حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ( رؤية يف تفعيل املمارسة الشرعية ) إعــداد د .قطب الريسوني أستاذ الفقه وأصوله املساعد جبامعة الشارقة ٌ حبث َّ مقد ٌم إىل « مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملأمول دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي بدبي 31مايو – 3يونيو 2009م يعب عن ر�أي الباحث هذا البحث رّ يعب بال�رضورة عن ر�أي دائرة ال�ش�ؤون الإ�سالمية والعمل اخلريي بدبي وال رّ دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخليري بدبي هاتف+971 4 6087777 : اإلمارات العربية املتحدة [email protected] فاكس+971 4 6087555 : ص .ب - 3135 :دب��ي www.iacad.gov.ae د .قطب الريسوني ملخص البحث عن�ي البحث بصياغة مرشوع تأهييل ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسلامية ينحو إىل النهوض بمكنتهم االجتهادية يف ثالثة جماالت :جمال األدوات ،وجمال منهجية البحث ،وجمال فق�ه التنزي�ل ؛ إذ ال س�بيل إىل احلفاظ عىل اهلوية الرشعي�ة للمصارف اإلسلامية ،إال بمواكبة اجتهادية للمستجدات املالية ،وتأصيل راشد لبدائل املعامالت الربوية . وقد انتهى البحث إىل نتائج ذات أثر يف تفعيل املامرسة الرشعية ملفتي املصارف اإلسالمية، ولع�ل أرجحه�ا وزن ًا ،وأبعدها أثر ًا يف هذا التفعيل :أن التأهيل االجتهادي يتيح للمفتي جودة االس�تنباط ،وقوامة البح�ث يف القضايا املعارصة ،وإحكام التنزيل على الواقعات ،وكلام كان التأهيل يف هذه اجلوانب متكام ً ال وحمك ًام ،إال وكان اجلهد العقيل مسدّ د ًا يف املالءمة بني العنارص الثالث�ة :النص بمدركه الرشعي ،واملقصد الث�اوي يف النص ،وآحاد الوقائع اجلزئية ،مما يثمر يف هناي�ة املطاف ترش�يد املعاملات املالية واملرصفية بالصبغة اإلسلامية احلاكم�ة عىل األفعال والترصفات . *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني مقدمة تع�دّ املعامالت املالية جماالً مرتاحب ًا لالجته�اد ،وأفق ًا النقداح األفكار واألنظار ؛ إذ ترتى يش�ب ذه�ن الفقيه املجتهد يف طلب املخ�ارج ،وحيدوه حدو ًا نوازهلا ،وتطرد مس�تجداهتا ،بام ّ إىل الت�ديل إىل الواق�ع االقتصادي وأس�بابه الدائ�رة ،ومدارجتـه بالتكييف الفقه�ي املطلوب ، والتأصيل الرشعي املسدَّ د . وقد باتت املصارف اإلسلامية ـ بعد انتش�ارها يف اآلفاق ،ومزامحتها للمؤسس�ات املالية الربوي�ة ،واس�تئثارها بحظ�وة اجلمهور -كيان ًا ش�اخم ًا يف املضامر االقتصادي وامل�ايل ،عىل فتاء عمره ،ومناوشته بتحديات رشسة قد تنقص العائدة ،وتعقب االضطراب . جلي ،أال وهو اجلري عىل وملا كانت املصارف اإلسلامية تس�تقل بوس�م بائ�ن ،ومقصد ّ ج�ادة الّش�رّ ع أحكام ًا وقواعدَ ومقاصدَ يف إجراء املعامالت املالي�ة ،وصياغة البدائل الرشعية، ف�إن النض�ج الرشعي لألداء ال يتأت�ى إال بالتأهيل االجتهادي ألعضاء هيئ�ة الفتوى ؛ ذلك أن االجته�اد يف الن�وازل مما يش�غل َّ الذرع ،ويمل�ك الطاقة ،ويك�دّ الفكر ،واملتص�دي له -وإن ِ املع�ارف ،والتوفر عىل املهارات ،رشط ال أويت فقاه�ة النف�س ،وس�عة األفق -فإن التزود من ويقر يف نصابه .وال نتصور ديموم ًة ندحة عن اس�تيفائه إن أريد للنظر الفقهي أن يصيب ح َّقه َّ ، للمصرف اإلسلامي ،وصون ًا هلويته الرشعي�ة ،وإقباالً موصوالً عىل خدمات�ه ومنتجاته ،إال بإرشاف مفتني جمتهدين حيرصون أشد احلرص وأقواه عىل مطابقة املعامالت ألحكام الرشيعة، ودوران العقود يف ِ فلكها . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية -1بواعث اختيار املوضوع : لي�س من اهلينّ وامليس�ور أن يرتصد الباحث الس�تجالء البواعث الت�ي حدت به إىل انتقاء موض�وع بعين�ه جماالً للدرس واملفاتش�ة ،وما ذل�ك إال لتداخل هذا الباع�ث أو ذاك ،وتراوح طبيعته بني الذاتية واملوضوعية ،وربام كان خفي ًا متدسس ًا إىل األطواء ،ال حييط به الباحث خرب ًا، وإن أحاط به فال يستطيع له طلب ًا ،عىل ما قد يكون له من ضلع يف احلفز واالستحثاث . ِ الس�نن الالئح يف مهام يكن من أمر فإين صائر إىل بيان بواعث اختيار املوضوع ،جري ًا عىل َّ أوضاع املؤلفني ،وإليكم البيان : يتيس هلم من عدّ ة االجتهاد ،وآلة أ -النهوض باملستوى االجتهادي لفقهاء العرص ،حتى رّ ٍ الحب ،وس�ابلة موثقة ، النظر ،ما يعينهم عىل مواجهة النوازل ،والبحث يف القضايا ،بمنهج تفيض إىل إصابة احلق ،وإبداء حكم الرشع يف احلوادث . ب -صياغة نموذج املجتهد العرصي الذي جيمع يف أهليته العلمية بني فقه النص الرشعي، وفقه الواقع املرصيف ،وهذا النموذج عزيز الوجود ،صعب املنال ؛ بل هو أعز من بيضة الديك! وإن الظفر به ال يتاح إال بالتأهيل االجتهادي املحكم لفقهاء العرص ومفتيه . ج -مواكبة الركب احلثيث للمصارف اإلسالمية الذي ال يكاد يفتح أفق ًا جديد ًا من آفاق املعامالت املالية ،حتى يتسع خطوه إىل أفق أوسع ،ويرتاده وثاب ًا ،بالغ ًا ُقنَّ َة الرحابة واالنفتاح، وكيف تتاح هذه املواكبة إذا مل يرتصد هلا أهل الفتوى باجتهاد رحيب ،ونظر متفتّح ؟ ِ ِ مناهج املاليات املعارصة عنق ًا مكاسب املصارف اإلسالمية التي سارت يف د -احلفاظ عىل فس�يح ًا ،وحازت حظوة أي حظوة لدى مجهور الناس ،فكيف نخذل هذا الرصح االقتصادي ِ ِ اإلعداد له ؟ الواجب االجتهادي ،والتقصري يف الباذخ ،ونتهاون يف نرصته ،بالتقاعس عن مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني - 2اإلضافة املعرفية يف الدراسة: ظفرت هيئات الفتوى والرقابة الرشعية بحظ غري ضئيل من اهتاممات الدارسني املعارصين، إذ أنش�ئت فيها كتب مس�تقلة برأسها ،وحررت دراسات يف ِ ِ وطرق بيان وسائل تفعيلها ، ّ مواجهة التحديات املحدقة هبا ،بيد أنني مل أقف -عىل املطاولة واجلهد يف االستقصاء - عىل دراس�ة تعنى بصياغة مرشوع تأهييل ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسلامية ،وإن كان هذا التأهيل وسيلة مثىل لتفعيل دور هذه اهليئة يف ِ اإلرشاف الرشعي ،ووزن ممارسات املؤسسة املالية بميزان القواعد واملقاصد .وكنت أود أن تضم دراس�ة معارصة بني عطفيها حديث ًا عن التأهيل االجته�ادي هليئة الفتوى ،والس�يام أهنا عني�ت بصياغة مرشوع تأهييل للعاملني يف املؤسس�ات املالية اإلسالمية ،لكنها رضبت صفح ًا وطوت كشح ًا -كام يقولون -عن االهتامم هبذه اهليئة؛ بل نصت عىل استثنائها من ِ نطاق التأهيل قائل ًة ( :املقصود هبؤالء األعضاء هيئة الرقابة الرشعية الداخلية للمؤسسة ،أي :وحدات الرقابة الرشعية ،وليست هيئات الفتوى الرشعية » . وال ن�كاد نظف�ر فيما بني اليد من هذه الدراس�ات إال بحديث يط�ول أو يقرص عن رشوط انتق�اء أعض�اء هيئة الفتوى ،وقد ينطوي عىل ملع ال َقدْ َر هلا ،وال َح ْف َل هبا ،يف موضوع التأهيل لج الداعي إىل إفراد هذا املوضوع بالدراسة ،سدّ ًا للثلمة ،وتدارك ًا النظري للمفتني .ومن هنا ّ انظر :الرقابة الرشعية يف املصارف اإلسالمية ،محزة محاد ،دار النفائس ،األردن ،ط 2006 ، 1م . انظ�ر :تفعي�ل دور هيئات الفتوى والرقابة الرشعية يف املؤسس�ات املالية اإلسلامية ،عبد احلق محيش ، جملة جامعة الش�ارقة للعلوم الرشعية واإلنس�انية ،املجلد ، 4 ،ع 1428 ، 1هـ 2007/م ،ص 95ـ ص . 144 انظ�ر :الرقاب�ة الرشعية والتحديات املعارصة للبنوك اإلسلامية ،املؤمتر الثالث لالقتصاد اإلسلامي ، جامعة أم القرى ،مكة املكرمة . انظر :أدوات التأهيل املتكامل يف املؤسسات املالية اإلسالمية ودور اهليئات الرشعية واملعاهد يف تدريبهم رشعي� ًا ،بح�ث مقدم من دار املراجع�ة الرشعية يف املؤمتر اخلامس للهيئات الرشعية للمؤسس�ات املالية اإلسالمية املنعقد يف البحرين سنة 1426هـ 2005/م ،ص . 8 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية للنق�ص ،وإس�هام ًا يف اس�تحثاث ركب املصارف اإلسلامية يف امليض قدم ًا على درب العطاء املتميز ،واإلنجاز املثمر . - 3خطة الدراسة : وزعنا الدراسة إىل مقدمة ،ومخسة مباحث ،وخامتة ،وبيان ذلك عىل النحو اآليت : ِ ومكمن جدته وإضافت�ه املعرفية ،وخطته أ ـ املقدم�ة :يف بي�ان بواعث اختي�ار املوضوع ، اهليكلية العامة ،واملنهج املختار يف حقل الدرس العلمي . ب -املبحث األول :يف بيان مفردات العنوان ،وهي :التأهيل االجتهادي ،وهيئة الفتوى، واملصارف اإلسالمية . ج -املبح�ث الث�اين :يف بي�ان مس�وغات التأهي�ل االجته�ادي ألعض�اء هيئ�ة الفتوى يف املصارف اإلسالمية . د ـ املبحث الثالث :يف بيان مالمح التأهيل يف جمال األدوات االجتهادية . هـ -املبحث الرابع :يف بيان مالمح التأهيل يف منهج معاجلة القضايا املعارصة . و -املبحث اخلامس :يف بيان مالمح التأهيل يف مضامر فقه التنزيل . ز -اخلامتة :يف بيان نتائج الدراسة ،وحترير التوصيات . - 4املنهج العلمي: يمكن استجالء مقومات املنهج املتبع فيام يأيت : ٍ ٍ نس�ب بس�بب أو أ -توس�لت باملنه�ج االس�تقرائي يف مج�ع جزئي�ات املوضوع التي تديل مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني إىل عن�وان البح�ث ،وتتبع�ت تتبع قائف األث�ر ما كتب عن هيئ�ات الفت�وى والرقابة الرشعية على جتافيه أحيان ًا عن املوضوع الرئيس ،بقصد االس�تئناس ،وتل ّق�ط اللمع الضئيلة املبثوثة يف تضاعيف الدراسات عن ضوابط انتقاء املفتني ورشوط أهليتهم . ب -توس�لت باملنه�ج التحليلي النقدي يف تع ّق�ب بعض اآلراء ،ومتحيص املس�ائل ذات الصل�ة ،ومل أمتح�ل يف ذلك متح ً ال يلوي عنق احلقائ�ق ،ويتهافت عىل التنقص والزراية ؛ فتلك شنشنة نعرفها ممن يريد التزيد يف العلم ،والتكثر بالباطل ،والتن ّبل عند الناس ؛ وإنام كنت أزن ِ تقر األمور يف نصاهبا باحلجج النواهض امللزمة . األمور بميزان اإلنصاف واحليدة ،حتى ّ ِ وبيان معامله النظرية ج -توس�لت باملنه�ج النظري التأصييل يف صياغة املرشوع التأهيلي ، ِ التأصي�ل -يف مواض�ع ش�تّى -بف�روع من القضاي�ا املالي�ة واملرصفية والتطبيقي�ة ،م�ع رب�ط املعارصة. د -ترس�مت قواع�د أه�ل البح�ث يف ترتيب امل�ادة العلمي�ة ،وتوثيق النق�ول ،وختريح األحاديث وبيان رتبتها إن رويت يف غري الصحيحني . نس�أل اهلل تعاىل أن يرزق هذا العمل القبول يف األرض ،والثواب اجلزيل يف اآلخرة ،يوم ال ينف�ع م�ال وال بن�ون إال من أتى اهلل بقلب س�ليم « .أما س�ائر ما تكلمنا عليه مما اس�تدركناه بمبلغ أفهامنا ،وأخذناه عن أمثالنا ،فإنا أحقاء أال نزكيه ،وأال نؤكد الثقة به ،وكل من عثر منه عىل حرف أو معنى جيب تغيريه ،فنحن نناش�ده اهلل يف إصالحه ،وأداء حق النصيحة فيه ،فإن اإلنسان ضعيف ال يسلم من اخلطأ ،إال أن يعصمه اهلل بتوفيقه » . غريب احلديث للخطايب . 49/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 10 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية املبحث األول متهـــــيد جتيل منحى تتأل�ف بنية العنوان ،وهي العتب�ة الداللية األوىل يف البحث ،من ثالثة عنارص ّ املوض�وع ،وتوحي بفلكة مغزله ،وقد رأينا من الرضورة املنهجية بيان مفرداهتا ،متهيد ًا لوضع الفهم عن املامضة واملالحاة ،وإزالة لغشاوة اللبس التي حتجب املفاهي ِم يف نصاهبا ،وقطع ًا لدابر ّ َ نور احلقيقة ،وكنه األشياء . - 1التأهيل االجتهادي: نعرف التأهيل االجتهادي يف ضوء اعتبارين : يمكن أن ّ أ -اعتبار الرتكيب ،أي :أن التأهيل االجتهادي مركب من مفردتني :التأهيل واالجتهاد، والبد من الوقوف عند تعريفهام لغة واصطالح ًا : التأهي�ل م�ن الفعل ّ : وتأهل لألمر : أهل فالن ًا لألم�ر :أي :آهله ّ ، وتأهل ،يقال ّ : أه�ل ّ ، ص�ار ل�ه أه ً ال ،وإذا أطلق التأهيل أريد به اإلع�داد اجل ّيد يف مضامر ما ،وهو إعداد يصري به مؤهل ً ا لالضطالع بمهمت�ه أو ختصصه .وقد رأيت بعض الباحثين ينفي عن التأهيل صاحب�ه ّ بعده التعليمي نفي ًا يأباه املنطق وعرف االس�تعامل ؛ إذ جعله مقصور ًا عىل التدريب والتمرين ، بينام التعليم هو إكساب املعرفة للشخص ،ومن هنا يراد بالتأهيل :جعل الشخص أه ً ال ملزاولة وس�ليام لقربه من األصل اللغوي للكلمة ،وتداوهلا ما تع ّلم .وإذا كان هذا التعريف متّجه ًا ً االصطالح�ي املعارص ،فإن قط�ع التأهيل عن أي آرصة تضايف أو ش�به بالتعليم ،مردود لغ ًة واصطالح� ًا ؛ ألن تأهي�ل الش�خص ملزاول�ة عمله أو ختصص�ه ال يس�تقيم إال بتعليمه مجلة من املعجم الوسيط . 32/1 ، بحوث يف املعامالت واألساليب املرصفية لعبد الستار أبو غدة ،ص . 316 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 11 د .قطب الريسوني املع�ارف وامله�ارات التي يصري هبا أه ً ال هلذا العم�ل أو ذاك التخصص ،فالتعلم جزء من ماهية التأهي�ل ،وركن يف ( استراتيجيته ) ،وإال كيف يصبح الش�خص مؤهل ً ا بدون علم وتع ّلم ؟! وحتى لو جارينا الباحث يف منطقه ،وقلنا :إن التأهيل تدريب للشخص عىل مزاولة ما تع ّلم ، ٍ إعداد علمي ال ّ ينفك عن التعليم ؛ ال تعليمه معرفة بعينها ،فإن هذا التعريف ينطوي أيض ًا عىل إذ التدريب عىل املزاولة حيتاج إىل تعلي ِم أساليب ،وتلقني وسائل ،تسعف املزاول عىل االستثامر اجليد حلمولته املعرفية . واالجتهاد لغة :اس�تفراغ الوس�ع يف حتصيل اليشء ،واصطالح ًا :استفراغ الوسع يف درك األحكام الرشعية ،وتنزيلها عىل الواقع . ومعظ�م املدون�ات األصولي�ة جتت�زىء يف تعري�ف االجتهاد بالش�ق النظري وه�و :درك أش�ق من األح�كام الرشعي�ة ،وتغفل الش�ق التطبيقي وه�و :التنزيل عىل الواقع ،مع أن الثاين ّ األول وأعسر؛ بل إنه :جوهر االجته�اد الفقهي ولبابه ؛ ذلك أن الفقيه املجتهد يتعاطى صنعة االجته�اد م�ن جهتين :األوىل :فهم امل�راد اإلهلي من الوح�ي أحكام ًا ومقاص�دَ ،انطالق ًا من مناهج االستنباط ،وأدوات النظر ،والثانية :فهم ٍ مواز للفهم األول ومقارن له ،وهو الفقه يف املنزل عليه ،وإدراك عالئقه املتش�ابكة ،وسامته املعقدة ،وأبعاده الغنية. الواقع اإلنس�اين املتغيرّ َّ وبالفقهني مع ًا :فقه النص وفقه الواقع متتّن عرى الوصل بني ( وحي السامء وواقع األرض)، فتغدو حياة الناس منفعلة بتعاليم الوحي ،ومترشبة ملقاصده ،ويشق الوحي جمراه نحو احلضور املتمحضة ملصلحة اإلنسان يف العاجل واآلجل . الفعيل يف الواقع بقصد تكييفه وفق إلزاماته ّ متهد هذا أدركنا بس�هولة ويرس أن اجتهاد الفقيه ثنائي االجتاه واملنحى ؛ إذ ال ينكفىء وإذا ّ عىل استجالء املراد اإلهلي للوحي ؛ وإنام يعنى بتطبيق املراد املفهوم عىل الواقع اإلنساين ،وهذا املس�تصفى للغ�زايل ، 350/2 ،واحل�دود للباجي ،ص ، 64واإلحكام لآلم�دي ، 4/1 ،والتعريفات للجرجاين ،ص . 10 أدوات النظر االجتهادي املنشود يف ضوء الواقع املعارص لقطب سانو ،ص . 20 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 12 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ّ املنزل عليه ،واملالبس�ات الزمانية واملكاني�ة التي تكتنفه ، يقتضي تبصر ًا واعي ًا بمحال الواق�ع ّ وتوسل ً ا ب�أدوات التنزي�ل املحكم التي حتم�ي مآل احلكم ،وتص�ون مقصده ع�ن التخ ّلف أو االنطامس . ب -اعتبار اللقبية ،أي :أن التأهيل االجتهادي لقب عىل رضب معني من اإلعداد املعريف واملنهجي يكسب الفقيه املجتهد أدوات معرفية ،ومهارات تطبيقية ،هي عدته يف الفهم ،وآلته يف التنزيل ،ووسيلته إىل التوفيق بني فقه النص وفقه الواقع عند النظر يف القضايا واملستجدات. -2هيئة الفتوى: يوسد إليه اإلرشاف املراد هبيئة الفتوى :فريق من الفقهاء املتخصصني يف املعامالت املالية ّ ، الرشع�ي عىل نش�اطات املرصف اإلسلامي ،وضبط ممارس�اته املالي�ة ،باالنت�زاع من مصادر ِ القواعد الرشعية ،واملقاصد املرعية . نص فيه يف إطار الرشيعة ،واالجتهاد فيام ال ّ رب عن هيئة الفتوى بمصطلحات بديلة كاللجنة الدينية ،واملجلس الرشعي ،واهليئة وقد يع ّ الرشعية ،وجلنة اإلفتاء ،واملستشار الرشعي ،وهي مصطلحات متقاربة يف املعنى ،متضايفة يف الداللة ،وال ضري يف اس�تعامهلا مجيع ًا ،وتناوهبا عىل الوفاء باملراد ؛ وال مش�احة يف االصطالح. جتوز تأباه دق�ة االصطالح من بي�د أن إطلاق مصطل�ح ( الرقابة الرشعي�ة ) عىل هيئة الفت�وى ّ جهتني: األوىل :أن هيئ�ة الفت�وى ال تضطلع بالتدقيق الرشعي ،والعمل الرقايب ؛ وإنام مدار عملها عىل التأصيل الفقهي للمس�تجدات املالية واملرصفية ،واإلرشاف عىل صياغة العقود ،واقرتاح البدائل الرشعية للمعامالت الربوية ،وتوعية العاملني يف املصارف اإلسالمية بأحكام الرشيعة يف إجراء املعامالت إباحة وحظر ًا . والثاني�ة :أن مصطل�ح الرقاب�ة الرشعية يش�عر باإلل�زام ؛ بخالف الفتوى الت�ي ال تكتيس مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 13 د .قطب الريسوني هذه الصبغة يف الفقه اإلسلامي ،ولذلك قيل يف تعريفها « :تبيني احلكم الرشعي للس�ائل عنه واإلخبار بال إلزام » . -3املصرف اإلسالمي: املرصف اإلسلامي مؤسسة تلتزم يف معامالهتا املالية ،ونش�اطاهتا االستثامرية ،بالرشيعة اإلسلامية أحكام� ًا ومقاص�دَ ،م�ع االلتف�ات إىل تطلعات املجتم�ع اإلسلامي إىل التنمية االقتصادية واالجتامعية . ويف ه�ذا التعري�ف ر ّد رصي�ح على من قال :م�ن الس�ائغ أن يامرس املرصف اإلسلامي نشاطه املايل واالستثامري عىل وفق قانون العقود االئتامنية ،ومن ثم تنتفي احلاجة إىل أي قانون خاص. تصور واحل�ق أن تعاري�ف املرصف اإلسلامي -عىل تباين صيغها ،ومن�ازع أصحاهبا يف ّ دور هذا املرصف -جتمع عىل ضابط رئيس هو العودة إىل الرشيعة ،واحلكم هبا عىل الترصفات املالية حتلي ً ال وحتري ًام ،واجتناب مظان الربا أخذ ًا وعطا ًء . *** مطالب أويل النهى للرحيباين . 437/6 ، انظر تعريف املرصف اإلسالمي يف : أ -املصارف اإلسالمية لفادي حممد الرفاعي ،ص . 21 - 20 ب -والبنوك اإلسالمية لفليح حسن خلف ،ص . 93 - 92 جـ -دور املصارف اإلسالمية يف التنمية لعبد الرمحن يرسي ،جملة االقتصاد اإلسالمي ،العدد . 168 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 14 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية املبحث الثاني مسوغات التأهيل االجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية إن التأهيل االجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسلامية ال يس�تقيم إال بإنش�اء معاه�د الصريفة اإلسلامية يؤهل فيه�ا املفتون فقه� ًا وواقع ًا للنظر يف املس�تجدات االقتصادية ملوانع واملالي�ة ،أو إح�داث هيكل�ة هلذه الش�عبة املعرفية بكلي�ات الرشيعة ،وإذا مل يتيّس�رّ ذلك َ مادية أو معنوية ،فمن املتاح ـ بصفة مؤقتة -االجتزاء بدورات تعليمية وتدريبية يرشف عليها علامء الرشع ،وفقهاء القانون واالقتصاد . والتأهيل املنش�ود عىل رضبين :تأهيل لألطر الفتية التي تتش�وف إىل التخصص الرشعي، وإع�ادة تأهيل لرضب من املفتني تعوزهم الدراية الواس�عة بفقه املعامالت املالية ،وفقه الواقع املايل واملرصيف . ولي�س ه�ذا التأهيل ترف ًا فكري ًا ،أو رشط كامل واستحس�ان يف اإلع�داد العلمي للمفتي ؛ ب�ل إن�ه جيري جمرى الرضوري�ات الرشعية ،والثواب�ت املعرفية التي حيرص أش�د احلرص عىل استيفائها ،وتزكيه مرجحات ناهضة من البداهة والعقل وفقه الواقع ،نعدّ منها وال نعدّ دها : -أوالً :للحياة االقتصادية تفاعلها اخلاص فهي تتمخض كل ساعة عن جديد تنزع به قدي ًام يف أنظمة التس�يري املايل ،وأنامط االس�تثامر التجاري ،وال س�بيل إىل أن نصحب هذه احلياة عىل ِ املواكب الصح�ة والسلامة والعافية إال يف محى الرشيعة ،وكنف مو َّطأ م�ن االجتهاد العرصي للح�وادث واملس�تجدات ،وهذه رس�الة املجتهدين من الفقهاء واملفتين ،وإذا ما تع ّطلت هذه الرس�الة فلن جتد لإلسلام ذلك الض�وء اهلادي املؤنس ،وتلك املعامل النّي�رّ ة املبشرّ ة التي قادت ومازالت تقود إىل شطآن الرخاء والنعمى . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 15 د .قطب الريسوني فهل يبقى الفقه اإلسالمي بعد هذا السباق احلثيث يف حالئب التطور أسري الفروع الصامء، واخلالفات العقيمة ،واحلياة ال تكاد تلبس ثوب ًا يف أول النهار حتى ختلعه يف آخره ،ال ألن هذا وخترق ،فال حياص منه موضع ؛ وإنام هو السعي احلثيث إىل التطوير ،واسترشاف الثوب هتتّك ّ األفضل واألكمل ،ونسخ آيات العلم الكائنة بآيات أخر أرد عىل البرشية عائد ًا ونفع ًا ! -ثاني� ًا :إن إصابـ�ة احل�ق ال�ذي أم�ر به احلاك�م واملفتي مطل�ب رضوري يس�تقيم به أمر الترشي�ع ،وتزكو عائدته ،وال ش�ك أن اس�تيفاء هذا املطلب رهني برشطين :أوهلام :احلكم بام ال وآج ً متمحضة خلري املكلف عاج ً ال ،والث�اين :االجتهاد يف فهم أن�زل اهلل ؛ ألن املصلح�ة في�ه ّ املراد اإلهلي من الوحي ،وتنزيله عىل الواقع تنزي ً ال حمك ًام يعقب مقاصده تامة غري منقوصة. -ثالث ًا :إن االجتهاد العرصي يف القضايا املالية باب توس�عة ورحابة وميرسة يف دين اهلل ، ال يوصده إال داعية حتجر وانكفاء ،وجاحد لفريضة التفكري واالعتبار ؛ بل إن االجتهاد يف كل يوسع عىل الناس ضيق ًا ،ويرفع عنهم إرص ًا ،ويفتح يف حياهتم نوافذ اخلري ،فإذا دامهتهم مضامر ّ نازلة ،أو حزهبم إشكال ،حسم فيه بأنطار املجتهدين ،فحصحص احلق ،واستنار السبيل . -رابع� ًا :إن تفعي�ل املامرس�ة الرشعي�ة هليئ�ة الفت�وى ال يتأت�ى إال بتأهيله�ا يف املضمار االجتهادي ،ليكون نظرها مس�تق ً ال يف القضايا املالية ،وتأصيلها الفقهي غري زائغ عن جهته أو مقره ،وإرشافها الرشعي عىل األنش�طة ،والعقود ،والبدائل املمكنة ،وإدارة األعامل عىل حظ ّ غري ضئيل من النضج واالستواء . -خامس ًا :ندرة العلامء املجتهدين يف فقه املعامالت املالية ،وفقه الواقع املرصيف ،وإن سدّ ه�ذه الثلم�ة يتاح بتأهيل األطر الرشعية الفتية ،ومحلها عىل التضلع من الفقهني مع ًا ،وال س�يام أن الواقع�ة االقتصادية أو املالية يف غاية التعقيد والتش�ابك ،وحتقيق مناطها اخلاص ،والتنزيل عىل حماهلا ،شأن املجتهدين الواعني بآداب التكييف الفقهي . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 16 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية -سادس ًا :ضمور التكوين يف املعرفة النصية الدينية ،واملعرفة اإلنسانية الواقعية ،ويعزى هذا الضمور إىل أمرين : أ -الفص�ل بين فروع العلم الرشعي من فقه وأص�ول وحديث ولغة ،ورصف العناية إىل ف�ن واح�د بدافع التخص�ص العلمي الدقيق ،وإذا كان هذا املس�لك األكاديم�ي املحمود يتيح أتم القيام ،فإن التأهيل االجتهادي للمفتي يس�تلزم لصاحب�ه احلذق بصناعته ،والقيام عىل فنّه ّ أول ما يس�تلزم مش�اركة يف فروع العلم الرشعي ،ولو بإحراز الرتبة الوس�طى فيها ،وهذا ال يمنع من االنقطاع لفرع خمصوص ،واإلحاطة بدقائقه وأرساره . إن الرشيعة اإلسلامية منظومة علمية متكاملة ،والعامل النموذجي هو الذي يس�تويف حظه م�ن علومه�ا عىل نحو يس�تكمل ب�ه عدته االجتهادي�ة ،فقد تن�زل النازلة املالية مثل ً ا ،فيحتاج َ ناهيك عن فقه الواقع فيه�ا ،وهذا الرضب يف معرف�ة حكمه�ا إىل فق�ه وأصول وحديث ولغ�ة االجتهادي ال يلج مضايقه إال من أويت وفور ًا يف العلم ،وسعة يف األفق . خترج أجياالً م�ن حاميل التخصص وم�ن ثم فإن منه�ج الفصل بني فروع العل�م الرشعي ّ الواحد ّ ، وجتذر أحادية يف التكوين حتول دون التوفر عىل اآللة االجتهادية املطلوبة . ب -الفص�ام النك�د بني املعرفة الديني�ة واملعرفة الواقعية يف مناهج اجلامعات اإلسلامية والكلي�ات الرشعية باعتبارمه�ا معرفتني متضاربتني يضيق هبام وعاء واح�د ،ومن جتليات هذا الفص�ام إمه�ال ف�روع املعرفة الواقعي�ة يف النظم التعليمي�ة املعنية بإقراء عل�وم الرشيعة ،مع أن إصدار احلكم الرشعي يف املسألة يتوقف عىل معرفة فقه الواقع فيها ؛ ألن احلكم عىل اليشء فرع عن تصوره كام يقول املناطقة ،وكل خطأ يف فهم الواقع يعقب خطأ يف التكييف والتأصيل .وما دام فقه النص يرتبط بفقه الواقع ارتباط العلة باملعلول يف كل اجتهاد س�ديد ،فإن من الرضورة الرشعية امللحة الدمج بني الفقهني أو املعرفتني ،والتأهيل فيهام مع ًا إن أردنا للمامرسة االجتهادية نضج ًا واستوا ًء يف التنظري والتنزيل عىل حد سواء . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 17 د .قطب الريسوني إن ه�ذه النظ�رة التجزيئية العليل�ة التي فصمت بين املعرفتني الرشعي�ة والواقعية أفرزت صنفين م�ن الفقهاء :أوهلما :فقهاء نص ال دراي�ة هلم بالتحوالت االقتصادية ،واملس�تجدات املالية التي تطرأ عىل ساحة القوم ،وال علم هلم بسبل تفعيل الرشع ،وحتقيق قوميته عىل الواقع االقتصادي واملايل .والثاين :فقهاء واقع يعوزهم الفهم ملعاين النصوص ومقاصدها ،والدراية بتنزيل املراد اإلهلي عىل الواقع احلي ،مع حظهم الوافر من املعرفة القانونية واالقتصادية . -س�ابع ًا :إذا كان االلت�زام الرشع�ي هوي�ة ناصع�ة للعمل املرصيف اإلسلامي ،ومكمن االفتراق ع�ن املصارف التقليدية ،فم�ن البدهي تأليف هيئة رشعي�ة متخصصة تصوغ املعايري الرشعية ،وترشف عىل تطبيقها يف أنشطة التعامل املايل واالستثامري ،مع التأصيل الفقهي لكل مس�تجدّ مايل ،وبيان حكم الرشع فيه .وال ش�ك أن فقدان هذه اآللية يس�قط ش�عار « االلتزام الرشعي » ،ويزعزع ثقة العمالء يف الصبغة اإلسالمية للمرصف ،وإن احلفاظ عىل ديمومة هذا الشعار أو تلكم الصبغة مكفول بتوافر املجتهدين املؤهلني لالضطالع برسالة املؤسسات املالية اإلسالمية ،واستيفاء مقاصدها عىل الوجه األمثل . -ثامن� ًا :إن م�ن التحدي�ات الداخلية املحدق�ة بالعمل املرصيف اإلسلامي :ضعف اهليئة الرشعي�ة املواكب�ة ألنش�طة االس�تثامر ،وإدارة األعمال املالي�ة ،وم�ر ّد هذا الضع�ف -يف أكثر األحيان -إىل فقدان اآللة االجتهادية ،أو قصورها يف املجال التأصييل ،وقد أعقب ذلك : حاكام عىل الترصفات أ -هشاش�ة النموذج النظري اإلسلامي الذي يفرتض أن يكون ً املالية للمرصف ،مما أفىض إىل الش�ذوذ -يف حاالت ش�تى -عن املعايري الرشعية ،واالنزالق إىل حمظورات جمافية لشعار « االلتزام اإلسالمي » . ب -ش�يوع أخطاء يف التأصيل الفقهي ناجتة عن اإلعواز الش�ديد يف فقه النص الرشعي ، وفقه الواقع املرصيف . أدوات التأهيل املتكامل للعاملني يف املؤسسات املالية اإلسالمية ،دار املراجعة الرشعية ،ص . 2 البنوك اإلسالمية لفليح حسن خلف ،ص . 414 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 18 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ج -تضارب آراء هيئات الفتوى يف مس�ألة مالية واحدة ،وإذا كان االختالف مرشوع ًا يف خيرج عليه ، م�وارد االجته�اد ،ومضايق النظر الفقهي ،لفقدان النص ،والنظري الرصيح الذي ّ واستيعاب املسألة آلراء وخترجيات شتى ،فإن مثاره ومبعثه -يف بعض األحيان -ضمور الفهم الرشعي والواقعي مع ًا . *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 19 د .قطب الريسوني املبحث الثالث التأهيل يف األدوات االجتهادية ينحو التأهيل االجتهادي النظري ملفتي املصارف اإلسالمية إىل متكينه من األدوات املعرفية التي يقتدر هبا عىل انتزاع احلكم من مصدره ،واستبطان املراد اإلهلي من النص ،والغوص عىل العلل واملقاصد الثاوية فيه . بي�د أن اآلل�ة االجتهادية ال بد أن ترتبط بنوعية التحديات الفكرية الس�ائدة يف العرص ؛ إذ نتحج�ر عىل أدوات معرفي�ة منبثقة من منبت فكري خمص�وص ،ومتأثرة لي�س م�ن املعقول أن ّ بمالبس�ات تش�كلها وصياغته�ا ،وم�ا دام�ت احلاجات تتج�دّ د بتج�دّ د وعائها الزمن�ي ،فإن مؤهلات املجته�د ينبغي أن تدور مع احلاجة العرصية حي�ث دارت ،فيكون لكل عرص أدواته االجتهادية القمينة ّ بحل معضالت الرأي وصعاب املسائل . وم�ن هن�ا ندرك أن املدونات األصولية املؤلفة بعد القرن الثامن اهلجري إىل يوم الناس ،مل تع�ن بالنظر يف مؤهالت الصناعة االجتهادي�ة نظر ًا يدارج متطلبات العرص ،ويتدلىّ إىل حتدياته الفكري�ة ،فأعوزه�ا التأصي�ل ألدوات يف غاي�ة األمهية واخلطورة والش�أن ال جيح�د دورها يف تس�ديد الفهم والتنزيل مع ًا ،واجرتت كالم ًا مكرور ًا ومعاد ًا عن األدوات التي س�طرها العلامء موجه عج هب�ا عرصهم ،وكانت -بح�ق -خري ّ املتقدم�ون يف ض�وء التحدي�ات الفكرية التي ّ آنذاك يف التنظري للتأهيل االجتهادي . ويف ض�وء ه�ذا الربط بني األداة االجتهادي�ة ونوعية التحدي الفكري الس�ائد يف العرص ، يس�وغ القول :إن األدوات االجتهادية النظرية التي يؤهل فيها مفتي املصارف اإلسلامية البد أن تنبثق عن جمال ختصصه الرشعي ،وطبيعة دوره التأصييل ،وفقه الواقع املرصيف الذي ينطلق نص عىل رضورة التوفر عليه يف تأهيل املفتي منه ويؤوب إليه .وإذا كان بعض هذه األدوات قد ّ مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 20 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية يف املدونات األصولية ،فإن البعض اآلخر مما متليه التحديات الفكرية التي حيبل هبا واقع العمل املرصيف اإلسالمي . ثم فإن التأهيل االجتهادي النظري ينطلق من امتالك األدوات املعرفية اآلتية : ومن ّ -1اللغة العربية بوصفها لس�ان الوحي ،ووعاء التنزيل ؛ ذلك أن إدراك معاين النصوص ومقاصده�ا يتوق�ف عىل اإلملام باآللة النحوية والبالغي�ة ،وإال ظل النص الرشعي منغلق ًا عىل أرساره ،وخمتوم ًا بخاتم اإلهبام ،بيد أنه ال يشترط يف املفتي عامة ،ومفتي املصارف اإلسالمية على وجه اخلص�وص أن يكون إمام ًا يف العربية كاخلليل وس�يبويه واألخفش ؛ وإنام جيزىء من العلم هبا ما يسعف عىل فهم خطاب الشارع ،واالرتياض بأساليبه وأوضاعه . -2أصول احلديث ،وهو علم يعنى باجلانب الثبويت للنص من ناحية ،وبفقهه ومعانيه من ناحية ثانية ،وإتقان هذا العلم فرض عني عىل املفتي املجتهد ؛ ألن النظر االجتهادي يقوم أول ما يقوم عىل معرفة رتبة النص ؛ هل هو من الصحيح أو احلسن املحتج أم من الضعيف املردود؟ وقدي ًام قيل :ث ّبت العرش ثم انقش . نصت يف س�ياق احلديث عن التأهي�ل االجتهادي عىل وإذا كان�ت مدون�ات األصول ق�د ّ رشط امتالك األداة احلديثية ،فإهنا اجتزأت باإليامء إىل حفظ املتون ،وأغفلت صنعة التصحيح والتضعيف بأدواهتا املعروفة كعلم اجلرح والتعديل ،وعلم علل احلديث ،وهذه الصنعة ،وإن كان�ت معترك ًا اجتهادي ًا صعب ًا ،إال أن م�ن فتوحاته االحتجاج باحلدي�ث أو رده ،ومن ثم بناء احلكم عليه ،أو إسقاطه من دائرة العمل . وما أحوج مفتي املصارف اإلسالمية إىل امتالك ناصية هذه األداة ،متييز ًا لصحيح األخبار من سقيمها ،وإجرا ًء لفتاويه عىل الدليل الناهض امللزم ،وقد رأيت من الفقهاء املعارصين من ال برتبته ،أو تساه ً حيتج بالضعيف يف تأصيل القضايا املالية واملرصفية ،جه ً ال يف ركوبه ،مع أن مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 21 د .قطب الريسوني الضعيف ال يعمل به يف فضائل األعامل عىل الراجح من أقوال أهل العلم ،فام بالك بمسائل احلالل واحلرام يف املعامالت املالية ؟! وم�ن األحادي�ث الضعيفة الت�ي نالت رواج ًا وحظ�وة يف فقه املعاملات املالية :حديث : « هن�ى النب�ي ﷺ عن بي�ع املضطر » ،وحم�ل االحتجاج به عن�د الفقهاء املعارصي�ن التأصيل ارتضى ه�ذا املذهب كثري من حمققي العلامء كالبخاري ،ومس�لم ،وابن حب�ان ،واخلطايب ،وابن حزم ، وأيب بك�ر ب�ن العريب ،وابن تيمية ،وأيب ش�امة املقديس ،والش�وكاين ،وأمحد ش�اكر ،واأللباين .انظر : صحيح مسلم برشح النووي 76/1 ،ـ ، 77واملجرحني البن حبان 327/10 ،ـ ، 328ومعامل السنن للخطايب ، 8 - 7/1 ،والفصل يف امللل والنحل البن حزم ، 84/2 ،وعارضة األحوذي البن العريب ، ، 202 - 201/5وقاعدة جليلة يف التوسل والوسيلة البن تيمية ،ص ، 84والباعث عىل إنكار البدع واحلوادث أليب شامة املقديس ،ص 64ـ ، 65وإرشاد الفحول للشوكاين ،ص ،48والباعث احلثيث، رشح اختصار علوم احلديث ألمحد شاكر ،ص ، 76وصحيح اجلامع الصغري لأللباين . 45/1 ، رواه أبو داود يف كتاب البيوع ،باب يف بيع املضطر ،برقم . 3382 قال البيهقي يف معرفة السنن واآلثار ،429/9برقم ( « :)3628وأما حديث عيل ،عن النبي ﷺ « :أنه هنى عن بيع املضطر » ،فإنه إنام رواه أبو عامر صالح بن رس�تم ،عن ش�يخ من بني متيم ،عن عيل ،فهو عن جمهول. ث�م ه�و حمم�ول عندنا عىل الذي يضطر إىل البي�ع باإلكراه عىل البيع ،واهلل أعل�م ،وإن أراد الذي يضطر إىل البي�ع بدي�ن ركبه ،أو فقر أصابه ،فكأنه اس�تحب أن يعان وال حيوج إىل البيع برتك معونته والتصدق عليه ،وباهلل التوفيق ». وقال الذهبي يف ميزان االعتدال ،296 - 295/ 2برقم( « :)3801صالح بن عامر نكرة ،بل ال وجود له .ذكر يف حديثه لعيل مرفوعا :إنه هنى عن بيع املضطر .واحلديث منقطع ،هو صالح عن عامر». وقال الس�بكي يف طبقات الش�افعية الكربى « :17 / 4واحلديث املش�ار إليه يف س�نده مقال ثم يف معناه وجهان ذكرمها اخلطايب ». وضعفه األلباين يف ( ختريح مشكاة املصابيح ) برقم . 2865 : مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 22 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية الفقه�ي للت�ورق ،وبي�ان حرمت�ه عن�د القائلين بأن�ه مس�لك اضط�راري ال يلج�أ إليه إال مكره مضطر . -3أصول الفقه ،وهو بمثابة املرتاج الذي يفتح مغاليق النص ،ويستخرج خبيئه ومكنونه، فيسفر خطابه ويضح حك ًام ومقصد ًا ،ومن ثم فإن جودة الفهم تتوقف عىل التضلع من مباحث هذا العلم اجلليل بوصفه مستودع ًا لألدوات املعينة عىل إدراك املعاين املستكنة يف طوايا النصوص الرشعي�ة .أم�ا القدر املطل�وب حتصيله من هذا العلم فهو أن يتمكّ�ن املفتي املجتهد من ناصيته حت�ى خيالط حلم�ه ودمه ،دون حاجة إىل اإلكباب عىل مباحثه املنطقية الباردة ،وقضاياه اللغوية العقيمة ،فإهنا -يف احلق -أمشاج وأخالط وفدت عىل ساحته ،وكدرت صفوه ،إلغراقها يف التكلف حين ًا ،وانقطاع صلتها بالقضايا الكربى هلذا العلم حين ًا آخر . وحاج�ة مفتي املصارف اإلسلامية إىل هذا العلم ماس�ة جد ًا ،وأمثلته�ا ماثلة ال حتتاج إىل فيحرر فيها الرأي املجتهد فيه استمداد ًا انتزاع ؛ ألن املستجدات املالية واملرصفية ال ّ نص فيها ّ ، من اآللة األصولية ،واستضاء ًة بقواعد أهل العلم يف االستدالل . -4عل�م املقاص�د ،وه�و أداة مثري�ة للنظ�ر االجته�ادي ،ومكمل�ة للمعرفتين اللغوي�ة واألصولي�ة ،ومعين�ة على اس�تجالء مرامي اخلط�اب الرشع�ي وأبع�اده الثاوي�ة يف تضاعيف النصوص . انظر عىل سبيل املثال : أ -التأصي�ل الفقه�ي للتورق يف ضوء االحتياجات التمويلية املعارصة لعبد اهلل بن س�ليامن املنيع ،ضمن أعامل مؤمتر كلية الرشيعة بجامعة الشارقة ( :دور املؤسسات املرصفية اإلسالمية يف االستثامر والتنمية)، . 448/2 ب -حك�م الت�ورق يف الفقه اإلسلامي لعيل حميي الدي�ن القره داغي ،ضمن أعمال مؤمتر كيل الرشيعة بجامعة الشارقة ( :دور املؤسسات املرصفية واإلسالمية يف االستثامر والتنمية ) . 475/2 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 23 وق�د كان اإلمام الش�اطبي حمق ًا حين عزا أخطاء كثري من العلماء إىل اجلهل املطبق باملعرفة املقاصدي�ة ،وأك�د أن زل�ة العامل أكث�ر ما تكون عند الغفل�ة عن اعتبار مقاصد الش�ارع يف ذلك املعنى الذي اجتهد فيه . وال ش�ك أن ه�ذا العلم بمس�الكه وأدواته يصون النظ�ر االجتهادي ملفت�ي املصارف عن الس�قوط يف ّ فخ النظرة التجزيئية الضيقة ،ويضمن حس�ن الربط بني املبنى واملعنى ،ويس�عف يف التنزي�ل املحك�م عىل الواقع�ات املالية ،فيتمخض احلكم عن ثمرته املرجوة ،ومآله املنش�ود ّ متمحض ملصلحة ويرتشد به ،وهو مراد دون تعطيل أو انطامس ،وينفعل الواقع باملراد اإلهلي ّ اإلنسان يف العاجل واآلجل . -5فق�ه املعاملات املالية ،وهو ركن يف املعرفة الرشعية ملفت�ي املصارف ،وجمال ختصصه ال�ذي ينبغ�ي أن يق�وم عليه أت�م القي�ام ،وإذا كان من مؤهلات املفتي بعامة اإلمل�ام باألحكام الفقهي�ة ،ف�إن املتص�دي لإلفت�اء يف نوازل االقتص�اد واملال ،ال يشترط فيه التضل�ع من الفقه اإلسالمي بفروعه املتشعبة ؛ وإنام يكفيه احلذق بفرع واحد منه هو املعامالت املالية ،وكلام كان وقرت يف نصاهبا غري املفتى حميط ًا بدقائقها ،غائص ًا عىل أرسارها ،إال وجرت فتواه عىل اجلادة ّ ، زائغة أو حائلة . -6علم القواعد الفقهية ،وبقدر اإلحاطة به « يعظم قدر الفقيه ويرشف ،ويظهر رونق الفق�ه ويع�رف ،وتتض�ح مناهج الفتوى وتكش�ف ...ومن جعل خيرج الفروع باملناس�بات اجلزئي�ة دون القواعد الكلية :تناقضت عليه الفروع واختلفت ...ومن ضبط الفقه بقواعده اس�تغنى عن حفظ أكثر اجلزئيات الندراجها يف الكليات ،واحتد عنده ما تناقض عند غـريه وتناسب». املوافقات للشاطبي . 170/4 ، الفروق للقرايف . 3/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 24 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية وحاجة مفتي املصارف إىل هذا العلم ماسة جد ًا كحاجته إىل أصول الفقه ؛ ألن املستجدات املالي�ة ال نص فيها من الرشع ،فيحتاج فيه�ا إىل إعامل القواعد الفقهية للتخريج واإلحلاق ،بل منها ما يكون دلي ً ال قاطع ًا يف اإلفتاء إذا جرى جمرى التعبري عن دليل أصويل ،أو اقتبس من نص حديثي صحيح . وال تكاد ختلو فتوى مالية أو مرصفية من االنبناء عىل قاعدة فقهية ،وأكثر القواعد شيوع ًا ودوران� ًا عىل ألس�نة املفتين :ال رضر وال رضار ،واحلاجة تنزل منزل�ة الرضورة ،واألصل يف املعامالت اإلباحة ،واألصل يف العقود الصحة ،والعربة يف العقود للمقاصد واملعاين ،والغرم بالغنم .. ويعجبني هنا أن أسوق مثالني من الفتاوى املرصفية املبنية عىل القواعد الفقهية : -األول :يف حك�م الت�ورق ،وقد أفتى به جممع الفقه اإلسلامي برابطة العامل اإلسلامي يف دورت�ه اخلامس�ة عشرة ،ونص الفت�وى « :إن بيع التورق هذا جائز رشع� ًا ،وبه قال مجهور العلماء ؛ ألن األص�ل يف البي�وع اإلباحة ،لقوله تع�اىل ﴿ :ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﴾ ،ومل يظه�ر يف ه�ذا البيع رب�ا ال قصد ًا وال صورة ،وألن احلاجة داعي�ة إىل ذلك لقضاء دين أو زواج أو غريمها » . -الث�اين :يف حك�م الشرط اجلزائ�ي ،وقد أفتت ب�ه هيئة كب�ار العلامء يف اململك�ة العربية الس�عودية ،ونص الفتوى « :إذا كان الرشط اجلزائي كثري ًا عرف ًا ،بحيث يراد به التهديد املايل، ويك�ون بعي�د ًا عن مقتىض القواع�د الرشعية ،فيجب الرجوع يف ذل�ك إىل العدل واإلنصاف ، عىل حسب ما فات من منفعة ،أو حلق من مرضة ،ويرجع تقدير ذلك عند االختالف إىل العامل البقرة . 275 : التأصيل الفقهي للتورق لعبد اهلل بن سليامن املنيع ،ص . 447 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 25 د .قطب الريسوني الرشع�ي ع�ن طريق أهل اخلبرة والنظر عم ً ال بقول�ه تع�اىل ﴿ :ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﴾ ..وبقوله ﷺ « :ال رضر وال رضار » » . -7علم اخلالف ،وهو أداة يقتدر هبا فقيه املصارف عىل معرفة مناهج االستنباط ،وأصول االس�تدالل الت�ي جرى عليها األئم�ة املجتهدون يف فهم املراد اإلهلي م�ن الوحي ،وتنزيله عىل الواقع ،وليس املقصود من التضلع من هذا العلم التحجر عىل مناهج السلف إىل احلد الذي يسترق األفكار ،ويس�تأرس العقول ؛ وإنام االس�تئناس بطرائقهم يف الفه�م ،والتهدّ ي بآداهبم الراشدة يف التنزيل عىل الواقعات .ويعجبني أن أسوق هنا كالم ًا متين ًا لألستاذ الكبري املودودي -رمح�ه اهلل -يف التأكي�د على أمهية ه�ذا العلم ملن ي�روم االجتهاد الصحيح والفه�م الرجيح ، يق�ول « :الوق�وف على تراثنا القانوين والفقهي ال�ذي ورثناه عن فقهاء الس�لف ،واحلاجة إليه ليس�ت للت�درب عىل االجتهاد فحس�ب ؛ بل هي كذلك الس�تمرار االرتق�اء القانوين ؛ ألنه ال يسوغ أن يكون املقصود باالجتهاد أن هيدم كل جيل جديد ما بناه سلفه ،أو حيكم عليه بالبىل ، ويرشع يف بنائه اجلديد » . وإن من عوائد علم اخلالف :اإلفادة من الثروة الفقهية التي تركها األسالف ،واالستئناس النساء . 58 : أخرج�ه مال�ك يف املوطأ ،باب القضاء يف املراف�ق ،برقم 2171 :من حديث عمرو ين حييى املـازين عن أبي�ه مرسل ً ا ،وأمح�د 326/5 ،من حديث عبادة ب�ن الصامت ،واحلاك�م 57/2ـ 58من حديث أيب سعيد اخلدري ،وقال صحيح عىل رشط مسلم ،ووافقه الذهبي ،وابن ماجـه يف كتاب األحكام ،باب م�ن بن�ى يف حق�ه ما يرض بجاره ،برق�م 2341 :من حديث ابن عباس .واحلديث صحيـح أو حس�ـن بمجموع طرقه .قال النووي يف « :حديث حس�ن ..ولـه طرق يقوي بعضها بعض ًا » ،وأقره عىل ذلك ابن رجب احلنبيل يف ( جامع العلوم واحلكم ) ،ص ، 570وصححه أمحد ش�اكر يف ( ختريج املس�ند )، ، ) 310/4واأللباين يف ( إرواء الغليل ) برقم . 896 : أبحاث هيئة كبار العلامء باململكة السعودية ،ص . 214 أدوات النظر االجتهادي املنشود لقطب مصطفى سانو ،ص . 125 مفاهيم إسالمية حول الدين والدولة للمودودي ،ص . 196 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 26 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية بآراء األئمة عىل سبيل االجتهاد االنتقائي ،وذلك عندما يعوز الدليل ،ويضيق السبيل ،عىل أن يكون االنتقاء أوفق للكتاب والس�نة ،وأجرى عىل مقاصد الرشع وقواعده .وقد رأيت فقهاء ً س�بيال يف التأصيل للقضايا العرص ينتقون من اجتهادات الس�لف أرجحها مذهب ًا ،وأقومها املالي�ة ،كقضي�ة احلط من الثمن نظير تعجيل الدفع ،أو ما يعرف بـ « ضع�وا وتعجلوا ،» وقد قي�ل في�ه باجلواز عىل مذه�ب ابن عباس ،ومل ير ب�ه النخعي وأبو ثور بأس� ًا ؛ ألن املتعامل آخذ لبع�ض حق�ه ت�ارك لبعض فجاز ،كام ل�و كان الدين ح�االً ،وهو رواية عن أمح�د ،ووجه عند الش�افعية ،ومذهب ابن حزم إذا عري عن الرشط ،واختيار ش�يخ اإلسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. -8فقه الدعوة ،وهذا علم جليل يعني عىل حسن التبليغ ،وقوامة النصح ،وقد يستغرب اشتراطه يف مفتي املصارف ،والس�يام أن املدونات األصولية ال تومىء إليه من قريب أو بعيد، لكن األداة االجتهادية ترتبط -كام سلفت اإلشارة -بنوعية التحدي الفكري السائد يف العرص، والناب�ع م�ن فقه الواقع املجتهد فيه .وإن من األعباء الت�ي ينبغي أن يضطلع هبا مفتي املصارف -إىل تأصيله الفقهي للمستجدات املرصفية ،وجوابه عن سؤاالت املستفتني -تبصري العاملني يف املؤسس�ة املرصفية اإلسلامية بأحكام الرشيعة يف املعامالت املالية ،وقواعد الس�لوك املهني اإلسلامي ،وطمأنة اجلمهور م�ن املتعاملني مع املرصف عىل الصبغة الرشعية للنش�اط املايل ، وسالمته من شوائب احلرام .وهذا املسلك ( الدعوي ) ال يؤيت أكله إال باستثامر سليم ألساليب فقه الدعوة ،ووسائلها يف التغيري . -9آداب اجل�دل واملناظ�رة ،وهذا الف�ن قد يعدّ ه البعض رشط ًا حتس�يني ًا ،وحلية زائدة يف املفت�ي ،لك�ن اإلملام به واجب مض َّيق يف ح�ق مفتي املصارف ؛ ألن من صميم دوره الدفاع عن انظر :البنوك اإلسالمية بني احلرية والتنظيم جلامل الدين عطية 131 ،ـ . 175 املغن�ي الب�ن قدام�ة 174/4 ،ـ ، 175واملحىل البن حزم 83/8 ،ـ ، 84وإعالم املوقعني البن القيم ، 370/3ـ ، 371وفقه السنة لسيد سابق . 187/3 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 27 د .قطب الريسوني جتربة العمل املرصيف اإلسالمي ،وبيان حماسنه ،والسيام أن محالت شعواء شنت عليه من فئات ش�تى منه�ا :دعاة الكمال يف التطبيق ،وأرساء األع�راف املرصفية الربوي�ة ،وأحالف العلامنية الذي يريدون لرشع اهلل تعاىل االنزواء يف الظل ،والتخلف عن الركب احلضاري احلثيث . صحيح أن ثمة أخطاء رشعية البست العمل املرصيف اإلسالمي ،بحكم حداثة التجربة ، وهشاش�ة األطر العاملة ،وضعف الوازع الديني لبعض اهليئات الرشعية ،لكن اجرتاح اخلطأ ّ احل�ط عنها بدعوى يس�وغ التش�كيك يف نيات املؤسس�ات املالية اإلسلامية برمتها ؛ إذ راج ال ّ خمادع�ة الناس بش�عار إسلامي ال حظ ل�ه من التطبيق الواقع�ي ،حتى قيل عنه�ا « :إهنا طالء إسلامي لواقع غري إسالمي » .أما املس�ائل املالية التي كانت َمثار اخلالف الفقهي كاملرابحة لآلم�ر بالشراء ،وقاعدة :ضع وتعجل ،والبيع بالتقس�يط ،فينبغي أن يراعى فيها فقه اخلالف وآدابه ،حتى ال يؤول األمر إىل إهاضة جتربة املصارف اإلسالمية ! -10املعرف�ة االقتصادي�ة والقانونية ،بوصفه�ا أداة للغوص عىل فق�ه الواقع املرصيف ؛ إذ كي�ف يت�اح للمفتي النظر يف مس�ألة مرصفية ال دراية له بمعاملها النظرية ،ومالبس�اهتا العلمية، واحلك�م الرشع�ي مرتب�ط هب�ذه الدراي�ة ارتب�اط العل�ة باملعل�ول ؟! وهلل در اإلم�ام الش�افعي -رمحه اهلل -حني قال « :ال حيل لفقيه أن يقول يف ثمن الدرهم وال خربة له بسوقه » .وإذا ما أعوزت مفتي املصارف املعرفة اإلنس�انية الواقعية ،س�اغ له أن يش�اور أهل الذكر واخلربة ، تصور املس�ائل ضم إىل هيئة اإلفتاء يف كل مرصف خرباء اقتصاد وقانون ،ليكون ّ وهل�ذا املعن�ى ّ املالية حمك ًام وجلي ًا ،ويبنى عىل ذلك التأصيل الرشعي السليم ،وهذه صورة من صور االجتهاد اجلامعي املنشود يف هذا العرص ! البنوك اإلسلامية :طالء إسلامي لواقع غري إسلامي حلسين عيل راش�د ،جريدة الرشق األوس�ط ، ، 1984/2/4ص . 14 الرسالة للشافعي ،ص . 511 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 28 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية إن هذه العلوم يشدّ بعضها من أزر بعض يف تقويم صناعة االجتهاد ،ومهمة الفتيا ،وبقدر التأهيل فيها والقيام عليها يعظم قدر املفتي ،وتزكو ممارسته الرشعية داخل املرصف اإلسالمي نتصور هليئة الفتوى سداد ًا يف التأصيل ،ونضج ًا يف املامرسة ،وفالح ًا يف الرتويج وخارجه ،وال ّ ملفاهي�م املصاريف اإلسلامية وخدماهتا ،بمعزل عن هذه العل�وم/األدوات؛ بل إن االجتهاد عند إعواز وس�ائله ،أو نقص آلته -ال يؤمن انزالقه إىل موضع نِفار ومرمى شرِ اد ،وهو إنآل إىل هذا املآل خيش عىل العمل املرصيف اإلسالمي عاقبة االضطراب واالختبال ! ومن باب توفية الفائدة نسوق هنا نصائح للمقري أسداها ألهل الفتوى ،وهي تصلح أن ضوابط اإلفتاء ،ومؤهالت املفت�ي ،يقول « :ال ِ ِ تفت إال بالنص ،إال أن تكون ت�درج يف زم�رة عارف ًا بوجوه التعليل ،بصري ًا بمعرفة األشباه والنظائر ،حاذق ًا يف بعض أصول الفقه وفروعه ، يغرك أن ترى نفسك أو يراك الناس حتى جيتمع إما مطلق ًا أو عىل مذهب إمام من العدوة ،وال ّ واخلالف تقو حجتك ،واآلثار يصل�ح رأيك ، َ ل�ك ذلك والن�اس والعلامء ،واحفظ احلدي�ث َ يتسع صدرك ،واعرف العربية واألصول ،وش ّفع املنقول باملعقول ،واملعقول باملنقول » . *** املعيار للونرشييس . 377/6 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 29 د .قطب الريسوني املبحث الرابع التأهيل يف منهج معاجلة القضايا املعاصرة ٍ بكاف إن توفر مفتي املصارف اإلسالمية عىل أدوات االجتهاد ،ورشوط التحصيل ،ليس وح�ده يف إنج�اح غرض التأصي�ل الرشعي للمس�تجدات املالية ؛ بل ال بد أن يكتس�ب املنهج األمثل يف البحث الفقهي ،ومعاجلة نوازله املطردة ؛ ذلك أن الوسائل مادة صامء تعقب عائدهتا باالستثامر اجل ّيد ،واملنهجية الصحيحة . واملنه�ج ال�ذي أوثره يف بحث القضاي�ا املعارصة يتألف من عنرصي�ن :مقومات علمية ، وآداب مرعية : -1مقومات املنهج : إن املفت�ي يف مس�ائل العرص مالي�ة وغري مالية ال بد أن جيري على منهج علمي الحب يف نستجيل مقوماته ومراحله فيام يأيت : البحث واملعاجلة ،ويمكن أن َ تصور ًا حمك ًام ال يالبس�ه غب�ش ؛ ألن احلكم عىل اليشء أ- تص�ور حقيقة القضية املعارصة ّ ّ جر إليه خطأ يف الفه�م ،ولذلك ذهب ابن القيم ف�رع ع�ن تصوره ،وكم من خط�أ يف التأصيل ّ -رمحه اهلل -إىل أن املفتي ال يتأتى له احلكم باحلق إال بنوعني من الفهم ،أحدمها « :فهم الواقع والفق�ه فيه ،واس�تنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن ،واألم�ارات ،والعالمات ،حتى حييط به عل ًام » . وقد ّ حذر الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي من مغ ّبة املجازفة بالفتوى يف أمور املعامالت املعارصة كالتأمني ،وأعامل البنوك ،واألسهم والسندات ،وأصناف الرشكات ،دون اإلحاطة إعالم املوقعني البن القيم . 87/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 30 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية هب�ذه املس�ائل خبر ًا ،ومهام يك�ن من العل�م بالنص�وص ،والقيام على األدل�ة ،والتضلع من القواعد ،فإن ذلك ال جيدي فتي ً يعزز بمعرفة الواقع املسؤول عنه ،وتصور حقيقة النازلة ال ما مل َّ املجتهد فيها . وحت�ى تكتمل صورة القضي�ة يف الذهن ،وتتضح معاملها النظري�ة أتم الوضوح ،البد أن تسلك يف هذا املهيع املسالك اآلتية : -األول :اس�تقصاء املعلوم�ات واملعطيات ذات الصلة بموض�وع القضية املعارصة ،عىل ييس نحو يفيد يف تصور حقيقتها ،ونشأهتا ،واملالبسات املحتفة هبا ،واألبعاد الثاوية فيها .ومما رّ هذا االستقصاء ويعني عىل فهم القضية :طلب املفتي من املستفتي زيادة اإليضاح والبيان ،وهو ما يصطلح عليه ب ( االس�تفصال ) ،ويكون ذلك يف موضع مش�كل أو مغفول عنه ال يس�فر كاف ٍ ويضح إال ببيان ٍ شاف .وقد رضب ابن القيم -رمحه اهلل -أمثلة ناصعة يف هذا املضامر، منه�ا :أن املفت�ي إذا س�ئل عن رجل حلف :ال يفعل كذا وك�ذا ،ففعله ،مل جيز له أن يفتي حتى يس�تفصله :ه�ل كان ثاب�ت العقل وقت فعل�ه أم ال ؟ وإذا كان ثابت العقل فه�ل كان خمتار ًا يف يمينه أم ال ؟ وإن كان خمتار ًا فهل اس�تثنى عقيب يمينه أم ال ؟ وإذا مل يس�تثن فهل فعل املحلوف علي�ه عامل� ًا ،ذاكر ًا ،خمتار ًا ،أم كان ناس�ي ًا أو جاه ً ال أو مكره� ًا ؟ وإذا كان عامل ًا خمتار ًا فهل كان املحل�وف علي�ه داخ ً ال يف قص�ده ونيته أو قصد عدم دخوله فخصصه بنيت�ه ،أو مل يقصد دخوله وال نوى ختصيصه؟فإن احلنث خيتلف باختالف هذا كله . وق�د كان لرتك االس�تفصال أثر يسء يف التكييف الفقهي لبع�ض القضايا املالية املعارصة، ومصداق ذلك ما وقع من هيئتني رشعيتني يف بنكني خمتلفني ورد عليهام سؤال عن مسألة واحدة، فجاء اجلواب باجلواز من إحدامها ،واجلواب باحلرمة من األخرى « ،وكان السؤال يتعلق بحالة الودائع املتبادلة بعمالت خمتلفة ؛ إذ وجه السؤال مرة عىل أهنا قرض حسن مرشوط بأخذ وديعة الفتوى بني االنضباط والتس ّيب للقرضاوي ،ص . 74 إعالم املوقعني البن القيم 87/4 ،وما يليها . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 31 د .قطب الريسوني جر نفع ًا فهو ربا ،بينام وجه الس�ؤال إىل اهليئة بعمل�ة أخ�رى ،فكانت الفتوى أهنا قرض حس�ن ّ األخرى عىل أهنا قرض حسن بضامن وديعة بعملة أخرى ،فكانت الفتوى باجلواز . » وليس مر ّد هذا التضارب -عندي -إىل االختالف يف مناط حكم األصل الذي تكيف عليه املس�ألة ؛ وإنما األص�ل فيه أن اهليئتين مع ًا رضبتا صفح� ًا عن االس�تفصال يف األمر ،وتبينّ مالبس�اته ، والس�يام أن بعض املصارف يورد السؤال بطريقة معينة للظفر بجواب معني ،ولو أورد بطريقة صحيحة لكان اجلواب خمتلف ًا ؛إذ ال تعرى مقاصد املستفتني أحيان ًا عن املخاتلة واخلداع ،وهذا ويتقي حماذيره . مسلك ينبغي أن يتفطن له املفتي ، َ وق�د ّح�ذر ابن القيم من ترك االس�تفصال يف موضعه ،ملا ينش�أ عنه م�ن ورود االحتامل ، قوالب استفسارية شتى ،فإذا مل يتفطن حلقيقة وشيوع اخلطأ ؛ إذ ترد عىل املفتي مسائل مفرغة يف َ ّ السؤال ومرماه ّ ، وأضل . ضل فتارة ترد عليه مسألتان صورهتا واحدة ،وحكمهام خمتلف ،فيذهب بالصورة عن احلقيقة، وجيمع بني ما ّفرق اهلل ورسوله بينه . وت�ارة ترد عليه مس�ألتان صورهتما خمتلفة ،وحقيقتهام واح�دة ،وحكمهام واحد ،فيذهل باختالف الصورة عن تساوهيام يف احلقيقة ،فيفرق بني ما مجع اهلل ورسوله بينه . وتارة ترد عليه املس�ألة جمملة حتتها أنواع ش�تى ،فيذهب ومهه إىل واحد منها ،ويذهل عن املسؤول عنه ،فيفتي بغري الصواب . وت�ارة رابع�ة ترد عليه املس�ألة الباطلة يف دين اهلل يف خمرج رسي ،ولف�ظ منمق ،فيبادر إىل تسويغها ،وهي من أبطل الباطل ،وتارة بالعكس . البنوك اإلسالمية بني احلرية والتنظيم جلامل الدين عطية ،ص . 73 إعالم املوقعني البن القيم . 192/4 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 32 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية الث�اين :مش�اورة أه�ل اخلبرة يف موض�وع القضي�ة املع�ارصة ،عمل ًا بقول�ه تع�اىل : ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ ،حت�ى تس�توىف املعلوم�ات ،وتدف�ع اإلش�كاالت، وجتلىّ املالبس�ات ،فإذا كانت املس�ألة اقتصاديـة ماليـة اس�تفتي أهل االقتصاد واملال ،وهكذا دواليك .. وال شك أن املشاورة يف فقه الواقع املرصيف تسعف عىل استيضاح طرائق االجتهاد، واس�تجالء غوامض املعاين ،وجتويد الرأي يف املس�ائل ،وكم من حقيقة خفيت عىل املستشير علم هبا املستشار ،فكان تالقح الرأي سبي ً ال إىل التهدّ ي إىل احلق . -الثال�ث :تفكي�ك القضي�ة املع�ارصة إىل عنارصه�ا ،كالعق�د املايل يف�كك إىل أركان ورشوط وعالق�ات وآث�ار ،ه�ذا إذا كان�ت القضي�ة مف�ردة ،أم�ا إذا كانت مركب�ة فتفكك إىل مفردات ،وحيكم عىل كل مفردة عىل حدة ،ثم حيكم عليها جمتمعة متضافرة ،ومثاله :اإلجارة املنتهية بالتمليك تفكك إىل املفردات اآلتية : إجارة بني املرصف اإلسالمي والعميل ألجل معلوم . وعد من املرصف بالتنازل عن امللكية بعد انتهاء مدة اإلجارة واستيفاء األقساط . بيع تقسيط مقرتن برشط عدم نقل العني إىل ملكية العميل إال بعد تسديد األقساط .وق�د ذه�ب كثري م�ن الفقه�اء املعارصين إىل ج�واز هذه اإلج�ارة رشع� ًا ؛ ألن اجلمع بني عنارصها مرشوع « ،وليس فيها ما خيالف نص ًا رشعي ًا ،وال يناقض قاعدة كلية عامة » ،مع التقيد بمدة اإلجارة وتطبيق أحكامها ،وحتديد مقدار كل قس�ط ،ونقل امللكية إىل املس�تأجر يف هناية األجل . النحل . 43 : املعامالت املالية املعارصة يف الفقه اإلسالمي ملحمد عثامن شبري ،ص . 45 التكييف الفقهي للوقائع املستجدة وتطبيقاته الفقهية ملحمد عثامن شبري ،ص 140ـ . 141 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 33 -الراب�ع :اس�تجالء باعث أط�راف القضية املع�ارصة ؛ ألن الباعث جيع�ل اليشء الواحد حلاالً أو حرام� ًا ،وصحيح� ًا أو فاس�د ًا ،وقربة أو معصية ،بحس�ب الني�ة واملقصد « ،فعرص العن�ب بني�ة أن يكون مخر ًا معصية ملعون فاعله عىل لس�ان رس�ول اهلل ﷺ ،وعرصه بأن يكون خ ً ال أو دبس� ًا جائز ،وصورة الفعل واحدة » ،ومن ثم فإن الصورة احلس�ية ألمر ما ال حيكم ِ اس�تصحاب املقص�د وإعامله ؛ عليه�ا بحكم رشعي اس�تناد ًا إىل املحس�وس فقط ؛ بل البد من ألنه الباعث احلامل عىل إيقاع تلك الصورة .أما إغفاله فينش�أ عنه تصحيح الفاس�د ،وإفس�اد الصحي�ح ،واإلل�زام بام ال يل�زم ،ويف هذا من العبث بالرشع ما ال خيفى .ويعجبني أن أس�وق هن�ا كالم ًا نفيس� ًا البن القيم لتعلقه بامل�راد ،ووفائه باملقصود ،يق�ول « :وقاعدة الرشيعة التي ال جي�وز هدمها :أن املقاصد واالعتق�ادات معتربة يف الترصفات والعبارات ،كام هي معتربة يف التقرب�ات والعب�ادات ،فالقصد والني�ة واالعتقاد جيعل اليشء حلاالً أو حرام ًا ،وصحيح ًا أو فاسد ًا ،وطاعة أو معصية » . ب -التكيي�ف الفقه�ي للقضية املعارصة :ويقصد به إعطاء الوصف الفقهي املناس�ب للترصف ّ حمل النظر ،ويكون ذلك بعد استجالء حقيقته ،وتبينّ جمانسته ملا يامثله من الترصفات، انتها ًء إىل تنزيل األصل الرشعي عىل الواقعة العملية . ويؤخذ من هذا التعريف أن التحقق من املطابقة بني القضية املعارصة وحكم األصل قوام التكيي�ف الفقهي ِ ومالكه ،واملراد باملطابقة التجانس يف العنارص الرئيس�ة ،وحتقق مناط احلكم يف القضية ،وصون مقاصد اإلحلاق عن االنخرام . إعلام املوقعـين الب�ن القي�م ، 250/4 ،وبـي�ان الدليل عىل بطـلان التحليل البن تيميـ�ة ،ص ، 58 واملوافقات للشاطبي . 8/3 ، إعالم املوقعني البن القيم . 96 - 95/3 ، م�ن تعاري�ف التكيي�ف الفقهي « :حتدي�د حقيقة الواقعة املس�تجدة إلحلاقها بأصل فقه�ي ،خصه الفقه اإلسلامي بأوصاف فقهية ،بقصد إعطاء تلك األوصاف للواقعة املس�تجدة عند التحقق من املجانس�ة واملشاهبة بني األصل والواقعة املستجدة » . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 34 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية وكم من ٍ مفت حيفظ الفقه ،ويعتني بمداركه ،ويقرئه يف جمالس العلم ،وال حيسن تكييف املس�تجدات ،ف�إذا س�ئل عنها حار يف اجل�واب ،أو ّ ضل فيه ضلاالً بعيد ًا .وق�د أومأ إىل هذا أبوعبد اهلل حممد بن عبد السالم حني قال « :استعامل كليات علم الفقه وانطباقها عىل جزئيات الوقائ�ع بني الناس عسير عىل كثري من الن�اس ،فتجد الرجل حيفظ كثري ًا م�ن الفقه ،ويفهمه ، ويعلم�ه غيره ،فإذا س�ئل عن واقعة لبعض العوام من مس�ائل الصالة ،أو مس�ألة من األعيان ال حيسن اجلواب » . مته�د هذا أدركنا بس�هولة ويرس أن صنيع املفتي أدق ٌ وأِش�ق م�ن صنيع الفقيه ؛ « ألن وإذا ّ متع َّل�ق الفق�ه كيل من حيث ص�دق كليته عىل جزئيات ،فحال الفقيه م�ن حيث هو فقيه كحال عامل بكربى قياس الشكل األول فقط ،وحال القايض واملفتي كحال عامل هبا مع علمه بصغراه، وال خف�اء أن العلم هبا أش�ق وأخص ،وأيض ًا فقها القضاء والفت�وى مبنيان عىل إعامل النظر يف الصور اجلزئية ،وإدراك ما اشتملت عليه من األوصاف الكامنه فيها ،فيلغي طريدها ،ويعمل معتربها » . وقد ش� ّبه ابن رش�د احلفيد الفقيه احلافظ للمس�ائل ببائع اخلفاف الذي عنده خفاف كثرية لكنه ليس خفاف ًا ؛ ألنه ال حيسن أن يصنع ِخفاف ًا ملن ال يوافق قدمه ما عنده من ِ اخلفاف . ُُ وم�ن ص�ور التكيي�ف الفقه�ي للمس�تجدات املالية :تفكي�ك املش�اركة املتناقص�ة إىل املعيار للونرشييس . 80/10 ، البهجة يف رشح التحفة للتسويل . 17/1 ، بداية املجتهد مع اهلداية البن رشد . 376/7 ه�ي رشك�ة يعطي املرصف اإلسلامـي فيها احلق للرشيك يف احللول حمل�ه دفعـة واحدة أو عىل دفعـات حسبام تقتضيه الرشوط املتفق عليها ؛ إذ يقدم املرصف اإلسالمي جزء ًا من رأس املال املطلوب للمشـروع بصفته مشارك ًا للعميل ،الذي يقدم اجلزء الباقي من رأس مال املشـروع ،ويتفق مع املرصف عىل شـراء حصت�ه تدرجيي� ًا .انظر :االس�تثامر ألمرية مش�هور ،ص ، 286والتكييف الفقهي ملحمد عثامن ش�بري ، ص . 137 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 35 د .قطب الريسوني عنارصها ،وهي : رشكة العنان بني املرصف اإلسالمي والعميل . -وعد من املرصف اإلسالمي ببيع حصته للعميل . بيع املرصف حصته للعميل بالتدرج حتى تصبح امللكية خالصة له يف هناية املطاف.أما البيع ورشكة العنان فجائزان باتفاق الفقهاء ،وأما الوعد فمحمل خالف ،والراجح أنه ملزم قضا ًء إذا كان متع ّلق ًا بسبب ،ودخل املوعود يف السبب ،وهبذا أفتى جممع الفقه اإلسالمي يف دورت�ه اخلامس�ة يف الكوي�ت ،وجاء يف قراره « :الوعد يكون ملزم� ًا للواعد ديانة إال لعذر ، وه�و ملزم قضا ًء إذا كان مع َّلق ًا عىل س�بب ،ودخل املوعود يف كلف�ة نتيجة الوعد ،ويتحدّ د أثر اإللزام يف هذه احلالة إما بتنفيذ الوعد ،وإما بتعويض عن الرضر الواقع فع ً ال بسبب عدم الوفاء بالوعد بال عذر » . ضم�ت املش�اركة املتناقصة بين جانحتيها ثالثة عن�ارص جائ�زة ،وكان اجلمع بينها ولم�ا ّ نص ًا رشعي ًا ،أو قاعدة كلية ،فال ضري وال جناح يف تعاطيها، مرشوع ًا أيض ًا ،وليس فيها ما جيايف ّ التنزه عن حيلة اإلقراض بالفائدة ،ورشط امتالك املرصف حلصته يف املرشوع مع التقيد برشط ّ ملك ًا تام ًا . ج -ع�رض القضي�ة املع�ارصة عىل مصادر الترشيع ،كتاب ًا وس�نّة وإمجاع� ًا ،وقد كان هذا الع�رض هدي الصحابة رضوان اهلل عليهم يف التص�دي لنوازل عرصهم ؛ إذ ال يعملون الرأي إال بعد مطاولة وجهد يف االستقصاء ،إيامن ًا منهم بوجوب الر ّد إىل اهلل ورسوله ،وجتريد االتباع هلما .وم�ن البدهي أن ال يظفر املفتي بن�ص رصيح يف النازلة ،وهي وليدة العرص وبنت اليوم ، لكنه ال يعدم يف النصوص ما ُيؤنس للحكم بداللـة التضمن أو االلتزام. قرارات جممع الفقه اإلسالمي ،ص . 91 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 36 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية د -ع�رض القضية املعارصة عىل فتاوى الصحابة واجتهاداهتم ،فقد يوجد فيها ما ُيؤنس للحك�م ،أو يرش�د إلي�ه من طرف خف�ي ،وحتى لو عدمنا ذل�ك فإننا ال نخط�ىء فيها منحى راش�د ًا يف تفسير الن�ص ،أو تنزيل�ه عىل الواقع ،ولع�ل اجتهادات عمر ب�ن اخلطاب ريض اهلل عن�ه يف إبطال س�هم املؤلفة قلوهبم ،ورفع احلد الرسق�ة يف املجاعة ،واإللزام بالطالق الثالث، أمثلة مضيئة يف منهجية التصدي للنوازل تكييف ًا وحك ًام .وأكثر املظان استيعاب ًا ألقوال الصحابة وفتاوهيم الس�نن الكربى للبيهقي ،وس�نن الدارمي ،واملصنف لعبد الرزاق ،ومصنف ابن أيب شيبة . ه�ـ -البح�ث عن حكم القضية املعارصة يف اجتهادات املذاه�ب املتبوعة واملندثرة ،وهي اجلم�ة ،وال يعظم ق�در الفقيه مس�تودع اآلراء الفقهي�ة احلصيف�ة ،ومشرع الفوائ�د األصولية ّ ويشرف إال باإلحاط�ة هب�ا واإلفادة منها ،قال ابن عبد الرب « :ال يك�ون فقيه ًا يف احلادث من مل يكن عامل ًا باملايض » . وقد أفتى الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي بجواز ( بنوك احلليب ) استئناس ًا برأي الليث اب�ن س�عد وابن حزم يف اعتبار الرضاع م�ا كان عن طريق التقام الث�دي وامتصاص اللبن منه ، دون الوجور أو الس�عوط ؛ ألن هذا ما تقتضيه كلمة الرضاعة التي ترتب عليها التحريم يف القرآن والسنّة . وم�ن الطري�ف أن ابن عابدين عني يف حاش�يته باحلديث عن التأمني يف باب املس�تأمن من باب اجلهاد ،وهو من قضايا العرص ،وقد أفاد من رأيه بعض الفقهاء املعارصين يف التأصيل الرشعي عىل سبيل التقوية واالستئناس . جامع بيان العلم وفضله البن عبد الرب . 47/2 ، الوجور :الصب يف احللق ،والسعوط :الصب يف األذن . فتاوى معارصة للقرضاوي 550/2 ،ـ . 556 حاشية ابن عابدين ، 170/4 ،ونظام التأمني للزرقا ،ص . 21 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 37 د .قطب الريسوني و -البحث عن حكم القضية املعارصة يف جماميع الفتاوى القديمة واملعارصة ،فقد حتوي خيرج عليها احلك�م ،وحتى لو انتف�ى التطابق بين عطفيه�ا نظائر فقهية ،وس�وابق يف الفت�وى ّ املوضوعي التام بني القضية الس�ابقة والقضية املس�تجدة ،فإن املفتي ال يستغني عن االستئناس تنور أفق البحث ببصيص نور هيدي إىل احلق .ومن بصلة قربى أو شبكة رحم بينهام من شأهنا أن ّ البده�ي أال تكون دالل ُة الفتاوى القديمة عىل املس�تجدات دالل� َة مطابقة ،وأال يكون مفهو ُمها ّ املحل ،وتباي�ن املوجب ؛ وإنما يكتفى يف مورد مفه�و َم موافق�ة ،مع اختلاف الزمن ،وتغّي�رّ االستئنتاس بداللة التضمن أو االلتزام عىل ٍ نحو ينبىء عام وراء األكمة ! وإن بعض القضايا الطبية املعارصة « استفادها بعض العلامء املعارصين من بعض الفتاوى القريبة :كجواز أكل املضطر لقطعة حلم من جس�مه ،حيث اس�تأنس هبا يف الوصول إىل حكم زرع األعضاء » . وال ختلو الفتاوى القديمة من جوابات يستأنس هبا يف التهدي إىل حكم بعض املستجدات املالية واملرصفية ،ومنها :مس�ألة تغيرّ الس�كة أو انقطاعها ،فقد أفتى ابن عتاب يف قرطبة حني انقطع�ت س�كة ابن جهور بدخول ابن عباد بس�كة أخ�رى :أن يرجع يف ذلك إىل قيمـة الس�كة املقطوعة من الذهب ،ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب ،وكان أبو دحون يفتي بالقيمة يوم القرض ،ويقول :إنام أعطاها عىل العوض . ومن أنفع كتب الفتوى وجماميع النوازل :نوازل ابن رشد ،وأحكام الشعبي ،ونوازل ابن بش�تغري ،ونوازل ابن لب ،ونوازل ابن احلاج القرطبي ،وفتاوى الش�اطبي ،وفتاوى املازري ، واملعي�ار املعرب للونرشييس ،واملعيار اجلديد للوزاين ،ونوازل أيب احلس�ن العلمي ،والفتاوى املعامالت املالية املعارصة يف الفقه اإلسالمي ملحمد عثامن شبري ،ص . 47 املعيار للونرشييس . 163/6 ،وانظر أمثلة هذه املسائل يف :سبل االستفادة من النوازل والعمل الفقهي يف التطبيقات املعارصة ،لعبد اهلل الشيخ املحفوظ بن بيه ،جملة املجمع الفقهي اإلسالمي ،اجلزء الثاين، 1998 ، 1419م 570 ،ـ . 575 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 38 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية اهلندي�ة ،وفت�اوى اب�ن الصلاح ،وفت�اوى الن�ووي ،وفتاوى الس�بكي ،وفتاوى اب�ن تيمية ، وفتاوى ابن بدران .وال نعدم يف هذه الكتب واملجاميع تأصي ً ال رشعي ًا لقضايا متت بسبب وثيق إىل املستجدات املالية كالرشكات املسامهة ،وأحكام العمالت وتغري الرصف ،والتأمني . وال يستغني الفقيه عن النظر يف الفتاوى احلديثة ،وهي أربعة أصناف : األول :فتاوى اجلهات الرس�مية املكلفة باإلفتاء ،مثل :دار اإلفتاء بمرص ،وجلنة الفتوى باألزهر ،ورئاسة اإلفتاء باململكة العربية السعودية . والثاين :فتاوى املجالت اإلسالمية مثل :جملة ( املنار ) التي توىل فيها اإلفتاء الشيخ رشيد رضا مؤس�س املجلة ،وجملة ( األزهر ) ،وجملة ( منرب اإلسلام) ،وجملة ( نور اإلسالم ) ،وجملة ( الوعي اإلسالمي ) . والثالث :فتاوى بعض املعارصين ممن يوثق يف أهليتهم العلمية ،مثل فتاوى الشيخ حممود شلتوت ،وفتاوى الشيخ حسنني خملوف ،وفتاوى الشيخ يوسف القرضاوي ،وفتاوى الشيخ مصطفى الزرقا . والراب�ع :فت�اوى املجامع واهليئات ،مثل :جممع البحوث اإلسلامية يف األزهر ،وجملس املجم�ع الفقه�ي املنبث�ق عن رابط�ة العامل اإلسلامي ،واملجم�ع الفقه�ي التابع ملنظم�ة املؤمتر اإلسلامي ،وفت�اوى هيئات الرقابة الرشعية للبنوك اإلسلامية ،وقد أصب�ح بعضها مطبوع ًا متداوالً كفتاوى ( بنك فيصل اإلسالمي ) يف السودان . ز -البح�ث عن حك�م القضية املعارصة يف قرارات املجام�ع الفقهية ،وبحوث املؤمترات الرشعية املتخصصة ،ورس�ائل املاجس�تري والدكت�وراه املتميزة ،والتآليف املش�هود ألصحاهبا باالس�تبحار يف العل�م ،ودقة الصناعة الفقهية .وإن الصبغ�ة املعرفية التي مت ّيز هذه املصادر عن غريها :الصرب عىل االستقراء ،واجلودة يف التأصيل ،والدقة يف الصناعة . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 39 د .قطب الريسوني ح -إذا مل جي�د املفت�ي حك�م القضي�ة املعارصة فيام تق�دّ م من املصادر واإلج�راءات ،أعاد النظ�ر يف موضوعه�ا ،وافرتض فيها أقس�ام احلك�م التكليفي من وجوب أو ن�دب أو إباحة أو حتري�م أو كراه�ة ؛ وإن كان احلك�م فيه�ا يتر ّدد بني اإلباح�ة أو احلظر ،وبينهام مرات�ب ،ثم يس�تنبط حكم القضية املعارصة بعدَ النظر يف اقرتاض اجلواز واملنع ،واستقراء نتائجهام ،ووزن كل نتيج�ة بميزان املصالح املجتلبة واملفاس�د املدفوعة ،على أن تراعى عند عقد املوازنات زمر من القواعد: -قواعد التيسير ورفع احلرج :كقاعدة املش�قة جتلب التيسير ،وقاع�دة إذا ضاق األمر اتسع ،والرضورات تبيح املحظورات ،واحلاجة تنزل منزلة الرضورة ،واألصل يف املعامالت اإلباحة . -قواع�د رف�ع الضرر :كقاع�دة ال رضر وال رضار ،والضرر ي�زال ،ويرتك�ب أخف الرضرين ،والرضر ال يزال بالرضر . -قواعد املصالح واملفاسد :كقاعدة درء املفاسد أول من جلب املصالح ،وإذا تعارضت مفس�دتان روع�ي أخفهما رضر ًا بارت�كاب أخفهما ،ودرء املفاس�د مرشوط ب�أن ال يؤدي إىل مثلها. -قواعد الوس�ائل :كقاعدة للوس�ائل حك�م املقاصد ،واعتبار املقاص�د أوىل من اعتبار ِ ح�رم س�د ًا للذريعة أبيح الوس�ائل ،والوس�يلة إذا مل تف�ض إىل املقص�ود بط�ل اعتباره�ا ،وما ّ للمصلحة الراجحة . ط -التوقف عن الفتوى عند استشكال الدليل وخفاء وجه الصواب يف القضية املستجدة، وهذا مس�لك أثري عند الس�لف الصالح الذين اش�تهروا بالتورع يف الفتيا ،والتأين يف اجلواب ، انظر تفصيل هذا املسلك يف املعامالت املالية يف الفقه اإلسالمي ملحمد عثامن شبري -ص . 49-48 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 40 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية بمجرد الرأي ،وقد كان الصحابة رضوان اهلل عليهم -عىل التهجم عىل رشع اهلل واخلش�ية من ّ ّ م�ا اتفق هلم من وفور العلم ،وهنوض احلج�ة ،وتشرّ ب مقاصد الوحي فه ًام وتنزي ً ال -تعرض عليهم املس�ألة فيجمعون هلم النخبة من أهل العلم والفهم ،طمع ًا يف اجتامع اخلواطر ،وتالقح األنظار ،واس�تيضاح طرائق االجتهاد املفيض إىل احلق ؛ بل إن بعضهم حييل الفتوى عىل اآلخر هتيب ًا من عاقبتها ،واستعظام ًا لشأهنا . وعلى منه�ج الصحابة رضوان اهلل عليهم س�ار األئمة األربعة ،وه�م صفوة أهل االتباع، فل�م يس�تنكفوا قط من التوق�ف كلام وجلوا مضاي�ق النظر ،وأعوزهتم احلج�ة ،والتبس عليهم وجه احلق ،إال أهنم متفاوتون يف إعامل هذا املس�لك بني ٍّ مقل ومس�تكثر ،وهذا التفاوت يمليه اختالف يف موارد االجتهاد ،ومنازع النظر ،وطبيعة اإلشكاالت املوجبة للرتدد لدهيم . وقد توقف اإلمام أبو حنيفة يف سؤر احلامر ،ووقت اخلتان ،واخلنثى املشكل ،وتوقف اإلم�ام مال�ك يف حكم خنزير البح�ر ،وال َك ْي َمخت ،وإعادة الصلاة إذا صليت خلف أهل البدع ،وتوقف اإلمام الش�افعي يف وقوع ما ال نفس له س�ائلة يف املاء ،ووصية الرجل باحلج عنه تطوع ًا ،واملحرم يغلب عىل عقله فيصيب الصيد ،وتوقف اإلمام أمحد يف املتيمم ينس�ى املاء يف رحله ويصيل ،وغسل اخلف ،وطالق السكران . بيد أن التوقف استثناء يف العلوم عامة ،ويف الفتوى عىل وجه اخلصوص ،فإذا صار أص ً ال مس�تقر ًا ،وقاع�دة ثابتة ،تعطلت األح�كام ،وفات حكم الرشع يف احل�وادث والنوازل ،ومن انظر :البناية يف رشح اهلداية للعيني 454/1 ،ـ ، 655/12 ، 455وحاش�ية ابن عابدين -478/5 ، . 479 الكيمخت :جلد احلامر أو الفرس أو البغل امليت أو أو املدونة . 207/1 ، األم للشافعي . 129/2 ، 117/2 ، 25/1 ، 5/1 ، املغني البن قدامة . 256/8 ، 338/1 ، 275/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 41 د .قطب الريسوني هنا وجب عىل املفتي يف القضايا املعارصة أن حيمل نفسه عىل الصرب يف االستقراء ،واملطاولة يف االستخبار ،والرتيث يف احلكم ،قبل اللواذ بالتوقف ؛ إذ ال بد أن تكون مثاراته قوية ،ودواعيه ناهضة ،فال ملجأ إال إليه ،وال رفدَ إال منه . ثم ف�إن مفتي املصارف ال يفزع إىل التوقف عندَ إعواز الدليل ،وضيق الس�بيل ،إال وم�ن ّ بعد مراعاة الضوابط اآلتية : -أال يكون حكم املسألة املتوقف فيها مشهور ًا ،وقد أصل القرايف هلذا الضابط حني قال: « وما هو مشهور ال يكون اللبس فيه عذر ًا » . -أال يكون س�بب التوقف ضعيف ًا ،ويؤخذ من هذا الضابط أن ليس كل اش�تباه يوجب التردد والتوق�ف ؛ بل يعتدّ بما كان قوي ًا مثري ًا للش�بهات ،كالتعارض الص�ارخ بني أمارتني ال مرجح إلحدامها ،أو االلتباس الشديد يف الصفات التي تناط هبا األحكام . -استفراغ الوسع يف طلب الدليل ،وحتصيل املرجح عند التعارض ،وقد نص الشافعي على ه�ذا الضاب�ط يف قوله « :على أن العامل ال يقول يف مس�ألة :ال أعلم ،حتى جيهد نفس�ه يف هيون أمر املسألة ويطمع النظر فيها ثم يقف ..ووجهه أن العامل ليس كالعامي ،فقوله :ال أعلم ّ السائل يف اإلقدام » . -بي�ان داع�ي التوقف ،ومثار الرتدد ،حتى يعلم هل هو مما يعتدّ به أم ال ؟ وال ش�ك أن هذا البيان احتياط حسن يمنع التعطيل املطلق ،والتفيص من األحكام ،ويقدح ،يف اآلن عينه ، األفكار واألنظار حول مرشوعية هذا الداعي أو ذاك املثار ،فرب عامل يتوقف يف مسألة الشتباه املرجح الذي ندَّ عن فطنته . ما ،فيأيت عامل آخر وجييل له هذا االشتباه ،ويوقفه عىل الدليل أو ّ الفروق للقرايف . 174/4 ، البحر املحيط للزركيش . 274/2 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 42 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية -أال يستنبط من التوقف حكم رشعي أيا كان نوعه أو رتبته ،وإال مل يكن للتوقف معنى، التهمم بكامل التحقيق ،واالحتياط وأهدر املقصود الذي من أجله ترك القول يف املسألة ،وهو ّ مل�راد الشرع .قال اب�ن قدامة « :أما التوقف ع�ن اجلواب فليس بقول يف املس�ألة ؛ إنام هو ترك للقول فيها » . -2آداب املنهج : إذا كان املنهج املريض يف معاجلة القضايا املعارصة يقوم أول ما يقوم عىل مقومات علمية ، ومراح�ل منهجي�ة ،جتليّ كيفية التأصيل ،وطريق�ة التنزيل ،فإن من متمامت هذه املقومات ،أو تلكم املراحل ،آداب ًا ال ندحة عن مراعاهتا يف التأصيل الفقهي للمس�تجدات ،جري ًا عىل النهج امللحب ،وهي : السديد والطريق ّ التج�رد يف البح�ث ،واحلي�دة يف احلك�م ،واإلخلاص هلل يف الب�دء واملنته�ى ،وه�ذا أ- ّ قطع النفس عن أطامع الرئاس�ة ،وش�هوة املال ،وقتنة الش�هرة ،وحب الفلج والظهور يقتيض َ ِ ونصرة املذهب بال ّلس�انة والصل�ف ،يقول ابن القي�م « :فأما النية فه�ي رأس األمر باحلج�ة، وعموده وأساس�ه وأصله الذي عليه يبنى ،فإهنا روح العمل وقائده وسائقه ،والعمل تابع هلا، ويبنى عليها ،يصح بصحتها ،ويفس�د بفس�ادها ،وهبا يس�تـجلب التـوفيق ،وبعدمها حيصل اخلذالن. » ب -إظه�ار االفتقار إىل اهلل تعاىل قبل الفتوى يف القضية املعارصة ،باس�تمداد العون منه ، واس�تلهام الص�واب ،وطلب الفتح ،وما أجدر من أمل فضل رب�ه أن ال حيرمه إياه ،يقول ابن القيم « :ينبغي للمفتي املوفق إذا نزلت به املسألة أن ينبعث من قلبه االفتقار احلقيقي ال العلمي املج�رد إىل مله�م الص�واب ،ومعلم اخلير ،وهادي القل�وب :أن يلهمه الص�واب ،ويفتح له املغني البن قدامة . 256/8 ، إعالم املوقعني البن القيم . 199/4 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 43 د .قطب الريسوني طريق الس�داد ،ويدله عىل حكمه الذي رشعه لعباده يف هذه املس�ألة ،فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق . » .. وقد حكى ابن القيم ما رآه من صنيع ش�يخه ابن تيمية إذا حزبته مس�ألة ،واستش�كل عليه وج�ه احلق فيها ،من جلوئه إىل اهلل تعاىل ،واس�تمداده الص�واب من عنده ،فيرتى العون اإلهلي مدد ًا بعد مدد ،وتزدحم الفتوحات الربانية بني يديه ،ال يعلم بأيتهن يبدأ . التح�رر م�ن ربقة التعصب املذهب�ي ؛ بوصفها حجاب ًا صفيق ًا بين املفتي ونور احلق ، ج- ّ وعائق ًا عن العمل بالدليل الذي تعبدنا اهلل به ،وعقب ًة يف طريق االستفادة من االجتهادات الثرية ِ جهات االجتهاد للمذاه�ب األخر ،مما جيعل الفت�وى دائرة يف فلك املنقول املذهبي ،زائغ ًة عن العرصي املطلوب ،وهذا تعنّت تأباه مصالح الدين ،ومحل للناس عىل احلرج املرفوع . د -التمهي�د للحكم املس�تغرب يف الفت�وى املعارصة بتوطئة تطرد وحش�ته عن النفوس ، والس�يام إذا كان ثقيل ً ا عليه�ا ،وجمافي ًا ملألوفها ؛ ألن من ش�أن النفس النف�ور واالزورار إذا ما دعي�ت إىل خلاف م�ا ألفته ،فاالفت�كاك عن مألوفاهتا تق�ف دونه عقبة التع�ود واإللف حين ًا ، وعقب�ة العناد واملكابرة حين ًا آخر ،مما يقتيض بس�ط مقدمات ممهدات هتي�ىء اجلو النفيس لتق ّبل اجلدي�د املس�تغرب .قال ابن القي�م « :إذا كان احلكم مس�تغرب ًا جد ًا مما مل تألف�ه النفوس ،وإنام ألف�ت خالف�ه ،فينبغي للمفتي أن يوطىء قبله م�ا يكون مؤذن ًا به كالدلي�ل عليه ،واملقدمة بني يديه » . ه�ـ -س�وق الفت�وى بدليلها وتعليله�ا يف القضية املع�ارصة ،أما الدليل فه�و لب الفتوى وروحه�ا ،واملكل�ف أطوع م�ا يكون لالنقي�اد إذا ذكر له النص من كتاب اهلل وس�نة رس�وله ، إعالم املوقعني . 199/4 ، نفسه . 222/4 ، نفسه . 208/4 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 44 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ِ بالعراء عن األدلة ،وقلة البضاع�ة ،وضيق العطن ،فيكون املجرد الذي يش�عر بخلاف الفق�ه َّ االنقياد له ش�اق ًا عسير ًا ،وإن تأتى فبعد حرونة واس�تيحاش .قال ابن القيم « :ينبغي للمفتي جمرد ًا عن دليله أن يذكر دليل احلكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك ،وال يلقيه إىل املس�تفتي س�اذج ًا َّ ومأخ�ذه ،فه�ذا لضيق عطنه ،وقلة بضاعته من العل�م ،ومن تأمل فتاوى النبي ﷺ الذي قوله حجة يف نفسه ،رآها مشتملة عىل التنبيه عىل حكمة احلكم ،ونظريه ،ووجه مرشوعيته » . ِ األس�باب وأم�ا التعلي�ل فهو زينة الفت�وى وطرازها ؛ إذ تعرض جملوة األرسار ،موصولة حب بحك ِم الترشيع ،فينرشح هلا الصدر ،وتقبل عليها النفس ،والسيام أن العقول جمبولة عىل ّ املفسات التي جتري فيها األحكام عىل ذوق املصالح ِ ، وهنج املعقوالت ،يقول الغزايل املع ّلالت رّ « :إن يف معرف�ة باع�ث الرشع ومصلحة احلكم اس�تاملة للقلوب إىل الطمأنين�ة والقبول بالطبع واملسارعة إىل التصديق ،فإن النفوس إىل قبول األحكام املعقولة اجلارية عىل ذوق املصالح أميل لج الداعي إىل تعليل الفتوى يف عرص الغزايل ، منها إىل قهر التحكم ،ومرارة التعبد » .وإذا ّ فام بلك بعرص استحكمت فيه النزعات املادية واإلحلادية ،وراجت التيارات العقالنية املبهورة ببهرج املادة ،وخالبة املنطق ! و -األخ�ذ باأليسر يف حك�م القضي�ة املعارصة ما مل يك�ن إث ًام ،حلديث عائش�ة ريض اهلل عنها قالت « :ما خيرّ رس�ول اهلل ﷺ يف أمرين قد إال اختار أيرسمها ما مل يكن إث ًام ،فإن كان إث ًام كان أبع�د الناس منه » ،ومن العبارات الش�ائعة املأث�ورة عند أهل الفقه والفتوى :هذا أرفق بالناس. بي�د أن التيسير ال يعني التنصل من العزائم ،والفرار م�ن التكاليف ،ونقض عرى الدين بضوابط ٍ ِ َ ركاب النص�وص ،ومقاصد الترشيع، متينة جت�ري به يف املج�رد ؛ وإنما حيكم بال�رأي َّ إعالم املوقعني . 161/4 ، املستصفى للغزايل . 369/2 ، أخرجه البخاري يف كتاب املناقب ، 230/4 ،ومسلم يف كتاب الفضائل 80/7 ،بلفظ « :إال أخذ ». مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 45 د .قطب الريسوني ِ ِ وموارد االنحالل ،وإال قلبت حقائق الرشع رأس� ًا وقواع�د الفق�ه ،بعيد ًا عن مظان الغلو ، عىل عقب بتصيريها حمكومة هبوة الناس ووقائع اخللق ،وهو الذي نزل من فوق سبع ساموات حاك ًام قاضي ًا . ز -اجلم�ع بين النصوص اجلزئي�ة واملقاصد الكلية يف بحث القضي�ة املعارصة ،عىل ٍ نحو جييل حكم الترشيع وأرساره الباهرة ،ويصون مصالح اخللق عن اإلهدار ،وإال مجد املفتي عىل مقتضي�ات اللف�ظ ،وجزئيات الظاه�ر ،فأثبت حيث جيب النفي ،ونف�ى حيث جيب اإلثبات، وزاغ ع�ن الس�بيل القصد يف التأصيل ،بس�بب قص�ور النظر ،وانفالت املعي�ار ،وضيق األفق االجتهادي . ومل�ا كانت املعامالت جماالً رحب� ًا للغوص عىل التعاليل ،وإعامل املقاصد ،ومراعاة املعاين كام قال الشاطبي ،فإلزام املفتي بالنظر املقاصدي يف املعاين املجتهد فيها رضورة ال حميص عنها ؛ إذ ب�ه ترتاح�ب دائرة الن�ص الرشعي ومش�موالته ،فيرتاح�ب بذلك صدر الرشيع�ة ملدارجة املستجدات والنوازل ،واستيعاب املخارج هلا وفق مرادات الشارع يف استيفاء مصلحة اإلنسان ال وآج ً عاج ً ال . ِ وبيان مزالقه ،جري ًا عىل جادة السلف الصالح ح -مراعاة آداب احلوار يف ختطئة املخالف ، َ واجلدال الفقهي اخلالف حيكم يف تأ ّلف املخالفني واستدراجهم إىل حظرية احلق .ومما ينبغي أن َ َّ َ فيه البعدُ عن س�و ِ ضاع احلق باس�تيالء اهلوى ، رة ال َف َلج ،وآفة ال ّلس�ان َِة ،وفتنة التعصب ،وإال َ ّ َ ْ واس�تحكام الضغ�ن !والعلم منذ وجد إنما تتم ّيز حقائقه وختلص باجلدال احلس�ن ،فرحم اهلل الغالب واملغلوب فيه كام قال الرافعي رمحه اهلل . إن تأهي�ل مفت�ي املصارف يف جمالني متوازيني :جمال الوس�ائل االجتهادي�ة ،وجمال املنهج انظر هذه الضوابط يف كتابنا :التيسري الفقهي :مرشوعيته وضوابطه وعوائده ،ص 71ـ . 130 تاريخ آداب العرب للرافعي . 410/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 46 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ٌ س�بيل إىل إحكام الش�ق النظري يف االجتهاد ،وهو شق يقوم عىل البحثي يف القضايا املعارصة ، بعدين :بعد اس�تنباطي تعني عليه العلوم/األدوات ،وبع�د منهجي تعني عليه املعرفة املنهجية يف املعاجلة .أما الشق التنزييل فهو قسيم الشق النظري ،وال تلتئم عدة املفتي املجتهد إال باجلمع بني الشقني ،وإحكام الصنعة فيهام مع ًا . *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 47 د .قطب الريسوني املبحث اخلامس التأهيل يف فقه التنزيل إن مفتي املصارف اإلسالمية ال يعدّ مؤه ً ال لإلفتاء يف املعامالت املالية واملرصفية باستيفاء الرشوط التحصيلية واملنهجية فقط ؛ بل ال بد أن ترفدَ املعرف َة النظري َة املؤهلة للفه ِم واالستنباط ٍ بمغال وإجراء البحث ،معرف ٌة تطبيقية قس�يمة هلا ال تقل عنها أمهية وخطورة وش�أن ًا ،ولس�ت أش�ق وأعرس من الفهم متح�رف ع�ن مكان احلق إذا قل�ت :إن أو التطبيق يف صناعة االجتهاد ّ َ ّ املجرد ،وال يضطلع به إال غواص عىل فقه الواقع ،وبصري بمقاصد الرشع، النظري واالستنباط َّ ِ قواعد املوازنة والتغليب . ومتضلع من ف�إذا كان الفه�م ي�روم حتصيل الص�ورة الذهنية املجردة للم�راد اإلهلي يف الوح�ي املتع ّلق بأجناس األفعال ،فإن التنزيل يروم تنصيب هذا املراد ق ّي ًام عىل الواقع اإلنساين يف صبغته الفردية واجلامعية ،حتى يصبح جاري ًا عىل جادة األوامر والنواهي ،متكيف ًا هبا يف كل شاذة وفاذة . ث�م فإن فق�ه التنزيل يرفد املفتي املجتهد باألدوات والوس�ائل الت�ي تلحم بني وحي وم�ن ّ السماء وواقع األرض ،فيش�ق الوحي جمراه يف الواقع تفعي ً الوحي الواقع ويترشب ال وتكييف ًا ، ُ َ ّ تكيف� ًا بمرادات�ه ،مما يثمر الصبغة اإلسلامية للحياة ،وهي مقصود االس�تخالف يف األرض ، وثمرة تطبيق اخلطاب الرشعي . وال يذهب ّن عنك دور العقل يف ِ ِ والغوص متييز أفعال اإلنسان من حيث التشابه واالختالف ، على بواعثه�ا ومآالهت�ا ،حتى ي�ر ّد ك ًّ اجلمة املتش� ّعبة -إىل نصاهب�ا الصحيح ، ال منها -وه�ي ّ ِ جلب املصلحة ودرء املفسدة .وقد أجاد املجرد املس�تويف لقصد الشارع يف وهو احلكم الرشعي َّ ّ تنص عىل حكم كل جزئية الشاطبي يف تصوير هذا الدور والتمثيل له حني قال « :إن الرشيعة مل ّ على حدهت�ا ؛ وإنام أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعداد ًا ال تنحرص ،ومع ذلك فلكل معَّي�نَّ خصوصية ليس�ت يف غريه ،ول�و يف نفس التعيني ،وليس ما ب�ه االمتياز معترب ًا يف احلكم مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 48 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية بإطالق ،وال هو طردي بإطالق ؛ بل ذلك منقسم إىل الرضبني ،وبينهام قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفني ،فال يبقى صورة من الصور الوجودية املعنية إال وللعامل فيها نظر س�هل أو صعب حتى حيقق حتت أي دليل تدخل ،فإن أخذت بشبهة من الطرفني فاألمر صعب » . وإذا كان العث�ار يف فه� ِم الن�ص مفضي� ًا إىل إهدار املقاص�د الرشعية ،فوقوع�ه يف التنزيل ٍ املجرد س�ديد ًا يف اس�تجالء املراد اإلهلي من عىل الواقع مفض إىل املآل نفس�ه ؛ فقد يكون الفهم ّ الوحي « ،ولكن تنزيل احلكم يقع عىل صور من األفعال ليست مندرجة حتته ،أو يقع عىل صور مندرجة حتته لكنها ال تس�تجمع رشوط ومؤهالت تنزيل احلكم عليها » ،أو تتأتى املجانسة املجرد وآحاد الصور ،لكن املآل ينخرم عند التطبيق عىل الواقع لدوا ٍع ش�تى، بني احلكم الكيل ّ مفوت ملقاصد الش�ارع يف جلب الصالح وه�ذا كله مع�دود يف دائرة أخطاء التنزي�ل ،ورضره ّ ودرء الفساد . وال�ذي نخل�ص إليه من إي�راد هذه املقدم�ات املمه�دات أن فقه التنزي�ل رضورة رشعية ومس�لك اجتهادي مرشوط يف الصناعة ،فال س�بيل إىل القيام عىل الفتوى يف املستجدات املالية أت�م القيام ،إال بالتأهيل ِ فيه ،واكتس�اب الدربة وامل�ران ،وحتصيل الكيفيات واألدوات ،ومن املصارف اإلملام بفقه التنزيل مقو ٍ ِ مات وقواعدَ : هنا يصبح لزام ًا عىل مفتي ّ -1مقومات فقه التنزيل: ٍ بأدوات اجتهادية شتى ،وضوابط منهجية يف البحث، لما كان فهم النص الرشعي يستقيم حتري ًا لدقة االنتزاع ،وجودة االس�تنباط ،فإن التنزيل عىل الوقائع أنواع ًا وأفراد ًا جيري يف إطار ٍ مقومات متينة تضمن الوصل املنشود بني النص بمقصده وروحه ،والواقع بأحداثه ومالبساته، ومجاع هذه املقومات ثالثة أصول : املوافقات للشاطبي . 58/4 ، خالفة اإلنسان بني الوحي والعقل لعبد املجيد النجار ،ص . 117 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 49 د .قطب الريسوني أ -حتقيق مناطات األحكام : إن املقص�ود بتحقي�ق املن�اط عند أهل األص�ول « :النظ�ر يف معرفة العل�ة يف آحاد الصور بعد معرفتها يف نفس�ها ،وس�واء كانت معروفة بنص أو إمجاع أو اس�تنباط » ،وإذا كان أكثر جيوب مدلوله ،معترب ًا األصوليين عىل حرص حتقيق املناط يف علة القياس ،فإن بعضهم وس�ع َ إي�اه منهج� ًا اجتهادي ًا يف تنزيل األحكام الكلية املجردة عىل الوقائع صور ًا وأفرا َد أفعال « ،وهي ّ مش�خصة ،وهي أيض ًا متش�اهبة متداخلة » ،مما يستلزم اإلنعام فيها بنظر غري مدخول جزئية لتبّي�نّ وج�وه التش�ابه واالختالف ،فيعلم أه�ي مندرجة ضمن أف�راد احلكم ال�كيل ،فتناط به وجت�ري عىل جادت�ه ،أم منفصلة عنه فتس�تبعد .ومن هنا جاء تعريف الش�اطبي لتحقيق املناط بقوله « :معناه :أن يثبت احلكم بمدركه الرشعي ،لكن يبقى النظر يف تعيني حمله » . وهذا الرضب من التحقيق رضورة رشعية ،وأصل ضابط يف التطبيق ،وال ينقطع االجتهاد فيه إال بانقطاع أصل التكليف كام قال الشاطبي ،وله مرتبتان اثنتان : ـ األوىل :حتقيق املناط العام يف ح ّيز األنواع : جم�رد مس�وق إىل أجن�اس األفعال ،ش�امل لعم�وم املحكوم فيه إن احلك�م التكليف�ي كيل ّ واملحك�وم علي�ه عىل س�بيل االس�تغراق ،ف�إذا رشع يف تنزيل�ه عىل الواق�ع ،ح ّق�ق يف مناطاته التطبيقي�ة ،لتميي�ز األنواع املش�مولة باحلك�م فيلحق هبا ،م�ع االحرتاز من النو ِع املش�تبه الذي يشمله حكم آخر غري الذي أراده اهلل تعاىل يف الواقعة . ِ حرص أن�واع املناطات يف الوقائع ثم ف�إن التحقيق يف األنواع يق�وم أول ما يقوم عىل وم�ن ّ املج�رد ،وتبينّ ِ ما يكون اندراجه حت�ت احلكم حقيقي ًا أو الت�ي تنضوي حت�ت لواء احلكم الكيل َّ اإلحكام يف أصول اإلحكام لآلمدي . 335/3 ، فصول يف الفكر اإلسالمي باملغرب لعبد املجيد النجار ،ص . 195 املوافقات للشاطبي . 90/4 ، املوافقات للشاطبي . 89/4 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 50 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية مش�تبه ًا ب�ه ،أم�ا األول فحقه اإلحل�اق باحلكم ،وأما الث�اين فحقه اإلقصاء م�ن نطاق احلكم . حرم الربا ،فيندرج حتته عىل سبيل احلقيقة :ربا ويمكن التمثيل للتحقيق يف النوع بأن اهلل تعاىل ّ جير منفعة ،ومما يش�تبه اندراجه فيه :زيادة الثمن نظري النس�يئة ،وربا الفضل ،والقرض الذي ّ زيادة األجل ،لكن التحقيق يف هذا النوع يؤكد أن الزيادة هنا ألجل تأجيل دفع الثمن ،وأثامن السلع تتغري من وقت إىل وقت ،فكانت الزيادة تعويض ًا عن التأجيل ،وال رضر هنا عىل البائع واملشتري مع ًا ،وإىل اجلواز ذهب مجهور الفقهاء لعموم األدلة ،ورجحه الش�وكاين يف رس�الـة مس�تقلة بعنوان « :ش�فاء الغلل يف حكم زيادة الثمن ملجرد األجل » .فهذا التحقيق يرصف زيادة الثمن ملجرد األجل عن نطاق التحريم ،فال تلحق به لعدم حتقق املناط فيها .يقول ش�يخ اإلسلام اب�ن تيمية « :إن اهلل بعث حمم�د ًا ﷺ بجوامع الكلم ،فيتكل�م بالكلمة اجلامعة العامة الت�ي ه�ي قضية كلية ،وقاعدة عامة تتناول أنواع ًا كثرية ،وتلك األنواع تتناول أعيان ًا ال حتىص، فبه�ذا الوج�ه تكون النصوص حميط�ة بأفعال العباد ..ومن ذلك لفظ الرب�ا ،فإنه يتناول كل ما جير منفعة وغري ذلك ،فالنص متناول هلذا هني عنه من ربا النسأ ،وربا الفضل ،والقرض الذي ّ كله ،لكن حيتاج يف معرفة دخول األنواع واألعيان يف النص إىل ما يس�تدل به عىل ذلك ،وهذا الذي يسمى حتقيق املناط » . ومما جيدر اإلملاع إليه هنا أن األنواع واألعيان يف الوقائع ال تنحرص يف زمن ،أو تستقر عىل تنزل عليها األحكام الكلي�ة يف كل عرص ؛ بل إن احلي�اة يف خماضها املطرد تلد من ح�ال ،حت�ى ّ األنوا ِع ما هو مستجدّ مستأنف ،مما يميل جتدد التحقيق فيها بتجدّ د الوقائع اجلزئية ،فاالجتهاد يف هذا الباب موصول غري مقطوع ،مادام بساط احلياة ممدود ًا ،وأصل التكليف قائ ًام ،ومصداق ذلك « ما حيدث يف التعامل املايل من صور عديدة تتجاذهبا يف االنتامء أجناس املعاملة املالية من بيع وربا وغريمها » . نيل األوطار للشوكاين . 250-249/5 ، جمموع الفتاوى البن تيمية . 284 - 280/19 ، خالفة اإلنسان بني الوحي والعقل لعبد املجيد النجار ،ص. 124 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 51 د .قطب الريسوني ـ الثانية :حتقيق املناط اخلاص يف حيز األعيان : إن هذا الرضب من التحقيق يعنى بأفراد النوع الذي ثبت أنه مناط للحكم الرشعي ؛ ذلك مجة من األفعال ،أو الفاعلين ،أو األحداث ،أو الصور، أن كل ن�وع ينط�وي عىل أفراد عيني�ة ّ حتت النوع الذي حقق كونه مناط ًا عىل س�بيل احلقيقة ،أو عىل وه�ذه األف�راد قد تكون منضوية َ س�بيل االش�تباه ،فام كان منها مشتبه ًا ال حقيقي ًا رصف عن احلكم الرشعي ؛ ألنه ليس بوعاء له ،فض ً حتتف هبا ظروف ودوا ٍع تس�تثنيها من املس�اق الكيل للحكم ، ال عن أن هذه األفراد قد ّ إذ للبعد الزماين واملكاين أثر يف تكييف النص الرشعي املراد تنزيله عىل الواقع ،ومن هنا احتيج ِ بحس�ب إىل تقيي�د قاع�دة « ال اجته�اد يف مورد النص » بمواضع يف التنزيل الرشعي جيتهد فيها ِ املنزل عليه ،وحيزه الزمني ،وظروف املكلف . حمل َّ ث�م ف�إن املطلوب م�ن صاحب ه�ذا التحقيق اخل�اص أن يض�م إىل معرفت�ه الفقهية وم�ن ّ واملقاصدي�ة واللغوي�ة معرفة بخباي�ا النفس ،ومداخ�ل اهلوى ،وتفاوت امل�دارك ،واختالف القوى ،يقول الشاطبي « :فصاحب هذا التحقيق اخلاص هو الذي رزق نور ًا يعرف به النفوس ومراميه�ا ،وتف�اوت إدراكها ،وقوة حتملها للتكالي�ف ،وصربها عىل محل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاهتا إىل احلظوظ العاجلة أم عدم التفاهتا ،فهو حيمل كل نفس من أحكام النصوص ما يليق هبا ،بنا ًء عىل أن ذلك هو املقصود الرشعي يف تلقي التكاليف » . وق�د ظفر ه�ذا الرضب من التحقيق باحل�ظ األوفر من اهتامم الش�اطبي ،فركب فيه مطية وجر ذيول�ه ،بني رشح ،ومتثيل ،وتقس�يم ؛ إذ جع�ل التحقيق يف ووس�ع جيوب�ه ّ ، التأصي�ل ّ ، األعيان عىل رضبني : األول :النظ�ر يف األف�راد من حيث حتققها العيني ،هل تندرج يف ِنطاق النوع الذي ثبت كونه مناط ًا للحكم الرشعي أم ال ؟ وهذا يقتيض االلتفات إىل الفعل ،أو الصورة ،أو الشخص، املوافقات للشاطبي . 60/4 ، نفسه . 98/4 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 52 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ومث�ل الش�اطبي هلذا الرضب بقول�ه « :إذا نظر املجتهد يف العدالة مث ً ال ،ووجد هذا الش�خص متَّصف� ًا هبا عىل حس�ب ما ظه�ر له ،أوقع عليه ما يقتضيه النص م�ن التكاليف املنوطة بالعدول م�ن الش�هادات واالنتصاب للواليات العام�ة واخلاصة » ،ومن هنا يت�أدى املجتهد يف هذا ّ املشخصة ،لتدرج ضمن احلكم الرشعي املناط بأنواعها . التحقيق إىل تبينّ األفراد ِ بحس�ب ظروفه�ا يف الزم�ان وامل�كان ،وحظوظها م�ن القوة -الث�اين :النظ�ر يف األف�راد والتحم�ل ،ومس�توياهتا يف اإلدراك والوع�ي ،ليتأت�ى بعد ذلك تطبيق حكم الن�وع عىل الفرد ، ّ التش�خص التي وقع التحقيق أو رصفه عنه ليجري عليه حكم آخر يليق به استئناس� ًا بأوصاف فيها ،إذ األصل أن كل مكلف حيمل عىل ما يليق به ،ويتسع له ذرعه ،للتفاوت يف املدارك ، مرعي يف تل ّقي التكاليف وإجرائها. والقوى ،وحظوظ النفس ،وهذا مقصود رشعي ٌّ ثم فقد جرى يف الترشيع اجلنائي اإلسالمي إناطة عقوبة جرائم التعزير باجتهاد األئمة ومن ّ ووالة األمور بحسب ما تقتضيه املصلحة زمان ًا ومكان ًا وحاالً ،وبحسب مقرتف اجلريمة نفسه. يسوي بني األمكنة واألحوال يف إيقاع العقوبة ذاهل عن حكمة الرشع ،وناكب عن طريق ومن ّ املقاصد . وتدرجها من األخف إىل األثقل فض�ل تأمل ،يلحظ وجه وم�ن تأم�ل تفاوت العقوب�ات ّ اللطف يف ذلك ،وهو أن مفاس�د اجلرائم متفاوتة يف الش�دّ ة والضعف ،والق ّلة والكثرة ،وكذا متهد هذا أدركنا أن التنويع يف العقوبة رشط أرباهبا ال يستوون يف درجة اإلجرام وسوابقه .وإذا َّ مرعي يف التطبيق ،واالجتهاد يف تقديرها بحس�ب املقام ،واحلال ،وظروف مقرتف اجلريمة ، مطلب ال معدى عنه يف استيفاء مقاصد العدالة .وإنام يتاح هذا التقدير يف ظل التحقيق يف املناط ٍ وجان . اخلاص بكل جناية املوافقات للشاطبي. 61/4 ، نفسه ، 61/4 ،وفصول يف الفكر اإلسالمي باملغرب للنجار ،ص . 202 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 53 وما أحوج مفتي املصارف اإلسالمية إىل االستمداد من هذه اآللة يف التنزيل عىل الواقعات املالية ؛ ألن التعامل املرصيف تنضوي حتته صور شتى تتجاذهبا يف ن َْج ِر االنتامء أجناس املعامالت املجردة املالية من بيع وربا وغري ذلك ،فإذا مل حيقق املناط العام واخلاص ،نزلت األحكام الكلية َّ عىل صور من األفعال ال تندرج حتتها ،وربام تأتّت املالءمة بني احلكم بمدركه الرشعي وحم ّله ، لكن ّ مؤه ً ال لتنزيل احلكم عليه . املحل ال يكون ّ وق�د وقفت عىل فتاوى مالية كثرية ُيق َّي�د فيها التأصيل الرشعي باحلاجة أو املحتاج ،وهذا ّ وتضل فيه األفه�ام ضالالً بعيد ًا ،فإذا ضاب�ط واس�ع خيتلف الناس يف تقديره اختالف ًا واس�ع ًا ، انطب�ق حك�م االحتياج عىل ش�خص فال ينطبق عىل غريه مع احتاد الزم�ان واملكان ،وما كان يف ع�رف ق�وم حاجة ال يكون كذل�ك عند غريهم ،مع التف�اوت امللحوظ يف الق�وة ،والتحمل ، وحظوظ النفس ! فاألمر يفتقر ،إذ ًا ،إىل حتقيق املناط يف األنواع واألعيان مع ًا ،لتتميز املحتاج احلقيقي الذي يشمله احلكم ،وإن أغفل هذا التحقيق ّنزل احلكم الرشعي عىل أفراد مشتبهة يف الظاه�ر بأفراد احلكم ،ولكنها يف احلقيقة ش�اذة عنه ،وربما رصف احلكم عن أفراده احلقيقية ، وأقصي عن ِ نطاق تطبيقه .وقد عدّ اإلمام الش�اطبي الغفلة عن حتقيق املناط أو االضطراب فيه عام ً ال مو ّطئ ًا النتفاش البدع ،والتحريف يف الدين حني قال « :حتريف األدلة عن مواضعها بأن يرد عىل مناط ،فيرصف عن ذلك املناط إىل أمر آخر مومه ًا أن املناطني واحد ،وهو من خفيات حتريف الكلم عن مواضعه والعياذ باهلل » . ب ـ التحقيق يف استيفاء املقاصد الرشعية: جمرد ؛ إذ ال يعقل أن تعرى األحكام إن العالق�ة بني احلكم ومقصده عالقة تلازم منطقي َّ الرشعي�ة ع�ن بواعث ترشيعه�ا ِ وحكم وضعه�ا ،وإال رمي الرشع بالعب�ث واالعتباط وجمافاة س�نّة اإلح�كام يف الصن�ع ،وه�ذا من حم�ال املحال ! وق�د عنيت كتاب�ات األصوليين بالتقعيد االعتصام للشاطبي . 249/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 54 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية املجردة من جهات ش�تى ،لعل من أبرزها :بيان مس�الك الكش�ف عن املقاصد، هلذه العالقة َّ املن�زل عىل الواقع ال وعالقته�ا باألدل�ة الترشيعي�ة ،وأثرها يف تقويم االجته�اد .بيد أن احلكم َّ يسفر أحيان ًا عن ثمرته ،أو يؤول إىل خالف املقصد املالزم له جتريد ًا ،فيط َّبق احلكم ،ويتخ ّلف املقصد ،وهذا نِّبي يف بعض األحوال التي يتصدر فيها الدعاة إىل تغيري املنكر فيؤول صنيعهم إىل ما هو أنكر ! ِ لو من التقعيدات التي ترفد املجتهد بأدوات الكشف عن وقوع واحلق أن تراثنا األصويل خ ُ ثم�رات املقاص�د يف واقع الناس ،يقول الدكتور عبد املجيد النجار ـ ولعله أول من تن ّبه إىل هذه الثغ�رة يف النظرية األصولية « :-ولس�نا نجد يف األدب األصويل الفقهي ما ينري س�بيل املجتهد يف ه�ذا الب�اب ،م�ن بيان تنظريي ينحو منحى التقعيد املرشِّ�د ملن يري�د أن يركب هذا الصعب م�ن االجتهاد ..وإذا كان ما بذله اإلمامان الش�اطبي وابن عاش�ور من جهد يف تقعيد مس�الك الكش�ف ع�ن مقاص�د األح�كام الرشعية ق�د أنار الس�بيل عىل ق�در للمجتهد يف تبّي�نّ مقاصد ٍ ٍ تعرف باملصري املجردة ،فإننا نحس�ب أن ّ خلو األدب األصويل من بي�ان واف لقواعد ّ األح�كام َّ الواقع�ي لعالق�ة احلكم بمقصده ،يعترب إحدى الثغرات يف ه�ذا األدب ،وربام عادت كثري من املزالق االجتهادية الفقهية قدي ًام وحديث ًا إىل هذه الثغرة » . ومن ثم فإن الرتش�يد الواقعي لعالقة احلكم بمقصده ينبغي أن ينطلق من إحكام الصياغة الرشعي�ة للحك�م عند تنزيله ،وس�بيل هذا اإلحكام أن ُيدرس الواقع دراس� ًة علمية مس�توفاة تس�فر يف ضوئها عالقاته ،ومكوناته ،ومالبس�اته ،ثم ينظر يف مآل احلكم عند تنزيله عليه هل تنهض موانع من حصول ثمرته واس�تيفاء مقصده ؟ وهل يقتيض تنزيله إجراء تعديل اس�تثنائي يرفع التعارض بني الرشع والواقع ،أو قل :بني احلكم واملآل ؟ وهل تضمن الصياغة التجريدية للحكم رجحان املصلحة عىل املفسدة ؟ ً وتنزيال لعبد املجيد النجار . 97/2 ، فهام فقه التدين ً مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 55 إن النظ�ر إىل خصوصي�ات الواقع عند صياغة األحكام ،فقه� ًا فيه ،ال إرضا ًء له وإغضاب ًا للشرع ،ه�و امليزان الذي تنضبط به ح�رارة املقاصد يف صورهتا التطبيقي�ة ،وحيوتيها يف إفراغ مكنوهن�ا اإلصالحي ؛ ذل�ك أن مصريها الواقعي ِ بي�د املجتهد املط ِّبق الواع�ي برضورة مناظرة مقصد احلكم ،بعد ما يكون قد حصل ،بالفهم لعنارص الواقع يف عوارضه التشخيصية الناشئة عن خصوصيات ظروفه ،وبناء عىل تلك املناظرة يقع تقدير ما إذا كان املقصد من شأنه التحقق يف الواقع بخصوصياته أو ليس من شأنه ذلك . فال مندوحة ،إذ ًا ،عن مناظرة مقصد احلكم بالفهم الثاقب لعنارص الواقع ،واملالبس�ات الطارئ�ة عىل حما ّله ،عند تكييف املس�تجدات املالية ،حتى حيص�ل للمفتي ظن غالب أو عرفان راج�ح بتحق�ق املقاصد ،وع�دم أيلولتها إىل االنخ�رام .وهذا األدب األص�ويل يف فقه التنزيل كان ّ حم�ط عناي�ة الش�اطبي حين أكد يف أكثر م�ن موض�ع يف ( موافقاته ) على رضورة النظر يف امل�آل الواقع�ي للمقاصد عن�د تنزيل األح�كام الكلية عىل آح�اد الصور ،وجزئي�ات الوقائع ، يصح إمهال النظر يف هذه األطراف ؛ فإن فيها مجلة الفقه ،ومن عدم االلتفات إليها يقول « :ال ّ أخط�أ من أخطأ ،وحقيقته نظ�ر مطلق يف مقاصد الرشع ،وأن تتبع نصوصه مطلقة ومقيدة أمر واجب ،فبذلك يصح تنزيل املسائل عىل مقتىض قواعد الرشيعة ،وحيصل منها صور صحيحة االعتبار». وال ّ ش�ك أن الكش�ف عن حت ّقق املقص�د يف أفراد الوقائع وآحاد الص�ور عند التنزيل ليس باألمر اهلينّ امليسور ؛ ألن املقصد ال يسفر ويضح إال بعد تنزيله عىل الواقعة ،ونحن قبل التنزيل جاهل�ون بالتحق�ق أو عدم�ه ،بيد أن االجته�اد يف هذا الباب -إذا أحك�م صنيعه ،وأمنت فيه أس�فر عن املس�الك الرشعية املس�عفة عىل التحقيق يف حصول عجلة الرأي ،وجلاجة اإلقدام - َ املقاصد ،ويمكن أن نجملها فيام يأيت : ً وتنزيال . 98/2 ، فهام فقه التدين ً املوافقات للشاطبي 8/3 ،ـ . 9 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 56 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ـ أوالً :التمييز بني املقصد والوسيلة : إن التمييز بني املقصد الثابت والوس�يلة املفضية إليه مس�لك مشروط يف صناعة االجتهاد عموم� ًا ،وفق�ه التنزي�ل عىل وجه اخلصوص ،وق�د كان اخللط بينهام مث�ار الغلط يف اجتهادات ال وتنزي ً املفتين تأصي ً ال ؛ إذ ضيقوا عىل الناس واس�ع ًا يف الدي�ن ،وأهدروا املقصود الرشعي يف التكلي�ف ،وأخلوا برشوط التنزيل الصحيح على الواقعات ؛ وآية ذلك أن املجتهد قد تتزاحم لدي�ه املصال�ح عند تطبيق احلكم بمدركه الرشعي ،وتعيني حمله ،فال حيس�ن املوازنة والرتجيح خللطه بني املقصد الثابت والوسيلة املتغرية ! وأجدين هنا مضطر ًا إىل بيان الفروق بني املقصد والوس�يلة إلنارة س�بيل املفتي ،وإمداده بأداة الكشف عن حصول املقصد أو ختلفه عن احلكم : -إن الوسيلة غري مقصودة لذاهتا ؛ وإنام هي مقصودة باعتبارها طريق ًا إىل حتصيل مقصد ثابت ،بخالف املقصد ؛ فإنه مقصود لذاته من حيث كون األصل الذي يسعى إىل حتصيله . -املقصد يتضمن املصلحة املجتلبة أو املفس�دة املدفوعة ؛ بخالف الوسيلة فإهنا عارية يف ذاهتا عن هذه وتلك . -األص�ل يف الوس�يلة التج�دّ د والتعدّ د ؛ ألن املصال�ح غري متناهية فالوس�ائل إليها أوىل بعدم التناهي ،بخالف املقصد فإنه ثابت مطرد ال يناله يشء من مؤثرات الزمان واملكان . -الوسيلة ال تستقل بنفسها ؛ بل هي تابعة ملقصدها ،فإذا سقط املقصد سقطت الوسيلة ّ َّ اخت�ل فرعه من ب�اب أوىل ،فالوس�يلة مع مقصده�ا كالصفة مع اخت�ل إلي�ه ؛ ألن األص�ل إذا املوصوف ،والتابع مع املتبوع . واحلق أن هذه الفروق تؤكد بام ال يدع جماالً للش�ك أن الوس�يلة أخفض رتبة من املقصد، ولذلك س�اغ الرتخص والتس�اهل يف باب الوس�ائل ،فيس�تباح فيه من األفعال ما ال يستباح يف مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 57 املقاص�د ،ويشترط يف املقاص�د ما ال يشترط يف الوس�ائل .وقد عّب�رّ فقهاؤنا عن اتس�اع باب الوس�ائل وجواز االجتهاد فيه بقاعدة جليلة « :يغتفر يف الوس�ائل ما ال يغتفر يف املقاصد »، وتعض�د ه�ذه القاع�دة أخت هلا انبن�ت عليه�ا « :مراعاة املقاص�د مقدّ مة عىل رعاية الوس�ائل ّ أبد ًا. » ـ ثاني ًا :إعامل فقه املوازنات : فق�ه املوازن�ات مجل�ة من الضوابط واملعايري يس�تهدى هب�ا يف موارد الرتجي�ح بني املصالح واملفاس�د املتعارض�ة ،ليتبّي�نّ أي املصلحتين أرج�ح فتجلب ،وأي املفس�دتني أعظ�م فتدرأ ، ولتس�تتب الغلبة ألي من املصلحة واملفس�دة عند تعارضهام بناء عىل معايري حمكمة يف التفاضل والتغلي�ب ؛ ذل�ك أنه يتعذر يف حاالت خمصوصة جلب املصالح كلها ،ودرء املفاس�د مجيعها ، فتك�ون املوازنة مس�لك ًا اجتهادي ًا مفروض ًا متليه الفطر الس�ليمة ،واملنط�ق الراجح ،واألدبيات األصولي�ة التي تتضافر عىل تقرير قاعدة رشعية مس� َّلمة هي :جلب أعظم املصالح ،وارتكاب أه�ون املفاس�د ،وحتصيل ما هو أعلق ب�روح الرشع وأجرى عىل مقاص�ده .وهذه القاعدة ّ حمل اعتبار الش�ارع يف تنزيل األحكام عىل الوقائع ،إال أن جلب املصلحة ال ينفك أحيان ًا عن ش�ائبة املفس�دة ،والعربة بغلبة الصالح فال يلتفت إىل الفس�اد اليسري املغمور ،ألن « املصالح اخلالصة عزيزة الوجود » . ٍ ونص�اب ثابت على تراخي ونس�بة الصلاح والفس�اد ال تط�رد يف األفع�ال بق�در معلوم األشباه والنظائر للسيوطي ،ص . 158 القواعد للمقري . 330/1 ، لعل الدكتور بشري بن مولود جحيش من أول الباحثني الذين أصلوا هلذا املسلك يف كتابـه ( يف االجتهاد التنزييل ) ،لكنه حرص املوازنة يف مورد واحد هو التعارض بني املصالح واملفاسد ،وغـفل عن موردين مها :التعارض بني املفاسد ،والتعارض بني املصالح . قواعد األحكام للعز بن عبد السالم ،ص . 14 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 58 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ٍ ظروف جديدة ُمالبِس�ة العص�ور ؛ ب�ل ختتلف باختالف الزمان ،واملكان ،والش�خص ،لقيام ّ ملح�ل التنزي�ل ؛ وآية ذل�ك أن املصلحة قد تس�توىف يف فعل من األفعال يف إط�ار مكاين وزماين معينّ ،لكنها تنخرم أو تؤول إىل مفس�دة إذا جدّ ت مالبس�ات مقارنة للوضع اجلديد ،والس�يام رس نقمة القرايف عىل اجلامدين عىل مع تغري املحل ،والوقت ،وعادات الناس .ومن هنا ندرك َّ الفتاوى املبنية عىل العوائد ،مع تغيرّ العادة الذي يس�توجب تغيرّ احلكم ،يقول « :إن اس�تمرار األح�كام الت�ي مدركها العوائ�د مع تغيرّ تلك العوائ�د خالف اإلمجاع ،وجهال�ة يف الدين؛ بل كل م�ا ه�و يف الرشيع�ة يتب�ع العوائد ،يتغير احلكم فيه عن�د تغري الع�ادة إىل ما تقتضي�ه العادة املتجددة » . مهام يكن من أمر فإن املوازنة بني املصالح واملفاسد ال تشذ عن ثالث حاالت : -األوىل :التع�ارض بين املصال�ح بحي�ث يتع�ذر جل�ب كلت�ا املصلحتين يف آن واحد ، فيستفرغ املجتهد وسعه يف املوازنة بينهام ليتبينّ أي املصلحتني أوىل بالتحصيل ،وأي املفسدتني أوىل بالدفع ،وتعتمد يف هذا املسلك الرتجيحي مجلة من املعايري ،نعدّ منها وال نعدّ دها : الرتجيح بحكم املصلحة الرتجيح برتبة املصلحة الرتجيح بنوع املصلحة الرتجيح بمقدار املصلحة الرتجيح بشمول أثر املصلحة الرتجيح باالمتداد الزمني للمصلحة . اإلحكام يف متيز الفتاوى عن األحكام ،ص . 23 انظر التأصيل املحكم هلذه املعايري يف كتاب ( :نظرية التقريب والتغليب وتطبيقها يف العلوم اإلسالمية) ألمح�د الريس�وين ،ص ، 328 - 311وكت�اب ( :فقـ�ه املوازنات يف الرشيعة اإلسلامية ) لعبد املجيد السوسوة ،ص 44ـ . 64 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 59 د .قطب الريسوني -الثانية :التعارض بني املفاس�د بحيث يتعذر درء املفسدتني يف آن واحد ،فيعمل املجتهد منهج املوازنات ليتبينّ أعظم املفسدتني رضر ًا فيدفع األعىل باألدنى ،قال العز بن عبد السالم : « إذا اجتمعت املفاسد املحضة ،فإن أمكن درؤها درأناها ،وإن تعذر درء اجلميع درأنا األفسد فاألفس�د ،واألرذل ف�األرذل » ،وقد عبرّ الفقهاء عن منزعه�م االجتهادي يف الرتجيح بني املفاسد املتزامحة بقواعد حمكمة ،منها « :إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهام رضر ًا بارتكاب أخفهام » ،و « خيتار أهون الرشين أو أخف الرضرين » ،و « الرضر األشد يزال بالرضر األخف » . وتعتمد يف هذا املس�لك الرتجيحي املعايري نفسها التي أومأنا إليها يف معرض الرتجيح بني املصالح ،فينظر إىل حكم املفسدة ،ومقدراها ،ونوعها ،وأثرها ،وامتدادها الزمني ،ويف ضوء هذا املعيار أو ذاك يقيض املجتهد بدفع أعظم املفسدتني تقلي ً وحد ًا من عقابيله . ال للرضر ّ ، -الثالث�ة :التع�ارض بين املصالح واملفاس�د ؛ إذ تتزاحم يف أمر ما مصلحة ومفس�دة ،فال يستقيم جلب املصلحة إال باجرتاح املفسدة ،وال يستقيم درء مفسدة إال بإهدار مصلحة ،ومن هنا يلجأ إىل فقه املوازنات ليتبينّ أي اجلانبني أرجح ،فإذا ترجحت كفة املصلحة يف أمر قيض به عىل ما يالبس�ه من رضر مغمور ،وإذا ترجحت كفة املفس�دة لزم ترك ذلك األمر عىل ما فيه من مصلحة مرجوحة ،والغالب أن حاالت اجللب ال تنفك عن ارتكاب املفاسد ،وحاالت الدفع ال تنفك عن إهدار املصالح ،والعاقل من خيتار خري اخلريين ،ويتقي رش الرشين ،والس�يام أن املصالح اخلالصة واملفاسد اخلالصة عزيزة الوجود . واحلق أن فقهاءنا اضطلعوا برتشيد املنحى الرتجيحي بني املصالح واملفاسد بقواعد حمكمة قواعد األحكام البن عبد السالم ،ص . 88 األشباه والنظائر للسيوطي ،ص ، 87واألشباه والنظائر البن نجيم ،ص . 90 جملة األحكام العدلية ،مادة . 29 : األشباه والنظائر البن نجيم ،ص ، 89وإيضاح املسالك للونرشييس ،ص . 234 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 60 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية الصياغ�ة ،جليل�ة املعن�ى ،أكدت على أن العربة بغلبة الصالح والفس�اد يف نف�س األمر ،وأن املخرج عند التس�اوي بني املصلحة واملفس�دة ،تقديم الدرء عىل اجللب ؛ ألن عناية الرشع بدرء املفاس�د آك�د من عنايته من جل�ب املصالح ،ومن أنبل القواعد وأسيرها يف هذا الباب « :درء املفـاس�د أوىل م�ن جل�ب املصالح » ،و « يدفع الرضر بقدر اإلم�كان » ،و « إذا تعارض املانع واملقتيض قدّ م املانع إال إذا كان املقتيض أعظم » . وال تذهب َّن عنك -بعد إيراد هذه الشذرات التأصيلية -حاجة مفتي املصارف اإلسالمية إىل فقه املوازنات عند تزاحم املصالح ،أو تزاحم املفاسد ،أو تزاحم املصالح واملفاسد يف صور املعامالت املالية ؛ ألن جلب األصلح فاألصلح ،ودرء األفس�د فاألفس�د ال يستقيم يف التنزيل ِ واس�تهداء املعايير املعتربة يف هذا على آح�اد هذه الص�ور إال بركوب مطية املوازنة والتغليب ، املجال .أما الغفلة عن هذه اآللة يف فقه التنزيل فتورد املفتي موارد الش�طط والتعنّت ؛ إذ يغلق يف وجه الناس باب اليرس ،ويلهج بشعار الرفض يف كل مناسبة ،ويتخذ « االنغالق عىل الذات تكأة للفرار من مواجهة املشكالت » ،ويصري من السهل عليه أن يقول « :هذا حرام » يف كل مورد اجتهادي يحُ تاج فيه إىل كدّ الذهن ،واستحثاث اخلاطر ،وكثرة اإلطراق ! ـ ثالث ًا :العلم باخلصوصيات التبعية املؤثرة يف أيلولة املقاصد : إن الواق�ع ال�ذي ُي َّنزل عليه احلكم قد تالبس�ه عوارض مس�تجدة حت�ول دون اإلفضاء إىل املقاصد املرجوة ،وليس�ت هذه العوارض إال ظروف ًا ومالبس�ات ناشئة عن اخلصوصية الذاتية التي تكتنف بعض األش�خاص حال التطبيق ،أو عن البعد الزماين واملكاين الذي يعدُّ مرسح ًا لوقوع النازلة املستأنفة ،أو عن العوائد الدارجة التي جتري يف األفراد واملجتمعات جمرى الدم األشباه والنظائر البن نجيم ،ص . 91 جملة األحكام العدلية ،املادة . 31 : املنثور يف القواعد للزركيش . 384/1 ، أولويات احلركة اإلسالمية ليوسف القرضاوي ،ص . 32 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 61 د .قطب الريسوني بني املس�اق الكيل م�ن الع�روق ،فتتغري مناطات الفتوى بتغريها ،وهذا التغري يوجب التنس�يق َ جر إليه العرف احلادث . للحكم واالقتضاء التبعي الذي ّ وإذا امته�دَ ه�ذا ،فإن من الواجب املض َّي�ق عىل مفتي املصارف اإلسلامية أن حييط خرب ًا عن�د تنزي�ل احلكم الرشعي عىل حمله -باخلصوصيات التبعي�ة التي تؤثر يف مآالت املقاصد ،حت�ى ال هيم�ل املناط الذي ع ّلق الش�ارع احلكم به ،وجتري فتواه عىل اجل�ادة من حيث تكييفها للواقع املايل هبدى الرشع . ويمكن حرص اخلصوصيات التبعية املؤثرة يف مآالت املقاصد فيام يأيت : اخلصوصية الذاتية :ق�د يكتس�ب الفعل أو الفاعل صف�ات ذاتية « خيرج هبا عن مماثلة الن�وع الذي ينتمي إليه ، وتك�ون تل�ك الصفات منافرة يف طبيعتها لطبيعة املقصد الرشع�ي الذي من املفروض نظري ًا أن يتحقق من ذلك الفعل أو ذلك الفاعل عندما جيرى عليه احلكم املوضوع له » ،وال شك أن املنافرة بني اخلصوصية الذاتيـة واملقصد املرجو تفيض إىل انخرام مآالت الصالح يف الواقع . إن االقتضاء التبعي للخصوصية الذاتية هو الذي محل ابن عباس ريض اهلل عنهام عىل تغيري فت�واه حين ج�اءه رجل فس�أله « :أملن قتل مؤمن� ًا معتمد ًا توب�ة ؟ قال :ال ،إال الن�ار ،فقال له جلس�اؤه بع�د أن ذه�ب الرجل :كن�ت تفتينا يا ابن عب�اس أن ملن قتل توبة مقبول�ة ؟ قال :إين ألحس�به رج ً ال ُمغضب� ًا يريد أن يقتل مؤمن ًا » ،فقد أدرك ابن عباس بفطنته أن الس�ائل ُمقدم عىل ارتكاب جريمة القتل ،فأجابه بام يناس�ب حاله ،وجياري اخلصوصية الذاتية التي البس�ت لكر عىل مصلحة ه�ذا احل�ال ،ولو أنه اس�تصحب االقتضاء األصيل يف خصوص ه�ذه الواقعة ّ ّ وأخل بمقاصد الرشع أتم اإلخالل . العدل باإلبطال ، مقاصد الرشيعة بأبعاد جديدة لعبد املجيد النجار ،ص . 270 أخرجه ابن أيب شيبة يف املصنف برقم ، 27753 :ورجاله ثقات كام قال ابن حجر يف ( التلخيص احلبري)، . 187/4 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 62 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية اخلصوصية الزمانية واملكانية :قد تالبس بعض األفعال خصوصيات إضافية مستوحاة من اإلطار الزماين واملكاين لوقوع تراع عند التكييف الفقهي للنازلة -انتصبت عقبة كأداء يف الفعل ،وهذه اخلصوصيات -إن مل َ املرشع لعموم نوعه » . طريق استيفاء « املقصد الذي يبتغيه منه احلكم َّ وإن مراع�اة مفتي العرص للخصوصية الزمنية عند االجتهاد التطبيقي يقتيض اإلنعام بنظر غري مدخول يف العوارض واملالبس�ات الت�ي تعرتي البنية السياس�ية واالقتصادية واالجتامعية لألم�ة ،وفيما يعرض للناس يف ِّ حمال التكليف من تفاوت القدرة ،والوعي ،وحظوظ النفس ؛ إذ ما يعدّ حاجة يف زمن معينّ ،ال يكون كذلك يف زمن آخر ،وما يكون مقدور ًا عليه يف عرص ، قد يعجز عنه يف عرص آخر ،وهكذا دواليك ..ولعل أرقى نموذج اجتهادي يف عرص الصحابة ٍ ملتفت إىل اخلصوصية الزمانية يف التنزيل عىل الواقع :ما ثبت يف صحيح مسلم عن ابن عباس ريض اهلل عنهما أن�ه قال « :كان الطالق الثالث عىل عهد رس�ول اهلل ﷺ وأيب بكر وس�نتني من خالف عمر طالق الثالث واحدة ؛ فقال عمر بن اخلطاب :إن الناس قد استعجلوا يف أمر كانت هلم فيه أناة ،فلو أمضيناه عليهم » .فقد رأى عمر أن املصلحة يف زمنه تقتيض إمضاء الثالث عىل من يتلفظ هبا ،ملا اختذ الناس الطالق مطية للتالعب بدين اهلل ،وانتهاك احلدود ،وأوغلوا يف ذلك إيغاالً يقتيض الزجر والتأديب ،وهذا االجتهاد من عمر ريض اهلل عنه أملته املواءمة بني املساق الكيل للحكم واالقتضاء التبعي الناشىء عن اخلصوصية الزمنية يف عرصه . أم�ا اخلصوصي�ة املكانية فأصدق الش�واهد عليها إرج�اء تطبيق احل�دود يف أرض العدو ، لكونه « مظنة استيقاظ محية اجلاهلية يف نفس من استوجبه ،فيحمله ذلك عىل االرتداد واللحاق ِ بسبب االقتضاء بالكفار ،فرار ًا من احلد ،وطلب ًا للسالمة والنجاة » .ومن هنا اكتسب الفعل مقاصد الرشيعة بأبعاد جديدة لعبد املجيد النجار ،ص . 272 أخرجه مسلم يف كتاب الطالق ،باب طالق الثالث ،برقم . 1274 : اعتبار املآالت ونتائج الترصفات لعبد الرمحن السنويس ،ص . 153 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 63 د .قطب الريسوني التبعي للخصوصية املكانية صف ًة جتعل تطبيقه خم ً ال باملراد من عقوبة احلدود ؛ بل ومفضي ًا إىل ما هو أنكر مآالً من تقويت هذه العقوبة ! -اخلصوصية العرفية : تكتس�ب بع�ض األفعال -بحك�م العوائد اجلاري�ة -خصوصية عرفية ناش�ئة عن اإللف واالعتي�اد ،وه�ذه اخلصوصية جتعل اجلمود عىل الفتاوى القديمة مع تغري العوائد املرتبطة هبا ، إخالالً بمقاصد الدين ،وإهدار ًا ملصالح اخللق ؛ ألن احلكم يدور مع مصلحته وجود ًا وعدم ًا، املجرد العاري عن مقصده املتوخى يف التنزيل ، فإذا انتفت املصلحة مل َ يبق من احلكم إال رسمه َّ وكيف ّ يرتشد الواقع هبدى الرشع مع عرائه عن مرادات اهلل تعاىل ؟! وق�د كان املجته�دون النظار يق�درون هذه اخلصوصي�ات واإلضافات املؤث�رة يف مآالت ٍ أم�ارات حاكم ًة عىل فق�ه التنزيل ،ومرجعه�ا مجيع ًا إىل تغّي�رّ املصلحة ؛ املقاص�د ،وينصبوهن�ا ألن املؤث�رات الواقعي�ة ال تعق�ب أثر ًا بذاهتا ،وإنما « تدور مع املصلحة الت�ي هي املدرك الكيل للمناط�ات والعل�ل القريبة » ؛ إذ يمكن للناظر احلصيف أن يس�تجيل مؤثرات أخر تربو عىل ما ذكره الفقهاء واألصوليون يف مبحث موجبات تغري الفتوى ،لكن ملا كانت املؤثرات الذاتية، والظرفية ،والعرفية أكثر ش�يوع ًا واطراد ًا من غريها ،فقد اس�تلفتت األنظار ،وجرى التفريع مجة . عليها يف مسائل ّ ومن باب توفية الفائدة نذكر بام عقده ابن القيم يف كتابه ( إعالم املوقعني ) من فصل مستقل عن « تغيرّ الفتوى واختالفها بحسب تغيرّ األزمنـة واألمكنة واألحوال والنيات والعوائد »، كما كان للش�اطبي كالم نفيس يف هذا الس�ياق ّقرر فيه أن عىل املجته�د « النظر فيام يصلح بكل مك ّلف يف نفس�ه ،بحس�ب وقت دون وقت ،وحال دون حال ،وش�خص دون ش�خص ؛ إذ اعتبار املآالت ونتائج الترصفات ،ص . 415 إعالم املوقعني البن القيم . 11/3 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 64 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية النفوس ليس�ت يف قبول األعامل اخلاصة عىل وزان واحد ،فهو حيمل عىل كل نفس من أحكام النصوص ما يليق هبا ،بناء عىل أن ذلك هو املقصود الرشعي يف تلقي التكاليف » . فرض عني يف حق وإذا كان�ت اإلحاط�ة باخلصوصي�ات التبعية املؤثرة يف مآالت املقاص�د َ املفتي املجتهد ،فإن حتصيلها آكد يف حق مفتي املصارف اإلسالمية ؛ إذ تعرض عليه مستجدات مالية يف غاية التعقيد والتشعب ،ال تجُلىّ مناطاهتا ،وتُك ّيف أحكامها ،إال بغوص عىل املؤثرات الذاتي�ة ،والظرفي�ة ،والعرفي�ة التي تنعك�س بظالهلا عىل مآالت األفع�ال ،وثمرات املقاصد ، املستمر فيكون هلا ضلع أي ضلع يف التح ّقق أو االنخرام .ولذلك ال أعدّ من الصواب اإلنكار ّ على اختلاف الفتوى يف مس�ألة واحدة من هيئات رشعي�ة مرصفية يف بل�دان خمتلفة ؛ ألن كل ٍ للم َّحال وق�ت التنزيل على الواقع ،وهي مف�ت يراع�ي اخلصوصي�ات واإلضافات املالبس�ة َ ختتل�ف باختلاف األمكنة ،واألزمنة ،وأحوال األش�خاص .أما اختلاف الفتوى من هيئات رشعية مرصفية يف بلد واحد تتش�ابه فيه أنامط الس�لوك ،ويتحد الوعاء الزمني واملكاين املحيط باألفعال والفاعلني ،فإن اإلنكار عليه يكون متّجه ًا وسلي ًام . ج -التحقيق يف مآالت األفعال: إن التحقي�ق يف م�آالت األفع�ال يعني التثبت من أن تنزيل احلك�م الرشعي عىل الواقعة ال ٍ تكر عىل املقاص�د املرجوة باإلبطال ،وه�ذا التحقيق من صميم يفضي إىل َ عواقب وتداعي�ات ّ صناع�ة املفت�ي ال�ذي ال حيصر دوره يف تقرير احلكم الرشع�ي بصورة آلية دون تبّي�نّ مآالته يف منزهة عن الواق�ع ؛ ألن األح�كام الكلي�ة تضبط احلق أو املصلح�ة جتريد ًا ،وهي -يف ذاهت�ا ّ - ومتمحضة للخير يف العاجل واآلجل ،لكنها ال تثمر م�آالت الصالح يف التنزيل عىل اخلط�أ ، ّ الواقع�ات إال بحكمة املط ّبق الت�ي تقتيض تبرص ًا باخلصوصية الواقعي�ة والظرفية للفعل موافق ًا كان أو خمالف� ًا ،واختب�ار درجة مالءمته للقضية اجلزئية من حيث النتيجة واألثر ،وإال كان مآل املوافقات للشاطبي . 25/5 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 65 د .قطب الريسوني املجرد -عىل مطابقته الظاهرة للفعل رس ًام ورشع ًا -جمافي ًا ملا وضع له وقصد منه ،يقول احلكم َّ اإلم�ام الش�اطبي يف تأصيل االجتهاد امل�آيل « :النظر يف مآالت األفعال معتبر مقصود رشع ًا ، سواء كانت األفعال موافقة أو خمالفة ؛ وذلك أن املجتهد ال حيكم عىل فعل من األفعال الصادرة عن املكلفني باإلقدام أو اإلحجام إال بعد نظره إىل ما يؤول إليه ذلك الفعل ،فقد يكون مرشوع ًا ملصلحة فيه تس�تجلب أو ملفس�دة تدرأ ،ولكن له مآل عىل خالف ما قصد فيه .وقد يكون غري مرشوع ملفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ،ولكن له مآل عىل خالف ذلك » . وال نظفر يف املدونات األصولية ٍ ببيان تأصييل يعنى باس�تجالء مسالك التحقيق يف مآالت األفع�ال قب�ل وقوعه�ا ،وعىل الباح�ث املجتهد أن يس�تفرغ وس�عه يف هذا املهي�ع االجتهادي مستأنس� ًا ببع�ض الدقائق النظري�ة التي انطوت عليه�ا املعاجلة األصولية لقاعدة س�د الذرائع ، واالستحسان ،وإبطال احليل . مهام يكن من أمر فإن التحقيق يف مآالت األفعال قبل وقوعها يستقيم بمنهجية علمية ذات منزعني : األول :مسالك الكشف عن مآالت األفعال:من أظهر املسالك يف احلكم عىل أيلولة األفعال قبل وقوعها صالح ًا أو فساد ًا : االستقراء الواقعي:لعل االس�تقراء الواقعي من أدق املس�الك يف الكش�ف عن مآالت األفعال قبل وقوعها ؛ ين�زل احلك�م الرشعي عىل آحاد الوقائع اجلزئية يف زمن معني ،ويس�فر ه�ذا التنزيل عن فحين ّ املوافقات للشاطبي . 128 -127/4 ، تنظ�ر يف ه�ذا الب�اب اجتهادات الدكتور عب�د املجيد النجار يف كتاب�ه :مقاصد الرشيع�ة بأبعاد جديدة ، ، 282-275والدكتور عبد الرمحن الس�نويس يف كتابه :اعتبار املآالت ونتائج الترصفات ،ص -381 . 395 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 66 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية نتائج حممودة ،فإن ذلك ينهض دلي ً ال عىل أن تنزيل احلكم يف أوضا ٍع مشاهبة ،وحاالت مطابقة، سوف يؤول إىل املآل نفسه ،ومن ثم يكون « استقراء املآالت كام حتققت يف الواقع منهج ًا يعلم منه أحواهلا قبل وقوعها » . وقد كان هذا املسلك ّ حمل عناية املجتهدين النظار يف استجالء املآالت قبل وقوعها ،واحلكم عليها حتقق ًا أو انخرام ًا ؛ ومصداق ذلك أن شيخ اإلسالم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عدال عن اجته�اد عم�ر بن اخلطاب ريض اهلل عنه يف إمضاء الطلاق الثالث بلفظ واحد طالق ًا بات ًا ،ملا علام باس�تقراء أح�وال املجتمع -وقد غلبت عليه رقة الدين ،واس�تحكمت فيه األهواء - أن هذا االجتهاد يؤول إىل فشو آفة التحليل ،ومفسدته أعظم من مفسدة التالعب بالطالق ،فكان منطق املوازنة يميل آنذاك دفع الرضر األعىل بالرضر األدنى . وقد صار االستقراء ،اليوم ،عل ًام قائم الذات ،مكتمل املالمح ،له من الضوابط والقوانني ما يسعف عىل صياغة اخلطط املستقبلية استئناس ًا بام هو كائن ،واستهدا ًء بآثاره امللموسة يف الواقع، التوس�م واالسترشاف ،فإذا وما أحرى املفتي املجتهد باإلفادة من هذا املس�لك والركون إليه يف ّ غل�ب على ظنه أن املقصد ملازم حلكمه عند التنزي�ل ،أجرى الفتوى عليه م�ن باب التقريب والتغليب . االسترشاف املستقبيل :إن اس�ترشاف املس�تقبل عل�م جليل ّ مه�ذب األصول ،الئ�ح املنهج ،ويف إطاره تس�تطلع اآلراء ،وتكتنه العزائم ،وتستجىل خبايا النفوس ،وتستقىص األمارات من جمريات األحداث، مقاصد الرشيعة بأبعاد جديدة لعبد املجيد النجار ،ص . 277 انظ�ر هذه املس�ألة يف :إعالم املوقعين البن القيم ، 13/3 ،ومقاصد الرشيعـ�ة بأبعاد جديدة للنجار ، ص . 277 انف�رد الدكت�ور عب�د املجيد النجار بتأصيل هذا املس�لك يف كتاب�ه ( :مقاصد الرشيعة بأبع�اد جديدة ) ، ص ، 278 ومل يسبق إىل هذا التأصيل فيام أعلم ،زاده اهلل توفيق ًا وتسديد ًا . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 67 د .قطب الريسوني َ ضوابط علمية قائمة عىل اإلحصاء والتصنيف واالستنتاج -حكم ثم يصاغ من ذلك كله -وفق عىل مآالت األوضاع يف مس�تقبل األيام .وإذا كانت وس�ائل هذا العلم ـ مع دقة االس�تبصار ، ٍ قطعية ؛وإنام يكتفى فيها بالظ ّن الغالب ،فإن اس�تثامرها من نتائج وج�ودة النظ�ر ـ ال تفضي إىل َ ِقبل املجتهد يف تقدير أيلولة األفعال يف اآلجل ،مس�لك حصيف له نظائر يف فقه الس�نة وعمل الصحاب�ة .وق�د كان العم�ل بالظنون الغالب�ة جاري ًا يف األح�كام الرشعية ،وصني�ع الفقهاء ، وأحكام القضاة من غري نكري . ِ ش�واهد االستبصار املس�تقبيل يف السنة النبوية حديث عائشة ريض اهلل عنها مرفوع ًا : ومن « ل�وال حداث�ة عهد قومك بالكفر ؛ لنقضت الكعبة وجلعلتها عىل أس�اس إبراهيم ؛ فإن قريش� ًا حين بن�ت البيت اس�تقرصت ؛ وجلعلت له خلف ًا » ،فرتك الرس�ول ﷺ إلعادة البيت إىل ما ِ تطبيق هذا احلكم يف املجتمع القريش ؛ استئناس� ًا كان عليه ،مبني عىل اس�تبصار مس�تقبل أيلولة بأحواله االجتامعية واإليامنية والنفس�ية ،ولوال االلتفات إىل هذه األيلولة يف املس�تقبل الهتزت ِ املنزل ، حرم�ة البي�ت يف النف�وس ،وخل�ع ربقة اإلسلام أق�وام ال دراية هل�م بمقاصد احلك�م َّ العتقادهم أن التغيري يف البناء اجرتاء عىل ِ هيبة الكعبة ،وزراية بحرمتها . ٌ االستهداء بالعادة :إن النظ�ر يف العالق�ات الس�ببية بني األفع�ال يف العادة يبّص�رّ بمآالهتا املتوقع�ة يف الواقع ؛ فالفعل املعني إذا جرى عىل صورة معينة ،فإنه يؤول بحكم العادة إىل مآل معني ،ومن ثم يقدَّ ر املآل قبل وقوعه تقدير ًا يقيني ًا أو ظني ًا بالرجوع إىل العادة املستحكمة ،وهي رضبان : -األول :عادة طبيعية :وهي القانون الطبيعي الذي بني عليه اخللق ،ومداره عىل االرتباط السببي بني املقدمات والنتائج ،واملآالت واألفعال ،ويمكن أن ُيستدَّ ل -وفق العادات الطبيعية أخرجه البخاري يف كتاب احلج ،باب فضل مكة وبنياهنا ،برقم ، 1585 :ومسلم يف كتاب احلج ،باب نقض الكعبة وبنائها ،برقم ، 1333 :واللفظ له . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 68 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية يف الكي�ان اإلنس�اين -بمقدمات واقع�ة عىل نتائج متوقعة تتحقق بمقتضى التالزم املنطقي بني فينزل احلكم املقدمات والنتائج ،ويف ضوء هذا االستدالل يقدّ ر العلم املسبق بمآالت األفعال ّ ، الذي يرتجح صالح مآله ،ويستبعد احلكم الذي ال يكون مظنة الستيفاء مقصود الشارع . ولعل أصدق مثال عىل أثر االس�تهداء بالعادة الطبيعية :أن منع املرأة املريضة من كش�ف عورهتا للتطبب مع قيام الرضورة ،يفيض إىل مآل وخيم أعظم من مصلحة الستر ،وهو تفاقم امل�رض ،أو اإلفض�اء إىل اهلالك .فقد علم من مقدمة منع التكش�ف بحكم الع�ادة الطبيعية أن النتيجة احلتمية هي املوت أو تدهور صحة املريض . ٍ أعراف تغ�دو بحكم -الث�اين :ع�ادة عرفي�ة :هي م�ا جيري يف الن�اس واملجتمع�ات من ش�يعوعتها حاكم�ة عىل الترصفات ،ومنبئ�ة عن املواقف ،وهذه األعراف ق�د تكون باعث ًا عىل انخرام مآل الفعل عند تطبيقه ،فال يستوىف مقصوده الرشعي ،بينام يؤول الفعل إىل مقصوده يف موضع ال يكون من ديدن أهله وهجرياه اجلري عىل تلك األعراف . ومن الس�ائغ للمفتي املجتهد أن يسرتشد بمسلك العرف الدارج يف تقدير مآالت األفعال ونتائج الترصفات ،فإذا تأدى به هذا االسرتشاد بيقني أو ظن معترب إىل فوات املصلحة أو إهدار املقصود عند تنزيل احلكم تأثر ًا بالعرف ،انتقل إىل حكم آخر أوىف باملقصود ،وأحظى للمآل. وال نعدم يف فقه الس�نة تأصي ً ال ملس�لك االس�تهداء باألعراف يف تقدير أيلولة األفعال قبل فيسب أباه ،فالشارع وقوعها ؛ ومن فروع هذا التأصيل :النهي عن سب الرجل أبا الرجل ّ الس�ب من حين س�دّ الذريعة إىل س�ب الوالدين قدّ ر أيلول�ة الفعل بناء عىل علمه بأن الرد عىل ّ األعراف الفاشية يف املجتمع . أخرجه البخاري يف كتاب األدب ،باب ال يسب الرجل والدبه ،برقم 5973 :ومسلم يف كتاب اإليامن، باب بيان الكبائر وأكربها ،برقم . 90 : مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 69 د .قطب الريسوني -االستهداء بالقرائن: م�ن املس�الك املعتربة يف تقدير مآالت األفع�ال قبل وقوعها :االس�تهداء بالقرائن املحتفة بالتصرف ،واملالبس�ة للح�ال ؛إذ إن القرائن حتمل بين عطفيها من املقدمات واإلش�ارات ما ينب�ىء احلصي�ف عن حصول نتائج حم ٌّققة أو غالبة التحق�ق ،و ال يزال العقالء يعملون القرائن يف وقائ�ع الدين والدنيا ،حتى أصبح�ت داللتها عىل األحكام يف حيز املقطوع به ،ولذلك جاء يف تعريف القرينة « :الدالة عىل ما يطلب احلكم به داللة واضحة بحيث تصيرّ ه يف ح ّيز املقطوع به » . وإن الرشع نفس�ه أقر مس�لك القيافة يف إثبات البنوة ،وإحلاق النس�ب ،ومبناه عىل قرائن ً .فضال وأم�ارات يلحظها القائف ،وس�ار عىل هذا املهيع الصحابة الك�رام ،وجمتهدو األمة عن أن مدونات الفقهاء زاخرة بالفروع التطبيقية إلعامل القرائن ؛ إذ قرروا هبا األحكام ،وأثبتوا الوقائع ،وتب ّينوا مرادات املتكلم . فلا غ�رو أن يعدّ الش�اطبي مالحظ�ة القرائ�ن والبناء عليها رشط� ًا يف أهلي�ة املجتهد ؛ إذ االجتهاد الذي ينوب فيه صاحبه عن الش�ارع هو ما كان جاري ًا عىل تقدير املآالت قبل اجلواب عن الس�ؤاالت ،وال يس�تقيم هذا التقدير إال برعي اخلصوصيات التبعية التي تتجىل عاد ًة يف قرائن احلال ومالبساته . وإذا كان العم�ل بالقرائن مس�لك ًا مرشوع� ًا يف تقرير األحكام ،وإثبات الوقائع ،وتفسير املرادات ،فإن من الس�ائغ للمجتهد أن يسرتش�د هبا يف تقدير مآالت األفعال قبل وقوعها ،وال يتأتى ذلك إال بمراعاة عنرصين ال ينفكان عن أصل القرائن ،ومها : الفواكه البدرية يف األقضية احلكمية البن الغرس ،ص . 83 الطرق احلكمية البن القيم . 9 ، اعتبار املآالت ومراعاة نتائج الترصفات للسنويس ،ص . 387 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 70 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية الترصف ،أو أوالً :طبيع�ة املح�ل :ويقص�د به « أن تكون طبيعة اليشء الذي ه�و حمورّ اخلصائ�ص الذاتية واألعراض املالزمة للفعل أو الشيء ؛ ذات داللة وضعية عىل كوهنا مقدّ مة لنتيج�ة معين�ة تلزم عنها ،أو كوهنا حمل ً ا ملعنى معني » .ومثاله :األقلام واملحابر هي بذاهتا دليل وضعي ناهض عىل أهنا ّ حمل لالستعامل يف مضامر خمصوص هو الكتابة . أم�ا املث�ال الفقهي لطبيعة املحل واالس�تدالل به عىل القصد فال يش�ذ يف الغالب عن دائرة األغراض املحظورة ؛ إذ يكون االستعامل الفعيل لألشياء قرينة رصحية عىل القصد املتوخى منه قب�ل حتقق�ه ،وال أجد يف املعامالت املالية مثاالً أنس�ب مما يف فتاوى ابن تيمي�ة ،أال وهو احليلة َ الربوي�ة ؛ ف�إن املحتال قد يريد مث ً ال أخذ مائ�ة مؤجلة ببذل ثامنني حالة ،فيحتال إلزالة التحريم املحرم ،وهو هذا املعنى .وبالنظر إىل طبيعة حمل هذه املعاملة يستبني أهنا مع التلبس بالسبب ّ ال يمكن أن حتمل عىل الغرض احلالل ،والقصد السليم . وقد أعجبني من الدكتور عبد الرمحن الس�نويس إحلاقه ( االش�تهار باليشء ) بطبيعة املحل يف جم�ال إعمال القرائن ،واس�تهدائها يف تقدير أيلولة األفعال ؛ إذ ين�م هذا اإلحلاق عن ٍ ملح دقيق لألش�باه ،فمحل االش�تهار يؤذن بالقصد ابتدا ًء ،كاملشهور بتعاطي اخلمر يزرع العنب يف حقله ،فالزراعة تنبىء عن قصده ،وهو اختاذ العنب مخر ًا ،اس�تهدا ًء بقرينة االش�تهار باليشء ، ولذل�ك ق�ال ابن عبد الرب « :وال يباع يشء من العنب والتني والتمر والزبيب ،ممن يتخذ ش�يئ ًا من ذلك مخر ًا ؛ مسل ًام كان أو ذمي ًا ،إذا كان البائع مسل ًام ،وعرف املبتاع ببعض ذلك ،أو ينتبذه، واشتهر به » . اعتبار املآالت ومراعاة نتائج الترصفات ،ص . 387 جمموع الفتاوى البن تيمية ، 118/6 ،واعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ،ص . 388 اعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ،ص . 388 الكايف يف فقه أهل املدينة البن عبد الرب . 329 - 328/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 71 ـ كث�رة الوق�وع :واألصل يف هذا املعيار قاعدة « :تقام املظنة ُمقام املئنة » ،أي أن الظن بوقوع اليشء ينزل منزلة التيقن منه ،أخذ ًا باحلزم واالحتياط ملرادات الرشع ،وصون ًا للمآالت عن االنخرام . ومذه�ب مال�ك أكثر املذاهب إعماالً هلذه القاع�دة ،وجري ًا عىل مقتضاه�ا ،عىل هنجه يف التوس�ع يف سدّ الذرائع ،وحسم وسائل الفساد ،وال نعدم يف تفاريع املذهب املالكي ما ينهض عىل مراعاة كثرة الوقوع يف استجالء القصد إىل اليشء والباعث عليه ،تنزي ً ال هلا منزلة العلم أو الظ�ن الراج�ح ،وإعامالً ألصل االحتياط الذي ينهض مرجح� ًا يف مورد اخلالف عند املالكية ، وقد جلىّ الشاطبي وجه مالك يف إعامل هذه القاعدة حني قال « :إن القصد ال ينضبط يف نفسه ؛ ألن�ه م�ن األم�ور الباطنة ،لكن ل�ه جمال هو كثرة الوق�وع يف الوجود ،أو هو مظن�ة ذلك .فكام صح التخ ّلف ؛ فكذل�ك تعترب الكثرة ألهنا جمال القص�د » ،ثم يرضب اعتبرت املظن�ة وإن ّ املث�ال على ذلك ببي�ع العينة قائ ً ال « :ولكن ه�ذا -أي منع بيع العينة -بشرط أن يظهر لذلك قصد ،ويكثر يف الناس بمقتىض العادة » . والذي يلوح يل من اس�تدالل املالكية بكثرة الوقوع عىل القصد الفاس�د عند فشو التحايل حظر أش�ياء كان مأذون ًا فيه أصالة، على أح�كام الرشع ،أن مالك ًا الحظ من ترصفات الش�ارع َ ِ لكثرة ما أفضت إليه من املفاسد ،كتحريم اخللوة باألجنبية ،وحتريم سفر املرأة وحدها ،وحتريم اجلم�ع بين املرأة وخالته�ا أو عمتها ،والكثرة هنا معيار يس�عف عىل تقدير امل�آالت املنخرمة ، واملقاصد الفاسدة . مغني املحتاج للرشبيني . 118/1 ، املوافقات للشاطبي . 361/2 ، نفسه 199/4 ،ـ . 200 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 72 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية االستهداء بالتجربة: املجرب ما يقارب أصل التجربة :اختبار اليشء مرة بعد أخرى ،إىل أن يتحصل للمرء ّ العلم أو الظن . وإن االستهداء بالتجارب يف ترصيف األمور سنة جارية عند العقالء ،ملا يرتتب عليها من مجة ؛ إذ جرى يف العلم املقارب للقطع أو الظن الغالب ،والدالئل عىل مرشوعية ذلك متوافرة ّ الرشع يف أكثر من مناس�بة تقدير مآالت األشياء استناد ًا إىل التجربة ،ومن ذلك أن موسى عليه السلام قال لنبينا ﷺ حني رشعت الصالة ليلة املعراج « :إن أمتك ال تس�تطيع مخسين صالة كل ي�وم ،وإين واهلل ق�د جرب�ت الناس قبلك ،وعاجلت بني إرسائيل أش�دّ املعاجلة ،فارجع إىل رب�ك فاس�أله التخفيف ألمتك » .فقد علم بالتجرب�ة أن إثقال الكاهل بالتكاليف يفيض إىل الس�آمة واملل�ل واالنقط�اع عن الطاع�ة ،ومن ثم روعي ه�ذا املآل عند طل�ب التخفيف .وقد انت�زع اب�ن حجر من هذا احلديث فقه ًا نفيس� ًا حني ق�ال « :التجربة أق�وى يف حتصيل املطلوب من املعرفة الكثرية ؛ يس�تفاد ذلك من قول موس�ى عليه السالم للنبي ﷺ :إنه عالج الناس قبله وجرهبم. » ّ و ال ي�زال الفقه�اء يراعون معطيات التجارب ومفاداهتا يف االجتهاد ،والتأصيل الفقهي ، والفتوى ،إلفادهتا العلم القطعي أو الظن الغالب عىل أقل تقدير ،ومن ش�واهد ذلك قول ابن أقل احليض وأكثره ؛ ّ رشد « :وهذه األقاويل كلها ؛ املختلف فيها عند الفقهاء يف ّ وأقل الطهر ؛ املشمس « :واحلق ال مس�تند هلا إال التجربة والعادة » ،وقول القايض عياض يف مس�ألة املاء ّ املصباح املنري للفيومي ،ص . 54 حاشية ابن عابدين . 365/1 ، أخرجه البخاري يف كتاب مناقب األنصار ،باب املعراج ،برقم . 3887 : فتح الباري البن حجر . 218/7 ، بداية املجتهد البن رشد . 51/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 73 د .قطب الريسوني أن التجرب�ة إذا قضت برضر اس�تعامله ؛ فالق�ول بالكراهة ظاهر ،وإن مل يصح ما روي ؛ ملا علم يرض عاج ً ال » . رشع ًا من طلب الكف عام ّ وق�د ع�دّ الفقيه املالكي أيوب بن س�ليامن بن صالح التجربة أصل ً ا مفتقر ًا إليه يف كل فن ، والسيام يف الفتوى وتنزيل األحكام ،يقول « :الفتيا دربة ،وحضور الشورى يف جملس احلكام منفع�ة وجت�رب .وق�د ابتلي�ت بالفتي�ا ،فام دريت م�ا أق�ول يف أول جملس ،وأنا أحف�ظ املدونة ويعول واملستخرجة احلفظ املتقن ,ومن تف ّقد هذا املعنى من نفسه ممن جعله اهلل إمام ًا يلجأ إليه ّ ، الن�اس يف مس�ائلهم عليه ؛ وجد ذلك حق� ًا ،وألقاه ظاهر ًا وصدق ًا ،ووق�ف عليه عيان ًا وعلمه خرب ًا ؛ والتجربة أصل يف كل فن ،ومعنى مفتقر إليه » . بل إن الش�اطبي يعدّ نتائج التجربة برهان ًا دامغ ًا ال حيتمل متع ّلقه النقيض بوجه ،ويذهب يف ذلك مذهب ًا بعيد ًا حني يس�تعيض عن الربهان بالتجربة يف مقا ِم التأصيل والتدليل ،يقول « : وال احتياج ههنا إىل إقامة برهان عىل ذلك ؛ إذ التجربة اجلارية يف اخللق قد أعطت يف هذه املرتبة برهان ًا ال حيتمل متعلق النقيض بوجه » . ٍ ملقدرات يف ومم�ا جيّل�يّ أثر التجربة يف تقدير املآالت قبل وقوعه�ا ،أن العرف جعل ضابط ًا األوقات ،واألماكن ،واملس�افات ،والعوارض ،مما ال حييط به عدّ أو إحصاء ،ومن املس� َّلم به أن االعتياد العريف مبناه عىل التجربة املرتاكمة ،واملشاهدة املوصولة « ،ومثال ذلك املشاق التي تقتيض التخفيف ؛ فإن الش�اطبي رمحه اهلل جع�ل الضابط يف تعيينها االعتياد اجلاري يف الناس ، وذل�ك بال ش�ك ال يعلم إال من جهة التجريب واملش�اهدة املتكررة ؛ ويظه�ر أثر اعتبار املآل يف هذا االختيار :يف أن املش�قة لو ضبطت بمعنى ثابت ال يتغري ،لتمخض عن ذلك من احلرج ما ال حد له ؛ إذ الناس خيتلفون يف هذا من عرص إىل آخر » . حكاه عنه احلطاب يف مواهب اجلليل . 110/1 ، املعيار للونرشييس . 79/10 ، املوافقات للشاطبي . 69/1 ، نفسه ،ص . 393 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 74 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية يقدر انخرام مآالت األفعال قبل وقوعها اسرتشاد ًا بسوابق ومن ثم فإن املفتي املجتهد قد ّ التجربة ،ومعطياهتا املستقرأة يف الواقع ،فإذا ظهر له -عىل سبيل املثال -أن تنزيل حكم رشعي معينّ عىل ّ حمل معينّ ال يس�فر عن مقاصده بحكم التجريب واملش�اهدة املتكررة ،فإن االجتهاد ّ الصحي�ح يل�زم بتعديل صورة احلكم تعدي ً املنزل عليه ،أو يلزم بإرجاء تطبيقه ال يتناغم واملحل َّ إىل حني يستجمع فيه املحل رشوط التنزيل . العمل بالظن الغالب:إن العمل بالظن الغالب مسلك تعاوره املجتهدون النظار خلف ًا عن سلف دون نكري ،وما أكثر األحكام الرشعية التي بنيت عىل غلبة الظنون املس�تفادة من األمارات والقرائن وش�واهد احلال ،ونجتزىء هنا للتمثيل بثالث مسائل : -األوىل :إن القيافة يرتتب عليها االس�تلحاق يف النس�ب ،وإثبات حقوق البنوة من نفقة ورعاي�ة وإرث ،م�ع أن مبناه�ا عىل الظ�ن الغالب املس�تفاد من أمارات وعالمات كالش�به بني األقدام وغريه . -الثاني�ة :إن املري�ض املعت�ل فقيه نفس�ه ،فهو يأخ�ذ بالرخص الرشعية بحس�ب تقديره ال�ذايت ،وظن�ه الغال�ب ،فإذا غلب عىل ظنه -مث ً ال « -زيادة امل�رض ،أو تأخر الربء ،أو إصابة املشقة بالصوم أفطر ..إىل غري ذلك من املسائل املبنية عىل غلبات الظنون » . -الثالثة :إن األصل يف املحتسب أن يتقي التجسس عىل الناس ،وتتبع عوراهتم يف البيوت ألج�ل كش�ف املنك�ر ،واإلنكار عىل أهله ،بيد أن هذه املفس�دة قد يعارضها م�ا هو أقوى منها فيدف�ع األعلى باألدنى ،وذلك « مثل أن خيربه من يث�ق بصدقة أن رج ً ال خال بامرأة ليزين هبا ، املوافقات للشاطبي . 208/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 75 د .قطب الريسوني أو برجل ليقتله ،فيجوز له يف مثل هذه احلالة أن يتجسس » « ،وكذا معظم اإلنكار الرشعي مبني عىل الظن » . فالعمل بالظن الغالب ،إذ ًا ،مس�لك متليه الرضورة ،وتش�هد له مؤيدات النقل والعقل ؛ ذل�ك أن إحراز اليقني يش�ق عىل املجتهدين يف كثري من األحي�ان ،فيكتفى منهم بالظن املرشوع املوج�ب للعمل ،وإال تعطلت الرشيع�ة ،وأهدر مقصود التكليف ،لكثرة النصوص التي يثار اخلالف حول حجيتها أو داللتها عىل املقصود ،يقول العز بن عبد السالم « :فلو عطلنا العمل بالظ�ن خوف� ًا من نادر كذبه وإخالفه ،لعطلنا أغلب املصالح ألندر املفاس�د ،ولو علمنا بالظن املشروع حلصلنا أغلب املصالح بتحمل أندر املفاس�د ،ومقتىض رمح�ة الرشع حتصيل املصالح الكثرية الغالبة وإن لزم من ذلك مفاسد قليلة نادرة » . بيد أن الظن املرشوع ال يرادف اإلخالة الواهية ،والش�ك الضعيف ،وبادىء الرأي ؛ وإنام ق�رر املقري قاعدة جليل�ة يوزن هبا وج�ه التع ّل�ق ب�ه الرك�ون إىل أمارة رشعية ينش�أ عنها ،وقد ّ االجته�اد الظن�ي ،وه�ي « :الظن الذي ال ينش�أ عن أم�ارة رشعية ال يعترب رشع� ًا ،وإن كانت النفس أسكن إليه من الناشىء عن أمارة رشعية » . وقد عدّ ابن قدامة الظن العاري عن األمارة الرشعية من اللغو الذي ال يتلفت إليه « كام ال يلتفت احلاكم إىل قول أحد املتداعيني إذا غلب عىل ظنه صدقه بغري دليل » . مهما يك�ن من أمر ف�إن الظن الغالب ٍ ج�ار يف العمليات جم�رى العلم ،فضل ً ا عن تضافر الفقهاء املجتهدين عىل وجوب جلب املصالح ودرء املفاس�د بالظنون املعتربات ،حتى اش�تهر األحكام السلطانية للاموردي ،ص . 252 شجرة املعارف واألحوال لعز الدين بن عبد السالم ،ص . 258 نفسه ،ص . 89 القواعد للمقري ،القاعدة . 1147 : املغني البن قدامة . 197/1 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 76 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية عند املالكية أن الغالب كاملح َّقق يف املنزلة واحلكم ،يقول املقري « :املش�هور من مذهب مالك ٍ مساو للمح ّقق » . أن الغالب وإذا اس�تبان رجح�ان هذا املس�لك رشع ًا وعقل ً ا ،فإن من الس�ائغ الركون إلي�ه يف تقدير م�آالت األفعال قبل وقوعها ،ف�إذا غلب عىل ظن املفتي املجتهد فوات مقصد ،أو انخرام مآل عند التنزيل ،احتاط ملرادات الش�ارع يف فتواه بالتعديل أو التغيري أو اإلرجاء املؤقت كام س�نب ّينه الحق ًا إن شاء اهلل تعاىل . النظر يف قصد الفاعل:ِ خلاف مقاصد الرشع ،وتأيت هادمة ملصاحله، مل�ا كانت بواعث بعض املكلفني جتري عىل ف�إن على املفت�ي املجتهد تبينّ طبيع�ة الباعث من حيث املوافق�ة واملخالفة ،قب�ل إمضاء احلكم يشرع من أصل�ه » ،وال خيرج هذا الرشع�ي ؛ « إذ كل تصرف ال يرتت�ب علي�ه مقصوده ال ّ ِ جلب املصالح وتكميلها ،ودرء املفاسد وتقليلها . املقصود عن َسنَن وإذا كان تبينّ البواعث من بواطن األمور ،وخفيات املسائل ،فإن االجتهاد يف هذا الباب الغب ،حلو املجاين ،وال مانع فيه من اسرتفاد التجارب والعادات والظنون املعتربات ؛ حممود ّ ألن الرشع أقام الظن مقام العلم فيام ال حيىص من فروع الرشيعة . َّ يستدل عىل الباعث الفاسد ،والقصد اليسء بأمرين : مهام يكن من أمر فإنه يمكن أن -األول :ترصي�ح الفاع�ل املتس� ّبب يف امل�آل أو املب�ارش ل�ه ب�إرادة الغ�رض املحظور من فعل�ه ،وإن كان مرشوع� ًا يف األص�ل ،وال خلاف بني أهل العلم يف بطالن ه�ذا الفعل ابتدا ًء ، ملنابذت�ه األص�ول ،وجوره عىل املقاصد .وقد عدّ اب�ن قدامة العقد باط ً ال « إذا علم البائع قصد قواعد املقري ،القاعدة . 241/1 ، 17 : املنثور يف القواعد للزركيش . 395/3 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 77 د .قطب الريسوني املشرتي ذلك -أي بيع العصري ممن يتخذها مخر ًا -إما بقوله ،وإما بقرائن خاصة ،به تدل عىل ذلك. » الث�اين :كث�رة الوق�وع ،وه�ي معتبرة عن�د املالكية يف تبّي�نّ القص�د الفاس�د ؛ ذلك أنه« ال ينضب�ط يف نفس�ه ؛ ألن�ه من األمور الباطنة ،لكن له جمال هنا وه�و كثرة الوقوع يف الوجود ص�ح التخ ّلف ،كذلك تعترب الكث�رة ؛ ألهنا جمال أو ه�و مظن�ة ذلك .فكام اعتبرت املظنة وإن ّ القصد ، » والرشع إنام بني عىل االحتياط واحلزم وحس�م وس�ائل الفساد ،فال بدع أن يؤخذ بقاعدة « :إقامة املظنة مقام املئنة » احتياط ًا ملرادات الشارع ،وصون ًا ملقاصده يف اخللق. ِ باس�تصحاب القرائن ومج�اع الق�ول يف ه�ذا املس�لك :إن النظر يف قص�د الفاعل يس�تقيم فينزل واألم�ارات وش�واهد احلال التي تضيء من خفايا النفوس ،ومكامن الني�ات ما تيضء ّ ، كر احلكم الرشعي عىل حمله بتحكيم هذا امليزان ،فام كان جاري ًا عىل َس�نن املقاصد أميض ،وما ّ عليها وعىل مصالح العباد باإلبطال ،أبطل . وال ندحة ملفتي املصارف اإلسلامية عن طلب رفد هذه املسالك يف تقدير مآالت األفعال ونتائ�ج الترصف�ات ،إن را َم نجاح� ًا وفالح ًا يف تنزي�ل األحكام ،ومحاية مقاصده�ا ،وإال فإن املصالح الرشعية باإلبطال .فلو استفتته -مث ً ِ ال -إدارة املرصف املنافرة بينهام واقعة بام يعود عىل تقر يف نصاهبا ،إال بتقدير مآل احلكم املفتى به ،هل يفيض إىل يف قضي�ة مالي�ة ،ف�إن فتواه فيها ال ّ املقص�ود الرشع�ي ،أم يتجانف عنه ؟ ومن هن�ا يتعني ـ قبل إمضاء الفتوى -اللواذ باملس�الك اآلتية : النظ�ر يف قصد املس�تفتي أو إدارة املرصف هل هو صحي�ح ٍجار عىل مقاصد الرشع ،أم فاس�د مناق�ض للمقاص�د ؟ ويمك�ن الرجوع يف ذل�ك إىل الترصيح بالباعث ،أو االس�تئناس بالقرائن . املغني البن قدامة . 284/4 ، املوافقات للشاطبي . 361/2 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 78 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية اإلف�ادة م�ن معطي�ات الواق�ع ،ومف�ادات التجربة ،ومقتضي�ات األع�راف ،يف تبينّّ املحال ،واألحوال ،والبيئات التي تنخرم فيها املآالت ،وتؤول األحكام إىل خالف مقصودها الرشع�ي ،فيق�اس عىل األوضاع املش�اهبة ،واحلاالت املطابق�ة ،بناء عىل االس�تقراء الواقعي ، والتجريب ،واالعتياد . -االس�تئناس بالقرائن التي تالبس حال املس�تفتي ،أو تكتنف طبيعة املحل ،ألهنا تؤذن بالقصد ابتدا ًء ،وتسعف عىل التكييف الصحيح للنازلة . -إعامل قواعد االستبصار املستقبيل يف احلكم عىل مآالت األفعال حتقق ًا أو انخرام ًا ،وإن كانت نتائجه ال جتري جمرى القطع . -العمل بالظنون الغالبة يف احلكم والتقدير ،وذلك دأب الشارع يف درء املفاسد املظنونة، وصنيع املجتهدين النظار يف حسم وسائل الرضر . الثاين :القواعد األصولية يف تقدير مآالت األفعال :إن تقدي�ر امل�آالت يف التأصيل الفقهي للقضايا املع�ارصة ،ال يتأتى بفقاهة النفس ،وذوق املجتهد ،ومعرفة الواقع فحسب ؛ بل ال بد من االحتكام إىل قواعدَ أصولية ّ ترشد مسار اعتبار ويقر االجتهاد يف نصابه املآل درء ًا لفساده ،وجلب ًا لصالحه ،حتى يؤمن التحريف يف دين اهلل ّ ، غري زائغ وال حائل .ومن أبرز هذه القواعد : قاعدة سدّ الذرائع:ٍ معان مشرتكة ،وصيغ متقاربة- إن تعريفات األصوليني لسد الذرائع -عىل تواردها عىل ف�إن منه�ا املو َّفق ،واملقارب للتوفي�ق ،والبعيد عن ذلك ،هذا ؛ إذا نظ�ر إليها بميزان الرشوط املرعي�ة يف صناعة احلدود والتعاريف ،واطراح ًا لالس�تكثار م�ن النقول ،واإلطالة يف اجللب ، نقترص عىل إيراد تعريف الشاطبي ،لقربه من اإلحكام ،ووفائه باملقصود ،يقول يف تعريف هذه مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 79 د .قطب الريسوني القاعدة « :منع اجلائز لئال يتوس�ل به إىل املمنوع » ،ومضمون هذا التعريف :أن اليشء قد يكون مباح ًا يف أصله ،لكن التطرق به إىل املمنوع ،يسقط مرشوعيته فيمنع سد ًا للذريعة . والعناي�ة هب�ذه القاعدة ليس�ت من خ�واص مذهب مال�ك ،وإن كان ال جي�ارى يف إعامل االجتهاد الذرائعي توسع ًا واستكثار ًا ؛ إذ املستقرىء لفروع املذاهب يقف عىل فروع مجة خمرجة على هذا األصل ،وملتفتة إليه يف باب االحتياط وحس�م مادة الفس�اد .وه�ذا ما حدا بالقرايف إىل القول « :فليس س�د الذرائع خاص ًا باملك رمحه اهلل ،؛ بل قال هبا هو أكثر من غريه ،وأصل سدّ ها جممع عليه » . وال خيفى عىل حصيف أن قاعدة سد الذرائع متفرعة عن أصل املآل من جهة أهنا تكفل درء املفاس�د املتوقعة اس�تقباالً إذا كان التنزيل الفقهي للحكم التجريدي يفيض إىل رجحان املفاسد عىل املصالح املتوخاة من األحكام األصلية للحوادث واملستجدات . ومن ثم فإن املفتي املجتهد حني حيكّم قاعدة سدّ الذرائع يف تكييف احلوادث والترصفات، يكون قد التفت إىل العوارض الطارئة ،واملالبس�ات املس�تجدة التي اكتنفت ّ حمال النوازل مما مل يكن له أثر عند ترشيع األحكام األصلية ؛ إذ ما من واقعة جزئية تطرأ عىل الساحة إال وهلا فلك ٍ ٍ نس�ب ،والرشع بس�بب أو معني تدور فيه ،وخصوصية ذاتية تتلبس هبا ،وجمال حيايت تديل إليه حوى بني جانحيته من القواعد اهلادية ،والضوابط املوجهة يف باب االجتهاد التنزييل ما يضمن التكييف املناسب لكل مستجد طارىء ونازلة مستأنفة . وإذا كان املج�ال األصلي إلعامل قاعدة س�دّ الذرائع هو تقييد دائ�رة املباحات واحلقوق ، وس�ع من جيوب القاعدة حني انته�ى إىل أن هلا جماالً وعمل ً ا يف باب العبادات ف�إن الش�اطبي ّ إذا خشي أن يك�ون ركوب املرشوع وصل ًة إىل االنقطاع ع�ن الطاعات ،أو الزيادة يف التكاليف املوافقات للشاطبي 257/3 ،ـ . 258 الفروق القرايف . 33/2 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 80 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية على س�بيل االبت�داع ،يق�ول « :ويف اجلمل�ة ؛ فكل عمل أصل�ه ثابت رشع� ًا ؛ إال أن يف إظهار العمل به واملداومة عليه ما خياف أن يعتقد أنه سنّة ،فرتكه مطلوب يف اجلملة أيض ًا من باب سدّ يتخرج على قاعدة إمامه مالك رمحه اهلل يف ترك الس�نن إن خيف االعتقاد الذرائ�ع ، » وهذا ّ بفرضيتها . مهما يك�ن من أم�ر فإن قاعدة س�د الذرائ�ع ،وإن عنيت بتبّي�نّ طبائع القص�ود ،وحقائق البواع�ث ،ف�إن اهتاممه�ا األول واألثري هو النظ�ر يف ثمرات األعامل ،وم�آالت األفعال ،وما تفضي إلي�ه من آث�ار س�يئة ،وعقابيل وخيمة .وم�ن هنا كان العم�ل يف إطار القاع�دة وبعدها الوقائي متجه ًا إىل حس�م مادة الفس�اد املتوقع اس�تقباالً ،أو التخفيف من وطأته وتداعياته من والتحرز . خالل آلية االحتياط ّ وثمة س�ؤال قد ينثال عىل الذهن ،وال جيد س�بي ً ال إىل د ّعه ،وهو :إذا أبطل الفعل املرشوع واعتب�ار لواقع احلال ،ف�إن مصلحته األصلي�ة هتدر جري ًا عىل مقتضى القاعدة ، رعي� ًا للم�آل ، ً فكيف يغفل املجتهد عن وجه املصلحة فيام هو مرشوع ؟ واجلواب :أن مصلحة األصل إذا عورضت بمفسدة راجحة ،فإن الصالح يغمر يف جانب الفس�اد ،فلا يلتفت إلي�ه ،والرشع والعق�ل يقضيان مع ًا باملي�ل إىل الكفة الغالب�ة التي توجب ترجي�ح « رضر امل�آل على مصلحة احلال » ،وليس درء الفس�اد الغالب إال وجه ًا من وجوه جلب الصالح . ويف ض�وء العالق�ة الوطيدة بني قاعدة س�د الذرائع وأصل املآل ،يس�وغ اجل�زم بأن املفتي املجتهد إذا ثبت لديه -عند تكييف القضية املعارصة -أن تنزيل احلكم عليها س�يؤول إىل مآل فاس�د ،فإنه ال بد من رصف احلكم عن خصوص هذه القضية جري ًا عىل قاعدة س�د الذرائع . االعتصام للشاطبي . 31/2 ، اعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ،ص . 266 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 81 د .قطب الريسوني ويس�لك يف معرفة القضية املتذرع هبا إىل القصد الفاس�د أحد مس�لكني :تبينّ قصد املتذرع ،أو تبينّ املآل الواقعي الذي تؤول إليه القضية . -قاعدة إبطال احليل: ع�رف الش�اطبي احليل بقول�ه « :حقيقتها املش�هورة :تقدي�م عمل ظاهر اجل�واز إلبطال ّ حكم رشعي وحتويله يف الظاهر إىل حكم آخر » ،ثم أردف التعريف بام يزيد حقيقة التح ّيل وضوح ًا وجالء حني قال « :فمآل العمل فيها خرم قواعد الرشيعة يف الواقع » . ويؤخذ من هذا التعريف أن ماهية احليلة املمنوعة تتألف من ثالثة عنارص : األول :التوسل بعمل ظاهر املرشوعية إىل غرض فاسد . -الثاين :التعارض بني مصلحة األصل ورضر املآل ،فيقىض بإبطال احليلة حتوط ًا من املآل الفاسد لكونه خارم ًا ملقاصد الرشع . الثالث :السعي إىل هدم مقصد كيل ومصلحة رشعية .وللتحي�ل إطالق�ات وتصاري�ف ش�تى ،وبعضه�ا ال يش�مله املعن�ى القبي�ح ،كالتدبير، واحل�رص ،وحس�ن التخلص ؛ إذ ق�د يكون الباعث أحيان ًا عىل رك�وب احليلة رشيف ًا ال مدخل ل�ه يف املخاتل�ة واخلداع ،وقلب احلقائ�ق ،ومثاله :أن يتحيل النتزاع احل�ق ،وإزهاق الباطل ، واخلروج من مضايق التكليف بوجه مرشوع .وقد علق اإلمام القرطبي عىل قصة سليامن عليه السلام مع املرأتني املتنازعتني يف الولد تعليق ًا نفيس� ًا ينم عن جودة فهم ،وش�فوف رأي ،حني قال « :وفيه من الفقه :استعامل احلكام احليل التي تستخرج هبا احلقوق ؛ وذلك يكون عن قوة املوافقات للشاطبي . 201/4 ، نفسه . 201/4 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 82 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية حيرم من احليل ،إذ ًا ،اإلفضاء إىل قلب الذكاء والفطنة وممارسة أحوال اخللق » .فضابط ما ّ أحكام الرشع ،وإفراغها من مقاصدها بوسائل اخلدا ِع والتزييف . أما وجه تعلق قاعدة إبطال احليل بأصل املآل فهو أن التح ّيل ترصف ينطوي عىل حمظورات صارخة : أوهلا :التدثر بالعمل املرشوع ُوصل ًة إىل الغرض الفاسد اهلادم ملقاصد الرشع. والثاين :املفسدة املتوقع حدوثها يف املآل. والثال�ث ّ : ش�ل احلك�م الرشعي يف دائ�رة التكليف والعم�ل بإفراغه من مقاص�ده اهلادية البانية .وكفى هبذا املآالت إنذار ًا بعاقبة احليل ،وبطالن ما انبنى عليها . وثمة وجه ٍ ثان جييل صلة القربى بني القاعدة وأصلها ،وهو التضايف الوظيفي بني « س�د الذرائع » و « إبطال احليل » ،من حيث تبنّيهام للمس�لك الوقائي االحتياطي الذي حيس�م مادة الفساد قبل حدوثه ،من خالل تعطيل الذرائع املنافرة ملقاصد الترصفات ،وأرواح األعامل؛ إذ ال يتغاىض الشارع عن مرشوعية التوسل ،ومواءمته للمقاصد املرجوة خالف ًا للقاعدة امليكافيلية ربر الوسيلة » . املتهافتة « :الغاية ت ّ وق�د جلى اب�ن القيم الصلة بني « س�د الذرائ�ع » و « إبطال احليل » أتم اجللاء حني قال : « وجتويز احليل يناقض س�د الذرائع مناقضة ظاهرة ؛ فإن الرشاع يس�دّ الطريق إىل املفاس�د ّ بكل املحرم إىل من ممكن ؛ واملحتال يفتح الطريق إليها بحيله ،فأين من يمنع اجلائز خشية الوقوع يف ّ يعمل احليلة يف التوصل إليه » . اجلامع ألحكام القرآن للقرطبي . 221/6 ، إعالم املوقعني البن القيم . 144/3 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 83 وما أحوج املفتي يف املعامالت املالية واملرصفية إىل االستمداد من قاعدة « إبطال احليل » يف التكييف الفقهي للواقعات ،سدّ ًا ملنافذ التحيل ،واحتياط ًا ملرادات الرشع ،وال سيام أن الفتوى املحرم ،وال قد تساق إليه يف قالب خدّ اع ،يتسرت باملعاملة املرشوعة يف الظاهر ،وصل ًة إىل الربا ّ يق�در على التمييز بني املرشوع واملمنوع يف القصود إال من أويت فطنة بالغة ،وممارس�ة ألحوال اخللق . قاعدة االستحسان:االستحس�ان يف االصطلاح :عدول املجتهد بحكم املس�ألة عن نظائره�ا إىل وجه خاص اس�توىف مقصود الش�ارع يف ذلك احلكم .أما التنصيص عىل املجتهد فإلخراج ما سامه بعض األصوليني باستحسان النص ؛ألنه من قبيل ختصيص العموم بدليل رشعي ،ال من قبيل األخذ بمصلحة جزئية يف مقابل دليل كيل .وأما عبارة « :إىل وجه خاص اس�توىف مقصود الش�ارع يف ذلك احلكم » ،فس�يقت لغرضني :أوهلام :اإلحاطة بأنواع االستحس�ان كاستحس�ان الرضورة والعرف واملصلحة لكوهنا مظنة حتقق املقصود الرشعي يف خصوص املس�ألة .والثاين :استثناء املجردة والتهويمات العقلية التي ال قرار هل�ا يف نصاب االجتهاد االستحس�ان م�ن مجل�ة اآلراء ّ الصحيح ! ذلك أن املجتهد ال يعدل عن األقيسة اجللية ،وهي عمومات األدلة والعلل القريبة، إىل األقيس�ة اخلفية ،إال عند ختلف املصالح يف األوىل ،واس�تيفائها يف الثانية ،وهذا وجه ينقدح ِ أص�ل االجتهاد االس�تصالحي ،ومراعاة ل�ه بالتأم�ل الص�ايف والنظر الثاق�ب ،وال ينفك عن االستثناءات الظرفية . وم�ن العج�ب العجاب أن الش�افعية ،وهم أصحاب الغارة الش�عواء عىل االستحس�ان ، اس�تثنوا م�ا ال يعدّ من الف�روع من أصوهلا الكلية التفات� ًا إىل املعاين املصلحية ؛ بل إن الش�افعي رصح بأخذه باالستحسان يف أكثر من مسألة ،مع عرائها عن الدليل من الكتاب أو السنة نفسه ّ رشح الكوكب املنري للفتوحي ،ص ، 388واعتبار املآالت ونتائج الترصفات لسنويس ،ص . 298 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 84 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية أو القي�اس .وم�ن ه�ذه ِ البابة قوله « :أستحس�ن يف املتعة أن تقدر ثالثني درمه� ًا » .فإنكاره عىل االستحسان إنام انرصف إىل االسم دون احلقيقة ،مع استعامله للمصطلح يف مسائل شتى . ِ معرض بيان أصول الشافعي: رصح به اجلويني ،وهو من أساطني املذهب ،يف ويؤنس هلذا ما ّ « املعروف من مذهب الش�افعي التمس�ك باملعنى ؛ وإن مل يس�تند إىل أصل ؛ عل رشط قربه من معاين األصول الثابتة » . أما عن وجه تع ّلق قاعدة االستحسان بأصل املآل فقد جالّه الشاطبي يف قوله « :االستحسان وهو يف مذهب مالك :األخذ بمصلحة جزئية يف مقابلة دليل كيل ،ومقتضاه الرجوع إىل تقديم جمرد ذوقه وتشهيه ؛ وإنام رجع االس�تدالل املرس�ل عىل القياس ؛ فإن من استحسن مل يرجع إىل ّ إىل ما علم من قصد الش�ارع يف اجلملة يف أمثال تلك األش�ياء املفروضة؛ كاملس�ائل التي يقتيض القياس فيها أمر ًا ،إال أن ذلك األمر يؤدي إىل فوت مصلحة من جهة أخرى ،أو جلب مفسدة كذل�ك ،وكثري م�ا يتفق هذا يف األصل الرضوري مع احلاجي ،واحلاجي مع التكمييل ،فيكون إجراء القياس مطلق ًا يف الرضوري يؤدي إىل حرج ومش�قة يف بعض موارده ؛ فيس�تثنى موضع احلرج » . وه�ذا بي�ان تأصيلي حلقيقة االستحس�ان يف ِ غاية الدقة واالس�تيفاء ،ويتالم�ح للناظر فيه َ املج�ال األصيل إلعمال االجتهاد إرج�اع األم�ر إىل التزاح�م بني املصال�ح واملفاس�د ،بوصفه االستحساين. ِ املصالح وتكميلها من وجوه شتى : جلب فاالستحسان ،إذ ًا ،قاعدة مآلية تروم َ األول :مراعاة املالبسات الطارئة واالستثنئات الظرفية التي تكتنف األفراد ،والوقائع، البحر املحيط للزركيش . 95/6 ، الربهان للجويني . 1114/2 ، املوافقات للشاطبي . 205/4 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 85 د .قطب الريسوني ّ واملحال ؛ إذ التغايض عنها خرق لقانون العدالة ،وهدم ملبدأ االس�تصالح ،وإفراغ للرشع من مقاصده الكربى .والشك أن االستحسان رأس االجتهاد االستثنائي وعامده . -الث�اين :إن حتقي�ق مناطات األح�كام يفيض أحيان� ًا إىل تبينّ القصور ع�ن إنتاج املقاصد حلائ�ل من حوائل الظروف الواقعية ،واخلصوصي�ات الذاتية ،فيكون املخرج األمثل من هذه الضائق�ة االجتهادي�ة هو الع�دول عن التكيي�ف األصيل إىل تكييف اس�تثنائي يضمن اس�تيفاء املصلحة املتوخاة يف اإلطار التجريدي لألحكام للمط َّبقة ،وهذا االجتهاد االستثنائي ال تنهض به إال قاعدة االستحسان . -الثال�ث :إن الغل�و يف األقيس�ة ،واجلم�ود على القواع�د ،يفيض إىل تفوي�ت املصالح ، وخمالفة املعهود من َسنَن الرشع ،وال يكفكف من هذا الغلو أو ذاك اجلمود إال اجتهاد استثنائي يعال�ج التناف�ر بين االقتض�اء األصيل للن�ص أو القاعدة القياس�ية وامل�آالت الس�ارية يف روح عال ٍ ، الترشيع ودمه .وملا كان االستحسان ذا َن َفس مآيل ٍ وبعد مصلحي رحيب ،فإنه وعاء أمثل للمعاجلات االجتهادية االستثنائية التي تكفل املوافقة للمقاصد ،والرعاية للمصالح ،واحلفظ لقانون العدالة ،وهلل در ابن رشد احلفيد حني قال « :ومعنى االستحسان يف أكثر األحيان ؛ هو االلتفات إىل املصلحة والعدل » . وحاج�ة مفتي املصارف إىل قاعدة االستحس�ان ماس�ة جد ًا ؛ لتحري�ه املصلحة يف تكييف ِ ِ القواعد طريق االس�تثناء من الواقعة املالية وإحلاق احلكم هبا ،وقد ال تس�توىف املصلحة إال من العامة ،واألقيس�ة القريبة التي يؤول تطبيقها اآليل يف بعض أفراده إىل فوات مصلحة متوخاة ، أو حدوث مفسدة متحاماة .ومن ثم يرصف احلكم الكيل عن هذه األفراد بقاعدة االستحسان، ليجرى عليها حكم آخر أحظى للمصلحة ،وأوىف باملقصود . بداية املجتهد . 158/2 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 86 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية -2قواعد فقه التنزيل: إن لفق�ه التنزي�ل قواعدَ عامة تنضوي حتت االس�تثناء بمفهومه العام ،وهي قد تعزب عن ذهن املفتي وقت صياغة احلكم الكيل التجريدي ،بيد أنه يضطر للعمل هبا عند مواجهة الواقع بتأصيله الفقهي الذي حيتمل تعدي ً ال بقصد املالءمة واملناس�بة ،أو إرجا ًء يف التطبيق إىل الظرف امل�وايت ؛ ذلك أن ل�كل واقعة ُمدرك ًا خاص ًا هبا ،لكن تقارهنا عند التنزيل مالبس�ات وإضافات تقتيض النظر فيها بمعاجلة اجتهادية اس�تثنائية تس�تويف مقصود الع�دل واملصلحة .قال العز بن عب�د السلام « :اعل�م أن اهلل رشع لعباده الس�عي يف حتصيل مصالح عاجل�ة وآجلة ،جتمع كل قاعدة منها علة واحدة ،ثم اس�تثنى منها ما يف مالبس�ته مشقة شديدة ،أو مفسدة تُريب عىل تلك املصالح .وكذلك رشع هلم الس�عي يف درء املفاس�د يف الدارين أو يف أحدمها ؛ جتمع كل قاعدة منها علة واحدة ،ثم استثنى منها ما يف اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تريب عىل تلك املفاسد، وكل ذلك رمحة بعباده ،ونظر هلم ورفق » . وال ش�ك أن إغف�ال قواع�د التنزيل بحك ِم ضي�ق األفق ،وقصور املنه�ج ،ونقص اآللة ، مف�ض إىل احل�رج املدفوع رشع� ًا ،وعائد عىل مقاص�د الدين ،وأغراض اإلصلاح ،بالنقض مس�وغ إال احلرص عىل التطبي�ق اآليل للرشيع�ة ،ومواجهة املكلفني واإلبط�ال ،ولي�س له من ّ هب�ا كيفما اتفق ،مع أن يف فقه التنزيل القرآين والدعوة النبوية مجلة من اآلداب املرعية يف حس�ن التبليغ ،ويرس التطبيق ،وتدرج التغيري ،ولطف املواجهة ،لكن أكثر الناس ال يعلمون ! وإذا كان تطبيق هذه القواعد يف التنزيل عىل الواقعات يتدثر بش�عار « االس�تثناء الظريف »، فإن هذا الش�عار ال يعني إزالة احلكم األصيل ،وإس�قاطه من دائرة العمل ،عىل نحو ما يلهج به أحلاف امل�دِّ العلامين ،وغالة فق�ه الواقع ؛ ذلك أن اهلل تعاىل أنزل الرشيع�ة ثابتة مكينة ال تتغري بتغير األه�واء ،واألغ�راض ،والطبائع ؛ وإنام التغيير يالبس من األحكام م�ا كان جاري ًا عىل مناطات متغيرّ ة ،ومتع ّلقات دائرة مع املصالح حيث دارت ،أو ما كانت املالبس�ات فيه خارمة قواعد األحكام البن عبد السالم . 138/2 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 87 د .قطب الريسوني ملب�دأ املصلحة وقانون العدل ،إذا روعي االقتضاء األصلي للنص أو القاعدة بعيد ًا اإلضافات املنزل عليه . التبعية للواقع ّ عصب فقه التنزيل : ويمكن أن نعرض هنا ألربعة قواعدَ تؤلف َ أ -قاعدة التعديل: إن املقصود بقاعدة التعديل :مراعاة االستثناء اجلزئي أو الظريف عند استصحاب االقتضاء األصيل للحكم ،عىل ٍ نحو يتناغم وخصوصية الواقعة املجتهد فيها ،ويستويف املصلحة الرشعية املنش�ودة « .واحلام�ل على التعديل فيام يعرض من احلوادث أن املجته�د لو مل يعمد إىل نوع من تقره االس�تثناء يف تكيي�ف تلك املس�تجدات :لتمخض ع�ن ذلك من املفاس�د واألرضار ما ال ّ الرشيعة ،وال ترضاه قواعدها القطعية » . ومن الفروع الشاهدة عىل هذه القاعدة القول بتضمني الصناع ،مع أن األصل يقيض بعدم الضامن ؛ ألهنم مؤمتون عىل ما يف أيدهيم ،لكن اجلري عىل االقتضاء األصيل هلذه القاعدة ذريعة إىل التس�لط عىل حقوق الناس بادعاء الضياع ،والس�يام مع غلبة الفس�اد ،واستحكام الطمع ، وضع�ف ال�وازع الديني ،فكان من املتعينّ مالحظة املعنى املصلحي يف ترجيح التضمني ،رعي ًا للحقوق العامة ،ودفع ًا ألطامع ضعاف النفوس .وقد كان الشافعي ،وهو أقل الفقهاء احتفاالً يرجح التضمني قضاء عىل ما يس�تفاد من رواية تلميذه الربيع بالبواع�ث ،واعت�داد ًا بالقصود ّ ، بن س�ليامن أنه كان يرى عدم الضامن « عىل الصناع إال ما جنت أيدهيم ،ومل يكن يبوح بذلك ؛ خوف ًا من الصنّاع » . ب -قاعدة االستثناء: إن املراد بقاعدة االستثناء :العدول عن تطبيق حكم رشعي يف حق بعض األعيان والوقائع اعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ،ص . 420 األم للشافعي . 10/14 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 88 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية واألمكن�ة ،مراع�اة لضرورة ،أو جلب� ًا ملصلحة ،أو درء ًا ملفس�دة ،ومن ث�م يكون اإلعفاء االستثنائي عىل ثالثة أرضب : ـ األول :اس�تثناء باعتبار املآل كإس�قاط احلدود يف الغزو ،حلديث برس بن أرطأة مرفوع ًا : « ال تقطع األيدي يف الغزو » ،وتقييد رفع احلد بمحل الغزو استثناء مع َّلل عند زيد بن ثابت ريض اهلل عنه بأن اجلاين قد تلحقه مح ّية الشيطان وطلب السالمة فيفر إىل الكفار . وثم�ة م�آل آخر أعظم مفس�دة وأبعد أثر ًا م�ن ارتداد املح�ارب أو نكوص�ه ،وهو هزيمة املس�لمني ،وتش�ظي صفوفه�م ،وتداعي بنياهنم ،وهل�ذا كان احلامس األرع�ن لتطبيق احلد يف أرض احل�رب إعانة للش�يطان عىل مقصوده ،وإهدار ملقصود العقوبة من حيث أهنا اس�تئصال لنوازع الرش من نفس املحدود ،وتثبيت ألركان األمن االجتامعي . ـ الث�اين :اس�تثناء باعتبار الرضورة كإس�قاط عمر ريض اهلل عنه حل�د الرسقة أيام املجاعة، س�وغته رضورة حفظ النفوس بتوفري أس�باب عيش�ها ،ومص�ادر قوهتا ،ودرء وه�ذا اس�تثناء ّ احلدود عنها يف مظان الشبهة . ً وتنزيال لعبد املجيد النجار . 139/2 ، فهام يف فقه التدين ً أخرج�ه الرتم�ذي يف كت�اب احلدود ،باب ما جاء أن ال تقطع األيـدي يف الغزو ،برقم ، 1450 :وقـال: ه�ذا حديث غريب ،والدرامي يف كتاب السير ،ب�اب يف أن ال يقطع األيدي يف الغزو ،برقم ،2492 : كالمه�ا ع�ن بسر بن أرطأة .وأخرجه بلفظ « :ال تقطع األيدي يف الس�فر » أب�و داود يف كتاب احلدود ، باب يف الرجل يرسق يف الغزو أيقطع ؟ ،برقم ، 4408 :والنسائي يف كتاب قطع السارق ،باب القطع يف السفر ،برقم . 7472 :وقد قو ى إسناده ابن حجر يف ( اإلصابة ) ، 289/1 ،وصححه األلباين يف ( صحيح اجلامع الصغري ) . 1233/2 ، أخرج�ه أبو يوس�ف يف ( الرد عىل سير األوزاع�ي ) ، 81/1 ،ومن طريقه البيهقي يف الس�نن الكربى ، كتاب السير باب من زعم ال تقام احلدود يف أرض احلرب حتى يرجع .ويف س�نده مقال ،لكنه ينتهض إىل االحتجاج بعد تقويته بشواهد عند البيهقي يف السنن ،برقم ، 18735 :وسعيد بن منصور يف السنن، برقم ، 2500 :وابن أيب ش�يبـة يف املصنف برقم 28861 :أن عمر كتب إىل عمري بن س�عد األنصاري وإىل عامله « :أال يقيموا حد ًا عىل أحد من املس�لمني يف أرض احلرب حتى خيرجوا إىل أرضة املصاحلة »، ويف لفظ ابن أيب شيبة « :حتى يطلع عىل الدرب لئال حتمله محية الشيطان عىل أن يلحق بالكفار » . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 89 ـ الثالث :استثناء باعتبار املصلحة :كإسقاط عمر ريض اهلل عنه لسهم املؤلفة قلوهبم بعد أن تقوت ش�وكة اإلسلام ،وانبسطت رقعته ،وال خيفى ما وراء هذا االستثناء من مراعاة مصلحة حفظ مال املسلمني ،وترصيفه يف الوجوه املرشوعة بناء عىل فقه احلاجة ،ومنطق األولويات . ج -قاعدة اإلرجاء املؤقت : إن املقص�ود بقاع�دة اإلرج�اء املؤق�ت :الع�دول عن تطبي�ق حكم رشع�ي يف حالة معينة تأجيلاً ، حت�ى إذا انتفى موجب ه�ذا العدول أو ذاك التأجيل عاد للحك�م إلزامه القانوين ، ورشعيته التطبيقي ،ومن ثم يكون اإلرجاء مؤقت ًا بظرفه االستثنائي ،ومقيد ًا بمح ّله ال يتعداه، وذل�ك بوصفه تدبري ًا وقائي� ًا يرفع عن كاهل الناس حرج التكلي�ف املطلق ،وحيمي الرشع من تطبيق�ات آلي�ة تفرغه من مدلوالت�ه ومقاصده ،فيج�ري يف واقع الناس على خالف مقصوده متحض هلا . واملصلحة التي ّ وص�ورة اإلرج�اء املؤقت واضح�ة يف تأجيل عم�ر ريض اهلل عنه لتطبيق ح�د الرسقة عام املجاعة ؛ ألن اجلوع شبهة تدرأ احلد ،فيكون يف تطبيقه -والظرف ال يساعد عىل حتقيق األمن الغذائي -حرج عىل املحدود ،ومنافاة ملقصد احلد نفس�ه يف إش�اعة العدل واألمن واالستقرار النفيس . وإن كثري ًا من البلدان اإلسالمية يعوزها األمن السيايس واالجتامعي والنفيس ،وال يعمل فيه�ا بقاع�دة ( اإلرجاء ) يف ص�ورة معنية من التنزي�ل الفقهي عىل الواقع ،مم�ا يؤول إىل خرق قان�ون العدال�ة ،ومبدأ املصلح�ة ،وموجب القصد الذي ج�رى به هذا التنزي�ل وعليه انبنى ، والسيام إذا كان السبب احلامل عل اإلرجاء خطب ًا عظي ًام كانقداح الفتن ،أو انخرام نسق احلياة، أو اضطراب أسباب العيش . د -قاعدة االستبدال: تعني قاعدة االستبدال :العدول عن احلكم األول إىل حكم اجتهادي جديد أوىف باملصلحة ً وتنزيال للنجار . 139/2 ، فهام يف فقه التدين ً مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 90 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية وأجرى عىل العدل « ،نظر ًا لكون املناط الذي هو مس�تند احلكم األول قد انتقل إىل ما يقتضيه االجتهاد اجلديد » . وال يذهبن عنك أن هذا االس�تبدال ال مدخل له يف باب اطراح األحكام باهلوى والتشهي وموافقة األغراض ؛ وإنام جوهره ترك املقتىض األصيل للحكم األول عند حتول مناط التكليف به إىل ناحية أخرى ؛ إذ احلكم يدور مع مناطه وجود ًا وعدم ًا ،وليس املناط إال وسيلة لإلفضاء إىل املقصود ،فإذا تقارص عن الوفاء به ،تعينّ االستعاضة عنه بام هو أقدر عىل استيفاء املقاصد املرسومة . وأص�دق الش�واهد على قاعدة االس�تبدال يف فقه الصحابة قضاء عمر بس�د ب�اب التلفظ بطلاق الثلاث ؛ إذ رأى أن اإلبق�اء على املقتىض األصلي للحكم ،وهو اعتب�ار الثالث بلفظ واحد طلقة واحدة ،ذريعة إىل التالعب بدين اهلل ،وإسقاط هيبة الرشع ،فانتقل عنه إىل احلكم اجلديد سد ًا هلذه الذريعة ،بعدما تبني له تغري املناط يف احلكم األول ،وانتفاء املصلحة فيه . إن بني هذه القواعد األربع من وش�يجة القربى ،وصلة النس�ب ما ال خيفى عىل الناظر ؛إذ تتداخل يف املحتوى واملنحى ،حتى ليسوغ أن نسمي التعديل استثنا ًء ،والتأجيل تعدي ً ال ،وهلم ج�ر ًا وس�حب ًا ،لكن هذا التداخل ال يقدح يف جوهر التقس�يم يف الواقع ،وق�د جرتنا إليه دوا ٍع منهجية وبيانية ال حميص عنها يف مقام التأصيل . مهام يكن من أمر فإن مفتي العرص ال جيد مندوحة عن االضطالع هبذه القواعد ،وهي فرع عن التطبيق املحكم ملقومات التنزيل ،وثمرة له ،فكل ٍ مفت يستقرغ وسعه يف حتقيق املناطات، وتقدي�ر أيلولة املقاصد ،ومتحيص نتائج األفعال ،ال يس�تغني عن رك�وب معاجلات اجتهادية استثنائية تكلفها قواعد :التعديل ،والتأجيل ،واالستبدال . *** اعتبار املآالت ونتائج الترصفات للسنويس ،ص . 423 نفسه . 423 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 91 د .قطب الريسوني خامتـــة بع�د هذا التط�واف الرحيب يف آفاق املشروع التأهيلي ملفتي املصارف اإلسلامية تنظري ًا وتأصي ً ال نلخص إىل تقييد النتائج اآلتية : -1إن من التحديات املحدقة بالعمل املرصيف اإلسلامي هشاس�ة اإلطار الرشعي احلاكم عىل املعامالت املالية ،ومرد ذلك إىل اإلعواز واخلصاص يف جمال األطر االجتهادية التي ترضب بسهم وافر يف فقهي النص والواقع ،وترتصد للتأصيل الفقهي الراشد للمستجدات ،والبدائل الرشعية . -2إن التأهيل االجتهادي ملفتي املصارف اإلسلامية يتيح له جودة االس�تنباط ،وإحكام التنزي�ل ،وقوامة املنهج يف معاجلة القضايا املع�ارصة ،وكلام كان التأهيل حمك ًام متكام ً ال يف هذه اجلوانب ،إال وكان اجلهد العقيل للمفتي مسدَّ د ًا يف املواءمة بني العنارص الثالثة :النص بمدركه الرشعي ،واملقصد الثاوي يف النص ،وآحاد الصور اجلارية يف الواقع ،مما يثمر يف هناية املطاف ترشيد املعامالت املالية واملرصفية بالصبغة اإلسالمية احلاكمة عىل الترصفات واألفعال . -3إن الفتاوى املالية ال تقر يف نصاهبا الرشعي إال بالفقه التام يف الواقع املرصيف ،والغوص عىل أرساره العلمية والعملية ،واإلحاطة باخلصوصيات واإلضافات املرعية يف تكييف الفتوى، صون ًا ملرادات الرشع من الفوات واالنخرام . -4إن انتقاء أعضاء الفتوى باملصارف اإلسالمية ال بد أن تراعى فيه الضوابط اآلتية : املج�رد ،وفق�ه التنزيل عىل أ -التوف�ر على األدوات االجتهادي�ة املعين�ة عىل االس�تنباط َّ الواقعات ،مع احلظ الوافر من الفقه يف الواقع املرصيف . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 92 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية ب -فقاه�ة النفس وس�عة األفق ؛ ألنه ال يقدر عىل فهم مرادات اخلطاب ،وملح األش�باه والنظائ�ر ،واس�تجالء الف�روق الدقيق�ة بين الوقائ�ع التي تب�دو متامثل�ة ،إال م�ن كان فطن ًا ، ذكي� ًا ،مع�دود ًا يف األكي�اس ،قال اجلويني « :لس�ت أعرف خالف ًا بني املس�لمني أن الرشط أن يكون املس�تناب لفصل اخلصوم�ات واحلكومات فطن ًا متميز ًا عن رع�اع الناس ،ومعدود ًا من األكي�اس ،وال ب�د أن يفه�م الواقع�ة املرفوعة إليه على حقيقتها ،ويتفطن ملواض�ع اإلعضال ، وموضع السؤال ،وحمل اإلشكال منها » . ج -ال�ورع احلامل عىل امتثال األوامر والنواهي ،وهو الذي جيعل من الفقه حكمة باقية ، ونور ًا وهاج ًا يبرص به املفتي مرامي النفوس ،وتفاوهتا يف القوة ،واإلدراك ،وحظوظ النفس ، فيحمل عليها من األحكام ما يليق هبا ُمكنة ،وحاالً ،وظرف ًا . د -الدرب�ة على ملك�ة التكييف الفقهي للمس�تجدات ؛ وهو صناعة حيت�اج فيها إىل املران ِ بأس�اليب التطبيق ،وقد كان فقهاؤنا إذا أطلقوا مصطلح ( الدربة ) يف جمال اإلفتاء واالرتياض قص�دوا ب�ه أصل التجربة يف التنزيل عىل الواقعات ،قال اب�ن الصالح يف بيان رشوط املفتي « : أن يك�ون ذا درب�ة وارتياض يف اس�تعامل ذلك ،عامل ًا بالفقه ،ضابط ًا ألمهات مس�ائله وتفاريعه املفروغ من متهيدها » ،وقال أيوب بن س�ليامن بن صالح « :الفتيا دربة ،وحضور الش�ورى يف جملس احلكام منفعة وجتربة » . أغراضه -5إن التأهيل االجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى يف املصارف اإلسالمية ،ال ينجح َ التنظري املحكم خلططه ومس�الكه فحس�ب ؛ بل ال بد أن ينضم احلماس امللته�ب للمرشوع ،أو ُ ُ غياث األمم يف التياث الظلم للجويني ،ص . 158 أدب املفتي واملستفتي البن الصالح ،ص . 87 املعيار للونرشييس . 79/10 ، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 93 د .قطب الريسوني اإلنجاز املؤسيس الذي يكفل التطبيق الراشد ،والثمرة إىل النية الصادقة ،والتخطيط املحكم ، ُ الواقعي�ة املرج�وة .وال س�بيل إىل هذا اإلنجاز إال بإنش�اء مؤسس�ات التأهي�ل االجتهادي ،أو استحداث شعب معرفية خاصة هبذا التأهيل يف مناهج كليات الرشيعة و االقتصاد . وإن م�ن متا ِم الفائدة وحس�ن اخلتام أن نذيل هذه اخلامت�ة بتوصيات نرجو هلا األثر البعيد يف اإلنجاز ،واإلثراء ،والتفعيل : -1إنش�اء معاه�د متخصص�ة لتأهي�ل املفتين املرش�حني لالنضمام إىل اهليئ�ات الرشعية باملص�ارف اإلسلامية ،على أن يت�وىل التدري�س واإلقراء فيها علماء كفاة يف عل�وم الرشيعة ، يتأت ذلك فال ضري يف واالقتصاد ،والقانون .واألفضل أن تكون الدراسة فيها نظامية ،فإن مل َّ إجرائها عىل غرار التعليم املفتوح أو اإللكرتوين . -2تنظيم دورات تدريبية مستمرة لتأهيل املفتني يف فقه الواقع املرصيف وما يستجد فيه من معامالت وصور ،وال بأس من االستعانة بكليات االقتصاد إلنجاح أغراض هذه الدورات . -3إص�دار جملات دورية تعنى بنرش االجتهادات الفقهية املع�ارصة يف مضامر املعامالت املالية والصريفة اإلسالمية . -4نشر الفت�اوى املالي�ة ،والق�رارات االجتهادي�ة الت�ي تص�در ع�ن املجام�ع الفقهية ، واملؤمت�رات املتخصص�ة ،وجلان الفتوى ،وهيئات الرقابة الرشعية يف كتب مس�تقلة ،لتتس�نى اإلفادة منها عىل نطاق رحيب ،وتعمم عائدهتا عىل طالب كليات الرشيعة ،واملعاهد املرصفية، وموظفي املؤسسات املالية ،ومجهور املثقفني . -5إنش�اء مجعيات للمصارف اإلسلامية يكون م�ن أوكد اهتامماهتا وش�واغلها مواجهة مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 94 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية التحديات املحدقة بالعمل املرصيف اإلسالمي ،وتدارس سبل النهوض بمستوى جلان الفتوى، واهليئات الرشعية . -6عق�د جمال�س مذاك�رة واختب�ار للمفتين املرش�حني لالنضمام إىل هي�اكل املص�ارف اإلسلامية ؛ أس�و ًة بأويل األمر يف الديار األندلس�ية ،الذين كانوا ال يصدرون فقيه ًا للقضاء أو الفتوى إال بعد اختبار حفظه وفهمه ،ومراجعته يف دقائق الصناعة . *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 95 د .قطب الريسوني فهرس املصادر واملراجع -1اإلحكام يف أصول األحكام :تأليف :عيل بن حممد اآلمدي ،تعليق :عبد الرزاق عفيفي ،املكتب اإلسالمي ،بريوت 1996 ،م . -2األشباه والنظائر ،تأليف :جالل الدين السيوطي ،دار الفكر ،بريوت ( ،د .ت ) . -3األش�باه والنظائ�ر ،تألي�ف :زين الدين بن إبراهي�م بن نجيم ،مكتبة الباز بمك�ة املكرمة ،ط ، 1 1997م . -4إعالم املوقعني عن رب العاملني ،تأليف :ابن قيم اجلوزية ،حتقيق :حممد املعتصم باهلل البغدادي ، دار الكتاب العريب ،بريوت 1996 ،م . -5األم ،تأليف :حممد بن إدريس الش�افعي ،حتقيق :أمحد بدر الدين حس�ون ،دار قتيبة ،بريوت ، 1996م . -6إيضاح املسالك إىل قواعد اإلمام مالك ،تأليف :أمحد الونرشييس ،حتقيق :أمحد بوطاهر اخلطايب، منشورات اللجنة املشرتكة لنرش الرتاث اإلسالمي بني املغرب واإلمارات ،الرباط 1980 ،م . -7اعتب�ار امل�آالت ومراع�اة نتائ�ج الترصف�ات ،تأليف :عبد الرمحن الس�نويس ،دار اب�ن اجلوزي ، اململكة العربية السعودية ،ط 1424 ، 1هـ . -8البحر املحيط ،تأليف :بدر الدين الزركيش ،حترير :عبد القادر العاين ،وزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية ،الكويت 1992 ، 1 ،م . -9بداية املجتهد وهناية املقتصد ،تأليف :ابن رشد احلفيد ،دار الكتب العلمية ،بريوت . -10الربه�ان يف أص�ول الفقه ،تألي�ف :إمام احلرمني اجلويني ،حتقيق :عب�د العظيم الذيب ،قطر ، 1399هـ . -11البن�وك اإلسلامية ،تألي�ف :فلي�ح حس�ن خل�ف ،ع�امل الكت�ب احلدي�ث ،األردن ،ط ، 1 2006م. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 96 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية -12البنوك اإلسالمية بني احلرية والتنظيم ،التقويم واالجتهاد ،النظرية والتطبيق ،تأليف :مجال الدين عطية ،املؤسسة اجلامعية للدراسات والنرش والتوزيع ،بريوت ،ط 1413 ، 2هـ1993/م. -13البهجة يف رشح التحفة ،تأليف :أيب احلسن عيل التسويل ،دار الفكر ،بريوت ( ،د .ت ) . -14بيان الدليل عىل بطالن التحليل ،تأليف :أمحد بن عبد احلليم بن تيمية ،حتقيق :فيحان بن شايل املطريي ،مكتبة لينة ،مرص 1996 ،م . -15التعريفات ،تأليف :عيل اجلرجاين ،حتقيق :إبراهيم األبياري ،دار الكتاب العريب 1992 ،م. -16التكيي�ف الفقه�ي للوقائع املس�تجدة وتطبيقات�ه الفقهية ،تأليق :حممد عثامن ش�بري ،دار القلم ، دمشق ،ط 1425 ، 1هـ 2004/م . -17اجلام�ع الصحي�ح ،تأليف :ممد بن إسماعيل البخ�اري ،حتقيق وترقيم :حممد ف�ؤاد عبد الباقي وحمب الدي�ن اخلطي�ب ،وقصي حم�ب الدي�ن اخلطي�ب ،دار إحي�اء التراث الع�ريب ،بيروت ، 1400هـ. -18اجلام�ع ألح�كام الق�رآن ،تألي�ف :أيب عبد اهلل القرطب�ي ،حتقيق :صدقي حمم�د مجيل وعرفان العشا ،دار الفكر ،بريوت 1995 ،م . -19احلدود يف األصول ،تأليف :أيب الوليد الباجي ،حتقيق :نزيه محاد ،مؤسس�ة الزغبي ،بريوت، 1973م . -20خالف�ة اإلنس�ان بني الوحي والعقل ،تأليف :عب�د املجيد النجار ،الدار العربية للعلوم ،املعهد العاملي للفكر اإلسالمي ،ط 1425 ، 3هـ 2005/م . -21دور املؤسس�ات املرصفية اإلسلامية يف االس�تثامر والتنمية ،كتاب الوقائ�ع ملؤمتر كلية الرشيعة بجامعة الشارقة ،مركز البحوث والدراسات ،ط ، 1سنة 2003م . -22ال�رد عىل سير األوزاعي ،تأليف :يعقوب األنصاري ،حتقي�ق :أيب الوفا األفغاين ،دار الكتب العلمية ،بريوت . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .قطب الريسوني 97 -23الرس�الة ،تأليف :حممد بن إدريس الش�افعي ،حتقيق :أمحد حممد ش�اكر ،دار الكتب العلمية ، بريوت . -24س�نن أيب داود ،تألي�ف :أيب داود س�ليامن بن األش�عث السجس�تاين ،دار ابن ح�زم ،بريوت ، 1998م . -25س�نن اب�ن ماجه ،تأليف :حممد يزي�د القزويني ،حتقيق :حممد فؤاد عب�د الباقي ،دار احلديث ، القاهرة 1994 ،م ؟ -26س�نن الرتمذي ،تأليف :أيب عيس�ى حممد بن عيس�ى بن سورة ،حتقيق :أمحد حممد شاكر وحممد فؤاد عبد الباقي ،دار الكتب العلمية ،بريوت . -27سنن الدارمي ،تأليف :عبد اهلل بن عبد الرمحن الدارمي ،حتقيق :فواز محد زمريل وخالد السبع العلمي ،دار الريان للرتاث ،القاهرة 1987 ،م . -28السنن الكربى للبيهقي ،تأليف :أمحد بن احلسني البيهقي ،دار الفكر ،بريوت 1996 ،م . -29س�نن النس�ائي ،تألي�ف :أمحد بن ش�عيب ب�ن عيل النس�ائي ،حتقيق :عبد الفت�اح أيب غدة ،دار البشائر اإلسالمية ،بريوت 1994 ،م . -30سنن سعيد بن منصور ،تأليف :أيب عثامن سعيد بن منصور ،حتقيق :حبيب الرمحن األعظمي، الدار السلفية ،اهلند 1982 ،م . -31رشح الكوكب املنري ،تأليف :حممد الفتوحي املعروف بابن النجار ،حتقيق :حممد الزحييل ونزيه محاد ،مكتبة العبيكان ،الرياض 1993 ،م . -32رشح صحيح مس�لم ،تأليف :أيب زكريا حييى بن رشف النووي ،حتقيق :عبد اهلل أيب زينة ،دار الريان للرتاث ،القاهرة . -33صحيح مس�لم ،تأليف :مس�لم بن احلجاج القشيري ،حتقيق :حممد فؤاد عبد الباقي ،دار عامل الكتب ،الرياض 196 ،م . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 98 حنو تأهيل اجتهادي ألعضاء هيئة الفتوى باملصارف اإلسالمية -34الطرق احلكمية يف السياسة الرشعية ،تأليف :ابن قيم اجلوزية ،حتقيق :زكريا عمريات ،مكتبة الباز ،مكة املكرمة 1995 ،م . -35الفتاوى الكربى ،تأليف :أمحد بن عبد احلليم بن تيمية ،حتقيق :حممد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا ،دار الكتب العلمية ،بريوت 1987 ،م . -36فت�ح الب�اري رشح صحيح البخاري ،تأليف :ابن حجر العس�قالين ،املطبعة الس�لفية ،مرص ، 1400هـ . -37الفروق ،تأليف :أمحد بن إدريس القرايف ،عامل الكتب ،بريوت ( ،د .ت ) . -38فق�ه املوازن�ات يف الرشيعة اإلسلامية ،تأليف :عبد املجيد السوس�وة ،دار القلم ،ديب ،ط ، 1 1425هـ. 2004/ -39يف االجتهاد التنزييل ،تأليف :بشير بن مولود جحيش ،سلس�لة كتاب األمة ،وزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية ،قطر ،ط 1424 ، 1هـ 2003/م . -40يف فقه التدين فه ًام وتنزي ً ال ،تأليف :عبد املجيد النجار ،كتاب األمة ،وزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية ،قطر 1410 ،هـ . -41القواع�د ،تألي�ف :حمم�د بن حممد املقري ،حتقيق :أمحد بن عبد اهلل بن محيد ،جامعة أم القرى ، مكة ( ،د .ت ) . -42قواعد األحكام يف مصالح األنام ،تأليف :العز بن عبد السلام الس�لمي ،دار الكتب العلمية ، بريوت . -43ال�كايف يف فق�ه أهل املدينة املالكي ،تأليف :ابن عبد الرب القرطبي ،دار الكتب العلمية ،بريوت 1992 ،م . -44جمم�وع الفت�اوى ،تأليف :أمحد بن عبد احلليم بن تيمية ،مجع وترتيب :عبد الرمحن بن قاس�م ، جممع امللك فهد لطباعة املصحف الرشيف ،السعودية 1995 ،م . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 99 د .قطب الريسوني -45املحىل ،تأليف :عيل بن أمحد بن حزم ،حتقيق :أمحد شاكر ،دار الرتاث ،القاهرة ( ،د .ت ) . -46املس�تصفى م�ن علم األصول ،تألي�ف :أيب حامد الغزايل ،ضبط :إبراهي�م حممد رمضان ،دار األرقم بن أيب األرقم ،بريوت ( ،د .ت ) . -47املصارف اإلسالمية ،تأليف :فادي حممد الرفاعي ،منشورات احللبي احلقوقية ،بريوت ،ط،1 2004م . -48املصباح املنري تأليف :أمحد الفيومي ،املكتبة العرصية ،بريوت 1997 ،م . -49املصن�ف ،تألي�ف :أيب بك�ر عبد ال�رزاق الصنعاين ،حتقيق :حبيب الرمح�ن األعظمي ،املكتب اإلسالمي ،بريوت 1983 ،م . -50املصنف يف األحاديث واآلثار ،تأليف :عبد اهلل بن أيب شيبة ،حتقيق :عبد اخلالق األفغاين ،الدار السلفية ،اهلند 1970 ،م . -51املعامالت املالية املعارصة يف الفقه اإلسالمي ،تأليف :حممد عثامن شبري ،دار النفائس ،األردن، ط 1422 ، 4ه 2001/م . -52املعيار املعرب ،تأليف :أمحد الونرشييس ،حتقيق :مجاعة من الفقهاء بإرشاف الدكتور حممد حجي، زارة األوقاف والشؤون اإلسالمية ،املغرب ،دار الغرب اإلسالمي ،بريوت 1981 ،م. -53املغني ،تأليف :ابن قدامة املقديس ،دار الكتب العلمية ،بريوت . -54مغن�ي املحت�اج إىل معرف�ة ألفاظ املنه�اج ،تأليف :اخلطي�ب الرشبيني ،اعتنى ب�ه :حممد خليل عيتاين ،بريوت 1997 ،م . -55مقاص�د الرشيع�ة بأبعاد جديدة ،تأليف :عبد املجيد النجار ،دار الغرب اإلسلامي ،بريوت ، ط 2006 ، 1م . -56املنث�ور يف القواع�د ،تألي�ف :بدر الدين الزركيش ،حتقيق :تيسير فائق أمح�د ،وزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية ،الكويت 1985 ،م . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول -57املوافقات ،تأليف :أيب إٍس�حاق الش�اطبي ،رشح :عبد اهلل دراز ،ضبط :حممد عبد اهلل دراز ، دار املعرفة ،بريوت ( ،د .ت ) . -58مواه�ب اجللي�ل لشرح خمترص خلي�ل ،تأليف :حممد احلط�اب ،حتقيق :زكري�ا عمريات ،دار الكتب العلمية ،بريوت 1995 ،م . -59املوطأ ،تأليف :مالك بن أنس ،حتقيق :حممد فؤاد عبد الباقي ،دار احلديث ،القاهرة . -60نيل األوطار ،تأليف :حممد بن عيل الشوكاين ،دار اجليل ،بريوت ،ط 1973 ، 1م . ***
© Copyright 2026 Paperzz