى باجتهاد رحيب ‪ ،‬ونظر متفتّح ؟‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫مناهج املاليات املعارصة عنق ًا‬
‫مكاسب املصارف اإلسالمية التي سارت يف‬
‫د ‪ -‬احلفاظ عىل‬
‫فس�يح ًا ‪ ،‬وحازت حظوة أي حظوة لدى مجهور الناس ‪ ،‬فكيف نخذل هذا الرصح االقتصادي‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اإلعداد له ؟‬
‫الواجب االجتهادي ‪ ،‬والتقصري يف‬
‫الباذخ ‪ ،‬ونتهاون يف نرصته ‪ ،‬بالتقاعس عن‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪ - 2‬اإلضافة املعرفية يف الدراسة‪:‬‬
‫ظفرت هيئات الفتوى والرقابة الرشعية بحظ غري ضئيل من اهتاممات الدارسني املعارصين‪،‬‬
‫إذ أنش�ئت فيها كتب مس�تقلة برأسها ‪ ،‬وحررت دراسات يف ِ‬
‫ِ‬
‫وطرق‬
‫بيان وسائل تفعيلها ‪،‬‬
‫ّ‬
‫مواجهة التحديات املحدقة هبا ‪ ،‬بيد أنني مل أقف ‪ -‬عىل املطاولة واجلهد يف االستقصاء‪ - ‬عىل‬
‫دراس�ة تعنى بصياغة مرشوع تأهييل ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسلامية ‪ ،‬وإن كان هذا‬
‫التأهيل وسيلة مثىل لتفعيل دور هذه اهليئة يف ِ‬
‫اإلرشاف الرشعي ‪ ،‬ووزن ممارسات املؤسسة املالية‬
‫بميزان القواعد واملقاصد ‪ .‬وكنت أود أن تضم دراس�ة معارصة بني عطفيها حديث ًا عن التأهيل‬
‫االجته�ادي هليئة الفتوى‪ ،‬والس�يام أهنا عني�ت بصياغة مرشوع تأهييل للعاملني يف املؤسس�ات‬
‫املالية اإلسالمية ‪ ،‬لكنها رضبت صفح ًا وطوت كشح ًا ‪ -‬كام يقولون ‪ -‬عن االهتامم هبذه اهليئة؛‬
‫بل نصت عىل استثنائها من ِ‬
‫نطاق التأهيل قائل ًة ‪ ( :‬املقصود هبؤالء األعضاء هيئة الرقابة الرشعية‬
‫الداخلية للمؤسسة ‪ ،‬أي ‪ :‬وحدات الرقابة الرشعية ‪ ،‬وليست هيئات الفتوى الرشعية » ‪.‬‬
‫وال ن�كاد نظف�ر فيما بني اليد من هذه الدراس�ات إال بحديث يط�ول أو يقرص عن رشوط‬
‫انتق�اء أعض�اء هيئة الفتوى ‪ ،‬وقد ينطوي عىل ملع ال َقدْ َر هلا ‪ ،‬وال َح ْف َل هبا ‪ ،‬يف موضوع التأهيل‬
‫لج الداعي إىل إفراد هذا املوضوع بالدراسة ‪ ،‬سدّ ًا للثلمة ‪ ،‬وتدارك ًا‬
‫النظري للمفتني ‪ .‬ومن هنا ّ‬
‫ انظر ‪ :‬الرقابة الرشعية يف املصارف اإلسالمية ‪ ،‬محزة محاد ‪ ،‬دار النفائس ‪ ،‬األردن ‪ ،‬ط ‪ 2006 ، 1‬م ‪.‬‬
‫ انظ�ر ‪ :‬تفعي�ل دور هيئات الفتوى والرقابة الرشعية يف املؤسس�ات املالية اإلسلامية ‪ ،‬عبد احلق محيش ‪،‬‬
‫جملة جامعة الش�ارقة للعلوم الرشعية واإلنس�انية ‪ ،‬املجلد ‪ ، 4 ،‬ع ‪ 1428 ، 1‬هـ‪ 2007/‬م ‪ ،‬ص ‪ 95‬ـ‬
‫ص ‪. 144‬‬
‫ انظ�ر ‪ :‬الرقاب�ة الرشعية والتحديات املعارصة للبنوك اإلسلامية ‪ ،‬املؤمتر الثالث لالقتصاد اإلسلامي ‪،‬‬
‫جامعة أم القرى ‪ ،‬مكة املكرمة ‪.‬‬
‫ انظر ‪ :‬أدوات التأهيل املتكامل يف املؤسسات املالية اإلسالمية ودور اهليئات الرشعية واملعاهد يف تدريبهم‬
‫رشعي� ًا ‪ ،‬بح�ث مقدم من دار املراجع�ة الرشعية يف املؤمتر اخلامس للهيئات الرشعية للمؤسس�ات املالية‬
‫اإلسالمية املنعقد يف البحرين سنة ‪ 1426‬هـ‪ 2005/‬م ‪ ،‬ص ‪. 8‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫للنق�ص ‪ ،‬وإس�هام ًا يف اس�تحثاث ركب املصارف اإلسلامية يف امليض قدم ًا على درب العطاء‬
‫املتميز ‪ ،‬واإلنجاز املثمر ‪.‬‬
‫‪ - 3‬خطة الدراسة ‪:‬‬
‫وزعنا الدراسة إىل مقدمة ‪ ،‬ومخسة مباحث ‪ ،‬وخامتة ‪ ،‬وبيان ذلك عىل النحو اآليت ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ومكمن جدته وإضافت�ه املعرفية ‪ ،‬وخطته‬
‫أ ـ املقدم�ة ‪ :‬يف بي�ان بواعث اختي�ار املوضوع ‪،‬‬
‫اهليكلية العامة ‪ ،‬واملنهج املختار يف حقل الدرس العلمي ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬املبحث األول ‪ :‬يف بيان مفردات العنوان ‪ ،‬وهي ‪ :‬التأهيل االجتهادي ‪ ،‬وهيئة الفتوى‪،‬‬
‫واملصارف اإلسالمية ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬املبح�ث الث�اين ‪ :‬يف بي�ان مس�وغات التأهي�ل االجته�ادي ألعض�اء هيئ�ة الفتوى يف‬
‫املصارف اإلسالمية ‪.‬‬
‫د ـ املبحث الثالث ‪ :‬يف بيان مالمح التأهيل يف جمال األدوات االجتهادية ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬املبحث الرابع ‪ :‬يف بيان مالمح التأهيل يف منهج معاجلة القضايا املعارصة ‪.‬‬
‫و ‪ -‬املبحث اخلامس ‪ :‬يف بيان مالمح التأهيل يف مضامر فقه التنزيل ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬اخلامتة ‪ :‬يف بيان نتائج الدراسة ‪ ،‬وحترير التوصيات ‪.‬‬
‫‪ - 4‬املنهج العلمي‪:‬‬
‫يمكن استجالء مقومات املنهج املتبع فيام يأيت ‪:‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫نس�ب‬
‫بس�بب أو‬
‫أ ‪ -‬توس�لت باملنه�ج االس�تقرائي يف مج�ع جزئي�ات املوضوع التي تديل‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫إىل عن�وان البح�ث ‪ ،‬وتتبع�ت تتبع قائف األث�ر ما كتب عن هيئ�ات الفت�وى والرقابة الرشعية‬
‫على جتافيه أحيان ًا عن املوضوع الرئيس ‪ ،‬بقصد االس�تئناس ‪ ،‬وتل ّق�ط اللمع الضئيلة املبثوثة يف‬
‫تضاعيف الدراسات عن ضوابط انتقاء املفتني ورشوط أهليتهم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬توس�لت باملنه�ج التحليلي النقدي يف تع ّق�ب بعض اآلراء ‪ ،‬ومتحيص املس�ائل ذات‬
‫الصل�ة ‪ ،‬ومل أمتح�ل يف ذلك متح ً‬
‫ال يلوي عنق احلقائ�ق ‪ ،‬ويتهافت عىل التنقص والزراية ؛ فتلك‬
‫شنشنة نعرفها ممن يريد التزيد يف العلم ‪ ،‬والتكثر بالباطل ‪ ،‬والتن ّبل عند الناس ؛ وإنام كنت أزن‬
‫ِ‬
‫تقر األمور يف نصاهبا باحلجج النواهض امللزمة ‪.‬‬
‫األمور بميزان اإلنصاف واحليدة ‪ ،‬حتى ّ‬
‫ِ‬
‫وبيان معامله النظرية‬
‫ج ‪ -‬توس�لت باملنه�ج النظري التأصييل يف صياغة املرشوع التأهيلي ‪،‬‬
‫ِ‬
‫التأصي�ل ‪ -‬يف مواض�ع ش�تّى ‪ -‬بف�روع من القضاي�ا املالي�ة واملرصفية‬
‫والتطبيقي�ة ‪ ،‬م�ع رب�ط‬
‫املعارصة‪. ‬‬
‫د ‪ -‬ترس�مت قواع�د أه�ل البح�ث يف ترتيب امل�ادة العلمي�ة ‪ ،‬وتوثيق النق�ول ‪ ،‬وختريح‬
‫األحاديث وبيان رتبتها إن رويت يف غري الصحيحني ‪.‬‬
‫نس�أل اهلل تعاىل أن يرزق هذا العمل القبول يف األرض ‪ ،‬والثواب اجلزيل يف اآلخرة ‪ ،‬يوم‬
‫ال ينف�ع م�ال وال بن�ون إال من أتى اهلل بقلب س�ليم ‪ « .‬أما س�ائر ما تكلمنا عليه مما اس�تدركناه‬
‫بمبلغ أفهامنا ‪ ،‬وأخذناه عن أمثالنا ‪ ،‬فإنا أحقاء أال نزكيه ‪ ،‬وأال نؤكد الثقة به ‪ ،‬وكل من عثر منه‬
‫عىل حرف أو معنى جيب تغيريه ‪ ،‬فنحن نناش�ده اهلل يف إصالحه ‪ ،‬وأداء حق النصيحة فيه ‪ ،‬فإن‬
‫اإلنسان ضعيف ال يسلم من اخلطأ ‪ ،‬إال أن يعصمه اهلل بتوفيقه » ‪.‬‬
‫ غريب احلديث للخطايب ‪. 49/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪10‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫املبحث األول‬
‫متهـــــيد‬
‫جتيل منحى‬
‫تتأل�ف بنية العنوان ‪ ،‬وهي العتب�ة الداللية األوىل يف البحث ‪ ،‬من ثالثة عنارص ّ‬
‫املوض�وع ‪ ،‬وتوحي بفلكة مغزله ‪ ،‬وقد رأينا من الرضورة املنهجية بيان مفرداهتا ‪ ،‬متهيد ًا لوضع‬
‫الفهم عن‬
‫املامضة واملالحاة ‪ ،‬وإزالة لغشاوة اللبس التي حتجب‬
‫املفاهي ِم يف نصاهبا‪ ،‬وقطع ًا لدابر ّ‬
‫َ‬
‫نور احلقيقة ‪ ،‬وكنه األشياء ‪.‬‬
‫‪ - 1‬التأهيل االجتهادي‪:‬‬
‫نعرف التأهيل االجتهادي يف ضوء اعتبارين ‪:‬‬
‫يمكن أن ّ‬
‫أ ‪ -‬اعتبار الرتكيب ‪ ،‬أي ‪ :‬أن التأهيل االجتهادي مركب من مفردتني ‪ :‬التأهيل واالجتهاد‪،‬‬
‫والبد من الوقوف عند تعريفهام لغة واصطالح ًا ‪:‬‬
‫التأهي�ل م�ن الفعل ‪ّ :‬‬
‫وتأهل لألمر ‪:‬‬
‫أهل فالن ًا لألم�ر ‪ :‬أي ‪ :‬آهله ‪ّ ،‬‬
‫وتأهل ‪ ،‬يقال ‪ّ :‬‬
‫أه�ل ‪ّ ،‬‬
‫ص�ار ل�ه أه ً‬
‫ال ‪ ،‬وإذا أطلق التأهيل أريد به اإلع�داد اجل ّيد يف مضامر ما ‪ ،‬وهو إعداد يصري به‬
‫مؤهل ً‬
‫ا لالضطالع بمهمت�ه أو ختصصه ‪ .‬وقد رأيت بعض الباحثين ينفي عن التأهيل‬
‫صاحب�ه ّ‬
‫بعده التعليمي نفي ًا يأباه املنطق وعرف االس�تعامل ؛ إذ جعله مقصور ًا عىل التدريب والتمرين ‪،‬‬
‫بينام التعليم هو إكساب املعرفة للشخص ‪ ،‬ومن هنا يراد بالتأهيل ‪ :‬جعل الشخص أه ً‬
‫ال ملزاولة‬
‫وس�ليام لقربه من األصل اللغوي للكلمة ‪ ،‬وتداوهلا‬
‫ما تع ّلم ‪ .‬وإذا كان هذا التعريف متّجه ًا‬
‫ً‬
‫االصطالح�ي املعارص ‪ ،‬فإن قط�ع التأهيل عن أي آرصة تضايف أو ش�به بالتعليم ‪ ،‬مردود لغ ًة‬
‫واصطالح� ًا ؛ ألن تأهي�ل الش�خص ملزاول�ة عمله أو ختصص�ه ال يس�تقيم إال بتعليمه مجلة من‬
‫ املعجم الوسيط ‪. 32/1 ،‬‬
‫ بحوث يف املعامالت واألساليب املرصفية لعبد الستار أبو غدة ‪ ،‬ص ‪. 316‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪11‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫املع�ارف وامله�ارات التي يصري هبا أه ً‬
‫ال هلذا العم�ل أو ذاك التخصص ‪ ،‬فالتعلم جزء من ماهية‬
‫التأهي�ل ‪ ،‬وركن يف ( استراتيجيته ) ‪ ،‬وإال كيف يصبح الش�خص مؤهل ً‬
‫ا بدون علم وتع ّلم ؟!‬
‫وحتى لو جارينا الباحث يف منطقه ‪ ،‬وقلنا ‪ :‬إن التأهيل تدريب للشخص عىل مزاولة ما تع ّلم ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫إعداد علمي ال ّ‬
‫ينفك عن التعليم ؛‬
‫ال تعليمه معرفة بعينها ‪ ،‬فإن هذا التعريف ينطوي أيض ًا عىل‬
‫إذ التدريب عىل املزاولة حيتاج إىل تعلي ِم أساليب ‪ ،‬وتلقني وسائل ‪ ،‬تسعف املزاول عىل االستثامر‬
‫اجليد حلمولته املعرفية ‪.‬‬
‫واالجتهاد لغة ‪ :‬اس�تفراغ الوس�ع يف حتصيل اليشء ‪ ،‬واصطالح ًا ‪ :‬استفراغ الوسع يف درك‬
‫األحكام الرشعية ‪ ،‬وتنزيلها عىل الواقع ‪.‬‬
‫ومعظ�م املدون�ات األصولي�ة جتت�زىء يف تعري�ف االجتهاد بالش�ق النظري وه�و ‪ :‬درك‬
‫أش�ق من‬
‫األح�كام الرشعي�ة ‪ ،‬وتغفل الش�ق التطبيقي وه�و ‪ :‬التنزيل عىل الواقع ‪ ،‬مع أن الثاين ّ‬
‫األول وأعسر؛ بل إنه ‪ :‬جوهر االجته�اد الفقهي ولبابه ؛ ذلك أن الفقيه املجتهد يتعاطى صنعة‬
‫االجته�اد م�ن جهتين ‪ :‬األوىل ‪ :‬فهم امل�راد اإلهلي من الوح�ي أحكام ًا ومقاص�دَ ‪ ،‬انطالق ًا من‬
‫مناهج االستنباط ‪ ،‬وأدوات النظر ‪ ،‬والثانية ‪ :‬فهم ٍ‬
‫مواز للفهم األول ومقارن له ‪ ،‬وهو الفقه يف‬
‫املنزل عليه ‪ ،‬وإدراك عالئقه املتش�ابكة ‪ ،‬وسامته املعقدة ‪ ،‬وأبعاده الغنية‪.‬‬
‫الواقع اإلنس�اين املتغيرّ َّ‬
‫وبالفقهني مع ًا ‪ :‬فقه النص وفقه الواقع متتّن عرى الوصل بني ( وحي السامء وواقع األرض)‪،‬‬
‫فتغدو حياة الناس منفعلة بتعاليم الوحي ‪ ،‬ومترشبة ملقاصده ‪ ،‬ويشق الوحي جمراه نحو احلضور‬
‫املتمحضة ملصلحة اإلنسان يف العاجل واآلجل ‪.‬‬
‫الفعيل يف الواقع بقصد تكييفه وفق إلزاماته‬
‫ّ‬
‫متهد هذا أدركنا بس�هولة ويرس أن اجتهاد الفقيه ثنائي االجتاه واملنحى ؛ إذ ال ينكفىء‬
‫وإذا ّ‬
‫عىل استجالء املراد اإلهلي للوحي ؛ وإنام يعنى بتطبيق املراد املفهوم عىل الواقع اإلنساين ‪ ،‬وهذا‬
‫ املس�تصفى للغ�زايل ‪ ، 350/2 ،‬واحل�دود للباجي ‪ ،‬ص ‪ ، 64‬واإلحكام لآلم�دي ‪ ، 4/1 ،‬والتعريفات‬
‫للجرجاين ‪ ،‬ص ‪. 10‬‬
‫ أدوات النظر االجتهادي املنشود يف ضوء الواقع املعارص لقطب سانو ‪ ،‬ص ‪. 20‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪12‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ّ‬
‫املنزل عليه ‪ ،‬واملالبس�ات الزمانية واملكاني�ة التي تكتنفه ‪،‬‬
‫يقتضي تبصر ًا واعي ًا‬
‫بمحال الواق�ع ّ‬
‫وتوسل ً‬
‫ا ب�أدوات التنزي�ل املحكم التي حتم�ي مآل احلكم ‪ ،‬وتص�ون مقصده ع�ن التخ ّلف أو‬
‫االنطامس ‪.‬‬
‫ب‪ -‬اعتبار اللقبية ‪ ،‬أي ‪ :‬أن التأهيل االجتهادي لقب عىل رضب معني من اإلعداد املعريف‬
‫واملنهجي يكسب الفقيه املجتهد أدوات معرفية ‪ ،‬ومهارات تطبيقية ‪ ،‬هي عدته يف الفهم ‪ ،‬وآلته يف‬
‫التنزيل ‪ ،‬ووسيلته إىل التوفيق بني فقه النص وفقه الواقع عند النظر يف القضايا واملستجدات‪.‬‬
‫‪ -2‬هيئة الفتوى‪:‬‬
‫يوسد إليه اإلرشاف‬
‫املراد هبيئة الفتوى‪ :‬فريق من الفقهاء املتخصصني يف املعامالت املالية ‪ّ ،‬‬
‫الرشع�ي عىل نش�اطات املرصف اإلسلامي ‪ ،‬وضبط ممارس�اته املالي�ة ‪ ،‬باالنت�زاع من مصادر‬
‫ِ‬
‫القواعد الرشعية ‪ ،‬واملقاصد املرعية ‪.‬‬
‫نص فيه يف إطار‬
‫الرشيعة ‪ ،‬واالجتهاد فيام ال ّ‬
‫رب عن هيئة الفتوى بمصطلحات بديلة كاللجنة الدينية ‪ ،‬واملجلس الرشعي ‪ ،‬واهليئة‬
‫وقد يع ّ‬
‫الرشعية ‪ ،‬وجلنة اإلفتاء ‪ ،‬واملستشار الرشعي ‪ ،‬وهي مصطلحات متقاربة يف املعنى ‪ ،‬متضايفة يف‬
‫الداللة ‪ ،‬وال ضري يف اس�تعامهلا مجيع ًا ‪ ،‬وتناوهبا عىل الوفاء باملراد ؛ وال مش�احة يف االصطالح‪.‬‬
‫جتوز تأباه دق�ة االصطالح من‬
‫بي�د أن إطلاق مصطل�ح ( الرقابة الرشعي�ة ) عىل هيئة الفت�وى ّ‬
‫جهتني‪:‬‬
‫األوىل‪ :‬أن هيئ�ة الفت�وى ال تضطلع بالتدقيق الرشعي ‪ ،‬والعمل الرقايب ؛ وإنام مدار عملها‬
‫عىل التأصيل الفقهي للمس�تجدات املالية واملرصفية ‪ ،‬واإلرشاف عىل صياغة العقود ‪ ،‬واقرتاح‬
‫البدائل الرشعية للمعامالت الربوية ‪ ،‬وتوعية العاملني يف املصارف اإلسالمية بأحكام الرشيعة‬
‫يف إجراء املعامالت إباحة وحظر ًا ‪.‬‬
‫والثاني�ة‪ :‬أن مصطل�ح الرقاب�ة الرشعية يش�عر باإلل�زام ؛ بخالف الفتوى الت�ي ال تكتيس‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪13‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫هذه الصبغة يف الفقه اإلسلامي ‪ ،‬ولذلك قيل يف تعريفها ‪ « :‬تبيني احلكم الرشعي للس�ائل عنه‬
‫واإلخبار بال إلزام » ‪.‬‬
‫‪ -3‬املصرف اإلسالمي‪:‬‬
‫املرصف اإلسلامي مؤسسة تلتزم يف معامالهتا املالية ‪ ،‬ونش�اطاهتا االستثامرية‪ ،‬بالرشيعة‬
‫اإلسلامية أحكام� ًا ومقاص�دَ ‪ ،‬م�ع االلتف�ات إىل تطلعات املجتم�ع اإلسلامي إىل التنمية‬
‫االقتصادية واالجتامعية ‪.‬‬
‫ويف ه�ذا التعري�ف ر ّد رصي�ح على من قال ‪ :‬م�ن الس�ائغ أن يامرس املرصف اإلسلامي‬
‫نشاطه املايل واالستثامري عىل وفق قانون العقود االئتامنية ‪ ،‬ومن ثم تنتفي احلاجة إىل أي قانون‬
‫خاص‪.‬‬
‫تصور‬
‫واحل�ق أن تعاري�ف املرصف اإلسلامي ‪ -‬عىل تباين صيغها ‪ ،‬ومن�ازع أصحاهبا يف ّ‬
‫دور هذا املرصف ‪ -‬جتمع عىل ضابط رئيس هو العودة إىل الرشيعة ‪ ،‬واحلكم هبا عىل الترصفات‬
‫املالية حتلي ً‬
‫ال وحتري ًام ‪ ،‬واجتناب مظان الربا أخذ ًا وعطا ًء ‪.‬‬
‫***‬
‫ مطالب أويل النهى للرحيباين ‪. 437/6 ،‬‬
‫ انظر تعريف املرصف اإلسالمي يف ‪:‬‬
‫أ‪ -‬املصارف اإلسالمية لفادي حممد الرفاعي ‪ ،‬ص ‪. 21 - 20‬‬
‫ب‪ -‬والبنوك اإلسالمية لفليح حسن خلف ‪ ،‬ص ‪. 93 - 92‬‬
‫جـ‪ -‬دور املصارف اإلسالمية يف التنمية لعبد الرمحن يرسي ‪ ،‬جملة االقتصاد اإلسالمي ‪ ،‬العدد ‪. 168‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪14‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫املبحث الثاني‬
‫مسوغات التأهيل االجتهادي‬
‫ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫إن التأهيل االجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسلامية ال يس�تقيم إال بإنش�اء‬
‫معاه�د الصريفة اإلسلامية يؤهل فيه�ا املفتون فقه� ًا وواقع ًا للنظر يف املس�تجدات االقتصادية‬
‫ملوانع‬
‫واملالي�ة ‪ ،‬أو إح�داث هيكل�ة هلذه الش�عبة املعرفية بكلي�ات الرشيعة ‪ ،‬وإذا مل يتيّس�رّ ذلك‬
‫َ‬
‫مادية أو معنوية ‪ ،‬فمن املتاح ـ بصفة مؤقتة ‪ -‬االجتزاء بدورات تعليمية وتدريبية يرشف عليها‬
‫علامء الرشع ‪ ،‬وفقهاء القانون واالقتصاد ‪.‬‬
‫والتأهيل املنش�ود عىل رضبين‪ :‬تأهيل لألطر الفتية التي تتش�وف إىل التخصص الرشعي‪،‬‬
‫وإع�ادة تأهيل لرضب من املفتني تعوزهم الدراية الواس�عة بفقه املعامالت املالية ‪ ،‬وفقه الواقع‬
‫املايل واملرصيف ‪.‬‬
‫ولي�س ه�ذا التأهيل ترف ًا فكري ًا ‪ ،‬أو رشط كامل واستحس�ان يف اإلع�داد العلمي للمفتي ؛‬
‫ب�ل إن�ه جيري جمرى الرضوري�ات الرشعية ‪ ،‬والثواب�ت املعرفية التي حيرص أش�د احلرص عىل‬
‫استيفائها ‪ ،‬وتزكيه مرجحات ناهضة من البداهة والعقل وفقه الواقع ‪ ،‬نعدّ منها وال نعدّ دها ‪:‬‬
‫‪ -‬أوالً ‪ :‬للحياة االقتصادية تفاعلها اخلاص فهي تتمخض كل ساعة عن جديد تنزع به قدي ًام‬
‫يف أنظمة التس�يري املايل ‪ ،‬وأنامط االس�تثامر التجاري ‪ ،‬وال س�بيل إىل أن نصحب هذه احلياة عىل‬
‫ِ‬
‫املواكب‬
‫الصح�ة والسلامة والعافية إال يف محى الرشيعة ‪ ،‬وكنف مو َّطأ م�ن االجتهاد العرصي‬
‫للح�وادث واملس�تجدات ‪ ،‬وهذه رس�الة املجتهدين من الفقهاء واملفتين ‪ ،‬وإذا ما تع ّطلت هذه‬
‫الرس�الة فلن جتد لإلسلام ذلك الض�وء اهلادي املؤنس ‪ ،‬وتلك املعامل النّي�رّ ة املبشرّ ة التي قادت‬
‫ومازالت تقود إىل شطآن الرخاء والنعمى ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪15‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫فهل يبقى الفقه اإلسالمي بعد هذا السباق احلثيث يف حالئب التطور أسري الفروع الصامء‪،‬‬
‫واخلالفات العقيمة ‪ ،‬واحلياة ال تكاد تلبس ثوب ًا يف أول النهار حتى ختلعه يف آخره ‪ ،‬ال ألن هذا‬
‫وخترق ‪ ،‬فال حياص منه موضع ؛ وإنام هو السعي احلثيث إىل التطوير ‪ ،‬واسترشاف‬
‫الثوب هتتّك ّ‬
‫األفضل واألكمل ‪ ،‬ونسخ آيات العلم الكائنة بآيات أخر أرد عىل البرشية عائد ًا ونفع ًا !‬
‫‪ -‬ثاني� ًا ‪ :‬إن إصابـ�ة احل�ق ال�ذي أم�ر به احلاك�م واملفتي مطل�ب رضوري يس�تقيم به أمر‬
‫الترشي�ع‪ ،‬وتزكو عائدته ‪ ،‬وال ش�ك أن اس�تيفاء هذا املطلب رهني برشطين ‪ :‬أوهلام ‪ :‬احلكم بام‬
‫ال وآج ً‬
‫متمحضة خلري املكلف عاج ً‬
‫ال ‪ ،‬والث�اين ‪ :‬االجتهاد يف فهم‬
‫أن�زل اهلل ؛ ألن املصلح�ة في�ه‬
‫ّ‬
‫املراد اإلهلي من الوحي ‪ ،‬وتنزيله عىل الواقع تنزي ً‬
‫ال حمك ًام يعقب مقاصده تامة غري منقوصة‪.‬‬
‫‪ -‬ثالث ًا ‪ :‬إن االجتهاد العرصي يف القضايا املالية باب توس�عة ورحابة وميرسة يف دين اهلل ‪،‬‬
‫ال يوصده إال داعية حتجر وانكفاء ‪ ،‬وجاحد لفريضة التفكري واالعتبار ؛ بل إن االجتهاد يف كل‬
‫يوسع عىل الناس ضيق ًا ‪ ،‬ويرفع عنهم إرص ًا ‪ ،‬ويفتح يف حياهتم نوافذ اخلري ‪ ،‬فإذا دامهتهم‬
‫مضامر ّ‬
‫نازلة ‪ ،‬أو حزهبم إشكال ‪ ،‬حسم فيه بأنطار املجتهدين ‪ ،‬فحصحص احلق ‪ ،‬واستنار السبيل ‪.‬‬
‫‪ -‬رابع� ًا ‪ :‬إن تفعي�ل املامرس�ة الرشعي�ة هليئ�ة الفت�وى ال يتأت�ى إال بتأهيله�ا يف املضمار‬
‫االجتهادي‪ ،‬ليكون نظرها مس�تق ً‬
‫ال يف القضايا املالية ‪ ،‬وتأصيلها الفقهي غري زائغ عن جهته أو‬
‫مقره ‪ ،‬وإرشافها الرشعي عىل األنش�طة ‪ ،‬والعقود ‪ ،‬والبدائل املمكنة ‪ ،‬وإدارة األعامل عىل حظ‬
‫ّ‬
‫غري ضئيل من النضج واالستواء ‪.‬‬
‫‪ -‬خامس ًا ‪ :‬ندرة العلامء املجتهدين يف فقه املعامالت املالية ‪ ،‬وفقه الواقع املرصيف ‪ ،‬وإن سدّ‬
‫ه�ذه الثلم�ة يتاح بتأهيل األطر الرشعية الفتية ‪ ،‬ومحلها عىل التضلع من الفقهني مع ًا ‪ ،‬وال س�يام‬
‫أن الواقع�ة االقتصادية أو املالية يف غاية التعقيد والتش�ابك ‪ ،‬وحتقيق مناطها اخلاص ‪ ،‬والتنزيل‬
‫عىل حماهلا ‪ ،‬شأن املجتهدين الواعني بآداب التكييف الفقهي ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪16‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫‪ -‬سادس ًا ‪ :‬ضمور التكوين يف املعرفة النصية الدينية ‪ ،‬واملعرفة اإلنسانية الواقعية ‪ ،‬ويعزى‬
‫هذا الضمور إىل أمرين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفص�ل بين فروع العلم الرشعي من فقه وأص�ول وحديث ولغة ‪ ،‬ورصف العناية إىل‬
‫ف�ن واح�د بدافع التخص�ص العلمي الدقيق ‪ ،‬وإذا كان هذا املس�لك األكاديم�ي املحمود يتيح‬
‫أتم القيام ‪ ،‬فإن التأهيل االجتهادي للمفتي يس�تلزم‬
‫لصاحب�ه احلذق بصناعته ‪ ،‬والقيام عىل فنّه ّ‬
‫أول ما يس�تلزم مش�اركة يف فروع العلم الرشعي ‪ ،‬ولو بإحراز الرتبة الوس�طى فيها ‪ ،‬وهذا ال‬
‫يمنع من االنقطاع لفرع خمصوص ‪ ،‬واإلحاطة بدقائقه وأرساره ‪.‬‬
‫إن الرشيعة اإلسلامية منظومة علمية متكاملة ‪ ،‬والعامل النموذجي هو الذي يس�تويف حظه‬
‫م�ن علومه�ا عىل نحو يس�تكمل ب�ه عدته االجتهادي�ة ‪ ،‬فقد تن�زل النازلة املالية مثل ً‬
‫ا ‪ ،‬فيحتاج‬
‫َ‬
‫ناهيك عن فقه الواقع فيه�ا ‪ ،‬وهذا الرضب‬
‫يف معرف�ة حكمه�ا إىل فق�ه وأصول وحديث ولغ�ة‬
‫االجتهادي ال يلج مضايقه إال من أويت وفور ًا يف العلم ‪ ،‬وسعة يف األفق ‪.‬‬
‫خترج أجياالً م�ن حاميل التخصص‬
‫وم�ن ثم فإن منه�ج الفصل بني فروع العل�م الرشعي ّ‬
‫الواحد ‪ّ ،‬‬
‫وجتذر أحادية يف التكوين حتول دون التوفر عىل اآللة االجتهادية املطلوبة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفص�ام النك�د بني املعرفة الديني�ة واملعرفة الواقعية يف مناهج اجلامعات اإلسلامية‬
‫والكلي�ات الرشعية باعتبارمه�ا معرفتني متضاربتني يضيق هبام وعاء واح�د ‪ ،‬ومن جتليات هذا‬
‫الفص�ام إمه�ال ف�روع املعرفة الواقعي�ة يف النظم التعليمي�ة املعنية بإقراء عل�وم الرشيعة ‪ ،‬مع أن‬
‫إصدار احلكم الرشعي يف املسألة يتوقف عىل معرفة فقه الواقع فيها ؛ ألن احلكم عىل اليشء فرع‬
‫عن تصوره كام يقول املناطقة ‪ ،‬وكل خطأ يف فهم الواقع يعقب خطأ يف التكييف والتأصيل‪ .‬وما‬
‫دام فقه النص يرتبط بفقه الواقع ارتباط العلة باملعلول يف كل اجتهاد س�ديد ‪ ،‬فإن من الرضورة‬
‫الرشعية امللحة الدمج بني الفقهني أو املعرفتني ‪ ،‬والتأهيل فيهام مع ًا إن أردنا للمامرسة االجتهادية‬
‫نضج ًا واستوا ًء يف التنظري والتنزيل عىل حد سواء ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪17‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫إن ه�ذه النظ�رة التجزيئية العليل�ة التي فصمت بين املعرفتني الرشعي�ة والواقعية أفرزت‬
‫صنفين م�ن الفقهاء ‪ :‬أوهلما ‪ :‬فقهاء نص ال دراي�ة هلم بالتحوالت االقتصادية ‪ ،‬واملس�تجدات‬
‫املالية التي تطرأ عىل ساحة القوم ‪ ،‬وال علم هلم بسبل تفعيل الرشع ‪ ،‬وحتقيق قوميته عىل الواقع‬
‫االقتصادي واملايل ‪ .‬والثاين ‪ :‬فقهاء واقع يعوزهم الفهم ملعاين النصوص ومقاصدها ‪ ،‬والدراية‬
‫بتنزيل املراد اإلهلي عىل الواقع احلي ‪ ،‬مع حظهم الوافر من املعرفة القانونية واالقتصادية ‪.‬‬
‫‪ -‬س�ابع ًا ‪ :‬إذا كان االلت�زام الرشع�ي هوي�ة ناصع�ة للعمل املرصيف اإلسلامي ‪ ،‬ومكمن‬
‫االفتراق ع�ن املصارف التقليدية ‪ ،‬فم�ن البدهي تأليف هيئة رشعي�ة متخصصة تصوغ املعايري‬
‫الرشعية ‪ ،‬وترشف عىل تطبيقها يف أنشطة التعامل املايل واالستثامري ‪ ،‬مع التأصيل الفقهي لكل‬
‫مس�تجدّ مايل ‪ ،‬وبيان حكم الرشع فيه ‪ .‬وال ش�ك أن فقدان هذه اآللية يس�قط ش�عار « االلتزام‬
‫الرشعي » ‪ ،‬ويزعزع ثقة العمالء يف الصبغة اإلسالمية للمرصف ‪ ،‬وإن احلفاظ عىل ديمومة هذا‬
‫الشعار أو تلكم الصبغة مكفول بتوافر املجتهدين املؤهلني لالضطالع برسالة املؤسسات املالية‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬واستيفاء مقاصدها عىل الوجه األمثل ‪.‬‬
‫‪ -‬ثامن� ًا ‪ :‬إن م�ن التحدي�ات الداخلية املحدق�ة بالعمل املرصيف اإلسلامي ‪ :‬ضعف اهليئة‬
‫الرشعي�ة املواكب�ة ألنش�طة االس�تثامر ‪ ،‬وإدارة األعمال املالي�ة ‪ ،‬وم�ر ّد هذا الضع�ف ‪ -‬يف أكثر‬
‫األحيان ‪ -‬إىل فقدان اآللة االجتهادية ‪ ،‬أو قصورها يف املجال التأصييل ‪ ،‬وقد أعقب ذلك ‪:‬‬
‫‬
‫حاكام عىل الترصفات‬
‫أ ‪ -‬هشاش�ة النموذج النظري اإلسلامي الذي يفرتض أن يكون ً‬
‫املالية للمرصف ‪ ،‬مما أفىض إىل الش�ذوذ ‪ -‬يف حاالت ش�تى ‪ -‬عن املعايري الرشعية ‪ ،‬واالنزالق‬
‫إىل حمظورات جمافية لشعار « االلتزام اإلسالمي » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ش�يوع أخطاء يف التأصيل الفقهي ناجتة عن اإلعواز الش�ديد يف فقه النص الرشعي ‪،‬‬
‫وفقه الواقع املرصيف ‪.‬‬
‫ أدوات التأهيل املتكامل للعاملني يف املؤسسات املالية اإلسالمية ‪ ،‬دار املراجعة الرشعية ‪ ،‬ص ‪. 2‬‬
‫ البنوك اإلسالمية لفليح حسن خلف ‪ ،‬ص ‪. 414‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪18‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ج ‪ -‬تضارب آراء هيئات الفتوى يف مس�ألة مالية واحدة ‪ ،‬وإذا كان االختالف مرشوع ًا يف‬
‫خيرج عليه ‪،‬‬
‫م�وارد االجته�اد ‪ ،‬ومضايق النظر الفقهي ‪ ،‬لفقدان النص ‪ ،‬والنظري الرصيح الذي ّ‬
‫واستيعاب املسألة آلراء وخترجيات شتى ‪ ،‬فإن مثاره ومبعثه ‪ -‬يف بعض األحيان ‪ -‬ضمور الفهم‬
‫الرشعي والواقعي مع ًا ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪19‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫املبحث الثالث‬
‫التأهيل يف األدوات االجتهادية‬
‫ينحو التأهيل االجتهادي النظري ملفتي املصارف اإلسالمية إىل متكينه من األدوات املعرفية‬
‫التي يقتدر هبا عىل انتزاع احلكم من مصدره ‪ ،‬واستبطان املراد اإلهلي من النص ‪ ،‬والغوص عىل‬
‫العلل واملقاصد الثاوية فيه ‪.‬‬
‫بي�د أن اآلل�ة االجتهادية ال بد أن ترتبط بنوعية التحديات الفكرية الس�ائدة يف العرص ؛ إذ‬
‫نتحج�ر عىل أدوات معرفي�ة منبثقة من منبت فكري خمص�وص ‪ ،‬ومتأثرة‬
‫لي�س م�ن املعقول أن‬
‫ّ‬
‫بمالبس�ات تش�كلها وصياغته�ا ‪ ،‬وم�ا دام�ت احلاجات تتج�دّ د بتج�دّ د وعائها الزمن�ي ‪ ،‬فإن‬
‫مؤهلات املجته�د ينبغي أن تدور مع احلاجة العرصية حي�ث دارت ‪ ،‬فيكون لكل عرص أدواته‬
‫االجتهادية القمينة ّ‬
‫بحل معضالت الرأي وصعاب املسائل ‪.‬‬
‫وم�ن هن�ا ندرك أن املدونات األصولية املؤلفة بعد القرن الثامن اهلجري إىل يوم الناس ‪ ،‬مل‬
‫تع�ن بالنظر يف مؤهالت الصناعة االجتهادي�ة نظر ًا يدارج متطلبات العرص ‪ ،‬ويتدلىّ إىل حتدياته‬
‫الفكري�ة ‪ ،‬فأعوزه�ا التأصي�ل ألدوات يف غاي�ة األمهية واخلطورة والش�أن ال جيح�د دورها يف‬
‫تس�ديد الفهم والتنزيل مع ًا ‪ ،‬واجرتت كالم ًا مكرور ًا ومعاد ًا عن األدوات التي س�طرها العلامء‬
‫موجه‬
‫عج هب�ا عرصهم ‪ ،‬وكانت ‪ -‬بح�ق ‪ -‬خري ّ‬
‫املتقدم�ون يف ض�وء التحدي�ات الفكرية التي ّ‬
‫آنذاك يف التنظري للتأهيل االجتهادي ‪.‬‬
‫ويف ض�وء ه�ذا الربط بني األداة االجتهادي�ة ونوعية التحدي الفكري الس�ائد يف العرص ‪،‬‬
‫يس�وغ القول ‪ :‬إن األدوات االجتهادية النظرية التي يؤهل فيها مفتي املصارف اإلسلامية البد‬
‫أن تنبثق عن جمال ختصصه الرشعي ‪ ،‬وطبيعة دوره التأصييل ‪ ،‬وفقه الواقع املرصيف الذي ينطلق‬
‫نص عىل رضورة التوفر عليه يف تأهيل املفتي‬
‫منه ويؤوب إليه ‪ .‬وإذا كان بعض هذه األدوات قد ّ‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪20‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫يف املدونات األصولية ‪ ،‬فإن البعض اآلخر مما متليه التحديات الفكرية التي حيبل هبا واقع العمل‬
‫املرصيف اإلسالمي ‪.‬‬
‫ثم فإن التأهيل االجتهادي النظري ينطلق من امتالك األدوات املعرفية اآلتية ‪:‬‬
‫ومن ّ‬
‫‪ -1‬اللغة العربية بوصفها لس�ان الوحي ‪ ،‬ووعاء التنزيل ؛ ذلك أن إدراك معاين النصوص‬
‫ومقاصده�ا يتوق�ف عىل اإلملام باآللة النحوية والبالغي�ة ‪ ،‬وإال ظل النص الرشعي منغلق ًا عىل‬
‫أرساره ‪ ،‬وخمتوم ًا بخاتم اإلهبام ‪ ،‬بيد أنه ال يشترط يف املفتي عامة ‪ ،‬ومفتي املصارف اإلسالمية‬
‫على وجه اخلص�وص أن يكون إمام ًا يف العربية كاخلليل وس�يبويه واألخفش ؛ وإنام جيزىء من‬
‫العلم هبا ما يسعف عىل فهم خطاب الشارع ‪ ،‬واالرتياض بأساليبه وأوضاعه ‪.‬‬
‫‪ -2‬أصول احلديث ‪ ،‬وهو علم يعنى باجلانب الثبويت للنص من ناحية ‪ ،‬وبفقهه ومعانيه من‬
‫ناحية ثانية ‪ ،‬وإتقان هذا العلم فرض عني عىل املفتي املجتهد ؛ ألن النظر االجتهادي يقوم أول‬
‫ما يقوم عىل معرفة رتبة النص ؛ هل هو من الصحيح أو احلسن املحتج أم من الضعيف املردود؟‬
‫وقدي ًام قيل ‪ :‬ث ّبت العرش ثم انقش ‪.‬‬
‫نصت يف س�ياق احلديث عن التأهي�ل االجتهادي عىل‬
‫وإذا كان�ت مدون�ات األصول ق�د ّ‬
‫رشط امتالك األداة احلديثية ‪ ،‬فإهنا اجتزأت باإليامء إىل حفظ املتون ‪ ،‬وأغفلت صنعة التصحيح‬
‫والتضعيف بأدواهتا املعروفة كعلم اجلرح والتعديل ‪ ،‬وعلم علل احلديث ‪ ،‬وهذه الصنعة ‪ ،‬وإن‬
‫كان�ت معترك ًا اجتهادي ًا صعب ًا ‪ ،‬إال أن م�ن فتوحاته االحتجاج باحلدي�ث أو رده ‪ ،‬ومن ثم بناء‬
‫احلكم عليه ‪ ،‬أو إسقاطه من دائرة العمل ‪.‬‬
‫وما أحوج مفتي املصارف اإلسالمية إىل امتالك ناصية هذه األداة ‪ ،‬متييز ًا لصحيح األخبار‬
‫من سقيمها ‪ ،‬وإجرا ًء لفتاويه عىل الدليل الناهض امللزم ‪ ،‬وقد رأيت من الفقهاء املعارصين من‬
‫ال برتبته ‪ ،‬أو تساه ً‬
‫حيتج بالضعيف يف تأصيل القضايا املالية واملرصفية ‪ ،‬جه ً‬
‫ال يف ركوبه ‪ ،‬مع أن‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪21‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫الضعيف ال يعمل به يف فضائل األعامل عىل الراجح من أقوال أهل العلم ‪ ،‬فام بالك بمسائل‬
‫احلالل واحلرام يف املعامالت املالية ؟!‬
‫وم�ن األحادي�ث الضعيفة الت�ي نالت رواج ًا وحظ�وة يف فقه املعاملات املالية ‪ :‬حديث ‪:‬‬
‫«‪ ‬هن�ى النب�ي ﷺ عن بي�ع املضطر » ‪ ،‬وحم�ل االحتجاج به عن�د الفقهاء املعارصي�ن التأصيل‬
‫ ارتضى ه�ذا املذهب كثري من حمققي العلامء كالبخاري ‪ ،‬ومس�لم ‪ ،‬وابن حب�ان ‪ ،‬واخلطايب ‪ ،‬وابن حزم ‪،‬‬
‫وأيب بك�ر ب�ن العريب ‪ ،‬وابن تيمية ‪ ،‬وأيب ش�امة املقديس ‪ ،‬والش�وكاين ‪ ،‬وأمحد ش�اكر ‪ ،‬واأللباين ‪ .‬انظر ‪:‬‬
‫صحيح مسلم برشح النووي ‪ 76/1 ،‬ـ ‪ ، 77‬واملجرحني البن حبان ‪ 327/10 ،‬ـ ‪ ، 328‬ومعامل السنن‬
‫للخطايب ‪ ، 8 - 7/1 ،‬والفصل يف امللل والنحل البن حزم ‪ ، 84/2 ،‬وعارضة األحوذي البن العريب ‪،‬‬
‫‪ ، 202 - 201/5‬وقاعدة جليلة يف التوسل والوسيلة البن تيمية ‪ ،‬ص ‪ ، 84‬والباعث عىل إنكار البدع‬
‫واحلوادث أليب شامة املقديس ‪ ،‬ص ‪ 64‬ـ ‪ ، 65‬وإرشاد الفحول للشوكاين ‪ ،‬ص ‪ ،48‬والباعث احلثيث‪،‬‬
‫رشح اختصار علوم احلديث ألمحد شاكر‪ ،‬ص ‪ ، 76‬وصحيح اجلامع الصغري لأللباين ‪. 45/1 ،‬‬
‫ رواه أبو داود يف كتاب البيوع ‪ ،‬باب يف بيع املضطر ‪ ،‬برقم ‪. 3382‬‬
‫قال البيهقي يف معرفة السنن واآلثار ‪ ،429/9‬برقم (‪ « :)3628‬وأما حديث عيل ‪ ،‬عن النبي ﷺ‪ « :‬أنه‬
‫هنى عن بيع املضطر » ‪ ،‬فإنه إنام رواه أبو عامر صالح بن رس�تم ‪ ،‬عن ش�يخ من بني متيم ‪ ،‬عن عيل ‪ ،‬فهو‬
‫عن جمهول‪.‬‬
‫ث�م ه�و حمم�ول عندنا عىل الذي يضطر إىل البي�ع باإلكراه عىل البيع ‪ ،‬واهلل أعل�م ‪ ،‬وإن أراد الذي يضطر‬
‫إىل البي�ع بدي�ن ركبه ‪ ،‬أو فقر أصابه ‪ ،‬فكأنه اس�تحب أن يعان وال حيوج إىل البيع برتك معونته والتصدق‬
‫عليه‪ ،‬وباهلل التوفيق »‪.‬‬
‫وقال الذهبي يف ميزان االعتدال‪ ،296 - 295/ 2‬برقم(‪ « :)3801‬صالح بن عامر نكرة‪ ،‬بل ال وجود‬
‫له‪ .‬ذكر يف حديثه لعيل مرفوعا ‪ :‬إنه هنى عن بيع املضطر‪ .‬واحلديث منقطع‪ ،‬هو صالح عن عامر»‪.‬‬
‫وقال الس�بكي يف طبقات الش�افعية الكربى ‪ « :17 / 4‬واحلديث املش�ار إليه يف س�نده مقال ثم يف معناه‬
‫وجهان ذكرمها اخلطايب »‪.‬‬
‫وضعفه األلباين يف ( ختريح مشكاة املصابيح ) برقم ‪. 2865 :‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪22‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫الفقه�ي للت�ورق ‪ ،‬وبي�ان حرمت�ه عن�د القائلين بأن�ه مس�لك اضط�راري ال يلج�أ إليه إال‬
‫مكره مضطر ‪.‬‬
‫‪ -3‬أصول الفقه ‪ ،‬وهو بمثابة املرتاج الذي يفتح مغاليق النص ‪ ،‬ويستخرج خبيئه ومكنونه‪،‬‬
‫فيسفر خطابه ويضح حك ًام ومقصد ًا ‪ ،‬ومن ثم فإن جودة الفهم تتوقف عىل التضلع من مباحث‬
‫هذا العلم اجلليل بوصفه مستودع ًا لألدوات املعينة عىل إدراك املعاين املستكنة يف طوايا النصوص‬
‫الرشعي�ة ‪ .‬أم�ا القدر املطل�وب حتصيله من هذا العلم فهو أن يتمكّ�ن املفتي املجتهد من ناصيته‬
‫حت�ى خيالط حلم�ه ودمه ‪ ،‬دون حاجة إىل اإلكباب عىل مباحثه املنطقية الباردة‪ ،‬وقضاياه اللغوية‬
‫العقيمة ‪ ،‬فإهنا ‪ -‬يف احلق ‪ -‬أمشاج وأخالط وفدت عىل ساحته ‪ ،‬وكدرت صفوه ‪ ،‬إلغراقها يف‬
‫التكلف حين ًا ‪ ،‬وانقطاع صلتها بالقضايا الكربى هلذا العلم حين ًا آخر ‪.‬‬
‫وحاج�ة مفتي املصارف اإلسلامية إىل هذا العلم ماس�ة جد ًا ‪ ،‬وأمثلته�ا ماثلة ال حتتاج إىل‬
‫فيحرر فيها الرأي املجتهد فيه استمداد ًا‬
‫انتزاع ؛ ألن املستجدات املالية واملرصفية ال ّ‬
‫نص فيها ‪ّ ،‬‬
‫من اآللة األصولية ‪ ،‬واستضاء ًة بقواعد أهل العلم يف االستدالل ‪.‬‬
‫‪ -4‬عل�م املقاص�د ‪ ،‬وه�و أداة مثري�ة للنظ�ر االجته�ادي ‪ ،‬ومكمل�ة للمعرفتين اللغوي�ة‬
‫واألصولي�ة‪ ،‬ومعين�ة على اس�تجالء مرامي اخلط�اب الرشع�ي وأبع�اده الثاوي�ة يف تضاعيف‬
‫النصوص ‪.‬‬
‫ انظر عىل سبيل املثال ‪:‬‬
‫أ‪ -‬التأصي�ل الفقه�ي للتورق يف ضوء االحتياجات التمويلية املعارصة لعبد اهلل بن س�ليامن املنيع‪ ،‬ضمن‬
‫أعامل مؤمتر كلية الرشيعة بجامعة الشارقة ‪ ( :‬دور املؤسسات املرصفية اإلسالمية يف االستثامر والتنمية)‪،‬‬
‫‪. 448/2‬‬
‫ب‪ -‬حك�م الت�ورق يف الفقه اإلسلامي لعيل حميي الدي�ن القره داغي ‪ ،‬ضمن أعمال مؤمتر كيل الرشيعة‬
‫بجامعة الشارقة ‪ ( :‬دور املؤسسات املرصفية واإلسالمية يف االستثامر والتنمية ) ‪. 475/2 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪23‬‬
‫وق�د كان اإلمام الش�اطبي حمق ًا حين عزا أخطاء كثري من العلماء إىل اجلهل املطبق باملعرفة‬
‫املقاصدي�ة ‪ ،‬وأك�د أن زل�ة العامل أكث�ر ما تكون عند الغفل�ة عن اعتبار مقاصد الش�ارع يف ذلك‬
‫املعنى الذي اجتهد فيه ‪.‬‬
‫وال ش�ك أن ه�ذا العلم بمس�الكه وأدواته يصون النظ�ر االجتهادي ملفت�ي املصارف عن‬
‫الس�قوط يف ّ‬
‫فخ النظرة التجزيئية الضيقة ‪ ،‬ويضمن حس�ن الربط بني املبنى واملعنى ‪ ،‬ويس�عف‬
‫يف التنزي�ل املحك�م عىل الواقع�ات املالية ‪ ،‬فيتمخض احلكم عن ثمرته املرجوة ‪ ،‬ومآله املنش�ود‬
‫ّ‬
‫متمحض ملصلحة‬
‫ويرتشد به ‪ ،‬وهو مراد‬
‫دون تعطيل أو انطامس ‪ ،‬وينفعل الواقع باملراد اإلهلي‬
‫ّ‬
‫اإلنسان يف العاجل واآلجل ‪.‬‬
‫‪ -5‬فق�ه املعاملات املالية ‪ ،‬وهو ركن يف املعرفة الرشعية ملفت�ي املصارف ‪ ،‬وجمال ختصصه‬
‫ال�ذي ينبغ�ي أن يق�وم عليه أت�م القي�ام ‪ ،‬وإذا كان من مؤهلات املفتي بعامة اإلمل�ام باألحكام‬
‫الفقهي�ة ‪ ،‬ف�إن املتص�دي لإلفت�اء يف نوازل االقتص�اد واملال ‪ ،‬ال يشترط فيه التضل�ع من الفقه‬
‫اإلسالمي بفروعه املتشعبة ؛ وإنام يكفيه احلذق بفرع واحد منه هو املعامالت املالية‪ ،‬وكلام كان‬
‫وقرت يف نصاهبا غري‬
‫املفتى حميط ًا بدقائقها ‪ ،‬غائص ًا عىل أرسارها ‪ ،‬إال وجرت فتواه عىل اجلادة ‪ّ ،‬‬
‫زائغة أو حائلة ‪.‬‬
‫‪ -6‬علم القواعد الفقهية ‪ ،‬وبقدر اإلحاطة به « يعظم قدر الفقيه ويرشف ‪ ،‬ويظهر رونق‬
‫الفق�ه ويع�رف ‪ ،‬وتتض�ح مناهج الفتوى وتكش�ف ‪ ...‬ومن جعل خيرج الفروع باملناس�بات‬
‫اجلزئي�ة دون القواعد الكلية ‪ :‬تناقضت عليه الفروع واختلفت ‪ ...‬ومن ضبط الفقه بقواعده‬
‫اس�تغنى عن حفظ أكثر اجلزئيات الندراجها يف الكليات ‪ ،‬واحتد عنده ما تناقض عند غـريه‬
‫وتناسب»‪. ‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 170/4 ،‬‬
‫ الفروق للقرايف ‪. 3/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪24‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫وحاجة مفتي املصارف إىل هذا العلم ماسة جد ًا كحاجته إىل أصول الفقه ؛ ألن املستجدات‬
‫املالي�ة ال نص فيها من الرشع ‪ ،‬فيحتاج فيه�ا إىل إعامل القواعد الفقهية للتخريج واإلحلاق ‪ ،‬بل‬
‫منها ما يكون دلي ً‬
‫ال قاطع ًا يف اإلفتاء إذا جرى جمرى التعبري عن دليل أصويل ‪ ،‬أو اقتبس من نص‬
‫حديثي صحيح ‪.‬‬
‫وال تكاد ختلو فتوى مالية أو مرصفية من االنبناء عىل قاعدة فقهية ‪ ،‬وأكثر القواعد شيوع ًا‬
‫ودوران� ًا عىل ألس�نة املفتين ‪ :‬ال رضر وال رضار ‪ ،‬واحلاجة تنزل منزل�ة الرضورة ‪ ،‬واألصل يف‬
‫املعامالت اإلباحة ‪ ،‬واألصل يف العقود الصحة ‪ ،‬والعربة يف العقود للمقاصد واملعاين ‪ ،‬والغرم‬
‫بالغنم ‪..‬‬
‫ويعجبني هنا أن أسوق مثالني من الفتاوى املرصفية املبنية عىل القواعد الفقهية ‪:‬‬
‫‪ -‬األول ‪ :‬يف حك�م الت�ورق ‪ ،‬وقد أفتى به جممع الفقه اإلسلامي برابطة العامل اإلسلامي‬
‫يف دورت�ه اخلامس�ة عشرة ‪ ،‬ونص الفت�وى ‪ « :‬إن بيع التورق هذا جائز رشع� ًا ‪ ،‬وبه قال مجهور‬
‫العلماء‪ ‬؛ ألن األص�ل يف البي�وع اإلباحة ‪ ،‬لقوله تع�اىل ‪ ﴿ :‬ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﴾ ‪ ،‬ومل‬
‫يظه�ر يف ه�ذا البيع رب�ا ال قصد ًا وال صورة ‪ ،‬وألن احلاجة داعي�ة إىل ذلك لقضاء دين أو زواج‬
‫أو غريمها » ‪.‬‬
‫‪ -‬الث�اين ‪ :‬يف حك�م الشرط اجلزائ�ي ‪ ،‬وقد أفتت ب�ه هيئة كب�ار العلامء يف اململك�ة العربية‬
‫الس�عودية ‪ ،‬ونص الفتوى ‪ « :‬إذا كان الرشط اجلزائي كثري ًا عرف ًا ‪ ،‬بحيث يراد به التهديد املايل‪،‬‬
‫ويك�ون بعي�د ًا عن مقتىض القواع�د الرشعية ‪ ،‬فيجب الرجوع يف ذل�ك إىل العدل واإلنصاف ‪،‬‬
‫عىل حسب ما فات من منفعة ‪ ،‬أو حلق من مرضة ‪ ،‬ويرجع تقدير ذلك عند االختالف إىل العامل‬
‫ البقرة ‪. 275 :‬‬
‫ التأصيل الفقهي للتورق لعبد اهلل بن سليامن املنيع ‪ ،‬ص ‪. 447‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪25‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫الرشع�ي ع�ن طريق أهل اخلبرة والنظر عم ً‬
‫ال بقول�ه تع�اىل ‪ ﴿ :‬ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ‬
‫ﯧﯨ ﴾ ‪ ..‬وبقوله ﷺ ‪ « :‬ال رضر وال رضار » » ‪.‬‬
‫‪ -7‬علم اخلالف ‪ ،‬وهو أداة يقتدر هبا فقيه املصارف عىل معرفة مناهج االستنباط ‪ ،‬وأصول‬
‫االس�تدالل الت�ي جرى عليها األئم�ة املجتهدون يف فهم املراد اإلهلي م�ن الوحي ‪ ،‬وتنزيله عىل‬
‫الواقع ‪ ،‬وليس املقصود من التضلع من هذا العلم التحجر عىل مناهج السلف إىل احلد الذي‬
‫يسترق األفكار ‪ ،‬ويس�تأرس العقول ؛ وإنام االس�تئناس بطرائقهم يف الفه�م ‪ ،‬والتهدّ ي بآداهبم‬
‫الراشدة يف التنزيل عىل الواقعات ‪ .‬ويعجبني أن أسوق هنا كالم ًا متين ًا لألستاذ الكبري املودودي‬
‫‪ -‬رمح�ه اهلل ‪ -‬يف التأكي�د على أمهية ه�ذا العلم ملن ي�روم االجتهاد الصحيح والفه�م الرجيح ‪،‬‬
‫يق�ول‪ « :‬الوق�وف على تراثنا القانوين والفقهي ال�ذي ورثناه عن فقهاء الس�لف ‪ ،‬واحلاجة إليه‬
‫ليس�ت للت�درب عىل االجتهاد فحس�ب ؛ بل هي كذلك الس�تمرار االرتق�اء القانوين ؛ ألنه ال‬
‫يسوغ أن يكون املقصود باالجتهاد أن هيدم كل جيل جديد ما بناه سلفه ‪ ،‬أو حيكم عليه بالبىل ‪،‬‬
‫ويرشع يف بنائه اجلديد » ‪.‬‬
‫وإن من عوائد علم اخلالف ‪ :‬اإلفادة من الثروة الفقهية التي تركها األسالف ‪ ،‬واالستئناس‬
‫ النساء ‪. 58 :‬‬
‫ أخرج�ه مال�ك يف املوطأ ‪ ،‬باب القضاء يف املراف�ق ‪ ،‬برقم ‪ 2171 :‬من حديث عمرو ين حييى املـازين عن‬
‫أبي�ه مرسل ً‬
‫ا ‪ ،‬وأمح�د ‪ 326/5 ،‬من حديث عبادة ب�ن الصامت ‪ ،‬واحلاك�م ‪ 57/2‬ـ ‪ 58‬من حديث أيب‬
‫سعيد اخلدري ‪ ،‬وقال صحيح عىل رشط مسلم ‪ ،‬ووافقه الذهبي ‪ ،‬وابن ماجـه يف كتاب األحكام ‪ ،‬باب‬
‫م�ن بن�ى يف حق�ه ما يرض بجاره ‪ ،‬برق�م ‪ 2341 :‬من حديث ابن عباس ‪ .‬واحلديث صحيـح أو حس�ـن‬
‫بمجموع طرقه ‪ .‬قال النووي يف ‪ « :‬حديث حس�ن ‪ ..‬ولـه طرق يقوي بعضها بعض ًا » ‪ ،‬وأقره عىل ذلك‬
‫ابن رجب احلنبيل يف ( جامع العلوم واحلكم ) ‪ ،‬ص ‪ ، 570‬وصححه أمحد ش�اكر يف ( ختريج املس�ند )‪،‬‬
‫‪ ، ) 310/4‬واأللباين يف ( إرواء الغليل ) برقم ‪. 896 :‬‬
‫ أبحاث هيئة كبار العلامء باململكة السعودية ‪ ،‬ص ‪. 214‬‬
‫ أدوات النظر االجتهادي املنشود لقطب مصطفى سانو ‪ ،‬ص ‪. 125‬‬
‫ مفاهيم إسالمية حول الدين والدولة للمودودي ‪ ،‬ص ‪. 196‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪26‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫بآراء األئمة عىل سبيل االجتهاد االنتقائي ‪ ،‬وذلك عندما يعوز الدليل ‪ ،‬ويضيق السبيل ‪ ،‬عىل أن‬
‫يكون االنتقاء أوفق للكتاب والس�نة ‪ ،‬وأجرى عىل مقاصد الرشع وقواعده ‪ .‬وقد رأيت فقهاء‬
‫ً‬
‫س�بيال يف التأصيل للقضايا‬
‫العرص ينتقون من اجتهادات الس�لف أرجحها مذهب ًا ‪ ،‬وأقومها‬
‫املالي�ة ‪ ،‬كقضي�ة احلط من الثمن نظير تعجيل الدفع ‪ ،‬أو ما يعرف بـ « ضع�وا وتعجلوا‪ ،» ‬وقد‬
‫قي�ل في�ه باجلواز عىل مذه�ب ابن عباس ‪ ،‬ومل ير ب�ه النخعي وأبو ثور بأس� ًا ؛ ألن املتعامل آخذ‬
‫لبع�ض حق�ه ت�ارك لبعض فجاز ‪ ،‬كام ل�و كان الدين ح�االً ‪ ،‬وهو رواية عن أمح�د ‪ ،‬ووجه عند‬
‫الش�افعية‪ ،‬ومذهب ابن حزم إذا عري عن الرشط ‪ ،‬واختيار ش�يخ اإلسلام ابن تيمية وتلميذه‬
‫ابن القيم‪.‬‬
‫‪ -8‬فقه الدعوة ‪ ،‬وهذا علم جليل يعني عىل حسن التبليغ ‪ ،‬وقوامة النصح ‪ ،‬وقد يستغرب‬
‫اشتراطه يف مفتي املصارف ‪ ،‬والس�يام أن املدونات األصولية ال تومىء إليه من قريب أو بعيد‪،‬‬
‫لكن األداة االجتهادية ترتبط ‪ -‬كام سلفت اإلشارة ‪ -‬بنوعية التحدي الفكري السائد يف العرص‪،‬‬
‫والناب�ع م�ن فقه الواقع املجتهد فيه ‪ .‬وإن من األعباء الت�ي ينبغي أن يضطلع هبا مفتي املصارف‬
‫‪ -‬إىل تأصيله الفقهي للمستجدات املرصفية ‪ ،‬وجوابه عن سؤاالت املستفتني ‪ -‬تبصري العاملني‬
‫يف املؤسس�ة املرصفية اإلسلامية بأحكام الرشيعة يف املعامالت املالية ‪ ،‬وقواعد الس�لوك املهني‬
‫اإلسلامي ‪ ،‬وطمأنة اجلمهور م�ن املتعاملني مع املرصف عىل الصبغة الرشعية للنش�اط املايل ‪،‬‬
‫وسالمته من شوائب احلرام ‪ .‬وهذا املسلك ( الدعوي ) ال يؤيت أكله إال باستثامر سليم ألساليب‬
‫فقه الدعوة ‪ ،‬ووسائلها يف التغيري ‪.‬‬
‫‪ -9‬آداب اجل�دل واملناظ�رة ‪ ،‬وهذا الف�ن قد يعدّ ه البعض رشط ًا حتس�يني ًا ‪ ،‬وحلية زائدة يف‬
‫املفت�ي ‪ ،‬لك�ن اإلملام به واجب مض َّيق يف ح�ق مفتي املصارف ؛ ألن من صميم دوره الدفاع عن‬
‫ انظر ‪ :‬البنوك اإلسالمية بني احلرية والتنظيم جلامل الدين عطية ‪ 131 ،‬ـ ‪. 175‬‬
‫ املغن�ي الب�ن قدام�ة ‪ 174/4 ،‬ـ ‪ ، 175‬واملحىل البن حزم ‪ 83/8 ،‬ـ ‪ ، 84‬وإعالم املوقعني البن القيم ‪،‬‬
‫‪ 370/3‬ـ ‪ ، 371‬وفقه السنة لسيد سابق ‪. 187/3 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪27‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫جتربة العمل املرصيف اإلسالمي ‪ ،‬وبيان حماسنه ‪ ،‬والسيام أن محالت شعواء شنت عليه من فئات‬
‫ش�تى منه�ا ‪ :‬دعاة الكمال يف التطبيق ‪ ،‬وأرساء األع�راف املرصفية الربوي�ة ‪ ،‬وأحالف العلامنية‬
‫الذي يريدون لرشع اهلل تعاىل االنزواء يف الظل ‪ ،‬والتخلف عن الركب احلضاري احلثيث ‪.‬‬
‫صحيح أن ثمة أخطاء رشعية البست العمل املرصيف اإلسالمي ‪ ،‬بحكم حداثة التجربة ‪،‬‬
‫وهشاش�ة األطر العاملة ‪ ،‬وضعف الوازع الديني لبعض اهليئات الرشعية ‪ ،‬لكن اجرتاح اخلطأ‬
‫ّ‬
‫احل�ط عنها بدعوى‬
‫يس�وغ التش�كيك يف نيات املؤسس�ات املالية اإلسلامية برمتها ؛ إذ راج‬
‫ال ّ‬
‫خمادع�ة الناس بش�عار إسلامي ال حظ ل�ه من التطبيق الواقع�ي ‪ ،‬حتى قيل عنه�ا ‪ « :‬إهنا طالء‬
‫إسلامي لواقع غري إسالمي » ‪ .‬أما املس�ائل املالية التي كانت َمثار اخلالف الفقهي كاملرابحة‬
‫لآلم�ر بالشراء ‪ ،‬وقاعدة ‪ :‬ضع وتعجل ‪ ،‬والبيع بالتقس�يط ‪ ،‬فينبغي أن يراعى فيها فقه اخلالف‬
‫وآدابه ‪ ،‬حتى ال يؤول األمر إىل إهاضة جتربة املصارف اإلسالمية !‬
‫‪ -10‬املعرف�ة االقتصادي�ة والقانونية ‪ ،‬بوصفه�ا أداة للغوص عىل فق�ه الواقع املرصيف ؛ إذ‬
‫كي�ف يت�اح للمفتي النظر يف مس�ألة مرصفية ال دراية له بمعاملها النظرية ‪ ،‬ومالبس�اهتا العلمية‪،‬‬
‫واحلك�م الرشع�ي مرتب�ط هب�ذه الدراي�ة ارتب�اط العل�ة باملعل�ول ؟! وهلل در اإلم�ام الش�افعي‬
‫‪ -‬رمحه اهلل ‪ -‬حني قال ‪ « :‬ال حيل لفقيه أن يقول يف ثمن الدرهم وال خربة له بسوقه » ‪ .‬وإذا‬
‫ما أعوزت مفتي املصارف املعرفة اإلنس�انية الواقعية ‪ ،‬س�اغ له أن يش�اور أهل الذكر واخلربة ‪،‬‬
‫تصور املس�ائل‬
‫ضم إىل هيئة اإلفتاء يف كل مرصف خرباء اقتصاد وقانون ‪ ،‬ليكون ّ‬
‫وهل�ذا املعن�ى ّ‬
‫املالية حمك ًام وجلي ًا ‪ ،‬ويبنى عىل ذلك التأصيل الرشعي السليم ‪ ،‬وهذه صورة من صور االجتهاد‬
‫اجلامعي املنشود يف هذا العرص !‬
‫ البنوك اإلسلامية ‪ :‬طالء إسلامي لواقع غري إسلامي حلسين عيل راش�د ‪ ،‬جريدة الرشق األوس�ط ‪،‬‬
‫‪ ، 1984/2/4‬ص ‪. 14‬‬
‫ الرسالة للشافعي ‪ ،‬ص ‪. 511‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪28‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫إن هذه العلوم يشدّ بعضها من أزر بعض يف تقويم صناعة االجتهاد ‪ ،‬ومهمة الفتيا ‪ ،‬وبقدر‬
‫التأهيل فيها والقيام عليها يعظم قدر املفتي ‪ ،‬وتزكو ممارسته الرشعية داخل املرصف اإلسالمي‬
‫نتصور هليئة الفتوى سداد ًا يف التأصيل ‪ ،‬ونضج ًا يف املامرسة ‪ ،‬وفالح ًا يف الرتويج‬
‫وخارجه ‪ ،‬وال‬
‫ّ‬
‫ملفاهي�م املصاريف اإلسلامية وخدماهتا ‪ ،‬بمعزل عن هذه العل�وم‪/‬األدوات؛ بل إن االجتهاد‬
‫ عند إعواز وس�ائله ‪ ،‬أو نقص آلته ‪ -‬ال يؤمن انزالقه إىل موضع نِفار ومرمى شرِ اد ‪ ،‬وهو إن‬‫آل إىل هذا املآل خيش عىل العمل املرصيف اإلسالمي عاقبة االضطراب واالختبال !‬
‫ومن باب توفية الفائدة نسوق هنا نصائح للمقري أسداها ألهل الفتوى ‪ ،‬وهي تصلح أن‬
‫ضوابط اإلفتاء ‪ ،‬ومؤهالت املفت�ي ‪ ،‬يقول ‪ « :‬ال ِ‬
‫ِ‬
‫تفت إال بالنص ‪ ،‬إال أن تكون‬
‫ت�درج يف زم�رة‬
‫عارف ًا بوجوه التعليل ‪ ،‬بصري ًا بمعرفة األشباه والنظائر ‪ ،‬حاذق ًا يف بعض أصول الفقه وفروعه ‪،‬‬
‫يغرك أن ترى نفسك أو يراك الناس حتى جيتمع‬
‫إما مطلق ًا أو عىل مذهب إمام من العدوة ‪ ،‬وال ّ‬
‫واخلالف‬
‫تقو حجتك ‪ ،‬واآلثار يصل�ح رأيك ‪،‬‬
‫َ‬
‫ل�ك ذلك والن�اس والعلامء ‪ ،‬واحفظ احلدي�ث َ‬
‫يتسع صدرك ‪ ،‬واعرف العربية واألصول ‪ ،‬وش ّفع املنقول باملعقول ‪ ،‬واملعقول باملنقول » ‪.‬‬
‫***‬
‫ املعيار للونرشييس ‪. 377/6 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪29‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫املبحث الرابع‬
‫التأهيل يف منهج معاجلة القضايا املعاصرة‬
‫ٍ‬
‫بكاف‬
‫إن توفر مفتي املصارف اإلسالمية عىل أدوات االجتهاد ‪ ،‬ورشوط التحصيل ‪ ،‬ليس‬
‫وح�ده يف إنج�اح غرض التأصي�ل الرشعي للمس�تجدات املالية ؛ بل ال بد أن يكتس�ب املنهج‬
‫األمثل يف البحث الفقهي ‪ ،‬ومعاجلة نوازله املطردة ؛ ذلك أن الوسائل مادة صامء تعقب عائدهتا‬
‫باالستثامر اجل ّيد ‪ ،‬واملنهجية الصحيحة ‪.‬‬
‫واملنه�ج ال�ذي أوثره يف بحث القضاي�ا املعارصة يتألف من عنرصي�ن ‪ :‬مقومات علمية ‪،‬‬
‫وآداب مرعية ‪:‬‬
‫‪ -1‬مقومات املنهج ‪:‬‬
‫إن املفت�ي يف مس�ائل العرص مالي�ة وغري مالية ال بد أن جيري على منهج علمي الحب يف‬
‫نستجيل مقوماته ومراحله فيام يأيت ‪:‬‬
‫البحث واملعاجلة ‪ ،‬ويمكن أن‬
‫َ‬
‫تصور ًا حمك ًام ال يالبس�ه غب�ش ؛ ألن احلكم عىل اليشء‬
‫أ‪-‬‬
‫تص�ور حقيقة القضية املعارصة ّ‬
‫ّ‬
‫جر إليه خطأ يف الفه�م ‪ ،‬ولذلك ذهب ابن القيم‬
‫ف�رع ع�ن تصوره ‪ ،‬وكم من خط�أ يف التأصيل ّ‬
‫‪ -‬رمحه اهلل ‪ -‬إىل أن املفتي ال يتأتى له احلكم باحلق إال بنوعني من الفهم ‪ ،‬أحدمها ‪ « :‬فهم الواقع‬
‫والفق�ه فيه ‪ ،‬واس�تنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن ‪ ،‬واألم�ارات ‪ ،‬والعالمات ‪ ،‬حتى حييط به‬
‫عل ًام » ‪.‬‬
‫وقد ّ‬
‫حذر الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي من مغ ّبة املجازفة بالفتوى يف أمور املعامالت‬
‫املعارصة كالتأمني ‪ ،‬وأعامل البنوك ‪ ،‬واألسهم والسندات ‪ ،‬وأصناف الرشكات ‪ ،‬دون اإلحاطة‬
‫ إعالم املوقعني البن القيم ‪. 87/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪30‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫هب�ذه املس�ائل خبر ًا ‪ ،‬ومهام يك�ن من العل�م بالنص�وص ‪ ،‬والقيام على األدل�ة ‪ ،‬والتضلع من‬
‫القواعد‪ ،‬فإن ذلك ال جيدي فتي ً‬
‫يعزز بمعرفة الواقع املسؤول عنه ‪ ،‬وتصور حقيقة النازلة‬
‫ال ما مل َّ‬
‫املجتهد فيها ‪.‬‬
‫وحت�ى تكتمل صورة القضي�ة يف الذهن ‪ ،‬وتتضح معاملها النظري�ة أتم الوضوح ‪ ،‬البد أن‬
‫تسلك يف هذا املهيع املسالك اآلتية ‪:‬‬
‫‪ -‬األول ‪ :‬اس�تقصاء املعلوم�ات واملعطيات ذات الصلة بموض�وع القضية املعارصة ‪ ،‬عىل‬
‫ييس‬
‫نحو يفيد يف تصور حقيقتها ‪ ،‬ونشأهتا ‪ ،‬واملالبسات املحتفة هبا ‪ ،‬واألبعاد الثاوية فيها ‪ .‬ومما رّ‬
‫هذا االستقصاء ويعني عىل فهم القضية ‪ :‬طلب املفتي من املستفتي زيادة اإليضاح والبيان‪ ،‬وهو‬
‫ما يصطلح عليه ب ( االس�تفصال ) ‪ ،‬ويكون ذلك يف موضع مش�كل أو مغفول عنه ال يس�فر‬
‫كاف ٍ‬
‫ويضح إال ببيان ٍ‬
‫شاف ‪ .‬وقد رضب ابن القيم ‪ -‬رمحه اهلل ‪ -‬أمثلة ناصعة يف هذا املضامر‪،‬‬
‫منه�ا ‪ :‬أن املفت�ي إذا س�ئل عن رجل حلف ‪ :‬ال يفعل كذا وك�ذا ‪ ،‬ففعله ‪ ،‬مل جيز له أن يفتي حتى‬
‫يس�تفصله ‪ :‬ه�ل كان ثاب�ت العقل وقت فعل�ه أم ال ؟ وإذا كان ثابت العقل فه�ل كان خمتار ًا يف‬
‫يمينه أم ال ؟ وإن كان خمتار ًا فهل اس�تثنى عقيب يمينه أم ال ؟ وإذا مل يس�تثن فهل فعل املحلوف‬
‫علي�ه عامل� ًا ‪ ،‬ذاكر ًا ‪ ،‬خمتار ًا ‪ ،‬أم كان ناس�ي ًا أو جاه ً‬
‫ال أو مكره� ًا ؟ وإذا كان عامل ًا خمتار ًا فهل كان‬
‫املحل�وف علي�ه داخ ً‬
‫ال يف قص�ده ونيته أو قصد عدم دخوله فخصصه بنيت�ه‪ ،‬أو مل يقصد دخوله‬
‫وال نوى ختصيصه؟فإن احلنث خيتلف باختالف هذا كله ‪.‬‬
‫وق�د كان لرتك االس�تفصال أثر يسء يف التكييف الفقهي لبع�ض القضايا املالية املعارصة‪،‬‬
‫ومصداق ذلك ما وقع من هيئتني رشعيتني يف بنكني خمتلفني ورد عليهام سؤال عن مسألة واحدة‪،‬‬
‫فجاء اجلواب باجلواز من إحدامها ‪ ،‬واجلواب باحلرمة من األخرى ‪ « ،‬وكان السؤال يتعلق بحالة‬
‫الودائع املتبادلة بعمالت خمتلفة ؛ إذ وجه السؤال مرة عىل أهنا قرض حسن مرشوط بأخذ وديعة‬
‫ الفتوى بني االنضباط والتس ّيب للقرضاوي ‪ ،‬ص ‪. 74‬‬
‫ إعالم املوقعني البن القيم ‪ 87/4 ،‬وما يليها ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪31‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫جر نفع ًا فهو ربا ‪ ،‬بينام وجه الس�ؤال إىل اهليئة‬
‫بعمل�ة أخ�رى ‪ ،‬فكانت الفتوى أهنا قرض حس�ن ّ‬
‫األخرى عىل أهنا قرض حسن بضامن وديعة بعملة أخرى ‪ ،‬فكانت الفتوى باجلواز‪ . » ‬وليس‬
‫مر ّد هذا التضارب ‪ -‬عندي ‪ -‬إىل االختالف يف مناط حكم األصل الذي تكيف عليه املس�ألة‪ ‬؛‬
‫وإنما األص�ل فيه أن اهليئتين مع ًا رضبتا صفح� ًا عن االس�تفصال يف األمر ‪ ،‬وتبينّ مالبس�اته ‪،‬‬
‫والس�يام أن بعض املصارف يورد السؤال بطريقة معينة للظفر بجواب معني ‪ ،‬ولو أورد بطريقة‬
‫صحيحة لكان اجلواب خمتلف ًا ؛إذ ال تعرى مقاصد املستفتني أحيان ًا عن املخاتلة واخلداع ‪ ،‬وهذا‬
‫ويتقي حماذيره ‪.‬‬
‫مسلك ينبغي أن يتفطن له املفتي ‪،‬‬
‫َ‬
‫وق�د ّح�ذر ابن القيم من ترك االس�تفصال يف موضعه ‪ ،‬ملا ينش�أ عنه م�ن ورود االحتامل ‪،‬‬
‫قوالب استفسارية شتى ‪ ،‬فإذا مل يتفطن حلقيقة‬
‫وشيوع اخلطأ ؛ إذ ترد عىل املفتي مسائل مفرغة يف‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫السؤال ومرماه ‪ّ ،‬‬
‫وأضل ‪.‬‬
‫ضل‬
‫فتارة ترد عليه مسألتان صورهتا واحدة ‪ ،‬وحكمهام خمتلف ‪ ،‬فيذهب بالصورة عن احلقيقة‪،‬‬
‫وجيمع بني ما ّفرق اهلل ورسوله بينه ‪.‬‬
‫وت�ارة ترد عليه مس�ألتان صورهتما خمتلفة ‪ ،‬وحقيقتهام واح�دة ‪ ،‬وحكمهام واحد ‪ ،‬فيذهل‬
‫باختالف الصورة عن تساوهيام يف احلقيقة ‪ ،‬فيفرق بني ما مجع اهلل ورسوله بينه ‪.‬‬
‫وتارة ترد عليه املس�ألة جمملة حتتها أنواع ش�تى ‪ ،‬فيذهب ومهه إىل واحد منها ‪ ،‬ويذهل عن‬
‫املسؤول عنه ‪ ،‬فيفتي بغري الصواب ‪.‬‬
‫وت�ارة رابع�ة ترد عليه املس�ألة الباطلة يف دين اهلل يف خمرج رسي ‪ ،‬ولف�ظ منمق ‪ ،‬فيبادر إىل‬
‫تسويغها ‪ ،‬وهي من أبطل الباطل ‪ ،‬وتارة بالعكس ‪.‬‬
‫ البنوك اإلسالمية بني احلرية والتنظيم جلامل الدين عطية ‪ ،‬ص ‪. 73‬‬
‫ إعالم املوقعني البن القيم ‪. 192/4 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪32‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ الث�اين ‪ :‬مش�اورة أه�ل اخلبرة يف موض�وع القضي�ة املع�ارصة‪ ،‬عمل ً‬‫ا بقول�ه تع�اىل ‪:‬‬
‫﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ ‪ ،‬حت�ى تس�توىف املعلوم�ات ‪ ،‬وتدف�ع اإلش�كاالت‪،‬‬
‫وجتلىّ املالبس�ات ‪ ،‬فإذا كانت املس�ألة اقتصاديـة ماليـة اس�تفتي أهل االقتصاد واملال ‪ ،‬وهكذا‬
‫دواليك‪ .. ‬وال شك أن املشاورة يف فقه الواقع املرصيف تسعف عىل استيضاح طرائق االجتهاد‪،‬‬
‫واس�تجالء غوامض املعاين ‪ ،‬وجتويد الرأي يف املس�ائل ‪ ،‬وكم من حقيقة خفيت عىل املستشير‬
‫علم هبا املستشار ‪ ،‬فكان تالقح الرأي سبي ً‬
‫ال إىل التهدّ ي إىل احلق ‪.‬‬
‫‪ -‬الثال�ث ‪ :‬تفكي�ك القضي�ة املع�ارصة إىل عنارصه�ا ‪ ،‬كالعق�د املايل يف�كك إىل أركان‬
‫ورشوط وعالق�ات وآث�ار ‪ ،‬ه�ذا إذا كان�ت القضي�ة مف�ردة ‪ ،‬أم�ا إذا كانت مركب�ة فتفكك إىل‬
‫مفردات ‪ ،‬وحيكم عىل كل مفردة عىل حدة ‪ ،‬ثم حيكم عليها جمتمعة متضافرة ‪ ،‬ومثاله ‪ :‬اإلجارة‬
‫املنتهية بالتمليك تفكك إىل املفردات اآلتية ‪:‬‬
‫ إجارة بني املرصف اإلسالمي والعميل ألجل معلوم ‪.‬‬‫ وعد من املرصف بالتنازل عن امللكية بعد انتهاء مدة اإلجارة واستيفاء األقساط ‪.‬‬‫ بيع تقسيط مقرتن برشط عدم نقل العني إىل ملكية العميل إال بعد تسديد األقساط ‪.‬‬‫وق�د ذه�ب كثري م�ن الفقه�اء املعارصين إىل ج�واز هذه اإلج�ارة رشع� ًا ؛ ألن اجلمع بني‬
‫عنارصها مرشوع ‪ « ،‬وليس فيها ما خيالف نص ًا رشعي ًا ‪ ،‬وال يناقض قاعدة كلية عامة » ‪ ،‬مع‬
‫التقيد بمدة اإلجارة وتطبيق أحكامها ‪ ،‬وحتديد مقدار كل قس�ط ‪ ،‬ونقل امللكية إىل املس�تأجر يف‬
‫هناية األجل ‪.‬‬
‫ النحل ‪. 43 :‬‬
‫ املعامالت املالية املعارصة يف الفقه اإلسالمي ملحمد عثامن شبري ‪ ،‬ص ‪. 45‬‬
‫ التكييف الفقهي للوقائع املستجدة وتطبيقاته الفقهية ملحمد عثامن شبري ‪ ،‬ص ‪ 140‬ـ ‪. 141‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪33‬‬
‫‪ -‬الراب�ع‪ :‬اس�تجالء باعث أط�راف القضية املع�ارصة ؛ ألن الباعث جيع�ل اليشء الواحد‬
‫حلاالً أو حرام� ًا ‪ ،‬وصحيح� ًا أو فاس�د ًا ‪ ،‬وقربة أو معصية ‪ ،‬بحس�ب الني�ة واملقصد ‪ « ،‬فعرص‬
‫العن�ب بني�ة أن يكون مخر ًا معصية ملعون فاعله عىل لس�ان رس�ول اهلل ﷺ ‪ ،‬وعرصه بأن يكون‬
‫خ ً‬
‫ال أو دبس� ًا جائز ‪ ،‬وصورة الفعل واحدة » ‪ ،‬ومن ثم فإن الصورة احلس�ية ألمر ما ال حيكم‬
‫ِ‬
‫اس�تصحاب املقص�د وإعامله ؛‬
‫عليه�ا بحكم رشعي اس�تناد ًا إىل املحس�وس فقط ؛ بل البد من‬
‫ألنه الباعث احلامل عىل إيقاع تلك الصورة ‪ .‬أما إغفاله فينش�أ عنه تصحيح الفاس�د ‪ ،‬وإفس�اد‬
‫الصحي�ح ‪ ،‬واإلل�زام بام ال يل�زم ‪ ،‬ويف هذا من العبث بالرشع ما ال خيفى ‪ .‬ويعجبني أن أس�وق‬
‫هن�ا كالم ًا نفيس� ًا البن القيم لتعلقه بامل�راد ‪ ،‬ووفائه باملقصود ‪ ،‬يق�ول ‪ « :‬وقاعدة الرشيعة التي‬
‫ال جي�وز هدمها ‪ :‬أن املقاصد واالعتق�ادات معتربة يف الترصفات والعبارات ‪ ،‬كام هي معتربة يف‬
‫التقرب�ات والعب�ادات ‪ ،‬فالقصد والني�ة واالعتقاد جيعل اليشء حلاالً أو حرام ًا ‪ ،‬وصحيح ًا أو‬
‫فاسد ًا ‪ ،‬وطاعة أو معصية » ‪.‬‬
‫ب‪ -‬التكيي�ف الفقه�ي للقضية املعارصة ‪ :‬ويقصد به إعطاء الوصف الفقهي املناس�ب‬
‫للترصف ّ‬
‫حمل النظر ‪ ،‬ويكون ذلك بعد استجالء حقيقته ‪ ،‬وتبينّ جمانسته ملا يامثله من الترصفات‪،‬‬
‫انتها ًء إىل تنزيل األصل الرشعي عىل الواقعة العملية ‪.‬‬
‫ويؤخذ من هذا التعريف أن التحقق من املطابقة بني القضية املعارصة وحكم األصل قوام‬
‫التكيي�ف الفقهي ِ‬
‫ومالكه ‪ ،‬واملراد باملطابقة التجانس يف العنارص الرئيس�ة ‪ ،‬وحتقق مناط احلكم‬
‫يف القضية ‪ ،‬وصون مقاصد اإلحلاق عن االنخرام ‪.‬‬
‫ إعلام املوقعـين الب�ن القي�م ‪ ، 250/4 ،‬وبـي�ان الدليل عىل بطـلان التحليل البن تيميـ�ة ‪ ،‬ص ‪، 58‬‬
‫واملوافقات للشاطبي ‪. 8/3 ،‬‬
‫ إعالم املوقعني البن القيم ‪. 96 - 95/3 ،‬‬
‫ م�ن تعاري�ف التكيي�ف الفقهي ‪ « :‬حتدي�د حقيقة الواقعة املس�تجدة إلحلاقها بأصل فقه�ي ‪ ،‬خصه الفقه‬
‫اإلسلامي بأوصاف فقهية ‪ ،‬بقصد إعطاء تلك األوصاف للواقعة املس�تجدة عند التحقق من املجانس�ة‬
‫واملشاهبة بني األصل والواقعة املستجدة » ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪34‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫وكم من ٍ‬
‫مفت حيفظ الفقه ‪ ،‬ويعتني بمداركه ‪ ،‬ويقرئه يف جمالس العلم ‪ ،‬وال حيسن تكييف‬
‫املس�تجدات ‪ ،‬ف�إذا س�ئل عنها حار يف اجل�واب ‪ ،‬أو ّ‬
‫ضل فيه ضلاالً بعيد ًا ‪ .‬وق�د أومأ إىل هذا‬
‫أبوعبد اهلل حممد بن عبد السالم حني قال ‪ « :‬استعامل كليات علم الفقه وانطباقها عىل جزئيات‬
‫الوقائ�ع بني الناس عسير عىل كثري من الن�اس ‪ ،‬فتجد الرجل حيفظ كثري ًا م�ن الفقه ‪ ،‬ويفهمه ‪،‬‬
‫ويعلم�ه غيره ‪ ،‬فإذا س�ئل عن واقعة لبعض العوام من مس�ائل الصالة ‪ ،‬أو مس�ألة من األعيان‬
‫ال‪ ‬حيسن اجلواب » ‪.‬‬
‫مته�د هذا أدركنا بس�هولة ويرس أن صنيع املفتي أدق ٌ‬
‫وأِش�ق م�ن صنيع الفقيه ؛ « ألن‬
‫وإذا ّ‬
‫متع َّل�ق الفق�ه كيل من حيث ص�دق كليته عىل جزئيات ‪ ،‬فحال الفقيه م�ن حيث هو فقيه كحال‬
‫عامل بكربى قياس الشكل األول فقط ‪ ،‬وحال القايض واملفتي كحال عامل هبا مع علمه بصغراه‪،‬‬
‫وال خف�اء أن العلم هبا أش�ق وأخص ‪ ،‬وأيض ًا فقها القضاء والفت�وى مبنيان عىل إعامل النظر يف‬
‫الصور اجلزئية ‪ ،‬وإدراك ما اشتملت عليه من األوصاف الكامنه فيها ‪ ،‬فيلغي طريدها ‪ ،‬ويعمل‬
‫معتربها » ‪.‬‬
‫وقد ش� ّبه ابن رش�د احلفيد الفقيه احلافظ للمس�ائل ببائع اخلفاف الذي عنده خفاف كثرية‬
‫لكنه ليس خفاف ًا ؛ ألنه ال حيسن أن يصنع ِخفاف ًا ملن ال يوافق قدمه ما عنده من ِ‬
‫اخلفاف ‪.‬‬
‫ُُ‬
‫وم�ن ص�ور التكيي�ف الفقه�ي للمس�تجدات املالية ‪ :‬تفكي�ك املش�اركة املتناقص�ة إىل‬
‫ املعيار للونرشييس ‪. 80/10 ،‬‬
‫ البهجة يف رشح التحفة للتسويل ‪. 17/1 ،‬‬
‫ بداية املجتهد مع اهلداية البن رشد ‪. 376/7‬‬
‫ ه�ي رشك�ة يعطي املرصف اإلسلامـي فيها احلق للرشيك يف احللول حمل�ه دفعـة واحدة أو عىل دفعـات‬
‫حسبام تقتضيه الرشوط املتفق عليها ؛ إذ يقدم املرصف اإلسالمي جزء ًا من رأس املال املطلوب للمشـروع‬
‫بصفته مشارك ًا للعميل ‪ ،‬الذي يقدم اجلزء الباقي من رأس مال املشـروع ‪ ،‬ويتفق مع املرصف عىل شـراء‬
‫حصت�ه تدرجيي� ًا ‪ .‬انظر ‪ :‬االس�تثامر ألمرية مش�هور ‪ ،‬ص ‪ ، 286‬والتكييف الفقهي ملحمد عثامن ش�بري ‪،‬‬
‫ص ‪. 137‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪35‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫عنارصها ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫ رشكة العنان بني املرصف اإلسالمي والعميل ‪.‬‬‫‪ -‬وعد من املرصف اإلسالمي ببيع حصته للعميل ‪.‬‬
‫ بيع املرصف حصته للعميل بالتدرج حتى تصبح امللكية خالصة له يف هناية املطاف‪.‬‬‫أما البيع ورشكة العنان فجائزان باتفاق الفقهاء ‪ ،‬وأما الوعد فمحمل خالف ‪ ،‬والراجح أنه‬
‫ملزم قضا ًء إذا كان متع ّلق ًا بسبب ‪ ،‬ودخل املوعود يف السبب ‪ ،‬وهبذا أفتى جممع الفقه اإلسالمي‬
‫يف دورت�ه اخلامس�ة يف الكوي�ت ‪ ،‬وجاء يف قراره ‪ « :‬الوعد يكون ملزم� ًا للواعد ديانة إال لعذر ‪،‬‬
‫وه�و ملزم قضا ًء إذا كان مع َّلق ًا عىل س�بب ‪ ،‬ودخل املوعود يف كلف�ة نتيجة الوعد ‪ ،‬ويتحدّ د أثر‬
‫اإللزام يف هذه احلالة إما بتنفيذ الوعد ‪ ،‬وإما بتعويض عن الرضر الواقع فع ً‬
‫ال بسبب عدم الوفاء‬
‫بالوعد بال عذر » ‪.‬‬
‫ضم�ت املش�اركة املتناقصة بين جانحتيها ثالثة عن�ارص جائ�زة ‪ ،‬وكان اجلمع بينها‬
‫ولم�ا ّ‬
‫نص ًا رشعي ًا ‪ ،‬أو قاعدة كلية ‪ ،‬فال ضري وال جناح يف تعاطيها‪،‬‬
‫مرشوع ًا أيض ًا ‪ ،‬وليس فيها ما جيايف ّ‬
‫التنزه عن حيلة اإلقراض بالفائدة ‪ ،‬ورشط امتالك املرصف حلصته يف املرشوع‬
‫مع التقيد برشط ّ‬
‫ملك ًا تام ًا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ع�رض القضي�ة املع�ارصة عىل مصادر الترشيع ‪ ،‬كتاب ًا وس�نّة وإمجاع� ًا ‪ ،‬وقد كان هذا‬
‫الع�رض هدي الصحابة رضوان اهلل عليهم يف التص�دي لنوازل عرصهم ؛ إذ ال يعملون الرأي‬
‫إال بعد مطاولة وجهد يف االستقصاء ‪ ،‬إيامن ًا منهم بوجوب الر ّد إىل اهلل ورسوله ‪ ،‬وجتريد االتباع‬
‫هلما ‪ .‬وم�ن البدهي أن ال يظفر املفتي بن�ص رصيح يف النازلة ‪ ،‬وهي وليدة العرص وبنت اليوم ‪،‬‬
‫لكنه ال يعدم يف النصوص ما ُيؤنس للحكم بداللـة التضمن أو االلتزام‪.‬‬
‫ قرارات جممع الفقه اإلسالمي ‪ ،‬ص ‪. 91‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪36‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫د ‪ -‬ع�رض القضية املعارصة عىل فتاوى الصحابة واجتهاداهتم ‪ ،‬فقد يوجد فيها ما ُيؤنس‬
‫للحك�م ‪ ،‬أو يرش�د إلي�ه من طرف خف�ي ‪ ،‬وحتى لو عدمنا ذل�ك فإننا ال نخط�ىء فيها منحى‬
‫راش�د ًا يف تفسير الن�ص ‪ ،‬أو تنزيل�ه عىل الواقع ‪ ،‬ولع�ل اجتهادات عمر ب�ن اخلطاب ريض اهلل‬
‫عن�ه يف إبطال س�هم املؤلفة قلوهبم ‪ ،‬ورفع احلد الرسق�ة يف املجاعة ‪ ،‬واإللزام بالطالق الثالث‪،‬‬
‫أمثلة مضيئة يف منهجية التصدي للنوازل تكييف ًا وحك ًام ‪ .‬وأكثر املظان استيعاب ًا ألقوال الصحابة‬
‫وفتاوهيم الس�نن الكربى للبيهقي ‪ ،‬وس�نن الدارمي ‪ ،‬واملصنف لعبد الرزاق ‪ ،‬ومصنف ابن أيب‬
‫شيبة ‪.‬‬
‫ه�ـ ‪ -‬البح�ث عن حكم القضية املعارصة يف اجتهادات املذاه�ب املتبوعة واملندثرة ‪ ،‬وهي‬
‫اجلم�ة ‪ ،‬وال يعظم ق�در الفقيه‬
‫مس�تودع اآلراء الفقهي�ة احلصيف�ة ‪ ،‬ومشرع الفوائ�د األصولية ّ‬
‫ويشرف إال باإلحاط�ة هب�ا واإلفادة منها ‪ ،‬قال ابن عبد الرب ‪ « :‬ال يك�ون فقيه ًا يف احلادث من مل‬
‫يكن عامل ًا باملايض » ‪.‬‬
‫وقد أفتى الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي بجواز ( بنوك احلليب ) استئناس ًا برأي الليث‬
‫اب�ن س�عد وابن حزم يف اعتبار الرضاع م�ا كان عن طريق التقام الث�دي وامتصاص اللبن منه ‪،‬‬
‫دون الوجور أو الس�عوط ؛ ألن هذا ما تقتضيه كلمة الرضاعة التي ترتب عليها التحريم يف‬
‫القرآن والسنّة ‪.‬‬
‫وم�ن الطري�ف أن ابن عابدين عني يف حاش�يته باحلديث عن التأمني يف باب املس�تأمن من‬
‫باب اجلهاد ‪ ،‬وهو من قضايا العرص ‪ ،‬وقد أفاد من رأيه بعض الفقهاء املعارصين يف التأصيل‬
‫الرشعي عىل سبيل التقوية واالستئناس ‪.‬‬
‫ جامع بيان العلم وفضله البن عبد الرب ‪. 47/2 ،‬‬
‫ الوجور ‪ :‬الصب يف احللق ‪ ،‬والسعوط ‪ :‬الصب يف األذن ‪.‬‬
‫ فتاوى معارصة للقرضاوي ‪ 550/2 ،‬ـ ‪. 556‬‬
‫ حاشية ابن عابدين ‪ ، 170/4 ،‬ونظام التأمني للزرقا ‪ ،‬ص ‪. 21‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪37‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫و ‪ -‬البحث عن حكم القضية املعارصة يف جماميع الفتاوى القديمة واملعارصة ‪ ،‬فقد حتوي‬
‫خيرج عليها احلك�م ‪ ،‬وحتى لو انتف�ى التطابق‬
‫بين عطفيه�ا نظائر فقهية ‪ ،‬وس�وابق يف الفت�وى ّ‬
‫املوضوعي التام بني القضية الس�ابقة والقضية املس�تجدة ‪ ،‬فإن املفتي ال يستغني عن االستئناس‬
‫تنور أفق البحث ببصيص نور هيدي إىل احلق‪ .‬ومن‬
‫بصلة قربى أو شبكة رحم بينهام من شأهنا أن ّ‬
‫البده�ي أال تكون دالل ُة الفتاوى القديمة عىل املس�تجدات دالل� َة مطابقة ‪ ،‬وأال يكون مفهو ُمها‬
‫ّ‬
‫املحل ‪ ،‬وتباي�ن املوجب ؛ وإنما يكتفى يف مورد‬
‫مفه�و َم موافق�ة ‪ ،‬مع اختلاف الزمن ‪ ،‬وتغّي�رّ‬
‫االستئنتاس بداللة التضمن أو االلتزام عىل ٍ‬
‫نحو ينبىء عام وراء األكمة !‬
‫وإن بعض القضايا الطبية املعارصة « استفادها بعض العلامء املعارصين من بعض الفتاوى‬
‫القريبة ‪ :‬كجواز أكل املضطر لقطعة حلم من جس�مه ‪ ،‬حيث اس�تأنس هبا يف الوصول إىل حكم‬
‫زرع األعضاء » ‪.‬‬
‫وال ختلو الفتاوى القديمة من جوابات يستأنس هبا يف التهدي إىل حكم بعض املستجدات‬
‫املالية واملرصفية ‪ ،‬ومنها ‪ :‬مس�ألة تغيرّ الس�كة أو انقطاعها ‪ ،‬فقد أفتى ابن عتاب يف قرطبة حني‬
‫انقطع�ت س�كة ابن جهور بدخول ابن عباد بس�كة أخ�رى‪ :‬أن يرجع يف ذلك إىل قيمـة الس�كة‬
‫املقطوعة من الذهب ‪ ،‬ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب ‪ ،‬وكان أبو دحون يفتي بالقيمة‬
‫يوم القرض ‪ ،‬ويقول ‪ :‬إنام أعطاها عىل العوض ‪.‬‬
‫ومن أنفع كتب الفتوى وجماميع النوازل ‪ :‬نوازل ابن رشد ‪ ،‬وأحكام الشعبي ‪ ،‬ونوازل ابن‬
‫بش�تغري ‪ ،‬ونوازل ابن لب ‪ ،‬ونوازل ابن احلاج القرطبي ‪ ،‬وفتاوى الش�اطبي ‪ ،‬وفتاوى املازري ‪،‬‬
‫واملعي�ار املعرب للونرشييس ‪ ،‬واملعيار اجلديد للوزاين ‪ ،‬ونوازل أيب احلس�ن العلمي ‪ ،‬والفتاوى‬
‫ املعامالت املالية املعارصة يف الفقه اإلسالمي ملحمد عثامن شبري ‪ ،‬ص ‪. 47‬‬
‫ املعيار للونرشييس ‪ . 163/6 ،‬وانظر أمثلة هذه املسائل يف ‪ :‬سبل االستفادة من النوازل والعمل الفقهي‬
‫يف التطبيقات املعارصة ‪ ،‬لعبد اهلل الشيخ املحفوظ بن بيه ‪ ،‬جملة املجمع الفقهي اإلسالمي ‪ ،‬اجلزء الثاين‪،‬‬
‫‪ 1998 ، 1419‬م ‪ 570 ،‬ـ ‪. 575‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪38‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫اهلندي�ة ‪ ،‬وفت�اوى اب�ن الصلاح ‪ ،‬وفت�اوى الن�ووي ‪ ،‬وفتاوى الس�بكي ‪ ،‬وفتاوى اب�ن تيمية ‪،‬‬
‫وفتاوى ابن بدران ‪.‬وال نعدم يف هذه الكتب واملجاميع تأصي ً‬
‫ال رشعي ًا لقضايا متت بسبب وثيق‬
‫إىل املستجدات املالية كالرشكات املسامهة ‪ ،‬وأحكام العمالت وتغري الرصف ‪ ،‬والتأمني ‪.‬‬
‫وال يستغني الفقيه عن النظر يف الفتاوى احلديثة ‪ ،‬وهي أربعة أصناف ‪:‬‬
‫األول ‪ :‬فتاوى اجلهات الرس�مية املكلفة باإلفتاء ‪ ،‬مثل ‪ :‬دار اإلفتاء بمرص ‪ ،‬وجلنة الفتوى‬
‫باألزهر ‪ ،‬ورئاسة اإلفتاء باململكة العربية السعودية ‪.‬‬
‫والثاين ‪ :‬فتاوى املجالت اإلسالمية مثل ‪ :‬جملة ( املنار ) التي توىل فيها اإلفتاء الشيخ رشيد‬
‫رضا مؤس�س املجلة ‪ ،‬وجملة ( األزهر ) ‪ ،‬وجملة ( منرب اإلسلام)‪ ،‬وجملة ( نور اإلسالم )‪ ،‬وجملة‬
‫( الوعي اإلسالمي ) ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬فتاوى بعض املعارصين ممن يوثق يف أهليتهم العلمية ‪ ،‬مثل فتاوى الشيخ حممود‬
‫شلتوت ‪ ،‬وفتاوى الشيخ حسنني خملوف ‪ ،‬وفتاوى الشيخ يوسف القرضاوي ‪ ،‬وفتاوى الشيخ‬
‫مصطفى الزرقا ‪.‬‬
‫والراب�ع ‪ :‬فت�اوى املجامع واهليئات ‪ ،‬مثل ‪ :‬جممع البحوث اإلسلامية يف األزهر ‪ ،‬وجملس‬
‫املجم�ع الفقه�ي املنبث�ق عن رابط�ة العامل اإلسلامي ‪ ،‬واملجم�ع الفقه�ي التابع ملنظم�ة املؤمتر‬
‫اإلسلامي ‪ ،‬وفت�اوى هيئات الرقابة الرشعية للبنوك اإلسلامية ‪ ،‬وقد أصب�ح بعضها مطبوع ًا‬
‫متداوالً كفتاوى ( بنك فيصل اإلسالمي ) يف السودان ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬البح�ث عن حك�م القضية املعارصة يف قرارات املجام�ع الفقهية ‪ ،‬وبحوث املؤمترات‬
‫الرشعية املتخصصة ‪ ،‬ورس�ائل املاجس�تري والدكت�وراه املتميزة ‪ ،‬والتآليف املش�هود ألصحاهبا‬
‫باالس�تبحار يف العل�م ‪ ،‬ودقة الصناعة الفقهية ‪ .‬وإن الصبغ�ة املعرفية التي مت ّيز هذه املصادر عن‬
‫غريها ‪ :‬الصرب عىل االستقراء ‪ ،‬واجلودة يف التأصيل ‪ ،‬والدقة يف الصناعة ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪39‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫ح ‪ -‬إذا مل جي�د املفت�ي حك�م القضي�ة املعارصة فيام تق�دّ م من املصادر واإلج�راءات ‪ ،‬أعاد‬
‫النظ�ر يف موضوعه�ا ‪ ،‬وافرتض فيها أقس�ام احلك�م التكليفي من وجوب أو ن�دب أو إباحة أو‬
‫حتري�م أو كراه�ة ؛ وإن كان احلك�م فيه�ا يتر ّدد بني اإلباح�ة أو احلظر ‪ ،‬وبينهام مرات�ب ‪ ،‬ثم‬
‫يس�تنبط حكم القضية املعارصة بعدَ النظر يف اقرتاض اجلواز واملنع ‪ ،‬واستقراء نتائجهام ‪ ،‬ووزن‬
‫كل نتيج�ة بميزان املصالح املجتلبة واملفاس�د املدفوعة ‪ ،‬على أن تراعى عند عقد املوازنات زمر‬
‫من القواعد‪:‬‬
‫‪ -‬قواعد التيسير ورفع احلرج ‪ :‬كقاعدة املش�قة جتلب التيسير ‪ ،‬وقاع�دة إذا ضاق األمر‬
‫اتسع ‪ ،‬والرضورات تبيح املحظورات ‪ ،‬واحلاجة تنزل منزلة الرضورة ‪ ،‬واألصل يف املعامالت‬
‫اإلباحة ‪.‬‬
‫‪ -‬قواع�د رف�ع الضرر ‪ :‬كقاع�دة ال رضر وال رضار ‪ ،‬والضرر ي�زال ‪ ،‬ويرتك�ب أخف‬
‫الرضرين‪ ،‬والرضر ال يزال بالرضر ‪.‬‬
‫‪ -‬قواعد املصالح واملفاسد ‪ :‬كقاعدة درء املفاسد أول من جلب املصالح ‪ ،‬وإذا تعارضت‬
‫مفس�دتان روع�ي أخفهما رضر ًا بارت�كاب أخفهما ‪ ،‬ودرء املفاس�د مرشوط ب�أن ال يؤدي إىل‬
‫مثلها‪. ‬‬
‫‪ -‬قواعد الوس�ائل ‪ :‬كقاعدة للوس�ائل حك�م املقاصد ‪ ،‬واعتبار املقاص�د أوىل من اعتبار‬
‫ِ‬
‫ح�رم س�د ًا للذريعة أبيح‬
‫الوس�ائل ‪ ،‬والوس�يلة إذا مل‬
‫تف�ض إىل املقص�ود بط�ل اعتباره�ا ‪ ،‬وما ّ‬
‫للمصلحة الراجحة ‪.‬‬
‫ط‪ -‬التوقف عن الفتوى عند استشكال الدليل وخفاء وجه الصواب يف القضية املستجدة‪،‬‬
‫وهذا مس�لك أثري عند الس�لف الصالح الذين اش�تهروا بالتورع يف الفتيا ‪ ،‬والتأين يف اجلواب ‪،‬‬
‫ انظر تفصيل هذا املسلك يف املعامالت املالية يف الفقه اإلسالمي ملحمد عثامن شبري ‪ -‬ص ‪. 49-48‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪40‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫بمجرد الرأي ‪ ،‬وقد كان الصحابة رضوان اهلل عليهم ‪ -‬عىل‬
‫التهجم عىل رشع اهلل‬
‫واخلش�ية من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م�ا اتفق هلم من وفور العلم ‪ ،‬وهنوض احلج�ة ‪ ،‬وتشرّ ب مقاصد الوحي فه ًام وتنزي ً‬
‫ال ‪ -‬تعرض‬
‫عليهم املس�ألة فيجمعون هلم النخبة من أهل العلم والفهم ‪ ،‬طمع ًا يف اجتامع اخلواطر ‪ ،‬وتالقح‬
‫األنظار ‪ ،‬واس�تيضاح طرائق االجتهاد املفيض إىل احلق ؛ بل إن بعضهم حييل الفتوى عىل اآلخر‬
‫هتيب ًا من عاقبتها ‪ ،‬واستعظام ًا لشأهنا ‪.‬‬
‫وعلى منه�ج الصحابة رضوان اهلل عليهم س�ار األئمة األربعة ‪ ،‬وه�م صفوة أهل االتباع‪،‬‬
‫فل�م يس�تنكفوا قط من التوق�ف كلام وجلوا مضاي�ق النظر ‪ ،‬وأعوزهتم احلج�ة ‪ ،‬والتبس عليهم‬
‫وجه احلق ‪ ،‬إال أهنم متفاوتون يف إعامل هذا املس�لك بني ٍّ‬
‫مقل ومس�تكثر ‪ ،‬وهذا التفاوت يمليه‬
‫اختالف يف موارد االجتهاد ‪ ،‬ومنازع النظر ‪ ،‬وطبيعة اإلشكاالت املوجبة للرتدد لدهيم ‪.‬‬
‫وقد توقف اإلمام أبو حنيفة يف سؤر احلامر ‪ ،‬ووقت اخلتان ‪ ،‬واخلنثى املشكل ‪ ،‬وتوقف‬
‫اإلم�ام مال�ك يف حكم خنزير البح�ر ‪ ،‬وال َك ْي َمخت ‪ ،‬وإعادة الصلاة إذا صليت خلف أهل‬
‫البدع ‪ ،‬وتوقف اإلمام الش�افعي يف وقوع ما ال نفس له س�ائلة يف املاء ‪ ،‬ووصية الرجل باحلج‬
‫عنه تطوع ًا ‪ ،‬واملحرم يغلب عىل عقله فيصيب الصيد ‪ ،‬وتوقف اإلمام أمحد يف املتيمم ينس�ى‬
‫املاء يف رحله ويصيل ‪ ،‬وغسل اخلف ‪ ،‬وطالق السكران ‪.‬‬
‫بيد أن التوقف استثناء يف العلوم عامة ‪ ،‬ويف الفتوى عىل وجه اخلصوص ‪ ،‬فإذا صار أص ً‬
‫ال‬
‫مس�تقر ًا ‪ ،‬وقاع�دة ثابتة ‪ ،‬تعطلت األح�كام ‪ ،‬وفات حكم الرشع يف احل�وادث والنوازل ‪ ،‬ومن‬
‫ انظر ‪ :‬البناية يف رشح اهلداية للعيني ‪ 454/1 ،‬ـ ‪ ، 655/12 ، 455‬وحاش�ية ابن عابدين ‪-478/5 ،‬‬
‫‪. 479‬‬
‫ الكيمخت ‪ :‬جلد احلامر أو الفرس أو البغل امليت أو أو‬
‫ املدونة ‪. 207/1 ،‬‬
‫ األم للشافعي ‪. 129/2 ، 117/2 ، 25/1 ، 5/1 ،‬‬
‫ املغني البن قدامة ‪. 256/8 ، 338/1 ، 275/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪41‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫هنا وجب عىل املفتي يف القضايا املعارصة أن حيمل نفسه عىل الصرب يف االستقراء ‪ ،‬واملطاولة يف‬
‫االستخبار ‪ ،‬والرتيث يف احلكم ‪ ،‬قبل اللواذ بالتوقف ؛ إذ ال بد أن تكون مثاراته قوية ‪ ،‬ودواعيه‬
‫ناهضة ‪ ،‬فال ملجأ إال إليه ‪ ،‬وال رفدَ إال منه ‪.‬‬
‫ثم ف�إن مفتي املصارف ال يفزع إىل التوقف عندَ إعواز الدليل ‪ ،‬وضيق الس�بيل ‪ ،‬إال‬
‫وم�ن ّ‬
‫بعد مراعاة الضوابط اآلتية ‪:‬‬
‫‪ -‬أال يكون حكم املسألة املتوقف فيها مشهور ًا ‪ ،‬وقد أصل القرايف هلذا الضابط حني قال‪:‬‬
‫« وما هو مشهور ال يكون اللبس فيه عذر ًا » ‪.‬‬
‫‪ -‬أال يكون س�بب التوقف ضعيف ًا ‪ ،‬ويؤخذ من هذا الضابط أن ليس كل اش�تباه يوجب‬
‫التردد والتوق�ف ؛ بل يعتدّ بما كان قوي ًا مثري ًا للش�بهات ‪ ،‬كالتعارض الص�ارخ بني أمارتني ال‬
‫مرجح إلحدامها ‪ ،‬أو االلتباس الشديد يف الصفات التي تناط هبا األحكام ‪.‬‬
‫‪ -‬استفراغ الوسع يف طلب الدليل ‪ ،‬وحتصيل املرجح عند التعارض ‪ ،‬وقد نص الشافعي‬
‫على ه�ذا الضاب�ط يف قوله ‪ « :‬على أن العامل ال يقول يف مس�ألة ‪ :‬ال أعلم ‪ ،‬حتى جيهد نفس�ه يف‬
‫هيون أمر املسألة ويطمع‬
‫النظر فيها ثم يقف ‪ ..‬ووجهه أن العامل ليس كالعامي ‪ ،‬فقوله ‪ :‬ال أعلم ّ‬
‫السائل يف اإلقدام » ‪.‬‬
‫‪ -‬بي�ان داع�ي التوقف ‪ ،‬ومثار الرتدد ‪ ،‬حتى يعلم هل هو مما يعتدّ به أم ال ؟ وال ش�ك أن‬
‫هذا البيان احتياط حسن يمنع التعطيل املطلق ‪ ،‬والتفيص من األحكام ‪ ،‬ويقدح ‪ ،‬يف اآلن عينه ‪،‬‬
‫األفكار واألنظار حول مرشوعية هذا الداعي أو ذاك املثار ‪ ،‬فرب عامل يتوقف يف مسألة الشتباه‬
‫املرجح الذي ندَّ عن فطنته ‪.‬‬
‫ما ‪ ،‬فيأيت عامل آخر وجييل له هذا االشتباه ‪ ،‬ويوقفه عىل الدليل أو ّ‬
‫ الفروق للقرايف ‪. 174/4 ،‬‬
‫ البحر املحيط للزركيش ‪. 274/2 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪42‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫‪ -‬أال يستنبط من التوقف حكم رشعي أيا كان نوعه أو رتبته ‪ ،‬وإال مل يكن للتوقف معنى‪،‬‬
‫التهمم بكامل التحقيق ‪ ،‬واالحتياط‬
‫وأهدر املقصود الذي من أجله ترك القول يف املسألة ‪ ،‬وهو‬
‫ّ‬
‫مل�راد الشرع ‪ .‬قال اب�ن قدامة ‪ « :‬أما التوقف ع�ن اجلواب فليس بقول يف املس�ألة ؛ إنام هو ترك‬
‫للقول فيها » ‪.‬‬
‫‪ -2‬آداب املنهج ‪:‬‬
‫إذا كان املنهج املريض يف معاجلة القضايا املعارصة يقوم أول ما يقوم عىل مقومات علمية ‪،‬‬
‫ومراح�ل منهجي�ة ‪ ،‬جتليّ كيفية التأصيل ‪ ،‬وطريق�ة التنزيل ‪ ،‬فإن من متمامت هذه املقومات ‪ ،‬أو‬
‫تلكم املراحل ‪ ،‬آداب ًا ال ندحة عن مراعاهتا يف التأصيل الفقهي للمس�تجدات ‪ ،‬جري ًا عىل النهج‬
‫امللحب ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫السديد والطريق ّ‬
‫التج�رد يف البح�ث ‪ ،‬واحلي�دة يف احلك�م ‪ ،‬واإلخلاص هلل يف الب�دء واملنته�ى ‪ ،‬وه�ذا‬
‫أ‪-‬‬
‫ّ‬
‫قطع النفس عن أطامع الرئاس�ة ‪ ،‬وش�هوة املال ‪ ،‬وقتنة الش�هرة ‪ ،‬وحب الفلج والظهور‬
‫يقتيض َ‬
‫ِ‬
‫ونصرة املذهب بال ّلس�انة والصل�ف ‪ ،‬يقول ابن القي�م ‪ « :‬فأما النية فه�ي رأس األمر‬
‫باحلج�ة‪،‬‬
‫وعموده وأساس�ه وأصله الذي عليه يبنى ‪ ،‬فإهنا روح العمل وقائده وسائقه ‪ ،‬والعمل تابع هلا‪،‬‬
‫ويبنى عليها ‪ ،‬يصح بصحتها ‪ ،‬ويفس�د بفس�ادها ‪ ،‬وهبا يس�تـجلب التـوفيق ‪ ،‬وبعدمها حيصل‬
‫اخلذالن‪. » ‬‬
‫ب‪ -‬إظه�ار االفتقار إىل اهلل تعاىل قبل الفتوى يف القضية املعارصة ‪ ،‬باس�تمداد العون منه ‪،‬‬
‫واس�تلهام الص�واب ‪ ،‬وطلب الفتح ‪ ،‬وما أجدر من أمل فضل رب�ه أن ال حيرمه إياه ‪ ،‬يقول ابن‬
‫القيم ‪ « :‬ينبغي للمفتي املوفق إذا نزلت به املسألة أن ينبعث من قلبه االفتقار احلقيقي ال العلمي‬
‫املج�رد إىل مله�م الص�واب ‪ ،‬ومعلم اخلير ‪ ،‬وهادي القل�وب ‪ :‬أن يلهمه الص�واب ‪ ،‬ويفتح له‬
‫ املغني البن قدامة ‪. 256/8 ،‬‬
‫ إعالم املوقعني البن القيم ‪. 199/4 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪43‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫طريق الس�داد ‪ ،‬ويدله عىل حكمه الذي رشعه لعباده يف هذه املس�ألة ‪ ،‬فمتى قرع هذا الباب فقد‬
‫قرع باب التوفيق ‪. » ..‬‬
‫وقد حكى ابن القيم ما رآه من صنيع ش�يخه ابن تيمية إذا حزبته مس�ألة ‪ ،‬واستش�كل عليه‬
‫وج�ه احلق فيها ‪ ،‬من جلوئه إىل اهلل تعاىل ‪ ،‬واس�تمداده الص�واب من عنده ‪ ،‬فيرتى العون اإلهلي‬
‫مدد ًا بعد مدد ‪ ،‬وتزدحم الفتوحات الربانية بني يديه ‪ ،‬ال يعلم بأيتهن يبدأ ‪.‬‬
‫التح�رر م�ن ربقة التعصب املذهب�ي ؛ بوصفها حجاب ًا صفيق ًا بين املفتي ونور احلق ‪،‬‬
‫ج‪-‬‬
‫ّ‬
‫وعائق ًا عن العمل بالدليل الذي تعبدنا اهلل به ‪ ،‬وعقب ًة يف طريق االستفادة من االجتهادات الثرية‬
‫ِ‬
‫جهات االجتهاد‬
‫للمذاه�ب األخر ‪ ،‬مما جيعل الفت�وى دائرة يف فلك املنقول املذهبي ‪ ،‬زائغ ًة عن‬
‫العرصي املطلوب ‪ ،‬وهذا تعنّت تأباه مصالح الدين ‪ ،‬ومحل للناس عىل احلرج املرفوع ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التمهي�د للحكم املس�تغرب يف الفت�وى املعارصة بتوطئة تطرد وحش�ته عن النفوس ‪،‬‬
‫والس�يام إذا كان ثقيل ً‬
‫ا عليه�ا ‪ ،‬وجمافي ًا ملألوفها ؛ ألن من ش�أن النفس النف�ور واالزورار إذا ما‬
‫دعي�ت إىل خلاف م�ا ألفته ‪ ،‬فاالفت�كاك عن مألوفاهتا تق�ف دونه عقبة التع�ود واإللف حين ًا ‪،‬‬
‫وعقب�ة العناد واملكابرة حين ًا آخر ‪ ،‬مما يقتيض بس�ط مقدمات ممهدات هتي�ىء اجلو النفيس لتق ّبل‬
‫اجلدي�د املس�تغرب ‪ .‬قال ابن القي�م ‪ « :‬إذا كان احلكم مس�تغرب ًا جد ًا مما مل تألف�ه النفوس ‪ ،‬وإنام‬
‫ألف�ت خالف�ه ‪ ،‬فينبغي للمفتي أن يوطىء قبله م�ا يكون مؤذن ًا به كالدلي�ل عليه ‪ ،‬واملقدمة بني‬
‫يديه » ‪.‬‬
‫ه�ـ ‪ -‬س�وق الفت�وى بدليلها وتعليله�ا يف القضية املع�ارصة ‪ ،‬أما الدليل فه�و لب الفتوى‬
‫وروحه�ا ‪ ،‬واملكل�ف أطوع م�ا يكون لالنقي�اد إذا ذكر له النص من كتاب اهلل وس�نة رس�وله ‪،‬‬
‫ إعالم املوقعني ‪. 199/4 ،‬‬
‫ نفسه ‪. 222/4 ،‬‬
‫ نفسه ‪. 208/4 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪44‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ِ‬
‫بالعراء عن األدلة ‪ ،‬وقلة البضاع�ة ‪ ،‬وضيق العطن ‪ ،‬فيكون‬
‫املجرد الذي يش�عر‬
‫بخلاف الفق�ه َّ‬
‫االنقياد له ش�اق ًا عسير ًا ‪ ،‬وإن تأتى فبعد حرونة واس�تيحاش ‪ .‬قال ابن القيم ‪ « :‬ينبغي للمفتي‬
‫جمرد ًا عن دليله‬
‫أن يذكر دليل احلكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك‪ ،‬وال يلقيه إىل املس�تفتي س�اذج ًا َّ‬
‫ومأخ�ذه ‪ ،‬فه�ذا لضيق عطنه ‪ ،‬وقلة بضاعته من العل�م ‪ ،‬ومن تأمل فتاوى النبي ﷺ الذي قوله‬
‫حجة يف نفسه ‪ ،‬رآها مشتملة عىل التنبيه عىل حكمة احلكم ‪ ،‬ونظريه ‪ ،‬ووجه مرشوعيته » ‪.‬‬
‫ِ‬
‫األس�باب‬
‫وأم�ا التعلي�ل فهو زينة الفت�وى وطرازها ؛ إذ تعرض جملوة األرسار ‪ ،‬موصولة‬
‫حب‬
‫بحك ِم الترشيع ‪ ،‬فينرشح هلا الصدر ‪ ،‬وتقبل عليها النفس ‪ ،‬والسيام أن العقول جمبولة عىل ّ‬
‫املفسات التي جتري فيها األحكام عىل ذوق املصالح ‪ِ ،‬‬
‫وهنج املعقوالت ‪ ،‬يقول الغزايل‬
‫املع ّلالت رّ‬
‫‪ « :‬إن يف معرف�ة باع�ث الرشع ومصلحة احلكم اس�تاملة للقلوب إىل الطمأنين�ة والقبول بالطبع‬
‫واملسارعة إىل التصديق ‪ ،‬فإن النفوس إىل قبول األحكام املعقولة اجلارية عىل ذوق املصالح أميل‬
‫‬
‫لج الداعي إىل تعليل الفتوى يف عرص الغزايل ‪،‬‬
‫منها إىل قهر التحكم ‪ ،‬ومرارة التعبد » ‪ .‬وإذا ّ‬
‫فام بلك بعرص استحكمت فيه النزعات املادية واإلحلادية ‪ ،‬وراجت التيارات العقالنية املبهورة‬
‫ببهرج املادة ‪ ،‬وخالبة املنطق !‬
‫و ‪ -‬األخ�ذ باأليسر يف حك�م القضي�ة املعارصة ما مل يك�ن إث ًام ‪ ،‬حلديث عائش�ة ريض اهلل‬
‫عنها قالت ‪ « :‬ما خيرّ رس�ول اهلل ﷺ يف أمرين قد إال اختار أيرسمها ما مل يكن إث ًام ‪ ،‬فإن كان إث ًام‬
‫كان أبع�د الناس منه » ‪ ،‬ومن العبارات الش�ائعة املأث�ورة عند أهل الفقه والفتوى ‪ :‬هذا أرفق‬
‫بالناس‪.‬‬
‫بي�د أن التيسير ال يعني التنصل من العزائم ‪ ،‬والفرار م�ن التكاليف ‪ ،‬ونقض عرى الدين‬
‫بضوابط ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ركاب النص�وص ‪ ،‬ومقاصد الترشيع‪،‬‬
‫متينة جت�ري به يف‬
‫املج�رد ؛ وإنما حيكم‬
‫بال�رأي‬
‫َّ‬
‫ إعالم املوقعني ‪. 161/4 ،‬‬
‫ املستصفى للغزايل ‪. 369/2 ،‬‬
‫ أخرجه البخاري يف كتاب املناقب ‪ ، 230/4 ،‬ومسلم يف كتاب الفضائل ‪ 80/7 ،‬بلفظ ‪ « :‬إال أخذ »‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪45‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وموارد االنحالل ‪ ،‬وإال قلبت حقائق الرشع رأس� ًا‬
‫وقواع�د الفق�ه ‪ ،‬بعيد ًا عن مظان الغلو ‪،‬‬
‫عىل عقب بتصيريها حمكومة هبوة الناس ووقائع اخللق ‪ ،‬وهو الذي نزل من فوق سبع ساموات‬
‫حاك ًام قاضي ًا ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬اجلم�ع بين النصوص اجلزئي�ة واملقاصد الكلية يف بحث القضي�ة املعارصة ‪ ،‬عىل ٍ‬
‫نحو‬
‫جييل حكم الترشيع وأرساره الباهرة ‪ ،‬ويصون مصالح اخللق عن اإلهدار ‪ ،‬وإال مجد املفتي عىل‬
‫مقتضي�ات اللف�ظ ‪ ،‬وجزئيات الظاه�ر ‪ ،‬فأثبت حيث جيب النفي ‪ ،‬ونف�ى حيث جيب اإلثبات‪،‬‬
‫وزاغ ع�ن الس�بيل القصد يف التأصيل ‪ ،‬بس�بب قص�ور النظر ‪ ،‬وانفالت املعي�ار ‪ ،‬وضيق األفق‬
‫االجتهادي ‪.‬‬
‫ومل�ا كانت املعامالت جماالً رحب� ًا للغوص عىل التعاليل ‪ ،‬وإعامل املقاصد ‪ ،‬ومراعاة املعاين‬
‫كام قال الشاطبي ‪ ،‬فإلزام املفتي بالنظر املقاصدي يف املعاين املجتهد فيها رضورة ال حميص عنها‪ ‬؛‬
‫إذ ب�ه ترتاح�ب دائرة الن�ص الرشعي ومش�موالته ‪ ،‬فيرتاح�ب بذلك صدر الرشيع�ة ملدارجة‬
‫املستجدات والنوازل ‪ ،‬واستيعاب املخارج هلا وفق مرادات الشارع يف استيفاء مصلحة اإلنسان‬
‫ال وآج ً‬
‫عاج ً‬
‫ال ‪.‬‬
‫ِ‬
‫وبيان مزالقه ‪ ،‬جري ًا عىل جادة السلف الصالح‬
‫ح ‪ -‬مراعاة آداب احلوار يف ختطئة املخالف ‪،‬‬
‫َ‬
‫واجلدال‬
‫الفقهي‬
‫اخلالف‬
‫حيكم‬
‫يف تأ ّلف املخالفني واستدراجهم إىل حظرية احلق ‪ .‬ومما ينبغي أن‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫فيه البعدُ عن س�و ِ‬
‫ضاع احلق باس�تيالء اهلوى ‪،‬‬
‫رة ال َف َلج ‪ ،‬وآفة ال ّلس�ان َِة ‪ ،‬وفتنة‬
‫التعصب ‪ ،‬وإال َ‬
‫ّ‬
‫َ ْ‬
‫واس�تحكام الضغ�ن !والعلم منذ وجد إنما تتم ّيز حقائقه وختلص باجلدال احلس�ن ‪ ،‬فرحم اهلل‬
‫الغالب واملغلوب فيه كام قال الرافعي رمحه اهلل ‪.‬‬
‫إن تأهي�ل مفت�ي املصارف يف جمالني متوازيني ‪ :‬جمال الوس�ائل االجتهادي�ة ‪ ،‬وجمال املنهج‬
‫ انظر هذه الضوابط يف كتابنا ‪ :‬التيسري الفقهي ‪ :‬مرشوعيته وضوابطه وعوائده ‪ ،‬ص ‪ 71‬ـ ‪. 130‬‬
‫ تاريخ آداب العرب للرافعي ‪. 410/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪46‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ٌ‬
‫س�بيل إىل إحكام الش�ق النظري يف االجتهاد ‪ ،‬وهو شق يقوم عىل‬
‫البحثي يف القضايا املعارصة ‪،‬‬
‫بعدين ‪ :‬بعد اس�تنباطي تعني عليه العلوم‪/‬األدوات ‪ ،‬وبع�د منهجي تعني عليه املعرفة املنهجية‬
‫يف املعاجلة ‪ .‬أما الشق التنزييل فهو قسيم الشق النظري ‪ ،‬وال تلتئم عدة املفتي املجتهد إال باجلمع‬
‫بني الشقني ‪ ،‬وإحكام الصنعة فيهام مع ًا ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪47‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫املبحث اخلامس‬
‫التأهيل يف فقه التنزيل‬
‫إن مفتي املصارف اإلسالمية ال يعدّ مؤه ً‬
‫ال لإلفتاء يف املعامالت املالية واملرصفية باستيفاء‬
‫الرشوط التحصيلية واملنهجية فقط ؛ بل ال بد أن ترفدَ املعرف َة النظري َة املؤهلة للفه ِم واالستنباط‬
‫ٍ‬
‫بمغال‬
‫وإجراء البحث ‪ ،‬معرف ٌة تطبيقية قس�يمة هلا ال تقل عنها أمهية وخطورة وش�أن ًا ‪ ،‬ولس�ت‬
‫أش�ق وأعرس من الفهم‬
‫متح�رف ع�ن مكان احلق إذا قل�ت ‪ :‬إن‬
‫أو‬
‫التطبيق يف صناعة االجتهاد ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫املجرد ‪ ،‬وال يضطلع به إال غواص عىل فقه الواقع ‪ ،‬وبصري بمقاصد الرشع‪،‬‬
‫النظري واالستنباط َّ‬
‫ِ‬
‫قواعد املوازنة والتغليب ‪.‬‬
‫ومتضلع من‬
‫ف�إذا كان الفه�م ي�روم حتصيل الص�ورة الذهنية املجردة للم�راد اإلهلي يف الوح�ي املتع ّلق‬
‫بأجناس األفعال ‪ ،‬فإن التنزيل يروم تنصيب هذا املراد ق ّي ًام عىل الواقع اإلنساين يف صبغته الفردية‬
‫واجلامعية ‪ ،‬حتى يصبح جاري ًا عىل جادة األوامر والنواهي ‪ ،‬متكيف ًا هبا يف كل شاذة وفاذة ‪.‬‬
‫ث�م فإن فق�ه التنزيل يرفد املفتي املجتهد باألدوات والوس�ائل الت�ي تلحم بني وحي‬
‫وم�ن ّ‬
‫السماء وواقع األرض ‪ ،‬فيش�ق الوحي جمراه يف الواقع تفعي ً‬
‫الوحي‬
‫الواقع‬
‫ويترشب‬
‫ال وتكييف ًا ‪،‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫تكيف� ًا بمرادات�ه ‪ ،‬مما يثمر الصبغة اإلسلامية للحياة ‪ ،‬وهي مقصود االس�تخالف يف األرض ‪،‬‬
‫وثمرة تطبيق اخلطاب الرشعي ‪.‬‬
‫وال يذهب ّن عنك دور العقل يف ِ‬
‫ِ‬
‫والغوص‬
‫متييز أفعال اإلنسان من حيث التشابه واالختالف ‪،‬‬
‫على بواعثه�ا ومآالهت�ا ‪ ،‬حتى ي�ر ّد ك ًّ‬
‫اجلمة املتش� ّعبة ‪ -‬إىل نصاهب�ا الصحيح ‪،‬‬
‫ال منها ‪ -‬وه�ي ّ‬
‫ِ‬
‫جلب املصلحة ودرء املفسدة‪ .‬وقد أجاد‬
‫املجرد املس�تويف لقصد الشارع يف‬
‫وهو احلكم‬
‫الرشعي َّ‬
‫ّ‬
‫تنص عىل حكم كل جزئية‬
‫الشاطبي يف تصوير هذا الدور والتمثيل له حني قال ‪ « :‬إن الرشيعة مل ّ‬
‫على حدهت�ا ؛ وإنام أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعداد ًا ال تنحرص ‪ ،‬ومع ذلك فلكل‬
‫معَّي�نَّ خصوصية ليس�ت يف غريه ‪ ،‬ول�و يف نفس التعيني ‪ ،‬وليس ما ب�ه االمتياز معترب ًا يف احلكم‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪48‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫بإطالق ‪ ،‬وال هو طردي بإطالق ؛ بل ذلك منقسم إىل الرضبني ‪ ،‬وبينهام قسم ثالث يأخذ بجهة‬
‫من الطرفني ‪ ،‬فال يبقى صورة من الصور الوجودية املعنية إال وللعامل فيها نظر س�هل أو صعب‬
‫حتى حيقق حتت أي دليل تدخل ‪ ،‬فإن أخذت بشبهة من الطرفني فاألمر صعب » ‪.‬‬
‫وإذا كان العث�ار يف فه� ِم الن�ص مفضي� ًا إىل إهدار املقاص�د الرشعية ‪ ،‬فوقوع�ه يف التنزيل‬
‫ٍ‬
‫املجرد س�ديد ًا يف اس�تجالء املراد اإلهلي من‬
‫عىل الواقع‬
‫مفض إىل املآل نفس�ه ؛ فقد يكون الفهم ّ‬
‫الوحي ‪ « ،‬ولكن تنزيل احلكم يقع عىل صور من األفعال ليست مندرجة حتته ‪ ،‬أو يقع عىل صور‬
‫مندرجة حتته لكنها ال تس�تجمع رشوط ومؤهالت تنزيل احلكم عليها » ‪ ،‬أو تتأتى املجانسة‬
‫املجرد وآحاد الصور ‪ ،‬لكن املآل ينخرم عند التطبيق عىل الواقع لدوا ٍع ش�تى‪،‬‬
‫بني احلكم الكيل ّ‬
‫مفوت ملقاصد الش�ارع يف جلب الصالح‬
‫وه�ذا كله مع�دود يف دائرة أخطاء التنزي�ل ‪ ،‬ورضره ّ‬
‫ودرء الفساد ‪.‬‬
‫وال�ذي نخل�ص إليه من إي�راد هذه املقدم�ات املمه�دات أن فقه التنزي�ل رضورة رشعية‬
‫ومس�لك اجتهادي مرشوط يف الصناعة ‪ ،‬فال س�بيل إىل القيام عىل الفتوى يف املستجدات املالية‬
‫أت�م القيام ‪ ،‬إال بالتأهيل ِ‬
‫فيه ‪ ،‬واكتس�اب الدربة وامل�ران ‪ ،‬وحتصيل الكيفيات واألدوات ‪ ،‬ومن‬
‫املصارف اإلملام بفقه التنزيل مقو ٍ‬
‫ِ‬
‫مات وقواعدَ ‪:‬‬
‫هنا يصبح لزام ًا عىل مفتي‬
‫ّ‬
‫‪ -1‬مقومات فقه التنزيل‪:‬‬
‫ٍ‬
‫بأدوات اجتهادية شتى ‪ ،‬وضوابط منهجية يف البحث‪،‬‬
‫لما كان فهم النص الرشعي يستقيم‬
‫حتري ًا لدقة االنتزاع ‪ ،‬وجودة االس�تنباط ‪ ،‬فإن التنزيل عىل الوقائع أنواع ًا وأفراد ًا جيري يف إطار‬
‫ٍ‬
‫مقومات متينة تضمن الوصل املنشود بني النص بمقصده وروحه ‪ ،‬والواقع بأحداثه ومالبساته‪،‬‬
‫ومجاع هذه املقومات ثالثة أصول ‪:‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 58/4 ،‬‬
‫ خالفة اإلنسان بني الوحي والعقل لعبد املجيد النجار ‪ ،‬ص ‪. 117‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪49‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫أ‪ -‬حتقيق مناطات األحكام ‪:‬‬
‫إن املقص�ود بتحقي�ق املن�اط عند أهل األص�ول ‪ « :‬النظ�ر يف معرفة العل�ة يف آحاد الصور‬
‫بعد معرفتها يف نفس�ها ‪ ،‬وس�واء كانت معروفة بنص أو إمجاع أو اس�تنباط » ‪ ،‬وإذا كان أكثر‬
‫جيوب مدلوله ‪ ،‬معترب ًا‬
‫األصوليين عىل حرص حتقيق املناط يف علة القياس ‪ ،‬فإن بعضهم وس�ع‬
‫َ‬
‫إي�اه منهج� ًا اجتهادي ًا يف تنزيل األحكام الكلية املجردة عىل الوقائع صور ًا وأفرا َد أفعال‪ « ،‬وهي‬
‫ّ‬
‫مش�خصة ‪ ،‬وهي أيض ًا متش�اهبة متداخلة » ‪ ،‬مما يستلزم اإلنعام فيها بنظر غري مدخول‬
‫جزئية‬
‫لتبّي�نّ وج�وه التش�ابه واالختالف ‪ ،‬فيعلم أه�ي مندرجة ضمن أف�راد احلكم ال�كيل ‪ ،‬فتناط به‬
‫وجت�ري عىل جادت�ه ‪ ،‬أم منفصلة عنه فتس�تبعد ‪ .‬ومن هنا جاء تعريف الش�اطبي لتحقيق املناط‬
‫بقوله ‪ « :‬معناه ‪ :‬أن يثبت احلكم بمدركه الرشعي ‪ ،‬لكن يبقى النظر يف تعيني حمله » ‪.‬‬
‫وهذا الرضب من التحقيق رضورة رشعية ‪ ،‬وأصل ضابط يف التطبيق ‪ ،‬وال ينقطع االجتهاد‬
‫فيه إال بانقطاع أصل التكليف كام قال الشاطبي ‪ ،‬وله مرتبتان اثنتان ‪:‬‬
‫ـ األوىل ‪ :‬حتقيق املناط العام يف ح ّيز األنواع ‪:‬‬
‫جم�رد مس�وق إىل أجن�اس األفعال ‪ ،‬ش�امل لعم�وم املحكوم فيه‬
‫إن احلك�م التكليف�ي كيل ّ‬
‫واملحك�وم علي�ه عىل س�بيل االس�تغراق ‪ ،‬ف�إذا رشع يف تنزيل�ه عىل الواق�ع ‪ ،‬ح ّق�ق يف مناطاته‬
‫التطبيقي�ة‪ ،‬لتميي�ز األنواع املش�مولة باحلك�م فيلحق هبا ‪ ،‬م�ع االحرتاز من النو ِع املش�تبه الذي‬
‫يشمله حكم آخر غري الذي أراده اهلل تعاىل يف الواقعة ‪.‬‬
‫ِ‬
‫حرص أن�واع املناطات يف الوقائع‬
‫ثم ف�إن التحقيق يف األنواع يق�وم أول ما يقوم عىل‬
‫وم�ن ّ‬
‫املج�رد ‪ ،‬وتبينّ ِ ما يكون اندراجه حت�ت احلكم حقيقي ًا أو‬
‫الت�ي تنضوي حت�ت لواء احلكم الكيل‬
‫َّ‬
‫ اإلحكام يف أصول اإلحكام لآلمدي ‪. 335/3 ،‬‬
‫ فصول يف الفكر اإلسالمي باملغرب لعبد املجيد النجار ‪ ،‬ص ‪. 195‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 90/4 ،‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 89/4 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪50‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫مش�تبه ًا ب�ه ‪ ،‬أم�ا األول فحقه اإلحل�اق باحلكم ‪ ،‬وأما الث�اين فحقه اإلقصاء م�ن نطاق احلكم ‪.‬‬
‫حرم الربا ‪ ،‬فيندرج حتته عىل سبيل احلقيقة ‪ :‬ربا‬
‫ويمكن التمثيل للتحقيق يف النوع بأن اهلل تعاىل ّ‬
‫جير منفعة ‪ ،‬ومما يش�تبه اندراجه فيه ‪ :‬زيادة الثمن نظري‬
‫النس�يئة ‪ ،‬وربا الفضل ‪ ،‬والقرض الذي ّ‬
‫زيادة األجل ‪ ،‬لكن التحقيق يف هذا النوع يؤكد أن الزيادة هنا ألجل تأجيل دفع الثمن ‪ ،‬وأثامن‬
‫السلع تتغري من وقت إىل وقت ‪ ،‬فكانت الزيادة تعويض ًا عن التأجيل ‪ ،‬وال رضر هنا عىل البائع‬
‫واملشتري مع ًا ‪ ،‬وإىل اجلواز ذهب مجهور الفقهاء لعموم األدلة ‪ ،‬ورجحه الش�وكاين يف رس�الـة‬
‫مس�تقلة بعنوان ‪ « :‬ش�فاء الغلل يف حكم زيادة الثمن ملجرد األجل » ‪ .‬فهذا التحقيق يرصف‬
‫زيادة الثمن ملجرد األجل عن نطاق التحريم ‪ ،‬فال تلحق به لعدم حتقق املناط فيها ‪ .‬يقول ش�يخ‬
‫اإلسلام اب�ن تيمية ‪ « :‬إن اهلل بعث حمم�د ًا ﷺ بجوامع الكلم ‪ ،‬فيتكل�م بالكلمة اجلامعة العامة‬
‫الت�ي ه�ي قضية كلية ‪ ،‬وقاعدة عامة تتناول أنواع ًا كثرية ‪ ،‬وتلك األنواع تتناول أعيان ًا ال حتىص‪،‬‬
‫فبه�ذا الوج�ه تكون النصوص حميط�ة بأفعال العباد ‪ ..‬ومن ذلك لفظ الرب�ا ‪ ،‬فإنه يتناول كل ما‬
‫جير منفعة وغري ذلك ‪ ،‬فالنص متناول هلذا‬
‫هني عنه من ربا النسأ ‪ ،‬وربا الفضل ‪ ،‬والقرض الذي ّ‬
‫كله ‪ ،‬لكن حيتاج يف معرفة دخول األنواع واألعيان يف النص إىل ما يس�تدل به عىل ذلك ‪ ،‬وهذا‬
‫الذي يسمى حتقيق املناط » ‪.‬‬
‫ومما جيدر اإلملاع إليه هنا أن األنواع واألعيان يف الوقائع ال تنحرص يف زمن ‪ ،‬أو تستقر عىل‬
‫تنزل عليها األحكام الكلي�ة يف كل عرص ؛ بل إن احلي�اة يف خماضها املطرد تلد من‬
‫ح�ال ‪ ،‬حت�ى ّ‬
‫األنوا ِع ما هو مستجدّ مستأنف ‪ ،‬مما يميل جتدد التحقيق فيها بتجدّ د الوقائع اجلزئية ‪ ،‬فاالجتهاد‬
‫يف هذا الباب موصول غري مقطوع ‪ ،‬مادام بساط احلياة ممدود ًا ‪ ،‬وأصل التكليف قائ ًام ‪ ،‬ومصداق‬
‫ذلك « ما حيدث يف التعامل املايل من صور عديدة تتجاذهبا يف االنتامء أجناس املعاملة املالية من‬
‫بيع وربا وغريمها » ‪.‬‬
‫ نيل األوطار للشوكاين ‪. 250-249/5 ،‬‬
‫ جمموع الفتاوى البن تيمية ‪. 284 - 280/19 ،‬‬
‫ خالفة اإلنسان بني الوحي والعقل لعبد املجيد النجار ‪ ،‬ص‪. 124‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪51‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫ـ الثانية ‪ :‬حتقيق املناط اخلاص يف حيز األعيان ‪:‬‬
‫إن هذا الرضب من التحقيق يعنى بأفراد النوع الذي ثبت أنه مناط للحكم الرشعي ؛ ذلك‬
‫مجة من األفعال ‪ ،‬أو الفاعلين ‪ ،‬أو األحداث ‪ ،‬أو الصور‪،‬‬
‫أن كل ن�وع ينط�وي عىل أفراد عيني�ة ّ‬
‫حتت النوع الذي حقق كونه مناط ًا عىل س�بيل احلقيقة ‪ ،‬أو عىل‬
‫وه�ذه األف�راد قد تكون منضوية َ‬
‫س�بيل االش�تباه ‪ ،‬فام كان منها مشتبه ًا ال حقيقي ًا رصف عن احلكم الرشعي ؛ ألنه ليس بوعاء‬
‫له ‪ ،‬فض ً‬
‫حتتف هبا ظروف ودوا ٍع تس�تثنيها من املس�اق الكيل للحكم ‪،‬‬
‫ال عن أن هذه األفراد قد‬
‫ّ‬
‫إذ للبعد الزماين واملكاين أثر يف تكييف النص الرشعي املراد تنزيله عىل الواقع ‪ ،‬ومن هنا احتيج‬
‫ِ‬
‫بحس�ب‬
‫إىل تقيي�د قاع�دة « ال اجته�اد يف مورد النص » بمواضع يف التنزيل الرشعي جيتهد فيها‬
‫ِ‬
‫املنزل عليه ‪ ،‬وحيزه الزمني ‪ ،‬وظروف املكلف ‪.‬‬
‫حمل َّ‬
‫ث�م ف�إن املطلوب م�ن صاحب ه�ذا التحقيق اخل�اص أن يض�م إىل معرفت�ه الفقهية‬
‫وم�ن ّ‬
‫واملقاصدي�ة واللغوي�ة معرفة بخباي�ا النفس ‪ ،‬ومداخ�ل اهلوى ‪ ،‬وتفاوت امل�دارك ‪ ،‬واختالف‬
‫القوى ‪ ،‬يقول الشاطبي ‪ « :‬فصاحب هذا التحقيق اخلاص هو الذي رزق نور ًا يعرف به النفوس‬
‫ومراميه�ا ‪ ،‬وتف�اوت إدراكها ‪ ،‬وقوة حتملها للتكالي�ف ‪ ،‬وصربها عىل محل أعبائها أو ضعفها ‪،‬‬
‫ويعرف التفاهتا إىل احلظوظ العاجلة أم عدم التفاهتا ‪ ،‬فهو حيمل كل نفس من أحكام النصوص‬
‫ما يليق هبا ‪ ،‬بنا ًء عىل أن ذلك هو املقصود الرشعي يف تلقي التكاليف » ‪.‬‬
‫وق�د ظفر ه�ذا الرضب من التحقيق باحل�ظ األوفر من اهتامم الش�اطبي ‪ ،‬فركب فيه مطية‬
‫وجر ذيول�ه ‪ ،‬بني رشح ‪ ،‬ومتثيل ‪ ،‬وتقس�يم ؛ إذ جع�ل التحقيق يف‬
‫ووس�ع جيوب�ه ‪ّ ،‬‬
‫التأصي�ل ‪ّ ،‬‬
‫األعيان عىل رضبني ‪:‬‬
‫ األول ‪ :‬النظ�ر يف األف�راد من حيث حتققها العيني ‪ ،‬هل تندرج يف ِ‬‫نطاق النوع الذي ثبت‬
‫كونه مناط ًا للحكم الرشعي أم ال ؟ وهذا يقتيض االلتفات إىل الفعل ‪ ،‬أو الصورة ‪ ،‬أو الشخص‪،‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 60/4 ،‬‬
‫ نفسه ‪. 98/4 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪52‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ومث�ل الش�اطبي هلذا الرضب بقول�ه ‪ « :‬إذا نظر املجتهد يف العدالة مث ً‬
‫ال ‪ ،‬ووجد هذا الش�خص‬
‫متَّصف� ًا هبا عىل حس�ب ما ظه�ر له ‪ ،‬أوقع عليه ما يقتضيه النص م�ن التكاليف املنوطة بالعدول‬
‫م�ن الش�هادات واالنتصاب للواليات العام�ة واخلاصة » ‪ ،‬ومن هنا يت�أدى املجتهد يف هذا‬
‫ّ‬
‫املشخصة ‪ ،‬لتدرج ضمن احلكم الرشعي املناط بأنواعها ‪.‬‬
‫التحقيق إىل تبينّ األفراد‬
‫ِ‬
‫بحس�ب ظروفه�ا يف الزم�ان وامل�كان ‪ ،‬وحظوظها م�ن القوة‬
‫‪ -‬الث�اين ‪ :‬النظ�ر يف األف�راد‬
‫والتحم�ل‪ ،‬ومس�توياهتا يف اإلدراك والوع�ي ‪ ،‬ليتأت�ى بعد ذلك تطبيق حكم الن�وع عىل الفرد ‪،‬‬
‫ّ‬
‫التش�خص التي وقع التحقيق‬
‫أو رصفه عنه ليجري عليه حكم آخر يليق به استئناس� ًا بأوصاف‬
‫فيها ‪ ،‬إذ األصل أن كل مكلف حيمل عىل ما يليق به ‪ ،‬ويتسع له ذرعه ‪ ،‬للتفاوت يف املدارك ‪،‬‬
‫مرعي يف تل ّقي التكاليف وإجرائها‪.‬‬
‫والقوى ‪ ،‬وحظوظ النفس ‪ ،‬وهذا مقصود رشعي‬
‫ٌّ‬
‫ثم فقد جرى يف الترشيع اجلنائي اإلسالمي إناطة عقوبة جرائم التعزير باجتهاد األئمة‬
‫ومن ّ‬
‫ووالة األمور بحسب ما تقتضيه املصلحة زمان ًا ومكان ًا وحاالً ‪ ،‬وبحسب مقرتف اجلريمة نفسه‪.‬‬
‫يسوي بني األمكنة واألحوال يف إيقاع العقوبة ذاهل عن حكمة الرشع ‪ ،‬وناكب عن طريق‬
‫ومن ّ‬
‫املقاصد ‪.‬‬
‫وتدرجها من األخف إىل األثقل فض�ل تأمل ‪ ،‬يلحظ وجه‬
‫وم�ن تأم�ل تفاوت العقوب�ات ّ‬
‫اللطف يف ذلك ‪ ،‬وهو أن مفاس�د اجلرائم متفاوتة يف الش�دّ ة والضعف ‪ ،‬والق ّلة والكثرة ‪ ،‬وكذا‬
‫متهد هذا أدركنا أن التنويع يف العقوبة رشط‬
‫أرباهبا ال يستوون يف درجة اإلجرام وسوابقه ‪ .‬وإذا َّ‬
‫مرعي يف التطبيق ‪ ،‬واالجتهاد يف تقديرها بحس�ب املقام ‪ ،‬واحلال ‪ ،‬وظروف مقرتف اجلريمة ‪،‬‬
‫مطلب ال معدى عنه يف استيفاء مقاصد العدالة ‪ .‬وإنام يتاح هذا التقدير يف ظل التحقيق يف املناط‬
‫ٍ‬
‫وجان ‪.‬‬
‫اخلاص بكل جناية‬
‫ املوافقات للشاطبي‪. 61/4 ،‬‬
‫ نفسه ‪ ، 61/4 ،‬وفصول يف الفكر اإلسالمي باملغرب للنجار ‪ ،‬ص ‪. 202‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪53‬‬
‫وما أحوج مفتي املصارف اإلسالمية إىل االستمداد من هذه اآللة يف التنزيل عىل الواقعات‬
‫املالية ؛ ألن التعامل املرصيف تنضوي حتته صور شتى تتجاذهبا يف ن َْج ِر االنتامء أجناس املعامالت‬
‫املجردة‬
‫املالية من بيع وربا وغري ذلك ‪ ،‬فإذا مل حيقق املناط العام واخلاص ‪ ،‬نزلت األحكام الكلية َّ‬
‫عىل صور من األفعال ال تندرج حتتها ‪ ،‬وربام تأتّت املالءمة بني احلكم بمدركه الرشعي وحم ّله ‪،‬‬
‫لكن ّ‬
‫مؤه ً‬
‫ال لتنزيل احلكم عليه ‪.‬‬
‫املحل ال يكون ّ‬
‫وق�د وقفت عىل فتاوى مالية كثرية ُيق َّي�د فيها التأصيل الرشعي باحلاجة أو املحتاج ‪ ،‬وهذا‬
‫ّ‬
‫وتضل فيه األفه�ام ضالالً بعيد ًا ‪ ،‬فإذا‬
‫ضاب�ط واس�ع خيتلف الناس يف تقديره اختالف ًا واس�ع ًا ‪،‬‬
‫انطب�ق حك�م االحتياج عىل ش�خص فال ينطبق عىل غريه مع احتاد الزم�ان واملكان ‪ ،‬وما كان يف‬
‫ع�رف ق�وم حاجة ال يكون كذل�ك عند غريهم ‪ ،‬مع التف�اوت امللحوظ يف الق�وة ‪ ،‬والتحمل ‪،‬‬
‫وحظوظ النفس ! فاألمر يفتقر ‪ ،‬إذ ًا ‪ ،‬إىل حتقيق املناط يف األنواع واألعيان مع ًا ‪ ،‬لتتميز املحتاج‬
‫احلقيقي الذي يشمله احلكم ‪ ،‬وإن أغفل هذا التحقيق ّنزل احلكم الرشعي عىل أفراد مشتبهة يف‬
‫الظاه�ر بأفراد احلكم ‪ ،‬ولكنها يف احلقيقة ش�اذة عنه ‪ ،‬وربما رصف احلكم عن أفراده احلقيقية ‪،‬‬
‫وأقصي عن ِ‬
‫نطاق تطبيقه ‪ .‬وقد عدّ اإلمام الش�اطبي الغفلة عن حتقيق املناط أو االضطراب فيه‬
‫عام ً‬
‫ال مو ّطئ ًا النتفاش البدع ‪ ،‬والتحريف يف الدين حني قال ‪ « :‬حتريف األدلة عن مواضعها بأن‬
‫يرد عىل مناط ‪ ،‬فيرصف عن ذلك املناط إىل أمر آخر مومه ًا أن املناطني واحد ‪ ،‬وهو من خفيات‬
‫حتريف الكلم عن مواضعه والعياذ باهلل » ‪.‬‬
‫ب ـ التحقيق يف استيفاء املقاصد الرشعية‪:‬‬
‫جمرد ؛ إذ ال يعقل أن تعرى األحكام‬
‫إن العالق�ة بني احلكم ومقصده عالقة تلازم منطقي َّ‬
‫الرشعي�ة ع�ن بواعث ترشيعه�ا ِ‬
‫وحكم وضعه�ا ‪ ،‬وإال رمي الرشع بالعب�ث واالعتباط وجمافاة‬
‫س�نّة اإلح�كام يف الصن�ع ‪ ،‬وه�ذا من حم�ال املحال ! وق�د عنيت كتاب�ات األصوليين بالتقعيد‬
‫ االعتصام للشاطبي ‪. 249/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪54‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫املجردة من جهات ش�تى ‪ ،‬لعل من أبرزها ‪ :‬بيان مس�الك الكش�ف عن املقاصد‪،‬‬
‫هلذه العالقة َّ‬
‫املن�زل عىل الواقع ال‬
‫وعالقته�ا باألدل�ة الترشيعي�ة ‪ ،‬وأثرها يف تقويم االجته�اد ‪ .‬بيد أن احلكم َّ‬
‫يسفر أحيان ًا عن ثمرته ‪ ،‬أو يؤول إىل خالف املقصد املالزم له جتريد ًا ‪ ،‬فيط َّبق احلكم ‪ ،‬ويتخ ّلف‬
‫املقصد‪ ،‬وهذا نِّبي يف بعض األحوال التي يتصدر فيها الدعاة إىل تغيري املنكر فيؤول صنيعهم إىل‬
‫ما هو أنكر !‬
‫ِ‬
‫لو من التقعيدات التي ترفد املجتهد بأدوات الكشف عن وقوع‬
‫واحلق أن تراثنا األصويل خ ُ‬
‫ثم�رات املقاص�د يف واقع الناس ‪ ،‬يقول الدكتور عبد املجيد النجار ـ ولعله أول من تن ّبه إىل هذه‬
‫الثغ�رة يف النظرية األصولية ‪ « :-‬ولس�نا نجد يف األدب األصويل الفقهي ما ينري س�بيل املجتهد‬
‫يف ه�ذا الب�اب ‪ ،‬م�ن بيان تنظريي ينحو منحى التقعيد املرشِّ�د ملن يري�د أن يركب هذا الصعب‬
‫م�ن االجتهاد ‪ ..‬وإذا كان ما بذله اإلمامان الش�اطبي وابن عاش�ور من جهد يف تقعيد مس�الك‬
‫الكش�ف ع�ن مقاص�د األح�كام الرشعية ق�د أنار الس�بيل عىل ق�در للمجتهد يف تبّي�نّ مقاصد‬
‫ٍ ٍ‬
‫تعرف باملصري‬
‫املجردة‪ ،‬فإننا نحس�ب أن ّ‬
‫خلو األدب األصويل من بي�ان واف لقواعد ّ‬
‫األح�كام َّ‬
‫الواقع�ي لعالق�ة احلكم بمقصده ‪ ،‬يعترب إحدى الثغرات يف ه�ذا األدب ‪ ،‬وربام عادت كثري من‬
‫املزالق االجتهادية الفقهية قدي ًام وحديث ًا إىل هذه الثغرة » ‪.‬‬
‫ومن ثم فإن الرتش�يد الواقعي لعالقة احلكم بمقصده ينبغي أن ينطلق من إحكام الصياغة‬
‫الرشعي�ة للحك�م عند تنزيله ‪ ،‬وس�بيل هذا اإلحكام أن ُيدرس الواقع دراس� ًة علمية مس�توفاة‬
‫تس�فر يف ضوئها عالقاته ‪ ،‬ومكوناته ‪ ،‬ومالبس�اته ‪ ،‬ثم ينظر يف مآل احلكم عند تنزيله عليه هل‬
‫تنهض موانع من حصول ثمرته واس�تيفاء مقصده ؟ وهل يقتيض تنزيله إجراء تعديل اس�تثنائي‬
‫يرفع التعارض بني الرشع والواقع ‪ ،‬أو قل ‪ :‬بني احلكم واملآل ؟ وهل تضمن الصياغة التجريدية‬
‫للحكم رجحان املصلحة عىل املفسدة ؟‬
‫ً‬
‫وتنزيال لعبد املجيد النجار ‪. 97/2 ،‬‬
‫فهام‬
‫ فقه التدين ً‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪55‬‬
‫إن النظ�ر إىل خصوصي�ات الواقع عند صياغة األحكام ‪ ،‬فقه� ًا فيه ‪ ،‬ال إرضا ًء له وإغضاب ًا‬
‫للشرع ‪ ،‬ه�و امليزان الذي تنضبط به ح�رارة املقاصد يف صورهتا التطبيقي�ة ‪ ،‬وحيوتيها يف إفراغ‬
‫مكنوهن�ا اإلصالحي ؛ ذل�ك أن مصريها الواقعي ِ‬
‫بي�د املجتهد املط ِّبق الواع�ي برضورة مناظرة‬
‫مقصد احلكم ‪ ،‬بعد ما يكون قد حصل ‪ ،‬بالفهم لعنارص الواقع يف عوارضه التشخيصية الناشئة‬
‫عن خصوصيات ظروفه ‪ ،‬وبناء عىل تلك املناظرة يقع تقدير ما إذا كان املقصد من شأنه التحقق‬
‫يف الواقع بخصوصياته أو ليس من شأنه ذلك ‪.‬‬
‫فال مندوحة ‪ ،‬إذ ًا ‪ ،‬عن مناظرة مقصد احلكم بالفهم الثاقب لعنارص الواقع ‪ ،‬واملالبس�ات‬
‫الطارئ�ة عىل حما ّله ‪ ،‬عند تكييف املس�تجدات املالية ‪ ،‬حتى حيص�ل للمفتي ظن غالب أو عرفان‬
‫راج�ح بتحق�ق املقاصد ‪ ،‬وع�دم أيلولتها إىل االنخ�رام ‪ .‬وهذا األدب األص�ويل يف فقه التنزيل‬
‫كان ّ‬
‫حم�ط عناي�ة الش�اطبي حين أكد يف أكثر م�ن موض�ع يف ( موافقاته ) على رضورة النظر يف‬
‫امل�آل الواقع�ي للمقاصد عن�د تنزيل األح�كام الكلية عىل آح�اد الصور ‪ ،‬وجزئي�ات الوقائع ‪،‬‬
‫يصح إمهال النظر يف هذه األطراف ؛ فإن فيها مجلة الفقه ‪ ،‬ومن عدم االلتفات إليها‬
‫يقول‪ « :‬ال ّ‬
‫أخط�أ من أخطأ ‪ ،‬وحقيقته نظ�ر مطلق يف مقاصد الرشع ‪ ،‬وأن تتبع نصوصه مطلقة ومقيدة أمر‬
‫واجب ‪ ،‬فبذلك يصح تنزيل املسائل عىل مقتىض قواعد الرشيعة ‪ ،‬وحيصل منها صور صحيحة‬
‫االعتبار»‪. ‬‬
‫وال ّ‬
‫ش�ك أن الكش�ف عن حت ّقق املقص�د يف أفراد الوقائع وآحاد الص�ور عند التنزيل ليس‬
‫باألمر اهلينّ امليسور ؛ ألن املقصد ال يسفر ويضح إال بعد تنزيله عىل الواقعة ‪ ،‬ونحن قبل التنزيل‬
‫جاهل�ون بالتحق�ق أو عدم�ه ‪ ،‬بيد أن االجته�اد يف هذا الباب ‪ -‬إذا أحك�م صنيعه ‪ ،‬وأمنت فيه‬
‫أس�فر عن املس�الك الرشعية املس�عفة عىل التحقيق يف حصول‬
‫عجلة الرأي ‪ ،‬وجلاجة اإلقدام ‪-‬‬
‫َ‬
‫املقاصد ‪ ،‬ويمكن أن نجملها فيام يأيت ‪:‬‬
‫ً‬
‫وتنزيال ‪. 98/2 ،‬‬
‫فهام‬
‫ فقه التدين ً‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪ 8/3 ،‬ـ ‪. 9‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪56‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ـ أوالً ‪ :‬التمييز بني املقصد والوسيلة ‪:‬‬
‫إن التمييز بني املقصد الثابت والوس�يلة املفضية إليه مس�لك مشروط يف صناعة االجتهاد‬
‫عموم� ًا ‪ ،‬وفق�ه التنزي�ل عىل وجه اخلصوص ‪ ،‬وق�د كان اخللط بينهام مث�ار الغلط يف اجتهادات‬
‫ال وتنزي ً‬
‫املفتين تأصي ً‬
‫ال ؛ إذ ضيقوا عىل الناس واس�ع ًا يف الدي�ن ‪ ،‬وأهدروا املقصود الرشعي يف‬
‫التكلي�ف ‪ ،‬وأخلوا برشوط التنزيل الصحيح على الواقعات ؛ وآية ذلك أن املجتهد قد تتزاحم‬
‫لدي�ه املصال�ح عند تطبيق احلكم بمدركه الرشعي ‪ ،‬وتعيني حمله ‪ ،‬فال حيس�ن املوازنة والرتجيح‬
‫خللطه بني املقصد الثابت والوسيلة املتغرية !‬
‫وأجدين هنا مضطر ًا إىل بيان الفروق بني املقصد والوس�يلة إلنارة س�بيل املفتي ‪ ،‬وإمداده‬
‫بأداة الكشف عن حصول املقصد أو ختلفه عن احلكم ‪:‬‬
‫‪ -‬إن الوسيلة غري مقصودة لذاهتا ؛ وإنام هي مقصودة باعتبارها طريق ًا إىل حتصيل مقصد‬
‫ثابت ‪ ،‬بخالف املقصد ؛ فإنه مقصود لذاته من حيث كون األصل الذي يسعى إىل حتصيله ‪.‬‬
‫‪ -‬املقصد يتضمن املصلحة املجتلبة أو املفس�دة املدفوعة ؛ بخالف الوسيلة فإهنا عارية يف‬
‫ذاهتا عن هذه وتلك ‪.‬‬
‫‪ -‬األص�ل يف الوس�يلة التج�دّ د والتعدّ د ؛ ألن املصال�ح غري متناهية فالوس�ائل إليها أوىل‬
‫بعدم التناهي ‪ ،‬بخالف املقصد فإنه ثابت مطرد ال يناله يشء من مؤثرات الزمان واملكان ‪.‬‬
‫‪ -‬الوسيلة ال تستقل بنفسها ؛ بل هي تابعة ملقصدها ‪ ،‬فإذا سقط املقصد سقطت الوسيلة‬
‫ّ‬
‫َّ‬
‫اخت�ل فرعه من ب�اب أوىل ‪ ،‬فالوس�يلة مع مقصده�ا كالصفة مع‬
‫اخت�ل‬
‫إلي�ه ؛ ألن األص�ل إذا‬
‫املوصوف ‪ ،‬والتابع مع املتبوع ‪.‬‬
‫واحلق أن هذه الفروق تؤكد بام ال يدع جماالً للش�ك أن الوس�يلة أخفض رتبة من املقصد‪،‬‬
‫ولذلك س�اغ الرتخص والتس�اهل يف باب الوس�ائل ‪ ،‬فيس�تباح فيه من األفعال ما ال يستباح يف‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪57‬‬
‫املقاص�د ‪ ،‬ويشترط يف املقاص�د ما ال يشترط يف الوس�ائل ‪ .‬وقد عّب�رّ فقهاؤنا عن اتس�اع باب‬
‫الوس�ائل وجواز االجتهاد فيه بقاعدة جليلة ‪ « :‬يغتفر يف الوس�ائل ما ال يغتفر يف املقاصد »‪، ‬‬
‫وتعض�د ه�ذه القاع�دة أخت هلا انبن�ت عليه�ا ‪ « :‬مراعاة املقاص�د مقدّ مة عىل رعاية الوس�ائل‬
‫ّ‬
‫أبد ًا‪. » ‬‬
‫ـ ثاني ًا ‪ :‬إعامل فقه املوازنات ‪:‬‬
‫فق�ه املوازن�ات مجل�ة من الضوابط واملعايري يس�تهدى هب�ا يف موارد الرتجي�ح بني املصالح‬
‫واملفاس�د املتعارض�ة ‪ ،‬ليتبّي�نّ أي املصلحتين أرج�ح فتجلب ‪ ،‬وأي املفس�دتني أعظ�م فتدرأ ‪،‬‬
‫ولتس�تتب الغلبة ألي من املصلحة واملفس�دة عند تعارضهام بناء عىل معايري حمكمة يف التفاضل‬
‫والتغلي�ب ؛ ذل�ك أنه يتعذر يف حاالت خمصوصة جلب املصالح كلها ‪ ،‬ودرء املفاس�د مجيعها ‪،‬‬
‫فتك�ون املوازنة مس�لك ًا اجتهادي ًا مفروض ًا متليه الفطر الس�ليمة ‪ ،‬واملنط�ق الراجح ‪ ،‬واألدبيات‬
‫األصولي�ة التي تتضافر عىل تقرير قاعدة رشعية مس� َّلمة هي ‪:‬جلب أعظم املصالح ‪ ،‬وارتكاب‬
‫أه�ون املفاس�د ‪ ،‬وحتصيل ما هو أعلق ب�روح الرشع وأجرى عىل مقاص�ده ‪.‬وهذه القاعدة ّ‬
‫حمل‬
‫اعتبار الش�ارع يف تنزيل األحكام عىل الوقائع ‪ ،‬إال أن جلب املصلحة ال ينفك أحيان ًا عن ش�ائبة‬
‫املفس�دة ‪ ،‬والعربة بغلبة الصالح فال يلتفت إىل الفس�اد اليسري املغمور ‪ ،‬ألن « املصالح اخلالصة‬
‫عزيزة الوجود » ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ونص�اب ثابت على تراخي‬
‫ونس�بة الصلاح والفس�اد ال تط�رد يف األفع�ال بق�در معلوم‬
‫ األشباه والنظائر للسيوطي ‪ ،‬ص ‪. 158‬‬
‫ القواعد للمقري ‪. 330/1 ،‬‬
‫ لعل الدكتور بشري بن مولود جحيش من أول الباحثني الذين أصلوا هلذا املسلك يف كتابـه ( يف االجتهاد‬
‫التنزييل ) ‪ ،‬لكنه حرص املوازنة يف مورد واحد هو التعارض بني املصالح واملفاسد ‪ ،‬وغـفل عن موردين‬
‫مها ‪ :‬التعارض بني املفاسد ‪ ،‬والتعارض بني املصالح ‪.‬‬
‫ قواعد األحكام للعز بن عبد السالم ‪ ،‬ص ‪. 14‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪58‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ٍ‬
‫ظروف جديدة ُمالبِس�ة‬
‫العص�ور‪ ‬؛ ب�ل ختتلف باختالف الزمان ‪ ،‬واملكان ‪ ،‬والش�خص ‪ ،‬لقيام‬
‫ّ‬
‫ملح�ل التنزي�ل ؛ وآية ذل�ك أن املصلحة قد تس�توىف يف فعل من األفعال يف إط�ار مكاين وزماين‬
‫معينّ ‪ ،‬لكنها تنخرم أو تؤول إىل مفس�دة إذا جدّ ت مالبس�ات مقارنة للوضع اجلديد ‪ ،‬والس�يام‬
‫رس نقمة القرايف عىل اجلامدين عىل‬
‫مع تغري املحل ‪ ،‬والوقت ‪ ،‬وعادات الناس ‪ .‬ومن هنا ندرك َّ‬
‫الفتاوى املبنية عىل العوائد ‪ ،‬مع تغيرّ العادة الذي يس�توجب تغيرّ احلكم ‪ ،‬يقول ‪ « :‬إن اس�تمرار‬
‫األح�كام الت�ي مدركها العوائ�د مع تغيرّ تلك العوائ�د خالف اإلمجاع ‪ ،‬وجهال�ة يف الدين؛ بل‬
‫كل م�ا ه�و يف الرشيع�ة يتب�ع العوائد ‪ ،‬يتغير احلكم فيه عن�د تغري الع�ادة إىل ما تقتضي�ه العادة‬
‫املتجددة » ‪.‬‬
‫مهام يكن من أمر فإن املوازنة بني املصالح واملفاسد ال تشذ عن ثالث حاالت ‪:‬‬
‫‪ -‬األوىل ‪ :‬التع�ارض بين املصال�ح بحي�ث يتع�ذر جل�ب كلت�ا املصلحتين يف آن واحد ‪،‬‬
‫فيستفرغ املجتهد وسعه يف املوازنة بينهام ليتبينّ أي املصلحتني أوىل بالتحصيل ‪ ،‬وأي املفسدتني‬
‫أوىل بالدفع ‪ ،‬وتعتمد يف هذا املسلك الرتجيحي مجلة من املعايري ‪ ،‬نعدّ منها وال نعدّ دها ‪:‬‬
‫ الرتجيح بحكم املصلحة‬‫ الرتجيح برتبة املصلحة‬‫ الرتجيح بنوع املصلحة‬‫ الرتجيح بمقدار املصلحة‬‫ الرتجيح بشمول أثر املصلحة‬‫ الرتجيح باالمتداد الزمني للمصلحة ‪.‬‬‫ اإلحكام يف متيز الفتاوى عن األحكام ‪ ،‬ص ‪. 23‬‬
‫ انظر التأصيل املحكم هلذه املعايري يف كتاب ‪ ( :‬نظرية التقريب والتغليب وتطبيقها يف العلوم اإلسالمية)‬
‫ألمح�د الريس�وين ‪ ،‬ص ‪ ، 328 - 311‬وكت�اب ‪ ( :‬فقـ�ه املوازنات يف الرشيعة اإلسلامية ) لعبد املجيد‬
‫السوسوة ‪ ،‬ص ‪ 44‬ـ ‪. 64‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪59‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪ -‬الثانية ‪ :‬التعارض بني املفاس�د بحيث يتعذر درء املفسدتني يف آن واحد ‪ ،‬فيعمل املجتهد‬
‫منهج املوازنات ليتبينّ أعظم املفسدتني رضر ًا فيدفع األعىل باألدنى ‪ ،‬قال العز بن عبد السالم ‪:‬‬
‫« إذا اجتمعت املفاسد املحضة ‪ ،‬فإن أمكن درؤها درأناها ‪ ،‬وإن تعذر درء اجلميع درأنا األفسد‬
‫فاألفس�د ‪ ،‬واألرذل ف�األرذل » ‪ ،‬وقد عبرّ الفقهاء عن منزعه�م االجتهادي يف الرتجيح بني‬
‫املفاسد املتزامحة بقواعد حمكمة ‪ ،‬منها ‪ « :‬إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهام رضر ًا بارتكاب‬
‫أخفهام » ‪ ،‬و « خيتار أهون الرشين أو أخف الرضرين » ‪ ،‬و « الرضر األشد يزال بالرضر‬
‫األخف » ‪.‬‬
‫وتعتمد يف هذا املس�لك الرتجيحي املعايري نفسها التي أومأنا إليها يف معرض الرتجيح بني‬
‫املصالح ‪ ،‬فينظر إىل حكم املفسدة ‪ ،‬ومقدراها ‪ ،‬ونوعها ‪ ،‬وأثرها ‪ ،‬وامتدادها الزمني ‪ ،‬ويف ضوء‬
‫هذا املعيار أو ذاك يقيض املجتهد بدفع أعظم املفسدتني تقلي ً‬
‫وحد ًا من عقابيله ‪.‬‬
‫ال للرضر ‪ّ ،‬‬
‫‪ -‬الثالث�ة ‪ :‬التع�ارض بين املصالح واملفاس�د ؛ إذ تتزاحم يف أمر ما مصلحة ومفس�دة ‪ ،‬فال‬
‫يستقيم جلب املصلحة إال باجرتاح املفسدة ‪ ،‬وال يستقيم درء مفسدة إال بإهدار مصلحة ‪ ،‬ومن‬
‫هنا يلجأ إىل فقه املوازنات ليتبينّ أي اجلانبني أرجح ‪ ،‬فإذا ترجحت كفة املصلحة يف أمر قيض به‬
‫عىل ما يالبس�ه من رضر مغمور ‪ ،‬وإذا ترجحت كفة املفس�دة لزم ترك ذلك األمر عىل ما فيه من‬
‫مصلحة مرجوحة ‪ ،‬والغالب أن حاالت اجللب ال تنفك عن ارتكاب املفاسد ‪ ،‬وحاالت الدفع‬
‫ال تنفك عن إهدار املصالح ‪ ،‬والعاقل من خيتار خري اخلريين ‪ ،‬ويتقي رش الرشين ‪ ،‬والس�يام أن‬
‫املصالح اخلالصة واملفاسد اخلالصة عزيزة الوجود ‪.‬‬
‫واحلق أن فقهاءنا اضطلعوا برتشيد املنحى الرتجيحي بني املصالح واملفاسد بقواعد حمكمة‬
‫ قواعد األحكام البن عبد السالم ‪ ،‬ص ‪. 88‬‬
‫ األشباه والنظائر للسيوطي ‪ ،‬ص ‪ ، 87‬واألشباه والنظائر البن نجيم ‪ ،‬ص ‪. 90‬‬
‫ جملة األحكام العدلية ‪ ،‬مادة ‪. 29 :‬‬
‫ األشباه والنظائر البن نجيم ‪ ،‬ص ‪ ، 89‬وإيضاح املسالك للونرشييس ‪ ،‬ص ‪. 234‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪60‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫الصياغ�ة ‪ ،‬جليل�ة املعن�ى ‪ ،‬أكدت على أن العربة بغلبة الصالح والفس�اد يف نف�س األمر ‪ ،‬وأن‬
‫املخرج عند التس�اوي بني املصلحة واملفس�دة ‪ ،‬تقديم الدرء عىل اجللب ؛ ألن عناية الرشع بدرء‬
‫املفاس�د آك�د من عنايته من جل�ب املصالح ‪ ،‬ومن أنبل القواعد وأسيرها يف هذا الباب ‪ « :‬درء‬
‫املفـاس�د أوىل م�ن جل�ب املصالح » ‪ ،‬و « يدفع الرضر بقدر اإلم�كان » ‪ ،‬و « إذا تعارض‬
‫املانع واملقتيض قدّ م املانع إال إذا كان املقتيض أعظم » ‪.‬‬
‫وال تذهب َّن عنك ‪ -‬بعد إيراد هذه الشذرات التأصيلية ‪ -‬حاجة مفتي املصارف اإلسالمية‬
‫إىل فقه املوازنات عند تزاحم املصالح ‪ ،‬أو تزاحم املفاسد ‪ ،‬أو تزاحم املصالح واملفاسد يف صور‬
‫املعامالت املالية ؛ ألن جلب األصلح فاألصلح ‪ ،‬ودرء األفس�د فاألفس�د ال يستقيم يف التنزيل‬
‫ِ‬
‫واس�تهداء املعايير املعتربة يف هذا‬
‫على آح�اد هذه الص�ور إال بركوب مطية املوازنة والتغليب ‪،‬‬
‫املجال ‪ .‬أما الغفلة عن هذه اآللة يف فقه التنزيل فتورد املفتي موارد الش�طط والتعنّت ؛ إذ يغلق‬
‫يف وجه الناس باب اليرس ‪ ،‬ويلهج بشعار الرفض يف كل مناسبة ‪ ،‬ويتخذ « االنغالق عىل الذات‬
‫تكأة للفرار من مواجهة املشكالت » ‪ ،‬ويصري من السهل عليه أن يقول‪ « :‬هذا حرام » يف كل‬
‫مورد اجتهادي يحُ تاج فيه إىل كدّ الذهن ‪ ،‬واستحثاث اخلاطر ‪ ،‬وكثرة اإلطراق !‬
‫ـ ثالث ًا ‪ :‬العلم باخلصوصيات التبعية املؤثرة يف أيلولة املقاصد ‪:‬‬
‫إن الواق�ع ال�ذي ُي َّنزل عليه احلكم قد تالبس�ه عوارض مس�تجدة حت�ول دون اإلفضاء إىل‬
‫املقاصد املرجوة ‪ ،‬وليس�ت هذه العوارض إال ظروف ًا ومالبس�ات ناشئة عن اخلصوصية الذاتية‬
‫التي تكتنف بعض األش�خاص حال التطبيق ‪ ،‬أو عن البعد الزماين واملكاين الذي يعدُّ مرسح ًا‬
‫لوقوع النازلة املستأنفة ‪ ،‬أو عن العوائد الدارجة التي جتري يف األفراد واملجتمعات جمرى الدم‬
‫ األشباه والنظائر البن نجيم ‪ ،‬ص ‪. 91‬‬
‫ جملة األحكام العدلية ‪ ،‬املادة ‪. 31 :‬‬
‫ املنثور يف القواعد للزركيش ‪. 384/1 ،‬‬
‫ أولويات احلركة اإلسالمية ليوسف القرضاوي ‪ ،‬ص ‪. 32‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪61‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫بني املس�اق الكيل‬
‫م�ن الع�روق ‪ ،‬فتتغري مناطات الفتوى بتغريها ‪ ،‬وهذا التغري يوجب التنس�يق َ‬
‫جر إليه العرف احلادث ‪.‬‬
‫للحكم واالقتضاء التبعي الذي ّ‬
‫وإذا امته�دَ ه�ذا ‪ ،‬فإن من الواجب املض َّي�ق عىل مفتي املصارف اإلسلامية أن حييط خرب ًا‬
‫ عن�د تنزي�ل احلكم الرشعي عىل حمله ‪ -‬باخلصوصيات التبعي�ة التي تؤثر يف مآالت املقاصد ‪،‬‬‫حت�ى ال هيم�ل املناط الذي ع ّلق الش�ارع احلكم به ‪ ،‬وجتري فتواه عىل اجل�ادة من حيث تكييفها‬
‫للواقع املايل هبدى الرشع ‪.‬‬
‫ويمكن حرص اخلصوصيات التبعية املؤثرة يف مآالت املقاصد فيام يأيت ‪:‬‬
‫ اخلصوصية الذاتية ‪:‬‬‫ق�د يكتس�ب الفعل أو الفاعل صف�ات ذاتية « خيرج هبا عن مماثلة الن�وع الذي ينتمي إليه ‪،‬‬
‫وتك�ون تل�ك الصفات منافرة يف طبيعتها لطبيعة املقصد الرشع�ي الذي من املفروض نظري ًا أن‬
‫يتحقق من ذلك الفعل أو ذلك الفاعل عندما جيرى عليه احلكم املوضوع له » ‪ ،‬وال شك أن‬
‫املنافرة بني اخلصوصية الذاتيـة واملقصد املرجو تفيض إىل انخرام مآالت الصالح يف الواقع ‪.‬‬
‫إن االقتضاء التبعي للخصوصية الذاتية هو الذي محل ابن عباس ريض اهلل عنهام عىل تغيري‬
‫فت�واه حين ج�اءه رجل فس�أله ‪ « :‬أملن قتل مؤمن� ًا معتمد ًا توب�ة ؟ قال ‪ :‬ال ‪ ،‬إال الن�ار ‪ ،‬فقال له‬
‫جلس�اؤه بع�د أن ذه�ب الرجل ‪ :‬كن�ت تفتينا يا ابن عب�اس أن ملن قتل توبة مقبول�ة ؟ قال ‪ :‬إين‬
‫ألحس�به رج ً‬
‫ال ُمغضب� ًا يريد أن يقتل مؤمن ًا » ‪ ،‬فقد أدرك ابن عباس بفطنته أن الس�ائل ُمقدم‬
‫عىل ارتكاب جريمة القتل ‪ ،‬فأجابه بام يناس�ب حاله ‪ ،‬وجياري اخلصوصية الذاتية التي البس�ت‬
‫لكر عىل مصلحة‬
‫ه�ذا احل�ال ‪ ،‬ولو أنه اس�تصحب االقتضاء األصيل يف خصوص ه�ذه الواقعة ّ‬
‫ّ‬
‫وأخل بمقاصد الرشع أتم اإلخالل ‪.‬‬
‫العدل باإلبطال ‪،‬‬
‫ مقاصد الرشيعة بأبعاد جديدة لعبد املجيد النجار ‪ ،‬ص ‪. 270‬‬
‫ أخرجه ابن أيب شيبة يف املصنف برقم ‪ ، 27753 :‬ورجاله ثقات كام قال ابن حجر يف ( التلخيص احلبري)‪،‬‬
‫‪. 187/4‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪62‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ اخلصوصية الزمانية واملكانية ‪:‬‬‫قد تالبس بعض األفعال خصوصيات إضافية مستوحاة من اإلطار الزماين واملكاين لوقوع‬
‫تراع عند التكييف الفقهي للنازلة ‪ -‬انتصبت عقبة كأداء يف‬
‫الفعل ‪ ،‬وهذه اخلصوصيات ‪ -‬إن مل َ‬
‫املرشع لعموم نوعه » ‪.‬‬
‫طريق استيفاء « املقصد الذي يبتغيه منه احلكم َّ‬
‫وإن مراع�اة مفتي العرص للخصوصية الزمنية عند االجتهاد التطبيقي يقتيض اإلنعام بنظر‬
‫غري مدخول يف العوارض واملالبس�ات الت�ي تعرتي البنية السياس�ية واالقتصادية واالجتامعية‬
‫لألم�ة ‪ ،‬وفيما يعرض للناس يف ِّ‬
‫حمال التكليف من تفاوت القدرة ‪ ،‬والوعي ‪ ،‬وحظوظ النفس ؛‬
‫إذ ما يعدّ حاجة يف زمن معينّ ‪ ،‬ال يكون كذلك يف زمن آخر ‪ ،‬وما يكون مقدور ًا عليه يف عرص ‪،‬‬
‫قد يعجز عنه يف عرص آخر ‪ ،‬وهكذا دواليك ‪ ..‬ولعل أرقى نموذج اجتهادي يف عرص الصحابة‬
‫ٍ‬
‫ملتفت إىل اخلصوصية الزمانية يف التنزيل عىل الواقع ‪ :‬ما ثبت يف صحيح مسلم عن ابن عباس‬
‫ريض اهلل عنهما أن�ه قال ‪ « :‬كان الطالق الثالث عىل عهد رس�ول اهلل ﷺ وأيب بكر وس�نتني من‬
‫خالف عمر طالق الثالث واحدة ؛ فقال عمر بن اخلطاب ‪ :‬إن الناس قد استعجلوا يف أمر كانت‬
‫هلم فيه أناة ‪ ،‬فلو أمضيناه عليهم » ‪ .‬فقد رأى عمر أن املصلحة يف زمنه تقتيض إمضاء الثالث‬
‫عىل من يتلفظ هبا ‪ ،‬ملا اختذ الناس الطالق مطية للتالعب بدين اهلل ‪ ،‬وانتهاك احلدود ‪ ،‬وأوغلوا‬
‫يف ذلك إيغاالً يقتيض الزجر والتأديب ‪ ،‬وهذا االجتهاد من عمر ريض اهلل عنه أملته املواءمة بني‬
‫املساق الكيل للحكم واالقتضاء التبعي الناشىء عن اخلصوصية الزمنية يف عرصه ‪.‬‬
‫أم�ا اخلصوصي�ة املكانية فأصدق الش�واهد عليها إرج�اء تطبيق احل�دود يف أرض العدو ‪،‬‬
‫لكونه « مظنة استيقاظ محية اجلاهلية يف نفس من استوجبه ‪ ،‬فيحمله ذلك عىل االرتداد واللحاق‬
‫ِ‬
‫بسبب االقتضاء‬
‫بالكفار ‪ ،‬فرار ًا من احلد ‪ ،‬وطلب ًا للسالمة والنجاة » ‪ .‬ومن هنا اكتسب الفعل‬
‫ مقاصد الرشيعة بأبعاد جديدة لعبد املجيد النجار ‪ ،‬ص ‪. 272‬‬
‫ أخرجه مسلم يف كتاب الطالق ‪ ،‬باب طالق الثالث ‪ ،‬برقم ‪. 1274 :‬‬
‫ اعتبار املآالت ونتائج الترصفات لعبد الرمحن السنويس ‪ ،‬ص ‪. 153‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪63‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫التبعي للخصوصية املكانية صف ًة جتعل تطبيقه خم ً‬
‫ال باملراد من عقوبة احلدود ؛ بل ومفضي ًا إىل ما‬
‫هو أنكر مآالً من تقويت هذه العقوبة !‬
‫‪ -‬اخلصوصية العرفية ‪:‬‬
‫تكتس�ب بع�ض األفعال ‪ -‬بحك�م العوائد اجلاري�ة ‪ -‬خصوصية عرفية ناش�ئة عن اإللف‬
‫واالعتي�اد ‪ ،‬وه�ذه اخلصوصية جتعل اجلمود عىل الفتاوى القديمة مع تغري العوائد املرتبطة هبا ‪،‬‬
‫إخالالً بمقاصد الدين ‪ ،‬وإهدار ًا ملصالح اخللق ؛ ألن احلكم يدور مع مصلحته وجود ًا وعدم ًا‪،‬‬
‫املجرد العاري عن مقصده املتوخى يف التنزيل ‪،‬‬
‫فإذا انتفت املصلحة مل َ‬
‫يبق من احلكم إال رسمه َّ‬
‫وكيف ّ‬
‫يرتشد الواقع هبدى الرشع مع عرائه عن مرادات اهلل تعاىل ؟!‬
‫وق�د كان املجته�دون النظار يق�درون هذه اخلصوصي�ات واإلضافات املؤث�رة يف مآالت‬
‫ٍ‬
‫أم�ارات حاكم ًة عىل فق�ه التنزيل ‪ ،‬ومرجعه�ا مجيع ًا إىل تغّي�رّ املصلحة ؛‬
‫املقاص�د ‪ ،‬وينصبوهن�ا‬
‫ألن املؤث�رات الواقعي�ة ال تعق�ب أثر ًا بذاهتا ‪ ،‬وإنما « تدور مع املصلحة الت�ي هي املدرك الكيل‬
‫للمناط�ات والعل�ل القريبة » ؛ إذ يمكن للناظر احلصيف أن يس�تجيل مؤثرات أخر تربو عىل‬
‫ما ذكره الفقهاء واألصوليون يف مبحث موجبات تغري الفتوى ‪ ،‬لكن ملا كانت املؤثرات الذاتية‪،‬‬
‫والظرفية ‪ ،‬والعرفية أكثر ش�يوع ًا واطراد ًا من غريها ‪ ،‬فقد اس�تلفتت األنظار ‪ ،‬وجرى التفريع‬
‫مجة ‪.‬‬
‫عليها يف مسائل ّ‬
‫ومن باب توفية الفائدة نذكر بام عقده ابن القيم يف كتابه ( إعالم املوقعني ) من فصل مستقل‬
‫عن « تغيرّ الفتوى واختالفها بحسب تغيرّ األزمنـة واألمكنة واألحوال والنيات والعوائد »‪،‬‬
‫كما كان للش�اطبي كالم نفيس يف هذا الس�ياق ّقرر فيه أن عىل املجته�د « النظر فيام يصلح بكل‬
‫مك ّلف يف نفس�ه ‪ ،‬بحس�ب وقت دون وقت ‪ ،‬وحال دون حال ‪ ،‬وش�خص دون ش�خص ؛ إذ‬
‫ اعتبار املآالت ونتائج الترصفات ‪ ،‬ص ‪. 415‬‬
‫ إعالم املوقعني البن القيم ‪. 11/3 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪64‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫النفوس ليس�ت يف قبول األعامل اخلاصة عىل وزان واحد ‪ ،‬فهو حيمل عىل كل نفس من أحكام‬
‫النصوص ما يليق هبا ‪ ،‬بناء عىل أن ذلك هو املقصود الرشعي يف تلقي التكاليف » ‪.‬‬
‫فرض عني يف حق‬
‫وإذا كان�ت اإلحاط�ة باخلصوصي�ات التبعية املؤثرة يف مآالت املقاص�د َ‬
‫املفتي املجتهد ‪ ،‬فإن حتصيلها آكد يف حق مفتي املصارف اإلسالمية ؛ إذ تعرض عليه مستجدات‬
‫مالية يف غاية التعقيد والتشعب ‪ ،‬ال تجُلىّ مناطاهتا ‪ ،‬وتُك ّيف أحكامها ‪ ،‬إال بغوص عىل املؤثرات‬
‫الذاتي�ة ‪ ،‬والظرفي�ة ‪ ،‬والعرفي�ة التي تنعك�س بظالهلا عىل مآالت األفع�ال ‪ ،‬وثمرات املقاصد ‪،‬‬
‫املستمر‬
‫فيكون هلا ضلع أي ضلع يف التح ّقق أو االنخرام ‪ .‬ولذلك ال أعدّ من الصواب اإلنكار‬
‫ّ‬
‫على اختلاف الفتوى يف مس�ألة واحدة من هيئات رشعي�ة مرصفية يف بل�دان خمتلفة ؛ ألن كل‬
‫ٍ‬
‫للم َّحال وق�ت التنزيل على الواقع ‪ ،‬وهي‬
‫مف�ت يراع�ي اخلصوصي�ات واإلضافات املالبس�ة َ‬
‫ختتل�ف باختلاف األمكنة ‪ ،‬واألزمنة ‪ ،‬وأحوال األش�خاص ‪ .‬أما اختلاف الفتوى من هيئات‬
‫رشعية مرصفية يف بلد واحد تتش�ابه فيه أنامط الس�لوك ‪ ،‬ويتحد الوعاء الزمني واملكاين املحيط‬
‫باألفعال والفاعلني ‪ ،‬فإن اإلنكار عليه يكون متّجه ًا وسلي ًام ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التحقيق يف مآالت األفعال‪:‬‬
‫إن التحقي�ق يف م�آالت األفع�ال يعني التثبت من أن تنزيل احلك�م الرشعي عىل الواقعة ال‬
‫ٍ‬
‫تكر عىل املقاص�د املرجوة باإلبطال ‪ ،‬وه�ذا التحقيق من صميم‬
‫يفضي إىل‬
‫َ‬
‫عواقب وتداعي�ات ّ‬
‫صناع�ة املفت�ي ال�ذي ال حيصر دوره يف تقرير احلكم الرشع�ي بصورة آلية دون تبّي�نّ مآالته يف‬
‫منزهة عن‬
‫الواق�ع ؛ ألن األح�كام الكلي�ة تضبط احلق أو املصلح�ة جتريد ًا ‪ ،‬وهي ‪ -‬يف ذاهت�ا ‪ّ -‬‬
‫ومتمحضة للخير يف العاجل واآلجل ‪ ،‬لكنها ال تثمر م�آالت الصالح يف التنزيل عىل‬
‫اخلط�أ ‪،‬‬
‫ّ‬
‫الواقع�ات إال بحكمة املط ّبق الت�ي تقتيض تبرص ًا باخلصوصية الواقعي�ة والظرفية للفعل موافق ًا‬
‫كان أو خمالف� ًا ‪ ،‬واختب�ار درجة مالءمته للقضية اجلزئية من حيث النتيجة واألثر ‪ ،‬وإال كان مآل‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 25/5 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪65‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫املجرد ‪ -‬عىل مطابقته الظاهرة للفعل رس ًام ورشع ًا ‪ -‬جمافي ًا ملا وضع له وقصد منه ‪ ،‬يقول‬
‫احلكم َّ‬
‫اإلم�ام الش�اطبي يف تأصيل االجتهاد امل�آيل ‪ « :‬النظر يف مآالت األفعال معتبر مقصود رشع ًا ‪،‬‬
‫سواء كانت األفعال موافقة أو خمالفة ؛ وذلك أن املجتهد ال حيكم عىل فعل من األفعال الصادرة‬
‫عن املكلفني باإلقدام أو اإلحجام إال بعد نظره إىل ما يؤول إليه ذلك الفعل ‪ ،‬فقد يكون مرشوع ًا‬
‫ملصلحة فيه تس�تجلب أو ملفس�دة تدرأ ‪ ،‬ولكن له مآل عىل خالف ما قصد فيه ‪ .‬وقد يكون غري‬
‫مرشوع ملفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ‪ ،‬ولكن له مآل عىل خالف ذلك » ‪.‬‬
‫وال نظفر يف املدونات األصولية ٍ‬
‫ببيان تأصييل يعنى باس�تجالء مسالك التحقيق يف مآالت‬
‫األفع�ال قب�ل وقوعه�ا ‪ ،‬وعىل الباح�ث املجتهد أن يس�تفرغ وس�عه يف هذا املهي�ع االجتهادي‬
‫مستأنس� ًا ببع�ض الدقائق النظري�ة التي انطوت عليه�ا املعاجلة األصولية لقاعدة س�د الذرائع ‪،‬‬
‫واالستحسان ‪ ،‬وإبطال احليل ‪.‬‬
‫مهام يكن من أمر فإن التحقيق يف مآالت األفعال قبل وقوعها يستقيم بمنهجية علمية ذات‬
‫منزعني ‪:‬‬
‫ األول ‪ :‬مسالك الكشف عن مآالت األفعال‪:‬‬‫من أظهر املسالك يف احلكم عىل أيلولة األفعال قبل وقوعها صالح ًا أو فساد ًا ‪:‬‬
‫ االستقراء الواقعي‪:‬‬‫لعل االس�تقراء الواقعي من أدق املس�الك يف الكش�ف عن مآالت األفعال قبل وقوعها ؛‬
‫ين�زل احلك�م الرشعي عىل آحاد الوقائع اجلزئية يف زمن معني ‪ ،‬ويس�فر ه�ذا التنزيل عن‬
‫فحين ّ‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 128 -127/4 ،‬‬
‫ تنظ�ر يف ه�ذا الب�اب اجتهادات الدكتور عب�د املجيد النجار يف كتاب�ه ‪ :‬مقاصد الرشيع�ة بأبعاد جديدة ‪،‬‬
‫‪ ، 282-275‬والدكتور عبد الرمحن الس�نويس يف كتابه‪ :‬اعتبار املآالت ونتائج الترصفات ‪ ،‬ص ‪-381‬‬
‫‪. 395‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪66‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫نتائج حممودة ‪ ،‬فإن ذلك ينهض دلي ً‬
‫ال عىل أن تنزيل احلكم يف أوضا ٍع مشاهبة ‪ ،‬وحاالت مطابقة‪،‬‬
‫سوف يؤول إىل املآل نفسه ‪ ،‬ومن ثم يكون « استقراء املآالت كام حتققت يف الواقع منهج ًا يعلم‬
‫منه أحواهلا قبل وقوعها » ‪.‬‬
‫وقد كان هذا املسلك ّ‬
‫حمل عناية املجتهدين النظار يف استجالء املآالت قبل وقوعها ‪ ،‬واحلكم‬
‫عليها حتقق ًا أو انخرام ًا ؛ ومصداق ذلك أن شيخ اإلسالم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عدال عن‬
‫اجته�اد عم�ر بن اخلطاب ريض اهلل عنه يف إمضاء الطلاق الثالث بلفظ واحد طالق ًا بات ًا ‪ ،‬ملا‬
‫علام باس�تقراء أح�وال املجتمع ‪ -‬وقد غلبت عليه رقة الدين ‪ ،‬واس�تحكمت فيه األهواء‪ - ‬أن‬
‫هذا االجتهاد يؤول إىل فشو آفة التحليل ‪ ،‬ومفسدته أعظم من مفسدة التالعب بالطالق ‪ ،‬فكان‬
‫منطق املوازنة يميل آنذاك دفع الرضر األعىل بالرضر األدنى ‪.‬‬
‫وقد صار االستقراء‪ ،‬اليوم‪ ،‬عل ًام قائم الذات ‪ ،‬مكتمل املالمح ‪ ،‬له من الضوابط والقوانني ما‬
‫يسعف عىل صياغة اخلطط املستقبلية استئناس ًا بام هو كائن ‪ ،‬واستهدا ًء بآثاره امللموسة يف الواقع‪،‬‬
‫التوس�م واالسترشاف‪ ،‬فإذا‬
‫وما أحرى املفتي املجتهد باإلفادة من هذا املس�لك والركون إليه يف‬
‫ّ‬
‫غل�ب على ظنه أن املقصد ملازم حلكمه عند التنزي�ل ‪ ،‬أجرى الفتوى عليه م�ن باب التقريب‬
‫والتغليب ‪.‬‬
‫ االسترشاف املستقبيل ‪:‬‬‫إن اس�ترشاف املس�تقبل عل�م جليل ّ‬
‫مه�ذب األصول‪ ،‬الئ�ح املنهج ‪ ،‬ويف إطاره تس�تطلع‬
‫اآلراء‪ ،‬وتكتنه العزائم ‪ ،‬وتستجىل خبايا النفوس ‪ ،‬وتستقىص األمارات من جمريات األحداث‪،‬‬
‫ مقاصد الرشيعة بأبعاد جديدة لعبد املجيد النجار ‪ ،‬ص ‪. 277‬‬
‫ انظ�ر هذه املس�ألة يف ‪ :‬إعالم املوقعين البن القيم ‪ ، 13/3 ،‬ومقاصد الرشيعـ�ة بأبعاد جديدة للنجار ‪،‬‬
‫ص ‪. 277‬‬
‫ انف�رد الدكت�ور عب�د املجيد النجار بتأصيل هذا املس�لك يف كتاب�ه ‪ ( :‬مقاصد الرشيعة بأبع�اد جديدة ) ‪،‬‬
‫ص‪ ، 278 ‬ومل يسبق إىل هذا التأصيل فيام أعلم ‪ ،‬زاده اهلل توفيق ًا وتسديد ًا ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪67‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫َ‬
‫ضوابط علمية قائمة عىل اإلحصاء والتصنيف واالستنتاج ‪ -‬حكم‬
‫ثم يصاغ من ذلك كله ‪ -‬وفق‬
‫عىل مآالت األوضاع يف مس�تقبل األيام ‪ .‬وإذا كانت وس�ائل هذا العلم ـ مع دقة االس�تبصار ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫قطعية ؛وإنام يكتفى فيها بالظ ّن الغالب ‪ ،‬فإن اس�تثامرها من‬
‫نتائج‬
‫وج�ودة النظ�ر ـ ال تفضي إىل َ‬
‫ِقبل املجتهد يف تقدير أيلولة األفعال يف اآلجل ‪ ،‬مس�لك حصيف له نظائر يف فقه الس�نة وعمل‬
‫الصحاب�ة ‪ .‬وق�د كان العم�ل بالظنون الغالب�ة جاري ًا يف األح�كام الرشعية ‪ ،‬وصني�ع الفقهاء ‪،‬‬
‫وأحكام القضاة من غري نكري ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ش�واهد االستبصار املس�تقبيل يف السنة النبوية حديث عائشة ريض اهلل عنها مرفوع ًا ‪:‬‬
‫ومن‬
‫« ل�وال حداث�ة عهد قومك بالكفر ؛ لنقضت الكعبة وجلعلتها عىل أس�اس إبراهيم ؛ فإن قريش� ًا‬
‫حين بن�ت البيت اس�تقرصت ؛ وجلعلت له خلف ًا » ‪ ،‬فرتك الرس�ول ﷺ إلعادة البيت إىل ما‬
‫ِ‬
‫تطبيق هذا احلكم يف املجتمع القريش ؛ استئناس� ًا‬
‫كان عليه‪ ،‬مبني عىل اس�تبصار مس�تقبل أيلولة‬
‫بأحواله االجتامعية واإليامنية والنفس�ية ‪ ،‬ولوال االلتفات إىل هذه األيلولة يف املس�تقبل الهتزت‬
‫ِ‬
‫املنزل ‪،‬‬
‫حرم�ة البي�ت يف النف�وس ‪ ،‬وخل�ع ربقة اإلسلام أق�وام ال دراية هل�م‬
‫بمقاصد احلك�م َّ‬
‫العتقادهم أن التغيري يف البناء اجرتاء عىل ِ‬
‫هيبة الكعبة ‪ ،‬وزراية بحرمتها ‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ االستهداء بالعادة ‪:‬‬‫إن النظ�ر يف العالق�ات الس�ببية بني األفع�ال يف العادة يبّص�رّ بمآالهتا املتوقع�ة يف الواقع ؛‬
‫فالفعل املعني إذا جرى عىل صورة معينة ‪ ،‬فإنه يؤول بحكم العادة إىل مآل معني ‪ ،‬ومن ثم يقدَّ ر‬
‫املآل قبل وقوعه تقدير ًا يقيني ًا أو ظني ًا بالرجوع إىل العادة املستحكمة ‪ ،‬وهي رضبان ‪:‬‬
‫‪ -‬األول ‪ :‬عادة طبيعية ‪ :‬وهي القانون الطبيعي الذي بني عليه اخللق ‪ ،‬ومداره عىل االرتباط‬
‫السببي بني املقدمات والنتائج ‪ ،‬واملآالت واألفعال ‪ ،‬ويمكن أن ُيستدَّ ل ‪ -‬وفق العادات الطبيعية‬
‫ أخرجه البخاري يف كتاب احلج ‪ ،‬باب فضل مكة وبنياهنا ‪ ،‬برقم ‪ ، 1585 :‬ومسلم يف كتاب احلج ‪ ،‬باب‬
‫نقض الكعبة وبنائها ‪ ،‬برقم ‪ ، 1333 :‬واللفظ له ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪68‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫يف الكي�ان اإلنس�اين ‪ -‬بمقدمات واقع�ة عىل نتائج متوقعة تتحقق بمقتضى التالزم املنطقي بني‬
‫فينزل احلكم‬
‫املقدمات والنتائج ‪ ،‬ويف ضوء هذا االستدالل يقدّ ر العلم املسبق بمآالت األفعال ‪ّ ،‬‬
‫الذي يرتجح صالح مآله ‪ ،‬ويستبعد احلكم الذي ال يكون مظنة الستيفاء مقصود الشارع ‪.‬‬
‫ولعل أصدق مثال عىل أثر االس�تهداء بالعادة الطبيعية ‪ :‬أن منع املرأة املريضة من كش�ف‬
‫عورهتا للتطبب مع قيام الرضورة ‪ ،‬يفيض إىل مآل وخيم أعظم من مصلحة الستر ‪ ،‬وهو تفاقم‬
‫امل�رض ‪ ،‬أو اإلفض�اء إىل اهلالك ‪ .‬فقد علم من مقدمة منع التكش�ف بحكم الع�ادة الطبيعية أن‬
‫النتيجة احلتمية هي املوت أو تدهور صحة املريض ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫أعراف تغ�دو بحكم‬
‫‪ -‬الث�اين ‪ :‬ع�ادة عرفي�ة ‪ :‬هي م�ا جيري يف الن�اس واملجتمع�ات من‬
‫ش�يعوعتها حاكم�ة عىل الترصفات ‪ ،‬ومنبئ�ة عن املواقف ‪ ،‬وهذه األعراف ق�د تكون باعث ًا عىل‬
‫انخرام مآل الفعل عند تطبيقه ‪ ،‬فال يستوىف مقصوده الرشعي ‪ ،‬بينام يؤول الفعل إىل مقصوده يف‬
‫موضع ال يكون من ديدن أهله وهجرياه اجلري عىل تلك األعراف ‪.‬‬
‫ومن الس�ائغ للمفتي املجتهد أن يسرتشد بمسلك العرف الدارج يف تقدير مآالت األفعال‬
‫ونتائج الترصفات ‪ ،‬فإذا تأدى به هذا االسرتشاد بيقني أو ظن معترب إىل فوات املصلحة أو إهدار‬
‫املقصود عند تنزيل احلكم تأثر ًا بالعرف ‪ ،‬انتقل إىل حكم آخر أوىف باملقصود ‪ ،‬وأحظى للمآل‪.‬‬
‫وال نعدم يف فقه الس�نة تأصي ً‬
‫ال ملس�لك االس�تهداء باألعراف يف تقدير أيلولة األفعال قبل‬
‫فيسب أباه ‪ ،‬فالشارع‬
‫وقوعها ؛ ومن فروع هذا التأصيل ‪ :‬النهي عن سب الرجل أبا الرجل‬
‫ّ‬
‫الس�ب من‬
‫حين س�دّ الذريعة إىل س�ب الوالدين قدّ ر أيلول�ة الفعل بناء عىل علمه بأن الرد عىل‬
‫ّ‬
‫األعراف الفاشية يف املجتمع ‪.‬‬
‫ أخرجه البخاري يف كتاب األدب ‪ ،‬باب ال يسب الرجل والدبه ‪ ،‬برقم ‪ 5973 :‬ومسلم يف كتاب اإليامن‪،‬‬
‫باب بيان الكبائر وأكربها ‪ ،‬برقم ‪. 90 :‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪69‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪ -‬االستهداء بالقرائن‪:‬‬
‫م�ن املس�الك املعتربة يف تقدير مآالت األفع�ال قبل وقوعها ‪ :‬االس�تهداء بالقرائن املحتفة‬
‫بالتصرف ‪ ،‬واملالبس�ة للح�ال ؛إذ إن القرائن حتمل بين عطفيها من املقدمات واإلش�ارات ما‬
‫ينب�ىء احلصي�ف عن حصول نتائج حم ٌّققة أو غالبة التحق�ق ‪ ،‬و ال يزال العقالء يعملون القرائن‬
‫يف وقائ�ع الدين والدنيا ‪ ،‬حتى أصبح�ت داللتها عىل األحكام يف حيز املقطوع به ‪ ،‬ولذلك جاء‬
‫يف تعريف القرينة ‪ « :‬الدالة عىل ما يطلب احلكم به داللة واضحة بحيث تصيرّ ه يف ح ّيز املقطوع‬
‫به » ‪.‬‬
‫وإن الرشع نفس�ه أقر مس�لك القيافة يف إثبات البنوة ‪ ،‬وإحلاق النس�ب ‪ ،‬ومبناه عىل قرائن‬
‫‬
‫ً‬
‫‪.‬فضال‬
‫وأم�ارات يلحظها القائف ‪ ،‬وس�ار عىل هذا املهيع الصحابة الك�رام ‪ ،‬وجمتهدو األمة‬
‫عن أن مدونات الفقهاء زاخرة بالفروع التطبيقية إلعامل القرائن ؛ إذ قرروا هبا األحكام ‪ ،‬وأثبتوا‬
‫الوقائع ‪ ،‬وتب ّينوا مرادات املتكلم ‪.‬‬
‫فلا غ�رو أن يعدّ الش�اطبي مالحظ�ة القرائ�ن والبناء عليها رشط� ًا يف أهلي�ة املجتهد ؛ إذ‬
‫االجتهاد الذي ينوب فيه صاحبه عن الش�ارع هو ما كان جاري ًا عىل تقدير املآالت قبل اجلواب‬
‫عن الس�ؤاالت ‪ ،‬وال يس�تقيم هذا التقدير إال برعي اخلصوصيات التبعية التي تتجىل عاد ًة يف‬
‫قرائن احلال ومالبساته ‪.‬‬
‫وإذا كان العم�ل بالقرائن مس�لك ًا مرشوع� ًا يف تقرير األحكام ‪ ،‬وإثبات الوقائع ‪ ،‬وتفسير‬
‫املرادات ‪ ،‬فإن من الس�ائغ للمجتهد أن يسرتش�د هبا يف تقدير مآالت األفعال قبل وقوعها ‪ ،‬وال‬
‫يتأتى ذلك إال بمراعاة عنرصين ال ينفكان عن أصل القرائن ‪ ،‬ومها ‪:‬‬
‫ الفواكه البدرية يف األقضية احلكمية البن الغرس ‪ ،‬ص ‪. 83‬‬
‫ الطرق احلكمية البن القيم ‪. 9 ،‬‬
‫ اعتبار املآالت ومراعاة نتائج الترصفات للسنويس ‪ ،‬ص ‪. 387‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪70‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫الترصف ‪ ،‬أو‬
‫ أوالً ‪ :‬طبيع�ة املح�ل ‪ :‬ويقص�د به « أن تكون طبيعة اليشء الذي ه�و حمور‬‫ّ‬
‫اخلصائ�ص الذاتية واألعراض املالزمة للفعل أو الشيء ؛ ذات داللة وضعية عىل كوهنا مقدّ مة‬
‫لنتيج�ة معين�ة تلزم عنها ‪ ،‬أو كوهنا حمل ً‬
‫ا ملعنى معني » ‪ .‬ومثاله ‪ :‬األقلام واملحابر هي بذاهتا‬
‫دليل وضعي ناهض عىل أهنا ّ‬
‫حمل لالستعامل يف مضامر خمصوص هو الكتابة ‪.‬‬
‫أم�ا املث�ال الفقهي لطبيعة املحل واالس�تدالل به عىل القصد فال يش�ذ يف الغالب عن دائرة‬
‫األغراض املحظورة ؛ إذ يكون االستعامل الفعيل لألشياء قرينة رصحية عىل القصد املتوخى منه‬
‫قب�ل حتقق�ه ‪ ،‬وال أجد يف املعامالت املالية مثاالً‬
‫أنس�ب مما يف فتاوى ابن تيمي�ة ‪ ،‬أال وهو احليلة‬
‫َ‬
‫الربوي�ة ؛ ف�إن املحتال قد يريد مث ً‬
‫ال أخذ مائ�ة مؤجلة ببذل ثامنني حالة ‪ ،‬فيحتال إلزالة التحريم‬
‫املحرم ‪ ،‬وهو هذا املعنى ‪.‬وبالنظر إىل طبيعة حمل هذه املعاملة يستبني أهنا‬
‫مع التلبس بالسبب ّ‬
‫ال يمكن أن حتمل عىل الغرض احلالل ‪ ،‬والقصد السليم ‪.‬‬
‫وقد أعجبني من الدكتور عبد الرمحن الس�نويس إحلاقه ( االش�تهار باليشء ) بطبيعة املحل‬
‫يف جم�ال إعمال القرائن ‪ ،‬واس�تهدائها يف تقدير أيلولة األفعال ؛ إذ ين�م هذا اإلحلاق عن ٍ‬
‫ملح‬
‫دقيق لألش�باه ‪ ،‬فمحل االش�تهار يؤذن بالقصد ابتدا ًء ‪ ،‬كاملشهور بتعاطي اخلمر يزرع العنب يف‬
‫حقله ‪ ،‬فالزراعة تنبىء عن قصده ‪ ،‬وهو اختاذ العنب مخر ًا ‪ ،‬اس�تهدا ًء بقرينة االش�تهار باليشء ‪،‬‬
‫ولذل�ك ق�ال ابن عبد الرب ‪ « :‬وال يباع يشء من العنب والتني والتمر والزبيب ‪ ،‬ممن يتخذ ش�يئ ًا‬
‫من ذلك مخر ًا ؛ مسل ًام كان أو ذمي ًا ‪ ،‬إذا كان البائع مسل ًام ‪ ،‬وعرف املبتاع ببعض ذلك ‪ ،‬أو ينتبذه‪،‬‬
‫واشتهر به » ‪.‬‬
‫ اعتبار املآالت ومراعاة نتائج الترصفات ‪ ،‬ص ‪. 387‬‬
‫ جمموع الفتاوى البن تيمية ‪ ، 118/6 ،‬واعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ‪ ،‬ص ‪. 388‬‬
‫ اعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ‪ ،‬ص ‪. 388‬‬
‫ الكايف يف فقه أهل املدينة البن عبد الرب ‪. 329 - 328/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪71‬‬
‫ـ كث�رة الوق�وع ‪ :‬واألصل يف هذا املعيار قاعدة ‪ « :‬تقام املظنة ُمقام املئنة » ‪ ،‬أي أن الظن‬
‫بوقوع اليشء ينزل منزلة التيقن منه ‪ ،‬أخذ ًا باحلزم واالحتياط ملرادات الرشع ‪ ،‬وصون ًا للمآالت‬
‫عن االنخرام ‪.‬‬
‫ومذه�ب مال�ك أكثر املذاهب إعماالً هلذه القاع�دة ‪ ،‬وجري ًا عىل مقتضاه�ا ‪ ،‬عىل هنجه يف‬
‫التوس�ع يف سدّ الذرائع ‪ ،‬وحسم وسائل الفساد ‪ ،‬وال نعدم يف تفاريع املذهب املالكي ما ينهض‬
‫عىل مراعاة كثرة الوقوع يف استجالء القصد إىل اليشء والباعث عليه ‪ ،‬تنزي ً‬
‫ال هلا منزلة العلم أو‬
‫الظ�ن الراج�ح ‪ ،‬وإعامالً ألصل االحتياط الذي ينهض مرجح� ًا يف مورد اخلالف عند املالكية ‪،‬‬
‫وقد جلىّ الشاطبي وجه مالك يف إعامل هذه القاعدة حني قال ‪ « :‬إن القصد ال ينضبط يف نفسه‪ ‬؛‬
‫ألن�ه م�ن األم�ور الباطنة ‪ ،‬لكن ل�ه جمال هو كثرة الوق�وع يف الوجود ‪ ،‬أو هو مظن�ة ذلك ‪ .‬فكام‬
‫صح التخ ّلف ؛ فكذل�ك تعترب الكثرة ألهنا جمال القص�د » ‪ ،‬ثم يرضب‬
‫اعتبرت املظن�ة وإن ّ‬
‫املث�ال على ذلك ببي�ع العينة قائ ً‬
‫ال ‪ « :‬ولكن ه�ذا ‪ -‬أي منع بيع العينة ‪ -‬بشرط أن يظهر لذلك‬
‫قصد‪ ،‬ويكثر يف الناس بمقتىض العادة » ‪.‬‬
‫والذي يلوح يل من اس�تدالل املالكية بكثرة الوقوع عىل القصد الفاس�د عند فشو التحايل‬
‫حظر أش�ياء كان مأذون ًا فيه أصالة‪،‬‬
‫على أح�كام الرشع ‪ ،‬أن مالك ًا الحظ من ترصفات الش�ارع َ‬
‫ِ‬
‫لكثرة ما أفضت إليه من املفاسد ‪ ،‬كتحريم اخللوة باألجنبية ‪ ،‬وحتريم سفر املرأة وحدها ‪ ،‬وحتريم‬
‫اجلم�ع بين املرأة وخالته�ا أو عمتها ‪ ،‬والكثرة هنا معيار يس�عف عىل تقدير امل�آالت املنخرمة ‪،‬‬
‫واملقاصد الفاسدة ‪.‬‬
‫ مغني املحتاج للرشبيني ‪. 118/1 ،‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 361/2 ،‬‬
‫ نفسه ‪ 199/4 ،‬ـ ‪. 200‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪72‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ االستهداء بالتجربة‪:‬‬‫‬
‫املجرب ما يقارب‬
‫أصل التجربة ‪ :‬اختبار اليشء مرة بعد أخرى ‪ ،‬إىل أن يتحصل للمرء ّ‬
‫العلم أو الظن ‪.‬‬
‫وإن االستهداء بالتجارب يف ترصيف األمور سنة جارية عند العقالء ‪ ،‬ملا يرتتب عليها من‬
‫مجة ؛ إذ جرى يف‬
‫العلم املقارب للقطع أو الظن الغالب ‪ ،‬والدالئل عىل مرشوعية ذلك متوافرة ّ‬
‫الرشع يف أكثر من مناس�بة تقدير مآالت األشياء استناد ًا إىل التجربة ‪ ،‬ومن ذلك أن موسى عليه‬
‫السلام قال لنبينا ﷺ حني رشعت الصالة ليلة املعراج ‪ « :‬إن أمتك ال تس�تطيع مخسين صالة‬
‫كل ي�وم ‪ ،‬وإين واهلل ق�د جرب�ت الناس قبلك ‪ ،‬وعاجلت بني إرسائيل أش�دّ املعاجلة ‪ ،‬فارجع إىل‬
‫رب�ك فاس�أله التخفيف ألمتك » ‪ .‬فقد علم بالتجرب�ة أن إثقال الكاهل بالتكاليف يفيض إىل‬
‫الس�آمة واملل�ل واالنقط�اع عن الطاع�ة ‪ ،‬ومن ثم روعي ه�ذا املآل عند طل�ب التخفيف ‪ .‬وقد‬
‫انت�زع اب�ن حجر من هذا احلديث فقه ًا نفيس� ًا حني ق�ال ‪ « :‬التجربة أق�وى يف حتصيل املطلوب‬
‫من املعرفة الكثرية ؛ يس�تفاد ذلك من قول موس�ى عليه السالم للنبي ﷺ ‪ :‬إنه عالج الناس قبله‬
‫وجرهبم‪. » ‬‬
‫ّ‬
‫و ال ي�زال الفقه�اء يراعون معطيات التجارب ومفاداهتا يف االجتهاد ‪ ،‬والتأصيل الفقهي ‪،‬‬
‫والفتوى ‪ ،‬إلفادهتا العلم القطعي أو الظن الغالب عىل أقل تقدير‪ ،‬ومن ش�واهد ذلك قول ابن‬
‫أقل احليض وأكثره ؛ ّ‬
‫رشد ‪ « :‬وهذه األقاويل كلها ؛ املختلف فيها عند الفقهاء يف ّ‬
‫وأقل الطهر ؛‬
‫املشمس ‪ « :‬واحلق‬
‫ال مس�تند هلا إال التجربة والعادة » ‪ ،‬وقول القايض عياض يف مس�ألة املاء‬
‫ّ‬
‫ املصباح املنري للفيومي ‪ ،‬ص ‪. 54‬‬
‫ حاشية ابن عابدين ‪. 365/1 ،‬‬
‫ أخرجه البخاري يف كتاب مناقب األنصار ‪ ،‬باب املعراج ‪ ،‬برقم ‪. 3887 :‬‬
‫ فتح الباري البن حجر ‪. 218/7 ،‬‬
‫ بداية املجتهد البن رشد ‪. 51/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪73‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫أن التجرب�ة إذا قضت برضر اس�تعامله ؛ فالق�ول بالكراهة ظاهر ‪ ،‬وإن مل يصح ما روي ؛ ملا علم‬
‫يرض عاج ً‬
‫ال » ‪.‬‬
‫رشع ًا من طلب الكف عام ّ‬
‫وق�د ع�دّ الفقيه املالكي أيوب بن س�ليامن بن صالح التجربة أصل ً‬
‫ا مفتقر ًا إليه يف كل فن ‪،‬‬
‫والسيام يف الفتوى وتنزيل األحكام ‪ ،‬يقول ‪ « :‬الفتيا دربة ‪ ،‬وحضور الشورى يف جملس احلكام‬
‫منفع�ة وجت�رب ‪ .‬وق�د ابتلي�ت بالفتي�ا ‪ ،‬فام دريت م�ا أق�ول يف أول جملس ‪ ،‬وأنا أحف�ظ املدونة‬
‫ويعول‬
‫واملستخرجة احلفظ املتقن ‪ ,‬ومن تف ّقد هذا املعنى من نفسه ممن جعله اهلل إمام ًا يلجأ إليه ‪ّ ،‬‬
‫الن�اس يف مس�ائلهم عليه ؛ وجد ذلك حق� ًا ‪ ،‬وألقاه ظاهر ًا وصدق ًا ‪ ،‬ووق�ف عليه عيان ًا وعلمه‬
‫خرب ًا ؛ والتجربة أصل يف كل فن ‪ ،‬ومعنى مفتقر إليه » ‪.‬‬
‫بل إن الش�اطبي يعدّ نتائج التجربة برهان ًا دامغ ًا ال حيتمل متع ّلقه النقيض بوجه ‪ ،‬ويذهب‬
‫يف ذلك مذهب ًا بعيد ًا حني يس�تعيض عن الربهان بالتجربة يف مقا ِم التأصيل والتدليل ‪ ،‬يقول ‪« :‬‬
‫وال احتياج ههنا إىل إقامة برهان عىل ذلك ؛ إذ التجربة اجلارية يف اخللق قد أعطت يف هذه املرتبة‬
‫برهان ًا ال حيتمل متعلق النقيض بوجه » ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ملقدرات يف‬
‫ومم�ا جيّل�يّ أثر التجربة يف تقدير املآالت قبل وقوعه�ا ‪ ،‬أن العرف جعل ضابط ًا‬
‫األوقات ‪ ،‬واألماكن ‪ ،‬واملس�افات ‪ ،‬والعوارض ‪ ،‬مما ال حييط به عدّ أو إحصاء ‪ ،‬ومن املس� َّلم به‬
‫أن االعتياد العريف مبناه عىل التجربة املرتاكمة‪ ،‬واملشاهدة املوصولة ‪ « ،‬ومثال ذلك املشاق التي‬
‫تقتيض التخفيف ؛ فإن الش�اطبي رمحه اهلل جع�ل الضابط يف تعيينها االعتياد اجلاري يف الناس ‪،‬‬
‫وذل�ك بال ش�ك ال يعلم إال من جهة التجريب واملش�اهدة املتكررة ؛ ويظه�ر أثر اعتبار املآل يف‬
‫هذا االختيار ‪ :‬يف أن املش�قة لو ضبطت بمعنى ثابت ال يتغري ‪ ،‬لتمخض عن ذلك من احلرج ما‬
‫ال حد له ؛ إذ الناس خيتلفون يف هذا من عرص إىل آخر » ‪.‬‬
‫ حكاه عنه احلطاب يف مواهب اجلليل ‪. 110/1 ،‬‬
‫ املعيار للونرشييس ‪. 79/10 ،‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 69/1 ،‬‬
‫ نفسه ‪ ،‬ص ‪. 393‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪74‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫يقدر انخرام مآالت األفعال قبل وقوعها اسرتشاد ًا بسوابق‬
‫ومن ثم فإن املفتي املجتهد قد ّ‬
‫التجربة ‪ ،‬ومعطياهتا املستقرأة يف الواقع ‪ ،‬فإذا ظهر له ‪ -‬عىل سبيل املثال ‪ -‬أن تنزيل حكم رشعي‬
‫معينّ عىل ّ‬
‫حمل معينّ ال يس�فر عن مقاصده بحكم التجريب واملش�اهدة املتكررة ‪ ،‬فإن االجتهاد‬
‫ّ‬
‫الصحي�ح يل�زم بتعديل صورة احلكم تعدي ً‬
‫املنزل عليه ‪ ،‬أو يلزم بإرجاء تطبيقه‬
‫ال يتناغم‬
‫واملحل َّ‬
‫إىل حني يستجمع فيه املحل رشوط التنزيل ‪.‬‬
‫ العمل بالظن الغالب‪:‬‬‫إن العمل بالظن الغالب مسلك تعاوره املجتهدون النظار خلف ًا عن سلف دون نكري ‪ ،‬وما‬
‫أكثر األحكام الرشعية التي بنيت عىل غلبة الظنون املس�تفادة من األمارات والقرائن وش�واهد‬
‫احلال ‪ ،‬ونجتزىء هنا للتمثيل بثالث مسائل ‪:‬‬
‫‪ -‬األوىل ‪ :‬إن القيافة يرتتب عليها االس�تلحاق يف النس�ب ‪ ،‬وإثبات حقوق البنوة من نفقة‬
‫ورعاي�ة وإرث ‪ ،‬م�ع أن مبناه�ا عىل الظ�ن الغالب املس�تفاد من أمارات وعالمات كالش�به بني‬
‫األقدام وغريه ‪.‬‬
‫‪ -‬الثاني�ة ‪ :‬إن املري�ض املعت�ل فقيه نفس�ه ‪ ،‬فهو يأخ�ذ بالرخص الرشعية بحس�ب تقديره‬
‫ال�ذايت‪ ،‬وظن�ه الغال�ب ‪ ،‬فإذا غلب عىل ظنه ‪ -‬مث ً‬
‫ال ‪ « -‬زيادة امل�رض ‪ ،‬أو تأخر الربء ‪ ،‬أو إصابة‬
‫املشقة بالصوم أفطر ‪ ..‬إىل غري ذلك من املسائل املبنية عىل غلبات الظنون » ‪.‬‬
‫‪ -‬الثالثة ‪ :‬إن األصل يف املحتسب أن يتقي التجسس عىل الناس ‪ ،‬وتتبع عوراهتم يف البيوت‬
‫ألج�ل كش�ف املنك�ر ‪ ،‬واإلنكار عىل أهله ‪ ،‬بيد أن هذه املفس�دة قد يعارضها م�ا هو أقوى منها‬
‫فيدف�ع األعلى باألدنى ‪ ،‬وذلك « مثل أن خيربه من يث�ق بصدقة أن رج ً‬
‫ال خال بامرأة ليزين هبا ‪،‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 208/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪75‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫أو برجل ليقتله ‪ ،‬فيجوز له يف مثل هذه احلالة أن يتجسس » ‪ « ،‬وكذا معظم اإلنكار الرشعي‬
‫مبني عىل الظن » ‪.‬‬
‫فالعمل بالظن الغالب ‪ ،‬إذ ًا ‪ ،‬مس�لك متليه الرضورة ‪ ،‬وتش�هد له مؤيدات النقل والعقل ؛‬
‫ذل�ك أن إحراز اليقني يش�ق عىل املجتهدين يف كثري من األحي�ان ‪ ،‬فيكتفى منهم بالظن املرشوع‬
‫املوج�ب للعمل ‪ ،‬وإال تعطلت الرشيع�ة ‪ ،‬وأهدر مقصود التكليف ‪ ،‬لكثرة النصوص التي يثار‬
‫اخلالف حول حجيتها أو داللتها عىل املقصود ‪ ،‬يقول العز بن عبد السالم ‪ « :‬فلو عطلنا العمل‬
‫بالظ�ن خوف� ًا من نادر كذبه وإخالفه ‪ ،‬لعطلنا أغلب املصالح ألندر املفاس�د ‪ ،‬ولو علمنا بالظن‬
‫املشروع حلصلنا أغلب املصالح بتحمل أندر املفاس�د ‪ ،‬ومقتىض رمح�ة الرشع حتصيل املصالح‬
‫الكثرية الغالبة وإن لزم من ذلك مفاسد قليلة نادرة » ‪.‬‬
‫بيد أن الظن املرشوع ال يرادف اإلخالة الواهية‪ ،‬والش�ك الضعيف‪ ،‬وبادىء الرأي ؛ وإنام‬
‫ق�رر املقري قاعدة جليل�ة يوزن هبا‬
‫وج�ه التع ّل�ق ب�ه الرك�ون إىل أمارة رشعية ينش�أ عنها ‪ ،‬وقد ّ‬
‫االجته�اد الظن�ي ‪ ،‬وه�ي ‪ « :‬الظن الذي ال ينش�أ عن أم�ارة رشعية ال يعترب رشع� ًا ‪ ،‬وإن كانت‬
‫النفس أسكن إليه من الناشىء عن أمارة رشعية » ‪.‬‬
‫وقد عدّ ابن قدامة الظن العاري عن األمارة الرشعية من اللغو الذي ال يتلفت إليه « كام ال‬
‫يلتفت احلاكم إىل قول أحد املتداعيني إذا غلب عىل ظنه صدقه بغري دليل » ‪.‬‬
‫مهما يك�ن من أمر ف�إن الظن الغالب ٍ‬
‫ج�ار يف العمليات جم�رى العلم ‪ ،‬فضل ً‬
‫ا عن تضافر‬
‫الفقهاء املجتهدين عىل وجوب جلب املصالح ودرء املفاس�د بالظنون املعتربات ‪ ،‬حتى اش�تهر‬
‫ األحكام السلطانية للاموردي ‪ ،‬ص ‪. 252‬‬
‫ شجرة املعارف واألحوال لعز الدين بن عبد السالم ‪ ،‬ص ‪. 258‬‬
‫ نفسه ‪ ،‬ص ‪. 89‬‬
‫ القواعد للمقري ‪ ،‬القاعدة ‪. 1147 :‬‬
‫ املغني البن قدامة ‪. 197/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪76‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫عند املالكية أن الغالب كاملح َّقق يف املنزلة واحلكم ‪ ،‬يقول املقري ‪ « :‬املش�هور من مذهب مالك‬
‫ٍ‬
‫مساو للمح ّقق » ‪.‬‬
‫أن الغالب‬
‫وإذا اس�تبان رجح�ان هذا املس�لك رشع ًا وعقل ً‬
‫ا ‪ ،‬فإن من الس�ائغ الركون إلي�ه يف تقدير‬
‫م�آالت األفعال قبل وقوعها ‪ ،‬ف�إذا غلب عىل ظن املفتي املجتهد فوات مقصد ‪ ،‬أو انخرام مآل‬
‫عند التنزيل ‪ ،‬احتاط ملرادات الش�ارع يف فتواه بالتعديل أو التغيري أو اإلرجاء املؤقت كام س�نب ّينه‬
‫الحق ًا إن شاء اهلل تعاىل ‪.‬‬
‫ النظر يف قصد الفاعل‪:‬‬‫ِ‬
‫خلاف مقاصد الرشع ‪ ،‬وتأيت هادمة ملصاحله‪،‬‬
‫مل�ا كانت بواعث بعض املكلفني جتري عىل‬
‫ف�إن على املفت�ي املجتهد تبينّ طبيع�ة الباعث من حيث املوافق�ة واملخالفة ‪ ،‬قب�ل إمضاء احلكم‬
‫يشرع من أصل�ه » ‪ ،‬وال خيرج هذا‬
‫الرشع�ي ؛ « إذ كل تصرف ال يرتت�ب علي�ه مقصوده ال ّ‬
‫ِ‬
‫جلب املصالح وتكميلها ‪ ،‬ودرء املفاسد وتقليلها ‪.‬‬
‫املقصود عن َسنَن‬
‫وإذا كان تبينّ البواعث من بواطن األمور ‪ ،‬وخفيات املسائل ‪ ،‬فإن االجتهاد يف هذا الباب‬
‫الغب ‪ ،‬حلو املجاين ‪ ،‬وال مانع فيه من اسرتفاد التجارب والعادات والظنون املعتربات ؛‬
‫حممود ّ‬
‫ألن الرشع أقام الظن مقام العلم فيام ال حيىص من فروع الرشيعة ‪.‬‬
‫َّ‬
‫يستدل عىل الباعث الفاسد ‪ ،‬والقصد اليسء بأمرين ‪:‬‬
‫مهام يكن من أمر فإنه يمكن أن‬
‫‪ -‬األول ‪ :‬ترصي�ح الفاع�ل املتس� ّبب يف امل�آل أو املب�ارش ل�ه ب�إرادة الغ�رض املحظور من‬
‫فعل�ه‪ ،‬وإن كان مرشوع� ًا يف األص�ل ‪ ،‬وال خلاف بني أهل العلم يف بطالن ه�ذا الفعل ابتدا ًء ‪،‬‬
‫ملنابذت�ه األص�ول ‪ ،‬وجوره عىل املقاصد ‪ .‬وقد عدّ اب�ن قدامة العقد باط ً‬
‫ال « إذا علم البائع قصد‬
‫ قواعد املقري ‪ ،‬القاعدة ‪. 241/1 ، 17 :‬‬
‫ املنثور يف القواعد للزركيش ‪. 395/3 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪77‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫املشرتي ذلك ‪ -‬أي بيع العصري ممن يتخذها مخر ًا ‪ -‬إما بقوله ‪ ،‬وإما بقرائن خاصة ‪ ،‬به تدل عىل‬
‫ذلك‪. » ‬‬
‫ الث�اين ‪ :‬كث�رة الوق�وع ‪ ،‬وه�ي معتبرة عن�د املالكية يف تبّي�نّ القص�د الفاس�د ؛ ذلك أنه‬‫« ال ينضب�ط يف نفس�ه ؛ ألن�ه من األمور الباطنة ‪ ،‬لكن له جمال هنا وه�و كثرة الوقوع يف الوجود‬
‫ص�ح التخ ّلف ‪ ،‬كذلك تعترب الكث�رة ؛ ألهنا جمال‬
‫أو ه�و مظن�ة ذلك ‪ .‬فكام اعتبرت املظنة وإن‬
‫ّ‬
‫القصد‪ ، » ‬والرشع إنام بني عىل االحتياط واحلزم وحس�م وس�ائل الفساد ‪ ،‬فال بدع أن يؤخذ‬
‫بقاعدة ‪ « :‬إقامة املظنة مقام املئنة » احتياط ًا ملرادات الشارع ‪ ،‬وصون ًا ملقاصده يف اخللق‪.‬‬
‫ِ‬
‫باس�تصحاب القرائن‬
‫ومج�اع الق�ول يف ه�ذا املس�لك ‪ :‬إن النظر يف قص�د الفاعل يس�تقيم‬
‫فينزل‬
‫واألم�ارات وش�واهد احلال التي تضيء من خفايا النفوس ‪ ،‬ومكامن الني�ات ما تيضء ‪ّ ،‬‬
‫كر‬
‫احلكم الرشعي عىل حمله بتحكيم هذا امليزان ‪ ،‬فام كان جاري ًا عىل َس�نن املقاصد أميض ‪ ،‬وما ّ‬
‫عليها وعىل مصالح العباد باإلبطال ‪ ،‬أبطل ‪.‬‬
‫وال ندحة ملفتي املصارف اإلسلامية عن طلب رفد هذه املسالك يف تقدير مآالت األفعال‬
‫ونتائ�ج الترصف�ات ‪ ،‬إن را َم نجاح� ًا وفالح ًا يف تنزي�ل األحكام ‪ ،‬ومحاية مقاصده�ا ‪ ،‬وإال فإن‬
‫املصالح الرشعية باإلبطال ‪ .‬فلو استفتته ‪ -‬مث ً‬
‫ِ‬
‫ال ‪ -‬إدارة املرصف‬
‫املنافرة بينهام واقعة بام يعود عىل‬
‫تقر يف نصاهبا ‪ ،‬إال بتقدير مآل احلكم املفتى به‪ ،‬هل يفيض إىل‬
‫يف قضي�ة مالي�ة ‪ ،‬ف�إن فتواه فيها ال ّ‬
‫املقص�ود الرشع�ي ‪ ،‬أم يتجانف عنه ؟ ومن هن�ا يتعني ـ قبل إمضاء الفتوى ‪ -‬اللواذ باملس�الك‬
‫اآلتية ‪:‬‬
‫ النظ�ر يف قصد املس�تفتي أو إدارة املرصف هل هو صحي�ح ٍ‬‫جار عىل مقاصد الرشع ‪ ،‬أم‬
‫فاس�د مناق�ض للمقاص�د ؟ ويمك�ن الرجوع يف ذل�ك إىل الترصيح بالباعث ‪ ،‬أو االس�تئناس‬
‫بالقرائن ‪.‬‬
‫ املغني البن قدامة ‪. 284/4 ،‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 361/2 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪78‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ اإلف�ادة م�ن معطي�ات الواق�ع ‪ ،‬ومف�ادات التجربة ‪ ،‬ومقتضي�ات األع�راف ‪ ،‬يف تبينّ‬‫ّ‬
‫املحال‪ ،‬واألحوال ‪ ،‬والبيئات التي تنخرم فيها املآالت ‪ ،‬وتؤول األحكام إىل خالف مقصودها‬
‫الرشع�ي‪ ،‬فيق�اس عىل األوضاع املش�اهبة ‪ ،‬واحلاالت املطابق�ة ‪ ،‬بناء عىل االس�تقراء الواقعي ‪،‬‬
‫والتجريب ‪ ،‬واالعتياد ‪.‬‬
‫‪ -‬االس�تئناس بالقرائن التي تالبس حال املس�تفتي ‪ ،‬أو تكتنف طبيعة املحل ‪ ،‬ألهنا تؤذن‬
‫بالقصد ابتدا ًء ‪ ،‬وتسعف عىل التكييف الصحيح للنازلة ‪.‬‬
‫‪ -‬إعامل قواعد االستبصار املستقبيل يف احلكم عىل مآالت األفعال حتقق ًا أو انخرام ًا ‪ ،‬وإن‬
‫كانت نتائجه ال جتري جمرى القطع ‪.‬‬
‫‪ -‬العمل بالظنون الغالبة يف احلكم والتقدير ‪ ،‬وذلك دأب الشارع يف درء املفاسد املظنونة‪،‬‬
‫وصنيع املجتهدين النظار يف حسم وسائل الرضر ‪.‬‬
‫ الثاين‪ :‬القواعد األصولية يف تقدير مآالت األفعال ‪:‬‬‫إن تقدي�ر امل�آالت يف التأصيل الفقهي للقضايا املع�ارصة ‪ ،‬ال يتأتى بفقاهة النفس ‪ ،‬وذوق‬
‫املجتهد ‪ ،‬ومعرفة الواقع فحسب ؛ بل ال بد من االحتكام إىل قواعدَ أصولية ّ‬
‫ترشد مسار اعتبار‬
‫ويقر االجتهاد يف نصابه‬
‫املآل درء ًا لفساده ‪ ،‬وجلب ًا لصالحه ‪ ،‬حتى يؤمن التحريف يف دين اهلل ‪ّ ،‬‬
‫غري زائغ وال حائل ‪ .‬ومن أبرز هذه القواعد ‪:‬‬
‫ قاعدة سدّ الذرائع‪:‬‬‫ٍ‬
‫معان مشرتكة ‪ ،‬وصيغ متقاربة‪- ‬‬
‫إن تعريفات األصوليني لسد الذرائع ‪ -‬عىل تواردها عىل‬
‫ف�إن منه�ا املو َّفق ‪ ،‬واملقارب للتوفي�ق ‪ ،‬والبعيد عن ذلك ‪ ،‬هذا ؛ إذا نظ�ر إليها بميزان الرشوط‬
‫املرعي�ة يف صناعة احلدود والتعاريف ‪ ،‬واطراح ًا لالس�تكثار م�ن النقول ‪ ،‬واإلطالة يف اجللب ‪،‬‬
‫نقترص عىل إيراد تعريف الشاطبي ‪ ،‬لقربه من اإلحكام ‪ ،‬ووفائه باملقصود ‪ ،‬يقول يف تعريف هذه‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪79‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫القاعدة ‪ « :‬منع اجلائز لئال يتوس�ل به إىل املمنوع » ‪ ،‬ومضمون هذا التعريف ‪ :‬أن اليشء قد‬
‫يكون مباح ًا يف أصله ‪ ،‬لكن التطرق به إىل املمنوع ‪ ،‬يسقط مرشوعيته فيمنع سد ًا للذريعة ‪.‬‬
‫والعناي�ة هب�ذه القاعدة ليس�ت من خ�واص مذهب مال�ك ‪ ،‬وإن كان ال جي�ارى يف إعامل‬
‫االجتهاد الذرائعي توسع ًا واستكثار ًا ؛ إذ املستقرىء لفروع املذاهب يقف عىل فروع مجة خمرجة‬
‫على هذا األصل ‪ ،‬وملتفتة إليه يف باب االحتياط وحس�م مادة الفس�اد ‪ .‬وه�ذا ما حدا بالقرايف‬
‫إىل القول ‪ « :‬فليس س�د الذرائع خاص ًا باملك رمحه اهلل ‪ ،‬؛ بل قال هبا هو أكثر من غريه ‪ ،‬وأصل‬
‫سدّ ها جممع عليه » ‪.‬‬
‫وال خيفى عىل حصيف أن قاعدة سد الذرائع متفرعة عن أصل املآل من جهة أهنا تكفل درء‬
‫املفاس�د املتوقعة اس�تقباالً إذا كان التنزيل الفقهي للحكم التجريدي يفيض إىل رجحان املفاسد‬
‫عىل املصالح املتوخاة من األحكام األصلية للحوادث واملستجدات ‪.‬‬
‫ومن ثم فإن املفتي املجتهد حني حيكّم قاعدة سدّ الذرائع يف تكييف احلوادث والترصفات‪،‬‬
‫يكون قد التفت إىل العوارض الطارئة ‪ ،‬واملالبس�ات املس�تجدة التي اكتنفت ّ‬
‫حمال النوازل مما مل‬
‫يكن له أثر عند ترشيع األحكام األصلية ؛ إذ ما من واقعة جزئية تطرأ عىل الساحة إال وهلا فلك‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫نس�ب ‪ ،‬والرشع‬
‫بس�بب أو‬
‫معني تدور فيه ‪ ،‬وخصوصية ذاتية تتلبس هبا ‪ ،‬وجمال حيايت تديل إليه‬
‫حوى بني جانحيته من القواعد اهلادية ‪ ،‬والضوابط املوجهة يف باب االجتهاد التنزييل ما يضمن‬
‫التكييف املناسب لكل مستجد طارىء ونازلة مستأنفة ‪.‬‬
‫وإذا كان املج�ال األصلي إلعامل قاعدة س�دّ الذرائع هو تقييد دائ�رة املباحات واحلقوق ‪،‬‬
‫وس�ع من جيوب القاعدة حني انته�ى إىل أن هلا جماالً وعمل ً‬
‫ا يف باب العبادات‬
‫ف�إن الش�اطبي ّ‬
‫إذا خشي أن يك�ون ركوب املرشوع وصل ًة إىل االنقطاع ع�ن الطاعات ‪ ،‬أو الزيادة يف التكاليف‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪ 257/3 ،‬ـ ‪. 258‬‬
‫ الفروق القرايف ‪. 33/2 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪80‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫على س�بيل االبت�داع ‪ ،‬يق�ول ‪ « :‬ويف اجلمل�ة ؛ فكل عمل أصل�ه ثابت رشع� ًا ؛ إال أن يف إظهار‬
‫العمل به واملداومة عليه ما خياف أن يعتقد أنه سنّة ‪ ،‬فرتكه مطلوب يف اجلملة أيض ًا من باب سدّ‬
‫‬
‫يتخرج على قاعدة إمامه مالك رمحه اهلل يف ترك الس�نن إن خيف االعتقاد‬
‫الذرائ�ع‪ ، » ‬وهذا ّ‬
‫بفرضيتها ‪.‬‬
‫مهما يك�ن من أم�ر فإن قاعدة س�د الذرائ�ع ‪ ،‬وإن عنيت بتبّي�نّ طبائع القص�ود ‪ ،‬وحقائق‬
‫البواع�ث ‪ ،‬ف�إن اهتاممه�ا األول واألثري هو النظ�ر يف ثمرات األعامل ‪ ،‬وم�آالت األفعال ‪ ،‬وما‬
‫تفضي إلي�ه من آث�ار س�يئة ‪ ،‬وعقابيل وخيمة ‪ .‬وم�ن هنا كان العم�ل يف إطار القاع�دة وبعدها‬
‫الوقائي متجه ًا إىل حس�م مادة الفس�اد املتوقع اس�تقباالً ‪ ،‬أو التخفيف من وطأته وتداعياته من‬
‫والتحرز ‪.‬‬
‫خالل آلية االحتياط‬
‫ّ‬
‫وثمة س�ؤال قد ينثال عىل الذهن ‪ ،‬وال جيد س�بي ً‬
‫ال إىل د ّعه ‪ ،‬وهو ‪ :‬إذا أبطل الفعل املرشوع‬
‫واعتب�ار لواقع احلال ‪ ،‬ف�إن مصلحته األصلي�ة هتدر جري ًا عىل مقتضى القاعدة ‪،‬‬
‫رعي� ًا للم�آل ‪،‬‬
‫ً‬
‫فكيف يغفل املجتهد عن وجه املصلحة فيام هو مرشوع ؟‬
‫واجلواب ‪ :‬أن مصلحة األصل إذا عورضت بمفسدة راجحة ‪ ،‬فإن الصالح يغمر يف جانب‬
‫الفس�اد ‪ ،‬فلا يلتفت إلي�ه ‪ ،‬والرشع والعق�ل يقضيان مع ًا باملي�ل إىل الكفة الغالب�ة التي توجب‬
‫ترجي�ح « رضر امل�آل على مصلحة احلال » ‪ ،‬وليس درء الفس�اد الغالب إال وجه ًا من وجوه‬
‫جلب الصالح ‪.‬‬
‫ويف ض�وء العالق�ة الوطيدة بني قاعدة س�د الذرائع وأصل املآل ‪ ،‬يس�وغ اجل�زم بأن املفتي‬
‫املجتهد إذا ثبت لديه ‪ -‬عند تكييف القضية املعارصة ‪ -‬أن تنزيل احلكم عليها س�يؤول إىل مآل‬
‫فاس�د ‪ ،‬فإنه ال بد من رصف احلكم عن خصوص هذه القضية جري ًا عىل قاعدة س�د الذرائع ‪.‬‬
‫ االعتصام للشاطبي ‪. 31/2 ،‬‬
‫ اعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ‪ ،‬ص ‪. 266‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪81‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫ويس�لك يف معرفة القضية املتذرع هبا إىل القصد الفاس�د أحد مس�لكني ‪ :‬تبينّ قصد املتذرع ‪ ،‬أو‬
‫تبينّ املآل الواقعي الذي تؤول إليه القضية ‪.‬‬
‫‪ -‬قاعدة إبطال احليل‪:‬‬
‫ع�رف الش�اطبي احليل بقول�ه ‪ « :‬حقيقتها املش�هورة ‪ :‬تقدي�م عمل ظاهر اجل�واز إلبطال‬
‫ّ‬
‫حكم رشعي وحتويله يف الظاهر إىل حكم آخر » ‪ ،‬ثم أردف التعريف بام يزيد حقيقة التح ّيل‬
‫وضوح ًا وجالء حني قال ‪ « :‬فمآل العمل فيها خرم قواعد الرشيعة يف الواقع » ‪.‬‬
‫ويؤخذ من هذا التعريف أن ماهية احليلة املمنوعة تتألف من ثالثة عنارص ‪:‬‬
‫ األول ‪ :‬التوسل بعمل ظاهر املرشوعية إىل غرض فاسد ‪.‬‬‫‪ -‬الثاين ‪ :‬التعارض بني مصلحة األصل ورضر املآل ‪ ،‬فيقىض بإبطال احليلة حتوط ًا من املآل‬
‫الفاسد لكونه خارم ًا ملقاصد الرشع ‪.‬‬
‫ الثالث ‪ :‬السعي إىل هدم مقصد كيل ومصلحة رشعية ‪.‬‬‫وللتحي�ل إطالق�ات وتصاري�ف ش�تى ‪ ،‬وبعضه�ا ال يش�مله املعن�ى القبي�ح ‪ ،‬كالتدبير‪،‬‬
‫واحل�رص‪ ،‬وحس�ن التخلص ؛ إذ ق�د يكون الباعث أحيان ًا عىل رك�وب احليلة رشيف ًا ال مدخل‬
‫ل�ه يف املخاتل�ة واخلداع ‪ ،‬وقلب احلقائ�ق ‪ ،‬ومثاله ‪ :‬أن يتحيل النتزاع احل�ق ‪ ،‬وإزهاق الباطل ‪،‬‬
‫واخلروج من مضايق التكليف بوجه مرشوع ‪ .‬وقد علق اإلمام القرطبي عىل قصة سليامن عليه‬
‫السلام مع املرأتني املتنازعتني يف الولد تعليق ًا نفيس� ًا ينم عن جودة فهم ‪ ،‬وش�فوف رأي ‪ ،‬حني‬
‫قال ‪ « :‬وفيه من الفقه ‪ :‬استعامل احلكام احليل التي تستخرج هبا احلقوق ؛ وذلك يكون عن قوة‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 201/4 ،‬‬
‫ نفسه ‪. 201/4 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪82‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫‬
‫حيرم من احليل ‪ ،‬إذ ًا ‪ ،‬اإلفضاء إىل قلب‬
‫الذكاء والفطنة وممارسة أحوال اخللق » ‪ .‬فضابط ما ّ‬
‫أحكام الرشع ‪ ،‬وإفراغها من مقاصدها بوسائل اخلدا ِع والتزييف ‪.‬‬
‫أما وجه تعلق قاعدة إبطال احليل بأصل املآل فهو أن التح ّيل ترصف ينطوي عىل حمظورات‬
‫صارخة ‪:‬‬
‫أوهلا ‪ :‬التدثر بالعمل املرشوع ُوصل ًة إىل الغرض الفاسد اهلادم ملقاصد الرشع‪.‬‬
‫والثاين ‪ :‬املفسدة املتوقع حدوثها يف املآل‪.‬‬
‫والثال�ث ‪ّ :‬‬
‫ش�ل احلك�م الرشعي يف دائ�رة التكليف والعم�ل بإفراغه من مقاص�ده اهلادية‬
‫البانية‪ .‬وكفى هبذا املآالت إنذار ًا بعاقبة احليل ‪ ،‬وبطالن ما انبنى عليها ‪.‬‬
‫وثمة وجه ٍ‬
‫ثان جييل صلة القربى بني القاعدة وأصلها ‪ ،‬وهو التضايف الوظيفي بني « س�د‬
‫الذرائع » و « إبطال احليل » ‪ ،‬من حيث تبنّيهام للمس�لك الوقائي االحتياطي الذي حيس�م مادة‬
‫الفساد قبل حدوثه ‪ ،‬من خالل تعطيل الذرائع املنافرة ملقاصد الترصفات ‪ ،‬وأرواح األعامل؛ إذ‬
‫ال يتغاىض الشارع عن مرشوعية التوسل ‪ ،‬ومواءمته للمقاصد املرجوة خالف ًا للقاعدة امليكافيلية‬
‫ربر الوسيلة » ‪.‬‬
‫املتهافتة ‪ « :‬الغاية ت ّ‬
‫وق�د جلى اب�ن القيم الصلة بني « س�د الذرائ�ع » و « إبطال احليل » أتم اجللاء حني قال ‪:‬‬
‫«‪ ‬وجتويز احليل يناقض س�د الذرائع مناقضة ظاهرة ؛ فإن الرشاع يس�دّ الطريق إىل املفاس�د ّ‬
‫بكل‬
‫املحرم إىل من‬
‫ممكن ؛ واملحتال يفتح الطريق إليها بحيله ‪ ،‬فأين من يمنع اجلائز خشية الوقوع يف ّ‬
‫يعمل احليلة يف التوصل إليه » ‪.‬‬
‫ اجلامع ألحكام القرآن للقرطبي ‪. 221/6 ،‬‬
‫ إعالم املوقعني البن القيم ‪. 144/3 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪83‬‬
‫وما أحوج املفتي يف املعامالت املالية واملرصفية إىل االستمداد من قاعدة « إبطال احليل » يف‬
‫التكييف الفقهي للواقعات ‪ ،‬سدّ ًا ملنافذ التحيل ‪ ،‬واحتياط ًا ملرادات الرشع ‪ ،‬وال سيام أن الفتوى‬
‫املحرم ‪ ،‬وال‬
‫قد تساق إليه يف قالب خدّ اع ‪ ،‬يتسرت باملعاملة املرشوعة يف الظاهر ‪ ،‬وصل ًة إىل الربا ّ‬
‫يق�در على التمييز بني املرشوع واملمنوع يف القصود إال من أويت فطنة بالغة ‪ ،‬وممارس�ة ألحوال‬
‫اخللق ‪.‬‬
‫ قاعدة االستحسان‪:‬‬‫االستحس�ان يف االصطلاح ‪ :‬عدول املجتهد بحكم املس�ألة عن نظائره�ا إىل وجه خاص‬
‫اس�توىف مقصود الش�ارع يف ذلك احلكم ‪ .‬أما التنصيص عىل املجتهد فإلخراج ما سامه بعض‬
‫األصوليني باستحسان النص ؛ألنه من قبيل ختصيص العموم بدليل رشعي ‪ ،‬ال من قبيل األخذ‬
‫بمصلحة جزئية يف مقابل دليل كيل ‪ .‬وأما عبارة ‪ « :‬إىل وجه خاص اس�توىف مقصود الش�ارع يف‬
‫ذلك احلكم » ‪ ،‬فس�يقت لغرضني ‪ :‬أوهلام ‪ :‬اإلحاطة بأنواع االستحس�ان كاستحس�ان الرضورة‬
‫والعرف واملصلحة لكوهنا مظنة حتقق املقصود الرشعي يف خصوص املس�ألة ‪ .‬والثاين ‪ :‬استثناء‬
‫املجردة والتهويمات العقلية التي ال قرار هل�ا يف نصاب االجتهاد‬
‫االستحس�ان م�ن مجل�ة اآلراء ّ‬
‫الصحيح ! ذلك أن املجتهد ال يعدل عن األقيسة اجللية ‪ ،‬وهي عمومات األدلة والعلل القريبة‪،‬‬
‫إىل األقيس�ة اخلفية ‪ ،‬إال عند ختلف املصالح يف األوىل ‪ ،‬واس�تيفائها يف الثانية ‪ ،‬وهذا وجه ينقدح‬
‫ِ‬
‫أص�ل االجتهاد االس�تصالحي ‪ ،‬ومراعاة‬
‫ل�ه بالتأم�ل الص�ايف والنظر الثاق�ب ‪ ،‬وال ينفك عن‬
‫االستثناءات الظرفية ‪.‬‬
‫وم�ن العج�ب العجاب أن الش�افعية ‪ ،‬وهم أصحاب الغارة الش�عواء عىل االستحس�ان ‪،‬‬
‫اس�تثنوا م�ا ال يعدّ من الف�روع من أصوهلا الكلية التفات� ًا إىل املعاين املصلحية ؛ بل إن الش�افعي‬
‫رصح بأخذه باالستحسان يف أكثر من مسألة ‪ ،‬مع عرائها عن الدليل من الكتاب أو السنة‬
‫نفسه ّ‬
‫ رشح الكوكب املنري للفتوحي ‪ ،‬ص ‪ ، 388‬واعتبار املآالت ونتائج الترصفات لسنويس ‪ ،‬ص ‪. 298‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪84‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫أو القي�اس ‪ .‬وم�ن ه�ذه ِ‬
‫البابة قوله ‪ « :‬أستحس�ن يف املتعة أن تقدر ثالثني درمه� ًا » ‪ .‬فإنكاره‬
‫عىل االستحسان إنام انرصف إىل االسم دون احلقيقة ‪ ،‬مع استعامله للمصطلح يف مسائل شتى ‪.‬‬
‫ِ‬
‫معرض بيان أصول الشافعي‪:‬‬
‫رصح به اجلويني ‪ ،‬وهو من أساطني املذهب ‪ ،‬يف‬
‫ويؤنس هلذا ما ّ‬
‫« املعروف من مذهب الش�افعي التمس�ك باملعنى ؛ وإن مل يس�تند إىل أصل ؛ عل رشط قربه من‬
‫معاين األصول الثابتة » ‪.‬‬
‫أما عن وجه تع ّلق قاعدة االستحسان بأصل املآل فقد جالّه الشاطبي يف قوله ‪ « :‬االستحسان‬
‫وهو يف مذهب مالك ‪ :‬األخذ بمصلحة جزئية يف مقابلة دليل كيل ‪ ،‬ومقتضاه الرجوع إىل تقديم‬
‫جمرد ذوقه وتشهيه ؛ وإنام رجع‬
‫االس�تدالل املرس�ل عىل القياس ؛ فإن من استحسن مل يرجع إىل ّ‬
‫إىل ما علم من قصد الش�ارع يف اجلملة يف أمثال تلك األش�ياء املفروضة؛ كاملس�ائل التي يقتيض‬
‫القياس فيها أمر ًا ‪ ،‬إال أن ذلك األمر يؤدي إىل فوت مصلحة من جهة أخرى ‪ ،‬أو جلب مفسدة‬
‫كذل�ك ‪ ،‬وكثري م�ا يتفق هذا يف األصل الرضوري مع احلاجي ‪ ،‬واحلاجي مع التكمييل ‪ ،‬فيكون‬
‫إجراء القياس مطلق ًا يف الرضوري يؤدي إىل حرج ومش�قة يف بعض موارده ؛ فيس�تثنى موضع‬
‫احلرج » ‪.‬‬
‫وه�ذا بي�ان تأصيلي حلقيقة االستحس�ان يف ِ‬
‫غاية الدقة واالس�تيفاء ‪ ،‬ويتالم�ح للناظر فيه‬
‫َ‬
‫املج�ال األصيل إلعمال االجتهاد‬
‫إرج�اع األم�ر إىل التزاح�م بني املصال�ح واملفاس�د ‪ ،‬بوصفه‬
‫االستحساين‪.‬‬
‫ِ‬
‫املصالح وتكميلها من وجوه شتى ‪:‬‬
‫جلب‬
‫فاالستحسان ‪ ،‬إذ ًا ‪ ،‬قاعدة مآلية تروم‬
‫َ‬
‫ األول ‪ :‬مراعاة املالبسات الطارئة واالستثنئات الظرفية التي تكتنف األفراد ‪ ،‬والوقائع‪،‬‬‫ البحر املحيط للزركيش ‪. 95/6 ،‬‬
‫ الربهان للجويني ‪. 1114/2 ،‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 205/4 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪85‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫ّ‬
‫واملحال ؛ إذ التغايض عنها خرق لقانون العدالة ‪ ،‬وهدم ملبدأ االس�تصالح ‪ ،‬وإفراغ للرشع من‬
‫مقاصده الكربى ‪ .‬والشك أن االستحسان رأس االجتهاد االستثنائي وعامده ‪.‬‬
‫‪ -‬الث�اين ‪ :‬إن حتقي�ق مناطات األح�كام يفيض أحيان� ًا إىل تبينّ القصور ع�ن إنتاج املقاصد‬
‫حلائ�ل من حوائل الظروف الواقعية ‪ ،‬واخلصوصي�ات الذاتية ‪ ،‬فيكون املخرج األمثل من هذه‬
‫الضائق�ة االجتهادي�ة هو الع�دول عن التكيي�ف األصيل إىل تكييف اس�تثنائي يضمن اس�تيفاء‬
‫املصلحة املتوخاة يف اإلطار التجريدي لألحكام للمط َّبقة ‪ ،‬وهذا االجتهاد االستثنائي ال تنهض‬
‫به إال قاعدة االستحسان ‪.‬‬
‫‪ -‬الثال�ث ‪ :‬إن الغل�و يف األقيس�ة ‪ ،‬واجلم�ود على القواع�د ‪ ،‬يفيض إىل تفوي�ت املصالح ‪،‬‬
‫وخمالفة املعهود من َسنَن الرشع ‪ ،‬وال يكفكف من هذا الغلو أو ذاك اجلمود إال اجتهاد استثنائي‬
‫يعال�ج التناف�ر بين االقتض�اء األصيل للن�ص أو القاعدة القياس�ية وامل�آالت الس�ارية يف روح‬
‫عال ‪ٍ ،‬‬
‫الترشيع ودمه ‪ .‬وملا كان االستحسان ذا َن َفس مآيل ٍ‬
‫وبعد مصلحي رحيب ‪ ،‬فإنه وعاء أمثل‬
‫للمعاجلات االجتهادية االستثنائية التي تكفل املوافقة للمقاصد ‪ ،‬والرعاية للمصالح ‪ ،‬واحلفظ‬
‫لقانون العدالة ‪ ،‬وهلل در ابن رشد احلفيد حني قال ‪ « :‬ومعنى االستحسان يف أكثر األحيان ؛ هو‬
‫االلتفات إىل املصلحة والعدل » ‪.‬‬
‫وحاج�ة مفتي املصارف إىل قاعدة االستحس�ان ماس�ة جد ًا ؛ لتحري�ه املصلحة يف تكييف‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫القواعد‬
‫طريق االس�تثناء من‬
‫الواقعة املالية وإحلاق احلكم هبا ‪ ،‬وقد ال تس�توىف املصلحة إال من‬
‫العامة ‪ ،‬واألقيس�ة القريبة التي يؤول تطبيقها اآليل يف بعض أفراده إىل فوات مصلحة متوخاة ‪،‬‬
‫أو حدوث مفسدة متحاماة ‪ .‬ومن ثم يرصف احلكم الكيل عن هذه األفراد بقاعدة االستحسان‪،‬‬
‫ليجرى عليها حكم آخر أحظى للمصلحة ‪ ،‬وأوىف باملقصود ‪.‬‬
‫ بداية املجتهد ‪. 158/2 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪86‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫‪ -2‬قواعد فقه التنزيل‪:‬‬
‫إن لفق�ه التنزي�ل قواعدَ عامة تنضوي حتت االس�تثناء بمفهومه العام ‪ ،‬وهي قد تعزب عن‬
‫ذهن املفتي وقت صياغة احلكم الكيل التجريدي ‪ ،‬بيد أنه يضطر للعمل هبا عند مواجهة الواقع‬
‫بتأصيله الفقهي الذي حيتمل تعدي ً‬
‫ال بقصد املالءمة واملناس�بة ‪ ،‬أو إرجا ًء يف التطبيق إىل الظرف‬
‫امل�وايت ؛ ذلك أن ل�كل واقعة ُمدرك ًا خاص ًا هبا ‪ ،‬لكن تقارهنا عند التنزيل مالبس�ات وإضافات‬
‫تقتيض النظر فيها بمعاجلة اجتهادية اس�تثنائية تس�تويف مقصود الع�دل واملصلحة ‪ .‬قال العز بن‬
‫عب�د السلام ‪ « :‬اعل�م أن اهلل رشع لعباده الس�عي يف حتصيل مصالح عاجل�ة وآجلة ‪ ،‬جتمع كل‬
‫قاعدة منها علة واحدة ‪ ،‬ثم اس�تثنى منها ما يف مالبس�ته مشقة شديدة‪ ،‬أو مفسدة تُريب عىل تلك‬
‫املصالح ‪ .‬وكذلك رشع هلم الس�عي يف درء املفاس�د يف الدارين أو يف أحدمها ؛ جتمع كل قاعدة‬
‫منها علة واحدة ‪ ،‬ثم استثنى منها ما يف اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تريب عىل تلك املفاسد‪،‬‬
‫وكل ذلك رمحة بعباده ‪ ،‬ونظر هلم ورفق » ‪.‬‬
‫وال ش�ك أن إغف�ال قواع�د التنزيل بحك ِم ضي�ق األفق ‪ ،‬وقصور املنه�ج ‪ ،‬ونقص اآللة ‪،‬‬
‫مف�ض إىل احل�رج املدفوع رشع� ًا ‪ ،‬وعائد عىل مقاص�د الدين ‪ ،‬وأغراض اإلصلاح ‪ ،‬بالنقض‬
‫مس�وغ إال احلرص عىل التطبي�ق اآليل للرشيع�ة ‪ ،‬ومواجهة املكلفني‬
‫واإلبط�ال ‪ ،‬ولي�س له من‬
‫ّ‬
‫هب�ا كيفما اتفق ‪ ،‬مع أن يف فقه التنزيل القرآين والدعوة النبوية مجلة من اآلداب املرعية يف حس�ن‬
‫التبليغ ‪ ،‬ويرس التطبيق ‪ ،‬وتدرج التغيري ‪ ،‬ولطف املواجهة ‪ ،‬لكن أكثر الناس ال يعلمون !‬
‫وإذا كان تطبيق هذه القواعد يف التنزيل عىل الواقعات يتدثر بش�عار « االس�تثناء الظريف »‪،‬‬
‫فإن هذا الش�عار ال يعني إزالة احلكم األصيل ‪ ،‬وإس�قاطه من دائرة العمل ‪ ،‬عىل نحو ما يلهج به‬
‫أحلاف امل�دِّ العلامين ‪ ،‬وغالة فق�ه الواقع ؛ ذلك أن اهلل تعاىل أنزل الرشيع�ة ثابتة مكينة ال تتغري‬
‫بتغير األه�واء ‪ ،‬واألغ�راض ‪ ،‬والطبائع ؛ وإنام التغيير يالبس من األحكام م�ا كان جاري ًا عىل‬
‫مناطات متغيرّ ة ‪ ،‬ومتع ّلقات دائرة مع املصالح حيث دارت ‪ ،‬أو ما كانت املالبس�ات فيه خارمة‬
‫ قواعد األحكام البن عبد السالم ‪. 138/2 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪87‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫ملب�دأ املصلحة وقانون العدل ‪ ،‬إذا روعي االقتضاء األصلي للنص أو القاعدة بعيد ًا اإلضافات‬
‫املنزل عليه ‪.‬‬
‫التبعية للواقع ّ‬
‫عصب فقه التنزيل ‪:‬‬
‫ويمكن أن نعرض هنا ألربعة قواعدَ تؤلف‬
‫َ‬
‫أ‪ -‬قاعدة التعديل‪:‬‬
‫إن املقصود بقاعدة التعديل ‪ :‬مراعاة االستثناء اجلزئي أو الظريف عند استصحاب االقتضاء‬
‫األصيل للحكم ‪ ،‬عىل ٍ‬
‫نحو يتناغم وخصوصية الواقعة املجتهد فيها ‪ ،‬ويستويف املصلحة الرشعية‬
‫املنش�ودة ‪ « .‬واحلام�ل على التعديل فيام يعرض من احلوادث أن املجته�د لو مل يعمد إىل نوع من‬
‫تقره‬
‫االس�تثناء يف تكيي�ف تلك املس�تجدات ‪ :‬لتمخض ع�ن ذلك من املفاس�د واألرضار ما ال ّ‬
‫الرشيعة‪ ،‬وال ترضاه قواعدها القطعية » ‪.‬‬
‫ومن الفروع الشاهدة عىل هذه القاعدة القول بتضمني الصناع ‪ ،‬مع أن األصل يقيض بعدم‬
‫الضامن ؛ ألهنم مؤمتون عىل ما يف أيدهيم ‪ ،‬لكن اجلري عىل االقتضاء األصيل هلذه القاعدة ذريعة‬
‫إىل التس�لط عىل حقوق الناس بادعاء الضياع ‪ ،‬والس�يام مع غلبة الفس�اد ‪ ،‬واستحكام الطمع ‪،‬‬
‫وضع�ف ال�وازع الديني ‪ ،‬فكان من املتعينّ مالحظة املعنى املصلحي يف ترجيح التضمني ‪ ،‬رعي ًا‬
‫للحقوق العامة ‪ ،‬ودفع ًا ألطامع ضعاف النفوس ‪ .‬وقد كان الشافعي ‪ ،‬وهو أقل الفقهاء احتفاالً‬
‫يرجح التضمني قضاء عىل ما يس�تفاد من رواية تلميذه الربيع‬
‫بالبواع�ث ‪ ،‬واعت�داد ًا بالقصود ‪ّ ،‬‬
‫بن س�ليامن أنه كان يرى عدم الضامن « عىل الصناع إال ما جنت أيدهيم ‪ ،‬ومل يكن يبوح بذلك ؛‬
‫خوف ًا من الصنّاع » ‪.‬‬
‫ب‪ -‬قاعدة االستثناء‪:‬‬
‫إن املراد بقاعدة االستثناء ‪ :‬العدول عن تطبيق حكم رشعي يف حق بعض األعيان والوقائع‬
‫ اعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ‪ ،‬ص ‪. 420‬‬
‫ األم للشافعي ‪. 10/14 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪88‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫واألمكن�ة ‪ ،‬مراع�اة لضرورة ‪ ،‬أو جلب� ًا ملصلحة ‪ ،‬أو درء ًا ملفس�دة ‪ ،‬ومن ث�م يكون اإلعفاء‬
‫االستثنائي عىل ثالثة أرضب ‪:‬‬
‫ـ األول ‪ :‬اس�تثناء باعتبار املآل كإس�قاط احلدود يف الغزو ‪ ،‬حلديث برس بن أرطأة مرفوع ًا ‪:‬‬
‫«‪ ‬ال تقطع األيدي يف الغزو » ‪ ،‬وتقييد رفع احلد بمحل الغزو استثناء مع َّلل عند زيد بن ثابت‬
‫ريض اهلل عنه بأن اجلاين قد تلحقه مح ّية الشيطان وطلب السالمة فيفر إىل الكفار ‪.‬‬
‫وثم�ة م�آل آخر أعظم مفس�دة وأبعد أثر ًا م�ن ارتداد املح�ارب أو نكوص�ه ‪ ،‬وهو هزيمة‬
‫املس�لمني ‪ ،‬وتش�ظي صفوفه�م ‪ ،‬وتداعي بنياهنم ‪ ،‬وهل�ذا كان احلامس األرع�ن لتطبيق احلد يف‬
‫أرض احل�رب إعانة للش�يطان عىل مقصوده ‪ ،‬وإهدار ملقصود العقوبة من حيث أهنا اس�تئصال‬
‫لنوازع الرش من نفس املحدود ‪ ،‬وتثبيت ألركان األمن االجتامعي ‪.‬‬
‫ـ الث�اين ‪ :‬اس�تثناء باعتبار الرضورة كإس�قاط عمر ريض اهلل عنه حل�د الرسقة أيام املجاعة‪،‬‬
‫س�وغته رضورة حفظ النفوس بتوفري أس�باب عيش�ها ‪ ،‬ومص�ادر قوهتا ‪ ،‬ودرء‬
‫وه�ذا اس�تثناء ّ‬
‫احلدود عنها يف مظان الشبهة ‪.‬‬
‫ً‬
‫وتنزيال لعبد املجيد النجار ‪. 139/2 ،‬‬
‫فهام‬
‫ يف فقه التدين ً‬
‫ أخرج�ه الرتم�ذي يف كت�اب احلدود ‪ ،‬باب ما جاء أن ال تقطع األيـدي يف الغزو ‪ ،‬برقم ‪ ، 1450 :‬وقـال‪:‬‬
‫ه�ذا حديث غريب ‪ ،‬والدرامي يف كتاب السير ‪ ،‬ب�اب يف أن ال يقطع األيدي يف الغزو ‪ ،‬برقم ‪،2492 :‬‬
‫كالمه�ا ع�ن بسر بن أرطأة ‪ .‬وأخرجه بلفظ ‪ « :‬ال تقطع األيدي يف الس�فر » أب�و داود يف كتاب احلدود ‪،‬‬
‫باب يف الرجل يرسق يف الغزو أيقطع ؟ ‪ ،‬برقم ‪ ، 4408 :‬والنسائي يف كتاب قطع السارق ‪ ،‬باب القطع‬
‫يف السفر ‪ ،‬برقم ‪ . 7472 :‬وقد قو ى إسناده ابن حجر يف ( اإلصابة ) ‪ ، 289/1 ،‬وصححه األلباين يف‬
‫( صحيح اجلامع الصغري ) ‪. 1233/2 ،‬‬
‫ أخرج�ه أبو يوس�ف يف ( الرد عىل سير األوزاع�ي ) ‪ ، 81/1 ،‬ومن طريقه البيهقي يف الس�نن الكربى ‪،‬‬
‫كتاب السير باب من زعم ال تقام احلدود يف أرض احلرب حتى يرجع ‪ .‬ويف س�نده مقال ‪ ،‬لكنه ينتهض‬
‫إىل االحتجاج بعد تقويته بشواهد عند البيهقي يف السنن ‪ ،‬برقم ‪ ، 18735 :‬وسعيد بن منصور يف السنن‪،‬‬
‫برقم ‪ ، 2500 :‬وابن أيب ش�يبـة يف املصنف برقم ‪ 28861 :‬أن عمر كتب إىل عمري بن س�عد األنصاري‬
‫وإىل عامله ‪ « :‬أال يقيموا حد ًا عىل أحد من املس�لمني يف أرض احلرب حتى خيرجوا إىل أرضة املصاحلة »‪،‬‬
‫ويف لفظ ابن أيب شيبة ‪ « :‬حتى يطلع عىل الدرب لئال حتمله محية الشيطان عىل أن يلحق بالكفار » ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪89‬‬
‫ـ الثالث‪ :‬استثناء باعتبار املصلحة ‪ :‬كإسقاط عمر ريض اهلل عنه لسهم املؤلفة قلوهبم بعد أن‬
‫تقوت ش�وكة اإلسلام ‪ ،‬وانبسطت رقعته ‪ ،‬وال خيفى ما وراء هذا االستثناء من مراعاة مصلحة‬
‫حفظ مال املسلمني ‪ ،‬وترصيفه يف الوجوه املرشوعة بناء عىل فقه احلاجة ‪ ،‬ومنطق األولويات ‪.‬‬
‫ج‪ -‬قاعدة اإلرجاء املؤقت ‪:‬‬
‫إن املقص�ود بقاع�دة اإلرج�اء املؤق�ت ‪ :‬الع�دول عن تطبي�ق حكم رشع�ي يف حالة معينة‬
‫تأجيلاً‪ ، ‬حت�ى إذا انتفى موجب ه�ذا العدول أو ذاك التأجيل عاد للحك�م إلزامه القانوين ‪،‬‬
‫ورشعيته التطبيقي ‪ ،‬ومن ثم يكون اإلرجاء مؤقت ًا بظرفه االستثنائي ‪ ،‬ومقيد ًا بمح ّله ال يتعداه‪،‬‬
‫وذل�ك بوصفه تدبري ًا وقائي� ًا يرفع عن كاهل الناس حرج التكلي�ف املطلق ‪ ،‬وحيمي الرشع من‬
‫تطبيق�ات آلي�ة تفرغه من مدلوالت�ه ومقاصده ‪ ،‬فيج�ري يف واقع الناس على خالف مقصوده‬
‫متحض هلا ‪.‬‬
‫واملصلحة التي ّ‬
‫وص�ورة اإلرج�اء املؤقت واضح�ة يف تأجيل عم�ر ريض اهلل عنه لتطبيق ح�د الرسقة عام‬
‫املجاعة ؛ ألن اجلوع شبهة تدرأ احلد ‪ ،‬فيكون يف تطبيقه ‪ -‬والظرف ال يساعد عىل حتقيق األمن‬
‫الغذائي ‪ -‬حرج عىل املحدود ‪ ،‬ومنافاة ملقصد احلد نفس�ه يف إش�اعة العدل واألمن واالستقرار‬
‫النفيس ‪.‬‬
‫وإن كثري ًا من البلدان اإلسالمية يعوزها األمن السيايس واالجتامعي والنفيس ‪ ،‬وال يعمل‬
‫فيه�ا بقاع�دة ( اإلرجاء ) يف ص�ورة معنية من التنزي�ل الفقهي عىل الواقع ‪ ،‬مم�ا يؤول إىل خرق‬
‫قان�ون العدال�ة ‪ ،‬ومبدأ املصلح�ة ‪ ،‬وموجب القصد الذي ج�رى به هذا التنزي�ل وعليه انبنى ‪،‬‬
‫والسيام إذا كان السبب احلامل عل اإلرجاء خطب ًا عظي ًام كانقداح الفتن ‪ ،‬أو انخرام نسق احلياة‪،‬‬
‫أو اضطراب أسباب العيش ‪.‬‬
‫د ‪ -‬قاعدة االستبدال‪:‬‬
‫تعني قاعدة االستبدال ‪ :‬العدول عن احلكم األول إىل حكم اجتهادي جديد أوىف باملصلحة‬
‫ً‬
‫وتنزيال للنجار ‪. 139/2 ،‬‬
‫فهام‬
‫ يف فقه التدين ً‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪90‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫وأجرى عىل العدل ‪ « ،‬نظر ًا لكون املناط الذي هو مس�تند احلكم األول قد انتقل إىل ما يقتضيه‬
‫االجتهاد اجلديد » ‪.‬‬
‫وال يذهبن عنك أن هذا االس�تبدال ال مدخل له يف باب اطراح األحكام باهلوى والتشهي‬
‫وموافقة األغراض ؛ وإنام جوهره ترك املقتىض األصيل للحكم األول عند حتول مناط التكليف‬
‫به إىل ناحية أخرى ؛ إذ احلكم يدور مع مناطه وجود ًا وعدم ًا ‪ ،‬وليس املناط إال وسيلة لإلفضاء‬
‫إىل املقصود ‪ ،‬فإذا تقارص عن الوفاء به ‪ ،‬تعينّ االستعاضة عنه بام هو أقدر عىل استيفاء املقاصد‬
‫املرسومة ‪.‬‬
‫وأص�دق الش�واهد على قاعدة االس�تبدال يف فقه الصحابة قضاء عمر بس�د ب�اب التلفظ‬
‫بطلاق الثلاث ؛ إذ رأى أن اإلبق�اء على املقتىض األصلي للحكم ‪ ،‬وهو اعتب�ار الثالث بلفظ‬
‫واحد طلقة واحدة ‪ ،‬ذريعة إىل التالعب بدين اهلل ‪ ،‬وإسقاط هيبة الرشع ‪ ،‬فانتقل عنه إىل احلكم‬
‫اجلديد سد ًا هلذه الذريعة ‪ ،‬بعدما تبني له تغري املناط يف احلكم األول ‪ ،‬وانتفاء املصلحة فيه ‪.‬‬
‫إن بني هذه القواعد األربع من وش�يجة القربى ‪ ،‬وصلة النس�ب ما ال خيفى عىل الناظر ؛إذ‬
‫تتداخل يف املحتوى واملنحى ‪ ،‬حتى ليسوغ أن نسمي التعديل استثنا ًء ‪ ،‬والتأجيل تعدي ً‬
‫ال ‪ ،‬وهلم‬
‫ج�ر ًا وس�حب ًا ‪ ،‬لكن هذا التداخل ال يقدح يف جوهر التقس�يم يف الواقع ‪ ،‬وق�د جرتنا إليه دوا ٍع‬
‫منهجية وبيانية ال حميص عنها يف مقام التأصيل ‪.‬‬
‫مهام يكن من أمر فإن مفتي العرص ال جيد مندوحة عن االضطالع هبذه القواعد ‪ ،‬وهي فرع‬
‫عن التطبيق املحكم ملقومات التنزيل ‪ ،‬وثمرة له ‪ ،‬فكل ٍ‬
‫مفت يستقرغ وسعه يف حتقيق املناطات‪،‬‬
‫وتقدي�ر أيلولة املقاصد ‪ ،‬ومتحيص نتائج األفعال ‪ ،‬ال يس�تغني عن رك�وب معاجلات اجتهادية‬
‫استثنائية تكلفها قواعد ‪ :‬التعديل ‪ ،‬والتأجيل ‪ ،‬واالستبدال ‪.‬‬
‫***‬
‫ اعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ‪ ،‬ص ‪. 423‬‬
‫ نفسه ‪. 423 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪91‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫خامتـــة‬
‫بع�د هذا التط�واف الرحيب يف آفاق املشروع التأهيلي ملفتي املصارف اإلسلامية تنظري ًا‬
‫وتأصي ً‬
‫ال نلخص إىل تقييد النتائج اآلتية ‪:‬‬
‫‪ -1‬إن من التحديات املحدقة بالعمل املرصيف اإلسلامي هشاس�ة اإلطار الرشعي احلاكم‬
‫عىل املعامالت املالية ‪ ،‬ومرد ذلك إىل اإلعواز واخلصاص يف جمال األطر االجتهادية التي ترضب‬
‫بسهم وافر يف فقهي النص والواقع ‪ ،‬وترتصد للتأصيل الفقهي الراشد للمستجدات ‪ ،‬والبدائل‬
‫الرشعية ‪.‬‬
‫‪ -2‬إن التأهيل االجتهادي ملفتي املصارف اإلسلامية يتيح له جودة االس�تنباط ‪ ،‬وإحكام‬
‫التنزي�ل ‪ ،‬وقوامة املنهج يف معاجلة القضايا املع�ارصة ‪ ،‬وكلام كان التأهيل حمك ًام متكام ً‬
‫ال يف هذه‬
‫اجلوانب ‪ ،‬إال وكان اجلهد العقيل للمفتي مسدَّ د ًا يف املواءمة بني العنارص الثالثة ‪ :‬النص بمدركه‬
‫الرشعي ‪ ،‬واملقصد الثاوي يف النص ‪ ،‬وآحاد الصور اجلارية يف الواقع ‪ ،‬مما يثمر يف هناية املطاف‬
‫ترشيد املعامالت املالية واملرصفية بالصبغة اإلسالمية احلاكمة عىل الترصفات واألفعال ‪.‬‬
‫‪ -3‬إن الفتاوى املالية ال تقر يف نصاهبا الرشعي إال بالفقه التام يف الواقع املرصيف ‪ ،‬والغوص‬
‫عىل أرساره العلمية والعملية ‪ ،‬واإلحاطة باخلصوصيات واإلضافات املرعية يف تكييف الفتوى‪،‬‬
‫صون ًا ملرادات الرشع من الفوات واالنخرام ‪.‬‬
‫‪ -4‬إن انتقاء أعضاء الفتوى باملصارف اإلسالمية ال بد أن تراعى فيه الضوابط اآلتية ‪:‬‬
‫املج�رد ‪ ،‬وفق�ه التنزيل عىل‬
‫أ‪ -‬التوف�ر على األدوات االجتهادي�ة املعين�ة عىل االس�تنباط‬
‫َّ‬
‫الواقعات ‪ ،‬مع احلظ الوافر من الفقه يف الواقع املرصيف ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪92‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫ب‪ -‬فقاه�ة النفس وس�عة األفق ؛ ألنه ال يقدر عىل فهم مرادات اخلطاب ‪ ،‬وملح األش�باه‬
‫والنظائ�ر ‪ ،‬واس�تجالء الف�روق الدقيق�ة بين الوقائ�ع التي تب�دو متامثل�ة ‪ ،‬إال م�ن كان فطن ًا ‪،‬‬
‫ذكي� ًا‪ ،‬مع�دود ًا يف األكي�اس ‪ ،‬قال اجلويني ‪ « :‬لس�ت أعرف خالف ًا بني املس�لمني أن الرشط أن‬
‫يكون املس�تناب لفصل اخلصوم�ات واحلكومات فطن ًا متميز ًا عن رع�اع الناس ‪ ،‬ومعدود ًا من‬
‫األكي�اس‪ ،‬وال ب�د أن يفه�م الواقع�ة املرفوعة إليه على حقيقتها ‪ ،‬ويتفطن ملواض�ع اإلعضال ‪،‬‬
‫وموضع السؤال‪ ،‬وحمل اإلشكال منها » ‪.‬‬
‫ج‪ -‬ال�ورع احلامل عىل امتثال األوامر والنواهي ‪ ،‬وهو الذي جيعل من الفقه حكمة باقية ‪،‬‬
‫ونور ًا وهاج ًا يبرص به املفتي مرامي النفوس ‪ ،‬وتفاوهتا يف القوة ‪ ،‬واإلدراك ‪ ،‬وحظوظ النفس ‪،‬‬
‫فيحمل عليها من األحكام ما يليق هبا ُمكنة ‪ ،‬وحاالً ‪ ،‬وظرف ًا ‪.‬‬
‫د‪ -‬الدرب�ة على ملك�ة التكييف الفقهي للمس�تجدات ؛ وهو صناعة حيت�اج فيها إىل املران‬
‫ِ‬
‫بأس�اليب التطبيق ‪ ،‬وقد كان فقهاؤنا إذا أطلقوا مصطلح ( الدربة ) يف جمال اإلفتاء‬
‫واالرتياض‬
‫قص�دوا ب�ه أصل التجربة يف التنزيل عىل الواقعات ‪ ،‬قال اب�ن الصالح يف بيان رشوط املفتي ‪« :‬‬
‫أن يك�ون ذا درب�ة وارتياض يف اس�تعامل ذلك ‪ ،‬عامل ًا بالفقه ‪ ،‬ضابط ًا ألمهات مس�ائله وتفاريعه‬
‫املفروغ من متهيدها » ‪ ،‬وقال أيوب بن س�ليامن بن صالح ‪ « :‬الفتيا دربة ‪ ،‬وحضور الش�ورى‬
‫يف جملس احلكام منفعة وجتربة » ‪.‬‬
‫أغراضه‬
‫‪ -5‬إن التأهيل االجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى يف املصارف اإلسالمية ‪ ،‬ال ينجح‬
‫َ‬
‫التنظري املحكم خلططه ومس�الكه فحس�ب ؛ بل ال بد أن ينضم‬
‫احلماس امللته�ب للمرشوع ‪ ،‬أو‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ غياث األمم يف التياث الظلم للجويني ‪ ،‬ص ‪. 158‬‬
‫ أدب املفتي واملستفتي البن الصالح ‪ ،‬ص ‪. 87‬‬
‫ املعيار للونرشييس ‪. 79/10 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪93‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫اإلنجاز املؤسيس الذي يكفل التطبيق الراشد ‪ ،‬والثمرة‬
‫إىل النية الصادقة ‪ ،‬والتخطيط املحكم ‪،‬‬
‫ُ‬
‫الواقعي�ة املرج�وة ‪ .‬وال س�بيل إىل هذا اإلنجاز إال بإنش�اء مؤسس�ات التأهي�ل االجتهادي‪ ،‬أو‬
‫استحداث شعب معرفية خاصة هبذا التأهيل يف مناهج كليات الرشيعة و االقتصاد ‪.‬‬
‫وإن م�ن متا ِم الفائدة وحس�ن اخلتام أن نذيل هذه اخلامت�ة بتوصيات نرجو هلا األثر البعيد يف‬
‫اإلنجاز ‪ ،‬واإلثراء ‪ ،‬والتفعيل ‪:‬‬
‫‪ -1‬إنش�اء معاه�د متخصص�ة لتأهي�ل املفتين املرش�حني لالنضمام إىل اهليئ�ات الرشعية‬
‫باملص�ارف اإلسلامية ‪ ،‬على أن يت�وىل التدري�س واإلقراء فيها علماء كفاة يف عل�وم الرشيعة ‪،‬‬
‫يتأت ذلك فال ضري يف‬
‫واالقتصاد ‪ ،‬والقانون ‪ .‬واألفضل أن تكون الدراسة فيها نظامية ‪ ،‬فإن مل َّ‬
‫إجرائها عىل غرار التعليم املفتوح أو اإللكرتوين ‪.‬‬
‫‪ -2‬تنظيم دورات تدريبية مستمرة لتأهيل املفتني يف فقه الواقع املرصيف وما يستجد فيه من‬
‫معامالت وصور ‪ ،‬وال بأس من االستعانة بكليات االقتصاد إلنجاح أغراض هذه الدورات ‪.‬‬
‫‪ -3‬إص�دار جملات دورية تعنى بنرش االجتهادات الفقهية املع�ارصة يف مضامر املعامالت‬
‫املالية والصريفة اإلسالمية ‪.‬‬
‫‪ -4‬نشر الفت�اوى املالي�ة ‪ ،‬والق�رارات االجتهادي�ة الت�ي تص�در ع�ن املجام�ع الفقهية ‪،‬‬
‫واملؤمت�رات املتخصص�ة ‪ ،‬وجلان الفتوى ‪ ،‬وهيئات الرقابة الرشعية يف كتب مس�تقلة ‪ ،‬لتتس�نى‬
‫اإلفادة منها عىل نطاق رحيب ‪ ،‬وتعمم عائدهتا عىل طالب كليات الرشيعة ‪ ،‬واملعاهد املرصفية‪،‬‬
‫وموظفي املؤسسات املالية ‪ ،‬ومجهور املثقفني ‪.‬‬
‫‪ -5‬إنش�اء مجعيات للمصارف اإلسلامية يكون م�ن أوكد اهتامماهتا وش�واغلها مواجهة‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪94‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫التحديات املحدقة بالعمل املرصيف اإلسالمي ‪ ،‬وتدارس سبل النهوض بمستوى جلان الفتوى‪،‬‬
‫واهليئات الرشعية ‪.‬‬
‫‪ -6‬عق�د جمال�س مذاك�رة واختب�ار للمفتين املرش�حني لالنضمام إىل هي�اكل املص�ارف‬
‫اإلسلامية‪ ‬؛ أس�و ًة بأويل األمر يف الديار األندلس�ية ‪ ،‬الذين كانوا ال يصدرون فقيه ًا للقضاء أو‬
‫الفتوى إال بعد اختبار حفظه وفهمه ‪ ،‬ومراجعته يف دقائق الصناعة ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪95‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫فهرس املصادر واملراجع‬
‫‪ -1‬اإلحكام يف أصول األحكام ‪ :‬تأليف ‪ :‬عيل بن حممد اآلمدي ‪ ،‬تعليق ‪ :‬عبد الرزاق عفيفي ‪ ،‬املكتب‬
‫اإلسالمي ‪ ،‬بريوت ‪ 1996 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -2‬األشباه والنظائر ‪ ،‬تأليف ‪:‬جالل الدين السيوطي ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬بريوت ‪ ( ،‬د ‪ .‬ت ) ‪.‬‬
‫‪ -3‬األش�باه والنظائ�ر ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬زين الدين بن إبراهي�م بن نجيم ‪ ،‬مكتبة الباز بمك�ة املكرمة ‪ ،‬ط ‪، 1‬‬
‫‪ 1997‬م ‪.‬‬
‫‪ -4‬إعالم املوقعني عن رب العاملني ‪ ،‬تأليف‪ :‬ابن قيم اجلوزية ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬حممد املعتصم باهلل البغدادي ‪،‬‬
‫دار الكتاب العريب ‪ ،‬بريوت ‪ 1996 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -5‬األم ‪ ،‬تأليف ‪ :‬حممد بن إدريس الش�افعي ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬أمحد بدر الدين حس�ون ‪ ،‬دار قتيبة ‪ ،‬بريوت ‪،‬‬
‫‪ 1996‬م ‪.‬‬
‫‪ -6‬إيضاح املسالك إىل قواعد اإلمام مالك ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أمحد الونرشييس ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬أمحد بوطاهر اخلطايب‪،‬‬
‫منشورات اللجنة املشرتكة لنرش الرتاث اإلسالمي بني املغرب واإلمارات ‪ ،‬الرباط ‪ 1980 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -7‬اعتب�ار امل�آالت ومراع�اة نتائ�ج الترصف�ات ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عبد الرمحن الس�نويس ‪ ،‬دار اب�ن اجلوزي ‪،‬‬
‫اململكة العربية السعودية ‪ ،‬ط ‪ 1424 ، 1‬هـ ‪.‬‬
‫‪ -8‬البحر املحيط ‪ ،‬تأليف ‪ :‬بدر الدين الزركيش ‪ ،‬حترير ‪ :‬عبد القادر العاين ‪ ،‬وزارة األوقاف والشؤون‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬الكويت ‪ 1992 ، 1 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -9‬بداية املجتهد وهناية املقتصد ‪ ،‬تأليف ‪ :‬ابن رشد احلفيد ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،‬بريوت ‪.‬‬
‫‪ -10‬الربه�ان يف أص�ول الفقه ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬إمام احلرمني اجلويني ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬عب�د العظيم الذيب ‪ ،‬قطر ‪،‬‬
‫‪ 1399‬هـ ‪.‬‬
‫‪ -11‬البن�وك اإلسلامية ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬فلي�ح حس�ن خل�ف ‪ ،‬ع�امل الكت�ب احلدي�ث ‪ ،‬األردن ‪ ،‬ط ‪، 1‬‬
‫‪2006‬م‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪96‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫‪ -12‬البنوك اإلسالمية بني احلرية والتنظيم ‪ ،‬التقويم واالجتهاد ‪ ،‬النظرية والتطبيق ‪ ،‬تأليف ‪ :‬مجال الدين‬
‫عطية ‪ ،‬املؤسسة اجلامعية للدراسات والنرش والتوزيع ‪ ،‬بريوت ‪ ،‬ط ‪ 1413 ، 2‬هـ‪1993/‬م‪.‬‬
‫‪ -13‬البهجة يف رشح التحفة ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أيب احلسن عيل التسويل ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬بريوت ‪ ( ،‬د ‪ .‬ت ) ‪.‬‬
‫‪ -14‬بيان الدليل عىل بطالن التحليل ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أمحد بن عبد احلليم بن تيمية ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬فيحان بن شايل‬
‫املطريي ‪ ،‬مكتبة لينة ‪ ،‬مرص ‪ 1996 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -15‬التعريفات ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عيل اجلرجاين ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬إبراهيم األبياري ‪ ،‬دار الكتاب العريب ‪ 1992 ،‬م‪.‬‬
‫‪ -16‬التكيي�ف الفقه�ي للوقائع املس�تجدة وتطبيقات�ه الفقهية ‪ ،‬تأليق ‪ :‬حممد عثامن ش�بري ‪ ،‬دار القلم ‪،‬‬
‫دمشق ‪ ،‬ط ‪ 1425 ، 1‬هـ‪ 2004/‬م ‪.‬‬
‫‪ -17‬اجلام�ع الصحي�ح ‪ ،‬تأليف ‪ :‬ممد بن إسماعيل البخ�اري ‪ ،‬حتقيق وترقيم ‪ :‬حممد ف�ؤاد عبد الباقي‬
‫وحمب‪ ‬الدي�ن اخلطي�ب ‪ ،‬وقصي حم�ب الدي�ن اخلطي�ب ‪ ،‬دار إحي�اء التراث الع�ريب ‪ ،‬بيروت ‪،‬‬
‫‪1400‬هـ‪.‬‬
‫‪ -18‬اجلام�ع ألح�كام الق�رآن ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬أيب عبد اهلل القرطب�ي ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬صدقي حمم�د مجيل وعرفان‬
‫العشا‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬بريوت ‪ 1995 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -19‬احلدود يف األصول ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أيب الوليد الباجي ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬نزيه محاد ‪ ،‬مؤسس�ة الزغبي ‪ ،‬بريوت‪،‬‬
‫‪ 1973‬م ‪.‬‬
‫‪ -20‬خالف�ة اإلنس�ان بني الوحي والعقل ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عب�د املجيد النجار ‪ ،‬الدار العربية للعلوم ‪ ،‬املعهد‬
‫العاملي للفكر اإلسالمي ‪ ،‬ط ‪ 1425 ، 3‬هـ‪ 2005/‬م ‪.‬‬
‫‪ -21‬دور املؤسس�ات املرصفية اإلسلامية يف االس�تثامر والتنمية ‪ ،‬كتاب الوقائ�ع ملؤمتر كلية الرشيعة‬
‫بجامعة الشارقة ‪ ،‬مركز البحوث والدراسات ‪ ،‬ط ‪ ، 1‬سنة ‪ 2003‬م ‪.‬‬
‫‪ -22‬ال�رد عىل سير األوزاعي ‪ ،‬تأليف ‪ :‬يعقوب األنصاري ‪ ،‬حتقي�ق ‪ :‬أيب الوفا األفغاين ‪ ،‬دار الكتب‬
‫العلمية ‪ ،‬بريوت ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪97‬‬
‫‪ -23‬الرس�الة ‪ ،‬تأليف ‪ :‬حممد بن إدريس الش�افعي ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬أمحد حممد ش�اكر ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪،‬‬
‫بريوت ‪.‬‬
‫‪ -24‬س�نن أيب داود ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬أيب داود س�ليامن بن األش�عث السجس�تاين ‪ ،‬دار ابن ح�زم ‪ ،‬بريوت ‪،‬‬
‫‪ 1998‬م ‪.‬‬
‫‪ -25‬س�نن اب�ن ماجه ‪ ،‬تأليف ‪ :‬حممد يزي�د القزويني ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬حممد فؤاد عب�د الباقي ‪ ،‬دار احلديث ‪،‬‬
‫القاهرة ‪ 1994 ،‬م ؟‬
‫‪ -26‬س�نن الرتمذي ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أيب عيس�ى حممد بن عيس�ى بن سورة ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬أمحد حممد شاكر وحممد‬
‫فؤاد عبد الباقي ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،‬بريوت ‪.‬‬
‫‪ -27‬سنن الدارمي ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عبد اهلل بن عبد الرمحن الدارمي ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬فواز محد زمريل وخالد السبع‬
‫العلمي ‪ ،‬دار الريان للرتاث ‪ ،‬القاهرة ‪ 1987 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -28‬السنن الكربى للبيهقي ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أمحد بن احلسني البيهقي ‪ ،‬دار الفكر ‪ ،‬بريوت ‪ 1996 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -29‬س�نن النس�ائي ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬أمحد بن ش�عيب ب�ن عيل النس�ائي ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬عبد الفت�اح أيب غدة ‪ ،‬دار‬
‫البشائر اإلسالمية ‪ ،‬بريوت ‪ 1994 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -30‬سنن سعيد بن منصور ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أيب عثامن سعيد بن منصور ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬حبيب الرمحن األعظمي‪،‬‬
‫الدار السلفية ‪ ،‬اهلند ‪ 1982 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -31‬رشح الكوكب املنري ‪ ،‬تأليف ‪ :‬حممد الفتوحي املعروف بابن النجار ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬حممد الزحييل ونزيه‬
‫محاد ‪ ،‬مكتبة العبيكان ‪ ،‬الرياض ‪ 1993 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -32‬رشح صحيح مس�لم ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أيب زكريا حييى بن رشف النووي ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬عبد اهلل أيب زينة‪ ،‬دار‬
‫الريان للرتاث ‪ ،‬القاهرة ‪.‬‬
‫‪ -33‬صحيح مس�لم ‪ ،‬تأليف ‪ :‬مس�لم بن احلجاج القشيري ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬حممد فؤاد عبد الباقي ‪ ،‬دار عامل‬
‫الكتب ‪ ،‬الرياض ‪ 196 ،‬م ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪98‬‬
‫حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية‬
‫‪ -34‬الطرق احلكمية يف السياسة الرشعية ‪ ،‬تأليف ‪ :‬ابن قيم اجلوزية ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬زكريا عمريات ‪ ،‬مكتبة‬
‫الباز ‪ ،‬مكة املكرمة ‪ 1995 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -35‬الفتاوى الكربى ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أمحد بن عبد احلليم بن تيمية ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬حممد عبد القادر عطا ومصطفى‬
‫عبد القادر عطا ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،‬بريوت ‪ 1987 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -36‬فت�ح الب�اري رشح صحيح البخاري ‪ ،‬تأليف ‪ :‬ابن حجر العس�قالين ‪ ،‬املطبعة الس�لفية ‪ ،‬مرص ‪،‬‬
‫‪ 1400‬هـ ‪.‬‬
‫‪ -37‬الفروق ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أمحد بن إدريس القرايف ‪ ،‬عامل الكتب ‪ ،‬بريوت ‪ ( ،‬د ‪ .‬ت ) ‪.‬‬
‫‪ -38‬فق�ه املوازن�ات يف الرشيعة اإلسلامية ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عبد املجيد السوس�وة ‪ ،‬دار القلم ‪ ،‬ديب ‪ ،‬ط ‪، 1‬‬
‫‪ 1425‬هـ‪. 2004/‬‬
‫‪ -39‬يف االجتهاد التنزييل ‪ ،‬تأليف ‪ :‬بشير بن مولود جحيش ‪ ،‬سلس�لة كتاب األمة ‪ ،‬وزارة األوقاف‬
‫والشؤون اإلسالمية ‪ ،‬قطر ‪ ،‬ط ‪ 1424 ، 1‬هـ‪ 2003/‬م ‪.‬‬
‫‪ -40‬يف فقه التدين فه ًام وتنزي ً‬
‫ال ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عبد املجيد النجار ‪ ،‬كتاب األمة ‪ ،‬وزارة األوقاف والشؤون‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬قطر ‪ 1410 ،‬هـ ‪.‬‬
‫‪ -41‬القواع�د ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬حمم�د بن حممد املقري ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬أمحد بن عبد اهلل بن محيد ‪ ،‬جامعة أم القرى ‪،‬‬
‫مكة ‪ ( ،‬د ‪ .‬ت ) ‪.‬‬
‫‪ -42‬قواعد األحكام يف مصالح األنام ‪ ،‬تأليف ‪ :‬العز بن عبد السلام الس�لمي ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪،‬‬
‫بريوت ‪.‬‬
‫‪ -43‬ال�كايف يف فق�ه أهل املدينة املالكي ‪ ،‬تأليف ‪ :‬ابن عبد الرب القرطبي ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،‬بريوت‬
‫‪ 1992 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -44‬جمم�وع الفت�اوى ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أمحد بن عبد احلليم بن تيمية ‪ ،‬مجع وترتيب ‪ :‬عبد الرمحن بن قاس�م ‪،‬‬
‫جممع امللك فهد لطباعة املصحف الرشيف ‪ ،‬السعودية ‪ 1995 ،‬م ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪99‬‬
‫د‪ .‬قطب الريسوني‬
‫‪ -45‬املحىل ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عيل بن أمحد بن حزم ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬أمحد شاكر ‪ ،‬دار الرتاث ‪ ،‬القاهرة ‪ ( ،‬د ‪ .‬ت ) ‪.‬‬
‫‪ -46‬املس�تصفى م�ن علم األصول ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬أيب حامد الغزايل ‪ ،‬ضبط ‪ :‬إبراهي�م حممد رمضان ‪ ،‬دار‬
‫األرقم بن أيب األرقم ‪ ،‬بريوت ‪ ( ،‬د ‪ .‬ت ) ‪.‬‬
‫‪ -47‬املصارف اإلسالمية ‪ ،‬تأليف ‪ :‬فادي حممد الرفاعي ‪ ،‬منشورات احللبي احلقوقية ‪ ،‬بريوت ‪ ،‬ط‪،1‬‬
‫‪ 2004‬م ‪.‬‬
‫‪ -48‬املصباح املنري تأليف ‪ :‬أمحد الفيومي ‪ ،‬املكتبة العرصية ‪ ،‬بريوت ‪ 1997 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -49‬املصن�ف ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬أيب بك�ر عبد ال�رزاق الصنعاين ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬حبيب الرمح�ن األعظمي ‪ ،‬املكتب‬
‫اإلسالمي ‪ ،‬بريوت ‪ 1983 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -50‬املصنف يف األحاديث واآلثار ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عبد اهلل بن أيب شيبة ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬عبد اخلالق األفغاين ‪ ،‬الدار‬
‫السلفية ‪ ،‬اهلند ‪ 1970 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -51‬املعامالت املالية املعارصة يف الفقه اإلسالمي ‪ ،‬تأليف ‪ :‬حممد عثامن شبري ‪ ،‬دار النفائس ‪ ،‬األردن‪،‬‬
‫ط ‪ 1422 ، 4‬ه‪ 2001/‬م ‪.‬‬
‫‪ -52‬املعيار املعرب ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أمحد الونرشييس ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬مجاعة من الفقهاء بإرشاف الدكتور حممد حجي‪،‬‬
‫زارة األوقاف والشؤون اإلسالمية ‪ ،‬املغرب ‪ ،‬دار الغرب اإلسالمي ‪ ،‬بريوت ‪1981 ،‬م‪.‬‬
‫‪ -53‬املغني ‪ ،‬تأليف ‪ :‬ابن قدامة املقديس ‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،‬بريوت ‪.‬‬
‫‪ -54‬مغن�ي املحت�اج إىل معرف�ة ألفاظ املنه�اج ‪ ،‬تأليف ‪ :‬اخلطي�ب الرشبيني ‪ ،‬اعتنى ب�ه ‪ :‬حممد خليل‬
‫عيتاين‪ ،‬بريوت ‪ 1997 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -55‬مقاص�د الرشيع�ة بأبعاد جديدة ‪ ،‬تأليف ‪ :‬عبد املجيد النجار ‪ ،‬دار الغرب اإلسلامي ‪ ،‬بريوت ‪،‬‬
‫ط ‪ 2006 ، 1‬م ‪.‬‬
‫‪ -56‬املنث�ور يف القواع�د ‪ ،‬تألي�ف ‪ :‬بدر الدين الزركيش ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬تيسير فائق أمح�د ‪ ،‬وزارة األوقاف‬
‫والشؤون اإلسالمية ‪ ،‬الكويت ‪ 1985 ،‬م ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪ -57‬املوافقات ‪ ،‬تأليف ‪ :‬أيب إٍس�حاق الش�اطبي ‪ ،‬رشح ‪ :‬عبد اهلل دراز ‪ ،‬ضبط ‪ :‬حممد عبد اهلل دراز ‪،‬‬
‫دار املعرفة ‪ ،‬بريوت ‪ ( ،‬د ‪ .‬ت ) ‪.‬‬
‫‪ -58‬مواه�ب اجللي�ل لشرح خمترص خلي�ل ‪ ،‬تأليف ‪ :‬حممد احلط�اب ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬زكري�ا عمريات ‪ ،‬دار‬
‫الكتب العلمية ‪ ،‬بريوت ‪ 1995 ،‬م ‪.‬‬
‫‪ -59‬املوطأ ‪ ،‬تأليف ‪ :‬مالك بن أنس ‪ ،‬حتقيق ‪ :‬حممد فؤاد عبد الباقي ‪ ،‬دار احلديث ‪ ،‬القاهرة ‪.‬‬
‫‪ -60‬نيل األوطار ‪ ،‬تأليف ‪ :‬حممد بن عيل الشوكاين ‪ ،‬دار اجليل ‪ ،‬بريوت ‪ ،‬ط ‪ 1973 ، 1‬م ‪.‬‬
‫***‬