تحميل الملف المرفق

‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وحراما‬
‫حالال‬
‫يف املختلط‬
‫إعــداد‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبوزيد‬
‫أستاذ الفقه اإلسالمي وأصوله‬
‫بكلية الشريعة من جامعة دمشق‬
‫ٌ‬
‫حبث َّ‬
‫مقد ٌم إىل‬
‫« مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملأمول ‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫‪ 31‬مايو – ‪ 3‬يونيو ‪ 2009‬م‬
‫يعب عن ر�أي الباحث‬
‫هذا البحث رّ‬
‫يعب بال�رضورة عن ر�أي دائرة ال�ش�ؤون الإ�سالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫وال رّ‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخليري بدبي‬
‫هاتف‪+971 4 6087777 :‬‬
‫اإلمارات العربية املتحدة‬
‫‪[email protected]‬‬
‫فاكس‪+971 4 6087555 :‬‬
‫ص‪ .‬ب‪ - 3135 :‬دب��ي‬
‫‪www.iacad.gov.ae‬‬
‫‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫ملخص البحث‬
‫هذه الدراس�ة حماولة ملناقش�ة مس�ائل اختالط احلرام باحلالل يف إطار االس�تثامر والتمويل‬
‫اإلسالمي بشكل رئييس يف جانبني اثنني‪:‬‬
‫أوهلام‪ :‬االستثامر العقاري بيع ًا ورشا ًء وإجار ًة لعقارات قائمة تتخذ أص ً‬
‫ال ألغراض مرشوعة‪،‬‬
‫لكن متارس فيها بعض األنش�طة املحرمة‪ ،‬أو عقارات تُش�اد مس�تقب ً‬
‫ال ويش�تمل استغالهلا عىل‬
‫بعض األنش�طة املحرمة‪ .‬وذلك كالفنادق واملنتجعات الس�ياحية التي حتت�وي غالب ًا عىل بارات‬
‫تقدم فيها اخلمور‪ ،‬ومرافق أخرى ال ختلو عن حمرمات كاملراقص واملسابح؛ أو كمراكز التسوق‬
‫التي تتضمن حمال جتارية تبيع اخلمور وسلع أخرى حمرمة‪.‬‬
‫والث�اين‪ :‬التعامل بأس�هم الشركات التي تتعامل أص ً‬
‫لا باحلالل‪ ،‬لكن هلا بعض األنش�طة‬
‫العرضية املحرمة كاالقرتاض واإلقراض بالربا‪.‬‬
‫وق�د تم وضع معايري هب�ذا اخلصوص من قبل بعض اهليئات الرشعية لرشكات االس�تثامر‬
‫واملؤسسات املالية اإلسالمية لتحديد حجم احلرام الذي يمكن التسامح فيه‪.‬‬
‫ووفق�ا هل�ذه املعايير‪ ،‬فإنه جي�وز متويل اس�تثامر يف قطاع يش�تمل عىل بع�ض األعامل غري‬
‫املرشوعة برشط أن يكون العمل الرئيس هلذا االستثامر حالالً حسب الرشيعة اإلسالمية‪ ،‬وأال‬
‫يتجاوز احلرام نسبة مئوية معينة‪.‬‬
‫تناق�ش ه�ذه الورق�ة هذا ال�رأي واملربرات املقدم�ة لدعمه‪ ،‬مث�ل املبادئ العام�ة للرشيعة‬
‫كاملصلحة العامة والرضورة‪ ،‬كام تسلط الضوء عىل اآلثار اخلطرية املرتتبة عىل تبني وجهة النظر‬
‫هذه‪.‬‬
‫وختل�ص الورق�ة إىل أن فكرة التس�اهل يف احلرام املختلط باحلالل الكثري ليس�ت صحيحة‬
‫ألهنا ليست مبنية عىل أية أدلة رشعية قوية‪ ،‬كام أن مثل هذا التساهل سيؤدي إىل تشجيع التعامل‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‬
‫باحلرام أو تس�هيله‪ ،‬بدالً من منعه ومكافحته كام أمرت الرشيعة اإلسلامية‪ ،‬وهو أمر ال يمكن‬
‫احتامله‪.‬‬
‫أمهي�ة هذه الدراس�ة تبرز من حقيقة أن بعض املؤرشات اإلسلامية لالس�تثامر يف أس�هم‬
‫الرشكات التي أنش�ئت مؤخر ًا‪ ،‬والعديد من املؤسس�ات املالية اإلسالمية من الناحية العملية مل‬
‫تظهر ممانعة جتاه متويل املشاريع التي تشتمل عىل عنارص حمرمة‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫احلم�د هلل رب العاملين‪ ،‬والصالة والسلام على أرشف اخللق وس�يد املرس�لني وعىل آله‬
‫وصحبه أمجعني‪ ،‬وبعــد ‪:‬‬
‫تتجلى مس�ائل اختلاط احلرام باحللال يف إطار االس�تثامر والتمويل اإلسلامي بش�كل‬
‫رئيسي يف جانبين اثنني‪ ،‬أوهلام‪ :‬االس�تثامر العقاري بيع� ًا ورشا ًء وإجار ًة لعق�ارات قائمة تتخذ‬
‫ال ألغراض مرشوعة‪ ،‬لكن متارس فيها بعض األنش�طة املحرمة‪ ،‬أو عقارات تُشاد مستقب ً‬
‫أص ً‬
‫ال‬
‫ويش�تمل اس�تغالهلا عىل بعض األنش�طة املحرمة‪ .‬وذلك كالفنادق واملنتجعات الس�ياحية التي‬
‫حتت�وي غالب� ًا على بارات تق�دم فيها اخلم�ور‪ ،‬ومرافق أخ�رى ال ختلو عن حمرم�ات كاملراقص‬
‫واملسابح؛ أو كمراكز التسوق التي تتضمن حمال جتارية تبيع اخلمور وسلع أخرى حمرمة‪.‬‬
‫والث�اين‪ :‬التعامل بأس�هم الشركات التي تتعام�ل أص ً‬
‫ال باحلالل‪ ،‬لكن هلا بعض األنش�طة‬
‫العرضية املحرمة كاالقرتاض واإلقراض بالربا‪.‬‬
‫وقد ظهرت معايري رشعية خمتلفة تغتفر باجلملة اشتامل حمل االستثامر عىل األمرين السابقني‬
‫بقيود ورشوط‪ ،‬منها أال تتجاوز األنش�طة املحرمة من حيث حجمها أو العائد منها نس�بة مئوية‬
‫معينة‪ ،‬كالثلث أو ‪ ،%30‬أو ‪ ،%25‬أو ‪ ،%20‬أو أقل‪.‬‬
‫واستند واضعو هذه املعايري والنسب التي تضمنتها إىل مجلة مربرات هي اآلتية‪:‬‬
‫‪ .1‬قواعد فقهية‪:‬‬
‫‪ -‬من مثل قول العز بن عبد السلام يف (قواعد األحكام)‪ « :‬وإن غلب احلالل بأن اختلط‬
‫درهم حرام بألف درهم حالل جازت املعاملة »‪. ‬‬
‫ قواعد األحكام يف مصالح األنام ‪. 73-72/1‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‬
‫‪ -‬وق�ول الكاس�اين يف البدائع‪ « :‬كل يشء أفس�ده احل�رام والغالب علي�ه احلالل فال بأس‬
‫عليه‪. » ‬‬
‫‪ -‬وق�ول ابن تيمية يف الفت�اوى‪ « :‬فإن كان احلالل هو الغالب مل حيك�م بتحريم املعاملة‪...‬‬
‫وإن كان يف ماله حالل وحرام واختلط مل حيرم احلالل بل له أن يأخذ قدر احلالل » ‪.‬‬
‫‪ -‬والبن الس�بكي كالم مش�هور يف أن احلكم عىل املختلط حالالً وحرام� ًا باحلرمة إنام هو‬
‫من باب االحتياط ‪.‬‬
‫ وقد روى ابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر مرفوع ًا‪ « :‬ال حيرم احلرام احلالل »‪.‬‬‫‪ .2‬أن الفقهاء قد اغتفروا القليل اليسري يف أشياء كثرية منها الغرر يف عقود البيع واملعاوضة‪،‬‬
‫فصححوا هذه العقود ومل يقولوا بفسادها‪ .‬وكذا جتاوز احلنفية عن الغبن بحدود معينة؛ والغبن‬
‫يف العقود حرام‪ ،‬مما يعني أن احلنفية قد جتاوزوا عن احلرام الذي يكون يف املعاملة إن كان قلي ً‬
‫ال‬
‫ال يتجاوز نس�ب ًا معينة ‪ .‬وبناء عىل اغتفار الفقهاء هلذا القليل‪ ،‬فإنه يمكن اغتفار قليل النش�اط‬
‫املح�رم‪ . ‬ب�ل ق�د اغتفر الفقهاء م�ا كان دون الغالب‪ ،‬وذل�ك ملا اغتفروا للرج�ال لبس ثوب‬
‫خيوط�ه م�ن حرير وقط�ن إذا مل يكن احلرير هو الغالب‪ ،‬أي كان ‪ % 50‬فأقل‪ .‬يقول الس�يوطي‪:‬‬
‫« الث�وب املنس�وج من حرير وغريه حي�ل إن كان احلرير أقل وزن ًا‪ ،‬وكذا إن اس�تويا يف األصح ‪،‬‬
‫بخـالف ما إذا زاد وزنـ ًا » ‪.‬‬
‫ بدائع الصنائع للكاساين ‪.144/6‬‬
‫ فتاوى ابن تيمية ‪. 272/29‬‬
‫ األشباه والنظائر للسيوطي ص ‪.116‬‬
‫ س�نن اب�ن ماجة ‪ ،649/1‬ب�اب ال حيرم احلرام احلالل‪ ،‬حديث رقم ‪2015‬؛ س�نن الدارقطني ‪،268/3‬‬
‫كتاب النكاح‪ ،‬باب املهر‪ ،‬حديث رقم ‪.89‬‬
‫ حاشية ابن عابدين ‪.170/4‬‬
‫ انظر قرارات جملس التوريق املاليزي ومسوغاهتا ص ‪.148‬‬
‫ األشباه والنظائر للسيوطي ‪.107/1‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫‪ .3‬أن الفقهاء قد أجازوا للمس�لم الدخول يف عقد رشاكة مع غري املس�لم‪ ،‬ومعلوم أنه يف‬
‫عقد الرشكات تكون اإلدارة لكل الرشكاء‪ ،‬إال أن يفوض رشيك رشيكه اآلخر بإدارهتا‪ .‬وغري‬
‫املسلم ال يلتزم بام يلتزم به املسلمون من أحكام فيقع يف احلرام‪ ،‬ومع هذا جازت إدارته للرشكة‬
‫وح َّل كسب الرشكة للمسلم‪.‬‬
‫يف حق املسلم‪َ ،‬‬
‫‪ .4‬أن�ه جي�وز تبع� ًا ما ال جي�وز أصالً‪ ،‬فق�د أجيز يف الفقه بي�ع جنني األمة تبع� ًا ألمه‪ ،‬وبيعه‬
‫استقالالً ال جيوز؛ وعليه يصح التجاوز عن قليل النشاط املحرم تبع ًا للكثري احلالل‪.‬‬
‫‪ .5‬ختريج اجلواز عىل أساس احلاجة التي تنزل منزلة الرضورة‪ ،‬فاحلاجة قائمة إىل مثل هذه‬
‫العق�ود التمويلي�ة أو االس�تثامرات‪ ،‬واحلاجة يمك�ن أن تنزل منزلة الضرورة يف حتليل املحرم‪.‬‬
‫فض ً‬
‫ال عن أصول عامة أخرى يمكن أن يستند إليها‪ ،‬كاملصلحة‪ ،‬وعموم البلوى‪ ،‬وفساد الزمان‪،‬‬
‫وتغري األحكام بتغري األزمان‪.‬‬
‫ييل‪:‬‬
‫فعىل س�بيل املثال ُيقال يف تس�ويغ التعامل بأس�هم الرشكات التي تتعامل باحلرام أحيان ًا ما‬
‫‪ -‬لو مل تعط املؤسسات املالية اإلسالمية فرصة االستثامر يف أسهم هذه الرشكات‪ ،‬فسيؤثر‬
‫ذلك عىل أداء هذه املؤسسات‪ ،‬وقدرهتا عىل منافسة نظائرها الربوية‪.‬‬
‫‪ -‬ق�د تتوف�ر للمؤسس�ات املالية اإلسلامية س�يولة حتتاج إىل اس�تثامرها لفترات قصرية‪،‬‬
‫وس�بيلها إىل ذلك االس�تثامر يف س�وق األس�هم‪ ،‬ويف ذلك الس�وق أكثر الرشكات ال ختلو عن‬
‫أنشطة حمرمـة‪.‬‬
‫ مواهب اجلليل للحطاب ‪119-118/5‬؛ كشاف القناع للبهويت ‪.496/3‬‬
‫ انظر األشباه والنظائر للسيوطي ‪. 120/1‬‬
‫ انظر قرارات جملس التوريق املاليزي ومسوغاهتا ص ‪.148 -126‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‬
‫‪ -‬بالتعام�ل بأس�هم الشركات الت�ي وصفنا حاهل�ا حيقق الرتوي�ج العاملي للشركات غري‬
‫املتورط�ة أساس� ًا باحلرام وذات االلتزام النس�بي عىل حس�اب األخرى التي ال تع�رف االلتزام‬
‫وج ُّل أنشطتها حرام‪.‬‬
‫ُ‬
‫‪ -‬قد يتمكن املتعاملون بأسهم الرشكات ذات األنشطة املختلطة‪ ،‬بام يف ذلك املتعاملون من‬
‫املؤسس�ات املالية واالستثامرية اإلسالمية‪ ،‬من التأثري بالكثرة عىل سري وأنشطة هذه الرشكات‪،‬‬
‫بحيث تتخىل عن األنشطة املحرمة‪.‬‬
‫‪ .6‬أن الكس�ب الذي يجُ نى من هذه االستثامرات واجب التخلص منه‪ ،‬مما يعني عىل القول‬
‫باغتفار هذا النوع من االس�تثامر املنطوي عىل بعض األنش�طة املحرمة تبع ًا بتطهري املال من آثار‬
‫ذلك احلرام‪.‬‬
‫أهم املعايري النسبية اليت ُخرج بها‪:‬‬
‫مل�ا وج�دت اآلراء التي قالت باغتفار بعض النش�اط املحرم‪ ،‬توجه�ت لالجتهاد يف وضع‬
‫املعي�ار أو النس�بة املئوية التي تعد الفيصل بني ح�د القليل القابل لالغتفار‪ ،‬وبني حد الكثري غري‬
‫القابل لالغتفار‪ُ ،‬‬
‫وخ ِرج بمعايري خمتلفة أمهها املعياران اآلتيان‪:‬‬
‫معيار الثلث‪:‬‬
‫أش�هر املعايري النس�بية يف حتديد القلي�ل املحرم الذي يمكن اغتفاره ه�و معيار الثلث أو ما‬
‫قارب الثلث (‪ ،)%30‬هو معيار اس�تقي من حديث س�عد بن أيب وقاص ريض اهلل تعاىل عنه يف‬
‫الوصي�ة‪ ،‬فعن س�عد بن أيب وق�اص ريض اهلل تعاىل عنه قال‪ « :‬قلت‪ :‬يا رس�ول اهلل‪ ،‬أنا ذو مال‪،‬‬
‫وال يرثن�ي إال ابن�ة يل واحدة ؛ أفأتصدق بثلث�ي مايل؟ قال‪ :‬ال‪ .‬قلت‪ :‬أفأتصدق بش�طره؟ قال‪:‬‬
‫ال‪ .‬قل�ت‪ :‬أفأتص�دق بثلثه؟ قال‪ :‬الثل�ث‪ ،‬والثلث كثري‪ ،‬إنك إن تذر ورثت�ك أغنياء خري من أن‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫تذره�م عالة يتكففون الناس » ‪ ،‬فقد اس�تند إىل هذا احلدي�ث للتوصل إىل أصل وجود فكرة‬
‫لما ق�ال النب�ي ﷺ‪ « :‬الثلث كثري »‪ ،‬فق�د ُف ِهم منه أن‬
‫م�ا يس�مى بمعي�ار الكث�رة والقلة‪ ،‬وذلك ّ‬
‫الثلث فام جاوزه يعد معيار ًا للكثرة‪ ،‬وما كان دونه فهو معيار للقلة‪ .‬وإىل قريب من معيار الثلث‬
‫ذهبت هيئة املراجعة واملحاسبة بالبحرين يف معيارها املتعلق بالتعامل يف أسهم الرشكات‪ ،‬حيث‬
‫أوجب�ت أال يبل�غ حجم العنرص املحرم مث ً‬
‫ال الربا الذي تتعامل به رشكة ما‪ ،‬كالربا‪ ،‬نس�بة ‪%30‬‬
‫من القيمة السوقية ملجموع أسهمها ‪.‬‬
‫معيار ‪ %20‬يف إجارة العقارات إىل من يستغلها يف أنشطة بعضها حمرمة‪:‬‬
‫مضمون هذا املعيار اغتفار تأجري العقار‪ ،‬أو رشاؤه وهو مؤجر‪ ،‬إىل جهات تقيم فيه بعض‬
‫األنشطة املحرمة كمبنى تسوق كبري‪ ،‬أو فندق‪ ،‬إذا كان العائد اإلجياري من هذه األنشطة املحرمة‬
‫بالنس�بة إىل العائ�د اإلجي�اري العام ه�و أقل من ‪ .%20‬وعند ع�دم إمكان تقدير النس�بة بالعائد‬
‫اإلجي�اري‪ ،‬يص�ار إىل حتديدها باملس�احة‪ ،‬حيث ينبغي أال تتجاوز املس�احة املس�تغلة من العقار‬
‫إلقامة األنشطة املحرمة نسبة ‪ %20‬من املساحة العامة له‪ .‬والظاهر أن هذا املعيار قد استقي من‬
‫اغتفار احلنفية للغبن الواقع يف العقود الواردة عىل العقارات‪ ،‬فقد قدروه بام دون ‪ .%20‬وقد‬
‫ذهب إىل معيارية الـ ‪ %20‬عىل النحو املتقدم جملس التوريق املاليزي‪.‬‬
‫مناقشة املربرات السابقة‪:‬‬
‫بعد عرض املربرات املقدمة لتس�ويغ االس�تثامر يف األنش�طة االقتصادي�ة التي تنطوي عىل‬
‫بعض املحرمات‪ ،‬ننتقل إىل مناقشة هذه املربرات من الوجه الفقهي‪.‬‬
‫ احلديث أخرجه البخاري ‪ ،1006/3‬باب أن يرتك ورثته أغنياء خري من أن يتكففوا الناس‪ ،‬رقم ‪،2591‬‬
‫ومسلم ‪ ،1250/3‬باب الوصية بالثلث‪ ،‬رقم ‪.1628‬‬
‫ املعيار رقم (‪ )21‬يف األوراق املالية (األسهم والرشكات)‪.‬‬
‫ حاشية ابن عابدين ‪.170/4‬‬
‫ انظر قرارات جملس التوريق املاليزي املتعلقة بمحافظ االستثامر العقاري‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪10‬‬
‫‪ .1‬القواعد الفقهية املتعلقة باختالط احلالل باحلرام‪:‬‬
‫القواع�د واآلث�ار التي تدل عىل أنه إذا اجتمع احلالل الكثير مع حرام قليل غلب احلالل‪،‬‬
‫يمكن مناقشتها تفصي ً‬
‫ال بام ييل‪:‬‬
‫‪ -‬تطبي�ق احلك�م باحلل عىل املختل�ط حالالً وحرام ًا ه�و عند اختالطهما عرض ًا عىل نحو‬
‫يتع�ذر تعيين ومتييز احلرام‪ ،‬وذلك كما يف اختالط حلم حيوان مأكول غير مذبوح عىل الطريقة‬
‫الرشعي�ة بلحوم أخرى كثرية مذكاة ؛ أما يف موضوعنا‪ ،‬فالنش�اط احلرام معلوم ومميز ومقصود‬
‫باخلل�ط‪ .‬وصني�ع العز يف قواعد األح�كام يدل عىل ذلك‪ ،‬فإنه عندما ذك�ر أن املعاملة جتوز عند‬
‫غلب�ة احللال أتى لذل�ك بأمثلة تع�ذر يف مجيعها تعيني احل�رام‪ ،‬وهي ما لو اختل�ط درهم حرام‬
‫بأل�ف دره�م حالل‪ ،‬أو اختلطت أخت رجل من الرضاع بألف امرأة أجنبية‪ ،‬أو اختلطت ألف‬
‫محامة برية بحاممة بلدية ‪ .‬وعلل صحة ذلك بندرة الوقوع يف احلرام‪ ،‬أي ندرة احتامل الوقوع‬
‫يف احلرام‪ ،‬لقلة احلرام‪ .‬ويوشك أن يكون الغرض من إيراد هذه القاعدة الر ّد عىل تصور احلكم‬
‫بحرمة مجيع املال الذي دخله يشء من احلرام عىل النحو الذي تقدم‪ .‬يقول السيوطي يف معرض‬
‫بي�ان القاع�دة‪ « :‬فأما ما يقوله العوام إن اختالط ماله بغيره حيرمه فباطل ال أصل له»‪ .‬وعىل‬
‫ه�ذا النح�و ينبغي فهم كالم ابن الس�بكي ملا ق�ال إن احلكم عىل املختلط باحلرم�ة مجيع ًا هو من‬
‫ب�اب االحتياط‪ .‬يقول ابن الس�بكي‪ « :‬املحك�وم به َث َّم [ أي يف أنه إذا اجتم�ع احلالل مع احلرام‬
‫غل�ب احل�رام] إعطا ُء احللال حكم احلرام تغليب� ًا واحتياط ًا ال صريورته يف نفس�ه حرام ًا‪ ،‬ومن‬
‫ف�روع ذلك ما تقدم يف خلط الدرهم احلرام باملباح وخلط احلامم اململوك املحصور وكذا املحرم‬
‫باألجانب وغري ذلك» ‪.‬‬
‫ مل�ا ذك�ر احلنفية أن كل يشء أفس�ده احلرام والغالب عليه احلالل فلا بأس ببيعه‪ ،‬ذكروا‬‫ قواعد األحكام يف مصالح األنام للعز بن عبد السالم ‪.73/1‬‬
‫ األشباه والنظائر للسيوطي ‪.107/1‬‬
‫ األشباه والنظائر للسيوطي ‪.116/1‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪11‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫كذل�ك أمثل�ة تدل عىل اختالط احل�رام باحلالل عىل نح�و يتعذر متييزه وفصل�ه‪ ،‬كام يف اختالط‬
‫النج�س بالطاه�ر على نحو يتع�ذر فصله‪ .‬مثال ذل�ك بيع الع�ذرة إذا اختلطت بالتراب وكان‬
‫التراب غالب ًا ومنتفع ًا به‪ ،‬فيجوز بيعها باعتبار الرتاب الغالب‪ ،‬بينام ال جيوز بيع العذرة اخلالصة‬
‫ألنه ال يباح االنتفاع هبا بحال فال تكون ماال‪ .‬وكذا الفأرة إذا وقعت يف العجني والس�من املائع‬
‫واختلطت هبام‪ ،‬فال جيوز بيعها لغلبة احلرام (النجس) حينئذ ‪.‬‬
‫‪ -‬أم�ا عب�ارة اب�ن تيمي�ة‪ « :‬فإن كان احلالل ه�و الغالب مل حيك�م بتحريم املعامل�ة » فمراد‬
‫هب�ا اغتف�ار التعام�ل باحلالل مع م�ن اختلط ماله باحلرام‪ ،‬فلا حترم أمواهلم الت�ي نأخذها بعقد‬
‫حلال معه�م كبيع ورشاء معهم إذا علمنا أن أمواهلم خمتلطة‪ ،‬وتعذر تعيني احلرام‪ .‬وليس تفهم‬
‫ه�ذه العب�ارة جواز أن نك�ون طرف ًا يف صفقاهت�م التي دخلها احل�رام‪ ،‬أو نس�تثمر يف صفقاهتم‪.‬‬
‫فقد جاء يف الفتاوى‪ « :‬س�ئل رمحه اهلل عن الذين غالب أمواهلم حرام مثل املكّاسين وأكلة الربا‬
‫وأشباههم‪ ،‬ومثل أصحاب احلرف املحرمة كمصوري الصور واملنجمني‪ ،‬ومثل أعوان الوالة‪،‬‬
‫فهل حيل أخذ طعامهم باملعاملة أم ال؛ فأجاب‪ :‬احلمد هلل‪ ،‬إذا كان يف أمواهلم حالل وحرام ففي‬
‫معاملتهم ش�بهة ال حيكم بالتحريم إال إذا عرف أنه يعطيه ما حيرم إعطاؤه‪ ،‬وال حيكم بالتحليل‬
‫إال إذا ع�رف أنه أعطاه من احلالل؛ ف�إن كان احلالل هو األغلب مل حيكم بتحريم املعاملة‪ ،‬وإن‬
‫كان احلرام هو األغلب قيل بتحريم املعاملة » ‪.‬‬
‫‪ -‬أ َّم�ا حدي�ث ابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر مرفوع ًا‪ « :‬ال حيرم احلرام احلالل »‪ ،‬فهو‬
‫عىل فرض صحته‪ ،‬وسلامة االس�تدالل به عىل ما أرادوا‪ ،‬مع�ارض بحديث آخر‪ ،‬وهو « ما‬
‫اجتمع احلرام واحلالل إال غلب احلرام احلالل » ‪.‬‬
‫ بدائع الصنائع للكاساين ‪.144/6‬‬
‫ فتاوى ابن تيمية ‪.272/29‬‬
‫ ه�ذا احلدي�ث ضعي�ف‪ .‬انظ�ر كت�اب إرواء الغلي�ل يف ختري�ج أحادي�ث من�ار الس�بيل‪ ،‬للش�يخ األلباين‬
‫‪.288/6‬‬
‫ ج�اء يف املقاصد احلس�نة للس�خاوي ‪ « :‬حديث « م�ا اجتمع احلالل واحلرام إال غل�ب احلرام احلالل » =‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪12‬‬
‫وقد فرس ابن الس�بكي هذا احلديث تفسير ًا ال يعارض احلديث األول‪ ،‬وهو أن احلرمة فيه‬
‫رش َح معنى احلدي�ث األول ال خيتلف عماّ تقدم من رشح‬
‫حممول�ة على االحتياط كام تقدم‪ .‬لك ّن ْ‬
‫القاعدة الفقهية التي حتمل مضمونه‪ ،‬أي أن ذلك عند تعذر تعيني احلرام ومتييزه‪.‬‬
‫يق�ول اب�ن الس�بكي‪ « :‬وقد ع�ورض به [ أي حدي�ث ال حيرم احلرام احللال ] حديث إذا‬
‫اجتم�ع احلالل واحلرام غلب احلرام‪ ،‬وليس بمعارض‪ ،‬ألن املحكوم به َث َّم إعطا ُء احلالل حكم‬
‫احلرام تغليب ًا واحتياط ًا‪ ،‬ال صريورته يف نفس�ه حرام ًا‪ ،‬ومن فروع ذلك ما تقدم يف خلط الدرهم‬
‫احلرام باملباح وخلط احلامم اململوك املحصور وكذا املحرم باألجانب وغري ذلك » ‪.‬‬
‫وسياق احلديث الذي ترويه السيدة عائشة ريض اهلل تعاىل عنها بذات اللفظ يدل عىل معنى‬
‫ال صل�ة ل�ه بمعن�ى اختالط احلرام باحل�رام مع ًا‪ ،‬بل معن�ى خمتلف متام ًا‪ ،‬وه�و أن الزنا باألصل‬
‫ال حيرم الفرع‪ ،‬أو بالفرع ال حيرم األصل‪ ،‬ففي حديث السيدة عائشة ريض اهلل تعاىل عنها‪ « :‬أن‬
‫النب�ي ﷺ س�ئل عن الرجل يتبع املرأة حرام ًا ثم ينكح ابنته�ا‪ ،‬أو يتبع االبنة ثم ينكح أمها‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ال حيرم احلرام احلالل » ‪.‬‬
‫واخلالص�ة‪ :‬أن الباح�ث يف هذه القضية ال يرى يف كل ما ذكره الفقهاء من مس�ائل لقواعد‬
‫اختالط احلالل باحلرام مثاالً يتجىل فيه اغتفار احلرام املختلط مع إمكان تعينه ومتييزه واالبتعاد‬
‫عن�ه‪ ،‬بل كل احلرام املذكور يف أمثلة الفقهاء ال يتجاوز كونه َعين ًا حمرمة اختلطت بحالل وتعذر‬
‫متييزه�ا وحتديدها فال يمكن إزالتها ورفعها‪ ،‬أو نجس� ًا أصاب طاه�ر ًا‪ ،‬أو حمرم ًا اختلط بحالل‬
‫فصار اجلميع جنس ًا جديد ًا‪.‬‬
‫وال ش�ك أن احلرام يف األنشطة االس�تثامرية هو من احلرام املعلوم واملتم ّيز‪ ،‬الذي ُيقحم يف‬
‫= قال البيهقي رواه جابر اجلعفي عن الشعبي عن ابن مسعود وفيه ضعف وانقطاع‪ ،‬وقال الزين العراقي‬
‫يف ختري�ج منه�اج األصول‪ :‬إنه ال أصل له‪ ،‬وك�ذا أدرجه ابن مفلح يف أول كتابه يف األصول فيام ال أصل‬
‫له‪ .» ‬املقاصد احلسنة للسخاوي ‪.574/1‬‬
‫ األشباه والنظائر للسيوطي ‪.116/1‬‬
‫ سنن الدارقطني ‪ ،268/3‬كتاب النكاح‪ ،‬باب املهر‪ ،‬حديث رقم ‪.88‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪13‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫احلالل قصد ًا‪ .‬ولو كانت هذه القواعد تُفهم بإطالقها‪ ،‬لساغ للمكلف أن يتوجه إىل خلط احلرام‬
‫باحلالل قصد ًا بغية تسويغه‪ ،‬فيخلط اخلمر بالطعام‪ ،‬وخيلط الربا بالبيع‪ ،‬فيصريان حالالً !!‬
‫وإن من اخلطأ املنهجي والعلمي أن تستقى القواعد الفقهية وتطبق أو تفهم يف غري سياقها‬
‫ننس أن ه�ذه قواعد فقهية‪ ،‬والقواعد الفقهي�ة ما هي إال صياغة‬
‫ال�ذي أورده الفقه�اء فيه ؛ فال َ‬
‫فقهية لضبط مس�ائل الفقه املتفرعة ومجعها يف صيغة مبس�طة‪ ،‬وليس�ت هي أص ً‬
‫ال فقهي ًا تعرض‬
‫عليه املس�ائل الطارئة الستنباط احلكم‪ .‬وهلذا كان وجود القاعدة الفقهية الحق ًا لوجود املسائل‬
‫الفقهي�ة الفرعية‪ ،‬فقد صاغها الفقهاء لغرض مل ش�تات بع�ض الفروع الفقهية‪ ،‬بخالف األصل‬
‫الفقهي‪ ،‬فهو يسبق املسائل الفقهية املستنبطة‪.‬‬
‫ولسنا نرى يف هذه املسائل صورة ُي ّسوغ فيها اإلسهام يف احلرام‪ ،‬أو تروجيه‪ ،‬أو العون عليه‪.‬‬
‫وعليه يكون االس�تناد إىل هذه القواعد الفقهية يف مس�ألة البحث فاسد ًا وغري صحيح‪ .‬وبعبارة‬
‫أخ�رى فإن القواعد الفقهية صيغت عىل ضوء املس�ائل الفقيه�ة املعروضة‪ ،‬فهي تقيد بمثيالهتا‪،‬‬
‫وليست هي أصوالً فقهية أو نصوص ًا رشعية حتى يصح فهم العموم منها‪.‬‬
‫‪ .2‬التجاوز عن الغبن والغرر اليسري‪.‬‬
‫اغتفر الفقهاء الغرر اليسير يف عقود البيع واملعاوض�ة‪ ،‬كام اغتفر احلنفية الغبن‪ ،‬فصححوا‬
‫هـذه العقود ومل يقولوا بفسادها‪ ،‬وقدروه بام كان أقل من مخسة باملئة يف املنقوالت‪ ،‬وعرشة باملئة‬
‫يف املركوب�ات‪ ،‬وعرشي�ن باملئة يف العقارات‪ ،‬والغبن يف العقود ح�رام؛ فيكون احلنفية عىل هـذا‬
‫قـد جتاوزوا عن احلرام الذي يكون يف املعاملة إن كان قلي ً‬
‫ال ال يتجاوز نسب ًا معينة ! ‪.‬‬
‫واجلـواب أن احلنفية يعنون بالغبن يف البيوعات البيع بثمن زائد عن س�عر الس�وق‪ ،‬س�واء‬
‫اقترن مع غ�ش وتغرير باملشتري أم مل يقرتن‪ .‬والبيع بأعىل من ثمن الس�وق ع�ن غش وتغرير‬
‫ حاشية ابن عابدين ‪170/4‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪14‬‬
‫بالبائع حرام مطلق ًا برصف النظر عن نسبة هذا الغبن الذي اقرتن باخلداع‪ ،‬ألن الغش والكذب‬
‫حيرم مطلق ًا يف الرشيعة‪ .‬وما هذه النس�ب التي قال هبا احلنفية إال اجتهاد منهم يف حتديد ما يقبل‬
‫الفس�خ من العقود بس�بب الغبن‪ ،‬أو يعطي املشتري حق الرجوع بمقدار الغبن‪ ،‬وما ال يقبل‪،‬‬
‫وليس يصح أبد ًا أن يفهم أن احلنفية جتاوزوا عن احلرام يف املعاملة إن مل يبلغ احلرام نس�ب ًا معينة‬
‫من هـذه النسبة ‪.‬‬
‫أ َّم�ا جت�اوز الفقهاء عن الغرر اليسير‪ ،‬فوجود أص�ل الغرر أمر قد متلي�ه املعاوضة وال‬
‫تنف�ك عنه‪ ،‬وتأثري الغرر عىل العقود إفس�اد ًا ليس لذاته‪ ،‬فال يكون هو يف نفس�ه حرام ًا‪ ،‬بل‬
‫ألثره‪ ،‬ملا قد يؤدي إىل نزاع وخصومة بني املتعاقدين‪ ،‬فيكون حمرم ًا إن بلغ حد ًا قد يؤدي إىل‬
‫ذل�ك‪ .‬وملا مل يكن الغرر اليسير مؤدي ًا إىل النزاع واخلصومة ع�ادة‪ ،‬فقد اغتفر؛ أي أن الغرر‬
‫الكثري دون القليل هو املفس�د للعقود ألنه وحده املؤدي إىل وقوع النزاع‪ .‬فال يمكن بحال‬
‫أن ُيقاس النشاط املحرم‪ ،‬املحرم لذاته‪ ،‬عىل الغرر الذي قد ينشأ مع قيام التعاقد‪ ،‬وال يؤدي‬
‫إىل خصومة إال إن كان فاحش ًا‪.‬‬
‫أم�ا اغتف�ار احلرير للرج�ال إن اختلط بجنس آخر‪ ،‬فال يمكن أن يفهم من هذه املس�ألة أن‬
‫احل�رام يغتف�ر إن اختلط باحلالل‪ ،‬ألن النس�يج املصنوع من حرير وم�ادة أخرى خيرج عن كونه‬
‫حري�ر ًا‪ ،‬ويصير نوع ًا جديد ًا‪ ،‬فلا يكون من لبس ثوب ًا من هذا النس�ج قد لب�س احلرير‪ .‬ونظري‬
‫ذلك يف الفقه مس�أل ُة املعدن إذا اختلط بغريه فإنه خيرج عن طبيعته إن اختلط بآخر ال عىل وجه‬
‫التحاي�ل وكان هذا اآلخر هو الغالب؛ فقد عومل الذهب املغش�وش‪ ،‬أي املختلط بالنحاس أو‬
‫مع�دن آخ�ر‪ ،‬معاملة الذهب اخلال�ص إن كان الذهب ه�و الغالب‪ ،‬و ُأخرج ع�ن كونه ذهب ًا إن‬
‫كان الغ�ش‪ ،‬أي املعدن اآلخر‪ ،‬هو الغالب‪ .‬وإذا تس�اوى الذه�ب والغش‪ ،‬عومل الكل معاملة‬
‫الذهب احتياط ًا‪ .‬ومثل الذهب يف ذلك الفضة وكل مال ربوي‪.‬‬
‫ فتح القدير البن اهلامم ‪. 115/6‬‬
‫ فتح القدير البن اهلامم ‪.275/6 :‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪15‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫‪ .3‬الرشاكة مع غري املسلم‪.‬‬
‫ال يصح لتسويغ االستثامر يف املختلط حالالً وحرام ًا االستنا ُد إىل إجازة الفقهاء للمسلمني‬
‫َ‬
‫االشتراك مع غري املس�لمني‪ ،‬ألن من أجاز هذا من الفقهاء رشط مبارشة املس�لم للعقود‪ ،‬أو أن‬
‫يعمل غري املسلم بإرشاف املسلم منعا للوقوع يف املحرمات‪.‬‬
‫جاء يف مواهب اجلليل‪ « :‬وال تصح ملس�لم أن يش�ارك ذمي ًا إال أن ال يغيب الذمي عىل بيع‬
‫وال رشاء وال قض�اء وال اقتض�اء إال بحرضة املس�لم » ‪ .‬ويف كش�اف القن�اع‪ « :‬روى اخلالل‬
‫بإس�ناده ع�ن عطاء قال « هن�ى النبي ﷺ عن مش�اركة اليهودي والنصراين إال أن يكون الرشاء‬
‫والبيع بيد املسلم » ‪.‬‬
‫‪ .4‬جواز اليشء تبع ًا دون جوازه أصالً‪.‬‬
‫اجل�واب عىل هذا بأنه مقيد بكون التاب�ع ليس حمرم ًا لذاته‪ ،‬وإنام حرم العتبار آخر‪ ،‬كالغرر‬
‫يف مثال اجلنني الذي يذكره الفقهاء عند ذكرهم هلذه القاعدة؛ فاجلنني مل جيز بيعه اس�تقاالً للغرر‬
‫وجاز تبع ًا ألمه لعدم إمكان بيعها بدونه‪.‬‬
‫وم�ن األمثل�ة التي يذكره�ا الفقهاء هلذه القاع�دة أيض ًا‪ :‬بي�ع الثمر قبل ب�دو صالحه تبع ًا‬
‫لألرض فهو ال جيوز اس�تقالالً إال برشط القطع‪ ،‬وجيوز تبع ًا لألرض‪ ،‬وكذا عدم ثبوت النسب‬
‫بشهادة النساء‪ ،‬فلو شهدن بالوالدة ثبت النسب تبع ًا ‪.‬‬
‫فه�ذه قاع�دة فقهية جي�ب أن تفهم عىل ض�وء تطبيقاهتا الت�ي ذكرها الفقهاء‪ .‬أم�ا ما حرمه‬
‫الشارع لذاته‪ ،‬كالربا واخلمور‪ ،‬فهذه ال جيوز بيعها أو التعاوض عنها تبع ًا أو استقالالً‪ ،‬فال جيوز‬
‫مث ً‬
‫ال رشاء دكان بموجوداته املشتملة عىل اخلمور‪ ،‬لتحقق رشاء اخلمور ضمن ًَا‪.‬‬
‫ مواهب اجلليل للحطاب ‪. 118/5‬‬
‫ كشاف القناع للبهويت ‪. 496/3‬‬
‫ األشباه والنظائر للسيوطي ‪.121/1‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪16‬‬
‫‪ .5‬التخريج عىل أساس احلاجة واملصلحة واألصول األخرى‪.‬‬
‫التخريج عىل أساس احلاجة‪:‬‬
‫جي�اب ع�ن هذا ب�أن من املع�روف أن احلاجة معتربة رشع� ًا وتنزل منزل�ة الرضورة يف‬
‫تسويغ ارتكاب املحرم إن كانت عامة‪ ،‬وليست االستثامر يف أسهم الرشكات أو يف الصفقات‬
‫املنطوي�ة عىل بعض األنش�طة املحرمة من قبيل احلاجة العامة‪ ،‬ب�ل إن كان ثمة حاجة إليها‪،‬‬
‫فهي خاصة ببعض املؤسسات املالية فقط وبعض األفراد؛ فال تكون عىل هذا من احلاجات‬
‫املعتربة رشع ًا يف اغتفار املحرم‪.‬‬
‫وعىل فرض حتقق احلاجة العامة‪ ،‬فإن تنفي مع وجود البديل الرشعي‪ ،‬والبديل اإلسالمي‬
‫يف مس�ألتنا موجود‪ ،‬وهو الرشكات التي ال تش�تمل أنشطتها عىل حمرمات‪ ،‬وهو بديل قائم وإن‬
‫س�هل قيامه انطلاق املصارف ومؤسس�ات التمويل‬
‫مل يك�ن ل�ه ذلك احلجم الكبير بعد‪ ،‬وقد ّ‬
‫اإلسالمية‪ .‬وهذا البديل حيتاج إىل الدعم والتشجيع‪ ،‬والفتاوى التي جتيز التعامل بأسهم رشكات‬
‫غري ملتزمة كلي ًا كفيل بأن ّ‬
‫نمو هذا البديل اإلسلامي‪ ،‬ألن الرشكات ذات االلتزام الكيل‬
‫يش�ل ّ‬
‫ه�ي رشكات حملي�ة صغرية يف الغالب‪ ،‬لن تس�تطيع مقاومة جاذبية الشركات الكربى والعاملية‬
‫ذات االلتزام اجلزئي‪ ،‬التي صدرت فتاوى بجواز التعامل بأسهمها‪.‬‬
‫التذرع بإعامل املصلحة‪:‬‬
‫كانت املصلحة منذ زمن الطويف وال تزال إىل يومنا هذا دلي ً‬
‫ال رشعي ًا يساء فهمه أو إعامله‪ ،‬إذ‬
‫قد استند إليها خلق كثري‪ ،‬وال سيام يف عرص انحطاط املسلمني املستمر إىل يومنا هذا‪ ،‬يف تسويغ‬
‫بع�ض املس�ائل التي حترم رشع ًا‪ .‬ومنش�أ هذا اخلل�ط والزعم هو ع�دم إدراك الرشوط الرشعية‬
‫الالزم�ة لعمل املصالح‪ ،‬وأمهها عدم معارضة النصوص واألص�ول الرشعية‪ً .‬‬
‫فضال عن أن‬
‫ انظ�ر ضوابط املصلحة للدكتور البوط�ي ص ‪ ،118‬وبحث «البعد التعبدي يف ارتباط املصالح باألحكام‬
‫الرشعية» لعبد العظيم أبوزيد‪ ،‬جملة اإلسالم يف آسيا‪ ،‬املجلد ‪ ،3‬العدد ‪ ،1‬يوليو ‪.2006‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪17‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫تقدي�ر املصال�ح هو حمل اضطراب يف الرؤى واآلراء‪ ،‬فام يراه البعض مصلحة عامة للمس�لمني‬
‫قد ال يراه الغري كذلك‪ ،‬مما حيتم عند غياب احلاكم املسلم املجتهد الذي يقرر املصالح بالشورى‬
‫وجوب االحت�كام إىل الرشوط الرشعي�ة املعروفة لعمل‬
‫ويفرضه�ا بمقتىض السياس�ة الرشعية‬
‫َ‬
‫املصالح‪ ،‬بعيد ًا عن التقديرات الفردية للمصالح والتفسريات الشاذة هلا‪.‬‬
‫وبمناس�بة احلديث ع�ن املصلحة‪ ،‬فأين املصلح�ة يف أصل التعامل بأس�هم الرشكات بيع ًا‬
‫ورشا ًء على النحو الذي نراه يف األس�واق اليوم!! هل عاد هذا التعامل عىل الكثري من ممارس�يه‬
‫إال بالنكب�ات واخلس�ائر الفادحة عىل نحو ال خيتلف عن الذي جي�ري يف صاالت القامر‪ ،‬وذلك‬
‫بس�بب تفلت هذه األس�واق عن الضوابط واإلجراءات احلامئية‪ ،‬وما يقع يف هذه األس�واق من‬
‫خمالف�ات رشعية كالبيع القصري‪ ،‬والبيع عىل اهلامش‪ ،‬ودخول املش�تقات املالية‪ ،‬وس�ائر أدوات‬
‫املضاربات !!‬
‫بل وأين تتصور املصلحة العامة يف انتقال أموال املسلمني إىل الرشكات األجنبية يف اخلارج‪،‬‬
‫فقد خرج كثري من أموال املسلمني امللتزمني إىل الغرب مع انطالق الفتاوى بتسويغ االستثامر يف‬
‫كثري من تلك الرشكات‪ ،‬وال سيام مع تأسيس أسواق خاصة لذلك وسمت باإلسالمية‪ ،‬كسوق‬
‫مؤرش داو جونز «اإلسالمي»!!‬
‫االستدالل بعموم البلوى وبفساد الزمان‪:‬‬
‫أما ختريج تس�ويغ االستثامر يف األنشطة املش�تملة عىل حرام بعموم البلوى وفساد الزمان‪،‬‬
‫فباس�تقراء املواض�ع التي ورد هبا االستش�هاد بعموم البلوى يمكن الق�ول أن فحوى العمل هبا‬
‫ه�و اغتفار ترك االلت�زام ببعض األحكام الرشعي�ة عند تعذر ذلك أو اس�تحالته‪ ،‬كام هو احلال‬
‫يف اغتف�ار م�ا قد يصيب الثوب من نجس ناجم عن السير يف الش�وارع الت�ي ال ختلو عن قذر‪.‬‬
‫وختري�ج ذلك هو عىل قاعدة رفع احلرج املس�تمدة من قوله تع�اىل‪ ﴿ :‬ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪18‬‬
‫ﮰﮱ ‪ . ﴾ ‬لك ّن االس�تثامر يف األنش�طة املش�تملة عىل ممارس�ات حرام ال يعد من قبيل املتعذر‬
‫جتنب�ه حتى يس�وغ ذلك رشع ًا كام تقدم‪ ،‬وهلذا فإن ختريج التعام�ل باملحرم عىل عموم البلوى ما‬
‫وخل�ق هلا‪ ،‬لما يف ذلك من ترويج جتارة احلرام وتس�ويغها‪.‬‬
‫ه�و يف احلقيق�ة إال تكريس للبلوى‬
‫ٌ‬
‫وفس�اد الزمان ال يس�وغ التجرؤ عىل احلرام ومزيد ًا من اإلفساد‪ ،‬فالواجب مقابلة املنكر بالنهي‬
‫واإلزالة‪ ،‬ال بإزكائه واملسامهة فيه!!‬
‫دعوى التأثري عىل قرار الرشكة االستثامري من خالل تداول أسهمها‪:‬‬
‫قد يس�وغ ارت�كاب حمظور إن كان س�بي ً‬
‫ال متعين ًا إلنكار منكر أكرب من�ه‪ ،‬أو حتقيق مصلحة‬
‫عام�ة كربى خترجي ًا عىل قاعدة إذا تعارضت مفس�دتان دف�ع أعظمهام بارتكاب أخفهام ‪ .‬لك ّن‬
‫هذا يقيد طبع ًا بأن تكون النية حني ارتكاب املحظور هي رفع املفسدة األكرب‪ ،‬وإال لكان ارتكاب‬
‫املفسدة األوىل حرام ًا قطع ًا‪ ،‬إعامالً للحديث املشهور‪ « :‬إنام األعامل بالنيات » ‪.‬‬
‫وقد قيل يف ختريج االس�تثامر يف الرشكات التي تنطوي أعامهلا عىل بعض األنش�طة املحرمة‬
‫ب�أن من ش�أن ه�ذا أن قد ي�ؤدي يف بعض احل�االت إىل التأثري عىل نش�اط الرشكة االس�تثامري‬
‫بالعدول عن النشاط املحرم‪.‬‬
‫وال خيفى أن سلامة هـذا التخريج مقيدة بقيود ال نراها متحققة عملي ًا يف غالب احلاالت‬
‫لألسباب التالية‪:‬‬
‫ ال نية ملشرتي األسهم أص ً‬‫ال بالتأثري عىل أنشطة الرشكة وتوجهاهتا‪ ،‬بل وال يعلم مشرتي‬
‫األسهم بوجود مثل هذا اهلدف سبب ًا معترب ًا لرشعية التعامل بأسهم هذه الرشكة‪.‬‬
‫ من اآلية ‪ 78‬من سورة احلج‪.‬‬
‫ انظر درر احلكام يف رشح جملة األحكام ‪302/7‬؛ رشح النووي عىل صحيح مسلم ‪.144/15‬‬
‫ صحيح متفق عليه‪ :‬أخرجه البخاري يف الصحيح من رواية سيدنا عمر بن اخل ّطاب ريض اهلل عنه‪.3/1 :‬‬
‫كتاب بدء الوحي‪ .‬باب كيف كان الوحي إىل رس�ول اهلل ﷺ ‪ .‬حديث رقم (‪ . )1‬ومس�لم يف الصحيح‪:‬‬
‫‪ ، 1515/3‬كتاب اإلمارة ‪ ،‬باب قول النبي ﷺ ‪ « :‬إنام األعامل بالن ّية »‪ .‬رقم احلديث (‪. )1907‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪19‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫‪ -‬أغراض التكسب الرسيع بالبيع بعيد الرشاء متى سنحت فرصة حتقق الربح عند الغالبية‬
‫العظمى من املس�تثمرين‪ ،‬مما ال يمكنهم حتى لو فرضنا وجود نية التأثري عىل أنش�طة الرشكة من‬
‫حتقيق أي أثر يذكر‪.‬‬
‫‪ -‬العقبات والقيود القانونية التي قد متنع محلة األسهم واملستثمرين من غري املؤسسني من‬
‫ممارسة أي تأثري عىل قرار الرشكة االستثامري أو اإلداري‪.‬‬
‫‪ -‬أن الرشاء عىل مستوى املؤسسات يكون غالب ًا برشاء سلة من األسهم التي تعود إىل عدد‬
‫كبري من الرشكات‪ ،‬ال أسهم رشكة بذاهتا‪ ،‬مما يفوت إمكان حتقيق التحول املنشود‪.‬‬
‫‪ .6‬التخلص من الربح املتحقق عن النشاط املحرم ال حيل املشكلة‪:‬‬
‫ليس�ت املش�كلة يف االنتفاع بالربا مث ً‬
‫ال أو االحتفاظ به حتى يفيدَ املستثمر ختلص ُه من كامل‬
‫املتحصل ع�ن التعامل باملحرم عىل فرض إمكان حتققه حس�ابي ًا‪ ،‬بل املش�كلة يف دعم‬
‫الرب�ح‬
‫ّ‬
‫املؤسسات التي متارسه أو منظومة الربا التي حتكمها‪ ،‬فبدل أن نرفع الباطل‪ ،‬وننهى عن املنكر‪،‬‬
‫نقوم بدعم املنكر ونقويه !‬
‫ ليس حتديد العائد الناتج عن االس�تثامر املحرم كالربا من املمكن عملي ًا ألس�باب منها أن أكثر الرشكات‬
‫تقرتض من البنوك بالربا لتمويل أعامهلا والتوس�ع يف نش�اطاهتا‪ ،‬فكيف يمكن حتديد األرباح الناشئة عن‬
‫ه�ذه الق�روض!! ثم إن أغلب املتعاملني باألس�هم يشتروهنا لغرض حتقيق الربح الرسي�ع بإعادة بيعها‬
‫وحتقي�ق رب�ح من الف�رق بني ثمن الشراء وثمن البي�ع‪ ،‬فكيف يمكن عملي ًا حس�اب مق�دار ما أحدث‬
‫النش�اط املح�رم للرشكة بني تاريخ الشراء وتاريخ البيع الذي قد يكون س�اعات أو أي�ام قليلة!! ثم إن‬
‫الرشكة نفس�ها قد تس�تثمر‪ ،‬وذلك أمر ش�ائع‪ ،‬يف رشكات أخرى تقوم كذلك ببعض األنش�طة املحرمة‪،‬‬
‫ثم تقوم هذه الرشكات كذلك باالس�تثامر يف رشكات وصناديق اس�تثامرية أخرى وهكذا‪ ،‬فكيف يمكن‬
‫عملي ًا حس�اب الوارد عن النشاط املحرم يف كل هذه الرشكات والصناديق!! زد عىل ذلك أن الرشكة قد‬
‫خترس‪ ،‬مما يعنى أن عىل حامل السهم أن خيرج مقدار حصة السهم من الكسب الناتج عن النشاط احلرام‬
‫كالق�روض الربوي�ة زياد ًة عىل اخلس�ارة التي مني هبا!! انظر بحث «املس�امهة يف رشكات أصل نش�اطها‬
‫مباح» خلالد الدعيجي‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪20‬‬
‫أتُرى كان يكفي كاتب العقود التي من بينها الربا‪ ،‬أو حامل املرشوبات التي من بينها اخلمر‬
‫أن يتخلص مما جناه من كس�ب بس�بب كتابة الربا ومحل اخلمر ليخ�رج عن اللعنة بنص حديث‬
‫النبي ﷺ !!‬
‫ثم إن هذه املؤسسات إن كانت تقرض بالربا‪ ،‬فإن محلة أسهمها مقرضون بالربا‪ ،‬وآخذون‬
‫له‪ .‬واملقرض بالربا ال يرفع حرمة فعله أن يقوم فيرصف الربا الذي أخذه يف جهات خريية‪ ،‬ألن‬
‫الظلم قد وقع عىل الدافع يف مجيع األحوال‪ ،‬فالواجب أن يقوم املقرض بالربا برد الربا إىل دافعه‬
‫ال إىل جهات أخرى لريفع خسيسة فعله‪.‬‬
‫أم�ا إن كان�ت تقرتض بالربا‪ ،‬فكل حاميل أس�هم ه�ذه الرشكات دافعون للرب�ا‪ ،‬وال يرفع‬
‫حرم�ة فعلهم أن يتخلصوا من ربح جنوه من اس�تثامر امل�ال املقرتض‪ ،‬ألن احلرمة مرتبطة بذات‬
‫الدفع ربحوا من ذاك االس�تثامر أم خرسوا‪ ،‬بدليل أن دفع الربا حيرم حتى ألغراض االستهالك‬
‫حيث ال حتقيق ربح يتصور‪.‬‬
‫مناقشة املعايري النسبية‪:‬‬
‫معيار الثلث‪:‬‬
‫عم�دة أدلة من ق�ال بمعيارية الثلث بش�كل عام كام تقدم هو حديث س�عد بن أيب وقاص‬
‫ريض اهلل تع�اىل عن�ه ق�ال‪ « :‬قل�ت‪ :‬ي�ا رس�ول اهلل‪ ،‬أنا ذو م�ال‪ ،‬وال يرثن�ي إال ابن�ة يل واحدة؛‬
‫أفأتصدق بثلثي مايل؟ قال‪ :‬ال‪ .‬قلت‪ :‬أفأتصدق بش�طره؟ قال‪ :‬ال‪ .‬قلت‪ :‬أفأتصدق بثلثه؟ قال‪:‬‬
‫ جاء يف احلديث « لعن اهلل آكل الربا وموكله وش�اهديه وكاتبه‪ ،‬هم فيه س�واء »‪ « ،‬لعن اهلل اخلمر وش�ارهبا‬
‫وس�اقيها وبائعه�ا وعارصه�ا ومعترصها وحامله�ا واملحمولة إلي�ه وآكل ثمنها »‪ .‬وق�د أخرج احلديث‬
‫األول ع�ن جاب�ر بن عبد اهلل ريض اهلل تعاىل عنه مس�لم يف صحيح�ه‪ ،1219/3 :‬رقم ‪ ،1598‬أمحد يف‬
‫مس�نده‪ ،304/3 :‬رق�م ‪ .14302‬وأخ�رج الثاين عن ابن عم�ر ريض اهلل تعاىل عنها أبو داود يف س�ننه‪:‬‬
‫‪ ،326/3‬رق�م ‪ ،3674‬واحلاكم يف مس�تدركه‪ ،160/4 :‬حديث رق�م ‪ 7228‬وصححه‪ ،‬والبيهقي يف‬
‫سننه‪ ،12/6 :‬رقم ‪.10828‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪21‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫الثلث‪ ،‬والثلث كثري‪ ،‬إنك إن تذر ورثتك أغنياء خري من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» متفق‬
‫عليه‪.‬‬
‫وخالصة القول أن االس�تدالل هب�ذا احلديث عىل أصل فكرة معياري�ة القليل والكثري‪ ،‬أو‬
‫معياري�ة الثل�ث من حيث عدُّ ما دون�ه قليل وما بلغه وجاوزه كثري ال يس�تقيم‪ ،‬ألن أقىص ما يف‬
‫احلدي�ث م�ن داللة أن الثلث كثير يف الوصية‪ ،‬أي أن إخراج ثلث املال وصي� ًة كثري يف ذاته عىل‬
‫الوصية؛ ألن الوصية تربع والتربع بالثلث كثري‪ ،‬ال أن ما فوق الثلث كثري يف كل يشء وما دونه‬
‫قليل يف قل يشء‪ .‬فالكثرة والقلة أمر نس�بي كام يقول ابن حجر العس�قالين يف رشحه للحديث‪.‬‬
‫فمن غري املستس�اغ إذن تعميم االس�تدالل هبذا احلديث‪ ،‬بجعل ما دون الثلث قليالً‪ ،‬وما فوقه‬
‫كثير ًا‪ .‬ول�و صح هذا املنطق م�ن تعميم االس�تدالل باحلديث عىل حتديد معي�ار الكثرة والقلة‪،‬‬
‫لكف�ى اإلنس�ان يف الدنيا أن يكون ثلث عمله حس�نات لينجو يوم القيامة على اعتبار أن الثلث‬
‫كثري!! لكن هذا الثلث الذي يصفه البعض بالكثري ٌ‬
‫قليل وال ينجيه كام تنبئنا النصوص الرشعية‬
‫يف مس�ألة وض�ع امليزان‪ ،‬وما أهل األعراف إال قوم اس�توت حس�ناهتم وس�يئاهتم‪ ،‬فلم يكفهم‬
‫ليقرر مصريهم!‬
‫الثلث (عىل كثرته املظنونة)‬
‫ّ‬
‫املعايري املوضوعة باالستناد إىل معايري احلنفية يف التجاوز عن الغبن اليسري‪:‬‬
‫تقدم خطأ الفهم بأن احلنفية جتاوزوا عن احلرام يف املعاملة إن مل يبلغ احلرام نسب ًا معينة‪،‬‬
‫وذلك ملا جتاوزوا عن الغبن إن مل يبلغ مخسة باملئة يف املنقوالت‪ ،‬وعرشة باملئة يف املركوبات‪،‬‬
‫وعرشي�ن باملئ�ة يف العق�ارات‪ .‬وذلك ألن هذه النس�ب إنما أراد هبا احلنفية حتدي�د ما يقبل‬
‫الفسخ من العقود بسبب الغبن أو يعطي املشرتي حق الرجوع بمقدار الغبن‪ ،‬وما ال يقبل‪،‬‬
‫وليست هي معايري يف اغتفار قليل احلرام؛ فالغبن الذي اقرتن باخلـداع حرام مطلق ًا برصف‬
‫النظر عن نسبته ‪.‬‬
‫ احلديث أخرجه البخاري ‪ ،1006/3‬باب أن يرتك ورثته أغنياء خري من أن يتكففوا الناس‪ ،‬رقم ‪،2591‬‬
‫ومسلم ‪ ،1250/3‬باب الوصية بالثلث‪ ،‬رقم ‪.1628‬‬
‫ فتح القدير البن اهلامم ‪. 115/6‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪22‬‬
‫اخلامتـــة‬
‫يتبني مما س�بق أن كل املربرات التي قدمت لتس�ويغ االستثامر فيام اشتمل عىل أنشطة حمرمة‬
‫إذا مل تتجاوز هذه األنشطة نسب ًا معينة هي مربرات واهية‪ .‬وأخطر ما يف األمر‪ ،‬أن القول باجلواز‬
‫ي�ؤدي إىل الوق�وع يف خمالف�ة أصل رشع�ي ثابت وجازم وم�ن أعمدة الدين‪ ،‬وه�و أصل األمر‬
‫باملع�روف والنهي عن املنكر‪ ،‬فإن قبول هذه املعايري فيام صيغت له رضوخ للمنكر وإس�هام فيه‬
‫وإقرار له‪ ،‬بدل رفعه وحماربته والنهي عنه !! فأقل الواجب عىل املسلم عند شهود املنكر إن مل‬
‫يس�تطع تغيريه أن ينكره بقلبه‪ ،‬فيقول لس�ان حاله «اللهم هذا منكر ال أرىض به»‪ ،‬فكيف يمكن‬
‫ويستقيم أن يكون عىل هذه احلالة من اإلنكار املفروض عليه فرض ًا ثم هو يكون طرف ًا يف العلمية‬
‫االس�تثامرية التي تبارشه‪ ،‬إن حاله هذا يكذب مقاله!! هذا فض ً‬
‫ال عن النصوص واآلثار الكثرية‬
‫واملعلومة املشتهرة التي تدل عىل حرمة االنخراط يف املنكر بشكل مبارش أو غري مبارش‪.‬‬
‫إن مؤسسة التمويل اإلسالمي البائعة للعقار الذي س ُيتخذ فندق ًا مث ً‬
‫ال أو منتجع ًا ذا تصنيف‬
‫س�ياحي حمدد تعلم أن نش�اط الفندق يتضمن بعض األنش�طة املحرمة‪ ،‬بل وقد تكون مؤسس�ة‬
‫ّ‬
‫واملحال‬
‫الصانع يف عقد استصناع‪ ،‬مما يعني رسمي ًا أهنا الباين ملحل البار‬
‫التمويل اإلسالمي تلك‬
‫َ‬
‫ املس�ألة ه�ذه ختتلف متاما عن التعام�ل مع البنوك الربوية حيث تنعدم البنوك اإلسلامية ألغراض حفظ‬
‫امل�ال أو حتويل�ه أو رصف�ه‪ ،‬فال يمك�ن أن يعد ذل�ك التعامل من قبيل إق�رار املنكر املتمث�ل يف كون هذه‬
‫املؤسس�ات مؤسس�ات ربوي�ة‪ ،‬نظر ًا للحاجة العامة الت�ي قد تقرتب من الضرورة إىل بعض التعامالت‬
‫املرصفي�ة الت�ي ال تنطوي يف ذاهت�ا عىل عمل حمرم من قبي�ل حفظ املال وحتويله ورصفه‪ .‬فش�تان بني من‬
‫يتعام�ل باحللال مع من يتعام�ل باحلرام مضطر ًا‪ ،‬وبني االشتراك م�ع املتعامل باحل�رام يف احلرام الذي‬
‫يامرسه وإن أنكر هذه املامرسة!!‬
‫ من ذلك قول اهلل تعاىل‪ ﴿ :‬ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ‬
‫ﯾ ﴾ (املائ�دة‪ ،)2 :‬وق�ول النب�ي ﷺ ‪َ « :‬لعن آكِ َل الربا وم ْؤكِ َله و َش ِ‬
‫�اهدَ ْي ِه َوكَاتِ َبه » ؛ وحديث‪:‬‬
‫ُ َ‬
‫َ َ‬
‫ِّ َ َ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صرِ‬
‫صرِ‬
‫ِ‬
‫واملحمول� َة إليه وآك َل‬
‫وحاملها‬
‫«‪ ‬لع�ن اهللُ‬
‫ومعت ها َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫اخلمر وش�ارهبا وس�اق َيها وبائعها وعا َ ه�ا ُ‬
‫َ‬
‫ثمنِها »‪ ،‬وقد تقدم خترجيهام‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪23‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫التي تُزاول فيها األمور املحرمة األخرى‪ .‬وكذا حال مؤسسة التمويل اإلسالمي املؤجرة للعقار‬
‫إىل جه�ة تتخ�ذه فندق� ًا‪ ،‬فهي املالكة رس�مي ًا هلذا العق�ار‪ ،‬وتؤجره ملن تعلم اس�تغالله يف بعض‬
‫تسهل بشكل غري مبارش ارتكاب املنكرات!‬
‫املحرمات‪ ،‬فهي بذلك ّ‬
‫نصت بعض املعايري الرشعية للمؤسس�ات املالية عىل‬
‫وفيام يتعلق بأس�هم الشركات‪ ،‬فقد ّ‬
‫تسويغ التعامل بأسهم الرشكات التي متارس بعض األنشطة املحرمة‪ ،‬إذا مل يكن ذلك من نشاط‬
‫ينص عىل هذا النش�اط املحرم يف نظامها‬
‫الرشكة األس�ايس‪ ،‬ومل تكن أنش�ئت هلذا الغرض‪ ،‬ومل ّ‬
‫التأسييس‪ ،‬وكان العائد من ذلك النشاط املحرم ال يتجاوز ‪ %5‬من إمجايل إيرادات الرشكة ‪.‬‬
‫والس�ؤال م�اذا ل�و كان نش�اط الرشكة الع�ريض املحرم الذي اس�توىف رشوط االس�تثناء‬
‫م�ن املنع صفق� ًة عرضي ًة يف تصنيع اخلمور وجتارهت�ا‪ ،‬أو املخدرات‪ ،‬أو الدع�ارة‪ ،‬أو ببيع البرش‬
‫وأعضائهم‪ ،‬أو بيع السالح إىل الدول اإلرهابية كإرسائيل! أيصبح التعامل بأسهم تلك الرشكة‬
‫حينئذ مقبوالً وجيب فقط التُخلص من ربح تلك األنش�طة!! أيعقل أن تس�وغ معايري إسلامية‬
‫رشعية التعامل بأس�هم رشكات هذا ش�أهنا! أيعقل أن يزيد املس�لمون من أرباح هذه الرشكات‬
‫وم�ن رواجها باقتناء أس�همها وهو املطالب�ون بالنهي عن املنكر بام يس�تطيعون!! أم ترى يصح‬
‫التفري�ق بني الربا وبني س�ائر املحرمات‪ ،‬ليس�وغ التعامل بأس�هم الرشكات الت�ي تتعامل بالربا‬
‫ويمتنع التعامل بأس�هم الرشكات التي متارس ش�يئ ًا مما وصفنا! إن قيل بذلك فهل الربا‬
‫أحيانا‪،‬‬
‫َ‬
‫أقل خطر ًا مما وصفنا وهو ما هو حرم ًة وجريمة !!‬
‫واألمر اآلخر املس�تهجن‪ ،‬أن بعض املعايري‪ ،‬كمعيار أيويف‪ ،‬حدد نس�بة الربا الذي يغتفر‬
‫مع�ه التعامل بأس�هم الرشكات التي تقترض أو تقرض بالربا بام كان أقل م�ن ‪ %30‬من القيمة‬
‫الس�وقية ألس�هم الرشكة‪ ،‬مع العلم أن القيمة الس�وقية ألس�هم رشكة ما قد تفوق كثري ًا القيمة‬
‫ معيار هيئة املحاسبة واملراجعة (أيويف) رقم (‪ )21‬يف األوراق املالية (األسهم والرشكات)‪.‬‬
‫ املعيار رقم (‪ )21‬يف األوراق املالية (األسهم والرشكات)‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪24‬‬
‫االس�مية الدفرتي�ة هلا‪ ،‬فق�د يكون قيمة الس�هم الدفرتي�ة عرشة داره�م‪ ،‬وقيمته الس�وقية مئة‪.‬‬
‫وبنا ًء عىل هذا املعيار يس�وغ التعامل بأس�هم رشكة يبلغ حجم اقرتاضها أو إقراضها بالربا ثالثة‬
‫أضعاف رأسماهلا!! فلو كان رأسمال الرشكة عرشة ماليني درهم مثالً‪ ،‬وبلغت قيمتها السوقية‬
‫مئة مليون‪ ،‬ساغ بحسب هذا املعيار للتعامل بأسهمها أن تبلغ قروضها الربوية قريب ًا من ثالثني‬
‫مليون درهم‪ ،‬أي أكثر من رأسامهلا بثالثة أضعاف!!‬
‫أم�ا فيام يتعلق بأمر املعايري النس�بية املوضوعة‪ ،‬فأمر التج�اوز عن املعايص قليلها أو كثريها‬
‫َّ‬
‫وج�ل‪ ،‬وليس البن آدم أن يقول بإم�كان اغتفار املعصية إن مل تبلغ ح�دّ ًا م ّعين ًا‪ .‬وال ينفع‬
‫ع�ز‬
‫هلل َّ‬
‫التخلص من كسب املعصية للقول باغتفارها والتجاوز عنها سلف ًا‪.‬‬
‫وق�د تبني أن عمدة أدل�ة املجيزين وهي القواعد الفقهية يف اختلاط احلرام باحلالل‪ ،‬لكن‬
‫االس�تدالل هبا ال يصح‪ ،‬وذلك الختالف مورد االستدالل كام تقدم‪ ،‬وألهنا ليست إال ضوابط‬
‫صيغ�ت عىل ضوء املس�ائل الفقيهة املعروضة‪ ،‬فهي تقيد بمثيالهتا‪ ،‬وليس�ت ه�ي أصوالً فقهية‬
‫أو نصوص� ًا رشعية حتى يصح فه�م العموم منها‪ .‬بل إن املحاذير التي ترتتب عىل القول بعموم‬
‫التج�اوز ع�ن احلرام إذا اختل�ط باحلالل من حص�ول اإلعانة عىل الباطل وتروجي�ه‪ ،‬فض ً‬
‫ال عن‬
‫األدلة الرشعية األخرى التي عرضناها‪ ،‬وهي املانعة من اإلسهام يف احلرام بيشء والتعاون عىل‬
‫اإلثم والعدوان‪ ،‬كل هذا يس�تلزم خطأ فهم هذه القواعد عىل نحو عام يتضمن تس�ويغ مس�ألة‬
‫البحث‪ .‬فال يبقى إال أن تفهم هذه القواعد عىل ضوء املس�ائل واألمثلة التي ذكرها الفقهاء عند‬
‫رشحها‪ ،‬وهي مسائل وأمثلة ال تتعدى كون احلرام املختلط باحلالل َعين ًا حمرمة اختلطت بحالل‬
‫وتع�ذر متييزها وحتديدها فال يمكن إزالتها ورفعها‪ ،‬أو نجس� ًا أصاب طاهر ًا‪ ،‬أو حمرم ًا اختالط‬
‫بحالل فصار اجلميع جنس ًا جديد ًا‪.‬‬
‫وأخير ًَا‪ ،‬فق�د صدر ق�رار املجم�ع الفقهي ال�دويل التابع ملنظم�ة املؤمتر اإلسلامي بجدة‬
‫بتحري�م ه�ذا التعامل‪ ،‬وهذا نص الق�رار‪ ( :‬األصل حرمة اإلس�هام يف رشكات تتعامل أحيانًا‬
‫باملحرمات‪ ،‬كالربـا ونحـوه‪ ،‬بالرغم من أن أنشطتها األساسية مرشوعة )‪ .‬وإىل مثل هذا ذهب‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪25‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫جممع الفقهي التابع لرابطة العامل اإلسلامي يف مكة املكرمة‪ ،‬ونص قراره‪( :‬ال جيوز ملسلم رشاء‬
‫أسهم الرشكات واملصارف إذا كان يف بعض معامالهتا ربا‪ ،‬وكان املشرتي عا ًملا بذلك)‪.‬‬
‫واحلمد هلل رب العاملني أوالً وآخر ًا ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫‪26‬‬
‫مراجع البحث‬
‫ إرواء الغليل رشح منار السبيل‪ ،‬الشيخ نارص الدين األلباين‪ ،‬املكتب اإلسالمي‪ ،‬بريوت‪.‬‬‫ األشباه والنظائر‪ ،‬السيوطي‪ ،‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بريوت‪ ،‬ط ‪1403 ،1‬هـ‪.‬‬‫ بدائع الصنائع للكاساين‪ ،‬دار الكتاب العريب‪ ،‬بريوت‪ ،‬ط ‪1982 ،2‬م‬‫ رد املحت�ار على ال�در املخت�ار (حاش�ية اب�ن عابدي�ن)‪ ،‬دار إحي�اء التراث العريب‪ ،‬بيروت‪ ،‬ط ‪،2‬‬‫‪1407‬هـ‪1987/‬م‪.‬‬
‫ سنن ابن ماجة‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬بريوت‬‫ سنن أيب داود‪ ،‬املكتبة العرصية‪ ،‬بريوت‪ ،‬حتقيق حمي الدين عبد احلميد‪.‬‬‫ سنن الدارقطني‪ ،‬دار املعرفة‪ ،‬بريوت‪.‬‬‫ صحيح البخاري ‪ ،‬باعتناء األستاذ الدكتور مصطفى البغا‪ ،‬دار العلوم ‪ ،‬دمشق ‪.‬‬‫ صحيح مسلم باعتناء حممد فؤاد عبد الباقي‪ ،‬دار إحياء الرتاث العريب‪ ،‬بريوت‪.‬‬‫ صحيح مسلم برشح النووي‪ ،‬دار إحياء الرتاث العريب‪ ،‬بريوت‪ ،‬ط ‪1392 ،2‬هـ‪.‬‬‫ ضوابط املصلحة يف ميزان الرشيعة لألستاذ الدكتور حممد سعيد رمضان‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬بريوت‪،‬‬‫ط‪1982 ،4‬م‪.‬‬
‫ فتاوى ابن تيمية‪ ،‬مكتبة ابن تيمية‪ ،‬حتقيق عبد الرمحن العاصمي‬‫ فت�ح القدي�ر للعاجز الفقري‪ ،‬كامل الدين حممد بن عبد الواحد( ابن اهلامم)‪ ،‬دار إحياء الرتاث العريب‪،‬‬‫بريوت‪.‬‬
‫ قرارات جملس التوريق املاليزي‬‫‪Resolutions of the Securities Commission Shari>ah Advisory Council, Securities‬‬
‫‪Council Malaysia‬‬
‫‪ -‬قواعد األحكام يف مصالح األنام‪ ،‬العز بن عبد السالم‪ ،‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بريوت‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪27‬‬
‫د‪ .‬عبد العظيم أبو زيد‬
‫ كشاف القناع‪ ،‬البهويت‪ ،‬دار الفكر‪.‬‬‫‪ -‬جملة األحكام العدلية‪ ،‬حتقيق نجيب هواويني‪ ،‬كازخانة جتارت كتب‪.‬‬
‫ جملة اإلسلام يف آس�يا‪ ،‬بحث «البع�د التعبدي يف ارتباط املصالح باألح�كام الرشعية»‪ ،‬عبد العظيم‬‫أبوزيد‪ ،‬إصدار اجلامعة اإلسالمية العاملية بامليزيا‪ ،‬املجلد ‪ ،3‬العدد ‪ ،1‬يوليو ‪.2006‬‬
‫ املس�امهة يف رشكات أصل نش�اطها مب�اح‪ ،‬خالد إبراهي�م الدعيجي‪ ،‬بحث منش�ور عىل االنرتنت‪،‬‬‫موقع صيد الفوائد‪.‬‬
‫ املستدرك عىل الصحيحني‪ ،‬احلاكم‪ ،‬دار املعرفة‪ ،‬بريوت‪ ،‬ط‪1986/1‬م‪.‬‬‫ مسند اإلمام أمحد‪ ،‬مؤسسة قرطبة‪ ،‬القاهرة‪.‬‬‫ املعايري الرشعية‪ ،‬هيئة املحاسبة واملراجعة للمؤسسات املالية اإلسالمية‪ ،‬البحرين‪.‬‬‫ املقاصد احلسنة‪ ،‬السخاوي‪ ،‬دار الكتاب العريب‪ ،‬بريوت‬‫‪ -‬مواهب اجلليل‪ ،‬احلطاب‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬ط‪.1987/2‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪28‬‬
‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراماً‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
29
‫ عبد العظيم أبو زيد‬.‫د‬
fighting it as commanded by the Shari’ah, which is something that is totally
intolerable.
The importance of this study emerges from the fact that some Islamic
indexes for investment in companies shares have been recently established,
and many Islamic financial institutions have practically shown no reluctance
to finance projects that are inclusive of haram elements.
***
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع‬
‫واملمول‬
ً‫قراءة فقهية نقدية للمعايري الشرعية يف املختلط حالالً وحراما‬
30
EXAMINING THE SHARI’AH PARAMETERS SET FOR
TOLERATING THE HARAM IF MIXED WITH THE HALAL
By
Abdulazeem Abozaid
This study attempts to discuss the view that tolerates the haram if mixed
with the halal while the later constitutes the majority, like in investing in the
shares of companies that occasionally deal in haram activities, or in financing
projects that are known to be involved in unlawful acts, like the construction
or the acquisition of hotels that serve or sell liquor on their premises. In this
regard, parameters have been established by some Islamic investment and
financial institutions Shari’ah boards to determine the size of haram than can
be tolerated in the said fields.
According to these parameters, it is permissible to finance of invest in
a business that involves in some unlawful acts provided the core activity of
the said business is lawful as per Shari’ah and the haram elements therein
do not exceed a certain percentage. This paper carefully examines this view
and the various justifications provided in its support, like some fiqh maxims
and general Shari’ah principles such as Maslaha (Public Interest) and Darura
(Necessity). It also highlights the serious implications of adopting such a
view.
The paper concludes that tolerating a certain amount of haram if mixed
with haram whereby the halal constitutes the majority is not valid as it does
not fall back on any valid Shari’ah ground. In addition, such a tolerance
results in promoting the haram or facilitating it instead of preventing and
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع‬
‫واملمول‬