تحميل الملف المرفق

‫فقه االستشارة‬
‫فقه االستشارة‬
‫تقدمي‬
‫إن احلمد هلل‪ ،‬حنمده ونستعينه‪ ،‬ونستغفره ونتوب إليه‪ ،‬ونعوذ ابهلل من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا‪،‬‬
‫من يهده هللا فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هادي له‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأشهد‬
‫أن حممدا عبده ورسوله‪ ،‬صلى هللا عليه وعلى آله‪ ،‬وصحبه أمجعني‪.‬‬
‫َّ ِ‬
‫اَّللا اح َّق تُ اقاتِِه اوال اَتُوتُ َّن إَِّال اوأانْتُ ْم ُم ْسلِ ُمو ان)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪:‬‬
‫ين اآمنُوا اتَّ ُقوا َّ‬
‫( اَي أايُّ اها الذ ا‬
‫‪.] 102‬‬
‫َّ ِ‬
‫س وِ‬
‫ِ‬
‫اح ادةٍ او اخلا اق ِمْن اها ازْو اج اها اوبا َّ‬
‫ث ِمْن ُه اما ِر اجاالً اكثِرياً‬
‫َّاس اتَّ ُقوا اربَّ ُك ُم الذي اخلا اق ُك ْم م ْن نا ْف ٍ ا‬
‫( اَي أايُّ اها الن ُ‬
‫اَّللا اكا ان اعلاْي ُك ْم ارقِيباً)(‪ [ )‬سورة النس اء‪ ،‬اآلية‪.] 1 :‬‬
‫اَّللا الَّ ِذي تا اساءالُو ان بِِه او ْاْل ْار اح اام إِ َّن َّ‬
‫اونِ اساءً اواتَّ ُقوا َّ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫صلِ ْح لا ُك ْم أ ْاع امالا ُك ْم اويا ْغ ِف ْر لا ُك ْم ذُنُوبا ُك ْم اوام ْن يُ ِط ِع َّ‬
‫ين اآمنُوا اتَّ ُقوا َّ‬
‫اَّللا اوقُولُوا قا ْوالً اسديداً يُ ْ‬
‫اَّللا‬
‫( اَي أايُّ اها الذ ا‬
‫اوار ُسولاهُ فا اق ْد فا ااز فا ْوزاً اع ِظيماً)(‪ [ )‬سورة اْلحزاب‪ ،‬اآليتان‪.] 71 ،70 :‬‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫فمن خالل معايشيت للقرآن الكرمي‪ ،‬والوقوف مع آَيته‪ ،‬والتفكر مبا فيه من دروس ومعامل‪ ،‬وقفت أمام‬
‫موضوع تكرر ذكره يف القرآن الكرمي‪ ،‬أمرا وخربا وممارسة‪ ،‬وذلكم هو موضوع املشاورة والشورى‪.‬‬
‫وقد قمت حبصر املواضع اليت ورد فيها هذا األمر‪ ،‬مث أتملت فيها‪ ،‬ورجعت إىل كالم املفسرين‬
‫وغريهم‪ ،‬ومن مث رأيت أن املوضوع مناسب ْلن يفرد برسالة تكون زادا للدعاة وطالب العلم‪ ،‬وخباصة مع‬
‫احلاجة املاسة لذلك‪.‬‬
‫وهذا املوضوع يدخل حتته عدة موضوعات‪ ،‬وهي‪ :‬الشورى على مستوى الدولة‪ ،‬والتشاور بني الدعاة‬
‫وطالب العلم‪ ،‬واالستشارة من أفراد اجملتمع املسلم لعلمائهم وعقالئهم‪ ،‬يف أمورهم اخلاصة والعامة‪ ،‬وحيث‬
‫‪ - 1‬سورة آل عمران آية‪.102 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة النساء آية‪.1 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة األحزاب آية‪.71-70 :‬‬
‫‪1‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫إن موضوع الشورى املتعلقة ابلدولة املسلمة ‪-‬وهي اليت من واجبات اإلمام الشرعية‪ -‬قد حبثها العلماء قدميا‬
‫وحديثا‪ ،‬وفصلوا فيها مبا ال أرى أن احلاجة تدعو إىل تكراره وإعادته‪ ،‬وْلمهية موضوع التشاور بني الدعاة‬
‫وطالب العلم فيما يتعلق بقضاَي اْلمة وشئوهنا‪ ،‬أحببت أن يكون مدار هذا البحث حول هذا اجلانب‪،‬‬
‫دون أن يكون مقتصرا عليه‪ ،‬وإمنا سأتناول أصل موضوع الشورى‪ ،‬وأركز البحث حول أتصيله‪ ،‬وبيان‬
‫حدوده‪ ،‬ومعامله وآاثره‪.‬‬
‫وهذا سيكون دافعا للدعاة وطالب العلم ملمارسة الشورى ملا سيتضح ‪-‬مبشيئة هللا‪ -‬من مكانتها‬
‫وآاثرها‪ ،‬وسلبية الفردية وخطورهتا‪.‬‬
‫ونتيجة لذلك ‪-‬أيضا‪ -‬سيدرك الفرد أمهية الشورى ومثارها‪ ،‬مما يدعوه إىل مزاولتها يف أموره اخلاصة‬
‫والعامة‪ .‬وقد أمسيت هذا البحث‪( :‬فقه اإلستشارة)‪ .‬وجعلته يف عدة مباحث كما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أمهية املوضوع وأسباب البحث فيه‪.‬‬
‫‪ -2‬تعريف املشاورة‪.‬‬
‫‪ -3‬الشورى يف القرآن‪.‬‬
‫‪ -4‬وشاورهم يف األمر‪.‬‬
‫‪ -5‬وأمرهم شورى بينهم‪.‬‬
‫‪ -6‬أهداف االستشارة وآاثرها‪.‬‬
‫‪ -7‬أسباب الفردية وعدم االستشارة‪.‬‬
‫‪ -8‬أركان الشورى‪.‬‬
‫‪ -9‬معامل يف الشورى‪.‬‬
‫‪ -10‬اخلامتة‪.‬‬
‫ونظرا ْلن املوضوع من موضوعات فقه القرآن‪ ،‬فقد ربطته ربطا مباشرا ابلقرآن الكرمي‪ ،‬حيث‬
‫استخرجت أغلب فصوله ومباحثه منه‪ ،‬وعاجلت املوضوع يف ضوئه‪ ،‬مستدال ‪-‬أيضا‪ -‬مبا ورد يف السنة املبينة‬
‫‪2‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫للقرآن الكرمي والشارحة له‪ ،‬إضافة إىل فعل الصحابة الذين ن زل عليهم القرآن‪ ،‬وهم خري من فهمه وطبقه‪،‬‬
‫والتزم به قوال وعمال‪.‬‬
‫وأسأل هللا ‪-‬جل وعال‪ -‬أن جيعل هذا العمل خالصا لوجهه الكرمي‪ ،‬وأن ينفع به اإلسالم واملسلمني‪،‬‬
‫فما أحوجنا إىل االلتزام ابلكتاب والسنة‪ ،‬ومنهج سلف هذه اْلمة‪ ،‬حقيقة ال ادعاء‪ ،‬فلن يصلح آخر هذه‬
‫اْلمة إال مبا صلح به أوهلا‪،‬‬
‫وصلى هللا وسلم على نبينا حممد‪ ،‬وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫أمهية املوضوع‬
‫أمهية املوضوع وأسباب البحث فيه‪:‬‬
‫وقبل بيان أمهية املوضوع أبني أن إطار البحث هو يف مبدأ املشاورة من حيث املكانة واْلمهية واْلثر‪،‬‬
‫دون أن أدخل يف موضوع الشورى املتعلقة ابإلمام والدولة‪ .‬بل إن هدف البحث هو يف الشورى بني الدعاة‬
‫وطالب العلم‪ ،‬وضرورة التشاور فيما بينهم‪ ،‬يف أمورهم العامة واخلاصة‪.‬‬
‫وتربز أمهية هذا املوضوع من خالل ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬إن هللا ‪-‬سبحانه‪ -‬أمر نبيه صلى هللا عليه‬
‫وسلم أن يستشري أصحابه‪ ،‬وأثىن على املؤمنني‬
‫أبن أمرهم شورى بينهم‪ ،‬وجعل من شروط فطام الصيب أن يكون عن تراض وتشاور‪ ،‬وأن أيَتروا بينهم‬
‫مبعروف‪.‬‬
‫‪ -2‬ذكر هللا ‪-‬جل وعال‪ -‬يف القرآن الكرمي أن فرعون ‪-‬ومن هو يف جربوته وطغيانه؟‪ -‬قد مارس‬
‫الشورى يف أكرب قضية واجهته يف ملكه؛ وهي قضية موسى ‪-‬عليه السالم‪ -‬فاستشار قومه ماذا يفعل جتاه‬
‫ذلك؟ (فا اماذاا اأتْ ُم ُرو ان)(‪ [ )‬سورة اْلعراف‪ ،‬اآلية‪ ] 110 :‬وملكة سبأ استشارت قومها يف قضيتها مع‬
‫ِ‬
‫اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ‬
‫ون)(‪ [ )‬سورة النمل‪ ،‬اآلية‪ ] 32 :‬وعزيز مصر‬
‫سليمان ‪-‬عليه السالم‪ ( -‬اما ُكْن ُ‬
‫ا‬
‫ت قا ا ْ ا‬
‫ِ ِ‬
‫َيي)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪.] 43 :‬‬
‫أيخذ رأي قومه يف رؤَي رآها‪ ( .‬اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُوِن يف ُرْؤ ا‬
‫‪ -3‬نبّي هللا يف سورة يوسف ممارسة إخوة يوسف للشورى مرتني‪ ،‬عند حماولة التخلص من يوسف‪،‬‬
‫صوا اَِنيّاً)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪.] 80 :‬‬
‫وعند حدوث مشكلة السرقة ( اخلا ُ‬
‫‪ -4‬ممارسة الرسول صلى هللا عليه وسلم للشورى حَّت قال أبو هريرة رضي هللا عنه‬
‫(‪) ‬‬
‫رأيت أحدا أكثر مشورة ْلصحابه من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه "‬
‫‪ - 1‬سورة األعراف آية‪.110 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة يوسف آية‪.43 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة يوسف آية‪.80 :‬‬
‫‪ - 5‬رواه الترمذي "‪ ."1714‬وابن حبان "‪ ."2872‬ضعيف النقطاعه كما في فتح الباري (‪.)393 / 5‬‬
‫‪4‬‬
‫"‬
‫ما‬
‫فقه االستشارة‬
‫‪ -‬حرص الصحابة ‪-‬رضي هللا عنهم‪ -‬وخباصة اخللفاء اْلربعة على االستشارة فيما يعرض هلم‪.‬‬
‫‪ -6‬اآلاثر اإلجيابية للشورى‪ ،‬تكسبها أمهية خاصة‪ ،‬وخباصة إذا أدركنا اآلاثر السلبية الكبرية للفردية‬
‫وعدم التشاور‪.‬‬
‫‪ -7‬ما مرت به اْلمة من أحداث ومواقف ‪-‬وخباصة يف العصر احلاضر‪ -‬أوقعها فيها أفراد‬
‫ومجاعات‪ ،‬مل يقدروا خطورة ما صنعوا‪ ،‬وجسامة ما فعلوا‪ ،‬ومن أبرز أسباب ذلك‪ :‬انفرادهم ابلفعل دون‬
‫مشورة إلخواهنم‪ ،‬ودون حبث عن الرأي اْلصوب يف مثل هذه املواقف واْلحداث‪ ،‬وكأن اْلمر يعنيهم‬
‫وحدهم‪.‬‬
‫‪ -8‬إن بعض الناس يعمل العمل وحده‪ ،‬فإذا جاءت النتيجة على غري ما توقع‪ ،‬ووقع يف مشكلة ال‬
‫يدري أين املخرج منها‪ ،‬جاء ابحثا عن احلل مدعيا االستشارة‪ ،‬وهو يف احلقيقة ‪-‬كما قال أحد مشاخينا‪-‬‬
‫يستنجد ال يستشري‪ْ ،‬لن االستشارة جيب أن تكون قبل الفعل ال بعده (‪.)‬‬
‫وسلم قال‬
‫‪ -9‬لو استغىن أحد عن االستشارة واملشورة الستغىن عنها رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫شيخ اإلسالم ابن تيمية ‪-‬رمحه هللا‪ :-‬قيل‪ :‬إن هللا أمر ابملشاورة نبيه صلى هللا عليه وسلم فغريه أوىل‬
‫ابملشورة (‪ )2‬وصدق الشاعر‪:‬‬
‫(‪)‬‬
‫عقل الفىت ليس يغين عن مشاورة ‪‬‬
‫كحـدة السيف ال تغين عن البطل‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪ -10‬قال الشيخ عبد هللا بن محيد ‪-‬رمحه هللا‪ :-‬إن هللا ‪-‬تعاىل‪ -‬ذكرها يف سورة الشورى بني فرضني‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اه ْم‬
‫استا اجابُوا لِارّّبِِ ْم اوأاقا ُاموا َّ‬
‫الصالةا اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم اوممَّا ارازقْ نا ُ‬
‫ين ْ‬
‫الصالة والزكاة‪ .‬فقال‪ ( :‬اوالذ ا‬
‫يُْن ِف ُقو ان)(‪ [ )()‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪.] 38 :‬‬
‫‪ - 1‬وهذا هو مدلول قوله ‪-‬تعالى‪ " :-‬وشاورهم في األمر فإذا عزمت فتوكل على هللا "‪[ .‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪ .]159 :‬كما سيأتي ‪-‬إن شاء هللا‪.-‬‬
‫‪ - 2‬السياسة الشرعية ص‪.158‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ 431 / 2‬والبيت ألبي بكر المقري‪.‬‬
‫‪ - 4‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬مصنفة النظم اإلسالمية ص‪.246‬‬
‫‪5‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫ومفهوم كالم الشيخ أن هذا دليل على مكانة الشورى وأمهيتها‪ .‬ومن خالل ما سبق تتضح أمهية‬
‫الشورى‪ ،‬وأن هذا املوضوع جدير ابلبحث والتوضيح؛ لرسم حدوده ومعامله‪ ،‬وبيان أسسه وقواعده‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫تعريف املشاورة‪:‬‬
‫املشاورة‪ :‬مصدر شاور‪ ،‬واالسم‪ :‬الشورى واملشورة ‪-‬بفتح امليم وضم الشني‪ -‬أصلها مفعلة ‪-‬بضم‬
‫العني‪ ..‬فوقع فيها نقل حركة الواو إىل الساكن‪.-‬‬
‫* قيل‪ :‬املشاورة مشتقة من شار الدابة إذا اخترب جريها عند العرض على املشرتي‪.‬‬
‫وفعل شار الدابة مشتق من املشوار‪ ،‬وهو املكان الذي تركض فيه الدواب‪ ،‬وأصله معرب (نشخوار)‬
‫ابلفارسية‪ ،‬وهو ما تبقيه الدابة من علفها‪.‬‬
‫* وقيل‪ :‬مشتقة من شار العسل‪ ،‬أي‪ :‬جناه من الوقبة‪ْ ،‬لن ّبا يستخرج احلق والصواب‪ ،‬وإمنا تكون‬
‫يف اْلمر املهم املشكل‪ ،‬من شئون املرء يف نفسه‪ ،‬أو شئون القبيلة‪ ،‬أو شئون اْلمة (‪.)1‬‬
‫* وقال ابن اجلوزي‪ :‬يقال‪ :‬إنه من شرت العسل‪ ،‬وأنشدوا‬
‫وقاســمها‬
‫ابللـه‬
‫حقـا‬
‫ألذ‬
‫ألنتـم‬
‫من‬
‫السلوى‬
‫إذا‬
‫ما‬
‫نشورها‪.‬‬
‫* قال الزجاج‪ :‬يقال شاورت الرجل مشاورة وشورا‪ ،‬وما يكون من ذلك امسه املشورة‪ ،‬وبعضهم يقول‪:‬‬
‫املشورة‪ .‬ويقال‪ :‬فالن حسن الصورة والشورة‪ ،‬أي‪ :‬حسن اهليئة واللباس‪.‬‬
‫* ومعىن قوهلم‪ :‬شاورت فالان‪ :‬أظهرت ما عنده وما عندي‪ .‬وشرت الدابة‪ :‬إذا امتحنتها‪ ،‬فعرفت‬
‫هيئتها يف سريها‪ .‬وشرت العسل‪ :‬إذا أخذته من مواضع النحل‪ .‬وعسل مشار‪:‬‬
‫* قال األعشى‪:‬‬
‫كـأن‬
‫القـرنفل‬
‫ابات‬
‫والزجنبيل‬
‫واْلرى‪ :‬العسل (‪.)2‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪.146 / 4‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪ ،486 / 1‬وانظر لكل ما سبق‪ :‬لسان العرب مادة (شار)‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫بفيها‬
‫وأرًي‬
‫ا‬
‫مشارا‬
‫فقه االستشارة‬
‫ومن خالل ما سبق يتضح أن الشورى واملشاورة واملشورة واالستشارة والتشاور متقاربة يف املعىن‬
‫واملدلول‪ ،‬ولذا فأي لفظ استخدمت منها فهو يدل على ما سواه‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫الشورى يف القرآن‪:‬‬
‫وردت الشورى يف القرآن الكرمي يف عدة مواضع‪ ،‬وبصيغ متعددة‪ ،‬وسأذكر هذه املواضع مبينا ما ذكره‬
‫املفسرون حوهلا‬
‫(‪)1‬‬
‫حيث إن هذا البحث مستمد من القرآن الكرمي‪ ،‬ومعاجليت هلذا املوضوع يف ضوئه‪ ،‬إذ‬
‫هو من فقه القرآن‪ .‬وسأبدأ ابْلدلة القولية‪ ،‬مث أذكر اْلدلة العملية‪ ،‬دون التزام برتتيبها يف املصحف‪،‬‬
‫وسأذكر أقوال املفسرين فيما يتعلق ابلشورى عند ذكر كل آية‪.‬‬
‫املوضع األول‬
‫قوله تعاىل " فبما رمحة من هللا لنت هلم "‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة آل عمران‪( :‬فابِما ر ْمح ٍة ِمن َِّ ِ‬
‫ظ الْ اق ْل ِ‬
‫ضوا ِم ْن‬
‫ب االنْ اف ُّ‬
‫ت فاظّاً اغلِي ا‬
‫ت اهلُْم اولا ْو ُكْن ا‬
‫اَّلل لْن ا‬
‫ا اا ا‬
‫ِ ِ (‪)‬‬
‫حولِك فااعف عْن هم و ِ‬
‫ني)‬
‫اَّللِ إِ َّن َّ‬
‫ت فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ‬
‫اَّللا ُُِي ُّ‬
‫ب الْ ُمتا اوّكل ا‬
‫استا ْغف ْر اهلُْم او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر فاِإذاا اعازْم ا‬
‫اْ ا ْ ُ ا ُْ ا ْ‬
‫[ سورة آل عمران‪ ،‬اآلية ‪.] 159‬‬
‫هذه اآلية جاء اْلمر فيها ابملشاورة صرُيا واضحا‪ ( .‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)‬
‫(‪)‬‬
‫* قال اإلمام الطربي يف تفسري هذه اآلية‪:‬‬
‫وسلم أن‬
‫مث اختلف أهل التأويل يف املعىن الذي من أجله أمر ‪-‬تعاىل ذكره‪ -‬نبيه صلى هللا عليه‬
‫يشاورهم‪ ،‬وما املعىن الذي أمره أن يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم‪ :‬أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم‬
‫بقوله‪ ( :‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اْلية‪ ] 159 :‬مبشاورة أصحابه يف مكايد احلرب‪ ،‬وعند‬
‫لقاء العدو‪ ،‬تطييبا منه بذلك ْلنفسهم‪ ،‬وأتلفا هلم على دينهم‪ ،‬ولريوا أنه يسمع منهم‪ ،‬ويستعني ّبم‪ ،‬وإن‬
‫كان هللا ‪ ‬قد أغناه بتدبريه له أموره وسياسته إَيه‪ ،‬وتقوميه أسبابه عنهم‪.‬‬
‫مث ذكر أقوال العلماء يف ذلك‪ ،‬ومن ذلك ما رواه عن قتادة حيث قال‪:‬‬
‫‪ - 1‬سأذكر أقوال المفسرين حول اآليات دون شرح أو تعقيب إال نادرا‪ ،‬ثم بعد انتهاء هذا المبحث سأذكر عدة مباحث مستمدة مما ذكر من أقوال المفسرين وغيرهم‪ ،‬في ضوء تلك اآليات‪.‬‬
‫‪ - 2‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪9‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫أمر هللا ‪ ‬نبيه صلى هللا عليه وسلم‬
‫أن يشاور أصحابه يف اْلمور‪ ،‬وهو أيتيه وحي السماء‪،‬‬
‫ْلنه أطيب ْلنفس القوم‪ ،‬وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا‪ ،‬وأرادوا بذلك وجه هللا عزم هلم على أرشده‪.‬‬
‫* مث قال اإلمام الطربي‪" :‬وقال آخرون‪ :‬بل أمره بذلك يف ذلك ‪-‬وإن كان له الرأي وأصوب اْلمور‬
‫يف التدبري‪ -‬ملا علم يف املشورة ‪-‬تعاىل ذكره‪ -‬من الفضل"‪.‬‬
‫وروي عن الضحاك بن مزاحم قوله‪ :‬ما أمر هللا ‪ ‬نبيه صلى هللا عليه‬
‫وسلم ابملشورة إال ملا علم‬
‫فيها من الفضل‪.‬‬
‫* وقال احلسن‪" :‬ما شاور قوم قط إال هدوا ْلرشد أمورهم"‪.‬‬
‫* قال الطربي‪ :‬وقال آخرون‪" :‬إمنا أمر هللا مبشاورة أصحابه فيما أمره مبشاورهتم فيه‪ ،‬مع إغنائه بتقوميه‬
‫إَيه‪ ،‬وتدبريه أسبابه عن آرائهم‪ ،‬ليتبعه املؤمنون من بعده فيما حزّبم من أمر دينهم‪ ،‬ويستنوا بسنته يف ذلك‪،‬‬
‫وُيتذوا املثال الذي رأوه يفعله يف حياته من مشاورته يف أموره ‪-‬مع املن زلة اليت هو ّبا من هللا‪ -‬أصحابه‬
‫وأتباعه يف اْلمر‪ ،‬ين زل ّبم من أمر دينهم ودنياهم‪ ،‬فيتشاوروا بينهم‪ ،‬مث يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم‪،‬‬
‫ْلن املؤمنني إذا تشاوروا يف أمور دينهم متبعني احلق يف ذلك‪ ،‬مل خيلهم هللا ‪-‬تعاىل‪ -‬من لطفه‪ ،‬وتوفيقه‬
‫للصواب من الرأي‪ ،‬والقول فيه‪.‬‬
‫* مث قال الطربي‪:‬‬
‫"وأوىل اْلقوال ابلصواب يف ذلك أن يقال‪ :‬إن هللا ‪ ‬أمر نبيه صلى هللا عليه وسلم‬
‫مبشاورة‬
‫أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه‪ ،‬ومكايد حربه‪ ،‬أتلفا منه بذلك من مل تكن بصريته ابإلسالم البصرية اليت‬
‫يؤمن عليه معها فتنة الشيطان‪ ،‬وتعريفا منه أمته ما يف اْلمور اليت حتزّبم من بعده ومطلبها‪ ،‬ليقتدوا به يف‬
‫ذلك عند النوازل اليت تن زل ّبم‪ ،‬فيتشاوروا فيما بينهم‪ ،‬كما كانوا يرونه يف حياته صلى هللا عليه وسلم‬
‫يفعله‪".‬‬
‫فأما النيب صلى هللا عليه وسلم‬
‫فإن هللا كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من اْلمور بوحيه‪ ،‬أو‬
‫إهلامه إَيه صواب ذلك‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫وأما أمته فإهنم إذا تشاوروا مستنني بفعله يف ذلك على تصادق وآتخ للحق‪ ،‬وإرادة مجيعهم للصواب‪،‬‬
‫من غري ميل إىل هوى‪ ،‬وال حيد عن هدى‪ ،‬فاهلل مسددهم وموفقهم (‪.)1‬‬
‫* وقال ابن اجلوزي يف تفسريه هلذه اآلية‪:‬‬
‫اختلف العلماء ْلي معىن أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم‬
‫مبشاورة أصحابه ‪-‬مع كونه كامل‬
‫الرأي‪ ،‬اتم التدبري‪ -‬على ثالثة أقوال‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬ليسنت به من بعده‪ ،‬وهذا قول احلسن وسفيان بن عيينة‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬لتطييب قلوّبم‪ ،‬وهو قول قتادة‪ ،‬والربيع‪ ،‬وابن إسحاق‪ ،‬ومقاتل‪ ،‬قال الشافعي ‪-‬رمحه هللا‪:-‬‬
‫نظري هذا قوله صلى هللا عليه وسلم‬
‫"‬
‫البكر تستأمر فيها نفسها‬
‫"‬
‫(‪ .)‬إمنا أراد استطابة نفسها‪،‬‬
‫فإهنا لو كرهت كان لَلب أن يزوجها (‪ )‬وكذلك مشاورة إبراهيم ‪-‬عليه السالم‪ -‬البنه حني أمر بذحبه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬لإلعالم بربكة املشاورة‪ ،‬وهو قول الضحاك‪.‬‬
‫‪ ‬وقال ابن عاشور يف تفسريه لآلية‪:‬‬
‫( او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪ ] 159 :‬أل يف اْلمر للجنس‪ ،‬واملراد ابْلمر‪ :‬املهم‬
‫الذي يؤَتر له‪ ،‬ومنه قوهلم‪ْ :‬أمر ِأمر‪ .‬وقال أبو سفيان ْلصحابه ‪-‬يف حديث هرقل‪ :-‬لقد ِأمر ْأمر ابن‬
‫أيب كبشة‪ ،‬إنه خيافه ملك بين اْلصفر‪ .‬وقيل‪ :‬أريد ابْلمر أمر احلرب‪ ،‬فالالم للعهد‪.‬‬
‫وظاهر اْلمر أن املراد املشاورة احلقيقية اليت يقصد منها االستعانة برأي املستشارين‪ ،‬بدليل قوله ‪-‬‬
‫اَّللِ)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪ ] 159 :‬فضمري اجلمع يف قوله‪:‬‬
‫ت فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ‬
‫تعاىل‪ -‬عقبه‪( :‬فاِإ اذا اعازْم ا‬
‫(و اشا ِوْرُه ْم)‪ .‬عائد على املسلمني خاصة‪ ،‬أي‪ :‬شاور الذين أسلموا من بني من لنت هلم‪ ،‬أي‪ :‬ال يصدك‬
‫ا‬
‫خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحد عن أن تستعني برأيهم يف مواقع أخرى‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر لكل ما سبق‪ :‬تفسير الطبري ‪.153 ،152 / 4‬‬
‫‪ - 2‬رواه مسلم "‪ ،1037 / 2‬رقم ‪ "1421‬وأبو داود "‪ "2098‬والترمذي "‪ "1108‬والنسائي "‪ ،3262 - 3260‬وابن ماجة "‪ "1870‬عن ابن عباس‪.‬‬
‫‪ - 3‬المسألة خالفية بين العلماء‪ ،‬وانظر‪ :‬ما قاله النووي في شرحه لهذا الحديث‪ ،‬في شرح صحيح مسلم‪ ،‬وغيره من كتب الفقه‪.‬‬
‫‪ - 4‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 5‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪11‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* مث قال‪ :‬وقد دلت اآلية على أن الشورى مأمور ّبا الرسول صلى هللا عليه‬
‫وسلم فيما عرب عنه‬
‫ابْلمر‪ ،‬وهو من مهمات اْلمة ومصاحلها يف احلرب وغريه‪ ،‬وذلك يف غري أمر التشريع (‪.)1‬‬
‫وأختم ما ذكره املفسرون حول هذه اآلية ّبذا الكالم لسيد قطب حيث قال‪:‬‬
‫( او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية ‪" ] 159‬وّبذا النص اجلازم يقرر اإلسالم هذا املبدأ‪،‬‬
‫وهو نص قاطع‪ ،‬ال يدع لَلمة املسلمة شكا يف أن الشورى مبدأ أساسي‪ ،‬ال يقوم نظام اإلسالم على أساس‬
‫سواه‪ ،‬أما شكل الشورى‪ ،‬والوسيلة اليت تتحقق ّبا‪ ،‬فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير‪ ،‬وفق أوضاع اْلمة‬
‫ومالبسات حياهتا‪ ،‬وكل شكل‪ ،‬وكل وسيلة تتم ّبا حقيقة الشورى ‪-‬ال مظهرها‪ -‬فهي من اإلسالم"‪.‬‬
‫* مث قال كالم ا مهما أذكره ‪-‬خمتصرا‪:-‬‬
‫"لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو يف ظاهرها خطرية مريرة‪ ،‬فقد كان من جرائها‬
‫ظاهرَي وقوع خلل يف وحدة الصف املسلم‪ .‬اختلفت اآلراء قبل معركة أحد‪ ،‬فرأت جمموعة أن يبقى‬
‫املسلمون يف املدينة حمتمني ّبا‪ ،‬وحتمست جمموعة أخرى‪ ،‬فرأت اخلروج للقاء املشركني‪ ،‬وكان من جراء هذا‬
‫االختالف ذلك اخللل يف وحدة الصف‪ ،‬إذ عاد عبد هللا بن أيب بثلث اجلي( (كما وقعت اهلزمية يف‬
‫املعركة)‪".‬‬
‫ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد املعركة‪ ،‬أمام ما أحدثته من انقسام يف‬
‫الصفوف يف أحرج الظروف‪ ،‬وأمام النتائج املريرة اليت انتهت إليها املعركة‪( .‬هكذا قد يبدو لنا اْلمر)‪ ،‬ولكن‬
‫اإلس الم كان ينشئ أمة‪ ،‬ويربيها‪ ،‬ويعدها لقيادة البشرية‪ ،‬وكان هللا يعلم أن خري وسيلة لرتبية اْلمة وإعدادها‬
‫للقيادة الرشيدة أن ترىب ابلشورى‪ ،‬وأن تدرب على محل التبعة‪ ،‬وأن ختطئ لتعرف كيف تصحح خطأها‪،‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪.147 / 4‬‬
‫‪ - 2‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪12‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫وكيف حتمل تبعات رأيها وتصرفها‪ ،‬فهي ال تتعلم الصواب إال إذا زاولت اخلطأ‪ ،‬واخلسائر ال هتم إذا كانت‬
‫احلصيلة هي إنشاء اْلمة املدربة‪ ،‬املدركة‪ ،‬املقدرة للتبعة‪.‬‬
‫إن وقوع تلك اْلحداث‪ ،‬ووجود تلك املالبسات مل يلغ هذا احلق‪ْ ،‬لن هللا ‪-‬سبحانه وتعاىل‪ -‬يعلم أنه‬
‫ال بد من مزاولته يف أخطر الشئون‪ ،‬ومهما تكن النتائج‪ ،‬ومهما تكن اخلسائر‪ ،‬فهذه كلها جزئيات‪ ،‬ال تقوم‬
‫أمام إنشاء اْلمة الراشدة‪ ،‬املدربة ابلفعل على احلياة‪ ،‬املدركة لتبعات الرأي والعمل‪ ،‬الواعية لنتائج الرأي‬
‫استا ْغ ِف ْر اهلُْم او اشا ِوْرُه ْم ِيف‬
‫والعمل‪ ،‬ومن هنا جاء هذا اْلمر اإلهلي يف هذا الوقت ابلذات (فا ْ‬
‫اع ُ‬
‫ف اعْن ُه ْم او ْ‬
‫ْاْل ْام ِر)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪.] 159 :‬‬
‫إن حقيقة الشورى هي تقليب أوجه الرأي‪ ،‬واختيار اجتاه من االجتاهات املعروضة‪ ،‬فإذا انتهى اْلمر إىل‬
‫هذا احلد انتهى دور الشورى‪ ،‬وجاء دور التنفيذ‪ ،‬التنفيذ يف عزم وحسم‪ ،‬ويف توكل على هللا (‪.)2‬‬
‫* * وبعد‪ :‬فقد أطلت يف تفسري هذه اآلية‪ْ ،‬لهنا أصل يف تشريع الشورى‪ ،‬وما بعدها من آَيت يدور‬
‫حول معناها‪ ،‬وإن كان لكل آية مدلوها الذي تتميز به عن غريها‪.‬‬
‫املوضع الثاين‪ :‬قوله تعاىل " والذين استجابوا لرّبم وأقاموا الصالة"‬
‫َّ ِ‬
‫ين‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة الشورى‪ :‬مبينا بعض صفات املؤمنني‪ ،‬ومثنيا عليهم يف ذلك‪ ( :‬اوالذ ا‬
‫ِ‬
‫اه ْم يُْن ِف ُقو ان)(‪ [ )‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪.] 38 :‬‬
‫استا اجابُوا لِارّّبِِ ْم اوأاقا ُاموا َّ‬
‫الصال اة اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم اوممَّا ارازقْ نا ُ‬
‫ْ‬
‫* قال اإلمام الطربي يف تفسري هذه اآلية‪ ( :‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ [ )‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪] 38 :‬‬
‫وإذا حزّبم أمر تشاوروا فيما بينهم‪.‬‬
‫َّ ِ‬
‫الصالةا)(‪ )‬وليس فيهم رسول هللا‬
‫استا اجابُوا لِارّّبِِ ْم)(‪ )‬اْلنصار ( اوأاقا ُاموا َّ‬
‫ين ْ‬
‫* قال ابن زيد‪ ( :‬اوالذ ا‬
‫هللا عليه وسلم ( اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ )‬ليس فيهم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أيضا (‪.)‬‬
‫‪ - 1‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬في ظالل القرآن ‪.501 / 1‬‬
‫‪ - 3‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 5‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪13‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وقال القرطيب‪ :‬كان اْلنصار قبل مقدم النيب صلى هللا عليه‬
‫وسلم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه‪،‬‬
‫مث عملوا عليه‪ ،‬فمدحهم هللا ‪-‬تعاىل‪ -‬به (‪.)‬‬
‫* وقال‪ :‬ابن كثري‪ ( :‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ [ )‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪ ] 38 :‬أي ال يربمون أمرا حَّت‬
‫يتشاوروا فيه‪ ،‬ليتساعدوا آبرائهم يف مثل احلروب وما جرى جمراها‪ ،‬كما قال ‪-‬تبارك وتعاىل‪ ( :-‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف‬
‫وسلم يشاورهم يف احلروب‬
‫ْاْل ْام ِر)(‪ [ )6‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪ ] .159 :‬وهلذا كان صلى هللا عليه‬
‫وحنوها؛ ليطيب بذلك قلوّبم‪ ،‬وهكذا ملا حضرت عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه الوفاة حني طعن‪،‬‬
‫جعل اْلمر بعده شورى يف ستة نفر (‪.)‬‬
‫* وقال القامسي‪ ( :‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ [ )8‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪ ] 38 :‬أي ال ينفردون برأي حَّت‬
‫يتشاوروا وجيتمعوا عليه‪ ،‬وذلك من فرط تدبريهم‪ ،‬وتيقظهم‪ ،‬وصدق آتخيهم يف إمياهنم‪ ،‬وحتاّبم يف هللا ‪-‬‬
‫تعاىل‪.)9( -‬‬
‫* وقال سيد قطب‪ ( :‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ [ )‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪ ] 38 :‬والتعبري جيعل أمرهم‬
‫كله شورى‪ ،‬ليصبغ احلياة كلها ّبذه الصبغة‪ ،‬وهو نص مكي‪ ،‬كان قبل قيام الدولة اإلسالمية‪ ،‬فهذا الطابع‬
‫إذن أعم وأمشل من الدولة يف حياة املسلمني‪ ،‬إنه طابع اجلماعة اإلسالمية يف كل حاالهتا‪ ،‬ولو كانت الدولة‬
‫مبعناها اخلاص مل تقم بعد (‪.)11‬‬
‫‪ - 1‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 3‬تفسير الطبري ‪.37 / 25‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القرطبي ‪.36 / 16‬‬
‫‪ - 5‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 6‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 7‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪.118 / 4‬‬
‫‪ - 8‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 9‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي ‪.249 / 14‬‬
‫‪ - 10‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 11‬في ظالل القرآن (‪.)3165 / 5‬‬
‫‪14‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وقال األستاذ عدانن النحوي‪ ( :‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ [ )‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪ ] 38 :‬هي جزء‬
‫من آية‪ ،‬فال يستحب أن تؤخذ من دون اآلية بتمامها‪ ،‬فستفقد بريقا وروحا ومعان‪.‬‬
‫واآلية جزء من جمموعة من اآلَيت‪ ،‬قد ال تبدو عالقتها مع الشورى للنظرة اْلوىل‪ ،‬ولكنها تربط‬
‫صفات املؤمنني ربط تكامل وتناسق‪ ،‬فإذا أخذت اآلية وحدها اختفت ظالل وقواعد‪.‬‬
‫* وهذه اجملموعة من اآلَيت جزء من سورة مسيت الشورى‪ ،‬وقد ال تبدو عالقتها ابلشورى ْلول وهلة‪،‬‬
‫ولكن التدبر‪ ،‬والتمحيص‪ ،‬وفهم أسلوب القرآن الكرمي يف البناء والرتبية يكشف لنا عظمة ترابط الكلمات‬
‫مع اآلية‪ ،‬واآلية مع جمموع اآلَيت‪ ،‬واجملموعة مع السورة كلها‪ ،‬والسورة كلها مع منهاج هللا‪.‬‬
‫وهنا َند البون الشاسع بني أن أنخذ الكلمات الثالث وحدها‪ ،‬وبني أن أنخذها يف أجواء منهاج هللا‬
‫على إميان وعلم وتدبر (‪.)2‬‬
‫املوضع الثالث‪ :‬قوله تعاىل "فإن أرادا فصاال عن تراض منهما وتشاور فال جناح عليهما"‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة البقرة‪( :‬فاِإ ْن أارادا فِصاالً عن تار ٍ ِ‬
‫اح اعلاْي ِه اما)(‪[ )‬سورة‬
‫اض مْن ُه اما اوتا اش ُاوٍر فاال ُجنا ا‬
‫اا ا اْ ا‬
‫البقرة‪ ،‬اآلية‪.] 233 :‬‬
‫وقال ‪-‬سبحانه‪ -‬يف سورة الطالق‪( :‬فاِإ ْن أارضعن لا ُكم فاآتُوه َّن أُجوره َّن وأْاَتِروا ب ي نا ُكم ِمباعر ٍ‬
‫وف اوإِ ْن‬
‫ْ ا ْ ا ْ ُ ُ ا ُ ا ُ اْ ْ ْ ُ‬
‫ِ‬
‫ُخارى)(‪ [ )‬سورة الطالق‪ ،‬اآلية‪.] 6 :‬‬
‫اس ْرُُْت فا استُ ْرض ُع لاهُ أ ْ‬
‫تا اع ا‬
‫هااتن اآليتان يف موضوع إرضاع الصيب‪ ،‬ووجوب التشاور حول فطامه‪ ،‬ومن يرضعه ومقدار اْلجرة‬
‫لذلك؟!!‬
‫* قال الطربي يف آية البقرة‪ :‬قال بعضهم‪ :‬عين بذلك‪ :‬فإن أراد فصاال يف احلولني عن تراض منهما‬
‫وتشاور‪ ،‬فال جناح عليهما‪.‬‬
‫‪ - 1‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬مالمح الشورى في الدعوة اإلسالمية ص‪.45‬‬
‫‪ - 3‬سورة البقرة آية‪.233 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة الطالق آية‪.6 :‬‬
‫‪15‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* قال قتادة‪ :‬إذا أرادت الوالدة أن تفصل ولدها قبل احلولني‪ ،‬فكان ذلك عن اترض منهما وتشاور‪،‬‬
‫فال أبس به‪.‬‬
‫* وقال جماهد‪ :‬التشاور فيما دون احلولني‪ ،‬ليس هلا أن تفطمه إال أن يرضى‪ ،‬وليس له أن يفطمه إال‬
‫أن ترضى‪.‬‬
‫* مث قال الطربي‪ :‬فإن أرادا فصاال يف احلولني عن تراض منهما وتشاور‪ ،‬وال تشاور بعد انقضائه‪ ،‬وإمنا‬
‫التشاور والرتاضي قبل انقضاء هنايته (‪.)1‬‬
‫* وقال ابن كثري يف سورة الطال اآلية (‪( .)6‬وأْاَتِروا ب ي نا ُكم ِمباعر ٍ‬
‫وف)(‪ )2‬أي‪ :‬ولتكن أموركم فيما‬
‫ا ُ اْ ْ ْ ُ‬
‫بينكم ابملعروف من غري إضرار وال مضارة (‪.)‬‬
‫* وقال سيد قطب يف آية البقرة‪" :‬فإن شاء الوالد والوالدة‪ ،‬أو الوالدة والوارث أن يفطما الطفل قبل‬
‫استيفاء العامني‪ْ ،‬لهنما يرَين مصلحة للطفل يف ذلك الفطام‪ ،‬لسبب صحي أو سواه فال جناح عليهما‪،‬‬
‫إذا ُت هذا ابلرضى بينهما‪ ،‬وابلتشاور يف مصلحة الرضيع املوكول إليهما رعايته‪ ،‬املفروض عليهما محايته"‬
‫(‪.)‬‬
‫* قال عدانن النحوي يف آية سورة الطال ‪" :‬وظالل هذه الكلمات من خالل اآلية الكرمية توحي‬
‫بضرورة التشاور بني الزوجني رعاية حلق املولود‪ ،‬حَّت يتم اْلمر بينهما على أساس من احلقوق احملددة‬
‫الواضحة يف هذه اآلية الكرمية" (‪.)‬‬
‫املوضع الرابع‪ :‬قوله تعاىل "إمنا املؤمنون الذين آمنوا ابهلل ورسوله "‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫َِّ‬
‫ين اآمنُوا ِاب ََّّلل اوار ُسوله اوإِذاا اكانُوا ام اعهُ اعلاى أ ْام ٍر اجام ٍع املْ‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة النور‪( :‬إمناا الْ ُم ْؤمنُو ان الذ ا‬
‫يا ْذ اهبُوا اح ََّّت يا ْستاأْ ِذنُوهُ)(‪ [ )6‬سورة النور‪ ،‬اآلية‪.] 62 :‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.506 / 2‬‬
‫‪ - 2‬سورة الطالق آية‪.6 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ .:‬تفسير ابن كثير ‪.383 / 4‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬في ظالل القرآن ‪.254 / 1‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪.58‬‬
‫‪ - 6‬سورة النور آية‪.62 :‬‬
‫‪16‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* قال ابن كثري‪ :‬إذا كانوا يف أمر جامع مع الرسول صلى هللا عليه وسلم‬
‫من صالة مجعة‪ ،‬أو‬
‫عيد مجاعة‪ ،‬أو اجتماع يف مشورة‪ ،‬وحنو ذلك‪ ،‬أمرهم هللا ‪-‬تعاىل‪ -‬أال يتفرقوا عنه واحلالة هذه إال بعد‬
‫استئذانه ومشاورته (‪.)1‬‬
‫* وقال الطربي‪ ( :‬اعلاى أ ْام ٍر اج ِام ٍع)‬
‫اجتمع هلا‪ ،‬أو تشاور يف أمر ن زل ( املْ يا ْذ اهبُوا)(‪ )‬يقول‪ :‬مل ينصرفوا عما اجتمعوا له من اْلمر‪ ،‬حَّت يستأذنوا‬
‫(‪)‬‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫يقول‪ :‬على أمر جيمع مجيعهم من حرب حضرت‪ ،‬أو صالة‬
‫وسلم‪.)( .‬‬
‫وقال سيد قطب‪ :‬واْلمر اجلامع‪ :‬اْلمر املهم الذي يقتضي اشرتاك اجلماعة فيه‪ ،‬لرأي أو حرب أو عمل‬
‫من اْلعمال العامة‪ ،‬فال يذهب املؤمنون حَّت يستأذنوا إمامهم‪ ،‬كي ال يصبح اْلمر فوضى‪ ،‬بال وقار وال‬
‫نظام (‪.)‬‬
‫املوضع اخلامس ‪ :‬قوله تعاىل "إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إىل أبينا منا وحنن عصبة"‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صباةٌ إِ َّن أ اااب اان لاِفي‬
‫اح ُّ‬
‫وس ُ‬
‫ب إِ اىل أابِيناا منَّا اواْحن ُن عُ ْ‬
‫ف اوأ ُ‬
‫اخوهُ أ ا‬
‫قوله ‪-‬تعاىل‪ -‬عن إخوة يوسف‪( :‬إ ْذ قاالُوا لايُ ُ‬
‫ني اقْ تُلُوا يوسف أا ِو اطْرحوه أارضاً اخيْل لا ُكم وجه أابِي ُكم وتا ُكونُوا ِمن ب ع ِدهِ قاوماً ِِ‬
‫ض ٍ‬
‫الل ُمبِ ٍ‬
‫ني قا اال قاائِ ٌل‬
‫ا‬
‫ُ ُ ا‬
‫صاحل ا‬
‫ْ اْ ْ ا‬
‫اُ ُ ْ‬
‫ُ ْ اُْ ْ ا‬
‫ِِ‬
‫اجل ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ني)(‪[ )6‬سورة يوسف‪،‬‬
‫ض َّ‬
‫وس ا‬
‫السيَّ اارةِ إِ ْن ُكْن تُ ْم فااعل ا‬
‫ب يا ْلتاقطْهُ با ْع ُ‬
‫مْن ُه ْم ال تا ْقتُلُوا يُ ُ‬
‫ف اوأالْ ُقوهُ ِيف اغياابات ُْ ّ‬
‫ِ‬
‫امجعوا أا ْن اجيعلُوه ِيف اغياب ِ‬
‫ب اوأ ْاو احْي ناا إِلاْي ِه‬
‫ت ْ‬
‫ْا ُ‬
‫اآلَيت‪ ] .10-8 :‬مث قال بعد ذلك‪( :‬فالا َّما اذ اهبُوا بِه اوأ ْ ا ُ‬
‫اا‬
‫اجلُ ِّ‬
‫َّه ْم ِأب ْام ِرِه ْم اه اذا اوُه ْم ال يا ْشعُُرو ان)(‪ [ )7‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪.] 15 :‬‬
‫لاتُنا بِّئا ن ُ‬
‫ويف قصة السرقة اليت ذكرها هللا يف آخر السورة‪ ،‬وبعد أن بذلوا حماوالهتم ْلن يطلق يوسف سراح‬
‫أخيهم‪ ،‬فلما عجزوا ماذا حدث؟ قال هللا ‪-‬تعاىل‪( :-‬فالا َّما استايأ ِ‬
‫صوا اَِنيّاً قا اال اكبِريُُه ْم أااملْ تا ْعلا ُموا‬
‫اسوا مْنهُ اخلا ُ‬
‫ْْ ُ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪.306 / 3‬‬
‫‪ - 2‬سورة النور آية‪.62 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة النور آية‪.62 :‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.175 / 18‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬في ظالل القرآن ‪.2535 / 4‬‬
‫‪ - 6‬سورة يوسف آية‪.10-8 :‬‬
‫‪ - 7‬سورة يوسف آية‪.15 :‬‬
‫‪17‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫ان أااب ُكم قا ْد أاخ اذ علاي ُكم موثِقاً ِمن َِّ ِ‬
‫ض اح ََّّت اأيْ اذ ان ِِل أِايب أ ْاو‬
‫وس ا‬
‫ف فالا ْن أابْ ار اح ْاْل ْار ا‬
‫اَّلل اوم ْن قا ْب ُل اما فا َّرطْتُ ْم ِيف يُ ُ‬
‫أ َّ ا ْ‬
‫ا ا ْ ْ اْ ا‬
‫اَّلل ِِل وهو خي ر ْ ِ ِ‬
‫ني)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪.] 80 :‬‬
‫احلااكم ا‬
‫اُْي ُك ام َُّ ا ُ ا ا ْ ُ‬
‫فهده اآلَيت مثال عملي على مزاولة الشورى‪ ،‬وهي منهج قد ألفوه‪ ،‬فقد تشاوروا عندما أرادوا التخلص‬
‫من يوسف‪ ،‬وتشاوروا عندما وقعوا يف مشكلة السرقة‪.‬‬
‫* قال الطربي‪ :‬قال إخوة يوسف بعضهم لبعض‪ :‬اقتلوا يوسف‪ ،‬أو اطوحوه يف أرض من اْلرض‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫ف)(‪ [ )‬سورة يوسف‪،‬‬
‫وس ا‬
‫* مث قال‪ :‬قال ابن إسحاق يف قوله ‪-‬تعاىل‪( :-‬قا اال قاائ ٌل مْن ُه ْم ال تا ْقتُلُوا يُ ُ‬
‫اآلية‪ ] 10 :‬ذكر ِل ‪-‬وهللا أعلم‪ -‬أن الذي قال ذلك منهم روبيل اْلكرب من بين يعقوب‪ ،‬وكان أقصدهم‬
‫فيه رأَي (‪.)3‬‬
‫* وقال ابن كثري‪ :‬فصرفهم هللا عنه مبقالة روبيل فيه‪ ،‬وإشارته عليهم أبن يلقوه يف غيابة اجلب (‪.)4‬‬
‫امجاعُوا)(‪ )‬يقول‪ :‬وأمجعوا رأيهم وعزموا على أن جيعلوه يف غيابة اجلب(‪.)6‬‬
‫* قال الطربي يف قوله‪ ( :‬اوأ ْ‬
‫* وقال ابن كثري‪ :‬إهنم اتفقوا كلهم على إلقائه يف أسفل ذلك اجلب (‪.)7‬‬
‫ومن خالل ما سبق يتضح أن اْلمر كان بينهم شورى‪ ،‬حيث اختلفوا أوال‪ ،‬مث اتفقوا اثنيا على الرأي‬
‫الذي أبداه روبيل‪ ،‬أما يف قصة السرقة اليت وردت يف السورة‪ ،‬فقد أخرب ‪-‬سبحانه‪ -‬عنهم بقوله‪( :‬فالا َّما‬
‫استا يأ ِ‬
‫صوا اَِنيّاً)(‪ [ )8‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪.] 80 :‬‬
‫اسوا مْنهُ اخلا ُ‬
‫ْْ ُ‬
‫صوا اَِنيّاً)(‪ )9‬أي اعتزلوا الناس‪ ،‬ليس معهم غريهم‪ ،‬يتناجون ويتناظرون‬
‫* قال ابن اجلوزي‪ ( :‬اخلا ُ‬
‫ويتشاورون (‪.)‬‬
‫‪ - 1‬سورة يوسف آية‪.80 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة يوسف آية‪.10 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.155 / 12‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪.470 / 2‬‬
‫‪ - 5‬سورة يوسف آية‪.15 :‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.160 / 12‬‬
‫‪ - 7‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪.471 / 2‬‬
‫‪ - 8‬سورة يوسف آية‪.80 :‬‬
‫‪ - 9‬سورة يوسف آية‪.80 :‬‬
‫‪18‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫صوا اَِنيّاً)(‪ )‬أي‪ :‬خال بعضهم ببعض‪ ،‬مث قالوا‪ :‬ماذا ترون؟ (‪.)‬‬
‫* وقال ابن إسحا ‪ ( :‬اخلا ُ‬
‫* وهكذا جند إخوة يوسف ‪-‬عليهم السالم ‪ -‬يتشاورون يف قضية أخيهم ابتداء وانتهاء‪ ،‬مع أن‬
‫تشاورهم اْلول كان على أمر سوء (لِي ْق ِ‬
‫اَّللُ أ ْامراً اكا ان ام ْفعُوالً)(‪ [ )‬سورة اْلنفال‪ ،‬اآلية‪] 44 :‬‬
‫ض اي َّ‬
‫ا‬
‫وتشاورهم الثاِن للخروج من مشكلة ليست من صنيعهم وفوجئوا ّبا‪( .‬ما اكا ان لِيأْخ اذ أاخاه ِيف ِدي ِن الْملِ ِ‬
‫ك‬
‫ا ُ اُ‬
‫ا‬
‫ا‬
‫اَّللُ)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪.] 76 :‬‬
‫إَِّال أا ْن يا اشاءا َّ‬
‫املوضع السادس ‪ :‬قوله تعاىل "قالت َي أيها املَل أفتوِن يف أمري"‬
‫]‪.‬‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة النمل‪ ،‬يف ذكر ملكة سبأ وقصتها مع سليمان ‪-‬عليه السالم‪:-‬‬
‫ِ‬
‫اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ‬
‫ون)(‪ [ )6‬سورة النمل‪ ،‬اآلية‪32 :‬‬
‫(قاالا ْ‬
‫ت اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُ ِوِن ِيف أ ْام ِري اما ُكْن ُ‬
‫ا‬
‫ت قا ا ْ ا‬
‫‪ ‬قال الطربي‪ :‬قالت ملكة سبأ ْلشراف قومها‪ ( :‬اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُ ِوِن ِيف أ ْام ِري)(‪ [ )7‬سورة النمل‪،‬‬
‫اآلية‪ ] 32 :‬تقول‪ :‬أشريوا علي يف أمري الذي قد حضرِن من أمر صاحب هذا الكتاب الذي‬
‫إِل‪ ،‬فجعلت املشورة فتيا‪.‬‬
‫ألقي ّ‬
‫ِ‬
‫اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ‬
‫ون)(‪ [ )8‬سورة النمل‪ ،‬اآلية‪ ] 32 :‬تقول‪ :‬ما كنت قاضية أمرا يف‬
‫( اما ُكْن ُ‬
‫ا‬
‫ت قا ا ْ ا‬
‫ذلك حَّت تشهدون‪ ،‬فأشاوركم فيه‪.‬‬
‫* قال ابن زيد‪ :‬دعت قومها تشاورهم (‪.)9‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.266 / 4‬‬
‫‪ - 2‬سورة يوسف آية‪.80 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.33 / 13‬‬
‫‪ - 4‬سورة األنفال آية‪.44 :‬‬
‫‪ - 5‬سورة يوسف آية‪.76 :‬‬
‫‪ - 6‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪ - 7‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪ - 8‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪ - 9‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.153 / 19‬‬
‫‪19‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وقال ابن اجلوزي‪ :‬قوله ‪-‬تعاىل‪( :-‬أافْ تُ ِوِن ِيف أ ْام ِري)‬
‫( ‪)‬‬
‫أي‪ :‬بينوا ِل ما أفعل وأشريوا علي‪ ،‬قال‬
‫الفراء‪ :‬جعلت املشورة فتيا‪ ،‬وذلك جائز لسعة اللغة‪.‬‬
‫(‪)‬‬
‫مث قال‪( :‬ح ََّّت تا ْشه ُد ِ‬
‫ون)(‪ )‬أي‪ :‬حتضرون‪ ،‬واملعىن‪ :‬إال حبضوركم ومشورتكم‬
‫ا‬
‫ا‬
‫* وقال ابن كثري‪ :‬يف تفسريه هلذه اآلَيت‪ :‬ملا قرأت عليهم كتاب سليمان استشارهتم يف أمرها‪ ،‬وما قد‬
‫ِ‬
‫اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ‬
‫ون)(‪[ )‬سورة النمل‪،‬‬
‫ن زل ّبا‪ .‬وهلذا قالت‪ ( :‬اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُ ِوِن ِيف أ ْام ِري اما ُكْن ُ‬
‫ا‬
‫ت قا ا ْ ا‬
‫اآلية‪ ]32 :‬أي‪ :‬حَّت حتضرون وتشريون(‪.)5‬‬
‫قال سيد قطب‪ :‬وهي تستشري املَل من قومها يف هذا اْلمر اخلطري‪ ،‬مث قال‪ :‬وواضح أهنا ال تريد‬
‫املقاومة واخلصومة‪ ،‬ولكنها ال تقول هذا صراحة‪ ،‬إمنا َتهد له بذلك الوصف‪ ،‬مث تطلب الرأي بعد ذلك‬
‫واملشورة (‪.)6‬‬
‫* وقال القامسي يف معىن اآلية‪( :‬ح ََّّت تا ْشه ُد ِ‬
‫ون)‬
‫ا‬
‫ا‬
‫أستبد بقضاء إال ابستطالع آرائكم‪ ،‬والرجوع إىل استشارتكم‬
‫(‪)7‬‬
‫أي‪ :‬ال أبت أمرا إال مبحضركم ومشورتكم‪ ،‬وال‬
‫(‪.)8‬‬
‫املوضع السابع‪ :‬قوله تعاىل " قال املَل من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم"‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬عن قصة فرعون مع موسى‪( :‬قا اال الْم اَلُ ِمن قاوِم فِرعو ان إِ َّن ه اذا لاس ِ‬
‫يد أا ْن‬
‫احٌر اعلِ ٌيم يُِر ُ‬
‫ا ْ ْ ْ اْ‬
‫ا ا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين)(‪[ )9‬سورة اْلعراف‪،‬‬
‫ُخيْ ِر اج ُك ْم م ْن أ ْارض ُك ْم فا اماذاا اأتْ ُم ُرو ان قاالُوا أ ْارج ْه اوأ ا‬
‫اخاهُ اوأ ْارس ْل يف الْ ام ادائ ِن احاش ِر ا‬
‫‪ - 1‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.169 / 6‬‬
‫‪ - 4‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪.362 / 3‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬في ظالل القرآن ‪.2639 / 5‬‬
‫‪ - 7‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪ - 8‬انظر‪ :‬في تفسير القاسمي ‪.4665 / 13‬‬
‫‪ - 9‬سورة األعراف آية‪.111-109 :‬‬
‫‪20‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫اآلَيت‪ ]111 - 109 :‬ويف سورة الشعراء‪( :‬قا اال لِْلم َِل حولاه إِ َّن ه اذا لاس ِ‬
‫يد أا ْن ُخيْ ِر اج ُك ْم ِم ْن‬
‫احٌر اعلِ ٌيم يُِر ُ‬
‫ا اْ ُ ا ا‬
‫أ ْار ِض ُك ْم بِ ِس ْح ِرهِ فا اما اذا اأتْ ُم ُرو ان)(‪ [ )‬سورة الشعراء‪ ،‬اآلَيت‪.] .36 - 34 :‬‬
‫* قال اإلمام الطربي‪ :‬قال فرعون للمَل‪( :‬فا اما اذا اأتْ ُم ُرو ان)(‪ [ )‬سورة اْلعراف‪ ،‬اآلية‪.] 110 :‬‬
‫* يقول‪ :‬فأي شيء أتمرون أن نفعل يف أمره‪ ،‬أبي شيء تشريون فيه (‪.)3‬‬
‫علي (‪.)4‬‬
‫* وقال ابن اجلوزي‪ :‬قال ابن عباس‪ :‬ما الذي تشريون به ّ‬
‫* وقال ابن كثري‪ :‬فلما تشاوروا يف شأنه‪ ،‬وائتمروا فيه اتفق رأيهم على ما حكاه هللا عنهم يف قوله ‪-‬‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين)(‪ [ )6()‬سورة اْلعراف‪ ،‬اآلية‪.] 111 :‬‬
‫تعاىل‪( :-‬قاالُوا أ ْارج ْه اوأ ا‬
‫اخاهُ اوأاْرس ْل يف الْ ام ادائ ِن احاش ِر ا‬
‫املوضع الثامن‪ :‬قوله تعاىل "وإذ ميكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو خيرجوك"‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة األنفال‪( :‬وإِ ْذ مياْ ُكر بِ َّ ِ‬
‫وك اومياْ ُك ُرو ان‬
‫وك أ ْاو ُخيْ ِر ُج ا‬
‫وك أ ْاو يا ْقتُلُ ا‬
‫ين اك اف ُروا لِيُثْبِتُ ا‬
‫ُ ا‬
‫ا‬
‫ك الذ ا‬
‫ِ‬
‫ين)(‪ [ )7‬سورة اْلنفال‪ ،‬اآلية‪.] 30 :‬‬
‫اَّللُ او َّ‬
‫اومياْ ُك ُر َّ‬
‫اَّللُ اخْي ُر الْ اماك ِر ا‬
‫* قال قتادة ومقسم‪ :‬تشاوروا فيه ليلة وهم مبكة‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬إذا أصبح فأوثقوه ابلواثق‪ ،‬وقال‬
‫بعضهم‪ :‬بل اقتلوه‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬بل أخرجوه (‪.)8‬‬
‫* وقال السدي‪ :‬اجتمعت مشيخة قري( يتشاورون يف النيب صلى هللا عليه وسلم‬
‫وقال ابن زيد‪ :‬اجتمعوا فتشاوروا يف رسول هللا‪ -‬صلى هللا عليه وسلم‪.)10( -‬‬
‫‪ - 1‬سورة الشعراء آية‪.36-34 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة األعراف آية‪.110 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.16 / 9‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.238 / 3‬‬
‫‪ - 5‬سورة األعراف آية‪.111 :‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ .‬تفسير ابن كثير ‪.236 / 2‬‬
‫‪ - 7‬سورة األنفال آية‪.30 :‬‬
‫‪ - 8‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.228 / 9‬‬
‫‪ - 9‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.228 / 9‬‬
‫‪ - 10‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.228 / 9‬‬
‫‪21‬‬
‫(‪.)‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫قال ابن اجلوزي‪ :‬قال أهل التفسري‪ :‬ملا بويع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫ليلة العقبة‪ ،‬وأمر‬
‫أصحابه أن يلحقوا ابملدينة‪ ،‬اتفقت قري( أن يعلو أمره‪ ،‬وقالوا‪ :‬وهللا لكأنكم به قد كر عليكم ابلرجال‪،‬‬
‫فاجتمع مجاعة من أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا يف أمره (‪.)1‬‬
‫املوضع التاسع‪ :‬قوله تعاىل "َي أيها املَل أفتوِن يف رؤَيي إن كنتم للرؤَي تعربون"‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة يوسف حكاية عن العزيز عندما رأى الرؤَي‪ ،‬حيث مجع مَله‪ ،‬مث قال هلم‪ ( :‬اَي‬
‫ِ ِ‬
‫َيي إِ ْن ُكْن تُ ْم لِ ُّلرْؤَي تا ْعبُ ُرو ان)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪.] 43 :‬‬
‫أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُوِن يف ُرْؤ ا‬
‫وهذه اآلية وإن كانت يف الرؤَي‪ ،‬ولكنها تدل على الشورى‪ ،‬حيث مجع أشراف قومه وحكماءهم‪ ،‬ومل‬
‫يقصر اْلمر على من يعرب الرؤَي (وما اْحنن بِتاأْ ِو ِيل ْاْلاح ِ ِ ِ‬
‫ني)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪ ] 44 :‬مما‬
‫الم بِ اعالم ا‬
‫ْ‬
‫اا ُ‬
‫يدل على أنه إذا جاءه أمر مهم مجع املَل من قومه فشاورهم‪ ،‬وهذه الرؤَي من اْلمور املهمة عنده ‪-‬وهي‬
‫كذلك‪ ،-‬ويف قوهلم‪( :‬وما اْحنن بِتاأْ ِو ِيل اْْلاح ِ ِ ِ‬
‫ني)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪ ] 44 :‬ما يفهم أهنم‬
‫الم بِ اعالم ا‬
‫ْ‬
‫اا ُ‬
‫قالوا‪ :‬ليس هذا من اختصاصنا‪ ،‬حيث إن مهمتنا إبداء الرأي يف غري الرؤَي‪ ،‬فلها أهلها‪.‬‬
‫* قال ابن اجلوزي‪ :‬فدعا أشراف قومه‪ ،‬فقصها عليهم (‪.)5‬‬
‫قال الزجاج‪ :‬واملَل الذين يرجع إليهم يف اْلمور ويقتدي برأيهم‬
‫(‪) 6‬‬
‫وقال القامسي‪ ( :‬اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ)(‪ [ )7‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪ ] 43 :‬خطاب لَلشراف من قومه (‪.)8‬‬
‫وقد وفق يف استشارته حيث وجد يف املَل من دله على من يعرب له رؤَيه‪ ،‬وهذا من مثرات االستشارة‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.346 / 3‬‬
‫‪ - 2‬سورة يوسف آية‪.43 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة يوسف آية‪.44 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة يوسف آية‪.44 :‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.229 / 4‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.229 / 4‬‬
‫‪ - 7‬سورة يوسف آية‪.43 :‬‬
‫‪ - 8‬انظر‪ -:‬تفسير القاسمي ‪.3545 / 9‬‬
‫‪22‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫النجوى من صور الشورى‬
‫املوضع العاشر‪:‬‬
‫وردت آَيت كثرية يف التناجي والنجوى‪ ،‬وإن كانت النجوى ليست خاصة ابلشورى واملشاورة‪ ،‬ولكن‬
‫املشاورة صورة من الصور اليت تتم عن طريق النجوى‪ ،‬كما قال ‪-‬سبحانه‪ -‬عن قوم فرعون عندما تشاوروا يف‬
‫موسى بناء على طلب فرعون‪( .‬فا اماذاا اأتْ ُم ُرو ان)‬
‫حلاهلم يف تشاورهم‪.‬‬
‫( ‪)‬‬
‫[ سورة الشعراء‪ ،‬اآلية‪ ] 35 :‬قال ‪-‬سبحانه‪ -‬مبينا‬
‫َّج اوى)(‪ [ )‬سورة طه‪ ،‬اآلية ‪.] 62‬‬
‫اسُّروا الن ْ‬
‫(فاتا نا اازعُوا أ ْامارُه ْم باْي نا ُه ْم اوأ ا‬
‫صوا اَِنيّاً)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪ ] 80 :‬ولذلك أمر هللا أن تكون‬
‫وكما قال عن إخوة يوسف‪ ( :‬اخلا ُ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫اج ْوا ِابِْْل ِْمث‬
‫اجْي تُ ْم فاال تاتا نا ا‬
‫ين اآمنُوا إذاا تانا ا‬
‫النجوى ابخلري‪ ،‬والتناجي ابلرب والتقوى‪ .‬قال ‪-‬سبحانه‪ ( :-‬اَي أايُّ اها الذ ا‬
‫صي ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ت َّ ِ‬
‫اَّللا الَّ ِذي إِلاْي ِه ُْحت اش ُرو ان)(‪[ )‬سورة اجملادلة‪ ،‬اآلية‪9 :‬‬
‫اج ْوا ِابلِْ ِّرب اوالتَّ ْق اوى اواتَّ ُقوا َّ‬
‫الر ُسول اوتانا ا‬
‫اوالْعُ ْد اوان اوام ْع ا‬
‫]‪.‬‬
‫وكما ذكرت فإن هذه اآلية ليست خاصة يف الشورى‪ ،‬بل هي أعم من ذلك‪ ،‬ولكن الشورى تدخل‬
‫فيها من ابب أوىل (‪.)5‬‬
‫وقبل أن أجتاوز املواضع اليت وردت يف القرآن الكرمي دالة على الشورى‪ ،‬أذكر موضعني أشار إليهما‬
‫بعض املفسرين‪ ،‬مع أن الداللة ليست مسلمة إبطالق‪ ،‬وخباصة يف املوضع اْلول‪ ،‬وسأذكر بعض ما قيل‬
‫حول هذين املوضعني‪ :‬املوضع اْلول‪:‬‬
‫‪ - 1‬سورة الشعراء آية‪.35 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة طه آية‪.62 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة يوسف آية‪.80 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة المجادلة آية‪.9 :‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفصيل ذلك في كتاب مالمح الشورى ص‪.66‬‬
‫‪23‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫اعل ِيف ْاْلار ِ ِ‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة البقرة‪( :‬وإِ ْذ قا اال ربُّ ا ِ ِ ِ ِِ ِ‬
‫اجت اع ُل فِ ايها ام ْن‬
‫ض اخلي افةً قاالُوا أ اْ‬
‫ْ‬
‫ا‬
‫ا‬
‫ك ل ْل امالئ اكة إ ِّن اج ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ي ْف ِس ُد فِيها ويس ِف ِ‬
‫ك قا اال إِِِّن أ ْاعلا ُم اما ال تا ْعلا ُمو ان)(‪[ )‬سورة البقرة‪،‬‬
‫س لا ا‬
‫ا اا ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ك ال ّد اماءا اواْحن ُن نُ اسبّ ُح حبا ْمد اك اونُ اق ّد ُ‬
‫اآلية‪.] 30 :‬‬
‫* قال ابن عاشور‪ :‬وقول هللا هذا موجه إىل املالئكة على وجه اإلخبار‪ ،‬ليسوقهم إىل معرفة فضل‬
‫اجلنس اإلنساِن‪ ،‬على وجه يزيل ما علم هللا أنه يف نفوسهم من سوء الظن ّبذا اجلنس‪ ،‬وليكون كاالستشارة‬
‫ليسن‬
‫هلم تكرميا هلم‪ ،‬فيكون تعليما يف قالب تكرمي‪ ،‬مثل إلقاء املعلم فائدة للتلميذ يف صورة سؤال وجواب‪ ،‬و ّ‬
‫االستشارة يف اْلمور‪ ،‬ولتنبيه املالئكة على ما دق وخفي من حكمة خلق آدم‪ ،‬كذا ذكر املفسرون‪ ،‬وعندي‬
‫الكالم البن عاشور‪ -‬أن هذه االستشارة جعلت لتكون حقيقة مقارنة يف الوجود خللق أول البشر‪ ،‬حَّت‬‫تكون انموسا أشربته نفوس ذريته‪ْ ،‬لن مقارنة شيء من اْلحوال واملعاِن لتكوين شيء ما تؤثر آتلفا بني‬
‫ذلك الكائن وبني املقارن (‪.)2‬‬
‫* وقال يف تفسريه لقوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪.] 159 :‬‬
‫هذا والشورى ما جبل هللا عليه اإلنسان يف فطرته السليمة‪ ،‬أي‪ :‬فطره على حمبة الصالح‪ ،‬وتطلب‬
‫النجاح يف املساعي‪ ،‬ولذلك قرن هللا ‪-‬تعاىل‪ -‬خلق أصل البشر ابلتشاور يف شأنه إذ قال للمالئكة‪( :‬إِِِّن‬
‫جِ‬
‫اع ٌل ِيف ْاْل ْار ِ‬
‫ض اخلِي افةً)(‪ [ )‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية‪.] 30 :‬‬
‫ا‬
‫إذ قد غين هللا عن إعانة املخلوقات يف الرأي‪ ،‬ولكنه عرض على املالئكة مراده؛ ليكون التشاور سنة يف‬
‫البشر‪ ،‬ضرورة أنه مقرتن بتكوينه‪ ،‬فإن مقارنة الشيء للشيء يف أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه‪ ،‬وملا‬
‫كانت الشورى معىن من املعاِن ال ذات هلا يف الوجود جعل هللا إلفها للبشر بطريقة املقارنة يف وقت التكوين‬
‫(‪ .)5‬املوضع الثاِن‪:‬‬
‫‪ - 1‬سورة البقرة آية‪.30 :‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪.400 / 1‬‬
‫‪ - 3‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة البقرة آية‪.30 :‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفسير التحرير والتنوير ‪.150 / 4‬‬
‫‪24‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫ك فاانْظُْر‬
‫قال ‪-‬تعاىل‪ -‬يف سورة الصافات‪( :‬فالا َّما بالا اغ ام اعهُ َّ‬
‫اِن أا ْذ احبُ ا‬
‫ين إِِِّن أ اارى ِيف الْ امنا ِام أِّ‬
‫الس ْع اي قا اال اَي بُ اَّ‬
‫ِ‬
‫اَّلل ِمن َّ ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ين)(‪ [ )‬سورة الصافات‪ ،‬اآلية ‪102‬‬
‫الصاب ِر ا‬
‫اما اذا تا ارى قا اال اَي أابات افْ اع ْل اما تُ ْؤام ُر استاج ُدِن إ ْن اشاءا َُّ ا‬
‫]‪.‬‬
‫قال اإلمام الطربي‪ :‬فإن قال قائل‪ :‬أو كان إبراهيم يؤامر ابنه يف املضي ْلمر هللا‪ ،‬واالنتهاء إىل طاعته؟‬
‫قيل‪ :‬مل يكن ذلك منه مشاورة البنه يف طاعة هللا‪ ،‬ولكنه كان منه ليعلم ما عند ابنه من العزم‪ ،‬هل هو من‬
‫الصرب على أمر هللا على مثل الذي هو عليه‪ ،‬فيسر بذلك أم ال!! وهو يف اْلحوال كلها ماض ْلمر هللا‬
‫(‪.)2‬‬
‫وقال ابن كثري‪ :‬وإمنا أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه‪ ،‬وليخترب صربه وجلده وعزمه يف صغره على‬
‫طاعة هللا ‪-‬تعاىل‪ -‬وطاعة أبيه (‪.)3‬‬
‫قال القامسي‪ :‬قال الرازي‪ :‬احلكمة يف مشاورة االبن يف هذا الباب‪ ،‬أن يطلع ابنه على هذه الواقعة‬
‫ليظهر له صربه يف طاعة‪ ،‬هللا فتكون فيه قرة عني إلبراهيم‪ ،‬حيث يراه قد بلغ يف احللم إىل هذا احلد العظيم‪،‬‬
‫ويف الصرب على أشد املكاره إىل هذه الدرجة العالية‪ ،‬وُيصل لالبن الثواب يف اآلخرة‪ ،‬والثناء احلسن يف‬
‫الدنيا (‪.)4‬‬
‫إن هاتني اآليتني قد تبدو الشورى يف ظاهر سياقهما‪ ،‬ولكن عند النظر يف تفسريمها‪ ،‬ندرك أنه ال‬
‫شورى فيهما‪ْ ،‬لن االستشارة احلقيقية هي استخراج الرأي لإلفادة منه من قِبال املستشري‪ ،‬وذلك ابلعمل به‬
‫إن كان صوااب‪ ،‬وليس من هذا شيء يف هاتني اآليتني كما ذكر املفسرون‪.‬‬
‫فاملوضع اْلول‪ :‬هللا غين عن رأي أحد من املخلوقني‪.‬‬
‫‪ - 1‬سورة الصافات آية‪.102 :‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.79 / 23‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪.15 / 4‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير القاسمي ‪.5050 / 14‬‬
‫‪25‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫واملوضع الثاِن‪ :‬قد جاء اْلمر فيه من هللا‪ ،‬وليس بعد أمر هللا أمر وال خيار ( اواما اكا ان لِ ُم ْؤِم ٍن اوال ُم ْؤِمنا ٍة‬
‫اخلِيا ارةُ ِم ْن أ ْام ِرِه ْم)(‪ [ )‬سورة اْلحزاب‪ ،‬اآلية‪.] 36 :‬‬
‫اَّللُ اوار ُسولُهُ أ ْامراً أا ْن يا ُكو ان اهلُُم ْ‬
‫ضى َّ‬
‫إِ اذا قا ا‬
‫دالالت خيرج منها املتأمل آلًيت الشورى يف القرآن الكرمي‬
‫وبعد‪:‬‬
‫وبعد أن ذكرت آَيت الشورى ومواضعها يف القرآن الكرمي‪ ،‬وبينت أقوال املفسرين حول هذه اآلَيت‪،‬‬
‫أجد أن هناك عدة دالالت خيرج منها املتأمل هلذه اآلَيت أوجزها فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬إن ن زول قوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)‬
‫أحد‪ ،‬وما حدث فيها وقبلها من أحداث‪ ،‬له داللته الكربى على مكانة الشورى‪ ،‬وذلك أن الرسول صلى‬
‫(‪)‬‬
‫هللا عليه وسلم‬
‫[ سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪ ] 159 :‬بعد وقعة‬
‫استشار أصحابه قبل غزوة أحد‪ ،‬هل يقاتلون وهم داخل املدينة‪ ،‬أو خيرجون خارج‬
‫املدينة؟ فكان رأي بعض الصحابة أن يبقوا داخل املدينة‪ ،‬ورأى آخرون ‪-‬وأكثرهم من الشباب الذين‬
‫يتقدون محاسا‪ -‬أن يكون القتال خارج املدينة ْلسباب ذكرها هؤالء‪ ،‬كما أن أولئك ذكروا أسبااب للبقاء‪.‬‬
‫وقد حدثت بعد ذلك أحداث هلا صلة مباشرة ابلشورى‪ ،‬أمهها‪:‬‬
‫(أ) رجوع عبد هللا بن أيب بن سلول إىل املدينة‪ ،‬وتبعه ثلث اجلي(‪ ،‬بعد أن خرجوا منها احتجاجا على‬
‫أخذ الرسول صلى هللا عليه‬
‫وسلم برأي الشباب‪ ،‬وتركه لرأي الشيوخ (‪ )‬ومعلوم ما هلذا التصرف يف‬
‫هذا الوقت احلرج جدا من آاثر حسية ومعنوية‪ ،‬يصعب حصرها‪ ،‬ويطول ذكرها‪.‬‬
‫(ب) وقوع اهلزمية يف أحد مما قد يستغله البعض يف القدح يف نتيجة الشورى‪ ،‬وجيعل ذلك بسببها‪.‬‬
‫يف هذا الوقت‪ ،‬ويف ظل هذه اْلوضاع تن زل آية الشورى قاطعة الطريق على أي حماولة للتشكيك يف‬
‫مبدأ الشورى أو النيل منه‪ ،‬وما حدث مع ضخامته ال يعدو أن يكون حادثة عني ال تقدح يف اْلصل‪ْ ،‬لن‬
‫حوادث اْلعيان تنتهي ابنتهاء آاثرها‪ ،‬أما اْلصل واملنهج فله صفة االستمرار والشمول (‪.)1‬‬
‫‪ - 1‬سورة األحزاب آية‪.36 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬فقه السيرة ص‪.370‬‬
‫‪26‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫‪ -2‬ورود الشورى يف القرآن جاء يف عدة صيغ‪ ،‬فمرة بصيغة اْلمر‪ ،‬ومرة بصيغة اخلرب‪ ،‬وأخرى على‬
‫شكل قصة‪ ،‬أو يف سياق حدث من اْلحداث‪.‬‬
‫إن تكرار الشورى‪ ،‬وتنوع عرضها يدل على ما هلذا اْلسلوب من أثر يف رسم املنهج وبيانه‪ ،‬وأمهية‬
‫ترسيخ هذا املبدأ يف حياة الناس‪ ،‬وعامة شئوهنم‪.‬‬
‫‪ -‬إن ثناء هللا ‪-‬جل وعال‪ -‬على اْلنصار ملمارستهم للشورى قبل هجرة الرسول صلى هللا عليه‬
‫وسلم وذلك يف قوله‪ ( :‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ [ )‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪ ] 38 :‬يرسم للدعاة منهجا يف‬
‫مواجهة اْلحداث بعد وفاة الرسول صلى هللا عليه وسلم وهذا ما كان يفعله اْلنصار قبل مقدم‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وكذلك فعلوه بعد انتقاله للرفيق اْلعلى‪ ،‬حيث استمر املهاجرون‬
‫واْلنصار وغريهم ميارسون الشورى‪ ،‬وخباصة عند اْلحداث املهمة‪.‬‬
‫‪ -‬مما يستدعي الوقوف والتأمل‪ :‬ممارسة الشورى من قبل الكفار‪ ،‬كما ذكر هللا ‪-‬جل وعال‪ -‬يف كتابه‬
‫الكرمي عن فرعون‪ ،‬وملكة سبأ‪ ،‬ومشركي قري(‪ ،‬وغريهم‪ ،‬وهذا له دالالت عدة‪ ،‬من أمهها أن الكفار أيضا‬
‫يشرتكون يف معرفة أمهية املشاورة‪ ،‬وآاثرها على اْلمم عاجال وآجال‪.‬‬
‫وسياق بعض اآلَيت يدل على أن القضية ليست قضية عني‪ ،‬بل منهج حياة‪ ،‬وممارسة مستمرة‪ ،‬حيث‬
‫ِ‬
‫اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ‬
‫ون)(‪ [ )‬سورة النمل‪ ،‬اآلية‪ ] 32 :‬فهى لن تقطع أبي‬
‫قالت ملكة سبأ‪ ( :‬اما ُكْن ُ‬
‫ا‬
‫ت قا ا ْ ا‬
‫أمر من اْلمور دوهنم‪ ،‬ويبدو أن هذا هو منهجها قبل هذه احلادثة‪.‬‬
‫ودار الندوة اليت اجتمعت فيها قري( للتآمر على الرسول صلى هللا عليه‬
‫وسلم حيث تشاوروا يف‬
‫ذلك‪ ،‬يدل امسها على أهنا خصصت مكاان لالجتماع‪ ،‬والتشاور يف اْلمور اليت هتم قريشا وتغشاها‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظالل القرآن ‪.501 / 1‬‬
‫‪ - 2‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة النمل آية‪.32 :‬‬
‫‪27‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫الشورى يف السنة‬
‫مشاورة النيب صلى هللا عليه‬
‫وسلم خلدجية وأيب بكر رضي هللا عنهما‬
‫وشاورهم يف األمر‪:‬‬
‫كان رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫يستشري صحابته يف مكة‪ ،‬مث ملا قدم املدينة استمر يف‬
‫مشورته هلم‪ ،‬وبعد أحد ن زل قوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)‬
‫وهذه اآلية ليس فيها ما يدل على أن رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫( ‪)‬‬
‫[ سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪] 159 :‬‬
‫وسلم مل يكن يستشري صحابته‬
‫(‪) 2‬‬
‫َّ ِ‬
‫ين اآمنُوا ِآمنُوا)‬
‫بل هي أشبه بقوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬اَي أايُّ اها الذ ا‬
‫علمنا الظروف اليت ن زلت فيها هذه اآلية‪ ،‬حيث كانت بعد غزوة أحد‪ ،‬وقد سبقها استشارة من رسول هللا‬
‫(‪)‬‬
‫صلى هللا عليه‬
‫[ سورة النساء‪ ،‬اآلية‪ ] 136 :‬وخباصة إذا‬
‫وسلم ْلصحابه يف شأن الغزوة‪ ،‬وحدث ما حدث كما سبق بيانه‪.‬‬
‫وقد استمر رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم يف مشورته ْلصحابه؛ وتوالت اْلدلة القولية والعملية‬
‫اليت تؤكد ذلك‪ ،‬مع أن اْلدلة العملية ‪-‬وهي اْلهم هنا‪ -‬بلغت حدا جعل أاب هريرة رضي هللا عنه‬
‫يقول‪ :‬ما رأيت أحدا أكثر مشورة ْلصحابه من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه (‪.)‬‬
‫وقد روى ابن عباس ‪-‬رضي هللا عنهما‪ -‬أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬ما من نيب إال‬
‫وله وزيران من أهل السماء‪ ،‬ووزيران من أهل اْلرض‪ ،‬فأما وزيراي من أهل السماء فجربيل وميكائيل‪ ،‬وأما‬
‫وزيراي من أهل اْلرض فأبو بكر وعمر " (‪.)‬‬
‫‪ - 1‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 2‬وبخاصة أنه ثبت أن رسول هللا كان يستشير صحابته قبل ذلك‪ ،‬وأقرب مثال على ذلك استشارتهم في أحد‪ ،‬وقبلها في بدر‪.‬‬
‫‪ - 3‬سورة النساء آية‪.136 :‬‬
‫‪ - 4‬سبق تخريجه ص‪.8‬‬
‫‪ - 5‬رواه الترمذي "‪ "3680‬وهو حديث ضعيف انظر ضعيف الجامع "‪."5223‬‬
‫‪28‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫ولذلك قال علي رضي هللا عنه مرتمحا على عمر رضي هللا‬
‫عنه بعد أن طعن‪ :‬ما خلفت أحدا‬
‫أحب إِل من أن ألقى هللا مبثل عمله منك‪ ،‬وأمي هللا إن كنت ْلظن أن جيعلك هللا مع صاحبيك‪ ،‬وحسبت‬
‫أِن كثريا كنت أمسع النيب صلى هللا عليه‬
‫وسلم يقول‪ " :‬ذهبت أان وأبو بكر وعمر‪ ،‬ودخلت أان وأبو‬
‫بكر وعمر‪ ،‬وخرجت أان وأبو بكر وعمر " (‪.)‬‬
‫وال شك أن كثرة لقاء الرسول صلى هللا عليه‬
‫وسلم مع صاحبيه كان ْلمور مهمة وعظيمة‪ ،‬ومن‬
‫ذلك التشاور املستمر يف شئون اْلمة‪ ،‬وما جيد فيها‪ ،‬ويؤكد ذلك وقائع السرية وروايتها‪.‬‬
‫بل إن اْلمر أوسع من ذلك‪ ،‬فقد صح عن رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم أنه قال‪ " :‬ما بعث‬
‫هللا من نيب وال استخلف من خليفة إال كانت له بطانتان‪ ،‬بطانة أتمره ابملعروف وحتضه عليه‪ ،‬وبطانة أتمره‬
‫ابلشر وحتضه عليه‪ ،‬واملعصوم من عصم هللا " (‪.)‬‬
‫وّبذا ندرك أن قوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪ ] 159 :‬أصبح منهج‬
‫حياة لرسول هللا صلى هللا عليه وسلم وْلمته من بعده اقتداء به‪ ،‬وتصديقا لقوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬اوأ ْام ُرُه ْم‬
‫ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ )‬إذ مدح هللا اْلنصار ‪-‬رضي هللا عنهم‪ -‬ملمارستهم الشورى يف حياهتم حَّت قبل هجرة‬
‫الرسول صلى هللا عليه‬
‫وسلم إىل املدينة‪.‬‬
‫وتوضيحا ملا ُت إمجاله سأذكر بعض وقائع السرية من مشورته صلى هللا عليه‬
‫وسلم ْلصحابه يف‬
‫أزمنة خمتلفة‪.‬‬
‫ونظرا ْلن املراد هو بيان أن الشورى يف حياة الرسول صلى هللا عليه وسلم‬
‫أصبحت حقيقة‬
‫واقعة‪ ،‬ومنهج حياة‪ ،‬وليس املراد هو حصر وقائع الشورى‪ ،‬وذكر تفصيالهتا ودقائقها‪ ،‬فلن ألتزم حبصر تلك‬
‫‪ - 1‬رواه البخاري "‪ ،26 / 7‬رقم ‪ ،"3677‬ومسلم "‪ ،1858 / 4‬رقم ‪ "2389‬كالهما عن ابن عباس‪.‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري (‪ ،201 / 13‬رقم "‪- "7198‬فتح‪ )-‬واإلمام أحمد (‪ 39 / 3‬و‪ )88‬والنسائي (‪ )4202‬عن أيى سعيد الخدري رضي هللا عنه‪.‬‬
‫‪ - 3‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪29‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫الوقائع‪ ،‬ولن أفصل فيها تفصيال خيرج عن اهلدف الذي سيقت له‪ ،‬بل سأذكرها مبا يشبه اإلمجال‪ ،‬وليس‬
‫املراد هو التحقيق من صحة كل رواية بذاهتا ‪-‬حيث إن بعض ما يرد قد ال خيلو من ضعف وخباصة يف‬
‫تفاصيله ال يف أصله‪ -‬ولكن جمموع ما سأذكره من وقائع وشواهد ‪-‬وبعضها يف الصحيحني‪ُ -‬يقق الغرض‬
‫الذي سيقت من أجله‪ ،‬وهذه مسألة ال بد من التنبه هلا ومراعاهتا‪ ،‬وتربز قضية املشاورة من خالل مما يلي‪:‬‬
‫وسلم خلدجية ‪-‬رضي هللا عنها‪ -‬منذ بعثته حَّت وفاهتا‬
‫‪ -1‬مشاورة الرسول صلى هللا عليه‬
‫‪ -2‬استشارة الرسول صلى هللا عليه وسلم ْليب بكر رضي هللا عنه يف مكة‪ ،‬ومن أبرز‬
‫(‪)1‬‬
‫الوقائع يف ذلك حادثة اهلجرة‪ ،‬واختاذ الرتتيبات لذلك (‪.)2‬‬
‫مشاورة النيب صلى هللا عليه‬
‫وسلم ْلصحابه يف غزوة بدر‬
‫‪ -‬ما حدث يف بدر من مشاورة بني رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم وصحابته يف عدة مواضع‬
‫أمهها‪:‬‬
‫(أ) استشارته ْلصحابه قبل اختاذ قرار املواجهة مع قري(‪ ،‬فعندما أاته اخلرب عن مسري قري( ليمنعوا‬
‫عريهم استشار الناس بعد أن أخربهم بقدوم قري(‪ ،‬فقام عدد من الصحابة من املهاجرين كأيب بكر واملقداد‬
‫وسلم أبن ميضي ملا أراه هللا‪ ،‬فهم موافقون ْلي قرار‬
‫بن عمرو‪ ،‬وأشاروا على رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫يتخذه‪ ،‬ولكن الرسول صلى هللا عليه وسلم يريد رأي اْلنصار ‪-‬تنفيذا ملا ُت االتفاق عليه يف بيعة‬
‫العقبة‪ .-‬فقال‪ " :‬أشريوا علي أيها الناس " فقام سعد بن معاذ‪ ،‬وتكلم عن اْلنصار‪ ،‬وكان مما قال‪ " :‬فامض‬
‫ملا أردت فنحن معك " فمضى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫إىل بدر بعد أن مسع من املهاجرين‬
‫واْلنصار‪ ،‬ومل خيالف يف ذلك أحد منهم(‪.)‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬فقه السيرة ص‪ 91‬و ‪.128‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬فقه السيرة ص‪ 170‬و‪.172‬‬
‫‪ - 3‬خرج األلباني هذا الحديث‪ ،‬وأشار إلى رواياته وأسانيده‪ ،‬وبين درجة كل منها‪ ،‬والخالصة صحة أصل االستشارة ‪-‬وهو ما يهمنا هنا‪ -‬ومن أراد المزيد من التفصيل فليرجع إلى فقه السيرة‬
‫للغزالي بتخريج األلباني ص‪.239‬‬
‫‪30‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫(ب) عندما ن زل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫قبل بدر‪ ،‬وقبل الوصول إىل املاء جاء احلباب‬
‫بن املنذر‪ ،‬وأشار على رسول هللا أن يغري املكان إىل مكان أفضل منه من الناحية احلربية‪ ،‬ففعل رسول هللا‬
‫صلى هللا عليه‬
‫وسلم وقابِل مشورته (‪.)1‬‬
‫(ج) وقمة االستشارة يف هذه الغزوة استشارته يف أسارى بدر‪ ،‬فقد روى اإلمام أمحد عن أنس رضي‬
‫هللا عنه أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم استشار الناس يوم بدر يف اْلسارى فقال‪ " :‬إن هللا قد‬
‫أمكنكم منهم " فأشار عليه عدد من الصحابة بعدة آراء‪ ،‬وهي تدور على‪ :‬إطالق سراحهم‪ ،‬أو الفداء‪ ،‬أو‬
‫القتل‪ .‬وكان ممن أشار ابلعفو مع الفداء‪ :‬أبو بكر‪ ،‬وأشار عمر بضرب أعناقهم‪ .‬وقد أخذ صلى هللا‬
‫عليه وسلم برأي أيب بكر‪ ،‬فأخذ منهم الفداء‪ ،‬وأطلق سراحهم‪ ،‬ون زل القرآن موافقا لرأي عمر حيث قال‬
‫اسارى اح ََّّت يُثْ ِخ ان ِيف ْاْل ْار ِ‬
‫ِِ‬
‫ض الدُّنْياا او َّ‬
‫يد ْاآل ِخارةا‬
‫اَّللُ يُِر ُ‬
‫ض تُِر ُ‬
‫يدو ان اعار ا‬
‫يب أا ْن يا ُكو ان لاهُ أ ْ‬
‫سبحانه‪ ( :-‬اما اكا ان لنا ٍّ‬‫ِ‬
‫اَّلل ع ِزيز ح ِكيم لاوال كِتاب ِمن َِّ‬
‫اب اع ِظ ٌيم)(‪ [ )()‬سورة اْلنفال‪ ،‬اآليتان‪:‬‬
‫اخ ْذ ُُْت اع اذ ٌ‬
‫يما أ ا‬
‫اَّلل اسبا اق لا ام َّس ُك ْم ف ا‬
‫او َُّ ا ٌ ا ٌ ْ ا ٌ ا‬
‫‪.] 68 ،67‬‬
‫وسلم ْلصحابه يف غزوة أحد‬
‫مشاورة النيب صلى هللا عليه‬
‫‪ -‬استشار رسول هللا صلى هللا عليه وسلم صحابته قبل غزوة أحد‪ ،‬هل يقاتلون من داخل‬
‫املدينة‪ ،‬أم خيرجون إىل خارجها‪ ،‬وقال‪ :‬أشريوا علي‪:‬‬
‫وقد أشار عدد من الصحابة أبن يبقوا داخل املدينة‪ ،‬فإن دخلت قري( عليهم قاتلوهم يف اْلزقة‪،‬‬
‫ورموهم من فوق الصياصي واآلطام‪ ،‬وقد كانت املدينة شبه حمصنة‪ ،‬وكان هذا رأي كبار الصحابة‪ ،‬وهو رأي‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم ولكنه مل يعزم عليهم‪.‬‬
‫‪ - 1‬وقد ضعف األلباني هذه القصة بعد ذكره لرواياتها‪ ،‬وانظر فقه السيرة ص‪.340‬‬
‫‪ - 2‬سورة األنفال آية‪.68-67 :‬‬
‫‪ - 3‬وهذه االستشارة صحيحة حيث ثبتت في صحيح مسلم وغيره انظر‪ :‬صحيح مسلم ‪ 156 / 5‬وتفسير ابن كثير ‪ 325 / 2‬وفقه السيرة ص‪.254‬‬
‫‪31‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫ولذلك قال بعض الفتيان ممن مل يشهدوا بدرا‪ ،‬وكانوا يتشوقون للجهاد ليبلوا كما أبلى أصحاب بدر‪،‬‬
‫حيث إهنم مل يشهدوها‪ ،‬فقد قال هؤالء‪ :‬اخرج بنا إىل عدوان‪ ،‬وأيدهم بعض كبار الصحابة كحمزة‪ ،‬وسعد‬
‫بن عبادة‪ ،‬والنعمان بن ثعلبة‪ ،‬وغريهم‪.‬‬
‫وسلم برأي هؤالء‪ ،‬وعندما لبس المته ودرعه‪ ،‬خشي أولئك‬
‫وقد أخذ رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫أهنم استكرهوه‪ ،‬فعادوا إىل رأيه‪ ،‬فأىب صلى هللا عليه وسلم بعد أن عزم على اخلروج‪ ،‬فخرج‬
‫مشاورة النيب صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه يف قصة اإلفك وغزوة اخلندق‬
‫‪ -‬إستشارة الرسول صلى هللا عليه‬
‫(‪.)1‬‬
‫وسلم لعلي بن أيب طالب‪ ،‬وأسامة بن زيد يف قصة اإلفك‪،‬‬
‫وخباصة ما يتعلق بعائشة ‪-‬رضي هللا عنهم أمجعني‪ .--‬فأما أسامة فأثىن خريا‪ ،‬مث قال‪َ :‬ي رسول هللا‪ ،‬أهلك‬
‫وال نعلم منهم إال خريا‪ .‬وأما علي فقال‪َ :‬ي رسول هللا‪ ،‬إن النساء لكثري‪ ،‬وسل اجلارية فإهنا تصدقك‪ .‬فدعا‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم بريرة يسأهلا‪ ...‬احلديث (‪.)2‬‬
‫‪ -6‬ويف غزوة اخلندق كتب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫الصلح بينه وبني عيينة بن حصن‬
‫على ثلث مثار املدينة على أال يقاتلوا مع اْلحزاب‪ ،‬وقبل إكمال إجراءات العقد واإلشهاد عليه بعث رسول‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫إىل سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يستشريمها يف ذلك‪ ،‬فقاال‪ :‬أمرا حتبه‬
‫فنصنعه‪ ،‬أم شيئا أمرك هللا به ال بد لنا من العمل به‪ ،‬أم شيئا تصنعه لنا؟ قال‪ :‬ال‪ ،‬بل شيء أصنعه لكم‪،‬‬
‫فذكر سعد بن معاذ أهنم ال يرون ذلك‪ ،‬وأيده سعد بن عبادة‪ ،‬فأخذ رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫برأيهما‪ ،‬وألغى الكتابة مع عيينة بن حصن (‪.)‬‬
‫مشاورة النيب صلى هللا عليه‬
‫وسلم ْلصحابه يف احلديبية‬
‫‪ - 1‬ورد هذا الحديث بطرق وروايات متعددة‪ ،‬وقد حققها األلباني وحكم بصحة ال حديث‪ ،‬ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى فقه السيرة للغزالي‪ ،‬بتخريج األلباني ص‪.169‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪ ،269 / 3‬وهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما وانظر‪ :‬فقه السيرة ص‪.316‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬سيرة ابن هشام ومالمح الشورى للنحوي ص‪.214‬‬
‫‪32‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫وسلم صحابته يف أكثر من مرة ومنها‪:‬‬
‫‪ -‬ويف احلديبية شاور رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫(أ) ملا خرج رسول هللا صلى هللا عليه وسلم من املدينة قاصدا مكة حمرما‪ ،‬ووصل إىل غدير‬
‫اْلشطاط جاءه رجل فقال له‪ :‬إن قريشا قد مجعوا لك مجوعا‪ ،‬وقد مجعوا لك اْلحابي(‪ ،‬وهم مقاتلوك‪،‬‬
‫وصادوك‪ ،‬ومانعوك‪ ،‬فقال صلى هللا عليه وسلم‬
‫أشريوا أيها الناس علي‪ :‬أترون أن منيل على عياهلم‬
‫وذراري هؤالء الذين يريدون أن يصدوان عن البيت؟ أم ترون أن نؤم البيت فمن صدان قاتلناه؟ فأشار عليه‬
‫أبو بكر ابخليار الثاِن‪ ،‬فقال صلى هللا عليه‬
‫وسلم " فامضوا على اسم هللا تعاىل " احلديث (‪.)‬‬
‫(ب) ذكر ابن إسحاق أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫وطلب منه أن يذهب إىل قري( إلخبارها بقصد الرسول صلى هللا عليه وسلم من مقدمه إىل مكة‪،‬‬
‫فأشار عليه عمر أن يرسل عثمان بن عفان ْلسباب ذكرها‪ ،‬فأخذ الرسول صلى هللا عليه وسلم برأيه‬
‫وأرسل عثمان رضي هللا عنه (‪.)2‬‬
‫(جـ) ملا كتب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الكتاب مع سهيل بن عمرو‪ ،‬أمر الصحابة أن ُيلوا‬
‫استدعى عمر‪ -‬رضي هللا عنه‪،-‬‬
‫ابحللق بعد النحر‪ ،‬فما قام منهم رجل واحد‪ ،‬وقال ذلك ثالث مرات‪ ،‬فلم يفعلوا‪ ،‬فدخل على أم سلمة ‪-‬‬
‫رضي هللا عنها‪ -‬وذكر هلا ما لقي من الناس‪ ،‬فأشارت عليه أم سلمة أن خيرج مث ينحر بدنه ‪-‬وال يكلم‬
‫أحدا منهم‪ -‬مث يدعو حالقه فيحلقه‪ ،‬فخرج رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫وفعل ما أشارت به أم‬
‫سلمة من النحر واحللق‪ ،‬فلما رأى الصحابة ذلك قاموا فنحروا‪ ،‬وجعل بعضهم ُيلق بعضا‪ ،‬حَّت كاد‬
‫بعضهم يقتل بعضا غما‬
‫(‪)‬‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري (‪ ،518 / 7‬رقم ‪ )4179 ،4178‬عن المسور بن مخرمة‪ ،‬ومروان ابن الحكم‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬سيرة ابن هشام وفقه السيرة ص‪.363‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬صحيح البخاري وفقه السيرة ص‪.363‬‬
‫‪33‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫صفحة من التاريخ‬
‫مناذج من الشوري يف حياة الصحابة رضي هللا عنهم‬
‫وأمرهم شورى بينهم ذكرت عند تفسري قوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪[ )‬سورة الشورى‪،‬‬
‫اآلية‪ ]38 :‬أن هذه اآلية ن زلت يف اْلنصار قبل هجرة الرسول صلى هللا عليه وسلم‬
‫إليهم‪ ،‬حيث‬
‫كانوا يتشاورون فيما بينهم‪ ،‬وهذه اآلية وإن كانت ن زلت يف اْلنصار‪ ،‬فإن مدلوهلا أعم من ذلك‪ ،‬حيث إن‬
‫الصحابة ‪-‬رضوان هللا عليهم‪ -‬استمروا ميارسون الشورى بعد وفاة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫وهذا اْلمر يعدو على احلصر‪ ،‬وسأشري إىل بعض تلك الوقائع إبجياز‪ ،‬مبينا أن الشورى كانت قبل هجرته‬
‫صلى هللا عليه وسلم ويف أثناء حياته يف مكة واملدينة ‪-‬كما سبق‪ -‬وكذلك بعد وفاته صلى هللا‬
‫عليه وسلم فهي منهج حياة مارسها صحابة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم سابقا والحقا‪ ،‬وهذا‬
‫معىن قوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪[ )‬سورة الشورى‪ ،‬اآلية‪.] 38 :‬‬
‫وأنيت اآلن إىل ذكر بعض هذه الشواهد‪:‬‬
‫‪ -1‬اجتمع صحابة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫فيمن خيلف رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وبعد مداولة مشهورة اتفق رأيهم على تولية أيب بكر‬
‫رضي هللا عنه فبايعوه على ذلك‪ ،‬يف صورة من صور الشورى الرائعة‪ ،‬اليت سجلها التاريخ أبحرف من‬
‫بعد وفاته يف سقيفة بين ساعدة‪ ،‬وتشاوروا‬
‫ذهب (‪.)‬‬
‫‪ -2‬ملا أراد أبو بكر غزو الروم دعا عمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي‪ ،‬وعبد الرمحن بن عوف‪ ،‬وسعد بن أيب‬
‫وقاص‪ ،‬وسعيد بن زيد‪ ،‬وأاب عبيدة بن اجلراح‪ ،‬وعددا من املهاجرين واْلنصار‪ ،‬وأخربهم عما أراد‪ ،‬وبني هلم‬
‫علي أمرؤ برأيه‪.‬‬
‫وجهة نظره يف ذلك‪ ،‬مث قال‪ :‬وهذا رأيي الذي رأيته‪ ،‬فليشر ّ‬
‫‪ - 1‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬كتب السيرة‪ .‬فالواقعة مشهورة‪.‬‬
‫‪34‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫"سرب إليهم اخليل يف أثر اخليل‪ ،‬وابعث الرجال بعد‬
‫فأشار عمر برأيه‪ ،‬وكان مما قال يف ختام كالمه‪ّ :‬‬
‫الرجال‪ ،‬واجلنود تتبعها اجلنود‪ ،‬فإن هللا انصر دينه ومعز اإلسالم أبهله"‪.‬‬
‫مث تكلم عبد الرمحن بن عوف‪ ،‬وكان مما قال‪" :‬ما أرى أن نقتحم عليهم اقتحاما‪ ،‬ولكن نبعث اخليول‬
‫فتغري يف قواصي أرضهم‪ ،‬مث ترجع إليك‪ ،‬وهكذا"‪.‬‬
‫* مث قال أبو بكر‪ :‬ما ترون‪.‬‬
‫فقال عثمان بن عفان‪" :‬إِن أرى أنك انصح ْلهل هذا الدين‪ ،‬شفيق عليهم‪ ،‬فإذا رأيت رأَي تراه‬
‫لعامتهم صالحا فاعزم على إمضائه‪ ،‬فإنك غري ظنني"‪.‬‬
‫فقام أغلب من يف اجمللس‪ ،‬وأيدوا ما قاله عثمان يف تفويض اْلمر إليه (‪.)1‬‬
‫‪ -‬بعد أن انتقل رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم إىل الرفيق اْلعلى‪ .‬ارتد بعض العرب‪ ،‬وامتنع‬
‫عنه رأي معروف‪ ،‬وخالفه يف‬
‫آخرون عن أداء الزكاة‪ ،‬فتشاور الصحابة يف ذلك‪ ،‬وكان لعمر رضي هللا‬
‫ذلك أبو بكر رضي هللا عنه وثبت أبو بكر على رأيه بعد ذكر اْلدلة على صحة ما ذهب إليه‪ ،‬فشرح‬
‫هللا صدر عمر واتفقت كلمة الصحابة على حرب املرتدين‪ ،‬وقتال مانعي الزكاة‪.‬‬
‫* ولوال هذه الشورى‪ ،‬واحملاورة املدعومة ابلدليل حلدث شرخ كبري يصعب رتقه‪ ،‬يف وقت كانت اْلمة يف‬
‫أمس احلاجة إىل وحدة الكلمة‪ ،‬ورص الصفوف (‪.)2‬‬
‫‪ -‬وقد كان عمر رضي هللا عنه‬
‫يستشري كثريا‪ ،‬وجيمع أهل بدر للمعضالت‪ ،‬قال سعد بن أيب‬
‫وقاص‪ :‬ما رأيت أحدا أحضر فهما‪ ،‬وال ألب لبا‪ ،‬وال أكثر علما‪ ،‬وال أوسع علما من ابن عباس‪ ،‬ولقد‬
‫رأيت عمر بن اخلطاب يدعوه للمعضالت مث يقول‪ :‬جاءتك معضلة‪ ،‬مث ال جياوز قوله‪ ،‬وإذا أهم اْلمر عمر‬
‫بن اخلطاب دعاه وقاله له‪ :‬غص غواص‪.‬‬
‫* وذكر البيهقي أن عمر كان يدعو الفتيان‪ ،‬فيستشريهم‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬حياة الصحابة ‪ ،651 / 1‬ومالمح الشورى‪ ،‬ص‪.265‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬كتاب "أبو بكر الصديق" لمحمد رضا ص‪ 75‬وما بعدها‪ ،‬ومالمح الشورى‪.‬‬
‫‪35‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وعند البيهقي ‪-‬أيضا‪ -‬قال ابن سريين‪ :‬إن عمر بن اخلطاب كان يستشري‪ ،‬حَّت إن كان ليستشري‬
‫املرأة‪ ،‬فرمبا أبصر يف قوهلا الشيء احلسن فيأخذ به (‪ .)1‬قال ابن عاشور‪ :‬وكان عمر يكتب لعماله أيمرهم‬
‫ابلتشاور‪ ،‬ويتمثل هلم يف كتبه بقول الشاعر‪:‬‬
‫خليلـ ـ ـ ـ ــي لـ ـ ـ ـ ــيس ال ـ ـ ـ ـ ـرأي يف صـ ـ ـ ـ ــدر واحـ ـ ـ ـ ــد‬
‫‪‬‬
‫أشـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـريا علـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــي ابلـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــذي تـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرًين‬
‫(‪)2‬‬
‫وقد استشار عمر ابنته حفصة ‪-‬رضي هللا عنها‪ -‬يف مقدار املدة اليت تصرب فيها املرأة عن زوجها‪.‬‬
‫وكذلك أشارت عليه أن يستخلف من بعده‪.‬‬
‫* وآخر مظهر من مظاهر الشورى يف حياة عمر رضي هللا‬
‫عنه اختياره ْلهل الشورى‪ ،‬وإسناد أمر‬
‫اخلالفة إليهم‪ ،‬وانتقل إىل الدار اآلخرة‪ ،‬وأمر املسلمني شورى بينهم‪- .‬فرضي هللا عنه وأرضاه‪.)( -‬‬
‫‪ -‬واستمرت الشورى يف خالفة عثمان وعلي ‪-‬رضي هللا عنهما‪ ،-‬وسريهتما تزخر ابلشواهد على‬
‫ذلك‪ ،‬سواء أكان ذلك فيما يتعلق ابلفتوحات‪ ،‬أم إبسناد الوالَيت‪ ،‬أم ما جيد من أحداث كانت تستدعي‬
‫الشورى‪ ،‬بصوره فردية أو مجاعية‪ ،‬فقد كان عثمان يستشري عليا يف كثري من اْلمور اليت تواجه اخلالفة‬
‫الراشدة‪ ،‬وحتتاج إىل الرأي السديد واملوقف احلازم‪ ،‬وهو ما اشتهر به أبو احلسن ‪-‬رضي هللا عنهم‪ -‬أمجعني‪.‬‬
‫وكذلك كان علي يف خالفته‪ ،‬وخباصة بعد مواجهته للفنت والقالقل اليت كانت حتتاج إىل حمض الرأي‬
‫وصدق املشورة‪ ،‬وقد كان علي يستشري كثريا من الصحابة‪ ،‬وخباصة السابقني إىل اإلسالم‪.‬‬
‫ومن خالل ما سبق يتضح لنا جليا معىن قوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ [ )‬سورة الشورى‪،‬‬
‫اآلية‪.] 38 :‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬لكل ما سبق مالمح الشورى ص‪.303‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير التحرير والتنوير ‪.150 / 4‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪ 347‬وأخبار عمر ص‪.433‬‬
‫‪ - 4‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪36‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫أهداف االستشارة وآاثرها‬
‫البحث عن احلق والصواب‬
‫أهداف االستشارة وآاثرها‪:‬‬
‫هناك أهداف نسعى لتحقيقها من خالل االستشارة‪ ،‬وإذا حتققت املشاورة على وجهها الصحيح فإن‬
‫هلا من اآلاثر اإلجيابية ما ال خيفى‪.‬‬
‫وللتداخل بني اْلهداف واآلاثر فسأذكرمها معا دون َتييز هلما‪ ،‬وخباصة أن ما سأذكره قد يكون هدفا‬
‫وأثرا يف آن واحد‪ ،‬وسأقتصر على أهم اْلهداف واآلاثر غري مستقص لذلك (‪.)1‬‬
‫‪ -1‬إن االستشارة إذا توافر فيها ركنا اإلخالص واملتابعة فهي عبادة هلل‪ ،‬يرجو العبد فيها ثواب هللا‪ْ ،‬لن‬
‫هللا قد أمر ّبا وشرعها‪ ،‬وفعلها رسوله صلى هللا عليه وسلم‬
‫وما كان كذلك فهو أمر مشروع متعبد‬
‫به‪ ،‬سواء أكان عبادة واجبة أم مندوبة (‪.)2‬‬
‫‪ -2‬البحث عن احلق والصواب ضمن املنهج الشرعي‪ ،‬والوصول إىل أقرب الوسائل املالئمة لَلمر‬
‫املتشاور فيه‪ .‬قال ابن اجلوزي عند تفسريه لقوله ‪-‬تعاىل‪ ( :-‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)‬
‫اآلية‪.] 159 :‬‬
‫(‪)‬‬
‫قال علي رضي هللا‬
‫[ سورة‪ ،‬آل عمران‪،‬‬
‫عنه "االستشارة عني اهلداية‪ ،‬وقد خاطر من استغىن برأيه"‪.‬‬
‫* وقال بعض احلكماء‪" :‬ما استُنبط الصواب مبثل املشاورة‪ ،‬وال ُحصنت النعم مبثل املواساة‪ ،‬وال‬
‫اكتسبت البغضاء مبثل الكرب"‪.‬‬
‫* قال ابن اجلوزي‪" :‬ومن فوائد املش اورة أنه قد يعزم على أمر‪ ،‬فيبني له الصواب يف قول غريه"‪.)(.‬‬
‫* وقال قتادة‪" :‬وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا‪ ،‬وأرادوا بذلك وجه هللا عزم هلم على أرشده" (‪.)‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مالمح الشورى للنحوي ص‪.32‬‬
‫‪ - 2‬اختلف العلماء في حكم االستشارة أواجبة أو مندوبة؟! وقد ذكر ابن عاشور خالف العلماء في ذلك‪ .‬وفصل فيه‪ ،‬ورجح ما رآه‪ .‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪.148 / 4‬‬
‫‪ - 3‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.488 / 1‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.153 ،152 / 4‬‬
‫‪37‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وقال احلسن‪" :‬ما شاور قوم قط إال هدوا ْلرشد أمورهم" (‪.)1‬‬
‫* وقال الطربي‪" :‬فإهنم إذا تشاوروا مستنني بفعله يف ذلك على تصادق وآتخ للحق‪ ،‬وإرادة مجيعهم‬
‫للصواب‪ ،‬من غري ميل إىل هوى‪ ،‬وال حيد عن هدى‪ ،‬فاهلل مسددهم وموفقهم" (‪.)2‬‬
‫‪ -‬أتليف القلوب ومجع الكلمة‪ ،‬وسد منافذ الشر‪ ،‬والقيل والقال‪ ،‬وأدعى لقبول اْلمر الناتج عن‬
‫تشاور‪.‬‬
‫* قال الطربي‪ :‬أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم بقوله‪ ( :‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)‬
‫عمران‪ ،‬اآلية‪ ]159 :‬مبشاورة أصحابه يف مكايد احلرب‪ ،‬وعند لقاء العدو‪ ،‬تطييبا منه بذلك أنفسهم‪،‬‬
‫(‪)‬‬
‫[سورة آل‬
‫وأتلفا هلم على دينهم(‪.)4‬‬
‫* قال قتادة‪ :‬أمر هللا ‪ ‬نبيه صلى هللا عليه وسلم‬
‫أن يشاور أصحابه يف اْلمور‪ ،‬وهو أيتيه‬
‫وحي السماء‪ْ ،‬لنه أطيب ْلنفس القوم(‪.)‬‬
‫* وقال ابن إسحا ‪ ( :‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)‬
‫تسمع منهم وتستعني ّبم‪ ،‬وإن كنت عنهم غنيا تؤلفهم بذلك على دينهم‬
‫(‪)6‬‬
‫[ سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪ ] 159 :‬أي‪ :‬لرتيهم أنك‬
‫(‪. ) 7‬‬
‫* وقال ابن اجلوزي‪ :‬أمر هللا نبيه مبشاورة أصحابه‪ ،‬مع كونه كامل الرأي‪ ،‬اتم التدبري على ثالثة أقول‪:‬‬
‫* وذكر األول مث قال‪ :‬الثاِن‪ :‬لتطيب قلوّبم‪ ،‬وهو قول قتادة والربيع وابن إسحاق ومقاتل‪ ،‬قال‬
‫الشافعي‪ :‬نظري هذا قوله صلى هللا عليه‬
‫وسلم " البكر تستأمر يف نفسها " إمنا أراد استطابة نفسها‪،‬‬
‫فإهنا لو كرهت كان لَلب أن يزوجها‪ ،‬وكذلك مشاورة إبراهيم ‪-‬عليه السالم‪ -‬البنه حني أمر بذحبه (‪.)8‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.153 ،152 / 4‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.153 ،152 / 4‬‬
‫‪ - 3‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 4‬تفسير الطبري ‪.152 / 4‬‬
‫‪ - 5‬تفسير الطبري ‪.152 / 4‬‬
‫‪ - 6‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 7‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.125 / 4‬‬
‫‪ - 8‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.488 / 1‬‬
‫‪38‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية‪:‬‬
‫وقد قيل‪ :‬إن هللا أمر ّبا نبيه صلى هللا عليه‬
‫وسلم لتأليف قلوب أصحابه‪ ،‬وليقتدي به من بعده‪،‬‬
‫وليستخرج منهم الرأي فيما مل ين زل فيه وحي (‪.)1‬‬
‫قال ابن عاشور‪ :‬وعن الشافعي أن هذا اْلمر لالستحباب‪ ،‬ولتقتدي به اْلمة‪ ،‬وهو عام للرسول‬
‫صلى هللا عليه‬
‫وسلم وغريه‪ ،‬تطييبا لنفوس أصحابه‪ ،‬ورفعا ْلقدارهم (‪.)2‬‬
‫‪ -‬القضاء على الفردية واالرجتال‪ ،‬وجتنيب اْلمة آاثر املواقف والقرارات الفردية‪.‬‬
‫إن الشورى عالج حاسم يف مواجهة املواقف االرجتالية والقرارات الفردية‪ ،‬فالشاعر يقول‪:‬‬
‫رأي‬
‫اجلماعة‬
‫ال‬
‫تشقى‬
‫البالد‬
‫به ‪‬‬
‫‪‬‬
‫رغـم‬
‫اخلالف‬
‫ورأي‬
‫الفرد‬
‫يشقيها‬
‫‪‬‬
‫إن هناك فرقا بني أن يتخذ اإلنسان قرارا خيصه وحده‪ ،‬أو يتخذ قرارا يؤثر على غريه‪.‬‬
‫ومن هنا رأينا أن هللا ‪-‬سبحانه‪ -‬جعل اختاذ قرار يتعلق بصيب رضيع ال ميلكه فرد واحد‪ ،‬وإن كان أقرب‬
‫الناس إليه‪ ،‬وهو والده أو والدته‪ ،‬وجعل رفع اجلناح مشروطا ابلتشاور والرتاضي بني الوالدين‪( ،‬فاِإ ْن أ اار اادا‬
‫فِصاالً عن تار ٍ ِ‬
‫اح اعلاْي ِه اما)(‪ [ )‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية‪.] 233 :‬‬
‫اض مْن ُه اما اوتا اش ُاوٍر فاال ُجنا ا‬
‫ا اْ ا‬
‫* فإذا كان هذا ما يتعلق بصيب رضيع‪ ،‬فكيف مبا يتعلق بشئون اْلمة وأحواهلا‪ ،‬أجيوز أن ينفرد به أي‬
‫فرد من املسلمني؟‬
‫‪ -5‬تنسيق اجلهود وجتميعها‪ ،‬واإلفادة من الطاقات وعدم تبديدها‪ ،‬والقضاء على االزدواجية‬
‫ب ِرُيُ ُك ْم)(‪[ )‬سورة‬
‫والتداخل‪ .‬وهذا أمر واضح ّ‬
‫وبني‪ ،‬ولذلك قال ‪-‬سبحانه‪ ( :-‬اوال تانا اازعُوا فاتا ْف اشلُوا اوتا ْذ اه ا‬
‫‪ - 1‬السياسة الشرعية ص‪.108‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪.148 / 4‬‬
‫‪ - 3‬سورة البقرة آية‪.233 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة األنفال آية‪.46 :‬‬
‫‪39‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫اْلنفال‪ ،‬اآلية‪ ]46 :‬فالشورى وسيلة لالجتماع‪ ،‬واستثمار الطاقات‪ ،‬وابب من أبواب التعاون على الرب‬
‫والتقوى‪ ،‬الذي أمر هللا به‪ ( :‬اوتا اع ااونُوا اعلاى الِْ ِّرب اوالتَّ ْق اوى)(‪ [ )‬سورة املائدة‪ ،‬اآلية‪.] 2 :‬‬
‫* قال سيد قطب ‪-‬يرمحه هللا‪ -‬يف تفسريه لقوله‪ -‬تعاىل‪ ( :-‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)(‪ [ )‬سورة‬
‫الشورى‪ ،‬اآلية‪ ] 38 :‬ومع أن هذه اآلَيت مكية‪ ،‬ن زلت قبل قيام الدولة اإلسالمية يف املدينة‪ ،‬فإننا َند‬
‫(‪)‬‬
‫مما يوحي أبن وضع الشورى أعمق يف‬
‫فيها أن من صفة هذه اجلماعة املسلمة‪ ( :‬اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)‬
‫حياة املسلمني من جمرد أن تكون نظاما سياسيا للدولة‪ ،‬فهو طابع أساسي للجماعة كلها‪ ،‬يقوم عليه أمرها‬
‫كجماعة (‪.)‬‬
‫‪ -6‬التدريب واإلعداد‪ ،‬واكتشاف املواهب والطاقات‪:‬‬
‫أخرج البيهقي أن عمر رضي هللا‬
‫عنه كان إذا ن زل اْلمر املعضل دعا الفتيان فاستشارهم يقتفي‬
‫حدة عقوهلم (‪.)‬‬
‫* وقال سعد بن أيب وقاص‪" :‬إذا أهم اْلمر عمر بن اخلطاب دعا ابن عباس وقال له‪ :‬غص‬
‫غواص"(‪.)6‬‬
‫‪ - 1‬سورة المائدة آية‪.2 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة الشورى آية‪.38 :‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬الظالل ‪.3165 / 5‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪.303‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪.303‬‬
‫‪40‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* قال األستاذ عدانن النحوي‪:‬‬
‫فمن خالل مداولة الرأي وبيان احلجة‪ ،‬يربز مستوى اإلميان والعلم‪ ،‬وتتمايز املواهب والقدرات‪ ،‬وتعرف‬
‫املعادن والرجال‪ ،‬فالشورى حمك‪ ،‬يكاد يكشف أطراف النية‪ ،‬ومنثور املوهبة‪ ،‬وحدود الطاقة‪ .‬وقال‪ :‬ولقد‬
‫تدرب صحابة رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم تدريبا واسعا من خالل املمارسة‪ ،‬والصحبة على هذه‬
‫اْلمور‪ ،‬يف جمالس الشورى‪ ،‬فلما أصبح اْلمر يف أيديهم سهل عليهم اْلمر‪ ،‬ومدرسة الشورى من أعظم‬
‫مدارس اإلسالم عطاء يف التدريب‪ ،‬واإلعداد‪ ،‬والرتبية والبناء (‪.)1‬‬
‫‪ -‬الشورى غنهما لك وغرمها على غريك‬
‫* قال ابن اجلوزي‪" :‬ومن فوائد املشاورة أن املشاور إذا مل ينجح يف أمره‪ ،‬علم أن امتناع النجاح حمض‬
‫قدر فلم يلم نفسه" (‪.)2‬‬
‫فإذا بذل اإلنسان وسعه وطاقته يف حتري الصواب فلم يوفق له‪ ،‬فقد اجتهد‪ ،‬وهو مأجور ‪-‬إن شاء‬
‫هللا‪ ،-‬وال يكلف هللا نفسا إال وسعها‪ ،‬وإن وفق لَلمر بعد اجتهاده ‪-‬والشورى من وسائل االجتهاد‪ -‬فله‬
‫أجران‪ ،‬فإذا هو غامن غري غارم على أي حال‪ .‬ولذلك قال الشاعر‬
‫إن‬
‫املشـاور‬
‫إمـا‬
‫صـائب‬
‫غرضا ‪‬‬
‫‪‬‬
‫* وقال اآلخر‪:‬‬
‫(‪)‬‬
‫أو خمطئ غري منسوب إىل اخلطل‬
‫‪‬‬
‫(‪)‬‬
‫وأكـثر من الشورى فإنك إن تصب ‪‬‬
‫جتد‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫مادحا‬
‫أو‬
‫ختطئ‬
‫الرأي‬
‫ومن غنم االستشارة نضوج الرأي واستوائه فقد قيل‪" :‬من شاور الرجال شاركهم يف عقوهلم"‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪.33‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬زاد المسير ‪.488 / 1‬‬
‫‪ - 3‬البيت البن أبي بكر المقري كما في جواهر األدب ‪.432 / 2‬‬
‫‪ - 4‬البيت لعبد هللا فكري كما في جواهر األدب ‪.443 / 2‬‬
‫‪41‬‬
‫تعذر‬
‫فقه االستشارة‬
‫وهو يؤدي إىل أصالة الرأي‪ ،‬وهو من النضج واالستواء‪ ،‬وذلك عاصم ‪-‬إبذن هللا‪ -‬من الوقوع يف اخلطأ‪،‬‬
‫والتصرف غري احملمود‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫أصالـة‬
‫الـرأي‬
‫صـانتين‬
‫(‪) 1‬‬
‫عن‬
‫اخلطل ‪‬‬
‫‪‬‬
‫وحليـة‬
‫الفضل‬
‫زانتـين‬
‫لدى‬
‫العطل‬
‫‪‬‬
‫** ومن خالل ما سبق يتضح لنا ما للشورى من مثار وآاثر إجيابية‪ ،‬فهي مفتاح كل خري‪ ،‬ومغالق كل‬
‫شر إذا َتت ممارستها وفق الضوابط الشرعية‪ ،‬واْلصول املرعية‪ ،‬ولو مل يكن فيها إال أهنا تسد اباب من أبواب‬
‫اإلشاعة املؤذية‪ ،‬واالهتامات الباطلة‪ ،‬والفتنة املرجفه‪ ،‬لو مل يكن هلا إال ذاك لكفى ّبا خريا‪ ،‬ولعز مطلبها‬
‫وفاز طالبها‪ ،‬ورخص ‪-‬مهما غال‪ -‬مثنها‪ ،‬ولكن أكثر الناس ال يعلمون‪.‬‬
‫‪ - 1‬البيت ألبي إسماعيل الطغرائي‪ ،‬كما في جواهر األدب ‪.438 / 2‬‬
‫‪42‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫أسباب الفردية وعدم االستشارة‬
‫الكرب وحب السيطرة‬
‫أسباب الفردية وعدم االستشارة‬
‫ملاذا يعزف كثري من الناس عن االستشارة‪ ،‬ويستأثرون ابْلمر وحدهم دون مشاورة من حوهلم‪ ،‬وجتد أن‬
‫أغلب قراراهتم ‪-‬إن مل تكن كلها‪ -‬تتسم ابلفردية؟ إن هناك أكثر من سبب هلذا اْلمر‪ ،‬وقد جيتمع يف املرء‬
‫عدة أسباب‪ ،‬وقد يتصف بواحد منها‪ ،‬أو يطرأ له أحدها فيحول بينه وبني االستشارة‪.‬‬
‫وسأذكر أهم هذه اْلسباب‪ ،‬وابلذات اْلسباب املباشرة دون غريها من اْلسباب غري املباشرة‪،‬‬
‫وسأوضح كل سبب حسب ما يقتضيه املقام‪ .‬وهللا املوفق واملعني‪.‬‬
‫‪ -1‬الكرب واإلعجاب ابلنفس‪ :‬الكرب كما قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫وغمط الناس‬
‫"‬
‫"‬
‫بطر احلق‬
‫( ‪)‬‬
‫فاملتكرب بسبب بطره للحق وغمطه للناس ال يستشري‪ ،‬ومثاله فرعون الذي قال لقومه‪ ( :‬اما أُ ِري ُك ْم إَِّال اما‬
‫ِ َِّ ِ‬
‫الر اش ِاد)(‪[ )‬سورة غافر‪ ،‬اآلية‪ ]29 :‬إن إعجاب املرء بنفسه ال يتيح له فرصة‬
‫يل َّ‬
‫أ اارى اواما أ ْاهدي ُك ْم إال اسب ا‬
‫لريى الناس على حقيقتهم‪ ،‬فالغرور ميلكه فيصمه ويعميه‪ ،‬ويودي به إىل االستخفاف بغريه‪ ،‬ومن مث‬
‫االستخفاف آبرائهم وإمكاانهتم‪.‬‬
‫* إن الكرب واإلعجاب أصل الداء وموطن البالء‪ ،‬وما أصيب ّبما أحد إال هلك‪ .‬إما يف دنياه‪ ،‬أو‬
‫يف آخرته‪ ،‬أو فيهما معا‪ ،‬ولذلك ورد يف احلديث‪ " :‬ال يدخل اجلنة من كان يف قلبه مثقال حبة من كرب‬
‫(‪)‬‬
‫ِِ‬
‫ين)(‪ [ )‬سورة النحل‪ ،‬اآلية‪ ] 3 :‬ويف‬
‫‪ .‬وقد ذم هللا الكرب فقال ‪-‬سبحانه‪( :-‬إِنَّهُ ال ُُِي ُّ‬
‫ب الْ ُم ْستاكْرب ا‬
‫"‬
‫‪ - 1‬أخرجه اإلمام مسلم (‪ ،93 / 1‬رقم ‪ )91‬واإلمام أحمد (‪ 385 / 1‬و‪ )427‬وأبو داود "‪ "4092‬كلهم عن ابن مسعود‪.‬‬
‫‪ - 2‬سورة غافر آية‪.29 :‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم (‪ ،93 / 1‬رقم ‪ ،)91‬وأبو داود (‪ )4092‬والترمذي (‪ )1999‬واإلمام أحمد (‪.)427 ،385 / 1‬‬
‫‪ - 4‬سورة النحل آية‪.23 :‬‬
‫‪43‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫احلِس ِ‬
‫سورة غافر‪( :‬وقا اال موسى إِِِّن عُ ْذ ُ ِ‬
‫ٍِ‬
‫اب)(‪[ )‬سورة غافر‪،‬‬
‫ا ُ ا‬
‫ت بارِّيب اواربّ ُك ْم م ْن ُك ِّل ُمتا اك ّرب ال يُ ْؤم ُن بيا ْوم ْ ا‬
‫ص ُدوِرِه ْم إَِّال كِْب ٌر اما ُه ْم بِباالِغِ ِيه)(‪ [ )‬سورة غافر‪ ،‬اآلية‪.] 56 :‬‬
‫اآلية‪ ]27 :‬وصدق هللا العظيم‪( .‬إِ ْن ِيف ُ‬
‫‪ -2‬حب السيطرة والتفرد‪ :‬وهذا خيتلف عن اإلعجاب والتكرب‪ ،‬وإمنا هو مرض آخر‪ ،‬فقد يشعر‬
‫اإلنسان أن استشارته لغريه قد تفقده بعض امتيازاته‪ ،‬سواء احلسية أو املعنوية‪ ،‬فيبقي القرار بيده‪ ،‬وينفرد‬
‫ابْلمر دون غريه‪ ،‬وهذا نوع من التسلط الذي يبتلي به بعض الناس غري مدرك آلاثرة السلبية يف العاجل‬
‫واآلجل‪.‬‬
‫‪ -3‬الشعور أبن االستشارة ضعف يف الرأي وعدم قدرة على اختاذ القرار‪:‬‬
‫* فهناك من يتصور أن االستشارة ضعف‪ ،‬حيث تقول له نفسه اْلمارة ابلسوء‪ :‬إنك لو كنت قادرا‬
‫على اختاذ القرار ملا استشرت غريك‪ ،‬بل توسوس له أن الناس سيقولون ذلك‪ ،‬ويلمزونه به‪.‬‬
‫وقد أدرك الشاعر هذا اجلانب فقال‬
‫(‪)3‬‬
‫مكـان‬
‫وال حتسب الشورى عليك غضاضة‬
‫اخلـوايف‬
‫قوة‬
‫للقوادم‬
‫واحلقيقة اليت ختفى على الكثريين‪ :‬أن االستشارة قوة ال ضعف‪ ،‬وحكمة ال طي(‪.‬‬
‫وسلم كان أكثر الناس استشارة‬
‫ويكفي للداللة على ذلك أن رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫ْلصحابه‪ ،‬وهل يدعي مسلم أنه أقوى من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حسا أو معىن؟ بل هل‬
‫يتصور أن مسلما يسم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ابلضعف ْلنه كان كثري املشاورة ْلصحابه؟‬
‫حاشاه من ذلك!!‪.‬‬
‫وقل حنو ذلك عن أيب بكر أو عمر ‪-‬رضي هللا عنهما‪ ،-‬ومها من مها يف القوة‪ ،‬والصالبة‪ ،‬ورجاحة‬
‫العقل‪.‬‬
‫‪ - 1‬سورة غافر آية‪.27 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة غافر آية‪.56 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪.151 / 4‬‬
‫‪44‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫‪ -‬عدم إدراك فوائد االستشارة وخطورة الفردية‪:‬‬
‫إن للمشاورة فوائد مجة‪ ،‬سبق ذكر أمهها‪ ،‬وهذه الفوائد قد ختفى على بعض الناس‪ ،‬فال يدرك قيمة‬
‫الشورى‪ ،‬ويتصور أن ما يذكر حول أمهيتها قد يكون مبالغا فيه‪ ،‬ويزداد اْلمر خطورة إذا مل يدرك خطورة‬
‫الفردية واالستقالل ابْلمر دون غريه‪ ،‬وال يعلم اآلاثر املرتتبة على الفردية يف القرار‪ ،‬وخباصة إذا كان اْلمر‬
‫املعين ال يتعلق به وحده‪ ،‬وإمنا هو من أمور املسلمني العامة‪ ،‬اليت قد يتعدى أثر ضررها إذا وقع‪ ،‬ويصعب‬
‫حصره واحلد منه‪.‬‬
‫* ونظرة متأنية لواقع املسلمّي اليوم‪ ،‬وما تقدم عليه بعض اجلماعات من مواقف غري حمسوبة النتائج‬
‫يدرك ما أعنيه‪.‬‬
‫‪ -‬ضعف ثقته ابلناس ومن حوله‪:‬‬
‫وقد يكون هذا اْلمر انشئا عن أسباب حقيقية‪ ،‬وقد يكون ومها وشكا ووسوسة ‪-‬وهو اْلغلب‪ .-‬وإذا‬
‫ضعفت ثقة اإلنسان مبن حوله فلن أيَتنهم على أموره‪ ،‬ولن يثق يف مشورهتم وآرائهم‪.‬‬
‫إن عدم الثقة إن كان انشئا عن أسباب واقعية كاخليانة ‪-‬مثال‪ ،-‬وسطحية الرأي‪ ،‬وحنو ذلك فهذا أمر‬
‫يعذر فيه الذي ال يستشري هؤالء‪ ،‬ولكننا نقول له‪ :‬هب أن هذه الصفة وجدت يف بعض الناس‪ ،‬فلن تعدم‬
‫ثقةً رزينا عاقال‪ ،‬بعيد النظر‪ ،‬عميق التفكري‪ ،‬أما أن تعمم هذا اْلمر على كل الناس فال يسلم لك وال جيوز‪.‬‬
‫أما إذا كان عدم الثقة بسبب صفة اتصف ّبا ذلك اإلنسان‪ ،‬وال عالقة هلذه الصفة ابلرأي‪ ،‬كأن يكون‬
‫فقريا‪ ،‬أو من عائلة دون عائلة اْلول‪ ،‬أو أقل مرتبة ممن ُيتاج إىل االستشارة‪ ،‬فنقول له‪ :‬هذه أسباب ومهية‬
‫ال تربر عدم استشارته أو سوء الظن فيه‪ ،‬ولذلك قال الشاعر‬
‫ال‬
‫حتقر‬
‫الرأي‬
‫أيتيك‬
‫احلقري‬
‫به ‪‬‬
‫‪‬‬
‫فـالنحل‬
‫‪‬‬
‫‪ - 1‬هذا البيت ألبي بكر المقري كما في جواهر األدب ‪.432 / 2‬‬
‫‪45‬‬
‫(‪)1‬‬
‫وهـو‬
‫ذابب‬
‫طائـر‬
‫العسل‬
‫فقه االستشارة‬
‫ت ِمباا املْ ُِحت ْط بِِه)(‪[ )‬سورة النمل‪ ،‬اآلية‪]22 :‬‬
‫احطْ ُ‬
‫وكذلك قال اهلدهد لسليمان ‪-‬عليه السالم‪( :-‬أ ا‬
‫ومل ينكر عليه سليمان ‪-‬عليه السالم‪ -‬مقولته‪ ،‬مع أن اهلدهد من أضعف الطيور وأقلها شأان وقيمة‪ ،‬وثبت‬
‫صحة ما قاله‪ ،‬بل جاء أبمر جلل عظيم‪ ،‬كان له ما بعده كما يف سورة النمل‪.‬‬
‫‪ -6‬االستهتار واالستخفاف‪:‬‬
‫وهذا خيتلف عن الكرب واإلعجاب‪ ،‬مع أن بينهما تداخال‪ ،‬ولكن الذي أعنيه هو عدم املباالة‪ ،‬وسوء‬
‫تقدير اْلمور‪ ،‬فقد يتصور بعض الناس أن هذا اْلمر الذي أقدم عليه يعترب أمرا هينا‪ ،‬ال أثر له يف حياة‬
‫الناس‪ ،‬أو أنه يكون ضعيف اإلحساس‪ ،‬حبيث ال يباِل مبا يرتتب على هذا اْلمر من خطورة قد جتر إىل‬
‫مصائب يصعب تالفيها وتداركها‪ ،‬وهو كذلك مستخف ابلناس‪ ،‬ال يعنيه من عنتهم شيء‪ ،‬ولو كان هو‬
‫ف قا ْوامهُ فاأاطااعُوهُ)(‪[ )‬سورة‬
‫استا اخ َّ‬
‫السبب يف هذا العنت واملشقة‪ ،‬وهو كما قال ‪-‬تعاىل‪ -‬واصفا فرعون‪( :‬فا ْ‬
‫الزخرف‪ ،‬اآلية‪.]54 :‬‬
‫إن من اتصف بصفة االستخفاف واالستهتار لن يلجأ إىل الشورى‪ ،‬بل ليس أهال ْلن يكون من أهلها‬
‫مستشريا أو مشريا‪.‬‬
‫‪ -7‬التساهل والتسويف حىت حيل األمر‪:‬‬
‫ومن اْلسباب أن بعض الناس يرغب يف االستشارة‪ ،‬ويعرف قيمتها وأثرها‪ ،‬بل قد يعزم عليها‪ ،‬ولكنه‬
‫يسوف ويؤجل‪ ،‬وكل يوم يقول‪ :‬سأستشري غدا أو بعد غد‪ ،‬وهكذا مياطل نفسه حَّت يضيق الوقت‪ ،‬ويصبح‬
‫أمام واقع ال خيار له يف اختاذ القرار‪ ،‬وقد يتخذ قرارا خاطئا يندم عليه لتفريطه‪ ،‬وهتاونه‪ ،‬وتسويفه‪ ،‬وعدم‬
‫استشارته‪.‬‬
‫‪ -8‬العجلة واخلفة وعدم رابطة اجلأش‪ :‬العجلة من الشيطان‪ ،‬ما صاحبت شيئا إال أثرت فيه‬
‫ونعين ابلعجلة ما كانت يف أم ٍر اْلصل فيه الرتيث والتأِن‪.‬‬
‫‪ - 1‬سورة النمل آية‪.22 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة الزخرف آية‪.54 :‬‬
‫‪ - 3‬هناك أمور مخصوصة ليست من العجلة‪ ،‬كتعجيل دفن الميت‪ ،‬وقول موسى‪ ،‬عليه السالم‪ " ،‬وعجلت إليك رب لترضى "‪ 1/ .‬سورة طه‪ ،‬اآلية‪ .1/ 84 :‬ونحو ذلك‪.‬‬
‫‪46‬‬
‫(‪) 3‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫والعجلة واخلفة تفوت على اإلنسان فرصة االستشارة‪ ،‬فيستعجل يف تصرفه‪ ،‬مما قد يوقعه يف سلبيات ال‬
‫حصر هلا‪ ،‬ومثل ذلك الطي(‪ ،‬وعدم رابطة اجلأش عند مواجهة اْلحداث‪ ،‬فيندفع اإلنسان دون تبصر‬
‫للعواقب‪ .‬والتأِن هو من مسات العقالء‪ ،‬وقد حث عليه الشعراء‬
‫أتن‬
‫وال‬
‫تـأن‬
‫تضق‬
‫فحيثمـا‬
‫(‪)1‬‬
‫لألمر‬
‫ذرعـا‬
‫فكم‬
‫ابلنجح‬
‫املرء‬
‫أتىن‬
‫ينـل‬
‫جنحا‬
‫يظفر‬
‫من‬
‫أتىن‬
‫ويدرك‬
‫ما‬
‫متىن‬
‫* واحلماقة من خوارم احلكمة‪ ،‬ومها مما استعصى أمر عالجها على احلكماء‪:‬‬
‫لك ــل‬
‫داء‬
‫دواء‬
‫يســتطب‬
‫إال احلماقة أعيت من يداويها‬
‫بــه‬
‫(‪)2‬‬
‫‪ -9‬اهلوى‪:‬‬
‫اهلوى يعمي ويصم‪ ،‬وما صاحب شيئا إال شانه‪ ،‬وما ن زع من شيء إال زانه‪.‬‬
‫* وقد ذم هللا اهلوى يف آَيت كثرية من كتابه‪ ،‬فصاحب اهلوى ال يبحث عن القول السديد والرأي‬
‫ِ ِ َِّ َّ‬
‫س)(‪[ )‬سورة‬
‫الرشيد‪ ،‬وإمنا يتبع هواه حيث قاده‪ ،‬قال ‪-‬سبحانه‪( :-‬إ ْن ياتَّبعُو ان إال الظ َّن اواما تا ْه اوى اْْلانْ ُف ُ‬
‫النجم‪ ،‬اآلية‪ ] 23 :‬وقال‪( :‬ومن أ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اَّللِ)(‪[ )‬س ورة القصص‪ ،‬اآلية‪]50 :‬‬
‫دى ِم ان َّ‬
‫اا ْ ا‬
‫اض ُّل ممَّ ِن اتَّبا اع اه اواهُ بغا ْري ُه ً‬
‫(‪) ‬‬
‫ِ‬
‫ك‬
‫اعلا ْم أَّامناا ياتَّبِعُو ان أ ْاه اواءا ُه ْم) [ سورة القصص‪ ،‬اآلية‪ ] 50 :‬وقال‪( :‬أُولائِ ا‬
‫ك فا ْ‬
‫وقال‪( :‬فاِإ ْن املْ يا ْستاجيبُوا لا ا‬
‫َّ ِ‬
‫اَّللُ اعلاى قُلُوّبِِ ْم اواتَّبا عُوا أ ْاه اواءا ُه ْم)(‪ [ )6‬سورة حممد‪ ،‬اآلية‪.] 16 :‬‬
‫ين طابا اع َّ‬
‫الذ ا‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.478 / 2‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.488 / 2‬‬
‫‪ - 3‬سورة النجم آية‪.23 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة القصص آية‪.50 :‬‬
‫‪ - 5‬سورة القصص آية‪.50 :‬‬
‫‪ - 6‬سورة محمد آية‪.16 :‬‬
‫‪47‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫وقال صلى هللا عليه‬
‫وسلم " إذا رأيت شحا مطاعا‪ ،‬وهوى متبعا‪ ،‬ودنيا مؤثرة‪ ،‬وإعجاب كل ذي‬
‫رأي برأيه‪ ،‬فعليك خباصة نفسك " احلديث (‪.)‬‬
‫ودوافع اهلوى وأسبابه كثرية جدا‪ ،‬وقا َّل أن يسلم منها أحد‪ ،‬ولكن ابإلخالص والتجرد‪ ،‬ومغالبة النفس‪،‬‬
‫ِِ‬
‫س اع ِن ا ْهلااوى فاِإ َّن‬
‫وكثرة الدعاء‪ ،‬وتذكر اآلخرة‪ ،‬يعان املسلم على ذلك‪ ( .‬اوأ َّاما ام ْن اخ ا‬
‫اف ام اق اام اربّه اونا اهى النَّ ْف ا‬
‫اجلانَّةا ِه اي الْ امأْ اوى)(‪ [ )‬سورة النازعات‪ ،‬اآليتان‪.] 41 ،40 :‬‬
‫ْ‬
‫هذه أهم موانع االستشارة‪ ،‬واللجوء إىل الفردية يف الرأي واملواقف‪ ،‬وعلى املرء أن يكون حذرا من تلبسه‬
‫بواحدة من تلك الصفات واملوانع‪ ،‬وعليه ابملبادرة إىل التخلص مما جيد أنه قد تلبس به أو حام حوله‪ ،‬وليعلم‬
‫أن الفردية يف الرأي ال أتيت خبري‪ ،‬وأن الشورى ال أتيت بشر أبدا‪ ،‬بل إهنا ال أتيت إال خبري إذا كانت على‬
‫وجهها الصحيح‪ ،‬وجيب أن تكون كذلك‪ ،‬ويكفي يف املشاورة أن غنمها لك وغرمها على غريك‪ ،‬ومن شاور‬
‫الرجال شاركهم يف عقوهلم‪.‬‬
‫* قال ابن عبدالرب (‪ )3‬الشورى حممودة عند عامة العلماء‪ ،‬وال أعلم أحدا رضي االستبداد‪ ،‬إال رجل‬
‫مفتون خمادع ملن يطلب عنده فائدة‪ ،‬أو رجل فاتك ُياول حني الغفلة‪ ،‬وكال الرجلني فاسق‪.‬‬
‫* قال ابن عاشور‪ :‬ومثل أوهلما قول عمر بن أيب ربيعة‪:‬‬
‫مــرة‬
‫واســتبدت‬
‫إمنا‬
‫واحــدة‬
‫العاجز‬
‫من‬
‫ال‬
‫يستبد‬
‫ومثل اثنيهما قول سعد بن انشب‪:‬‬
‫إذا‬
‫ه نـم‬
‫ولـم‬
‫يستشـر‬
‫ألقى‬
‫يف‬
‫بّي‬
‫أمره‬
‫عـن‬
‫عينيه‬
‫عزمة‬
‫ون نكـب‬
‫غري‬
‫نفسه‬
‫ومل يرض إال قائم السيف صاحبا‬
‫‪ - 1‬أخرجه أبو داود "‪ "4341‬والترمذي "‪ "3060‬وابن ماجة "‪ "4041‬وهو حديث ضعيف راجع السلسلة الضعيفة "‪."1025‬‬
‫‪ - 2‬سورة القصص آية‪.41-40 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬التحرير والتنوير ‪.150 / 4‬‬
‫‪48‬‬
‫ذكر‬
‫العواقب‬
‫جانبا‬
‫فقه االستشارة‬
‫أركان الشورى‪:‬‬
‫للشورى أركان ثالثة‪ ،‬ولكل ركن من هذه اْلركان ضوابطه وشروطه‪.‬‬
‫أما أركان الشورى فهي‪:‬‬
‫األول‪ :‬املستشري‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬املستشار‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬اْلمر املتشاور فيه‪.‬‬
‫أما ضوابط هذه اْلركان فهي ختتلف من ركن آلخر‪ ،‬وتفصيلها كما يلي‪:‬‬
‫الركن األول‪ :‬املستشري‬
‫أن يكون صادقا يف استشارته‬
‫هناك أمور جيب أن يلتزم ّبا املستشري ليصل إىل الثمرة اليت يرجوها من استشارته‪ ،‬وخباصة أن‬
‫االستشارة عبادة‪ ،‬يرجو خريها ىف الدنيا‪ ،‬وثواّبا يف اآلخرة‪ ،‬وأهم هذه اْلمور ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يكون صادقا يف استشارته‪ ،‬متجردا عن اهلوى‪ ،‬ابحثا عن احلق أينما كان‪ ،‬حيث إن بعض‬
‫الناس قد يستشري‪ ،‬ولكنه ليس جادا يف هذا اْلمر‪ ،‬بل قد تكون استشارته هلوى أو غرض يف نفسه‪ ،‬غري‬
‫البحث عن الرأي السديد‪ ،‬والقول الصائب املفيد‪ ،‬قال الطربي‪ :‬وأما أمته صلى هللا عليه‬
‫وسلم فإهنم‬
‫إذا تشاوروا مستنني بفعله يف ذلك على تصادق وآتخ للحق‪ ،‬وإرادة مجيعهم للصواب‪ ،‬من غري ميل إىل‬
‫هوى‪ ،‬وال حيد عن هدى‪ ،‬فاهلل مسددهم وموفقهم (‪.)1‬‬
‫* وقال قتادة‪" :‬وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا‪ ،‬وأرادوا بذلك وجه هللا عزم هلم على أرشده" (‪.)2‬‬
‫‪ -2‬أال يكون قد اختذ قراره ‪-‬فضال عن البدء فيه‪ -‬مث يستشري حتلة قسم‪ ،‬وحَّت يقول‪ :‬قد شاورت‬
‫فالان وفالان‪ ،‬وهذا وإن كان داخال يف اْلول‪ ،‬فله خصوصية أخرى‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.153 / 4‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.152 / 4‬‬
‫‪49‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫اَّللِ)(‪[ .)‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪:‬‬
‫ت فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ‬
‫* قال ‪-‬سبحانه‪ ( :-‬او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر فاِإ اذا اعازْم ا‬
‫‪ ]159‬قال ابن عاشور‪ :‬فإذا عزمت بعد الشورى‪ ،‬أي تبني لك وجه السداد فيما جيب أن تسلكه فعزمت‬
‫على تنفيذه‪ ،‬سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى‪ ،‬أم كان رأَي آخر‪ ،‬الح للرسول صلى هللا‬
‫عليه وسلم سداده‪ ،‬فقد خيرج عن آراء أهل الشورى رأي‪ ،‬ويف املثل‪( :‬ما بني الرأيني رأي)‪.‬‬
‫اَّللِ)‬
‫اَّللِ)(‪ )‬والتوكل حقيقة االعتماد‪ ،‬مث قال ابن عاشور‪ :‬فقوله‪( :‬فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ‬
‫وقال‪( :‬فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ‬
‫(‪)‬‬
‫[سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪ ]159 :‬دليل على جواب إذا‪ ،‬وفرع عنه‪ ،‬ولو كان التوكل هو جواب إذا ملا كان‬
‫للشورى فائدة‪ْ ،‬لن الشورى ‪-‬كما علمت‪ -‬لقصد استظهار أنفع الوسائل حلصول الفعل املرغوب‪ ،‬على‬
‫أحسن وجه وأقربه‪ ،‬فإن القصد منها العمل مبا يتضح منها‪ ،‬ولو كان املراد حصول التوكل من أول خطور‬
‫اخلاطر ملا كان لَلمر ابلشورى من فائدة (‪.)4‬‬
‫ت فاتا اوَّك ْل اعلاى‬
‫* قال اإلمام البخاري‪ :‬واملشاورة قبل العزم والتبني‪ ،‬لقوله ‪-‬تعاىل‪( :-‬فاِإ اذا اعازْم ا‬
‫اَّللِ)(‪.)6()‬‬
‫َّ‬
‫وهنا أمر ال بد من بيانه‪ :‬وذلك لو أن إنساان عزم على أمر وأراد املضي فيه‪ ،‬مث بدى له أن يستشري‪،‬‬
‫هل مينع عزمه السابق من االستشارة بناء على ما ذكر؟ واجلواب واضح‪ ،‬وهو أن هذا العزم ال مينعه‪ ،‬ولكن‬
‫ال بد من أن يضرب عن عزمه السابق‬
‫(‪)7‬‬
‫مث يستشري‪ ،‬ويعزم على أنه إن بدى له من االستشارة رأي‬
‫أفضل مما رأى أن يذهب إليه ال مينعه عزمه السابق من ذلك‪.‬‬
‫وإذا مل يبد له شيء جديد يف مشاورته فله احلق يف الرجوع إىل رأيه اْلول واالستمرار فيه‪.‬‬
‫‪ - 1‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير التحرير والتنوير ‪.151 / 4‬‬
‫‪ - 5‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬صحيح البخاري كتاب االعتصام ‪ 38/9‬طبعة دار الشعب‪ ،‬ومصنفة النظم اإلسالمية ص‪.249‬‬
‫‪ - 7‬مجرد الصدق في االستشارة والبحث عن األفضل إضراب عما سبق‪.‬‬
‫‪50‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫‪ -‬أال تكون استشارته ألشخاص اختارهم ليقولوا له ما ُيب‪ ،‬ال ما جيب‪ ،‬وهذه مسألة قل أن‬
‫يسلم منها أحد‪ ،‬وللهوى دخل فيها‪.‬‬
‫والنفس قد جبلت على حب مساع قول من يوافقها ال من خيالفها‪.‬‬
‫* وال يعين هذا ‪-‬أيضا‪ -‬أن خيتار من الناس من خيالفونه‪ ،‬وإمنا املراد أن يبحث عمن تتوافر فيه‬
‫صفات املستشار‪ ،‬وهو الذي يقول احلق ضمن ضوابطه الشرعية كما سيأيت‪.‬‬
‫* ولذلك فقليل من الناس من ال يستشري‪ ،‬ولكن القليل ‪-‬أيضا‪ -‬من يستشري على الوجه الصحيح‪،‬‬
‫فليست العربة ابالستشارة وإمنا بكيفيتها‪ .‬ولذلك فعلى املستشري أن يبحث عمن يقول له ما جيب ال ما‬
‫ُيب أو يبغض‪ ،‬وأن ُيذر من اهلوى وحظوظ النفس‪.‬‬
‫* ومما يتصل هبذا املوضوع ‪-‬أيضا‪ -‬أال يكون املستشارون من عقلية واحدة‪ ،‬وتفكريهم متقارب‪ْ ،‬لن‬
‫رأيهم سيكون متقاراب‪ ،‬ومنطلقهم يف املشورة متجانسا‪.،‬‬
‫* ولذلك حيسن التنويع يف املستشارين؛ بيئة‪ ،‬وتربية‪ ،‬وختصصا‪ ،‬بل وسنا وجتربة‪ .‬فإن هذا يثري‬
‫االستشارة‪ ،‬وخباصة إذا كان اْلمر ذا أمهية وله ما بعده‪.‬‬
‫* وهذه مسألة تغيب عن البال‪ ،‬وقد ال ينتبه لسلبية خمالفتها‪ ،‬وإجيابية حتقيقها‪.‬‬
‫‪ -‬أن خيتار لكل أمر ما يناسبه كما وكيفا‪ ،‬وذلك أن كل أمر خيتلف عن غريه ‪-‬غالبا‪ ،-‬فهناك‬
‫أمر ُيتاج إىل عدد قليل‪ ،‬وآخر إىل عدد كثري‪ْ ،‬لن االستشارة قد تكون لَلمر ذاته فقط‪ ،‬وقد تكون لَلمر‬
‫ذاته‪ ،‬وْلمور تتعلق ابملستشارين‪ ،‬فاْلول قد ال ُيتاج إال إىل عدد حمدود مما يؤدي إىل الغرض‪ ،‬والثاِن قد‬
‫ُيتاج إىل توسيع االستشارة وتكثري العدد‪.‬‬
‫* وقد كان الرسول صلى هللا عليه وسلم‬
‫يستشري أاب بكر وعمر ‪-‬رضي هللا عنهما‪ ،-‬وأحياان‬
‫يستشري اْلنصار‪ ،‬ويف بعض اْلمور يستشري املهاجرين‪ ،‬وقد يستشري املهاجرين واْلنصار مجيعا‪ ،‬وقد‬
‫‪51‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫خيصص أفرادا مراعيا اْلمر ذاته‪ ،‬كما استشار السعدين يف مثار املدينة‪ .‬وهكذا خيتار صلى هللا عليه‬
‫وسلم لكل أمر ما يناسبه عددا ونوعا (‪.)1‬‬
‫* قال النحوي‪ :‬ومل تكن الشورى لدى عمر جملسا حمددا فحسب‪ ،‬لقد كانت جملسا هنا وهناك‪ ،‬مع‬
‫هؤالء وهؤالء‪ ،‬يتحدد على ضوء الواقع واحلاجة‪ ،‬واخلطورة واْلمهية (‪.)2‬‬
‫‪ -‬أن يطلع املستشار على مجيع جوانب املوضوع ومالبساته‪.‬‬
‫وهذا أمر قد يغفل عنه بعض املستشريين‪ ،‬فيطلعون املستشار على جزء من املوضوع أو بعض جوانبه‪،‬‬
‫وهذا له أثره يف إبداء الرأي واملشورة‪.‬‬
‫* إن احلكم على الشيء فرع عن تصوره‪ ،‬وكيف يتصور اإلنسان شيئا مل يطلع على مجيع مالبساته‬
‫وجوانبه‪ ،‬ومن مث كيف يستطيع أن أييت ابلرأي املالئم واملناسب‪.‬‬
‫* وعدم اطالع املستشار على مجيع جوانب املوضوع له أسباب كثرية‪ ،‬منها عدم تقدير أتثري ذلك من‬
‫قبل املستشري‪ ،‬ومنها ‪-‬وهذا هو اْلخطر‪ -‬أن يعلم أنه لو أطلعه على مجيع جوانب املوضوع ْلعطاه رأَي ال‬
‫يرغب فيه‪ْ ،‬لن استشارته أصال مل تكن صادقة‪ ،‬بل ْلجل أن يقول‪ :‬استشرت فالان وفالان‪ .‬وقد يكون يف‬
‫املوضوع جوانب سرية ال يرغب أن يطلع أحدا عليها‪ ،‬وهذا ال يربر تصرفه‪ ،‬وهو خيالف اْلمانة ‪-‬أيضا‪ -‬إال‬
‫إذا قصد استشارته يف جزئية معينة ومل يرد أن يستشريه يف كل املوضوع‪ ،‬فهذا أمر آخر‪.‬‬
‫واخلالصة‪ :‬أن اطالع املستشار على مجيع جوانب املوضوع شرط لصحة رأيه‪ ،‬وذكره من عداد‬
‫املستشارين‪ ،‬وإال فال‪.‬‬
‫‪ -6‬وأخريا هناك أمران بعد االستشارة جيب على املستشري مراعاهتما‪ ،‬ومها‪:‬‬
‫ت فاتا اوَّك ْل اعلاى‬
‫األول‪ :‬أن ُيذر من الرتدد بعد االستشارة‪ ،‬وعليه ابلعزم‪ .‬قال ‪-‬سبحانه‪( :-‬فاإِ اذا اعازْم ا‬
‫اَّللِ)(‪ [ )‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪.] 159 :‬‬
‫َّ‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مبحث (وشاورهم في األمر)‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪.346‬‬
‫‪ - 3‬سورة آل عمران آية‪.159 :‬‬
‫‪52‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* قال الطربي‪ :‬فإذا صح عزمك بتثبيتنا إَيك‪ ،‬وتسديدان لك فيما انبك وحزبك من أمر دينك ودنياك‪،‬‬
‫فامض ملا أمرانك به‪ ،‬على ما أمرانك به‪ ،‬وافق ذلك آراء أصحابك‪ ،‬وما أشاروا به عليك‪ ،‬أو خالفها‪ ،‬وتوكل‬
‫‪-‬فيما أتيت من أمورك وتدع‪ ،‬وحتاول أو تزاول‪ -‬على ربك‪ ،‬فتثق به يف كل ذلك (‪.)1‬‬
‫* ومن أقوى األدلة يف ذلك بعد هذه اآلية قصة رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم يف أحد‪ ،‬حيث‬
‫عزم بعد االستشارة‪ ،‬ورفض الرتدد أو الرتاجع؛ ملا يفضي إليه ذلك من مفاسد مجة‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬اْلمانة وذلك أبن ال يفشي ما قاله املستشارون؛ وأن يكون كتوما‪ ،‬إال إذا أذنوا بذلك (‪* .)2‬‬
‫كما أن من األمانة أن ينقل آراءهم بدقة‪ ،‬من غري زَيدة وال نقص وال حتريف‪ ،‬إذا مل يرتتب على نقل‬
‫مشورهتم مفسدة‪ ،‬فإن اجملالس ابْلماانت كما يف احلديث (‪.)‬‬
‫الركن الثاين‪ :‬املستشار‪:‬‬
‫وهو اْلساس من هذه اْلركان‪ ،‬وذلك أن مشروعية الشورى تدور حوله‪ ،‬إما ْلخذ ما لديه من رأي يف‬
‫اْلمر املتشاور فيه‪ ،‬أو لتطييب نفسه ومراعاته حتقيقا ملصلحة ودفعا ملفسدة‪ ،‬إىل غري ذلك من اْلمور‬
‫املتعلقة به‪.‬‬
‫وْلمهية هذا الركن فسأتناوله من جانبني‪:‬‬
‫أوال‪ :‬الصفات اليت جيب أن تتوافر فيه‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬ما جيب على املستشار‪.‬‬
‫اجلـانب األول‪ :‬تكون مراعاته من قبل املستشري قبل استشارته له يف مدى حتققه فيه‪.‬‬
‫أما اجلانب الثاين‪ :‬فتجب مراعاته من قبل املستشار أثناء استشارته وبعدها‪.‬‬
‫أوال‪ :‬صفات املستشار‪:‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪.153 / 4‬‬
‫‪ - 2‬قد يكون اإلذن بالتصريح أو بالقرائن المعتبرة‪.‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه أحمد وأبو داود عن جابر ‪-‬رضي هللا عنه‪ ،-‬وحسنه األلباني في صحيح الجامع ص (‪.)1133‬‬
‫‪53‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫نظرا ملا للمستشار من أثر يف اْلمر املتشاور فيه‪ ،‬وحيث إن رأيه معترب يف القضية املطروحة‪ ،‬ومبا أن كثريا‬
‫من الناس ال يدركون الصفات والشروط اليت جيب أن تتوافر فيمن يستشريون‪ ،‬ولذلك لو سألت بعضهم‪:‬‬
‫هل استشرت قبل أن تقدم على عملك‬
‫(‪)1‬‬
‫؟ سيقول لك نعم‪ ،‬بل أكثر من واحد‪ ،‬وإذا سألته من‬
‫استشرت؟ تفاجأ أبنه استشار من ليس أهال لذلك‪ ،‬ولذلك جاء الرأي معوجا كصاحبه‪:‬‬
‫مـن‬
‫احلنظل‬
‫غرس‬
‫ال‬
‫يرجتي ‪‬‬
‫‪‬‬
‫أن‬
‫السكر‬
‫جيتين‬
‫غرسته‬
‫من‬
‫(‪)2‬‬
‫‪‬‬
‫وكما قال اآلخر‪:‬‬
‫وهـل‬
‫اخلطي‬
‫ينبـت‬
‫إال‬
‫وشيجه ‪‬‬
‫‪‬‬
‫وتغرس‬
‫إال‬
‫منابتها‬
‫يف‬
‫النخل‬
‫‪‬‬
‫لذلك كله‪ ،‬وحيث مل أطلع على من كتب يف املوضوع بصورة متكاملة‪ ،‬وإمنا وجدت إشارات من هنا‬
‫وهناك‪ ،‬أفدت منها يف هذه الصفات (‪ )‬وللحاجة املاسة إىل تدوين هذه الصفات‪ ،‬فقد بذلت جهدي‪،‬‬
‫واستثمرت وقيت‪ ،‬واستشرت إخواِن ومشاخيي‪ ،‬فجاءت حصيلة أشعر أهنا تستحق التدوين‪ ( ،‬اوفا ْو اق ُك ِّل ِذي‬
‫ِع ْل ٍم اعلِ ٌيم)(‪ [ )‬سورة يوسف‪ ،‬اآلية‪ ] 76 :‬وأخلص هذه الصفات فيما أييت‪:‬‬
‫‪ -1‬التقوى والورع‪:‬‬
‫االستشارة أمانة‪ ،‬فاملستشار مؤَتن‪ ،‬وال أمانة لفاسق ماكر خمادع‪ ،‬قال الشاعر‬
‫وال‬
‫تبـغ‬
‫رأًي‬
‫من‬
‫خئون‬
‫وال‬
‫خمادع‬
‫يعضـد‬
‫فمن يتبع يف اخلطب خدعة خائن‬
‫‪ - 1‬وبخاصة إذا كان العمل الذي قام به يفتقر إلى الحكمة وبعد النظر‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،433 / 2‬والبيت لعلي الرضا‪.‬‬
‫‪ - 3‬من ذلك بعض كتب التفسير‪ ،‬ومالمح الشورى للنحوي‪.‬‬
‫‪ - 4‬سورة يوسف آية‪.76 :‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،242 / 2‬والبيتان لعبد هللا فكري‪.‬‬
‫‪54‬‬
‫جـاهل‬
‫بنـان‬
‫غـر‬
‫(‪) 5‬‬
‫قليـل‬
‫النـادم‬
‫التدبـر‬
‫املتحسر‬
‫فقه االستشارة‬
‫إنك عندما تنشد رأَي من أحد‪ ،‬فإنك تلجأ إليه يف أمر له خصوصيته وقيمته‪ ،‬ورأيه قد يكون فاحتة خري‬
‫لك‪ ،‬وقد يكون عكس ذلك‪ ،‬فإذا مل يكن الرجل تقيا‪ ،‬يراقب هللا فيما يقول ويسمع‪ ،‬فقد يعطيك رأَي أييت‬
‫خبالف ما أردت‪ ،‬وقد تكون له أهداف ختالف أهدافك‪ ،‬فيضرك من حيث أردت أن ينفعك‪.‬‬
‫* والتقوى أعم وأمشل مما ارتسم يف أذهان كثري من الناس عن التقوى يف معناها اخلاص‪ ،‬وإمنا املراد هو‬
‫التقوى والورع مبعنامها الشرعي الشامل‪.‬‬
‫‪ -2‬العلم املناسب ملثله‪:‬‬
‫قال اإلمام البخاري‪ :‬وكانت اْلئمة بعد النيب صلى هللا عليه‬
‫وسلم يستشريون اْلمناء أهل العلم‬
‫(‪)1‬‬
‫اسأالوا أ ْاه ال ال ِّذ ْك ِر إِ ْن ُكْن تُ ْم ال تا ْعلا ُمو ان)‬
‫‪ .‬واالستشارة سؤال‪ ،‬وهللا ‪-‬جل وعال‪ -‬يقول‪( :‬فا ْ‬
‫النحل‪ ،‬اآلية‪ ]43 :‬وقال سعد بن أيب وقاص رضي هللا عنه ما رأيت أحدا أحضر فهما‪ ،‬وال ألب لبا‪،‬‬
‫(‪)‬‬
‫[سورة‬
‫وال أكثر علما من ابن عباس‪ -‬رضي هللا عنهما‪ ،-‬ولقد رأيت عمر بن اخلطاب‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬يدعوه‬
‫للمعضالت‪ ،‬مث يقول‪ :‬جاءتك معضلة‪ ،‬مث ال جياوز قوله (‪..)‬‬
‫* وإذا أهم األمر عمر دعاه‪ ،‬وقال له‪ :‬غص غواص (‪ .)‬واملراد ابلعلم هنا العلم املناسب للقضية‬
‫املطروحة‪ ،‬واْلمر املتشاور فيه‪ ،‬حيث يكون املستشار من أهل ذلك اْلمر‪ْ ،‬لن اجلاهل قد يقوده إىل الطريق‬
‫املعوج‪ ،‬كما قال الشاعر (‪.)‬‬
‫وال‬
‫تبــغ‬
‫ومـن‬
‫يتبـع‬
‫رأيــا‬
‫فـي‬
‫من‬
‫أمــره‬
‫خئون‬
‫رأي‬
‫خمادع‬
‫وال‬
‫جــاهل‬
‫جاهل ‪‬‬
‫يقـده‬
‫إىل‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬صحيح البخاري كتاب االعتصام‪.‬‬
‫‪ - 2‬سورة النحل آية‪.43 :‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪.303‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص ‪.303‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،443 / 2‬والبيتان لعبد هللا فكري‪.‬‬
‫‪55‬‬
‫غـر‬
‫أمر‬
‫قليـل‬
‫من‬
‫الـغـي‬
‫الـتـدبـر‬
‫منـكـر‬
‫فقه االستشارة‬
‫وأصل العلم ورأسه وذروة سنامه العلم الشرعي‪ ،‬وإذا أطلق العلم فهو املراد بذلك‪ ،‬وغريه من العلوم ال بد‬
‫من ختصيصه‪ ،‬فمشاورة العلماء دليل على العقل وبعد النظر‪ْ ،‬لهنم الرءوس وغريهم الذنب‪ ،‬قال الشاعر‬
‫(‪.)1‬‬
‫الـعـلـم‬
‫كـم‬
‫زيـن‬
‫سيد‬
‫وتشريـف‬
‫آب ــاؤه‬
‫بطــل‬
‫فاطـلب‬
‫لصـاحـبـه‬
‫جن ــب ‪ ‬كـانوا‬
‫‪‬‬
‫هديت‬
‫الـرؤس‬
‫فنـون‬
‫فأمسـى‬
‫العلم‬
‫بعـدهم‬
‫واألدبـا‬
‫ذنبا‬
‫‪‬‬
‫وقال اآلخر خياطب طالب العلم (‪.)2‬‬
‫فلعـل‬
‫يومــا‬
‫إن‬
‫حـضرت‬
‫مبجـلس ‪‬‬
‫‪‬‬
‫كنـت‬
‫الرئيس‬
‫وفخـر‬
‫ذاك‬
‫اجمللس‬
‫‪‬‬
‫‪ -‬التجربة‪:‬‬
‫روى البخاري يف اْلدب املفرد‪ :‬ال حكيم إال ذو جتربة (‪.)‬‬
‫* إن التجربة رصيد ضخم تصقل مواهب املرء‪ ،‬وتزيده خربة وحنكة‪ ،‬ومن خالل جتربته يستطيع أن‬
‫يقوم اْلمور‪ ،‬ويزهنا مبيزاهنا من خالل ما مر به من جتارب وأحداث‪..‬‬
‫* إن التجربة فرع عن العلم‪ ،‬وهي مدرسة عريقة‪ ،‬يتخرج منها عقالء الرجال‪ ،‬وهي علم مكتسب‪،‬‬
‫يفوق العلم امللقن أحياان‪..‬‬
‫* والعلم الشامل هو الذي جيمع بّي التلقي والتجربة واالكتساب‪..،‬‬
‫واستشارة قليل التجربة كاستشارة اجلاهل‪ ،‬هلا آاثرها وسلبياهتا‪ ،‬ولذا قال الشاعر (‪.)‬‬
‫وال تستش ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر يف األم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر غ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــري جم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرب‬
‫‪‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.450،451 / 2‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.450،451 / 2‬‬
‫‪ - 3‬ضعفه األلباني في ضعيف الجامع ص (‪ )907‬والمشكاة رقم (‪.)5056‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،443 / 2‬والبيت لعبد هللا فكري‪.‬‬
‫‪ - 5‬أي سبقت لك تجربته‪ ،‬ومن جربته فهو ذو تجربة‪.‬‬
‫‪56‬‬
‫ألمثـال ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه (‪ )5‬أو حـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــازم متبصـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر‬
‫فقه االستشارة‬
‫وقال اآلخر‪:‬‬
‫ألـم‬
‫تـر‬
‫أن‬
‫العقـل‬
‫زيـن‬
‫ولـكن‬
‫ألهـله ‪‬‬
‫‪‬‬
‫متام‬
‫العقـل‬
‫طول‬
‫التجـارب‬
‫‪‬‬
‫‪ -‬األمانة والكتمان‬
‫روى أهل السنن أن رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم قال‪" :‬املستشار مؤَتن" (‪.)1‬‬
‫واْلمانة فرع عن التقوى والورع‪ ،‬وأفردهتا ْلمهيتها وأثرها يف الشورى‪..‬‬
‫والكتمان أمانة‪ ،‬وقد ورد عنه صلى هللا عليه وسلم‬
‫أنه قال‪ " :‬استعينوا على إَناح حوائجكم‬
‫ابلكتمان " (‪.)‬‬
‫ولذا فمن املهم أن نبحث عن اْلمني الكتوم لنفضي له أبموران‪ ،‬وأخص شئوننا‪ .‬إنه ال يستشار إال يف‬
‫أمر ذي ابل‪ ،‬له ما بعده‪ ،‬واْلمانة يف مثل هذا اْلمر هلا مكانتها من عدة وجوه أمهها‪.:‬‬
‫‪ -‬أن يكون أمينا يف مشورته‪ ،‬حيث يعطيك الرأي الصادق‪ ،‬غري خائن وال مستهرت‪..‬‬
‫‪ -‬أن يكتم عنك ما استشرته فيه‪ ،‬إال إذا أذنت له يف ذلك‪.‬‬
‫* ومن القصص اليت تروى يف هذا اجلانب قصة شريح القاضي مع ابنه‪ ،‬حيث كانت بني االبن ورجل‬
‫خصومة‪ ،‬فجاء االبن يستشري والده يف مقاضاة ذلك الرجل‪ ،‬ويسأل والده‪ :‬هل احلق ِل فأقاضيه؟ وإن مل‬
‫يكن ِل صاحلته!! فقال له والده‪ :‬أرى أن تقاضيه‪ ،‬فلما تقاضيا عند شريح حكم على ابنه‪ ،‬وأثبت احلق‬
‫للرجل‪.‬‬
‫* وعندما سأله ابنه‪ :‬كيف ذاك وقد أشرت علي مبقاضاته؟ قال له‪ :‬إِن خشيت أن يضيع حق ذلك‬
‫الرجل‪..‬‬
‫‪ - 1‬أخرجه أبو داود "‪ "5128‬والترمذي "‪ "2823‬وابن ماجة "‪ "3745‬عن أبي هريرة‪ ،‬وأخرجه الترمذي أيضا عن أم سلمة وابن ماجة عن ابن مسعود‪ ،‬وصححه األلباني في صحيح الجامع "‬
‫‪."6700‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه الطبراني في المعجم الكبير واألوسط‪ ،‬وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (‪ ،)166 / 2‬وضعفه الشوكاني في الفوائد المجموعة‪ .‬وصححه األلباني‪.‬‬
‫‪57‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫*و احلق أن شرحيا كان انصحا البنه‪ ،‬فضال عن نصحه لذلك الرجل‪ْ ،‬لن أخذ احلق يف الدنيا أهون‬
‫من أخذه يف اآلخرة‪.‬‬
‫* ويقابل هذه القصة قصة أخرى حدثت منذ سنوات قريبة‪ ،‬حيث عزم أحد الناس على إقامة مشروع‬
‫جتاري يف منطقة من املناطق‪ ،‬وكان النظام ال يسمح بتعدد املشروع يف منطقة واحدة‪ ،‬واختار منطقة ليس‬
‫فيها مثيل هلذا املشروع‪ ،‬فذهب يستشري أحد التجار الذين أنشأوا مشروعا مماثال يف منطقة أخرى‪..،‬‬
‫* فرحب به التاجر‪ ،‬وطلب منه أوراق املشروع ليبدي ملحوظاته عليها‪ ،‬على أن يراجعه بعد عدة أَيم‪،‬‬
‫ففرح هذا الرجل‪ ،‬وسلمه أوراق املشروع‪ .‬فذهب التاجر من الغد إىل اجلهات املعنية‪ ،‬وسجل املشروع ابمسه‪.‬‬
‫* وبعد عدة أًيم جاءه صاحب املشروع فأعطاه أوراقه‪ ،‬وقد كتب عليها ملحوظاته‪ ،‬فشكره الرجل‬
‫وانصرف‪ .‬وعندما ذهب للجهة املعنية لتسجيل املشروع فوجئ أن املشروع مسجل‪ ،‬ومن قِبال من؟ سجله‬
‫هذا التاجر الذي ائتمنه واستشاره‪ ،‬ومل يكن أمينا!! فإذا كانت اْلمانة مطلوبة يف أمور الدنيا‪ ،‬فإهنا يف أمور‬
‫الدين والدعوة آكد وأهم‪ ،‬وقليل ما هم‪..‬‬
‫‪ -‬العقل والرزانة وسداد الرأي‪:‬‬
‫* العقل زينة الرجال‪ ،‬وما أويت اإلنسان بعد اإلسالم والعلم خريا من العقل‪..‬‬
‫والعقل يكسو املرء مهابة وجالال‪ .‬وسداد الرأي دليل على الرزانة والعقل‪ ،‬قال الشاعر (‪.)‬‬
‫لوال‬
‫ولـربـما‬
‫العقول‬
‫لكـان‬
‫طعـن‬
‫أدنـى‬
‫الفىت‬
‫أدنــى‬
‫ضيغم‬
‫أقـرانـه ‪ ‬بـالـرأي‬
‫‪‬‬
‫شرف‬
‫إلـى‬
‫قبـل‬
‫من‬
‫اإلنـسـان‬
‫تطاعن‬
‫األقـران‬
‫‪‬‬
‫وقال اآلخر (‪.)‬‬
‫العقل‬
‫حلـة‬
‫فخــر‬
‫مـ ن‬
‫كـانـت لـه نسـبـا تغـىن عن النسب‬
‫تسـربـلهـا‬
‫والعقــل أفضـل مـا يف الناس كلهم ‪ ‬ابلعقل ينجـو الفىت من حومة الطلب‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.453 / 2‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.453 / 2‬‬
‫‪58‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫ومن زلة العقل كبرية‪ ،‬ولذلك وردت اآلَيت الكثرية تنعي على الذين مل يؤمنوا‪ ،‬وتسمهم أبهنم ال يعقلون‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اب أافاال تا ْع ِقلُو ان)(‪[ )‬سورة البقرة اآلية‪]44 :‬‬
‫َّاس ِابلْ ِّرب اوتا ْن اس ْو ان أانْ ُف اس ُك ْم اوأانْتُ ْم تا ْت لُو ان الْكتا ا‬
‫(أ ااأتْ ُم ُرو ان الن ا‬
‫(‪)‬‬
‫ٍ‬
‫ُف لا ُكم ولِما تاعب ُدو ان ِمن د ِ‬
‫ْم عُ ْم ٌي فا ُه ْم ال‬
‫ك‬
‫ب‬
‫م‬
‫ص‬
‫(‬
‫]‬
‫‪67‬‬
‫اآلية‪:‬‬
‫اْلنبياء‪،‬‬
‫سورة‬
‫[‬
‫اَّللِ أافاال تا ْع ِقلُو ان)‬
‫ون َّ‬
‫ٌّ‬
‫ْ ُ‬
‫ُ‬
‫(أ ّ ْ ا ا ْ ُ‬
‫ُ ٌ‬
‫يا ْع ِقلُو ان)(‪ [ )‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية‪ ] 171 :‬واآلَيت يف هذا كثرية جدا‪ ..‬وخالصة القول‪:‬‬
‫إن من أهم صفات املستشار ومساته أن يكون عاقال رزينا‪ ،‬ومن شاور الرجال شاركهم يف عقوهلم‪ ،‬فهل‬
‫تريد أن تشارك يف عقل ضعيف‪ ،‬أو عقل رزين مكتمل؟! وصدق الشاعر (‪.)4‬‬
‫وإن‬
‫ابب‬
‫أمر‬
‫عليـك‬
‫فشــاور‬
‫الـتـوى‬
‫لبيبــا‬
‫وال‬
‫تعصـه‬
‫وقال اآلخر (‪.)5‬‬
‫يــرى‬
‫وعـقـل ذي احلـزم مرآة األمـور هبا‬
‫احلـقــائق‬
‫واجملـهول‬
‫جمـهول‬
‫‪ -6‬التخصص‪:‬‬
‫مما جتدر العناية به أن يكون املستشار متخصصا يف اْلمر املتشاور فيه‪ ،‬إذا كان هذا اْلمر مما يقتضي‬
‫التخصص (‪.)6‬‬
‫اسأالوا أ ْاه ال ال ِّذ ْك ِر إِ ْن ُكْن تُ ْم ال‬
‫*وذلك ْلن االستشارة نوع من االستفتاء‪ ،‬وهللا‪ -‬جل وعال‪ -‬يقول‪( :‬فا ْ‬
‫تا ْعلا ُمو ان)(‪ [ )7‬سورة النحل‪ ،‬اآلية‪.] .43 :‬‬
‫‪ - 1‬سورة البقرة آية‪.44 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة األنبياء آية‪.67 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة البقرة آية‪.171 :‬‬
‫‪ - 4‬البيت لعبد هللا بن جعفر الطالبي وانظر‪ :‬جواهر األدب ‪.424 / 2‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.454 / 2‬‬
‫‪ - 6‬ألن هناك أمو ار عامة ال تحتاج إلى ذلك‪.‬‬
‫‪ - 7‬سورة النحل آية‪.43 :‬‬
‫‪59‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وقد استشار رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم السعدين يف قضية مثار املدينة‪..‬‬
‫* واستشار عمر‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬حفصة‪ -‬رضي هللا عنها‪ -‬يف مقدار صرب املرأة عن زوجها‪ ،‬وأخذ‬
‫بقوهلا‪..‬‬
‫* والتخصص وإن كان فرعا عن العلم‪ ،‬ولكنه أخص منه‪ .‬وال يلزم أن يكون مقياس التخصص هو‬
‫احلصول على شهادة متخصصة‪ ،‬بل إن من تفرغ لشيء فقد ختصص فيه‪ ،‬فالبناء متخصص يف البناء‪،‬‬
‫واملزارع متخصص يف الزراعة‪ ،‬وهكذا‪..‬‬
‫‪ -‬املعايشة للقضية املطروحة والتفاعل معها‪:‬‬
‫هناك من الناس من يتصف بعدم اإلحساس والالمباالة‪ ،‬وقد أتيت قضية تشغل ابل الكثريين‪ ،‬وجتد‬
‫التفاعل معها من قطاع كبري من الناس‪ ،‬بينما هناك آخرون كأن اْلمر ال يعنيهم من قريب أو بعيد‪ .‬ومثل‬
‫هذا النوع من الناس ال يصلح لالستشارة يف مثل هذه القضاَي العامة‪.‬‬
‫* إن معايشة القضية والتفاعل معها جزء من تصورها وإدراك أبعادها‪ ،‬وهذا من لوازم إبداء الرأي‬
‫فيها‪..‬‬
‫* إن كون املستشار يعي( يف واد واملستشري يعي( يف واد آخر قدح يف االستشارة‪ ،‬وضعف يف‬
‫الرأي‪..‬‬
‫* أما القضاًي الفردية اخلاصة‪ ،‬فاْلمر أوسع من ذلك‪ ،‬وال يلزم فيها ما يلزم يف غريها‪ْ ،‬لننا ال نستطيع‬
‫أن نلزم الناس أن يعيشوا قضاَيان اخلاصة‪ ،‬وشئوننا الفردية‪..‬‬
‫‪ -8‬اجلدية واحلزم‪:‬‬
‫اجلدية واحلزم من مسات الرجال‪ ،‬واجلدية يف الرأي فرع عن اجلدية العامة لإلنسان‪ ،‬فإذا كان جادا يف‬
‫مجيع شئونه وأحواله‪ ،‬فإنه سيكون جادا حازما يف رأيه ومشورته‪ ،‬وإذا كان عابثا الهيا متهاوان‪ ،‬فال تعجب‬
‫من اعوجاج رأيه وضعف مشورته‪.:‬‬
‫‪60‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫م ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن يه ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن يس ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــهل اهل ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــوان علي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه‬
‫‪‬‬
‫مـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا جلـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر مبيـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــت إي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــالم‬
‫(‪)1‬‬
‫ولذلك فعلى املستشري أن يكون عارفا مبن يستشري‪ ،‬حَّت ال يؤتى على حني غرة‪:‬‬
‫وال تستش ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر يف األم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر غ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــري جم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرب‬
‫وقال اآلخر‬
‫وال‬
‫‪‬‬
‫ألمـثـال ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه أو حـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــازم مت ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــبصر‬
‫(‪)2‬‬
‫(‪)‬‬
‫تعـاشـر‬
‫سـوى‬
‫حزم‬
‫أخـا‬
‫ثقـة ‪‬‬
‫‪‬‬
‫وقال الثالث‬
‫واربـأ بنفسك أن ترعى مع اهلمـل‬
‫‪‬‬
‫(‪) ‬‬
‫وال تستشـر غـري ندب حازم يقظ ‪‬‬
‫قد‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫اسـتـوى‬
‫فيـه‬
‫إسرار‬
‫وإعالن‬
‫وبعد‪:‬‬
‫هذه أهم الصفات اليت جيب أن تتوافر يف املستشار‪ ،‬وقد ال جتتمع كلها يف فرد واحد‪ ،‬بل قد يندر‬
‫ذلك‪ ،‬ويتم التغلب على هذا اْلمر بتعدد املستشارين‪ ،‬حبيث جتتمع هذه الصفات يف جمموعهم‪ ،‬وإن مل‬
‫تتوافر يف آحادهم‪.‬‬
‫* مع أن بعض األمور ال يلزم أن تتوافر هلا مجيع هذه الصفات‪ ،‬بل إن وجود أغلبها كاف إلَناح اْلمر‬
‫املتشاور فيه‪ ،‬والوصول إىل الرأي الناضج والقول السديد‪ ،‬وبعض هذه الصفات يكمل بعضا‪ ،‬حبيث لو‬
‫ختلفت صفة كفت عنها اْلخرى‪.‬‬
‫‪ - 1‬البيت ألبي الطيب المتنبي‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،443 / 2‬والبيت لعبد هللا فكري‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،445 / 2‬والبيت ألحمد الهاشمي‪.‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،431 / 2‬والبيت ألبي الفتح البستي‪.‬‬
‫‪61‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* مع اإلشارة إىل أن األمور املتشاور فيها ليست كلها على درجة واحدة من اْلمهية والتأثري‪ ،‬ولذا‬
‫جيب إن زال اْلمور منازهلا‪ ،‬وعدم تضخيم قضية على حساب قضاَي أخرى‪ ،‬واحلكمة هي وضع الشيء يف‬
‫موضعه‪ ،‬فال إفراط وال تفريط‪ ،‬وال غلو وال جفاء‪ ،‬وخري اْلمور أوسطها‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬ما جيب على املستشار‪:‬‬
‫وهي اْلمور اليت جتب مراعاهتا من قِبال من يستشار يف أمر من اْلمور‪ ،‬حيث إن املستشري ما جلأ إىل‬
‫املستشار إال ثقة فيه‪ ،‬ورغبة يف مساعدته على أمر أشكل عليه‪ ،‬وحرصا على مشاركته له يف علمه وعقله‬
‫وبعد نظره‪ ،‬فيجب أن يكون عند حسن ظنه‪ .‬ولذلك فإن هناك أمورا جيب أن يعىن ّبا من يستشار قبل‬
‫املشورة وأثناءها وبعدها‪ ،‬وأمجلها فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬الصد يف الرأي وحمض النصح والتجرد‪ :‬إن على املستشار أن يكون صادقا يف مشورته‪ ،‬خملصا‬
‫يف نصيحته‪ ،‬متجردا عن اهلوى واْلغراض الصارفة عن قول احلق‪.‬‬
‫* ومن الصد يف الرأي أن يقول له ما يعتقد أنه احلق‪ ،‬وال جيامله يف ذلك‪ ،‬فإن بعض املستشارين‬
‫يقول للمستشري ما ُيب ال ما جيب‪ ،‬وخباصة إذا كان ذا منصب أو مكانة‪ ،‬وهذا من اخليانة والغ(‪،‬‬
‫ورسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم يقول‪ " :‬من غشنا فليس منا " (‪.)‬‬
‫صدقك ال من‬
‫* والغش أنواعه كثرية جدا‪ ،‬ومن أسوأ أنواع الغ(‪ :‬الغ( يف الرأي‪ ،‬وصديقك من ا‬
‫ص ّدقك؛ وإذا وجد املستشار أنه يصعب عليه أن يقول رأيه الصريح يف املسألة فليعتذر‪ ،‬فهو خري له‬
‫وللمستشري‪.‬‬
‫‪ -‬التأين وعدم التسرع‪ :‬مما جيب على املستشار أال يتعجل الرأي‪ ،‬وعليه ابلتأمل‪ ،‬وطول التفكري‪،‬‬
‫وتقليب اْلمور على مجيع وجوهها‪ ،‬حَّت يتضح له احلق‪ ،‬ويتبني الصواب‪ .‬إن العجلة من الشيطان‪ ،‬وما ندم‬
‫من أتىن وصرب‪:‬‬
‫‪ - 1‬أخرجه مسلم رقم (‪.)101،102‬‬
‫‪62‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫اص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرب قل ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــيال وك ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن اب معتص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــما‬
‫‪‬‬
‫ال تعجل ـ ـ ـ ـ ـ ــن ف ـ ـ ـ ـ ـ ــإن العج ـ ـ ـ ـ ـ ــز ابلعج ـ ـ ـ ـ ـ ــل‬
‫(‪)1‬‬
‫وقال اآلخر (‪.)‬‬
‫تـأن‬
‫تــأن‬
‫تضــق‬
‫وال‬
‫فحيثمــا‬
‫فكـم‬
‫لألمــر‬
‫ذرعـا‬
‫املـرء‬
‫تـأنـى ‪ ‬ينـل‬
‫‪‬‬
‫ابلـنجـح‬
‫جنـحــا‬
‫يظفـر‬
‫من‬
‫أتنـى‬
‫ويـدرك‬
‫ما‬
‫متنـى‬
‫‪‬‬
‫والت أِن مسألة نسبية‪ ،‬ختتلف من أمر آلخر‪ ،‬فبعض اْلمور حتتاج إىل اْلَيم واللياِل‪ ،‬وأخرى يكفيها‬
‫ساعات‪ ،‬وقد تكون أقل من ذلك‪ .‬واملهم هو أن يبتعد عن العجلة القادحة‪ ،‬وأال ينطق برأيه إال بعد تقليب‬
‫اْلمور على مجيع الوجوه واالحتماالت‪ ،‬وما أحسن ما قال الشاعر‬
‫ومن‬
‫الرجـال‬
‫حـىت‬
‫حيــل‬
‫إذا‬
‫اسـتوت‬
‫بكــل‬
‫واد‬
‫من‬
‫أخـالقهـم‬
‫قلبــه ‪ ‬فـريى‬
‫‪‬‬
‫(‪)‬‬
‫يستشـار‬
‫ويعـرف‬
‫إذا‬
‫ما‬
‫استشـري‬
‫فيطـر‬
‫يقـول‬
‫فينطـق‬
‫‪‬‬
‫إن بعض الناس يعطي الرأي قبل أن ينتهي املستشري من كالمه‪ ،‬وهذا مع أن فيه سوء أدب‪ ،‬فهو يدل‬
‫على العجلة‪ ،‬واخلفة‪ ،‬وضعف الرأي‪ ،‬وليس كما يتصور البعض ذكاء وسرعة بديهة‪ ،‬فاحذر أن تكون‬
‫"ابدي الرأي"‪.‬‬
‫‪ -‬تصور األمر على حقيقته‪ :‬وهذا يستلزم مناقشة املستشري واستيضاحه‪ ،‬وعدم االكتفاء مبا يقول‪،‬‬
‫إال إذا بني لك أنه مل خيف شيئا‪ ،‬أو علمت ذلك ابلقرائن والشواهد‪.‬‬
‫* وقد بينت أن من الواجب على املستشري أن يوضح اْلمر على حقيقته‪ ،‬وعدم االقتصار على جزء‬
‫منه‪ ،‬ولكن بعض املستشريين ال يفعل‪ ،‬ذلك ْلسباب ختتلف من فرد آلخر‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.478 / 2‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪.478 / 2‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،427 / 2‬والبيتان لصالح بن عبد القدوس‪.‬‬
‫‪63‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* ومن هنا فإن على املستشار أن ينتبه هلذه املسألة‪ ،‬وأن يستوضح اْلمر‪ ،‬ويعرف القضية من مجيع‬
‫جوانبها ومالبساهتا‪ْ ،‬لن احلكم على الشيء فرع عن تصوره‪ ،‬والرأي حكم قاطع له ما بعده‪ .‬ولقد رأينا‬
‫بعض اآلراء تنسب لبعض اْلفراد مما تكون حمل استغراب وتعجب!! فإذا سئل عن هذا الرأي بني لك أنه مل‬
‫يصور له اْلمر كما ظهر‪ ،‬وإمنا أعطي جزءا من املوضوع فأبدى رأيه فيه‪ ،‬مث اتضح أن القضية خالف ذلك‪.‬‬
‫‪ -‬األمانة والكتمان‪ :‬ذكرت أن من صفات املستشار الكتمان واْلمانة‪ ،‬وهذا اْلمر ذكرته هناك‬
‫من أجل مراعاته من قبل املستشري‪ ،‬وهنا أذكر هذا اْلمر ْلمهيته‪ ،‬ومن أجل مراعاته من قبل املستشار‪،‬‬
‫فاملستشار مؤَتن‪ ،‬كما ورد يف احلديث الذي رواه أهل السنن‬
‫( ‪)‬‬
‫* وكما أنه جيب على املستشري أن يكتم رأي من استشار إال إذا أذن له‪ ،‬فكذلك جيب على املستشار‬
‫أن يكتم اْلمر املتشاور فيه إال إذا أذن له املستشري‪:‬‬
‫والسـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر فاكتمـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه وال تنطـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــق بـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه‬
‫‪‬‬
‫فهـ ـ ـ ـ ــو األسـ ـ ـ ـ ــري لدي ـ ـ ـ ـ ــك إذ ال ينشـ ـ ـ ـ ــب‬
‫(‪)2‬‬
‫‪‬‬
‫واْلمانة أعم من الكتمان‪ ،‬فكل ما يتعلق ّبا جيب مراعاته واْلخذ به؛ ْلن املستشار مؤَتن‪..‬‬
‫‪ -‬االستشارة‪ :‬ومما جتدر اإلشارة إليه‪ ،‬أن على املستشار إذا استشري يف أمر ذي أمهية‪ ،‬ومل يتضح له‬
‫اْلمر فيه‪ ،‬وكان يعرف من الرجال من له قدرة على إبداء الرأي يف هذا اْلمر املهم‪ ،‬وقد ال يتمكن املستشري‬
‫من الوصول إليهم‪ ،‬فإنه ُيسن أن يستأذن صاحب اْلمر يف استشارة من يراه من هؤالء‪ ،‬فإذا أذن له‬
‫استشار من يتوسم فيه القدرة على تقدير اْلمر‪ ،‬وإبداء الرأي فيه‬
‫(‪)‬‬
‫مع احلرص على مراعاة الضوابط‬
‫والشروط اليت سبق ذكرها‪ .‬وأرى أن يقتصر مثل هذا اْلمر على املوضوعات والقضاَي اليت هلا أمهيتها‬
‫وأتثريها‪ ،‬مع أمن عدم حدوث سلبيات من جراء ذلك‪.‬‬
‫الركن الثالث‪ :‬األمر املتشاور فيه‪:‬‬
‫‪ - 1‬سبق تخريجه ص‪.78‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،428 / 2‬والبيت لصالح بن عبد القدوس‪.‬‬
‫‪ - 3‬مع الحرص على أال يتسلسل الموضوع‪ ،‬وانما تقدر األمور بقدرها‪.‬‬
‫‪64‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫وهذا من اْلمهية مبكان‪ ،‬وقد غلط يف هذا الباب أانس كثريون‪ ،‬حَّت وصل اْلمر عند بعض القوم إىل‬
‫التشاور يف شريعة هللا أتطبق أم ال؟! وإن كانت هذه الشورى ليست من اإلسالم يف شيء‪ ،‬وإن زعم‬
‫أصحاّبا خالف ذلك!!‬
‫وميكن أن حندد اْلمر املتشاور فيه ابلضوابط التالية‪:‬‬
‫‪ -‬ال جيوز التشاور يف أمر فيه نص من كتاب أو سنة‪ ،‬قال هللا‪ -‬تعاىل‪ ( :-‬اواما اكا ان لِ ُم ْؤِم ٍن اوال‬
‫ٍِ‬
‫اخلِيا ارةُ ِم ْن أ ْام ِرِه ْم)(‪ [ )‬سورة اْلحزاب‪ ،‬اآلية‪] 36 :‬‬
‫اَّللُ اوار ُسولُهُ أ ْامراً أا ْن يا ُكو ان اهلُُم ْ‬
‫ضى َّ‬
‫ُم ْؤمناة إِ اذا قا ا‬
‫والتشاور نوع من اخلرية املنفية هنا‪.‬‬
‫* وقال اإلمام البخاري‪" :‬وكانت اْلئمة بعد النيب صلى هللا عليه‬
‫وسلم يستشريون اْلمناء أهل‬
‫العلم يف اْلمور املباحة‪ ،‬ليأخذوا أبسهلها‪ ،‬فإذا وضح الكتاب والسنة مل يتعدوه إىل غريه" (‪.)2‬‬
‫* وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية‪" :‬وقد قيل‪ :‬إن هللا أمر ّبا نبيه صلى هللا عليه وسلم‬
‫لتأليف‬
‫قلوب أصحابه‪ ،‬وليقتدي به من بعده‪ ،‬وليستخرج منهم الرأي فيما مل ين زل فيه وحي" (‪.)‬‬
‫* وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية‪ -‬أيضا‪" :-‬وإذا استشارهم‪ ،‬فإن ّبني له بعضهم ما جيب اتباعه من‬
‫كتاب هللا‪ ،‬أو سنة رسوله صلى هللا عليه‬
‫وسلم أو إمجاع املسلمني‪ ،‬فعليه اتباع ذلك‪ ،‬وال طاعة ْلحد‬
‫َّ ِ‬
‫اَّلل وأ ِ‬
‫ِ‬
‫اطيعُوا‬
‫ين اآمنُوا أاطيعُوا َّا ا‬
‫يف خالف ذلك‪ ،‬وإن كان عظيما يف الدين والدنيا‪ .‬قال هللا‪ -‬تعاىل ‪( :-‬أايُّ اها الذ ا‬
‫ول اوأ ِ‬
‫ُوِل ْاْل ْام ِر ِمْن ُك ْم)(‪ [ )()‬سورة النساء‪ ،‬اآلية‪.] .59 :‬‬
‫الر ُس ا‬
‫َّ‬
‫* وقال البخاري‪ -‬أيضا‪" :-‬فإذا عزم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم مل يكن لبشر التقدم على‬
‫هللا ورسوله؛ ْلهنا قد صارت مسألة نص‪ ،‬ومسألة مشروعية ال شورى فيها" (‪.)6‬‬
‫‪ - 1‬سورة األحزاب آية‪.36 :‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬صحيح البخاري‪ ،‬كتاب االعتصام‪ ،‬ومصنفة النظم اإلسالمية ص‪.250‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬السياسة الشرعية ص ‪.158‬‬
‫‪ - 4‬سورة النساء آية‪.59 :‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬السياسة الشرعية ص‪.158‬‬
‫‪ - 6‬انظر‪ :‬صحيح البخاري‪ ،‬كتاب االعتصام‪ ،‬ومصنفة النظم اإلسالمية ص‪.250‬‬
‫‪65‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* ويدخل يف هذا الواجب واحملرم واملندوب واملكروه‪ْ ،‬لهنا أمور مشروعة‪ ،‬قال الدكتور مصطفى كمال‬
‫وصفي‪" :‬وذلك ْلن الواجب واجب حبكم شرعي‪ ،‬وكذا املندوب أو احلرام أو املكروه‪ ،‬كل ذلك حكمه‬
‫بدليل شرعي‪ ،‬فيكون اتباعه مسألة مشروعة‪ ،‬وهذه املسائل جيب تطبيق الشرع فيها" (‪.)1‬‬
‫‪ -2‬ال جيوز التشاور يف األمور االجتهادية الفقهية‪ ،‬إال إذا كان حبث املسألة علميا من قِبال أهل‬
‫االختصاص يعترب تشاورا‪ ،‬وبعض أهل العلم ال يعده من قبيل التشاور‪..‬‬
‫* قال الدكتور مصطفى وصفي‪" :‬وأما املسائل الشرعية اليت فيها نص‪ ،‬أو اليت يطبق فيها النص‬
‫ابلقياس‪ ،‬أو فيها إمجاع عند من قالوا به‪ ،‬أو حتقق مصلحة شرعية‪ ،‬أو درء مفسدة‬
‫(‪)2‬‬
‫فهذه تتم بطريق‬
‫االستدالل الشرعي‪ ،‬واالجتهاد املقرر يف أصول الفقه على درجة الدقة‪ ،‬وليس على وجه الشورى بسعتها‪،‬‬
‫وحرية التقدير فيها‪ ".‬واالجتهاد ليس شورى‪ ،‬وشتان بني اْلمرين (‪ .)‬وقال‪" :‬وال تكون من املباحات اليت‬
‫جتري فيها املشورة لدى خفاء الضرر واملصلحة فيها‪ْ ،‬لن استيضاح املصلحة هو اجتهاد‪ ،‬جيب أن جيري‬
‫بطرق االجتهاد الشرعية" (‪ .)‬وهذه املسألة خالفية بني العلماء‪ .‬قال الدكتور مصطفى وصفي‪" :‬ومع ذلك‬
‫فقد جرى البعض على التوسع‪ ،‬واعتبار املداولة يف االجتهاد شورى‪ ،‬مث قال‪ :‬وما حترجنا إال للحرص على‬
‫جمال تطبيق قواعد االستدالل‪ ،‬واالجتهاد يف جماهلا‪ ،‬وإخضاع أمور املشروعية ْلحوال االجتهاد‪ ،‬ضبطا‬
‫لتطبيق الشريعة" (‪.)‬‬
‫* وأقول‪ :‬ال شك أن تداول املسألة بني العلماء اجملتهدين للوصول إىل احلكم الشرعي نوع من‬
‫الشورى‪ ،‬ولكنه من الشورى املقيدة‪ ،‬أو الشورى اخلاصة‪ ،‬وليست من الشورى اليت عنيتها يف هذا البحث‪،‬‬
‫وهي الشورى اليت أعم من ذلك‪ ،‬وال مشاحة يف االصطالح‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مصنفة النظم اإلسالمية ص‪.250‬‬
‫‪ - 2‬هذا مقيد بالمصلحة والمفسدة الشرعية‪ ،‬ال مطلق المصلحة والمفسدة ألن الشورى لم تشرع إال لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة‪.‬‬
‫‪ - 3‬مصنفة النظم اإلسالمية ص‪.251‬‬
‫‪ - 4‬مصنفة النظم اإلسالمية ص‪.251‬‬
‫‪ - 5‬انظر‪ :‬مصنفة النظم اإلسالمية ص‪.252‬‬
‫‪66‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫‪ -‬ومن خالل ما سبق فإن الشورى تكون يف اْلمور املباحة‪ ،‬اليت يستوي فيها طرفا احلكم‪ ،‬فال هي‬
‫واجبة أو مندوبة‪ ،‬وال هي حرام أو مكروهة‪ .‬قال اإلمام البخاري‪ :‬وكانت اْلئمة بعد النيب صلى هللا‬
‫عليه وسلم يستشريون اْلمناء أهل العلم يف اْلمور املباحة ليأخذوا أبسهلها (‪.)1‬‬
‫* وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية‪" :‬وقد قيل‪ :‬إن هللا‪ -‬تعاىل‪ -‬أمر ّبا نبيه صلى هللا عليه وسلم‬
‫ليستخرج منهم الرأي فيما مل ين زل فيه وحي‪ ،‬من أمر احلروب‪ ،‬واْلمور اجلزئية‪ ،‬وغري ذلك" (‪.)2‬‬
‫‪‬‬
‫وقال‪" :‬وإن كان أمرا تنازع فيه املسلمون‪ ،‬فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه‪ ،‬ووجه رأيه‪،‬‬
‫‪‬‬
‫واخلالصة‪:‬‬
‫فأي اآلراء كان أشبه بكتاب هللا وسنة رسوله صلى هللا عليه‬
‫وسلم عمل به" (‪.)‬‬
‫إن الشورى تكون يف اْلمور العامة‪ ،‬واْلمور املستجدة‪ ،‬مما ال يدخل حتت ما أشري إليه سابقا من‬
‫اْلمور الشرعية اليت ال شورى فيها‪.‬‬
‫ومن ذلك‪ :‬الوسائل املباحة‪ ،‬واْلساليب املتاحة‪ ،‬ولكل أمر ضوابطه اليت تالئمه‪ .‬وهللا أعلم‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬صحيح البخاري‪ ،‬كتاب االعتصام‪ .‬ومصنفة النظم اإلسالمية ص‪.250‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬السياسة الشرعية ص‪.158‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬السياسة الشرعية ص‪.158‬‬
‫‪67‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫معامل يف الشورى‪:‬‬
‫بينت فيما مضى اْلبواب الرئيسية يف االستشارة‪ ،‬وهناك مسائل مهمة مل ترد فيما سبق‪ ،‬وال بد من‬
‫بياهنا استكماال للموضوع‪ ،‬وحيث إهنا ليست يف موضوع واحد من موضوعات الشورى‪ ،‬فقد جعلت هلا‬
‫عنواان خاصا أمسيته‪ :‬معامل يف الشورى‪.‬‬
‫‪ -1‬النصيحة بينها وبّي الشورى عموم وخصوص‪ ،‬وذلك أن بعض أنواع النصيحة من املشورة‪،‬‬
‫حيث إن النصيحة قد تكون من ابب التذكري ْلمر يعلمه اإلنسان‪ ،‬كتذكري اإلنسان ابهلل‪ ،‬وهنيه عن‬
‫احملرمات‪ -‬مع علمه ّبا‪ -‬وحنو ذلك‪.‬‬
‫وقد تكون من ابب التعليم‪ ،‬كبيان احلالل من احلرام لرجل قد وقع يف احلرام وهو ال يعلم‪ ،‬فإن هذا من‬
‫التعليم‪ ،‬وهو نصح له‪.‬‬
‫* ومن النصح أن تدل إنساان على أمر فيه َناة له‪ ،‬وقد خفي عليه هذا اْلمر‪ ،‬فهذه نصيحة ومشورة‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ص ُح‬
‫وقد وردت النصيحة يف القرآن والسنة‪ ،‬فنوح ‪-‬عليه السالم‪ -‬يقول لقومه‪( :‬أُبالّغُ ُك ْم ِر اساالت ارِّيب اوأانْ ا‬
‫لا ُكم)(‪ [ )‬سورة اْلعراف‪ ،‬اآلية‪ ] 62 :‬وهود ‪-‬عليه السالم‪ -‬يقول‪( :‬أُب لِّغُ ُكم ِرس ِ‬
‫االت ارِّيب اوأ ااان لا ُك ْم‬
‫ا ْ ا‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ني)(‪ [ )‬سورة اْلعراف‪ ،‬اآلية‪ ] 68 :‬إىل غري ذلك من اآلَيت‪ .‬ويف احلديث الصحيح الذي رواه‬
‫اان ِص ٌح أام ٌ‬
‫أبو رقية َتيم بن أوس الداري‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم " الدين‬
‫النصيحة قلنا‪ :‬ملن َي رسول هللا؟ قال‪ :‬هلل ولكتابه ولرسوله وْلئمة املسلمني وعامتهم " (‪.)‬‬
‫‪ - 1‬سورة األعراف آية‪.62 :‬‬
‫‪ - 2‬سورة األعراف آية‪.68 :‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم (‪ ،74 /1‬رقم ‪ )55‬وأبو داود "‪ "4944‬والنسائي " ‪ "4200‬وأحمد (‪ )102 / 4‬عن تميم الداري وأخرجه الترمذي "‪ "1927‬عن أبي هريرة‪.‬‬
‫‪68‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* ويف احلديث الصحيح‪ -‬أيضا‪ -‬قال الصحايب اجلليل‪" :‬ابيعنا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫على إقام الصالة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وعلى النصح لكل مسلم" (‪..)1‬‬
‫* ومن خالل ما سبق تتضح أمهية النصيحة ومشروعيتها‪ ،‬ومن النصيحة اليت وردت يف القرآن‪ ،‬وهي‬
‫من املشورة الصادقة‪ ،‬نصيحة الرجل من آل فرعون ملوسى ‪-‬عليه السالم‪،-‬فبعد أن أخربه أن املَل يتشاورون‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫وسى إِ َّن الْ ام اَلا اأيْاَتُِرو ان‬
‫يف قتله‪ ،‬نصحه وأشار عليه ابخلروج‪ ( :‬او اجاءا ار ُج ٌل م ْن أاقْ ا‬
‫صى الْ امديناة يا ْس اعى قا اال اَي ُم ا‬
‫بِ ِ‬
‫ِِ‬
‫وك فااخرج إِِِن لا ا ِ‬
‫ني)(‪ [ )‬سورة القصص‪ ،‬اآلية‪ ] .20:‬وقد أخذ موسى بنصيحته‬
‫ا‬
‫ك ليا ْقتُلُ ا ْ ُ ْ ّ‬
‫ك م ان النَّاصح ا‬
‫ومشورته‪( .‬فاخرج ِمْن ها خائِفاً ي تا رقَّب قا اال ر ِ ِ ِ‬
‫ِ ِِ‬
‫ني)(‪ [ )‬سورة القصص‪ ،‬اآلية‪] 21 :‬‬
‫ب اَنِّين م ان الْ اق ْوم الظَّالم ا‬
‫اّ‬
‫اا ا ا ا ا ا ُ‬
‫وَند مقابل ذلك النصيحة الكاذبة واملشورة املوبقة‪ ،‬عندما أشار إبليس على أبينا آدم ‪-‬عليه السالم‪ -‬أن‬
‫أيكل هو وزوجته من الشجرة‪ ،‬وعندما رأى منهما عدم االستجابة الفورية ملشورته أقسم هلما ‪-‬كاذاب‪ -‬إنه‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ني فا ادَّال ُمهاا بِغُُروٍر)(‪[ )‬سورة اْلعراف‪ ،‬اآليتان‪.] .22 ،21 :‬‬
‫)وقا ا‬
‫امسا ُه اما إِِِّن لا ُك اما لام ان النَّاصح ا‬
‫انصح هلما ا‬
‫* وهبذا يتضح لنا أن من أنواع النصيحة وأقسامها‪ :‬أن تشري على إنسان يف أمر من اْلمور اليت ترى‬
‫فيه خريا له‪ ،‬ولو مل يطلب منك أن تشري عليه‪ ،‬فإن هذا من ابب النصح له‪ ،‬والشفقة عليه‪ ،‬وهو داخل يف‬
‫ابب التعاون على الرب والتقوى‪.‬‬
‫* ومثل ذلك ما أشار به احلباب بن املنذر يف بدر‪ ،‬فعندما ن زل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫يف بدر قبل املاء‪ ،‬جاءه احلباب فقال له‪:‬‬
‫أرأيت هذا املن زل‪ ،‬أمن زال أن زلكه هللا ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه‪ ،‬أم هو الرأي واحلرب واملكيدة؟‬
‫* فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫"بل هو الرأي واحلرب واملكيدة"‪ .‬قال‪َ :‬ي رسول هللا‪،‬‬
‫فإن هذا ليس مبن زل‪ ،‬فاهنض ابلناس حَّت أتيت أدىن ماء من القوم فنن زله‪ ،‬مث تغور ما وراءه من القليب‪ ،‬مث‬
‫‪ - 1‬أخرجه البخاري (‪ ،166 /1‬رقم ‪ -57‬فتح)‪ .‬ومسلم (‪ ،75 / 1‬رقم ‪.)56‬‬
‫‪ - 2‬سورة القصص آية‪.20 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة القصص آية‪.21 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة األعراف آية‪.22-21 :‬‬
‫‪69‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫نبين عليه حوضا فنملؤه ماء‪ ،‬مث نقاتل القوم فنشرب وال يشربون‪ ،‬فقال رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم " لقد أشرت ابلرأي " (‪.)‬‬
‫من أشري عليه أبمر أن يتقي هللا فيما يقال له‬
‫‪ -‬إذا أشار عليك إنسان برأي ‪ -‬وأنت مل تستشره‪ -‬ورأيت فيه خريا‪ ،‬فخد مبشورته ونصحه‪ ،‬كما‬
‫فعل موسى ‪-‬عليه السالم‪.-‬‬
‫* وإن كنت عزمت على أمر‪ ،‬فأشري عليك خبري منه‪ ،‬فدع رأيك‪ ،‬و ِ‬
‫أت الذي هو خري‪ ،‬فقد كتب عمر‬
‫بن اخلطاب‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬رسالة لعبد هللا بن قيس‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬قال فيها‪:‬‬
‫* ال مينعنك قضاء قضيته ابألمس‪ ،‬فراجعت فيه نفسك‪ ،‬وهديت لرشدك‪ ،‬أن ترجع إىل احلق‪ ،‬فإن‬
‫احلق قدمي ال يبطله شيء‪ ،‬ومراجعة احلق خري من التمادي يف الباطل‪.‬‬
‫*الفهم الفهم فيما تلجلج يف صدرك مما ليس من كتاب وال سنة‪ ،‬واعرف اْلشباه واْلمثال‪ ،‬مث قس‬
‫اْلمور عند ذلك‪ ،‬واعمد إىل أحبها إىل هللا‪ ،‬وأشبهها ابحلق فيما ترى (‪.)‬‬
‫إن بعض الناس يصعب عليه أن يرتاجع عن رأيه‪ ،‬وقد يعترب ذلك ضعفا ومسبة‪ ،‬وليس هذا اْلمر‬
‫بصحيح‪ ،‬وما قاله عمر‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬ومن مثل عمر يف القوة وسداد الرأي‪ -‬عدا رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم وأاب بكر رضي هللا عنه وقد وافقه القرآن أو وافق القرآن قبل ن زوله مرارا‪ ،‬وما قاله عمر‬
‫عني احلكمة والبصرية‪ ،‬بل إن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬من حلف على ميني فرأى غريها‬
‫خريا منها فليكفر عن ميينه وليأت الذي هو خري " (‪.)‬‬
‫‪ - 1‬قال األلباني في تخريجه ألحاديث فقه السيرة ص‪ : 240‬رواه ابن هشام عن ابن إسحاق قال‪ :‬فحدثت عن الرجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب‪ ،‬وهذا سند ضعيف لجهالة الواسطة بين‬
‫ابن إسحاق والرجال من بني سلمة‪ ،‬وقد وصله الحاكم‪ ،‬وفي سنده من لم أعرفه‪ ،‬قال الذهبي في تلخيصه‪ :‬قلت‪( :‬حديث منكر)‪ ،‬ورواه األموي من حديث ابن عباس‪ ،‬كما في البداية‪ ،‬وفيه الكلبي‬
‫وهو كذاب‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬أخبار عمر ص‪ ،182‬والوثائق السياسية ص‪ ،327‬ومالمح الشورى للنحوي ص‪.331‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم (‪ ،271 / 3‬رقم "‪ "1650‬وأحمد (‪ )361 / 2‬والترمذي "‪ "1530‬عن أبي هريرة وأخرجه البخاري بمعناه عن أبي موسى األشعري (‪ ،537 / 13‬رقم ‪.)7555‬‬
‫‪70‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫واليمني عزمية وقسم‪ ،‬ومع ذلك أمره رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم ابلرجوع إىل اْلفضل حَّت لو‬
‫مل يكن ابطال‪ ،‬فكيف إذا كان اْلمر دائرا بني احلق والباطل‪ .‬وهذه مسألة ضل فيها كثري من الناس‪.‬‬
‫فعلى املرء إذا أشري عليه أبمر أن يتقي هللا فيما يقال له‪ ،‬وال أيخذه الكرب‪ ،‬وال ُيقرن أح دا‪ ،‬فإن اهلدهد‬
‫قال لسليمان ‪-‬عليه السالم‪ " :-‬أحطت مبا مل حتط به "‪ .‬سورة النمل‪ ،‬اآلية‪ .22 :‬وقد مسع منه سليمان‪،‬‬
‫وأخذ مبا قال‪ ،‬كما يف سورة النمل‪.‬‬
‫والشاعر يقول‪:‬‬
‫ال حتق ـ ـ ـ ـ ـ ــر الـ ـ ـ ـ ـ ـ ـرأي أيتيـ ـ ـ ـ ـ ـ ــك احلق ـ ـ ـ ـ ـ ــري ب ـ ـ ـ ـ ـ ــه‬
‫‪‬‬
‫فالنحـ ـ ـ ــل وهـ ـ ـ ــو ذبـ ـ ـ ــاب ط ـ ـ ــائر العس ـ ـ ــل‬
‫(‪)1‬‬
‫وال تغرنك اْلشكال واْلجسام‪ .‬واقرأ هذه الدرر‪:‬‬
‫ترى‬
‫النحيف‬
‫الـرجـل‬
‫ويعجـبـك‬
‫فما‬
‫عظم‬
‫ضعــاف‬
‫الـطريــر‬
‫الـرجـال‬
‫الـطري‬
‫هلم‬
‫أطـوهلا‬
‫فتـزدريه‬
‫وفـي‬
‫فتبتليـه‬
‫فيخـلف‬
‫ظنــك‬
‫بفـخـر‬
‫ولـكــن‬
‫فخــرهـم‬
‫جسوما ‪‬‬
‫‪‬‬
‫ولـم‬
‫أثـوابــه‬
‫تطـل‬
‫الب ـزاة‬
‫أســد‬
‫هصــور‬
‫الـرجــل‬
‫الطـرير‬
‫كـرم‬
‫وخـري‬
‫ولـا‬
‫الصقــور‬
‫‪‬‬
‫‪ -‬االختالف من طبيعة البشر‪ .‬وجيب أال نضيق ابخلالف‪ ،‬وما جاءت الشورى إال معاجلة هلذا‬
‫اْلمر‪ ،‬ومن تصور أن اختالف املدارك واْلفهام ميكن أن يزول فقد تطلب شططا‪ ،‬وتبعا لذلك حدث‬
‫ِِ‬
‫ك)(‪ [ )‬سورة هود‪ ،‬اآليتان‪]118،119 :‬‬
‫ني إَِّال ام ْن ارِح ام اربُّ ا‬
‫االختالف يف أمور كثرية‪ ( .‬اوال ياازالُو ان خمُْتالف ا‬
‫واملهم يف مسألة التشاور أن تلتزم آبداب الشورى وضوابطها‪ ،‬وما يتوصل إليه بعد ذلك فهو خري‪ ،‬سواء‬
‫اتفق اجلميع على القضية املطروحة أم اختلفوا‪ ،‬وأخذ أبرجح اآلراء وأرشدها وأقرّبا للحق‪.‬‬
‫*وقد اختلف الصحابة ‪-‬وهم خري القرون‪ -‬يف أمور كثرية‪ ،‬ولكن هذا االختالف مل خيرجهم عن‬
‫املنهج السوي والطريق القومي‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،425\2‬واألبيات للعباس بن مرداس‪.‬‬
‫‪ - 2‬سورة آية‪.119-118 :‬‬
‫‪71‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫‪ -4‬هل الشورى ملزمة أو معلمة‬
‫اختلف العلماء يف هذه املسألة قدميا وحديثا‪ ،‬وقد احتج كل فريق ببعض اْلدلة العامة‪.‬‬
‫* ومبا أن هذه القضية ليست من أسس هذا البحث‪ ،‬فلن أقف عندها‪ْ ،‬لن بسطها ُيتاج إىل أتصيل‬
‫ومناقشة ليس هذا مكاهنا‪.‬‬
‫* وهي من مسائل االجتها د اليت مل يرد فيها نص قاطع‪ ،‬ومل جيمع املسلمون على قول فيها‪ ،‬فهي مما‬
‫يسوغ االختالف فيه‪ ،‬وقد يتفق قوم على أهنا معلمة‪ ،‬وآخرون على أهنا ملزمة‪ ،‬وقد خيتلف احلكم من حال‬
‫إىل حال‪ ،‬ومن بلد إىل بلد‪ ،‬ومن عصر إىل عصر‪ ،‬تبعا الختالف الفتوى ابختالف الزمان واملكان‪ ،‬ومراعاة‬
‫للمصاحل واملفاسد‪ ،‬وفق الضوابط الشرعية اليت حررها العلماء وحدودها‪.‬‬
‫‪ -5‬استشارة املرأة‬
‫املرأة هلا مكانتها يف اإلسالم‪ ،‬وهلا من زلتها اليت شرعها هللا هلا‪.‬‬
‫* واستشارة املرأة منهج شرعي يف حدود اختصاصها وقدرهتا‪ ،‬فرسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫كان يستشري أزواجه‪ ،‬فقد استشار خدجية يف مكة‪ ،‬وكانت نعم املعني له‪ ،‬وهي اليت دلته بل وذهبت به إىل‬
‫ابن عمها ورقة بن نوفل (‪.)1‬‬
‫* واستشار رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم زينب بنت جح( يف قضية اإلفك حيث سأهلا عن‬
‫عائشة فلم تقل إال خريا (‪.)2‬‬
‫* واستشار أم سلمة يف احلديبية عندما أمر الصحابة ابإلحالل فلم يفعلوا‪ ،‬فأشارت عليه أبن خيرج وال‬
‫يكلم أحدا‪ ،‬وينحر مث ُيلق فسيفعلون‪ ،‬وهكذا كان‪ ،‬حيث كان رأيها السديد خمرجا من مشكلة أمهت‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫(‪.)‬‬
‫* وعمر‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬استشار حفصة‪ ،‬وأخذ برأيها يف قضية صرب املرأة عن زوجها (‪.)1‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬فقه السيرة ص‪ ،91‬والقصة في البخاري‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪ ،270 / 3‬والحديث صحيح متفق عليه‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬فقه السيرة ص‪ ،363‬والقصة عند البخاري وأحمد‪.‬‬
‫‪72‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وأشارت عليه يف قضية االستخال ف‪ ،‬ومسع منها (‪.)2‬‬
‫* ورأي املرأة أحياان قد يكون خريا من رأي بعض الرجال‪ ،‬ومن أقوى اْلدلة على ذلك رأي ملكة‬
‫سبأ‪ -‬بلقيس‪ ،-‬قال احلسن‪ -‬يرمحه هللا‪ :-‬فوضوا أمرهم إىل علجة تضطرب ثدَيها‪ ،‬فلما قالوا هلا ما قالوا‬
‫كانت هي أحزم رأَي منهم‪ ،‬وأعلم أبمر سليمان‪ ،‬وأنه ال قبل هلا جبنوده وجيوشه‪ ،‬وما سخر له من اجلن‬
‫واإلنس والطري (‪.)‬‬
‫* ولذا حيسن استشارة املرأة يف حدود اختصاصها‪ ،‬وخباصة فيما يتعلق بشئون املرأة‪ ،‬يف الدعوة‬
‫وغريها‪ ،‬وهذا ال مينع من استشارهتا يف بعض املسائل العامة استشارة فردية‪ ،‬وفق الضوابط الشرعية‪ ،‬ودون‬
‫توسع يف ذلك‪ ،‬ويف حدود احلاجة إليها‪.‬‬
‫‪ -6‬استشارة الكافر‪:‬‬
‫استشارة الكافر مسألة مهمة‪ ،‬وقد توسع كثري من املسلمني يف هذا الباب‪ ،‬حيث جتد أن كثريا من‬
‫املستشارين يف بعض شئون املسلمني املالية واالقتصادية والسياسية بل والعسكرية من الكفار‪.‬‬
‫* وأغرب من ذلك أنك جتد من الكفار من يستشار يف اْلمور االجتماعية اخلاصة‪ ،‬اليت ال شأن هلم‬
‫ّبا‪ ،‬وال علم هلم فيها‪ ،‬الختالف الدين والبيئة والطبيعة‪ .‬وهناك من مينع هذا اْلمر بتاات‪ ،‬من ابب سد‬
‫الذرائع‪ ،‬ويقول‪" :‬إن استشارة الكافر فرع عن االستعانة به"‪ ،‬وكالم العلماء يف ذلك معروف (‪.)‬‬
‫*و الذي أعلمه أنه ال جتوز استشارة الكافر إال ضمن الضوابط التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬أن تكون هناك حاجة ماسة إليه‪ ،‬حبيث ال يتيسر من املسلمني من يقوم مقامه‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يؤمن ضرره على املسلمني‪.‬‬
‫‪ -‬أن يكون ذلك يف مسائل الدنيا ال الدين‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪.328‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬مالمح الشورى ص‪.349‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪.362 / 3‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬كتاب د‪ .‬عبد هللا الطريقي في حكم االستعانة بالكافر‪.‬‬
‫‪73‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وقد توصلت إىل هذه الضوابط من خالل دراسيت لكالم العلماء يف حكم االستعانة ابلكفار‪،‬‬
‫والضوابط اليت ذكرها اجمليزون لذلك (‪.)1‬‬
‫*وكذلك كالم العلماء يف حكم الزواج من الكتابيات‪ ،‬والشروط اليت ذكرت يف هذا الباب (‪.)2‬‬
‫* وأؤكد أن األصل االستغناء عنهم‪ ،‬وعدم اللجوء إليهم‪ ،‬ولكل حالة ما يناسبها‪.‬‬
‫‪ -‬موضوع األقلية واألكثرية يف الشورى‪:‬‬
‫خيتلف هذا اْلمر من قضية ْلخرى‪ ،‬فهناك قضاَي ال عربة لَلقلية واْلكثرية فيها‪ ،‬وإمنا العربة أبصالة‬
‫الرأي‪ ،‬ولو كان املشري واحدا‪:‬‬
‫أصالـة‬
‫الـرأي‬
‫صانـتين‬
‫عن‬
‫اخلطل ‪‬‬
‫‪‬‬
‫*ولذلك َند رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وحـليـة‬
‫الفضل‬
‫زانتين‬
‫لدى‬
‫العطل‬
‫‪‬‬
‫وسلم كثريا ما يقصر الشورى على أيب بكر وعمر‪ -‬رضي‬
‫هللا عنهما‪ -‬لقوة رأييهما‪.‬‬
‫*وكما استشار السعدين دون غريمها يف مثار املدينة‪ .‬وأبو بكر‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬كان يقصر الشورى‬
‫على عمر أحياان‪ .‬وعمر‪ -‬رضي هللا عنه‪ -‬كان يستشري عليا أو ابن عباس‪ -‬رضي هللا عنهم‪ -‬دون أن يوسع‬
‫دائرة الشورى‪.‬‬
‫* وأحياان تكون اْلكثرية معتربة ‪-‬مع عدم إغفال نوعية املستشارين‪ -‬وذلك يرجع لعدة أمور‪ ،‬كأن‬
‫يكون اْلمر من اْلمهية مبا ال يكفي فيه رأي الفرد والفردين والثالثة‪.‬‬
‫وأحياان يكون ذلك ملراعاة حال املستشارين‪ ،‬كتأليف قلوّبم‪ ،‬وحنو ذلك من االعتبارات الشرعية‬
‫املطلوبة‪.‬‬
‫‪ - 1‬ألن المسألة خالفية بين العلماء‪ ،‬وانظر‪ :‬تفصيل ذلك في كتاب د‪ .‬عبد هللا الطريقي في حكم االستعانة‪.‬‬
‫‪ - 2‬انظر‪ :‬تفصيل ذلك في كتب أحكام القرآن عند تفسير قوله‪ -‬تعالى‪ " :-‬والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " سورة المائدة‪ ،‬اآلية‪.5 :‬‬
‫‪74‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* وكان صلى هللا عليه وسلم‬
‫واْلنصار‪ ،‬ملقاصد شرعية يعلمها صلى هللا عليه وسلم‪ .‬وكان أبو بكر يستشري كبار الصحابة‪ ،‬وقد‬
‫يستشري اْلنصار فقط‪ ،‬وأحياان املهاجرين‪ ،‬وقد يستشري املهاجرين‬
‫ُيصر هذا يف عدة أفراد‪ ،‬وأحياان يوسع ذلك لتشمل عددا كبريا منهم‪ ،‬كما يف حروب الردة وغريها‪.‬‬
‫*و عمر قد يقصر الشورى على أهل بدر‪ ،‬وقد يتوسع يف ذلك لتشمل املهاجرين واْلنصار وغريهم‪.‬‬
‫وَند مثل ذلك يف سرية عثمان وعلي‪ -‬رضي هللا عنهم أمجعني‪.-‬‬
‫* وعلى كل األحوال فليست العربة ابلقلة والكثرة وحدها‪ ،‬وإمنا العربة‪ -‬أيضا‪ -‬ابلكيفية‪ ،‬فسواء قل‬
‫العدد أو كثر يف ضوء االعتبارات اليت أشرت إليها سابقا‪ ،‬فإن توافر الصفات املطلوبة يف املستشار هي‬
‫اْلساس‪ ،‬حبيث تتوافر هذه الصفات يف آحادهم أو يف جمموعهم كما سبق‪ ،‬واملستشري جيب أن يعىن ّبذه‬
‫املسألة عناية خاصة‪ ،‬وال ينخدع بكثرة الناس ومجهورهم‪ ،‬فاهلل‪ -‬جل وعال‪ -‬يقول‪ ( :‬اوإِ ْن تُ ِط ْع أا ْكثا ار ام ْن ِيف‬
‫ْاْل ْار ِض يُ ِضلُّ اوك اع ْن اسبِ ِيل َّاَّللِ)(‪ [ )‬سورة اْلنعام‪ ،‬اآلية‪ ] .116 :‬وورد عنه صلى هللا عليه وسلم‬
‫أنه قال‪ " :‬الناس كاإلبل املائلة ال جتد فيها راحلة " (‪.)‬‬
‫ويقول الشاعر (‪: )‬‬
‫والنـاس‬
‫ألــف‬
‫منهـم‬
‫كواحـد ‪ ‬وواحـد‬
‫‪‬‬
‫كاأللـف‬
‫إن‬
‫أمر‬
‫عنـى‬
‫‪‬‬
‫وهذه قضية مهمة‪ ،‬ومسألة تغيب عن ابل الكثريين‪ ،‬فاظفر ّبا تربت يداك‪.‬‬
‫‪ -8‬وسائل االستشار ة وأخذ الرأي متعددة ومتنوعة‪ ،‬وليست مقصورة على وسيلة واحدة‪.‬‬
‫*فمن وسائلها االستشارة املباشرة‪ ،‬وقد تكون لفرد أو مجاعة‪ ،‬منفردين أو جمتمعني‪.‬‬
‫* ومن صورها الرسائل واملكاتبات لذوي الرأي‪.‬‬
‫* ومن وسائلها‪ -‬أيضا‪ -‬االستباانت العلمية املدروسة‪.‬‬
‫‪ - 1‬سورة األنعام آية‪.116 :‬‬
‫‪ - 2‬أخرجه البخاري (‪ ،341 / 11‬رقم "‪ "6498‬فتح) وأخرجه مسلم (‪ ،1973 / 4‬رقم" ‪ )"2547‬كالهما عن ابن عمر رضي هللا عنهما‪.‬‬
‫‪ - 3‬انظر‪ :‬جواهر األدب ‪ ،417 / 2‬والبيت لعبيد بن األبرص األسدي‪.‬‬
‫‪75‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫وتتعدد الوسائل وختتلف ابختالف الزمان واملكان‪ ،‬ويراعى يف ذلك أمور عدة‪ ،‬كاْلمر املتشاور فيه‪،‬‬
‫ونوعيات املستشارين‪ ،‬وختصصاهتم‪ ،‬وأماكن وجودهم‪ ،‬إىل غري ذلك من االعتبارات املرعية‪.‬‬
‫* وليست العربة ابلوسيلة‪ ،‬وإمنا العربة ابملضمون‪ ،‬فكل وسيلة مشروعة تؤدي إىل حتقيق الغرض‪،‬‬
‫فيمكن استخدامها‪ ،‬واملهم هو مراعاة الضوابط الشرعية يف الوسائل والغاَيت‪ ،‬وما ال يتم الواجب إال به‬
‫فهو واجب‪.‬‬
‫‪ -9‬رأي العامة‪:‬‬
‫هناك قضية تتعلق ابلشورى يف أحد جوانبها‪ ،‬وهي ما ميكن أن نسميه‪ :‬برأي العامة‪ ،‬أو اجلمهور‪.‬‬
‫* وذلك أن بعض الدعاة قد يتخذ موقفا تكون نتائجه سلبية‪ ،‬مما يستغرب مثله من مثله‪ .‬وإذا سألت‬
‫هذا الداعية كيف اختذت هذا املوقف؟ وهل استشرت يف ذلك؟ وهل كان موقفك هذا عن دراسة وروية؟!‬
‫وتفاجأ أن اجلواب كما يلي‪:‬‬
‫إن الناس هم الذين طلبوا مين ذلك‪ ،‬ومن الناس؟ إهنم مجهور ذلك الداعية‪ ،‬أو خليط من الناس‪،‬‬
‫اتصلوا ّبذا الداعية مباشرة‪ ،‬أو عرب وسائل االتصال املتعددة‪ ،‬واقرتحوا عليه هذا العمل‪ ،‬بل قد ال خيلوا‬
‫اْلمر من اإلحلاح أو اإلحراج‪ ،‬مما جيعل الداعية حتت ضغط خاص من هذا اجلمهور‪ ،‬ورويدا رويدا‬
‫يستجيب الداعية إلحلاحهم‪ ،‬وخيضع ملطلبهم‪.‬‬
‫وقد شغلين هذا املوضوع طويال‪ ،‬وخباصة أن بعض الدعاة ال يدرك خطورة هذا اْلمر وأبعاده‪.‬‬
‫وعندما جاءت "أزمة اخلليج" فوجئنا أن بعض احملسوبني على الدعوة يتخذون مواقف تؤيد العراق يف‬
‫غزوه للكويت‪ ،‬وهؤالء وإن كانوا قلة‪ -‬واحلمد هلل‪ -‬ولكن مواقفهم كانت حمل استغراب مجهور الدعاة وطلبة‬
‫العلم‪.‬‬
‫* وكانت املفاجأة أشد وقعا‪ ،‬عندما صرح أحدهم أنه اختذ هذا املوقف استجابة لرأي اجلمهور من‬
‫أتباعه‪ ،‬وخضوعا ملشورته‪.‬‬
‫* وإابن اهتمامي ّبذه املسألة والبحث يف شرعيتها‪ ،‬نشرت جريدة (املسلمون) موقفا للدكتور جعفر‬
‫شيخ إدريس‪ .‬وملخصه‪:‬‬
‫‪76‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫إن فضيلته ألقى حماضرة يف رابطة الطالب العرب يف أمريكا عن أحداث اخلليج‪ ،‬ويبدو أن رأيه يف‬
‫اْلحداث مل يعجب عددا من احلاضرين‪ ،‬فقاطعوه واحتجوا على موقفه‬
‫( ‪)‬‬
‫فأجاّبم فضيلته ّبدوئه‬
‫املعهود‪:‬‬
‫أنتم ال ترضون للعامل أن يكون عامل سلطة‪ ،‬وأان ال أرضى لنفسي أن أكون عاملا تسريه العامة‪.‬‬
‫* وقد أعجبتين هذه اإلجابة‪ ،‬ووجدت فيها ضاليت‪ ،‬وتدل على عمق تفكريه وبعد نظره‪.‬‬
‫*وبعد عدة أَيم التقيت مع فضيلة شيخنا العالمة حممد بن عثيمني‪ ،‬وذكرت له إجابة الدكتور جعفر‪،‬‬
‫وطلبت رأيه فيها‪.‬‬
‫فقال‪ :‬إن ما ذكره الشيخ صحيح‪ ،‬وأان أقول‪ -‬الكالم للشيخ حممد‪ -‬العلماء ثالثة‪:‬‬
‫عامل دولة‪ ،‬وعامل عامة (‪ )‬وعامل ملّة‪.‬‬
‫* والعامل احلقيقي هو عامل امللّة‪ ،‬الذي ينطلق من الشرع يف أقواله وأفعاله ومواقفه‪.‬‬
‫وهذه اإلجابة من فضيلة الشيخ حممد إجابة عامل ملّة‪.‬‬
‫* ومرت األًيم‪ ،‬وبدأت أعد حبثا يف تفسري سورة احلجرات‪ ،‬وإذا يب أقف عند قوله‪ -‬تعاىل‪ ( :-‬او ْاعلا ُموا‬
‫أ َّ‬
‫اَّللِ لا ْو يُ ِطيعُ ُك ْم ِيف اكثِ ٍري ِم ان ْاْل ْام ِر لا اعنِت ُّْم)(‪ [ )‬سورة احلجرات‪ ،‬اآلية‪.] .7 :‬‬
‫ان فِي ُك ْم ار ُس ا‬
‫ول َّ‬
‫فقلت‪ -‬سبحان هللا‪ !! -‬هذا ماكنا نبغ‪.‬‬
‫* ورجعت إىل بعض كتب التفسري ْلتبني مدلوهلا ومعناها بصورة أمشل‪ ،‬فإذا ابن كثري يقول‪ :‬فإنه أعلم‬
‫مبصاحلكم‪ ،‬وأشفق عليكم منكم‪ ،‬ورأيه فيكم أُت من رأيكم ْلنفسكم‪ ،‬لو أطاعكم فيما ختتارونه ْلدى ذلك‬
‫إىل عنتكم وحرجكم (‪..)4‬‬
‫* بينما وجدت أن سيد قطب قد فسر اآلية تفسريا يدل على أن هذه اآلية نص يف القضية اليت‬
‫حتدثت عنها حيث قال‪:‬‬
‫‪ - 1‬لست بصدد الحديث عن الموقف‪ ،‬وانما المهم‪ -‬هنا‪ -‬ما يتعلق بموضوعنا‪.‬‬
‫‪ - 2‬أي تسيره العامة‪ ،‬وليس المراد أنه يفيد العامة ويبذل علمه لهم‪ ،‬فهذا مطلوب ومشروع‪ ،‬بل يجب أن يكون العالم كذلك‪ ،‬وهكذا كان العلماء قديما وحديثا‪.‬‬
‫‪ - 3‬سورة الحجرات آية‪.7 :‬‬
‫‪ - 4‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪ ،210 / 4‬وذكر ابن كثير أن رأيهم ضعيف بالنسبة لمراعاة مصالحهم‪.‬‬
‫‪77‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫ويبدو أنه كان من بعض املسلمني اندفاع عند اخلرب اْلول الذي نقله الوليد بن عقبة‪ ،‬وأشاروا على النيب‬
‫صلى هللا عليه وسلم‬
‫أن يعجل بعقاّبم‪ ،‬وذلك محية من هذا الفريق لدين هللا‪ ،‬وغضبا ملنع الزكاة‪.‬‬
‫وتن زل هذه اآلية‪ ،‬وفيها خيربهم هللا‪ -‬تعاىل‪ -‬أن الرسول صلى هللا عليه‬
‫أنه خري لعنتوا‪ ،‬وشق عليهم اْلمر (‪.)1‬‬
‫يعن هلم‬
‫وسلم لو أطاعهم فيما ّ‬
‫* ومن خالل هذه اآلية وتفسريها يتضح اْلمر‪ ،‬فإذا كانت طاعة رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم لبعض صحابته‪ ،‬وهم خري القرون‪ ،‬وأعدل الناس وأزكاهم‪ ،‬إذا كانت طاعته هلم‪ ،‬واستجابته ملشورهتم‬
‫(‪)2‬‬
‫يف كثري من اْلمر تسبب هلم العنت واملشقة‪ ،‬فكيف بطاعة عامة الناس ومجهورهم يف القرون املتأخرة‪،‬‬
‫مع قلة العلم والتجربة والتقوى‪ ،‬فاهلل املستعان‪.‬‬
‫* وهبذا يتضح خطورة هذا النوع من الشورى‪ ،‬لتخلف ضوابط االستشارة اليت سبقت‪ ،‬واْلمر ُيتاج‬
‫إىل اعتدال وتوازن وحكمة‪ ،‬فال يرد كل ما جاء من مثل هؤالء‪ ،‬فهذا له سلبياته اليت ال ختفى‪ ،‬وال ينساق‬
‫املرء معه دون روية وتبصر ابلعواقب مما خيفى على مثل هؤالء‪ ،‬فيحصل العنت واملشقة‪.‬‬
‫‪ -10‬آداب االستشارة‪:‬‬
‫لالستشارة آداب جيب أن تراعى‪ ،‬من املشري واملستشري‪.‬‬
‫* وقد أشرت إىل بعضها عند احلديث يف أركان الشورى‪ ،‬كاْلمانة‪ ،‬والكتمان‪ ،‬وحنو ذلك‪.‬‬
‫* ومن اآلدا ب اليت جتدر اإلشارة إليها هنا‪ ،‬احرتام كل واحد منهما لآلخر‪ ،‬ومن ذلك عدم تسفيه‬
‫أي واحد منهما لصاحبه‪ ،‬سواء لشخصه أو لرأيه أو لَلمر الذي يتشاور فيه‪.‬‬
‫ومن ذلك أن ينصت املستشار حَّت يفرغ املستشري من عرض قضيته‪ ،‬وبعد ذلك ينصت املستشري‬
‫للمشري حَّت ينتهي من إبداء رأيه‪.‬‬
‫‪ - 1‬انظر‪ :‬في ظالل القرآن ‪.3341 / 6‬‬
‫‪ - 2‬هذا ال يعارض ما سبق من األمر بمشورتهم‪ ،‬ألن هناك فرقا بين أن يستشيرهم ويختار من يناسب لذلك‪ ،‬وبين أن يشير عليه بعضهم دون استشارة‪ ،‬مما قد تخفى بعض األمور على المشير‬
‫مما يعلمه رسول هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ .-‬ولذلك نجد أن رسول هللا ‪-‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬لم يأخذ بمشورة بعض الصحابة في قتل عبد هللا ابن أبي‪ ،‬بل وحاطب بن أبي بلتعة‪ -‬رضي هللا‬
‫عنه‪ -‬حيث خفي على المقترحين بعض األسباب والنتائج والعواقب‪.‬‬
‫‪78‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* ومن اآلداب اليت جيب أن يراعيها املستشري أن خيتار الوقت املناسب لعرض موضوعه‪ْ ،‬لن لذلك‬
‫أتثريا على املستشار واْلمر املتشاور فيه‪.‬‬
‫كما أن على املستشار أن ُيسن عرض رأيه‪ ،‬وخباصة إذا كان لذلك الرأي أتثري على نفسية املستشري‪،‬‬
‫وعليه ابلتدرج يف احلديث حَّت يصل إىل مقصوده دون أذى لصاحبه‪.‬‬
‫وْلضرب لذلك مثال يوضح املراد‪:‬‬
‫لو أن شخصا جاءك واستشارك يف الزواج من امرأة تعرفها‪ ،‬وأثناء عرضه ملوضوعه عرفت مدى حبه‬
‫للزواج منها‪ ،‬بل ورغبته الشديدة يف ذلك‪ ،‬وكأنه ينتظر منك إشارة ليتقدم خلطبتها‪ .‬ورأيت أن زواجه منها‬
‫غري مناسب فيحسن أال تفاجئه ّبذا الرأي‪ ،‬بل عليك أن ختتار الوقت واْلسلوب املناسبني إلبالغه برأيك‪،‬‬
‫دون جماملة أو كتمان‪..‬‬
‫واسلك مثل ذلك يف أي قضية أخرى‪ ،‬ولكل حالة ما يناسبها‪.‬‬
‫‪ -11‬أختم هذه (املعامل) هبذه البصرية‪ ،‬فأقول‪ :‬ثبت عن الرسول صلى هللا عليه‬
‫وسلم فيما‬
‫رواه مسلم وغريه عن فاطمة بنت قيس‪ ،‬حيث خطبها ثالثة من الصحابة‪ ،‬فاستشارت رسول هللا‪ -‬صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪ -‬فيمن تتزوج منهم‪ ،‬فقال هلا‪ " :‬أما معاوية فرجل ترب‪ ،‬وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء‪،‬‬
‫ولكن أسامة بن زيد " (‪.)‬‬
‫ففي هذا احلديث َند أن رسول هللا‪ -‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬أشار على هذه الصحابية أبن تنكح‬
‫أسامة‪ ،‬وذكر هلا سبب ذلك فيما يؤخذ على معاوية وأيب جهم‪.‬‬
‫وهنا َند أن رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم اقتصر يف احلديث عن الرجلني مبا يلزم لتوضيح اْلمر‬
‫املتشاور فيه‪ ،‬ومل يتعد ذلك بكلمة واحدة‪.‬‬
‫ومن امللحوظ أن البعض إذا استشري يف أحد من الناس‪ ،‬أطلق لسانه يف احلديث عنه مبا له عالقة‬
‫ابملوضوع‪ ،‬ومبا ليس له عالقة بذلك‪.‬‬
‫‪ - 1‬أخرجه مسلم (‪ )1480‬ومالك في الموطأ (‪ )580 / 2‬والشافعي في الرسالة رقم (‪.)856‬‬
‫‪79‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫بل قد يتعدى اْلمر إىل احلديث عن أهله مما ال يلزم ذكره‪ ،‬إذ ال ضرورة إىل ذلك لبيان اْلمر املتشاور‬
‫فيه‪.‬‬
‫وهذه املسألة تساهل فيها كثري من الناس‪ ،‬مع أهنا من الغيبة احملرمة‪ ،‬وأعراض الناس مكفولة مصونة‪ ،‬ال‬
‫تستحل إال يف نطاق ضيق حدده الشارع وبينه‪ ،‬يف مسائل معدودة حمددة (‪.)1‬‬
‫والشيطان له مداخل معروفة يف مثل هذا اْلمر‪ ،‬فيجب أن نكون على حذر‪ ،‬فكل كلمة مدونة على‬
‫ِ (‪)‬‬
‫صاحبها (ما ي ْل ِف ُ ِ ٍ ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫صغِ اريةً اوال اكبِ اريًة إَِّال‬
‫يب اعتي ٌد) [ سورة ق‪ ،‬اآلية‪( ]18 :‬ال يُغااد ُر ا‬
‫ا ا‬
‫ظ م ْن قا ْول إَّال لا اديْه ارق ٌ‬
‫(‪)‬‬
‫اَّللُ اونا ُسوهُ)(‪ [ )‬سورة اجملادلة‪ ،‬اآلية‪.] .6 :‬‬
‫صاهُ َّ‬
‫صا‬
‫اها) [ سورة الكهف‪ ،‬اآلية‪( ]49 :‬أ ْ‬
‫أْ‬
‫اح ا‬
‫اح ا‬
‫وجواز احلديث يف أصل املوضوع ال يبيح االسرتسال فيه‪ ،‬وجيب أن تكون اإلجابة بقدر احلاجة‬
‫والضرورة‪ .‬وهذه من املسائل الدقيقة‪ ،‬اليت ختفى على بعض الناس‪ ،‬وحتتاج إىل تقوى وورع‪ ،‬يعصم صاحبه‬
‫من الزلل واخلطل‪.‬‬
‫اخلامتة‬
‫احلمد هلل الذي بنعمته تتم الصاحلات‪ ،‬وأصلي وأسلم على من أعطي جوامع الكلم‪ ،‬وآله وصحبه‪..‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫فأجد من املناسب أن أختم هذه الرسالة بكلمتني‪:‬‬
‫الكلمة األوىل‪ :‬أوجهها إىل مشاخينا وعلمائنا وقرة أعيننا‪ ،‬أذكرهم فيها ابملسئولية امللقاة على عواتقهم‬
‫جتاه هذه اْلمة عموما‪ ،‬والصحوة خصوصا‪ ،‬فهم القدوة والقادة‪ ،‬فطالب العلم عنهم يصدرون‪ ،‬والدعاة‬
‫إَيهم يقصدون‪ ،‬والشباب ّبم يقتدون‪ ،‬واْلمة تنتظر ماذا يقولون‪ ،‬وماذا يفعلون‪.‬‬
‫‪ - 1‬ذكر ذلك النووي وفصل في هذه المسألة في كتابه رياض الصالحين‪ ،‬انظر رياض الصالحين تحقيق األلباني ص‪( 489‬باب ما يباح من الغيبة)‪.‬‬
‫‪ - 2‬سورة ق آية‪.18 :‬‬
‫‪ - 3‬سورة الكهف آية‪.49 :‬‬
‫‪ - 4‬سورة المجادلة آية‪.6 :‬‬
‫‪80‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* ومن هذا املنطلق فمسئوليتهم عظيمة‪ ،‬واْلمانة ثقيلة جسيمة‪ ،‬ومن مقتضيات هذه املسئولية أن‬
‫يفتحوا صدورهم وبيوهتم لطالب العلم والدعاة ورواد الصحوة‪ ،‬يعلموهنم‪ ،‬ويوجهوهنم‪ ،‬ويشريون عليهم‪،‬‬
‫ويستمعون إىل مشكالهتم‪ ،‬وشئوهنم وشجوهنم‪ ،‬وعليهم أن يتحملوا بعض اهلنات من بعضهم‪ ،‬فما جاءوهم‬
‫إال حمبة وثقة وتقديرا‪ .‬وقد خيطئ املرء ولو كان بصريا!!‬
‫* إن هذه البالد متيزت مبيزة مل أجد هلا يف بقية البلدان مثيال‪ ،‬وال نظريا‪ ،‬أال وهي قوة الصلة بني‬
‫العلماء وطالب العلم‪ ،‬وبني شباب الصحوة ومجهور اْلمة‪ ،‬فكلمة العلماء هي الفصل‪ ،‬ومكانتهم هي‬
‫اْلصل‪ ،‬وأعراضهم دوهنا املهج واْلرواح‪ .‬واْلمة خبري ما دامت هذه السمة واملكانة مرعية من جانب الوجود‬
‫والعدم‪.،‬‬
‫* فمراعاهتا من جانب الوجود ابلقيام حبقوق هذه املسئولية تعليما وتوجيها وصدعا ابحلق‪ ،‬ومراعاهتا من‬
‫جانب العدم حبمايتها من كيد الكائدين‪ ،‬وإغالق الباب على احلاسدين واملوتورين‪ ،‬من املنافقني والعلمانيني‬
‫وأعداء هذا الدين‪.‬‬
‫الكلمة الثانية‪ :‬أوجهها إلخواِن طالب العلم والدعاة‪ ،‬وْلحبائي شباب هذه اليقظة املباركة‪ ،‬وأوجزها‬
‫فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن تستمر صلتهم ابلعلماء واملشايخ‪ ،‬وأال يسمعوا فيهم قول حاسد أو شانئ‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يستشريوا علماءهم‪ ،‬وعنهم يصدرون‪ ،‬ومن احلق الذي لديهم يغرفون‪ ،‬ومن حبور علمهم‬
‫يرتوون‪ ،‬وأن ُيذروا االستغناء أو االستعالء‪ ،‬فهما مهلكان‪.‬‬
‫‪ -3‬يف الوقت الذي أؤكد فيه على وجوب استشارة العلماء ‪-‬وما كتبت هذه الرسالة إال من أجل‬
‫ذلك‪ -‬فإِن أنبه إىل وجوب احرتام العلماء‪ ،‬وتقدير ظروفهم‪ ،‬وعدم اإلثقال عليهم‪ ،‬وذلك يقتضي االلتزام‬
‫آبداب االستشارة‪ ،‬وأال يستشاروا إال يف اْلمور ذات البال والشأن‪ ،‬حمافظة على أوقات العلماء‪ ،‬وتقديرا‬
‫لَلولوَيت‪ ،‬فإن احلكمة وضع الشيء يف موضعه‪ .‬وكذلك عليهم أن خيتاروا اْلوقات املناسبة‪ ،‬واْلحوال‬
‫املالئمة‪ ،‬وأن ُيسنوا عرض ما لديهم‪ ،‬وّبذا حنقق معىن احلكمة ومدلوهلا‪ ،‬وهي‪ :‬فعل ما ينبغي‪ ،‬كما ينبغي‪،‬‬
‫يف الوقت الذي ينبغي‪ ،‬فإذا عرفت فالزم‪.‬‬
‫‪81‬‬
‫فقه االستشارة‬
‫* أقول هذا ْلنين أحلظ أن بعض احملبني ال يراعون هذه املعاِن‪ ،‬مما يسبب إثقاال على العلماء‪،‬‬
‫وإزعاجا للمشايخ‪ ،‬وآاثر ذلك ال ختفي‪.‬‬
‫‪ -4‬وأخريا فعلى طالب العلم أن يلتمسوا اْلعذار ملشاخيهم وعلمائهم‪ ،‬وأال يكون اعتذار العلماء سببا‬
‫للصد عنهم‪ ،‬فضال عن الوقيعة فيهم‪ ،‬فما اعتذروا إال لعذر‪ ،‬فامحلوهم على أحسن احملامل‪ ،‬لتدوم املودة‪،‬‬
‫وتقوى الصلة‪ ،‬وتتحقق القدوة‪ ،‬وهللا هو املوفق واملعني‪.‬‬
‫وآخر دعواان أن احلمد‬
‫رب العاملّي‪ ،‬وسالم على املرسلّي‪ ،‬وصلى هللا وسلم على نبينا حممد‪،‬‬
‫وعلى آله وصحبه أمجعّي‪.‬‬
‫‪82‬‬