ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية مع صياغة مشروع نظام للهيئة العليا للهيئات الشرعية يف املؤسسات املالية اإلسالمية إعــداد الدكتور خالد بن عبد اهلل املزيين أستاذ الفقه املساعد جبامعة امللك فهد للبرتول واملعادن ٌ حبث َّ مقد ٌم إىل « مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملأمول دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي بدبي 31مايو – 3يونيو 2009م يعب عن ر�أي الباحث هذا البحث رّ يعب بال�رضورة عن ر�أي دائرة ال�ش�ؤون الإ�سالمية والعمل اخلريي بدبي وال رّ دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخليري بدبي هاتف+971 4 6087777 : اإلمارات العربية املتحدة [email protected] فاكس+971 4 6087555 : ص .ب - 3135 :دب��ي www.iacad.gov.ae د .خالد بن عبد اهلل املزيين ملخص البحث ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية ناقش هذا البحث مشكلة التفاوت واالضطراب يف فتاوي اهليئات الرشعية يف املؤسسات املالي�ة اإلسلامية ،وقام بذكر مظاهر هذا االضطراب ،وبيان األس�باب الت�ي أدت إىل ظهوره، وقس�مها إىل :أس�باب ظرفي�ة ،وتتلخ�ص يف الظ�روف املوضوعي�ة التي أحاطت بنش�وء فكرة املص�ارف اإلسلامية ،وأس�باب منهجي�ة ،وين�درج حتتها التف�اوت احلاصل بين أعضاء تلك اهليئ�ات م�ن حي�ث التكوين املذهبي ،والق�وة العلمية ،واملي�ل الطبيعي إىل جان�ب الرخصة أو العزيمة ،وأسباب مؤسسية ،ويقصد هبا حاجات املؤسسة املالية ذاهتا ،وما يمر هبا من أزمات. واقرتح البحث أدوات منهجية لرتشيد أداء اهليئات الرشعية ،وقسمها إىل قسمني :داخلية وخارجية ،ويقصد بأدوات الرتشيد الداخلية :طرق تكوين تلك اهليئات ،وطرق تدبري (تسيري) أعامهلا. وألن حسن التنظيم الداخيل ألي مؤسسة ال يكفي لضامن انضباط أعامهلا ،اقرتح الباحث إجي�اد هيئ�ة عليا تق�وم عليها الدولة يف كل بلد ممثل�ة بالبنك املركزي مثلاً ،ويكون اختصاصها تنظي�م أعمال اهليئات الرشعية ،واإلرشاف عىل أعامهلا ،وقد فصل البحث يف أقس�ام هذا النظام املقرتح ،ليكون ضامن ًا الس�تقرار القول الفقهي يف املس�ائل املالية املعارصة ،ولتكريس الثقة هبذه اهليئات من قبل اجلمهور ،وحتقيق املوضوعية والشفافية هلذا القطاع املهم. *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .خالد بن عبد اهلل املزيين املقدمة احلم�د هلل رب العاملين ،وصل�وات اهلل عىل نبيه وخاتم رس�له حممد بن عب�د اهلل ،وعىل آله وصحبه وسلم تسلي ًام كثري ًا . وبعـــ�د :فإن االقتصاد اإلسلامي نحي طويالً ،وتم إحالل النظ�م الوضعية مكانه ،وقد أخ�ذت أدوات النظ�ام الوضعي حظها من التنقيح والتجري�ب ردح ًا من الزمان ،حتى فرضت نفسها عىل أسواق العامل ،وصارت ترشيعات ملزمة يف املجال املايل واملرصيف. وال ريب أنه إذا أريد للنظام اإلسالمي أن حيل بدي ً ال عن النظم الوضعية ،فال بد من منحه وقت� ًا لتت�م صياغت�ه بطريقة صحيح�ة ،تعالج الواق�ع وال تناكفه ،وتصحح اخلطأ وال تكرس�ه، وتف�رض الرشوط الرشعية عىل الس�وق بع�د أن تقوم ببل�ورة أدواهتا لتكون صاحل�ة للتداول، صاحلة للبقاء والنامء ،يف سوق ال يعرف إال الربح بأي طريق كان. والصيغ واألدوات املنتسبة إىل االقتصاد اإلسالمي اليوم فيها ما هو صحيح رشع ًا ،صالح واقع ًا ،وفيها ما هو دون ذلك ،مما هو حمل مؤاخذة رشعية ،أو حمل مؤاخذة واقعية ،وهذا البحث يقرتح مجلة من املقرتحات لرتش�يد أعامل اهليئات الرشعية ،وهي املعرب بلس�ان الرشيعة يف جمال املال واالقتصاد يف األسواق اليوم. ومن أهم هذه املقرتحات مرشوع نظام اهليئة العليا للهيئات الرشعية ،وهو مفصل يف حمله من هذا البحث ،وعىل اهلل قصد السبيل. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية وقد قسمت البحث بحسب املخطط اآليت: املقدمـــة . املبحث األول :واقع اهليئات الرشعية. املطلب األول :اهليئات الرشعية بني الثراء واالضطراب. املطلب الثاين :أسباب االضطراب يف أعامل اهليئات الرشعية. املبحث الثاين :الرتشيد الداخيل ألعامل اهليئات الرشعية: املطلب األول :تكوين اهليئات الرشعية. املطلب الثاين :تدبري أعامل اهليئات الرشعية. املبحث الثالث :الرتشيد اخلارجي ألعامل اهليئات الرشعية. املطلب األول :تنظيم أعامل اهليئات الرشعية. املطلب الثاين :مرشوع نظام اهليئة العليا للهيئات الرشعية. اخلامتــــة . وال يفوتني أن أقدم الشكر جلامعة امللك فهد أن يرست سبل البحث العلمي. كام أش�كر دائرة الشؤون اإلسلامية بديب عىل عنايتها بأعامل املؤسسات املالية اإلسالمية، وتنظيمها هذا املؤمتر. سائ ً ال للجميع التوفيق والسداد،،، مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .خالد بن عبد اهلل املزيين املبحث األول واقع اهليئات الشرعية املطلب األول :اهليئات الشرعية بني الثراء واالضطراب: باإلضاف�ة إىل م�ا يزخر به واقع الفتيا االقتصادية من الثراء يف اآلراء واالجتهادات اجلديرة بالتقدي�ر ،يزدح�م ه�ذا الواق�ع كذل�ك بالعديد م�ن الفت�اوي املتخالف�ة املتضارب�ة ،حتى غدا املن�وه به؛ غدا ينوء بمظاهر مش�هدُ «الفقه االقتص�ادي» مع ما يتمتع به من ذلك ال َغنَاء اإلفتائي َّ ناجم عن ظروف متعددة ،من أمهها :طبيعة النظر الفقهي القابل الختالف االضطراب ،وذلك ٌ أوج�ه النظ�ر ،باإلضافة إىل تنوع التجارب التي رفعت ش�عار النق�اء الرشعي املرصيف ،فهنالك املصارف واملؤسسات املالية التي التزمت باالنضباط الرشعي يف معامالهتا منذ نشأهتا ،وأخرى تقليدية أعلنت التحول التدرجيي ،وثالثة استحدثت نوافذ إسالمية يف فروعها ،ورابعة عرضت منتجات إسلامية ضمن منتجاهت�ا التقليدية ،وكان من الطبيعي أن تتف�اوت الفتاوي واحللول الرشعية املقرتحة بتفاوت هذه التجارب. ومظهر آخر من مظاهر االضطراب يف الفتيا املالية ،وهو أننا نجد بعض اهليئات تتبنى قوالً يف مسألة وتنسبه إىل أحد املجامع الفقهية ،يف حني أن غريها خيالفها يف هذه النسبة ،وذلك راجع إىل فراغ مرجعي يف العمل املرصيف اإلسالمي ،وال خيفى أن واقع املجامع الفقهية اليوم ال يتيح هلا القدرة عىل متابعة تطبيق قراراهتا ،والتأكد من سالمة التطبيق. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية املطلب الثاني :أسباب االضطراب يف أعمال اهليئات الشرعية: ال شك يف أن اهليئات الرشعية حققت نجاحات مشكورة ،وأفرزت جتارهبا عن آراء ناضجة فقهي ًا ومالي ًا ،بيد أنه ال خيلو عمل برشي من تطرق اخللل إليه ،وهنالك عدد من األسباب التي أدت إىل تفاوت الفتاوي املرصفية منذ نش�وء املرصفية اإلسالمية إىل يومنا هذا ،وهذه األسباب راجع ٌة بحسب االستقراء إىل ما يأيت: أ -أسباب ظرفية: ويقص�د هبا الظ�روف التي أحاط�ت بنش�وء املرصفية اإلسلامية ،وواكب�ت تطورها عرب العقود املاضية ،ومن تلك األس�باب :تغري أعضاء اهليئات الرشعية ،ومن ثم تتغري وجهة النظر التي كان يتبناها ،خصوص ًا أنه ال يوجد تنظيم داخيل يضمن اس�تقرار القول الفقهي يف قرارات تلك اهليئات. يض�اف إىل ذل�ك الضغوط التي متارس�ها البن�وك املركزي�ة ،وإدارات املص�ارف املتعاقبة، والسوق ،وعمالء تلك املصارف ،وهي ضغوط تتفاوت بحسب تفاوت حركة السوق. ب -أسباب منهجية: تتف�اوت اهليئ�ات الرشعي�ة املرصفي�ة من مؤسس�ة إىل أخ�رى ،وذلك من حي�ث التكوين املذهبي ألعضائها ،والقوة العلمية ،وامليل الطبيعي إىل جانب الرخصة أو العزيمة. ويف ظ�ل ه�ذا التف�اوت يمكن أن يق�ع االختالف يف فت�اوي اهليئة الواحدة من مس�ألة إىل أخرى ،فربام أباحت ترصف ًا يف مسألة ،ومنعت منه يف مسألة أخرى مشاهبة. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .خالد بن عبد اهلل املزيين ج -أسباب مؤسسية: ال خيفى أن األوضاع االقتصادية يف العامل اإلسلامي غير مكتملة النضوج ،وهي ما تزال يف ط�ور النامء والتطور ،س�واء عىل الصعي�د احلكومي العام أو عىل الصعيد املؤسسي اخلاص، وهذا النقص يس�تتبع أحيان ًا تغليب النظرة اجلزئية اخلاصة ،بحث ًا عن احللول الوقتية ،املبنية عىل آراء األشخاص ،أكثر من ابتنائها عىل املبادئ الكلية ،وهذه نتيجة طبيعية لغياب اخلطط البعيدة املدى ،بسبب النقص املؤسسايت يف املنطقة العربية واإلسالمية. وتزداد املشكلة وضوح ًا يف النوافذ اإلسالمية يف املصارف التقليدية ،فالغالب يف هذه احلال أن ال يكون لدى اهليئة تصور واضح عن اخلطط املستقبلية للمرصف ،وما إذا كان ينوي التحول ٍ فحينئذ التدرجيي إىل املرصفية اإلسالمية ،وما املدى الزماين الذي سوف يستغرقه ذلك التحول، تكون كمن يسري عىل أرض غري معبدة ،ما تلبث أن متيل يمين ًا وشامالً. إن تنظيم النظر الفقهي املرصيف ٌ كفيل بعالج هذه اإلشكالية ،إذ إنه سوف ينقلنا من العمل يف املنطقة التي سكتت عنها الرشيعة ،إىل العمل عىل ضوء مقاصد الرشيعة وأهدافها ،وسيكون واضح ًا لدى اهليئة وإدارات املصارف عىل السواء . وف�رق بين أن تقول :نعم�ل يف هذا املجال حتى ي�أيت ما يمنع رشع ًا ،وبين أن تقول :ماذا تري�د الرشيع�ة من�ا يف هذا املج�ال ،فاألول غايت�ه أن يكون عمل�ه مباح ًا ،وأما الث�اين فإنه حتقق بمقاصد الرشيعة وأظهرها ،وباختصار فاألول ينتج « فقه الس�وق » ،وأما الثاين فينتج « س�وق ًا فقهي ًا.» الفرق بينهام أن « فقه الس�وق » هو ذلك الفقه الذي جياري حاجات الس�وق فحس�ب ،ويكتفي بإضفاء التعديالت عىل املنتجات التقليدية ،ويتحاش�ى خمالفة الرشع خمالفة ظاهرة ،وأما « السوق الفقهي » فهو ذل�ك الس�وق املنضبط بأحكام الرشع ،املس�تهدي بمقاصده ،املنت�ج لألدوات املالي�ة املنبثقة من أحكام الرشيعة ،املتسقة مع روحها ،وال شك أن الثاين أكمل وأصلح للناس يف الدارين. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 10 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية املبحث الثاني الرتشيد الداخلي ألعمال اهليئات الشرعية املطلب األول :تكوين اهليئات الشرعية: إن رشط العم�ل املؤسسي الناج�ح :صح�ة التكوي�ن ،وأن يت�زود بالعنارص الق�ادرة عىل ٍ قاعدة ثالثية العنارص: تتأس�س اهليئة الرشعية عىل إدارته بالكفاءة املطلوبة ،وهذا يس�تدعي أن َّ الفقهاء وطلبة العلم املختصني باملعامالت املالية ،وأصحاب اخلربة يف املجال املايل ،والباحثون املدربون ،وبيان ذلك فيام يأيت: أ -الفقهاء وطلبة العلم املختصون باملعامالت املالية: يعد الفقهاء وطلبة العلم املختصون يف الش�أن املايل من الفقه اإلسلامي أس�اس العمل يف اهليئات الرشعية ،وعليهم يقوم عبء الفتيا ،وإليهم وحدهم ُينسب القرار النهائي. جاز ْ وأعن�ي بالفقي�ه :احلائز لعل�م الفقهَّ « ، اس�م أن ُيش�ت ََّق له منها ألن من قا َم ْت به صف ٌة؛ َ ُ فاع�ل » ،وه�و املحيط بمدارك األح�كام ،من األدلة الرشيعة األصلي�ة والتبعية ،وتوفر عىل معرفة مقاصد الرشيعة ،وفهم اللسان العريب ودالالت ألفاظه. واألصل أن يتم اختيار هؤالء من قبل أهل العلم أنفسهم ،ال من ِق َبل إدارة املؤسسة املالية، فإهنم أعرف الناس بالرشائط الالزمة لتحقق وصف االجتهاد بالش�خص املعني ،وال يس�تطيع أحدٌ حتقيق مناطها سواهم. التقرير والتحبري؛ البن أمري احلاج (.)455/3 من املهم أن حييط أعضاء اهليئة الرشعية بمقصد الرشيعة يف أبواب املعامالت ،ذلك أنه كثري ًا ما تظهر معامالت املصارف اإلسالمية بمظهر الصورية ،وليتمكن من التفريق بني احليل املحرمة واملخارج الرشعية. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 11 د .خالد بن عبد اهلل املزيين واألوىل أن تكون األولوية للفقيه املتفنن ،الذي أحاط بأبواب الفقه مجيعها ،فض ً ال عن متكنه مما يلزم من علوم العرص ،ويكون املعيار علمي ًا موضوعي ًا ،دون نظر إىل ِّ املرشحات اإلقليمية ،أو املصلحية اخلاصة. فإن مل يتيرس ذلك فليكن من ذوي االجتهاد اجلزئي ،وهو يش�به ما يطلق عليه بلغة العرص الفقيه املختص ،كمن خيتص بالتفقه يف املسائل املالية واالقتصادية. ويك�ون اجتهاده صحيح ًا بن�ا ًء عىل القول بتجزؤ االجتهاد ،وهو الراجح يف األصول ،قال أب�و حام�د الغ�زايل « :وليس االجته�اد عندي منصب ًا ال يتج�زأ ،بل جيوز أن َ ين�ال العامل منصب االجتهاد يف بعض األحكام دون بعض » اهـ. ويف ه�ذه احل�ال ينبغي أن يكون يف كل هيئة رشعية فقي ٌه -أو أكثر -ممن اس�تجمع رشائط االجتهاد يف مجيع أبواب الفقه أو معظمها ،ليكون ضامن ًا من الغفلة عن متعلقات املسألة بأخواهتا من األبواب األخرى. ومم�ا يشترط -أيض� ًا -يف عضو اهليئة الرشعي�ة يف املرصف اإلسلامي أن يكون عدْ الً يف ِ ٍ مسلكه اخلاص ،جمتنب ًا املعايص متس�اهل يف نفس�ه ،متحلي ًا بالصدق واألمانة واإلخالص ،غري ً َ القادحة يف عدالته ،ومقصودهم باشتراط الثقة واألمانة ْ متساهال يف أمر الدين، يكون أن ال ألن�ه إذا مل يك�ن كذلك؛ ال جيتهد يف البحث اجلاد عن احلكم ،ومن يكون هبذه املثابة ال يس�تطيع التعرف عىل حكم الرشع يف املسألة . املستصفى؛ للغزايل (.)389/2 املرجع السابق (.)382/2 انظ�ر :قواط�ع األدلة؛ للس�معاين ( ،)307/2إعالم املوقعني ( ،)10/1طبق�ات احلنابلة؛ البن أيب يعىل ( ،)57/2التقرير والتحبري؛ البن أمري احلاج (.)455/3 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 12 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية والعدالة ليس�ت رشط ًا يف صحة االجتهاد يف نفس�ه ،وإنام ه�ي رشط يف احلكم والفتيا ، وق�د اشترطوها ألجل أن يثق الناس فيام خيربهم به من أح�كام الرشع ،فإنه إذا مل يكن املفتي ع�دالً؛ كان أث�ره يف ا ِّط�راح الثقة من الناس فيام يقول كبري ًا ،وعا َد قول�ه وفعله عىل الدين باهلدم والتقوي�ض ،ونح�ن إذ نتحدث ع�ن اهليئات الرشعية يف املصارف التي ترفع ش�عار اإلسلام، فيجب اس�تحضار هذا الوصف يف مجيع األحوال ،وأعضاء اهليئات الرشعية أوىل الناس بتمثل هذا الوصف. ومم�ا يشترط كذلك يف فقه�اء اهليئات الرشعية للمص�ارف معرفة الواق�ع املايل واملرصيف، واالطلاع على األنظمة واألع�راف املالية ،وذلك أن معرف�ة الواقع الذي يتصرف فيه الفقيه، وإحاطته بأحوال الناس ،تؤهله حلسن التنزيل لألحكام عىل الوقائع ،وإال فسيضيع عىل الناس حقوقهم ،ويكلفهم ما مل يك ِّلفهم اهلل به . فه�م الواقع ،والفقه وال يتمك�ن الفقيه م�ن اإلفتاء باحلق إال بنوعني م�ن الفهم ،أحدمهاُ : فيه ،واس�تنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن واألمارات والعالمات ،حتى حييط به عل ًام ،والنوع ِ لسان رسوله فهم حك ِم اهلل ،الذي حكم به يف كتابه ،أو عىل الثاين :فهم الواجب يف الواقع ،وهو ُ يف هذا الواقع ،ثم ُي َط ِّب ُق أحدَ مها عىل اآلخر ،فمن بذل جهده ،واس�تفرغ وسعه يف ذلك ،مل يعدم أجرين ،أو أجر ًا ،فالعالمِ من يتوصل بمعرفة الواقع ،والتفقه فيه ،إىل معرفة حكم اهلل ورس�وله، ِ ِ كام توصل ِ وصدقه . معرفة براءتِ ِه بشق القميص من ُد ُب ٍر؛ إىل شاهدُ يوسف ِّ قواطع األدلة؛ للسمعاين ( ،)306/2التقرير والتحبري؛ البن أمري احلاج ( ،)455/3ومن ثم قال الغزايل: َّ فكأن العدالة رشط القبول للفتوى ،ال رشط صحة االجتهاد » ،املستصفى (.)383/2 « اإلحكام؛ لآلمدي (.)192/4 إعالم املوقعني؛ البن القيم (.)88/1 إعالم املوقعني؛ البن القيم ( ،)87،86/1وانظر أيض ًا املرجع نفس�ه ( ،)373،372/4وبدائع الفوائد؛ البن القيم ( ،)634/3الطرق احلكمية؛ له أيض ًا (.)5/1 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 13 د .خالد بن عبد اهلل املزيين وحيس�ن أن ال يك�ون عض�و اهليئة الرشعية منتفع ًا من أنش�طة املؤسس�ة الت�ي تتبعها اهليئة، وذلك لئال حيصل تضارب مصالح بني رأيه الرشعي وبني عمل املرصف. وهلذا تشترط قوانني س�وق املال يف دول العامل أن ال يستثمر موظفو هيئة سوق املال يف أي رشكة مسامهة ،لضامن استقالليتهم ونزاهتهم ،وهلذا يمنحون مزايا مالية جمزية مقابل حرماهنم من هذا احلق. كام حيس�ن أن ال تتكرر عضوية الفقيه الواحد يف أكثر من هيئة رشيعة ،وذلك ليتوفر له من الوقت ما يمكنه من حس�ن التصور وحس�ن التنزيل لألحكام ،وليتمكن من متابعة أعامل اهليئة عىل التي هي أحسن وأكمل. ب -أصحاب اخلربة يف املجال املايل: املقصود باخلربة هنا التخصص الفني يف أحد العلوم املس�اندة للفتيا املالية ،كاهلندسة املالية واالقتصاد والعلوم الرياضية واحلسابية وغريها ،فهؤالء إليهم املرجع فيام اختصوا به من العلوم، كل ٍ ِ يشء إىل الصاحلني من ِ واملرجع يف ِّ اخلربة به » اهـ. أهل قال أبو العباس ابن تيمية« : ُ ويتمث�ل دور اخلبير ب�أن يت�وىل مهمة التحق�ق الفني م�ن الواقعة املس�ؤول عنه�ا ،ويقوم بتشخيصها من الناحية الفنية البحتة ،بنا ًء عىل طلب الفقيه ،دون أن يتدخل موضوعي ًا يف شؤون أعلم منه بمناطات األحكام وعللها، الفتيا ،ذلك أن اخلبري أعلم من الفقيه يف ختصصه ،والفقيه ُ ومل�ا تكلم أب�و العباس ابن تيمية عن جواز بيع املغ َّيب�ات يف األرض ،وأن الغرر فيه مغتفر ،ور َّد ِ ِ يكون ُ ُ الفقهاء أعل�م من اخلربة بِ ِه أه�ل على الفقه�اء القائلين بمنعه ،لوجود الغ�رر؛ قال « :قد ُ جمموع الفتاوي (.)36/29 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 14 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية ِ أمر من ِ أمر الدنيا ،مل الذي�ن مل يب�ارشوا ذلك ،فهذا يف احلقيقة ال ُي َف ِّر ُق بينهام رشع� ًا ،وإنام هو ٌ أعلم ِ يعلمه العاملَُّ ، كان بأمر دنياكم ،فأما ما َ فإن العلام َء ورث ُة األنبياء ،وقد قال النبي ﷺ « :أنتم ُ ْ من ِ أمر دينِكم فإليَ َّ » اهـ. ج -الباحثون املدربون: ال ب�د للهيئ�ات الرشعية من توفري فريق من الباحثني املتمرسين يف علوم الرشيعة ،وتوفري املراجع واملصادر العلمية هلم ،ليتمكنوا من القيام بالدور املنوط هبم. وأعض�اء اهليئات الرشعية بأمس احلاجة إىل من يعينهم عىل إعداد البحوث وتنس�يقها ٌ وأصحاب ،كام لألنبياء -عليهم أعوان وطباعتها وحسن عرضها ،وقد كان لعلامء السلف ٌ الصلاة والسلام -حواري�ون وأصح�اب ،ول�ذا روي عن الق�ايض أيب يوس�ف أنه قال لتالمي�ذه -وكان يفتيهم دون س�ائر الناس « :-ل�و ال تعينونني عىل أمري ما أفتيتكم » ، وكان يستعني هبم . ِ ِ الورق ِ فإن َ موضح ًا هذه اجلملةَّ « : وغريه ،د ُلهَّم ذلك عىل ظه َر منها من يقول أيض ًا ِّ أهل اخلربة إذا رأوا ما َ ِ سائرها » اهـ [جمموع الفتاوي (.])227/29 جمموع الفتاوي (.)40/29 صن�وان القض�اء وعن�وان اإلفت�اء؛ للقايض عماد الدين حمم�د بن حممد بن إسماعيل بن حمم�د اخلطيب األشفورقاين (.)169/1 املرجع السابق. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 15 د .خالد بن عبد اهلل املزيين املطلب الثاني :تدبري أعمال اهليئات الشرعية: وأعن�ي هبذا املطلب :كي�ف يقوم أعضاء اهليئة الرشيعة بإدارة ال�رأي فيام بينهم بخصوص الواقعة املسؤول عنها ،ومنهج تدبري اخلالف العلمي أثناء النظر يف حكم هذه الوقائع. -1مراحل العمل العلمي للهيئة الرشعية: ويمكن تقسيم العملية االجتهادية يف استخراج الرأي الفقهي الصائب إىل مراحل: 1-1التصوير الدقيق للواقعة: وه�ذا حيصل بذكر املعاملة املراد احلك�م عليها ،وبيان أطرافها ،وذكر الثمن واملثمن ،وآلية تنفيذها. والعادة أن اهليئة الرشعية تتلقى هذه املعلومات والبيانات عن طريق اإلدارة العليا للمرصف، أو من يقوم مقامها ،وهذا حمل مؤاخذة ،ألن املطلوب توفري أقىص درجات االس�تقاللية للهيئة الرشعي�ة ،بحي�ث تتمكن من تصور الواقعة من جهة مس�تقلة عن اجلهة املس�تفيدة من الفتوى، وهي هنا إدارة املرصف. إن من ضامنات الفتوى املالية اجلادة أن توس�ع اهليئات الرشعية مصادرها يف احلصول عىل املعلومة ،لتتعرف عىل طبيعة املنتج املقدم للدراسة ،وأبعاد البيئة التي سيوظف فيها. 2-1التوصيف الفقهي للواقعة: والتوصي�ف معن�اه :تعيني صفة اليشء ،ويقص�د به هنا :إحلاق الصورة املس�ؤول عنها بام يامثلها من مسائل الفقه املسامه ،كأن نصفها بأهنا بيع ،أو إجارة ،أو عقد س َلم وهكذا. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 16 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية فإذا مل تش�به ش�يئ ًا من ذلك فهي من النوازل اجلديدة ،التي مل يرد بشأهنا نص خاص ،فهذه يستأنف الفقيه هلا حك ًام بحسب ما يظهر له من أدلة الرشع وقواعده وكلياته. 3-1استحضار النقول: والنقول التي حيتاجها الفقيه نوعان: -1األدل�ة الرشعية :س�واء كانت أدل�ة أصلية :وهي نص�وص الكتاب والس�نة واإلمجاع والقياس ،أو تبعية :كاملصلحة املرسلة والذرائع واالستحسان وقول الصحايب. -2النق�ول الفقهية :وه�ي أقوال الفقه�اء املتقدمني ،من أئمة املذاه�ب األربعة وغريهم، وذلك ألجل االستئناس هبا ،والتخريج عليها عند االقتضاء. ويدخل يف هذا القواعد والضوابط املقررة يف علم القواعد الفقهية ،وهذه هلا أمهيتها البالغة يف ضبط النظر الفقهي يف مرحلة التوصيف والتنزيل. وم�ن املهم كذل�ك اس�تحضار القرارات الص�ادرة يف املوضوع م�ن قبل املجام�ع الفقهية املعارصة ،ومؤسسات اإلفتاء اجلامعي. 4-1التنزيل: وه�و ما يس�مى بتحقيق املناط ،بأن يق�وم الفقيه بتنزيل احلكم العام على الواقعة اخلاصة، مراعي ًا يف ذلك األدلة والقواعد. ويراعى يف هذه املرحلة ما تقتضيه األدلة النقلية والعقلية ،وما ترش�د إليه قواعد السياس�ة الرشعية ،كام ينبغي رعاية املآالت ،والتدرج من األخف إىل األش�د ،ومن الرخص إىل العزائم، وصوالً إىل منهج إسالمي للمرصفية اإلسالمية يتسم بأعىل درجات االلتزام الرشعي والفني. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 17 د .خالد بن عبد اهلل املزيين -2الئحة تنظيم العمل العلمي للهيئة الرشعية: اقترح عدد من املختصني يف أعامل اهليئات الرشعية أن تصاغ الئحة تنفيذية لضبط العمل العلمي للهيئات الرشعية يف مجيع املؤسس�ات املالية اإلسلامية ،وذلك لضامن الوصول إىل أدق النتائ�ج ،ولك�ي تنأى هذه اهليئات بالفتاوي املالية عن التأثر بالظروف غري املوضوعية التي حتي�ط بالنظ�ر الفقهي ،فإن املراقب لعمل ه�ذه اهليئات يلحظ تفاوت� ًا يف إجراءاهتا ،واختالف ًا يف طرائقها يف دراسة املنتجات املالية. ٍ ع�ال من االنضباط واملرونة قدر املس�تطاع ،فأما وينبغ�ي أن تتس�م هذه الالئحة بقدر االنضب�اط فلما تقدم آنف ًا ،وأم�ا املرونة فلئال تتحول اآلليات املضمنة فيها إىل قيود ش�كلية تكبل نظر الفقيه. *** انظر :تقرير االجتامع التحضريي لورشة العمل حول حوكمة االلتزام الرشعي يف صناعة اخلدمات املالية اإلسالمية بالبحرين ،يف (2007/4/21م) ص (.)10 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 18 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية املبحث الثالث الرتشيد اخلارجي ألعمال اهليئات الشرعية توطـئـة: إن التنظيم الداخيل ألي مؤسس�ة ال يكفي لضامن انضباط أعامهلا ،واس�تتباب سيرها عىل معايير اجلودة واإلتقان ،ومن هنا جييء االقرتاح بإجياد هيئة عليا تقوم عليها الدولة يف كل بلد، ويك�ون اختصاصه�ا تنظيم أعامل اهليئ�ات الرشعية ،واإلرشاف عىل أعامهل�ا ،وفيام يأيت تفصيل القول يف الصورة املقرتحة بحسب ما أراه. وقد بدأ النش�اط الفعيل للصريفة اإلسلامية يف صورهتا احلديثة إبان التس�عينات اهلجرية، ٍ ومنذئ�ذ ب�رزت الصعوب�ات والتحديات الت�ي واجهتها هذه التجرب�ة احلديثة -نس�بي ًا -بقوة واقتدار ،وقد حققت هذه التجربة نجاحات متعددة عىل مستويات عدة ،وظلت يف اتساع وتنا ٍم يوم ًا إثر يوم. ومع هذا فقد وقع االختالف ،وحصل االرتباك يف اآلراء بني تلك اهليئات ،فاحتاج األمر إىل إرساء نظا ٍم عام يكون كامليثاق ،تتوافق عليه تلك اهليئات ،ويتحقق به تضامنها وتكاملها. أوالً :ملخص الفكرة: باإلضاف�ة إىل م�ا يزخ�ر ب�ه واقع الفتي�ا املالية م�ن الث�راء يف اآلراء واالجته�ادات اجلديرة بالتقدير ،يزدحم هذا الواقع كذلك بالعديد من الفتاوي املتخالفة املتضاربة كام تقدمت اإلشارة املنوه به؛ غدا ينوء إليه ،حتى غدا مشهدُ «الفقه املرصيف» مع ما يتمتع به من ذلك ال َغنَاء اإلفتائي َّ ناجم عن ظروف متعددة ،م�ن أمهها :طبيعة النظر الفقهي القابل بمظاه�ر االضطراب ،وذلك ٌ مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 19 د .خالد بن عبد اهلل املزيين الختالف أوجه النظر ،باإلضافة إىل تنوع التجارب التي رفعت ش�عار النقاء الرشعي املرصيف، فهنالك املصارف واملؤسسات املالية التي التزمت باالنضباط الرشعي يف معامالهتا منذ نشأهتا، وأخرى تقليدية أعلنت التحول التدرجيي ،وثالثة استحدثت نوافذ إسالمية يف فروعها ،ورابعة عرض�ت منتجات إسلامية ضمن منتجاهت�ا التقليدية ،وكان من الطبيع�ي أن تتفاوت الفتاوي واحللول الرشعية املقرتحة بتفاوت هذه التجارب. ومظهر آخر من مظاهر االضطراب يف الفتيا املالية ،وهو أننا نجد بعض اهليئات تتبنى قوالً يف مسألة وتنسبه إىل أحد املجامع الفقهية ،يف حني أن غريها خيالفها يف هذه النسبة ،وذلك راجع إىل فراغ مرجعي يف العمل املرصيف اإلسالمي ،وال خيفى أن واقع املجامع الفقهية اليوم ال يتيح هلا القدرة عىل متابعة تطبيق قراراهتا ،والتأكد من سالمة التطبيق. ل�ذا كان من الرضوري لرتش�يد الفتيا املالية ،أن تتوافق اهليئ�ات الرشعية املالية عىل نظام موح�د ،ينظ�م النظ�ر الفقهي يف املعاملات املالية -ولو نس�بي ًا ـ ،وهذا مشروع نظام مقرتح لتحقيق هذا الغرض ،إلرساء نظا ٍم عا ٍّم يضبط النظر الفقهي يف املسائل املالية ،ويكون له سمو على أنظمة اهليئات الرشعية الداخلية ،وهو هبذا يش�به الفكرة املعروف�ة يف املجال القانوين بـ: تدرج القوانني. وينقسم هذا املرشوع إىل قسمني: أوهلما :النظ�ام الع�ام :ويتضمن القواع�د واملقاصد العام�ة للترشيع اإلسلامي يف املجال املصريف ،والفروق بينه وبني األنظمة الوضعي�ة ،دون اخلوض يف تفاصيل الفروع ،أو جزئيات القواعد الفرعية. ثانيهام :النظام اخلاص :ويتضمن تفصيالت تلك القواعد ،وس�بل تدبري الرأي اجلامعي يف القضايا االجتهادية يف هذا املجال. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 20 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية ثاني ًا :مقاصد النظام: يستهدف هذا النظام ما يأيت: أ -حتقي�ق االس�تقرار الفقه�ي النظامي يف جمال املالية اإلسلامية ،وتضيي�ق جمال الفتاوي الظرفية. ب -تكريس الثقة بالفتيا املالية من قبل اجلمهور. ج -ضبط املصطلح الفقهي املايل. د -محاي�ة الفتي�ا من التأثر بضغوط املؤسس�ات املالية ،أو البنوك املركزي�ة ،أو اجلمهور ،أو السوق ،وضامن حياديتها واستقالهلا. هـ -حتقيق الوضوح والشفافية الفقهية. بيد أن املهم من أهدافه :الثالثة اآلتية: أ -تأصيل النظر الفقهي املرصيف: أي أن هذا النظام يستهدف بالدرجة األوىل رسم األصول الضابطة للنظر الفقهي يف املجال املرصيف ،وهذه األصول س�يكون هلا طابع هو مزيج من :املقاصد الرشعية ،القواعد األصولية، القواعد الفقهية ،القواعد اإلجرائية. ب -حتقيق املقاربة ال التوحيد: ه�ذا املرشوع يتجاوز الثنائي�ة التي تتكرر دائ ًام عند البحث يف االضطراب احلاصل يف جمال الفتيا املالية ،فقد جرت العادة أن ينقس�م الناس إىل قس�مني :أوهلام يطالب بتوحيد الفتيا املالية، واآلخر يطالب بإبقاء الوضع عىل ما هو عليه. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 21 د .خالد بن عبد اهلل املزيين لقد نبعت هذه املش�كلة حينام جتاوزنا اخلطوة األوىل ،التي هي أهم من قضية توحيد الفتيا املالية ،تلك هي قضية توحيد أصول النظر يف الفتيا املالية. وإذ ًا فاملطل�وب توحي�د املنهج أوالً ،ال توحيد اآلراء ،وتوجي�ه النظر ،ال تقييده ،فإن حتقق هذا فسوف حيصل التقارب والتجانس بني أفراد الفتاوي املالية إىل حدٍّ بعيد. ج -إظهار اجلانب األخالقي للفتيا املالية: عندم�ا تعرض الواقعة عىل املفتي ينش�غل بالبحث عن اجلواب الفقهي املناس�ب ،فرياجع ٍ وحينئذ ربام تغيب عن نظره بعض اجلوانب األخالقية ،التي راعتها الرشيعة خمزونه من األدلة، م�ن خالل النصوص اإلرش�ادية العامة ،التي ال يظهر هلا عالق�ة مبارشة باألحكام عادةً ،كتلك التي تتحدث عن العدل والقسط ،والرمحة والرب ،والصدق واإلنصاف. وليس من مقاصد هذا النظام ما يأيت: أ -توحيد الفتيا املالية بإطالق. ب -إغالق باب االجتهاد الفقهي املرصيف. ج -إمهال الظروف االستثنائية الطارئة لكل مرصف. ثالث ًا :موضوع النظام: خيت�ص هذا النظ�ام بتنظيم عملية الفتي�ا يف اهليئات الرشعية املالية ،بمقتىض قواعد ترس�م املقاصد العامة يف املجال املايل ،ونظام الفتيا فيه ،وكيفية تدبري اخلالف الفقهي بني أعضاء اهليئة، وكيفية اختيار أعضائها ،وإهناء عضويتهم. ويك�ون الرتكي�ز يف قواعد هذا النظ�ام عىل جتلية خصائ�ص املنهج الرشع�ي للفتيا يف هذا املجال ،دون االنشغال بالتفصيالت اإلجرائية الفنية ،التي ال تعد من املبادئ العامة احلاكمة. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 22 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية رابع ًا :االستثناءات من النظام: يتع�رض هذا النظام -كام أس�لفت -لألص�ول الكلية احلاكمة للنش�اط املايل يف الظروف املعتادة ،أما احلاالت االس�تثنائية الناش�ئة بسبب ظرف طارئ ،أو رضورة حارضة ،مما ال يمكن معاجلته باتباع الس�بل املعهودة ،فال مانع من اس�تثنائها بفتيا ظرفية ،عم ً ال بام تقيض به األس�باب الطارئة ،وقد ن َّظمت الرشيعة النظر الفقهي يف باب الرضورات. خامس ًا :نطاق النظام: تسري أح�كام هذا النظام عىل فت�اوي اهليئات الرشعية وقراراهتا ،ويمكن أن تسرتش�د به املؤسس�ات الرشعية األخرى عند النظر يف نازلة مالية ،كمؤسس�ات الفتي�ا اجلامعية ،من جمامع فقهية ،وجلان فتيا ،كام يمكن أن يستفاد منه يف ضبط النظر يف فتاوي املعامالت بعامة. سادس ًا :إلزامية النظام: معلو ٌم أن التزام النظام رضوري لبقائه نظام ًا ،فال قيمة لنظام ال يلتزم املخاطبون بمضمونه، سمو عىل سائر األنظمة الفرعية التي ونظر ًا إىل كون هذا النظام نظام ًا عام ًا ،فيجب أن يكون له ٌّ تنظم عمل اهليئات الرشعية املالية. سابع ًا :تكوين اهليئة العليا للنظام: أ -تكون هيئة تقوم عىل مرشوع النظام ،تس�مى بـ « اهليئة العليا للفتيا املالية » ،ويتم تعيني أعضائها باالنتخاب من ِق َبل ممثيل املؤسس�ات املالية اإلسلامية ،وينتخب املجلس رئيس ًا له من بني أعضائه يف بداية كل سنة هجرية [أو بحسب االتفاق]. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 23 د .خالد بن عبد اهلل املزيين ب -ينعقد اجتامع اهليئة انعقاد ًا عادي ًا كل ثالثة أش�هر ،بدعوة من رئيسه ،ويكون االجتامع يف دولة املقر ،أو يف املكان الذي خيتاره أعضاء اللجنة باألغلبية. ج -تضطلع اهليئة العليا باملهام اآلتية: -1متابعة التزام اهليئات الرشعية بأحكام النظام. -2التنس�يق والتع�اون ،وحتقيق التكامل ،وتب�ادل اآلراء الرشعية واخلبرات العلمية بني األعضاء. -3مراجع�ة مواد النظام عىل ضوء ما يرد من اهليئات الرشعية واألفراد من استش�كاالت وإيرادات. ثامن ًا :آلية عمل اهليئة العليا للنظام: ال جيوز وضع نظام دون أن يطبق ،وإال أصبح جس ًام بال روح ،وكان وضعه عبث ًا ،وينحرص املوضوع هنا يف كيفية تنظيم املقارنة بني فتاوي اهليئات الرشعية املالية وأحكام هذا النظام العام، للتثبت من صحة انطباقه عليها ،وجتري املقارنة عىل النحو اآليت: أ -عن�د اختلاف اهليئات يف الفتيا تُرفع املس�ألة إىل اهليئ�ة العليا للنظام الع�ام للفتيا املالية للبت فيه. ب -يقترص الرفع عىل الفتاوي والعقود املهمة ،التي متثل نشاط ًا واسع ًا من أنشطة املرصف، دون الترصفات اجلزئية التي تصدر فيها فتاوى خاصة ،ويمكن حتديد مدى أمهية الفتيا باقرتاح حمددات معينة ،كأن ُين َظر إىل الرشحية التي تغطيها املعاملة ،ونحو ذلك. ج -جيب أن ترفع العقود واألدوات اجلديدة املهمة ،التي متثل حتوالً يف العمل املرصيف ،إىل اهليئة العليا ،لتداول الرأي حوهلا ،والبت فيها. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 24 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية وعلى اهليئة أن حتتفظ بحق املرصف يف ابت�كار تلك األدوات ،وتتخذ مجيع الطرق الكفيلة بحامية ذلك احلق. د -تتف�رع م�ن اهليئ�ة العليا جلنة تس�مى « :جلنة مراجع�ة الفتاوي املالية » ،تقوم باس�تقبال الفت�اوي الت�ي ترف�ع إليها م�ن ِق َبل اهليئ�ات واألفراد ،وتراس�ل اهليئات األخ�رى للتعرف عىل الفتاوي الصادرة يف املوضوع ،ثم تبحث مدى احلاجة إىل رفعها إىل جملس اهليئة العليا. ه�ـ -تق�وم اهليئ�ة العليا بدع�وة أعضاء اهليئ�ات الرشعي�ة ،إىل اجتامع ع�ام ،أو دعوة من يمثلهم إىل اجتامع جزئي ،ويتم تداول الرأي حول املس�ألة املش�كلة ،ويصدرون حك ًام عام ًا فيها باس�م اهليئة العليا ،ويكون هذا احلكم منش�ئ ًا ال كاشف ًا ،بمعنى أنه ال يرتتب عليه آثار ارتدادية، بحيث يبطل الفتاوي والترصفات الس�ابقة لص�دوره ٍ بأثر رجعي ،وإنام يفرتض تعديل الفتاوي الصادرة بعد هذا احلكم ،دون التعرض المتداداهتا السابقة ،بالنظر إىل أن االجتهاد ال ُينقض باجتهاد. و -تص�در اهليئة تقرير ًا تصادق فيه عىل سلامة اإلجراءات املتخذة إلصدار الفتاوي لكل هيئة عىل حدة ،إذا مل يظهر هلا ما يمنع ذلك ،ويقترص ذلك عىل اهليئات املوقعة عىل النظام. ز -التنس�يق م�ع املجام�ع الفقهي�ة ،ودور اإلفت�اء الرس�مية ال عتماد تلك التقاري�ر ،قدر اإلمكان. تاسع ًا :ضامنات نجاح النظام: أ -مص�در الق�وة يف ه�ذا النظ�ام ه�و تواف�ق اهليئ�ات الرشعي�ة على اعتب�اره ،وااللت�زام بأحكامه. رضر بالغ بس�بب ذلك التعديل ،ف�إن ثبت الرضر ،متنح املؤسس�ة مهل ًة كافية م�ا مل يرتت�ب عىل املؤسس�ة ٌ لتسوية أوضاعها لتتوافق مع احلكم اجلديد. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 25 د .خالد بن عبد اهلل املزيين ب -إن التوقي�ع على وثيق�ة النظام يف�رض عىل املرصف واجب� ًا تعاقدي ًا خلقي� ًا ،ال ينبغي خمالفته ،وهذا القدر ٍ كاف يف إلزامية نظا ٍم ما. تش�جع املؤسس�ات املالية عىل االنضامم إىل املؤسس�ات امللتزمة هبذا النظام ،والتوقيع ج- َّ عىل مذكرته ،خصوص ًا أن هذا النظام سوف يكسبها ثقة اجلمهور هبا. د -متنح املؤسس�ات امللتزمة بأحكام النظام ش�هادات تزكية بش�كل دوري من قبل اللجنة العليا للهيئات الرشعية. هـ -التنس�يق م�ع البنوك املركزية لتنظي�م عمل املصارف اإلسلامية ،خصوص ًا وأن هذا النظام يضمن للبنوك املركزية حتقيق الشفافية ،وتوحيد وسائل التدقيق واملراجعة. و -التنسيق مع اهليئات الرشعية ،خصوص ًا وأن هذا النظام حيقق هلا الدعم الكايف للحصول عىل استقالليتها الرشعية ،دون أن تتأثر قراراهتا بمصالح إدارات املؤسسات أو غريها تأثر ًا غري موضوعي ،كام حيقق هلا قدر ًا أكرب من ثقة اجلمهور بقراراهتا ،ويطمئنها حول صحة توجهها. عارش ًا :تكييف النظام فقهي ًا: هذا النظام هو معيار املعايري بالنس�بة إىل الفتيا املالية ،فهو ليس تقنين ًا للفقه املايل واملرصيف، لكن�ه ينتج فقه� ًا مقنن ًا ،بمعنى أنه لن يعمد إىل صياغة الفروع الفقهية عىل هيئة مواد متسلس�لة، كام هي طريقة املقنِّنني للفقه . تنظيم للنظر وكما أنه ليس تقنين ًا لألح�كام ،فهو ليس تنظي ًام لإلجراءات كذل�ك ،لكنه ٌ ٌ وضبط لألصول واملقاصد واملصطلحات التي تش� َّيد عليها األحكام املالية اإلسالمية، الفقهي، ِ كحال مدونات األحكام الرشعية. كأنظمة املرافعات الرشعية ً مثال. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 26 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية فهو بالنس�بة إىل الفقه املايل كأصول الفقه بالنس�بة إىل الفقه العام ،وكالدستور بالنسبة إىل قوانني الدول�ة احلديثة ،وقد يكون لبعض فصوله أو بن�وده طبيعة إجرائية أو تدوينية لبعض األحكام، لكن من حيث إن هلا أبعاد ًا مقاصدية. حادي عرش :مستندات النظام: يستند هذا النظام إىل بعض القواعد الرشعية املنظمة للفتيا ،ومن أمهها: أ -أن العلماء يفرق�ون بني الفتي�ا اخلاصة لألفراد ،والفتيا العامة الت�ي يصدر عنها املجتمع أو األمة بأرسها ،أو قطاعات كبرية منها ،كام يفرقون بني الفتيا اجلزئية ،والفتيا التي ُيبتنى عليها كثري من اخللق. نظام أو قانون عام ،يذعن له ٌ فيحتاطون فيام يكون عام ًا من الفتاوي ،ما ال حيتاطون فيام سواه. ب -أن العلماء يفرقون بني الفتيا يف خاصة اإلنس�ان ،والفتي�ا املتعلقة بأطراف متعددة ،أو كان فيها خصومة ونزاع بني أكثر من طرف ،والفتيا املالية من هذا النوع غالب ًا. ج -أن العلامء يفرقون بني اخلالف النظري والفتيا العملية ،فميدان اخلالف النظري أوسع وأرحب ،فأما يف الفتيا فرياعى فيها ما ال يراعى فيام سواها. د -أن ق�رارات اهليئ�ات الرشعي�ة مل تعد جمرد فتيا ،بل صارت تش�به الترشيع العام ،وذلك أن�ه يبتن�ى عىل ذلك القرار ما ال ينحرص من الوقائع اجلزئية ،خصوص ًا إذا اس�تحرضنا أن بعض املؤسس�ات اإلسالمية هلا من االنبثاث واالنتش�ار داخل جمتمعاهتا وخارجها ما ليس لكثري من القرارات الرسمية يف تلك البلدان. انظر :التاج واإلكليل (.)175/6 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 27 د .خالد بن عبد اهلل املزيين وغن�ي عن القول ب�أن نظر املفتي يف الفتي�ا اخلاصة يكون بالبحث فيام يك�ون خمرج ًا للفرد املس�تفتي من احلرج الذي وقع فيه ،ولو عىل س�بيل االستثناء ،لوجود ما يسوغ االستثناء بالطبع من األدلة اخلاصة أو العامة ،فأما يف الترشيع العام فال يس�وغ التامس املخارج عىل الدوام ،ألن هذا املسلك من شأنه أن يغري صورة الرشيعة يف مآله ،ألن تكثري املخارج -عىل التسليم بجواز آحاده�ا -خيل بأصل املقاصد ،ويظهر الرشيعة بمظهر االنخراق ،فإن املقاصد موضوعة حلامية كليات الرشع ،واإلبقاء عليها ،وإظهارها بمظهر اهليبة. ومم�ا يدل عىل الفرق بني الترشيع العام والتصرف اخلاص ،قتال الصحابة ريض اهلل عنهم ملانع�ي ال�زكاة ،مع أن الفرد الواحد لو من�ع الزكاة مل يقاتل ،ولكنه�م رأوا أن امتناع الطائفة خيتلف عن امتناع الفرد ،فإن امتناع الطائفة يكون بمثابة الترشيع العام هلذا الترصف. إن ثمة فرق ًا بني الفقه الثابت والسياسة الرشعية ،والثاين يتصل عاد ًة بالفتاوي العامة ،التي ال ختتص بش�خص املس�تفتي ،وإنام تتعداه ليشمل فعلها وآثارها أم ًة كثرية من الناس ،ومن هذا اجلنس ما يعرف اليوم بالفتاوي اجلامعية ،س�واء صدرت من املجامع ،أو اهليئات و اللجان ،أو املؤمترات والندوات. وللسياس�ة الرشعي�ة قواعده�ا التي تنضبط هبا ،وه�ي األدلة التبعية ،من االس�تصالح ِ اليشء اس� ُة » تعني :القي�ا ُم عىل الس َي َ واالستحس�ان والذرائ�ع -فتح� ًا وس�د ًا -والع�رف ،إذ « ِّ بم�ا ُي ْص ِل ُح� ُه ،وه�ذا القي�ام ال يقتصر على حتقي�ق املناف�ع ،وتكثير األرب�اح والعوائد ،بل القص�ة أخرجه�ا البخ�اري برق�م ( ،)2657/6( )6855ومس�لم برق�م ( ،)51/1( )20م�ن حديث أيب هريرة ريض اهلل عنه. واالقتص�ار هن�ا على األدل�ة التبعية ،ال يعن�ي أن األدلة األصلي�ة ال يؤخذ هبا يف هذا املج�ال ،كال؛ وإنام املقصود أن التبعية ألصق هبذا املجال من األصلية. لسان العرب؛ البن منظور ،مادة (سوس) (.)108/6 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 28 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية يتع�داه إىل إصلاح احلال وتقويمه عىل قاعدة الرشع ،وتس�ديده وتوجيه�ه إىل ما به صالحه يف احلال والمآل. وخلط�ورة الترصف يف هذا املجال -أعني السياس�ة الرشعية -فق�د اجتهت الرشيعة إىل حصره يف أهل احل�ل والعقد ،وناطت�ه هبم ،ومنعت من أن يس�تبد به األف�راد ،أو القلة دون الكثرة الكاثرة. وباجلمــلة فإن قاعدة السياس�ة الرشعية تقتيض ضبط مسار الفتوى املالية ،ملسيس احلاجة إىل ذل�ك يف هذا العرص ،وقد نس�تأنس يف هذا بصنيع الفاروق حين بعث بكتاب إىل قاضيه أيب موس�ى األش�عري ريض اهلل عنه ،ين ِّظ�م له فيه أوجه النظ�ر يف القضاء ،فه�و أول مدونة لتنظيم الفهم فيام ُأد َيل إليك الفهم النظر الفقهي يف جمال القضاء ،بوضع قواعد عامة ،وقد جاء فيه « :ثم َ َ مم�ا ورد عليك ،مما ليس يف ٍ قرآن وال س�نة ،ثم قايس األم�ور عند ذلك ،واعرف األمثال ،ثم اعم�د فيام ترى إىل أحبها إىل اهلل ،وأش�بهها باحل�ق » اهـ ،فهذه الوصية العظيمة تعرض أوجه الرأي الصحيح ،الذي قد يتطرق إليه اخللل بسبب اتساع الدولة اإلسالمية اآلخذة يف االتساع اجلغرايف آنذاك. ٍ نوط ترصف�ات ِّ م�ن املق�رر فقه� ًا ُ والي�ة باملصلحة ،ذكروا ذلك يف تصرف اإلمام ،وناظِ ِر كل من له مقا ُم ِ ِ الرعي�ة منزل ُة ال�و ِّيل من اليتي�م » .اهـ، الوق�ف ،وو ِّيل اليتي�م ،ول�ذا ق�ال الش�افعي « :منزل� ُة اإلم�ا ِم من [األشباه والنظائر؛ للسيوطي ( ،)121وانظر :حاشية ابن عابدين ( ،)288/4مغني املحتاج؛ للرشبيني الترصف عىل نصه�ا: ( ،)368/2حاش�ية البجريم�ي ( ،])202/3وصاغ�وا هلذا املعن�ى قاعد ًة فقهيةُّ ، ُّ ٌ من�وط باملصلحة[ ،املجل�ة ( ،)22رقم القاع�دة ( ،)58األش�باه والنظائر؛ للس�يوطي (،)121 الرعي�ة املنث�ور؛ للزركشي ( ،])309/1ويف جمموع الفتاوي؛ البن تيمي�ة ( )250/28حكاي ُة اإلمجاع عىل هذا املعن�ى ،ب�ل إنهَّ م مدُّ وا هذا احلكم م�ن معنى الوالية إىل معنى الوكالة أيض� ًا ،فألزموا الوكيل يف احلج أال يترصف يف مال موكِّله إال بمقتىض املصلحة ،انظر :اإلنصاف؛ للمرداوي (.)419/3 أي :ليس فيهام تفصيله عىل اخلصوص ،فال ينفي وجود تأصيله فيهام ،واهلل تعاىل أعلم. إعلام املوقعني؛ البن القيم ( ،)126/1قال ابن القي�م « :وهذا كتاب ٌ جليل ،تلقاه العلامء بالقبول ،وبنو أحوج يشء إليه ،وإىل تأمله والتفقه فيه » اهـ. عليه أصول احلكم والشهادة ،واحلاكم واملفتي ُ مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 29 د .خالد بن عبد اهلل املزيين ثالث عرش :تكوين اللجنة التحضريية للنظام: يمك�ن هل�ذا االجتماع عند موافقته على هذا االقرتاح أن يش�كل جلن ًة تأسيس�ية/حتضريية لصياغة النظام العام للفتيا املالية ،ثم ُيدعى أعضاء اهليئات الرشعية لرتشيح أعضاء اهليئة العليا للفتيا املالية ،التي ختتص بام يأيت: أ -إقرار النظام العام للفتيا املالية. ب -مراجعة الفتاوي الصادرة من اهليئات الرشعية. ج -البحث يف املس�ائل املالية املش�كلة ،التي يقع حوهلا اخلالف بني اهليئات الرشعية ،مما مل ٍ حينئذ دعوة أعضاء اهليئات أو من يمثلهم إىل اجتامع حتس�مه قواعد النظام العام ،وللهيئة العليا عام لتداول الرأي حول املسألة ،وإصدار الرأي الفاصل فيها. د -حت�ال إلي�ه صي�غ الق�رارات املهمة ،الت�ي تزمع اهليئ�ات اختاذها ،مم�ا له طبيع�ة الدوام واالس�تمرار ،ول�ه مس�اس بمقاص�د الترشي�ع اإلسلامي امل�ايل وفلس�فته ،مع مراع�اة جانب اخلصوصية والرسية لكل مؤسسة مالية. ه�ـ -التوفيق بين فتاوي اهليئات واملعايير املحلية والدولية املالي�ة ذات العالقة باجلوانب الرشعية ،وتقليل حدة التنافر بينها. و -التوفيق بني املصطلحات الرشعية واملالية. ز -التنسيق مع املجامع الفقهية بخصوص الرتجيح يف مسائل اخلالف. *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 30 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية اخلامتـــة أختم هذا البحث بأهم النتائج ،وذلك فيام يأيت: وج�ود التف�اوت يف فت�اوي وقرارات اهليئات الرشعية ،وهذا ال إش�كال في�ه ،ما دامت تلكاهليئات تسلك الطرق الصحيحة الستنباط األحكام الرشعية. حص�ول االضطراب يف تل�ك الفتاوي أحيان ًا ،وذل�ك راجع إىل أس�باب :ظرفية ،ومنهجية،ومؤسسية. إن السبيل األمثل لرتشيد أعامل اهليئات الرشعية أن يتم تزويدها بالفقهاء املتميزين املختصنيبالشأن املايل ،واخلرباء املاليني ،والباحثني املدربني. ومن مس�الك الرتشيد الداخيل ألعامل اهليئات الرشعية أن يوحد النظر يف املسائل املعروضة،ويتم تقسيم البحث يف املسألة إىل مراحل بطريقة منهجية ،كام أن من الرضوري صياغة الئحة داخلية لتنظيم العمل العلمي للهيئة. ينبغ�ي االنتق�ال باهليئات الرشعية م�ن العمل الفردي إىل العمل املؤسسي ،وألجل التوصلإىل صيغ�ة مؤسس�ية اقرتح البحث تنظيم العمل يف هذا املج�ال ،وقدم مبادرة بمرشوع لنظام اهليئة العليا للهيئات الرشعية ،وخالصة االقرتاح إنش�اء هيئة عليا ترشف عىل أعامل اهليئات الرشعية يف كل قطر إسالمي. هـ�ذا ؛ واحلم�د هلل تعاىل أوالً وآخ�ر ًا ،وصىل اهلل عىل نبي اهلدى والرمحة ،س�يدنا حممد بن عبد اهلل ،وعىل آله وصحبه والتابعني هلم بإحسان وسلم تسلي ًام . وكتب د .خالد بن عبد اهلل املزيني 28حمرم 1430هـ مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 31 د .خالد بن عبد اهلل املزيين فهرس املراجــع القرآن الكريم. اإلح�كام يف أصول الفقه؛ أبو احلس�ن عيل بن حممد اآلم�دي ،دار الكتاب العريب ،بريوت ،ط أوىل،1404هـ. األشباه والنظائر؛ عبد الرمحن بن أيب بكر السيوطي ،دار الكتب العلمية ،بريوت1403 ،هـ. إعالم املوقعني؛ حممد بن أيب بكر ابن قيم اجلوزية ،مكتبة ابن تيمية ،القاهرة. اإلنص�اف يف معرف�ة الراج�ح من اخلالف؛ أبو احلس�ن عيل بن س�ليامن امل�رداوي ،ت :حممد حامدالفقي ،مصورة دار إحياء الرتاث ،بريوت. تقرير االجتامع التحضريي لورشة العمل حول حوكمة االلتزام الرشعي يف صناعة اخلدمات املاليةاإلسالمية املنعقدة بالبحرين ،بتنظيم املجلس العام للبنوك اإلسالمية ،يف (2007/4/21م). التقرير والتحبري؛ البن أمري احلاج ،دار الفكر ،بريوت1417 ،هـ. حاشية ابن عابدين ،دار الفكر ،بريوت1421 ،هـ. حاشية البجريمي؛ سليامن بن حممد البجريمي املرصي الشافعي ،مطبعة البايب احللبي1369 ،هـ. صحي�ح البخاري؛ أبو عبد اهلل حممد بن إسماعيل اجلعف�ي البخاري ،ت :د .مصطفى البغا ،دار ابنكثري ،بريوت ،ط ثالثة1407 ،هـ. صحيح مس�لم؛ مس�لم بن احلجاج القشيري النيس�ابوري ،ت :حمم�د فؤاد عبد الباق�ي ،دار إحياءالرتاث ،بريوت. صن�وان القض�اء وعن�وان اإلفت�اء؛ الق�ايض عماد الدي�ن حمم�د ب�ن حمم�د ب�ن إسماعيل اخلطيباألشفورقاين. -الطرق احلكمية يف السياسة الرشعية؛ حممد بن أيب بكر ابن قيم اجلوزية ،دار املدين ،جدة. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 32 ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية قواط�ع األدل�ة؛ أليب املظف�ر منص�ور بن حمم�د الس�معاين ،بتحقيق د .عب�د اهلل احلكم�ي ،ط أوىل،1419هـ. لسان العرب؛ أبو الفضل حممد بن مكرم بن منظور اإلفريقي املرصي ،دار صادر ،بريوت. جمل�ة األحكام العدلية؛ جلنة من علامء الدولة العثامنية ،ت :بس�ام اجل�ايب ،دار ابن حزم ،بريوت ،طأوىل1424 ،هـ. جمموع الفتاوي؛ أمحد بن عبد احلليم بن عبد السلام بن تيمية احلراين ،مجع عبد الرمحن بن حممد بنقاسم وابنه حممد ،دار عامل الكتب. املستصفى؛ أليب حامد الغزايل ،بتحقيق د .حممد األشقر ،مؤسسة الرسالة ،بريوت1417 ،هـ. مغني املحتاج إىل معرفة معاين ألفاظ املنهاج؛ حممد اخلطيب الرشبيني ،دار الفكر ،بريوت. املنث�ور؛ أب�و عبد اهلل حممد بن هبادر الزركيش ،ت :تيسير فائق أمح�د ،وزارة األوقاف ،الكويت ،طثانية1405 ،هـ. *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .خالد بن عبد اهلل املزيين 33 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول ترشيد العمل يف اهليئات الشرعية للمؤسسات املالية اإلسالمية 34 Business Practices according to Islamic Legislation in Islamic Financial Institutions Abstract In this research, we will explore different unbalanced opinions in the rulings of Islamic Legislation for the Islamic financial institutions and the types of these differences and the reasons underlying these differences. We will categorize these different opinions according to their reasoning and will summarize the circumstances that led to the advent of the concept of Islamic Banking. During this study, we will also investigate the differences which appeared in members due to their association with different schools of Islamic thought, their level of knowledge, their personal preferences for ease or (Rukhsa) or strength (Azeema) of application and the necessity and requirements of the financial institutions with which they are affiliated. In this study, we will propose methodology which can act as a guideline for different bodies of Islamic legislation. This methodology will be divided into two categories, internal and external. By internal, it is meant that how these bodies should be created and how they should function. A very fine internal administration of any institution is not a guarantee that the work which the institution is carrying out is also appropriate. Therefore, this study suggests that there should be a central executive body at the national level something like “The Central Bank”. The proposed central body will organize all other legislative bodies and will supervise them in their work. The suggested approach will elaborate in detail the guarantee that the rulings of Islamic legislations are stable in all of the contemporary business and financial practices, trust is created among public for these legislative bodies and clarity and transparency are brought to this sector. مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول
© Copyright 2026 Paperzz