الضوابط الشرعية ألعمال المصارف اإلسالمية الدكتور الشيخ عالء الدين زعتري أمين الفتوىـ وزارة األوقاف السورية مقدمة: في الوقت الذي يتعرض فيه اإلسالم لهجمة شرسة في الداخل والخارج بدعوى أنه دين يحض اتباعه على العنف؛ تنمو الصيرفة اإلسالمية باضطراد في كل العالم. األمر الذي يشعرنا بوجود ازدواجية في التعامل مع اإلسالم. فمن جهة يتعرض المسلمون في الغرب لالضطهاد بسبب انتمائهم العقدي، ومن الجهة األخرى تتسابق البنوك العالمية إلى اعتماد صيغة التمويل اإلسالمية باعتبارها من أدوات الجذب االستثماري الجيدة. فكيف يستقيم رفض الغرب لإلسالم والتخطيط لمحاربته بشتى الطرق بينما يقبل على التجربة اإلسالمية في المصارف!! وهل التهافت على الصيرفة اإلسالمية مبعثه القناعة بأضرار التعامالت الربوية على االفراد والمجتمع أم مجرد تقليعة أو مطية الستقطاب استثمارات المسلمين؟! وبلغة األرقام واإلحصاءات تشير أحد التقارير االقتصادية ()1 أن %80من المتعاملين في الصيرفة اإلسالمية حول العالم هم من غير المسلمين ،وال بد من التوقف كثي ار عند دالالت هذا الرقم. وأعتقد أن الصيرفة اإلسالمية جاءت لتلبي رغبات المسلمين في تعامل بنكي آمن من الربا وأخذت في االنتشار والتوسع السريع. وبات من المعروف أن أهم استخدامات األموال في البنوك التجارية التقليدية هي القروض والسلفيات التي يقدمها البنك لعمالئه مقابل فائدة محددة مقدما. 1 أما المصارف اإلسالمية فيتم استخدام األموال فيها عن طريق صيغ التمويل المتعددة والمشروعة ،والتي تناسب كافة األنشطة؛ (تجارية ،صناعية ،زراعية، عقارية ،مهنية ،حرفية). والمرء يشعر بالفخر حينما يجد منتجا إسالميا يتهافت عليه كل العالم ،ولكن لألسف ـ في بعض األحيان ـ قد ال نحس بقيمة منتجاتنا المصرفية اإلسالمية في داخل محيطنا ،فيكون حالنا حينئذ مثل الذي يملك مجموعة كهربائية قادرة على إنارة حي بأكمله إن لم نقل العالم بأسره ،ومع ذلك يعيش في الظالم؛ ألنه يستنكف أن يضغط على زر التشغيل ،أولئك الذين يخجلون من كونهم مسلمين ،أما آن لهم أن يرفعوا رؤوسهم؟!. األصل الفقهي ألعمال المصارف اإلسالمية األصل الفقهي في المعامالت :ا ِ لح ُّل. منع تجاوزها. والشريعة لم تحصر التعاقد في موضوعات ُي َ كل ما قيَّدته الشريعة يندرج تحت منع الضرر واإلضرارِ ، وكف الظلم ،وقطع االستغالل. الضوابط الشرعية للعمل المصرفي اإلسالمي ضابط العقيدة لما كان اإليمان ال يكون بمجرد نطق باللسان ,وانما هو عقيدة تمأل القلب وتعمره ,فتصدر عنها آثارها كما تصدر عن الشمس أشعتها. َج ِل ثمار العقيدة السليمة واإليمان الكامل :السلوك الخير لإلنسان ،في ومن أ َ مختلف شؤونه الحياتية. ولعل من آثار اإليمان ما يلي: -1أنه يحرر النفس من سيطرة الغير؛ أشخاصا أو ماديات. -2االعتقاد بأن هللا هو الرازق ،وأن الرزق ال يعجل به حرص حريص ,وال يرده كراهية كاره. 2 -3اإليمان يرفع من قوى اإلنسان المعنوية ،فيسمو عن الماديات ,ويرتفع عن الشهوات ,ويستكبر عن لذائذ الدنيا ,فيرى أن الخير والسعادة في النـزاهة والشرف, وتحقيق القيم الصالحة ,و ِمن ثَ َّم يتجه اإلنسان تلقائيا لخير نفسه ,ولخير أمته ,وخير الناس جميعا. -4الحياة الطيبة يعجل هللا بها للمؤمنين في الدنيا قبل اآلخرة ،قال تعالى: َِّ ِ وِق َِّ ِ َح َس ُنوْا ِفي َه ِذ ِه ُّ الد ْنَيا َح َسَنة َوَل َد ُار َنزَل َرب ُ ين اتََّق ْوْا َما َذا أ َ ُّك ْم َقاُلوْا َخ ْي ار للذ َ يل للذ َ ين أ ْ َ َ ِ ِ ِ ِ صالِحا اآلخ َرِة َخ ْير َوَلن ْع َم َد ُار اْل ُمتَّق َ ين[ النحل :آية ،]30وقال تعالىَ :م ْن َعم َل َ َح َس ِن َما َك ُانوْا ِمن َذ َك ٍر أ َْو أُنثَى َو ُه َو ُم ْؤ ِمن َفَل ُن ْحِيَيَّن ُه َحَياة َ َج َرُهم ِبأ ْ طِيَبة َوَلَن ْج ِزَيَّن ُه ْم أ ْ َي ْع َمُلو َن[ النحل ،]97 :وقال سبحانهَ :وَل ْو أ َّ آم ُنوْا َواتََّقوْا َلَفتَ ْحَنا َعَل ْي ِهم َن أ ْ َه َل اْلُق َرى َ ٍ ِ السماء واألَر ِ ِ اهم ِب َما َك ُانوْا َي ْك ِس ُبو َن[ األعراف: ض َوَلـكن َك َّذ ُبوْا َفأ َ َخ ْذَن ُ َب َرَكات م َن َّ َ َ ْ .]96 - 5إن الخالق والموجد والمالك األصيل لكل النعم والطيبات ولكل شيء ِِ ِ ات واأل َْر ِ ض َو َما َب ْيَن ُه َما ك َّ في السماوات واألرض ،هو هللا قال تعالىَ :ولِل ُمْل ُ الس َم َاو َ ٍ ِ ك َّال ِذي َي ْخُل ُق َما َي َشاء َوّللاُ َعَلى ُك ِل َش ْيء َقدير[ المائدة ،]17 :وقال تعالى :تََب َار َ َّ ِ ٍ ِ ِِ َح َس ُن اة لَِيْبُل َو ُك ْم أَي ُ ك َو ُه َو َعَلى ُك ِل َش ْيء َقدير * الذي َخَل َق اْل َم ْو َت َواْل َحَي َ ِبَيده اْل ُمْل ُ ُّك ْم أ ْ ور[ الملك1 :ـ ،]2وقد سخر الكون لخدمة اإلنسان ,ووهبه َع َمال َو ُه َو اْل َع ِز ُيز اْل َغُف ُ من الوسائل واألدوات ما يعينه على االنتفاع بما فيه ,واكتشاف ما فيه من قوى وطاقات ,واستغالل ذلك كله لنفع المخلوقات. -6لقد خلق هللا البشر واستعمرهم في األرض ،وأن األرض بما فيها مسخرة لهم مذللة بإذن ربهم ,بعد األخذ باألسباب المخلوقة لهم ,ومن ثَ َّم فإن حقوق البشر َكم ِم َن َنشأ ُ وواجباتهم حددها هللا سبحانه عندما طلب منهم إعمارها ,قال تعالىُ :ه َو أ َ ِ ِ يها[هود.]61 : األ َْرض َو ْ استَ ْع َم َرُك ْم ف َ ضوابط القواعد الفقهية الكلية القاعدة الفقهية :هي األمر الكلي المنطبق علي جميع جزئياته ,بمعنى أن يندرج تحت هذا األمر الكلي مجموعة من األحكام المتشابهة ,التي يمكن إرجاعها إلى أصل واحد. 3 وقد رصد الفقهاء عددا كبي ار من القواعد الكلية وفيما يلي بيان أهم تلك القواعد: - 1قاعدة األمور بمقاصدها: وبعبارة أخرى تقاس األعمال واألقوال بمقياس النوايا الحسنة أو السيئة للفاعل أو القائل. وتعني أن كل قول أو عمل إنما هو بالمقصد والهدف الذي يريد صاحبه أن يحققه ,أو بالغاية التي يريد الوصول إليها من وراء قوله أو عمله ,فإذا تكلم أو تحرك, فالعبرة من كالمه أو حركته بما يقصد أو يريد, فالعقود إذا قصد من إبرامها قصدا مشروعا كان العقد صحيحا. أما إذا كان القصد من إبرامها غير مشروع كان العقد باطال. - 2قاعدة التيسير ورفع الحرج : وقد عبر العلماء عن هذه القاعدة بقولهم( :المشقة تجب التيسير). والمراد من التيسير :التسهيل بحيث تكون األحكام الشرعية في مقدور المكلف ,يقوم بها من غير عسر أو حرج أي بدون مشقة. والمراد من الحرج :الضيق ,فإذا صار المؤمن في حالة ال يستطيع معها القيام بالعبادة على النحو المعتاد فإن هللا سبحانه وتعالى يرخص له في أدائها حسب إستطاعته ,وفي هذا رفع للحرج عن العباد. وكلمة المشقة المقصودة هي :تلك التي ال تكون معتادة للفرد ,وتخرج عن ِ حدود االستطاعة ,يقول هللا َّ ف ّللاُ َنْفسا ِإالَّ ُو ْس َع َها[ البقرة،]286 : عز َّ وجل :الَ ُي َكل ُ ويقول سبحانه :وما جعل عَلي ُكم ِفي ِ الد ِ ين ِم ْن َح َرٍج[ الحج ،]78 :وقال رسول هللا ََ َََ َ ْ ْ صلى هللا عليه وسلم" :إن الدين يسر ولن ُي َش َّاد الدين أحد إال َغَلَبه". وفي مجال المعامالت نجد القاعدة مطردة حيث جعل هللا سبحانه باب التعاقد مفتوحا أمام العباد وجعل األصل فيها اإلباحة ,ولم يضع من القيود إال تلك التي تمنع الظلم أو تحر م أكل أموال الناس بالباطل . - 3قاعدة الضرر يزال : 4 ومعناها أن هللا عز وجل قد شرع لعباده األحكام التي تصلح أحوالهم في الدنيا واآلخرة ,وتزيل عنهم كل ما يضر به أو يؤذيهم ,فإذا وقع اإلنسان في حالة من الضرر الشديد ,جاز له على سبيل التخلص من الضرر أن يلجأ إلى الوسيلة التي يتفادى بها ما جلبه من ضرر . وأصل القاعدة ما روي عن ابن عباس رضي هللا عنهما أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال" :ال ضرر وال ضرار". ومعنى (ال ضرر) أي :ال يضر اإلنسان أخاه فينقص شيئا من حقه. ومعنى (ال ضرار) أي :ال يجاريه على إض ارره بإدخال الضرر عليه. ويمكن القول :الضرر هو االبتداء بالفعل ,والضرار هو الجزاء عليه. وقد تفرعت عن هذه القاعدة قواعد كلية أخرى ،منها: ( )1الضرورات تبيح المحظورات :وتطبيقا لها جاز للمضطر أن يستعمل الحرام ,وجاز رفع العقاب عن المكره ,وجاز للمعتدي عليه أن يدافع عن نفسه. ( )2الضرورة تُقََّدر بقَ ْد ِرها :فال يجوز للمضطر أن يتناول من المحرمات إال بالقدر الالزم إلنقاذ نفسه من الهالك ,كما ال يجوز للمعتدي عليه أن يتجاوز القدر الالزم لرد العدوان. ( )3الضرر ال يزال بالضرر :ألن إزالة الضرر بمثله يعتبر إيقاعا بالضرر على الغير ،وهو في األصل غير جائز. - 4قاعدة اليقين ال يزول بالشك : ومعناها :إبقاء الحكم على ما كان عليه حتى يقوم الدليل علي تقييده أو انتفائه ,فالحال القائم يقين مبني على دليل ،والحال المطلوب االنتقال إليه يحتاج إلى دليل أقوى. وأساس القاعدة ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال :قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم" :إذا َش َّ ك أحدكم في صالته فلم يدر كم صلي ,ثالثا أم أربعا؟, فليطرح الشك ,وليبن علي ما استيقن". ويتفرع عن هذه القاعدة قواعد فرعية منها: 5 وش َّ ك في الحرام فمن تََيَّقن الحالل َ ( )1األصل بقاء ما كان على ما كانَ : َّ وشك في الحالل فهو في الحرام. ومن تََيَّقن الحرام فهو في الحاللَ , فمن ادعي أنه دائن لشخص بمبلغ معين ,فال عبرة ( )2األصل براءة الذمةَ : من االدعاء المجرد ،وانما ال بد من اإلثبات ,فإذا لم ُيَق ِدم األدلة المثِبتَة للدين, فاألصل براءة ذمة المدعى عليه. ( )3األصل في األشياء اإلباحة حتى يقوم الدليل على التحريم. - 5قاعدة العادة ُم ْح َك َمة : والعادة :هي ما اعتاده الناس وجرى عليه العرف بينهم في مكان معين وزمان معين لفعل معين. وتحكيم العادة ال يكون إال إذا انعدم وجود مصدر أقوى منه من ناحية التشريع حيث ال يوجد نص من قرآن أو من سنة وال يوجد إجماع. وقد أخذ الفقهاء دليل تحكيم العرف ما رواه أحمد من قول ابن مسعود" :ما رآه المسلمون حسنا فهو عند هللا حسن" ،وقد اشترط الفقهاء له شروطا ،منها: أ- ب- ت- ث- أن يكون العرف شائعا معتادا وغالبا أي ليس ناد ار. أال يكون مخالفا لما اشترطه أحد المتعاقدين عند التعاقد. أن يكون العرف سابقا أو مقارنا لزمن التعاقد. أال يخالف نصا من الكتاب والسنة ،أو حكما فيه إجماع. وعلى ذلك فإن العرف قسمان: القسم األول :عرف فاسد ال يؤخذ به. والقسم الثاني :عرف صحيح يؤخذ به ،ويعتبر األخذ به أخذا بأصل من أصول الشرع. وقد قال العلماء في هذا العرف الصحيح :أن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي. بالغ ْرم: الغ ْنم ُ - 6قاعدة ُ ويقصد بها :أن الحق في الحصول على النفع أو الكسب (العائد أو الربح) يكون بقدر تَ َح ُّمل المشقة أو التكاليف (المصروفات أو الخسائر أو المخاطر). 6 وبعبارة أخرى فإن الحق في الربح يكون بقدر االستعداد لتحمل الخسارة. وهذه القاعدة تمثل أساسا فكريا قويا لكل المعامالت التي تقوم على المشاركات والمعاوضات ,حيث يكون لكل طرف فيها حقوقا تقابل أو تعادل ما عليه من التزامات. على أن االلتزامات تكون على ثالثة أنواع هي: )1 التزام بمال. )2 أو التزام بعمل. )3 أو التزام بضمان. وهذه هي األسباب الثالثة التي تسبب لصاحبها الحق في الحصول على الربح أو الغنم علي ما اتفق عليه العلماء. ومن ثَ َّم فإن لهذه القاعدة أهمية كبيرة في المعامالت المصرفية اإلسالمية, حيث تؤثر في أمرين أحدهما: أن يحصل المصرف على ربح أو عائد أو عوض من حيث األصل. وثانيهما :تحديد النسبة أو المقدار أو القيمة التي يحصل عليها. - 7قاعدة الخراج بالضمان : أصل شيء جاز له أن يحصل على ما تولد عنه ض ِمن ويقصد بها :أن َمن َ َ من عائد. فبضمان أصل المال ,يكون الخراج (أي ما خرج منه) المتولد عنه جائز االنتفاع لِ َمن ضمن؛ ألنه يكون ملزما باستكمال النقصان المحتمل الحدوث -إن حدث -وجبر الخسارة إن وقعت. ولهذه القاعدة عالقة بالقاعدة السابقة ,ألنها قد تدخل تحتها من حيث أن الخراج ( ُغ ْنم) والضمان ( ُغ ْرم). وال يخفي أن لهذه القاعدة أثر كبير في األعمال المالية والمصرفية حيث تؤثر في عملية توزيع النتائج المالية في المصارف اإلسالمية. ضوابط األكحكا الشرعية 7 يقصد باألحكام الشرعية :خطاب هللا تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بأداء فعل ما أو االنتهاء عنه ،أو التخيير بين هذا وذاك. ومن ثَ َّم كانت األحكام الشرعية التكليفية خمسة أحكام هي :الواجب, والمندوب ,والمباح ,والمكروه ,والحرام. وفيما يلي تعريف موجز بكل منها: ( )1الواجب: هو :األمر الذي طلبه الشارع على وجه اللزوم فعله ,بحيث يأثم تاركه. ( )2المندوب: هو :ما طلب الشارع فعله طلبا غير الزم. أو هو ما يثاب فاعله ,وال يعاقب تاركه. أو هو الراجح فعله مع جواز تركه. ويسمى (النافلة) ,أو (السنة) ,أو (التطوع) ,أو (المستحب). ( )3المباح: هو :تلك األمور التي تركها الشارع الحكيم دون أمر أو نهي ,فاإلنسان فيها ُم َخَّير بين الفعل أو الترك. وتثبت اإلباحة بأحد أمور ثالثة: أ- إما بنفي اإلثم. ب- أو بعدم النص على التحريم. ت- أو بالنص على الحل. وقد جعل هللا َّ وجل نطاق األفعال المباحة متسعا؛ تيسي ار على البشر. عز َّ واألمور المباحة ال ثواب فيها على الفعل ,وال إثم فيها على الترك ,ويكون إلعمال النية شأن في تحصيل الثواب في األعمال المباحة. ( )4المكروه: هو :تلك األمور التي طلب الشارع الحكيم الكف عنها طلبا غير الزم؛ بأن كان منهيا عنها ,واقترن النهي بما يدل على أنها لم يقصد به التحريم. و ِمن ثَ َّم يكون ترك هذا األمر مستحبا مثابا عليه ,وان تم الفعل فال إثم عليه. 8 ( )5الحرام: هو :ما طلب الشارع الكف عن فعله على وجه الحتم واللزوم ,سواء كان الدليل الذي أوجب اللزوم قطعيا أو ظنيا. والحرام هو أمر يكون ضا ار ضر ار ال شك فيه ,وينقسم إلى نوعين: المحرم لذاته :وهو ما يكون ضرره ذاتيا ،مثل :أكل الميتة ،وشرب الخمر، وفعل الزنا وارتكاب السرقة وأكل الربا وغيرها مما يمس الضروريات الخمس. المحرم لغيره :وهو الذي ال يكون النهي عنه ال لذاته ،ولكن ألنه يفضي إلى محرم ذاتي؛ كاالستقراض بفائدة ألنه يؤدي إلي الربا الذي هو محرم لذاته. الضوابط للمؤسسات كما هي لألفراد: إن آثار الضوابط المذكورة على أعمال المؤسسات المصرفية كبيرة ,حيث تكون كل معامالتها في نطاق هذه الضوابط ,أي في إطار المشروعية اإلسالمية ويخضع لها جميع األنشطة واألعمال كما تخضع لها المقاصد واألهداف والغايات, والسياسات والنظم واإلجراءات. لذلك يمكن أن نحدد أهم تلك اآلثار فيما يلي: ( )1تأثير في صياغة األهداف والمقاصد واألولويات : حيث تصاغ بالشكل الذي ال يتعارض مع الضوابط الشرعية ,ويحقق الفهم الكامل لألولويات اإلسالمية لألمة دون التضحية بمصالح األفراد ,وهي موازنة تقوم على فهم مراتب المصلحة المعتبرة شرعا (من ضروريات وحاجيات وتحسينات). ( )2تأثير في اإلدارة الكلية لموارد المؤسسة المصرفية: بحيث تحقق أفضل النتائج من حيث حسن استغالل للموارد البشرية والمادية (مالية أو غير مالية) ,فتستخدم من أساليب اإلدارة والقيادة ما ال يتعارض مع الضوابط اإلسالمية سواء تعلق ذلك بقواعد إجارة األفراد ,وتوظيفهم والتعامل معهم، وتحفزهم واثابتهم وعقوبتهم وغير ذلك من سياسات الموارد البشرية ,فتظهر المشاركة اإلدارية ,والعدالة ,وتكافؤ الفرص ,والتنمية المعرفية والمهارية ,والمبادرات الذاتية, والرقابة الذاتية ,واإلنتماء للمجتمع واالعتزاز بالوطن ,مما يجعل روح التنظيم مشبعة بجو من التضامن والتكاتف والحرص المشترك علي النجاح وتالفي السلبيات. 9 ( )3تأثير في نظم واجراءات العمل والعقود والنماذج: حيث تصاغ جميعها في ضوء األساس الفقهي والفني المنضبط والخادم لألهداف ،وفي إطار من العقود الشرعية التي تحكم المعامالت المصرفية. وهنا يجدر القول أنه ال يجب أن توجد معاملة في المصرف اإلسالمي بغير تكييف شرعي يحكمها ,سواء كان ذلك في إطار عقد شرعي ورد في المراجع الفقهية (من العقود المسماة) أو عقد تم تخريجه في إطار القواعد العامة الشرعية للعقود. ( )4تأثير في مجاالت التوظيف والخدمات: إذ يجب أال تكون أنشطة التوظيف واالستثمار والخدمات من بين المجاالت المحرمة أو المكروهة ,وانما تكون في نطاق المجاالت المباحة شرعا أو المندوبة أو الواجبة. ويكون التنويع بينها التزاما ينبني على االستطاعة. ومن األمثلة على المجاالت والسلع والخدمات المحرمة والمكروهة: - 1تجارة وصناعة الخمور والمسكرات والمخدرات وكل ما يأخذ حكمها, ويدخل في دائرة نشاطها من خدمات نقل وتوزيع وتقديم. - 2تربية وتجارة الخنازير والصناعات والخدمات المرتبطة بلحومها أو مكوناتها. - 3نوادي القمار والميسر وما يشبهها ويأخذ حكمها. - 4النوادي الليلية والمراقص. - 5المحالت والنوادي المخصصة للهو غير المباح المرتبط بمحرمات ومفاسد وكالهما قرين اآلخر ال ينفك عنه. ( )5تأثير في األساليب والوسائل المتبعة في التوظيف والخدمات: يجب أال تكون من بين األساليب والوسائل المحرمة أو المكروهة ,والتي نذكر من أمثلتها : - 1التعامل بالفوائد الثابتة في نشاط اإليداعات والقروض فهو من الربا المحرم. - 2التعامل بالبيوع المنهي عنها شرعا. 10 - 3المعامالت التي يصاحبها الغرر والجهالة. - 4المعامالت التي تؤدي إلى احتكار السلع وحبسها عن التداول. - 5المعامالت التي يكتنفها غش وخداع وكذب وتدليس ورشوة. - 6بخس األثمان أو التالعب فيها. - 7التالعب في الموازين والمكاييل. ( )6تأثير في كيفية توزيع النتائج: يتم توزيع نتائج النشاط في المؤسسة المصرفية اإلسالمية في إطار العدالة بالغرم) و(الخراج (الغ ْنم ُ بين األطراف التي ساهمت في تحقيقها على أساس قاعدتيُ : بالضمان) ،وفي إطار العالقات الشرعية بين البنك والمودعين بغرض االستثمار, وكذا بينه وبين الحاصلين علي تمويل بصيغ مختلفة. ( )7تأثير في التزام المؤسسة المصرفية اإلسالمية بالمسئولية االجتماعية واألخالقية: يلتزم المصرف اإلسالمي بأداء الزكاة المفروضة على المال النامي في كل عام مرة ،والمستحقة شرعا على ُمالَّك هذا المال (مساهمين أو مودعين) والذين ضون البنك أو يأذنون له بأداء ذلك نيابة عنهم. ُيَف ِو ُ وتصرف الزكاة في مصارفها الشرعية ,وكذلك الصدقات والتبرعات ,وما قد يقرره ولي األمر من إنفاق إضافي لصالح المجتمع المسلم. ضوابط المقاصد الشرعية مقاصد الشرع من الخلق خمسة مقاصد ,هي أن يحفظ عليهم دينهم ،وأنفسهم, وعقلهم ،ونسلهم ،ومالهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه األصول فهو مصلحة ,وكل ما يفوت هذه األصول الخمسة فهو مفسدة ,ودفعها مصلحة. وهذه هي المصلحة المعتبرة شرعا التي تعمل في إطار المحافظة على هذه األصول الخمسة وصيانتها. وقد قرر العلماء أن األحكام الشرعية هي وعاء المصالح الحقيقية ,وأن المصلحة المقصودة ليست مرتبة واحدة لكنها على ثالث مراتب. 11 المرتبة األولى :الضروريات وهي التي ال تتحقق وجوه المصلحة المذكورة إال بها. فالضروري بالنسبة للنفس هو المحافظة على الحياة ,والمحافظة على األطراف ,وكل ما ال يمكن أن تقوم الحياة إال به. والضروري بالنسبة للمال هو ما ال يمكن المحافظة عليه إال به. وكذلك بالنسبة للنسل. وفي الجملة فإن دفع كل ما يترتب عليه فوات أصل من األصول الخمسة المذكورة ُي َع ُّد ضروريا ,وقد َش َّدد الشارع اإلسالمي في حمايته ,وأعطاه زيادة من التأكيد ,وأنه إذا ترتب حفظ الحياة على فوات أمر محظور أباح الشارع تناول المحظور ,بل أوجبه إذا لم يكن فيه اعتداء على أحد ,ولذا أوجب على المضطر أن يدفع الفائدة الربوية ,تحت قاعدة( :الضرورات تبيح المحظورات). المرتبة الثانية :الحاجيات وهي التي ال يكون الحكم الشرعي فيها لحماية أصل من األصول الخمسة, بل يقصد منه دفع المشقة أو الحرج أو االحتياط لهذه األمور الخمسة ,كتحريم بيع الخمر ,لكيال يسهل تناولها ,وتحريم االحتكار ,واالحتيال ,ومن ذلك إباحة كثير من السَلم ,والمرابحة والتولية . العقود التي يحتاج إليها الناس ,كالمزارعة والمساقاة ,و َّ المرتبة الثالثة :التحسينيات وهي األمور التي ال تحقق أصل هذه المصالح ,وال االحتياط لها ,ولكنها ترفع المهابة ,وتحفظ الكرامة ,وتحمي األصول الخمسة. ومن ذلك بالنسبة للنفس حمايتها من الدعاوى الباطلة والسب ,وغير ذلك مما ال يمس أصل الحياة ,وال حاجيات من حاجياتها ,ولكن يمس كمالها ويشينها ,وذلك يلي المرتبتين السابقتين. ومن ذلك بالنسبة لألمور المالية تحريم التغرير والخداع و َّ صب؛ فإنه ال الن ْ يمس المال ذاته ,ولكنه يمس إرادة التصرف في المال عن بِين ٍة ومعرفة ,وادر ٍ اك ََ َ صحيح لوجوه الكسب والخسارة ,فهو ال اعتداء فيه على أصل المال ,ولكن االعتداء على إرادة المتصرف. 12 و َّ أركز على المحافظة على المال: ويكون ذلك بمنع االعتداء عليه بالسرقة والغصب ونحوهما. وتنظيم التعامل بين الناس على أساس العدل والرضا. وبالعمل على تنمية المال ووضعه في األيدي التي تصونه وتحفظه ،وتقوم على رعايته ,فالمال في أيدي اآلحاد قوة لألمة كلها. ولذا وجبت المحافظة عليه بتوزيعه بالقسطاس المستقيم. وبالمحافظة على إنتاج المنتجين ،وتنمية الموارد العامة. ومنع أن يؤكل المال بين الناس بالباطل وبغير الحق الذي أحله هللا تعالى لعباده. ويدخل في المحافظة على المال كل ما شرع للتعامل بين الناس من بيوع ومشاركات واجارات وغيرها من العقود التي يكون موضوعها المال. إشكالية تكحتاج إلى كحل: ما سبب استمرار ارتباط المصارف اإلسالمية بأسعار الفائدة العالمية؟ وكيف يمكن تخلصها من ذلك؟. عند تحديد هامش الربح الذي تحسبه وتتقاضاه المصارف اإلسالمية في تجرى عمليات تمويل مبنية على صيغ البيوع اآلجلة كالمرابحة مثال ،يالحظ أن هذا الهامش يكون مرتبطا بسعر الفائدة العالمي صعودا وهبوطا. وللتوضيح فإن هامش الربح الذي تتقاضاه المصارف اإلسالمية هو جزء من ثمن بيع آجل صحيح ،وهذا ال غبار عليه من الناحية الشرعية. واالستفسار هو عن طريقة حساب هذا الهامش وسبب ارتباط عملية الحساب بسعر الفائدة السائد في األسواق العالمية ،وعن إمكانية وجود بديل لهذه الطريقة؟. والواقع أن أسواق السلع والخدمات العالمية اليوم تعمل وفق سعر معياري (استرشادي) ،يجرى العمل به وتقاس عليه أسعار الصفقات في كل سوق حسب نوع وجودة المنتج؛ ألن هذا يحقق لهذه األسواق االستقرار. ففي سوق الذهب مثال يمثل سعر زيورخ معيا ار لسوق الذهب. وفي سوق النفط يقوم سعر برميل نفط برنت في بحر الشمال بهذا الدور. 13 أما في أسواق التمويل الدولية ،فيقوم بهذا الدور سعر الفائدة السائد بين البنوك في سوق لندن والمسمى ليبور (.)Libor وأحيانا يقوم به السعر الذي تتقاضاه مصارف نيويورك عند إقراض أفضل عمالئها والمسمى براي ريت ( .)Prim rate والمعروف أن أسعار الفائدة في األسواق العالمية تمثل الفرصة البديلة لتشغيل أموال المصارف التقليدية. فالمصرف الربوي يجب أن يحصل من أي عملية تمويل على عائد أعلى من سعر الفائدة السائد في األسواق العالمية لتكون عملية التمويل التي يقوم بها مجدية بالنسبة إليه. لكن هذا البديل غير قائم بالنسبة إلى المصارف اإلسالمية ألنها ال تستطيع توظيف أموالها في أسواق النقد العالمية التي تتعامل بالفوائد الربوية. لكن نظ ار لكون المصارف اإلسالمية ،ال تزال جزءا من هذه المنظومة العالمية ،فهي في تنافس مع المصارف األخرى. لذلك فهي مرغمة في الوقت الحاضر أن تنظر لسعر الفائدة السائد في األسواق العالمية عند تحديد هامش الربح في صيغ التمويل القائمة على البيوع اآلجلة كعقد المرابحة وعقد التأجير ،بحيث ال تزيد عليه كثي ار ،واال ذهب العمالء للبنوك التقليدية (إال من يمنعه ورعه عن ذلك). كما أن المصارف اإلسالمية لن تحدد هامش ربح يقل كثي ار عن أسعار الفائدة؛ ألن المودعين لديها وكذلك مالكها سيتركونها للبنوك التقليدية (إال من يمنعه ورعه أيضا عن فعل ذلك). وال شك أن هذا وضع غير مثالي ،ولكننا نأمل أن يكون مركحليا. فإذا أصبح هامش الربح جزءا من ثمن البيع المقطوع سواء ُدفع منجما (أي على أقساط) أو ُدفع مرة واحدة ،فال غبار عليه. لكن ما ال يجوز أن تفعله المصارف اإلسالمية ،هو أن تحدد هامش الربح بحيث يتغير مبلغ القسط مع الزمن بتغير أسعار الفائدة ،فهذا التصرف غير جائز 14 في عقد البيع؛ ألنه يجعل في العقد غر ار فاحشا مفسدا له ،كما أن فيه زيادة في َدين ثبت في ذمة المدين ال يجوز تغييره. فاعتبار المصارف اإلسالمية لما يجرى لسعر الفائدة في األسواق العالمية عند تحديد هوامش الربح – حتى دون التعامل به -هو أمر غير مستساغ ومناف للذوق اإلسالمي ،وقد يثير شك عامة الناس في مدى إسالمية عملها ،وبخاصة أولئك الذين ال يعون تفاصيل العقود اإلسالمية. بل يخشى أن تضطر بعض المصارف اإلسالمية إلى ِ "ح َـي ٍل" يكون بعضها ُ غير مقبول شرعا؛ كأن تدخل ترتيبا يؤدي إلى تغير عائد االستثمار مع تغير أسعار الفائدة العالمية ،بسبب حرصها على عدم االنفصال عن مستويات تلك الفائدة ،مثل أن تقوم بربط األقساط في عقد التأجير المنتهي بالتمليك بمعدل سعر الفائدة المسمى (ليبور). جزء من الكحل: إن تخلص المصارف اإلسالمية من هذه الظاهرة يعتمد على تقليص عملياتها المعتمدة على البيوع اآلجلة ِ المولدة للديون ،واتجاهها أكثر لتطبيق صيغ المشاركات. وال تزال المصارف اإلسالمية بحاجة إلى تطوير مؤشر أو معيار يكون مناسبا لطبيعة نشاط المصارف في سوق التمويل اإلسالمي. فمثال :متوسط األرباح التي تحققها المصارف اإلسالمية من عملياتها ويسمى "مؤشر األرباح المصرفية " ليكون بديال عن مؤشر سعر الفائدة العالمي ،وفي الوقت نفسه يكون معيا ار لقياس مخاطر التمويل لدى المصارف اإلسالمية. وسيستمر تطوير صناعة الصيرفة اإلسالمية بحول هللا ،ألن هناك نموا متسارعا في الطلب على خدماتها ،الستقطاب مزيد من األموال. 15
© Copyright 2026 Paperzz