تحميل الملف المرفق

‫الضوابط الشرعية ألعمال المصارف اإلسالمية‬
‫الدكتور الشيخ عالء الدين زعتري‬
‫أمين الفتوىـ وزارة األوقاف السورية‬
‫مقدمة‪:‬‬
‫في الوقت الذي يتعرض فيه اإلسالم لهجمة شرسة في الداخل والخارج بدعوى‬
‫أنه دين يحض اتباعه على العنف؛ تنمو الصيرفة اإلسالمية باضطراد في كل العالم‪.‬‬
‫األمر الذي يشعرنا بوجود ازدواجية في التعامل مع اإلسالم‪.‬‬
‫فمن جهة يتعرض المسلمون في الغرب لالضطهاد بسبب انتمائهم العقدي‪،‬‬
‫ومن الجهة األخرى تتسابق البنوك العالمية إلى اعتماد صيغة التمويل اإلسالمية‬
‫باعتبارها من أدوات الجذب االستثماري الجيدة‪.‬‬
‫فكيف يستقيم رفض الغرب لإلسالم والتخطيط لمحاربته بشتى الطرق بينما‬
‫يقبل على التجربة اإلسالمية في المصارف!! وهل التهافت على الصيرفة اإلسالمية‬
‫مبعثه القناعة بأضرار التعامالت الربوية على االفراد والمجتمع أم مجرد تقليعة أو‬
‫مطية الستقطاب استثمارات المسلمين؟!‬
‫وبلغة األرقام واإلحصاءات تشير أحد التقارير االقتصادية‬
‫(‪)1‬‬
‫أن ‪ %80‬من‬
‫المتعاملين في الصيرفة اإلسالمية حول العالم هم من غير المسلمين‪ ،‬وال بد من‬
‫التوقف كثي ار عند دالالت هذا الرقم‪.‬‬
‫وأعتقد أن الصيرفة اإلسالمية جاءت لتلبي رغبات المسلمين في تعامل بنكي‬
‫آمن من الربا وأخذت في االنتشار والتوسع السريع‪.‬‬
‫وبات من المعروف أن أهم استخدامات األموال في البنوك التجارية التقليدية‬
‫هي القروض والسلفيات التي يقدمها البنك لعمالئه مقابل فائدة محددة مقدما‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫أما المصارف اإلسالمية فيتم استخدام األموال فيها عن طريق صيغ التمويل‬
‫المتعددة والمشروعة‪ ،‬والتي تناسب كافة األنشطة؛ (تجارية‪ ،‬صناعية‪ ،‬زراعية‪،‬‬
‫عقارية‪ ،‬مهنية‪ ،‬حرفية)‪.‬‬
‫والمرء يشعر بالفخر حينما يجد منتجا إسالميا يتهافت عليه كل العالم‪ ،‬ولكن‬
‫لألسف ـ في بعض األحيان ـ قد ال نحس بقيمة منتجاتنا المصرفية اإلسالمية في‬
‫داخل محيطنا‪ ،‬فيكون حالنا حينئذ مثل الذي يملك مجموعة كهربائية قادرة على إنارة‬
‫حي بأكمله إن لم نقل العالم بأسره‪ ،‬ومع ذلك يعيش في الظالم؛ ألنه يستنكف أن‬
‫يضغط على زر التشغيل‪ ،‬أولئك الذين يخجلون من كونهم مسلمين‪ ،‬أما آن لهم أن‬
‫يرفعوا رؤوسهم؟!‪.‬‬
‫األصل الفقهي ألعمال المصارف اإلسالمية‬
‫األصل الفقهي في المعامالت‪ :‬ا ِ‬
‫لح ُّل‪.‬‬
‫منع تجاوزها‪.‬‬
‫والشريعة لم تحصر التعاقد في موضوعات ُي َ‬
‫كل ما قيَّدته الشريعة يندرج تحت منع الضرر واإلضرار‪ِ ،‬‬
‫وكف الظلم‪ ،‬وقطع‬
‫االستغالل‪.‬‬
‫الضوابط الشرعية‬
‫للعمل المصرفي اإلسالمي‬
‫ضابط العقيدة‬
‫لما كان اإليمان ال يكون بمجرد نطق باللسان‪ ,‬وانما هو عقيدة تمأل القلب‬
‫وتعمره‪ ,‬فتصدر عنها آثارها كما تصدر عن الشمس أشعتها‪.‬‬
‫َج ِل ثمار العقيدة السليمة واإليمان الكامل‪ :‬السلوك الخير لإلنسان‪ ،‬في‬
‫ومن أ َ‬
‫مختلف شؤونه الحياتية‪.‬‬
‫ولعل من آثار اإليمان ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أنه يحرر النفس من سيطرة الغير؛ أشخاصا أو ماديات‪.‬‬
‫‪ -2‬االعتقاد بأن هللا هو الرازق‪ ،‬وأن الرزق ال يعجل به حرص حريص‪ ,‬وال‬
‫يرده كراهية كاره‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪ -3‬اإليمان يرفع من قوى اإلنسان المعنوية‪ ،‬فيسمو عن الماديات‪ ,‬ويرتفع‬
‫عن الشهوات‪ ,‬ويستكبر عن لذائذ الدنيا‪ ,‬فيرى أن الخير والسعادة في النـزاهة والشرف‪,‬‬
‫وتحقيق القيم الصالحة‪ ,‬و ِمن ثَ َّم يتجه اإلنسان تلقائيا لخير نفسه‪ ,‬ولخير أمته‪ ,‬وخير‬
‫الناس جميعا‪.‬‬
‫‪ -4‬الحياة الطيبة يعجل هللا بها للمؤمنين في الدنيا قبل اآلخرة‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫َِّ ِ‬
‫‪‬وِق َِّ ِ‬
‫َح َس ُنوْا ِفي َه ِذ ِه ُّ‬
‫الد ْنَيا َح َسَنة َوَل َد ُار‬
‫َنزَل َرب ُ‬
‫ين اتََّق ْوْا َما َذا أ َ‬
‫ُّك ْم َقاُلوْا َخ ْي ار للذ َ‬
‫يل للذ َ‬
‫ين أ ْ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صالِحا‬
‫اآلخ َرِة َخ ْير َوَلن ْع َم َد ُار اْل ُمتَّق َ‬
‫ين‪[ ‬النحل‪ :‬آية ‪ ،]30‬وقال تعالى‪َ  :‬م ْن َعم َل َ‬
‫َح َس ِن َما َك ُانوْا‬
‫ِمن َذ َك ٍر أ َْو أُنثَى َو ُه َو ُم ْؤ ِمن َفَل ُن ْحِيَيَّن ُه َحَياة َ‬
‫َج َرُهم ِبأ ْ‬
‫طِيَبة َوَلَن ْج ِزَيَّن ُه ْم أ ْ‬
‫َي ْع َمُلو َن‪[ ‬النحل‪ ،]97 :‬وقال سبحانه‪َ  :‬وَل ْو أ َّ‬
‫آم ُنوْا َواتََّقوْا َلَفتَ ْحَنا َعَل ْي ِهم‬
‫َن أ ْ‬
‫َه َل اْلُق َرى َ‬
‫ٍ ِ‬
‫السماء واألَر ِ ِ‬
‫اهم ِب َما َك ُانوْا َي ْك ِس ُبو َن‪[ ‬األعراف‪:‬‬
‫ض َوَلـكن َك َّذ ُبوْا َفأ َ‬
‫َخ ْذَن ُ‬
‫َب َرَكات م َن َّ َ َ ْ‬
‫‪.]96‬‬
‫‪ - 5‬إن الخالق والموجد والمالك األصيل لكل النعم والطيبات ولكل شيء‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ات واأل َْر ِ‬
‫ض َو َما َب ْيَن ُه َما‬
‫ك َّ‬
‫في السماوات واألرض‪ ،‬هو هللا قال تعالى‪َ  :‬ولِل ُمْل ُ‬
‫الس َم َاو َ‬
‫ٍ ِ‬
‫ك َّال ِذي‬
‫َي ْخُل ُق َما َي َشاء َوّللاُ َعَلى ُك ِل َش ْيء َقدير‪[ ‬المائدة‪ ،]17 :‬وقال تعالى‪ :‬تََب َار َ‬
‫َّ ِ‬
‫ٍ ِ‬
‫ِِ‬
‫َح َس ُن‬
‫اة لَِيْبُل َو ُك ْم أَي ُ‬
‫ك َو ُه َو َعَلى ُك ِل َش ْيء َقدير * الذي َخَل َق اْل َم ْو َت َواْل َحَي َ‬
‫ِبَيده اْل ُمْل ُ‬
‫ُّك ْم أ ْ‬
‫ور‪[ ‬الملك‪1 :‬ـ ‪ ،]2‬وقد سخر الكون لخدمة اإلنسان‪ ,‬ووهبه‬
‫َع َمال َو ُه َو اْل َع ِز ُيز اْل َغُف ُ‬
‫من الوسائل واألدوات ما يعينه على االنتفاع بما فيه‪ ,‬واكتشاف ما فيه من قوى‬
‫وطاقات‪ ,‬واستغالل ذلك كله لنفع المخلوقات‪.‬‬
‫‪ -6‬لقد خلق هللا البشر واستعمرهم في األرض‪ ،‬وأن األرض بما فيها مسخرة‬
‫لهم مذللة بإذن ربهم‪ ,‬بعد األخذ باألسباب المخلوقة لهم‪ ,‬ومن ثَ َّم فإن حقوق البشر‬
‫َكم ِم َن‬
‫َنشأ ُ‬
‫وواجباتهم حددها هللا سبحانه عندما طلب منهم إعمارها‪ ,‬قال تعالى‪ُ  :‬ه َو أ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يها‪[‬هود‪.]61 :‬‬
‫األ َْرض َو ْ‬
‫استَ ْع َم َرُك ْم ف َ‬
‫ضوابط القواعد الفقهية الكلية‬
‫القاعدة الفقهية‪ :‬هي األمر الكلي المنطبق علي جميع جزئياته‪ ,‬بمعنى أن‬
‫يندرج تحت هذا األمر الكلي مجموعة من األحكام المتشابهة‪ ,‬التي يمكن إرجاعها‬
‫إلى أصل واحد‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫وقد رصد الفقهاء عددا كبي ار من القواعد الكلية وفيما يلي بيان أهم تلك‬
‫القواعد‪:‬‬
‫‪ - 1‬قاعدة األمور بمقاصدها‪:‬‬
‫وبعبارة أخرى تقاس األعمال واألقوال بمقياس النوايا الحسنة أو السيئة للفاعل‬
‫أو القائل‪.‬‬
‫وتعني أن كل قول أو عمل إنما هو بالمقصد والهدف الذي يريد صاحبه أن‬
‫يحققه‪ ,‬أو بالغاية التي يريد الوصول إليها من وراء قوله أو عمله‪ ,‬فإذا تكلم أو تحرك‪,‬‬
‫فالعبرة من كالمه أو حركته بما يقصد أو يريد‪,‬‬
‫فالعقود إذا قصد من إبرامها قصدا مشروعا كان العقد صحيحا‪.‬‬
‫أما إذا كان القصد من إبرامها غير مشروع كان العقد باطال‪.‬‬
‫‪ - 2‬قاعدة التيسير ورفع الحرج ‪:‬‬
‫وقد عبر العلماء عن هذه القاعدة بقولهم‪( :‬المشقة تجب التيسير)‪.‬‬
‫والمراد من التيسير‪ :‬التسهيل بحيث تكون األحكام الشرعية في مقدور‬
‫المكلف‪ ,‬يقوم بها من غير عسر أو حرج أي بدون مشقة‪.‬‬
‫والمراد من الحرج‪ :‬الضيق‪ ,‬فإذا صار المؤمن في حالة ال يستطيع معها القيام‬
‫بالعبادة على النحو المعتاد فإن هللا سبحانه وتعالى يرخص له في أدائها حسب‬
‫إستطاعته‪ ,‬وفي هذا رفع للحرج عن العباد‪.‬‬
‫وكلمة المشقة المقصودة هي‪ :‬تلك التي ال تكون معتادة للفرد‪ ,‬وتخرج عن‬
‫ِ‬
‫حدود االستطاعة‪ ,‬يقول هللا َّ‬
‫ف ّللاُ َنْفسا ِإالَّ ُو ْس َع َها‪[ ‬البقرة‪،]286 :‬‬
‫عز َّ‬
‫وجل‪ :‬الَ ُي َكل ُ‬
‫ويقول سبحانه‪ :‬وما جعل عَلي ُكم ِفي ِ‬
‫الد ِ‬
‫ين ِم ْن َح َرٍج‪[ ‬الحج‪ ،]78 :‬وقال رسول هللا‬
‫ََ َََ َ ْ ْ‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪" :‬إن الدين يسر ولن ُي َش َّاد الدين أحد إال َغَلَبه"‪.‬‬
‫وفي مجال المعامالت نجد القاعدة مطردة حيث جعل هللا سبحانه باب التعاقد‬
‫مفتوحا أمام العباد وجعل األصل فيها اإلباحة‪ ,‬ولم يضع من القيود إال تلك التي تمنع‬
‫الظلم أو تحر م أكل أموال الناس بالباطل ‪.‬‬
‫‪ - 3‬قاعدة الضرر يزال ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫ومعناها أن هللا عز وجل قد شرع لعباده األحكام التي تصلح أحوالهم في الدنيا‬
‫واآلخرة‪ ,‬وتزيل عنهم كل ما يضر به أو يؤذيهم‪ ,‬فإذا وقع اإلنسان في حالة من‬
‫الضرر الشديد‪ ,‬جاز له على سبيل التخلص من الضرر أن يلجأ إلى الوسيلة التي‬
‫يتفادى بها ما جلبه من ضرر ‪.‬‬
‫وأصل القاعدة ما روي عن ابن عباس رضي هللا عنهما أن رسول هللا صلى‬
‫هللا عليه وسلم قال‪" :‬ال ضرر وال ضرار"‪.‬‬
‫ومعنى (ال ضرر) أي‪ :‬ال يضر اإلنسان أخاه فينقص شيئا من حقه‪.‬‬
‫ومعنى (ال ضرار) أي‪ :‬ال يجاريه على إض ارره بإدخال الضرر عليه‪.‬‬
‫ويمكن القول‪ :‬الضرر هو االبتداء بالفعل‪ ,‬والضرار هو الجزاء عليه‪.‬‬
‫وقد تفرعت عن هذه القاعدة قواعد كلية أخرى‪ ،‬منها‪:‬‬
‫(‪ )1‬الضرورات تبيح المحظورات‪ :‬وتطبيقا لها جاز للمضطر أن يستعمل‬
‫الحرام‪ ,‬وجاز رفع العقاب عن المكره‪ ,‬وجاز للمعتدي عليه أن يدافع عن نفسه‪.‬‬
‫(‪ )2‬الضرورة تُقََّدر بقَ ْد ِرها‪ :‬فال يجوز للمضطر أن يتناول من المحرمات إال‬
‫بالقدر الالزم إلنقاذ نفسه من الهالك‪ ,‬كما ال يجوز للمعتدي عليه أن يتجاوز القدر‬
‫الالزم لرد العدوان‪.‬‬
‫(‪ )3‬الضرر ال يزال بالضرر‪ :‬ألن إزالة الضرر بمثله يعتبر إيقاعا بالضرر‬
‫على الغير‪ ،‬وهو في األصل غير جائز‪.‬‬
‫‪ - 4‬قاعدة اليقين ال يزول بالشك ‪:‬‬
‫ومعناها‪ :‬إبقاء الحكم على ما كان عليه حتى يقوم الدليل علي تقييده أو‬
‫انتفائه‪ ,‬فالحال القائم يقين مبني على دليل‪ ،‬والحال المطلوب االنتقال إليه يحتاج إلى‬
‫دليل أقوى‪.‬‬
‫وأساس القاعدة ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬قال رسول هللا‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪" :‬إذا َش َّ‬
‫ك أحدكم في صالته فلم يدر كم صلي‪ ,‬ثالثا أم أربعا؟‪,‬‬
‫فليطرح الشك‪ ,‬وليبن علي ما استيقن"‪.‬‬
‫ويتفرع عن هذه القاعدة قواعد فرعية منها‪:‬‬
‫‪5‬‬
‫وش َّ‬
‫ك في الحرام‬
‫فمن تََيَّقن الحالل َ‬
‫(‪ )1‬األصل بقاء ما كان على ما كان‪َ :‬‬
‫َّ‬
‫وشك في الحالل فهو في الحرام‪.‬‬
‫ومن تََيَّقن الحرام‬
‫فهو في الحالل‪َ ,‬‬
‫فمن ادعي أنه دائن لشخص بمبلغ معين‪ ,‬فال عبرة‬
‫(‪ )2‬األصل براءة الذمة‪َ :‬‬
‫من االدعاء المجرد‪ ،‬وانما ال بد من اإلثبات‪ ,‬فإذا لم ُيَق ِدم األدلة المثِبتَة للدين‪,‬‬
‫فاألصل براءة ذمة المدعى عليه‪.‬‬
‫(‪ )3‬األصل في األشياء اإلباحة حتى يقوم الدليل على التحريم‪.‬‬
‫‪ - 5‬قاعدة العادة ُم ْح َك َمة ‪:‬‬
‫والعادة‪ :‬هي ما اعتاده الناس وجرى عليه العرف بينهم في مكان معين وزمان‬
‫معين لفعل معين‪.‬‬
‫وتحكيم العادة ال يكون إال إذا انعدم وجود مصدر أقوى منه من ناحية‬
‫التشريع حيث ال يوجد نص من قرآن أو من سنة وال يوجد إجماع‪.‬‬
‫وقد أخذ الفقهاء دليل تحكيم العرف ما رواه أحمد من قول ابن مسعود‪" :‬ما‬
‫رآه المسلمون حسنا فهو عند هللا حسن"‪ ،‬وقد اشترط الفقهاء له شروطا‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ‪-‬‬
‫ب‪-‬‬
‫ت‪-‬‬
‫ث‪-‬‬
‫أن يكون العرف شائعا معتادا وغالبا أي ليس ناد ار‪.‬‬
‫أال يكون مخالفا لما اشترطه أحد المتعاقدين عند التعاقد‪.‬‬
‫أن يكون العرف سابقا أو مقارنا لزمن التعاقد‪.‬‬
‫أال يخالف نصا من الكتاب والسنة‪ ،‬أو حكما فيه إجماع‪.‬‬
‫وعلى ذلك فإن العرف قسمان‪:‬‬
‫القسم األول‪ :‬عرف فاسد ال يؤخذ به‪.‬‬
‫والقسم الثاني‪ :‬عرف صحيح يؤخذ به‪ ،‬ويعتبر األخذ به أخذا بأصل من‬
‫أصول الشرع‪.‬‬
‫وقد قال العلماء في هذا العرف الصحيح‪ :‬أن الثابت بالعرف ثابت بدليل‬
‫شرعي‪.‬‬
‫بالغ ْرم‪:‬‬
‫الغ ْنم ُ‬
‫‪ - 6‬قاعدة ُ‬
‫ويقصد بها‪ :‬أن الحق في الحصول على النفع أو الكسب (العائد أو الربح)‬
‫يكون بقدر تَ َح ُّمل المشقة أو التكاليف (المصروفات أو الخسائر أو المخاطر)‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫وبعبارة أخرى فإن الحق في الربح يكون بقدر االستعداد لتحمل الخسارة‪.‬‬
‫وهذه القاعدة تمثل أساسا فكريا قويا لكل المعامالت التي تقوم على‬
‫المشاركات والمعاوضات‪ ,‬حيث يكون لكل طرف فيها حقوقا تقابل أو تعادل ما عليه‬
‫من التزامات‪.‬‬
‫على أن االلتزامات تكون على ثالثة أنواع هي‪:‬‬
‫‪)1‬‬
‫التزام بمال‪.‬‬
‫‪)2‬‬
‫أو التزام بعمل‪.‬‬
‫‪)3‬‬
‫أو التزام بضمان‪.‬‬
‫وهذه هي األسباب الثالثة التي تسبب لصاحبها الحق في الحصول على‬
‫الربح أو الغنم علي ما اتفق عليه العلماء‪.‬‬
‫ومن ثَ َّم فإن لهذه القاعدة أهمية كبيرة في المعامالت المصرفية اإلسالمية‪,‬‬
‫حيث تؤثر في أمرين أحدهما‪:‬‬
‫أن يحصل المصرف على ربح أو عائد أو عوض من حيث األصل‪.‬‬
‫وثانيهما‪ :‬تحديد النسبة أو المقدار أو القيمة التي يحصل عليها‪.‬‬
‫‪ - 7‬قاعدة الخراج بالضمان ‪:‬‬
‫أصل شيء جاز له أن يحصل على ما تولد عنه‬
‫ض ِمن‬
‫ويقصد بها‪ :‬أن َمن َ‬
‫َ‬
‫من عائد‪.‬‬
‫فبضمان أصل المال‪ ,‬يكون الخراج (أي ما خرج منه) المتولد عنه جائز‬
‫االنتفاع لِ َمن ضمن؛ ألنه يكون ملزما باستكمال النقصان المحتمل الحدوث ‪ -‬إن‬
‫حدث ‪ -‬وجبر الخسارة إن وقعت‪.‬‬
‫ولهذه القاعدة عالقة بالقاعدة السابقة‪ ,‬ألنها قد تدخل تحتها من حيث أن‬
‫الخراج ( ُغ ْنم) والضمان ( ُغ ْرم)‪.‬‬
‫وال يخفي أن لهذه القاعدة أثر كبير في األعمال المالية والمصرفية حيث تؤثر‬
‫في عملية توزيع النتائج المالية في المصارف اإلسالمية‪.‬‬
‫ضوابط األكحكا الشرعية‬
‫‪7‬‬
‫يقصد باألحكام الشرعية‪ :‬خطاب هللا تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بأداء فعل‬
‫ما أو االنتهاء عنه‪ ،‬أو التخيير بين هذا وذاك‪.‬‬
‫ومن ثَ َّم كانت األحكام الشرعية التكليفية خمسة أحكام هي‪ :‬الواجب‪,‬‬
‫والمندوب‪ ,‬والمباح‪ ,‬والمكروه‪ ,‬والحرام‪.‬‬
‫وفيما يلي تعريف موجز بكل منها‪:‬‬
‫(‪ )1‬الواجب‪:‬‬
‫هو‪ :‬األمر الذي طلبه الشارع على وجه اللزوم فعله‪ ,‬بحيث يأثم تاركه‪.‬‬
‫(‪ )2‬المندوب‪:‬‬
‫هو‪ :‬ما طلب الشارع فعله طلبا غير الزم‪.‬‬
‫أو هو ما يثاب فاعله‪ ,‬وال يعاقب تاركه‪.‬‬
‫أو هو الراجح فعله مع جواز تركه‪.‬‬
‫ويسمى (النافلة)‪ ,‬أو (السنة)‪ ,‬أو (التطوع)‪ ,‬أو (المستحب)‪.‬‬
‫(‪ )3‬المباح‪:‬‬
‫هو‪ :‬تلك األمور التي تركها الشارع الحكيم دون أمر أو نهي‪ ,‬فاإلنسان فيها‬
‫ُم َخَّير بين الفعل أو الترك‪.‬‬
‫وتثبت اإلباحة بأحد أمور ثالثة‪:‬‬
‫أ‪-‬‬
‫إما بنفي اإلثم‪.‬‬
‫ب‪-‬‬
‫أو بعدم النص على التحريم‪.‬‬
‫ت‪-‬‬
‫أو بالنص على الحل‪.‬‬
‫وقد جعل هللا َّ‬
‫وجل نطاق األفعال المباحة متسعا؛ تيسي ار على البشر‪.‬‬
‫عز َّ‬
‫واألمور المباحة ال ثواب فيها على الفعل‪ ,‬وال إثم فيها على الترك‪ ,‬ويكون‬
‫إلعمال النية شأن في تحصيل الثواب في األعمال المباحة‪.‬‬
‫(‪ )4‬المكروه‪:‬‬
‫هو‪ :‬تلك األمور التي طلب الشارع الحكيم الكف عنها طلبا غير الزم؛ بأن‬
‫كان منهيا عنها‪ ,‬واقترن النهي بما يدل على أنها لم يقصد به التحريم‪.‬‬
‫و ِمن ثَ َّم يكون ترك هذا األمر مستحبا مثابا عليه‪ ,‬وان تم الفعل فال إثم عليه‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫(‪ )5‬الحرام‪:‬‬
‫هو‪ :‬ما طلب الشارع الكف عن فعله على وجه الحتم واللزوم‪ ,‬سواء كان‬
‫الدليل الذي أوجب اللزوم قطعيا أو ظنيا‪.‬‬
‫والحرام هو أمر يكون ضا ار ضر ار ال شك فيه‪ ,‬وينقسم إلى نوعين‪:‬‬
‫المحرم لذاته‪ :‬وهو ما يكون ضرره ذاتيا‪ ،‬مثل‪ :‬أكل الميتة‪ ،‬وشرب الخمر‪،‬‬
‫وفعل الزنا وارتكاب السرقة وأكل الربا وغيرها مما يمس الضروريات الخمس‪.‬‬
‫المحرم لغيره‪ :‬وهو الذي ال يكون النهي عنه ال لذاته‪ ،‬ولكن ألنه يفضي إلى‬
‫محرم ذاتي؛ كاالستقراض بفائدة ألنه يؤدي إلي الربا الذي هو محرم لذاته‪.‬‬
‫الضوابط للمؤسسات كما هي لألفراد‪:‬‬
‫إن آثار الضوابط المذكورة على أعمال المؤسسات المصرفية كبيرة‪ ,‬حيث‬
‫تكون كل معامالتها في نطاق هذه الضوابط‪ ,‬أي في إطار المشروعية اإلسالمية‬
‫ويخضع لها جميع األنشطة واألعمال كما تخضع لها المقاصد واألهداف والغايات‪,‬‬
‫والسياسات والنظم واإلجراءات‪.‬‬
‫لذلك يمكن أن نحدد أهم تلك اآلثار فيما يلي‪:‬‬
‫(‪ )1‬تأثير في صياغة األهداف والمقاصد واألولويات ‪:‬‬
‫حيث تصاغ بالشكل الذي ال يتعارض مع الضوابط الشرعية‪ ,‬ويحقق الفهم‬
‫الكامل لألولويات اإلسالمية لألمة دون التضحية بمصالح األفراد‪ ,‬وهي موازنة تقوم‬
‫على فهم مراتب المصلحة المعتبرة شرعا (من ضروريات وحاجيات وتحسينات)‪.‬‬
‫(‪ )2‬تأثير في اإلدارة الكلية لموارد المؤسسة المصرفية‪:‬‬
‫بحيث تحقق أفضل النتائج من حيث حسن استغالل للموارد البشرية والمادية‬
‫(مالية أو غير مالية)‪ ,‬فتستخدم من أساليب اإلدارة والقيادة ما ال يتعارض مع‬
‫الضوابط اإلسالمية سواء تعلق ذلك بقواعد إجارة األفراد‪ ,‬وتوظيفهم والتعامل معهم‪،‬‬
‫وتحفزهم واثابتهم وعقوبتهم وغير ذلك من سياسات الموارد البشرية‪ ,‬فتظهر المشاركة‬
‫اإلدارية‪ ,‬والعدالة‪ ,‬وتكافؤ الفرص‪ ,‬والتنمية المعرفية والمهارية‪ ,‬والمبادرات الذاتية‪,‬‬
‫والرقابة الذاتية‪ ,‬واإلنتماء للمجتمع واالعتزاز بالوطن‪ ,‬مما يجعل روح التنظيم مشبعة‬
‫بجو من التضامن والتكاتف والحرص المشترك علي النجاح وتالفي السلبيات‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫(‪ )3‬تأثير في نظم واجراءات العمل والعقود والنماذج‪:‬‬
‫حيث تصاغ جميعها في ضوء األساس الفقهي والفني المنضبط والخادم‬
‫لألهداف‪ ،‬وفي إطار من العقود الشرعية التي تحكم المعامالت المصرفية‪.‬‬
‫وهنا يجدر القول أنه ال يجب أن توجد معاملة في المصرف اإلسالمي بغير‬
‫تكييف شرعي يحكمها‪ ,‬سواء كان ذلك في إطار عقد شرعي ورد في المراجع الفقهية‬
‫(من العقود المسماة) أو عقد تم تخريجه في إطار القواعد العامة الشرعية للعقود‪.‬‬
‫(‪ )4‬تأثير في مجاالت التوظيف والخدمات‪:‬‬
‫إذ يجب أال تكون أنشطة التوظيف واالستثمار والخدمات من بين المجاالت‬
‫المحرمة أو المكروهة‪ ,‬وانما تكون في نطاق المجاالت المباحة شرعا أو المندوبة أو‬
‫الواجبة‪.‬‬
‫ويكون التنويع بينها التزاما ينبني على االستطاعة‪.‬‬
‫ومن األمثلة على المجاالت والسلع والخدمات المحرمة والمكروهة‪:‬‬
‫‪ - 1‬تجارة وصناعة الخمور والمسكرات والمخدرات وكل ما يأخذ حكمها‪,‬‬
‫ويدخل في دائرة نشاطها من خدمات نقل وتوزيع وتقديم‪.‬‬
‫‪ - 2‬تربية وتجارة الخنازير والصناعات والخدمات المرتبطة بلحومها أو‬
‫مكوناتها‪.‬‬
‫‪ - 3‬نوادي القمار والميسر وما يشبهها ويأخذ حكمها‪.‬‬
‫‪ - 4‬النوادي الليلية والمراقص‪.‬‬
‫‪ - 5‬المحالت والنوادي المخصصة للهو غير المباح المرتبط بمحرمات‬
‫ومفاسد وكالهما قرين اآلخر ال ينفك عنه‪.‬‬
‫(‪ )5‬تأثير في األساليب والوسائل المتبعة في التوظيف والخدمات‪:‬‬
‫يجب أال تكون من بين األساليب والوسائل المحرمة أو المكروهة‪ ,‬والتي‬
‫نذكر من أمثلتها ‪:‬‬
‫‪ - 1‬التعامل بالفوائد الثابتة في نشاط اإليداعات والقروض فهو من الربا‬
‫المحرم‪.‬‬
‫‪ - 2‬التعامل بالبيوع المنهي عنها شرعا‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫‪ - 3‬المعامالت التي يصاحبها الغرر والجهالة‪.‬‬
‫‪ - 4‬المعامالت التي تؤدي إلى احتكار السلع وحبسها عن التداول‪.‬‬
‫‪ - 5‬المعامالت التي يكتنفها غش وخداع وكذب وتدليس ورشوة‪.‬‬
‫‪ - 6‬بخس األثمان أو التالعب فيها‪.‬‬
‫‪ - 7‬التالعب في الموازين والمكاييل‪.‬‬
‫(‪ )6‬تأثير في كيفية توزيع النتائج‪:‬‬
‫يتم توزيع نتائج النشاط في المؤسسة المصرفية اإلسالمية في إطار العدالة‬
‫بالغرم) و(الخراج‬
‫(الغ ْنم ُ‬
‫بين األطراف التي ساهمت في تحقيقها على أساس قاعدتي‪ُ :‬‬
‫بالضمان)‪ ،‬وفي إطار العالقات الشرعية بين البنك والمودعين بغرض االستثمار‪,‬‬
‫وكذا بينه وبين الحاصلين علي تمويل بصيغ مختلفة‪.‬‬
‫(‪ )7‬تأثير في التزام المؤسسة المصرفية اإلسالمية بالمسئولية االجتماعية‬
‫واألخالقية‪:‬‬
‫يلتزم المصرف اإلسالمي بأداء الزكاة المفروضة على المال النامي في كل‬
‫عام مرة‪ ،‬والمستحقة شرعا على ُمالَّك هذا المال (مساهمين أو مودعين) والذين‬
‫ضون البنك أو يأذنون له بأداء ذلك نيابة عنهم‪.‬‬
‫ُيَف ِو ُ‬
‫وتصرف الزكاة في مصارفها الشرعية‪ ,‬وكذلك الصدقات والتبرعات‪ ,‬وما قد‬
‫يقرره ولي األمر من إنفاق إضافي لصالح المجتمع المسلم‪.‬‬
‫ضوابط المقاصد الشرعية‬
‫مقاصد الشرع من الخلق خمسة مقاصد‪ ,‬هي أن يحفظ عليهم دينهم‪ ،‬وأنفسهم‪,‬‬
‫وعقلهم‪ ،‬ونسلهم‪ ،‬ومالهم‪.‬‬
‫فكل ما يتضمن حفظ هذه األصول فهو مصلحة‪ ,‬وكل ما يفوت هذه األصول‬
‫الخمسة فهو مفسدة‪ ,‬ودفعها مصلحة‪.‬‬
‫وهذه هي المصلحة المعتبرة شرعا التي تعمل في إطار المحافظة على هذه‬
‫األصول الخمسة وصيانتها‪.‬‬
‫وقد قرر العلماء أن األحكام الشرعية هي وعاء المصالح الحقيقية‪ ,‬وأن‬
‫المصلحة المقصودة ليست مرتبة واحدة لكنها على ثالث مراتب‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫المرتبة األولى‪ :‬الضروريات‬
‫وهي التي ال تتحقق وجوه المصلحة المذكورة إال بها‪.‬‬
‫فالضروري بالنسبة للنفس هو المحافظة على الحياة‪ ,‬والمحافظة على‬
‫األطراف‪ ,‬وكل ما ال يمكن أن تقوم الحياة إال به‪.‬‬
‫والضروري بالنسبة للمال هو ما ال يمكن المحافظة عليه إال به‪.‬‬
‫وكذلك بالنسبة للنسل‪.‬‬
‫وفي الجملة فإن دفع كل ما يترتب عليه فوات أصل من األصول الخمسة‬
‫المذكورة ُي َع ُّد ضروريا‪ ,‬وقد َش َّدد الشارع اإلسالمي في حمايته‪ ,‬وأعطاه زيادة من‬
‫التأكيد‪ ,‬وأنه إذا ترتب حفظ الحياة على فوات أمر محظور أباح الشارع تناول‬
‫المحظور‪ ,‬بل أوجبه إذا لم يكن فيه اعتداء على أحد‪ ,‬ولذا أوجب على المضطر أن‬
‫يدفع الفائدة الربوية‪ ,‬تحت قاعدة‪( :‬الضرورات تبيح المحظورات)‪.‬‬
‫المرتبة الثانية‪ :‬الحاجيات‬
‫وهي التي ال يكون الحكم الشرعي فيها لحماية أصل من األصول الخمسة‪,‬‬
‫بل يقصد منه دفع المشقة أو الحرج أو االحتياط لهذه األمور الخمسة‪ ,‬كتحريم بيع‬
‫الخمر‪ ,‬لكيال يسهل تناولها‪ ,‬وتحريم االحتكار‪ ,‬واالحتيال‪ ,‬ومن ذلك إباحة كثير من‬
‫السَلم‪ ,‬والمرابحة والتولية ‪.‬‬
‫العقود التي يحتاج إليها الناس‪ ,‬كالمزارعة والمساقاة‪ ,‬و َّ‬
‫المرتبة الثالثة‪ :‬التحسينيات‬
‫وهي األمور التي ال تحقق أصل هذه المصالح‪ ,‬وال االحتياط لها‪ ,‬ولكنها ترفع‬
‫المهابة‪ ,‬وتحفظ الكرامة‪ ,‬وتحمي األصول الخمسة‪.‬‬
‫ومن ذلك بالنسبة للنفس حمايتها من الدعاوى الباطلة والسب‪ ,‬وغير ذلك مما‬
‫ال يمس أصل الحياة‪ ,‬وال حاجيات من حاجياتها‪ ,‬ولكن يمس كمالها ويشينها‪ ,‬وذلك‬
‫يلي المرتبتين السابقتين‪.‬‬
‫ومن ذلك بالنسبة لألمور المالية تحريم التغرير والخداع و َّ‬
‫صب؛ فإنه ال‬
‫الن ْ‬
‫يمس المال ذاته‪ ,‬ولكنه يمس إرادة التصرف في المال عن بِين ٍة ومعرفة‪ ,‬وادر ٍ‬
‫اك‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫صحيح لوجوه الكسب والخسارة‪ ,‬فهو ال اعتداء فيه على أصل المال‪ ,‬ولكن االعتداء‬
‫على إرادة المتصرف‪.‬‬
‫‪12‬‬
‫و َّ‬
‫أركز على المحافظة على المال‪:‬‬
‫ويكون ذلك بمنع االعتداء عليه بالسرقة والغصب ونحوهما‪.‬‬
‫وتنظيم التعامل بين الناس على أساس العدل والرضا‪.‬‬
‫وبالعمل على تنمية المال ووضعه في األيدي التي تصونه وتحفظه‪ ،‬وتقوم‬
‫على رعايته‪ ,‬فالمال في أيدي اآلحاد قوة لألمة كلها‪.‬‬
‫ولذا وجبت المحافظة عليه بتوزيعه بالقسطاس المستقيم‪.‬‬
‫وبالمحافظة على إنتاج المنتجين‪ ،‬وتنمية الموارد العامة‪.‬‬
‫ومنع أن يؤكل المال بين الناس بالباطل وبغير الحق الذي أحله هللا تعالى‬
‫لعباده‪.‬‬
‫ويدخل في المحافظة على المال كل ما شرع للتعامل بين الناس من بيوع‬
‫ومشاركات واجارات وغيرها من العقود التي يكون موضوعها المال‪.‬‬
‫إشكالية تكحتاج إلى كحل‪:‬‬
‫ما سبب استمرار ارتباط المصارف اإلسالمية بأسعار الفائدة العالمية؟ وكيف‬
‫يمكن تخلصها من ذلك؟‪.‬‬
‫عند تحديد هامش الربح الذي تحسبه وتتقاضاه المصارف اإلسالمية في‬
‫تجرى عمليات تمويل مبنية على صيغ البيوع اآلجلة كالمرابحة مثال‪ ،‬يالحظ أن هذا‬
‫الهامش يكون مرتبطا بسعر الفائدة العالمي صعودا وهبوطا‪.‬‬
‫وللتوضيح فإن هامش الربح الذي تتقاضاه المصارف اإلسالمية هو جزء من‬
‫ثمن بيع آجل صحيح‪ ،‬وهذا ال غبار عليه من الناحية الشرعية‪.‬‬
‫واالستفسار هو عن طريقة حساب هذا الهامش وسبب ارتباط عملية الحساب‬
‫بسعر الفائدة السائد في األسواق العالمية‪ ،‬وعن إمكانية وجود بديل لهذه الطريقة؟‪.‬‬
‫والواقع أن أسواق السلع والخدمات العالمية اليوم تعمل وفق سعر معياري‬
‫(استرشادي)‪ ،‬يجرى العمل به وتقاس عليه أسعار الصفقات في كل سوق حسب نوع‬
‫وجودة المنتج؛ ألن هذا يحقق لهذه األسواق االستقرار‪.‬‬
‫ففي سوق الذهب مثال يمثل سعر زيورخ معيا ار لسوق الذهب‪.‬‬
‫وفي سوق النفط يقوم سعر برميل نفط برنت في بحر الشمال بهذا الدور‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫أما في أسواق التمويل الدولية‪ ،‬فيقوم بهذا الدور سعر الفائدة السائد بين‬
‫البنوك في سوق لندن والمسمى ليبور (‪.)Libor‬‬
‫وأحيانا يقوم به السعر الذي تتقاضاه مصارف نيويورك عند إقراض أفضل‬
‫عمالئها والمسمى براي ريت ( ‪.)Prim rate‬‬
‫والمعروف أن أسعار الفائدة في األسواق العالمية تمثل الفرصة البديلة لتشغيل‬
‫أموال المصارف التقليدية‪.‬‬
‫فالمصرف الربوي يجب أن يحصل من أي عملية تمويل على عائد أعلى من‬
‫سعر الفائدة السائد في األسواق العالمية لتكون عملية التمويل التي يقوم بها مجدية‬
‫بالنسبة إليه‪.‬‬
‫لكن هذا البديل غير قائم بالنسبة إلى المصارف اإلسالمية ألنها ال تستطيع‬
‫توظيف أموالها في أسواق النقد العالمية التي تتعامل بالفوائد الربوية‪.‬‬
‫لكن نظ ار لكون المصارف اإلسالمية‪ ،‬ال تزال جزءا من هذه المنظومة‬
‫العالمية‪ ،‬فهي في تنافس مع المصارف األخرى‪.‬‬
‫لذلك فهي مرغمة في الوقت الحاضر أن تنظر لسعر الفائدة السائد في‬
‫األسواق العالمية عند تحديد هامش الربح في صيغ التمويل القائمة على البيوع اآلجلة‬
‫كعقد المرابحة وعقد التأجير‪ ،‬بحيث ال تزيد عليه كثي ار‪ ،‬واال ذهب العمالء للبنوك‬
‫التقليدية (إال من يمنعه ورعه عن ذلك)‪.‬‬
‫كما أن المصارف اإلسالمية لن تحدد هامش ربح يقل كثي ار عن أسعار‬
‫الفائدة؛ ألن المودعين لديها وكذلك مالكها سيتركونها للبنوك التقليدية (إال من يمنعه‬
‫ورعه أيضا عن فعل ذلك)‪.‬‬
‫وال شك أن هذا وضع غير مثالي‪ ،‬ولكننا نأمل أن يكون مركحليا‪.‬‬
‫فإذا أصبح هامش الربح جزءا من ثمن البيع المقطوع سواء ُدفع منجما (أي‬
‫على أقساط) أو ُدفع مرة واحدة‪ ،‬فال غبار عليه‪.‬‬
‫لكن ما ال يجوز أن تفعله المصارف اإلسالمية‪ ،‬هو أن تحدد هامش الربح‬
‫بحيث يتغير مبلغ القسط مع الزمن بتغير أسعار الفائدة‪ ،‬فهذا التصرف غير جائز‬
‫‪14‬‬
‫في عقد البيع؛ ألنه يجعل في العقد غر ار فاحشا مفسدا له‪ ،‬كما أن فيه زيادة في َدين‬
‫ثبت في ذمة المدين ال يجوز تغييره‪.‬‬
‫فاعتبار المصارف اإلسالمية لما يجرى لسعر الفائدة في األسواق العالمية‬
‫عند تحديد هوامش الربح – حتى دون التعامل به ‪ -‬هو أمر غير مستساغ ومناف‬
‫للذوق اإلسالمي‪ ،‬وقد يثير شك عامة الناس في مدى إسالمية عملها‪ ،‬وبخاصة‬
‫أولئك الذين ال يعون تفاصيل العقود اإلسالمية‪.‬‬
‫بل يخشى أن تضطر بعض المصارف اإلسالمية إلى ِ‬
‫"ح َـي ٍل" يكون بعضها‬
‫ُ‬
‫غير مقبول شرعا؛ كأن تدخل ترتيبا يؤدي إلى تغير عائد االستثمار مع تغير أسعار‬
‫الفائدة العالمية‪ ،‬بسبب حرصها على عدم االنفصال عن مستويات تلك الفائدة‪ ،‬مثل‬
‫أن تقوم بربط األقساط في عقد التأجير المنتهي بالتمليك بمعدل سعر الفائدة المسمى‬
‫(ليبور)‪.‬‬
‫جزء من الكحل‪:‬‬
‫إن تخلص المصارف اإلسالمية من هذه الظاهرة يعتمد على تقليص عملياتها‬
‫المعتمدة على البيوع اآلجلة ِ‬
‫المولدة للديون‪ ،‬واتجاهها أكثر لتطبيق صيغ المشاركات‪.‬‬
‫وال تزال المصارف اإلسالمية بحاجة إلى تطوير مؤشر أو معيار يكون مناسبا‬
‫لطبيعة نشاط المصارف في سوق التمويل اإلسالمي‪.‬‬
‫فمثال‪ :‬متوسط األرباح التي تحققها المصارف اإلسالمية من عملياتها ويسمى‬
‫"مؤشر األرباح المصرفية " ليكون بديال عن مؤشر سعر الفائدة العالمي‪ ،‬وفي الوقت‬
‫نفسه يكون معيا ار لقياس مخاطر التمويل لدى المصارف اإلسالمية‪.‬‬
‫وسيستمر تطوير صناعة الصيرفة اإلسالمية بحول هللا‪ ،‬ألن هناك نموا‬
‫متسارعا في الطلب على خدماتها‪ ،‬الستقطاب مزيد من األموال‪.‬‬
‫‪15‬‬