فقه االستشارة فقه االستشارة تقدمي إن احلمد هلل ،حنمده ونستعينه ،ونستغفره ونتوب إليه ،ونعوذ ابهلل من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده هللا فال مضل له ،ومن يضلل فال هادي له ،وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له ،وأشهد أن حممدا عبده ورسوله ،صلى هللا عليه وعلى آله ،وصحبه أمجعني. َّ ِ اَّللا اح َّق تُ اقاتِِه اوال اَتُوتُ َّن إَِّال اوأانْتُ ْم ُم ْسلِ ُمو ان)( [ )سورة آل عمران ،اآلية: ين اآمنُوا اتَّ ُقوا َّ ( اَي أايُّ اها الذ ا .] 102 َّ ِ س وِ ِ اح ادةٍ او اخلا اق ِمْن اها ازْو اج اها اوبا َّ ث ِمْن ُه اما ِر اجاالً اكثِرياً َّاس اتَّ ُقوا اربَّ ُك ُم الذي اخلا اق ُك ْم م ْن نا ْف ٍ ا ( اَي أايُّ اها الن ُ اَّللا اكا ان اعلاْي ُك ْم ارقِيباً)( [ )سورة النس اء ،اآلية.] 1 : اَّللا الَّ ِذي تا اساءالُو ان بِِه او ْاْل ْار اح اام إِ َّن َّ اونِ اساءً اواتَّ ُقوا َّ ِ َّ ِ صلِ ْح لا ُك ْم أ ْاع امالا ُك ْم اويا ْغ ِف ْر لا ُك ْم ذُنُوبا ُك ْم اوام ْن يُ ِط ِع َّ ين اآمنُوا اتَّ ُقوا َّ اَّللا اوقُولُوا قا ْوالً اسديداً يُ ْ اَّللا ( اَي أايُّ اها الذ ا اوار ُسولاهُ فا اق ْد فا ااز فا ْوزاً اع ِظيماً)( [ )سورة اْلحزاب ،اآليتان.] 71 ،70 : أما بعد: فمن خالل معايشيت للقرآن الكرمي ،والوقوف مع آَيته ،والتفكر مبا فيه من دروس ومعامل ،وقفت أمام موضوع تكرر ذكره يف القرآن الكرمي ،أمرا وخربا وممارسة ،وذلكم هو موضوع املشاورة والشورى. وقد قمت حبصر املواضع اليت ورد فيها هذا األمر ،مث أتملت فيها ،ورجعت إىل كالم املفسرين وغريهم ،ومن مث رأيت أن املوضوع مناسب ْلن يفرد برسالة تكون زادا للدعاة وطالب العلم ،وخباصة مع احلاجة املاسة لذلك. وهذا املوضوع يدخل حتته عدة موضوعات ،وهي :الشورى على مستوى الدولة ،والتشاور بني الدعاة وطالب العلم ،واالستشارة من أفراد اجملتمع املسلم لعلمائهم وعقالئهم ،يف أمورهم اخلاصة والعامة ،وحيث - 1سورة آل عمران آية.102 : - 2سورة النساء آية.1 : - 3سورة األحزاب آية.71-70 : 1 فقه االستشارة إن موضوع الشورى املتعلقة ابلدولة املسلمة -وهي اليت من واجبات اإلمام الشرعية -قد حبثها العلماء قدميا وحديثا ،وفصلوا فيها مبا ال أرى أن احلاجة تدعو إىل تكراره وإعادته ،وْلمهية موضوع التشاور بني الدعاة وطالب العلم فيما يتعلق بقضاَي اْلمة وشئوهنا ،أحببت أن يكون مدار هذا البحث حول هذا اجلانب، دون أن يكون مقتصرا عليه ،وإمنا سأتناول أصل موضوع الشورى ،وأركز البحث حول أتصيله ،وبيان حدوده ،ومعامله وآاثره. وهذا سيكون دافعا للدعاة وطالب العلم ملمارسة الشورى ملا سيتضح -مبشيئة هللا -من مكانتها وآاثرها ،وسلبية الفردية وخطورهتا. ونتيجة لذلك -أيضا -سيدرك الفرد أمهية الشورى ومثارها ،مما يدعوه إىل مزاولتها يف أموره اخلاصة والعامة .وقد أمسيت هذا البحث( :فقه اإلستشارة) .وجعلته يف عدة مباحث كما يلي: -1أمهية املوضوع وأسباب البحث فيه. -2تعريف املشاورة. -3الشورى يف القرآن. -4وشاورهم يف األمر. -5وأمرهم شورى بينهم. -6أهداف االستشارة وآاثرها. -7أسباب الفردية وعدم االستشارة. -8أركان الشورى. -9معامل يف الشورى. -10اخلامتة. ونظرا ْلن املوضوع من موضوعات فقه القرآن ،فقد ربطته ربطا مباشرا ابلقرآن الكرمي ،حيث استخرجت أغلب فصوله ومباحثه منه ،وعاجلت املوضوع يف ضوئه ،مستدال -أيضا -مبا ورد يف السنة املبينة 2 فقه االستشارة للقرآن الكرمي والشارحة له ،إضافة إىل فعل الصحابة الذين ن زل عليهم القرآن ،وهم خري من فهمه وطبقه، والتزم به قوال وعمال. وأسأل هللا -جل وعال -أن جيعل هذا العمل خالصا لوجهه الكرمي ،وأن ينفع به اإلسالم واملسلمني، فما أحوجنا إىل االلتزام ابلكتاب والسنة ،ومنهج سلف هذه اْلمة ،حقيقة ال ادعاء ،فلن يصلح آخر هذه اْلمة إال مبا صلح به أوهلا، وصلى هللا وسلم على نبينا حممد ،وعلى آله وصحبه وسلم. 3 فقه االستشارة أمهية املوضوع أمهية املوضوع وأسباب البحث فيه: وقبل بيان أمهية املوضوع أبني أن إطار البحث هو يف مبدأ املشاورة من حيث املكانة واْلمهية واْلثر، دون أن أدخل يف موضوع الشورى املتعلقة ابإلمام والدولة .بل إن هدف البحث هو يف الشورى بني الدعاة وطالب العلم ،وضرورة التشاور فيما بينهم ،يف أمورهم العامة واخلاصة. وتربز أمهية هذا املوضوع من خالل ما يلي: -1إن هللا -سبحانه -أمر نبيه صلى هللا عليه وسلم أن يستشري أصحابه ،وأثىن على املؤمنني أبن أمرهم شورى بينهم ،وجعل من شروط فطام الصيب أن يكون عن تراض وتشاور ،وأن أيَتروا بينهم مبعروف. -2ذكر هللا -جل وعال -يف القرآن الكرمي أن فرعون -ومن هو يف جربوته وطغيانه؟ -قد مارس الشورى يف أكرب قضية واجهته يف ملكه؛ وهي قضية موسى -عليه السالم -فاستشار قومه ماذا يفعل جتاه ذلك؟ (فا اماذاا اأتْ ُم ُرو ان)( [ )سورة اْلعراف ،اآلية ] 110 :وملكة سبأ استشارت قومها يف قضيتها مع ِ اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ ون)( [ )سورة النمل ،اآلية ] 32 :وعزيز مصر سليمان -عليه السالم ( -اما ُكْن ُ ا ت قا ا ْ ا ِ ِ َيي)( [ )سورة يوسف ،اآلية.] 43 : أيخذ رأي قومه يف رؤَي رآها ( .اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُوِن يف ُرْؤ ا -3نبّي هللا يف سورة يوسف ممارسة إخوة يوسف للشورى مرتني ،عند حماولة التخلص من يوسف، صوا اَِنيّاً)( [ )سورة يوسف ،اآلية.] 80 : وعند حدوث مشكلة السرقة ( اخلا ُ -4ممارسة الرسول صلى هللا عليه وسلم للشورى حَّت قال أبو هريرة رضي هللا عنه () رأيت أحدا أكثر مشورة ْلصحابه من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه " - 1سورة األعراف آية.110 : - 2سورة النمل آية.32 : - 3سورة يوسف آية.43 : - 4سورة يوسف آية.80 : - 5رواه الترمذي " ."1714وابن حبان " ."2872ضعيف النقطاعه كما في فتح الباري (.)393 / 5 4 " ما فقه االستشارة -حرص الصحابة -رضي هللا عنهم -وخباصة اخللفاء اْلربعة على االستشارة فيما يعرض هلم. -6اآلاثر اإلجيابية للشورى ،تكسبها أمهية خاصة ،وخباصة إذا أدركنا اآلاثر السلبية الكبرية للفردية وعدم التشاور. -7ما مرت به اْلمة من أحداث ومواقف -وخباصة يف العصر احلاضر -أوقعها فيها أفراد ومجاعات ،مل يقدروا خطورة ما صنعوا ،وجسامة ما فعلوا ،ومن أبرز أسباب ذلك :انفرادهم ابلفعل دون مشورة إلخواهنم ،ودون حبث عن الرأي اْلصوب يف مثل هذه املواقف واْلحداث ،وكأن اْلمر يعنيهم وحدهم. -8إن بعض الناس يعمل العمل وحده ،فإذا جاءت النتيجة على غري ما توقع ،ووقع يف مشكلة ال يدري أين املخرج منها ،جاء ابحثا عن احلل مدعيا االستشارة ،وهو يف احلقيقة -كما قال أحد مشاخينا- يستنجد ال يستشريْ ،لن االستشارة جيب أن تكون قبل الفعل ال بعده (.) وسلم قال -9لو استغىن أحد عن االستشارة واملشورة الستغىن عنها رسول هللا صلى هللا عليه شيخ اإلسالم ابن تيمية -رمحه هللا :-قيل :إن هللا أمر ابملشاورة نبيه صلى هللا عليه وسلم فغريه أوىل ابملشورة ( )2وصدق الشاعر: () عقل الفىت ليس يغين عن مشاورة كحـدة السيف ال تغين عن البطل -10قال الشيخ عبد هللا بن محيد -رمحه هللا :-إن هللا -تعاىل -ذكرها يف سورة الشورى بني فرضني ِ َّ ِ اه ْم استا اجابُوا لِارّّبِِ ْم اوأاقا ُاموا َّ الصالةا اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم اوممَّا ارازقْ نا ُ ين ْ الصالة والزكاة .فقال ( :اوالذ ا يُْن ِف ُقو ان)( [ )()سورة الشورى ،اآلية.] 38 : - 1وهذا هو مدلول قوله -تعالى " :-وشاورهم في األمر فإذا عزمت فتوكل على هللا "[ .سورة آل عمران ،اآلية .]159 :كما سيأتي -إن شاء هللا.- - 2السياسة الشرعية ص.158 - 3انظر :جواهر األدب 431 / 2والبيت ألبي بكر المقري. - 4سورة الشورى آية.38 : - 5انظر :مصنفة النظم اإلسالمية ص.246 5 فقه االستشارة ومفهوم كالم الشيخ أن هذا دليل على مكانة الشورى وأمهيتها .ومن خالل ما سبق تتضح أمهية الشورى ،وأن هذا املوضوع جدير ابلبحث والتوضيح؛ لرسم حدوده ومعامله ،وبيان أسسه وقواعده. 6 فقه االستشارة تعريف املشاورة: املشاورة :مصدر شاور ،واالسم :الشورى واملشورة -بفتح امليم وضم الشني -أصلها مفعلة -بضم العني ..فوقع فيها نقل حركة الواو إىل الساكن.- * قيل :املشاورة مشتقة من شار الدابة إذا اخترب جريها عند العرض على املشرتي. وفعل شار الدابة مشتق من املشوار ،وهو املكان الذي تركض فيه الدواب ،وأصله معرب (نشخوار) ابلفارسية ،وهو ما تبقيه الدابة من علفها. * وقيل :مشتقة من شار العسل ،أي :جناه من الوقبةْ ،لن ّبا يستخرج احلق والصواب ،وإمنا تكون يف اْلمر املهم املشكل ،من شئون املرء يف نفسه ،أو شئون القبيلة ،أو شئون اْلمة (.)1 * وقال ابن اجلوزي :يقال :إنه من شرت العسل ،وأنشدوا وقاســمها ابللـه حقـا ألذ ألنتـم من السلوى إذا ما نشورها. * قال الزجاج :يقال شاورت الرجل مشاورة وشورا ،وما يكون من ذلك امسه املشورة ،وبعضهم يقول: املشورة .ويقال :فالن حسن الصورة والشورة ،أي :حسن اهليئة واللباس. * ومعىن قوهلم :شاورت فالان :أظهرت ما عنده وما عندي .وشرت الدابة :إذا امتحنتها ،فعرفت هيئتها يف سريها .وشرت العسل :إذا أخذته من مواضع النحل .وعسل مشار: * قال األعشى: كـأن القـرنفل ابات والزجنبيل واْلرى :العسل (.)2 - 1انظر :التحرير والتنوير .146 / 4 - 2انظر :زاد المسير ،486 / 1وانظر لكل ما سبق :لسان العرب مادة (شار). 7 بفيها وأرًي ا مشارا فقه االستشارة ومن خالل ما سبق يتضح أن الشورى واملشاورة واملشورة واالستشارة والتشاور متقاربة يف املعىن واملدلول ،ولذا فأي لفظ استخدمت منها فهو يدل على ما سواه. 8 فقه االستشارة الشورى يف القرآن: وردت الشورى يف القرآن الكرمي يف عدة مواضع ،وبصيغ متعددة ،وسأذكر هذه املواضع مبينا ما ذكره املفسرون حوهلا ()1 حيث إن هذا البحث مستمد من القرآن الكرمي ،ومعاجليت هلذا املوضوع يف ضوئه ،إذ هو من فقه القرآن .وسأبدأ ابْلدلة القولية ،مث أذكر اْلدلة العملية ،دون التزام برتتيبها يف املصحف، وسأذكر أقوال املفسرين فيما يتعلق ابلشورى عند ذكر كل آية. املوضع األول قوله تعاىل " فبما رمحة من هللا لنت هلم " قال -تعاىل -يف سورة آل عمران( :فابِما ر ْمح ٍة ِمن َِّ ِ ظ الْ اق ْل ِ ضوا ِم ْن ب االنْ اف ُّ ت فاظّاً اغلِي ا ت اهلُْم اولا ْو ُكْن ا اَّلل لْن ا ا اا ا ِ ِ () حولِك فااعف عْن هم و ِ ني) اَّللِ إِ َّن َّ ت فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ اَّللا ُُِي ُّ ب الْ ُمتا اوّكل ا استا ْغف ْر اهلُْم او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر فاِإذاا اعازْم ا اْ ا ْ ُ ا ُْ ا ْ [ سورة آل عمران ،اآلية .] 159 هذه اآلية جاء اْلمر فيها ابملشاورة صرُيا واضحا ( .او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر) () * قال اإلمام الطربي يف تفسري هذه اآلية: وسلم أن مث اختلف أهل التأويل يف املعىن الذي من أجله أمر -تعاىل ذكره -نبيه صلى هللا عليه يشاورهم ،وما املعىن الذي أمره أن يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم :أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم بقوله ( :او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)( [ )سورة آل عمران ،اْلية ] 159 :مبشاورة أصحابه يف مكايد احلرب ،وعند لقاء العدو ،تطييبا منه بذلك ْلنفسهم ،وأتلفا هلم على دينهم ،ولريوا أنه يسمع منهم ،ويستعني ّبم ،وإن كان هللا قد أغناه بتدبريه له أموره وسياسته إَيه ،وتقوميه أسبابه عنهم. مث ذكر أقوال العلماء يف ذلك ،ومن ذلك ما رواه عن قتادة حيث قال: - 1سأذكر أقوال المفسرين حول اآليات دون شرح أو تعقيب إال نادرا ،ثم بعد انتهاء هذا المبحث سأذكر عدة مباحث مستمدة مما ذكر من أقوال المفسرين وغيرهم ،في ضوء تلك اآليات. - 2سورة آل عمران آية.159 : - 3سورة آل عمران آية.159 : - 4سورة آل عمران آية.159 : 9 فقه االستشارة أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم أن يشاور أصحابه يف اْلمور ،وهو أيتيه وحي السماء، ْلنه أطيب ْلنفس القوم ،وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا ،وأرادوا بذلك وجه هللا عزم هلم على أرشده. * مث قال اإلمام الطربي" :وقال آخرون :بل أمره بذلك يف ذلك -وإن كان له الرأي وأصوب اْلمور يف التدبري -ملا علم يف املشورة -تعاىل ذكره -من الفضل". وروي عن الضحاك بن مزاحم قوله :ما أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم ابملشورة إال ملا علم فيها من الفضل. * وقال احلسن" :ما شاور قوم قط إال هدوا ْلرشد أمورهم". * قال الطربي :وقال آخرون" :إمنا أمر هللا مبشاورة أصحابه فيما أمره مبشاورهتم فيه ،مع إغنائه بتقوميه إَيه ،وتدبريه أسبابه عن آرائهم ،ليتبعه املؤمنون من بعده فيما حزّبم من أمر دينهم ،ويستنوا بسنته يف ذلك، وُيتذوا املثال الذي رأوه يفعله يف حياته من مشاورته يف أموره -مع املن زلة اليت هو ّبا من هللا -أصحابه وأتباعه يف اْلمر ،ين زل ّبم من أمر دينهم ودنياهم ،فيتشاوروا بينهم ،مث يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم، ْلن املؤمنني إذا تشاوروا يف أمور دينهم متبعني احلق يف ذلك ،مل خيلهم هللا -تعاىل -من لطفه ،وتوفيقه للصواب من الرأي ،والقول فيه. * مث قال الطربي: "وأوىل اْلقوال ابلصواب يف ذلك أن يقال :إن هللا أمر نبيه صلى هللا عليه وسلم مبشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ،ومكايد حربه ،أتلفا منه بذلك من مل تكن بصريته ابإلسالم البصرية اليت يؤمن عليه معها فتنة الشيطان ،وتعريفا منه أمته ما يف اْلمور اليت حتزّبم من بعده ومطلبها ،ليقتدوا به يف ذلك عند النوازل اليت تن زل ّبم ،فيتشاوروا فيما بينهم ،كما كانوا يرونه يف حياته صلى هللا عليه وسلم يفعله". فأما النيب صلى هللا عليه وسلم فإن هللا كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من اْلمور بوحيه ،أو إهلامه إَيه صواب ذلك. 10 فقه االستشارة وأما أمته فإهنم إذا تشاوروا مستنني بفعله يف ذلك على تصادق وآتخ للحق ،وإرادة مجيعهم للصواب، من غري ميل إىل هوى ،وال حيد عن هدى ،فاهلل مسددهم وموفقهم (.)1 * وقال ابن اجلوزي يف تفسريه هلذه اآلية: اختلف العلماء ْلي معىن أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم مبشاورة أصحابه -مع كونه كامل الرأي ،اتم التدبري -على ثالثة أقوال: أحدها :ليسنت به من بعده ،وهذا قول احلسن وسفيان بن عيينة. الثاين :لتطييب قلوّبم ،وهو قول قتادة ،والربيع ،وابن إسحاق ،ومقاتل ،قال الشافعي -رمحه هللا:- نظري هذا قوله صلى هللا عليه وسلم " البكر تستأمر فيها نفسها " ( .)إمنا أراد استطابة نفسها، فإهنا لو كرهت كان لَلب أن يزوجها ( )وكذلك مشاورة إبراهيم -عليه السالم -البنه حني أمر بذحبه. الثالث :لإلعالم بربكة املشاورة ،وهو قول الضحاك. وقال ابن عاشور يف تفسريه لآلية: ( او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)( [ )سورة آل عمران ،اآلية ] 159 :أل يف اْلمر للجنس ،واملراد ابْلمر :املهم الذي يؤَتر له ،ومنه قوهلمْ :أمر ِأمر .وقال أبو سفيان ْلصحابه -يف حديث هرقل :-لقد ِأمر ْأمر ابن أيب كبشة ،إنه خيافه ملك بين اْلصفر .وقيل :أريد ابْلمر أمر احلرب ،فالالم للعهد. وظاهر اْلمر أن املراد املشاورة احلقيقية اليت يقصد منها االستعانة برأي املستشارين ،بدليل قوله - اَّللِ)( [ )سورة آل عمران ،اآلية ] 159 :فضمري اجلمع يف قوله: ت فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ تعاىل -عقبه( :فاِإ اذا اعازْم ا (و اشا ِوْرُه ْم) .عائد على املسلمني خاصة ،أي :شاور الذين أسلموا من بني من لنت هلم ،أي :ال يصدك ا خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحد عن أن تستعني برأيهم يف مواقع أخرى. - 1انظر لكل ما سبق :تفسير الطبري .153 ،152 / 4 - 2رواه مسلم " ،1037 / 2رقم "1421وأبو داود " "2098والترمذي " "1108والنسائي " ،3262 - 3260وابن ماجة " "1870عن ابن عباس. - 3المسألة خالفية بين العلماء ،وانظر :ما قاله النووي في شرحه لهذا الحديث ،في شرح صحيح مسلم ،وغيره من كتب الفقه. - 4سورة آل عمران آية.159 : - 5سورة آل عمران آية.159 : 11 فقه االستشارة * مث قال :وقد دلت اآلية على أن الشورى مأمور ّبا الرسول صلى هللا عليه وسلم فيما عرب عنه ابْلمر ،وهو من مهمات اْلمة ومصاحلها يف احلرب وغريه ،وذلك يف غري أمر التشريع (.)1 وأختم ما ذكره املفسرون حول هذه اآلية ّبذا الكالم لسيد قطب حيث قال: ( او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)( [ )سورة آل عمران ،اآلية " ] 159وّبذا النص اجلازم يقرر اإلسالم هذا املبدأ، وهو نص قاطع ،ال يدع لَلمة املسلمة شكا يف أن الشورى مبدأ أساسي ،ال يقوم نظام اإلسالم على أساس سواه ،أما شكل الشورى ،والوسيلة اليت تتحقق ّبا ،فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير ،وفق أوضاع اْلمة ومالبسات حياهتا ،وكل شكل ،وكل وسيلة تتم ّبا حقيقة الشورى -ال مظهرها -فهي من اإلسالم". * مث قال كالم ا مهما أذكره -خمتصرا:- "لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو يف ظاهرها خطرية مريرة ،فقد كان من جرائها ظاهرَي وقوع خلل يف وحدة الصف املسلم .اختلفت اآلراء قبل معركة أحد ،فرأت جمموعة أن يبقى املسلمون يف املدينة حمتمني ّبا ،وحتمست جمموعة أخرى ،فرأت اخلروج للقاء املشركني ،وكان من جراء هذا االختالف ذلك اخللل يف وحدة الصف ،إذ عاد عبد هللا بن أيب بثلث اجلي( (كما وقعت اهلزمية يف املعركة)". ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد املعركة ،أمام ما أحدثته من انقسام يف الصفوف يف أحرج الظروف ،وأمام النتائج املريرة اليت انتهت إليها املعركة( .هكذا قد يبدو لنا اْلمر) ،ولكن اإلس الم كان ينشئ أمة ،ويربيها ،ويعدها لقيادة البشرية ،وكان هللا يعلم أن خري وسيلة لرتبية اْلمة وإعدادها للقيادة الرشيدة أن ترىب ابلشورى ،وأن تدرب على محل التبعة ،وأن ختطئ لتعرف كيف تصحح خطأها، - 1انظر :التحرير والتنوير .147 / 4 - 2سورة آل عمران آية.159 : 12 فقه االستشارة وكيف حتمل تبعات رأيها وتصرفها ،فهي ال تتعلم الصواب إال إذا زاولت اخلطأ ،واخلسائر ال هتم إذا كانت احلصيلة هي إنشاء اْلمة املدربة ،املدركة ،املقدرة للتبعة. إن وقوع تلك اْلحداث ،ووجود تلك املالبسات مل يلغ هذا احلقْ ،لن هللا -سبحانه وتعاىل -يعلم أنه ال بد من مزاولته يف أخطر الشئون ،ومهما تكن النتائج ،ومهما تكن اخلسائر ،فهذه كلها جزئيات ،ال تقوم أمام إنشاء اْلمة الراشدة ،املدربة ابلفعل على احلياة ،املدركة لتبعات الرأي والعمل ،الواعية لنتائج الرأي استا ْغ ِف ْر اهلُْم او اشا ِوْرُه ْم ِيف والعمل ،ومن هنا جاء هذا اْلمر اإلهلي يف هذا الوقت ابلذات (فا ْ اع ُ ف اعْن ُه ْم او ْ ْاْل ْام ِر)( [ )سورة آل عمران ،اآلية.] 159 : إن حقيقة الشورى هي تقليب أوجه الرأي ،واختيار اجتاه من االجتاهات املعروضة ،فإذا انتهى اْلمر إىل هذا احلد انتهى دور الشورى ،وجاء دور التنفيذ ،التنفيذ يف عزم وحسم ،ويف توكل على هللا (.)2 * * وبعد :فقد أطلت يف تفسري هذه اآليةْ ،لهنا أصل يف تشريع الشورى ،وما بعدها من آَيت يدور حول معناها ،وإن كان لكل آية مدلوها الذي تتميز به عن غريها. املوضع الثاين :قوله تعاىل " والذين استجابوا لرّبم وأقاموا الصالة" َّ ِ ين قال -تعاىل -يف سورة الشورى :مبينا بعض صفات املؤمنني ،ومثنيا عليهم يف ذلك ( :اوالذ ا ِ اه ْم يُْن ِف ُقو ان)( [ )سورة الشورى ،اآلية.] 38 : استا اجابُوا لِارّّبِِ ْم اوأاقا ُاموا َّ الصال اة اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم اوممَّا ارازقْ نا ُ ْ * قال اإلمام الطربي يف تفسري هذه اآلية ( :اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( [ )سورة الشورى ،اآلية] 38 : وإذا حزّبم أمر تشاوروا فيما بينهم. َّ ِ الصالةا)( )وليس فيهم رسول هللا استا اجابُوا لِارّّبِِ ْم)( )اْلنصار ( اوأاقا ُاموا َّ ين ْ * قال ابن زيد ( :اوالذ ا هللا عليه وسلم ( اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( )ليس فيهم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أيضا (.) - 1سورة آل عمران آية.159 : - 2انظر :في ظالل القرآن .501 / 1 - 3سورة الشورى آية.38 : - 4سورة الشورى آية.38 : - 5سورة الشورى آية.38 : 13 فقه االستشارة * وقال القرطيب :كان اْلنصار قبل مقدم النيب صلى هللا عليه وسلم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه، مث عملوا عليه ،فمدحهم هللا -تعاىل -به (.) * وقال :ابن كثري ( :اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( [ )سورة الشورى ،اآلية ] 38 :أي ال يربمون أمرا حَّت يتشاوروا فيه ،ليتساعدوا آبرائهم يف مثل احلروب وما جرى جمراها ،كما قال -تبارك وتعاىل ( :-او اشا ِوْرُه ْم ِيف وسلم يشاورهم يف احلروب ْاْل ْام ِر)( [ )6سورة آل عمران ،اآلية ] .159 :وهلذا كان صلى هللا عليه وحنوها؛ ليطيب بذلك قلوّبم ،وهكذا ملا حضرت عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه الوفاة حني طعن، جعل اْلمر بعده شورى يف ستة نفر (.) * وقال القامسي ( :اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( [ )8سورة الشورى ،اآلية ] 38 :أي ال ينفردون برأي حَّت يتشاوروا وجيتمعوا عليه ،وذلك من فرط تدبريهم ،وتيقظهم ،وصدق آتخيهم يف إمياهنم ،وحتاّبم يف هللا - تعاىل.)9( - * وقال سيد قطب ( :اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( [ )سورة الشورى ،اآلية ] 38 :والتعبري جيعل أمرهم كله شورى ،ليصبغ احلياة كلها ّبذه الصبغة ،وهو نص مكي ،كان قبل قيام الدولة اإلسالمية ،فهذا الطابع إذن أعم وأمشل من الدولة يف حياة املسلمني ،إنه طابع اجلماعة اإلسالمية يف كل حاالهتا ،ولو كانت الدولة مبعناها اخلاص مل تقم بعد (.)11 - 1سورة الشورى آية.38 : - 2سورة الشورى آية.38 : - 3تفسير الطبري .37 / 25 - 4انظر :تفسير القرطبي .36 / 16 - 5سورة الشورى آية.38 : - 6سورة آل عمران آية.159 : - 7انظر :تفسير ابن كثير .118 / 4 - 8سورة الشورى آية.38 : - 9انظر :تفسير القاسمي .249 / 14 - 10سورة الشورى آية.38 : - 11في ظالل القرآن (.)3165 / 5 14 فقه االستشارة * وقال األستاذ عدانن النحوي ( :اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( [ )سورة الشورى ،اآلية ] 38 :هي جزء من آية ،فال يستحب أن تؤخذ من دون اآلية بتمامها ،فستفقد بريقا وروحا ومعان. واآلية جزء من جمموعة من اآلَيت ،قد ال تبدو عالقتها مع الشورى للنظرة اْلوىل ،ولكنها تربط صفات املؤمنني ربط تكامل وتناسق ،فإذا أخذت اآلية وحدها اختفت ظالل وقواعد. * وهذه اجملموعة من اآلَيت جزء من سورة مسيت الشورى ،وقد ال تبدو عالقتها ابلشورى ْلول وهلة، ولكن التدبر ،والتمحيص ،وفهم أسلوب القرآن الكرمي يف البناء والرتبية يكشف لنا عظمة ترابط الكلمات مع اآلية ،واآلية مع جمموع اآلَيت ،واجملموعة مع السورة كلها ،والسورة كلها مع منهاج هللا. وهنا َند البون الشاسع بني أن أنخذ الكلمات الثالث وحدها ،وبني أن أنخذها يف أجواء منهاج هللا على إميان وعلم وتدبر (.)2 املوضع الثالث :قوله تعاىل "فإن أرادا فصاال عن تراض منهما وتشاور فال جناح عليهما" قال -تعاىل -يف سورة البقرة( :فاِإ ْن أارادا فِصاالً عن تار ٍ ِ اح اعلاْي ِه اما)([ )سورة اض مْن ُه اما اوتا اش ُاوٍر فاال ُجنا ا اا ا اْ ا البقرة ،اآلية.] 233 : وقال -سبحانه -يف سورة الطالق( :فاِإ ْن أارضعن لا ُكم فاآتُوه َّن أُجوره َّن وأْاَتِروا ب ي نا ُكم ِمباعر ٍ وف اوإِ ْن ْ ا ْ ا ْ ُ ُ ا ُ ا ُ اْ ْ ْ ُ ِ ُخارى)( [ )سورة الطالق ،اآلية.] 6 : اس ْرُُْت فا استُ ْرض ُع لاهُ أ ْ تا اع ا هااتن اآليتان يف موضوع إرضاع الصيب ،ووجوب التشاور حول فطامه ،ومن يرضعه ومقدار اْلجرة لذلك؟!! * قال الطربي يف آية البقرة :قال بعضهم :عين بذلك :فإن أراد فصاال يف احلولني عن تراض منهما وتشاور ،فال جناح عليهما. - 1سورة الشورى آية.38 : - 2انظر :مالمح الشورى في الدعوة اإلسالمية ص.45 - 3سورة البقرة آية.233 : - 4سورة الطالق آية.6 : 15 فقه االستشارة * قال قتادة :إذا أرادت الوالدة أن تفصل ولدها قبل احلولني ،فكان ذلك عن اترض منهما وتشاور، فال أبس به. * وقال جماهد :التشاور فيما دون احلولني ،ليس هلا أن تفطمه إال أن يرضى ،وليس له أن يفطمه إال أن ترضى. * مث قال الطربي :فإن أرادا فصاال يف احلولني عن تراض منهما وتشاور ،وال تشاور بعد انقضائه ،وإمنا التشاور والرتاضي قبل انقضاء هنايته (.)1 * وقال ابن كثري يف سورة الطال اآلية (( .)6وأْاَتِروا ب ي نا ُكم ِمباعر ٍ وف)( )2أي :ولتكن أموركم فيما ا ُ اْ ْ ْ ُ بينكم ابملعروف من غري إضرار وال مضارة (.) * وقال سيد قطب يف آية البقرة" :فإن شاء الوالد والوالدة ،أو الوالدة والوارث أن يفطما الطفل قبل استيفاء العامنيْ ،لهنما يرَين مصلحة للطفل يف ذلك الفطام ،لسبب صحي أو سواه فال جناح عليهما، إذا ُت هذا ابلرضى بينهما ،وابلتشاور يف مصلحة الرضيع املوكول إليهما رعايته ،املفروض عليهما محايته" (.) * قال عدانن النحوي يف آية سورة الطال " :وظالل هذه الكلمات من خالل اآلية الكرمية توحي بضرورة التشاور بني الزوجني رعاية حلق املولود ،حَّت يتم اْلمر بينهما على أساس من احلقوق احملددة الواضحة يف هذه اآلية الكرمية" (.) املوضع الرابع :قوله تعاىل "إمنا املؤمنون الذين آمنوا ابهلل ورسوله " ِ َّ ِ ِ ِ ِِ َِّ ين اآمنُوا ِاب ََّّلل اوار ُسوله اوإِذاا اكانُوا ام اعهُ اعلاى أ ْام ٍر اجام ٍع املْ قال -تعاىل -يف سورة النور( :إمناا الْ ُم ْؤمنُو ان الذ ا يا ْذ اهبُوا اح ََّّت يا ْستاأْ ِذنُوهُ)( [ )6سورة النور ،اآلية.] 62 : - 1انظر :تفسير الطبري .506 / 2 - 2سورة الطالق آية.6 : - 3انظر .:تفسير ابن كثير .383 / 4 - 4انظر :في ظالل القرآن .254 / 1 - 5انظر :مالمح الشورى ص.58 - 6سورة النور آية.62 : 16 فقه االستشارة * قال ابن كثري :إذا كانوا يف أمر جامع مع الرسول صلى هللا عليه وسلم من صالة مجعة ،أو عيد مجاعة ،أو اجتماع يف مشورة ،وحنو ذلك ،أمرهم هللا -تعاىل -أال يتفرقوا عنه واحلالة هذه إال بعد استئذانه ومشاورته (.)1 * وقال الطربي ( :اعلاى أ ْام ٍر اج ِام ٍع) اجتمع هلا ،أو تشاور يف أمر ن زل ( املْ يا ْذ اهبُوا)( )يقول :مل ينصرفوا عما اجتمعوا له من اْلمر ،حَّت يستأذنوا () رسول هللا صلى هللا عليه يقول :على أمر جيمع مجيعهم من حرب حضرت ،أو صالة وسلم.)( . وقال سيد قطب :واْلمر اجلامع :اْلمر املهم الذي يقتضي اشرتاك اجلماعة فيه ،لرأي أو حرب أو عمل من اْلعمال العامة ،فال يذهب املؤمنون حَّت يستأذنوا إمامهم ،كي ال يصبح اْلمر فوضى ،بال وقار وال نظام (.) املوضع اخلامس :قوله تعاىل "إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إىل أبينا منا وحنن عصبة" ِ ِ صباةٌ إِ َّن أ اااب اان لاِفي اح ُّ وس ُ ب إِ اىل أابِيناا منَّا اواْحن ُن عُ ْ ف اوأ ُ اخوهُ أ ا قوله -تعاىل -عن إخوة يوسف( :إ ْذ قاالُوا لايُ ُ ني اقْ تُلُوا يوسف أا ِو اطْرحوه أارضاً اخيْل لا ُكم وجه أابِي ُكم وتا ُكونُوا ِمن ب ع ِدهِ قاوماً ِِ ض ٍ الل ُمبِ ٍ ني قا اال قاائِ ٌل ا ُ ُ ا صاحل ا ْ اْ ْ ا اُ ُ ْ ُ ْ اُْ ْ ا ِِ اجل ِ ِ ِ ِ ني)([ )6سورة يوسف، ض َّ وس ا السيَّ اارةِ إِ ْن ُكْن تُ ْم فااعل ا ب يا ْلتاقطْهُ با ْع ُ مْن ُه ْم ال تا ْقتُلُوا يُ ُ ف اوأالْ ُقوهُ ِيف اغياابات ُْ ّ ِ امجعوا أا ْن اجيعلُوه ِيف اغياب ِ ب اوأ ْاو احْي ناا إِلاْي ِه ت ْ ْا ُ اآلَيت ] .10-8 :مث قال بعد ذلك( :فالا َّما اذ اهبُوا بِه اوأ ْ ا ُ اا اجلُ ِّ َّه ْم ِأب ْام ِرِه ْم اه اذا اوُه ْم ال يا ْشعُُرو ان)( [ )7سورة يوسف ،اآلية.] 15 : لاتُنا بِّئا ن ُ ويف قصة السرقة اليت ذكرها هللا يف آخر السورة ،وبعد أن بذلوا حماوالهتم ْلن يطلق يوسف سراح أخيهم ،فلما عجزوا ماذا حدث؟ قال هللا -تعاىل( :-فالا َّما استايأ ِ صوا اَِنيّاً قا اال اكبِريُُه ْم أااملْ تا ْعلا ُموا اسوا مْنهُ اخلا ُ ْْ ُ - 1انظر :تفسير ابن كثير .306 / 3 - 2سورة النور آية.62 : - 3سورة النور آية.62 : - 4انظر :تفسير الطبري .175 / 18 - 5انظر :في ظالل القرآن .2535 / 4 - 6سورة يوسف آية.10-8 : - 7سورة يوسف آية.15 : 17 فقه االستشارة ان أااب ُكم قا ْد أاخ اذ علاي ُكم موثِقاً ِمن َِّ ِ ض اح ََّّت اأيْ اذ ان ِِل أِايب أ ْاو وس ا ف فالا ْن أابْ ار اح ْاْل ْار ا اَّلل اوم ْن قا ْب ُل اما فا َّرطْتُ ْم ِيف يُ ُ أ َّ ا ْ ا ا ْ ْ اْ ا اَّلل ِِل وهو خي ر ْ ِ ِ ني)( [ )سورة يوسف ،اآلية.] 80 : احلااكم ا اُْي ُك ام َُّ ا ُ ا ا ْ ُ فهده اآلَيت مثال عملي على مزاولة الشورى ،وهي منهج قد ألفوه ،فقد تشاوروا عندما أرادوا التخلص من يوسف ،وتشاوروا عندما وقعوا يف مشكلة السرقة. * قال الطربي :قال إخوة يوسف بعضهم لبعض :اقتلوا يوسف ،أو اطوحوه يف أرض من اْلرض. ِ ِ ف)( [ )سورة يوسف، وس ا * مث قال :قال ابن إسحاق يف قوله -تعاىل( :-قا اال قاائ ٌل مْن ُه ْم ال تا ْقتُلُوا يُ ُ اآلية ] 10 :ذكر ِل -وهللا أعلم -أن الذي قال ذلك منهم روبيل اْلكرب من بين يعقوب ،وكان أقصدهم فيه رأَي (.)3 * وقال ابن كثري :فصرفهم هللا عنه مبقالة روبيل فيه ،وإشارته عليهم أبن يلقوه يف غيابة اجلب (.)4 امجاعُوا)( )يقول :وأمجعوا رأيهم وعزموا على أن جيعلوه يف غيابة اجلب(.)6 * قال الطربي يف قوله ( :اوأ ْ * وقال ابن كثري :إهنم اتفقوا كلهم على إلقائه يف أسفل ذلك اجلب (.)7 ومن خالل ما سبق يتضح أن اْلمر كان بينهم شورى ،حيث اختلفوا أوال ،مث اتفقوا اثنيا على الرأي الذي أبداه روبيل ،أما يف قصة السرقة اليت وردت يف السورة ،فقد أخرب -سبحانه -عنهم بقوله( :فالا َّما استا يأ ِ صوا اَِنيّاً)( [ )8سورة يوسف ،اآلية.] 80 : اسوا مْنهُ اخلا ُ ْْ ُ صوا اَِنيّاً)( )9أي اعتزلوا الناس ،ليس معهم غريهم ،يتناجون ويتناظرون * قال ابن اجلوزي ( :اخلا ُ ويتشاورون (.) - 1سورة يوسف آية.80 : - 2سورة يوسف آية.10 : - 3انظر :تفسير الطبري .155 / 12 - 4انظر :تفسير ابن كثير .470 / 2 - 5سورة يوسف آية.15 : - 6انظر :تفسير الطبري .160 / 12 - 7انظر :تفسير ابن كثير .471 / 2 - 8سورة يوسف آية.80 : - 9سورة يوسف آية.80 : 18 فقه االستشارة صوا اَِنيّاً)( )أي :خال بعضهم ببعض ،مث قالوا :ماذا ترون؟ (.) * وقال ابن إسحا ( :اخلا ُ * وهكذا جند إخوة يوسف -عليهم السالم -يتشاورون يف قضية أخيهم ابتداء وانتهاء ،مع أن تشاورهم اْلول كان على أمر سوء (لِي ْق ِ اَّللُ أ ْامراً اكا ان ام ْفعُوالً)( [ )سورة اْلنفال ،اآلية] 44 : ض اي َّ ا وتشاورهم الثاِن للخروج من مشكلة ليست من صنيعهم وفوجئوا ّبا( .ما اكا ان لِيأْخ اذ أاخاه ِيف ِدي ِن الْملِ ِ ك ا ُ اُ ا ا اَّللُ)( [ )سورة يوسف ،اآلية.] 76 : إَِّال أا ْن يا اشاءا َّ املوضع السادس :قوله تعاىل "قالت َي أيها املَل أفتوِن يف أمري" ]. قال -تعاىل -يف سورة النمل ،يف ذكر ملكة سبأ وقصتها مع سليمان -عليه السالم:- ِ اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ ون)( [ )6سورة النمل ،اآلية32 : (قاالا ْ ت اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُ ِوِن ِيف أ ْام ِري اما ُكْن ُ ا ت قا ا ْ ا قال الطربي :قالت ملكة سبأ ْلشراف قومها ( :اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُ ِوِن ِيف أ ْام ِري)( [ )7سورة النمل، اآلية ] 32 :تقول :أشريوا علي يف أمري الذي قد حضرِن من أمر صاحب هذا الكتاب الذي إِل ،فجعلت املشورة فتيا. ألقي ّ ِ اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ ون)( [ )8سورة النمل ،اآلية ] 32 :تقول :ما كنت قاضية أمرا يف ( اما ُكْن ُ ا ت قا ا ْ ا ذلك حَّت تشهدون ،فأشاوركم فيه. * قال ابن زيد :دعت قومها تشاورهم (.)9 - 1انظر :زاد المسير .266 / 4 - 2سورة يوسف آية.80 : - 3انظر :تفسير الطبري .33 / 13 - 4سورة األنفال آية.44 : - 5سورة يوسف آية.76 : - 6سورة النمل آية.32 : - 7سورة النمل آية.32 : - 8سورة النمل آية.32 : - 9انظر :تفسير الطبري .153 / 19 19 فقه االستشارة * وقال ابن اجلوزي :قوله -تعاىل( :-أافْ تُ ِوِن ِيف أ ْام ِري) ( ) أي :بينوا ِل ما أفعل وأشريوا علي ،قال الفراء :جعلت املشورة فتيا ،وذلك جائز لسعة اللغة. () مث قال( :ح ََّّت تا ْشه ُد ِ ون)( )أي :حتضرون ،واملعىن :إال حبضوركم ومشورتكم ا ا * وقال ابن كثري :يف تفسريه هلذه اآلَيت :ملا قرأت عليهم كتاب سليمان استشارهتم يف أمرها ،وما قد ِ اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ ون)([ )سورة النمل، ن زل ّبا .وهلذا قالت ( :اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُ ِوِن ِيف أ ْام ِري اما ُكْن ُ ا ت قا ا ْ ا اآلية ]32 :أي :حَّت حتضرون وتشريون(.)5 قال سيد قطب :وهي تستشري املَل من قومها يف هذا اْلمر اخلطري ،مث قال :وواضح أهنا ال تريد املقاومة واخلصومة ،ولكنها ال تقول هذا صراحة ،إمنا َتهد له بذلك الوصف ،مث تطلب الرأي بعد ذلك واملشورة (.)6 * وقال القامسي يف معىن اآلية( :ح ََّّت تا ْشه ُد ِ ون) ا ا أستبد بقضاء إال ابستطالع آرائكم ،والرجوع إىل استشارتكم ()7 أي :ال أبت أمرا إال مبحضركم ومشورتكم ،وال (.)8 املوضع السابع :قوله تعاىل " قال املَل من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم" قال -تعاىل -عن قصة فرعون مع موسى( :قا اال الْم اَلُ ِمن قاوِم فِرعو ان إِ َّن ه اذا لاس ِ يد أا ْن احٌر اعلِ ٌيم يُِر ُ ا ْ ْ ْ اْ ا ا ِ ِ ِ ِ ِ ِ ِ ين)([ )9سورة اْلعراف، ُخيْ ِر اج ُك ْم م ْن أ ْارض ُك ْم فا اماذاا اأتْ ُم ُرو ان قاالُوا أ ْارج ْه اوأ ا اخاهُ اوأ ْارس ْل يف الْ ام ادائ ِن احاش ِر ا - 1سورة النمل آية.32 : - 2سورة النمل آية.32 : - 3انظر :زاد المسير .169 / 6 - 4سورة النمل آية.32 : - 5انظر :تفسير ابن كثير .362 / 3 - 6انظر :في ظالل القرآن .2639 / 5 - 7سورة النمل آية.32 : - 8انظر :في تفسير القاسمي .4665 / 13 - 9سورة األعراف آية.111-109 : 20 فقه االستشارة اآلَيت ]111 - 109 :ويف سورة الشعراء( :قا اال لِْلم َِل حولاه إِ َّن ه اذا لاس ِ يد أا ْن ُخيْ ِر اج ُك ْم ِم ْن احٌر اعلِ ٌيم يُِر ُ ا اْ ُ ا ا أ ْار ِض ُك ْم بِ ِس ْح ِرهِ فا اما اذا اأتْ ُم ُرو ان)( [ )سورة الشعراء ،اآلَيت.] .36 - 34 : * قال اإلمام الطربي :قال فرعون للمَل( :فا اما اذا اأتْ ُم ُرو ان)( [ )سورة اْلعراف ،اآلية.] 110 : * يقول :فأي شيء أتمرون أن نفعل يف أمره ،أبي شيء تشريون فيه (.)3 علي (.)4 * وقال ابن اجلوزي :قال ابن عباس :ما الذي تشريون به ّ * وقال ابن كثري :فلما تشاوروا يف شأنه ،وائتمروا فيه اتفق رأيهم على ما حكاه هللا عنهم يف قوله - ِ ِ ِ ِ ِ ين)( [ )6()سورة اْلعراف ،اآلية.] 111 : تعاىل( :-قاالُوا أ ْارج ْه اوأ ا اخاهُ اوأاْرس ْل يف الْ ام ادائ ِن احاش ِر ا املوضع الثامن :قوله تعاىل "وإذ ميكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو خيرجوك" قال -تعاىل -يف سورة األنفال( :وإِ ْذ مياْ ُكر بِ َّ ِ وك اومياْ ُك ُرو ان وك أ ْاو ُخيْ ِر ُج ا وك أ ْاو يا ْقتُلُ ا ين اك اف ُروا لِيُثْبِتُ ا ُ ا ا ك الذ ا ِ ين)( [ )7سورة اْلنفال ،اآلية.] 30 : اَّللُ او َّ اومياْ ُك ُر َّ اَّللُ اخْي ُر الْ اماك ِر ا * قال قتادة ومقسم :تشاوروا فيه ليلة وهم مبكة ،فقال بعضهم :إذا أصبح فأوثقوه ابلواثق ،وقال بعضهم :بل اقتلوه ،وقال بعضهم :بل أخرجوه (.)8 * وقال السدي :اجتمعت مشيخة قري( يتشاورون يف النيب صلى هللا عليه وسلم وقال ابن زيد :اجتمعوا فتشاوروا يف رسول هللا -صلى هللا عليه وسلم.)10( - - 1سورة الشعراء آية.36-34 : - 2سورة األعراف آية.110 : - 3انظر :تفسير الطبري .16 / 9 - 4انظر :زاد المسير .238 / 3 - 5سورة األعراف آية.111 : - 6انظر .تفسير ابن كثير .236 / 2 - 7سورة األنفال آية.30 : - 8انظر :تفسير الطبري .228 / 9 - 9انظر :تفسير الطبري .228 / 9 - 10انظر :تفسير الطبري .228 / 9 21 (.) فقه االستشارة قال ابن اجلوزي :قال أهل التفسري :ملا بويع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ليلة العقبة ،وأمر أصحابه أن يلحقوا ابملدينة ،اتفقت قري( أن يعلو أمره ،وقالوا :وهللا لكأنكم به قد كر عليكم ابلرجال، فاجتمع مجاعة من أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا يف أمره (.)1 املوضع التاسع :قوله تعاىل "َي أيها املَل أفتوِن يف رؤَيي إن كنتم للرؤَي تعربون" قال -تعاىل -يف سورة يوسف حكاية عن العزيز عندما رأى الرؤَي ،حيث مجع مَله ،مث قال هلم ( :اَي ِ ِ َيي إِ ْن ُكْن تُ ْم لِ ُّلرْؤَي تا ْعبُ ُرو ان)( [ )سورة يوسف ،اآلية.] 43 : أايُّ اها الْ ام اَلُ أافْ تُوِن يف ُرْؤ ا وهذه اآلية وإن كانت يف الرؤَي ،ولكنها تدل على الشورى ،حيث مجع أشراف قومه وحكماءهم ،ومل يقصر اْلمر على من يعرب الرؤَي (وما اْحنن بِتاأْ ِو ِيل ْاْلاح ِ ِ ِ ني)( [ )سورة يوسف ،اآلية ] 44 :مما الم بِ اعالم ا ْ اا ُ يدل على أنه إذا جاءه أمر مهم مجع املَل من قومه فشاورهم ،وهذه الرؤَي من اْلمور املهمة عنده -وهي كذلك ،-ويف قوهلم( :وما اْحنن بِتاأْ ِو ِيل اْْلاح ِ ِ ِ ني)( [ )سورة يوسف ،اآلية ] 44 :ما يفهم أهنم الم بِ اعالم ا ْ اا ُ قالوا :ليس هذا من اختصاصنا ،حيث إن مهمتنا إبداء الرأي يف غري الرؤَي ،فلها أهلها. * قال ابن اجلوزي :فدعا أشراف قومه ،فقصها عليهم (.)5 قال الزجاج :واملَل الذين يرجع إليهم يف اْلمور ويقتدي برأيهم () 6 وقال القامسي ( :اَي أايُّ اها الْ ام اَلُ)( [ )7سورة يوسف ،اآلية ] 43 :خطاب لَلشراف من قومه (.)8 وقد وفق يف استشارته حيث وجد يف املَل من دله على من يعرب له رؤَيه ،وهذا من مثرات االستشارة. - 1انظر :زاد المسير .346 / 3 - 2سورة يوسف آية.43 : - 3سورة يوسف آية.44 : - 4سورة يوسف آية.44 : - 5انظر :زاد المسير .229 / 4 - 6انظر :زاد المسير .229 / 4 - 7سورة يوسف آية.43 : - 8انظر -:تفسير القاسمي .3545 / 9 22 فقه االستشارة النجوى من صور الشورى املوضع العاشر: وردت آَيت كثرية يف التناجي والنجوى ،وإن كانت النجوى ليست خاصة ابلشورى واملشاورة ،ولكن املشاورة صورة من الصور اليت تتم عن طريق النجوى ،كما قال -سبحانه -عن قوم فرعون عندما تشاوروا يف موسى بناء على طلب فرعون( .فا اماذاا اأتْ ُم ُرو ان) حلاهلم يف تشاورهم. ( ) [ سورة الشعراء ،اآلية ] 35 :قال -سبحانه -مبينا َّج اوى)( [ )سورة طه ،اآلية .] 62 اسُّروا الن ْ (فاتا نا اازعُوا أ ْامارُه ْم باْي نا ُه ْم اوأ ا صوا اَِنيّاً)( [ )سورة يوسف ،اآلية ] 80 :ولذلك أمر هللا أن تكون وكما قال عن إخوة يوسف ( :اخلا ُ َّ ِ ِ اج ْوا ِابِْْل ِْمث اجْي تُ ْم فاال تاتا نا ا ين اآمنُوا إذاا تانا ا النجوى ابخلري ،والتناجي ابلرب والتقوى .قال -سبحانه ( :-اَي أايُّ اها الذ ا صي ِ ِ ِ ت َّ ِ اَّللا الَّ ِذي إِلاْي ِه ُْحت اش ُرو ان)([ )سورة اجملادلة ،اآلية9 : اج ْوا ِابلِْ ِّرب اوالتَّ ْق اوى اواتَّ ُقوا َّ الر ُسول اوتانا ا اوالْعُ ْد اوان اوام ْع ا ]. وكما ذكرت فإن هذه اآلية ليست خاصة يف الشورى ،بل هي أعم من ذلك ،ولكن الشورى تدخل فيها من ابب أوىل (.)5 وقبل أن أجتاوز املواضع اليت وردت يف القرآن الكرمي دالة على الشورى ،أذكر موضعني أشار إليهما بعض املفسرين ،مع أن الداللة ليست مسلمة إبطالق ،وخباصة يف املوضع اْلول ،وسأذكر بعض ما قيل حول هذين املوضعني :املوضع اْلول: - 1سورة الشعراء آية.35 : - 2سورة طه آية.62 : - 3سورة يوسف آية.80 : - 4سورة المجادلة آية.9 : - 5انظر :تفصيل ذلك في كتاب مالمح الشورى ص.66 23 فقه االستشارة اعل ِيف ْاْلار ِ ِ قال -تعاىل -يف سورة البقرة( :وإِ ْذ قا اال ربُّ ا ِ ِ ِ ِِ ِ اجت اع ُل فِ ايها ام ْن ض اخلي افةً قاالُوا أ اْ ْ ا ا ك ل ْل امالئ اكة إ ِّن اج ٌ ِ ِ ِ ِ ي ْف ِس ُد فِيها ويس ِف ِ ك قا اال إِِِّن أ ْاعلا ُم اما ال تا ْعلا ُمو ان)([ )سورة البقرة، س لا ا ا اا ْ ُ ُ ك ال ّد اماءا اواْحن ُن نُ اسبّ ُح حبا ْمد اك اونُ اق ّد ُ اآلية.] 30 : * قال ابن عاشور :وقول هللا هذا موجه إىل املالئكة على وجه اإلخبار ،ليسوقهم إىل معرفة فضل اجلنس اإلنساِن ،على وجه يزيل ما علم هللا أنه يف نفوسهم من سوء الظن ّبذا اجلنس ،وليكون كاالستشارة ليسن هلم تكرميا هلم ،فيكون تعليما يف قالب تكرمي ،مثل إلقاء املعلم فائدة للتلميذ يف صورة سؤال وجواب ،و ّ االستشارة يف اْلمور ،ولتنبيه املالئكة على ما دق وخفي من حكمة خلق آدم ،كذا ذكر املفسرون ،وعندي الكالم البن عاشور -أن هذه االستشارة جعلت لتكون حقيقة مقارنة يف الوجود خللق أول البشر ،حَّتتكون انموسا أشربته نفوس ذريتهْ ،لن مقارنة شيء من اْلحوال واملعاِن لتكوين شيء ما تؤثر آتلفا بني ذلك الكائن وبني املقارن (.)2 * وقال يف تفسريه لقوله -تعاىل ( :-او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)( [ )سورة آل عمران ،اآلية.] 159 : هذا والشورى ما جبل هللا عليه اإلنسان يف فطرته السليمة ،أي :فطره على حمبة الصالح ،وتطلب النجاح يف املساعي ،ولذلك قرن هللا -تعاىل -خلق أصل البشر ابلتشاور يف شأنه إذ قال للمالئكة( :إِِِّن جِ اع ٌل ِيف ْاْل ْار ِ ض اخلِي افةً)( [ )سورة البقرة ،اآلية.] 30 : ا إذ قد غين هللا عن إعانة املخلوقات يف الرأي ،ولكنه عرض على املالئكة مراده؛ ليكون التشاور سنة يف البشر ،ضرورة أنه مقرتن بتكوينه ،فإن مقارنة الشيء للشيء يف أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه ،وملا كانت الشورى معىن من املعاِن ال ذات هلا يف الوجود جعل هللا إلفها للبشر بطريقة املقارنة يف وقت التكوين ( .)5املوضع الثاِن: - 1سورة البقرة آية.30 : - 2انظر :التحرير والتنوير .400 / 1 - 3سورة آل عمران آية.159 : - 4سورة البقرة آية.30 : - 5انظر :تفسير التحرير والتنوير .150 / 4 24 فقه االستشارة ك فاانْظُْر قال -تعاىل -يف سورة الصافات( :فالا َّما بالا اغ ام اعهُ َّ اِن أا ْذ احبُ ا ين إِِِّن أ اارى ِيف الْ امنا ِام أِّ الس ْع اي قا اال اَي بُ اَّ ِ اَّلل ِمن َّ ِ ِ ِ ِ ين)( [ )سورة الصافات ،اآلية 102 الصاب ِر ا اما اذا تا ارى قا اال اَي أابات افْ اع ْل اما تُ ْؤام ُر استاج ُدِن إ ْن اشاءا َُّ ا ]. قال اإلمام الطربي :فإن قال قائل :أو كان إبراهيم يؤامر ابنه يف املضي ْلمر هللا ،واالنتهاء إىل طاعته؟ قيل :مل يكن ذلك منه مشاورة البنه يف طاعة هللا ،ولكنه كان منه ليعلم ما عند ابنه من العزم ،هل هو من الصرب على أمر هللا على مثل الذي هو عليه ،فيسر بذلك أم ال!! وهو يف اْلحوال كلها ماض ْلمر هللا (.)2 وقال ابن كثري :وإمنا أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه ،وليخترب صربه وجلده وعزمه يف صغره على طاعة هللا -تعاىل -وطاعة أبيه (.)3 قال القامسي :قال الرازي :احلكمة يف مشاورة االبن يف هذا الباب ،أن يطلع ابنه على هذه الواقعة ليظهر له صربه يف طاعة ،هللا فتكون فيه قرة عني إلبراهيم ،حيث يراه قد بلغ يف احللم إىل هذا احلد العظيم، ويف الصرب على أشد املكاره إىل هذه الدرجة العالية ،وُيصل لالبن الثواب يف اآلخرة ،والثناء احلسن يف الدنيا (.)4 إن هاتني اآليتني قد تبدو الشورى يف ظاهر سياقهما ،ولكن عند النظر يف تفسريمها ،ندرك أنه ال شورى فيهماْ ،لن االستشارة احلقيقية هي استخراج الرأي لإلفادة منه من قِبال املستشري ،وذلك ابلعمل به إن كان صوااب ،وليس من هذا شيء يف هاتني اآليتني كما ذكر املفسرون. فاملوضع اْلول :هللا غين عن رأي أحد من املخلوقني. - 1سورة الصافات آية.102 : - 2انظر :تفسير الطبري .79 / 23 - 3انظر :تفسير ابن كثير .15 / 4 - 4انظر :تفسير القاسمي .5050 / 14 25 فقه االستشارة واملوضع الثاِن :قد جاء اْلمر فيه من هللا ،وليس بعد أمر هللا أمر وال خيار ( اواما اكا ان لِ ُم ْؤِم ٍن اوال ُم ْؤِمنا ٍة اخلِيا ارةُ ِم ْن أ ْام ِرِه ْم)( [ )سورة اْلحزاب ،اآلية.] 36 : اَّللُ اوار ُسولُهُ أ ْامراً أا ْن يا ُكو ان اهلُُم ْ ضى َّ إِ اذا قا ا دالالت خيرج منها املتأمل آلًيت الشورى يف القرآن الكرمي وبعد: وبعد أن ذكرت آَيت الشورى ومواضعها يف القرآن الكرمي ،وبينت أقوال املفسرين حول هذه اآلَيت، أجد أن هناك عدة دالالت خيرج منها املتأمل هلذه اآلَيت أوجزها فيما يلي: -1إن ن زول قوله -تعاىل ( :-او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر) أحد ،وما حدث فيها وقبلها من أحداث ،له داللته الكربى على مكانة الشورى ،وذلك أن الرسول صلى () هللا عليه وسلم [ سورة آل عمران ،اآلية ] 159 :بعد وقعة استشار أصحابه قبل غزوة أحد ،هل يقاتلون وهم داخل املدينة ،أو خيرجون خارج املدينة؟ فكان رأي بعض الصحابة أن يبقوا داخل املدينة ،ورأى آخرون -وأكثرهم من الشباب الذين يتقدون محاسا -أن يكون القتال خارج املدينة ْلسباب ذكرها هؤالء ،كما أن أولئك ذكروا أسبااب للبقاء. وقد حدثت بعد ذلك أحداث هلا صلة مباشرة ابلشورى ،أمهها: (أ) رجوع عبد هللا بن أيب بن سلول إىل املدينة ،وتبعه ثلث اجلي( ،بعد أن خرجوا منها احتجاجا على أخذ الرسول صلى هللا عليه وسلم برأي الشباب ،وتركه لرأي الشيوخ ( )ومعلوم ما هلذا التصرف يف هذا الوقت احلرج جدا من آاثر حسية ومعنوية ،يصعب حصرها ،ويطول ذكرها. (ب) وقوع اهلزمية يف أحد مما قد يستغله البعض يف القدح يف نتيجة الشورى ،وجيعل ذلك بسببها. يف هذا الوقت ،ويف ظل هذه اْلوضاع تن زل آية الشورى قاطعة الطريق على أي حماولة للتشكيك يف مبدأ الشورى أو النيل منه ،وما حدث مع ضخامته ال يعدو أن يكون حادثة عني ال تقدح يف اْلصلْ ،لن حوادث اْلعيان تنتهي ابنتهاء آاثرها ،أما اْلصل واملنهج فله صفة االستمرار والشمول (.)1 - 1سورة األحزاب آية.36 : - 2سورة آل عمران آية.159 : - 3انظر :فقه السيرة ص.370 26 فقه االستشارة -2ورود الشورى يف القرآن جاء يف عدة صيغ ،فمرة بصيغة اْلمر ،ومرة بصيغة اخلرب ،وأخرى على شكل قصة ،أو يف سياق حدث من اْلحداث. إن تكرار الشورى ،وتنوع عرضها يدل على ما هلذا اْلسلوب من أثر يف رسم املنهج وبيانه ،وأمهية ترسيخ هذا املبدأ يف حياة الناس ،وعامة شئوهنم. -إن ثناء هللا -جل وعال -على اْلنصار ملمارستهم للشورى قبل هجرة الرسول صلى هللا عليه وسلم وذلك يف قوله ( :اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( [ )سورة الشورى ،اآلية ] 38 :يرسم للدعاة منهجا يف مواجهة اْلحداث بعد وفاة الرسول صلى هللا عليه وسلم وهذا ما كان يفعله اْلنصار قبل مقدم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وكذلك فعلوه بعد انتقاله للرفيق اْلعلى ،حيث استمر املهاجرون واْلنصار وغريهم ميارسون الشورى ،وخباصة عند اْلحداث املهمة. -مما يستدعي الوقوف والتأمل :ممارسة الشورى من قبل الكفار ،كما ذكر هللا -جل وعال -يف كتابه الكرمي عن فرعون ،وملكة سبأ ،ومشركي قري( ،وغريهم ،وهذا له دالالت عدة ،من أمهها أن الكفار أيضا يشرتكون يف معرفة أمهية املشاورة ،وآاثرها على اْلمم عاجال وآجال. وسياق بعض اآلَيت يدل على أن القضية ليست قضية عني ،بل منهج حياة ،وممارسة مستمرة ،حيث ِ اطعةً أامراً ح ََّّت تا ْشه ُد ِ ون)( [ )سورة النمل ،اآلية ] 32 :فهى لن تقطع أبي قالت ملكة سبأ ( :اما ُكْن ُ ا ت قا ا ْ ا أمر من اْلمور دوهنم ،ويبدو أن هذا هو منهجها قبل هذه احلادثة. ودار الندوة اليت اجتمعت فيها قري( للتآمر على الرسول صلى هللا عليه وسلم حيث تشاوروا يف ذلك ،يدل امسها على أهنا خصصت مكاان لالجتماع ،والتشاور يف اْلمور اليت هتم قريشا وتغشاها. - 1انظر :في ظالل القرآن .501 / 1 - 2سورة الشورى آية.38 : - 3سورة النمل آية.32 : 27 فقه االستشارة الشورى يف السنة مشاورة النيب صلى هللا عليه وسلم خلدجية وأيب بكر رضي هللا عنهما وشاورهم يف األمر: كان رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يستشري صحابته يف مكة ،مث ملا قدم املدينة استمر يف مشورته هلم ،وبعد أحد ن زل قوله -تعاىل ( :-او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر) وهذه اآلية ليس فيها ما يدل على أن رسول هللا صلى هللا عليه ( ) [ سورة آل عمران ،اآلية] 159 : وسلم مل يكن يستشري صحابته () 2 َّ ِ ين اآمنُوا ِآمنُوا) بل هي أشبه بقوله -تعاىل ( :-اَي أايُّ اها الذ ا علمنا الظروف اليت ن زلت فيها هذه اآلية ،حيث كانت بعد غزوة أحد ،وقد سبقها استشارة من رسول هللا () صلى هللا عليه [ سورة النساء ،اآلية ] 136 :وخباصة إذا وسلم ْلصحابه يف شأن الغزوة ،وحدث ما حدث كما سبق بيانه. وقد استمر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يف مشورته ْلصحابه؛ وتوالت اْلدلة القولية والعملية اليت تؤكد ذلك ،مع أن اْلدلة العملية -وهي اْلهم هنا -بلغت حدا جعل أاب هريرة رضي هللا عنه يقول :ما رأيت أحدا أكثر مشورة ْلصحابه من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه (.) وقد روى ابن عباس -رضي هللا عنهما -أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال " :ما من نيب إال وله وزيران من أهل السماء ،ووزيران من أهل اْلرض ،فأما وزيراي من أهل السماء فجربيل وميكائيل ،وأما وزيراي من أهل اْلرض فأبو بكر وعمر " (.) - 1سورة آل عمران آية.159 : - 2وبخاصة أنه ثبت أن رسول هللا كان يستشير صحابته قبل ذلك ،وأقرب مثال على ذلك استشارتهم في أحد ،وقبلها في بدر. - 3سورة النساء آية.136 : - 4سبق تخريجه ص.8 - 5رواه الترمذي " "3680وهو حديث ضعيف انظر ضعيف الجامع "."5223 28 فقه االستشارة ولذلك قال علي رضي هللا عنه مرتمحا على عمر رضي هللا عنه بعد أن طعن :ما خلفت أحدا أحب إِل من أن ألقى هللا مبثل عمله منك ،وأمي هللا إن كنت ْلظن أن جيعلك هللا مع صاحبيك ،وحسبت أِن كثريا كنت أمسع النيب صلى هللا عليه وسلم يقول " :ذهبت أان وأبو بكر وعمر ،ودخلت أان وأبو بكر وعمر ،وخرجت أان وأبو بكر وعمر " (.) وال شك أن كثرة لقاء الرسول صلى هللا عليه وسلم مع صاحبيه كان ْلمور مهمة وعظيمة ،ومن ذلك التشاور املستمر يف شئون اْلمة ،وما جيد فيها ،ويؤكد ذلك وقائع السرية وروايتها. بل إن اْلمر أوسع من ذلك ،فقد صح عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أنه قال " :ما بعث هللا من نيب وال استخلف من خليفة إال كانت له بطانتان ،بطانة أتمره ابملعروف وحتضه عليه ،وبطانة أتمره ابلشر وحتضه عليه ،واملعصوم من عصم هللا " (.) وّبذا ندرك أن قوله -تعاىل ( :-او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر)( [ )سورة آل عمران ،اآلية ] 159 :أصبح منهج حياة لرسول هللا صلى هللا عليه وسلم وْلمته من بعده اقتداء به ،وتصديقا لقوله -تعاىل ( :-اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( )إذ مدح هللا اْلنصار -رضي هللا عنهم -ملمارستهم الشورى يف حياهتم حَّت قبل هجرة الرسول صلى هللا عليه وسلم إىل املدينة. وتوضيحا ملا ُت إمجاله سأذكر بعض وقائع السرية من مشورته صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه يف أزمنة خمتلفة. ونظرا ْلن املراد هو بيان أن الشورى يف حياة الرسول صلى هللا عليه وسلم أصبحت حقيقة واقعة ،ومنهج حياة ،وليس املراد هو حصر وقائع الشورى ،وذكر تفصيالهتا ودقائقها ،فلن ألتزم حبصر تلك - 1رواه البخاري " ،26 / 7رقم ،"3677ومسلم " ،1858 / 4رقم "2389كالهما عن ابن عباس. - 2أخرجه البخاري ( ،201 / 13رقم "- "7198فتح )-واإلمام أحمد ( 39 / 3و )88والنسائي ( )4202عن أيى سعيد الخدري رضي هللا عنه. - 3سورة آل عمران آية.159 : - 4سورة الشورى آية.38 : 29 فقه االستشارة الوقائع ،ولن أفصل فيها تفصيال خيرج عن اهلدف الذي سيقت له ،بل سأذكرها مبا يشبه اإلمجال ،وليس املراد هو التحقيق من صحة كل رواية بذاهتا -حيث إن بعض ما يرد قد ال خيلو من ضعف وخباصة يف تفاصيله ال يف أصله -ولكن جمموع ما سأذكره من وقائع وشواهد -وبعضها يف الصحيحنيُ -يقق الغرض الذي سيقت من أجله ،وهذه مسألة ال بد من التنبه هلا ومراعاهتا ،وتربز قضية املشاورة من خالل مما يلي: وسلم خلدجية -رضي هللا عنها -منذ بعثته حَّت وفاهتا -1مشاورة الرسول صلى هللا عليه -2استشارة الرسول صلى هللا عليه وسلم ْليب بكر رضي هللا عنه يف مكة ،ومن أبرز ()1 الوقائع يف ذلك حادثة اهلجرة ،واختاذ الرتتيبات لذلك (.)2 مشاورة النيب صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه يف غزوة بدر -ما حدث يف بدر من مشاورة بني رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وصحابته يف عدة مواضع أمهها: (أ) استشارته ْلصحابه قبل اختاذ قرار املواجهة مع قري( ،فعندما أاته اخلرب عن مسري قري( ليمنعوا عريهم استشار الناس بعد أن أخربهم بقدوم قري( ،فقام عدد من الصحابة من املهاجرين كأيب بكر واملقداد وسلم أبن ميضي ملا أراه هللا ،فهم موافقون ْلي قرار بن عمرو ،وأشاروا على رسول هللا صلى هللا عليه يتخذه ،ولكن الرسول صلى هللا عليه وسلم يريد رأي اْلنصار -تنفيذا ملا ُت االتفاق عليه يف بيعة العقبة .-فقال " :أشريوا علي أيها الناس " فقام سعد بن معاذ ،وتكلم عن اْلنصار ،وكان مما قال " :فامض ملا أردت فنحن معك " فمضى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إىل بدر بعد أن مسع من املهاجرين واْلنصار ،ومل خيالف يف ذلك أحد منهم(.) - 1انظر :فقه السيرة ص 91و .128 - 2انظر :فقه السيرة ص 170و.172 - 3خرج األلباني هذا الحديث ،وأشار إلى رواياته وأسانيده ،وبين درجة كل منها ،والخالصة صحة أصل االستشارة -وهو ما يهمنا هنا -ومن أراد المزيد من التفصيل فليرجع إلى فقه السيرة للغزالي بتخريج األلباني ص.239 30 فقه االستشارة (ب) عندما ن زل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قبل بدر ،وقبل الوصول إىل املاء جاء احلباب بن املنذر ،وأشار على رسول هللا أن يغري املكان إىل مكان أفضل منه من الناحية احلربية ،ففعل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وقابِل مشورته (.)1 (ج) وقمة االستشارة يف هذه الغزوة استشارته يف أسارى بدر ،فقد روى اإلمام أمحد عن أنس رضي هللا عنه أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم استشار الناس يوم بدر يف اْلسارى فقال " :إن هللا قد أمكنكم منهم " فأشار عليه عدد من الصحابة بعدة آراء ،وهي تدور على :إطالق سراحهم ،أو الفداء ،أو القتل .وكان ممن أشار ابلعفو مع الفداء :أبو بكر ،وأشار عمر بضرب أعناقهم .وقد أخذ صلى هللا عليه وسلم برأي أيب بكر ،فأخذ منهم الفداء ،وأطلق سراحهم ،ون زل القرآن موافقا لرأي عمر حيث قال اسارى اح ََّّت يُثْ ِخ ان ِيف ْاْل ْار ِ ِِ ض الدُّنْياا او َّ يد ْاآل ِخارةا اَّللُ يُِر ُ ض تُِر ُ يدو ان اعار ا يب أا ْن يا ُكو ان لاهُ أ ْ سبحانه ( :-اما اكا ان لنا ٍِّ اَّلل ع ِزيز ح ِكيم لاوال كِتاب ِمن َِّ اب اع ِظ ٌيم)( [ )()سورة اْلنفال ،اآليتان: اخ ْذ ُُْت اع اذ ٌ يما أ ا اَّلل اسبا اق لا ام َّس ُك ْم ف ا او َُّ ا ٌ ا ٌ ْ ا ٌ ا .] 68 ،67 وسلم ْلصحابه يف غزوة أحد مشاورة النيب صلى هللا عليه -استشار رسول هللا صلى هللا عليه وسلم صحابته قبل غزوة أحد ،هل يقاتلون من داخل املدينة ،أم خيرجون إىل خارجها ،وقال :أشريوا علي: وقد أشار عدد من الصحابة أبن يبقوا داخل املدينة ،فإن دخلت قري( عليهم قاتلوهم يف اْلزقة، ورموهم من فوق الصياصي واآلطام ،وقد كانت املدينة شبه حمصنة ،وكان هذا رأي كبار الصحابة ،وهو رأي رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ولكنه مل يعزم عليهم. - 1وقد ضعف األلباني هذه القصة بعد ذكره لرواياتها ،وانظر فقه السيرة ص.340 - 2سورة األنفال آية.68-67 : - 3وهذه االستشارة صحيحة حيث ثبتت في صحيح مسلم وغيره انظر :صحيح مسلم 156 / 5وتفسير ابن كثير 325 / 2وفقه السيرة ص.254 31 فقه االستشارة ولذلك قال بعض الفتيان ممن مل يشهدوا بدرا ،وكانوا يتشوقون للجهاد ليبلوا كما أبلى أصحاب بدر، حيث إهنم مل يشهدوها ،فقد قال هؤالء :اخرج بنا إىل عدوان ،وأيدهم بعض كبار الصحابة كحمزة ،وسعد بن عبادة ،والنعمان بن ثعلبة ،وغريهم. وسلم برأي هؤالء ،وعندما لبس المته ودرعه ،خشي أولئك وقد أخذ رسول هللا صلى هللا عليه أهنم استكرهوه ،فعادوا إىل رأيه ،فأىب صلى هللا عليه وسلم بعد أن عزم على اخلروج ،فخرج مشاورة النيب صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه يف قصة اإلفك وغزوة اخلندق -إستشارة الرسول صلى هللا عليه (.)1 وسلم لعلي بن أيب طالب ،وأسامة بن زيد يف قصة اإلفك، وخباصة ما يتعلق بعائشة -رضي هللا عنهم أمجعني .--فأما أسامة فأثىن خريا ،مث قالَ :ي رسول هللا ،أهلك وال نعلم منهم إال خريا .وأما علي فقالَ :ي رسول هللا ،إن النساء لكثري ،وسل اجلارية فإهنا تصدقك .فدعا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم بريرة يسأهلا ...احلديث (.)2 -6ويف غزوة اخلندق كتب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الصلح بينه وبني عيينة بن حصن على ثلث مثار املدينة على أال يقاتلوا مع اْلحزاب ،وقبل إكمال إجراءات العقد واإلشهاد عليه بعث رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إىل سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يستشريمها يف ذلك ،فقاال :أمرا حتبه فنصنعه ،أم شيئا أمرك هللا به ال بد لنا من العمل به ،أم شيئا تصنعه لنا؟ قال :ال ،بل شيء أصنعه لكم، فذكر سعد بن معاذ أهنم ال يرون ذلك ،وأيده سعد بن عبادة ،فأخذ رسول هللا صلى هللا عليه وسلم برأيهما ،وألغى الكتابة مع عيينة بن حصن (.) مشاورة النيب صلى هللا عليه وسلم ْلصحابه يف احلديبية - 1ورد هذا الحديث بطرق وروايات متعددة ،وقد حققها األلباني وحكم بصحة ال حديث ،ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى فقه السيرة للغزالي ،بتخريج األلباني ص.169 - 2انظر :تفسير ابن كثير ،269 / 3وهذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما وانظر :فقه السيرة ص.316 - 3انظر :سيرة ابن هشام ومالمح الشورى للنحوي ص.214 32 فقه االستشارة وسلم صحابته يف أكثر من مرة ومنها: -ويف احلديبية شاور رسول هللا صلى هللا عليه (أ) ملا خرج رسول هللا صلى هللا عليه وسلم من املدينة قاصدا مكة حمرما ،ووصل إىل غدير اْلشطاط جاءه رجل فقال له :إن قريشا قد مجعوا لك مجوعا ،وقد مجعوا لك اْلحابي( ،وهم مقاتلوك، وصادوك ،ومانعوك ،فقال صلى هللا عليه وسلم أشريوا أيها الناس علي :أترون أن منيل على عياهلم وذراري هؤالء الذين يريدون أن يصدوان عن البيت؟ أم ترون أن نؤم البيت فمن صدان قاتلناه؟ فأشار عليه أبو بكر ابخليار الثاِن ،فقال صلى هللا عليه وسلم " فامضوا على اسم هللا تعاىل " احلديث (.) (ب) ذكر ابن إسحاق أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وطلب منه أن يذهب إىل قري( إلخبارها بقصد الرسول صلى هللا عليه وسلم من مقدمه إىل مكة، فأشار عليه عمر أن يرسل عثمان بن عفان ْلسباب ذكرها ،فأخذ الرسول صلى هللا عليه وسلم برأيه وأرسل عثمان رضي هللا عنه (.)2 (جـ) ملا كتب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الكتاب مع سهيل بن عمرو ،أمر الصحابة أن ُيلوا استدعى عمر -رضي هللا عنه،- ابحللق بعد النحر ،فما قام منهم رجل واحد ،وقال ذلك ثالث مرات ،فلم يفعلوا ،فدخل على أم سلمة - رضي هللا عنها -وذكر هلا ما لقي من الناس ،فأشارت عليه أم سلمة أن خيرج مث ينحر بدنه -وال يكلم أحدا منهم -مث يدعو حالقه فيحلقه ،فخرج رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وفعل ما أشارت به أم سلمة من النحر واحللق ،فلما رأى الصحابة ذلك قاموا فنحروا ،وجعل بعضهم ُيلق بعضا ،حَّت كاد بعضهم يقتل بعضا غما () - 1أخرجه البخاري ( ،518 / 7رقم )4179 ،4178عن المسور بن مخرمة ،ومروان ابن الحكم. - 2انظر :سيرة ابن هشام وفقه السيرة ص.363 - 3انظر :صحيح البخاري وفقه السيرة ص.363 33 فقه االستشارة صفحة من التاريخ مناذج من الشوري يف حياة الصحابة رضي هللا عنهم وأمرهم شورى بينهم ذكرت عند تفسري قوله -تعاىل ( :-اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)([ )سورة الشورى، اآلية ]38 :أن هذه اآلية ن زلت يف اْلنصار قبل هجرة الرسول صلى هللا عليه وسلم إليهم ،حيث كانوا يتشاورون فيما بينهم ،وهذه اآلية وإن كانت ن زلت يف اْلنصار ،فإن مدلوهلا أعم من ذلك ،حيث إن الصحابة -رضوان هللا عليهم -استمروا ميارسون الشورى بعد وفاة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وهذا اْلمر يعدو على احلصر ،وسأشري إىل بعض تلك الوقائع إبجياز ،مبينا أن الشورى كانت قبل هجرته صلى هللا عليه وسلم ويف أثناء حياته يف مكة واملدينة -كما سبق -وكذلك بعد وفاته صلى هللا عليه وسلم فهي منهج حياة مارسها صحابة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم سابقا والحقا ،وهذا معىن قوله -تعاىل ( :-اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)([ )سورة الشورى ،اآلية.] 38 : وأنيت اآلن إىل ذكر بعض هذه الشواهد: -1اجتمع صحابة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فيمن خيلف رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وبعد مداولة مشهورة اتفق رأيهم على تولية أيب بكر رضي هللا عنه فبايعوه على ذلك ،يف صورة من صور الشورى الرائعة ،اليت سجلها التاريخ أبحرف من بعد وفاته يف سقيفة بين ساعدة ،وتشاوروا ذهب (.) -2ملا أراد أبو بكر غزو الروم دعا عمر ،وعثمان ،وعلي ،وعبد الرمحن بن عوف ،وسعد بن أيب وقاص ،وسعيد بن زيد ،وأاب عبيدة بن اجلراح ،وعددا من املهاجرين واْلنصار ،وأخربهم عما أراد ،وبني هلم علي أمرؤ برأيه. وجهة نظره يف ذلك ،مث قال :وهذا رأيي الذي رأيته ،فليشر ّ - 1سورة الشورى آية.38 : - 2سورة الشورى آية.38 : - 3انظر :كتب السيرة .فالواقعة مشهورة. 34 فقه االستشارة "سرب إليهم اخليل يف أثر اخليل ،وابعث الرجال بعد فأشار عمر برأيه ،وكان مما قال يف ختام كالمهّ : الرجال ،واجلنود تتبعها اجلنود ،فإن هللا انصر دينه ومعز اإلسالم أبهله". مث تكلم عبد الرمحن بن عوف ،وكان مما قال" :ما أرى أن نقتحم عليهم اقتحاما ،ولكن نبعث اخليول فتغري يف قواصي أرضهم ،مث ترجع إليك ،وهكذا". * مث قال أبو بكر :ما ترون. فقال عثمان بن عفان" :إِن أرى أنك انصح ْلهل هذا الدين ،شفيق عليهم ،فإذا رأيت رأَي تراه لعامتهم صالحا فاعزم على إمضائه ،فإنك غري ظنني". فقام أغلب من يف اجمللس ،وأيدوا ما قاله عثمان يف تفويض اْلمر إليه (.)1 -بعد أن انتقل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إىل الرفيق اْلعلى .ارتد بعض العرب ،وامتنع عنه رأي معروف ،وخالفه يف آخرون عن أداء الزكاة ،فتشاور الصحابة يف ذلك ،وكان لعمر رضي هللا ذلك أبو بكر رضي هللا عنه وثبت أبو بكر على رأيه بعد ذكر اْلدلة على صحة ما ذهب إليه ،فشرح هللا صدر عمر واتفقت كلمة الصحابة على حرب املرتدين ،وقتال مانعي الزكاة. * ولوال هذه الشورى ،واحملاورة املدعومة ابلدليل حلدث شرخ كبري يصعب رتقه ،يف وقت كانت اْلمة يف أمس احلاجة إىل وحدة الكلمة ،ورص الصفوف (.)2 -وقد كان عمر رضي هللا عنه يستشري كثريا ،وجيمع أهل بدر للمعضالت ،قال سعد بن أيب وقاص :ما رأيت أحدا أحضر فهما ،وال ألب لبا ،وال أكثر علما ،وال أوسع علما من ابن عباس ،ولقد رأيت عمر بن اخلطاب يدعوه للمعضالت مث يقول :جاءتك معضلة ،مث ال جياوز قوله ،وإذا أهم اْلمر عمر بن اخلطاب دعاه وقاله له :غص غواص. * وذكر البيهقي أن عمر كان يدعو الفتيان ،فيستشريهم. - 1انظر :حياة الصحابة ،651 / 1ومالمح الشورى ،ص.265 - 2انظر :كتاب "أبو بكر الصديق" لمحمد رضا ص 75وما بعدها ،ومالمح الشورى. 35 فقه االستشارة * وعند البيهقي -أيضا -قال ابن سريين :إن عمر بن اخلطاب كان يستشري ،حَّت إن كان ليستشري املرأة ،فرمبا أبصر يف قوهلا الشيء احلسن فيأخذ به ( .)1قال ابن عاشور :وكان عمر يكتب لعماله أيمرهم ابلتشاور ،ويتمثل هلم يف كتبه بقول الشاعر: خليلـ ـ ـ ـ ــي لـ ـ ـ ـ ــيس ال ـ ـ ـ ـ ـرأي يف صـ ـ ـ ـ ــدر واحـ ـ ـ ـ ــد أشـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـريا علـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــي ابلـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــذي تـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرًين ()2 وقد استشار عمر ابنته حفصة -رضي هللا عنها -يف مقدار املدة اليت تصرب فيها املرأة عن زوجها. وكذلك أشارت عليه أن يستخلف من بعده. * وآخر مظهر من مظاهر الشورى يف حياة عمر رضي هللا عنه اختياره ْلهل الشورى ،وإسناد أمر اخلالفة إليهم ،وانتقل إىل الدار اآلخرة ،وأمر املسلمني شورى بينهم- .فرضي هللا عنه وأرضاه.)( - -واستمرت الشورى يف خالفة عثمان وعلي -رضي هللا عنهما ،-وسريهتما تزخر ابلشواهد على ذلك ،سواء أكان ذلك فيما يتعلق ابلفتوحات ،أم إبسناد الوالَيت ،أم ما جيد من أحداث كانت تستدعي الشورى ،بصوره فردية أو مجاعية ،فقد كان عثمان يستشري عليا يف كثري من اْلمور اليت تواجه اخلالفة الراشدة ،وحتتاج إىل الرأي السديد واملوقف احلازم ،وهو ما اشتهر به أبو احلسن -رضي هللا عنهم -أمجعني. وكذلك كان علي يف خالفته ،وخباصة بعد مواجهته للفنت والقالقل اليت كانت حتتاج إىل حمض الرأي وصدق املشورة ،وقد كان علي يستشري كثريا من الصحابة ،وخباصة السابقني إىل اإلسالم. ومن خالل ما سبق يتضح لنا جليا معىن قوله -تعاىل ( :-اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( [ )سورة الشورى، اآلية.] 38 : - 1انظر :لكل ما سبق مالمح الشورى ص.303 - 2انظر :تفسير التحرير والتنوير .150 / 4 - 3انظر :مالمح الشورى ص 347وأخبار عمر ص.433 - 4سورة الشورى آية.38 : 36 فقه االستشارة أهداف االستشارة وآاثرها البحث عن احلق والصواب أهداف االستشارة وآاثرها: هناك أهداف نسعى لتحقيقها من خالل االستشارة ،وإذا حتققت املشاورة على وجهها الصحيح فإن هلا من اآلاثر اإلجيابية ما ال خيفى. وللتداخل بني اْلهداف واآلاثر فسأذكرمها معا دون َتييز هلما ،وخباصة أن ما سأذكره قد يكون هدفا وأثرا يف آن واحد ،وسأقتصر على أهم اْلهداف واآلاثر غري مستقص لذلك (.)1 -1إن االستشارة إذا توافر فيها ركنا اإلخالص واملتابعة فهي عبادة هلل ،يرجو العبد فيها ثواب هللاْ ،لن هللا قد أمر ّبا وشرعها ،وفعلها رسوله صلى هللا عليه وسلم وما كان كذلك فهو أمر مشروع متعبد به ،سواء أكان عبادة واجبة أم مندوبة (.)2 -2البحث عن احلق والصواب ضمن املنهج الشرعي ،والوصول إىل أقرب الوسائل املالئمة لَلمر املتشاور فيه .قال ابن اجلوزي عند تفسريه لقوله -تعاىل ( :-او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر) اآلية.] 159 : () قال علي رضي هللا [ سورة ،آل عمران، عنه "االستشارة عني اهلداية ،وقد خاطر من استغىن برأيه". * وقال بعض احلكماء" :ما استُنبط الصواب مبثل املشاورة ،وال ُحصنت النعم مبثل املواساة ،وال اكتسبت البغضاء مبثل الكرب". * قال ابن اجلوزي" :ومن فوائد املش اورة أنه قد يعزم على أمر ،فيبني له الصواب يف قول غريه".)(. * وقال قتادة" :وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا ،وأرادوا بذلك وجه هللا عزم هلم على أرشده" (.) - 1انظر :مالمح الشورى للنحوي ص.32 - 2اختلف العلماء في حكم االستشارة أواجبة أو مندوبة؟! وقد ذكر ابن عاشور خالف العلماء في ذلك .وفصل فيه ،ورجح ما رآه .انظر :التحرير والتنوير .148 / 4 - 3سورة آل عمران آية.159 : - 4انظر :زاد المسير .488 / 1 - 5انظر :تفسير الطبري .153 ،152 / 4 37 فقه االستشارة * وقال احلسن" :ما شاور قوم قط إال هدوا ْلرشد أمورهم" (.)1 * وقال الطربي" :فإهنم إذا تشاوروا مستنني بفعله يف ذلك على تصادق وآتخ للحق ،وإرادة مجيعهم للصواب ،من غري ميل إىل هوى ،وال حيد عن هدى ،فاهلل مسددهم وموفقهم" (.)2 -أتليف القلوب ومجع الكلمة ،وسد منافذ الشر ،والقيل والقال ،وأدعى لقبول اْلمر الناتج عن تشاور. * قال الطربي :أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم بقوله ( :او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر) عمران ،اآلية ]159 :مبشاورة أصحابه يف مكايد احلرب ،وعند لقاء العدو ،تطييبا منه بذلك أنفسهم، () [سورة آل وأتلفا هلم على دينهم(.)4 * قال قتادة :أمر هللا نبيه صلى هللا عليه وسلم أن يشاور أصحابه يف اْلمور ،وهو أيتيه وحي السماءْ ،لنه أطيب ْلنفس القوم(.) * وقال ابن إسحا ( :او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر) تسمع منهم وتستعني ّبم ،وإن كنت عنهم غنيا تؤلفهم بذلك على دينهم ()6 [ سورة آل عمران ،اآلية ] 159 :أي :لرتيهم أنك (. ) 7 * وقال ابن اجلوزي :أمر هللا نبيه مبشاورة أصحابه ،مع كونه كامل الرأي ،اتم التدبري على ثالثة أقول: * وذكر األول مث قال :الثاِن :لتطيب قلوّبم ،وهو قول قتادة والربيع وابن إسحاق ومقاتل ،قال الشافعي :نظري هذا قوله صلى هللا عليه وسلم " البكر تستأمر يف نفسها " إمنا أراد استطابة نفسها، فإهنا لو كرهت كان لَلب أن يزوجها ،وكذلك مشاورة إبراهيم -عليه السالم -البنه حني أمر بذحبه (.)8 - 1انظر :تفسير الطبري .153 ،152 / 4 - 2انظر :تفسير الطبري .153 ،152 / 4 - 3سورة آل عمران آية.159 : - 4تفسير الطبري .152 / 4 - 5تفسير الطبري .152 / 4 - 6سورة آل عمران آية.159 : - 7انظر :تفسير الطبري .125 / 4 - 8انظر :زاد المسير .488 / 1 38 فقه االستشارة وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية: وقد قيل :إن هللا أمر ّبا نبيه صلى هللا عليه وسلم لتأليف قلوب أصحابه ،وليقتدي به من بعده، وليستخرج منهم الرأي فيما مل ين زل فيه وحي (.)1 قال ابن عاشور :وعن الشافعي أن هذا اْلمر لالستحباب ،ولتقتدي به اْلمة ،وهو عام للرسول صلى هللا عليه وسلم وغريه ،تطييبا لنفوس أصحابه ،ورفعا ْلقدارهم (.)2 -القضاء على الفردية واالرجتال ،وجتنيب اْلمة آاثر املواقف والقرارات الفردية. إن الشورى عالج حاسم يف مواجهة املواقف االرجتالية والقرارات الفردية ،فالشاعر يقول: رأي اجلماعة ال تشقى البالد به رغـم اخلالف ورأي الفرد يشقيها إن هناك فرقا بني أن يتخذ اإلنسان قرارا خيصه وحده ،أو يتخذ قرارا يؤثر على غريه. ومن هنا رأينا أن هللا -سبحانه -جعل اختاذ قرار يتعلق بصيب رضيع ال ميلكه فرد واحد ،وإن كان أقرب الناس إليه ،وهو والده أو والدته ،وجعل رفع اجلناح مشروطا ابلتشاور والرتاضي بني الوالدين( ،فاِإ ْن أ اار اادا فِصاالً عن تار ٍ ِ اح اعلاْي ِه اما)( [ )سورة البقرة ،اآلية.] 233 : اض مْن ُه اما اوتا اش ُاوٍر فاال ُجنا ا ا اْ ا * فإذا كان هذا ما يتعلق بصيب رضيع ،فكيف مبا يتعلق بشئون اْلمة وأحواهلا ،أجيوز أن ينفرد به أي فرد من املسلمني؟ -5تنسيق اجلهود وجتميعها ،واإلفادة من الطاقات وعدم تبديدها ،والقضاء على االزدواجية ب ِرُيُ ُك ْم)([ )سورة والتداخل .وهذا أمر واضح ّ وبني ،ولذلك قال -سبحانه ( :-اوال تانا اازعُوا فاتا ْف اشلُوا اوتا ْذ اه ا - 1السياسة الشرعية ص.108 - 2انظر :التحرير والتنوير .148 / 4 - 3سورة البقرة آية.233 : - 4سورة األنفال آية.46 : 39 فقه االستشارة اْلنفال ،اآلية ]46 :فالشورى وسيلة لالجتماع ،واستثمار الطاقات ،وابب من أبواب التعاون على الرب والتقوى ،الذي أمر هللا به ( :اوتا اع ااونُوا اعلاى الِْ ِّرب اوالتَّ ْق اوى)( [ )سورة املائدة ،اآلية.] 2 : * قال سيد قطب -يرمحه هللا -يف تفسريه لقوله -تعاىل ( :-اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم)( [ )سورة الشورى ،اآلية ] 38 :ومع أن هذه اآلَيت مكية ،ن زلت قبل قيام الدولة اإلسالمية يف املدينة ،فإننا َند () مما يوحي أبن وضع الشورى أعمق يف فيها أن من صفة هذه اجلماعة املسلمة ( :اوأ ْام ُرُه ْم ُش اورى باْي نا ُه ْم) حياة املسلمني من جمرد أن تكون نظاما سياسيا للدولة ،فهو طابع أساسي للجماعة كلها ،يقوم عليه أمرها كجماعة (.) -6التدريب واإلعداد ،واكتشاف املواهب والطاقات: أخرج البيهقي أن عمر رضي هللا عنه كان إذا ن زل اْلمر املعضل دعا الفتيان فاستشارهم يقتفي حدة عقوهلم (.) * وقال سعد بن أيب وقاص" :إذا أهم اْلمر عمر بن اخلطاب دعا ابن عباس وقال له :غص غواص"(.)6 - 1سورة المائدة آية.2 : - 2سورة الشورى آية.38 : - 3سورة الشورى آية.38 : - 4انظر :الظالل .3165 / 5 - 5انظر :مالمح الشورى ص.303 - 6انظر :مالمح الشورى ص.303 40 فقه االستشارة * قال األستاذ عدانن النحوي: فمن خالل مداولة الرأي وبيان احلجة ،يربز مستوى اإلميان والعلم ،وتتمايز املواهب والقدرات ،وتعرف املعادن والرجال ،فالشورى حمك ،يكاد يكشف أطراف النية ،ومنثور املوهبة ،وحدود الطاقة .وقال :ولقد تدرب صحابة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم تدريبا واسعا من خالل املمارسة ،والصحبة على هذه اْلمور ،يف جمالس الشورى ،فلما أصبح اْلمر يف أيديهم سهل عليهم اْلمر ،ومدرسة الشورى من أعظم مدارس اإلسالم عطاء يف التدريب ،واإلعداد ،والرتبية والبناء (.)1 -الشورى غنهما لك وغرمها على غريك * قال ابن اجلوزي" :ومن فوائد املشاورة أن املشاور إذا مل ينجح يف أمره ،علم أن امتناع النجاح حمض قدر فلم يلم نفسه" (.)2 فإذا بذل اإلنسان وسعه وطاقته يف حتري الصواب فلم يوفق له ،فقد اجتهد ،وهو مأجور -إن شاء هللا ،-وال يكلف هللا نفسا إال وسعها ،وإن وفق لَلمر بعد اجتهاده -والشورى من وسائل االجتهاد -فله أجران ،فإذا هو غامن غري غارم على أي حال .ولذلك قال الشاعر إن املشـاور إمـا صـائب غرضا * وقال اآلخر: () أو خمطئ غري منسوب إىل اخلطل () وأكـثر من الشورى فإنك إن تصب جتد مادحا أو ختطئ الرأي ومن غنم االستشارة نضوج الرأي واستوائه فقد قيل" :من شاور الرجال شاركهم يف عقوهلم". - 1انظر :مالمح الشورى ص.33 - 2انظر :زاد المسير .488 / 1 - 3البيت البن أبي بكر المقري كما في جواهر األدب .432 / 2 - 4البيت لعبد هللا فكري كما في جواهر األدب .443 / 2 41 تعذر فقه االستشارة وهو يؤدي إىل أصالة الرأي ،وهو من النضج واالستواء ،وذلك عاصم -إبذن هللا -من الوقوع يف اخلطأ، والتصرف غري احملمود ،قال الشاعر: أصالـة الـرأي صـانتين () 1 عن اخلطل وحليـة الفضل زانتـين لدى العطل ** ومن خالل ما سبق يتضح لنا ما للشورى من مثار وآاثر إجيابية ،فهي مفتاح كل خري ،ومغالق كل شر إذا َتت ممارستها وفق الضوابط الشرعية ،واْلصول املرعية ،ولو مل يكن فيها إال أهنا تسد اباب من أبواب اإلشاعة املؤذية ،واالهتامات الباطلة ،والفتنة املرجفه ،لو مل يكن هلا إال ذاك لكفى ّبا خريا ،ولعز مطلبها وفاز طالبها ،ورخص -مهما غال -مثنها ،ولكن أكثر الناس ال يعلمون. - 1البيت ألبي إسماعيل الطغرائي ،كما في جواهر األدب .438 / 2 42 فقه االستشارة أسباب الفردية وعدم االستشارة الكرب وحب السيطرة أسباب الفردية وعدم االستشارة ملاذا يعزف كثري من الناس عن االستشارة ،ويستأثرون ابْلمر وحدهم دون مشاورة من حوهلم ،وجتد أن أغلب قراراهتم -إن مل تكن كلها -تتسم ابلفردية؟ إن هناك أكثر من سبب هلذا اْلمر ،وقد جيتمع يف املرء عدة أسباب ،وقد يتصف بواحد منها ،أو يطرأ له أحدها فيحول بينه وبني االستشارة. وسأذكر أهم هذه اْلسباب ،وابلذات اْلسباب املباشرة دون غريها من اْلسباب غري املباشرة، وسأوضح كل سبب حسب ما يقتضيه املقام .وهللا املوفق واملعني. -1الكرب واإلعجاب ابلنفس :الكرب كما قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وغمط الناس " " بطر احلق ( ) فاملتكرب بسبب بطره للحق وغمطه للناس ال يستشري ،ومثاله فرعون الذي قال لقومه ( :اما أُ ِري ُك ْم إَِّال اما ِ َِّ ِ الر اش ِاد)([ )سورة غافر ،اآلية ]29 :إن إعجاب املرء بنفسه ال يتيح له فرصة يل َّ أ اارى اواما أ ْاهدي ُك ْم إال اسب ا لريى الناس على حقيقتهم ،فالغرور ميلكه فيصمه ويعميه ،ويودي به إىل االستخفاف بغريه ،ومن مث االستخفاف آبرائهم وإمكاانهتم. * إن الكرب واإلعجاب أصل الداء وموطن البالء ،وما أصيب ّبما أحد إال هلك .إما يف دنياه ،أو يف آخرته ،أو فيهما معا ،ولذلك ورد يف احلديث " :ال يدخل اجلنة من كان يف قلبه مثقال حبة من كرب () ِِ ين)( [ )سورة النحل ،اآلية ] 3 :ويف .وقد ذم هللا الكرب فقال -سبحانه( :-إِنَّهُ ال ُُِي ُّ ب الْ ُم ْستاكْرب ا " - 1أخرجه اإلمام مسلم ( ،93 / 1رقم )91واإلمام أحمد ( 385 / 1و )427وأبو داود " "4092كلهم عن ابن مسعود. - 2سورة غافر آية.29 : - 3أخرجه مسلم ( ،93 / 1رقم ،)91وأبو داود ( )4092والترمذي ( )1999واإلمام أحمد (.)427 ،385 / 1 - 4سورة النحل آية.23 : 43 فقه االستشارة ِ ِ ِ ِ ِ احلِس ِ سورة غافر( :وقا اال موسى إِِِّن عُ ْذ ُ ِ ٍِ اب)([ )سورة غافر، ا ُ ا ت بارِّيب اواربّ ُك ْم م ْن ُك ِّل ُمتا اك ّرب ال يُ ْؤم ُن بيا ْوم ْ ا ص ُدوِرِه ْم إَِّال كِْب ٌر اما ُه ْم بِباالِغِ ِيه)( [ )سورة غافر ،اآلية.] 56 : اآلية ]27 :وصدق هللا العظيم( .إِ ْن ِيف ُ -2حب السيطرة والتفرد :وهذا خيتلف عن اإلعجاب والتكرب ،وإمنا هو مرض آخر ،فقد يشعر اإلنسان أن استشارته لغريه قد تفقده بعض امتيازاته ،سواء احلسية أو املعنوية ،فيبقي القرار بيده ،وينفرد ابْلمر دون غريه ،وهذا نوع من التسلط الذي يبتلي به بعض الناس غري مدرك آلاثرة السلبية يف العاجل واآلجل. -3الشعور أبن االستشارة ضعف يف الرأي وعدم قدرة على اختاذ القرار: * فهناك من يتصور أن االستشارة ضعف ،حيث تقول له نفسه اْلمارة ابلسوء :إنك لو كنت قادرا على اختاذ القرار ملا استشرت غريك ،بل توسوس له أن الناس سيقولون ذلك ،ويلمزونه به. وقد أدرك الشاعر هذا اجلانب فقال ()3 مكـان وال حتسب الشورى عليك غضاضة اخلـوايف قوة للقوادم واحلقيقة اليت ختفى على الكثريين :أن االستشارة قوة ال ضعف ،وحكمة ال طي(. وسلم كان أكثر الناس استشارة ويكفي للداللة على ذلك أن رسول هللا صلى هللا عليه ْلصحابه ،وهل يدعي مسلم أنه أقوى من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حسا أو معىن؟ بل هل يتصور أن مسلما يسم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ابلضعف ْلنه كان كثري املشاورة ْلصحابه؟ حاشاه من ذلك!!. وقل حنو ذلك عن أيب بكر أو عمر -رضي هللا عنهما ،-ومها من مها يف القوة ،والصالبة ،ورجاحة العقل. - 1سورة غافر آية.27 : - 2سورة غافر آية.56 : - 3انظر :التحرير والتنوير .151 / 4 44 فقه االستشارة -عدم إدراك فوائد االستشارة وخطورة الفردية: إن للمشاورة فوائد مجة ،سبق ذكر أمهها ،وهذه الفوائد قد ختفى على بعض الناس ،فال يدرك قيمة الشورى ،ويتصور أن ما يذكر حول أمهيتها قد يكون مبالغا فيه ،ويزداد اْلمر خطورة إذا مل يدرك خطورة الفردية واالستقالل ابْلمر دون غريه ،وال يعلم اآلاثر املرتتبة على الفردية يف القرار ،وخباصة إذا كان اْلمر املعين ال يتعلق به وحده ،وإمنا هو من أمور املسلمني العامة ،اليت قد يتعدى أثر ضررها إذا وقع ،ويصعب حصره واحلد منه. * ونظرة متأنية لواقع املسلمّي اليوم ،وما تقدم عليه بعض اجلماعات من مواقف غري حمسوبة النتائج يدرك ما أعنيه. -ضعف ثقته ابلناس ومن حوله: وقد يكون هذا اْلمر انشئا عن أسباب حقيقية ،وقد يكون ومها وشكا ووسوسة -وهو اْلغلب .-وإذا ضعفت ثقة اإلنسان مبن حوله فلن أيَتنهم على أموره ،ولن يثق يف مشورهتم وآرائهم. إن عدم الثقة إن كان انشئا عن أسباب واقعية كاخليانة -مثال ،-وسطحية الرأي ،وحنو ذلك فهذا أمر يعذر فيه الذي ال يستشري هؤالء ،ولكننا نقول له :هب أن هذه الصفة وجدت يف بعض الناس ،فلن تعدم ثقةً رزينا عاقال ،بعيد النظر ،عميق التفكري ،أما أن تعمم هذا اْلمر على كل الناس فال يسلم لك وال جيوز. أما إذا كان عدم الثقة بسبب صفة اتصف ّبا ذلك اإلنسان ،وال عالقة هلذه الصفة ابلرأي ،كأن يكون فقريا ،أو من عائلة دون عائلة اْلول ،أو أقل مرتبة ممن ُيتاج إىل االستشارة ،فنقول له :هذه أسباب ومهية ال تربر عدم استشارته أو سوء الظن فيه ،ولذلك قال الشاعر ال حتقر الرأي أيتيك احلقري به فـالنحل - 1هذا البيت ألبي بكر المقري كما في جواهر األدب .432 / 2 45 ()1 وهـو ذابب طائـر العسل فقه االستشارة ت ِمباا املْ ُِحت ْط بِِه)([ )سورة النمل ،اآلية]22 : احطْ ُ وكذلك قال اهلدهد لسليمان -عليه السالم( :-أ ا ومل ينكر عليه سليمان -عليه السالم -مقولته ،مع أن اهلدهد من أضعف الطيور وأقلها شأان وقيمة ،وثبت صحة ما قاله ،بل جاء أبمر جلل عظيم ،كان له ما بعده كما يف سورة النمل. -6االستهتار واالستخفاف: وهذا خيتلف عن الكرب واإلعجاب ،مع أن بينهما تداخال ،ولكن الذي أعنيه هو عدم املباالة ،وسوء تقدير اْلمور ،فقد يتصور بعض الناس أن هذا اْلمر الذي أقدم عليه يعترب أمرا هينا ،ال أثر له يف حياة الناس ،أو أنه يكون ضعيف اإلحساس ،حبيث ال يباِل مبا يرتتب على هذا اْلمر من خطورة قد جتر إىل مصائب يصعب تالفيها وتداركها ،وهو كذلك مستخف ابلناس ،ال يعنيه من عنتهم شيء ،ولو كان هو ف قا ْوامهُ فاأاطااعُوهُ)([ )سورة استا اخ َّ السبب يف هذا العنت واملشقة ،وهو كما قال -تعاىل -واصفا فرعون( :فا ْ الزخرف ،اآلية.]54 : إن من اتصف بصفة االستخفاف واالستهتار لن يلجأ إىل الشورى ،بل ليس أهال ْلن يكون من أهلها مستشريا أو مشريا. -7التساهل والتسويف حىت حيل األمر: ومن اْلسباب أن بعض الناس يرغب يف االستشارة ،ويعرف قيمتها وأثرها ،بل قد يعزم عليها ،ولكنه يسوف ويؤجل ،وكل يوم يقول :سأستشري غدا أو بعد غد ،وهكذا مياطل نفسه حَّت يضيق الوقت ،ويصبح أمام واقع ال خيار له يف اختاذ القرار ،وقد يتخذ قرارا خاطئا يندم عليه لتفريطه ،وهتاونه ،وتسويفه ،وعدم استشارته. -8العجلة واخلفة وعدم رابطة اجلأش :العجلة من الشيطان ،ما صاحبت شيئا إال أثرت فيه ونعين ابلعجلة ما كانت يف أم ٍر اْلصل فيه الرتيث والتأِن. - 1سورة النمل آية.22 : - 2سورة الزخرف آية.54 : - 3هناك أمور مخصوصة ليست من العجلة ،كتعجيل دفن الميت ،وقول موسى ،عليه السالم " ،وعجلت إليك رب لترضى " 1/ .سورة طه ،اآلية .1/ 84 :ونحو ذلك. 46 () 3 فقه االستشارة والعجلة واخلفة تفوت على اإلنسان فرصة االستشارة ،فيستعجل يف تصرفه ،مما قد يوقعه يف سلبيات ال حصر هلا ،ومثل ذلك الطي( ،وعدم رابطة اجلأش عند مواجهة اْلحداث ،فيندفع اإلنسان دون تبصر للعواقب .والتأِن هو من مسات العقالء ،وقد حث عليه الشعراء أتن وال تـأن تضق فحيثمـا ()1 لألمر ذرعـا فكم ابلنجح املرء أتىن ينـل جنحا يظفر من أتىن ويدرك ما متىن * واحلماقة من خوارم احلكمة ،ومها مما استعصى أمر عالجها على احلكماء: لك ــل داء دواء يســتطب إال احلماقة أعيت من يداويها بــه ()2 -9اهلوى: اهلوى يعمي ويصم ،وما صاحب شيئا إال شانه ،وما ن زع من شيء إال زانه. * وقد ذم هللا اهلوى يف آَيت كثرية من كتابه ،فصاحب اهلوى ال يبحث عن القول السديد والرأي ِ ِ َِّ َّ س)([ )سورة الرشيد ،وإمنا يتبع هواه حيث قاده ،قال -سبحانه( :-إ ْن ياتَّبعُو ان إال الظ َّن اواما تا ْه اوى اْْلانْ ُف ُ النجم ،اآلية ] 23 :وقال( :ومن أ ِ ِ ِ اَّللِ)([ )س ورة القصص ،اآلية]50 : دى ِم ان َّ اا ْ ا اض ُّل ممَّ ِن اتَّبا اع اه اواهُ بغا ْري ُه ً () ِ ك اعلا ْم أَّامناا ياتَّبِعُو ان أ ْاه اواءا ُه ْم) [ سورة القصص ،اآلية ] 50 :وقال( :أُولائِ ا ك فا ْ وقال( :فاِإ ْن املْ يا ْستاجيبُوا لا ا َّ ِ اَّللُ اعلاى قُلُوّبِِ ْم اواتَّبا عُوا أ ْاه اواءا ُه ْم)( [ )6سورة حممد ،اآلية.] 16 : ين طابا اع َّ الذ ا - 1انظر :جواهر األدب .478 / 2 - 2انظر :جواهر األدب .488 / 2 - 3سورة النجم آية.23 : - 4سورة القصص آية.50 : - 5سورة القصص آية.50 : - 6سورة محمد آية.16 : 47 فقه االستشارة وقال صلى هللا عليه وسلم " إذا رأيت شحا مطاعا ،وهوى متبعا ،ودنيا مؤثرة ،وإعجاب كل ذي رأي برأيه ،فعليك خباصة نفسك " احلديث (.) ودوافع اهلوى وأسبابه كثرية جدا ،وقا َّل أن يسلم منها أحد ،ولكن ابإلخالص والتجرد ،ومغالبة النفس، ِِ س اع ِن ا ْهلااوى فاِإ َّن وكثرة الدعاء ،وتذكر اآلخرة ،يعان املسلم على ذلك ( .اوأ َّاما ام ْن اخ ا اف ام اق اام اربّه اونا اهى النَّ ْف ا اجلانَّةا ِه اي الْ امأْ اوى)( [ )سورة النازعات ،اآليتان.] 41 ،40 : ْ هذه أهم موانع االستشارة ،واللجوء إىل الفردية يف الرأي واملواقف ،وعلى املرء أن يكون حذرا من تلبسه بواحدة من تلك الصفات واملوانع ،وعليه ابملبادرة إىل التخلص مما جيد أنه قد تلبس به أو حام حوله ،وليعلم أن الفردية يف الرأي ال أتيت خبري ،وأن الشورى ال أتيت بشر أبدا ،بل إهنا ال أتيت إال خبري إذا كانت على وجهها الصحيح ،وجيب أن تكون كذلك ،ويكفي يف املشاورة أن غنمها لك وغرمها على غريك ،ومن شاور الرجال شاركهم يف عقوهلم. * قال ابن عبدالرب ( )3الشورى حممودة عند عامة العلماء ،وال أعلم أحدا رضي االستبداد ،إال رجل مفتون خمادع ملن يطلب عنده فائدة ،أو رجل فاتك ُياول حني الغفلة ،وكال الرجلني فاسق. * قال ابن عاشور :ومثل أوهلما قول عمر بن أيب ربيعة: مــرة واســتبدت إمنا واحــدة العاجز من ال يستبد ومثل اثنيهما قول سعد بن انشب: إذا ه نـم ولـم يستشـر ألقى يف بّي أمره عـن عينيه عزمة ون نكـب غري نفسه ومل يرض إال قائم السيف صاحبا - 1أخرجه أبو داود " "4341والترمذي " "3060وابن ماجة " "4041وهو حديث ضعيف راجع السلسلة الضعيفة "."1025 - 2سورة القصص آية.41-40 : - 3انظر :التحرير والتنوير .150 / 4 48 ذكر العواقب جانبا فقه االستشارة أركان الشورى: للشورى أركان ثالثة ،ولكل ركن من هذه اْلركان ضوابطه وشروطه. أما أركان الشورى فهي: األول :املستشري. الثاين :املستشار. الثالث :اْلمر املتشاور فيه. أما ضوابط هذه اْلركان فهي ختتلف من ركن آلخر ،وتفصيلها كما يلي: الركن األول :املستشري أن يكون صادقا يف استشارته هناك أمور جيب أن يلتزم ّبا املستشري ليصل إىل الثمرة اليت يرجوها من استشارته ،وخباصة أن االستشارة عبادة ،يرجو خريها ىف الدنيا ،وثواّبا يف اآلخرة ،وأهم هذه اْلمور ما يلي: -1أن يكون صادقا يف استشارته ،متجردا عن اهلوى ،ابحثا عن احلق أينما كان ،حيث إن بعض الناس قد يستشري ،ولكنه ليس جادا يف هذا اْلمر ،بل قد تكون استشارته هلوى أو غرض يف نفسه ،غري البحث عن الرأي السديد ،والقول الصائب املفيد ،قال الطربي :وأما أمته صلى هللا عليه وسلم فإهنم إذا تشاوروا مستنني بفعله يف ذلك على تصادق وآتخ للحق ،وإرادة مجيعهم للصواب ،من غري ميل إىل هوى ،وال حيد عن هدى ،فاهلل مسددهم وموفقهم (.)1 * وقال قتادة" :وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا ،وأرادوا بذلك وجه هللا عزم هلم على أرشده" (.)2 -2أال يكون قد اختذ قراره -فضال عن البدء فيه -مث يستشري حتلة قسم ،وحَّت يقول :قد شاورت فالان وفالان ،وهذا وإن كان داخال يف اْلول ،فله خصوصية أخرى. - 1انظر :تفسير الطبري .153 / 4 - 2انظر :تفسير الطبري .152 / 4 49 فقه االستشارة اَّللِ)([ .)سورة آل عمران ،اآلية: ت فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ * قال -سبحانه ( :-او اشا ِوْرُه ْم ِيف ْاْل ْام ِر فاِإ اذا اعازْم ا ]159قال ابن عاشور :فإذا عزمت بعد الشورى ،أي تبني لك وجه السداد فيما جيب أن تسلكه فعزمت على تنفيذه ،سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى ،أم كان رأَي آخر ،الح للرسول صلى هللا عليه وسلم سداده ،فقد خيرج عن آراء أهل الشورى رأي ،ويف املثل( :ما بني الرأيني رأي). اَّللِ) اَّللِ)( )والتوكل حقيقة االعتماد ،مث قال ابن عاشور :فقوله( :فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ وقال( :فاتا اوَّك ْل اعلاى َّ () [سورة آل عمران ،اآلية ]159 :دليل على جواب إذا ،وفرع عنه ،ولو كان التوكل هو جواب إذا ملا كان للشورى فائدةْ ،لن الشورى -كما علمت -لقصد استظهار أنفع الوسائل حلصول الفعل املرغوب ،على أحسن وجه وأقربه ،فإن القصد منها العمل مبا يتضح منها ،ولو كان املراد حصول التوكل من أول خطور اخلاطر ملا كان لَلمر ابلشورى من فائدة (.)4 ت فاتا اوَّك ْل اعلاى * قال اإلمام البخاري :واملشاورة قبل العزم والتبني ،لقوله -تعاىل( :-فاِإ اذا اعازْم ا اَّللِ)(.)6() َّ وهنا أمر ال بد من بيانه :وذلك لو أن إنساان عزم على أمر وأراد املضي فيه ،مث بدى له أن يستشري، هل مينع عزمه السابق من االستشارة بناء على ما ذكر؟ واجلواب واضح ،وهو أن هذا العزم ال مينعه ،ولكن ال بد من أن يضرب عن عزمه السابق ()7 مث يستشري ،ويعزم على أنه إن بدى له من االستشارة رأي أفضل مما رأى أن يذهب إليه ال مينعه عزمه السابق من ذلك. وإذا مل يبد له شيء جديد يف مشاورته فله احلق يف الرجوع إىل رأيه اْلول واالستمرار فيه. - 1سورة آل عمران آية.159 : - 2سورة آل عمران آية.159 : - 3سورة آل عمران آية.159 : - 4انظر :تفسير التحرير والتنوير .151 / 4 - 5سورة آل عمران آية.159 : - 6انظر :صحيح البخاري كتاب االعتصام 38/9طبعة دار الشعب ،ومصنفة النظم اإلسالمية ص.249 - 7مجرد الصدق في االستشارة والبحث عن األفضل إضراب عما سبق. 50 فقه االستشارة -أال تكون استشارته ألشخاص اختارهم ليقولوا له ما ُيب ،ال ما جيب ،وهذه مسألة قل أن يسلم منها أحد ،وللهوى دخل فيها. والنفس قد جبلت على حب مساع قول من يوافقها ال من خيالفها. * وال يعين هذا -أيضا -أن خيتار من الناس من خيالفونه ،وإمنا املراد أن يبحث عمن تتوافر فيه صفات املستشار ،وهو الذي يقول احلق ضمن ضوابطه الشرعية كما سيأيت. * ولذلك فقليل من الناس من ال يستشري ،ولكن القليل -أيضا -من يستشري على الوجه الصحيح، فليست العربة ابالستشارة وإمنا بكيفيتها .ولذلك فعلى املستشري أن يبحث عمن يقول له ما جيب ال ما ُيب أو يبغض ،وأن ُيذر من اهلوى وحظوظ النفس. * ومما يتصل هبذا املوضوع -أيضا -أال يكون املستشارون من عقلية واحدة ،وتفكريهم متقاربْ ،لن رأيهم سيكون متقاراب ،ومنطلقهم يف املشورة متجانسا.، * ولذلك حيسن التنويع يف املستشارين؛ بيئة ،وتربية ،وختصصا ،بل وسنا وجتربة .فإن هذا يثري االستشارة ،وخباصة إذا كان اْلمر ذا أمهية وله ما بعده. * وهذه مسألة تغيب عن البال ،وقد ال ينتبه لسلبية خمالفتها ،وإجيابية حتقيقها. -أن خيتار لكل أمر ما يناسبه كما وكيفا ،وذلك أن كل أمر خيتلف عن غريه -غالبا ،-فهناك أمر ُيتاج إىل عدد قليل ،وآخر إىل عدد كثريْ ،لن االستشارة قد تكون لَلمر ذاته فقط ،وقد تكون لَلمر ذاته ،وْلمور تتعلق ابملستشارين ،فاْلول قد ال ُيتاج إال إىل عدد حمدود مما يؤدي إىل الغرض ،والثاِن قد ُيتاج إىل توسيع االستشارة وتكثري العدد. * وقد كان الرسول صلى هللا عليه وسلم يستشري أاب بكر وعمر -رضي هللا عنهما ،-وأحياان يستشري اْلنصار ،ويف بعض اْلمور يستشري املهاجرين ،وقد يستشري املهاجرين واْلنصار مجيعا ،وقد 51 فقه االستشارة خيصص أفرادا مراعيا اْلمر ذاته ،كما استشار السعدين يف مثار املدينة .وهكذا خيتار صلى هللا عليه وسلم لكل أمر ما يناسبه عددا ونوعا (.)1 * قال النحوي :ومل تكن الشورى لدى عمر جملسا حمددا فحسب ،لقد كانت جملسا هنا وهناك ،مع هؤالء وهؤالء ،يتحدد على ضوء الواقع واحلاجة ،واخلطورة واْلمهية (.)2 -أن يطلع املستشار على مجيع جوانب املوضوع ومالبساته. وهذا أمر قد يغفل عنه بعض املستشريين ،فيطلعون املستشار على جزء من املوضوع أو بعض جوانبه، وهذا له أثره يف إبداء الرأي واملشورة. * إن احلكم على الشيء فرع عن تصوره ،وكيف يتصور اإلنسان شيئا مل يطلع على مجيع مالبساته وجوانبه ،ومن مث كيف يستطيع أن أييت ابلرأي املالئم واملناسب. * وعدم اطالع املستشار على مجيع جوانب املوضوع له أسباب كثرية ،منها عدم تقدير أتثري ذلك من قبل املستشري ،ومنها -وهذا هو اْلخطر -أن يعلم أنه لو أطلعه على مجيع جوانب املوضوع ْلعطاه رأَي ال يرغب فيهْ ،لن استشارته أصال مل تكن صادقة ،بل ْلجل أن يقول :استشرت فالان وفالان .وقد يكون يف املوضوع جوانب سرية ال يرغب أن يطلع أحدا عليها ،وهذا ال يربر تصرفه ،وهو خيالف اْلمانة -أيضا -إال إذا قصد استشارته يف جزئية معينة ومل يرد أن يستشريه يف كل املوضوع ،فهذا أمر آخر. واخلالصة :أن اطالع املستشار على مجيع جوانب املوضوع شرط لصحة رأيه ،وذكره من عداد املستشارين ،وإال فال. -6وأخريا هناك أمران بعد االستشارة جيب على املستشري مراعاهتما ،ومها: ت فاتا اوَّك ْل اعلاى األول :أن ُيذر من الرتدد بعد االستشارة ،وعليه ابلعزم .قال -سبحانه( :-فاإِ اذا اعازْم ا اَّللِ)( [ )سورة آل عمران ،اآلية.] 159 : َّ - 1انظر :مبحث (وشاورهم في األمر). - 2انظر :مالمح الشورى ص.346 - 3سورة آل عمران آية.159 : 52 فقه االستشارة * قال الطربي :فإذا صح عزمك بتثبيتنا إَيك ،وتسديدان لك فيما انبك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض ملا أمرانك به ،على ما أمرانك به ،وافق ذلك آراء أصحابك ،وما أشاروا به عليك ،أو خالفها ،وتوكل -فيما أتيت من أمورك وتدع ،وحتاول أو تزاول -على ربك ،فتثق به يف كل ذلك (.)1 * ومن أقوى األدلة يف ذلك بعد هذه اآلية قصة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يف أحد ،حيث عزم بعد االستشارة ،ورفض الرتدد أو الرتاجع؛ ملا يفضي إليه ذلك من مفاسد مجة. الثاين :اْلمانة وذلك أبن ال يفشي ما قاله املستشارون؛ وأن يكون كتوما ،إال إذا أذنوا بذلك (* .)2 كما أن من األمانة أن ينقل آراءهم بدقة ،من غري زَيدة وال نقص وال حتريف ،إذا مل يرتتب على نقل مشورهتم مفسدة ،فإن اجملالس ابْلماانت كما يف احلديث (.) الركن الثاين :املستشار: وهو اْلساس من هذه اْلركان ،وذلك أن مشروعية الشورى تدور حوله ،إما ْلخذ ما لديه من رأي يف اْلمر املتشاور فيه ،أو لتطييب نفسه ومراعاته حتقيقا ملصلحة ودفعا ملفسدة ،إىل غري ذلك من اْلمور املتعلقة به. وْلمهية هذا الركن فسأتناوله من جانبني: أوال :الصفات اليت جيب أن تتوافر فيه. اثنيا :ما جيب على املستشار. اجلـانب األول :تكون مراعاته من قبل املستشري قبل استشارته له يف مدى حتققه فيه. أما اجلانب الثاين :فتجب مراعاته من قبل املستشار أثناء استشارته وبعدها. أوال :صفات املستشار: - 1انظر :تفسير الطبري .153 / 4 - 2قد يكون اإلذن بالتصريح أو بالقرائن المعتبرة. - 3أخرجه أحمد وأبو داود عن جابر -رضي هللا عنه ،-وحسنه األلباني في صحيح الجامع ص (.)1133 53 فقه االستشارة نظرا ملا للمستشار من أثر يف اْلمر املتشاور فيه ،وحيث إن رأيه معترب يف القضية املطروحة ،ومبا أن كثريا من الناس ال يدركون الصفات والشروط اليت جيب أن تتوافر فيمن يستشريون ،ولذلك لو سألت بعضهم: هل استشرت قبل أن تقدم على عملك ()1 ؟ سيقول لك نعم ،بل أكثر من واحد ،وإذا سألته من استشرت؟ تفاجأ أبنه استشار من ليس أهال لذلك ،ولذلك جاء الرأي معوجا كصاحبه: مـن احلنظل غرس ال يرجتي أن السكر جيتين غرسته من ()2 وكما قال اآلخر: وهـل اخلطي ينبـت إال وشيجه وتغرس إال منابتها يف النخل لذلك كله ،وحيث مل أطلع على من كتب يف املوضوع بصورة متكاملة ،وإمنا وجدت إشارات من هنا وهناك ،أفدت منها يف هذه الصفات ( )وللحاجة املاسة إىل تدوين هذه الصفات ،فقد بذلت جهدي، واستثمرت وقيت ،واستشرت إخواِن ومشاخيي ،فجاءت حصيلة أشعر أهنا تستحق التدوين ( ،اوفا ْو اق ُك ِّل ِذي ِع ْل ٍم اعلِ ٌيم)( [ )سورة يوسف ،اآلية ] 76 :وأخلص هذه الصفات فيما أييت: -1التقوى والورع: االستشارة أمانة ،فاملستشار مؤَتن ،وال أمانة لفاسق ماكر خمادع ،قال الشاعر وال تبـغ رأًي من خئون وال خمادع يعضـد فمن يتبع يف اخلطب خدعة خائن - 1وبخاصة إذا كان العمل الذي قام به يفتقر إلى الحكمة وبعد النظر. - 2انظر :جواهر األدب ،433 / 2والبيت لعلي الرضا. - 3من ذلك بعض كتب التفسير ،ومالمح الشورى للنحوي. - 4سورة يوسف آية.76 : - 5انظر :جواهر األدب ،242 / 2والبيتان لعبد هللا فكري. 54 جـاهل بنـان غـر () 5 قليـل النـادم التدبـر املتحسر فقه االستشارة إنك عندما تنشد رأَي من أحد ،فإنك تلجأ إليه يف أمر له خصوصيته وقيمته ،ورأيه قد يكون فاحتة خري لك ،وقد يكون عكس ذلك ،فإذا مل يكن الرجل تقيا ،يراقب هللا فيما يقول ويسمع ،فقد يعطيك رأَي أييت خبالف ما أردت ،وقد تكون له أهداف ختالف أهدافك ،فيضرك من حيث أردت أن ينفعك. * والتقوى أعم وأمشل مما ارتسم يف أذهان كثري من الناس عن التقوى يف معناها اخلاص ،وإمنا املراد هو التقوى والورع مبعنامها الشرعي الشامل. -2العلم املناسب ملثله: قال اإلمام البخاري :وكانت اْلئمة بعد النيب صلى هللا عليه وسلم يستشريون اْلمناء أهل العلم ()1 اسأالوا أ ْاه ال ال ِّذ ْك ِر إِ ْن ُكْن تُ ْم ال تا ْعلا ُمو ان) .واالستشارة سؤال ،وهللا -جل وعال -يقول( :فا ْ النحل ،اآلية ]43 :وقال سعد بن أيب وقاص رضي هللا عنه ما رأيت أحدا أحضر فهما ،وال ألب لبا، () [سورة وال أكثر علما من ابن عباس -رضي هللا عنهما ،-ولقد رأيت عمر بن اخلطاب -رضي هللا عنه -يدعوه للمعضالت ،مث يقول :جاءتك معضلة ،مث ال جياوز قوله (..) * وإذا أهم األمر عمر دعاه ،وقال له :غص غواص ( .)واملراد ابلعلم هنا العلم املناسب للقضية املطروحة ،واْلمر املتشاور فيه ،حيث يكون املستشار من أهل ذلك اْلمرْ ،لن اجلاهل قد يقوده إىل الطريق املعوج ،كما قال الشاعر (.) وال تبــغ ومـن يتبـع رأيــا فـي من أمــره خئون رأي خمادع وال جــاهل جاهل يقـده إىل - 1انظر :صحيح البخاري كتاب االعتصام. - 2سورة النحل آية.43 : - 3انظر :مالمح الشورى ص.303 - 4انظر :مالمح الشورى ص .303 - 5انظر :جواهر األدب ،443 / 2والبيتان لعبد هللا فكري. 55 غـر أمر قليـل من الـغـي الـتـدبـر منـكـر فقه االستشارة وأصل العلم ورأسه وذروة سنامه العلم الشرعي ،وإذا أطلق العلم فهو املراد بذلك ،وغريه من العلوم ال بد من ختصيصه ،فمشاورة العلماء دليل على العقل وبعد النظرْ ،لهنم الرءوس وغريهم الذنب ،قال الشاعر (.)1 الـعـلـم كـم زيـن سيد وتشريـف آب ــاؤه بطــل فاطـلب لصـاحـبـه جن ــب كـانوا هديت الـرؤس فنـون فأمسـى العلم بعـدهم واألدبـا ذنبا وقال اآلخر خياطب طالب العلم (.)2 فلعـل يومــا إن حـضرت مبجـلس كنـت الرئيس وفخـر ذاك اجمللس -التجربة: روى البخاري يف اْلدب املفرد :ال حكيم إال ذو جتربة (.) * إن التجربة رصيد ضخم تصقل مواهب املرء ،وتزيده خربة وحنكة ،ومن خالل جتربته يستطيع أن يقوم اْلمور ،ويزهنا مبيزاهنا من خالل ما مر به من جتارب وأحداث.. * إن التجربة فرع عن العلم ،وهي مدرسة عريقة ،يتخرج منها عقالء الرجال ،وهي علم مكتسب، يفوق العلم امللقن أحياان.. * والعلم الشامل هو الذي جيمع بّي التلقي والتجربة واالكتساب..، واستشارة قليل التجربة كاستشارة اجلاهل ،هلا آاثرها وسلبياهتا ،ولذا قال الشاعر (.) وال تستش ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر يف األم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر غ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــري جم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرب - 1انظر :جواهر األدب .450،451 / 2 - 2انظر :جواهر األدب .450،451 / 2 - 3ضعفه األلباني في ضعيف الجامع ص ( )907والمشكاة رقم (.)5056 - 4انظر :جواهر األدب ،443 / 2والبيت لعبد هللا فكري. - 5أي سبقت لك تجربته ،ومن جربته فهو ذو تجربة. 56 ألمثـال ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه ( )5أو حـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــازم متبصـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر فقه االستشارة وقال اآلخر: ألـم تـر أن العقـل زيـن ولـكن ألهـله متام العقـل طول التجـارب -األمانة والكتمان روى أهل السنن أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال" :املستشار مؤَتن" (.)1 واْلمانة فرع عن التقوى والورع ،وأفردهتا ْلمهيتها وأثرها يف الشورى.. والكتمان أمانة ،وقد ورد عنه صلى هللا عليه وسلم أنه قال " :استعينوا على إَناح حوائجكم ابلكتمان " (.) ولذا فمن املهم أن نبحث عن اْلمني الكتوم لنفضي له أبموران ،وأخص شئوننا .إنه ال يستشار إال يف أمر ذي ابل ،له ما بعده ،واْلمانة يف مثل هذا اْلمر هلا مكانتها من عدة وجوه أمهها.: -أن يكون أمينا يف مشورته ،حيث يعطيك الرأي الصادق ،غري خائن وال مستهرت.. -أن يكتم عنك ما استشرته فيه ،إال إذا أذنت له يف ذلك. * ومن القصص اليت تروى يف هذا اجلانب قصة شريح القاضي مع ابنه ،حيث كانت بني االبن ورجل خصومة ،فجاء االبن يستشري والده يف مقاضاة ذلك الرجل ،ويسأل والده :هل احلق ِل فأقاضيه؟ وإن مل يكن ِل صاحلته!! فقال له والده :أرى أن تقاضيه ،فلما تقاضيا عند شريح حكم على ابنه ،وأثبت احلق للرجل. * وعندما سأله ابنه :كيف ذاك وقد أشرت علي مبقاضاته؟ قال له :إِن خشيت أن يضيع حق ذلك الرجل.. - 1أخرجه أبو داود " "5128والترمذي " "2823وابن ماجة " "3745عن أبي هريرة ،وأخرجه الترمذي أيضا عن أم سلمة وابن ماجة عن ابن مسعود ،وصححه األلباني في صحيح الجامع " ."6700 - 2أخرجه الطبراني في المعجم الكبير واألوسط ،وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ( ،)166 / 2وضعفه الشوكاني في الفوائد المجموعة .وصححه األلباني. 57 فقه االستشارة *و احلق أن شرحيا كان انصحا البنه ،فضال عن نصحه لذلك الرجلْ ،لن أخذ احلق يف الدنيا أهون من أخذه يف اآلخرة. * ويقابل هذه القصة قصة أخرى حدثت منذ سنوات قريبة ،حيث عزم أحد الناس على إقامة مشروع جتاري يف منطقة من املناطق ،وكان النظام ال يسمح بتعدد املشروع يف منطقة واحدة ،واختار منطقة ليس فيها مثيل هلذا املشروع ،فذهب يستشري أحد التجار الذين أنشأوا مشروعا مماثال يف منطقة أخرى..، * فرحب به التاجر ،وطلب منه أوراق املشروع ليبدي ملحوظاته عليها ،على أن يراجعه بعد عدة أَيم، ففرح هذا الرجل ،وسلمه أوراق املشروع .فذهب التاجر من الغد إىل اجلهات املعنية ،وسجل املشروع ابمسه. * وبعد عدة أًيم جاءه صاحب املشروع فأعطاه أوراقه ،وقد كتب عليها ملحوظاته ،فشكره الرجل وانصرف .وعندما ذهب للجهة املعنية لتسجيل املشروع فوجئ أن املشروع مسجل ،ومن قِبال من؟ سجله هذا التاجر الذي ائتمنه واستشاره ،ومل يكن أمينا!! فإذا كانت اْلمانة مطلوبة يف أمور الدنيا ،فإهنا يف أمور الدين والدعوة آكد وأهم ،وقليل ما هم.. -العقل والرزانة وسداد الرأي: * العقل زينة الرجال ،وما أويت اإلنسان بعد اإلسالم والعلم خريا من العقل.. والعقل يكسو املرء مهابة وجالال .وسداد الرأي دليل على الرزانة والعقل ،قال الشاعر (.) لوال ولـربـما العقول لكـان طعـن أدنـى الفىت أدنــى ضيغم أقـرانـه بـالـرأي شرف إلـى قبـل من اإلنـسـان تطاعن األقـران وقال اآلخر (.) العقل حلـة فخــر مـ ن كـانـت لـه نسـبـا تغـىن عن النسب تسـربـلهـا والعقــل أفضـل مـا يف الناس كلهم ابلعقل ينجـو الفىت من حومة الطلب - 1انظر :جواهر األدب .453 / 2 - 2انظر :جواهر األدب .453 / 2 58 فقه االستشارة ومن زلة العقل كبرية ،ولذلك وردت اآلَيت الكثرية تنعي على الذين مل يؤمنوا ،وتسمهم أبهنم ال يعقلون ِ ِ اب أافاال تا ْع ِقلُو ان)([ )سورة البقرة اآلية]44 : َّاس ِابلْ ِّرب اوتا ْن اس ْو ان أانْ ُف اس ُك ْم اوأانْتُ ْم تا ْت لُو ان الْكتا ا (أ ااأتْ ُم ُرو ان الن ا () ٍ ُف لا ُكم ولِما تاعب ُدو ان ِمن د ِ ْم عُ ْم ٌي فا ُه ْم ال ك ب م ص ( ] 67 اآلية: اْلنبياء، سورة [ اَّللِ أافاال تا ْع ِقلُو ان) ون َّ ٌّ ْ ُ ُ (أ ّ ْ ا ا ْ ُ ُ ٌ يا ْع ِقلُو ان)( [ )سورة البقرة ،اآلية ] 171 :واآلَيت يف هذا كثرية جدا ..وخالصة القول: إن من أهم صفات املستشار ومساته أن يكون عاقال رزينا ،ومن شاور الرجال شاركهم يف عقوهلم ،فهل تريد أن تشارك يف عقل ضعيف ،أو عقل رزين مكتمل؟! وصدق الشاعر (.)4 وإن ابب أمر عليـك فشــاور الـتـوى لبيبــا وال تعصـه وقال اآلخر (.)5 يــرى وعـقـل ذي احلـزم مرآة األمـور هبا احلـقــائق واجملـهول جمـهول -6التخصص: مما جتدر العناية به أن يكون املستشار متخصصا يف اْلمر املتشاور فيه ،إذا كان هذا اْلمر مما يقتضي التخصص (.)6 اسأالوا أ ْاه ال ال ِّذ ْك ِر إِ ْن ُكْن تُ ْم ال *وذلك ْلن االستشارة نوع من االستفتاء ،وهللا -جل وعال -يقول( :فا ْ تا ْعلا ُمو ان)( [ )7سورة النحل ،اآلية.] .43 : - 1سورة البقرة آية.44 : - 2سورة األنبياء آية.67 : - 3سورة البقرة آية.171 : - 4البيت لعبد هللا بن جعفر الطالبي وانظر :جواهر األدب .424 / 2 - 5انظر :جواهر األدب .454 / 2 - 6ألن هناك أمو ار عامة ال تحتاج إلى ذلك. - 7سورة النحل آية.43 : 59 فقه االستشارة * وقد استشار رسول هللا صلى هللا عليه وسلم السعدين يف قضية مثار املدينة.. * واستشار عمر -رضي هللا عنه -حفصة -رضي هللا عنها -يف مقدار صرب املرأة عن زوجها ،وأخذ بقوهلا.. * والتخصص وإن كان فرعا عن العلم ،ولكنه أخص منه .وال يلزم أن يكون مقياس التخصص هو احلصول على شهادة متخصصة ،بل إن من تفرغ لشيء فقد ختصص فيه ،فالبناء متخصص يف البناء، واملزارع متخصص يف الزراعة ،وهكذا.. -املعايشة للقضية املطروحة والتفاعل معها: هناك من الناس من يتصف بعدم اإلحساس والالمباالة ،وقد أتيت قضية تشغل ابل الكثريين ،وجتد التفاعل معها من قطاع كبري من الناس ،بينما هناك آخرون كأن اْلمر ال يعنيهم من قريب أو بعيد .ومثل هذا النوع من الناس ال يصلح لالستشارة يف مثل هذه القضاَي العامة. * إن معايشة القضية والتفاعل معها جزء من تصورها وإدراك أبعادها ،وهذا من لوازم إبداء الرأي فيها.. * إن كون املستشار يعي( يف واد واملستشري يعي( يف واد آخر قدح يف االستشارة ،وضعف يف الرأي.. * أما القضاًي الفردية اخلاصة ،فاْلمر أوسع من ذلك ،وال يلزم فيها ما يلزم يف غريهاْ ،لننا ال نستطيع أن نلزم الناس أن يعيشوا قضاَيان اخلاصة ،وشئوننا الفردية.. -8اجلدية واحلزم: اجلدية واحلزم من مسات الرجال ،واجلدية يف الرأي فرع عن اجلدية العامة لإلنسان ،فإذا كان جادا يف مجيع شئونه وأحواله ،فإنه سيكون جادا حازما يف رأيه ومشورته ،وإذا كان عابثا الهيا متهاوان ،فال تعجب من اعوجاج رأيه وضعف مشورته.: 60 فقه االستشارة م ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن يه ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن يس ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــهل اهل ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــوان علي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه مـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا جلـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر مبيـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــت إي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــالم ()1 ولذلك فعلى املستشري أن يكون عارفا مبن يستشري ،حَّت ال يؤتى على حني غرة: وال تستش ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر يف األم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر غ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــري جم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرب وقال اآلخر وال ألمـثـال ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه أو حـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــازم مت ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــبصر ()2 () تعـاشـر سـوى حزم أخـا ثقـة وقال الثالث واربـأ بنفسك أن ترعى مع اهلمـل () وال تستشـر غـري ندب حازم يقظ قد اسـتـوى فيـه إسرار وإعالن وبعد: هذه أهم الصفات اليت جيب أن تتوافر يف املستشار ،وقد ال جتتمع كلها يف فرد واحد ،بل قد يندر ذلك ،ويتم التغلب على هذا اْلمر بتعدد املستشارين ،حبيث جتتمع هذه الصفات يف جمموعهم ،وإن مل تتوافر يف آحادهم. * مع أن بعض األمور ال يلزم أن تتوافر هلا مجيع هذه الصفات ،بل إن وجود أغلبها كاف إلَناح اْلمر املتشاور فيه ،والوصول إىل الرأي الناضج والقول السديد ،وبعض هذه الصفات يكمل بعضا ،حبيث لو ختلفت صفة كفت عنها اْلخرى. - 1البيت ألبي الطيب المتنبي. - 2انظر :جواهر األدب ،443 / 2والبيت لعبد هللا فكري. - 3انظر :جواهر األدب ،445 / 2والبيت ألحمد الهاشمي. - 4انظر :جواهر األدب ،431 / 2والبيت ألبي الفتح البستي. 61 فقه االستشارة * مع اإلشارة إىل أن األمور املتشاور فيها ليست كلها على درجة واحدة من اْلمهية والتأثري ،ولذا جيب إن زال اْلمور منازهلا ،وعدم تضخيم قضية على حساب قضاَي أخرى ،واحلكمة هي وضع الشيء يف موضعه ،فال إفراط وال تفريط ،وال غلو وال جفاء ،وخري اْلمور أوسطها. اثنيا :ما جيب على املستشار: وهي اْلمور اليت جتب مراعاهتا من قِبال من يستشار يف أمر من اْلمور ،حيث إن املستشري ما جلأ إىل املستشار إال ثقة فيه ،ورغبة يف مساعدته على أمر أشكل عليه ،وحرصا على مشاركته له يف علمه وعقله وبعد نظره ،فيجب أن يكون عند حسن ظنه .ولذلك فإن هناك أمورا جيب أن يعىن ّبا من يستشار قبل املشورة وأثناءها وبعدها ،وأمجلها فيما يلي: -1الصد يف الرأي وحمض النصح والتجرد :إن على املستشار أن يكون صادقا يف مشورته ،خملصا يف نصيحته ،متجردا عن اهلوى واْلغراض الصارفة عن قول احلق. * ومن الصد يف الرأي أن يقول له ما يعتقد أنه احلق ،وال جيامله يف ذلك ،فإن بعض املستشارين يقول للمستشري ما ُيب ال ما جيب ،وخباصة إذا كان ذا منصب أو مكانة ،وهذا من اخليانة والغ(، ورسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول " :من غشنا فليس منا " (.) صدقك ال من * والغش أنواعه كثرية جدا ،ومن أسوأ أنواع الغ( :الغ( يف الرأي ،وصديقك من ا ص ّدقك؛ وإذا وجد املستشار أنه يصعب عليه أن يقول رأيه الصريح يف املسألة فليعتذر ،فهو خري له وللمستشري. -التأين وعدم التسرع :مما جيب على املستشار أال يتعجل الرأي ،وعليه ابلتأمل ،وطول التفكري، وتقليب اْلمور على مجيع وجوهها ،حَّت يتضح له احلق ،ويتبني الصواب .إن العجلة من الشيطان ،وما ندم من أتىن وصرب: - 1أخرجه مسلم رقم (.)101،102 62 فقه االستشارة اص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرب قل ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــيال وك ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن اب معتص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــما ال تعجل ـ ـ ـ ـ ـ ــن ف ـ ـ ـ ـ ـ ــإن العج ـ ـ ـ ـ ـ ــز ابلعج ـ ـ ـ ـ ـ ــل ()1 وقال اآلخر (.) تـأن تــأن تضــق وال فحيثمــا فكـم لألمــر ذرعـا املـرء تـأنـى ينـل ابلـنجـح جنـحــا يظفـر من أتنـى ويـدرك ما متنـى والت أِن مسألة نسبية ،ختتلف من أمر آلخر ،فبعض اْلمور حتتاج إىل اْلَيم واللياِل ،وأخرى يكفيها ساعات ،وقد تكون أقل من ذلك .واملهم هو أن يبتعد عن العجلة القادحة ،وأال ينطق برأيه إال بعد تقليب اْلمور على مجيع الوجوه واالحتماالت ،وما أحسن ما قال الشاعر ومن الرجـال حـىت حيــل إذا اسـتوت بكــل واد من أخـالقهـم قلبــه فـريى () يستشـار ويعـرف إذا ما استشـري فيطـر يقـول فينطـق إن بعض الناس يعطي الرأي قبل أن ينتهي املستشري من كالمه ،وهذا مع أن فيه سوء أدب ،فهو يدل على العجلة ،واخلفة ،وضعف الرأي ،وليس كما يتصور البعض ذكاء وسرعة بديهة ،فاحذر أن تكون "ابدي الرأي". -تصور األمر على حقيقته :وهذا يستلزم مناقشة املستشري واستيضاحه ،وعدم االكتفاء مبا يقول، إال إذا بني لك أنه مل خيف شيئا ،أو علمت ذلك ابلقرائن والشواهد. * وقد بينت أن من الواجب على املستشري أن يوضح اْلمر على حقيقته ،وعدم االقتصار على جزء منه ،ولكن بعض املستشريين ال يفعل ،ذلك ْلسباب ختتلف من فرد آلخر. - 1انظر :جواهر األدب .478 / 2 - 2انظر :جواهر األدب .478 / 2 - 3انظر :جواهر األدب ،427 / 2والبيتان لصالح بن عبد القدوس. 63 فقه االستشارة * ومن هنا فإن على املستشار أن ينتبه هلذه املسألة ،وأن يستوضح اْلمر ،ويعرف القضية من مجيع جوانبها ومالبساهتاْ ،لن احلكم على الشيء فرع عن تصوره ،والرأي حكم قاطع له ما بعده .ولقد رأينا بعض اآلراء تنسب لبعض اْلفراد مما تكون حمل استغراب وتعجب!! فإذا سئل عن هذا الرأي بني لك أنه مل يصور له اْلمر كما ظهر ،وإمنا أعطي جزءا من املوضوع فأبدى رأيه فيه ،مث اتضح أن القضية خالف ذلك. -األمانة والكتمان :ذكرت أن من صفات املستشار الكتمان واْلمانة ،وهذا اْلمر ذكرته هناك من أجل مراعاته من قبل املستشري ،وهنا أذكر هذا اْلمر ْلمهيته ،ومن أجل مراعاته من قبل املستشار، فاملستشار مؤَتن ،كما ورد يف احلديث الذي رواه أهل السنن ( ) * وكما أنه جيب على املستشري أن يكتم رأي من استشار إال إذا أذن له ،فكذلك جيب على املستشار أن يكتم اْلمر املتشاور فيه إال إذا أذن له املستشري: والسـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر فاكتمـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه وال تنطـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــق بـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه فهـ ـ ـ ـ ــو األسـ ـ ـ ـ ــري لدي ـ ـ ـ ـ ــك إذ ال ينشـ ـ ـ ـ ــب ()2 واْلمانة أعم من الكتمان ،فكل ما يتعلق ّبا جيب مراعاته واْلخذ به؛ ْلن املستشار مؤَتن.. -االستشارة :ومما جتدر اإلشارة إليه ،أن على املستشار إذا استشري يف أمر ذي أمهية ،ومل يتضح له اْلمر فيه ،وكان يعرف من الرجال من له قدرة على إبداء الرأي يف هذا اْلمر املهم ،وقد ال يتمكن املستشري من الوصول إليهم ،فإنه ُيسن أن يستأذن صاحب اْلمر يف استشارة من يراه من هؤالء ،فإذا أذن له استشار من يتوسم فيه القدرة على تقدير اْلمر ،وإبداء الرأي فيه () مع احلرص على مراعاة الضوابط والشروط اليت سبق ذكرها .وأرى أن يقتصر مثل هذا اْلمر على املوضوعات والقضاَي اليت هلا أمهيتها وأتثريها ،مع أمن عدم حدوث سلبيات من جراء ذلك. الركن الثالث :األمر املتشاور فيه: - 1سبق تخريجه ص.78 - 2انظر :جواهر األدب ،428 / 2والبيت لصالح بن عبد القدوس. - 3مع الحرص على أال يتسلسل الموضوع ،وانما تقدر األمور بقدرها. 64 فقه االستشارة وهذا من اْلمهية مبكان ،وقد غلط يف هذا الباب أانس كثريون ،حَّت وصل اْلمر عند بعض القوم إىل التشاور يف شريعة هللا أتطبق أم ال؟! وإن كانت هذه الشورى ليست من اإلسالم يف شيء ،وإن زعم أصحاّبا خالف ذلك!! وميكن أن حندد اْلمر املتشاور فيه ابلضوابط التالية: -ال جيوز التشاور يف أمر فيه نص من كتاب أو سنة ،قال هللا -تعاىل ( :-اواما اكا ان لِ ُم ْؤِم ٍن اوال ٍِ اخلِيا ارةُ ِم ْن أ ْام ِرِه ْم)( [ )سورة اْلحزاب ،اآلية] 36 : اَّللُ اوار ُسولُهُ أ ْامراً أا ْن يا ُكو ان اهلُُم ْ ضى َّ ُم ْؤمناة إِ اذا قا ا والتشاور نوع من اخلرية املنفية هنا. * وقال اإلمام البخاري" :وكانت اْلئمة بعد النيب صلى هللا عليه وسلم يستشريون اْلمناء أهل العلم يف اْلمور املباحة ،ليأخذوا أبسهلها ،فإذا وضح الكتاب والسنة مل يتعدوه إىل غريه" (.)2 * وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية" :وقد قيل :إن هللا أمر ّبا نبيه صلى هللا عليه وسلم لتأليف قلوب أصحابه ،وليقتدي به من بعده ،وليستخرج منهم الرأي فيما مل ين زل فيه وحي" (.) * وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية -أيضا" :-وإذا استشارهم ،فإن ّبني له بعضهم ما جيب اتباعه من كتاب هللا ،أو سنة رسوله صلى هللا عليه وسلم أو إمجاع املسلمني ،فعليه اتباع ذلك ،وال طاعة ْلحد َّ ِ اَّلل وأ ِ ِ اطيعُوا ين اآمنُوا أاطيعُوا َّا ا يف خالف ذلك ،وإن كان عظيما يف الدين والدنيا .قال هللا -تعاىل ( :-أايُّ اها الذ ا ول اوأ ِ ُوِل ْاْل ْام ِر ِمْن ُك ْم)( [ )()سورة النساء ،اآلية.] .59 : الر ُس ا َّ * وقال البخاري -أيضا" :-فإذا عزم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم مل يكن لبشر التقدم على هللا ورسوله؛ ْلهنا قد صارت مسألة نص ،ومسألة مشروعية ال شورى فيها" (.)6 - 1سورة األحزاب آية.36 : - 2انظر :صحيح البخاري ،كتاب االعتصام ،ومصنفة النظم اإلسالمية ص.250 - 3انظر :السياسة الشرعية ص .158 - 4سورة النساء آية.59 : - 5انظر :السياسة الشرعية ص.158 - 6انظر :صحيح البخاري ،كتاب االعتصام ،ومصنفة النظم اإلسالمية ص.250 65 فقه االستشارة * ويدخل يف هذا الواجب واحملرم واملندوب واملكروهْ ،لهنا أمور مشروعة ،قال الدكتور مصطفى كمال وصفي" :وذلك ْلن الواجب واجب حبكم شرعي ،وكذا املندوب أو احلرام أو املكروه ،كل ذلك حكمه بدليل شرعي ،فيكون اتباعه مسألة مشروعة ،وهذه املسائل جيب تطبيق الشرع فيها" (.)1 -2ال جيوز التشاور يف األمور االجتهادية الفقهية ،إال إذا كان حبث املسألة علميا من قِبال أهل االختصاص يعترب تشاورا ،وبعض أهل العلم ال يعده من قبيل التشاور.. * قال الدكتور مصطفى وصفي" :وأما املسائل الشرعية اليت فيها نص ،أو اليت يطبق فيها النص ابلقياس ،أو فيها إمجاع عند من قالوا به ،أو حتقق مصلحة شرعية ،أو درء مفسدة ()2 فهذه تتم بطريق االستدالل الشرعي ،واالجتهاد املقرر يف أصول الفقه على درجة الدقة ،وليس على وجه الشورى بسعتها، وحرية التقدير فيها ".واالجتهاد ليس شورى ،وشتان بني اْلمرين ( .)وقال" :وال تكون من املباحات اليت جتري فيها املشورة لدى خفاء الضرر واملصلحة فيهاْ ،لن استيضاح املصلحة هو اجتهاد ،جيب أن جيري بطرق االجتهاد الشرعية" ( .)وهذه املسألة خالفية بني العلماء .قال الدكتور مصطفى وصفي" :ومع ذلك فقد جرى البعض على التوسع ،واعتبار املداولة يف االجتهاد شورى ،مث قال :وما حترجنا إال للحرص على جمال تطبيق قواعد االستدالل ،واالجتهاد يف جماهلا ،وإخضاع أمور املشروعية ْلحوال االجتهاد ،ضبطا لتطبيق الشريعة" (.) * وأقول :ال شك أن تداول املسألة بني العلماء اجملتهدين للوصول إىل احلكم الشرعي نوع من الشورى ،ولكنه من الشورى املقيدة ،أو الشورى اخلاصة ،وليست من الشورى اليت عنيتها يف هذا البحث، وهي الشورى اليت أعم من ذلك ،وال مشاحة يف االصطالح. - 1انظر :مصنفة النظم اإلسالمية ص.250 - 2هذا مقيد بالمصلحة والمفسدة الشرعية ،ال مطلق المصلحة والمفسدة ألن الشورى لم تشرع إال لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة. - 3مصنفة النظم اإلسالمية ص.251 - 4مصنفة النظم اإلسالمية ص.251 - 5انظر :مصنفة النظم اإلسالمية ص.252 66 فقه االستشارة -ومن خالل ما سبق فإن الشورى تكون يف اْلمور املباحة ،اليت يستوي فيها طرفا احلكم ،فال هي واجبة أو مندوبة ،وال هي حرام أو مكروهة .قال اإلمام البخاري :وكانت اْلئمة بعد النيب صلى هللا عليه وسلم يستشريون اْلمناء أهل العلم يف اْلمور املباحة ليأخذوا أبسهلها (.)1 * وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية" :وقد قيل :إن هللا -تعاىل -أمر ّبا نبيه صلى هللا عليه وسلم ليستخرج منهم الرأي فيما مل ين زل فيه وحي ،من أمر احلروب ،واْلمور اجلزئية ،وغري ذلك" (.)2 وقال" :وإن كان أمرا تنازع فيه املسلمون ،فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ،ووجه رأيه، واخلالصة: فأي اآلراء كان أشبه بكتاب هللا وسنة رسوله صلى هللا عليه وسلم عمل به" (.) إن الشورى تكون يف اْلمور العامة ،واْلمور املستجدة ،مما ال يدخل حتت ما أشري إليه سابقا من اْلمور الشرعية اليت ال شورى فيها. ومن ذلك :الوسائل املباحة ،واْلساليب املتاحة ،ولكل أمر ضوابطه اليت تالئمه .وهللا أعلم. - 1انظر :صحيح البخاري ،كتاب االعتصام .ومصنفة النظم اإلسالمية ص.250 - 2انظر :السياسة الشرعية ص.158 - 3انظر :السياسة الشرعية ص.158 67 فقه االستشارة معامل يف الشورى: بينت فيما مضى اْلبواب الرئيسية يف االستشارة ،وهناك مسائل مهمة مل ترد فيما سبق ،وال بد من بياهنا استكماال للموضوع ،وحيث إهنا ليست يف موضوع واحد من موضوعات الشورى ،فقد جعلت هلا عنواان خاصا أمسيته :معامل يف الشورى. -1النصيحة بينها وبّي الشورى عموم وخصوص ،وذلك أن بعض أنواع النصيحة من املشورة، حيث إن النصيحة قد تكون من ابب التذكري ْلمر يعلمه اإلنسان ،كتذكري اإلنسان ابهلل ،وهنيه عن احملرمات -مع علمه ّبا -وحنو ذلك. وقد تكون من ابب التعليم ،كبيان احلالل من احلرام لرجل قد وقع يف احلرام وهو ال يعلم ،فإن هذا من التعليم ،وهو نصح له. * ومن النصح أن تدل إنساان على أمر فيه َناة له ،وقد خفي عليه هذا اْلمر ،فهذه نصيحة ومشورة. ِ ِ ص ُح وقد وردت النصيحة يف القرآن والسنة ،فنوح -عليه السالم -يقول لقومه( :أُبالّغُ ُك ْم ِر اساالت ارِّيب اوأانْ ا لا ُكم)( [ )سورة اْلعراف ،اآلية ] 62 :وهود -عليه السالم -يقول( :أُب لِّغُ ُكم ِرس ِ االت ارِّيب اوأ ااان لا ُك ْم ا ْ ا ْ ِ ني)( [ )سورة اْلعراف ،اآلية ] 68 :إىل غري ذلك من اآلَيت .ويف احلديث الصحيح الذي رواه اان ِص ٌح أام ٌ أبو رقية َتيم بن أوس الداري -رضي هللا عنه -قال :قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم " الدين النصيحة قلنا :ملن َي رسول هللا؟ قال :هلل ولكتابه ولرسوله وْلئمة املسلمني وعامتهم " (.) - 1سورة األعراف آية.62 : - 2سورة األعراف آية.68 : - 3أخرجه مسلم ( ،74 /1رقم )55وأبو داود " "4944والنسائي " "4200وأحمد ( )102 / 4عن تميم الداري وأخرجه الترمذي " "1927عن أبي هريرة. 68 فقه االستشارة * ويف احلديث الصحيح -أيضا -قال الصحايب اجلليل" :ابيعنا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم على إقام الصالة ،وإيتاء الزكاة ،وعلى النصح لكل مسلم" (..)1 * ومن خالل ما سبق تتضح أمهية النصيحة ومشروعيتها ،ومن النصيحة اليت وردت يف القرآن ،وهي من املشورة الصادقة ،نصيحة الرجل من آل فرعون ملوسى -عليه السالم،-فبعد أن أخربه أن املَل يتشاورون ِ ِ ِ وسى إِ َّن الْ ام اَلا اأيْاَتُِرو ان يف قتله ،نصحه وأشار عليه ابخلروج ( :او اجاءا ار ُج ٌل م ْن أاقْ ا صى الْ امديناة يا ْس اعى قا اال اَي ُم ا بِ ِ ِِ وك فااخرج إِِِن لا ا ِ ني)( [ )سورة القصص ،اآلية ] .20:وقد أخذ موسى بنصيحته ا ك ليا ْقتُلُ ا ْ ُ ْ ّ ك م ان النَّاصح ا ومشورته( .فاخرج ِمْن ها خائِفاً ي تا رقَّب قا اال ر ِ ِ ِ ِ ِِ ني)( [ )سورة القصص ،اآلية] 21 : ب اَنِّين م ان الْ اق ْوم الظَّالم ا اّ اا ا ا ا ا ا ُ وَند مقابل ذلك النصيحة الكاذبة واملشورة املوبقة ،عندما أشار إبليس على أبينا آدم -عليه السالم -أن أيكل هو وزوجته من الشجرة ،وعندما رأى منهما عدم االستجابة الفورية ملشورته أقسم هلما -كاذاب -إنه ِِ ِ ني فا ادَّال ُمهاا بِغُُروٍر)([ )سورة اْلعراف ،اآليتان.] .22 ،21 : )وقا ا امسا ُه اما إِِِّن لا ُك اما لام ان النَّاصح ا انصح هلما ا * وهبذا يتضح لنا أن من أنواع النصيحة وأقسامها :أن تشري على إنسان يف أمر من اْلمور اليت ترى فيه خريا له ،ولو مل يطلب منك أن تشري عليه ،فإن هذا من ابب النصح له ،والشفقة عليه ،وهو داخل يف ابب التعاون على الرب والتقوى. * ومثل ذلك ما أشار به احلباب بن املنذر يف بدر ،فعندما ن زل رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يف بدر قبل املاء ،جاءه احلباب فقال له: أرأيت هذا املن زل ،أمن زال أن زلكه هللا ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه ،أم هو الرأي واحلرب واملكيدة؟ * فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم "بل هو الرأي واحلرب واملكيدة" .قالَ :ي رسول هللا، فإن هذا ليس مبن زل ،فاهنض ابلناس حَّت أتيت أدىن ماء من القوم فنن زله ،مث تغور ما وراءه من القليب ،مث - 1أخرجه البخاري ( ،166 /1رقم -57فتح) .ومسلم ( ،75 / 1رقم .)56 - 2سورة القصص آية.20 : - 3سورة القصص آية.21 : - 4سورة األعراف آية.22-21 : 69 فقه االستشارة نبين عليه حوضا فنملؤه ماء ،مث نقاتل القوم فنشرب وال يشربون ،فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم " لقد أشرت ابلرأي " (.) من أشري عليه أبمر أن يتقي هللا فيما يقال له -إذا أشار عليك إنسان برأي -وأنت مل تستشره -ورأيت فيه خريا ،فخد مبشورته ونصحه ،كما فعل موسى -عليه السالم.- * وإن كنت عزمت على أمر ،فأشري عليك خبري منه ،فدع رأيك ،و ِ أت الذي هو خري ،فقد كتب عمر بن اخلطاب -رضي هللا عنه -رسالة لعبد هللا بن قيس -رضي هللا عنه -قال فيها: * ال مينعنك قضاء قضيته ابألمس ،فراجعت فيه نفسك ،وهديت لرشدك ،أن ترجع إىل احلق ،فإن احلق قدمي ال يبطله شيء ،ومراجعة احلق خري من التمادي يف الباطل. *الفهم الفهم فيما تلجلج يف صدرك مما ليس من كتاب وال سنة ،واعرف اْلشباه واْلمثال ،مث قس اْلمور عند ذلك ،واعمد إىل أحبها إىل هللا ،وأشبهها ابحلق فيما ترى (.) إن بعض الناس يصعب عليه أن يرتاجع عن رأيه ،وقد يعترب ذلك ضعفا ومسبة ،وليس هذا اْلمر بصحيح ،وما قاله عمر -رضي هللا عنه -ومن مثل عمر يف القوة وسداد الرأي -عدا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وأاب بكر رضي هللا عنه وقد وافقه القرآن أو وافق القرآن قبل ن زوله مرارا ،وما قاله عمر عني احلكمة والبصرية ،بل إن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال " :من حلف على ميني فرأى غريها خريا منها فليكفر عن ميينه وليأت الذي هو خري " (.) - 1قال األلباني في تخريجه ألحاديث فقه السيرة ص : 240رواه ابن هشام عن ابن إسحاق قال :فحدثت عن الرجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب ،وهذا سند ضعيف لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة ،وقد وصله الحاكم ،وفي سنده من لم أعرفه ،قال الذهبي في تلخيصه :قلت( :حديث منكر) ،ورواه األموي من حديث ابن عباس ،كما في البداية ،وفيه الكلبي وهو كذاب. - 2انظر :أخبار عمر ص ،182والوثائق السياسية ص ،327ومالمح الشورى للنحوي ص.331 - 3أخرجه مسلم ( ،271 / 3رقم " "1650وأحمد ( )361 / 2والترمذي " "1530عن أبي هريرة وأخرجه البخاري بمعناه عن أبي موسى األشعري ( ،537 / 13رقم .)7555 70 فقه االستشارة واليمني عزمية وقسم ،ومع ذلك أمره رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ابلرجوع إىل اْلفضل حَّت لو مل يكن ابطال ،فكيف إذا كان اْلمر دائرا بني احلق والباطل .وهذه مسألة ضل فيها كثري من الناس. فعلى املرء إذا أشري عليه أبمر أن يتقي هللا فيما يقال له ،وال أيخذه الكرب ،وال ُيقرن أح دا ،فإن اهلدهد قال لسليمان -عليه السالم " :-أحطت مبا مل حتط به " .سورة النمل ،اآلية .22 :وقد مسع منه سليمان، وأخذ مبا قال ،كما يف سورة النمل. والشاعر يقول: ال حتق ـ ـ ـ ـ ـ ــر الـ ـ ـ ـ ـ ـ ـرأي أيتيـ ـ ـ ـ ـ ـ ــك احلق ـ ـ ـ ـ ـ ــري ب ـ ـ ـ ـ ـ ــه فالنحـ ـ ـ ــل وهـ ـ ـ ــو ذبـ ـ ـ ــاب ط ـ ـ ــائر العس ـ ـ ــل ()1 وال تغرنك اْلشكال واْلجسام .واقرأ هذه الدرر: ترى النحيف الـرجـل ويعجـبـك فما عظم ضعــاف الـطريــر الـرجـال الـطري هلم أطـوهلا فتـزدريه وفـي فتبتليـه فيخـلف ظنــك بفـخـر ولـكــن فخــرهـم جسوما ولـم أثـوابــه تطـل الب ـزاة أســد هصــور الـرجــل الطـرير كـرم وخـري ولـا الصقــور -االختالف من طبيعة البشر .وجيب أال نضيق ابخلالف ،وما جاءت الشورى إال معاجلة هلذا اْلمر ،ومن تصور أن اختالف املدارك واْلفهام ميكن أن يزول فقد تطلب شططا ،وتبعا لذلك حدث ِِ ك)( [ )سورة هود ،اآليتان]118،119 : ني إَِّال ام ْن ارِح ام اربُّ ا االختالف يف أمور كثرية ( .اوال ياازالُو ان خمُْتالف ا واملهم يف مسألة التشاور أن تلتزم آبداب الشورى وضوابطها ،وما يتوصل إليه بعد ذلك فهو خري ،سواء اتفق اجلميع على القضية املطروحة أم اختلفوا ،وأخذ أبرجح اآلراء وأرشدها وأقرّبا للحق. *وقد اختلف الصحابة -وهم خري القرون -يف أمور كثرية ،ولكن هذا االختالف مل خيرجهم عن املنهج السوي والطريق القومي. - 1انظر :جواهر األدب ،425\2واألبيات للعباس بن مرداس. - 2سورة آية.119-118 : 71 فقه االستشارة -4هل الشورى ملزمة أو معلمة اختلف العلماء يف هذه املسألة قدميا وحديثا ،وقد احتج كل فريق ببعض اْلدلة العامة. * ومبا أن هذه القضية ليست من أسس هذا البحث ،فلن أقف عندهاْ ،لن بسطها ُيتاج إىل أتصيل ومناقشة ليس هذا مكاهنا. * وهي من مسائل االجتها د اليت مل يرد فيها نص قاطع ،ومل جيمع املسلمون على قول فيها ،فهي مما يسوغ االختالف فيه ،وقد يتفق قوم على أهنا معلمة ،وآخرون على أهنا ملزمة ،وقد خيتلف احلكم من حال إىل حال ،ومن بلد إىل بلد ،ومن عصر إىل عصر ،تبعا الختالف الفتوى ابختالف الزمان واملكان ،ومراعاة للمصاحل واملفاسد ،وفق الضوابط الشرعية اليت حررها العلماء وحدودها. -5استشارة املرأة املرأة هلا مكانتها يف اإلسالم ،وهلا من زلتها اليت شرعها هللا هلا. * واستشارة املرأة منهج شرعي يف حدود اختصاصها وقدرهتا ،فرسول هللا صلى هللا عليه وسلم كان يستشري أزواجه ،فقد استشار خدجية يف مكة ،وكانت نعم املعني له ،وهي اليت دلته بل وذهبت به إىل ابن عمها ورقة بن نوفل (.)1 * واستشار رسول هللا صلى هللا عليه وسلم زينب بنت جح( يف قضية اإلفك حيث سأهلا عن عائشة فلم تقل إال خريا (.)2 * واستشار أم سلمة يف احلديبية عندما أمر الصحابة ابإلحالل فلم يفعلوا ،فأشارت عليه أبن خيرج وال يكلم أحدا ،وينحر مث ُيلق فسيفعلون ،وهكذا كان ،حيث كان رأيها السديد خمرجا من مشكلة أمهت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم (.) * وعمر -رضي هللا عنه -استشار حفصة ،وأخذ برأيها يف قضية صرب املرأة عن زوجها (.)1 - 1انظر :فقه السيرة ص ،91والقصة في البخاري. - 2انظر :تفسير ابن كثير ،270 / 3والحديث صحيح متفق عليه. - 3انظر :فقه السيرة ص ،363والقصة عند البخاري وأحمد. 72 فقه االستشارة * وأشارت عليه يف قضية االستخال ف ،ومسع منها (.)2 * ورأي املرأة أحياان قد يكون خريا من رأي بعض الرجال ،ومن أقوى اْلدلة على ذلك رأي ملكة سبأ -بلقيس ،-قال احلسن -يرمحه هللا :-فوضوا أمرهم إىل علجة تضطرب ثدَيها ،فلما قالوا هلا ما قالوا كانت هي أحزم رأَي منهم ،وأعلم أبمر سليمان ،وأنه ال قبل هلا جبنوده وجيوشه ،وما سخر له من اجلن واإلنس والطري (.) * ولذا حيسن استشارة املرأة يف حدود اختصاصها ،وخباصة فيما يتعلق بشئون املرأة ،يف الدعوة وغريها ،وهذا ال مينع من استشارهتا يف بعض املسائل العامة استشارة فردية ،وفق الضوابط الشرعية ،ودون توسع يف ذلك ،ويف حدود احلاجة إليها. -6استشارة الكافر: استشارة الكافر مسألة مهمة ،وقد توسع كثري من املسلمني يف هذا الباب ،حيث جتد أن كثريا من املستشارين يف بعض شئون املسلمني املالية واالقتصادية والسياسية بل والعسكرية من الكفار. * وأغرب من ذلك أنك جتد من الكفار من يستشار يف اْلمور االجتماعية اخلاصة ،اليت ال شأن هلم ّبا ،وال علم هلم فيها ،الختالف الدين والبيئة والطبيعة .وهناك من مينع هذا اْلمر بتاات ،من ابب سد الذرائع ،ويقول" :إن استشارة الكافر فرع عن االستعانة به" ،وكالم العلماء يف ذلك معروف (.) *و الذي أعلمه أنه ال جتوز استشارة الكافر إال ضمن الضوابط التالية: -1أن تكون هناك حاجة ماسة إليه ،حبيث ال يتيسر من املسلمني من يقوم مقامه. -2أن يؤمن ضرره على املسلمني. -أن يكون ذلك يف مسائل الدنيا ال الدين. - 1انظر :مالمح الشورى ص.328 - 2انظر :مالمح الشورى ص.349 - 3انظر :تفسير ابن كثير .362 / 3 - 4انظر :كتاب د .عبد هللا الطريقي في حكم االستعانة بالكافر. 73 فقه االستشارة * وقد توصلت إىل هذه الضوابط من خالل دراسيت لكالم العلماء يف حكم االستعانة ابلكفار، والضوابط اليت ذكرها اجمليزون لذلك (.)1 *وكذلك كالم العلماء يف حكم الزواج من الكتابيات ،والشروط اليت ذكرت يف هذا الباب (.)2 * وأؤكد أن األصل االستغناء عنهم ،وعدم اللجوء إليهم ،ولكل حالة ما يناسبها. -موضوع األقلية واألكثرية يف الشورى: خيتلف هذا اْلمر من قضية ْلخرى ،فهناك قضاَي ال عربة لَلقلية واْلكثرية فيها ،وإمنا العربة أبصالة الرأي ،ولو كان املشري واحدا: أصالـة الـرأي صانـتين عن اخلطل *ولذلك َند رسول هللا صلى هللا عليه وحـليـة الفضل زانتين لدى العطل وسلم كثريا ما يقصر الشورى على أيب بكر وعمر -رضي هللا عنهما -لقوة رأييهما. *وكما استشار السعدين دون غريمها يف مثار املدينة .وأبو بكر -رضي هللا عنه -كان يقصر الشورى على عمر أحياان .وعمر -رضي هللا عنه -كان يستشري عليا أو ابن عباس -رضي هللا عنهم -دون أن يوسع دائرة الشورى. * وأحياان تكون اْلكثرية معتربة -مع عدم إغفال نوعية املستشارين -وذلك يرجع لعدة أمور ،كأن يكون اْلمر من اْلمهية مبا ال يكفي فيه رأي الفرد والفردين والثالثة. وأحياان يكون ذلك ملراعاة حال املستشارين ،كتأليف قلوّبم ،وحنو ذلك من االعتبارات الشرعية املطلوبة. - 1ألن المسألة خالفية بين العلماء ،وانظر :تفصيل ذلك في كتاب د .عبد هللا الطريقي في حكم االستعانة. - 2انظر :تفصيل ذلك في كتب أحكام القرآن عند تفسير قوله -تعالى " :-والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " سورة المائدة ،اآلية.5 : 74 فقه االستشارة * وكان صلى هللا عليه وسلم واْلنصار ،ملقاصد شرعية يعلمها صلى هللا عليه وسلم .وكان أبو بكر يستشري كبار الصحابة ،وقد يستشري اْلنصار فقط ،وأحياان املهاجرين ،وقد يستشري املهاجرين ُيصر هذا يف عدة أفراد ،وأحياان يوسع ذلك لتشمل عددا كبريا منهم ،كما يف حروب الردة وغريها. *و عمر قد يقصر الشورى على أهل بدر ،وقد يتوسع يف ذلك لتشمل املهاجرين واْلنصار وغريهم. وَند مثل ذلك يف سرية عثمان وعلي -رضي هللا عنهم أمجعني.- * وعلى كل األحوال فليست العربة ابلقلة والكثرة وحدها ،وإمنا العربة -أيضا -ابلكيفية ،فسواء قل العدد أو كثر يف ضوء االعتبارات اليت أشرت إليها سابقا ،فإن توافر الصفات املطلوبة يف املستشار هي اْلساس ،حبيث تتوافر هذه الصفات يف آحادهم أو يف جمموعهم كما سبق ،واملستشري جيب أن يعىن ّبذه املسألة عناية خاصة ،وال ينخدع بكثرة الناس ومجهورهم ،فاهلل -جل وعال -يقول ( :اوإِ ْن تُ ِط ْع أا ْكثا ار ام ْن ِيف ْاْل ْار ِض يُ ِضلُّ اوك اع ْن اسبِ ِيل َّاَّللِ)( [ )سورة اْلنعام ،اآلية ] .116 :وورد عنه صلى هللا عليه وسلم أنه قال " :الناس كاإلبل املائلة ال جتد فيها راحلة " (.) ويقول الشاعر (: ) والنـاس ألــف منهـم كواحـد وواحـد كاأللـف إن أمر عنـى وهذه قضية مهمة ،ومسألة تغيب عن ابل الكثريين ،فاظفر ّبا تربت يداك. -8وسائل االستشار ة وأخذ الرأي متعددة ومتنوعة ،وليست مقصورة على وسيلة واحدة. *فمن وسائلها االستشارة املباشرة ،وقد تكون لفرد أو مجاعة ،منفردين أو جمتمعني. * ومن صورها الرسائل واملكاتبات لذوي الرأي. * ومن وسائلها -أيضا -االستباانت العلمية املدروسة. - 1سورة األنعام آية.116 : - 2أخرجه البخاري ( ،341 / 11رقم " "6498فتح) وأخرجه مسلم ( ،1973 / 4رقم" )"2547كالهما عن ابن عمر رضي هللا عنهما. - 3انظر :جواهر األدب ،417 / 2والبيت لعبيد بن األبرص األسدي. 75 فقه االستشارة وتتعدد الوسائل وختتلف ابختالف الزمان واملكان ،ويراعى يف ذلك أمور عدة ،كاْلمر املتشاور فيه، ونوعيات املستشارين ،وختصصاهتم ،وأماكن وجودهم ،إىل غري ذلك من االعتبارات املرعية. * وليست العربة ابلوسيلة ،وإمنا العربة ابملضمون ،فكل وسيلة مشروعة تؤدي إىل حتقيق الغرض، فيمكن استخدامها ،واملهم هو مراعاة الضوابط الشرعية يف الوسائل والغاَيت ،وما ال يتم الواجب إال به فهو واجب. -9رأي العامة: هناك قضية تتعلق ابلشورى يف أحد جوانبها ،وهي ما ميكن أن نسميه :برأي العامة ،أو اجلمهور. * وذلك أن بعض الدعاة قد يتخذ موقفا تكون نتائجه سلبية ،مما يستغرب مثله من مثله .وإذا سألت هذا الداعية كيف اختذت هذا املوقف؟ وهل استشرت يف ذلك؟ وهل كان موقفك هذا عن دراسة وروية؟! وتفاجأ أن اجلواب كما يلي: إن الناس هم الذين طلبوا مين ذلك ،ومن الناس؟ إهنم مجهور ذلك الداعية ،أو خليط من الناس، اتصلوا ّبذا الداعية مباشرة ،أو عرب وسائل االتصال املتعددة ،واقرتحوا عليه هذا العمل ،بل قد ال خيلوا اْلمر من اإلحلاح أو اإلحراج ،مما جيعل الداعية حتت ضغط خاص من هذا اجلمهور ،ورويدا رويدا يستجيب الداعية إلحلاحهم ،وخيضع ملطلبهم. وقد شغلين هذا املوضوع طويال ،وخباصة أن بعض الدعاة ال يدرك خطورة هذا اْلمر وأبعاده. وعندما جاءت "أزمة اخلليج" فوجئنا أن بعض احملسوبني على الدعوة يتخذون مواقف تؤيد العراق يف غزوه للكويت ،وهؤالء وإن كانوا قلة -واحلمد هلل -ولكن مواقفهم كانت حمل استغراب مجهور الدعاة وطلبة العلم. * وكانت املفاجأة أشد وقعا ،عندما صرح أحدهم أنه اختذ هذا املوقف استجابة لرأي اجلمهور من أتباعه ،وخضوعا ملشورته. * وإابن اهتمامي ّبذه املسألة والبحث يف شرعيتها ،نشرت جريدة (املسلمون) موقفا للدكتور جعفر شيخ إدريس .وملخصه: 76 فقه االستشارة إن فضيلته ألقى حماضرة يف رابطة الطالب العرب يف أمريكا عن أحداث اخلليج ،ويبدو أن رأيه يف اْلحداث مل يعجب عددا من احلاضرين ،فقاطعوه واحتجوا على موقفه ( ) فأجاّبم فضيلته ّبدوئه املعهود: أنتم ال ترضون للعامل أن يكون عامل سلطة ،وأان ال أرضى لنفسي أن أكون عاملا تسريه العامة. * وقد أعجبتين هذه اإلجابة ،ووجدت فيها ضاليت ،وتدل على عمق تفكريه وبعد نظره. *وبعد عدة أَيم التقيت مع فضيلة شيخنا العالمة حممد بن عثيمني ،وذكرت له إجابة الدكتور جعفر، وطلبت رأيه فيها. فقال :إن ما ذكره الشيخ صحيح ،وأان أقول -الكالم للشيخ حممد -العلماء ثالثة: عامل دولة ،وعامل عامة ( )وعامل ملّة. * والعامل احلقيقي هو عامل امللّة ،الذي ينطلق من الشرع يف أقواله وأفعاله ومواقفه. وهذه اإلجابة من فضيلة الشيخ حممد إجابة عامل ملّة. * ومرت األًيم ،وبدأت أعد حبثا يف تفسري سورة احلجرات ،وإذا يب أقف عند قوله -تعاىل ( :-او ْاعلا ُموا أ َّ اَّللِ لا ْو يُ ِطيعُ ُك ْم ِيف اكثِ ٍري ِم ان ْاْل ْام ِر لا اعنِت ُّْم)( [ )سورة احلجرات ،اآلية.] .7 : ان فِي ُك ْم ار ُس ا ول َّ فقلت -سبحان هللا !! -هذا ماكنا نبغ. * ورجعت إىل بعض كتب التفسري ْلتبني مدلوهلا ومعناها بصورة أمشل ،فإذا ابن كثري يقول :فإنه أعلم مبصاحلكم ،وأشفق عليكم منكم ،ورأيه فيكم أُت من رأيكم ْلنفسكم ،لو أطاعكم فيما ختتارونه ْلدى ذلك إىل عنتكم وحرجكم (..)4 * بينما وجدت أن سيد قطب قد فسر اآلية تفسريا يدل على أن هذه اآلية نص يف القضية اليت حتدثت عنها حيث قال: - 1لست بصدد الحديث عن الموقف ،وانما المهم -هنا -ما يتعلق بموضوعنا. - 2أي تسيره العامة ،وليس المراد أنه يفيد العامة ويبذل علمه لهم ،فهذا مطلوب ومشروع ،بل يجب أن يكون العالم كذلك ،وهكذا كان العلماء قديما وحديثا. - 3سورة الحجرات آية.7 : - 4انظر :تفسير ابن كثير ،210 / 4وذكر ابن كثير أن رأيهم ضعيف بالنسبة لمراعاة مصالحهم. 77 فقه االستشارة ويبدو أنه كان من بعض املسلمني اندفاع عند اخلرب اْلول الذي نقله الوليد بن عقبة ،وأشاروا على النيب صلى هللا عليه وسلم أن يعجل بعقاّبم ،وذلك محية من هذا الفريق لدين هللا ،وغضبا ملنع الزكاة. وتن زل هذه اآلية ،وفيها خيربهم هللا -تعاىل -أن الرسول صلى هللا عليه أنه خري لعنتوا ،وشق عليهم اْلمر (.)1 يعن هلم وسلم لو أطاعهم فيما ّ * ومن خالل هذه اآلية وتفسريها يتضح اْلمر ،فإذا كانت طاعة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم لبعض صحابته ،وهم خري القرون ،وأعدل الناس وأزكاهم ،إذا كانت طاعته هلم ،واستجابته ملشورهتم ()2 يف كثري من اْلمر تسبب هلم العنت واملشقة ،فكيف بطاعة عامة الناس ومجهورهم يف القرون املتأخرة، مع قلة العلم والتجربة والتقوى ،فاهلل املستعان. * وهبذا يتضح خطورة هذا النوع من الشورى ،لتخلف ضوابط االستشارة اليت سبقت ،واْلمر ُيتاج إىل اعتدال وتوازن وحكمة ،فال يرد كل ما جاء من مثل هؤالء ،فهذا له سلبياته اليت ال ختفى ،وال ينساق املرء معه دون روية وتبصر ابلعواقب مما خيفى على مثل هؤالء ،فيحصل العنت واملشقة. -10آداب االستشارة: لالستشارة آداب جيب أن تراعى ،من املشري واملستشري. * وقد أشرت إىل بعضها عند احلديث يف أركان الشورى ،كاْلمانة ،والكتمان ،وحنو ذلك. * ومن اآلدا ب اليت جتدر اإلشارة إليها هنا ،احرتام كل واحد منهما لآلخر ،ومن ذلك عدم تسفيه أي واحد منهما لصاحبه ،سواء لشخصه أو لرأيه أو لَلمر الذي يتشاور فيه. ومن ذلك أن ينصت املستشار حَّت يفرغ املستشري من عرض قضيته ،وبعد ذلك ينصت املستشري للمشري حَّت ينتهي من إبداء رأيه. - 1انظر :في ظالل القرآن .3341 / 6 - 2هذا ال يعارض ما سبق من األمر بمشورتهم ،ألن هناك فرقا بين أن يستشيرهم ويختار من يناسب لذلك ،وبين أن يشير عليه بعضهم دون استشارة ،مما قد تخفى بعض األمور على المشير مما يعلمه رسول هللا -صلى هللا عليه وسلم .-ولذلك نجد أن رسول هللا -صلى هللا عليه وسلم -لم يأخذ بمشورة بعض الصحابة في قتل عبد هللا ابن أبي ،بل وحاطب بن أبي بلتعة -رضي هللا عنه -حيث خفي على المقترحين بعض األسباب والنتائج والعواقب. 78 فقه االستشارة * ومن اآلداب اليت جيب أن يراعيها املستشري أن خيتار الوقت املناسب لعرض موضوعهْ ،لن لذلك أتثريا على املستشار واْلمر املتشاور فيه. كما أن على املستشار أن ُيسن عرض رأيه ،وخباصة إذا كان لذلك الرأي أتثري على نفسية املستشري، وعليه ابلتدرج يف احلديث حَّت يصل إىل مقصوده دون أذى لصاحبه. وْلضرب لذلك مثال يوضح املراد: لو أن شخصا جاءك واستشارك يف الزواج من امرأة تعرفها ،وأثناء عرضه ملوضوعه عرفت مدى حبه للزواج منها ،بل ورغبته الشديدة يف ذلك ،وكأنه ينتظر منك إشارة ليتقدم خلطبتها .ورأيت أن زواجه منها غري مناسب فيحسن أال تفاجئه ّبذا الرأي ،بل عليك أن ختتار الوقت واْلسلوب املناسبني إلبالغه برأيك، دون جماملة أو كتمان.. واسلك مثل ذلك يف أي قضية أخرى ،ولكل حالة ما يناسبها. -11أختم هذه (املعامل) هبذه البصرية ،فأقول :ثبت عن الرسول صلى هللا عليه وسلم فيما رواه مسلم وغريه عن فاطمة بنت قيس ،حيث خطبها ثالثة من الصحابة ،فاستشارت رسول هللا -صلى هللا عليه وسلم -فيمن تتزوج منهم ،فقال هلا " :أما معاوية فرجل ترب ،وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، ولكن أسامة بن زيد " (.) ففي هذا احلديث َند أن رسول هللا -صلى هللا عليه وسلم -أشار على هذه الصحابية أبن تنكح أسامة ،وذكر هلا سبب ذلك فيما يؤخذ على معاوية وأيب جهم. وهنا َند أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم اقتصر يف احلديث عن الرجلني مبا يلزم لتوضيح اْلمر املتشاور فيه ،ومل يتعد ذلك بكلمة واحدة. ومن امللحوظ أن البعض إذا استشري يف أحد من الناس ،أطلق لسانه يف احلديث عنه مبا له عالقة ابملوضوع ،ومبا ليس له عالقة بذلك. - 1أخرجه مسلم ( )1480ومالك في الموطأ ( )580 / 2والشافعي في الرسالة رقم (.)856 79 فقه االستشارة بل قد يتعدى اْلمر إىل احلديث عن أهله مما ال يلزم ذكره ،إذ ال ضرورة إىل ذلك لبيان اْلمر املتشاور فيه. وهذه املسألة تساهل فيها كثري من الناس ،مع أهنا من الغيبة احملرمة ،وأعراض الناس مكفولة مصونة ،ال تستحل إال يف نطاق ضيق حدده الشارع وبينه ،يف مسائل معدودة حمددة (.)1 والشيطان له مداخل معروفة يف مثل هذا اْلمر ،فيجب أن نكون على حذر ،فكل كلمة مدونة على ِ () صاحبها (ما ي ْل ِف ُ ِ ٍ ِ ِ ِ ِ صغِ اريةً اوال اكبِ اريًة إَِّال يب اعتي ٌد) [ سورة ق ،اآلية( ]18 :ال يُغااد ُر ا ا ا ظ م ْن قا ْول إَّال لا اديْه ارق ٌ () اَّللُ اونا ُسوهُ)( [ )سورة اجملادلة ،اآلية.] .6 : صاهُ َّ صا اها) [ سورة الكهف ،اآلية( ]49 :أ ْ أْ اح ا اح ا وجواز احلديث يف أصل املوضوع ال يبيح االسرتسال فيه ،وجيب أن تكون اإلجابة بقدر احلاجة والضرورة .وهذه من املسائل الدقيقة ،اليت ختفى على بعض الناس ،وحتتاج إىل تقوى وورع ،يعصم صاحبه من الزلل واخلطل. اخلامتة احلمد هلل الذي بنعمته تتم الصاحلات ،وأصلي وأسلم على من أعطي جوامع الكلم ،وآله وصحبه.. وبعد: فأجد من املناسب أن أختم هذه الرسالة بكلمتني: الكلمة األوىل :أوجهها إىل مشاخينا وعلمائنا وقرة أعيننا ،أذكرهم فيها ابملسئولية امللقاة على عواتقهم جتاه هذه اْلمة عموما ،والصحوة خصوصا ،فهم القدوة والقادة ،فطالب العلم عنهم يصدرون ،والدعاة إَيهم يقصدون ،والشباب ّبم يقتدون ،واْلمة تنتظر ماذا يقولون ،وماذا يفعلون. - 1ذكر ذلك النووي وفصل في هذه المسألة في كتابه رياض الصالحين ،انظر رياض الصالحين تحقيق األلباني ص( 489باب ما يباح من الغيبة). - 2سورة ق آية.18 : - 3سورة الكهف آية.49 : - 4سورة المجادلة آية.6 : 80 فقه االستشارة * ومن هذا املنطلق فمسئوليتهم عظيمة ،واْلمانة ثقيلة جسيمة ،ومن مقتضيات هذه املسئولية أن يفتحوا صدورهم وبيوهتم لطالب العلم والدعاة ورواد الصحوة ،يعلموهنم ،ويوجهوهنم ،ويشريون عليهم، ويستمعون إىل مشكالهتم ،وشئوهنم وشجوهنم ،وعليهم أن يتحملوا بعض اهلنات من بعضهم ،فما جاءوهم إال حمبة وثقة وتقديرا .وقد خيطئ املرء ولو كان بصريا!! * إن هذه البالد متيزت مبيزة مل أجد هلا يف بقية البلدان مثيال ،وال نظريا ،أال وهي قوة الصلة بني العلماء وطالب العلم ،وبني شباب الصحوة ومجهور اْلمة ،فكلمة العلماء هي الفصل ،ومكانتهم هي اْلصل ،وأعراضهم دوهنا املهج واْلرواح .واْلمة خبري ما دامت هذه السمة واملكانة مرعية من جانب الوجود والعدم.، * فمراعاهتا من جانب الوجود ابلقيام حبقوق هذه املسئولية تعليما وتوجيها وصدعا ابحلق ،ومراعاهتا من جانب العدم حبمايتها من كيد الكائدين ،وإغالق الباب على احلاسدين واملوتورين ،من املنافقني والعلمانيني وأعداء هذا الدين. الكلمة الثانية :أوجهها إلخواِن طالب العلم والدعاة ،وْلحبائي شباب هذه اليقظة املباركة ،وأوجزها فيما يلي: -1أن تستمر صلتهم ابلعلماء واملشايخ ،وأال يسمعوا فيهم قول حاسد أو شانئ. -2أن يستشريوا علماءهم ،وعنهم يصدرون ،ومن احلق الذي لديهم يغرفون ،ومن حبور علمهم يرتوون ،وأن ُيذروا االستغناء أو االستعالء ،فهما مهلكان. -3يف الوقت الذي أؤكد فيه على وجوب استشارة العلماء -وما كتبت هذه الرسالة إال من أجل ذلك -فإِن أنبه إىل وجوب احرتام العلماء ،وتقدير ظروفهم ،وعدم اإلثقال عليهم ،وذلك يقتضي االلتزام آبداب االستشارة ،وأال يستشاروا إال يف اْلمور ذات البال والشأن ،حمافظة على أوقات العلماء ،وتقديرا لَلولوَيت ،فإن احلكمة وضع الشيء يف موضعه .وكذلك عليهم أن خيتاروا اْلوقات املناسبة ،واْلحوال املالئمة ،وأن ُيسنوا عرض ما لديهم ،وّبذا حنقق معىن احلكمة ومدلوهلا ،وهي :فعل ما ينبغي ،كما ينبغي، يف الوقت الذي ينبغي ،فإذا عرفت فالزم. 81 فقه االستشارة * أقول هذا ْلنين أحلظ أن بعض احملبني ال يراعون هذه املعاِن ،مما يسبب إثقاال على العلماء، وإزعاجا للمشايخ ،وآاثر ذلك ال ختفي. -4وأخريا فعلى طالب العلم أن يلتمسوا اْلعذار ملشاخيهم وعلمائهم ،وأال يكون اعتذار العلماء سببا للصد عنهم ،فضال عن الوقيعة فيهم ،فما اعتذروا إال لعذر ،فامحلوهم على أحسن احملامل ،لتدوم املودة، وتقوى الصلة ،وتتحقق القدوة ،وهللا هو املوفق واملعني. وآخر دعواان أن احلمد رب العاملّي ،وسالم على املرسلّي ،وصلى هللا وسلم على نبينا حممد، وعلى آله وصحبه أمجعّي. 82
© Copyright 2026 Paperzz