التكييف الفقهي لألعمال املصرفية مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه إعــداد الدكتور مسفر بن علي بن حممد القحطاني أستاذ أصول الفقه املشارك جبامعة امللك فهد للبرتول واملعادن ٌ حبث َّ مقد ٌم إىل « مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملأمول دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخلريي بدبي 31مايو – 3يونيو 2009م يعب عن ر�أي الباحث هذا البحث رّ يعب بال�رضورة عن ر�أي دائرة ال�ش�ؤون الإ�سالمية والعمل اخلريي بدبي وال رّ دائرة الشؤون اإلسالمية والعمل اخليري بدبي هاتف+971 4 6087777 : اإلمارات العربية املتحدة [email protected] فاكس+971 4 6087555 : ص .ب - 3135 :دب��ي www.iacad.gov.ae د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ملخص البحث تع�د اليوم النوازل واملس�تجدات الفقهية املعارصة من أدق مس�الك الفق�ه وأعوصها ؛ مما باب إال بجهد مضاعف جيعل الناظر يف نوازله الفقهية يطرق أبواب ًا مل تطرق؛ وقد ال يفتح له منها ٌ ودراسة وافية وبحث مستفيض ،لعله أن يظفر بحكمها وينال معرفتها ليخرج الناس من حرية اإلشكال فيها وظلمة اجلهل هبا . وقد تناول األصوليون يف مباحث مس�تقلة يف كتبهم كل ما يتعلق بأهل النظر يف النوازل ؛ أنواعهم ،وأحواهلم ،والرشوط التي ينبغي أن ُيـتَصفوا هبا لبلوغ هذه املرتبة من النظر ،كام أن هن�اك ضواب�ط ورشوط تتأكد احلاجة إليها يف عرصنا أكثر م�ن أي عرص مىض ال جمال لطرحها ومناقشتها يف موضوعنا احلايل. ولعيل يف هذا البحث أن أس�هم يف ضبط هذا الفقه وبيان معامله وتوضيح س�بل الوصول إىل التصور الصحيح للنازلة وتكييفها التكييف الفقهي الالئق هبا وفهمها أحكامه؛ بالتأكيد عىل أمهية ّ فه ً ما ال خيرج عن واقعها ومعرفة أبعادها ،الس�يام النوازل املس�تجدة املع�ارصة املتعلقة بالنواحي االقتصادي�ة احلادثة كأنواع البطاقات االئتامنية وصور املعامالت املالية احلالية ،أو يف مس�تجدات األعامل املرصفية اإللكرتونية التي متارس بشكل واسع يف كثري من بالد العامل إىل غريها من النوازل ٍ اجتهاد ممن سلف من األئمة والعلامء . نص من وحي أو احلادثة التي مل يسبق فيها ٌ وهذا التكييف الفقهي لتلك النوازل احلادثة؛ إذا جرى جمراه الصحيح بدقة وعناية ودراية وشمول وفهم؛ فإنه اخلطوة األوىل لالجتهاد الصحيح يف استنباط أحكام تلك النوازل . إن ما نش�هده الي�وم يف اإلفتاء املعارص الذي انترش عرب وس�ائل اإلعلام املختلفة املقروءة التصور واملس�موعة واملرئية وغريها وما س�ادها من غلط وخلط ؛ فام هو يف الغالب إال خطأ يف ّ أو تقصير يف التكييف حييد فيه الناظر عن الطريق الصحيح لالجتهاد يف أول مراحله فال يكون بناؤه سلي ًام وال حكمه صحيح ًا . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه وال ش�ك أن فهم الواقعة ومعرف�ة حقيقتها بالقرائن واألم�ارات والعالمات لإلحاطة هبا عل ً ما ه�و التكييف الفقهي يف اصطالحنا املعارص وال يس�تغني املجتهد والناظ�ر عن هذا الفهم للوصول إىل احلكم الصحيح يف الوقائع واملستجدات . ٍ ٍ وتوضيح ضبط فكان هذا البحث تس�ليط ًا للض�وء عىل أمهية هذا النوع من الفه�م وزيادة ملصطلح التكييف الفقهي الذي غلب عىل استعامل فقهاء النوازل يف عرصنا احلارض ،وباألخص الباحثني يف أعامل املصارف اإلسالمية . وقد بحثت يف كثري من املراجع واملصادر الفقهية القديمة واحلديثة عىل دراسة مستقلة هلذا املوضوع فلم أجد بعد طول ٍ حتر وس�ؤال أله�ل العلم واالختصاص مع أمهيته التي ال ختفى يف معرفة أحكام النوازل املعارصة . وق�د أس�ميت ه�ذا البح�ث «:التكيي�ف الفقه�ي لألعمال املرصفي�ة مفهوم�ه ،وأمهيته ، وضوابطه. » واهلل أس�أل أن يكون هذا لعمل خالص ًا لوجهه الكريم وأن يرزقنا فيه الس�داد والتوفيق فام أصبت فمن اهلل وحده ،وما أخطأت فمن نفيس والشيطان واهلل تعاىل هو األعلم و األحكم . وصىل اهلل وسلم عىل نبينا حممد وعىل آله وصحبه أمجعني . *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني متهـــيد احلم�د هلل رب العاملين ،والصالة والسلام على أرشف اخللق وس�يد املرس�لني وعىل آله وصحبه أمجعني ،وبعــد : إن الن�وازل واملس�تجدات الفقهي�ة املعارصة من أدق مس�الك الفقه وأعوصه�ا ؛ فالوقائع ٍ حتدث لألفراد واملجتمعات يف صور ال تتناهى وعىل أنامط شتى ال تقف عند ٍ وصف حد معني أو ثاب�ت ،وت�زداد صعوبة هذا الفقه مع تعاقب األجيال وتطور األعص�ار ؛ وال أدل عىل ذلك من عرصنا احلارض الذي قفز عىل غريه من العصور السابقة بالتطور املذهل يف العلوم واملخرتعات، والتداخل العميق بني الشعوب واملجتمعات ،والتغري الظاهر يف السلوك والعادات ؛ باإلضافة إىل ما امتاز به من التشابك والتعقيد . باب إال بجهد مما جعل الناظر يف نوازله الفقهية يطرق أبواب ًا مل تطرق ؛ وقد ال يفتح له منها ٌ مضاعف ودراس�ة وافية وبحث مستفيض لعله أن يظفر بحكمها وينال معرفتها ليخرج الناس من حرية اإلشكال فيها وظلمة اجلهل هبا . وقد تناول األصوليون يف مباحث مس�تقلة يف كتبهم كل ما يتعلق بأهل النظر يف النوازل ؛ أنواعه�م ،وأحواهل�م ،والرشوط التي ينبغي أن ُيـتَّصفوا هبا لبل�وغ هذه املرتبة من النظر ،كام أن هن�اك ضواب�ط ورشوط ًا تتأكد احلاجة إليها يف عرصنا أكثر م�ن أي عرص مىض ال جمال لطرحها ومناقش�تها يف موضوعن�ا احل�ايل ،ولعلي أتطرق لبعضه�ا يف ثنايا هذا البح�ث ،كل ذلك من أجل محايـة هـذه املرتبة من الفقه ،وسياج ًا هلـا من األدعياء واجلهلة أن يبلغوها من دون تأهـل ومعرفــة. انظر :كتابنا « منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية املعارصة ،دراسة تأصيلية تطبيقية » نرش دار األندلس اخلرضاء بجدة .ففيه إسهامة متواضعة لدراسة متطلبات االجتهاد يف النوازل الفقهية املعارصة . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه ولعيل يف هذا البحث أن أسهم يف ضبط هذا الفقه وبيان معامله وتوضيح سبل الوصول التصور الصحيح للنازلة وتكييفها التكييف الفقهي الالئق إىل أحكامه ؛ بالتأكيد عىل أمهية ّ هب�ا وفهمه�ا فه ًام ال خيرج عن واقعها ومعرفة أبعادها ،الس�يام النوازل املس�تجدة املعارصة املتعلق�ة بالنواحي االقتصادي�ة احلادثة كأنواع البطاقات االئتامنية وص�ور املعامالت املالية احلالية ،أو يف مس�تجدات األعامل املرصفية اإللكرتونية التي متارس بش�كل واس�ع يف كثري ٍ اجتهاد ممن نص من وحي أو من بالد العامل إىل غريها من النوازل احلادثة التي مل يسبق فيها ٌ سلف من األئمة والعلامء . وهذا التكييف الفقهي لتلك النوازل احلادثة ؛ إذا جرى جمراه الصحيح بدقة وعناية ودراية وشمول وفهم؛ فإنه اخلطوة األوىل لالجتهاد الصحيح يف استنباط أحكام تلك النوازل . التصور وما حيدث يف ساحة اإلفتاء املعارصة من غلط وخلط ؛ فام هو يف الغالب إال خطأ يف ّ أو تقصير يف التكييف حييد فيه الناظر عن الطريق الصحيح لالجتهاد يف أول مراحله فال يكون بناؤه سلي ًام وال حكمه صحيح ًا . وه�ذا م�ا حدا بالش�يخ احلج�وي -رمح�ه اهلل -أن يق�ول :وأكثر أغلاط الفتاوى من حيرم رشب القهوة ٍ بعلل ال تصح ،وبعضها ّ التصور ، وذلك بسبب فتاوى اطلع عليها بعضها ّ التصور اخلاطئ هلذه األرشبة والتكييف جيوز رشب ( ماء املا حيا ) الذي يسكر ،وال شك أن ّ ّ الرشعي هلا أبعدها عن مقاربة احلق والصواب عند أولئك املفتني . هو حممد بن احلسن احلجوي الثعلبي القايض ،ولد 1291هـ بمدينة فاس باملغرب وتنقل يف بالد املغرب وتون�س واجلزائر وأخذ ع�ن كبار أعالمهم وأخذوا عنه ،توىل مناصب ع�دة وتصدى للتدريس يف كثري م�ن م�دن املغرب ،تويف س�نة 1376هـ .انظر ترمجت�ه :مقدمة كتابه الفكر الس�امي ص ،24-9معجم املؤلفني . 187/9 الفكر السامي . 571/4 املا حيا :رشاب يصنعه اليهود هلم وهو مما يسكر رشبه ،انظر :الفكر السامي . 571/4 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ويؤكد د .القرضاوي عىل أمهية التكييف الرشعي الصحيح للنوازل وأنه من أسباب الزلل واخلطأ يف الفتيا كام أسلفنا بقوله :ومن أسباب اخلطأ يف الفتوى عدم فهم الواقع الذي يسأل عنه الس�ائل فه ًام صحيح ًا ،ويرتتب عىل ذلك اخلطأ يف التكييف ،أعني يف تطبيق النص الرشعي عىل الواقعة العملية . وص�دق إي�اس ب�ن مـعاوي�ة -رمح�ه اهلل -لم�ا ق�ال للربيع�ة ب�ن أيب عب�د الرمح�ن -رمحه اهلل : - إن اليشء إذا بني عىل عوج مل يكد يعتدل . واملتأم�ل يف بع�ض الفتاوى املعارصة اجلانحة ع�ن الصواب تتأكد لدي�ه القناعة بأن اخلطأ الذي وقع يف بعض تلك الفتاوى مرده إىل اخلطأ يف التكييف الفقهي الس�ليم للواقعة املس�ؤول عنها وإن حدث اختالف يف بعض أحكام تلك النوازل فإن مرده يف الغالب إىل اختالف وجهات تصور النازلة وتكييفها التكييف الصحيح . نظرهم يف ّ وال يمن�ع واحلاج�ة ماس�ة إىل التكيي�ف الفقه�ي لبعض الن�وازل وخصوص� ًا االقتصادية منه�ا م�ن إدخال بع�ض أهل االختصاص يف ه�ذه الفنون ألخ�ذ رأيه ومعرفة علم�ه يف حقيقة م�ا نزل م�ن وقائع حادثة ؛ وذلك باالس�تعانة به وبأمثاله من أهل اخلربة الثق�ات وهذا له دوره الفتوى بني االنضباط والتسيب ص . 72 ه�و أب�و واثل�ة إياس بن معاوية ب�ن ّقرة بن إياس ب�ن هالل املزين ،وهو ال َّلس�ن البلي�غ واألملعي املصيب واملعدود مث ً ال يف الذكاء والفطنة ،ورأس� ًا ألهل الفصاحة والرجاحة ،وكان عمر بن عبد العزيز قد واله قضاء البرصة تويف عام 121هـ ويعترب رمحه اهلل مرضب ًا للمثل يف الفراسة والذكاء .انظر ترمجته :وفيات األعيان ،247/1هتذيب التهذيب ،354/1سري أعالم النبالء . 155/5 ه�و أبو عثمان ربيعة بن أيب عبد الرمحن فروخ ،موىل آل املنكدر ،املع�روف بربيعة الرأي ،فقيه أهل املدينة أدرك مجاعة من الصحابة وعنه أخذ اإلمام مالك بن أنس رمحه اهلل ،وكان يقول فيه :ذهبت حالوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي سنة 132هـ .انظر ترمجته :وفيات األعيان ،288/2شذرات الذهب ،194/1 هتذيب التهذيب . 230/3 جامع بيان العلم وفضله . 1140/2 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه التصور الصحيح يف تعري�ف املجته�د بحقيقة النازلة ومعرف�ة حكمها بعد ذلك وهبذا يتكام�ل ّ للمس�ألة وتع�رف مجيع حيثياهتا وأجزائه�ا وبنظرة واقعية ألحوال االختلاف يف أحكام بعض املعامالت املرصفية نجد أن بعض الفقهاء يكون عامل ًا يف فروع الفقه وأدق مس�ائله ولكن بعض تص�ور مبني عىل معرفة أهل االختصاص االقتص�ادي وإدراك مصطلحاهتم الوقائ�ع حتتاج إىل ّ ومقاصدهم واالطالع عىل علومهم ؛ فإذا تفرد أحد منهم باحلكم يف املسألة فربام وقع يف اخلطأ والزلل عن معرفة حكم الرشع والفتيا باحلق. وهذا ما أشار إليه اإلمام ابن القيم -رمحه اهلل -بذكره ألنواع الفهم الذي به يتمكن املفتي واحلاكم من الفتوى باحلق ،حيث قال :وال يتمكن املفتي وال احلاكم من الفتوى واحلكم باحلق إال بنوعني من الفهم : أحدمه�ا :فه�م الواق�ع والفق�ه فيه واس�تنباط عل�م حقيقة م�ا وق�ع بالقرائ�ن واألمارات والعالمات حتى حييط به عل ًام . والن�وع الث�اين :فهم الواجب يف الواق�ع وهو فهم حكم اهلل الذي حكم ب�ه يف كتابه أو عىل لسان رسوله ﷺ يف هذا الواقع . وال ش�ك أن فهم الواقعة ومعرف�ة حقيقتها بالقرائن واألم�ارات والعالمات لإلحاطة هبا عل ً ما ه�و التكييف الفقهي يف اصطالحنا املعارص وال يس�تغني املجتهد والناظ�ر عن هذا الفهم للوصول إىل احلكم الصحيح يف الوقائع واملستجدات . انظر :ضوابط الدراس�ات الفقهية للعودة ص 92؛ ومقدمة املوس�وعة الفقهية الكويتية 62/1؛ وبحث د .حممد األشقر يف الدورة احلادية عرشة للمجمع الفقهي التابع ملنظمة املؤمتر اإلسالمي ،والذي أقيم يف البحرين من عام 1419هـ بعنوان « سبل االستفادة من النوازل والفتاوى » ص . 8 ، 7 إعالم املوقعني . 69/1 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ٍ ٍ وتوضيح ضبط فكان هذا البحث تس�ليط ًا للض�وء عىل أمهية هذا النوع من الفه�م وزيادة ملصطلح التكييف الفقهي الذي غلب عىل استعامل فقهاء النوازل يف عرصنا احلارض ،وباألخص الباحثني يف أعامل املصارف اإلسالمية . وقد بحثت يف كثري من املراجع واملصادر الفقهية القديمة واحلديثة عىل دراسة مستقلة هلذا املوضوع فلم أجد بعد طول ٍ حتر وس�ؤال أله�ل العلم واالختصاص مع أمهيته التي ال ختفى يف معرفة أحكام النوازل املعارصة . وق�د أس�ميت ه�ذا البح�ث « :التكيي�ف الفقه�ي لألعمال املرصفي�ة :مفهوم�ه ،وأمهيته، وضوابطه.» وسأتناول هذا املوضوع من خالل املطالب التالية : املطلب األول :تعريف التكييف الفقهي . املطلب الثاين :األدلة عىل اعتبار التكييف الفقهي للنوازل . املطلب الثالث :ضوابط التكييف الفقهي للنوازل .واهلل أسأل أن يكون هذا لعمل خالص ًا لوجهه الكريم ،وأن يرزقنا فيه السداد والتوفيق ،فام أصبت فمن اهلل وحده ،وما أخطأت فمن نفيس والشيطان ،واهلل تعاىل هو األعلم و األحكم . وصىل اهلل وسلم عىل نبينا حممد وعىل آله وصحبه أمجعني . كتبـــه د/مسفر بن عيل بن حممد القحطاين أستاذ الفقه وأصوله املساعد بجامعة امللك فهد للبرتول واملعادن مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 10 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه املطلب األول تعريف التكييف الفقهي ً أوال :التعريف اللغوي : التكييـف يف اللغة من كاف اليشء يكيفه تكييف ًا بمعنى قطعـه ويأيت أيض ًا بمعنى تنقصـه. أما التكييف الذي بمعنى ما يدل عىل حال اليشء وصفته فهو قياس ال سامع فيه ،ويعترب بنا ًء على ذل�ك كالم ًا مولد ًا .كام رصح بذلك أكثر من إمام من أئمة اللغة؛ منهم ابن دريد -رمحه اهلل -حيث قال :فأما قوهلم :هذا يشء ال يك َّيف فكالم مولد .هكذا يقول األصمعي. وقال ابن سيده -رمحه اهلل : -فأما قوهلم :ك َّيف اليشء ،فكالم مولد . انظر :لسان العرب 313 ، 312/9؛ القاموس املحيط ص 1101؛ حميط املحيط ص ،800معجم لغة الفقهاء ص . 143 هو حممد بن احلسن بن دريد األزدي من أزدة عامن من قحطان ،كان من أئمة اللغة واألدب .وكان يقال في�ه :ابن دريد أش�عر العلامء وأعلم الش�عراء ،أقام يف عامن عدة س�نني وتوىف ببغداد ع�ام 321هـ .من مصنفاته :اجلمهرة يف اللغة ،واالش�تقاق يف األنس�اب ،وذخائر احلكمة وغريها .انظر ترمجته :شذرات الذهب ،289/2معجم املؤلفني ،189/9األعالم . 80/6 ه�و عب�د املل�ك بن قريب بن عيل بن أمجع الباهيل ،أبو س�عيد األصمعي راوية الع�رب ،وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان ،كان الرشيد يسميه « شيطان الشعر « توىف عام 216هـ .من مصنفاته :األضداد واملرتادف وخلق اإلنسان وغريها .انظر ترمجته :شذرات الذهب ، 36/2األعالم . 12/4 مجهرة اللغة . 970/2 هو عيل بن إسماعيل املعروف بان س�يده ،أبو احلس�ن إمام يف اللغة وآداهبا ،ولد بمرسية يف األندلس ،كان رضير ًا واش�تغل بنظم الش�عر مدة وانقطع لألمري أيب اجليش جماهد العامري ،صنف املخصص يف اللغة وهو من أعظم كنوز اللغة .تويف عام 458هـ .انظر ترمجته :شذرات الذهب ،305/3معجم املؤلفني ،36/7األعالم . 14/4 املحكم البن سيده . 86/7 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 11 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني وج�اء ع�ن الزبيدي -رمحه اهلل -قوله :التكييف اش�تقاق من ( كيف ) :كيفته فتكيف ونص اللحي�اين :فأما قوهلم :ك َّيف اليشء فكالم مولد فإن�ه قياس ال سماع فيه من العرب ّ . قل�ت :فعن�ى بالقياس هنا التوليد ،قال ش�يخنا :أو أهنا مولدة ولك�ن أجروها عىل قياس كالم العرب .قلت :وفيه ٌ تأمل . أق�ر هذا املصطلح جمم�ع اللغة العربي�ة بالقاهرة حيث جاء يف جمم�وع قرارات جمامع وق�د ّ نصه :التكييف هو طبيعة املسألة التي تتنازعها القوانني لوضعها يف نطاق طائفة اللغة العربية ما َّ من املسائل القانونية ،التي خصها املرشع بقاعدة إسناد. وقالوا :التكييف الالحق هو التكييف الالزم إلعامل القاعدة املوضوعية التي تعينها قاعدة اإلسناد يف قانون القايض أو إلعامل قاعدة اإلسناد الداخيل يف القانون األجنبي . فالتكيي�ف إذ ًا مص�در صناع�ي مول�د قد أقره جمم�ع اللغة العربي�ة فيام يبني طبيعة املس�ألة ونوع تصنيفها ،وإن كان املجمع قد تناوله من الناحية القانونية إال أنه قريب من املعنى املراد يف استعامل الفقهاء املعارصين للتكييف . هو حممد بن احلس�ن بن عبيد اهلل الزبيدي األندليس األش�بييل ،عامل باللغة و أألدب ،ش�اعر ،ويل القضاء أشبيلية فاستقر هبا تويف هبا عام 379هـ ،من مصنفاته :الواضح يف النحو ،وحلن العامة ،وخمترص العني وغريها .انظر ترمجته :شذرات الذهب ،94/3معجم املؤلفني ،198/9األعالم . 82/6 هو عيل بن حازم اللحياين ،لغوي ،عارص الفراء ،وتصدر يف أيامه ،وأخذ عنه القاسم بن سالم من آثاره: كتاب يف النوادر تويف بعد 207هـ .انظر ترمجته :معجم املؤلفني . 56/7 ت�اج الع�روس 475/12؛ وانظر أيض ًا القاموس املحي�ط ص 1101؛ حميط املحيط ص 800؛ املصباح املنري ص .281 انظر :جمموع قرارات جمامع اللغة العربيةً ، نقال عن د .حامد صادق القنيبي الباحث يف جممع اللغة العربية سامع ًا منه . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 12 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه ً ثانيا :التعريف االصطالحي : يعتبر مصطل�ح ( التكييف الفقه�ي ) من املصطلح�ات احلادثة التي غلب اس�تعامهلا لدى الفقه�اء املعارصين ومل يكن هذا املصطلح معروف ًا لدى أئمة الفقه خالل العصور املاضية إال يف حاالت نادرة قد تقع من بعض الفقهاء ؛ وقد نجزم بعدم شيوع هذا املصطلح بينهم . ٌ استعامل هلذا ومن خالل استقراء بعض الكتب الفقهية ُوجدَ عند بعض فقهاء اإلباضية املصطلح ،ولكن يف غري املراد به عند الفقهاء املعارصين حيث يريدون بالتكييف :أداء الفعل يف الباط�ن م�ن غري إظهار صوت أو فعل يف الظاهر ،ويأيت يف حالة عدم االس�تطاعة للقيام بالقول أو الفعل معه . أم�ا بقي�ة مدونات فقه املذاهب األربع�ة فلم أجد بعد طول ٍ بحث ٍ وحتر أهنم قد اس�تعملوا ه�ذا املصطل�ح باملعنى الذي يطلقه فقهاؤنا املعارصون ،ومل أجد كذلك من املتأخرين من تناول ٍ ٍ دراسة -واهلل أعلم .- ببحث أو موضوع التكييف الفقهي ونظ�ر ًا ألمهي�ة التكيي�ف الفقهي يف التع�رف عىل حك�م النازلة كان ال بد من بذل الوس�ع يف إعط�اء حدٍّ مناس�ب يتميز به ه�ذا املصطلح وينفرد بمعناه اخلاص الذي يتفق مع االس�تعامل الشائع له عند الفقهاء املعارصين . ه�م أصح�اب عب�د اهلل بن إباض ال�ذي خرج أيام م�روان بن حممد ،واإلباضية نس�بة إلي�ه فرقة من فرق اخلوارج ،وقد افرتقت اإلباضية إىل عدة فرق جيمعها القول بأن كفار هذه األمة -أي خمالفيهم -برآء من الرشك واإليامن ،وأهنم ليسوا مؤمنني وال مرشكني ،ولكنهم كفار ،وأجازوا شهادهتم ،وحرموا دماءهم يف السر واس�تحلوها يف العالنية وصححوا مناكحتهم والتوارث منهم ،وهل�م خمالفات يف االعتقاد ويف أبواب الفقه كثرية .انظر لالستزادة :امللل والنحل ،156/1الفرق بيت الفرق ص . 70 انظر :رشح النيل وشفاء العليل ،تأليف :حممد بن يوسف أطفيش .فقد ذكر كثري ًا من صور التكييف يف أحكام احليض واالستحاضة ويف صالة العليل ،طبعة مكتبة اإلرشاد . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 13 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني وقب�ل بيان التعريف املختار للتكييف الفقهي ،أعرض بعض التعريفات التي ذكرها بعض أهل العلم املعارصين وذلك من أجل االستزادة يف فهم املراد من هذا املصطلح . ومن هؤالء العلامء : أ -تعريف د .القرضاوي يف كتابه ( الفتوى بني االنضباط والتسيب ) حيث قال :التكييف: أعني يف تطبيق النص الرشعي عىل الواقعة العملية . وهذا التعريف ال يدل عىل معنى التكييف الفقهي ،بل يدل عىل النتيجة واألثر املرتتب عىل عملية التكييف ،وهو تطبيق النص الرشعي بحكمه عىل تلك الواقعة . ولع�ل د .القرض�اوي مل ي�رد يف ه�ذا املقام من كتاب�ه تعريفه ،بل كان الس�ياق يدل عىل أنه أراد بيان أمهية الفهم احلقيقي للواقعة ،ألن اخلطأ فيه خطأ يف التكييف ،وبالتايل يف تطبيق النص الرشعي عىل الواقعة . ب -ج�اء يف كت�اب ( معج�م لغة الفقه�اء ) تعريف ح�ادث للتكييف الفقه�ي ،قيل فيه : التكييف الفقهي للمسألة :حتريرها وبيان انتامئها إىل أصل معني معترب. وهذا التعريف جيد املعنى وواضح الداللة عىل بيان املقصود من التكييف ،وإن كان ينقصه التصور الكامل الصحيح هلا . بيان اخلطوة األوىل قبل حتريرها وبيان انتامئها ،وهي ّ ص . 72 ص . 143 وقد أخذت بعض التعريفات للتكييف الفقهي من بعض علامئنا املعارصين باملش�افهة س�أورد بعضها من دون مناقشة : أ -تعريف فضيلة الشيخ عبد اهلل بن سليامن بن منيع ،عضو هيئة كبار العلامء باململكة حيث قال « :التكييف :يعني التس�اؤل بلفظ كيف ،عن وجه إرجاع مس�ألة ما من املس�ائل املعارصة إىل ما تندرج حتته من املس�ائل الفقهية املعروفة لدى قدماء الفقهاء ،وذلك بلفظ كيف ترجعها إىل ما تعترب جزء ًا من جزئيات ذلك األصل » . ب -تعري�ف فضيل�ة الش�يخ حممد املختار السلامي م�ن علامء تونس حيث ق�ال « :إعطاء ص�ورة منضبطة برشوطها وأركاهنا للقضية املستجدة يف الواقع العميل ». مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 14 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه * ومن التعريفات التي تفيدنا يف فهم مصطلح (التكييف الفقهي ) : تعريف علامء القانون :م�ن املعل�وم أن مصطلح (التكييف) من املصطلحات الش�ائعة يف ع�رف القانونيني ،وربام يعتربون األكثر واألسبق استعامالً هلذا املصطلح من الفقهاء املعارصين . يسوغ لنا البحث وال خيفى أن هناك عالقة وطيدة بني عمل القانوين وعمل املفتي أو الفقيه ّ ثم اعتباره يف التعريف الفقهي . يف معرفة مرادهم للتكييف ومن َّ وقد ذكر د .حممد رياض وجه العالقة بينهام ؛ حيث قال :إن املحامي -وهو الذي تتجىل يف مهمت�ه حقيق�ة القانون وطبيعته -ينوب ع�ن أطراف النزاع ،ويمثلهم أم�ام املحاكم ،كام أنه يقوم بدور املفتي يف النزاعات والقضايا املعروضة عليه ،فهو مشمول من جهة بأحكام الوكالة، ومن جهة أخرى قائم مقام املفتي فيام يرجع إليه. فهو حني ترجع إليه قضية ينظر فيها بنظر املفتي فيحللها ،ويتعرف عىل النص الذي حيكمها م�ن ف�روع القانون املختلفة ،فيحرر مقال الدعوى ،وقد اس�توىف فهم النازل�ة ،والنص القانوين املطبق عليها ويدافع عن وجهة نظره فيام يعرضه من جهة واقع القضية وقانوهنا . إن نظري�ة التكيي�ف هلا أمهية عظمى يف عمل فقهاء القان�ون ،فمتى أتم القايض حتصيل فه�م الواق�ع يف الدعوى فإنه يبح�ث عام يبحث تطبيق�ه أي تنزيله من أح�كام القانون عىل هذا الواق�ع يف الدعوى ،فإنه يبحث عام جيب تطبيع�ه أي تنزيله من أحكام القانون عىل هذا الواقع، أصول الفتوى والقضاء د .حممد رياض ص. 196 أطلق املستشار حامد فهمي وابنه حممد ( النظرية ) عىل التكييف القانوين وذلك ألمهيته القصوى يف عمل الق�ايض وعلماء القان�ون .انظر :النقض يف املواد املدنية والتجارية للمستش�ار حام�د فهمي وابنه حممد ص . 165 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 15 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ومل�ا كانت أحكام القانون مطلقات وعمومات تتن�اول أنواع ًا من احلوادث ال تنحرص ،وكانت ّ مش�خصة ،ولكل معني منها خصوصية ليس�ت يف غريه ،وليس هذه احلوادث ال تقوم إال مع ّينة ما به التعيني واالمتياز معترب ًا يف احلكم بإطالق ،وال هو طردي بإطالق ،فال سبيل لتنزيل تلك ٍ معرفة بأن ذلك املعني يش�مله ذل�ك املطلق أو ذلك العام، األح�كام على هذه احلوادث إال بعد وقد يكون هذا سه ً ال وقد يكون صعب ًا وكله عىل كل حال نظر واجتهاد . وهذا االجتهاد أطلق عليه كثري من علامء القانون « :تكييف الواقع يف الدعوى» ،فأخذ م�ال الغير بغري حق له عدّ ة تكييفات ؛ فقد يكون رسقة أو تبديد ًا أو خيانة أمانة ،أو نصب ًا ،وكل ن�وع م�ن هذه ل�ه عقوبته القانونية التي ق�د نختلف عن األخرى وال يوق�ع القايض عقوبته عىل وتصور كامل لواقع الدعوى وحال اآلخذ مللك الغري . األخذ إال بعد تكييف ّ والتص�ور للدعاوى فنظ�ر املحام�ي أو الق�ايض يف املحاكم الوضعي�ة قائم على التكييف ّ والقضايا التي تردهم ،ولذلك نجد أن هناك تش�اهب ًا بيتهم وبني عمل املجتهد أو املفتي يف نظره للنوازل والواقعات . ولتوس�ع دائ�رة املحاماة والعم�ل بالقوانني الوضعي�ة يف عرصنا احلارض نتيج�ة نفوذ هذه القوانين وإل�زام الناس هب�ا ؛ يتحتم عىل العاملني يف جماهلا وخصوص ًا يف البالد اإلسلامية التي ينبغي أن حيكِّم الناس فيها رشع اهلل عز وجل أن يكون لدهيم آلة النظر واالجتهاد أو االستعانة بأهل الفتوى و االجتهاد أو القضاء من أهل العلم . ٍ حلقوق راعته�ا الرشيعة فينبغي أن ال خت�رج عن إطارها وذل�ك أهن�ا إلزام بأحكام وإنف�اذ وكلياهتا وسؤال أهلها. عرف�وا التكييف وأس�موه -بالوصف وم�ن منطل�ق ه�ذه العالقة نجد أه�ل القانون ق�د َّ القانوين . - املرجع السابق ص . 164 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 16 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه ومن تلك التعريفات قوهلم : التكييف ،هو يف القانون املدين :حتديد طبيعة العالقة القانونية ألجل معرفة صفتها والعمل عىل حتديد النظام القانوين الذي يرعاها ،مثاله :الترصف بدون عوض أو بعوض ،وقد خيتلفون عىل هذا الوصف أو التعيني بطبيعة العالقة القانونية الواحدة يف بلدين أو أكثر وهو ما يسمونه: تنازع الوصف . وه�و يف القان�ون اجلنائي :تعيين اجلريمة أي وصفها يف النطاق ال�ذي يدخل فيه العمل أو اإلمهال املوجب للمعاقبة عليه . ومن أحس�ن تعريفاهتم ما ذكره املستش�ار حامد فهمي ،بقوله :هو توخي معاين القانون يف حاصل فهم الواقع يف الدعوى . فالتكيي�ف باعتب�ار القانونيني حي�دد طبيعة القضية وصفتها حتى ُيتع�رف عىل النظام الذي يرعاه�ا وتنتمي إلي�ه ،وهذا املعنى ال خيتلف كثري ًا عن املعنى الذي اس�تخدمه الفقهاء للتكييف كام سيمر معنا -بإذن اهلل تعاىل . - عرفه علامء العقيدة اإلسلامية :حيث -وم�ن التعريف�ات للتكييف عند علماء الرشيعة ما ّ قال�وا :التكيي�ف :أن يعتق�د املثب�ت أن كيفي�ة صف�ات اهلل تع�اىل كذا وك�ذا من غير أن يقيدها بمامثل. معج�م املصطلح�ات القانونية:تأليف :أمح�د زكي بدوي ص ،195املعجم القان�وين رباعي اللغة ،تأليف دكتور عبد الفتاح مراد ص.398 النقض يف املواد املدنية والتجارية ص . 164 القواع�د املثىل يف صفات اهلل وصفاته احلس�نى ص ،27تأليف :الش�يخ حممد ب�ن صالح العثيمني ؛ انظر: التنبيه�ات الس�نية عىل العقيدة الواس�طية الب�ن تيمية تأليف الش�يخ عبد العزيز الرش�يد ص ،24رشح العقيدة الواسطية البن تيمية ،تأليف الشيخ صالح الفوزان ص. 16 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 17 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ووجه العالقة بني تعريف علامء العقيدة وعلامء الفقه أهنم يشرتكون يف حقيقة معناه األصيل يف اللغ�ة ،وه�و تعيني كنه اليشء وصفته ؛ لكنهم خيتلفون يف االس�تعامل فعلامء العقيدة يكثرون من اس�تخدام ه�ذا املصطلح يف نف�ي التكييف لصفات اهلل ع�ز وجل ،والذي يعتبر إثباته أمر ًا خمالف ًا العتقاد أهل الس�نة واجلامعة يف توحيد أسماء اهلل عز وجل وصفاته ،فهو مصطلح سلبي يتصور ال جي�وز إيقاع�ه عىل صفات اهلل عز وجل ،بينام يعتربه الفقه�اء أمر ًا الزم ًا للمجتهد لكي ّ املس�ألة الفقهي�ة الواقعة من أجل احلكم فيه�ا ،ومن هنا كان االختالف بين املعنيني وال عالقة بينهام من الناحية االصطالحية كام هو ظاهر من االستعامل . * التعريف املختار للتكييف الفقهي : إليه. يمك�ن تعريف التكييف الفقه�ي بأنه :التصور الكامل للواقعة وحترير األصل الذي تنتمي * رشح التعريف : التص�ور :ه�و حصول صورة اليشء يف العق�ل ،وإدراك املاهية من غير أن حيكم عليها ّ بنفي أو إثبات. فالتصور -كام سيمر معنا بإذن اهلل -يأيت من كامل الفهم ومتام املعرفة باملسألة من مجيع جوانبها وأبعادها . التصور الناقص يف فهم املسألة ؛ ملا يرتتب عليه بالتايل من حكم الكامل :وهو احرتاز منّ خمالف وجمانب حلقيقة األمر والواقع الصحيح . تعريفات اجلرجاين ص . 83 ص 15من البحث . مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 18 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه -للواقعة :وهي املسألة النازلة التي مل يسبق هلا مثيل أو نظري تلحق به مبارشة ،بينام املسائل املعهودة ال حتتاج إىل تكييف بقدر ما حتتاج إىل حتقيق ملناط املسألة يف غالب أحياهنا . -وحتري�ر األص�ل :واملقصود بالتحرير هنا التقويم ،كام ج�اء يف القاموس املحيط :وحترير الكتاب وغريه :تقويمه . يق�وم األصل الذي ترجع إليه املس�ألة ويتأكد من صحة ه�ذا االنتامء من كل فاملعن�ى ؛ أن ّ العوارض النقلية والعقلية . واألصل :إما أن يكون دلي ً ال قائ ًام أو قاعدة معتربة ،أو مسألة منصوص ًا عىل حكمها . الذي تنتمي إليه :أي ترجع إليه من أجل الوصول إىل حكمها يف الرشع .ومجل�ة ( وحتري�ر األصل الذي تنتمي إليه ) قيدٌ مه�م يف التعريف ،وذلك احرتاز من وقوع ٍ حينئ�ذ حقيقة التكيي�ف الفقهي الصحيح التص�ور يف أص�ل ال يصح اإلحل�اق إليه ،فال تكتمل ّ للواقعة . * بعض املصطلحات ذات الصلة بالتكييف الفقهي : التصور أو التصوير : -1 ّ ومعن�اه كما ق�ال اجلرجاين -رمح�ه اهلل : -التص�ور :حصول صورة الشيء يف العقل، وإدراك املاهية من غري أن حيكم عليها بنفي أو إثبات . ص ،479باب الراء ،فصل احلاء ه�و علي بن حممد بن عيل املعروف بالس�يد الرشيف اجلرجاين ولد بجرج�ان وبدأ العلم يف صباه يف علوم اللغة العربية ثم عكف عىل العلوم النقلية والعقلية ،له مصنفات عديدة يف الفقه والتفسير واملنطق تويف سنة 792هـ .انظر ترمجته :الفوائد البهية للكنوي ص ،212األعالم للزركيل . 7/5 التعريف�ات ص 83؛ املبين يف رشح مع�اين ألف�اظ احلكماء واملتكلمني لآلم�دي ص ،69حترير القواعد املنطقية للرازي ص ،7رشح العالمة األخرضي عىل سلمه يف املنطق ص .24 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 19 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ويعترب مصطلح التصور من املصطلحات الش�ائعة يف علم املنطق حيث يقسم علامء املنطق العلم إىل :تصور وتصديق ،والتصديق مس�بوق بالتص�ور ،فكان التصور وضعه أن يكون قبل التصدي�ق ،والتصور إنام يكتس�ب باحلدّ ،كما أن التصديق ال يكتس�ب إال بالربهان ،فكان احلدّ متقدم ًا عىل التصور املتقدم عىل التصديق فاحلدّ قبل الكل طبع ًا . وه�ذا يدل عىل أن تصور املس�ألة ال يتأتى إال ببي�ان معناها من خالل احلدّ والتعريف ،فإذا تصورت أمكن إقامة الربهان والدليل عليها للوصول إىل حكمها التصديقي . ِّ ٍ فحينئذ ال خيتلف معنى التصور أو التصوير من حيث الداللة عىل معنى التكييف الفقهي، تصوره . ولذلك شاع عىل ألسنة الفقهاء قوهلم :احلكم عىل اليشء فرع عن ّ وكث�ر اس�تخدام بعض املعارصي�ن الصطالح تصوير املس�ألة عىل تكييفها نظ�ر ًا للرتادف القريب بينهام . -2التخريج : التخري�ج يف اصطلاح الفقه�اء واألصوليين معن�اه :االس�تنباط -وه�و مواف�ق ملعن�اه اللغوي - وقد يطلقونه ويريدون به أمرين: انظر :تنقيح الفصول ص 4؛ حاشية التفتازاين عىل رشح العضد عىل خمترص ابن احلاجب 15 ،14/1؛ تقريب الوصول ص 93؛ التقرير والتحبري 32 – 30/1؛ إرشاد الفحول ص . 6-5 سيأيت مزيد بيان حول هذه القاعدة -بإذن اهلل -ص 24من البحث . انظر :الكثري من البحوث الفقهية ضمن جملة جممع الفقه اإلسلامي واملجالت الفقهية املعارصة وش�يوع هذا املصـطلح ( التصوير ) عندهم ؛ كذلك قد استخدمه بعض األئمة السابقني كابن السبكي يف األشباه والنظائر ،43/1والسيوطي يف أألشباه والنظائر ص 7وغريمها . انظر :القاموس املحيط ص 237؛ خمتار الصحاح ص . 151 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 20 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه األول :ختري�ج الفروع عىل األصول ؛ وهو اس�تنباط األحكام الرشعي�ة العملية من أدلتها التفصيلية وفق القواعد األصولية . والث�اين :ختري�ج الف�روع م�ن الف�روع ؛ وهو نق�ل حكم مس�ألة إىل ما يش�بهها والتس�وية بينهام فيه . ووج�ه الصلة بين التكييف الفقهي والتخريج أنه اخلطـوة األوىل واملرحلة األس�اس التي فاملخرج أول م�ا يبدأ اجتهاده يبن�ى عليه�ا التخريج الصحي�ح ،املوافق للدليل أو ق�ول اإلمام، ِّ يف واقع�ة م�ا البد أن يتصوره�ا تصور ًا كام ً ث�م يلحقها بأي األصول ال -وهو التكييف -ومن َّ املعتربة املشاهبة هلا . -3حتقيق املناط : حتقي�ق املناط عند األصوليني :هو النظر واالجتهاد يف معرفة وجود العلة يف آحاد الصور، ٍ بنص أو إمجا ٍع أو استنباط جيل ،فإثبات وجود العلة يف مسألة بعد معرفة تلك العلة معينة بالنظر واالجتهاد هو حتقيق املناط . فمثال ما إذا كانت العلة معروفة بالنص :جهة القبلة ،فإهنا مناط وجوب اس�تقباهلا ،وهي معروفة بالنص ،وهو قوله تعاىل ﴿ :ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﴾ . وأم�ا ك�ون جه�ة م�ا ه�ي جه�ة القبل�ة يف حال�ة االش�تباه فمظن�ون باالجته�اد والنظر يف األمارات. ختري�ج الف�روع على األصول ،تأليف عثامن شوش�ان 65/1؛ انظ�ر :التخريج د .الباحسين ص 51؛ املدخل املفصل إىل فقه اإلمام أمحد بن حنبل تأليف د .بكر أبو زيد . 273/1 املسودة آلل تيمية ص 533؛ اإلنصاف للمرداوي . 6/1 انظر :رشح الكوكب املنري للفتوحي ،469/4صفة الفتوى البن محدان ص . 18 سورة البقرة ،آية . 144 : مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 21 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ومث�ال م�ا كانت الع َّلة معلومة باإلمجاع :العدالة ،فإهنا مناط وجوب قبول الش�هادة ،وهي معلومة باإلمجاع ،وأما كون هذا الشخص عدالً فمظنون باالجتهاد . ومثال ما إذا كانت الع َّلة مظنونة باالس�تنباط :الش�دَّ ة املطربة ،فإهنا مناط حتريم الرشب يف اخلمر ،فالنظر يف معرفتها يف النبيذ هو حتقيق املناط ،وال خالف بني األمة يف جوازه . وس�مي حتقيق املناط بذلك ؛ ألن املناط وهو الوصف علم أنه مناط ،وبقي النظر يف حتقيق وجوده يف الصور املعينة . يق�ول اإلمام الش�اطبي -رمح�ه اهلل -يف تعريف حتقيق املن�اط :أن يثبت احلكم بمدركه الرشعي لكن يبقى النظر يف تعيني حمله . ورضب على ذلك أمثلة قريبة مما س�بق ذكره ،ثم قال -رمح�ه اهلل :-ويكفيك من ذلك أن الرشيعة مل تنص عىل حكم كل جزئية عىل حدهتا ،وإنام أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعداد ًا ال تنحرص ،ومع ذلك فلكل معني خصوصية ليست يف غريه ولو يف نفس التعيني ،وليس م�ا ب�ه االمتياز معترب ًا يف احلك�م بإطالق ،وال هو طردي بإطالق ،بل ذلك منقس�م إىل الرضبني وبينهما قس�م ثالث يأخذ بجهة من الطرفين ؛ فال يبقى صورة من الص�ور الوجودية املعنية إال وللعامل فيها نظر سهل وصعب ،وهذا كله بينّ ملن شدا يف العلم. انظ�ر :املس�تصفى للغ�زايل 230/2؛ األح�كام لآلم�دي 335/3؛ املحص�ول لل�رازي 244/2؛ البحر املحيط للزركيش 257/4؛ روضة الناظر البن قدامة 802 ، 801/3؛ إرشاد الفحول للشوكاين ص . 222 ه�و إبراهيم بن موس�ى بن حممد اللخمي الغرناطي الش�هري بالش�اطبي ،أصويل حافظ م�ن أئمة املالكية، م�ن أش�هر مصنفات�ه املوافقات واالعتصام وغريها ،تويف س�نة 790ه�ـ .انظر ترمجته :الفكر الس�امي ،291/2معجم املؤلفني ،118/1األعالم . 75/1 املوافقات للشاطبي . 12/5 املرجع السابق . 15 ، 14/5 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 22 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه يتبني لنا مما ممىض ذكره وجود عالقة قوية بني التكييف الفقهي وحتقيق املناط ،فتكون مهمة املجتهد يف حتقيق املناط هو تطبيق الكيل عىل جزئياته لوجود الش�به من خالل املناط املنصـوص أو املجم�ع عليه ،وحتقيق وجود الش�بـه بني الفرع وأصله ه�و التكييف إذ ال يصح حتقيق املناط م�ا مل يصاحب�ه التص�ور الكامل ملاهي�ة الفرع ونوعه ومتيي�زه عن غريه املخالف ل�ه يف نوعه وقد يكون من جنسه ،وهذا النظر العميق للتكييف الفقهي ال شك يف صعوبته عىل آحاد املجتهـدين وأنصـاف العلامء إال من شدا يف العلم -كام قال الشاطبي -رمحه اهلل . - *** انظر :املنهج األصويل يف فقه اخلطاب ،تأليف :د .إدريس محادي ص ،147، 146جملة املسلم املعارص، بحث د .رمضان مجعة ،بعنوان :االجتهاد يف حتقيق املناط وأنواعه وضوابطه ص .140-95 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 23 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني املطلب الثاني األدلة على اعتبار التكييف الفقهي للنوازل املقص�ود هبذا املطلب إثب�ات الدليل النقيل والعقيل عىل أمهية اعتب�ار التكييف الفقهي عند االجتهاد والنظر يف حكم النوازل واملستجدات . ثم احلكم وأن التكيي�ف البد منه للمجتهد حتى يتحقق ل�ه ّ التصور الصحيح للنازلة ومن َّ عليها باحلق والصواب . وه�ذا م�ا جعل التكييف الفقهي له أمهية خاصة بني فقهاء املصارف اإلسلامية والباحثني االقتصاديني نتيجة لدوره الكبري يف صحة احلكم واالجتهاد عىل ما يستجد من مسائل مرصفية أو اقتصادية .ومن أهم دواعي االهتامم بالتكييف لدى أولئك الباحثني االعتبارات اآلتية - : األول :أن النوازل املعارصة وباألخص يف جمال املعامالت املرصفية متميزة بحداثتها وعدم إفراز حلضارات خمتلفة وجود س�وابق فقهية هلا ،كام متتاز أيض ًا بالتعقيد والتش�ابك ،وذلك أهنا ٌ ال يمت بعضها لإلسالم بأي صلة ،فأصبحت تلك النوازل من املسائل التي يصعب النظر فيها وحتت�اج إىل تريث وطول تأم�ل وفهم صحيح حلقيقتها حتى تتهي�أ الواقعة بعد ذلك للبحث يف حكمه�ا ،فكان�ت احلاجة للتكييف كخطوة أو مرحلة -أملته�ا الضـرورة -قبل احلـكم فيها ؛ لتـتجىل الواقـعـة وتـظـهر واضـحة املعـامل للـفقيه واملفتي . الث�اين :أن العص�ور األخيرة بما احتوته م�ن تطور حض�اري وتغري اجتامع�ي ال مثيل له، انعك�س -وال ش�ك -على وقائعه وقضاي�اه التي حتتاج إىل حكم الش�ارع فيها ،ونظ�ر ًا لندرة أه�ل االجتهاد املطلق يف عصورنا املتأخرة وكثرة جمته�دي املذاهب ،زادت احلاجة إىل التكييف انظر :ضوابط الدراسات الفقهية للعودة ص . 89 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 24 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه الفقه�ي مل�ا له م�ن دور واضح يف توصيف النازل�ة وتصويرها وحترير األصل ال�ذي تنتمي إليه وتقريب وجهات النظر حول الواقعة وتس�هيل البحث فيها لعلامء التخريج وأصحاب الوجوه من أهل املذاهب ،سوا ًء كانوا جمتمعني لالجتهاد ضمن جمامع فقهية أو آحاد ًا متفرقني يف بالدهم لإلفتاء والتعليم. علام خمصوص ًا عند ويف ذل�ك يقول اب�ن خلدون -رمحه اهلل -وملا صار مذهب كل إمام ً أهل مذهبه ومل يكن هلم س�بيل إىل االجتهاد والقياس ،فاحتاجوا إىل تنظري املس�ائل يف اإلحلاق، وتفريقها عند االشتباه بعد االستناد إىل األصول املقررة من مذهب إمامهم . الثال�ث :إن من أهم األس�باب التي دع�ت لالهتمام بالتكييف الفقه�ي للقضايا املرصفية -إضافة إىل ما سبق -املشكالت التي تعاين منها املصارف اإلسالمية يف تعدد اآلراء يف املسالة الواحدة ،األمر الذي أدى إىل اختالف الفتاوى الصادرة عن الرقابة الرشعية يف هذه املصارف، فق�د حي�دث أن تصدر هيئ�ة الرقابة الرشعية يف إح�دى املصارف فتوى يف حكم أحد األنش�طة املرصفي�ة ،ويصدر عن رقابة رشعية يف مرصف آخر فتوى خمتلفة متام ًا عن الفتوى الس�ابقة ؛ يف نفس هذا النشاط ،وهذا يؤدي إىل إحداث بلبلة فكرية لدى املسؤولني عن إدارة هذه املصارف والقائمني عليها . وق�د ينتج عن ذلك كل�ه تعطيل بعض الصيغ واألدوات املرصفية التي توفر هلذه املصارف مرونة يف العمل ،ودور ًا أكثر فاعلية يف تقديم أقىص ما يمكن يف جمال العمل املرصيف ،هذا جانب من جوانب هذه املشكلة .أما اجلانب اآلخر فيتمثل يف أن معظم هيئات الرقابة الرشعية يف هذه املصارف تتألف من الفقهاء ذوي االطالع اجليد عىل اآلراء الفقهية للمذاهب اإلسالمية املختلفة هو عبد الرمحن بن حممد بن حممد احلرضمي األش�بييل املالكي املش�هور بابن خلدون ،من العلامء املؤرخني احلكماء ،ب�رع يف عل�وم كثرية وله مصنفات عجيبة ،تويف س�نة 808هـ .انظر ترمجته :ش�ذرات الذهب ،76/7معجم املؤلفني ،188/5نيل االبتهاج ص . 169 مقدمة ابن خلدون ص . 498 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 25 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني لكن اطالعهم عىل الواقع االقتصادي املعارص ومستجداته ،وخربهتم يف األمور املرصفية واملالية ليس�ت بمس�توى اطالعهم وخربهتم يف األمور الرشعية مع أن اطالع الرقابة الرشعية عىل هذه أم�ر ال ب�د منه لكي تتمكن م�ن أداء دورها يف إجياد احللول املناس�بة ؛ خاص�ة ما يتعلق األم�ور ٌ منها بالصيغ واألش�كال املناس�بة لتحل حمل أدوات االس�تثامر الربوية ،ولنرضب أمثلة عىل اختالف آراءهم يب بعض املسائل املرصفية نتيجة الختالف تكييفهم هلذه املسائل : -1االختالف يف الودائع املرصفية : فذهب بعض الباحثني إىل أهنا وديعة وبعضهم عىل أهنا إجارة واختار األكثر كوهنا قروض ًا باملنظور الفقهي والقانوين . -2االختالف يف تكييف نظام بطاقات االئتامن : فمن الفقهاء من يرى أن نظام البطاقة يتضمن توكي ً ال وكفالة ،ومنهم من يراه حوالة أو وكال�ة بأج�ر ،ومنه�م م�ن ي�راه كفال�ة فق�ط إىل غريهــ�ا م�ن التكييف�ات األخ�رى هلــذا العقـد. -3االختالف يف تكييف خطاب الضامن ( الكفالة املرصفية ) : ي�رى بعض الفقه�اء واملعارصين أن ه�ذا العقد كفال�ة ،ويرى آخرون أن�ه وكالة ،وذهب البعض عىل أن هذا العقد جعالة ،وتوس�ط بعض الباحثني إىل القول بأنه وكالة إذا كان خطاب الضامن مغطى تغطية كاملة من قبل العميل ،وكفالة إذا كان غري مغطى . انظر :املصارف اإلسالمية بني النظرية والتطبيق للهيتي ص . 671 انظر :املصارف اإلسالمية بني النظرية والتطبيق ص ،267 – 260االقتصاد اإلسالمي والقضايا الفقهية للسالوس ،1630164/1بحوث يف قضايا معارصة للعثامين ص . 355-352 انظر :البطاقات البنكية د .عبد الوهاب أبو سليامن ص . 221-215 انظ�ر :الش�امل يف معاملات وعملي�ات املص�ارف اإلسلامية إلرش�يد ص ،177،178االقتص�اد = مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 26 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه -4االختالف يف تكييف عقد املرابحة لألمر بالرشاء : وأقص�د باختلاف الباحثين بني اجل�واز واملن�ع واختالف املانعين يف تكيي�ف حرمة هذا العقد ،منهم من يرى هذه املعاملة أهنا من بيع املعدوم ،ومنهم من يراها داخلة يف العينة ،ومنهم م�ن يراه�ا بيعتني يف بيعة ،ومنهم م�ن أدخلها يف بيع الكالئ بالكال�ئ إىل غريها من التخرجيات والتكييفات املانعة من هذا العقد . ه�ذه بعض األمثلة لعقود جترهيا املصارف اإلسلامية ألكثر م�ن عقدين من الزمان ما زال الكثير من الفقه�اء املعارصين والباحثني خمتلفين يف تكييف هذه العقود مع أهن�ا أزهقت بحث ًا ومناقشة بني فقهاء املصارف اإلسالمية ،وأعتقد أم من أهم أسباب هذا االختالف هو اخللل يف تكييف هذه املستجدات من الناحية الفقهية أو االقتصادية . وبع�د هذا التمهي�د يمكن أن نقس�م أدلة اعتبار التكيي�ف الفقهي للنوازل إىل قس�مني من األدلة : أوالً :األدلة النقلية عىل اعتبار التكييف الفقهي ورضورة العمل به ،ومن هذه األدلة-: أ -قول�ه تعاىل ﴿ :ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾. وقول�ه تع�اىل ﴿ :ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﴾ . = اإلسالمي والقضايا الفقهية املعارصة للسالوس ،765،766/2املعامالت املالية املعارصة لشبري ص ،255املصارف اإلسالمية للهيتي ص . 397-390 انظر :املصارف اإلسالمية للهيتي ص ،527-517الشامل يف معامالت وعمليات املصارف اإلسالمية ألرشيد ص . 80-77 سورة األعراف ،آية. 33 : سورة البقرة ،اآليات . 169-168 : مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 27 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني وجه االستدالل من هذه اآليات :ما قاله اإلمام ابن القيم -رمحه اهلل :-إذا نزلت باحلاكم أو املفت�ي النازل�ة ؛ فإما أن يكون عامل ًا باحلق فيها أو غالب ًا عىل ظنه بحيث قد اس�تفرغ وس�عه يف طلب�ه ومعرفت�ه أوالً ،فإن مل يكن عامل ًا باحلق فيها وال غلب عىل ظنه مل حيل له أن يفتي وال يقيض بام ال يعلم ،ومتى أقدم عىل ذلك فقد تعرض لعقوبة اهلل . طريق للوصول إىل العلم التام بالنازل�ة واحلكم باحلق فيها ،ويف عدمه والتكيي�ف الفقه�ي ٌ حكم بالظن وقول عىل اهلل بغري علم . ب -قوله تعاىل ﴿ :ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﴾ . وجه االس�تدالل هب�ذه اآلية :ما قاله اإلمام أبو بكر اجلص�اص -رمحه اهلل ـ : -وقد اقتىض ذلك هني اإلنسان عىل أن يقول يف أحكام اهلل ما ال علم له به عىل جهة الظن واحلسبان . التصور الناقص أو اخلاطئ للوقائع املس�تجدة التي تتطلب حك ًام رشعي ًا خاص ًا ومن ذلك ّ هبا ،فالتفريط يف هذا النظر من األحكام ٌ داخل يف عموم النهي عن القول يف أحكام اهلل بغري علم تصور صحيح . أو دراية أو ّ ج -قوله تعاىل ﴿ :ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ . وجه االستدالل من هذه اآلية :ما قاله اإلمام ابن عبد الرب -رمحه اهلل :-وهذا متثيل اليشء بعدله ومثله وشبهه ونظريه . فإذا كان اهلل عز وجل قد أمرنا باالجتهاد يف بحث املثل واملش�اهبة يف جزاء الصيد دل ذلك إعالم املوقعني . 132/4 سورة اإلرساء ،آية . 36 : أحكام القرآن . 265/3 سورة املائدة ،آية . 95 : جامع بيان العلم وفضله . 869/2 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 28 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه على اعتب�اره يف مجيع الصور االجتهادية ومنها النظر يف أح�كام النوازل املعارصة ،ويؤيد قاعدة اعتب�ار املثيل بمثيله يف احلكم واالس�تنباط ؛ ما ج�اء يف كتاب عمر بن اخلطاب ريض اهلل عنه إىل أيب موسى األشعري ريض اهلل عنه حيث قال … :ثم قايس األمور عند ذلك واعرف األمثال ثم اعمد فيام ترى إىل أحبها إىل اهلل وأشبهها باحلق ،فالتكييف الفقهي نوع من االجتهاد يف حترير الوقائع إىل ما يشبهها ويامثلها من األدلة واملسائل . واألدلة من الكتاب والس�نة وأقوال الصحابة رضوان اهلل عليهم مس�تفيضة يف هذا الباب نكتفي فيها بام ذكرناه من شواهد .واهلل تعاىل أعلم . ثاني ًا :الدليل العقيل عىل اعتبار التكييف الفقهي : يمكن أن نستدل عىل اعتبار التكييف الفقهي بالقاعدة الشائعة االستعامل : تصوره ، احلكم عىل الش�ـيء فرع عن تصوره وقـد يعرب عنها :باحلكم باليشء فرع ّ تصوره حمال . كام يعرب عنها :باحلكم عىل اليشء بدون ّ وهذه القاعدة وإن ش�اع اس�تعامهلا يف كالم الفقهاء واألصوليني إال أن مباحثها املستقلة هبا ال تكـ�اد تذك�ر ضمـن كتب القواعـد الفقهية واألصولية وق�د توجد أحيان ًا يف مقدمات بعض كتب علم املنطق. إعالم املوقعني . 68/1 انظر :رشح الكوكب املنري 50/1؛ حتفة املحتاج مع حوايش الرشواين وابن القاسم ،430/1دار الكتب العلمية ،الطبعة األوىل 1416هـ ؛ رشح العالمة األخرضي عىل سلمه النورق ص . 25 انظر :التقرير والتحبري . 18/3 انظر :التقرير والتحبري . 82/2 انظ�ر :املطل�ع رشح إيس�اغوجي أليب زكريا األنص�اري ص 6مطبعة بوالق 1283ه�ـ ؛ حترير القواعد املنطقية للرازي مع رشح الرس�الة الشمس�ية للكاتبي ص 27 -5؛ رشح العالمة األخرضي عيل سلمه املنورق ص 24و. 25 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 29 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني وه�ذه القاع�دة من األدلة العقلية عىل اعتبار التكييف الفقهي للوقائع احلادثة ؛ ألن احلكم التصور الكامل لتلك الوقائع . عليها ال يكون إال بعد ّ وه�ذا األم�ر متبادر عند مجيع العقالء فض ً ال عند العلماء يف أن احلكم عىل اليشء بالنفي أو ٍ ومعرفة حلقيقة هذا اليشء . تصو ٍر اإلثبات ال يكون إال بعد ّ فاحلاج�ة إىل اعتبار التكييف الفقهي وإثباته ال تس�تدعي املزيد م�ن األدلة واإلثباتات ألنه أم�ر ظاه�ر األمهية للمجته�د والناظر ،وهو من الوس�ائل األكيدة التي حتق�ق مقاصد االجتهاد وثمرته والوسائل تأخذ أحكام الغايات واملقاصد يف األمهية واالعتبار . مم�ا س�بق عرضه من أدل�ة جمملة موجزة عىل اعتب�ار التكييف الفقهي كان�ت من أجل متييز هذه املرحلة املهمة من النظر ،وتس�ليط الض�وء عليها وتأكيد االهتامم هبا عند البحث يف أحكام النوازل املعارصة. *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 30 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه املطلب الثالث ضوابط التكييف الفقهي للنوازل متهـــيد : ٍ ب�دور عظيم يف نرش س�نة النب�ي ﷺ وتبلي�غ العلم ال�ذي ورثوه ق�ام أصح�اب النب�ي ﷺ من�ه ﷺ فج�رى أمر الناس عىل السلامة والس�داد لعقود م�ن الزمن ،ولكن مع مرور الس�نني وتتابع األجيال واتس�اع رقعة اإلسلام برز يف كل إقليم من أقاليم املسلمني علامء ومفتون أخذ الناس عنهم األحكام وس�ألوهم عام يس�تجد يف حياهتم من وقائع ومش�كالت ،فأصبح هلؤالء األئم�ة ما يتامي�زون به من طرق يف فهم النصوص ومس�الك يف االجتهاد عند حدوث املس�ائل والواقعات. ف�كان أه�ل املدين�ة يتبعون يف األكث�ر فتاوى ابن عم�ر ريض اهلل عنهام ،وأه�ل مكة فتاوى ابن عباس ريض اهلل عنهام ،وأهل الكوفة فتاوى ابن مسعود -ريض اهلل عنه -وعن هؤالء أخذت األمة مناهجها يف النظر واالجتهاد .واستمرت هذه املدارس الفقهية يف العطاء واالجتهاد حتى ب�رزت يف عه�د تابعي التابعني مدرس�تان فقهيت�ان :إحدامها يف العراق ،واألخ�رى يف احلجاز، وأصبح لكل مدرسة منهجها يف النظر الذي خيتلف عن األخرى يف بعض القواعد واألصول؛ مما نجم عن اختالف واقع يف كثري من املسائل الفقهية أدى إىل بعض التباين واالفرتاق بل والعداوة والبغضاء بني املسلمني ،حينها أرسل عبد الرمحن بن مهديرسالة إىل اإلمام الشافعي يطلب من�ه أن يضع كتاب ًا يف معاين القرآن وجامع ًا لقبول األخبار وبيان حجية اإلمجاع وبعض القواعد هو عبد الرمحن بن مهدي بن حسان أبو سعيد العنربي ،اإلمام الناقد سيد احلفاظ ،ولد سنة 135هـ ،كان إمام ًا يف الفقه واحلديث ،وقدوة يف العلم والعمل ،تويف رمحه اهلل يف البرصة س�نة 198هـ .انظر ترمجته : سري أعالم النبالء ،192/9شذرات الذهب ،355/1هتذيب التهذيب . 247/6 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 31 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني التي جيتمع عليها الفقهاء ،فأجابه الشافعي لذلك ووضع كتاب الرسالة والذي هو أول مؤلف أصويل يق ّعد للفقيه الناظر طرق االجتهاد واستنباط األحكام . لقد استطاع اإلمام الشافعي أن حيقق تقارب ًا كبري ًا بني املدارس الفقهية وجيمع بني املجتهدين واملفتين -والذي�ن طامل�ا اختلف�وا وتفرقوا -حت�ت لواء القواع�د والتأصيل لطرق الس�تنباط والنظ�ر ؛ يش�هد لذلك اإلم�ام أمحد يف قوله :ما زلن�ا نلعن أصحاب ال�رأي ويلعنونا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا . كما يؤك�د احلافظ ابن حجر هذا املعنى يف نقله ع�ن أيب الوليد بن أيب اجلارود قوله :انتهت رياس�ة الفقه باملدينة إىل مالك بن أنس فرحل إليه -أي اإلمام الش�افعي -والزمه وأخذ عنه، وانتهت رياس�ة الفقه بالعراق إىل أيب حنيفة ،فأخذ عن صاحبه حممد بن احلس�ن مج ً ال ليس فيها فترصف يف ذلك، يشء إال وق�د س�معه علي�ه ،فاجتمع له علم أه�ل الرأي وعلم أهل احلدي�ث َّ حتى أصل األصول وق ّعد القواعد ،وأذعن له املوافق واملخالف . فالتأصي�ل املنهج�ي للنظ�ر واالس�تنباط والتقعيد للفق�ه كان له دور كبير يف التقارب بني املذاهب وردم هوة االختالف بني العلامء إىل حدّ كبري .وهذا ما نحتاجه اليوم يف فقهنا املعارص وباألخ�ص يف موض�وع التكيي�ف الفقهي الذي يامرس�ه الفقه�اء املعارصون عن�د االجتهاد يف املستجدات احلادثة دون أن يكون هناك منهج واضح أو تأصيل تقعيدي هلذه املرحلة املهمة من االجته�اد والتي أرى أن ضبطها ق�د خيفف إىل حد كبري اخلالف الناجم من احلكم عىل كثري من املستجدات والنوازل احلادثة . وهل�ذا أحببت أن أقدم حماول�ة متواضعة لضبط هذه املرحلة من االجتهاد وس�عي ًا لوصول انظر :الرسالة للشافعي . 11/1 ترتيب املدارك للقايض عياض . 95/1 توايل التأسيس البن حجر ص ً 53 نقال من كتاب الشافعي فقيه السنة األكرب للدقر ص . 113 ،112 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 32 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه املجتهدين إىل أدق النتائج وأصوهبا وحتقيق ًا لس�عة الرشيعة وصالحيتها لكل زمان ومكان ويف مجيع األحوال والظروف . * من هذه الضوابط التي ينبغي مراعاهتا عند القيام بالتكييف الفقهي : ٍ -1أن يكون التكييف الفقهي مبني ًا عىل ٍ معترب ألصول الترشيع. نظر صحيحٍ عندم�ا تن�زل الواقعة اجلديدة باملجتهد ليحكم فيها فعليه أن يك ّيف النازلة بأقرب األصول الشبيهة هلا لتأخذ بعد ذلك حكم ذلك األصل ،وهذا ال إشكال فيه ولك َّن اإلشكال يقع عندما ُصور الواقعة وتك َّيف عىل أساس يكون التكييف إىل غري أصل معترب ينسب اإلحلاق إليه ،كأن ت َّ اهلوى والتشهي فيصبح احلرام حالالً واحلالل حرام ًا بنا ًء عىل أهواء الناظر أو املجتهد فيام يريده أن ُيلحق هبا من أصوله ،وكذلك أن ُيبنى التكييف عىل األوهام أو التخيالت أو األمور العارضة أو الظنون الفاسدة وهذه كلها األصل فيها العدم يف االعتبار الرشعي . يقـ�ول اإلم�ام اب�ن عبد البر -رمح�ه اهلل ... : -إن االجتهاد ال يك�ون إال عىل أصول يضاف إليها التحليل والتحريم ،وأنه ال جيتهد إال عامل هبا ،ومن أشكل عليه يشء لزمه الوقوف ومل جي�ز ل�ه أن حيي�ل عىل اهلل ق�والً يف دينه ال نظري له م�ن أصل وال هو يف معن�ى أصل ،وهذا ال خالف فيه بني أئمة األمصار قدي ًام وحديث ًا فتدبره . وجي�در التنبي�ه هنا أيض ًا ؛ أنه لي�س من البناء املعترب ما يزعمه بعض املحدثني من االس�تناد إىل ما يس�مونه ( بروح الرشيعة ) من أجل أن يلحقوا ما ش�اؤوا من وقائع بام ش�اؤوا من أصول وافقت مقصد الشارع أو مل توافقه . هو يوسف بن عبد الرب النمري القرطبي املالكي ،إمام حافظ من علامء األندلس ،وكبار حمدثيها له مصنفات عظيمة مثل :التمهيد يف رشح املوطأ ،واالس�تذكار ،والكايف يف الفقه وغريها ،تويف س�نة 463هـ .انظر ترمجته :سري أعالم النبالء ،157/18شذرات الذهب . 314/3 جامع بيان العلم وفضله . 848/2 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 33 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني وق�د ناقش األس�تاذ امل�ودودي -رمح�ه اهلل . -بعض هؤالء املتأثري�ن بالثقافة الغربية، حيث يس�تندون إىل حرية الرأي ويطلقون العنان لفكرهم الغريب فيفرسون النصوص الرشعية وحيكم�ون يف دالالهتا عىل ذلك األس�اس ؛ من غري علم أو معرف�ة باللغة أو الرشع مرددين أن ذلك من روح الرشيعة . قسم األستاذ املودودي األمر إىل قسمني : وقد َّ األول :ما نس�ميه روح الرشيعة احلقيقي وروح الفقه التي ورثناها عن فقهاء السلف فهذه جدي�رة بالعناي�ة ،ولعل�ه يقصد ما اس�تندت إىل أصل معترب م�ن كتاب أو س�نة أو إمجاع أو فهم للسلف ،وهو كام قال – رمحه اهلل . - الثاين :روح غريبة عن اإلسلام يؤتى هبا من خارجه وتفرس النصوص الرشعية عىل ذلك األساس الغريب ،فهذه تُر ُّد وتستقبح ألهنا مؤدية إىل نزع الربقة من طاعة اهلل ورسوله ﷺ . فعلى ه�ذا جي�ب عىل املجتهد وهو يكي�ف ما ينزل به م�ن وقائع أن يبنيها على أصل معترب يف الشرع س�وا ًء كان أص ً ال أو قاعدة مذهبيه أو مس�ألة مق�ررة ،مالحظ ًا فيه�ا مقاصد الرشيعة وأصوهل�ا الكلي�ة بحي�ث يكرر النظ�ر يف صحة إحلاقه هل�ذا األصل أو تلك املس�ألة من أجل أن تتوافق وتنسجم مع بقية األحكام والقواعد الرشعية . ه�و أب�و األعلى امل�ودودي ،العالمة الداعية ،أص�در العديد من املجالت اإلسلامية ،وكت�ب الكثري من املق�االت الت�ي تدعو إىل اإلسلام الش�امل ال�ذي يعالج كاف�ة مناحي احلي�اة ،ألف العديد م�ن الكتب اإلسلامية الت�ي ترمجت إىل الكثري م�ن اللغات منها :مبادئ اإلسلام ،اإلسلام ومواجهة التحديات املعارصة ،تدوين الدس�تور اإلسلامي ،وغريها كثري .انظر ترمجته :تتمة األعالم للزركيل تأليف حممد خري رمضان يوسف . 73/1 انظ�ر الثب�ات والش�مول ص 267؛ انظ�ر كذلك م�ا كتبه فهمي هوي�دي يف كتابه تزيي�ف الوعي ص 76 و 140-137يف رده عىل بعض رموز العلامنية يف تفسريهم النصوص بنا ًء عىل روح الرشيعة كام زعموا. انظر :مفاهيم إسالمية حول الدين والدولة ص . 176 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 34 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه التصور الصحيح والكامل . -2بذل الوسع يف تصور الواقعة ّ تصوره، وه�ذا الضابط مهم للناظ�ر واملفتي والقايض ،ذلك أن احلكم عىل اليشء فرع عن ّ يتصور النازلة عىل وكم ُأيت الباحث أو العامل من جهة جهله بحقيقة األمر الذي ينظر فيه ،أو أن ّ ٍ حال معني والواقع بخالفه . التص�ور الصحيح الكام�ل ومعرفة مجيع وتصورها وم�ن هن�ا كان الب�د من تفهم املس�ألة ّ ّ أبعادها وظروفها وأصوهلا وفروعها وما يتعلق بواقعها مما له تأثري عىل احلكم فيها . وق�د نب�ه الق�ايض أبو بك�ر الباقالين -رمح�ه اهلل -عىل بع�ض هذه الثغ�رات يف النظر يف التص�ور والنظر ،فقال -رمحه اهلل : -اعلموا أن اخلطأ الوقائ�ع والتي مرجعها يعود إىل نقص يف ّ يدخل عىل الناظر من وجهني : أحدمها :أن ينظر يف شبهة ليست بدليل فال يصل إىل العلم . واآلخر :أن ينظر نظر ًا فاسد ًا ،وفساد النظر يكون بوجوه -: منها :أن ال يستوفيه ،وال يستكمله وإن كان نظر ًا يف دليل . ومنه�ا :أن يع�دل عن الرتتيب الصحيح يف نظره ،ف ُيق�دِّ م ما حقه أن يؤخره ،ويؤخر ما من حقه أن ُيقدِّ مه .... التصور الناقص أو اخلاطئ من رضر وخمالفة. ويرضب د .القرضاوي مثاالً عىل ما ينتج عنه ّ فيق�ول :مث�ال ذلك ما نرشته بعض الصحف عىل لس�ان أحد العلامء :أن لبس ( الباروكة ) أمر هو حممد بن الطيب بن حممد بن جعفر املعروف بالباقالين ،ولد بالبرصة وسكن بغداد من علامء الشاعرة، ومن فقهاء املالكية له مصنفات كثرية منها التقريب واإلرش�اد ،تويف سنة 403هـ .انظر ترمجته :وفيات األعيان ،269/4شذرات الذهب ،169/3الديباج املذهب ص . 363 التقريب واإلرشاد ( الصغري ) . 219/1 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 35 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ٍ غط�اء للرأس فهي مشروع وال غب�ار علي�ه من الناحي�ة الرشعية ،بدعوى أهنا ليس�ت أكثر من ليس�ت داخلة يف الوصل الذي لعن النبي ﷺ من فعله ،وإنام هي بمثابة من وضع عىل رأس�ه قلنس�وة أو عامم�ة أو مخ�ار ًا ،أو نحو ذل�ك ،وتفريع ًا عىل ذلك جيوز للم�رأة أن خترج هبا دون أن تغطي رأسها بيشء ألهنا هي نفسها غطاء !!. وهذا لألسف فهم أعوج حلقيقة موضوع االستفتاء وهو ( الباروكة ) فإن اعتبارها غطا ًء و قره الرشع وال العقل وال الفطرة وال العرف وال اللغة . ... أمر ال ُي ّ مخار ًا للرأس ٌ وم�ن أمثل�ة التصور الناقص أيض ًا ما وقع لبعض املعارصي�ن من عدم معرفة حقيقة النقود الورقي�ة املعارصة حي�ث أفتى بأنه ال زكاة فيها ،أو أن الربا ال جيري فيها اعتامد ًا عىل أهنا ليس�ت ذهب� ًا أو فضة ،وكام وق�ع البعض يف إخراج الفوائد املرصفية التي تعطيه�ا البنوك التقليدية بأهنا ليست من الربا . ومم�ا يدخ�ل يف التَّص�ور الكامل والت�ام للنازلة املس�تجدة ؛ الرجوع والتثبت واالس�تزادة م�ن أه�ل االختصاص العلم�ي ،وهذا فيام ل�و كانت النازلة هل�ا عالقة ببعض العل�وم الطبيعية أو التجريبي�ة وعنده�ا ال بد م�ن معرفة مصطلحات ه�ذه العلوم مما له عالق�ة بموضوع بحث النازلة. وحيس�ن من الناظر الرجوع أيض ًا إىل مبادئ تلك العلوم ومعرفة أساس�اهتا التي تعينه عىل النظر الصحيح يف النازلة ال سيام النوازل االقتصادية وغريها من العلوم احلديثة . احلدي�ث رواه أب�و هري�رة ريض اهلل عن�ه وأخرجه البخ�اري يف صحيحه كتاب اللب�اس ،باب الوصل يف الش�عر رقـم�ه ( .)5934وأخرجه مس�لم عن أسماء بنت أيب بكر ،كت�اب اللباس والزين�ة ،باب حتريم الواصلة واملستوصلة والواشمة واملستوشمة رقمه ( . 1676/3 ) 2122 الفتوى بني االنضباط والتسيب .ص . 73-72 انظر لالستزادة :الفقيه واملتفقه ،390/2املوافقات ،323/5األحكام يف متييز الفتاوى من األحكام ص . 236املفتي يف الرشيعة اإلسالمية للربيعة ص . 31 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 36 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه -3حتصيل املجتهد امللكة الفقهية يف استحضار املسائل وإحلاقها باألصول: ذك�ر األصولي�ون أن م�ن رشوط االجته�اد أمهية تضل�ع املجته�د بعلوم الكتاب والس�نة واختلاف العلامء واتفاقه�م ومعرفة علوم اللغة وعلم أصول الفق�ه ومقاصد الرشيعة وغريها من الرشوط املندرجة ضمن ما ذكر من علوم رشعية . ويف ه�ذه الشروط الكفاي�ة يف بلوغ املجتهد املنزل�ة التي تؤهله للنظ�ر يف األحكام ،إال أن ق�رب احلكم فيها للفقيه ؛ نحت�اج فيها أيض ًا الن�وازل املع�ارصة والتي حتت�اج إىل تكييف فقهي ُي ِّ إىل التأكيد عىل أن يتحصل املجتهد عىل ملكة فقهية يس�تطيع هبا اس�تحضار املس�ائل من مظاهنا وإحلاقها باألصول املعتربة هبا . وليس التكييف باألمر اهلني بل هو من شأن النظار من أهل االجتهاد ويف ذلك يقول اإلمام الس�يوطي -رمحه اهلل : -قال الغزايل يف كتابه ( حقيقة القولني ) :وضع الصور للمس�ائل ليس بأمر هني يف نفسه ،بل الذكي ربام قدر عىل الفتوى يف كل مسألة إذا ذكرت له صورهتا ولو كل�ف وض�ع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات واحلوادث يف كل واقعة عجز عنه ومل ختطر بقلبه تلك الصور أص ً ال وإنام ذلك شأن املجتهدين . انظ�ر :املس�تصفى ،350/2هناي�ة الس�ول ،548/4املحصول ،497/2اإلح�كام لآلمدي ،170/4 املوافقات .. 257-253/5 ه�و جلال الدي�ن عبد الرمح�ن بن أيب بكر بن حممد الس�يوطي ،إم�ام حافظ ومؤرخ أدي�ب له نحو 600 وحصل علوم ًا كثرية ،وله مصنفات عجيبة منها األشباه والنظائر ،واإلتقان مصنف ،نشأ يف القاهرة يتي ًام، ّ يف علوم القرآن وغريها ،تويف س�نة 911هـ .انظر ترمجته :ش�ذرات الذهب ،51/8األعالم ،301/3 معجم املؤلفني . 128/5 هو حممد بن حممد بن حممد أبو حامد الغزايل ،فقيه شافعي أصويل متكلم ولد سنة 450هـ رحل إىل بغداد واحلجاز والشام فمرص ثم عاد إىل طوس .له مصنفات يف الفقه واألصول والسلوك مل يؤلف مثلها ،تويف رمحه اهلل سنة 505هـ .انظر ترمجته :طبقات الشافعية لإلسنوي ،111/2وفيات األعيان . 216/4 الرد إىل من أخلد إىل األرض ص . 181 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 37 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني وي�راد بامللك�ة هنا :كيفية للنفس هبا يتمكن من معرفة مجيع املس�ائل يس�تحرض هبا ما كان خمزن ًا منها ويستحس�ن ما كان جمهوالً .وهو ما عناه بعض األصوليني يف ذكر صفات معلوم ًا َّ جمته�دي الرتجيح ؛ بقوهل�م :البد أن يكون فقيه النفس حافظ ًا ملذهب إمامه ،عارف ًا بأدلته ،قائ ًام ويمهد ويزي�ف ويرجح لكنه قرص عن مرتب�ة جمتهدي التخريج يص�ور وحيرر ويقرر بتقريره�ا ّ ّ لقصوره عنهم يف حفظ املذهب و االرتياض يف االستنباط ومعرفة األصول ونحوها . ولع�ل التصوي�ر والتحري�ر وتقرير املس�ائل جزء من عملي�ة التكييف التي يق�وم هبا جمتهد الرتجيح إال أنه َقصرُ َ عن جمتهد التخريج يف قوه حفظ املذهب وجودة االس�تنباط واس�تحضار النظري واملثيل يف املس�ائل املشاهبة أو األصول القريبة املعتربة ؛ وهذه الصفات مهمة يف استكامل الفقيه األهلية الكاملة للقيام بعملية التكييف . ولذل�ك كان حتصي�ل املجتهد للملك�ة الفقهية التي تعينه يف اس�تحضار املس�ائل وإحلاقها ٌ ضابط مهم ينبغي للفقيه النوازيل الذي ينظر يف املستجدات بأصوهلا وعدم خلط بعضها ببعض ؛ املعارصة أن يراعيه ويسعى جاهد ًا لتحصيله . وقد ذكر العلامء أن هذه امللكة إنام تتأتى بأحد أمرين : األول :هب�ة يم� ُّن اهلل ع�ز وجل هبا عىل من يش�اء من عباده ،وهذه ال حيل�ة للعبد هبا ،وقد رزقها كثري من األئمة الن ّظار حلسن قصدهم يف طلب العلم وإخالصهم هلل عز وجل فيه .يقول إبراهيم التيمي -رمحـه اهلل : -من طلب العلم هلل أتاه منه ما يكفيه . أبجد العلوم للقنوجي . 53/1 أدب املفتي واملستفتي ص 98؛ املجموع للنوي 73/1؛ الرد عىل من أخلد إىل األرض ص . 115 ه�و إبراهي�م بن يزيد التيمي ،كان ش�اب ًا صاحل ًا قانت ًا هلل عامل ًا فقيه ًا كبري الق�در واعظ ًا .حديثه يف الدواوين الستة وحدث عن احلارث بن سويد وأنس بن مالك .كان يقول « :ما عرضت قويل عىل عميل إال خفت أن أك�ون كاذب� ًا » قتل�ه احلجاج عام 92هـ .انظر ترمجته :سير أعالم النبالء ،60/5ش�ذرات الذهب ،100/1هتذيب التهذيب . 159/1 جامع بيان العلم وفضله . 644/1 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 38 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه ويق�ول اإلم�ام ابن القي�م -رمح�ه اهلل : -ينبغي للمفت�ي املوفق إذا نزلت به املس�ألة أن ينبعث من قلبه االفتقار احلقيقي احلايل ال العلمي املجرد إىل ملهم الصواب ومعلم اخلري وهادي القل�وب أن يلهم�ه الص�واب ويفتح له طريق الس�داد ...فمت�ى قرع هذا الب�اب فقد قرع باب التوفي�ق ...ف�إن العلم نور اهلل يقذفه يف قلب عبده واهلوى واملعصي�ة رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد . الث�اين :بالدُّ رب�ة وامل�ران :ويكون ذل�ك بالتدري�ب والتمرين عىل عملي�ة التخريج وطرق االستنباط وكثرة النظر يف الكتب املؤلفة . مهدت كت�ايب هذا طري�ق التخريج لكل ويف ه�ذا يق�ول اإلس�نوي -رمح�ه اهلل : -وقد ّ ذي مذه�ب وفتح�ت به ب�اب التفريع لكل ذي مطلب ،فليس�تحرض أرب�اب املذاهب قواعدها األصولية وتفاريعها ثم تس�لك ما س�لكته ،فيحصل به إن ش�اء اهلل تع�اىل جلميعهم التمرن عىل حترير األدلة وهتذيبها . هو أبو عبد اهلل ش�مس الدين حممد بن أيب بكر الزرعي الدمش�قي ،ولد س�نة 691هـ ،فقيه أصويل مفرس وحم�دث ،الزم اب�ن تيمية وأخذ عنه ،له مصنفات مش�هورة وعظيمة ،تويف رمحه اهلل س�نة 752هـ .انظر ترمجته :الدرر الكامنة ،400/3خمترص طبقات احلنابلة ص ،68معجم املؤلفني . 106/9 إعالم املوقعني . 132/4 هو حممد بن احلسن بن عيل اإلسنوي ،من علامء الشافعية ولد بإسنا وتفقه هبا ،ورحل إىل القاهرة والشام له مصنفات عظيمة يف الفقه الشافعي واألصول ،تويف رمحه اهلل سنة 764هـ . انظر ترمجته :الدرر الكامنة ،421/3شذرات الذهب ،202/6األعالم . 87/6 التمهي�د يف ختري�ج الف�روع عىل األص�ول ص . 47انظر :تاري�خ الفقه اإلسلامي ص 226وما بعدها لألشقر ؛ ختريج الفروع عىل األصول لشوشان 84/1؛ منهج البحث يف الفقه اإلسالمي د .أبو سليامن ص 26و . 249 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 39 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني ويق�ول ا إلمام الزركشي -رمحه اهلل -كذلك :ليس يكفي يف حصول امللكة عىل اليشء تعرف�ه ،بل الب�د من االرتياض يف مبارشته ،فذلك إنام تصري للفقيه ملكة االحتجاج واس�تنباط املسائل أن يرتاض يف أقوال العلامء وما أتوا به يف كتبهم. وألمهي�ة ه�ذه امللكة لدى الناظ�ر يف النوازل جعله�ا بعضهم رشط ًا م�ن رشوط االجتهاد وصف�ة الب�د منها يف املجتهد ولذا قالوا يف تعريفه -كاإلس�نوي والزركشي وابن أمري احلاج وغريه�م -رمحه�م اهلل : -وهو -أي املجتهد -بالغ عاقل مس�لم ذو ملكة يقتدر هبا اس�تنتاج األحكام من مآخذها . فامللكة الفقهية للناظر يف النوازل صفة تتأكد يف حقه وال يستغنى عنها خصوص ًا يف املسائل العويص�ة واخلفية والتي هي طابع أكثر املس�تجدات املعارصة من الفتاوى والواقعات ،ولذلك ال يكف�ي أن يك�ون حافظ ًا لألدلة ملماّ ً بأصول مذهبه وفروعه ما مل يكن قادر ًا عىل اس�تحضارها ومتفطن ًا ملرادها ومعناها الذي تقوم عليه . وم�ا أروع م�ا ذكره اإلم�ام اجلويني -رمحه اهلل -يف تأكيده على أمهيه امللكة يف التصوير هو حممد بن هبادر الزركيش الش�افعي ،عرف بالفقه واألصول واحلديث والدب وعلوم القرآن ،له رحلة عظيم�ة يف طل�ب العل�م ،وله العديد م�ن املصنفات العظيم�ة يف العلوم كلها ،تويف س�نة 794هـ .انظر ترمجته :الدرر الكامنة ،397/3شذرات الذهب ،335/6معجم املؤلفني . 121/9 البحر املحيط . 228/6 هو أبو الفتح موسى بن حممد التربيزي ،املعروف بابن أمري احلاج ،فقيه حنفي ،ولد سنة 669هـ ،رحل إىل دمشق والقاهرة ،وتويف يف طريقه إىل مسجد النبي ﷺ عائد ًا من احلج سنة 733هـ . انظر ترمجته :األعالم ،328/7الدرر الكامنة ،145/5الفوائد البهية ص . 354 انظر :هناية السول 527/4؛ البحر املحيط 199/6؛ التقرير والتحبري . 291/3 ه�و إم�ام احلرمني أب�و املعايل عبد امللك بن عبد اهلل اجلويني ،نش�أ يف بيت علم ودي�ن وتفقه عىل يد والده وكان إمام ًا يف العلم والورع والزهد له مصنفات عظيمة ،تويف س�نة 478هـ .انظر ترمجته :سير أعالم النبالء ،468/18طبقات الشافعية الكربى ،165/5شذرات الذهب . 358/3 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 40 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه والتحرير للمس�ائل .حيث قال :ال يس�تقل بنقل مس�ائل الفقه من يعتمد احلفظ ،وال يرجع إىل َك َي ٍ �س وفطنة وفقه طبع ،فإن تصوير مس�ائلها أوالً ،وإي�راد صورها عىل وجوهها ال يقوم به إال فقيه .ثم نقل املذاهب بعد استتامم التصوير ال يتأتى إال من مرموق يف الفقه خبري ،فال ينزل نقل مس�ائل الفقه منزلة نق�ل األخبار واألقاصيص واآلثار ،وإن فرض النق�ل يف اجلليات من واثق بحفظه موثوق يف أمانته مل يمكن فرض نقل اخلفيات من غري استقالل بالدراية. وجي�در يف ه�ذا املقام التنبي�ه ملا يفعله بع�ض املجتهدين من التكل�ف يف تكييف بعض النوازل اجلديدة وإحلاقها بام يرونه ش�به ًا هلا من مس�ائل الفقه املقررة مع وجود الفرق بينهام ول�و بحثت هذه النازلة املس�تجدة اس�تقالالً من خلال طرق االجتهاد املق�ررة لكان أوىل وأح�رى باالعتب�ار ،واب�ن القيم –رمحه اهلل – ق�د جاء عنه ما يؤكد ذل�ك األمر ملا ذكر بعض صور الرهان يف كتابه الفروسية وعرض تكييفات أهل العلم هلذا العقد وبينّ الفروق بينهام ث�م ق�ال :والصواب أن هذا العقد عقد مس�تقل بنفس�ه ل�ه أحكام يتميز هبا عن س�ائر هذه العقود فال تؤخذ أحكامه منها . ه�ذه بع�ض الضواب�ط التي ينبغ�ي للناظر مراعاهت�ا أثناء تكييف�ه للنوازل املع�ارصة ،وقد أوج�زت وأمجل�ت يف ذكرها تنبيه ًا للرج�وع إىل الضواب�ط العامة للنظر واالجته�اد يف النوازل والت�ي ضمنه�ا األصوليون يف كتبه�م ،إذ التكييف فرع من النظر ،واالجته�اد يرجع إىل أصوله وضوابطه -واهلل تعاىل أعلم . - الغياثي ص . 187 الفروسية :ص . 81 مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 41 د .مسفر بن علي بن حممد القحطاني خامتــــة وبعد هذا االس�تعراض الرسيع لصفحات البحث املوجز أو ّد التنبيه عىل أهم النتائج التي وردت ضمنه ،وهي -: -1أن التكييف الفقهي للنوازل املعارصة وباألخص يف جمال الدراسات االقتصادية مرحلة مهمة من النظر ال يستغني عنها املجتهد من أجل فهم النازلة الفهم السليم للوصول إىل حكمها التص�ور الكامل للواقعة وحترير األصل الصحي�ح .والتعري�ف املختار للتكييف الفقهي هو « : ّ التصور أو التصوير ،أو التوصيف للنازلة، الذي تنتمي إليه » .وقد يرادف مصطلح التكييف : ّ وكذلك التخريج ،وحتقيق املناط . -2هن�اك أس�باب عدي�دة أدت إىل اعتب�ار الفقه�اء املعارصي�ن التكيي�ف كخط�وة أوىل نح�و الوص�ول للحك�م وذل�ك اس�تجابة لألدل�ة الرشعي�ة املؤك�دة للتكيي�ف كقول�ه تعاىل : ﴿ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ ،وقول�ه تع�اىل ﴿ :ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﴾ ،وقول�ه تعاىل : ﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ وغريه�ا م�ن النصوص .كذلك اكتس�ب التكييف أمهية الندراجه ضمن القاعدة املتفق عليها :احلكم عىل اليشء فرع عن التصور . -3من أهم الضوابط التي ينبغي مراعاهتا عند القيام بالتكييف الفقهي : -1أن يكون التكييف الفقهي مبني ًا عىل نظر معترب ألصول الترشيع . تصور الواقعة التصور الصحيح الكامل . -2بذل الوسع يف ّ -3حتصيل املجتهد امللكة الفقهية يف استحضار املسائل وإحلاقها باألصول . هذا واهلل تعاىل أعلم ،وصىل اهلل وسلم عىل حممد وآله وصحبه أمجعني . *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول 42 التكييف الفقهي لألعمال املصرفية :مفهومه ،وأهميته ،وضوابطه أهم املراجــع « منه�ج اس�تنباط أح�كام الن�وازل الفقهية املعارصة ،دراس�ة تأصيلي�ة تطبيقية » نشر دار األندلساخلرضاء بجدة . الفتوى بني االنضباط والتسيب . جامع بيان العلم وفضله ،البن عبد الرب . ضوابط الدراسات الفقهية ،للعودة. املوسوعة الفقهية الكويتية . س�بل االس�تفادة من الن�وازل والفتاوى ،بحث للدكتور حممد األش�قر ،من بح�وث الدورة احلاديةعرشة للمجمع الفقهي التابع ملنظمة املؤمتر اإلسالمي. إعالم املوقعني عن رب العاملني ،البن القيم . رشح النيل وشفاء العليل ،ملحمد بن يوسف أطفيش . معجم املصطلحات القانونية ،ألمحد زكي بدوي . املعجم القانوين رباعي اللغة ،للدكتور عبد الفتاح مراد . القواعد املثىل يف صفات اهلل وصفاته احلسنى ،للشيخ حممد بن صالح العثيمني. التنبيهات السنية عىل العقيدة الواسطية البن تيمية ،للشيخ عبد العزيز الرشيد. رشح العقيدة الواسطية البن تيمية ،للشيخ صالح الفوزان . املبني يف رشح معاين ألفاظ احلكامء واملتكلمني لآلمدي . املنهج األصويل يف فقه اخلطاب ،للدكتور إدريس محادي . االجتهاد يف حتقيق املناط وأنواعه وضوابطه ،بحث للدكتور رمضان مجعة ،جملة املسلم املعارص. االقتصاد اإلسالمي والقضايا الفقهية للسالوس . -الرد إىل من أخلد إىل األرض ،لإلمام السيوطي . *** مؤمتر املصارف اإلسالمية بني الواقع واملمول
© Copyright 2026 Paperzz