تحميل الملف المرفق

‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‬
‫مفهومه ‪ ،‬وأهميته ‪ ،‬وضوابطه‬
‫إعــداد‬
‫الدكتور مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫أستاذ أصول الفقه املشارك‬
‫جبامعة امللك فهد للبرتول واملعادن‬
‫ٌ‬
‫حبث َّ‬
‫مقد ٌم إىل‬
‫« مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملأمول ‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫‪ 31‬مايو – ‪ 3‬يونيو ‪ 2009‬م‬
‫يعب عن ر�أي الباحث‬
‫هذا البحث رّ‬
‫يعب بال�رضورة عن ر�أي دائرة ال�ش�ؤون الإ�سالمية والعمل اخلريي بدبي‬
‫وال رّ‬
‫دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخليري بدبي‬
‫هاتف‪+971 4 6087777 :‬‬
‫اإلمارات العربية املتحدة‬
‫‪[email protected]‬‬
‫فاكس‪+971 4 6087555 :‬‬
‫ص‪ .‬ب‪ - 3135 :‬دب��ي‬
‫‪www.iacad.gov.ae‬‬
‫‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ملخص البحث‬
‫تع�د اليوم النوازل واملس�تجدات الفقهية املعارصة من أدق مس�الك الفق�ه وأعوصها ؛ مما‬
‫باب إال بجهد مضاعف‬
‫جيعل الناظر يف نوازله الفقهية يطرق أبواب ًا مل تطرق؛ وقد ال يفتح له منها ٌ‬
‫ودراسة وافية وبحث مستفيض‪ ،‬لعله أن يظفر بحكمها وينال معرفتها ليخرج الناس من حرية‬
‫اإلشكال فيها وظلمة اجلهل هبا ‪.‬‬
‫وقد تناول األصوليون يف مباحث مس�تقلة يف كتبهم كل ما يتعلق بأهل النظر يف النوازل ؛‬
‫أنواعهم ‪ ،‬وأحواهلم ‪ ،‬والرشوط التي ينبغي أن ُيـتَصفوا هبا لبلوغ هذه املرتبة من النظر ‪ ،‬كام أن‬
‫هن�اك ضواب�ط ورشوط تتأكد احلاجة إليها يف عرصنا أكثر م�ن أي عرص مىض ال جمال لطرحها‬
‫ومناقشتها يف موضوعنا احلايل‪.‬‬
‫ولعيل يف هذا البحث أن أس�هم يف ضبط هذا الفقه وبيان معامله وتوضيح س�بل الوصول إىل‬
‫التصور الصحيح للنازلة وتكييفها التكييف الفقهي الالئق هبا وفهمها‬
‫أحكامه؛ بالتأكيد عىل أمهية‬
‫ّ‬
‫فه ً‬
‫ما ال خيرج عن واقعها ومعرفة أبعادها‪ ،‬الس�يام النوازل املس�تجدة املع�ارصة املتعلقة بالنواحي‬
‫االقتصادي�ة احلادثة كأنواع البطاقات االئتامنية وصور املعامالت املالية احلالية‪ ،‬أو يف مس�تجدات‬
‫األعامل املرصفية اإللكرتونية التي متارس بشكل واسع يف كثري من بالد العامل إىل غريها من النوازل‬
‫ٍ‬
‫اجتهاد ممن سلف من األئمة والعلامء ‪.‬‬
‫نص من وحي أو‬
‫احلادثة التي مل يسبق فيها ٌ‬
‫وهذا التكييف الفقهي لتلك النوازل احلادثة؛ إذا جرى جمراه الصحيح بدقة وعناية ودراية‬
‫وشمول وفهم؛ فإنه اخلطوة األوىل لالجتهاد الصحيح يف استنباط أحكام تلك النوازل ‪.‬‬
‫إن ما نش�هده الي�وم يف اإلفتاء املعارص الذي انترش عرب وس�ائل اإلعلام املختلفة املقروءة‬
‫التصور‬
‫واملس�موعة واملرئية وغريها وما س�ادها من غلط وخلط ؛ فام هو يف الغالب إال خطأ يف‬
‫ّ‬
‫أو تقصير يف التكييف حييد فيه الناظر عن الطريق الصحيح لالجتهاد يف أول مراحله فال يكون‬
‫بناؤه سلي ًام وال حكمه صحيح ًا ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫وال ش�ك أن فهم الواقعة ومعرف�ة حقيقتها بالقرائن واألم�ارات والعالمات لإلحاطة هبا‬
‫عل ً‬
‫ما ه�و التكييف الفقهي يف اصطالحنا املعارص وال يس�تغني املجتهد والناظ�ر عن هذا الفهم‬
‫للوصول إىل احلكم الصحيح يف الوقائع واملستجدات ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وتوضيح‬
‫ضبط‬
‫فكان هذا البحث تس�ليط ًا للض�وء عىل أمهية هذا النوع من الفه�م وزيادة‬
‫ملصطلح التكييف الفقهي الذي غلب عىل استعامل فقهاء النوازل يف عرصنا احلارض‪ ،‬وباألخص‬
‫الباحثني يف أعامل املصارف اإلسالمية ‪.‬‬
‫وقد بحثت يف كثري من املراجع واملصادر الفقهية القديمة واحلديثة عىل دراسة مستقلة هلذا‬
‫املوضوع فلم أجد بعد طول ٍ‬
‫حتر وس�ؤال أله�ل العلم واالختصاص مع أمهيته التي ال ختفى يف‬
‫معرفة أحكام النوازل املعارصة ‪.‬‬
‫وق�د أس�ميت ه�ذا البح�ث ‪ «:‬التكيي�ف الفقه�ي لألعمال املرصفي�ة مفهوم�ه ‪ ،‬وأمهيته ‪،‬‬
‫وضوابطه‪. » ‬‬
‫واهلل أس�أل أن يكون هذا لعمل خالص ًا لوجهه الكريم وأن يرزقنا فيه الس�داد والتوفيق فام‬
‫أصبت فمن اهلل وحده ‪ ،‬وما أخطأت فمن نفيس والشيطان واهلل تعاىل هو األعلم و األحكم ‪.‬‬
‫وصىل اهلل وسلم عىل نبينا حممد وعىل آله وصحبه أمجعني ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫متهـــيد‬
‫احلم�د هلل رب العاملين‪ ،‬والصالة والسلام على أرشف اخللق وس�يد املرس�لني وعىل آله‬
‫وصحبه أمجعني‪ ،‬وبعــد ‪:‬‬
‫إن الن�وازل واملس�تجدات الفقهي�ة املعارصة من أدق مس�الك الفقه وأعوصه�ا ؛ فالوقائع‬
‫ٍ‬
‫حتدث لألفراد واملجتمعات يف صور ال تتناهى وعىل أنامط شتى ال تقف عند ٍ‬
‫وصف‬
‫حد معني أو‬
‫ثاب�ت‪ ،‬وت�زداد صعوبة هذا الفقه مع تعاقب األجيال وتطور األعص�ار ؛ وال أدل عىل ذلك من‬
‫عرصنا احلارض الذي قفز عىل غريه من العصور السابقة بالتطور املذهل يف العلوم واملخرتعات‪،‬‬
‫والتداخل العميق بني الشعوب واملجتمعات‪ ،‬والتغري الظاهر يف السلوك والعادات ؛ باإلضافة‬
‫إىل ما امتاز به من التشابك والتعقيد ‪.‬‬
‫باب إال بجهد‬
‫مما جعل الناظر يف نوازله الفقهية يطرق أبواب ًا مل تطرق ؛ وقد ال يفتح له منها ٌ‬
‫مضاعف ودراس�ة وافية وبحث مستفيض لعله أن يظفر بحكمها وينال معرفتها ليخرج الناس‬
‫من حرية اإلشكال فيها وظلمة اجلهل هبا ‪.‬‬
‫وقد تناول األصوليون يف مباحث مس�تقلة يف كتبهم كل ما يتعلق بأهل النظر يف النوازل ؛‬
‫أنواعه�م‪ ،‬وأحواهل�م‪ ،‬والرشوط التي ينبغي أن ُيـتَّصفوا هبا لبل�وغ هذه املرتبة من النظر‪ ،‬كام أن‬
‫هن�اك ضواب�ط ورشوط ًا تتأكد احلاجة إليها يف عرصنا أكثر م�ن أي عرص مىض ال جمال لطرحها‬
‫ومناقش�تها يف موضوعن�ا احل�ايل‪ ،‬ولعلي أتطرق لبعضه�ا يف ثنايا هذا البح�ث‪ ،‬كل ذلك من‬
‫أجل محايـة هـذه املرتبة من الفقه‪ ،‬وسياج ًا هلـا من األدعياء واجلهلة أن يبلغوها من دون تأهـل‬
‫ومعرفــة‪.‬‬
‫ انظر ‪ :‬كتابنا « منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية املعارصة‪ ،‬دراسة تأصيلية تطبيقية » نرش دار األندلس‬
‫اخلرضاء بجدة ‪ .‬ففيه إسهامة متواضعة لدراسة متطلبات االجتهاد يف النوازل الفقهية املعارصة ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫ولعيل يف هذا البحث أن أسهم يف ضبط هذا الفقه وبيان معامله وتوضيح سبل الوصول‬
‫التصور الصحيح للنازلة وتكييفها التكييف الفقهي الالئق‬
‫إىل أحكامه ؛ بالتأكيد عىل أمهية‬
‫ّ‬
‫هب�ا وفهمه�ا فه ًام ال خيرج عن واقعها ومعرفة أبعادها‪ ،‬الس�يام النوازل املس�تجدة املعارصة‬
‫املتعلق�ة بالنواحي االقتصادي�ة احلادثة كأنواع البطاقات االئتامنية وص�ور املعامالت املالية‬
‫احلالية‪ ،‬أو يف مس�تجدات األعامل املرصفية اإللكرتونية التي متارس بش�كل واس�ع يف كثري‬
‫ٍ‬
‫اجتهاد ممن‬
‫نص من وحي أو‬
‫من بالد العامل إىل غريها من النوازل احلادثة التي مل يسبق فيها ٌ‬
‫سلف من األئمة والعلامء ‪.‬‬
‫وهذا التكييف الفقهي لتلك النوازل احلادثة ؛ إذا جرى جمراه الصحيح بدقة وعناية ودراية‬
‫وشمول وفهم؛ فإنه اخلطوة األوىل لالجتهاد الصحيح يف استنباط أحكام تلك النوازل ‪.‬‬
‫التصور‬
‫وما حيدث يف ساحة اإلفتاء املعارصة من غلط وخلط ؛ فام هو يف الغالب إال خطأ يف‬
‫ّ‬
‫أو تقصير يف التكييف حييد فيه الناظر عن الطريق الصحيح لالجتهاد يف أول مراحله فال يكون‬
‫بناؤه سلي ًام وال حكمه صحيح ًا ‪.‬‬
‫وه�ذا م�ا حدا بالش�يخ احلج�وي ‪ -‬رمح�ه اهلل ‪ -‬أن يق�ول ‪ :‬وأكثر أغلاط الفتاوى من‬
‫‬
‫حيرم رشب القهوة ٍ‬
‫بعلل ال تصح‪ ،‬وبعضها‬
‫ّ‬
‫التصور‪ ، ‬وذلك بسبب فتاوى اطلع عليها بعضها ّ‬
‫التصور اخلاطئ هلذه األرشبة والتكييف‬
‫جيوز رشب ( ماء املا حيا ) الذي يسكر‪ ،‬وال شك أن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الرشعي هلا أبعدها عن مقاربة احلق والصواب عند أولئك املفتني ‪.‬‬
‫ هو حممد بن احلسن احلجوي الثعلبي القايض‪ ،‬ولد ‪1291‬هـ بمدينة فاس باملغرب وتنقل يف بالد املغرب‬
‫وتون�س واجلزائر وأخذ ع�ن كبار أعالمهم وأخذوا عنه‪ ،‬توىل مناصب ع�دة وتصدى للتدريس يف كثري‬
‫م�ن م�دن املغرب‪ ،‬تويف س�نة ‪1376‬هـ ‪ .‬انظر ترمجت�ه ‪ :‬مقدمة كتابه الفكر الس�امي ص ‪ ،24-9‬معجم‬
‫املؤلفني ‪. 187/9‬‬
‫ الفكر السامي ‪. 571/4‬‬
‫ املا حيا‪ :‬رشاب يصنعه اليهود هلم وهو مما يسكر رشبه‪ ،‬انظر ‪ :‬الفكر السامي ‪. 571/4‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ويؤكد د ‪ .‬القرضاوي عىل أمهية التكييف الرشعي الصحيح للنوازل وأنه من أسباب الزلل‬
‫واخلطأ يف الفتيا كام أسلفنا بقوله ‪ :‬ومن أسباب اخلطأ يف الفتوى عدم فهم الواقع الذي يسأل عنه‬
‫الس�ائل فه ًام صحيح ًا‪ ،‬ويرتتب عىل ذلك اخلطأ يف التكييف‪ ،‬أعني يف تطبيق النص الرشعي عىل‬
‫الواقعة العملية ‪.‬‬
‫وص�دق إي�اس ب�ن مـعاوي�ة ‪ -‬رمح�ه اهلل ‪ -‬لم�ا ق�ال للربيع�ة ب�ن أيب عب�د الرمح�ن‬
‫‬
‫‪ -‬رمحه‪ ‬اهلل‪ : - ‬إن اليشء إذا بني عىل عوج مل يكد يعتدل ‪.‬‬
‫واملتأم�ل يف بع�ض الفتاوى املعارصة اجلانحة ع�ن الصواب تتأكد لدي�ه القناعة بأن اخلطأ‬
‫الذي وقع يف بعض تلك الفتاوى مرده إىل اخلطأ يف التكييف الفقهي الس�ليم للواقعة املس�ؤول‬
‫عنها وإن حدث اختالف يف بعض أحكام تلك النوازل فإن مرده يف الغالب إىل اختالف وجهات‬
‫تصور النازلة وتكييفها التكييف الصحيح ‪.‬‬
‫نظرهم يف ّ‬
‫وال يمن�ع واحلاج�ة ماس�ة إىل التكيي�ف الفقه�ي لبعض الن�وازل وخصوص� ًا االقتصادية‬
‫منه�ا م�ن إدخال بع�ض أهل االختصاص يف ه�ذه الفنون ألخ�ذ رأيه ومعرفة علم�ه يف حقيقة‬
‫م�ا نزل م�ن وقائع حادثة ؛ وذلك باالس�تعانة به وبأمثاله من أهل اخلربة الثق�ات وهذا له دوره‬
‫ الفتوى بني االنضباط والتسيب ص ‪. 72‬‬
‫ ه�و أب�و واثل�ة إياس بن معاوية ب�ن ّقرة بن إياس ب�ن هالل املزين‪ ،‬وهو ال َّلس�ن البلي�غ واألملعي املصيب‬
‫واملعدود مث ً‬
‫ال يف الذكاء والفطنة‪ ،‬ورأس� ًا ألهل الفصاحة والرجاحة‪ ،‬وكان عمر بن عبد العزيز قد واله‬
‫قضاء البرصة تويف عام ‪121‬هـ ويعترب رمحه اهلل مرضب ًا للمثل يف الفراسة والذكاء ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬وفيات‬
‫األعيان ‪ ،247/1‬هتذيب التهذيب ‪ ،354/1‬سري أعالم النبالء ‪. 155/5‬‬
‫ ه�و أبو عثمان ربيعة بن أيب عبد الرمحن فروخ‪ ،‬موىل آل املنكدر‪ ،‬املع�روف بربيعة الرأي‪ ،‬فقيه أهل املدينة‬
‫أدرك مجاعة من الصحابة وعنه أخذ اإلمام مالك بن أنس رمحه اهلل‪ ،‬وكان يقول فيه ‪ :‬ذهبت حالوة الفقه‬
‫منذ مات ربيعة الرأي سنة ‪132‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬وفيات األعيان ‪ ،288/2‬شذرات الذهب ‪،194/1‬‬
‫هتذيب التهذيب ‪. 230/3‬‬
‫ جامع بيان العلم وفضله ‪. 1140/2‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫التصور الصحيح‬
‫يف تعري�ف املجته�د بحقيقة النازلة ومعرف�ة حكمها بعد ذلك وهبذا يتكام�ل‬
‫ّ‬
‫للمس�ألة وتع�رف مجيع حيثياهتا وأجزائه�ا وبنظرة واقعية ألحوال االختلاف يف أحكام بعض‬
‫املعامالت املرصفية نجد أن بعض الفقهاء يكون عامل ًا يف فروع الفقه وأدق مس�ائله ولكن بعض‬
‫تص�ور مبني عىل معرفة أهل االختصاص االقتص�ادي وإدراك مصطلحاهتم‬
‫الوقائ�ع حتتاج إىل‬
‫ّ‬
‫ومقاصدهم واالطالع عىل علومهم ؛ فإذا تفرد أحد منهم باحلكم يف املسألة فربام وقع يف اخلطأ‬
‫والزلل عن معرفة حكم الرشع والفتيا باحلق‪.‬‬
‫وهذا ما أشار إليه اإلمام ابن القيم ‪ -‬رمحه اهلل ‪ -‬بذكره ألنواع الفهم الذي به يتمكن املفتي‬
‫واحلاكم من الفتوى باحلق‪ ،‬حيث قال ‪ :‬وال يتمكن املفتي وال احلاكم من الفتوى واحلكم باحلق‬
‫إال بنوعني من الفهم ‪:‬‬
‫أحدمه�ا‪ :‬فه�م الواق�ع والفق�ه فيه واس�تنباط عل�م حقيقة م�ا وق�ع بالقرائ�ن واألمارات‬
‫والعالمات حتى حييط به عل ًام ‪.‬‬
‫والن�وع الث�اين‪ :‬فهم الواجب يف الواق�ع وهو فهم حكم اهلل الذي حكم ب�ه يف كتابه أو عىل‬
‫لسان رسوله ﷺ يف هذا الواقع ‪.‬‬
‫وال ش�ك أن فهم الواقعة ومعرف�ة حقيقتها بالقرائن واألم�ارات والعالمات لإلحاطة هبا‬
‫عل ً‬
‫ما ه�و التكييف الفقهي يف اصطالحنا املعارص وال يس�تغني املجتهد والناظ�ر عن هذا الفهم‬
‫للوصول إىل احلكم الصحيح يف الوقائع واملستجدات ‪.‬‬
‫ انظر ‪ :‬ضوابط الدراس�ات الفقهية للعودة ص ‪ 92‬؛ ومقدمة املوس�وعة الفقهية الكويتية ‪ 62/1‬؛ وبحث‬
‫د‪ .‬حممد األشقر يف الدورة احلادية عرشة للمجمع الفقهي التابع ملنظمة املؤمتر اإلسالمي‪ ،‬والذي أقيم يف‬
‫البحرين من عام ‪1419‬هـ بعنوان « سبل االستفادة من النوازل والفتاوى » ص ‪. 8 ، 7‬‬
‫ إعالم املوقعني ‪. 69/1‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وتوضيح‬
‫ضبط‬
‫فكان هذا البحث تس�ليط ًا للض�وء عىل أمهية هذا النوع من الفه�م وزيادة‬
‫ملصطلح التكييف الفقهي الذي غلب عىل استعامل فقهاء النوازل يف عرصنا احلارض‪ ،‬وباألخص‬
‫الباحثني يف أعامل املصارف اإلسالمية ‪.‬‬
‫وقد بحثت يف كثري من املراجع واملصادر الفقهية القديمة واحلديثة عىل دراسة مستقلة هلذا‬
‫املوضوع فلم أجد بعد طول ٍ‬
‫حتر وس�ؤال أله�ل العلم واالختصاص مع أمهيته التي ال ختفى يف‬
‫معرفة أحكام النوازل املعارصة ‪.‬‬
‫وق�د أس�ميت ه�ذا البح�ث ‪ « :‬التكيي�ف الفقه�ي لألعمال املرصفي�ة‪ :‬مفهوم�ه‪ ،‬وأمهيته‪،‬‬
‫وضوابطه‪.» ‬‬
‫وسأتناول هذا املوضوع من خالل املطالب التالية ‪:‬‬
‫ املطلب األول‪ :‬تعريف التكييف الفقهي ‪.‬‬‫ املطلب الثاين‪ :‬األدلة عىل اعتبار التكييف الفقهي للنوازل ‪.‬‬‫ املطلب الثالث‪ :‬ضوابط التكييف الفقهي للنوازل ‪.‬‬‫واهلل أسأل أن يكون هذا لعمل خالص ًا لوجهه الكريم‪ ،‬وأن يرزقنا فيه السداد والتوفيق‪ ،‬فام‬
‫أصبت فمن اهلل وحده‪ ،‬وما أخطأت فمن نفيس والشيطان‪ ،‬واهلل تعاىل هو األعلم و األحكم ‪.‬‬
‫وصىل اهلل وسلم عىل نبينا حممد وعىل آله وصحبه أمجعني ‪.‬‬
‫كتبـــه‬
‫د‪/‬مسفر بن عيل بن حممد القحطاين‬
‫أستاذ الفقه وأصوله املساعد بجامعة امللك فهد للبرتول واملعادن‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪10‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫املطلب األول‬
‫تعريف التكييف الفقهي‬
‫ً‬
‫أوال ‪ :‬التعريف اللغوي ‪:‬‬
‫التكييـف يف اللغة من كاف اليشء يكيفه تكييف ًا بمعنى قطعـه ويأيت أيض ًا بمعنى تنقصـه‪.‬‬
‫أما التكييف الذي بمعنى ما يدل عىل حال اليشء وصفته فهو قياس ال سامع فيه‪ ،‬ويعترب بنا ًء‬
‫على ذل�ك كالم ًا مولد ًا ‪ .‬كام رصح بذلك أكثر من إمام من أئمة اللغة؛ منهم ابن دريد ‪ -‬رمحه‬
‫اهلل ‪ -‬حيث قال ‪ :‬فأما قوهلم ‪ :‬هذا يشء ال يك َّيف فكالم مولد ‪ .‬هكذا يقول األصمعي‪. ‬‬
‫وقال ابن سيده ‪ -‬رمحه اهلل ‪ : -‬فأما قوهلم ‪ :‬ك َّيف اليشء‪ ،‬فكالم مولد ‪.‬‬
‫ انظر ‪ :‬لسان العرب ‪ 313 ، 312/9‬؛ القاموس املحيط ص ‪ 1101‬؛ حميط املحيط ص ‪ ،800‬معجم لغة‬
‫الفقهاء ص ‪. 143‬‬
‫ هو حممد بن احلسن بن دريد األزدي من أزدة عامن من قحطان‪ ،‬كان من أئمة اللغة واألدب ‪ .‬وكان يقال‬
‫في�ه ‪:‬ابن دريد أش�عر العلامء وأعلم الش�عراء‪ ،‬أقام يف عامن عدة س�نني وتوىف ببغداد ع�ام ‪ 321‬هـ ‪ .‬من‬
‫مصنفاته ‪ :‬اجلمهرة يف اللغة‪ ،‬واالش�تقاق يف األنس�اب‪ ،‬وذخائر احلكمة وغريها ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬شذرات‬
‫الذهب ‪ ،289/2‬معجم املؤلفني ‪ ،189/9‬األعالم ‪. 80/6‬‬
‫ ه�و عب�د املل�ك بن قريب بن عيل بن أمجع الباهيل‪ ،‬أبو س�عيد األصمعي راوية الع�رب‪ ،‬وأحد أئمة العلم‬
‫باللغة والشعر والبلدان ‪ ،‬كان الرشيد يسميه « شيطان الشعر « توىف عام ‪216‬هـ ‪ .‬من مصنفاته ‪ :‬األضداد‬
‫واملرتادف وخلق اإلنسان وغريها ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬شذرات الذهب ‪ ، 36/2‬األعالم ‪. 12/4‬‬
‫ مجهرة اللغة ‪. 970/2‬‬
‫ هو عيل بن إسماعيل املعروف بان س�يده‪ ،‬أبو احلس�ن إمام يف اللغة وآداهبا‪ ،‬ولد بمرسية يف األندلس‪ ،‬كان‬
‫رضير ًا واش�تغل بنظم الش�عر مدة وانقطع لألمري أيب اجليش جماهد العامري‪ ،‬صنف املخصص يف اللغة‬
‫وهو من أعظم كنوز اللغة‪ .‬تويف عام ‪458‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬شذرات الذهب ‪ ،305/3‬معجم املؤلفني‬
‫‪ ،36/7‬األعالم ‪. 14/4‬‬
‫ املحكم البن سيده ‪. 86/7‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪11‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫وج�اء ع�ن الزبيدي ‪ -‬رمحه اهلل ‪ -‬قوله ‪ :‬التكييف اش�تقاق من ( كيف )‪ :‬كيفته فتكيف‬
‫ونص اللحي�اين ‪ :‬فأما قوهلم ‪ :‬ك َّيف اليشء فكالم مولد‬
‫فإن�ه قياس ال سماع فيه من العرب ‪ّ .‬‬
‫قل�ت ‪ :‬فعن�ى بالقياس هنا التوليد‪ ،‬قال ش�يخنا ‪ :‬أو أهنا مولدة ولك�ن أجروها عىل قياس كالم‬
‫العرب ‪ .‬قلت ‪ :‬وفيه ٌ‬
‫تأمل ‪.‬‬
‫أق�ر هذا املصطلح جمم�ع اللغة العربي�ة بالقاهرة حيث جاء يف جمم�وع قرارات جمامع‬
‫وق�د ّ‬
‫نصه ‪ :‬التكييف هو طبيعة املسألة التي تتنازعها القوانني لوضعها يف نطاق طائفة‬
‫اللغة العربية ما َّ‬
‫من املسائل القانونية‪ ،‬التي خصها املرشع بقاعدة إسناد‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬التكييف الالحق هو التكييف الالزم إلعامل القاعدة املوضوعية التي تعينها قاعدة‬
‫اإلسناد يف قانون القايض أو إلعامل قاعدة اإلسناد الداخيل يف القانون األجنبي ‪.‬‬
‫فالتكيي�ف إذ ًا مص�در صناع�ي مول�د قد أقره جمم�ع اللغة العربي�ة فيام يبني طبيعة املس�ألة‬
‫ونوع تصنيفها‪ ،‬وإن كان املجمع قد تناوله من الناحية القانونية إال أنه قريب من املعنى املراد يف‬
‫استعامل الفقهاء املعارصين للتكييف ‪.‬‬
‫ هو حممد بن احلس�ن بن عبيد اهلل الزبيدي األندليس األش�بييل‪ ،‬عامل باللغة و أألدب‪ ،‬ش�اعر‪ ،‬ويل القضاء‬
‫أشبيلية فاستقر هبا تويف هبا عام ‪ 379‬هـ‪ ،‬من مصنفاته ‪ :‬الواضح يف النحو‪ ،‬وحلن العامة‪ ،‬وخمترص العني‬
‫وغريها ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬شذرات الذهب ‪ ،94/3‬معجم املؤلفني ‪ ،198/9‬األعالم ‪. 82/6‬‬
‫ هو عيل بن حازم اللحياين‪ ،‬لغوي‪ ،‬عارص الفراء‪ ،‬وتصدر يف أيامه‪ ،‬وأخذ عنه القاسم بن سالم من آثاره‪:‬‬
‫كتاب يف النوادر تويف بعد ‪207‬هـ ‪.‬انظر ترمجته ‪ :‬معجم املؤلفني ‪. 56/7‬‬
‫ ت�اج الع�روس ‪ 475/12‬؛ وانظر أيض ًا القاموس املحي�ط ص ‪ 1101‬؛ حميط املحيط ص ‪800‬؛ املصباح‬
‫املنري ص ‪.281‬‬
‫ انظر ‪ :‬جمموع قرارات جمامع اللغة العربية‪ً ،‬‬
‫نقال عن د ‪ .‬حامد صادق القنيبي الباحث يف جممع اللغة العربية‬
‫سامع ًا منه ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪12‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫ً‬
‫ثانيا ‪ :‬التعريف االصطالحي ‪:‬‬
‫يعتبر مصطل�ح ( التكييف الفقه�ي ) من املصطلح�ات احلادثة التي غلب اس�تعامهلا لدى‬
‫الفقه�اء املعارصين ومل يكن هذا املصطلح معروف ًا لدى أئمة الفقه خالل العصور املاضية إال يف‬
‫حاالت نادرة قد تقع من بعض الفقهاء ؛ وقد نجزم بعدم شيوع هذا املصطلح بينهم ‪.‬‬
‫‬
‫ٌ‬
‫استعامل هلذا‬
‫ومن خالل استقراء بعض الكتب الفقهية ُوجدَ عند بعض فقهاء اإلباضية‬
‫املصطلح‪ ،‬ولكن يف غري املراد به عند الفقهاء املعارصين حيث يريدون بالتكييف‪ :‬أداء الفعل يف‬
‫الباط�ن م�ن غري إظهار صوت أو فعل يف الظاهر‪ ،‬ويأيت يف حالة عدم االس�تطاعة للقيام بالقول‬
‫أو الفعل معه ‪.‬‬
‫أم�ا بقي�ة مدونات فقه املذاهب األربع�ة فلم أجد بعد طول ٍ‬
‫بحث ٍ‬
‫وحتر أهنم قد اس�تعملوا‬
‫ه�ذا املصطل�ح باملعنى الذي يطلقه فقهاؤنا املعارصون‪ ،‬ومل أجد كذلك من املتأخرين من تناول‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫دراسة ‪ -‬واهلل أعلم ‪.-‬‬
‫ببحث أو‬
‫موضوع التكييف الفقهي‬
‫ونظ�ر ًا ألمهي�ة التكيي�ف الفقهي يف التع�رف عىل حك�م النازلة كان ال بد من بذل الوس�ع‬
‫يف إعط�اء حدٍّ مناس�ب يتميز به ه�ذا املصطلح وينفرد بمعناه اخلاص الذي يتفق مع االس�تعامل‬
‫الشائع له عند الفقهاء املعارصين ‪.‬‬
‫ ه�م أصح�اب عب�د اهلل بن إباض ال�ذي خرج أيام م�روان بن حممد‪ ،‬واإلباضية نس�بة إلي�ه فرقة من فرق‬
‫اخلوارج‪ ،‬وقد افرتقت اإلباضية إىل عدة فرق جيمعها القول بأن كفار هذه األمة ‪ -‬أي خمالفيهم ‪ -‬برآء من‬
‫الرشك واإليامن‪ ،‬وأهنم ليسوا مؤمنني وال مرشكني‪ ،‬ولكنهم كفار‪ ،‬وأجازوا شهادهتم‪ ،‬وحرموا دماءهم‬
‫يف السر واس�تحلوها يف العالنية وصححوا مناكحتهم والتوارث منهم‪ ،‬وهل�م خمالفات يف االعتقاد ويف‬
‫أبواب الفقه كثرية ‪ .‬انظر لالستزادة ‪ :‬امللل والنحل ‪ ،156/1‬الفرق بيت الفرق ص ‪. 70‬‬
‫ انظر ‪ :‬رشح النيل وشفاء العليل‪ ،‬تأليف ‪ :‬حممد بن يوسف أطفيش ‪.‬فقد ذكر كثري ًا من صور التكييف يف‬
‫أحكام احليض واالستحاضة ويف صالة العليل‪ ،‬طبعة مكتبة اإلرشاد ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪13‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫وقب�ل بيان التعريف املختار للتكييف الفقهي‪ ،‬أعرض بعض التعريفات التي ذكرها بعض‬
‫أهل العلم املعارصين وذلك من أجل االستزادة يف فهم املراد من هذا املصطلح ‪.‬‬
‫ومن هؤالء العلامء ‪:‬‬
‫أ‪ -‬تعريف د ‪ .‬القرضاوي يف كتابه ( الفتوى بني االنضباط والتسيب ) حيث قال ‪ :‬التكييف‪:‬‬
‫أعني يف تطبيق النص الرشعي عىل الواقعة العملية ‪.‬‬
‫وهذا التعريف ال يدل عىل معنى التكييف الفقهي‪ ،‬بل يدل عىل النتيجة واألثر املرتتب عىل‬
‫عملية التكييف‪ ،‬وهو تطبيق النص الرشعي بحكمه عىل تلك الواقعة ‪.‬‬
‫ولع�ل د ‪ .‬القرض�اوي مل ي�رد يف ه�ذا املقام من كتاب�ه تعريفه‪ ،‬بل كان الس�ياق يدل عىل أنه‬
‫أراد بيان أمهية الفهم احلقيقي للواقعة‪ ،‬ألن اخلطأ فيه خطأ يف التكييف‪ ،‬وبالتايل يف تطبيق النص‬
‫الرشعي عىل الواقعة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ج�اء يف كت�اب ( معج�م لغة الفقه�اء ) تعريف ح�ادث للتكييف الفقه�ي‪ ،‬قيل فيه ‪:‬‬
‫التكييف الفقهي للمسألة ‪ :‬حتريرها وبيان انتامئها إىل أصل معني معترب‪.‬‬
‫وهذا التعريف جيد املعنى وواضح الداللة عىل بيان املقصود من التكييف‪ ،‬وإن كان ينقصه‬
‫التصور الكامل الصحيح هلا ‪.‬‬
‫بيان اخلطوة األوىل قبل حتريرها وبيان انتامئها‪ ،‬وهي‬
‫ّ‬
‫ ص ‪. 72‬‬
‫ ص ‪. 143‬‬
‫ وقد أخذت بعض التعريفات للتكييف الفقهي من بعض علامئنا املعارصين باملش�افهة س�أورد بعضها من‬
‫دون مناقشة ‪:‬‬
‫أ‪ -‬تعريف فضيلة الشيخ عبد اهلل بن سليامن بن منيع‪ ،‬عضو هيئة كبار العلامء باململكة حيث قال ‪ « :‬التكييف‪ :‬يعني‬
‫التس�اؤل بلفظ كيف‪ ،‬عن وجه إرجاع مس�ألة ما من املس�ائل املعارصة إىل ما تندرج حتته من املس�ائل الفقهية‬
‫املعروفة لدى قدماء الفقهاء‪ ،‬وذلك بلفظ كيف ترجعها إىل ما تعترب جزء ًا من جزئيات ذلك األصل » ‪.‬‬
‫ب‪ -‬تعري�ف فضيل�ة الش�يخ حممد املختار السلامي م�ن علامء تونس حيث ق�ال ‪ « :‬إعطاء ص�ورة منضبطة‬
‫برشوطها وأركاهنا للقضية املستجدة يف الواقع العميل »‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪14‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫* ومن التعريفات التي تفيدنا يف فهم مصطلح (التكييف الفقهي ) ‪:‬‬
‫ تعريف علامء القانون ‪:‬‬‫م�ن املعل�وم أن مصطلح (التكييف) من املصطلحات الش�ائعة يف ع�رف القانونيني‪ ،‬وربام‬
‫يعتربون األكثر واألسبق استعامالً هلذا املصطلح من الفقهاء املعارصين ‪.‬‬
‫يسوغ لنا البحث‬
‫وال خيفى أن هناك عالقة وطيدة بني عمل القانوين وعمل املفتي أو الفقيه ّ‬
‫ثم اعتباره يف التعريف الفقهي ‪.‬‬
‫يف معرفة مرادهم للتكييف ومن َّ‬
‫وقد ذكر د ‪ .‬حممد رياض وجه العالقة بينهام ؛ حيث قال ‪ :‬إن املحامي ‪ -‬وهو الذي تتجىل‬
‫يف مهمت�ه حقيق�ة القانون وطبيعته ‪ -‬ينوب ع�ن أطراف النزاع‪ ،‬ويمثلهم أم�ام املحاكم‪ ،‬كام أنه‬
‫يقوم بدور املفتي يف النزاعات والقضايا املعروضة عليه‪ ،‬فهو مشمول من جهة بأحكام الوكالة‪،‬‬
‫ومن جهة أخرى قائم مقام املفتي فيام يرجع إليه‪.‬‬
‫فهو حني ترجع إليه قضية ينظر فيها بنظر املفتي فيحللها‪ ،‬ويتعرف عىل النص الذي حيكمها‬
‫م�ن ف�روع القانون املختلفة‪ ،‬فيحرر مقال الدعوى‪ ،‬وقد اس�توىف فهم النازل�ة‪ ،‬والنص القانوين‬
‫املطبق عليها ويدافع عن وجهة نظره فيام يعرضه من جهة واقع القضية وقانوهنا ‪.‬‬
‫إن نظري�ة التكيي�ف هلا أمهية عظمى يف عمل فقهاء القان�ون‪ ،‬فمتى أتم القايض حتصيل‬
‫فه�م الواق�ع يف الدعوى فإنه يبح�ث عام يبحث تطبيق�ه أي تنزيله من أح�كام القانون عىل هذا‬
‫الواق�ع يف الدعوى‪ ،‬فإنه يبحث عام جيب تطبيع�ه أي تنزيله من أحكام القانون عىل هذا الواقع‪،‬‬
‫ أصول الفتوى والقضاء د ‪ .‬حممد رياض ص‪. 196‬‬
‫ أطلق املستشار حامد فهمي وابنه حممد ( النظرية ) عىل التكييف القانوين وذلك ألمهيته القصوى يف عمل‬
‫الق�ايض وعلماء القان�ون ‪ .‬انظر ‪ :‬النقض يف املواد املدنية والتجارية للمستش�ار حام�د فهمي وابنه حممد‬
‫ص ‪. 165‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪15‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ومل�ا كانت أحكام القانون مطلقات وعمومات تتن�اول أنواع ًا من احلوادث ال تنحرص‪ ،‬وكانت‬
‫ّ‬
‫مش�خصة‪ ،‬ولكل معني منها خصوصية ليس�ت يف غريه‪ ،‬وليس‬
‫هذه احلوادث ال تقوم إال مع ّينة‬
‫ما به التعيني واالمتياز معترب ًا يف احلكم بإطالق‪ ،‬وال هو طردي بإطالق‪ ،‬فال سبيل لتنزيل تلك‬
‫ٍ‬
‫معرفة بأن ذلك املعني يش�مله ذل�ك املطلق أو ذلك العام‪،‬‬
‫األح�كام على هذه احلوادث إال بعد‬
‫وقد يكون هذا سه ً‬
‫ال وقد يكون صعب ًا وكله عىل كل حال نظر واجتهاد ‪.‬‬
‫وهذا االجتهاد أطلق عليه كثري من علامء القانون ‪ « :‬تكييف الواقع يف الدعوى»‪ ،‬فأخذ‬
‫م�ال الغير بغري حق له عدّ ة تكييفات ؛ فقد يكون رسقة أو تبديد ًا أو خيانة أمانة‪ ،‬أو نصب ًا‪ ،‬وكل‬
‫ن�وع م�ن هذه ل�ه عقوبته القانونية التي ق�د نختلف عن األخرى وال يوق�ع القايض عقوبته عىل‬
‫وتصور كامل لواقع الدعوى وحال اآلخذ مللك الغري ‪.‬‬
‫األخذ إال بعد تكييف‬
‫ّ‬
‫والتص�ور للدعاوى‬
‫فنظ�ر املحام�ي أو الق�ايض يف املحاكم الوضعي�ة قائم على التكييف‬
‫ّ‬
‫والقضايا التي تردهم‪ ،‬ولذلك نجد أن هناك تش�اهب ًا بيتهم وبني عمل املجتهد أو املفتي يف نظره‬
‫للنوازل والواقعات ‪.‬‬
‫ولتوس�ع دائ�رة املحاماة والعم�ل بالقوانني الوضعي�ة يف عرصنا احلارض نتيج�ة نفوذ هذه‬
‫القوانين وإل�زام الناس هب�ا ؛ يتحتم عىل العاملني يف جماهلا وخصوص ًا يف البالد اإلسلامية التي‬
‫ينبغي أن حيكِّم الناس فيها رشع اهلل عز وجل أن يكون لدهيم آلة النظر واالجتهاد أو االستعانة‬
‫بأهل الفتوى و االجتهاد أو القضاء من أهل العلم ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫حلقوق راعته�ا الرشيعة فينبغي أن ال خت�رج عن إطارها‬
‫وذل�ك أهن�ا إلزام بأحكام وإنف�اذ‬
‫وكلياهتا وسؤال أهلها‪.‬‬
‫عرف�وا التكييف وأس�موه ‪ -‬بالوصف‬
‫وم�ن منطل�ق ه�ذه العالقة نجد أه�ل القانون ق�د َّ‬
‫القانوين ‪. -‬‬
‫ املرجع السابق ص ‪. 164‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪16‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫ومن تلك التعريفات قوهلم ‪:‬‬
‫التكييف‪ ،‬هو يف القانون املدين ‪ :‬حتديد طبيعة العالقة القانونية ألجل معرفة صفتها والعمل‬
‫عىل حتديد النظام القانوين الذي يرعاها‪ ،‬مثاله ‪ :‬الترصف بدون عوض أو بعوض‪ ،‬وقد خيتلفون‬
‫عىل هذا الوصف أو التعيني بطبيعة العالقة القانونية الواحدة يف بلدين أو أكثر وهو ما يسمونه‪:‬‬
‫تنازع الوصف ‪.‬‬
‫وه�و يف القان�ون اجلنائي‪ :‬تعيين اجلريمة أي وصفها يف النطاق ال�ذي يدخل فيه العمل أو‬
‫اإلمهال املوجب للمعاقبة عليه ‪.‬‬
‫ومن أحس�ن تعريفاهتم ما ذكره املستش�ار حامد فهمي‪ ،‬بقوله‪ :‬هو توخي معاين القانون يف‬
‫حاصل فهم الواقع يف الدعوى ‪.‬‬
‫فالتكيي�ف باعتب�ار القانونيني حي�دد طبيعة القضية وصفتها حتى ُيتع�رف عىل النظام الذي‬
‫يرعاه�ا وتنتمي إلي�ه‪ ،‬وهذا املعنى ال خيتلف كثري ًا عن املعنى الذي اس�تخدمه الفقهاء للتكييف‬
‫كام سيمر معنا ‪ -‬بإذن اهلل تعاىل ‪. -‬‬
‫عرفه علامء العقيدة اإلسلامية‪ :‬حيث‬
‫‪ -‬وم�ن التعريف�ات للتكييف عند علماء الرشيعة ما ّ‬
‫قال�وا‪ :‬التكيي�ف‪ :‬أن يعتق�د املثب�ت أن كيفي�ة صف�ات اهلل تع�اىل كذا وك�ذا من غير أن يقيدها‬
‫بمامثل‪.‬‬
‫معج�م املصطلح�ات القانونية‪:‬تأليف‪ :‬أمح�د زكي بدوي ص‪ ،195‬املعجم القان�وين رباعي اللغة‪ ،‬تأليف‬
‫دكتور عبد الفتاح مراد ص‪.398‬‬
‫ النقض يف املواد املدنية والتجارية ص ‪. 164‬‬
‫ القواع�د املثىل يف صفات اهلل وصفاته احلس�نى ص‪ ،27‬تأليف ‪ :‬الش�يخ حممد ب�ن صالح العثيمني ؛ انظر‪:‬‬
‫التنبيه�ات الس�نية عىل العقيدة الواس�طية الب�ن تيمية تأليف الش�يخ عبد العزيز الرش�يد ص‪ ،24‬رشح‬
‫العقيدة الواسطية البن تيمية ‪ ،‬تأليف الشيخ صالح الفوزان ص‪. 16‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪17‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ووجه العالقة بني تعريف علامء العقيدة وعلامء الفقه أهنم يشرتكون يف حقيقة معناه األصيل‬
‫يف اللغ�ة‪ ،‬وه�و تعيني كنه اليشء وصفته ؛ لكنهم خيتلفون يف االس�تعامل فعلامء العقيدة يكثرون‬
‫من اس�تخدام ه�ذا املصطلح يف نف�ي التكييف لصفات اهلل ع�ز وجل‪ ،‬والذي يعتبر إثباته أمر ًا‬
‫خمالف ًا العتقاد أهل الس�نة واجلامعة يف توحيد أسماء اهلل عز وجل وصفاته‪ ،‬فهو مصطلح سلبي‬
‫يتصور‬
‫ال جي�وز إيقاع�ه عىل صفات اهلل عز وجل‪ ،‬بينام يعتربه الفقه�اء أمر ًا الزم ًا للمجتهد لكي‬
‫ّ‬
‫املس�ألة الفقهي�ة الواقعة من أجل احلكم فيه�ا‪ ،‬ومن هنا كان االختالف بين املعنيني وال عالقة‬
‫بينهام من الناحية االصطالحية كام هو ظاهر من االستعامل ‪.‬‬
‫* التعريف املختار للتكييف الفقهي ‪:‬‬
‫إليه‪.‬‬
‫يمك�ن تعريف التكييف الفقه�ي بأنه‪ :‬التصور الكامل للواقعة وحترير األصل الذي تنتمي‬
‫* رشح التعريف ‪:‬‬
‫التص�ور ‪ :‬ه�و حصول صورة اليشء يف العق�ل‪ ،‬وإدراك املاهية من غير أن حيكم عليها‬
‫‬‫ّ‬
‫بنفي أو إثبات‪.‬‬
‫فالتصور ‪ -‬كام سيمر معنا بإذن اهلل ‪ -‬يأيت من كامل الفهم ومتام املعرفة باملسألة من مجيع‬
‫جوانبها وأبعادها ‪.‬‬
‫التصور الناقص يف فهم املسألة ؛ ملا يرتتب عليه بالتايل من حكم‬
‫ الكامل‪ :‬وهو احرتاز من‬‫ّ‬
‫خمالف وجمانب حلقيقة األمر والواقع الصحيح ‪.‬‬
‫ تعريفات اجلرجاين ص ‪. 83‬‬
‫ ص ‪ 15‬من البحث ‪.‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪18‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫‪ -‬للواقعة‪ :‬وهي املسألة النازلة التي مل يسبق هلا مثيل أو نظري تلحق به مبارشة‪ ،‬بينام املسائل‬
‫املعهودة ال حتتاج إىل تكييف بقدر ما حتتاج إىل حتقيق ملناط املسألة يف غالب أحياهنا ‪.‬‬
‫‪ -‬وحتري�ر األص�ل‪ :‬واملقصود بالتحرير هنا التقويم‪ ،‬كام ج�اء يف القاموس املحيط‪ :‬وحترير‬
‫الكتاب وغريه ‪ :‬تقويمه ‪.‬‬
‫يق�وم األصل الذي ترجع إليه املس�ألة ويتأكد من صحة ه�ذا االنتامء من كل‬
‫فاملعن�ى ؛ أن ّ‬
‫العوارض النقلية والعقلية ‪.‬‬
‫واألصل‪ :‬إما أن يكون دلي ً‬
‫ال قائ ًام أو قاعدة معتربة‪ ،‬أو مسألة منصوص ًا عىل حكمها ‪.‬‬
‫ الذي تنتمي إليه‪ :‬أي ترجع إليه من أجل الوصول إىل حكمها يف الرشع ‪.‬‬‫ومجل�ة ( وحتري�ر األصل الذي تنتمي إليه ) قيدٌ مه�م يف التعريف‪ ،‬وذلك احرتاز من وقوع‬
‫ٍ‬
‫حينئ�ذ حقيقة التكيي�ف الفقهي الصحيح‬
‫التص�ور يف أص�ل ال يصح اإلحل�اق إليه‪ ،‬فال تكتمل‬
‫ّ‬
‫للواقعة ‪.‬‬
‫* بعض املصطلحات ذات الصلة بالتكييف الفقهي ‪:‬‬
‫التصور أو التصوير ‪:‬‬
‫‪-1‬‬
‫ّ‬
‫ومعن�اه كما ق�ال اجلرجاين ‪ -‬رمح�ه اهلل ‪ : -‬التص�ور ‪ :‬حصول صورة الشيء يف العقل‪،‬‬
‫وإدراك املاهية من غري أن حيكم عليها بنفي أو إثبات ‪.‬‬
‫ ص‪ ،479‬باب الراء‪ ،‬فصل احلاء‬
‫ ه�و علي بن حممد بن عيل املعروف بالس�يد الرشيف اجلرجاين ولد بجرج�ان وبدأ العلم يف صباه يف علوم‬
‫اللغة العربية ثم عكف عىل العلوم النقلية والعقلية‪ ،‬له مصنفات عديدة يف الفقه والتفسير واملنطق تويف‬
‫سنة ‪792‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬الفوائد البهية للكنوي ص ‪ ،212‬األعالم للزركيل ‪. 7/5‬‬
‫ التعريف�ات ص ‪ 83‬؛ املبين يف رشح مع�اين ألف�اظ احلكماء واملتكلمني لآلم�دي ص ‪ ،69‬حترير القواعد‬
‫املنطقية للرازي ص ‪ ،7‬رشح العالمة األخرضي عىل سلمه يف املنطق ص ‪.24‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪19‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ويعترب مصطلح التصور من املصطلحات الش�ائعة يف علم املنطق حيث يقسم علامء املنطق‬
‫العلم إىل ‪ :‬تصور وتصديق‪ ،‬والتصديق مس�بوق بالتص�ور‪ ،‬فكان التصور وضعه أن يكون قبل‬
‫التصدي�ق‪ ،‬والتصور إنام يكتس�ب باحلدّ ‪ ،‬كما أن التصديق ال يكتس�ب إال بالربهان‪ ،‬فكان احلدّ‬
‫متقدم ًا عىل التصور املتقدم عىل التصديق فاحلدّ قبل الكل طبع ًا ‪.‬‬
‫وه�ذا يدل عىل أن تصور املس�ألة ال يتأتى إال ببي�ان معناها من خالل احلدّ والتعريف‪ ،‬فإذا‬
‫تصورت أمكن إقامة الربهان والدليل عليها للوصول إىل حكمها التصديقي ‪.‬‬
‫ِّ‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ ال خيتلف معنى التصور أو التصوير من حيث الداللة عىل معنى التكييف الفقهي‪،‬‬
‫تصوره ‪.‬‬
‫ولذلك شاع عىل ألسنة الفقهاء قوهلم ‪ :‬احلكم عىل اليشء فرع عن ّ‬
‫وكث�ر اس�تخدام بعض املعارصي�ن الصطالح تصوير املس�ألة عىل تكييفها نظ�ر ًا للرتادف‬
‫القريب بينهام ‪.‬‬
‫‪ -2‬التخريج ‪:‬‬
‫التخري�ج يف اصطلاح الفقه�اء واألصوليين معن�اه ‪ :‬االس�تنباط ‪ -‬وه�و مواف�ق ملعن�اه‬
‫اللغوي‪ - ‬وقد يطلقونه ويريدون به أمرين‪:‬‬
‫ انظر ‪ :‬تنقيح الفصول ص ‪ 4‬؛ حاشية التفتازاين عىل رشح العضد عىل خمترص ابن احلاجب ‪ 15 ،14/1‬؛‬
‫تقريب الوصول ص ‪ 93‬؛ التقرير والتحبري ‪ 32 – 30/1‬؛ إرشاد الفحول ص ‪. 6-5‬‬
‫ سيأيت مزيد بيان حول هذه القاعدة ‪ -‬بإذن اهلل ‪ -‬ص ‪ 24‬من البحث ‪.‬‬
‫ انظر ‪ :‬الكثري من البحوث الفقهية ضمن جملة جممع الفقه اإلسلامي واملجالت الفقهية املعارصة وش�يوع‬
‫هذا املصـطلح ( التصوير ) عندهم ؛ كذلك قد استخدمه بعض األئمة السابقني كابن السبكي يف األشباه‬
‫والنظائر ‪ ،43/1‬والسيوطي يف أألشباه والنظائر ص ‪ 7‬وغريمها ‪.‬‬
‫ انظر ‪ :‬القاموس املحيط ص ‪ 237‬؛ خمتار الصحاح ص ‪. 151‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪20‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫األول‪ :‬ختري�ج الفروع عىل األصول ؛ وهو اس�تنباط األحكام الرشعي�ة العملية من أدلتها‬
‫التفصيلية وفق القواعد األصولية ‪.‬‬
‫والث�اين‪ :‬ختري�ج الف�روع م�ن الف�روع ؛ وهو نق�ل حكم مس�ألة إىل ما يش�بهها والتس�وية‬
‫بينهام فيه ‪.‬‬
‫ووج�ه الصلة بين التكييف الفقهي والتخريج أنه اخلطـوة األوىل واملرحلة األس�اس التي‬
‫فاملخرج أول م�ا يبدأ اجتهاده‬
‫يبن�ى عليه�ا التخريج الصحي�ح‪ ،‬املوافق للدليل أو ق�ول اإلمام‪،‬‬
‫ِّ‬
‫يف واقع�ة م�ا البد أن يتصوره�ا تصور ًا كام ً‬
‫ث�م يلحقها بأي األصول‬
‫ال ‪ -‬وهو التكييف ‪ -‬ومن َّ‬
‫املعتربة املشاهبة هلا ‪.‬‬
‫‪ -3‬حتقيق املناط ‪:‬‬
‫حتقي�ق املناط عند األصوليني ‪ :‬هو النظر واالجتهاد يف معرفة وجود العلة يف آحاد الصور‪،‬‬
‫ٍ‬
‫بنص أو إمجا ٍع أو استنباط جيل‪ ،‬فإثبات وجود العلة يف مسألة‬
‫بعد معرفة تلك العلة‬
‫معينة بالنظر واالجتهاد هو حتقيق املناط ‪.‬‬
‫فمثال ما إذا كانت العلة معروفة بالنص ‪ :‬جهة القبلة‪ ،‬فإهنا مناط وجوب اس�تقباهلا‪ ،‬وهي‬
‫معروفة بالنص‪ ،‬وهو قوله تعاىل ‪ ﴿ :‬ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﴾ ‪.‬‬
‫وأم�ا ك�ون جه�ة م�ا ه�ي جه�ة القبل�ة يف حال�ة االش�تباه فمظن�ون باالجته�اد والنظر يف‬
‫األمارات‪.‬‬
‫ ختري�ج الف�روع على األصول‪ ،‬تأليف عثامن شوش�ان ‪ 65/1‬؛ انظ�ر ‪ :‬التخريج د ‪ .‬الباحسين ص ‪ 51‬؛‬
‫املدخل املفصل إىل فقه اإلمام أمحد بن حنبل تأليف د‪ .‬بكر أبو زيد ‪. 273/1‬‬
‫ املسودة آلل تيمية ص ‪ 533‬؛ اإلنصاف للمرداوي ‪. 6/1‬‬
‫ انظر ‪ :‬رشح الكوكب املنري للفتوحي ‪ ،469/4‬صفة الفتوى البن محدان ص ‪. 18‬‬
‫ سورة البقرة‪ ،‬آية ‪. 144 :‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪21‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ومث�ال م�ا كانت الع َّلة معلومة باإلمجاع‪ :‬العدالة‪ ،‬فإهنا مناط وجوب قبول الش�هادة‪ ،‬وهي‬
‫معلومة باإلمجاع‪ ،‬وأما كون هذا الشخص عدالً فمظنون باالجتهاد ‪.‬‬
‫ومثال ما إذا كانت الع َّلة مظنونة باالس�تنباط‪ :‬الش�دَّ ة املطربة‪ ،‬فإهنا مناط حتريم الرشب يف‬
‫اخلمر‪ ،‬فالنظر يف معرفتها يف النبيذ هو حتقيق املناط‪ ،‬وال خالف بني األمة يف جوازه ‪.‬‬
‫‬
‫وس�مي حتقيق املناط بذلك ؛ ألن املناط وهو الوصف علم أنه مناط‪ ،‬وبقي النظر يف حتقيق‬
‫وجوده يف الصور املعينة ‪.‬‬
‫يق�ول اإلمام الش�اطبي ‪ -‬رمح�ه اهلل ‪-‬يف تعريف حتقيق املن�اط ‪ :‬أن يثبت احلكم بمدركه‬
‫الرشعي لكن يبقى النظر يف تعيني حمله ‪.‬‬
‫ورضب على ذلك أمثلة قريبة مما س�بق ذكره‪ ،‬ثم قال ‪ -‬رمح�ه اهلل ‪ :-‬ويكفيك من ذلك أن‬
‫الرشيعة مل تنص عىل حكم كل جزئية عىل حدهتا‪ ،‬وإنام أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول‬
‫أعداد ًا ال تنحرص‪ ،‬ومع ذلك فلكل معني خصوصية ليست يف غريه ولو يف نفس التعيني‪ ،‬وليس‬
‫م�ا ب�ه االمتياز معترب ًا يف احلك�م بإطالق‪ ،‬وال هو طردي بإطالق‪ ،‬بل ذلك منقس�م إىل الرضبني‬
‫وبينهما قس�م ثالث يأخذ بجهة من الطرفين ؛ فال يبقى صورة من الص�ور الوجودية املعنية إال‬
‫وللعامل فيها نظر سهل وصعب‪ ،‬وهذا كله بينّ ملن شدا يف العلم‪.‬‬
‫ انظ�ر ‪ :‬املس�تصفى للغ�زايل ‪ 230/2‬؛ األح�كام لآلم�دي ‪ 335/3‬؛ املحص�ول لل�رازي ‪ 244/2‬؛‬
‫البحر املحيط للزركيش ‪ 257/4‬؛ روضة الناظر البن قدامة ‪ 802 ، 801/3‬؛ إرشاد الفحول للشوكاين‬
‫ص ‪. 222‬‬
‫ ه�و إبراهيم بن موس�ى بن حممد اللخمي الغرناطي الش�هري بالش�اطبي‪ ،‬أصويل حافظ م�ن أئمة املالكية‪،‬‬
‫م�ن أش�هر مصنفات�ه املوافقات واالعتصام وغريها‪ ،‬تويف س�نة ‪ 790‬ه�ـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬الفكر الس�امي‬
‫‪ ،291/2‬معجم املؤلفني ‪ ،118/1‬األعالم ‪. 75/1‬‬
‫ املوافقات للشاطبي ‪. 12/5‬‬
‫ املرجع السابق ‪. 15 ، 14/5‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪22‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫يتبني لنا مما ممىض ذكره وجود عالقة قوية بني التكييف الفقهي وحتقيق املناط‪ ،‬فتكون مهمة‬
‫املجتهد يف حتقيق املناط هو تطبيق الكيل عىل جزئياته لوجود الش�به من خالل املناط املنصـوص‬
‫أو املجم�ع عليه‪ ،‬وحتقيق وجود الش�بـه بني الفرع وأصله ه�و التكييف إذ ال يصح حتقيق املناط‬
‫م�ا مل يصاحب�ه التص�ور الكامل ملاهي�ة الفرع ونوعه ومتيي�زه عن غريه املخالف ل�ه يف نوعه وقد‬
‫يكون من جنسه‪ ،‬وهذا النظر العميق للتكييف الفقهي ال شك يف صعوبته عىل آحاد املجتهـدين‬
‫وأنصـاف العلامء إال من شدا يف العلم ‪ -‬كام قال الشاطبي ‪ -‬رمحه اهلل ‪. -‬‬
‫***‬
‫ انظر ‪ :‬املنهج األصويل يف فقه اخلطاب‪ ،‬تأليف ‪ :‬د ‪ .‬إدريس محادي ص ‪ ،147، 146‬جملة املسلم املعارص‪،‬‬
‫بحث د ‪ .‬رمضان مجعة‪ ،‬بعنوان ‪ :‬االجتهاد يف حتقيق املناط وأنواعه وضوابطه ص ‪.140-95‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪23‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫املطلب الثاني‬
‫األدلة على اعتبار التكييف الفقهي للنوازل‬
‫املقص�ود هبذا املطلب إثب�ات الدليل النقيل والعقيل عىل أمهية اعتب�ار التكييف الفقهي عند‬
‫االجتهاد والنظر يف حكم النوازل واملستجدات ‪.‬‬
‫ثم احلكم‬
‫وأن التكيي�ف البد منه للمجتهد حتى يتحقق ل�ه‬
‫ّ‬
‫التصور الصحيح للنازلة ومن َّ‬
‫عليها باحلق والصواب ‪.‬‬
‫وه�ذا م�ا جعل التكييف الفقهي له أمهية خاصة بني فقهاء املصارف اإلسلامية والباحثني‬
‫االقتصاديني نتيجة لدوره الكبري يف صحة احلكم واالجتهاد عىل ما يستجد من مسائل مرصفية‬
‫أو اقتصادية ‪ .‬ومن أهم دواعي االهتامم بالتكييف لدى أولئك الباحثني االعتبارات اآلتية ‪- :‬‬
‫األول‪ :‬أن النوازل املعارصة وباألخص يف جمال املعامالت املرصفية متميزة بحداثتها وعدم‬
‫إفراز حلضارات خمتلفة‬
‫وجود س�وابق فقهية هلا‪ ،‬كام متتاز أيض ًا بالتعقيد والتش�ابك‪ ،‬وذلك أهنا ٌ‬
‫ال يمت بعضها لإلسالم بأي صلة‪ ،‬فأصبحت تلك النوازل من املسائل التي يصعب النظر فيها‬
‫وحتت�اج إىل تريث وطول تأم�ل وفهم صحيح حلقيقتها حتى تتهي�أ الواقعة بعد ذلك للبحث يف‬
‫حكمه�ا‪ ،‬فكان�ت احلاجة للتكييف كخطوة أو مرحلة ‪ -‬أملته�ا الضـرورة ‪ -‬قبل احلـكم فيها ؛‬
‫لتـتجىل الواقـعـة وتـظـهر واضـحة املعـامل للـفقيه واملفتي ‪.‬‬
‫‬
‫الث�اين‪ :‬أن العص�ور األخيرة بما احتوته م�ن تطور حض�اري وتغري اجتامع�ي ال مثيل له‪،‬‬
‫انعك�س ‪ -‬وال ش�ك ‪ -‬على وقائعه وقضاي�اه التي حتتاج إىل حكم الش�ارع فيها‪ ،‬ونظ�ر ًا لندرة‬
‫أه�ل االجتهاد املطلق يف عصورنا املتأخرة وكثرة جمته�دي املذاهب‪ ،‬زادت احلاجة إىل التكييف‬
‫ انظر ‪ :‬ضوابط الدراسات الفقهية للعودة ص ‪. 89‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪24‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫الفقه�ي مل�ا له م�ن دور واضح يف توصيف النازل�ة وتصويرها وحترير األصل ال�ذي تنتمي إليه‬
‫وتقريب وجهات النظر حول الواقعة وتس�هيل البحث فيها لعلامء التخريج وأصحاب الوجوه‬
‫من أهل املذاهب‪ ،‬سوا ًء كانوا جمتمعني لالجتهاد ضمن جمامع فقهية أو آحاد ًا متفرقني يف بالدهم‬
‫لإلفتاء والتعليم‪.‬‬
‫‬
‫علام خمصوص ًا عند‬
‫ويف ذل�ك يقول اب�ن خلدون ‪ -‬رمحه اهلل ‪ -‬وملا صار مذهب كل إمام ً‬
‫أهل مذهبه ومل يكن هلم س�بيل إىل االجتهاد والقياس‪ ،‬فاحتاجوا إىل تنظري املس�ائل يف اإلحلاق‪،‬‬
‫وتفريقها عند االشتباه بعد االستناد إىل األصول املقررة من مذهب إمامهم ‪.‬‬
‫الثال�ث‪ :‬إن من أهم األس�باب التي دع�ت لالهتمام بالتكييف الفقه�ي للقضايا املرصفية‬
‫‪ -‬إضافة إىل ما سبق ‪ -‬املشكالت التي تعاين منها املصارف اإلسالمية يف تعدد اآلراء يف املسالة‬
‫الواحدة‪ ،‬األمر الذي أدى إىل اختالف الفتاوى الصادرة عن الرقابة الرشعية يف هذه املصارف‪،‬‬
‫فق�د حي�دث أن تصدر هيئ�ة الرقابة الرشعية يف إح�دى املصارف فتوى يف حكم أحد األنش�طة‬
‫املرصفي�ة‪ ،‬ويصدر عن رقابة رشعية يف مرصف آخر فتوى خمتلفة متام ًا عن الفتوى الس�ابقة ؛ يف‬
‫نفس هذا النشاط‪ ،‬وهذا يؤدي إىل إحداث بلبلة فكرية لدى املسؤولني عن إدارة هذه املصارف‬
‫والقائمني عليها ‪.‬‬
‫وق�د ينتج عن ذلك كل�ه تعطيل بعض الصيغ واألدوات املرصفية التي توفر هلذه املصارف‬
‫مرونة يف العمل‪ ،‬ودور ًا أكثر فاعلية يف تقديم أقىص ما يمكن يف جمال العمل املرصيف‪ ،‬هذا جانب‬
‫من جوانب هذه املشكلة ‪ .‬أما اجلانب اآلخر فيتمثل يف أن معظم هيئات الرقابة الرشعية يف هذه‬
‫املصارف تتألف من الفقهاء ذوي االطالع اجليد عىل اآلراء الفقهية للمذاهب اإلسالمية املختلفة‬
‫ هو عبد الرمحن بن حممد بن حممد احلرضمي األش�بييل املالكي املش�هور بابن خلدون‪ ،‬من العلامء املؤرخني‬
‫احلكماء‪ ،‬ب�رع يف عل�وم كثرية وله مصنفات عجيبة‪ ،‬تويف س�نة ‪808‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬ش�ذرات الذهب‬
‫‪ ،76/7‬معجم املؤلفني ‪ ،188/5‬نيل االبتهاج ص ‪. 169‬‬
‫ مقدمة ابن خلدون ص ‪. 498‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪25‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫لكن اطالعهم عىل الواقع االقتصادي املعارص ومستجداته‪ ،‬وخربهتم يف األمور املرصفية واملالية‬
‫ليس�ت بمس�توى اطالعهم وخربهتم يف األمور الرشعية مع أن اطالع الرقابة الرشعية عىل هذه‬
‫أم�ر ال ب�د منه لكي تتمكن م�ن أداء دورها يف إجياد احللول املناس�بة ؛ خاص�ة ما يتعلق‬
‫األم�ور ٌ‬
‫منها بالصيغ واألش�كال املناس�بة لتحل حمل أدوات االس�تثامر الربوية ‪ ،‬ولنرضب أمثلة عىل‬
‫اختالف آراءهم يب بعض املسائل املرصفية نتيجة الختالف تكييفهم هلذه املسائل ‪:‬‬
‫‪ -1‬االختالف يف الودائع املرصفية ‪:‬‬
‫فذهب بعض الباحثني إىل أهنا وديعة وبعضهم عىل أهنا إجارة واختار األكثر كوهنا قروض ًا‬
‫باملنظور الفقهي والقانوين ‪.‬‬
‫‪ -2‬االختالف يف تكييف نظام بطاقات االئتامن ‪:‬‬
‫فمن الفقهاء من يرى أن نظام البطاقة يتضمن توكي ً‬
‫ال وكفالة‪ ،‬ومنهم من يراه حوالة‬
‫أو وكال�ة بأج�ر‪ ،‬ومنه�م م�ن ي�راه كفال�ة فق�ط إىل غريهــ�ا م�ن التكييف�ات األخ�رى‬
‫هلــذا العقـد‪. ‬‬
‫‪ -3‬االختالف يف تكييف خطاب الضامن ( الكفالة املرصفية ) ‪:‬‬
‫ي�رى بعض الفقه�اء واملعارصين أن ه�ذا العقد كفال�ة‪ ،‬ويرى آخرون أن�ه وكالة‪ ،‬وذهب‬
‫البعض عىل أن هذا العقد جعالة‪ ،‬وتوس�ط بعض الباحثني إىل القول بأنه وكالة إذا كان خطاب‬
‫الضامن مغطى تغطية كاملة من قبل العميل‪ ،‬وكفالة إذا كان غري مغطى ‪.‬‬
‫ انظر ‪ :‬املصارف اإلسالمية بني النظرية والتطبيق للهيتي ص ‪. 671‬‬
‫ انظر ‪ :‬املصارف اإلسالمية بني النظرية والتطبيق ص ‪ ،267 – 260‬االقتصاد اإلسالمي والقضايا الفقهية‬
‫للسالوس ‪ ،1630164/1‬بحوث يف قضايا معارصة للعثامين ص ‪. 355-352‬‬
‫ انظر ‪ :‬البطاقات البنكية د ‪ .‬عبد الوهاب أبو سليامن ص ‪. 221-215‬‬
‫ انظ�ر ‪ :‬الش�امل يف معاملات وعملي�ات املص�ارف اإلسلامية إلرش�يد ص ‪ ،177،178‬االقتص�اد =‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪26‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫‪ -4‬االختالف يف تكييف عقد املرابحة لألمر بالرشاء ‪:‬‬
‫وأقص�د باختلاف الباحثين بني اجل�واز واملن�ع واختالف املانعين يف تكيي�ف حرمة هذا‬
‫العقد‪ ،‬منهم من يرى هذه املعاملة أهنا من بيع املعدوم‪ ،‬ومنهم من يراها داخلة يف العينة‪ ،‬ومنهم‬
‫م�ن يراه�ا بيعتني يف بيعة‪ ،‬ومنهم م�ن أدخلها يف بيع الكالئ بالكال�ئ إىل غريها من التخرجيات‬
‫والتكييفات املانعة من هذا العقد ‪.‬‬
‫ه�ذه بعض األمثلة لعقود جترهيا املصارف اإلسلامية ألكثر م�ن عقدين من الزمان ما زال‬
‫الكثير من الفقه�اء املعارصين والباحثني خمتلفين يف تكييف هذه العقود مع أهن�ا أزهقت بحث ًا‬
‫ومناقشة بني فقهاء املصارف اإلسالمية‪ ،‬وأعتقد أم من أهم أسباب هذا االختالف هو اخللل يف‬
‫تكييف هذه املستجدات من الناحية الفقهية أو االقتصادية ‪.‬‬
‫وبع�د هذا التمهي�د يمكن أن نقس�م أدلة اعتبار التكيي�ف الفقهي للنوازل إىل قس�مني من‬
‫األدلة ‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬األدلة النقلية عىل اعتبار التكييف الفقهي ورضورة العمل به‪ ،‬ومن هذه األدلة‪-:‬‬
‫أ‪ -‬قول�ه تعاىل‪ ﴿ :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬
‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾‪.‬‬
‫وقول�ه تع�اىل ‪ ﴿ :‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ‬
‫ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﴾ ‪.‬‬
‫= اإلسالمي والقضايا الفقهية املعارصة للسالوس ‪ ،765،766/2‬املعامالت املالية املعارصة لشبري ص‬
‫‪ ،255‬املصارف اإلسالمية للهيتي ص ‪. 397-390‬‬
‫ انظر ‪ :‬املصارف اإلسالمية للهيتي ص ‪ ،527-517‬الشامل يف معامالت وعمليات املصارف اإلسالمية‬
‫ألرشيد ص ‪. 80-77‬‬
‫ سورة األعراف‪ ،‬آية‪. 33 :‬‬
‫ سورة البقرة‪ ،‬اآليات ‪. 169-168 :‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪27‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫وجه االستدالل من هذه اآليات ‪ :‬ما قاله اإلمام ابن القيم ‪ -‬رمحه اهلل ‪ :-‬إذا نزلت باحلاكم‬
‫أو املفت�ي النازل�ة ؛ فإما أن يكون عامل ًا باحلق فيها أو غالب ًا عىل ظنه بحيث قد اس�تفرغ وس�عه يف‬
‫طلب�ه ومعرفت�ه أوالً‪ ،‬فإن مل يكن عامل ًا باحلق فيها وال غلب عىل ظنه مل حيل له أن يفتي وال يقيض‬
‫بام ال يعلم‪ ،‬ومتى أقدم عىل ذلك فقد تعرض لعقوبة اهلل ‪.‬‬
‫طريق للوصول إىل العلم التام بالنازل�ة واحلكم باحلق فيها‪ ،‬ويف عدمه‬
‫والتكيي�ف الفقه�ي ٌ‬
‫حكم بالظن وقول عىل اهلل بغري علم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قوله تعاىل ‪ ﴿ :‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﴾ ‪.‬‬
‫وجه االس�تدالل هب�ذه اآلية‪ :‬ما قاله اإلمام أبو بكر اجلص�اص ‪ -‬رمحه اهلل ـ‪ : -‬وقد اقتىض‬
‫ذلك هني اإلنسان عىل أن يقول يف أحكام اهلل ما ال علم له به عىل جهة الظن واحلسبان ‪.‬‬
‫التصور الناقص أو اخلاطئ للوقائع املس�تجدة التي تتطلب حك ًام رشعي ًا خاص ًا‬
‫ومن ذلك‬
‫ّ‬
‫هبا ‪ ،‬فالتفريط يف هذا النظر من األحكام ٌ‬
‫داخل يف عموم النهي عن القول يف أحكام اهلل بغري علم‬
‫تصور صحيح ‪.‬‬
‫أو دراية أو ّ‬
‫ج‪ -‬قوله تعاىل ‪ ﴿ :‬ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ ‪.‬‬
‫وجه االستدالل من هذه اآلية‪ :‬ما قاله اإلمام ابن عبد الرب ‪ -‬رمحه اهلل ‪ :-‬وهذا متثيل اليشء‬
‫بعدله ومثله وشبهه ونظريه ‪.‬‬
‫فإذا كان اهلل عز وجل قد أمرنا باالجتهاد يف بحث املثل واملش�اهبة يف جزاء الصيد دل ذلك‬
‫ إعالم املوقعني ‪. 132/4‬‬
‫ سورة اإلرساء‪ ،‬آية ‪. 36 :‬‬
‫ أحكام القرآن ‪. 265/3‬‬
‫ سورة املائدة‪ ،‬آية ‪. 95 :‬‬
‫ جامع بيان العلم وفضله ‪. 869/2‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪28‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫على اعتب�اره يف مجيع الصور االجتهادية ومنها النظر يف أح�كام النوازل املعارصة‪ ،‬ويؤيد قاعدة‬
‫اعتب�ار املثيل بمثيله يف احلكم واالس�تنباط ؛ ما ج�اء يف كتاب عمر بن اخلطاب ريض اهلل عنه إىل‬
‫أيب موسى األشعري ريض اهلل عنه حيث قال ‪ … :‬ثم قايس األمور عند ذلك واعرف األمثال ثم‬
‫اعمد فيام ترى إىل أحبها إىل اهلل وأشبهها باحلق‪ ،‬فالتكييف الفقهي نوع من االجتهاد يف حترير‬
‫الوقائع إىل ما يشبهها ويامثلها من األدلة واملسائل ‪.‬‬
‫واألدلة من الكتاب والس�نة وأقوال الصحابة رضوان اهلل عليهم مس�تفيضة يف هذا الباب‬
‫نكتفي فيها بام ذكرناه من شواهد ‪ .‬واهلل تعاىل أعلم ‪.‬‬
‫ثاني ًا ‪ :‬الدليل العقيل عىل اعتبار التكييف الفقهي ‪:‬‬
‫يمكن أن نستدل عىل اعتبار التكييف الفقهي بالقاعدة الشائعة االستعامل ‪:‬‬
‫‬
‫تصوره ‪،‬‬
‫احلكم عىل الش�ـيء فرع عن تصوره وقـد يعرب عنها ‪ :‬باحلكم باليشء فرع ّ‬
‫تصوره حمال ‪.‬‬
‫كام يعرب عنها ‪ :‬باحلكم عىل اليشء بدون ّ‬
‫وهذه القاعدة وإن ش�اع اس�تعامهلا يف كالم الفقهاء واألصوليني إال أن مباحثها املستقلة هبا‬
‫ال تكـ�اد تذك�ر ضمـن كتب القواعـد الفقهية واألصولية وق�د توجد أحيان ًا يف مقدمات بعض‬
‫كتب علم املنطق‪.‬‬
‫ إعالم املوقعني ‪. 68/1‬‬
‫ انظر ‪ :‬رشح الكوكب املنري ‪ 50/1‬؛ حتفة املحتاج مع حوايش الرشواين وابن القاسم ‪ ،430/1‬دار الكتب‬
‫العلمية‪ ،‬الطبعة األوىل ‪1416‬هـ ؛ رشح العالمة األخرضي عىل سلمه النورق ص ‪. 25‬‬
‫ انظر ‪ :‬التقرير والتحبري ‪. 18/3‬‬
‫ انظر ‪ :‬التقرير والتحبري ‪. 82/2‬‬
‫ انظ�ر ‪ :‬املطل�ع رشح إيس�اغوجي أليب زكريا األنص�اري ص ‪ 6‬مطبعة بوالق ‪ 1283‬ه�ـ ؛ حترير القواعد‬
‫املنطقية للرازي مع رشح الرس�الة الشمس�ية للكاتبي ص ‪ 27 -5‬؛ رشح العالمة األخرضي عيل سلمه‬
‫املنورق ص ‪24‬و‪. 25‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪29‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫وه�ذه القاع�دة من األدلة العقلية عىل اعتبار التكييف الفقهي للوقائع احلادثة ؛ ألن احلكم‬
‫التصور الكامل لتلك الوقائع ‪.‬‬
‫عليها ال يكون إال بعد‬
‫ّ‬
‫وه�ذا األم�ر متبادر عند مجيع العقالء فض ً‬
‫ال عند العلماء يف أن احلكم عىل اليشء بالنفي أو‬
‫ٍ‬
‫ومعرفة حلقيقة هذا اليشء ‪.‬‬
‫تصو ٍر‬
‫اإلثبات ال يكون إال بعد ّ‬
‫فاحلاج�ة إىل اعتبار التكييف الفقهي وإثباته ال تس�تدعي املزيد م�ن األدلة واإلثباتات ألنه‬
‫أم�ر ظاه�ر األمهية للمجته�د والناظر‪ ،‬وهو من الوس�ائل األكيدة التي حتق�ق مقاصد االجتهاد‬
‫وثمرته والوسائل تأخذ أحكام الغايات واملقاصد يف األمهية واالعتبار ‪.‬‬
‫مم�ا س�بق عرضه من أدل�ة جمملة موجزة عىل اعتب�ار التكييف الفقهي كان�ت من أجل متييز‬
‫هذه املرحلة املهمة من النظر‪ ،‬وتس�ليط الض�وء عليها وتأكيد االهتامم هبا عند البحث يف أحكام‬
‫النوازل املعارصة‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪30‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫املطلب الثالث‬
‫ضوابط التكييف الفقهي للنوازل‬
‫متهـــيد ‪:‬‬
‫ٍ‬
‫ب�دور عظيم يف نرش س�نة النب�ي ﷺ وتبلي�غ العلم ال�ذي ورثوه‬
‫ق�ام أصح�اب النب�ي ﷺ‬
‫من�ه‪ ‬ﷺ فج�رى أمر الناس عىل السلامة والس�داد لعقود م�ن الزمن‪ ،‬ولكن مع مرور الس�نني‬
‫وتتابع األجيال واتس�اع رقعة اإلسلام برز يف كل إقليم من أقاليم املسلمني علامء ومفتون أخذ‬
‫الناس عنهم األحكام وس�ألوهم عام يس�تجد يف حياهتم من وقائع ومش�كالت‪ ،‬فأصبح هلؤالء‬
‫األئم�ة ما يتامي�زون به من طرق يف فهم النصوص ومس�الك يف االجتهاد عند حدوث املس�ائل‬
‫والواقعات‪.‬‬
‫ف�كان أه�ل املدين�ة يتبعون يف األكث�ر فتاوى ابن عم�ر ريض اهلل عنهام‪ ،‬وأه�ل مكة فتاوى‬
‫ابن عباس ريض اهلل عنهام‪ ،‬وأهل الكوفة فتاوى ابن مسعود ‪ -‬ريض اهلل عنه ‪ -‬وعن هؤالء أخذت‬
‫األمة مناهجها يف النظر واالجتهاد ‪ .‬واستمرت هذه املدارس الفقهية يف العطاء واالجتهاد حتى‬
‫ب�رزت يف عه�د تابعي التابعني مدرس�تان فقهيت�ان‪ :‬إحدامها يف العراق‪ ،‬واألخ�رى يف احلجاز‪،‬‬
‫وأصبح لكل مدرسة منهجها يف النظر الذي خيتلف عن األخرى يف بعض القواعد واألصول؛ مما‬
‫نجم عن اختالف واقع يف كثري من املسائل الفقهية أدى إىل بعض التباين واالفرتاق بل والعداوة‬
‫والبغضاء بني املسلمني‪ ،‬حينها أرسل عبد الرمحن بن مهديرسالة إىل اإلمام الشافعي يطلب‬
‫من�ه أن يضع كتاب ًا يف معاين القرآن وجامع ًا لقبول األخبار وبيان حجية اإلمجاع وبعض القواعد‬
‫ هو عبد الرمحن بن مهدي بن حسان أبو سعيد العنربي‪ ،‬اإلمام الناقد سيد احلفاظ‪ ،‬ولد سنة ‪135‬هـ‪ ،‬كان‬
‫إمام ًا يف الفقه واحلديث‪ ،‬وقدوة يف العلم والعمل‪ ،‬تويف رمحه اهلل يف البرصة س�نة ‪198‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪:‬‬
‫سري أعالم النبالء ‪ ،192/9‬شذرات الذهب ‪ ،355/1‬هتذيب التهذيب ‪. 247/6‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪31‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫التي جيتمع عليها الفقهاء‪ ،‬فأجابه الشافعي لذلك ووضع كتاب الرسالة والذي هو أول مؤلف‬
‫أصويل يق ّعد للفقيه الناظر طرق االجتهاد واستنباط األحكام ‪.‬‬
‫لقد استطاع اإلمام الشافعي أن حيقق تقارب ًا كبري ًا بني املدارس الفقهية وجيمع بني املجتهدين‬
‫واملفتين ‪ -‬والذي�ن طامل�ا اختلف�وا وتفرقوا ‪ -‬حت�ت لواء القواع�د والتأصيل لطرق الس�تنباط‬
‫والنظ�ر‪ ‬؛ يش�هد لذلك اإلم�ام أمحد يف قوله ‪ :‬ما زلن�ا نلعن أصحاب ال�رأي ويلعنونا حتى جاء‬
‫الشافعي فمزج بيننا ‪.‬‬
‫كما يؤك�د احلافظ ابن حجر هذا املعنى يف نقله ع�ن أيب الوليد بن أيب اجلارود قوله ‪ :‬انتهت‬
‫رياس�ة الفقه باملدينة إىل مالك بن أنس فرحل إليه ‪ -‬أي اإلمام الش�افعي ‪ -‬والزمه وأخذ عنه‪،‬‬
‫وانتهت رياس�ة الفقه بالعراق إىل أيب حنيفة‪ ،‬فأخذ عن صاحبه حممد بن احلس�ن مج ً‬
‫ال ليس فيها‬
‫فترصف يف ذلك‪،‬‬
‫يشء إال وق�د س�معه علي�ه‪ ،‬فاجتمع له علم أه�ل الرأي وعلم أهل احلدي�ث َّ‬
‫حتى أصل األصول وق ّعد القواعد‪ ،‬وأذعن له املوافق واملخالف ‪.‬‬
‫فالتأصي�ل املنهج�ي للنظ�ر واالس�تنباط والتقعيد للفق�ه كان له دور كبير يف التقارب بني‬
‫املذاهب وردم هوة االختالف بني العلامء إىل حدّ كبري ‪ .‬وهذا ما نحتاجه اليوم يف فقهنا املعارص‬
‫وباألخ�ص يف موض�وع التكيي�ف الفقهي الذي يامرس�ه الفقه�اء املعارصون عن�د االجتهاد يف‬
‫املستجدات احلادثة دون أن يكون هناك منهج واضح أو تأصيل تقعيدي هلذه املرحلة املهمة من‬
‫االجته�اد والتي أرى أن ضبطها ق�د خيفف إىل حد كبري اخلالف الناجم من احلكم عىل كثري من‬
‫املستجدات والنوازل احلادثة ‪.‬‬
‫وهل�ذا أحببت أن أقدم حماول�ة متواضعة لضبط هذه املرحلة من االجتهاد وس�عي ًا لوصول‬
‫ انظر ‪ :‬الرسالة للشافعي ‪. 11/1‬‬
‫ ترتيب املدارك للقايض عياض ‪. 95/1‬‬
‫ توايل التأسيس البن حجر ص ‪ً 53‬‬
‫نقال من كتاب الشافعي فقيه السنة األكرب للدقر ص ‪. 113 ،112‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪32‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫املجتهدين إىل أدق النتائج وأصوهبا وحتقيق ًا لس�عة الرشيعة وصالحيتها لكل زمان ومكان ويف‬
‫مجيع األحوال والظروف ‪.‬‬
‫* من هذه الضوابط التي ينبغي مراعاهتا عند القيام بالتكييف الفقهي ‪:‬‬
‫ٍ‬
‫‪-1‬أن يكون التكييف الفقهي مبني ًا عىل ٍ‬
‫معترب ألصول الترشيع‪.‬‬
‫نظر صحيحٍ‬
‫عندم�ا تن�زل الواقعة اجلديدة باملجتهد ليحكم فيها فعليه أن يك ّيف النازلة بأقرب األصول‬
‫الشبيهة هلا لتأخذ بعد ذلك حكم ذلك األصل‪ ،‬وهذا ال إشكال فيه ولك َّن اإلشكال يقع عندما‬
‫ُصور الواقعة وتك َّيف عىل أساس‬
‫يكون التكييف إىل غري أصل معترب ينسب اإلحلاق إليه‪ ،‬كأن ت َّ‬
‫اهلوى والتشهي فيصبح احلرام حالالً واحلالل حرام ًا بنا ًء عىل أهواء الناظر أو املجتهد فيام يريده‬
‫أن ُيلحق هبا من أصوله‪ ،‬وكذلك أن ُيبنى التكييف عىل األوهام أو التخيالت أو األمور العارضة‬
‫أو الظنون الفاسدة وهذه كلها األصل فيها العدم يف االعتبار الرشعي ‪.‬‬
‫يقـ�ول اإلم�ام اب�ن عبد البر ‪ -‬رمح�ه اهلل ‪ ... : -‬إن االجتهاد ال يك�ون إال عىل أصول‬
‫يضاف إليها التحليل والتحريم‪ ،‬وأنه ال جيتهد إال عامل هبا‪ ،‬ومن أشكل عليه يشء لزمه الوقوف‬
‫ومل جي�ز ل�ه أن حيي�ل عىل اهلل ق�والً يف دينه ال نظري له م�ن أصل وال هو يف معن�ى أصل‪ ،‬وهذا ال‬
‫خالف فيه بني أئمة األمصار قدي ًام وحديث ًا فتدبره ‪.‬‬
‫وجي�در التنبي�ه هنا أيض ًا ؛ أنه لي�س من البناء املعترب ما يزعمه بعض املحدثني من االس�تناد‬
‫إىل ما يس�مونه ( بروح الرشيعة ) من أجل أن يلحقوا ما ش�اؤوا من وقائع بام ش�اؤوا من أصول‬
‫وافقت مقصد الشارع أو مل توافقه ‪.‬‬
‫ هو يوسف بن عبد الرب النمري القرطبي املالكي‪ ،‬إمام حافظ من علامء األندلس‪ ،‬وكبار حمدثيها له مصنفات‬
‫عظيمة مثل ‪ :‬التمهيد يف رشح املوطأ‪ ،‬واالس�تذكار‪ ،‬والكايف يف الفقه وغريها‪ ،‬تويف س�نة ‪463‬هـ ‪ .‬انظر‬
‫ترمجته ‪ :‬سري أعالم النبالء ‪ ،157/18‬شذرات الذهب ‪. 314/3‬‬
‫ جامع بيان العلم وفضله ‪. 848/2‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪33‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫وق�د ناقش األس�تاذ امل�ودودي ‪ -‬رمح�ه اهلل ‪ . -‬بعض هؤالء املتأثري�ن بالثقافة الغربية‪،‬‬
‫حيث يس�تندون إىل حرية الرأي ويطلقون العنان لفكرهم الغريب فيفرسون النصوص الرشعية‬
‫وحيكم�ون يف دالالهتا عىل ذلك األس�اس ؛ من غري علم أو معرف�ة باللغة أو الرشع مرددين أن‬
‫ذلك من روح الرشيعة ‪.‬‬
‫قسم األستاذ املودودي األمر إىل قسمني ‪:‬‬
‫وقد َّ‬
‫األول‪ :‬ما نس�ميه روح الرشيعة احلقيقي وروح الفقه التي ورثناها عن فقهاء السلف فهذه‬
‫جدي�رة بالعناي�ة‪ ،‬ولعل�ه يقصد ما اس�تندت إىل أصل معترب م�ن كتاب أو س�نة أو إمجاع أو فهم‬
‫للسلف‪ ،‬وهو كام قال – رمحه اهلل ‪. -‬‬
‫الثاين‪ :‬روح غريبة عن اإلسلام يؤتى هبا من خارجه وتفرس النصوص الرشعية عىل ذلك‬
‫األساس الغريب‪ ،‬فهذه تُر ُّد وتستقبح ألهنا مؤدية إىل نزع الربقة من طاعة اهلل ورسوله ﷺ ‪.‬‬
‫فعلى ه�ذا جي�ب عىل املجتهد وهو يكي�ف ما ينزل به م�ن وقائع أن يبنيها على أصل معترب‬
‫يف الشرع س�وا ًء كان أص ً‬
‫ال أو قاعدة مذهبيه أو مس�ألة مق�ررة‪ ،‬مالحظ ًا فيه�ا مقاصد الرشيعة‬
‫وأصوهل�ا الكلي�ة بحي�ث يكرر النظ�ر يف صحة إحلاقه هل�ذا األصل أو تلك املس�ألة من أجل أن‬
‫تتوافق وتنسجم مع بقية األحكام والقواعد الرشعية ‪.‬‬
‫ ه�و أب�و األعلى امل�ودودي‪ ،‬العالمة الداعية‪ ،‬أص�در العديد من املجالت اإلسلامية‪ ،‬وكت�ب الكثري من‬
‫املق�االت الت�ي تدعو إىل اإلسلام الش�امل ال�ذي يعالج كاف�ة مناحي احلي�اة‪ ،‬ألف العديد م�ن الكتب‬
‫اإلسلامية الت�ي ترمجت إىل الكثري م�ن اللغات منها ‪ :‬مبادئ اإلسلام ‪ ،‬اإلسلام ومواجهة التحديات‬
‫املعارصة ‪ ،‬تدوين الدس�تور اإلسلامي‪ ،‬وغريها كثري ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬تتمة األعالم للزركيل تأليف حممد‬
‫خري رمضان يوسف ‪. 73/1‬‬
‫ انظ�ر الثب�ات والش�مول ص ‪ 267‬؛ انظ�ر كذلك م�ا كتبه فهمي هوي�دي يف كتابه تزيي�ف الوعي ص ‪76‬‬
‫و‪ 140-137‬يف رده عىل بعض رموز العلامنية يف تفسريهم النصوص بنا ًء عىل روح الرشيعة كام زعموا‪.‬‬
‫ انظر ‪ :‬مفاهيم إسالمية حول الدين والدولة ص ‪. 176‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪34‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫التصور الصحيح والكامل ‪.‬‬
‫‪ -2‬بذل الوسع يف تصور الواقعة‬
‫ّ‬
‫تصوره‪،‬‬
‫وه�ذا الضابط مهم للناظ�ر واملفتي والقايض‪ ،‬ذلك أن احلكم عىل اليشء فرع عن ّ‬
‫يتصور النازلة عىل‬
‫وكم ُأيت الباحث أو العامل من جهة جهله بحقيقة األمر الذي ينظر فيه‪ ،‬أو أن‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫حال معني والواقع بخالفه ‪.‬‬
‫التص�ور الصحيح الكام�ل ومعرفة مجيع‬
‫وتصورها‬
‫وم�ن هن�ا كان الب�د من تفهم املس�ألة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أبعادها وظروفها وأصوهلا وفروعها وما يتعلق بواقعها مما له تأثري عىل احلكم فيها ‪.‬‬
‫وق�د نب�ه الق�ايض أبو بك�ر الباقالين ‪-‬رمح�ه اهلل‪ -‬عىل بع�ض هذه الثغ�رات يف النظر يف‬
‫التص�ور والنظر‪ ،‬فقال ‪-‬رمحه اهلل‪ : -‬اعلموا أن اخلطأ‬
‫الوقائ�ع والتي مرجعها يعود إىل نقص يف‬
‫ّ‬
‫يدخل عىل الناظر من وجهني ‪:‬‬
‫أحدمها‪ :‬أن ينظر يف شبهة ليست بدليل فال يصل إىل العلم ‪.‬‬
‫واآلخر‪ :‬أن ينظر نظر ًا فاسد ًا‪ ،‬وفساد النظر يكون بوجوه ‪-:‬‬
‫منها‪ :‬أن ال يستوفيه‪ ،‬وال يستكمله وإن كان نظر ًا يف دليل ‪.‬‬
‫ومنه�ا ‪ :‬أن يع�دل عن الرتتيب الصحيح يف نظره‪ ،‬ف ُيق�دِّ م ما حقه أن يؤخره‪ ،‬ويؤخر ما من‬
‫حقه أن ُيقدِّ مه ‪....‬‬
‫التصور الناقص أو اخلاطئ من رضر وخمالفة‪.‬‬
‫ويرضب د ‪ .‬القرضاوي مثاالً عىل ما ينتج عنه‬
‫ّ‬
‫فيق�ول ‪ :‬مث�ال ذلك ما نرشته بعض الصحف عىل لس�ان أحد العلامء ‪ :‬أن لبس ( الباروكة ) أمر‬
‫ هو حممد بن الطيب بن حممد بن جعفر املعروف بالباقالين‪ ،‬ولد بالبرصة وسكن بغداد من علامء الشاعرة‪،‬‬
‫ومن فقهاء املالكية له مصنفات كثرية منها التقريب واإلرش�اد‪ ،‬تويف سنة ‪403‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬وفيات‬
‫األعيان ‪ ،269/4‬شذرات الذهب ‪ ،169/3‬الديباج املذهب ص ‪. 363‬‬
‫ التقريب واإلرشاد ( الصغري ) ‪. 219/1‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪35‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ٍ‬
‫غط�اء للرأس فهي‬
‫مشروع وال غب�ار علي�ه من الناحي�ة الرشعية‪ ،‬بدعوى أهنا ليس�ت أكثر من‬
‫ليس�ت داخلة يف الوصل الذي لعن النبي ﷺ من فعله ‪ ،‬وإنام هي بمثابة من وضع عىل رأس�ه‬
‫قلنس�وة أو عامم�ة أو مخ�ار ًا‪ ،‬أو نحو ذل�ك‪ ،‬وتفريع ًا عىل ذلك جيوز للم�رأة أن خترج هبا دون أن‬
‫تغطي رأسها بيشء ألهنا هي نفسها غطاء !!‪.‬‬
‫وهذا لألسف فهم أعوج حلقيقة موضوع االستفتاء وهو ( الباروكة ) فإن اعتبارها غطا ًء و‬
‫قره الرشع وال العقل وال الفطرة وال العرف وال اللغة ‪. ...‬‬
‫أمر ال ُي ّ‬
‫مخار ًا للرأس ٌ‬
‫وم�ن أمثل�ة التصور الناقص أيض ًا ما وقع لبعض املعارصي�ن من عدم معرفة حقيقة النقود‬
‫الورقي�ة املعارصة حي�ث أفتى بأنه ال زكاة فيها‪ ،‬أو أن الربا ال جيري فيها اعتامد ًا عىل أهنا ليس�ت‬
‫ذهب� ًا أو فضة‪ ،‬وكام وق�ع البعض يف إخراج الفوائد املرصفية التي تعطيه�ا البنوك التقليدية بأهنا‬
‫ليست من الربا ‪.‬‬
‫ومم�ا يدخ�ل يف التَّص�ور الكامل والت�ام للنازلة املس�تجدة ؛ الرجوع والتثبت واالس�تزادة‬
‫م�ن أه�ل االختصاص العلم�ي‪ ،‬وهذا فيام ل�و كانت النازلة هل�ا عالقة ببعض العل�وم الطبيعية‬
‫أو التجريبي�ة وعنده�ا ال بد م�ن معرفة مصطلحات ه�ذه العلوم مما له عالق�ة بموضوع بحث‬
‫النازلة‪.‬‬
‫وحيس�ن من الناظر الرجوع أيض ًا إىل مبادئ تلك العلوم ومعرفة أساس�اهتا التي تعينه عىل‬
‫النظر الصحيح يف النازلة ال سيام النوازل االقتصادية وغريها من العلوم احلديثة ‪.‬‬
‫ احلدي�ث رواه أب�و هري�رة ريض اهلل عن�ه وأخرجه البخ�اري يف صحيحه كتاب اللب�اس ‪ ،‬باب الوصل يف‬
‫الش�عر رقـم�ه (‪ .)5934‬وأخرجه مس�لم عن أسماء بنت أيب بكر‪ ،‬كت�اب اللباس والزين�ة‪ ،‬باب حتريم‬
‫الواصلة واملستوصلة والواشمة واملستوشمة رقمه ( ‪. 1676/3 ) 2122‬‬
‫ الفتوى بني االنضباط والتسيب ‪ .‬ص ‪. 73-72‬‬
‫ انظر لالستزادة ‪ :‬الفقيه واملتفقه ‪ ،390/2‬املوافقات ‪ ،323/5‬األحكام يف متييز الفتاوى من األحكام ص‬
‫‪ . 236‬املفتي يف الرشيعة اإلسالمية للربيعة ص ‪. 31‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪36‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫‪ -3‬حتصيل املجتهد امللكة الفقهية يف استحضار املسائل وإحلاقها باألصول‪:‬‬
‫ذك�ر األصولي�ون أن م�ن رشوط االجته�اد أمهية تضل�ع املجته�د بعلوم الكتاب والس�نة‬
‫واختلاف العلامء واتفاقه�م ومعرفة علوم اللغة وعلم أصول الفق�ه ومقاصد الرشيعة وغريها‬
‫من الرشوط املندرجة ضمن ما ذكر من علوم رشعية ‪.‬‬
‫ويف ه�ذه الشروط الكفاي�ة يف بلوغ املجتهد املنزل�ة التي تؤهله للنظ�ر يف األحكام‪ ،‬إال أن‬
‫ق�رب احلكم فيها للفقيه ؛ نحت�اج فيها أيض ًا‬
‫الن�وازل املع�ارصة والتي حتت�اج إىل تكييف فقهي ُي ِّ‬
‫إىل التأكيد عىل أن يتحصل املجتهد عىل ملكة فقهية يس�تطيع هبا اس�تحضار املس�ائل من مظاهنا‬
‫وإحلاقها باألصول املعتربة هبا ‪.‬‬
‫وليس التكييف باألمر اهلني بل هو من شأن النظار من أهل االجتهاد ويف ذلك يقول اإلمام‬
‫الس�يوطي ‪ -‬رمحه اهلل ‪ : -‬قال الغزايل يف كتابه ( حقيقة القولني ) ‪ :‬وضع الصور للمس�ائل‬
‫ليس بأمر هني يف نفسه‪ ،‬بل الذكي ربام قدر عىل الفتوى يف كل مسألة إذا ذكرت له صورهتا ولو‬
‫كل�ف وض�ع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات واحلوادث يف كل واقعة عجز عنه ومل‬
‫ختطر بقلبه تلك الصور أص ً‬
‫ال وإنام ذلك شأن املجتهدين ‪.‬‬
‫ انظ�ر ‪ :‬املس�تصفى ‪ ،350/2‬هناي�ة الس�ول ‪ ،548/4‬املحصول ‪ ،497/2‬اإلح�كام لآلمدي ‪،170/4‬‬
‫املوافقات ‪.. 257-253/5‬‬
‫ ه�و جلال الدي�ن عبد الرمح�ن بن أيب بكر بن حممد الس�يوطي‪ ،‬إم�ام حافظ ومؤرخ أدي�ب له نحو ‪600‬‬
‫وحصل علوم ًا كثرية‪ ،‬وله مصنفات عجيبة منها األشباه والنظائر‪ ،‬واإلتقان‬
‫مصنف‪ ،‬نشأ يف القاهرة يتي ًام‪،‬‬
‫ّ‬
‫يف علوم القرآن وغريها‪ ،‬تويف س�نة ‪911‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬ش�ذرات الذهب ‪ ،51/8‬األعالم ‪،301/3‬‬
‫معجم املؤلفني ‪. 128/5‬‬
‫ هو حممد بن حممد بن حممد أبو حامد الغزايل‪ ،‬فقيه شافعي أصويل متكلم ولد سنة ‪450‬هـ رحل إىل بغداد‬
‫واحلجاز والشام فمرص ثم عاد إىل طوس ‪ .‬له مصنفات يف الفقه واألصول والسلوك مل يؤلف مثلها‪ ،‬تويف‬
‫رمحه اهلل سنة ‪505‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬طبقات الشافعية لإلسنوي ‪ ،111/2‬وفيات األعيان ‪. 216/4‬‬
‫ الرد إىل من أخلد إىل األرض ص ‪. 181‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪37‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫وي�راد بامللك�ة هنا ‪ :‬كيفية للنفس هبا يتمكن من معرفة مجيع املس�ائل يس�تحرض هبا ما كان‬
‫خمزن ًا منها ويستحس�ن ما كان جمهوالً ‪ .‬وهو ما عناه بعض األصوليني يف ذكر صفات‬
‫معلوم ًا َّ‬
‫جمته�دي الرتجيح ؛ بقوهل�م ‪ :‬البد أن يكون فقيه النفس حافظ ًا ملذهب إمامه‪ ،‬عارف ًا بأدلته‪ ،‬قائ ًام‬
‫ويمهد ويزي�ف ويرجح لكنه قرص عن مرتب�ة جمتهدي التخريج‬
‫يص�ور وحيرر ويقرر‬
‫بتقريره�ا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لقصوره عنهم يف حفظ املذهب و االرتياض يف االستنباط ومعرفة األصول ونحوها ‪.‬‬
‫ولع�ل التصوي�ر والتحري�ر وتقرير املس�ائل جزء من عملي�ة التكييف التي يق�وم هبا جمتهد‬
‫الرتجيح إال أنه َقصرُ َ عن جمتهد التخريج يف قوه حفظ املذهب وجودة االس�تنباط واس�تحضار‬
‫النظري واملثيل يف املس�ائل املشاهبة أو األصول القريبة املعتربة ؛ وهذه الصفات مهمة يف استكامل‬
‫الفقيه األهلية الكاملة للقيام بعملية التكييف ‪.‬‬
‫ولذل�ك كان حتصي�ل املجتهد للملك�ة الفقهية التي تعينه يف اس�تحضار املس�ائل وإحلاقها‬
‫ٌ‬
‫ضابط مهم ينبغي للفقيه النوازيل الذي ينظر يف املستجدات‬
‫بأصوهلا وعدم خلط بعضها ببعض ؛‬
‫املعارصة أن يراعيه ويسعى جاهد ًا لتحصيله ‪.‬‬
‫وقد ذكر العلامء أن هذه امللكة إنام تتأتى بأحد أمرين ‪:‬‬
‫األول‪ :‬هب�ة يم� ُّن اهلل ع�ز وجل هبا عىل من يش�اء من عباده‪ ،‬وهذه ال حيل�ة للعبد هبا‪ ،‬وقد‬
‫رزقها كثري من األئمة الن ّظار حلسن قصدهم يف طلب العلم وإخالصهم هلل عز وجل فيه ‪ .‬يقول‬
‫إبراهيم التيمي ‪ -‬رمحـه اهلل ‪ : -‬من طلب العلم هلل أتاه منه ما يكفيه ‪.‬‬
‫ أبجد العلوم للقنوجي ‪. 53/1‬‬
‫ أدب املفتي واملستفتي ص ‪ 98‬؛ املجموع للنوي ‪ 73/1‬؛ الرد عىل من أخلد إىل األرض ص ‪. 115‬‬
‫ ه�و إبراهي�م بن يزيد التيمي‪ ،‬كان ش�اب ًا صاحل ًا قانت ًا هلل عامل ًا فقيه ًا كبري الق�در واعظ ًا ‪ .‬حديثه يف الدواوين‬
‫الستة وحدث عن احلارث بن سويد وأنس بن مالك ‪ .‬كان يقول ‪ « :‬ما عرضت قويل عىل عميل إال خفت‬
‫أن أك�ون كاذب� ًا » قتل�ه احلجاج عام ‪ 92‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬سير أعالم النبالء ‪ ،60/5‬ش�ذرات الذهب‬
‫‪ ،100/1‬هتذيب التهذيب ‪. 159/1‬‬
‫ جامع بيان العلم وفضله ‪. 644/1‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪38‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫ويق�ول اإلم�ام ابن القي�م ‪ -‬رمح�ه اهلل ‪ : -‬ينبغي للمفت�ي املوفق إذا نزلت به املس�ألة أن‬
‫ينبعث من قلبه االفتقار احلقيقي احلايل ال العلمي املجرد إىل ملهم الصواب ومعلم اخلري وهادي‬
‫القل�وب أن يلهم�ه الص�واب ويفتح له طريق الس�داد ‪ ...‬فمت�ى قرع هذا الب�اب فقد قرع باب‬
‫التوفي�ق ‪ ...‬ف�إن العلم نور اهلل يقذفه يف قلب عبده واهلوى واملعصي�ة رياح عاصفة تطفئ ذلك‬
‫النور أو تكاد ‪.‬‬
‫الث�اين‪ :‬بالدُّ رب�ة وامل�ران ‪ :‬ويكون ذل�ك بالتدري�ب والتمرين عىل عملي�ة التخريج وطرق‬
‫االستنباط وكثرة النظر يف الكتب املؤلفة ‪.‬‬
‫‬
‫مهدت كت�ايب هذا طري�ق التخريج لكل‬
‫ويف ه�ذا يق�ول اإلس�نوي ‪-‬رمح�ه اهلل ‪ : -‬وقد ّ‬
‫ذي مذه�ب وفتح�ت به ب�اب التفريع لكل ذي مطلب‪ ،‬فليس�تحرض أرب�اب املذاهب قواعدها‬
‫األصولية وتفاريعها ثم تس�لك ما س�لكته‪ ،‬فيحصل به إن ش�اء اهلل تع�اىل جلميعهم التمرن عىل‬
‫حترير األدلة وهتذيبها ‪.‬‬
‫ هو أبو عبد اهلل ش�مس الدين حممد بن أيب بكر الزرعي الدمش�قي‪ ،‬ولد س�نة ‪691‬هـ‪ ،‬فقيه أصويل مفرس‬
‫وحم�دث‪ ،‬الزم اب�ن تيمية وأخذ عنه‪ ،‬له مصنفات مش�هورة وعظيمة‪ ،‬تويف رمحه اهلل س�نة ‪752‬هـ ‪ .‬انظر‬
‫ترمجته ‪ :‬الدرر الكامنة ‪ ،400/3‬خمترص طبقات احلنابلة ص ‪ ،68‬معجم املؤلفني ‪. 106/9‬‬
‫ إعالم املوقعني ‪. 132/4‬‬
‫ هو حممد بن احلسن بن عيل اإلسنوي‪ ،‬من علامء الشافعية ولد بإسنا وتفقه هبا‪ ،‬ورحل إىل القاهرة والشام‬
‫له مصنفات عظيمة يف الفقه الشافعي واألصول‪ ،‬تويف رمحه اهلل سنة ‪764‬هـ ‪.‬‬
‫انظر ترمجته ‪ :‬الدرر الكامنة ‪ ،421/3‬شذرات الذهب ‪ ،202/6‬األعالم ‪. 87/6‬‬
‫ التمهي�د يف ختري�ج الف�روع عىل األص�ول ص ‪ . 47‬انظر ‪ :‬تاري�خ الفقه اإلسلامي ص ‪ 226‬وما بعدها‬
‫لألشقر ؛ ختريج الفروع عىل األصول لشوشان ‪ 84/1‬؛ منهج البحث يف الفقه اإلسالمي د ‪ .‬أبو سليامن‬
‫ص ‪ 26‬و ‪. 249‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪39‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫ويق�ول ا إلمام الزركشي ‪-‬رمحه اهلل‪ -‬كذلك ‪ :‬ليس يكفي يف حصول امللكة عىل اليشء‬
‫تعرف�ه‪ ،‬بل الب�د من االرتياض يف مبارشته‪ ،‬فذلك إنام تصري للفقيه ملكة االحتجاج واس�تنباط‬
‫املسائل أن يرتاض يف أقوال العلامء وما أتوا به يف كتبهم‪.‬‬
‫وألمهي�ة ه�ذه امللكة لدى الناظ�ر يف النوازل جعله�ا بعضهم رشط ًا م�ن رشوط االجتهاد‬
‫وصف�ة الب�د منها يف املجتهد ولذا قالوا يف تعريفه ‪ -‬كاإلس�نوي والزركشي وابن أمري احلاج‬
‫‬
‫وغريه�م ‪ -‬رمحه�م اهلل ‪ : -‬وهو ‪ -‬أي املجتهد ‪ -‬بالغ عاقل مس�لم ذو ملكة يقتدر هبا اس�تنتاج‬
‫األحكام من مآخذها ‪.‬‬
‫فامللكة الفقهية للناظر يف النوازل صفة تتأكد يف حقه وال يستغنى عنها خصوص ًا يف املسائل‬
‫العويص�ة واخلفية والتي هي طابع أكثر املس�تجدات املعارصة من الفتاوى والواقعات‪ ،‬ولذلك‬
‫ال يكف�ي أن يك�ون حافظ ًا لألدلة ملماّ ً بأصول مذهبه وفروعه ما مل يكن قادر ًا عىل اس�تحضارها‬
‫ومتفطن ًا ملرادها ومعناها الذي تقوم عليه ‪.‬‬
‫وم�ا أروع م�ا ذكره اإلم�ام اجلويني ‪ -‬رمحه اهلل ‪ -‬يف تأكيده على أمهيه امللكة يف التصوير‬
‫ هو حممد بن هبادر الزركيش الش�افعي‪ ،‬عرف بالفقه واألصول واحلديث والدب وعلوم القرآن‪ ،‬له رحلة‬
‫عظيم�ة يف طل�ب العل�م‪ ،‬وله العديد م�ن املصنفات العظيم�ة يف العلوم كلها‪ ،‬تويف س�نة ‪794‬هـ ‪ .‬انظر‬
‫ترمجته ‪ :‬الدرر الكامنة ‪ ،397/3‬شذرات الذهب ‪ ،335/6‬معجم املؤلفني ‪. 121/9‬‬
‫ البحر املحيط ‪. 228/6‬‬
‫ هو أبو الفتح موسى بن حممد التربيزي‪ ،‬املعروف بابن أمري احلاج‪ ،‬فقيه حنفي‪ ،‬ولد سنة ‪669‬هـ‪ ،‬رحل إىل‬
‫دمشق والقاهرة‪ ،‬وتويف يف طريقه إىل مسجد النبي ﷺ عائد ًا من احلج سنة ‪733‬هـ ‪.‬‬
‫انظر ترمجته ‪ :‬األعالم ‪ ،328/7‬الدرر الكامنة ‪ ،145/5‬الفوائد البهية ص ‪. 354‬‬
‫ انظر ‪ :‬هناية السول ‪ 527/4‬؛ البحر املحيط ‪ 199/6‬؛ التقرير والتحبري ‪. 291/3‬‬
‫ ه�و إم�ام احلرمني أب�و املعايل عبد امللك بن عبد اهلل اجلويني‪ ،‬نش�أ يف بيت علم ودي�ن وتفقه عىل يد والده‬
‫وكان إمام ًا يف العلم والورع والزهد له مصنفات عظيمة‪ ،‬تويف س�نة ‪478‬هـ ‪ .‬انظر ترمجته ‪ :‬سير أعالم‬
‫النبالء ‪ ،468/18‬طبقات الشافعية الكربى ‪ ،165/5‬شذرات الذهب ‪. 358/3‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪40‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫والتحرير للمس�ائل ‪ .‬حيث قال ‪ :‬ال يس�تقل بنقل مس�ائل الفقه من يعتمد احلفظ‪ ،‬وال يرجع إىل‬
‫َك َي ٍ‬
‫�س وفطنة وفقه طبع‪ ،‬فإن تصوير مس�ائلها أوالً‪ ،‬وإي�راد صورها عىل وجوهها ال يقوم به إال‬
‫فقيه ‪ .‬ثم نقل املذاهب بعد استتامم التصوير ال يتأتى إال من مرموق يف الفقه خبري‪ ،‬فال ينزل نقل‬
‫مس�ائل الفقه منزلة نق�ل األخبار واألقاصيص واآلثار‪ ،‬وإن فرض النق�ل يف اجلليات من واثق‬
‫بحفظه موثوق يف أمانته مل يمكن فرض نقل اخلفيات من غري استقالل بالدراية‪.‬‬
‫وجي�در يف ه�ذا املقام التنبي�ه ملا يفعله بع�ض املجتهدين من التكل�ف يف تكييف بعض‬
‫النوازل اجلديدة وإحلاقها بام يرونه ش�به ًا هلا من مس�ائل الفقه املقررة مع وجود الفرق بينهام‬
‫ول�و بحثت هذه النازلة املس�تجدة اس�تقالالً من خلال طرق االجتهاد املق�ررة لكان أوىل‬
‫وأح�رى باالعتب�ار‪ ،‬واب�ن القيم –رمحه اهلل – ق�د جاء عنه ما يؤكد ذل�ك األمر ملا ذكر بعض‬
‫صور الرهان يف كتابه الفروسية وعرض تكييفات أهل العلم هلذا العقد وبينّ الفروق بينهام‬
‫ث�م ق�ال ‪ :‬والصواب أن هذا العقد عقد مس�تقل بنفس�ه ل�ه أحكام يتميز هبا عن س�ائر هذه‬
‫العقود فال تؤخذ أحكامه منها ‪.‬‬
‫ه�ذه بع�ض الضواب�ط التي ينبغ�ي للناظر مراعاهت�ا أثناء تكييف�ه للنوازل املع�ارصة‪ ،‬وقد‬
‫أوج�زت وأمجل�ت يف ذكرها تنبيه ًا للرج�وع إىل الضواب�ط العامة للنظر واالجته�اد يف النوازل‬
‫والت�ي ضمنه�ا األصوليون يف كتبه�م‪ ،‬إذ التكييف فرع من النظر‪ ،‬واالجته�اد يرجع إىل أصوله‬
‫وضوابطه ‪ -‬واهلل تعاىل أعلم ‪. -‬‬
‫ الغياثي ص ‪. 187‬‬
‫ الفروسية ‪ :‬ص ‪. 81‬‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪41‬‬
‫د‪ .‬مسفر بن علي بن حممد القحطاني‬
‫خامتــــة‬
‫وبعد هذا االس�تعراض الرسيع لصفحات البحث املوجز أو ّد التنبيه عىل أهم النتائج التي‬
‫وردت ضمنه‪ ،‬وهي ‪-:‬‬
‫‪ -1‬أن التكييف الفقهي للنوازل املعارصة وباألخص يف جمال الدراسات االقتصادية مرحلة‬
‫مهمة من النظر ال يستغني عنها املجتهد من أجل فهم النازلة الفهم السليم للوصول إىل حكمها‬
‫التص�ور الكامل للواقعة وحترير األصل‬
‫الصحي�ح ‪.‬والتعري�ف املختار للتكييف الفقهي هو ‪« :‬‬
‫ّ‬
‫التصور أو التصوير‪ ،‬أو التوصيف للنازلة‪،‬‬
‫الذي تنتمي إليه » ‪ .‬وقد يرادف مصطلح التكييف ‪:‬‬
‫ّ‬
‫وكذلك التخريج‪ ،‬وحتقيق املناط ‪.‬‬
‫‪ -2‬هن�اك أس�باب عدي�دة أدت إىل اعتب�ار الفقه�اء املعارصي�ن التكيي�ف كخط�وة أوىل‬
‫نح�و الوص�ول للحك�م وذل�ك اس�تجابة لألدل�ة الرشعي�ة املؤك�دة للتكيي�ف كقول�ه تعاىل ‪:‬‬
‫﴿ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾‪ ،‬وقول�ه تع�اىل‪ ﴿ :‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﴾‪ ،‬وقول�ه تعاىل ‪:‬‬
‫﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ وغريه�ا م�ن النصوص ‪ .‬كذلك اكتس�ب التكييف أمهية الندراجه‬
‫ضمن القاعدة املتفق عليها ‪ :‬احلكم عىل اليشء فرع عن التصور ‪.‬‬
‫‪ -3‬من أهم الضوابط التي ينبغي مراعاهتا عند القيام بالتكييف الفقهي ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يكون التكييف الفقهي مبني ًا عىل نظر معترب ألصول الترشيع ‪.‬‬
‫تصور الواقعة التصور الصحيح الكامل ‪.‬‬
‫‪ -2‬بذل الوسع يف ّ‬
‫‪ -3‬حتصيل املجتهد امللكة الفقهية يف استحضار املسائل وإحلاقها باألصول ‪.‬‬
‫هذا واهلل تعاىل أعلم‪ ،‬وصىل اهلل وسلم عىل حممد وآله وصحبه أمجعني ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬
‫‪42‬‬
‫التكييف الفقهي لألعمال املصرفية‪ :‬مفهومه‪ ،‬وأهميته‪ ،‬وضوابطه‬
‫أهم املراجــع‬
‫ « منه�ج اس�تنباط أح�كام الن�وازل الفقهية املعارصة‪ ،‬دراس�ة تأصيلي�ة تطبيقية » نشر دار األندلس‬‫اخلرضاء بجدة ‪.‬‬
‫ الفتوى بني االنضباط والتسيب ‪.‬‬‫ جامع بيان العلم وفضله‪ ،‬البن عبد الرب ‪.‬‬‫ ضوابط الدراسات الفقهية‪ ،‬للعودة‪.‬‬‫ املوسوعة الفقهية الكويتية ‪.‬‬‫ س�بل االس�تفادة من الن�وازل والفتاوى‪ ،‬بحث للدكتور حممد األش�قر‪ ،‬من بح�وث الدورة احلادية‬‫عرشة للمجمع الفقهي التابع ملنظمة املؤمتر اإلسالمي‪.‬‬
‫ إعالم املوقعني عن رب العاملني‪ ،‬البن القيم ‪.‬‬‫ رشح النيل وشفاء العليل‪ ،‬ملحمد بن يوسف أطفيش ‪.‬‬‫ معجم املصطلحات القانونية‪ ،‬ألمحد زكي بدوي ‪.‬‬‫ املعجم القانوين رباعي اللغة‪ ،‬للدكتور عبد الفتاح مراد ‪.‬‬‫ القواعد املثىل يف صفات اهلل وصفاته احلسنى‪ ،‬للشيخ حممد بن صالح العثيمني‪.‬‬‫ التنبيهات السنية عىل العقيدة الواسطية البن تيمية‪ ،‬للشيخ عبد العزيز الرشيد‪.‬‬‫ رشح العقيدة الواسطية البن تيمية ‪ ،‬للشيخ صالح الفوزان ‪.‬‬‫ املبني يف رشح معاين ألفاظ احلكامء واملتكلمني لآلمدي ‪.‬‬‫ املنهج األصويل يف فقه اخلطاب‪ ،‬للدكتور إدريس محادي ‪.‬‬‫ االجتهاد يف حتقيق املناط وأنواعه وضوابطه‪ ،‬بحث للدكتور رمضان مجعة‪ ،‬جملة املسلم املعارص‪.‬‬‫ االقتصاد اإلسالمي والقضايا الفقهية للسالوس ‪.‬‬‫‪ -‬الرد إىل من أخلد إىل األرض‪ ،‬لإلمام السيوطي ‪.‬‬
‫***‬
‫مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع ‬
‫واملمول ‬