تحميل الملف المرفق

‫دراسة هليئات الفتوى والرقابة الشرعية‬
‫يف املؤسسات املالية اإلسالمية‬
‫واقعا وتقييما‬
‫(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫إعــداد‬
‫الدكتور إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫باحث بإدارة البحوث‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫ٌ‬
‫حبث َّ‬
‫مقد ٌم إىل‬
‫« مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملأمول ‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫‪ 31‬مايو – ‪ 3‬يونيو ‪ 2009‬م‬
‫يعب عن ر�أي الباحث‬
‫هذا البحث رّ‬
‫يعب بال�رضورة عن ر�أي دائرة ال�ش�ؤون الإ�سالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫وال رّ‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخليري بدبي‬
‫هاتف‪+971 4 6087777 :‬‬
‫اإلمارات العربية املتحدة‬
‫‪[email protected]‬‬
‫فاكس‪+971 4 6087555 :‬‬
‫ص‪ .‬ب‪ - 3135 :‬دب��ي‬
‫‪www.iacad.gov.ae‬‬
‫‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫تعريف ببحث‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابة الشرعية‬
‫يف املؤسسات املالية اإلسالمية تقيما وواقعا ‪..‬‬
‫ً‬
‫أمنوذجا‬
‫تعارض الفتوى‬
‫احلمد هلل وحده‪ ،‬والصالة والسالم عىل من ال نبي بعده‪ ،‬وعىل آله وصحبه وجنده ‪.‬‬
‫وبعــ�د‪ :‬فتعد هيئات الفت�وى والرقابة بمثابة قلب املرصف اإلسلامي‪ ،‬الذي يصدر منه‬
‫الدم فيغذي بقية أقس�ام املرصف‪ ،‬عن طريق الرشايني(املراقبني الرشعيني) ويعود إليه عن طريق‬
‫األوردة (األس�ئلة واالستفس�ارات والفتاوى) مرة أخرى لينقيه ويرس�له متدفقا سياال سلي ًام إىل‬
‫س�ائر أعضاء اجلس�م (املرصف) ولذل�ك ينبغي أن يك�ون خاليا من كل الش�وائب حتى نضمن‬
‫سالمة اجلميع‪.‬‬
‫وم�ن هذا املنطلق فال ينبغي لدورة البحث أن تنتهي عند حد معني ألن مس�تجدات العمل‬
‫املرصيف يف نمو وتطور‪ ،‬وانتشار املرصفية اإلسالمية يف تزايد ونامء ‪.‬‬
‫وجي�د املتتب�ع لواقع املؤسس�ات املالية اإلسلامية أن من أه�م وأكرب املش�اكل احلقيقية التي‬
‫تع�اين منها هذه املؤسس�ات اليوم‪ ،‬تع�دد بعض آراء هيئات الفتوى والرقاب�ة الرشعية يف احلكم‬
‫عىل بعض املعامالت املرصفية‪ ،‬فضال عن تعارضها يف املس�ألة الواحدة‪ ،‬فيصدر عن هيئة الرقابة‬
‫الرشعية يف هذه املؤسس�ة ما صدر خالفها عن هيئة الرقابة الرشعية يف املؤسسة املالية اإلسالمية‬
‫األخرى يف املسألة نفسها‪.‬‬
‫وم�ن أجل تصور هذا املوضوع واإلملام به وحماولة وضع احللول الناجعة‪ ،‬جاء هذا البحث‬
‫بمقدمة وثالثة مباحث‪ ،‬بينت يف املقدمة فكرة البحث وأساسه‪ ،‬ثم اتبعته بثالثة مباحث وخامتة‪،‬‬
‫للوق�وف على واقع هذه املؤسس�ات وحماولة تقييمه�ا بقراءة ميدانية لبعض ما صدر بش�أهنا من‬
‫قرارات وفتاوى‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‬
‫إذ يمك�ن تلخيص هذا البحث‪ ،‬بأنه بعد البحث والدراس�ة لواقع هيئ�ات الفتوى والرقابة‬
‫تبي ثمة فتاوى متعارضة مع بعضها يف‬
‫الرشعية يف املؤسسات املالية اإلسالمية يف أرض الواقع‪ ،‬نَّ‬
‫املوضوع الواحد بني بعض اهليئات واللجان الرشعية هلذه املؤسس�ات املالية اإلسلامية ‪ .‬فوفق‬
‫هذه الدراسة تُعد هذه امليزة ‪ -‬تعارض الفتوى ‪ -‬أبرز ما يمكن تقييمه يف واقع املؤسسات املالية‬
‫اإلسالمية ‪.‬‬
‫وق�د ج�اء املبحث األول‪ :‬الفت�وى ومكانتها يف الرشيعة اإلسلامية‪ ،‬يف ثالثة مطالب‪ ،‬عن‬
‫مفه�وم الفت�وى ثم مكانتها وقيمتها يف الرشيعة اإلسلامية‪ ،‬ثم أه�م رشوط ومؤهالت املفتي‪،‬‬
‫ثم جاء املبحث الثاين ‪ :‬الرقابة الرشعية للمؤسس�ات املالية اإلسلامية‪ ،‬يف ثالثة مطالب أيض ًا‪،‬‬
‫مفهومه�ا ودليله�ا الرشع�ي وتكييفها‪ ،‬ثم ج�اء املبحث الثال�ث‪ :‬التعارض بني فت�اوى هيئات‬
‫الرقابة الرشعية يف املؤسسات املالية‪ ،‬يف ثالثة مطالب أيض ًا كانت أصل البحث ولبه‪ ،‬حيث بني‬
‫املطلب األول مفهوم التعارض‪ ،‬وبني املبحث الثاين‪ :‬أسباب اختالف العلامء يف مسائل الصريفة‬
‫اإلسلامية‪ ،‬وبين املبحث الثال�ث‪ :‬تطبيقات و نامذج م�ن تعارض الفتاوى بين هيئات الرقابة‬
‫الرشعية‪ ،‬حيث تم التطرق إىل نامذج وتطبيقات و صور من هذا التعارض‪ ،‬عىل النحو التايل‪:‬‬
‫النموذج األول‪ :‬بيع التورق وما أعقبه من تطور يف التطبيق العميل ‪.‬‬
‫النموذج الثاين‪ :‬مسألة اإللزام بالوعد يف بيع املرابحة ‪.‬‬
‫النموذج الثالث‪ :‬مسألة تأخر املدينني املورسين عن السداد‪.‬‬
‫وبين�ت اخلامتة‪ :‬حلول ومقرتح�ات ملعاجلة تعارض الفتاوى‪ ،‬حي�ث تضمنت رؤية واقعية‬
‫خمتصرة لواق�ع هيئ�ات الفتوى والرقاب�ة الرشعية وبع�ض أفرادها‪ ،‬ثم تضمن�ت بعض احللول‬
‫واملقرتحات للخروج من مشكلة تعارض الفتوى‪.‬‬
‫واهلل املوفق واهلادي إىل الصواب‪ ،‬وصىل اهلل وسلم وبارك عىل سيدنا حممد وعىل آله وصحبه أمجعني‪.‬‬
‫د‪.‬إبراهيم عبد اللطيف العبيدي‬
‫‪2009/4/2‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫فهرس املوضوعات‬
‫املقدمة ‪.‬‬
‫املبحث األول‪ :‬الفتوى ومكانتها يف الرشيعة اإلسالمية‪.‬‬
‫املطلب األول‪:‬مفهوم الفتوى‪.‬‬
‫املطلب الثاين‪ :‬مكانة الفتوى يف الرشيعة اإلسالمية‪.‬‬
‫املطلب الثالث‪:‬رشوط املفتي ومؤهالته ‪.‬‬
‫املبحث الثاين‪:‬الرقابة الرشعية للمؤسسات املالية ‪.‬‬
‫املطلب األول‪ :‬مفهوم الرقابة الرشعية‪.‬‬
‫املطلب الثاين‪:‬الدليل الرشعي للرقابة‪.‬‬
‫املطلب الثالث‪:‬تكييفها الفقهي‪.‬‬
‫املبحث الثالث‪:‬التعارض بني فتاوى هيئات الرقابة الرشعية‪.‬‬
‫يف املؤسسات املالية اإلسالمية‪.‬‬
‫املطلب األول ‪ :‬مفهوم التعارض ‪.‬‬
‫املطلب الثاين‪ :‬أسباب اختالف العلامء يف مسائل الصريفة اإلسالمية‪.‬‬
‫املطل�ب الثالث‪:‬تطبيق�ات و نماذج م�ن تعارض الفت�اوى بني هيئ�ات الرقاب�ة الرشعية ‪.‬‬
‫وتضمن النامذج التالية‪:‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫النموذج األول‪ :‬بيع التورق وما أعقبه من تطور يف التطبيق العميل ‪.‬‬
‫النموذج الثاين‪ :‬مسألة اإللزام بالوعد يف بيع املرابحـــة ‪.‬‬
‫النموذج الثالث‪ :‬مسألة تأخر املدينيني املورسين عن السداد ‪.‬‬
‫اخلامتـــ�ة ‪ :‬وتضمن�ت حل�ول ومقرتح�ات ملعاجلة تع�ارض الفتاوى بني هيئ�ات الفتوى‬
‫والرقابة الرشعية يف املؤسسات املالية اإلسالمية‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫املقدمة‬
‫احلم�د هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسلام عىل إمام املتقني س�يدنا حممد وعىل آله وصحبه‬
‫أمجعني‪.‬‬
‫وبعــــ�د‪ :‬فعن�د تقديم أي استفس�ار أو نقد من قبل املتعاملين إىل أحد موظفي املصارف‬
‫اإلسلامية‪ ،‬فإن�ه يتذرع بوجود هيئ�ة رشعية مكونة من علامء أجالء خمتصني‪ ،‬يتولون مس�ئولية‬
‫املعاملات املالي�ة املنوط�ة بمرصفهم م�ن الناحي�ة الرشعية‪ ،‬فال جي�د جواب ًا لكثري من األس�ئلة‬
‫واالستفس�ارات‪ ،‬وعذره أنه ليس من وظيفته تبني الفتاوى واألحكام‪ ،‬وهذا صحيح من جهة‪،‬‬
‫لك�ن تبقى املس�ؤولية قائم�ة عىل هيئات الفت�وى والرقابة الرشعي�ة يف بيان أحكام م�ا ينفذ من‬
‫معامالت مالية‪ ،‬وتبقى املسؤولية كذلك عىل املوظف ولكن بمقدار أقل‪.‬‬
‫فل�ذا تع�د ه�ذه اهليئات بمثاب�ة قلب املصرف االسلامي الذي يص�در منه ال�دم فيغذي‬
‫بقي�ة أقس�ام املرصف ع�ن طري�ق الرشايني(املراقبني الرشعني) ويع�ود إليه عن طري�ق األوردة‬
‫(األس�ئلة واالستفسارات والفتاوى) لينقيه ويرسله متدفقا سياال سلي ًام إىل سائر أعضاء اجلسم‬
‫(املرصف)‪.‬‬
‫ومن هذا املنطلق فال ينبغي لدورة البحث أن تنتهي عند حد معني ألن مس�تجدات العمل‬
‫املرصيف يف نمو وتطور‪ ،‬وانتشار املرصفية االسالمية يف تزايد ونامء‪.‬‬
‫وجي�د املتتب�ع لواقع املؤسس�ات املالية اإلسلامية أن من أهم وأكرب املش�اكل احلقيقية التي‬
‫تع�اين منها اليوم‪ ،‬تع�دد آراء هيئات الفت�وى والرقابة الرشعية يف احلكم على بعض املعامالت‬
‫املرصفي�ة‪ ،‬فضال ع�ن تعارضها يف املس�ألة الواحدة‪ ،‬فيصدر ع�ن هيئة الرقاب�ة الرشعية يف هذه‬
‫املؤسس�ة م�ا صدر خالفها عن هيئ�ة الرقابة الرشعية يف املؤسس�ة املالية اإلسلامية األخرى يف‬
‫املسألة نفسها‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‬
‫ومن أجل تصور هذا املوضوع واإلملام به وحماولة وضع احللول الناجعة‪ ،‬جاء هذا البحث‬
‫بمقدمة وثالثة مباحث‪ ،‬بينت يف املقدمة فكرة البحث وأساسه‪ ،‬ثم اتبعته بثالثة مباحث وخامتة‪،‬‬
‫حيث بني املبحث األول‪ :‬الفتوى ومكانتها يف الرشيعة اإلسالمية‪ ،‬يف ثالثة مطالب‪ ،‬عن مفهوم‬
‫الفت�وى ث�م مكانتها وقيمتها يف الرشيعة اإلسلامية‪ ،‬ثم أهم رشوط ومؤهلات املفتي‪ ،‬ثم بني‬
‫املبحث الثاين‪ :‬الرقابة الرشعية للمؤسس�ات املالية اإلسلامية‪ ،‬يف ثالثة مطالب أيض ًا‪ ،‬مفهومها‬
‫ودليلها الرشعي وتكييفها‪ ،‬ثم بني املبحث الثالث‪ :‬التعارض بني فتاوى هيئات الرقابة الرشعية‬
‫يف املؤسس�ات املالية‪ ،‬يف ثالثة مطالب أيض� ًا كانت أصل البحث ولبه‪ ،‬حيث بني املطلب األول‬
‫مفهوم التعارض‪ ،‬وبني املبحث الثاين‪ :‬أس�باب اختالف العلامء يف مس�ائل الصريفة اإلسالمية‪،‬‬
‫وبني املبحث الثالث‪ :‬تطبيقات و نامذج من تعارض الفتاوى بني هيئات الرقابة الرشعية‪ ،‬حيث‬
‫تم التطرق إىل نامذج وتطبيقات و صور من هذا التعارض‪ ،‬عىل النحو التايل‪:‬‬
‫النموذج األول‪ :‬بيع التورق وما أعقبه من تطور يف التطبيق العميل ‪.‬‬
‫النموذج الثاين‪ :‬مسألة اإللزام بالوعد يف بيع املرابحة ‪.‬‬
‫النموذج الثالث‪ :‬مسألة تأخر املدينني املورسين عن السداد‪.‬‬
‫وبين�ت اخلامتة‪ :‬حلول ومقرتحات ملعاجلة تعارض الفت�اوى‪ ،‬حيث تضمنت رؤية واقعية‬
‫خمتصرة لواقع هيئ�ات الفت�وى والرقابة الرشعية وبع�ض افرادها‪ ،‬ثم تضمن�ت بعض احللول‬
‫واملقرتحات للخروج من مشكلة تعارض الفتوى‪.‬‬
‫واهلل املوف�ق واهل�ادي إىل الص�واب‪ ،‬وصلى اهلل وس�لم وبارك عىل س�يدنا حمم�د وعىل آله‬
‫وصحبه أمجعني‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫املبحث األول‬
‫الفتوى ومكانتها يف الشريعة اإلسالمية‬
‫املطلب األول‪ :‬مفهوم الفتوى‪:‬‬
‫ُيق�ال‪ :‬أفتاه يف املس�ألة يفتيه إذ أجاب�ه‪ ،‬جاء يف النهاية يف غريب احلدي�ث واألثر‪ :‬وفيه « أن‬
‫أربعة تفاتوا إليه عليه السالم » أي حتاكموا‪ ،‬من الفتوى ‪ .‬واالسم الفتوى‪ .‬واستفتيته فأفتاين‬
‫إفتاء‪ ،‬وللفتوى اسم يوضع موضع اإلفتاء‪ ،‬والفتيا والفتوى‪:‬ما أفتى به الفقيه ‪ .‬وبذلك يتضح‬
‫لنا معنى (الفتوى) وهي بيان احلكم الرشعي يف قضية ما‪ ،‬جوابا ملن سأل‪.‬‬
‫قال الشاطبي‪ « :‬املفتي هو القائم يف األمة مقام النبي ﷺ » ‪.‬‬
‫ويعل�م كذل�ك معنى وظيف�ة اإلفتاء وه�ي‪ :‬تبيني احلكم الرشعي للس�ائل عن�ه واإلخبار‬
‫دون إل�زام‪ ،‬خالف�ا للقضاء الذي هو تبيين احلكم الرشعي واإللزام ب�ه وفصل احلكومات أي‬
‫اخلصومات » ‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪ « :‬فاحلاكم واملفتي والشاهد كل منهم خمرب عن حكم اهلل‪ ،‬فاحلاكم خمرب منفذ‪،‬‬
‫واملفتي خمرب غري ُمنفذ »‪.‬‬
‫ النهاي�ة يف غري�ب احلديث واألثر ‪ ،‬البن األثري ‪/‬باب الفاء مع التاء‪ ،‬املكتبة العلمية ‪ ،‬بريوت‪1399 ،‬هـ‪-‬‬
‫‪1979‬م‪.411/3 ،‬‬
‫ لسان العرب‪ ،‬البن منظور‪ ،‬باب فتا ‪ ،‬دار صادر‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة األوىل‪.145/15 ،‬‬
‫ املوافقات أليب إس�حاق بن إبراهيم الش�اطبي‪ ،‬دار ابن عفان‪ ،‬اخلرب‪ ،‬الطبعة األوىل‪1417 ،‬هـ‪1997-‬م‪،‬‬
‫‪. 253/5‬‬
‫مطالب أويل النهى رشح غاية املنتهى‪ ،‬الش�يخ مصطفى الس�يوطي الرحيباين‪ ،‬الطبعة الثانية ‪1415 ،‬هـ‪-‬‬
‫‪1994‬م‪.437/6 ،‬‬
‫ إعالم املوقعني عن رب العاملني البن القيم اجلوزية‪ ،‬دار اجليل‪ ،‬بريوت‪.173/4 ،1973 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪10‬‬
‫ٍ‬
‫مستفت‬
‫واملعنى االصطالحي لإلفتاء هو املعنى اللغوي هلذه الكلمة وما تتضمنه من وجود‬
‫ٍ‬
‫ومفت وإفتاء وفتوى‪ ،‬ولكن بقيد واحد هو أن املس�ألة التي وقع الس�ؤال عن حكمها تعترب من‬
‫املسائل الرشعية‪ ،‬وأن حكمها املراد معرفته هو حكم رشعي‪.‬‬
‫ولذلك فإن أمرها خطري ومسؤوليتها عظيمة بام متثله من صفة وما يرتتب عليها‪.‬‬
‫املطلب الثاني‪:‬مكانة الفتوى يف الشريعة اإلسالمية ‪:‬‬
‫يرى املتتبع للوحيني «الكتاب والسنة» أن الفتوى قد اختذت طرقتني يف بث أحكام وتعاليم‬
‫رشعنا احلنيف من خالل القرآن الكريم والسنة النبوية‪:‬‬
‫األوىل‪ :‬صيغ�ة البيان بغري س�ؤال أو اس�تفتاء‪ ،‬وهي أكثر ما جاء يف الق�رآن الكريم ‪ .‬وهذا‬
‫الشكل َك ُث َر يف السنة النبوية املطهرة‪ ،‬لبيان بعض األحكام ابتداء دون سؤال من أحد‪ ،‬نفي ًا لتوهم‪،‬‬
‫أو تصحيح ًا لفهم‪ ،‬أو تعليام جلاهل‪ ،‬أو تصحيح ًا لفهم‪ ،‬حيث إن فتاوى و تقريرات رس�ول اهلل‬
‫ﷺ يف كل أمور الرشع‪ ،‬من أمور العقيدة والعبادات واملعامالت واألحوال الشخصية واحلدود‬
‫والقصاص وما إىل ذلك‪ ،‬كان يتوىل رس�ول اهلل ﷺ بياهنا للناس تنفيذا ألمر اهلل عز وجل بقوله‬
‫تع�اىل‪ ﴿ :‬ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬صيغة البيان بعد س�ؤال واس�تفتاء‪ ،‬كام يف لفظتي « يس�ألونك» و « يستفتونك » كام‬
‫يف قوله تعاىل‪ ..﴿ :‬ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ‪ ﴿ : ﴾..‬ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ‬
‫ﯘ ﯙ‪ ،﴾ ..‬وكذلك ما كان يطرح عىل رس�ول اهلل ﷺ بصيغة االس�تفتاء والسؤال‬
‫ أصول الدعوة عبد الكريم زيدان ‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪ ،‬ص‪130‬‬
‫ سورة املائدة‪ ،‬اآلية ‪.67‬‬
‫ سورة البقرة جزء من اآلية ‪220‬‬
‫ سورة النساء جزء من اآلية ‪126‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪11‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫ت�ارة‪ ،‬وبصيغة الش�كوى واهلم تارة أخرى‪ ،‬كام يف حادثة خولة بن�ت ثعلبة مع زوجها أوس بن‬
‫الصام�ت‪ ،‬حينما ظاهرها وقال هل�ا ِ‬
‫يل كظهر أمي‪ ،‬فجاءت رس�ول اهلل ﷺ مس�تفتية‬
‫‪:‬أنت ع ّ‬
‫تبح�ث ع�ن ح�ل لما أمل هبا من حمنة‪ ،‬فأنزل اهلل عز وجل س�ورة املجادل�ة‪ ﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ‬
‫ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾‪ ،‬والواق�ع أن أش�كال‬
‫فت�اوى رس�ول اهلل ﷺ كانت تأخذ صور ًا ش�تى‪ ،‬كل حس�ب احلالة الواقعة ‪ .‬فقد س�ئل عن‬
‫البحر فقال ﷺ ‪ « :‬هو الطهور ماؤه احلل ميتته »‪ .‬وس�ئل عن رشاب البِتع واملِزر فقال‬
‫عليه الصالة والسالم‪ « :‬كل مسكر حرام » ‪ .‬وسئل عن الرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل‬
‫محية والرجل يقاتل رياء‪ ،‬أي ذلك يف سبيل اهلل؟ فقال ﷺ ‪ « :‬من قاتل لتكون كلمة اهلل هي العليا‬
‫فهو يف سبيل اهلل » ‪.‬‬
‫ تفسري الرازي‪ ،‬حممد فخر الدين الرازي‪ ،‬دار الفكر‪1414 ،‬هـ‪1994-‬م‪.250/15 ،‬‬
‫ سورة املجادلة اآلية ‪1‬‬
‫ من ذلك عىل سبيل املثال‪ ،‬كان النبي ﷺ جيمع الناس لغري وقت صالة وخيطب هبم إذا ما رأى أمرا عظيام‬
‫قد ارتكب وما إىل ذلك ‪.‬‬
‫ رواه اب�ن ماج�ه‪ ،‬ب�اب الوض�وء من ماء البحر‪ ،‬س�نن ابن ماج�ه‪ ،‬دار إحياء الرتاث الع�ريب‪1395 ،‬هـ‪-‬‬
‫‪1975‬م‪ ،‬برقم ‪.137/1 ،388‬‬
‫ وهو العسل حتى يشتد‪.‬ينظر هامش ‪. 7‬‬
‫ وهو من الذرة والشعري ينبذ حتى يشتد‪.‬ينظر هامش ‪. 7‬‬
‫ رواه البخ�اري بس�نده ع�ن إس�حاق عن خالد الش�يباين عن أيب بردة عن أبيه عن أيب موس�ى األش�عري‬
‫ريض‪ ‬اهلل عنه أن النبي ﷺ بعثه إىل اليمن ‪ ،‬فسأله عن أرشبة تصنع هبا‪ ،‬فقال‪ :‬وما هي؟قال‪ :‬البتع واملزر‬
‫فقل�ت أليب ب�ردة‪ :‬م�ا البتع ؟ قال نبيذ العس�ل واملزر نبيذ الش�عري‪ .‬فقال ﷺ‪ « :‬كل مس�كر حرام »‪.‬فتح‬
‫الب�اري رشح صحي�ح البخاري‪ ،‬الب�ن حجر العس�قالين‪ ،‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة األوىل‪،‬‬
‫‪1410‬هـ‪1989-‬م‪ ،‬برقم ‪.78/1 ،4343‬‬
‫ متف�ق عليه‪ ،‬رواه البخاري ‪ ،‬باب من س�أل وهو قائم عامل ًا جالس� ًا‪ ،‬برق�م ‪ ،297/1 ،123‬الفتح‪ ،‬ورواه‬
‫مس�لم ‪ ،‬صحيح مس�لم برشح النووي‪ ،‬دار املعرفة‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة الثاني�ة‪1415 ،‬هـ‪1995-‬م‪ ،‬برقم‬
‫‪.51/13 ، 4897‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪12‬‬
‫وهك�ذا نج�د أن فتاوي�ه ﷺ قد ش�ملت عامة أبواب الرشيعة‪ ،‬وش�تى نواح�ي احلياة‪ ،‬ثم‬
‫اس�تمرت عجلة الفتوى من بعده (عليه الصالة والسلام) فأفتى املفتون‪ ،‬واجتهد املجتهدون‪،‬‬
‫فيام استجد من النوازل يف خمتلف املسائل‪ ،‬فألفت كتب كثرية‪ ،‬مجعت هذه الفتاوى التي شملت‬
‫نواحي عدة ومسائل خمتلفة‪.‬‬
‫وتع�د الصفة البارزة الت�ي كانت معل ًام واضح ًا يف األجيال التي تلت عرص النبوة‪ ،‬مس�ألة‬
‫التهي�ب م�ن الفتوى وع�دم التصدر هلا‪ ،‬باعتب�ار أن املفتي نائب عن اهلل تعاىل وعن رس�وله ﷺ‬
‫يف بي�ان احلالل واحلرام‪ ،‬وواس�طة يف تبليغ األحكام ‪ ،‬يقول اب�ن القيم رمحه اهلل تعاىل ‪ «:‬إذا كان‬
‫منص�ب التوقيع عن امللوك باملحل ال�ذي ال ينكر فضله‪ ،‬وال جيهل قدره‪ ،‬وهو من أعىل املراتب‬
‫السنيات‪ ،‬فكيف بمنصب التوقيع عن رب األرض والسموات »‪.‬‬
‫لذلك نرى السلف الصالح كانوا يدركون هذه املكانة العظيمة للفتوى‪ ،‬فتحصنوا بالعمل‬
‫النافع الصحيح‪ ،‬مع اخلش�ية والورع الش�ديد‪ ،‬حيث أدركوا أن الفتوى أشبه بطائر له جناحان‪،‬‬
‫ال يمكن له أن يطري إال هبام‪ ،‬العلم النافع الصحيح الثابت مع اخلشية من اهلل عز وجل‪ ،‬والورع‬
‫والزهد بالدنيا وما فيها‪ .‬و لذلك كله نجد التهيب واهلروب من الفتوى كان ديدهنم‪ ،‬إىل درجة‬
‫أن أحدهم كان يود لو أن غريه كفاه ذلك ‪.‬‬
‫واألمثل�ة عىل ذلك كثرية جد ًا‪ ،‬نأخذ منها عىل س�بيل املثال ال احلرص‪ ،‬قول عبد الرمحن بن‬
‫أيب ليىل (رمحه اهلل تعاىل)‪ :‬حيث قال‪ « :‬أدركت يف هذا املسجد عرشين ومائة من األنصار يسأل‬
‫أحدهم املسألة‪ ،‬فريدها هذا عىل هذا‪ ،‬وهذا عىل هذا‪ ،‬حتى ترجع إىل األول‪ ،‬وما منهم من أحد‬
‫حيدث حديث ًا‪ ،‬إال و ّد أن أخاه كفاه الفتيا »‪.‬‬
‫وال نري�د أن نق�ارن بني واقع الس�لف (رمحهم اهلل تعاىل) وما علي�ه املفتون اليوم يف هيئات‬
‫ إعالم املوقعني عن رب العاملني البن القيم ‪. 10/1‬‬
‫ س�نن الدرام�ي أبو عبد اهلل الدارم�ي ‪ ،‬باب من هاب الفتيا ‪ ،‬دار القلم دمش�ق‪ ،‬الطبعة الثانية‪ 1417 ،‬هـ‬
‫‪1996‬م ‪. 57/1 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪13‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫الرقابة الرشعية يف املؤسسات املالية فال نتهمهم يف دينهم ‪ -‬معاذ اهلل ‪ -‬بل نحسن الظن باجلميع‪،‬‬
‫ولكن أقول‪ :‬إن جناح الفتوى الثاين‪ ،‬الزهد والورع‪ ،‬قد ّ‬
‫قل كثري ًا يف هذا العرص عند أغلب الناس‬
‫اليوم بمن فيهم بعض أفراد هيئات الرقابة الرشعية يف املؤسسات املالية اإلسالمية‪ ،‬خاصة إذا ما‬
‫أدخلنا معها ما اصطلح عىل تس�ميته‪ ،‬بالنوافذ الرشعية يف البنوك التقليدية‪ ،‬وما ترتب عىل هذا‬
‫األمر من مالبسات‪ ،‬إذ بلغ عدد اهليئات التي ينسب هلا بعضهم‪ ،‬أكثر من عرشين مؤسسة مالية‬
‫يف آن واح�د‪ ،‬وال خيف�ى عىل ذي بصرية تأثريات املال عىل النفوس‪ ،‬خاص�ة إذا ما أدركنا طبيعة‬
‫وفلسفة هذه املؤسسات !! ال ّ‬
‫شك أن هذا ‪ -‬حسب رأيي املتواضع ‪ -‬يدخل يف السفه‪ ،‬إذ كيف‬
‫يمكن ملفتي أن يوفق بني كل هذه املؤسسات يف وقت واحد‪ ،‬ال سيام يف مسائل أغلبها حتتاج إىل‬
‫روية ومتحيص ودراسة حقيقية ‪.‬‬
‫م�ن ذل�ك ن�درك ختريج اإلم�ام أيب حنيف�ة (رمح�ه اهلل تعاىل) حينما ذهب بالق�ول باحلجر‬
‫على املفت�ي اجلاهل واملتالعب بأحكام الشرع‪ ،‬مع أنه يرى عدم احلجر عىل الس�فيه احرتام ًا‬
‫آلدميت�ه‪ .‬وما قوله ذاك إال حلفظ الناس من وراء الفتوى واملفتني املتالعبني بأحكام الرشع ‪.‬‬
‫لذلك سنستعرض يف املبحث القادم رشوط ومؤهالت املفتي بصورة عامة‪ ،‬من أجل تصويب‬
‫وتعدي�ل انطالق�ة املرصفية اإلسلامية‪ ،‬التي انطلقت انطالق�ة مباركة بفض�ل اهلل (جل وعال)‬
‫أوالً‪ ،‬ثم بدعم اخلريين من أهل العلم واملعرفة األجالء‪ ،‬ثم بدعم مجهور املسلمني الذين كانوا‬
‫متعطشين للبديل الربوي‪ ،‬لذلك نحن نس�عى لتصويب املسار‪ ،‬وتصحيح التجربة اإلسالمية‪،‬‬
‫ودف�ع العجل�ة نحو األمام‪ ،‬بعيد ًا عن املنتفعني الذين دخلوا طارئني للصريفية اإلسلامية‪ ،‬وقد‬
‫تشبعت عقوهلم وأفكارهم وحياهتم بالعمل املرصيف التقليدي الربوي املقيت ‪.‬‬
‫ يق�ول الدكت�ور رفيق املصري معقب ًا‪ :‬فاملفتي املاج�ن أو اجلاهل جيب أن يمنع م�ن الفتوى ولو أصاب يف‬
‫بع�ض امل�رات‪ ،‬ألن إصابته قد تأيت م�ن باب املصادفة‪ ،‬ال من ب�اب العلم‪ .‬ينظر‪ :‬املجم�وع يف االقتصاد‬
‫اإلسالمي د‪.‬رفيق يونس املرصي‪ ،‬دار املكتبي‪ ،‬دمشق‪ ،‬الطبعة األوىل‪1426 ،‬هـ‪2006-‬م‪. 28 ،‬‬
‫ تبني احلقائق رشح كنز الدقائق فخر الدين عثامن بن عيل الزيلعي‪ ،‬دار الكتاب اإلسالمي‪ ،‬الطبعة الثانية‪،‬‬
‫‪.193/5‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪14‬‬
‫املطلب الثالث‪ :‬شروط ومؤهالت املفيت‪:‬‬
‫بَّي� العلماء مجل�ة رشوط وآداب وصفات ينبغ�ي أن تتوافر يف املفتي‪ ،‬ملا متثل�ه وظيفته من‬
‫نَّ َ‬
‫رشف القيام مقام النبي ﷺ بل إنه يوقع عن اهلل (جل شأنه) كام بينا‪ ،‬و الشك أن تكليفا كهذا ال‬
‫يكون س�هال أبدأ‪ ،‬وعليه فال ينبغي علينا أن نستغرب من التشدد واملبالغة يف الرشوط واآلداب‬
‫والصفات التي وضعت يف هذا املجال‪ ،‬السيام ونحن نقرأ اآليات واألحاديث يف هذا الباب ‪.‬‬
‫إن الرشوط التي جيب أن تتحقق يف املفتي هي نفس الرشوط التي جيب أن تكون يف املجتهد‪،‬‬
‫إذ اإلفتاء أخص من االجتهاد‪ ،‬ألنه ربام ُس�ئل يف مس�ألة حتتاج إىل اجتهاد ونظر وإعامل فكر‪،‬‬
‫فال بد أن تكون لديه املؤهالت التي تؤهله لذالك‪ ،‬وهي إما أن تعود لقدرته الشخصية وملكته‬
‫الفكرية‪ ،‬وإما أن تعود إىل العلوم النقلية والعقلية التي جيب توافرها يف من نُصب هلذا املقام ‪.‬‬
‫ونس�تطيع أن نجمل أهم الرشوط الشخصية إذ تتمثل يف‪:‬اإليامن والتكليفوالعدالة‬
‫‬
‫وسالمة الفهم وتدبري األمور ‪.‬‬
‫ونس�تطيع أن نجم�ل كذل�ك أهم الشروط العلمي�ة املتفق عليه�ا‪ ،‬والواج�ب توافرها يف‬
‫املجتهد‪ ،‬وهي باختصار ‪:‬‬
‫ أصول الفقه الشيخ حممد أبو زهرة ‪ ،‬دار الفكر العريب‪ ،‬القاهرة ‪.376 ،‬قال ‪ « :‬أبو زرعة العراقي‪ :‬واملجتهد‬
‫الفقيه‪ ،‬وهو البالغ العاقل‪ »....‬الغيث اهلامع رشح مجع اجلوامع ‪ ،‬ويل الدين أبو زرعة العراقي‪ ،‬الفاروق‬
‫احلديثة للطباعة والنرش‪ ،‬الطبعة األوىل‪1420 ،‬هـ‪2000-‬م‪. 869 ،‬‬
‫ الفقي�ه واملتفق�ه‪ ،‬للحافظ أيب بك�ر أمحد بن عيل البغ�دادي‪ ،‬دار ابن اجلوزي‪ ،‬الطبع�ة األوىل‪1417 ،‬هـ‪-‬‬
‫‪1997‬م‪330/2 ،‬‬
‫ املس�تصفى م�ن األصول ‪ ،‬لإلم�ام أيب حامد الغزايل‪ ،‬دار إحي�اء الرتاث العريب‪ ،‬بيروت ‪ ،‬الطبعة الثالثة ‪،‬‬
‫‪1414‬هـ ‪1993-‬م‪.350/2 ،‬‬
‫ أص�ول الفق�ه املس�مى‪ :‬الفصول يف األص�ول‪ ،‬لإلمام أمحد بن علي اجلصاص‪ ،‬دراس�ة وحتقيق د‪.‬عجيل‬
‫النشمي‪ ،‬الطبعة الثانية‪1414 ،‬هـ‪1994-‬م‪ ،‬ص‪. 347‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪15‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫‪ -1‬أن يكون عامل ًا باللغة العربية‪ ،‬لغة القرآن الكريم والسنة النبوية املطهرة ‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يك�ون عامل� ًا بالق�رآن الكريم ودقائ�ق األحكام في�ه‪ ،‬عام ًا وخاص ًا ومطلق� ًا ومقيد ًا‬
‫وحمك ًام ومتشاهب ًا وناسخ ًا ومنسوخ ًا‪ ،‬وكل ما يتعلق بآيات األحكام بصورة عامة ‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يكون عامل ًا بالس�نة النبوية املطهرة بكل أشكاهلا القولية والفعلية والتقريرية‪ ،‬وطرق‬
‫الرواية واإلسناد‪ ،‬وما يتعلق بعلوم السنة النبوية املطهرة ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن يك�ون عامل� ًا بمواض�ع اإلمج�اع ومواط�ن اخللاف‪ ،‬حت�ى ال يفتي بام خي�رق إمجاع‬
‫األمة‪.‬‬
‫‪ -5‬أن يكون عامل ًا بأصول الفقه‪ ،‬إذ تعد دراس�ة هذا العلم أساس� ًا للمجتهد فيام يس�تنبطه‬
‫من مصادر الترشيع‪ ،‬املتفق عليها واملختلف فيها‪ ،‬ورشوط االستدالل واالستنباط هبذه األدلة‪،‬‬
‫يق�ول اإلم�ام الفخر ال�رازي يف هذا الباب‪ « :‬إن أهم العلوم للمجته�د علم أصول الفقه‪ .‬وأما‬
‫س�ائر العلوم فغري مهمة يف ذلك‪ ،‬أما الكالم فغري معترب ألنا لو فرضنا إنس�انا جازما باإلسلام‬
‫تقليدا ألمكنه االستدالل بالدالئل الرشعية عىل األحكام » ‪.‬‬
‫‪ -6‬اإلحاط�ة بواقع احلياة‪ ،‬ألنه ال جيته�د يف فراغ‪ ،‬بل يف وقائع تنزل باألفراد واملجتمعات‬
‫م�ن حول�ه‪ ،‬وه�ؤالء تؤث�ر فيهم أف�كار وتي�ارات وعوامل خمتلف�ة‪ ،‬نفس�ية وثقافي�ة واجتامعية‬
‫واقتصادي�ة وسياس�ية‪ ،‬فال بد للمجتهد أن يكون عىل حظ م�ن املعرفة بأحوال عرصه وظروف‬
‫ املوافقات للشاطبي‪.57-52/5‬‬
‫ املستصفى للغزايل ‪350/2‬‬
‫ أصول الفقه املسمى‪ :‬الفصول يف األصول ‪ ،‬دراسة وحتقيق عجيل النشمي‪.374 ،‬‬
‫ املصدر السابق‪.‬‬
‫ املحصول يف علم أصول الفقه‪ ،‬اإلمام فخر الدين حممد بن احلسين الرازي‪ ،‬مؤسس�ة الرس�الة‪ ،‬بريوت‪،‬‬
‫الطبعة الثانية‪1412 ،‬هـ‪1992-‬م‪. 25/6 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪16‬‬
‫جمتمعه‪ ،‬ومش�كالته وعالقته باملجتمعات األخرى‪ ،‬ومدى التأثر والتأثري هبا‪ .‬يقول ابن القيم ‪:‬‬
‫« هذا أصل عظيم حيتاج إليه املفتي واحلاكم‪ ،‬فإن مل يكن فقيها يف األمر والنهي‪ ،‬ثم يطبق أحدمها‬
‫عىل اآلخر‪ ،‬وإال كان ما يفسد أكثر مما يصلح‪ ،‬وتصور له املظامل بصورة املظلوم وعكسه‪ ،‬واحلق‬
‫بص�ورة املبط�ل وعكس�ه‪ ،‬وراج عليه املك�ر واخلداع واالحتي�ال‪ ..‬بل ينبغي ل�ه أن يكون فقيه ًا‬
‫يف معرف�ة الن�اس وخداعهم واحتياهلم وعوائده�م وعرفياهتم‪ ،‬فإن الفت�وى تتغري بتغري الزمان‬
‫واملكان‪ ،‬والعوائد واألحوال‪ ،‬وذلك كله من دين اهلل »‪.‬‬
‫‪ -7‬سالمة االعتقاد وصحة النية يقول الشاطبي ‪ « :‬االجتهاد سمو باملجتهد ليكون يف مكان‬
‫رسول اهلل ﷺ فيبني رشع اهلل‪ ،‬وهل يبلغ هذه املنزلة من يتبع البدعة‪ ،‬ويكون له هوى»‪. ‬‬
‫‪ -8‬أن يكون عامل ًا بمقاصد الرشيعة وأهنا رمحة بالعباد‪ ،‬ورعاية ملصاحلهم بمراتبها الثالث‪،‬‬
‫الرضوري واحلاجي والتحس�يني‪ ،‬وما اقتضته من التيسري و التخفيف ورفع احلرج والتدرج يف‬
‫احلك�م وم�ا إىل ذل�ك‪ ،‬ق�ال الش�اطبي ‪ « :‬األول‪ :‬فهم مقاصد الرشيع�ة‪ ،‬وأهنا مبني�ة عىل اعتبار‬
‫املصالح‪ ،‬وأن املصالح اعتربت من حيث وضعها الش�ارع كذلك‪ ،‬ال من حيث إدراك املكلف‪،‬‬
‫إذ أن املصالح ختتلف عند ذلك بالنس�ب واإلضافات‪ ،‬فال ينظر إىل املصالح باعتبارها ش�هوات‬
‫أو رغبات للمكلف‪ ،‬بل ينظر فيها إىل األمر يف ذاته‪ ،‬من حيث كونه نافعا أو ضار ًا »‪.‬‬
‫وقد أمجل اإلمام الشافعي (رمحه اهلل تعاىل) هذه الرشوط فقال ‪ « :‬ال حيل ألحد أن يفتي يف‬
‫دين اهلل إال رج ً‬
‫ال عارف ًا بكتاب اهلل‪ ،‬بناسخة ومنسوخه‪ ،‬وبمحكمه ومتشاهبة‪ ،‬وتأويله وتنزيله‪،‬‬
‫ومكي�ه ومدني�ه‪ ،‬وم�ا أريد ب�ه‪ ،‬وفيم ان�زل‪ ،‬ثم يكون بعد ذل�ك بصري ًا بحديث رس�ول اهلل ﷺ‬
‫بالناس�خ واملنس�وخ‪ ،‬ويع�رف من احلديث م�ا عرف من الق�رآن‪ ،‬ويكون بصير ًا باللغة‪ ،‬بصري ًا‬
‫بالش�عر‪ ،‬وبام حيت�اج إليه العلم والقرآن‪ ،‬ويس�تعمل مع هذا اإلنصات وقلة ال�كالم ‪ ..‬ثم قال‪:‬‬
‫ إعالم املوقعني ‪.199/4‬‬
‫ املوافقات ‪. 114/4‬‬
‫ املصدر نفسه‪. 67/4‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪17‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫ويك�ون بع�د هذا مرشف ًا عىل اختالف أهل األفكار‪ ،‬وتكون ل�ه قرحية بعد هذا‪ ،‬فإن كان هكذا‪،‬‬
‫فله أن يتكلم ويفتي يف احلالل واحلرام‪ ،‬وإذا مل يكن هكذا فله أن يتكلم يف العلم وال يفتي‪.» ‬‬
‫قال الطربي بعد أن نقل هذا الكالم‪ « :‬فليت من يتكلم يف القرآن والدين من أهل زماننا يتورع‬
‫م�ن خمافة رب�ه‪ ،‬ومن هول عذابه يوم يق�وم الناس لرب العاملني »‪ .‬يكف�ي أن نعلم أن اإلمام‬
‫الطربي عاش يف القرن الرابع اهلجري!!‬
‫***‬
‫ الفقيه واملتفقه للبغدادي‪. 331/2 ،‬‬
‫ جام�ع البي�ان يف تأوي�ل القرآن ‪ ،‬حممد بن جرير الطربي‪ ،‬مؤسس�ة الرس�الة‪ ،‬الطبع�ة األوىل‪1420 ،‬هـ‪-‬‬
‫‪2000‬م‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪18‬‬
‫املبحث الثاني‬
‫مفهوم الرقابة الشرعية املصرفية وتكييفها ودليلها‬
‫املطلب األول‪ :‬مفهوم الرقابة الشرعية‪:‬‬
‫الرقابة يف اللغة ‪:‬‬
‫ورد يف معاج�م اللغ�ة حول م�ادة رقب عدة مع�ان ‪ ،‬نختار منها ما يتعل�ق بموضوعنا هبا‪،‬‬
‫ب اليشء َير ٌق ٌبه ‪ ،‬وراقبه ُمراقب ًة ِ‬
‫ورقابا أي حرس�ه‪ ،‬والرقيب هو‬
‫وهي احلفظ واحلراس�ة‪ ،‬من َر َق َ‬
‫احلافظ الذي ال يغيب عنه يشء‪ ،‬ورقيب القوم‪ :‬هو احلارس الذي يرشف عىل مرقبه ليحرسهم‪،‬‬
‫ِ‬
‫يب اجلَ ْي ِ‬
‫ش ‪َ :‬ط ِلي َعت ُُه ْم‬
‫ورق ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ين فالرقيب هو احل�ارس احلافظ ‪ ،‬ومنه قول اهلل ع�ز وجل ‪ ﴿ :‬ﭪ ﭫ ﭬ‬
‫ي�ب ‪َ :‬أ ِم ُ‬
‫والرق ُ‬
‫َّ‬
‫ﭭ ﭮ ﴾ ‪.‬‬
‫الرقابة الرشعية املرصفية اصطالح ًا‪:‬‬
‫تع�د مس�ألة الرقاب�ة الرشعي�ة على املص�ارف اإلسلامية قطب الرح�ى للعم�ل املرصيف‬
‫اإلسلامي عام�ة‪ ،‬إذ يمكن من خالل هذا اجله�از‪ ،‬احلكم عىل طبيعة العم�ل الذي تزاوله هذه‬
‫املؤسس�ة املالي�ة أو تلك‪ ،‬وفق املعايري الرشعي�ة‪ ،‬ومن هذا املنطلق‪ ،‬ف�إن الرقابة بصورة عامة يف‬
‫املصارف اإلسلامية تكون أش�د من غريها‪ ،‬بس�بب اهليكلية املركبة هلذه املؤسس�ة‪ ،‬إذ متزج بني‬
‫الرقابة اإلدارية والرقابة املحاس�بية‪ ،‬فضال ع�ن الرقابة الرشعية‪ ،‬وملا كانت الرقابة الرشعية هي‬
‫جمال بحثنا فسنقترص يف دراستنا عليها‪.‬‬
‫ تاج العروس من جواهر القاموس‪ ،‬حمب الدين حممد مرتىض الزبيدي ‪ ،‬دار الفكر‪1414 ،‬هـ‪1994-‬م‪،‬‬
‫‪. 30/2‬‬
‫ سورة النساء‪ :‬جزء من اآلية ‪. 1‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪19‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫ف الرقابة الرشعية كثري من الباحثني‪ ،‬أش�هرها فيام يب�دو‪ :‬بأنه حق رشعي‪ ،‬خيول‬
‫ع�ر َ‬
‫وق�د ّ‬
‫اهليئ�ة الرشعي�ة س�لطة معينة‪ ،‬متارس�ها بنفس�ها‪ ،‬أو عن طري�ق أجهزهتا املعاون�ة‪ ،‬هبدف حتقيق‬
‫أهداف املؤسس�ة املالية‪ ،‬وفق ًا ملبادئ وأحكام الرشيعة اإلسلامية ‪ .‬إذ خيول هذا احلق‪ ،‬اهليئة‬
‫الرشعية منع أو إلغاء أو تصحيح أية معاملة مالية مرصفية تراها ال تنسجم مع مقاصد الرشعية‬
‫الغراء‪ .‬وهذا يس�توجب عليها معاينة ومتابعة وحتليل املعامالت اجلارية يف املؤسس�ة املالية كافة‬
‫يف أكثر من مرحلة‪ ،‬من بداية الفكرة ودراستها‪ ،‬إىل مرحلة التنفيذ والتطبيق‪ ،‬إىل مرحلة املراجعة‬
‫والتدقيق‪ ،‬وهذا بعد مرحلة التنفيذ ‪.‬‬
‫املطلب الثاني‪ :‬الدليل الشرعي للرقابة‪:‬‬
‫برزت فكرة تأسيس هيئة رقابة رشعية منذ بداية تأسيس املصارف اإلسالمية تقريب ًا‪ ،‬نظر ًا‬
‫للحاجة املاس�ة إىل تأكيد مدى رشعية العمليات التي يعتمدها املرصف االسلامى ىف نش�اطه‪.‬‬
‫أي التأكي�د على عدم تعارض ما يقوم به املرصف م�ن معامالت مع عمالئه مع قواعد وأحكام‬
‫الرشيع�ة اإلسلامية ‪ ..‬فالبنوك اإلسلامية طبقا ملسماها‪ ،‬أول ما يرد فيها من م�واد يف أنظمتها‬
‫األساس�ية‪ ،‬عىل أهنا تلتزم ىف معامالهتا بأحكام الرشيعة اإلسالمية املستمدة من الكتاب والسنة‬
‫وما اس�تنبط منهام حس�ب ما جاء يف كتب الفقه ‪ ..‬وجدير بالذكر‪ ،‬أن وجود هيئة رقابية رشعية‬
‫بصورة عامة أمر ليس باجلديد ىف التاريخ االسالمى ‪.‬‬
‫إذ الرقاب�ة الرشعي�ة كان�ت يف ص�در الدولة اإلسلامية من أهم وظائف ومس�ؤوليات‬
‫احلاكم‪ ،‬وكان يقوم هبا أجهزة خمتلفة‪ ،‬منها نظام احلس�بة الذي كان يقوم عىل أس�اس مس�ؤولية‬
‫املسلم عن إزالة املنكر وفعل املعروف‪ ،‬و كان لويل احلسبة أن يتدخل يف أمور العقيدة والعبادات‬
‫وما يتعلق بالطرق واحلرف والصناعات واملعامالت‪ ،‬ومن األمثلة عىل س�عة مراقبة املحتس�ب‬
‫ الرقابة الرشعية الفعالة يف املؤسس�ات املالية اإلسلامية ‪ ،‬أ‪.‬د‪.‬عبد احلميد البعيل‪ ،‬املؤمتر العاملي لالقتصاد‬
‫اإلسالمي‪ ،‬جامعة أم القرى‪ ،‬مكة املكرمة‪ ،‬اململكة العربية السعودية‪1426 ،‬هـ ‪2005‬م ‪ ،‬ص ‪. 35‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪20‬‬
‫يف املعاملات‪ ،‬العقود املحرمة‪ ،‬والقامر‪ ،‬وغش املبيعات‪ ،‬وتدليس األثامن‪ ،‬والبيوع الفاس�دة‬
‫التي منعتها الرشيعة اإلسالمية ولو ريض هبا املتعاقدان‪ ،‬فإذا كان النهي الرشعي عنها حمل اتفاق‬
‫بني الفقهاء وجب عىل وايل احلسبة املنع منها والزجر عليها‪ ،‬وكذلك يمنع املحتسب من ترصية‬
‫امل�وايش لتبدو كثرية ال�در واللبن‪ ،‬فإن هذا منهي عنه ونوع من التدليس‪ ،‬ويمنع املحتس�ب من‬
‫تطفي�ف وبخ�س يف الكيل والوزن‪ ،‬ويأخذ احلقوق من املامطلين املورسين القادرين عىل أدائها‬
‫وغري ذلك ‪ .‬ومن هذا املنطلق نستطيع القول إن فكرة وجود هيئة رقابة رشعية يف املؤسسات‬
‫املالي�ة اإلسلامية قد انبثق�ت واهلل أعلم ‪ .‬زيادة عىل عم�وم اآليات واألحادي�ث التي تدل عىل‬
‫األمر باملعروف والنهي عن املنكر ‪.‬‬
‫إن وجود هيئة رقابة رشعية يف كل مؤسس�ة مالية من ش�أنه أن يطمئن املتعاملني مع البنوك‬
‫اإلسلامية والذين اختاروا التعامل معها عىل أساس التزامها بتطبيق قواعد الرشيعة اإلسالمية‬
‫وقد أثبتت عدة دراسات أن مابني ‪ %86‬إىل ‪ %96‬من املتعاملني مع البنوك اإلسالمية يتعاملون‬
‫معها لكوهنا إسالمية ‪.‬‬
‫ أول م�ن ق�ام بوظيف�ة املحتس�ب هو النبي حمم�د ﷺ حيث َم َّر عىل صبرة طعام‪ ،‬فأدخل ي�ده فيها فنالت‬
‫أصابعه بل ً‬
‫ال ‪ ،‬فقال‪ « :‬ما هذا يا صاحب الطعام ؟ » فقال‪ :‬أصابته السامء يا رسول اهلل ‪ :‬فقال ﷺ ‪ « :‬أفال‬
‫جعلت�ه ف�وق الطع�ام حتى يراه الن�اس؟ من َّ‬
‫غش فليس منا » رواه اإلمام مس�لم ‪ ،‬صحيح مس�لم برشح‬
‫النووي‪ ،‬برقم ‪. 292/2 ،280‬‬
‫ األح�كام الس�لطانية والواليات الدينية أليب احلس�ن عيل بن حممد امل�اوردي ‪ ،‬دار األرقم بن أيب األرقم‪،‬‬
‫‪.338-318‬‬
‫ م�ن ذل�ك ق�ول اهلل عز وجل يف س�ورة آل عم�ران ‪ ،‬اآلي�ة ‪ ﴿ : 104:‬ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴾‪ ،‬وق�ول النب�ي ﷺ‪ « :‬من رأى منكم‬
‫منكر ًا فليغريه بيده‪ ،‬فإن مل يستطع بلسانه‪ ،‬فإن مل يستطع فبقلبه وذلك أضعف اإليامن » رواه اإلمام مسلم‪،‬‬
‫صحي�ح مس�لم بشرح النووي‪ ،‬كتاب اإليمان‪ ،‬باب ك�ون النهي عن املنك�ر من اإليمان ‪ ،‬برقم ‪، 175‬‬
‫‪. 212/2‬‬
‫ جملة اللواء اإلسالمي ‪ ،‬حوار مع د‪ .‬حممد عبد احلليم عمر ‪.‬شبكة املعلومات العاملية‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪21‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫املطلب الثالث‪ :‬التكييف الفقهي للرقابة الشرعية‪:‬‬
‫بح�ث عدد من األس�اتذة املختصين إمكانية تكييف عم�ل هيئات الرقاب�ة الرشعية يف‬
‫املؤسس�ات املالية اإلسلامية‪ ،‬من خالل تعريف هيئات الفتوى والرقابة الرشعية‪ ،‬حيث تقوم‬
‫هذه اهليئات بأكثر من عمل‪ ،‬وكل عمل يمكن تكيفه عىل حده‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫‪ -1‬اإلفتــاء‪:‬‬
‫حيث يظهر من العنوان الذي تتخذه كثري من املؤسس�ات املالية اإلسلامية رصاحة اس�م ًا‬
‫هل�ا على ذلك‪ ،‬مثل هيئة الفتوى والرقابة الرشعية لبنك ديب اإلسلامي وغريه‪ ،‬هذا من جانب‪،‬‬
‫م�ن جان�ب آخر فإن هيئة الرقابة الرشعية تقوم باإلجابة عىل األس�ئلة واالستفس�ارات من قبل‬
‫املؤسس�ة املرصفي�ة التي تتبعه�ا‪ ،‬أو من خالل اإلجابة عن أس�ئلة املتعاملين‪ ،‬وبذلك تكون قد‬
‫مارست دور املفتي من خالل إجابتها الرشعية عىل ما يرد إليها من أسئلة‪.‬‬
‫لك�ن هذا التكيي�ف ُاعرتض عليه‪ :‬بأن رأي هيئ�ة الرقابة الرشعية يكون ملزم ًا للمؤسس�ة‬
‫املالي�ة الت�ي تشرف ه�ذه اهليئ�ة على نش�اطاهتا‪ ،‬بام هلا م�ن صف�ة اإلل�زام للمؤسس�ة يف التقيد‬
‫واالنضب�اط بق�رارات وفتاوى اهليئ�ة الرشعية‪ ،‬وذلك ألن رأي املفتي لي�س له صفة اإللزام يف‬
‫الفقه اإلسالمي كام هو معلوم ‪.‬‬
‫ منه�م الدكت�ور عبد املجيد الصالحين يف بحثه ‪ :‬هيئات الفتوى والرقاب�ة الرشعية ودورها يف املصارف‬
‫اإلسالمية ‪ ،‬بحث مقدم إىل مؤمتر املؤسسات املالية معامل الواقع وآفاق املستقبل الذي أقامته كلية الرشيعة‬
‫والقان�ون جامعة اإلمارات م�ن ‪ 9-7‬ربيع اآلخر‪1426/‬للهج�رة املوافق‪/17-15‬مايو‪ 2005/‬م يف‬
‫غرفة جتارة وصناعة ديب‪.‬‬
‫وكذل�ك الدكت�ور عبد احلق محي�ش يف بحثه‪:‬تفعي�ل دور هيئات الرقاب�ة والفتوى يف املؤسس�ات املالية‬
‫اإلسلامية‪ ،‬املنش�ور يف جمل�ة جامع�ة الش�ارقة للعل�وم الرشعي�ة واإلنس�انية‪ ،‬املجلد‪ ،4‬الع�دد‪ ،1‬حمرم‬
‫‪1428‬هـ‪2007‬م ‪.‬‬
‫وكذلك الدكتور عبد الرزاق رحيم جدي يف كتابه املصارف اإلسلامية بني النظرية والتطبيق‪ ،‬أطروحة‬
‫دكتوراه غري منشورة‪ ،‬كلية العلوم اإلسالمية جامعة بغداد‪1993 ،‬م‪.‬‬
‫ رد املحت�ار على ال�در املخت�ار البن عابدي�ن‪ ،‬دار إحياء الرتاث اإلسلامي‪ ،‬الطبعة الثاني�ة‪1407 ،‬هـ‪-‬‬
‫‪1987‬م‪. 306/4 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪22‬‬
‫وعليه ّ‬
‫فإن الفتوى عامة ال تكون ملزمة للمس�تفتي‪ ،‬إذ هي‪ :‬تبني احلكم الرشعي للس�ائل‬
‫عنه واإلخبار دون إلزام ‪.‬‬
‫وأجيب هذا االعرتاض‪ :‬بأن اهليئة الرشعية ال يقترص عملها عىل الفتوى والتوجيه واإلجابة‬
‫عىل األس�ئلة‪ ،‬وإنما تتعدد واجباهتا وأعامهلا م�ن ذلك مث ً‬
‫ال تقديم البدائ�ل الرشعية للمنتجات‬
‫الربوي�ة باملعاملات املجمع عىل صحتها من قب�ل املجامع الفقهية‪ .‬والقي�ام بفض النزاعات بام‬
‫قد ينش�أ من منازعات بني املؤسس�ة املالية وعمالئها أو غريهم‪ ،‬وكذلك تقوم بمراجعة العقود‬
‫املعمول هبا يف املؤسسة املالية االسالمية اخلاضعة هلا و ما إىل ذلك من أعامل أخرى‪.‬‬
‫‪ -2‬احلسبـة ‪:‬‬
‫س�بق أن عرجنا عىل مس�ألة احلس�بة‪ ،‬والت�ي ُعدت البداي�ة التارخيية لعمل هيئ�ات الرقابة‬
‫الرشعية بصورة عامة من حيث الفكرة وأوجه التشابه بينهام ‪.‬‬
‫إذ إن احلس�بة كام يعرفها املاوردي ‪ « :‬هي األمر باملعروف إذ ظهر تركه‪ ،‬والنهي عن املنكر‬
‫إذا ظهر فعله » ‪ .‬يقول د‪ .‬عبد املجيد الصالحني ‪ « :‬ملا كانت هيئات الفتوى والرقابة الرشعية‬
‫تقوم بمامرسة دور رقايب عىل النشاطات التي تقوم هبا املؤسسة املالية التي تتبعها هذه اهليئة‪ ،‬كان‬
‫عملها الرقايب شبيها بام يقوم به املحتسب يف السوق‪ ،‬غري أن دور هيئة الفتوى والرقابة الرشعية‬
‫خيتلف عن عمل املحتس�ب‪ ،‬ألن املحتسب موظف عمومي يقوم بتصويب املخالفات التي تقع‬
‫يف الس�وق كام يقوم بالتاكد من مطابقة األنش�طة التي يقوم هبا أهل السوق للرشيعة اإلسالمية‪،‬‬
‫وهبذا فإنه ال يمكن قرص التكييف الفقهي لعمل اهليئات الرشعية عىل أنه حس�بة »‪ .‬وما قلناه‬
‫يف التكييف الفقهي عن اإلفتاء يصح أن نقوله يف احلسبة‪ ،‬واهلل أعلم ‪.‬‬
‫ مطالب أويل النهى ‪. 437/6‬‬
‫ األحكام السلطانية للام وردي ‪. .318‬‬
‫ هيئات الفتوى والرقابة ‪ ،‬د‪.‬عبد املجيد الصالحني ‪ ،‬بحوث املؤمتر السنوي الرابع عرش ص‪. 254‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪23‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫‪ -3‬الوكالة بأجر‪:‬‬
‫م�ن التكييف�ات األخرى الت�ي يمكن ختريج الرقاب�ة الرشعية عىل أساس�ها‪ ،‬والتي قال هبا‬
‫جمموعة من الباحثني هي مسألة الوكالة بأجر‪ ،‬إذ يمكن القول بأن املسامهني يف املؤسسة قد وكلوا‬
‫هيئة الرقابة الرشعية يف التأكد من توافق النشاطات واألعامل املالية التي تقوم هبا مؤسستهم مع‬
‫أحكام الرشيعة اإلسلامية‪ ،‬وهذا ما يتم فعال يف أغلب املؤسس�ات املالية واملصارف اإلسالمية‬
‫م�ن خالل قي�ام اجلمعي�ة العمومية أو جمل�س اإلدارة لتلك املؤسس�ة بتوكيل من يق�وم بتدقيق‬
‫ومراقب�ة املعاملات املالية التي جترهيا مؤسس�تهم ‪ .‬وملا كانت اهليئة تتق�اىض عىل عملها هذا‬
‫أجر ًا ‪ ،‬مل تكن الوكالة وكالة مطلقة ‪ ،‬وإنام كانت وكالة بأجر‪.‬‬
‫ولكن تم االعرتاض عىل هذا التكيف الفقهي من وجهني ‪:‬‬
‫األول‪ :‬من رشوط عقد الوكالة أن يكون املوكل قادرا عىل مبارشة ما وكل فيه‪ ،‬أي ال تصح‬
‫ يعمد يف مس�ألة اختيار هيئات الفتاوى والرقابة الرشعية يف املؤسس�ات املالية اإلسلامية إىل عدة طرق‪،‬‬
‫أكثره�ا تتم ع�ن طريق اختيار أعضاء اهليئة من قبل جملس اإلدارة‪ ،‬وم�ن الواضح أن تبعية اهليئة ملجلس‬
‫اإلدارة جيعله�ا إح�دى اإلدارات التابع�ة له الت�ي تتحرك وفقا ملا ي�راه هذا املجلس‪ ،‬مما يفق�د هذه اهليئة‬
‫اس�تقالهلا ويقل�ل من اهتامم إدارات البنك بما تصوغه من قرارات وفتاوى‪ ،‬الطريق�ة الثانية تتم باختيار‬
‫أعض�اء اهليئة م�ن اجلمعية العمومية ‪ ،‬أو أن تص�در الدولة قوانني ختتار من خالهلا م�ن يقومون بالرقابة‬
‫الرشعية عىل املصارف اإلسلامية‪ .‬ينظ�ر‪ :‬هيئات الفتوى والرقابة الرشعية يف املصارف اإلسلامية‪ ،‬د‪.‬‬
‫عب�د احل�ق محيش‪ ،‬من بحوث مؤمتر املؤسس�ات املالية اإلسلامية مع�امل الواقع وآفاق املس�تقبل‪ ،‬املؤمتر‬
‫العلمي السنوي الرابع عرش‪ ،‬ص ‪. 345‬‬
‫ هن�اك ع�دة صور حلص�ول هيئات الرقابة الرشعية عىل املرتب الش�هري أو املكافأة التي تتقاضاها مقابل‬
‫ما تقوم به من عمل فهناك عىل سبيل املثال من يرصف نسبة حمددة من الربح الصايف‪ ،‬وال ختفى سلبيات‬
‫ه�ذا املنح�ى إذ ترتبط مصلحة اهليئ�ة ارتباطا وثيقا بإرب�اح املرصف !!وهناك من ينحى بتس�ديد أتعاب‬
‫حمددة عند التعني‪ ،‬حيث حتدد األتعاب مسبقا ‪ ،‬وهناك من اإلدارات من تتفق مع أعضاء اهليئة عىل راتب‬
‫ش�هري ثابت‪ ،‬وهناك من األعضاء من يشترطون عدم تقايض أي أجر ويبقى عملهم حس�بة هلل تعاىل‪..‬‬
‫ينظ�ر‪ :‬هيئ�ات الفت�وى والرقابة الرشعي�ة ودورها يف املصارف اإلسلامية‪ ،‬د‪ .‬عب�د املجيد الصالحني‪،‬‬
‫مصدر سابق‪.264 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪24‬‬
‫الوكال�ة يف أم�ر ال تصح فيه ترصفات املوكل‪ ،‬ويف مس�ألة الرقابة الرشعية معلوم أن املس�امهني‬
‫ليس�وا قادري�ن عىل مب�ارشة الفتوى يف مثل هذه املس�ائل الرشعية الصعب�ة‪ ،‬وكذلك فإن جملس‬
‫اإلدارة لي�س ق�ادرا ه�و اآلخ�ر كذلك عىل اإلفت�اء الرشعي يف املعاملات املالية الت�ي تقوم هبا‬
‫املؤسس�ة‪ ،‬فكي�ف يمك�ن هليئة الرقاب�ة أن تكون وكيال ع�ن من ال يصح ترصفه�م يف موضوع‬
‫الوكالة ؟‬
‫الثاين‪ :‬أن الوكالة هي من العقود اجلائزة التي يمكن ألي من املتعاقدين (املوكل والوكيل)‬
‫فسخها‪ ،‬ومعلوم أن املسامهني ال يملكون فسخ هذا العقد‪ ،‬أو عزل هيئة الفتوى والرقابة ‪.‬‬
‫‪ -4‬اإلجارة ‪:‬‬
‫وم�ن التكييف�ات الفقهي�ة التي ح�اول بع�ض الباحثني ختريج مس�ألة الرقاب�ة الرشعية يف‬
‫املؤسسات املالية عليها هي مسألة اإلجارة‪ ،‬عىل أساس أن العالقة التي تربط ما بني هيئة الرقابة‬
‫الرشعية واملؤسس�ة املالية املرصفية‪ ،‬هي عالقة االس�تئجار‪ ،‬باعتب�ار أن هيئة الرقابة تقوم بإبداء‬
‫املش�ورة على ما يردها من املؤسس�ة املالية من استش�ارات‪ ،‬وبدورها تقوم اهليئ�ة بإبداء النصح‬
‫وتصحي�ح املخالفات‪ ،‬وتدقيق أعامل املؤسس�ة املالي�ة من الناحية الرشعية‪ ،‬لق�اء مكافأة مالية‪،‬‬
‫شهرية أو سنوية تدفعها املؤسسة املالية للهيئة الرشعية‪ ،‬وهكذا تكون اهليئة بمثابة األجري اخلاص‬
‫للمؤسس�ة‪ ،‬إذا كانت هذه اهليئ�ة ال تقدم خدماهتا جلهات أخرى‪ ،‬وبمثابة األجري املشترك‪ ،‬إذا‬
‫كانت تفعل ذلك مع غريها من املؤسسات‪.‬‬
‫وق�د أعرتض عىل ه�ذا التكييف أيض ًا‪ ،‬باعتب�ار أن بعض أعضاء هيئ�ات الفتوى والرقابة‬
‫الرشعي�ة ال يك�ون بدافع التعاقد معهم بام يقدمونه من فتاوى‪ ،‬وإنما ملا هلم من قبول عند عامة‬
‫الن�اس‪ ،‬مما يولد محلة دعائية لدى املتعاملني ‪ .‬ومن جانب آخر فإن رأي اهليئة الرشعية يكون‬
‫ ولعل هذا األمر يفرس لنا الرس يف انتقاء جمموعة معينة تكاد تكرر يف أغلب املؤسسات املالية !!‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪25‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫ملزم ًا للمؤسس�ة املالية املس�تأجرة‪ ،‬ومعلوم أن هذا ال يتفق وعقد اإلجارة‪ ،‬إذ إنه من املعلوم أن‬
‫رأي املستأجر هو امللزم لألجري وليس العكس‪.‬‬
‫وهك�ذا ن�رى أن مجيع هذه التكييفات الفقهية ملس�ألة هيئات الفت�وى والرقابة الرشعية يف‬
‫املؤسس�ات واملصارف اإلسلامية مل تس�لم من اعتراض أو أكثر ‪ ،‬والذي يب�دو واهلل أعلم‪ ،‬أن‬
‫األمر فيه سعة من حيث العموم‪ ،‬كام رأينا ذلك يف موضوع املحتسب وما كان يتقاضاه من أجر‬
‫تلق�اء عمل�ه‪ ،‬وهنا ال نمي�ل إىل تكييف موضوع الرقابة الرشعية باحلس�بة حصر ًا‪ ،‬إنام لتقريب‬
‫الفك�رة م�ن حي�ث األصل‪ ،‬مع وجود الف�ارق الكبري ال�ذي أرشنا إليه آنفا من كون املحتس�ب‬
‫موظف عمومي بالدولة وال يقترص عمله بجهة دون جهة‪.‬‬
‫وباجلمـل�ة يمك�ن أن ننظ�ر إىل هيئ�ات الفت�وى والرقاب�ة الرشعي�ة يف املؤسس�ات املالي�ة‬
‫اإلسلامية على أهنا مركبة العم�ل‪ ،‬حيث يمك�ن أن نجمع التكييف�ات الفقهية الس�ابقة مع ما‬
‫عليه�ا م�ن اعرتاضات‪ ،‬ونق�ول بأن هذه اهليئات الرشعي�ة هي التي تقوم باإلفتاء ومراقبة سير‬
‫العم�ل املصريف تدقيقا ومراجع ًة مقابل أجر مادي حتصل عليه من جهة مس�تقلة عليا ال عالقة‬
‫هلا بمؤسسة مالية ما‪ .‬وهذا ما سيتم التطرق إليه باعتباره خمرج ًا مهام ملا يعرتي عمل اهليئات من‬
‫إشكاالت كام سنرى ذلك الحق ًا‪.‬‬
‫وعلي�ه‪ ،‬ف�إن موض�وع الرقابة الرشعي�ة يف املؤسس�ات املالية أم�ر البد من�ه‪ ،‬ولكن مع‬
‫الضواب�ط واآللي�ات التي تفصل بين مرجعية اهليئة الرشعية للمؤسس�ة املالية‪ ،‬إذ ينبغي أن‬
‫يك�ون ه�و عكس ما ه�و قائم اآلن ‪ ،‬ب�أن تكون املرجعي�ة العليا للهيئة الرشعي�ة‪ ،‬وال تكون‬
‫حمكومة إال بجهة قوية مستقلة‪.‬‬
‫ استقالل أعضاء اهليئات الرشعية ‪ ،‬د‪.‬حممد عيل القري‪ ،‬بحث مقدم للمؤمتر الثاين للهيئات الرقابة الرشعية‬
‫يف املؤسسات املالية اإلسالمية‪ ،‬املنعقد يف مملكة البحرين يف ‪2002/10/30-29‬م ص‪.17-13‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪26‬‬
‫املبحث الثالث‬
‫التعارض بني فتاوى‬
‫هيئات الرقابة الشرعية يف املؤسسات املالية‬
‫املطلب األول‪ :‬مفهوم التعارض‪:‬‬
‫التعارض يف اللغة ‪ :‬املقابلة عىل سبيل املامنعة‪ ،‬يقال ‪:‬عرض له كذا إذ منعه عام قصده‪ ،‬ومن‬
‫هنا ُس�مي الس�حاب عارض ًا يف قوله تعاىل‪ ﴿ :‬ﮍ ﮎ ﮏ ﴾ ألنه يمنع ضوء الشمس من‬
‫الوصول إىل األرض‪.‬‬
‫والتعارض يف االصطالح‪ :‬أن يقتيض كل من دليلني عدم ما يقتضيه اآلخر‪.‬‬
‫أو ه�و تقابل الدليلني املتس�اويني عىل س�بيل التامنع‪ ،‬بمعنى أنه يقتضي كل من الدليلني يف‬
‫حمل واحد وزمن واحد حك ًام خيالف ما يقتضيه اآلخر‪.‬‬
‫فقيد باملتس�اويني لتتحقق املقابلة بينهام‪ ،‬إذ الضعيف ال يقابل القوي لرتجيح القوي عليه‪.‬‬
‫فاحلديث املش�هور ال يقابل املتواتر‪ ،‬وخرب اآلحاد ال يقابل املش�هور‪ ،‬وقيد يف حمل ألهنام لو كانا‬
‫يف حملني ال يوجد تعارض‪ ،‬وكذلك لو كانا يف حمل واحد يف زمنني خمتلفني‪.‬‬
‫ومما هو ثابت ومعلوم لدى كل مسلم أن ال تناقض يف رشيعتنا كون الشارع واحد وهو اهلل‬
‫ سورة احلجرات جزء من اآلية ‪.23‬‬
‫ املعجم الوسيط جمموعة باحثني‪ ،‬اسطنبول ‪ ،‬تركيا‪.875/2 ،‬‬
‫ أص�ول الفقه‪ ،‬الش�يخ حممد اخلضري بك‪ ،‬املكتبة التجاري�ة الكربى بمصر‪ ،‬ط‪1389 ،6‬هـ‪1969-‬م‪،‬‬
‫ص‪358‬‬
‫ أص�ول الفق�ه اإلسلامي‪ ،‬أ‪.‬د حممد مصطفى ش�لبي‪ ،‬دار النهض�ة العربية‪ ،‬بيروت ‪1986-1406 ،‬م‪،‬‬
‫ص‪. 523-522‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪27‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫سبحانه وتعاىل‪ ،‬إال أنه قد يظهر للمجتهد متانع دليلني يف حمل‪ ،‬بأن يقتيض أحدمها إجيابه واآلخر‬
‫حتريم�ه فيس�مى هذا تع�ارض الدليلني‪ ،‬وليس ه�ذا التعارض بني النص�وص إال ظاهري ًا‪ ،‬وقد‬
‫انربى علامئنا (رمحهم اهلل تعاىل) إىل بيان األدلة التي ظاهرها التعارض ووضعوا هلا طرقا لكيفية‬
‫إزالة هذا التعارض فيام بينها حتى ال يش�كل األمر عىل أحد‪ ،‬وقد اش�تهر يف ذلك طريقتان لدفع‬
‫وإزالة هذا التعارض مها طريقة املتكلمني وطريقة احلنفية ‪.‬‬
‫وليس لنا اخلوض يف تفاصيل املسألة (تعارض األدلة) ألهنا ليست مراد بحثنا هـذا ‪.‬‬
‫وإنما املراد بح�ث (تعارض الفتوى) التي انترشت يف اآلونة األخرية‪ ،‬وهذا يرجع بس�بب‬
‫تق�دم العل�م والتكنلوجيا ووس�ائل االتصال احلديثة‪ ،‬األم�ر الذي فتح ب�اب ال ُفتيا بمرصاعيه‪،‬‬
‫وتصدر بعض طلبة العلم قبل التأهل الكامل هلا‪ ،‬وإعداد العدة‪ ،‬مما انعكس ذلك سلب ًا يف واقع‬
‫الناس بأقوال متضاربة يف املس�ألة الواحدة‪ ،‬مما حدا ببعض املتصيدين الدخول إىل هذا املجال‪،‬‬
‫ليقول من شاء ما شاء بال حسيب وال رقيب‪ ،‬إذ نجد اليوم فتاوى غري منضبطة وفتاوى متعددة‬
‫يف املس�ألة الواح�دة‪ ،‬مما أض�اع أثر الفتوى يف نفوس الناس‪ ،‬إذ يعم�د اليوم بعض الناس إىل من‬
‫يستفته عرب وسائل اإلعالم احلديثة يف مسائل خمتلفة مثل الطالق أو الرضاع أو املعامالت املالية‬
‫مث�ل بي�ع التورق أو العينة أو بيع الدين أو رشاء األس�هم يف الشركات التي اختلط تعاملها بني‬
‫احللال واحل�رام وما إىل ذلك‪ ،‬فيجيبه املفتي عرب اهلواء مبارشة برأي معني‪ ،‬فإذا ما رأى الس�ائل‬
‫صعوبة يف تطبيق الفتوى أو غري متوافقة مع الواقع الذي هو عليه أو ختالف هواه‪ ،‬عمد إىل مفتي‬
‫ وتسمى املسألة بتعارض األحكام وتعارض األدلة وقد فصل علامء األصول القول فيها‪.‬ومنهج املتكلمني‬
‫يتلخ�ص باجلم�ع بني الدليلين املتعارضني ما أمك�ن ذلك ألن إعمال الدليلني أوىل م�ن إعامل أحدمها‬
‫وإمه�ال اآلخ�ر أو ترجيح أحدمها عىل اآلخ�ر وهلم يف بيان معنى الرتجي�ح كالم وامثلة كثرية‪ ،‬بينام يرى‬
‫احلنفي�ة إزالة التعارض تكون إما بنس�خ أح�د الدليلني لآلخرإذا علم املتق�دم منهاموإما بالرتجيح ألحد‬
‫الدليلني بوجه من وجوه الرتجيح وإما باجلمع بني الدليلني عىل وجه من الوجوه وإما بتس�اقط الدليلني‬
‫املتعارضني والبحث عن دليل آخر‪ ،‬تفاصيل املسألة يف كتب األصول عند احلنفية ‪ :‬مثل فواتح الرمحوت‬
‫والتلويح عىل التوضيح وغريمها ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪28‬‬
‫آخ�ر وآخ�ر إىل أن هيتدي ل�رأي يعجبه‪ ،‬أو يتوافق مع ما هو عليه !! نعم إن التيسير والتخفيف‬
‫عامل مهم من خصائص الترشيع اإلسالمي‪ ،‬وكثرة أقوال علامئنا هو اختالف تنوع ال اختالف‬
‫تضاد‪ ،‬ولكننا ندرك جيدأ‪ ،‬بأن علامئنا رمحهم اهلل تعاىل حينام اختلفوا‪ ،‬كان اختالفهم عىل قواعد‬
‫قعدوه�ا ومبادئ اعتمدوه�ا‪ ،‬فضال عن مؤهالت ورشوط توافرت فيه�م‪ ،‬وملكة مكنتهم من‬
‫االجتهاد يف ما مل يرد به نص‪ ،‬ويرى املتتبع ألس�باب اختالف الفقهاء ذلك الثراء احلقيقي الذي‬
‫متتع به الفقهاء عليهم الرمحة ‪.‬‬
‫إذ مل يك�ن اختلاف فقهائنا عيبا أو نقصا وما تعدد املذاهب التي زادت عىل املائة مذهب‬
‫مظه�ر للتش�تت والضياع‪ ،‬وإنما هي مظهر من مظاه�ر التعددية والتنوع املحم�ود‪ ،‬املتفق يف‬
‫األصول واملختلف يف الفروع‪ ،‬وما كتب اهلل القبول لألئمة األربعة (رمحة اهلل عليهم )يف حياة‬
‫األمة هو خري دليل عىل ذلك ‪.‬‬
‫ من ذلك عىل سبيل املثال بحث جزئية قد تبدو صغرية من أسباب اختالف الفقهاء‪ ،‬نورد ما ذكره األستاذ‬
‫الدكتور هاشم مجيل يف كتابه ‪:‬مسائل من الفقه املقارن جامعة بغداد‪ ،‬الطبعة األوىل‪1409 ،‬هـ‪1989-‬م‪،‬‬
‫ص‪: 14-12‬ما جاء برتدد اللفظ حول بعض معانيه‪ ،‬إذ قد يرتدد اللفظ بني املعاين التالية‪:‬‬
‫أ‪ -‬ت�ردده بين معنيني حقيقني كقوله تعاىل‪ ﴿ :‬ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﴾‪ ،‬والقرء كام هو‬
‫ثابت يف لغة العرب يراد به الطهر واحليض معا‪.‬‬
‫ب‪ -‬ت�ردد اللفظ بني معنني أحدمها لغ�وي واآلخر رشعي كقوله تعاىل‪ ﴿ :‬ﮃ ﮄ ﮅ‬
‫ﮆ ‪ ،﴾...‬والبنت يف لغة العرب بمعناها احلقيقي هي املتولدة من ماء الرجل بوجه مرشوع ‪،‬‬
‫وبمعناها املجازي هي املتولدة بامء الرجل عموما‪.‬‬
‫ج‪ -‬ت�ردد اللفظ بني معنني أحدمه�ا حقيق واآلخر جمازي كقوله‪ ﴿ :‬ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾ حيث فرس‬
‫النفي بمطلق اإلخراج من األرض التي هو فيها وبني السجن ‪.‬‬
‫د‪ -‬ت�ردد الكلم�ة الرابطة بني عدة معان ككلمة أو يف قوله تعاىل‪ ﴿ :‬ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ‬
‫ﮁﮂﮃ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ ﮌﮍﮎﮏﮐ‬
‫ﮑ ﮒﮓ ‪ ﴾...‬حيث ترتب عليها احلكم هل يؤخذ عىل الرتتيب أم عىل التخيري‪..‬وهكذا ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪29‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫إن م�دار بحثنا ه�ذا هو تعارض الفتاوى املعارصة واجلرأة فيه�ا وعدم الرتوي وصدورها‬
‫من قبل غري من ُأهل لإلفتاء‪ ،‬مع ش�دنا عىل أيدي كل الدعاة والوعاظ الذين اس�تغلوا وس�ائل‬
‫اتصال العلم احلديث ّ‬
‫فذكروا الناس ووعظوهم ‪ ،‬لكن هذا ال يكون عىل حس�اب الفتوى ألهنا‬
‫كام نقلنا تعريفها يف بداية البحث بأهنا‪ :‬بيان احلكم الرشعي يف قضية ما‪ ،‬جوابا ملن س�أل‪ .‬وهذا‬
‫ال يتم إال ممن درس العلم عىل أصوله وتدرج حتى بلغ مرحلة اإلفتاء كام بينا‪.‬‬
‫إن التعددية يف الفروع مظهر من مظاهر الوعي الثقايف‪ ،‬التي منحت العقول مساحات من‬
‫احلرية يف االنتقاء واالختيار يف وزن ما توصلت إليه العقول من املعارف والعلوم بميزان البرش‬
‫ٍ‬
‫وجهل‪ .‬وما‬
‫التي أنتجت تلك املعارف مع التسليم من الكل بام يعرتي البرش من نقص وضعف‬
‫أمجل قول من قال‪ :‬رأيي صواب حيتمل اخلطأ ورأي غريي خطأ حيتمل الصواب‪.‬‬
‫إن الفرق اليوم يبدو واضحا بني ما كانت عليه تلك األجيال املباركة‪ ،‬وما تش�هده الساحة‬
‫اليوم‪ ،‬فال ش�ك أن التطور الذي نعيش�ه اليوم قد فرض نفس�ه علينا ش�ئنا أم أبينا‪ ،‬بام شهده من‬
‫قف�زات علمي�ة هائلة أحالت الع�امل إىل غرفة واحدة كام يقولون‪ ،‬وبدالً م�ن الفائدة املرجوة من‬
‫هذه الطفرة العلمية إال أن السلبيات يف ما خيص بحثنا قد تبدو أكرب واهلل املستعان‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪30‬‬
‫املطلب الثاني‪ :‬أسباب تعارض الفتاوى بني املؤسسات املالية اإلسالمية ‪.‬‬
‫أوالً‪ :‬تشخيص املشكلة‪:‬‬
‫ال خيفى عىل أحد أن ظاهرة تعارض الفتوى من شأنه أن يوقع املستفتني يف حرج‪ ،‬خاصة‬
‫إذا كانت هذه الفتاوى غامضة وغري منضبطة‪ ،‬ومتيل إىل التساهل وتأخذ سمة التمسك بالرأي‬
‫الواحد‪ .‬وال شك بأن كثرة النوازل يف العرص احلديث كانت السبب الرئيس يف تزايد احلاجة‬
‫إىل ص�دور الفتاوى الس�يام بع�د أن أصبحت هذه النوازل واقعا ملموس�ا بحاجة إىل معاجلة‬
‫ومتابعة مس�تمرة حتى يكون الناس عىل بينة من أمرهم يف التعامل مع هذه املس�تجدات دون‬
‫مشاكل أو عوائق‪.‬‬
‫ويف م�ا يتعل�ق بواقع املؤسس�ات املالية اإلسلامية أو التي تندرج حتت هذا املس�مى يرى‬
‫املتتبع ملسريهتا بأهنا منقسمة إىل أربعة أقسام ‪:‬‬
‫القسم األول‪ :‬املصارف واملؤسسات املالية اإلسالمية التي التزمت بالضوابط الرشعية منذ‬
‫نشأهتا ‪.‬‬
‫القسم الثاين‪ :‬مؤسسات تقليدية ربوية أعلنت التحول التدرجيي إىل املرصفية اإلسالمية ‪.‬‬
‫القس�م الثالث‪ :‬مؤسس�ات تقليدية ربوية بقيت متارس عملها األصيل ولكنها اس�تحدثت‬
‫نوافذ رشعية يف فروعها ‪.‬‬
‫ لي�س املقصود من هذا العنوان الفتوى الصادرة من الش�يخ س�يد طنطاوي يف إج�ازة التعامل مع البنوك‬
‫التقليدي�ة الربوي�ة‪ ،‬حيث توىل عدد كبري م�ن العلامء الرد عليها آنذاك‪ ،‬و ما قصدت�ه يف هذا البحث جمال‬
‫آخر سيتبني من خالل البحث‪.‬‬
‫ الفت�اوى املتضارب�ة أوج�دت االضط�راب يف الفق�ه االقتص�ادي‪ ،‬جمموع�ة م�ن الباحثني‪ ،‬ت�م نرشه يف‬
‫جري�دة االقتصادي�ة وأع�اد نشره موق�ع اهليئ�ة اإلسلامية لالقتص�اد والتموي�ل‪www.iifef.com :‬‬
‫‪2007/02/10‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪31‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫القسم الرابع‪ :‬مؤسسات تقليدية عرضت منتجات إسالمية ضمن منتجاهتا التقليدية ‪.‬‬
‫وعليه فمن الطبيعي أن تتفاوت الفتوى واألقوال بام يتالءم مع طبيعة كل هذه التجارب‪،‬‬
‫فمن حيث املفاهيم والتطبيقات عىل أرض الواقع‪ ،‬تكاد تكون املؤسس�ة التي وضحت وجهتها‬
‫م�ن البداي�ة والتزمت بالضوابط الرشعية قد تكون آمنة عىل نفس�ها من االنزالق إىل الش�بهات‬
‫واملحظورات‪ ،‬وإن كان هذا مس�تبعد ًا فاجلميع ال يضمن سالمة املعامالت املالية انضباط ًا تام ًا‪،‬‬
‫بسب بعض التخرجيات واملستجدات والنوازل الطارئة‪ ،‬أما ما يتعلق باألقسام الثالثة األخرى‬
‫فت�كاد تكون مكمن اخلطر ومس�تقر الداء‪ ،‬ولعل هذا الكالم حيمل بين طياته نوعا من التهجم‬
‫واإلنكار عىل اعتبار أن هذه األقس�ام السالفة باستثناء القسم الثاين (البنوك الربوية التي أعلنت‬
‫التحول التدرجيي للنظام املايل اإلسالمي)‪ ،‬قد بدأت بأوىل اخلطوات نحو الصريفية اإلسالمية‪،‬‬
‫وعلين�ا أن نش�جعها بدالً م�ن أن نقدحها ونطعن هبا‪ ،‬حتى نتمكن م�ن حتويلها بالكامل‪ ،‬وهذا‬
‫الكالم قد يصدر من خملص يس�عى إىل التغيري‪ ،‬ولكن يرد عىل هذا الكالم بأن هذه املؤسس�ات‬
‫عب�ارة ع�ن ش�بكات أخطبوطية‪ ،‬قد انترشت يف ش�تى بقاع الع�امل وهلا من احلرف�ة والصنعة ما‬
‫جيعلها تعيد النظر يف تعامالهتا ‪ ،‬وتدرس س�بب انحس�ار أو تقدم أعامهلا ( عىل أس�اس اجلدوى‬
‫االقتصادية) بني احلني واآلخر‪ ،‬عىل مستوى الفروع التي تتواجد يف كل بلد من بلدان العامل‪ ،‬بام‬
‫ينس�جم مع توجه�ات وطبيعة املتعاملني معها يف تلك البالد‪ .‬وعلي�ه فإن فتح نافذة للتعامالت‬
‫الرشعي�ة أو التعام�ل بمعامل�ة هلا خم�رج رشعي حمدد ال يعن�ي بالرضورة التفكير من قبل تلك‬
‫البن�وك التقليدي�ة نحو الصريفية اإلسلامية وأن مس�افة األلف ميل قد بدأت ب�أول ميل‪ ،‬إذ لو‬
‫أردنا أن نناقش املسألة هبدوء (النوافذ الرشعية واملنتجات اإلسالمية ) ضمن البنوك التقليدية‪،‬‬
‫لكان السؤال التايل باختصار‪ ،‬ملاذا أقدمت هذه البنوك التقليدية عىل النوافذ الرشعية واملنتجات‬
‫اإلسلامية ؟ فق�د يكون اجل�واب من قبل املتحمسين املخلصني‪ ،‬بأهنا تبحث ع�ن البديل وقد‬
‫وجدت ضالتها يف بداية العمل بالنوافذ أو املنتجات الرشعية‪ ،‬وأهنا قد ش�عرت بعدم صالحية‬
‫نظ�ام الفائ�دة‪ ،‬وما ترتب عليه فراحت تبح�ث عن بديل يعود بالنفع والفائدة عليها بش�كل‬
‫ هذا الكالم قبل األزمة املالية العاملية التي حدثت أواخر ‪ 2008‬م‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪32‬‬
‫أكرب‪ ،‬وهذا صحيح‪ ،‬ولكن ملاذا أقدمت هذه املؤسس�ات املالية عىل هذا التحول ؟الس�ؤال هنا؟‬
‫هل أقر النظام الرأساميل التي انبثقت منه هذه البنوك خطأه وذنبه‪ ،‬وقرر التوبة!! فالتوبة ال تقبل‬
‫إال إذا اس�توفت الشروط املعلوم�ة للجميع‪ ،‬وهي الن�دم واإلقالع والعزيمة على عدم العود‪،‬‬
‫ه�ذا إذا كان احلق متعلقا باهلل س�بحانه وتعاىل‪ ،‬أما إذا كان متعلق�ا بالغري فيجب إرجاع احلقوق‬
‫إىل أصحاهب�ا‪ .‬ولك�ن املالحظ عىل هذه البنوك التي فتحت هذه النوافذ‪ ،‬بأهنا مل تقلع عن العمل‬
‫املرصيف الربوي التقليدي كلي ًة‪ ،‬وإنام أخذت هذه اجلزئية البسيطة فقط‪.‬‬
‫وأؤك�د وأقول‪ :‬هـ�ذا ليس من باب التثبيط‪ ،‬وعدم التش�جيع نحو التح�ول إىل الصريفية‬
‫اإلسلامية‪ ،‬وإنما التبصير بام علي�ه واقع ه�ذه البن�وك التقليدية‪ ،‬وبما معها من وس�ائل وأياد‬
‫أخطبوطية بحثت ودرس�ت الرس يف نجاح املؤسس�ات واملصارف اإلسلامية عىل هذا الشكل‬
‫امللف�ت للنظر‪ ،‬مع حداث�ة جتربتها‪ ،‬وتفاعل املتعاملني معها عىل ه�ذا النحو‪ ،‬فوجدت العاطفية‬
‫الدينية التي يتمتع هبا مجهور املصارف اإلسلامية‪ ،‬هي من اكرب األس�باب التي نجحت به‪ ،‬فيام‬
‫أخفقت به املصارف التقليدية نفسها يف االستطاعة من سحب املدخرات الصغرية عىل مستوى‬
‫األف�راد‪ ،‬ونجاحه�ا يف حتويل هذه املدخرات ‪-‬التي مل تكن باحلس�بان أصال‪ -‬إىل س�يولة حقيقة‬
‫حيسب هلا ألف حساب‪.‬‬
‫إن هذه املؤسسات املالية التقليدية العاملية نجحت إىل حد بعيد يف إقناع قسم كبري ال يستهان‬
‫به برشعية معاملتها‪ ،‬ورشعية منتجاهتا‪ ،‬بام قدمته من دعاية وإعالن‪ ،‬فضال عن خترجيات هيئات‬
‫رشعية تعمل حلساهبا !!‬
‫وعليه‪ ،‬فإن املصارف ذات التوجه اإلسالمي احلقيقي‪ ،‬أوىل باملتعاملني من هذه املؤسسات‬
‫التي دغدغت عواطف الناس بكالم معسول وتطبيق مشبوه‪.‬‬
‫إن املخلصين املتحمسين الذي�ن دافع�وا بش�دة ع�ن ه�ذه النواف�ذ الرشعي�ة واملنتجات‬
‫اإلسلامية التي تقدمها البنوك التقليدية‪ ،‬س�يتبني هلم عاجال أم آجال‪ ،‬الوهم الذي حس�بوه يف‬
‫هذه املؤسسات ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫‪33‬‬
‫إن رم�ي الك�رة يف ملعب املؤسس�ات املالي�ة التقليدية الربوي�ة التي فتح�ت نوافذ رشعية‬
‫وقدمت منتجات إسالمية‪ ،‬ليس اهتام ًا باط ً‬
‫ال أو دفاع ًا متحمس ًا عن املؤسسات املالية اإلسالمية‬
‫ب�دون أدلة‪ ،‬فالواقع يش�هد بذلك‪ ،‬إذ س�أورد يف املطل�ب القادم صور ًا ونامذج� ًا من التطبيقات‬
‫املحرم�ة واملش�بوهة الت�ي ذهب إىل حرمته�ا أو ش�بهتها املجامع الفقهي�ة املعتم�دة‪ ،‬وقد يقول‬
‫قائ�ل ب�أن بعض ه�ذه املعامالت تتعام�ل هبا بعض املصارف اإلسلامية أيض ًا‪ ،‬فأق�ول هنا يأيت‬
‫دور الرقي�ب الرشع�ي واهليئة الرشعي�ة التي جيب عليه�ا أن ترصد وتكش�ف وتفتش عن هذه‬
‫املخالف�ات‪ ،‬وهذا ما تم فعل ً‬
‫ا عىل بعض املعامالت التي كانت رائج�ة يف التعامالت املرصفية‪،‬‬
‫وعن�د صدور الق�رارت الواضحة الباتة تراجع�ت وانتهت عن هذه املعاملات‪ ،‬وهنا ال بد أن‬
‫أذك�ر ب�أن املصارف اإلسلامية مل تصل إىل درجة الكمال‪ ،‬ألن عملها واجتهاده�ا أغلبه نوازل‬
‫ق�د ختتلف فيها األق�وال واآلراء‪ ،‬لكن أقوال واجتهادات َمن؟ وآراء َمن؟ الش�ك أهنم العلامء‬
‫املش�هود هلم بالعلم والعمل واخلربة‪ .‬إن رفع املصارف اإلسلامية لش�عار اإلسالم حجة عليها‬
‫أم�ام اهلل (س�بحانه وتعاىل)‪ ،‬لذل�ك فهي ملزمة بأن ترجع إىل الصواب كلما تبني هلا زلة أو ظهر‬
‫يف عمله�ا هف�وة ‪ ،‬وهذا أمر طبيع�ي إذ ال يقول بعصمتها أحد‪ ،‬أما البن�وك التقليدية‪ ،‬فام هي‬
‫حجة املتعامل معها وهي ترفع ش�عار ًا ومبدأ رأسماليا قائم عىل أس�اس الفائدة‪ ،‬وتعظيم املنفعة‬
‫والربح‪ ‬؟ إن فكرة عزل النوافذ الرشعية واملنتجات اإلسالمية‪ ،‬يف البنوك التقليدية ال يمكن أن‬
‫يتصور بوجه من الوجوه ‪.‬‬
‫إن س�بب ال�داء ومكمن اخلط�ر يف وجهة نظ�ري‪ ،‬يرج�ع إىل النوافذ الرشعي�ة واملنتجات‬
‫اإلسالمية وفتاواها الرشعية!‬
‫ حقيقة بيع التورق الفقهي والتورق املرصيف‪ ،‬للمؤلف ‪ ،‬دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي‪ ،‬الطبعة‬
‫األوىل‪1429 ،‬هـ‪2008-‬م‪ ،‬ص‪.81‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪34‬‬
‫ثاني ًا‪ :‬أسباب تعارض الفتاوى ‪:‬‬
‫لعل الكالم يف الفقرة الس�ابقة قد وضح أن املش�كلة تكمن يف اخللط بني اهليئات الرشعية‬
‫املعتبرة وبني غريها م�ن اهليئات ‪ .‬وهذا ال يمنع من تعارض الفتوى حتى بني اهليئات الرشعية‬
‫املعتربة‪ ،‬ويمكن أن نرجع األسباب يف ذلك لعدة أمور‪:‬‬
‫‪ -1‬س�بق أن بين�ا أن االختلاف الفقهي ُيعد ميزة تث�ري الفقه والفك�ر‪ ،‬وترفع احلرج عن‬
‫األمة‪ ،‬وأن هذا ليس مظهر نقص‪ ،‬إذ وقع هذا يف خري عصور األمة اإلسلامية‪ ،‬بل لقد اختلف‬
‫اجته�اد النب�ي ﷺ وأيب بكر وعمر (ريض اهلل عنهام) يف وضع أس�ارى بدر‪ ،‬واختلف الصحابة‬
‫(ريض اهلل عنه�م) يف عصر الوح�ي وذلك كاختالفه�م يف صالة العرص يف غ�زوة بني قريضة‪،‬‬
‫يصلين أحدكم العرص إال يف بن�ي قريضة »‪ ،‬ف�أ ّدى اجتهاد‬
‫عندم�ا ق�ال هلم النب�ي ﷺ ‪ « :‬ال‬
‫ّ‬
‫كل فري�ق منه�م إىل أمر م�ا‪ ،‬فصالها فريق منه�م يف الطريق يف وقتها‪ ،‬ومل يصله�ا الفريق اآلخر‬
‫إال يف بن�ي قريض�ة بعد خروج وقتها‪ .‬فأقر النب�ي ﷺ كال الفريقني ‪ .‬واختلف أبو بكر وعمر يف‬
‫قضي�ة حرب املرتدين وغريها‪ ،‬فاخلالف املبن�ي عىل االجتهاد املرشوع املنضبط املبني عىل قول‪:‬‬
‫«‪ ‬أجتهد رائي وال آلو » بعد عرض الواقعة عىل الكتاب والسنة وعدم وجودها فيهام يعد من‬
‫حماسن الفقه اإلسالمي ومتيزه‪.‬‬
‫فاألص�ل أن االختلاف يف مس�ائل املعامالت املع�ارصة من االختالف املستس�اغ‪ ،‬الن‬
‫األغلب فيها أهنا من املس�ائل غري القطعية‪ ،‬برشط أن يكون املفتي قد اس�تفرغ طاقته يف البحث‬
‫ ال يعني هذا العنوان أن كل خالف أو تعارض يف الفتوى مرده هذه األسباب يف أدناه‪ ،‬ألن بعض اخلالف‬
‫ال يعت�د ب�ه أصال وال ينظ�ر إليه وإن صدر من جهة هلا مكانة!! إذا كان خيالف نص�ا ثابتا أو ما انتهى إليه‬
‫اإلمجاع‪ ،‬ومثال هذا اخلالف عىل حكم الفوائد املرصفية‪ ،‬فهذا اخلالف ال عربة فيه ألن الفوائد املرصفية‬
‫هي من الربا املحرم رشعا كام نوهنا عن ذلك من قبل يف ص ‪. 30‬‬
‫ رواه البخاري عن ابن عمر (ريض اهلل عنهام) برقم ‪( 518/7 ،4119‬الفتح)‪.‬‬
‫ رواه الرتمذي يف س�ننه‪ ،‬سنن الرتمذي ‪ ،‬حممد عيس�ى الرتمذي‪ ،‬مكتبة املعارف‪ ،‬الرياض‪ ،‬الطبعة األوىل‪،‬‬
‫رقم احلديث ‪. 314 ،1327‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪35‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫واالس�تقصاء ثم أصدر حكمه بعد التحري التام‪ ،‬وإذا ما كان قد وصل إىل هذا املس�توى فعال‬
‫فهو بإذن اهلل سيكون إ ّما مأجور ًا مرتني أو مرة واحدة بدليل قول النبي ﷺ‪ « :‬إذا حكم احلاكم‬
‫فاجتهد ثم أصاب فله أجران‪ ،‬وإذا حكم ثم أخطأ فله أجر واحدة » ‪.‬‬
‫‪ -2‬إن مس�ألة اختالف العلامء يف املس�ائل املالية املعارصة يرجع إىل أس�باب متعددة‪ ،‬فقد‬
‫تكون املس�ألة من املس�ائل التي اختل�ف فيها الفقهاء املتقدمون‪ ،‬ف�كان اختالف املعارصين بناء‬
‫عىل االختالف الس�ابق‪ ،‬وهذا ما سنبينه يف استعراضنا لبعض املسائل من اخلالف القديم وأثره‬
‫يف املعامالت املالية املعارصة ‪.‬‬
‫‪ -3‬ق�د يك�ون االختالف لفظي� ًا‪ ،‬وهو ما يطل�ق عليه أه�ل العلم اختالف التن�وع‪ ،‬فأكثر‬
‫اخلالف الذي قد ينش�أ يف هذا املجال س�ببه تصور املعاملة حمل النظر‪ ،‬وهذا األمر يؤثر بش�كل‬
‫كبير يف التكيي�ف الفقهي‪ ،‬ثم عىل ما يتوصل إليه من احلكم الرشعي بش�أهنا‪ ،‬بأن يفتي البعض‬
‫بتحري�م عقد من العقود‪ ،‬الش�تامله على بعض املحظورات الرشعية‪ ،‬ويفتي قس�م آخر باجلواز‬
‫بضواب�ط تنتفي معها تلك املحظورات‪ ،‬ومن األمثلة على ذلك عقد اإلجارة املنتهية بالتمليك‪،‬‬
‫حي�ث صدر قرار جممع الفقه اإلسلامي بج�وازه‪ ،‬بينام منع�ه جملس هيئة كبار العلماء باململكة‬
‫العربية السعودية وقال بتحريمه‪ ،‬والواقع كام يقول الدكتور يوسف الشبييل‪ :‬ليس بني القرارين‬
‫تع�ارض‪ ،‬فصورة العقد التي تناوهلا قرار هيئة كبار العلامء ال تتوافر فيها الضوابط التي تضمنها‬
‫قرار جممع الفقه اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ -4‬ع�دم االتف�اق على مرجعية واح�دة ثابتة‪ ،‬ت�وكل هلا مس�ألة البت واإلل�زام يف احلكم‬
‫ رواه مسلم‪ ،‬صحيح مسلم برشح النووي‪ ،‬برقم ‪240/11 ،4462‬‬
‫ ينظر املطلب القادم كتطبيقات ونامذج من تعارض الفتاوى بني بعض هيئات الرقابة الرشعية يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية‪.‬‬
‫ ن�دوة « الصريف�ة اإلسلامية بني اخلالف املذم�وم واملحمود » الت�ي أقامتها جريدة الرشق األوس�ط وتم‬
‫نرشها يف العدد‪5 ،10106‬رجب ‪1427‬هـ املوافق‪30‬يوليو ‪2006‬م‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪36‬‬
‫الرشع�ي املختلف فيه‪ ،‬فقد تفاوت النظر إىل فت�اوى وقرارات املجامع الفقهية‪ ،‬وكيفية التعامل‬
‫م�ع قراراهتا م�ن اإللزام وعدمه‪ ،‬وقراراهت�ا يف حقيقة األمر منزلة بني االجته�اد األحادي وبني‬
‫اإلمجاع‪ ،‬فهي ليس�ت إمجاعا‪ ،‬ولكنها تورث ق�وة للمتلقي بأن هذا احلكم الرشعي قد صدر من‬
‫جمموعة فقهية اس�تعانت بخرباء وخمتصني يف جمال ما‪ ،‬كأن يكون جماال طبيا‪ ،‬أو جماالً اقتصادي ًا‪،‬‬
‫أو جماالً فلكي ًا‪ ،‬ثم أصدرت حكمها بعد الدراسة واملشاورة ‪.‬‬
‫املطل��ب الثال��ث‪ :‬تطبيق��ات و مناذج م��ن تعارض الفت��اوى بني هيئ��ات الرقابة الش��رعية يف‬
‫املؤسسات املالية اإلسالمية‪.‬‬
‫سبق أن بينا يف ما مىض‪ ،‬أن من األسباب املهمة التي كانت سببا يف تعارض بعض الفتاوى‬
‫بني اهليئات الرشعية يف املؤسسات املالية اإلسالمية‪ ،‬هو بعض املسائل التي اختلف فيها الفقهاء‬
‫املتقدم�ون‪ ،‬فاختل�ف فيها املعارصون بن�اء عىل االختالف الس�ابق‪ ،‬ومثال هذا مس�ألة اإللزام‬
‫بالوعد يف بيع املرابحة‪ ،‬أو بيع التورق بمفهومه الفقهي وغريمها من األمثلة‪.‬‬
‫كام أن االختالف قد يكون ناشئا عن االختالف يف تكييف العقد‪ ،‬مثال هذا يف العموالت‬
‫الت�ي يأخذه�ا املرصف من التاج�ر يف البطاقات االئتامني�ة‪ ،‬فمنهم من يراها حمرم�ة‪ ،‬عىل اعتبار‬
‫أهن�ا فائ�دة مقابل القرض‪ ،‬أو أجر عىل الضامن‪ ،‬يف حين أن منهم من يرها جائزة عىل اعتبار أهنا‬
‫أجرة مقابل الس�مرسة‪ ،‬أي التس�ويق للتاجر‪ .‬وكذلك مس�ألة تأخر املدنيني املورسين عن سداد‬
‫التزاماهت�م املالي�ة‪ ،‬وكذلك التعام�ل مع الرشكات ذات العم�ل املباح و ظه�ر يف قوائمها املالية‬
‫معامالت حمرمة‪.‬‬
‫ومثل هذا كثري‪ ،‬فقد وقع اخلالف فيه فع ً‬
‫ال بس�بب تكييف هذه املعامالت وما ترتب عليها‬
‫من خالف بني وجهات النظر ‪.‬‬
‫وسوف نستعرض لبعض من هذه املعامالت‪ ،‬التي وقع فيها االختالف بني بعض اهليئات‬
‫الرشعية يف املؤسسات املالية اإلسالمية ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪37‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫وسأحرصها يف التطبيقات التالية ‪:‬‬
‫النموذج األول‪ :‬بيع التورق وما أعقبه من تطور يف التطبيق العميل ‪.‬‬
‫النموذج الثاين‪ :‬مسألة اإللزام بالوعد يف بيع املرابحة ‪.‬‬
‫النموذج الثالث‪ :‬مسألة تأخر املدينني املورسين عن السداد‪.‬‬
‫واختص�ار ًا للموض�وع فس�وف ال أخوض يف تفاصي�ل هذه املعاملات الدقيقة من حيث‬
‫املفه�وم واألدل�ة الرشعي�ة بجملتها‪ ،‬وما إىل ذل�ك‪ ،‬وإنام س�أكتفي بتوضيح م�ا أراه بحاجة اىل‬
‫توضيح منها‪ ،‬ثم أركز عىل إيراد اخلالف بني العلامء وما ترتب عليه ‪.‬‬
‫النم�وذج األول‪ :‬بي�ع التورق وما أعقبه م�ن تطور يف التطبيق العملي ودور فتوى املجمع‬
‫الفقهي يف التصحيح‪.‬‬
‫اس�تعرض علامئنا املعارصون ‪ -‬حفظهم اهلل تعاىل ‪ -‬خالف العلامء األقدمني ‪ -‬رمحهم اهلل‬
‫تع�اىل ‪ -‬يف بي�ع التورق يف املجمع الفقهي اإلسلامي التاب�ع لرابطة العامل اإلسلامي يف دورته‬
‫اخلامس�ة عشرة املنعق�دة يف مك�ة املكرمة‪ ،‬وبع�د البحث واالس�تقصاء عن األدلة التي س�اقها‬
‫املجي�زون واملانع�ون‪ ،‬واالطلاع عىل البح�وث التي قدمت يف هذه املس�ألة‪ ،‬تبين هلم رجحان‬
‫الق�ول األول وقال�وا ما نصه ‪ « :‬فإن جملس املجمع الفقهي اإلسلامي لرابطة العامل اإلسلامي‬
‫يف دورته اخلامس�ة عرشة املنعقدة بمكة املكرمة التي بدأت يوم السبت ‪11‬رجب ‪1419‬املوافق‬
‫‪1998 10/31‬م قد نظر يف موضوع بيع التورق‪ .‬وبعد التداول واملناقشة والرجوع إىل األدلة‬
‫والقواعد الرشعية وكالم العلامء يف هذه املسألة ّقرر املجلس ما يأيت ‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬إن بيع التورق هو رشاء سلعة يف حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل ثم يبيعها املشرتي‬
‫بنقد لغري البائع للحصول عىل النقد (الورق)‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪38‬‬
‫ثاني ًا‪ :‬إن بيع التورق هذا جائز رشع ًا‪ ،‬و به قال مجهور العلامء‪ ،‬ألن األصل يف البيوع اإلباحة‪،‬‬
‫لقول اهلل تعاىل‪ ﴿ :‬ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﴾‪ ،‬ومل يظهر يف هذا البيع ربا ال قصدا وال صورة‪،‬‬
‫والن احلاجة داعية إىل ذلك لقضاء دين أو زواج أو غريمها ‪.‬‬
‫ثالث� ًا‪ :‬ج�واز هذا البيع مرشوط بأن ال يبيع املشتري الس�لعة بثمن أقل مما اشتراها به عىل‬
‫بائعها األول مبارشة وال بالواس�طة‪ ،‬فإن فعل فقد وقع يف بيع العينة املحرم رشعا الش�تامله عىل‬
‫حيلة الربا فصار عقدا حمرما ‪.‬‬
‫رابع ًا‪ :‬إن املجلس وهو يقرر ذلك يويص املس�لمني بالعمل بام رشعه اهلل س�بحانه –لعباده‪-‬‬
‫من القرض احلسن من طيب أمواهلم طيبة به نفوسهم‪ ،‬ابتغاء مرضات اهلل ال يتبعه من ّوال أذى‪،‬‬
‫وه�و م�ن ّ‬
‫أجل أنواع اإلنفاق يف س�بيل اهلل تعاىل‪ ،‬مل�ا فيه من التع�اون والتعاطف والرتاحم بني‬
‫املس�لمني وتفريج كرباهتم وسد حاجاهتم وإنقاذهم من اإلثقال بالديون والوقوع يف املعامالت‬
‫املحرم�ة‪ ،‬وان النصوص الرشعية ثواب القرض احلس�ن واحل�ث عليه كثرية ال ختفى‪ ،‬كام يتعني‬
‫عىل املستقرض التحيل بالوفاء وحسن القضاء وعدم املامطلة ‪.‬‬
‫وصلى اهلل على س�يدنا حمم�د وعلى آله وصحب�ه وس�لم تس�لي ًام كثير ًا‪ ،‬واحلم�د هلل رب‬
‫العاملني‪. ‬‬
‫وال�ذي حص�ل يف الواقع بع�د صدور هذا الق�رار و إجازته م�ن قبل املجم�ع الفقهي‪ ،‬أن‬
‫بعض النوافذ الرشعية يف البنوك التقليدية زيادة عىل بعض املصارف اإلسلامية‪ ،‬أخذت جتري‬
‫بعض التعديالت والتأويالت هلذا البيع‪ ،‬وبدأت إعادة صياغته من جديد‪ ،‬حتى أفرغ من حمتواه‬
‫متام� ًا‪ ،‬مم�ا حدا باملجمع الفقهي أن يصدر قرارا آخرا يبني في�ه بيع التورق عىل وفق الصيغة التي‬
‫جيري العمل فيها يف البنوك عىل وفق الصورة اجلديدة التي سادت وانترشت‪ ،‬سواء كانت بنوكا‬
‫ قرار املجمع الفقهي لرابطة العامل اإلسالمي اخلاص بجواز بيع التورق يف دورته اخلامسة عرشة ‪-1419‬‬
‫‪ 1998‬م ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪39‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫تقليدي�ة فتحت نوافذ رشعية أو مصارف إسلامية أصال حي�ث ذهب أغلب العلامء املعارصين‬
‫إىل القول بعدم جواز بيع التورق والقول بحرمته‪.‬‬
‫فقد جاء هذا القول بعد دراسات فقهية قامت هبا املجاميع الفقهية واهليئات الرشعية لدراسة‬
‫واقع هذا البيع‪ ،‬ومن ذلك ما ذهب إليه املجمع الفقهي اإلسلامي لرابطة العامل اإلسلامي‪ ،‬إذ‬
‫ج�اء ن�ص القرار ‪ « :‬احلمد هلل وحده‪ ،‬والصالة والسلام عىل رس�ول اهلل ‪ ،‬وعلى آله وصحبه‪،‬‬
‫وبعـــد‪ :‬فإن جملس املجمع الفقهي اإلسلامي لرابطة العامل اإلسالمي يف دورته السابعة عرشة‬
‫املنعق�دة بمكة املكرمة ‪ ،‬يف املدة م�ن ‪1424/23-19‬الذي يوافقه ‪2003/12/17-13‬م قد‬
‫نظر يف موضوع‪ ( :‬التورق كام جتريه املصارف يف الوقت احلارض )‪ ،‬وبعد االستامع إىل األبحاث‬
‫املقدم�ة ح�ول املوضوع‪ ،‬واملناقش�ات التي دارت حوله‪ ،‬تبني للمجل�س أن التورق الذي جتريه‬
‫بع�ض املص�ارف يف الوق�ت احلارض هو‪ :‬قي�ام املرصف بعمل نمط�ي يتم فيه ترتيب بيع س�لعة‬
‫(ليس�ت من الذهب والفضة) من أس�واق الس�لع العاملية أو غريها‪ ،‬عىل املس�تورق بثمن آجل‪،‬‬
‫على أن يلتزم املرصف إما بشرط يف العقد أو بحكم العرف والعادة بان ينوب عنه يف بيعها عىل‬
‫مشرت آخر بثمن حارض‪ ،‬وتسليم ثمنها للمستورق ‪.‬‬
‫وبعد النظر والدراسة ‪ ،‬قرر املجمع ما ييل‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬عدم جواز التورق الذي سبق توصيفه يف التمهيد لألمور اآلتية‪:‬‬
‫‪ -1‬إن التزام البائع يف عقد التورق بالوكالة يف بيع السلعة ملشرت آخر‪ ،‬أو ترتيب من يشرتهيا‬
‫جيعله�ا ش�بيه بالعين�ة املمنوعة رشعا‪ ،‬س�واء أكان االلت�زام مرشوطا رصاح�ة أم بحكم العرف‬
‫والعادة املتبعة ‪.‬‬
‫‪ -2‬إن هذه املعاملة تؤدي يف كثري من احلاالت إىل اإلخالل برشوط القبض الرشعي الالزم‬
‫لصحة املعاملة ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪40‬‬
‫‪ -3‬إن واقع هذه املعاملة يقوم عىل منح متويل نقدي بزيادة ملا سمي املستورق يف معامالت‬
‫البي�ع والرشاء التي جتري منه والت�ي هي صورية يف معظم أحواهلا‪ ،‬هدف البنك من إجرائها أن‬
‫تع�ود عليه بزي�ادة عىل ما قدم من متويل ‪ ..‬وهذه املعاملة هي غير التورق احلقيق املعروف عند‬
‫الفقهاء‪ ،‬وقد سبق للمجمع يف دورته اخلامسة عرشة أن قال بجوازه بمعامالت حقيقة وبرشوط‬
‫حمددة‪ ،‬بينها قرار املجمع الفقهي يف دورته اخلامسة عرشة واملنعقدة يف مكة املكرمة ‪ ...‬وذلك ملا‬
‫بينهما من فروق عدي�دة‪ ،‬فصلت القول فيها البحوث املقدمة‪ ،‬فالتورق احلقيقي يقوم عىل رشاء‬
‫حقيق�ي لس�لعة‪ ،‬بثمن آجل تدخل يف ملك املشتري ويقبضها قبضا حقيقي�ا وقع يف ضامنه‪ ،‬ثم‬
‫يقوم هو (املشرتي) ببيعها بثمن حال حلاجته إليه‪ ،‬قد يتمكن من احلصول عليه وقد ال يتمكن‪،‬‬
‫والف�رق بين الثمنني األجل واحلال ال يدخل يف ملك املصرف‪ ،‬الذي طرأ عىل املعاملة لغرض‬
‫تربير احلصول عىل زيادة ملا قدم من متويل هلذا الش�خص بمعامالت صورية يف معظم أحواهلا‪،‬‬
‫وهذا ال يتوفر يف املعاملة املبينة التي جترهيا بعض املصارف‪.‬‬
‫ثاني ًا‪ :‬يويص جملس املجمع مجيع املصارف جتنب املعامالت املحرمة‪ ،‬امتثاالً ألمر اهلل تعاىل‪.‬‬
‫كام إن املجلس إذ يقدر جهود املصارف اإلسالمية يف إنقاذ األمة اإلسالمية من بلوى الربا‪ ،‬فانه‬
‫يويص بان تس�تخدم لذلك املعامالت احلقيقية آخر القرارات التي صدرت من املجامع الفقهية‬
‫املعتم�دة‪ ،‬فال ينبغي االعتامد عىل قرار يتفق معه اسما وخيالف�ه يف املضمون‪ ،‬دون توضيح وبيان‬
‫حلقيقة الفرق بني األمرين‪.‬‬
‫وقد ذهبت هيئات رشعية ومنتديات فقهية أخرى وعلامء وأس�اتذة خمتصون إىل حتريم بيع‬
‫الت�ورق املرصيف‪ ،‬بعد أن اتضحت اآللي�ات املعتمدة يف إجراءات هذا البيع ‪ .‬أما من قال بجواز‬
‫ه�ذا البيع من العلامء املعارصي�ن فان أغلب من رجعت إىل الفتاوى الص�ادرة عنهم وإجاباهتم‬
‫على األس�ئلة الواردة إليهم يف املوض�وع فانه يرجع قوله بجواز الت�ورق املرصيف برضورة إتباع‬
‫الصورة النظرية القائمة عىل رشط التقابض للس�لعة ودخوهلا يف ضامنة املشتري ‪ -‬املس�تورق‪-‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪41‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫وغريه�ا م�ن الرشوط الواجب توافرها لصحة البيع‪ ،‬من ذلك عىل س�بيل املث�ال ‪ ،‬فإن الدكتور‬
‫عبد اهلل املنيع الذي يؤيد بيع التورق املرصيف ويدافع عنه يف بحوثه‪ ،‬نجده يف جواب سؤال وجه‬
‫إليه‪ : ‬كيف ترون تطبيق التورق يف البنوك حالي ًا ؟‬
‫أج�اب بما ييل ‪ « :‬لو نظرنا اآلن إىل رشاء الس�لع من خارج الس�عودية كاملع�ادن املوجودة‬
‫اآلن يف خمازن هولندا وانكلرتا أو نيويورك‪ ،‬لوجدنا أن هذه الس�لع يف الواقع جمهولة‪ ،‬فاملشتري‬
‫ال يع�رف أي ن�وع من املعادن هي ؟ وال كميتها ؟ وإنام يق�وم العميل بتوكيل البنك الذي باع له‬
‫البضاعة‪ ،‬والعميل ال يعلم ماذا يشرتي؟وعليه فعىل املشرتي أن يكون عارفا ما أشرتاه ‪...‬‬
‫ويضي�ف املني�ع ‪ :‬كام أن العميل جيب عليه إذا اشترى الس�لعة أن يعرفها‪ ،‬وأن يطلب من‬
‫البنك التفويض لتسلم سلعته من التاجر‪ ،‬ومن ثم له احلق يف بيعها ‪.....‬‬
‫ويف رده لسؤال ‪ :‬إذا يف التورق ال جيوز توكيل البنك يف البيع ؟‬
‫أجاب فضيلة الشيخ املنيع‪ :‬نعم ال يصح أن يوكل البائع للبنك‪ ،‬وما أن يأيت العميل البنك‬
‫لطلب التورق‪ ،‬فانه يشرتي منه السلعة‪ ،‬ويطلب حترير عقد وأخذ سند باملبلغ‪ ،‬ثم يذهب البائع‬
‫إىل التاجر ويتسلمها أو يبيعها‪ ،‬وهذه العملية حتى لو كانت طويلة يف إجرائها فإهنا حمققة ملقتىض‬
‫رشعي يبتعد به املسلم عن الربا ومن املعامالت الصورية » ‪.‬‬
‫والواق�ع الذي عليه عملية بيع التورق املرصيف الس�يام يف املصارف التقليدية والتي فتحت‬
‫نواف�ذ رشعي�ة يق�ول بخالف ذلك‪ .‬وس�بب ذل�ك فيام يب�دو أن وج�ود اهليئات واملستش�ارين‬
‫الرشعيين ينحصر يف اجلانب (التنظريي) بعيدا ع�ن الرقابة عىل املامرس�ات الفعلية للعمليات‬
‫املالية من الناحية التطبيقية ومراحل تنفيذها‪.‬‬
‫ حوار مع الدكتور عبد اهلل املنيع يف جريدة الرشق األوس�ط ‪ ،‬العدد ‪18 ، 10297‬حمرم‪ 6-1428‬فرباير‬
‫‪. 2007‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪42‬‬
‫أما بالنس�بة للهيئ�ات واجلهات الرقابية الرشعية التي ذهب�ت إىل منع وحتريم التعامل ببيع‬
‫التورق املرصيف فهي كثرية‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫‪ -1‬اهليئ�ات الرشعي�ة يف أغل�ب املصارف اإلسلامية بدول�ة اإلمارات العربي�ة املتحدة‪،‬‬
‫باستثناء النوافذ الرشعية يف البنوك التقليدية‪ ،‬ويظهر ذلك بعدم وجود صيغة هلذه املعاملة أص ً‬
‫ال‬
‫يف معاملات املص�ارف اإلسلامية‪ ،‬زيادة على القول الرصيح لرؤس�اء وأعضاء ه�ذه اهليئات‬
‫الرشعية يف الندوات واملؤمترات بعدم جواز العملية‪ ،‬من ذلك عىل سبيل املثال األستاذ الدكتور‬
‫حسين حام�د حس�ان رئيس اهليئ�ة الرشعية يف بنك ديب اإلسلامي‪ ،‬كام يظه�ر ذلك من خالل‬
‫العديد من أبحاثه‪.‬‬
‫‪ -2‬جمموع�ة م�ن اخلرباء يف العمل املرصيف اإلسلامي يف ديب‪ ،‬حيث دعت هذه املجموعة‬
‫يف جلس�ات عمل مؤمتر املؤسس�ات املالية اإلسلامية يف ديب إىل رضورة منع التورق والتوقف‬
‫الفوري عن ممارسته يف أي مرصف إسالمي ‪.‬‬
‫‪ -3‬اهليئ�ة الرشعي�ة يف جمموعة الراجحي املرصفية فقد ذهبت إىل القول‪ :‬إىل أنه إذا س�مح‬
‫بالتورق املرصيف سوف تستغني البنوك اإلسالمية عن كل العقود واألدوات اإلسالمية وتكون‬
‫عملية التورق هي السائدة ‪.‬‬
‫‪ -4‬دراس�ة علمي�ة صادرة عن معه�د البحوث واخلدم�ات االستش�ارية يف جامعة اإلمام‬
‫حممد‪ ‬ب�ن س�عود اإلسلامية يف ن�دوة علمية عقدت يف ش�هر ش�عبان من هذا الع�ام ‪ 1428‬كام‬
‫ذكرت ذلك صحيفة الرشق األوسط ‪ ،‬بعنوان‪ « :‬مدى رشعية األدوات االستثامرية يف سوق‬
‫األوراق املالية السعودية »‪.‬‬
‫ جريدة الرشق األوسط العدد ‪/8 ، 9667‬ربيع الثاين ‪1426‬ه‪ 17-‬مايو ‪. 2005‬‬
‫ املصدر نفسه‪ ،‬العدد ‪1 ، 10486‬شعبان ‪ 14- 1428‬أغسطس ‪. 2007‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪43‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫‪ -5‬جمموع�ة كبيرة م�ن أهل العل�م واخلبرة يف املجال املرصيف اإلسلامي‪ ،‬منهم الش�يخ‬
‫الدكتور يوسف القرضاوي‪ ،‬حيث يقول الدكتور عيل القرداغي عنه‪ « :‬ومنذ فرتة ازداد هاجس‬
‫القلق من الش�يخ‪ ،‬ومن كثري من املخلصني عىل مسيرة البنوك اإلسلامية‪ ،‬والس�يام مع انتشار‬
‫الت�ورق املصريف املنظم‪ ،‬الذي سماه بعض الفروع اإلسلامية التابعة للبن�وك الربوية يف بعض‬
‫الدول العربية‪ ،‬بتورق اخلري وتورق الربكة ‪ .....‬حيث هاجم الشيخ هذه املحاوالت حتى كتب‬
‫يف بعض اجلرائد القطرية بان التحايل عىل الربا أشد من الربا نفسه »‪.‬‬
‫كام أيد قرار جممع الفقه اإلسلامي هذا اخلاص ببيع التورق املرصيف املنظم‪ ،‬تأييدا آخر من‬
‫قب�ل علماء معارصين آخرين‪ ،‬اعرتضوا علي�ه‪ ،‬منهم الدكتور الصديق الرضير والش�يخ صالح‬
‫عبد اهلل كامل والدكتور صالح احلصني والدكتور خمتار السالمي وآخرون‪.‬‬
‫وهك�ذا يتبين لنا أن ه�ذا املوضوع قد صدر فيه ق�راران من نفس املجم�ع الفقهي‪ ،‬األول‬
‫أجازه‪ ،‬والثاين منعه‪ ،‬ولكن كل قرار قصد معاملة منفصلة عن األخرى‪ ،‬كام بينت ذلك يف بحث‬
‫سابق‪.‬‬
‫وعلي�ه فال جي�وز أن نخلط بين األوراق‪ ،‬وننتقي ما يتامش�ا م�ع مصاحلنا ونت�ذرع بالقرار‬
‫األول املجي�ز‪ ،‬وال�ذي يبني حكم التورق عىل غري الصورة القائم�ة يف البنوك اليوم‪ ،‬وإنام ينبغي‬
‫يفصل األمر ويبني عىل حقيقته‪ ،‬ويف نفس الوقت‪ ،‬فإن السائل الذي يسأل عن حكم التعامل‬
‫أن ّ‬
‫هب�ذه املعاملة عرب الفضائيات‪ ،‬قد ال يفهم أساس� ًا هذا التفصيل عرب عجالة رسيعة من الوقت‪،‬‬
‫م�ن حي�ث طبيعة هذه الربام�ج وأوقاهتا‪ ،‬لذلك عىل الذي يتصدر ملس�ألة اإلفت�اء يف املعامالت‬
‫املالي�ة علي�ه أن يك�ون مل ًام بتفاصيل هذه املس�ائل مطلعا على آخر الق�رارات التي صدرت من‬
‫املجامع الفقهية املعتمدة‪ ،‬فال ينبغي االعتامد عىل قرار يتفق معه اس ً‬
‫ما وخيالفه يف املضمون‪ ،‬دون‬
‫توضيح وبيان حلقيقة الفرق بني األمرين‪ ،‬حتى ال يبقى الس�ائل أو املس�تفتي يف حرج التعارض‬
‫بني الفتويني أو القرارين ‪.‬‬
‫ م�ن مقال للدكتور عيل حمي الدين القرداغ�ي بعنوان العالمة القرضاوي اقتصادي ًا عىل املوقع اإللكرتوين‬
‫للشيخ القرضاوي‪www.qaradawi.net :‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪44‬‬
‫النموذج الثاين‪ :‬مسألة اإللزام بالوعد يف بيع املرابحة وحكمه‪:‬‬
‫حيث صدرت عدة فتوى من جمامع فقهية وهيئات رشعية وشخصيات علمية تؤيد صحة‬
‫بيع املرابحة لآلمر بالرشاء‪ ،‬بصورة عامة‪ ،‬بام فيها مسألة اإللزام بالوعد‪ .‬ومن هذه الفتاوى عىل‬
‫سبيل املثال‪:‬‬
‫‪ -1‬فت�وى مستش�ار بيت التمويل الكويتي الش�يخ بدر املتويل عبد الباس�ط‪ ،‬بعنوان‪:‬جواز‬
‫رشاء البنك للسلع نقد ًا حلساب عمالئه وبيعها هلم بسعر أعىل ‪.‬‬
‫حي�ث ورد يف س�ؤال صادر من رئيس جمل�س إدارة بيت التمويل الكويتي إىل الش�يخ جاء‬
‫فيه‪ :‬نرجو إفتائنا يف مدى جواز قيامنا برشاء السلع والبضائع نقد ًا بتكليف من اآلخرين‪ ،‬وبيعها‬
‫هلم باآلجل‪ ،‬وبأس�عار أعىل من أس�عارها النقدية‪ ،‬وما إىل ذلك‪ ،‬بأن يرغب أحد األشخاص يف‬
‫رشاء س�لعة أو بضاعة معينة لكنه ال يس�تطيع دفع ثمنها نقد ًا فيطلب منا رشائها له‪ ،‬ودفع ثمنها‬
‫نقد ًا ثم بيعها عليه باآلجل مقابل ربح معني متفق عليه مسبق ًا‪.‬‬
‫فأج�اب فضيلة الش�يخ بدر املتويل عبد الباس�ط بقول�ه‪ :‬إنام صدر من طال�ب الرشاء يعترب‬
‫وع�د ًا‪ :‬ونظ�ر ًا ألن األئمة اختلفوا يف هذا الوعد أهو مل�زم أو ال‪ ،‬فإين أميل إىل األخذ برأي ابن‬
‫شربمة (ريض اهلل عنه) الذي يقول ‪ :‬إن كل وعد بااللتزام ال حيل حرام ًا وال حيرم حالالً‪ ،‬يكون‬
‫وعدا ملزما قضاء وديانة ‪.‬‬
‫وهذا ما تشهد له‪ ،‬ظواهر النصوص القرآنية واألحاديث النبوية ‪.‬‬
‫واألخ�ذ هبذا املذهب أيرس عىل الناس والعمل به يضبط املعامالت‪ ،‬وهلذا ليس هناك مانع‬
‫من تنفيذ مثل هذا الرشط واهلل ويل التوفيق ‪.‬‬
‫ ص�درت ه�ذه الفت�وى يف الرابع من مج�ادى اآلخر عام ‪1399‬هـ‪ ،‬بي�ع املرابحة لآلمر بالشراء كام جتريه‬
‫املصارف اإلسالمية‪ ،‬دراسة يف ضوء النصوص والقواعد الرشعية‪ ،‬د‪.‬يوسف القرضاوي‪ ،‬مكتبة وهبة‪،‬‬
‫القاهرة ‪ ،‬الطبعة الثالثة‪1415 ،‬هـ‪1995-‬م‪ ،‬ص‪.9‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪45‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫‪-2‬فتوى املرصف اإلسالمي األول يف ديب يف مجادى اآلخر‪1399‬هـ ‪-‬مايو ‪1979‬م‪:‬‬
‫إذ كان�ت توصي�ة املؤمتر بام يلي‪ « :‬إن مثل ه�ذا التعامل يتضمن وعدا م�ن عميل املرصف‬
‫بالرشاء يف حدود الرشوط املنوه عنها‪ ،‬ووعد ًا آخر من املرصف بإمتام هذا البيع بعد الرشاء طبق ًا‬
‫للرشوط‪.‬‬
‫إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفني قضاء طبقا ألحكام املذهب املالكي ‪ .‬وهو ملزم للطرفني‬
‫ديان�ة طبق�ا ألحكام املذاه�ب األخرى‪ .‬وما يل�زم ديانة يمك�ن اإللزام به قض�اء‪ ،‬وإذا اقتضت‬
‫املصلحة ذلك‪ ،‬وأمكن للقضاء التدخل فيه »‪.‬‬
‫‪-3‬فت�وى مؤمت�ر املرصف اإلسلامي الث�اين املنعقد بالكوي�ت مجادى اآلخ�رة ‪1403‬هـ‪-‬‬
‫‪1983‬م‪ ،‬وقد صدرت منه عدة توصيات‪ ،‬ما يتعلق بموضوعنا التوصية الثامنة‪ ،‬وهي كام ييل‪:‬‬
‫ثامن ًا‪ :‬يقرر املؤمتر أن املواعدة عىل بيع املرابحة لآلمر بالرشاء‪ ،‬بعد متلك الس�لعة املشتراة‪،‬‬
‫وحيازهت�ا‪ ،‬ثم بيعها ملن أمر برشائها بالربح املذكوريف املوعد الس�ابق‪ ،‬هو أمر جائز رشعا‪ ،‬طاملا‬
‫كانت تقع عىل املرصف اإلسلامي مس�ئولية اهلالك قبل التسليم‪ ،‬وتبعة الرد فيام يستوجب الرد‬
‫بعيب خفي‪.‬‬
‫وأم�ا بالنس�بة للوع�د وكون�ه ملزما لآلم�ر أو املرصف أو كليهما‪ ،‬فأن األخ�ذ باإللزام هو‬
‫األحف�ظ ملصلحة التعامل واس�تقرار املعامالت‪ ،‬وفيه مراعاة ملصلحة املصرف والعميل‪ .‬وأن‬
‫األخ�ذ باإلل�زام أمر مقبول رشعا‪ .‬وكل مرصف خمري يف األخذ بام يراه يف مس�ألة القول باإللزام‬
‫حسب ما تراه هيئة الرقابة الرشعية لديه‪.‬‬
‫ث�م توج�ت هذه الفت�وى بق�رار املجمع الفقه�ي يف دورت�ه اخلامس�ة ‪1988‬م‪ ،‬رقم ‪3-2‬‬
‫ املصدر نفسه‪ ،‬ص‪. 10‬‬
‫ دراسة يف ضوء النصوص والقواعد الرشعية ‪ ،‬د‪.‬يوسف القرضاوي‪ ،‬ص ‪.10‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪46‬‬
‫بالكوي�ت وه�ي ‪ « :‬قرراملجمع الفقهي لزوم الوعد ديانة إال لعذر‪ ،‬ولزومه قضاء إذا كان معلق ًا‬
‫ٍ‬
‫كلف�ة نتيجة هذا الوعد‪ ،‬وحدّ د أثر اإلل�زام بالتنفيذ أو التعويض‬
‫عىل س�بب‪ ،‬ودخل املوعود يف‬
‫بمقدار الرضر الفعيل‪ ،‬إذا كان اخللف بال عذر‪.‬‬
‫ثم عورضت هذه الفتاوى بفتوى أخرى تبني صحة بيع املرابحة إذا متت بالصيغة املعروفة‬
‫«‪ ‬العق�د األول بين املالك واملصرف والعقد الثاين بين املرصف والعميل » ولك�ن بدون إلزام‬
‫العميل بتنفيذ وعده امللزم بالرشاء‪.‬‬
‫وهذا ما ذهب إليه الش�يخ ابن باز الرئيس العام إلدارة البحوث العلمية واإلفتاء والدعوة‬
‫واإلرش�اد يف اململكة العربية الس�عودية‪ ،‬حيث وجه إليه الس�ؤل التايل بتاريخ ‪16‬مجادى اآلخر‬
‫‪1402‬هـ‪-‬املوافق‪10‬أبريل ‪1982‬م ‪.‬‬
‫ونص السؤال هو ‪:‬إذا رغب عميل للبنك اإلسالمي برشاء بضاعة ّما تكلفتها ‪ 1000‬ريال‬
‫س�عودي‪ ،‬وأراه�ا البنك اإلسلامي‪ ،‬أو وصفها ل�ه‪ ،‬ووعده برشائها منه مرابح�ة باألجل‪ ،‬ملدة‬
‫سنة‪ ،‬بربح قدره ‪100‬ريال سعودي‪ ،‬لتكون القيمة الكلية ‪ 1100‬ريال سعودي‪ ،‬وذلك بعد أن‬
‫يشرتهيا البنك من مالكها‪ ،‬بدون إلزام العميل بتنفيذ وعده امللفوظ أو املكتوب ؟‬
‫ف�كان جواب�ه كام يلي‪ :‬إذا كان الواقع ما ذكر يف الس�ؤال فال حرج يف املعامل�ة املذكورة إذا‬
‫استقر املبيع يف ملك البنك اإلسالمي وحازه إليه من بائعه‪ ،‬لعموم األدلة الرشعية ‪.‬‬
‫ويبني الدكتور حممد سليامن األشقر أن العمل عىل أساس اإللزام بالوعد السابق بأنه يربط‬
‫الواعد ويوثقه‪ ،‬ويعدمه الرضا حال عقد الرشاء الالحق من البنك‪ ،‬فيكون عقد ًا صوري ًا‪ ،‬وخيرج‬
‫ قرارات و توصيات جممع الفقه اإلسلامي املنبثق عن منظمة املؤمتر اإلسلامي‪-‬جدة‪ ،‬دار القلم‪ ،‬دمشق‪،‬‬
‫الطبعة الثانية‪1418 ،‬هـ‪1998-‬م‪. 92-91 ،‬‬
‫ بيع املرابحة كام جتريه البنوك اإلسلامية د‪.‬حممد س�ليامن األش�قر‪ ،‬دار النفائس‪ ،‬األردن‪ ، ،‬الطبعة الثانية‪،‬‬
‫‪1415‬هـ‪1995-‬م‪ ،‬ص‪.53-52‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪47‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫ع�ن كون�ه (جتارة عن تراض منكم) إىل كونه قرضا بفائدة‪ ،‬ألن الوعد امللزم يكون قد ربط ربطا‬
‫حمكام بني دفع البنك الثمن عند رشائه للبضاعة‪ ،‬وبني أخذ العميل هلا بثمن آجل زآئد‪ ،‬فتحققت‬
‫صورة القرض‪ ،‬و الينفعهم أن يسموه (وعد ًا ببيع املرابحة) ألنه قد علم أن رشط العقود الرضا‬
‫التام بني املتعاقدين‪ ،‬وبذلك الرتايض حيل لكل من الطرفني ما يأخذه من مال االخر‪.‬‬
‫وقد أش�كل فهم هذه الفتوى عىل البعض‪ ،‬فطلب الدكتور س�ليامن األشقر توضيحها من‬
‫قبل الش�يخ ابن باز‪ ،‬حيث احتجت هبذه الفتوى بعض البنوك االسالمية عىل جواز الزام البنك‬
‫عميل�ه بالرشاء بموجب وعد مكتوب مس�بقا‪ ،‬ويتضمن الوعد إل�زام العميل كافة املصاريف و‬
‫اخلس�ائر واألرضار الفعلية التي تنال البنك‪ ،‬وذلك يف حالة نكوله عن امتام عقد الرشاء فأجابه‬
‫الش�يخ اب�ن باز قائ ً‬
‫ال ‪:‬أفي�د فضيلتكم أنه إذا اتفق العميل والبن�ك املذكور عىل رشاء أي بضاعة‬
‫فإن العميل ال يتحمل شيئا من النفقة حتى يتم البيع بينه وبني البنك بعد متلكه للسلعة وحيازته‬
‫هل�ا‪ ،‬أم�ا قبل ذلك فالبيع باطل‪ ،‬والعميل ال يتحمل ش�يئا‪ ،‬والوعد ال يلزمه بيشء من املصاريف‬
‫التي يبذهلا البنك لرشاء السلعة‪ ،‬بل ذلك كله عىل البنك ‪...‬‬
‫‬
‫يقول الدكتور رفيق املرصي يف توصيف هذا اخلالف‪ « :‬إن خالف الفقهاء يف الوعد املجرد‬
‫ال جي�وز س�حبه إىل الوع�د الذي حي�ل حمل العقد‪ ،‬فهن�ا ال جيوز أن يك�ون الوعد ملزم� ًا بحال‪،‬‬
‫واخللاف في�ه غري جائ�ز‪ ،‬وجيب فيه اخلروج من اخللاف إىل القول بعدم اإلل�زام قوالً واحد ًا‪.‬‬
‫ولكثرة املغالبة بني الفقهاء املعارصين يف الوعد‪ ،‬جاء قرار جممع الفقه اإلسالمي لعام ‪1409‬هـ‪،‬‬
‫معرب ًا عنها وعن الشد واجلذب بني الفريقني املتنازعني فقد قرر املجمع‪:‬‬
‫‪ « -1‬أن الوعد وهو الذي يصدر من اآلمر أو املأمور عىل وجه االنفراد يكون ملزما للواعد‬
‫ديان�ة‪ ،‬إال لعذر‪ ،‬وهو ملزم قضا ًء إذا كان معلق ًا بس�بب‪ ،‬ودخل املوع�ود يف كلفة نتيجة الوعد‪،‬‬
‫ويتج�دد أث�ر اإللزام‪ ،‬يف هذه احلالة‪ ،‬إم�ا بتنفيذ الوعد‪ ،‬وإما بالتعويض ع�ن الغررالواقع فعالً‪،‬‬
‫بسبب عدم الوفاء بال عذر‪.‬‬
‫ بيع املرابحة د‪.‬حممد سليامن األشقر ص‪55‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪48‬‬
‫‪ -2‬أن املواع�دة (وه�ي الت�ي تص�در م�ن الطرفني) جت�وز يف بي�ع املرابحة‪ ،‬بشرط اخليار‬
‫للمتواعدي�ن‪ ،‬كليهما أو أحدمها‪ ،‬فإذا مل يكن هناك خيار‪ ،‬فإهن�ا ال جتوز‪ ،‬ألن املواعدة امللزمة يف‬
‫بيع املرابحة تشبه البيع نفسه‪ ،‬حيث يشرتط عندئذ أن يكون البائع مالك ًا للمبيع‪ ،‬حتى ال تكون‬
‫هناك خمالفة لنهي النبي ﷺ عن بيع اإلنسان ما ليس عنده » ‪.‬‬
‫وقد أورد الدكتور رفيق املرصي عدة مأخذ عىل هذا القرار ‪.‬‬
‫وبناء عىل هذا التعارض واالضطراب فقد تعددت تطبيقات صور بيع املرابحة من مرصف‬
‫اسالمي آلخر‪:‬‬
‫فهن�اك مص�ارف تطبق اإلل�زام باملواعدة عىل كل م�ن املرصف والعمي�ل‪ ،‬فيلتزم املرصف‬
‫برشاء السلعة وبيعها إىل العميل‪ ،‬كام يلتزم العميل برشاء السلعة من املرصف‪.‬‬
‫وهناك مصارف أخرى تطبق اإللزام بالوعد عىل املرصف فقط‪ ،‬دون العميل‪ ،‬فإذا اشترى‬
‫املرصف السلعة‪ ،‬التزم ببيعها إىل العميل إذا رغب العميل يف ذلك‪.‬‬
‫وهناك مصارف تطبق اإللزام يف املرابحات اخلارجية‪ ،‬واخليار يف املرابحات الداخلية‪.‬‬
‫وهناك مصارف حتدد الثمن األول والربح منذ املواعدة عىل الرشاء‪ ،‬ومصارف حتدد الربح‬
‫عند املواعدة‪ ،‬ولكنها ال حتدد الثمن األول إال بعد رشاء السلعة‪.‬‬
‫وهناك مصارف تشتري الس�لعة لنفس�ها أوال وقد تودعها يف املخازن اخلاصة هبا‪ ،‬قبل أن‬
‫تبيعها‪ ،‬وهناك مصارف أخرى ال تشرتي السلعة إال بناء عىل طلب العميل ‪ ،‬وحلسابه‪.‬‬
‫ قرارات وتوصيات املجمع الفقهي ‪ ،‬دار القلم‪.92 ،‬‬
‫ املصدر املجموع يف االقتصاد اإلسلامي ‪ ،‬د‪ .‬رفيق يونس املرصي ‪ ،‬دار املكتبي ‪ ،‬دمش�ق‪ ،‬الطبعة األوىل‪،‬‬
‫‪1426‬هـ‪. 406-405 ،2006-‬‬
‫ املجموع يف االقتصاد‪ ،‬د‪.‬رفيق املرصي‪.365-364 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪49‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫ومما ينبغي اإلش�ارة إليه أن س�بب اخلالف يف وجهات نظر العلامء املعارصين‪ ،‬هو خالف‬
‫العلماء األقدمني حول حك�م الوفاء بالوعد املعروف عموما‪ ،‬وهو غير الوعد يف املعاوضات‪،‬‬
‫وهل�ذا نجد بعض الفقهاء نصوا عىل تس�مية الوعد التجاري باملواع�دة‪ ،‬تفريقا بينه وبني الوعد‬
‫الذي هو اخبار عن انشاء املخرب معروفا يف املستقبل‪.‬‬
‫وبن�اء على هذا األمر حصل هذا االضطراب بني املعارصين كما رأينا‪ ،‬يف تعارض الفتوى‬
‫يف املوضوع الواحد نفسه ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪50‬‬
‫النموذج الثالث‪ :‬مسألة تأخر املدينني املورسين عن السداد‪:‬‬
‫تع�د مس�ألة تأخ�ر املدي�ن ع�ن الس�داد م�ن املش�كالت الكبيرة الت�ي تواج�ه املص�ارف‬
‫اإلسلامية حرص ًا‪ ،‬إذ إن املص�ارف التقليدية (الربوية) بعيدة عن هذه املش�كلة مجلة وتفصيالً‪،‬‬
‫ويرج�ع هذا األمر بس�بب فلس�فة األخيرة القائمة أساس� ًا عىل مبدأ كلما تأخر املدي�ن بالوفاء‬
‫ع�ن الدي�ن‪ ،‬كلما زادت الفائ�دة‪ ،‬مم�ا يس�تلزم دف�ع فوائد مركب�ة على الدين األصلي‪ ،‬كام هو‬
‫معلوم للجميع‪.‬‬
‫أما بالنسبة للمرصف اإلسالمي فإن تأخر املتعامل عن السداد يمثل إشكاالً كبري ًا‪ ،‬ينتج عنه‬
‫خل ً‬
‫ال أكرب‪ ،‬بسبب تعثر حركة املال عام هو خمطط له‪ ،‬والواقع يؤيد ذلك ‪ ،‬فإن مصارف إسالمية‬
‫قد مت قروض ًا حس�نة‪ ،‬لكنها وقعت بمش�كل استرداد املال‪ ،‬األمر الذي جعل تلك املصارف‬
‫أن تضيق وحتد من تلك القروض احلس�نة إىل حد كبري‪ ،‬فال تقدم القرض احلس�ن اخلايل من أي‬
‫فائ�دة إىل املتعام�ل إأل إذا كان راتب�ه حم�وال عىل املرصف نفس�ه أصالً‪ ،‬كي يتمكن من استرداد‬
‫الق�در املتفق عليه س�لف ًا‪ ،‬مع بداية نزول الراتب الش�هري للمتعامل‪ ،‬زي�ادة عىل وجوب تقديم‬
‫املتعامل للمرصف ‪ -‬اجلهة التي تقدم القرض احلسن ‪ -‬ما يثبت حاجته املاسة هلذا القرض‪ ،‬من‬
‫مستشفى يتطبب هبا هو أو أحد أفراد أرسته‪ ،‬أو مدرسة خاصة لتعليم األوالد ‪.‬‬
‫ورغ�م كل التحوطات الالزمة التي اختذهتا املصارف اإلسلامية‪ ،‬من أجل تقديم قروض ًا‬
‫حس�ن ًة يضمن استردادها‪ ،‬بع�د تقديمها للعمي�ل دون أي فائ�دة تعود عىل املصرف‪ ،‬فإن ثمة‬
‫مماطالت وجدت عند بعض املتعاملني‪ ،‬مما خلط األمر بني املدين املورس واملعرس‪.‬‬
‫ه�ذا وقد ذك�ر من بحث يف هذا املوضوع أن فقهاء املذاهب مل يش�بعوا هذه املس�ألة (تأخر‬
‫املدين عن س�داد دينه املستحق عليه) بمزيد عناية واهتامم‪ ،‬ولعل األسباب تكمن يف عدة أمور‪،‬‬
‫أمهها ‪.‬‬
‫ البن�وك الت�ي تقدم القرض احلس�ن تقترص على هذين األمرين حرصا يف تقديمه ‪ ،‬بع�د أن يثبت املقرتض‬
‫ذلك بأوراق ثبوتية‪.‬‬
‫ املصارف اإلسالمية ‪ ،‬فادي حممد الرفاعي‪ ،‬منشورات احللبي احلقوقية‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة الرابعة‪،2004 ،‬‬
‫ص‪. 83-82‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫‪51‬‬
‫‪ -1‬مل تك�ن املس�ألة ذات تأثير كبري عىل حرك�ة التجارة واملال‪ ،‬بس�بب كونه بين أفراد ال‬
‫مؤسسات ‪.‬‬
‫‪ -2‬سالس�ة القضاء وعدم تعقيده‪ ،‬س�هل وص�ول الدائن إىل حقه‪ ،‬على عكس تعقيدات‬
‫القض�اء الي�وم واتس�اع املحاكم‪ ،‬وإمكاني�ة بعض املحامين املامطلة واملراوغة بحق�وق الدفاع‪،‬‬
‫باإلضافة إىل مشاكل التنفيذ ‪.‬‬
‫‪ -3‬دقة املسألة وحساسيتها من الناحية الرشعية قيدها‪ ،‬حيث إن إلزام املدين بالتعويضات‬
‫للدائ�ن يف املداين�ات‪ ،‬زيادة عىل أص�ل الدَ ين‪ ،‬مقاب�ل رضره من تأخر الوف�اء واملامطلة فيه‪ ،‬قد‬
‫يش�به الزي�ادة يف الدَ ين مقابل األجل (املنه�ي عنه بالنص) فكان هذا احل�ذر دافع ًا إىل البعد عن‬
‫معاجلت�ه‪ ،‬ذل�ك أن فقهاء املذاهب ق�د بحثوا يف رضر صاحب احلق املعت�دى عليه الذي حجب‬
‫حق�ه يف غري املداين�ات كالغصب وما يف حكمه‪ ،‬فأوجبوا فيه تعوي�ض املالك بقيمة املنافع التي‬
‫فوهتا عليه الغاصب‪ ،‬إذ ليس يف ذلك أي شبهة‪ ،‬أو تقارب يف احلدود الفاصلة بني احلق املرشوع‬
‫ّ‬
‫والربا‪. ‬‬
‫إن مس�ألة وض�ع غرام�ة عىل أص�ل الدين املتأخ�ر بالس�داد‪ ،‬يندرج حتت مس�مى الرشط‬
‫اجلزائي‪ ،‬الذي حتدث عنه الفقهاء كثريا‪ ،‬وهو من الرشوط الوضعية التي يتفق عليها املتعاقدان‪،‬‬
‫واألصل فيها اإلباحة إال رشط ًا أحل حرام ًا أو حرم حالالً‪ ،‬إذ يقول النبي ﷺ‪ « :‬املسلمون عند‬
‫رشوطهم إال رشط ًا حرم حالالً أو أحل حرام ًا » ‪.‬‬
‫وعىل هذا فإن الرشط اجلزائي عقد موجود وواقع يف كثري من التعامالت ‪ ،‬السيام املعامالت‬
‫املرصفية الربوية‪ ،‬وحكمه عىل وفق هذه التعامالت البطالن‪ ،‬بس�بب الفوائد والزيادات املرتتبة‬
‫ حول جواز إلزام املدين املامطل بتعويض الدائن‪ ،‬مصطفى الزرقا‪ ،‬جملة دراس�ات اقتصادية إسلامية‪ ،‬م‪3‬‬
‫العدد‪ ،2‬رجب ‪1417‬هـ‬
‫ رواه البيهقي ‪ ،‬السنن الكربى أليب بكر بن منصور أمحد بن احلسني البيهقي‪ ،‬دار املعرفة‪ ،‬بريوت ‪ ،‬الطبعة‬
‫الثانية‪1408 ،‬هـ‪1988-‬م‪. 79/6 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪52‬‬
‫عىل أصل الدين‪ ،‬ولذلك قد نجده رشط ًا مرفق ًا لكثري من العقود‪ ،‬بل حتى تعدى بعض العقود‬
‫احلكومية كعقود اس�تهالك الكهرباء واملياه يف بعض البلدان‪ ،‬حيث اشترطت دفع الفوائد عند‬
‫التأخر عن تسديد قيمة الفواتري اخلاصة بالكهرباء واملياه‪.‬‬
‫وما يعنينا يف بحثنا هذا‪ ،‬هو تطبيقات الرشط اجلزائي داخل املؤسس�ات املالية اإلسلامية‪،‬‬
‫إذ س�بق وأن بين�ا أن املصارف التقليدية قائمة أساس� ًا عىل ما تأخر من دي�ون‪ ،‬وما يرتتب عليها‬
‫من فوائد‪ ،‬وهذا ش�أهنا‪ ،‬أما بالنسبة للمصارف واملؤسس�ات املالية اإلسالمية فقد انقسم أمرها‬
‫بين م�ن جييز وبني من يمن�ع ذلك‪ ،‬اعتامد ًا على الرؤية الت�ي تتبناها اهليئة الرشعي�ة التابعة لكل‬
‫مؤسسة مالية إسالمية بمعزل عن األخرى‪ .‬و من هنا جاء التعارض يف الفتاوى‪ ،‬إذ إن عدد ًا من‬
‫املؤسس�ات واملصارف اإلسلامية تطبق فوائد التأخري برشط جزائي منصوص عليه يف العقد‪،‬‬
‫أو بدون نص عليه‪ ،‬غري أهنا ال تسميها فوائد‪ ،‬بسبب حساسيتها وإنام ختتار هلا مسميات أخرى‪،‬‬
‫منها عىل س�بيل املثال (غرامات التأخري) و (تعويضات الربحية) وغريها من املسميات‪ .‬بينام‬
‫هناك مؤسسات ومصارف إسالمية أخرى متنعه وال جتيزه ‪.‬‬
‫وحلساس�ية املس�ألة وتش�ابكها وعدم وجود أقوال معتمدة للعلامء األقدمني‪ ،‬سأخرج عن‬
‫منهجية البحث التي التزمتها يف النموذجني السابقني يف عدم اخلوض يف اخلالف والدليل لكل‬
‫فريق‪ ،‬وسأذكرها يف هذه املسألة‪.‬‬
‫املجيزون‪:‬‬
‫اس�تدل املجيزون الذين ذهب�وا إىل القول بجوازأخذ التعويض م�ن املدين الذي تأخر عن‬
‫السداد مثل الشيخ مصطفى الزرقا والشيخ عبد احلميد السائحباملقرتحات اآلتية ‪:‬‬
‫ الرشط اجلزائي وتطبيقاته املعارصة‪ ،‬د‪.‬عيل أمحد الس�الوس‪ ،‬جملة املجمع الفقهي اإلسالمي‪ ،‬السنة الثانية‬
‫عرشة‪ ،‬العدد الرابع عرش‪1422 ،‬هـ‪2001-‬م‪ ،‬ص‪.126‬‬
‫ املصدر نفسه‪ ،‬العدد‪ ،14‬ص‪. 127‬‬
‫ التعويض عن رضر املامطلة يف الدّ ين بني الفقه واالقتصاد‪ ،‬د‪.‬حممد أنس الزرقا ‪ ،‬د‪.‬حممد عيل القري‪ ،‬ص‪. 34‬‬
‫ املصارف اإلسالمية ‪ ،‬فادي حممد الرفاعي‪ ،‬ص‪. 85‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪53‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫‪-1‬إن مبدأ تعويض الدائن عن رضره‪ ،‬نتيجة ملامطلة املدين‪ ،‬وتأخري وفاء الدين يف موعده‬
‫مقب�ول فقه�ا‪ ،‬إذ ال يوجد يف نص�وص الرشيعة وأصوهل�ا ومقاصدها العامة م�ا يتنافا معه‪ ،‬بل‬
‫بالعكس يوجد ما يؤيده ويوجبه‪ ،‬واستحقاق هذا التعويض عىل املدين مرشوط بأن ال يكون له‬
‫معذرة رشعية يف هذا التأخري‪ ،‬بل يكون مليئ ًا مماط ً‬
‫ال يستحق الوصف بأنه ظامل كالغاصب‪.‬‬
‫ث�م إن الرضر الذي وقع عىل الدائن جيب أن يزال‪ ،‬حس�ب قواعد الرشيعة‪ ،‬وال إزالة هلذا‬
‫الرضر إال بالتعويض‪.‬‬
‫‪ -2‬مرج�ع تقدي�ر معذرة املدين من عدمها‪ ،‬وتقدي�ر رضر الدائن يعود إىل القضاء يف مجيع‬
‫األحوال‪.‬‬
‫‪-3‬ال جيوز اإلتفاق مسبق ًا بني الدائن واملدين عىل حتديد رضر الدائن عن تأخر الوفاء‪.‬‬
‫‪ -4‬حت�دد املحكم�ة مقدار الرضر‪ ،‬والتعويض عنه بام ف�ات الدائن من ٍ‬
‫ربح معتاد يف طريق‬
‫التجارة العامة بأدنى حدوده العادية‪ ،‬لو أنه قبض دينه يف موعده‪ ،‬وأستثمره يف الطرق املرشوعة‬
‫يف اإلسالم‪ ،‬وال عربة لسعر الفائدة املرصفية السائدة‪.‬‬
‫‪ -5‬من جهة أخرى أن مسألة تأخرأداء احلق‪ ،‬تشبه الغصب‪ ،‬وينبغي أن تأخذ نفس احلكم‪،‬‬
‫وه�و أن الغاص�ب يضم�ن منافع املغصوب م�دة الغصب عند اجلمهور‪ ،‬إىل جن�ب ضامنه قيمة‬
‫املغصوب لو هلك‪.‬‬
‫وقد فرق الشيخ مصطفى الزرقا بني مقرتحاته وبني الفوائد الربوية بام ييل‪:‬‬
‫‪-1‬الفائ�دة يف حقيقتها اس�تغالل من الدائ�ن للمدين وجلهوده‪ ،‬وأم�ا التعويض عن رضر‬
‫التأخري فبعيد عن هذا‪ ،‬بل هو إقامة للعدل وإزالة للرضر‪.‬‬
‫‪-2‬الفائدة يف املداينات تعقد املداينة عىل أساس�ها من البداية‪ ،‬فتكون طريقة استثامرية‪ ،‬أما‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪54‬‬
‫التعويض عن الرضر فليس طريق ًا اس�تثامري ًا‪ ،‬وإنام هو إعادة عادلة ملا كان قد حيصل عليه‪ ،‬و ال‬
‫تكون املداينة قائمة عليها من البداية بخالف الفائدة‪.‬‬
‫املانعــون‪:‬‬
‫بينام ذهب أغلب العلامء املعارصين إىل عدم جواز الزيادة (التعويض) عىل أصل الدين يف‬
‫كل األحوال‪ ،‬و ذلك بسب اآليت‪:‬‬
‫‪-1‬التعويض عن رضر التأخري زيادة مرشوطة يف قرض هو ربا حمرم ملا روي عن النبي ﷺ‬
‫أنه قال ‪ « :‬كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا » ‪.‬‬
‫‪-2‬أن فت�ح ب�اب التعوي�ض التأخيري ي�ؤدي إىل إباح�ة الرب�ا املح�رم كما ح�دث م�ع‬
‫الكنيسة‪.... ‬‬
‫و م�ن هن�ا ندرك أن التعويض ع�ن رضر التأخري يف الديون ال جيوز رشع� ًا إذا حصل عليه‬
‫الدائن باشرتاط أو وعد أو عرف‪ ،‬ألنه زيادة مرشوطة يف قرض أو سلف‪.‬‬
‫مناقشة املسألة‪:‬‬
‫تبني لنا من اس�تعراض القولني الس�ابقني‪ ،‬بأن الذين قالوا بمنع التعويض عىل أصل الدّ ين‬
‫أرج�ح لق�وة الدليل الذي احتجوا ب�ه‪ ،‬ولكن هناك من يقول بالقول اآلخ�ر‪ ،‬القائل بالتعويض‬
‫كعقوب�ة زاج�رة للمدين جراء ما ق�ام به من تأخري عىل املرصف‪ ،‬ومعل�وم أن األئمة قد اختلفوا‬
‫يف مس�ائل ش�تى‪ ،‬وأس�باب اختالف الفقهاء كثيرة‪ ،‬كام أرشن�ا إىل ذلك من قبل‪ ،‬أم�ا يف زماننا‬
‫فيتعني أن حيس�م اخلالف يف النوازل ملرجعية عليا تكون فيص ً‬
‫ال يف ما أش�كل من مس�ائل‪ ،‬ولعل‬
‫ التعويض عن الرضر‪ ،‬د‪.‬أنس الزرقا‪ ،‬د‪.‬حممد القري‪ ،‬ص‪.35‬‬
‫ رواه البيهقي يف السنن الكربى ‪350/5 ،‬‬
‫ املصارف اإلسالمية‪ ،‬د‪.‬فادي الرفاعي‪. 86 ،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪55‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫االعتماد على املجام�ع الفقهية املعتبرة وإلزامية قراراهتا على وجه قانوين ه�ي املخرج من هذا‬
‫اإلش�كال الكبري‪ ،‬ولوضع حد لتباي�ن وتعارض الفتاوى بني هيئات الفت�وى والرقابة الرشعية‬
‫يف املؤسس�ات املالية اإلسالمية يف املس�ألة الواحدة‪ ،‬ففيام خيص هذه املسألة لوحدها (املصارف‬
‫اإلسالمية التي تطبق فوائد التأخري برشط جزائي بمسميات خمتلفة) ينقل األستاذ الدكتور عيل‬
‫الس�الوس (حفظه اهلل تعاىل) اس�تبيان ًا أجراه أحد الباحثني ضم سبعة وعرشين مرصف ًا إسالمي ًا‬
‫فكانت النتيجةكاآليت‪:‬‬
‫‪-1‬ع�دد املص�ارف التي تطبق غرامات التأخري(‪ )12‬اثن�ا عرشمرصف ًا‪ ،‬وكلها تطبقها عىل‬
‫املدين املامطل فقط‪.‬‬
‫‪-2‬غرام�ات التأخري بقرار من هيئة الرقابة الرشعية (‪ )9‬تس�عة مص�ارف‪ ،‬غري أن التطبيق‬
‫العميل ال يوافق القرار يف ثالثة منها ‪.‬‬
‫‪-3‬الن�ص على رشط الغرامة يف العقود (‪ )9‬تس�عة مصارف‪ ،‬ومصرف منها النص بدون‬
‫قرار اهليئة‪.‬‬
‫‪-4‬طريقة احتساب الغرامات هي نفسها طريقة حساب األرباح يف(‪ )5‬مخسة مصارف‪.‬‬
‫‪-5‬اإليرادات التي تضاف إليرادات املرصف هي يف (‪ )4‬أربعة مصارف‪.‬‬
‫ث�م يعق�ب فضيلت�ه قائ ً‬
‫ال ‪ « :‬ومن ه�ذا يتبني أن اهل�دف من رشط غرام�ة التأخري هو زجر‬
‫املدي�ن املامط�ل وردعه وعقوبت�ه‪ ،‬وإدراك أن هذه الغرامات من الربا املح�رم‪ ،‬فتنفق يف الصالح‬
‫الع�ام ما عدا اربعة مصارف اس�تلمت هذه الغرامات‪ ،‬وأضافتها إلي�رادات املرصف‪ ،‬فاختلط‬
‫احلالل باحلرام‪ ،‬وأحد هذه املصارف األربعة يقوم هبذه العملية مستند ًا إىل قرار من هيئة الرقابة‬
‫الرشعية! » ‪.‬‬
‫ جملة املجمع الفقهي‪ ،‬د‪.‬عيل السالوس‪ ،‬الرشط اجلزائي وتطبيقاته املعارصة‪ ،‬ص‪127‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪56‬‬
‫ق�رار جملس املجمع الفقهي لرابطة العامل اإلسلامي بمكة املكرم�ة يف الدورة احلادية عرشة‬
‫القرار الثامن‪ ،‬ونصه كاآليت‪:‬‬
‫إن جملس املجمع الفقهي اإلسالمي لرابطة العامل اإلسالمي املنعقد بمكة املكرمة يف الفرتة‬
‫من يوم األحد ‪ 13‬رجب ‪1409‬هـ املوافق‪ 19‬فرباير قد نظر يف موضوع السؤال التايل‪:‬‬
‫إذا تأخر املدين عن الس�داد يف املدة املحددة فهل له‪-‬البنك‪ -‬احلق بأن يفرض عىل املدين‪،‬‬
‫غرامة مالية جزائية بنسبة معينة‪ ،‬بسبب التأخر عن السداد يف املوعد املحدد بينهام؟‬
‫وبعد البحث والدراسة قرر املجمع الفقهي باإلمجاع ما ييل‪ :‬بأن الدائن إذا رشط عىل املدين‬
‫أو فرض عليه أن يدفع له مبلغ ًا من املال غرامة جزائية حمددة‪ ،‬أو بنسبة معينة إذا تأخر عن السداد‬
‫يف املوع�د املح�دد بينهام‪ ،‬فهو رشط أو فرض باطل‪ ،‬ال جيب الوفاء به‪ ،‬بل وال حيل‪ ،‬س�واء أكان‬
‫الشارط هو املرصف أم غريه‪ ،‬ألن هذا بعينه هو ربا اجلاهلية‪ ،‬الذي نزل القرآن بتحريمه‪.‬‬
‫قرار رقم ‪ )14/6(133‬بشأن مشكلة املتأخرات يف املؤسسات املالية اإلسالمية‪:‬‬
‫إن جمل�س جمم�ع الفقه االسلامي الدويل املنبث�ق عن منظم�ة املؤمتر االسلامي املنعقد يف‬
‫دورت�ه الرابع�ة عرشة بالدوحة(دولة قط�ر) من ‪ 12-8‬ذو القع�دة ‪1423‬هـ‪-‬املوافق‪13-11‬‬
‫يناي�ر‪ 2003‬م‪ ،‬بع�د اطالع�ه على البح�وث ال�واردة إىل املجم�ع بخصوص موضوع مش�كلة‬
‫املتأخرات يف املؤسس�ات املالية اإلسالمية‪ ،‬وبعد اس�تامعه إىل املناقشات التي دارت حوله‪ ،‬قرر‬
‫ما ييل ‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬إن أس�لوب معاجل�ة مش�كلة املتأخرات التي تواجهها املؤسس�ات املالية اإلسلامية‬
‫ختتل�ف عن األس�لوب الذي تس�تخدمه البن�وك التقليدية‪ ،‬حي�ث إن البنوك التقليدي�ة تتعامل‬
‫بالفائدة املحرمة‪ ،‬لذا فإن من املناسب التأكيد عىل حتريم الفوائد البنكية‪.....‬‬
‫ قرارات وتوصيات جممع الفقه اإلسالمي الدورة احلادية عرش املنعقدة بالدوحة ‪2003 -1423‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪57‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫ثاني ًا‪ :‬الديون املتأخر سدادها‪:‬‬
‫‪ -1‬بخصوص الرشط اجلزائي يف العقود‪ :‬يؤكد املجلس قراراته الس�ابقة بالنس�بة للرشط‬
‫اجلزائي الواردة يف قرار السلم رقم(‪ )95/2/89‬ونصه‪:‬ال جيوز الرشط اجلزائي عن التأخري يف‬
‫تس�ليم املس�لم فيه‪ ،‬ألنه عبارة عن دين‪ ،‬و الجيوز اشتراط الزيادة يف الديون عند التأخري‪ ،‬وقرر‬
‫يف ه�ذا ‪ ،‬الشرط اجلزائي رق�م ‪ )12/3(109‬ونصه‪ :‬جي�وز أن يكون الشرط اجلزائي يف مجيع‬
‫العق�ود املالية ما عدا العق�ود التي يكون اإللتزام األصيل دينا‪ ،‬فإن هذا من الربا الرصيح‪ ،‬وبناء‬
‫عىل هذا ال جيوز الرشط اجلزائي مثال يف البيع بالتقس�يط بس�بب تأخر املدين عن سداد األقساط‬
‫املتبقية س�واء كان بسبب اإلعسار‪ ،‬أو املامطلة‪ ،‬وال جيوز يف عقد االستصناع بالنسبة للمستصنع‬
‫إذا تأخر يف أداء ما عليه‪.‬‬
‫‪ -2‬يؤكد املجمع عىل قراره الس�ابق يف موضوع البيع بالتقس�يط رقم ‪)6/2(53‬يف فقراته‬
‫اآلتية‪:‬‬
‫ثالث ًا‪ :‬إذا تأخر املشرتي املدين يف دفع األقساط عن املوعد املحدد فال جيوز إلزامه أي زيادة‬
‫عىل الدين برشط سابق‪ ،‬أو بدون رشط‪ ،‬ألن ذلك ربا حمرم‪.‬‬
‫رابع� ًا‪ :‬حي�رم عىل املدين امليلء أن يامطل يف أداء ما حل باألقس�اط‪ ،‬ومع ذلك الجيوز رشع ًا‬
‫اشرتاط التعويض يف حالة الـتأخر عن األداء‪.‬‬
‫خامس� ًا‪ :‬جي�وز رشع ًا أن يشترط البائع ألجل حلول األقس�اط قبل مواعيده�ا عند تأخري‬
‫املدين عن أداء بعضها ما دام املدين قد ريض هبذا الرشط عند التعاقد‪.‬‬
‫سادس� ًا‪ :‬ال حيق للبائع االحتفاظ بملكية املبيع بعد البيع‪ ،‬ولكن ال جيوز للبائع أن يشترط‬
‫عىل املشرتي رهن املبيع عنده لضامن حقه يف استيفاء األقساط املؤجلة‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪58‬‬
‫اخلامتــــة‬
‫حل�ول ومقرتح�ات ملعاجلة تع�ارض الفت�اوى بني هيئ�ات الفت�وى والرقاب�ة الرشعية يف‬
‫املؤسسات املالية اإلسالمية‪.‬‬
‫تبين لنا مما س�بق يف املبحث األخري من ه�ذا البحث‪ ،‬وجود بعض التض�ارب والتعارض‬
‫بين بعض القرارات والفتاوى بين بعض هيئات الفتوى والرقابة الرشعية يف هذه املؤسس�ات‬
‫املالية اإلسلامية‪ ،‬األمر الذي و ّلد نوعا من الضبابية عىل بعض املعامالت التي تتعامل هبا هذه‬
‫املؤسس�ات‪ ،‬فض ً‬
‫ال ع�ن ازدياد ظاهرة النوافذ الرشعية يف املؤسس�ات املالية التقليدية ألس�باب‬
‫بيناها فيام س�بق‪ ،‬وال ش�ك أن هذه املؤسسات املالية اإلسلامية األصيلة فض ً‬
‫ال عن املؤسسات‬
‫التقليدي�ة الت�ي فتح�ت نوافذ رشعية فيه�ا‪ ،‬بحاجة متزايدة اىل مستش�ارين رشعيين ومراقبني‬
‫وهيئ�ات رشعي�ة‪ ،‬وعىل مس�توى ٍ‬
‫عال من اإلحاطة باألح�كام الرشعية عام�ة‪ ،‬وفقه املعامالت‬
‫والبيوع بش�كل خ�اص‪ ،‬زيادة على املعرفة واإلحاطة التام�ة بالعمل املصريف التقليدي‪ ،‬لكي‬
‫يس�تطيع التميي�ز بني الصالح والطالح من املعامالت‪ ،‬وال ش�ك أن ه�ذه الصفة التي جتمع بني‬
‫معرفة األحكام الرشعية من جانب‪ ،‬ومعرفة املعامالت املرصفية يف نفس الوقت مطلب عسري‪،‬‬
‫قد ال يتوفر‪ ،‬إال بنسبة ضئيلة جدا‪ ،‬إذا ما قارهنا بواقع املصارف اليوم‪ ،‬وعليه ومع انتشار ظاهرة‬
‫املصارف اإلسلامية (وهلل احلمد)‪ ،‬ومش�كلة النوافذ الرشعية يف البنوك التقليدية بش�كل كبري‪،‬‬
‫فق�د ازدادت احلاج�ة إىل ه�ذا الصنف من العلامء‪ ،‬مع اتفاقنا عىل ندرهت�م‪ ،‬حيث نعلم أن األمر‬
‫يف بداي�ة التجرب�ة أي قبل مايزيد على الثالثني عام ًا‪ ،‬مل تكن هذه املصارف هبذا االنتش�ار وهبذا‬
‫املس�توى من التن�وع يف تقديم اخلدمات واملنتجات املرصفية‪ ،‬األمر الذي كان اليس�توجب من‬
‫هيئ�ات الرقابة الرشعية يف تلك املصارف االسلامية املتابعة امليدانية يوم�ا بيوم‪ ،‬والتحري عن‬
‫كل معاملة‪ ،‬فكانت االجتامعات الفصلية أو نصف سنوية قد تفي بمتابعة تلك املعامالت‪ ،‬عن‬
‫طريق ما يردها من أس�ئلة واس�تفتاءات‪ ،‬ولكن بعد هذا التوسع الكبري‪ ،‬ال يمكن لنا أن نتصور‬
‫أن يس�تطيع (س) م�ن العلماء‪ ،‬مهام أويت م�ن علم يف اجلان�ب الرشعي واجلان�ب املرصيف ‪ ،‬أن‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪59‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫حيي�ط بأكثر من عرشين مرصف منترش يف بقاع ش�تى م�ن دول العامل‪ ،‬إحاطة تامة‪ ،‬حيث يراجع‬
‫ويس�تفرس منه عن طريق اهلاتف والفاكس !! الش�ك أن هذه املس�ؤوليات الكثرية واملش�اغل‪،‬‬
‫فضلا ع�ن ما حتتاج�ه كل معاملة م�ن تفصي�ل وتأصيل‪ ،‬واس�تدالل مل يتح الوق�ت الكايف من‬
‫اإلحاط�ة بحقيق�ة كل معاملة‪ ،‬مما جعل بعضهم‪ ،‬يعتمد عىل دراس�ة من معه م�ن العلامء‪ ،‬وثوقا‬
‫بعلمه فيكتفي بالتوقيع! وهلذا الس�بب ولغيره‪ ،‬كثرت الفتاوى املالية‪ ،‬وتعارضت‪ ،‬واضطربت‬
‫يف بعض األحيان‪ ،‬األمر الذي جيعلنا أن نراجع التجربة من جديد‪ ،‬أو نستحدث ما يواكب هذا‬
‫االنتشار والتوسع‪ ،‬عىل وفق املقرتحات التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬االتف�اق عىل إجياد هيئة عليا أو جملس دويل يت�وىل اصدار القرارت والفتاوى باالعتامد‬
‫على قرارات وأحكام املجام�ع الفقهية املعتمدة‪ ،‬تكون مرجعا ملزما يف ما يصدر‪ ،‬بحيث تكون‬
‫مرجعية اهليئة الرشعية أو جملس الفتوى يف كل مرصف خاضعة هلذه اهليئة العليا‪ ،‬أو هذا املجلس‬
‫الدويل‪.‬‬
‫‪-2‬إن تعسر إجي�اد مثل هذه اهليئة العليا أو هذا املجلس عىل مس�توى الدول التي انترشت‬
‫فيه�ا املص�ارف اإلسلامية والنوافذ الرشعية‪ ،‬فيكون عىل مس�توى الدولة‪ ،‬الس�يام الدول التي‬
‫انترشت وترعرعت فيها الظاهرة مثل دولة اإلمارات العربية املتحدة ‪.‬‬
‫‪ -3‬تك�ون ه�ذه اهليئة العليا أو هذا املجلس مرتبط ارتباط ًا مبارش ًا بأعىل س�لطة يف الدولة‪،‬‬
‫بحيث تكتس�ب قراراته الدرجة القطعية وتأخذ طابع اإللزام‪ ،‬بحيث تعاقب املؤسس�ة املخالفة‬
‫ألحكام�ه‪ ،‬إما باإلنذار أو بالتعويض أو باإللغاء‪ ،‬تك�ون مهمته تويل اإلرشاف والرقابة الفعلية‬
‫على هيئ�ات الفتوى والرقابة الرشعية‪ ،‬عىل مس�توى بنوك ومصارف الدول�ة‪ ،‬عن طريق جهاز‬
‫إداري متكامل‪.‬‬
‫‪-4‬م�ن أج�ل إجياد هذا اجله�از اإلداري املتكام�ل املتخصص باجلان�ب (الرشعي ‪+‬املايل)‬
‫وم�ا يتعل�ق به م�ن املرصفي�ة التقليدي�ة‪ ،‬ينبغي إجياد معه�د لتأهيل كوادر ش�ابة‪ ،‬بع�دد حمدود‪،‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪60‬‬
‫يتوىل تدريس�هم نخبة من املتخصصني يف اجلانب الرشع�ي واجلانب املرصيف‪ ،‬عرب منهج علمي‬
‫مدروس‪.‬‬
‫‪ -5‬تك�ون مرجعي�ة هذا اجلهاز التنفي�ذي (الرشعي ‪ +‬املرصيف) باهليئة العليا‪ ،‬التي تس�تند‬
‫قرارهتا اىل املجامع الفقهية املعتمدة ‪.‬‬
‫‪ -6‬تت�وىل اهليئ�ة العليا متابعة وتنفي�ذ القرارات املتخذة‪ ،‬فضال ع�ن متابعة أعضاء هيئات‬
‫الفتوى والرقابة الرشعية يف املؤسس�ات املالية األصلية والنوافذ الرشعية‪ ،‬بحيث يكون ارتباط‬
‫هذه اهليئات الرشعية باهليئة العليا‪ ،‬وال عالقة هلم ‪ -‬هليئات الفتوى والرقابة الرشعية‪ -‬باملؤسسة‬
‫املالي�ة التي يعملون فيها‪ ،‬س�واء أكانوا مراقبني رشعني أو ضم�ن هيئة الفتوى والرقابة عىل حد‬
‫سواء أو من يمثلهم ‪.‬‬
‫‪ -7‬تت�وىل اهليئة العليا ش�ؤون ه�ذه اهليئات‪ -‬هيئات الفتوى والرقاب�ة الرشعية ‪ -‬كافة من‬
‫حي�ث‪ :‬التعيني والرات�ب والدوام والغي�اب والتقييم واإلختب�ارات رالدورية وع�دم االكتفاء‬
‫بإج�راء االختب�ارات يف بداي�ة التعني‪ ،‬ملواكبة ما يس�تحدث ويس�تجد من معاملات مرصفية‪،‬‬
‫وتكون هي املعنية يف سائر األمور اإلدارية حرص ًا ‪.‬‬
‫واهلل املوفق واهلادي سواء السبيل ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪61‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫املصـادر‬
‫ القرآن الكريم ‪.‬‬‫‪ .1‬األح�كام الس�لطانية والوالي�ات الديني�ة أليب احلس�ن علي ب�ن حمم�د امل�اوردي ‪ ،‬دار األرق�م بن‬
‫أيب األرقم ‪.‬‬
‫‪ .2‬استقالل أعضاء اهليئات الرشعية ‪ ،‬د‪.‬حممد عيل القري‪ ،‬بحث مقدم للمؤمتر الثاين للهيئات الرشعية‬
‫للمؤسسات املالية اإلسالمية‪ ،‬املنعقد يف مملكة البحرين يف ‪2002/10/30-29‬م‪.‬‬
‫‪ .3‬أصول الدعوة عبد الكريم زيدان ‪ ،‬مؤسسة الرسالة‪.‬‬
‫‪ .4‬أص�ول الفق�ه اإلسلامي‪ ،‬أ‪.‬د حمم�د مصطف�ى ش�لبي ‪ ،‬دار النهض�ة العربي�ة ‪ ،‬بيروت ‪-1406‬‬
‫‪1986‬م‪.‬‬
‫‪ .5‬أصول الفقه الشيخ حممد أبو زهرة ‪ ،‬دار الفكر العريب‪ ،‬القاهرة‪.‬‬
‫‪ .6‬أصول الفقه املسمى‪ :‬الفصول يف األصول‪ ،‬لإلمام أمحد بن عيل اجلصاص‪ ،‬دراسة وحتقيق د‪.‬عجيل‬
‫النشمي‪ ،‬الطبعة الثانية‪1414 ،‬هـ‪1994-‬م‬
‫‪ .7‬أصول الفقه‪ ،‬الشيخ حممد اخلرضي بك ‪ ،‬املكتبة التجارية الكربى بمرص‪1969 ،‬م‪.‬‬
‫‪ .8‬إعالم املوقعني عن رب العاملني البن القيم اجلوزية‪ ،‬دار اجليل‪ ،‬بريوت‪1973 ،‬م‪.‬‬
‫‪ .9‬بي�ع املرابح�ة كام جتريه البنوك اإلسلامية د‪.‬حممد س�ليامن األش�قر ‪ ،‬دار النفائ�س األردن‪ ، ،‬ط‪، 2‬‬
‫‪1415‬هـ‪1995-‬م‪.‬‬
‫‪ .10‬بي�ع املرابحة لآلمر بالرشاء كام جتريه املصارف اإلسلامية‪ ،‬دراس�ة يف ض�وء النصوص والقواعد‬
‫الرشعية ‪ ،‬د‪.‬يوسف القرضاوي‪ ،‬مكتبة وهبة‪ ،‬القاهرة ‪ ،‬الطبعة الثالثة‪1415 ،‬هـ‪1995-‬م‪.‬‬
‫‪ .11‬تاج العروس من جواهر القاموس‪ ،‬حمب الدين الزبيدي ‪ ،‬دار الفكر‪1414 ،‬هـ‬
‫‪ .12‬تبني احلقائق رشح كنز الدقائق فخر الدين عثامن بن عيل الزيلعي‪ ،‬دار الكتاب اإلسالمي‪ ،‬الطبعة‬
‫الثانية‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪62‬‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪ .13‬تفسري الرازي‪ ،‬حممد فخر الدين الرازي‪ ،‬دار الفكر‪1414 ،‬هـ‪1994-‬م ‪.‬‬
‫‪ .14‬تفعي�ل دور هيئ�ات الرقابة والفتوى يف املؤسس�ات املالية اإلسلامية األس�تاذ الدكتور عبد احلق‬
‫محي�ش ‪ ، :‬املنش�ور يف جملة جامعة الش�ارقة للعل�وم الرشعية واإلنس�انية‪ ،‬املجل�د‪ ،4‬العدد‪ ،1‬حمرم‬
‫‪1428‬هـ‪2007‬م‬
‫‪ .15‬جام�ع البي�ان يف تأوي�ل الق�رآن ‪ ،‬حمم�د ب�ن جري�ر الطربي‪ ،‬مؤسس�ة الرس�الة‪ ،‬الطبع�ة األوىل‪،‬‬
‫‪1420‬هـ‪2000 -‬م‪.‬‬
‫‪ .16‬جري�دة الشرق األوس�ط ‪ ،‬العدد ‪1 ، 10486‬ش�عبان ‪ 14- 1428‬أغس�طس ‪ ، 2007‬و العدد‬
‫‪/8 ، 9667‬ربيع الثاين ‪1426‬ه‪ 17-‬مايو ‪005‬م‪.‬‬
‫‪ .17‬حقيق�ة بي�ع الت�ورق الفقهي والت�ورق املرصيف‪ ،‬الدكت�ور إبراهيم عب�د اللطيف العبي�دي‪ ،‬دائرة‬
‫الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي‪ ،‬ط‪1429 ،1‬هـ‪2008-‬م‪.‬‬
‫‪ .18‬ح�ول ج�واز إل�زام املدين املامط�ل بتعويض الدائ�ن‪ ،‬مصطفى الزرق�ا‪ ،‬جملة دراس�ات اقتصادية‬
‫إسالمية‪ ،‬م‪ 3‬العدد‪ ،2‬رجب ‪1417‬هـ‬
‫‪ .19‬رد املحتار عىل الدر املختار ‪ ،‬البن عابدين ‪ ،‬دار إحياء الرتاث اإلسالمي‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية‪،‬‬
‫‪1407‬هـ‪1987‬م‪.‬‬
‫‪ .20‬الرقاب�ة الرشعي�ة الفعال�ة يف املؤسس�ات املالية اإلسلامية ‪ ،‬املؤمتر العاملي لالقتصاد اإلسلامي‪،‬‬
‫جامعة أم القرى‪ ،‬مكة املكرمة‪ ،‬اململكة العربية السعودية‪1426 ،‬هـ ‪2005‬م‪.‬‬
‫‪ .21‬الرقاب�ة الرشعي�ة الفعال�ة يف املؤسس�ات املالية اإلسلامية‪ ،‬أ‪.‬د‪ .‬عبد احلميد البعلي‪ ،‬بحث مقدم‬
‫إىل املؤمتر العاملي لالقتصاد اإلسلامي‪ ،‬جامعة أم القرى‪ ،‬مكة املكرمة‪ ،‬اململكة العربية الس�عودية‪،‬‬
‫‪1426‬هـ ‪2005‬م‬
‫‪ .22‬الس�نن الكربى أليب بكر بن منصور أمحد بن احلسين البيهقي‪ ،‬دار املعرفة‪ ،‬بريوت الطبعة الثانية‪،‬‬
‫‪1408‬هـ‪1988-‬م‪.‬‬
‫‪ .23‬سنن ابن ماجه‪ ،‬دار إحياء الرتاث العريب‪1395 ،‬هـ‪.1975-‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪63‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫‪ .24‬سنن الرتمذي ‪ ،‬حممد عيسى الرتمذي‪ ،‬مكتبة املعارف‪ ،‬الرياض‪ ،‬الطبعة األوىل‪.‬‬
‫‪ .25‬سنن الدرامي أبو عبد اهلل الدارمي ‪ ،‬دار القلم دمشق‪ ،‬الطبعة الثانية‪ 1417 ،‬هـ ‪1996‬م ‪.‬‬
‫‪ .26‬السنن الكربى أليب بكر بن منصور أمحد بن احلسني البيهقي‪ ،‬دار املعرفة‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية‪،‬‬
‫‪1408‬هـ‪1988-‬م‪.‬‬
‫‪ .27‬الرشط اجلزائي وتطبيقاته املعارصة‪ ،‬د‪.‬عيل أمحد السالوس‪ ،‬جملة املجمع الفقهي اإلسالمي‪ ،‬السنة‬
‫الثانية عرشة‪ ،‬العدد الرابع عرش‪1422 ،‬هـ‪2001-‬م‪.‬‬
‫‪ .28‬صحيح مسلم برشح النووي‪ ،‬دار املعرفة‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية‪1415 ،‬هـ‪1995-‬م‪.‬‬
‫‪ .29‬الغيث اهلامع رشح مجع اجلوامع ‪ ،‬ويل الدين أبو زرعة العراقي‪ ،‬الفاروق احلديثة للطباعة والنرش‪،‬‬
‫الطبعة األوىل‪1420 ،‬هـ‪2000-‬م‪.‬‬
‫‪ .30‬فتح الباري رشح صحيح البخاري‪ ،‬البن حجر العسقالين‪ ،‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة‬
‫األوىل‪1410 ،‬هـ‪1989-‬م‪.‬‬
‫‪ .31‬الفقي�ه واملتفق�ه‪ ،‬للحاف�ظ أيب بك�ر أمح�د بن علي البغ�دادي‪ ،‬دار ابن اجل�وزي‪ ،‬الطبع�ة األوىل‪،‬‬
‫‪1417‬هـ‪1997-‬م‪.‬‬
‫‪ .32‬قرارات و توصيات جممع الفقه اإلسالمي املنبثق عن منظمة املؤمتر اإلسالمي‪ -‬جدة‪ ،‬دار القلم‪،‬‬
‫دمشق‪ ،‬الطبعة الثانية‪1418 ،‬هـ‪1998-‬م ‪.‬‬
‫‪ .33‬لسان العرب‪ ،‬البن منظور‪ ،‬دار صادر‪ ،‬بريوت‪ ،‬الطبعة األوىل‪.‬‬
‫‪ .34‬املجم�وع يف االقتص�اد اإلسلامي د‪.‬رفيق يونس املصري‪ ،‬دار املكتبي‪ ،‬دمش�ق‪ ،‬الطبعة األوىل‪،‬‬
‫‪1426‬هـ‪2006-‬م‪.‬‬
‫‪ .35‬املحصول يف علم أصول الفقه‪ ،‬اإلمام فخر الدين حممد بن احلسين الرازي‪ ،‬مؤسس�ة الرس�الة‪،‬‬
‫بريوت‪ ،‬الطبعة الثانية‪1412 ،‬هـ‪1992-‬م‪.‬‬
‫‪ .36‬مس�ائل من الفقه املقارن األس�تاذ الدكتور هاش�م مجي�ل يف كتابه ‪ :‬جامعة بغ�داد‪ ،‬الطبعة األوىل‪،‬‬
‫‪1409‬هـ‪1989-‬م‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪64‬‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا)‬
‫‪ .37‬املس�تصفى م�ن األص�ول ‪ ،‬لإلمام أيب حامد الغ�زايل‪ ،‬دار إحياء الرتاث الع�ريب‪ ،‬بريوت ‪ ،‬الطبعة‬
‫الثالثة ‪1414 ،‬هـ ‪1993-‬م‪.‬‬
‫‪ .38‬املص�ارف اإلسلامية‪ ،‬ف�ادي حمم�د الرفاع�ي‪ ،‬منش�ورات احللب�ي بيروت‪ ،‬الطبع�ة الرابع�ة‪،‬‬
‫‪2004‬م‪.‬‬
‫‪ .39‬املصارف اإلسلامية بني النظرية والتطبيق الدكتور عبد الرزاق رحيم جدي ‪ ،‬أطروحة دكتوراه‪،‬‬
‫كلية العلوم اإلسالمية‪ ،‬جامعة بغداد‪ 1993 ،‬م‪.‬‬
‫‪ .40‬مطال�ب أويل النه�ى رشح غاي�ة املنتهى‪ ،‬الش�يخ مصطفى الس�يوطي الرحيباين‪ ،‬الطبع�ة الثانية ‪،‬‬
‫‪1415‬هـ‪1994-‬م‪.‬‬
‫‪ .41‬املعجم الوسيط جمموعة باحثني‪ ،‬اسطنبول ‪ ،‬تركيا‪.‬‬
‫‪ .42‬مق�ال للدكت�ور علي حم�ي الدي�ن القرداغي بعن�وان العالم�ة القرض�اوي اقتصاديا على املوقع‬
‫اإللكرتوين للشيخ القرضاوي‪.‬‬
‫‪ .43‬املوافقات أليب إس�حاق بن إبراهيم الش�اطبي‪ ،‬دار ابن عفان‪ ،‬اخلبر‪ ،‬الطبعة األوىل‪1417 ،‬هـ‪-‬‬
‫‪1997‬م‪.‬‬
‫‪ .44‬ندوة ( الصريفة اإلسلامية بني اخلالف املذموم واملحمود) التي أقامتها جريدة الرشق األوس�ط‬
‫وتم نرشها يف العدد ‪5 ، 10106‬رجب ‪1427‬هـ املوافق‪ 30‬يوليو ‪2006‬م‪.‬‬
‫‪ .45‬النهاية يف غريب احلديث و األثر ‪ ،‬البن األثري‪ ،‬املكتبة العلمية ‪ ،‬بريوت‪1399 ،‬هـ‪.‬‬
‫‪ -45‬هيئات الفتوى والرقابة الرشعية ودورها يف املصارف اإلسالمية الدكتور عبد املجيد الصالحني‪،‬‬
‫بح�ث مق�دم إىل مؤمتر املؤسس�ات املالية مع�امل الواقع وآفاق املس�تقبل الذي أقامت�ه كلية الرشيعة‬
‫والقان�ون جامعة اإلمارات من ‪ 9-7‬ربيع اآلخر‪1426/‬للهجرة املوافق‪/17-15‬مايو‪ 2005/‬م‬
‫يف غرفة جتارة وصناعة ديب‪.‬‬
‫‪ -46‬هيئ�ات الفت�وى والرقابة الرشعية يف املصارف اإلسلامية‪ ،‬د‪ .‬عبد احل�ق محيش‪ ،‬بحث مقدم إىل‬
‫مؤمتر املؤسس�ات املالية اإلسلامية مع�امل الواقع وآفاق املس�تقبل‪ ،‬كلية الرشيع�ة والقانون‪ ،‬جامعة‬
‫اإلمارات‪2005 ،‬م‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪65‬‬
‫د‪ .‬إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬
‫املواقع اإللكرتونية‪:‬‬
‫‪ - 46‬الفت�اوى املتضارب�ة أوجدت االضطراب يف الفقه االقتص�ادي‪ ،‬جمموعة من الباحثني‪ ،‬تم نرشه‬
‫يف جري�دة االقتصادي�ة وأعاد نشره موقع اهليئة اإلسلامية لالقتصاد والتموي�ل ‪www.iifef.com‬‬
‫‪.10/02/2007‬‬
‫‪www.qaradawi.net - 47‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
)‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا‬
66
individuals. It also included some solutions and suggestions to get out from
the difficulties of contractions of Fatwa>s.
Allah guides to the right path .His blessing and prayers be upon his
prophet Mohammad (Peace Be Upon Him) and his family.
Dr: Ibrahim Abdul Lateef al Aboidi
***
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع‬
‫واملمول‬
67
‫ إبراهيم عبد اللطيف إبراهيم العبيدي‬.‫د‬
In order to project this subject and to find put a solution to this; this
research has been carried out. This consists of an introduction and three
studies. In the introduction, I have described the theme of the research and its
base and then I followed it up with three studies and a conclusion to discuss
the reality of this institution and to evaluate it with a ground study of some of
the legal opinions and resolutions issued regarding that.
First study looks in to: the legal opinion and its place and value in the
Islamic law and the most important conditions and qualifications to be a
Mufti. The second study discusses about the legal supervision on the Islamic
financial institutions, its understanding and its legal proofs and its adjustment.
The third study will highlight the contradictions between legal opinions of
legal supervision authorities in the financial institutions, which are the sole of
the study. In the three studies, also there are discussions on the origin of the
research. In the first search, there is the meaning of the contraction while the
second search explained the reasons of differences of scholars in the Islamic
banking issues. Third search looked in to the examples of contradictions of
legal opinions between the organizations of legal supervision and examples
of contradictions have been produced as follows:
First example: between tawarruq and the followed developments in the
practical applications .
Second example: the issue of forcing with promises in selling of release
with an advance.
The third examples: issue of delay of debtors and rich of payment
The conclusion has explained: some suggestions and solutions to how to
deal with the contradictions of legal opinions with a vision on the incidents
of the organizations of Fatwa>s and legal supervision and some of its
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع‬
‫واملمول‬
‫دراسة هليئات الفتوى والرقابــة الشرعيـة يف املؤسسات‬
)‫املالية اإلسالمية واقعا وتقييما(تعارض الفتوى أمنوذجا‬
68
In the name of Allah, Most Gracious, Most Merciful
SUBJECT: INTRODUCTION TO THE RESEARCH
An Evaluative and Realistic study on Authorities of Formal Leal Opinion
and Legal Supervision in the Islamic Financial Organizations
CONTRADICTIONS OF LEGAL OPINIONS WITH EXAMPLES
All praises be to Allah and his peace and blessings be upon whom there
is no prophet after him and his family and all companions.
The Legal Opinion and
Legal Supervision authorities are considered
equaling to the heart of Islamic Bank. From it blood is coming out and feed
the other depts. of the bank through arteries ( Legal Supervisors ) and it goes
to it through nerves ( questions , enquiries and legal opinions ,once again
to purify and send it with good flow to the other parts of body ( the bank ) .
Therefore it must be free from all darts so as to guaranty the safety of all the
people.
From this point, it is not necessary for the course of research to end in a
particular end because the banking activities are growing and developing
and the spread of Islamic banking is in a continuous increase .
The one who follows the happenings in the Islamic financial institutions
, will notice that one of the most difficulties it suffers from today is the
diversity in legal opinions the Legal Supervision and Legal opinion authority
in the Fatwa>s on some of the banking transactions .In addition to that, its
contradictions in legal opinions in one issue .An Authority of legal opinion
and legal Supervision is issuing a fatwa contradicting the another fatwa
issued by other legal opinion and legal supervision authority in the Islamic
financial institutions , in the same issue .
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع‬
‫واملمول‬