العالم اإلسالمي وتحديات التنمية المستدامة
_منظمة اإليسيسكو
مقدمة
ازداد االهتمام بقضايا البيئة ،ومشكالتها في الوقت الحاضر ،بعد أن نمت مهارة
اإلنسان ،أكثر مما نمت لديه الحكمة والعقالنية ،وبعد أن أصبحت المشكالت البيئية
واقعا ً يتهدد حياة اإلنسان حاليا ً ومستقبالً ،ما لم يتدارك ويعدل من سلوكه الخاطىء
بفطنة وذكاء.
ومن المسلم به أن اإلنسان لو التزم بتوجيهات اإلسالم ،ونفذ أوامره واجتنب نواهيه،
اَّلل سبحانه
لتخلص من كل أسباب المشكالت البيئية ،والنتفت من الوجود ،ذلك ،أن ه
مايضر بها ،ويوردها
وتعالى خالق النفس البشرية ،يعلم ما يصلح أمرها ،وكذلك
ُ
اَّلل العظيم ،إذ يقول في كتابة الكريم { أالَ يَ ْعلَ ُم َم ْن َخلَقَ َو ُه َو ََ
المهالك ،وصدق ه
يف ا ْل َخ ِبير }( .سورة الملك ،آية .) 14:
الله ِط ُ
ولقد عالج اإلسالم كل قضايا البيئة ،بنظرة شمولية متكاملة ،دون الدخول في
ب
التفاصيل الدقيقة ،وصدق ه
اَّلل العظيم ،إذا يقول في كتابة الكريم { َما فرطنا ِفي ال ِكتَا ِ
ش ْيء } (سورة االنعام ،آية .)38 :
ِمن َ
علَى ش َِريعَ ٍة َم َن األ َ ْم ِر فَاتبِ ْع َها }
وقوله سبحانه وتعالى في سورة أخرى { ث ُ هم َجعَ ْلنَاكَ َ
( سورة الجاثية ،آية .)18:
كذلك عالجت السنة النبوية متمثلةً فى أحاديث الرسول ،صلى هللا عليه وسلم ،ماجاء،
ق ع َِن ا ْل َه َوىْ ،
إن ُه َو
ينط ُ
اَّلل العظيم ،إذا يقول { َو َما ِ
مجمالً في القرآن الكريم ،وصدق ه
ي يُو َحى } ( سورة النجم ،اآليتان 3 :و.)4
إال ه َوحْ ّ
وتشتمل الدراسة على أربعة فصول :
1
الفصل األول :ويناقش مفهوم البيئة ومكوناتها من وجهة نظر إسالمية ،كما وردت
في القرآن الكريم والحديث الشريف ،بطريقة إجمالية أو تفصيلية.
الفصل الثاني :ويتعرض لمفهوم التنمية المستدامة ،والظروف التي أدت إليها،
وتعريفها ،ومقوماتها ،وضوابطها بالنسبة للنظم البيئية الطبيعية ،وبالنسبة للمحيط
االجتماعي.
الفصل الثالث :ويفسر أسس ومقومات التنمية المستدامة من المنظور اإلسالمي ،ثم
بعد ذلك تعريفها.
الفصل الرابع :ويحلل بعض المعوقات األساس للتنمية المستدامة ،ومطالب دول
العالم اإلسالمي من قمة التنمية المستدامة العالمية.
الفصل األول
مفهوم البيئة ومكوناتها من وجهة نظر إسالمية
أ ) مفهوم البيئة :
تعرف البيئة بأنها الوسط أو المجال المكاني الذي يعيش فيه اإلنسان بما يتضمن من
ظواهر طبيعية وبشرية يتأثر بها ويؤثر فيها ،ويستمد منه مقومات حياته من غذاء
وكساء ودواء ومأوى ،ويمارس فيه عالقاته مع من سواه ،ويرى أحد علماء البيئة
البارزين :أن البيئة هي مجموعة الظروف والمواد والتفاعالت التي تجتمع في الحيز
الذي توجد فيه الحياة .الظروف :تشمل أحوال المناخ من الحرارة والرطوبة
والضوء ،واألحوال الكونية كالجاذبية األرضية .المواد :تشمل األرض وما يتصل بها
م ن مكونات الصخور ،والمياه الجارية في األنهار والتي تمأل البحار ،ومنتجات الحياه
من األوراق واألخشاب والثمار والفراء وغيرها ،والتفاعالت التي تجري في هذا
2
اإلطار بعضها فيزيقي كالتحوالت الكيميائية ،وبعضها حيوي يتصل بنمو الكائنات
الحية ،ومدى هذه التفاعالت قد يكون محليا ً موضوعيا ً بين الكائن الفرد وماحوله ،وقد
يكون واسع المدى كدورات المياه وحركة الرياح ،كذلك قد يكون الحيز الذي ننظر إليه
محدوداً ،وقد يتسع ليشمل المحيط الحيوي جميعا ً أي الحيز الذي توجد فيه الحياة
وهو المـحيط الغـازي
Atmosphereوالمحيط المائي Hydrosphere
والمحيط اليابس ،Lithosphereأي أن للبيئة ثالثة أبعاد ،البعد األيكولوجي،
والبعد االجتماعي االقتصادي ،والبعد االجتماعي الثقافي ( النظام القيمي) ،لذا فإن
اإلنسان في واقع األمر يعيش في بيئة تتكون من ثالثة محيطات ( متداخلة) متفاعلة،
تتبادل التأثر والتأثير ،وهي :
اَّلل ،اإلنسان فيها
المحيط الحيوي :وهو بيئة الحياة الفطرية أو األصلية التي أوجدها ه
بين صور الحياة األخرى.
المحيط المصنوع :ويتكون مما أنشأه اإلنسان في البيئة.
المحيط االجتماعي :وهو النظام الذي تدير في إطاره المجتمعات البشرية شؤون
حياتها االجتماعية واالقتصادية ،من قبيل األعراف االجتماعية والشؤون اإلدارية
والتشريعات والمؤسسات االجتماعية واالقتصادية.
وينظر إلى البيئة على أنها نظام وظيفي ،يعمل بشكل متكامل وعبر عالقات متبادلة
بين مكوناته العضوية ،وغير العضوية .وللنظام البيئي مدخالت ،ونقل وتخزين،
ومخرجات من الطاقة والموارد األساس ،تعمل في الظروف الطبيعية ،وعندما
يضطرب النظام البيئي بفعل اإلنسان ،فإنه يميل في البداية إلى إعادة تنظيم ذاته ،فمن
خالل عملية التعاقب مثالً يتجه الغطاء النباتي إلى تكوين مجتمع نباتي مستقر ثابت،
وذلك تبعا ً للطاقة المتدفقة ،وتشير ظروف الثبات في النظم البيئية إلى التوازن
الديناميكي بين المدخالت من الطاقة والمادة وبين المخرجات منها.
3
وفي ضوء التعريف السابق يمكن النظر إلى البيئة على أنها تتكون من نظامين
أساسين ( )5هما البيئة الطبيعية والبيئة الحضارية.
البيئة الطبيعية :
ويقصد بها األرض والماء والهواء ،والكائنات الحية النباتية والحيوانية ،بما في ذلك
العمليات الطبيعية المختلفة الناتجة عن تفاعل عناصر النظام الطبيعي لإلنسان.
البيئة الحضارية :
ويقصد بها النظـام الذي أوجده اإلنسان في الوسط الطبيعي مثل النظم الحضارية
والريفية بما في ذلك المباني والشوارع والمصانع والزراعة والتكنولوجيا،
والمؤسسات االجتماعية واالقتصادية والتنموية وغيرها من األنشطة التي تهدف إلى
إشباع حاجات اإلنسان المعيشية ورغباته ،وكذلك وسائل معالجته للمشكالت الناجمة
من خالل عالقاته مع الوسط الطبيعي ،ومدى استجابته وتوافقه مع تلك المشكالت.
ومن الصعوبة بمكان ،بل ومن المستحيل الفصل بين النظم الطبيعية والنظم الحضارية
:إذ استطاع اإلنسان منذ ظهوره على وجه األرض وخالل مراحل تطوره الحضاري
أن يؤثر في معظم أو كل النظم الطبيعية من خالل تفاعله معها ،وتعديل بعضها،
واعتماده على الموارد البيئية المختلفة في تلبية حاجاته الحياتية كالضوء والحرارة
والغذاء والمأوى والمياه والهواء.
ب ) مكونات النظام البيئي الطبيعي :
إذا أخذنا بعين االعتبار كوكب األرض ،فإنه يمكن اعتباره نظاما ً في الدرجة العالية،
ويتكون من أربعة نظم فرعية أساس ،هي :
4
النظام األرضي ـ النظـام الجوي ـ النظام المائي ـ النظام الحيوي .وهذه النظم الفرعية
األساس ،كل نظام منها يتكون من عدة أنظمة فرعية أخرى تتفاعل فيما بينها بعالقات
شبكية.
النظام األرضي :
يعرف النظام األرضي على أنه القشرة العليا من سطح األرض ( طبقة السيال) التي
يع يش عليها اإلنسان ،يتفاعل مع عناصرها وال يتجاوز عمق القشرة التي يهتم بها
اإلنسان بضعة أمتار ،أو مئات األمتار ،وتوجد بها كافة المعادن ،باستثناء بعض اآلبار
االرتوازية التي يصل عمقها إلى ثمانية كيلو مترات ،وكذلك آبار النفط وبعض
المناجم.
إن الخالق عظمت قدرته حينما هيأ األرض لسكنى اإلنسان ،جعلها مناسبة ومالئمة
لحياته ،فأنبت له الشجر والزرع ،وأجرى له األنهار ،وسخر له الليل والنهار
والشمس والقمر وزوده بنعمة العقل ،وجعل الطبيعة في خدمته قال تعالى :
سبَاتاً،
{ أَلَ ْم نَجْ عَ ِل األرض ِم َهادا ً َ ،وا ْل ِجبَا َل أ َ ْوتَآدا ً َ ،و َخلَ ْقنَا ُك ْم أ َ ْز َواجا ً َ ،و َجع ْلنا نَ ْو َم ُك ْم ُ
س َراجا ً
سبْعا ً شدادا ً َ ،و َجعَ ْلنَا ِ
ار َمعَاشا ً ،وبنينا فَ ْوقَ ُك ْم َ
َو َجعَ ْلنَا الله ْي َل ِلبَاسا ً َ ،و َجعَ ْلنَا النه َه َ
ت أ َ ْلفآفا ً }،
ت َمآ ًء ث َ هجاجاً ،لنُ ْخ ِر َج ِب ِه َحبّا ً َونَ َباتا ً َ ،و َجنها ٍ
َو ههاجا ً َ ،وأَنز ْلنَا ِم َن ا ْل ُم ْع ِص َرا ِ
(سورة النبأ ،اآليات.)6-16 :
اَّلل حيث يقول في كتابه الكريم :
وخالق األرض هو ه
س ِه ْم َو َما كُنتُ ُمتهخذَ ََ ا ْل ُم ِض ِلّ َ
{ هماأ َ ْ
ين
اوا ِ
ض َوالَ َخ ْلقَ أ َ ْنفُ ِ
ش َهدت ُّ ُه ْم َخ ْلقَ ال ه
ت َواأل َ ْر ِ
س َم َ
واَّلل خلق اإلنسان من تراب .من طين ..من حمإ
َ
عضُدا ً } (سورة الكهف ،اآلية ) 51:ه
مسنون ..من صلصال كالفخار ..ثم نفخ فيه من روحه ،فأصل اإلنسان ومقومات
حياته من األرض ..من الطين ..هذه القشرة األرضية الخصبة هي التي تعطي كل
مقومات الحياة التي نعيشها ،ولقد حلل العلماء جسد اإلنسان ،فوجدوه مكونا ً من
5
عنصرا ً أولها األوكسجين وآخرها المنجنيز ،والقشرة األرضية الخصبة مكونة من
نفس العناصر ،إذ أن عناصر الطين المخصب هي نفس عناصر جسم اإلنسان.
اَّلل سبحانه وتعالى اإلنسان بعدم اإلفساد في األرض ،حيث قال في كتابه
وقد أمر ه
الكريم :
صالَ ِح َها َوا ْدعُوهُ َخ ْوفا ً َو َ
طمعا ً ه
يب ِ ّم َن
ض َب ْعدَ إ ْ
إن َرحْ َم ََةَ ه ِ
{ َوالَ ت ُ ْف ِ
اَّلل قَ ِر ٌ
سدُواْ ِفي األ َ ْر ِ
س ِن َ
ين } (سورة األعراف ،اآلية.)56 :
ا ْل ُمحْ ِ
ض َوتُقَ ِ ّ
طعُواْ أ َ ْر َحا َم ُك ْم } ( سورة محمد،
{ فَ َه ْل َ
س ْيت ُ ْم إن ت َ َوله ْيت ُ ْم أَن ت ُ ْف ِ
ع َ
سدُوا فِي األ َ ْر ِ
اآلية.)22 :
سد َ
ِين } (سورة المائدة ،اآلية.)64 :
ب ا ْل ُم ْف ِ
اَّللُ الَ ِ
{ َويَ ْ
ض فَ َ
سادا ً َو ه
يح ُّ
األر ِ
سعَ ْو َن فِي ْ
ومظاهر إفساد اإلنسان في الغالف األرضي تتجلى في إهدار التربة والتصحر وعدم
تسوية األرض بعد التنقيب عن المعادن ..إلخ .لقد نمت لدى اإلنسان المهارة أكثر مما
نمت لديه الحكمة والعقالنية.
النظام المائي ( الهيدرولوجي) :
ويشتمل على الماء في حاالته الثالث الغازية والسائلة والصلبة ،سواء أكان موجودا ً
في الهواء أو على سطح األرض أو في داخل األرض.
ولقد ذكر الماء في القرآن في ثالثة وستين موضعاً ،تندرج تحت التصنيفات التالية:
الماء أول الموجودات :
اَّلل تعالى في محكم كتابه :
يقول ه
{وك َ
ع َمالً } (سورة هود ،اآلية )7:
س ُن َ
شهُ َ
َان ع َْر ُ
علَى ا ْل َم ِ
اء ِليَ ْبلُ َو ُك ْم أَيُّ ُك ْم أَحْ َ
َ
6
اَّلل ولم يكن شيء قبله ،وكان عرشه على الماء ،ثم خلق
اَّلل ص ( :كان ه
وعن رسول ه
السموات واألرض ،وكتب في الذكر كل شيء ) ،أخرجه الترمذي".
الماء تعتمد عليه كل الكائنات :
اَّلل تعالى :
يقول ه
اء ُك هل شَي ٍ ّء َحي أَفَالَ يُ ْؤ ِمنُ َ
ون } (سورة األنبياء ،اآلية .)30 :
{ َو َجعَ ْلنَا ِم َن الّ َم ِ
أثبتت األبحاث أن جسم اإلنسان يحتوي على 70%من مكوناته من الماء ،فإذا
تناقصت هذه النسبة ،تعرضت أجزاؤه للمرض ،فإذا وصلت نسبة الفقد إلى 20%
اَّلل العظيم القائل في كتابه الكريم:
تعرض للموت ،وأصل اإلنسان من ماء ،وصدق ه
سبا ً َو ِصهْرا ًَوك َ
َان َربُّكَ َقدِيرا ً } (سورة
{ َو ُه َو الهذي َخلَقَ ِم َن الّ َماء بَشَرا ً فجعله نَ َ
الفرقان ،اآلية.)54 :
الماء سبب إنبات كل شيء :
حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى :
ش ْي ٍء } (سورة األنعام ،اآلية:
اء َما ًء فَأ َ ْخ َرجْ نَا ِب ِه َن َباتَ ُك هل َ
س َم ِ
{ َو ُه َو الهذِي أَنَ َز َل ِم َن ال ه
.)99
يم ٍَ } (سورة لقمان ،اآلية:
س َم ِ
{ َوأَنَ َز ْلنَا ِم َن ال ه
اء َما ًء فَأ َ ْن َبتْنَا فِي َها ِمن ُك ِ ّل َز ْوجٍ ك َِر ٍ
.)10
الماء مصدر تنوع الحياه النباتية على األرض:
حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى :
7
ت ُّم ْخت َ ِلفا ً أ َ ْل َوانُ َها } (سورة
ماء َما ًء فَأ َ ْخ َرجنَا َ بِ ِه ث َ َمرا ٍ
س ِ
اَّلل أ َ ْن َز َل ِم َن ال َ
{ أَلَ ْم ت َ َر أ َ هن ه َ
فاطر ،اآلية.)27:
الماء مصدر الرزق :
حيث يقول هللا تعالى :
{ َوأ َ َ
ت ِر ْزقا ً لَ ُك ْم } ( سورة البقرة،
اء َما ًء فَأ َ ْخ َر َج ِب ِه ِم َن الث ه َم َرا ِ
س َم ِ
نز َل ِم َن ال ه
اآلية.)22:
الماء مصدر للشرب :
عظة واعتبارا ً للبشر ،حيث يقول سبحانه وتعالى :
{ أَفَ َرأ َ ْيتُم ا ْل َما ُء الهذي تَش َْربُون ،أَأَنت ُ ْم أ َ َ
نزلُونْ ،و نَشَا ُء
نز ْلت ُ ُمو ُه ِم َن ا ْل ُم ْز ِن أ َ ْم نَحْ ُن ا ْل ُم ِ
شك ُُر َ
َجعَ ْلنَاهُ أ ُ َجاجا ً فَلَ ْوالَ ت َ ْ
ون } (سورة الواقعة ،اآليات .)70 - 68 :
اَّلل:
الماء مورد لالستغاثة لتذكر ه
قال تعالى :
ض هل َمن ت َ ْدع َ
ض ُّر فِي ا ْلبَحْ ِر َ
س ُك ُم ا ْل ُّ
ُون إاله ِإيهاهُ} (سورة اإلسراء ،اآلية.)67:
{ َو ِإذا َم ه
اء } (سورة األعراف،
اب ا ْل َجنه ِة أ َ ْن أَفِيضُواْ َ
اب النه ِار أَ ْ
{ َونَادَى أ َ ْ
علَ ْينَا ِم َن ا ْل َم ِ
ص َح َ
ص َح ُ
اآلية.)50 :
ست َ ِجيبُ َ
ِين يَ ْدع َ
{ َوالهذ َ
ون لَ ُهم بِ َ
س ِط َكفه ْي ِه إلى ا ْل َم ِ
ش ْي ٍء إال ه َكبَا ِ
ُون ِمن دُونِ ِه الَ يَ ْ
اء ِليَ ْبلُ َغ فَاهُ
َو َما ُه َو بِبَا ِل ِغ ِه } (سورة الرعد ،اآلية.)14 :
الماء وعد ووعيد :
اَّلل تعالى :
قال ه
8
صبَ َح ْ َما ُؤ ُك ْم َ
اء هم ِعين} ( سورة الملك ،اآلية :
{ قُ ْل أ َ َرأ َ ْيت ُ ْم إن أ َ ْ
غ ْورا ً فَ َمن يأْتي ُك ْم بِ َم ٍ
.)30
الماء مصدر رهبة ورجاء:
اَّلل تعالى :
قال ه
{ ُه َو الهذي يُريكُم ا ْلبَ ْرقَ َخ ْوفا ً َو َ
آب ال ِث ّقَا َل } (سورة الرعد،
ط َمعا ً َويُ ْنشي ُء ال ه
س َح َ
اآلية.)12:
{و ِم َن آياتِ ِه يُري ُك ُم ا ْلبَ ْرقَ َخ ْوفآ ً َو َ
ض بَ ْعدَ
س َما ِء ما ًء فَيُحْ ِيي ِب ِه األ َ ْر َ
ط َمعا ً َويُنَ ِ ّز ُل ِم َن ال ه
َ
َم ْوتِ َها } (سورة الروم ،اآلية.)24 :
اَّلل
الناس في حاجة إلى تخزين الماء على مدار العام في آبار أو عيون ،حيث يقول ه
تعالى :
ب بِ ِه ِلقَاد ُِرون }
ض َوإنها َ
اء َما ًء بِقَد َِر فأ َ ْ
س َم ِ
{ َوأ َ ْن َز ْلنَا ِم َن ال ه
األر ِ
س َكنهاهُ في ْ
علَى ذَ َها ٍ
(سورة المؤمنون ،اآلية.)18 :
ون} (سورة يس،
{ َو َجعَ ْلنَآ فِي َها َجنها ٍ
ت ِم ْن نه ِخي ٍل َوأ َ ْعنَا ٍ
ب وفجرنا فِي َها ِم َن ا ْلعُيُ ِ
اآلية.)34:
ار تَجْ ِري ِمن تحتهم } (سورة األنعام،
س َما َء َ
س ْلنَا ال ًّ
{ َوأ َ ْر َ
ع ْلي ِْهم همد َْرارا ً َو َج َع ْل َنآ األ َ ْن َه َ
اآلية.)6:
الماء سبب للهالك :
حيث يقول ربنا الكريم :
علَى أ َ ْم ٍر قَ ْد
عيُونا ً فَا ْلتَقَى الَما ُء َ
ض ُ
اء ُّم ْن َه ِم ٍر َ ،وفَ هج ْرنَا األ َ ْر َ
اء بِ َم ِ
س َم ِ
اب ال ه
{ فَفَتَحْ نَا أَب َْو َ
قُد َِر } (سورة القمر،اآليتان .)11-12:
9
{ َواتْ ُر ِك ا ْلبَحْ َر َر ْهوا ً إِنه ُه ْم ُجندٌ ُّم ْغ َرقُون } (سورة الدخان ،اآلية.)24:
الماء مصدر للتعذيب يوم القيامة :
اَّلل تعالى :
قال ه
صدِي ٍد } (سورة إبراهيم ،اآلية.)16:
اء َ
س َقى ِمن هم ٍ
{ ِ ّمن َو َرآئه َج َهنه ُم َويُ ْ
سقُواْ َما ُء َح ِميما ً فَ َق ه
ط َع أ َ ْم َعا َء ُه ْم } (سورة محمد ،اآلية.)15:
{ َو ُ
الماء سبب للتكاثر والخلود :
اَّلل العظيم القائل في كتابه الكريم :
وصدق ه
{ ف ْليَن ُ
ب}
َافق ،يَ ْخ ُر ُ
ج ِمن بَي َْن ال ُّ
سا ُن ِم هم ُخ ِلق ُ ،خلِقَ ِمن هم ِ
ظ ِر اإلن َ
ب َوالت ه َرآئِ ِ
ص ْل ِ
اء د ٍ
(سورة الطارق ،اآليات . ) 5-7 :
الماء وسيلة انتقال :
حيث يقول ربنا الكريم :
ي ا ْلفُ ْلكُ ِفيه بأ َ ْم ِر ِه َو ِلت َ ْبتَغُواْ ِمن فَ ْ
ض ِل ِه َولَعَله ُك ْم
اَّللُ الهذي َ
{ ه
س هخ َر لَ ُك ُم ا ْلبَحْ َر ِلتَجْ ِر َ
شك ُُر َ
تَ ْ
ون } (سورة الجاثية ،اآلية ..)12 :
الماء مصدر للغذاء :
اَّلل العظيم القائل
الماء مصدر الينفد لألطعمة المائية والبروتينات الحيوانية ،وصدق ه
في محكم كتابه :
ص ْيدُ ا ْلبَحْ ِر َو َ
طعَا ُمهُ َمتَاعا ً لَ ُك ْم } (سورة المائدة ،اآلية .)96 :
{ أ ُ ِح هل لَ ُك ْم َ
10
ج َو ِمن ُك ٍ ّل تَأ ْ ُكلُ َ
ون
سائِ ٌغ ش ََرابُهُ َو َهذَا ِم ْل ٌح أ ُ َجا ٌ
{ َو َما ي ْ
ب فُ َراتٌ َ
ان َهذَا ع َْذ ٌ
ست َ ِوي ا ْلبَحْ َر ِ
لَحْ ما ً َ
ست َ ْخ ِر ُج َ
سونَ َها } (سورة فاطر ،اآلية .)12 :
ط ِريّا ً َوت َ ْ
ون حِ َِ ْليَةً تَ ْلبَ ُ
الماء بشارة خير ورحمة وطهارة وبركة وحياة للناس :
حيث يقول سبحانه وتعالى :
اء َما ًء َ
ط ُهورا ً }
س َم ِ
س َل الرياح بُش َْر ََ ا بي َْن يَد َْي َر ْح َمتِ ِه َوأَنز ْلنَآ ِم َن ال ه
أر َ
{ َو ُه َو الهذي ْ
(سورة الفرقان ،اآلية)48 :
اء َما ًء ِلّيُ َ
ط ِ ّه َر ُك ْم ِب ِه } (سورة األنفال ،اآلية .)11:
{ َويُنَ ِ ّز ُل َ
س َم ِ
علَ ْيكُم ِ ّمن ال ه
ب ا ْل َح ِصي ِد } (سورة ق ،اآلية
اركا ً فَأنَبتْ َنا بِ ِه َِ َجنها ٍ
س َم ِ
{ َونَ هز ْلنَا ِم َن ال ه
ت َو َح ه
اء َمآ ًء ُّم َب َ
.)9:
الماء يذهب الخطايا والذنوب :
اَّلل ص قال ( :إذا توضأ العبد المسلم ـ المؤمن ـ فغسل
عن أبي هريرة أن رسول ه
وجهه ،خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء ـ أو مع آخر قطر الماء
ـ فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر
قطر الماء ،فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجاله مع الماء ـ أو مع آخر
قطر الماء ـ حتى يخرج نقيا ً من الذنوب ) أخرجه مسلم.
وبعد كل هذه االستخدامات للماء ..أال يتعظ اإلنسان حامل األمانة؟ أفال يتدبر ويتفكر
في نتائج تلويثه لمصادر المياه !..والتي تجلب إليه األمراض الخبيثة حاليا ً ومستقبالً،
اَّلل العظيم ،القائل في كتابه الكريم:
وصدق ه
ُور } (سورة الحج ،اآلية :
وب اله ِتي فِي ال ُّ
{ فَ ِإنه َها الَت َ ْع َمى األ َ ْب َ
ار َولَ ِك َن ت َ ْع َمى ا ْلقُلُ ُ
ص ُ
صد ِ
.)46
11
ْص ُر َ
وب الهيَ ْفقَ ُه َ
ون ب َها } (سورة األعراف ،اآلية :
{ لَ ُه ْم قُلُ ٌ
ون بِ َها َولَ ُه ْم أ َ ْعيُ ٌن ال ه يُب ِ
.)179
النظام الجوي :
يحيط بالكرة األرضية غالف جوي ( أو ما يسمي بالهواء) يتكون أساسا ً من غازي
النيتروجين واألوكسجين ،ويمتد هذا الغالف الجوي إلى عدة مئات من الكيلومترات
فوق سطح األرض؛ وتقل كثافته باالرتفاع إلى درجة كبيرة ويتكون الغالف الجوي من
طبقات رئيسة تتداخل في بعضها البعض .وهذه الطبقات هي:
أ) التربوسفير :أو الطبقة السفلى من الغالف الجوي ،وتمتد من سطح األرض حتى
ارتفاع 12كيلومترا ً تقريباً ،وفي هذه الطبقة تحدث معظم التغيرات الجوية التي
نلمسها يومياً ،وتقل فيها درجات الحرارة مع االرتفاع ،وهذه الطبقة تحتوي على
معظم بخار الماء واألوكسجين وثان أكسيد الكربون ،وتتركز فيها أنشطة اإلنسان.
ب) االستراتوسفير :وهي الطبقة التي تعلو التروبوسفير ،وتمتد من ارتفاع 12إلى
80كيلومترا ً تقريبا ً فوق سطح األرض ،وتتميز هذه الطبقة بخلوها من التقلبات
المختلفة أو العواصف ،ويوجد بها حزام يعرف بطبقة األوزون التي تحمي سطح
األرض من مخاطر األشعة فوق البنفسجية.
ج) األيونوسفير :وهي الطبقة التي تعلو االستراتوسفير من ارتفاع 80كيلومترا ً
تقريبا ً وحتى 360كيلومترا ً أو أكثر ،وتتميز بخفة غازاتها ،ويسود فيها غاز
اَّلل العظيم ،إذ يقول في كتابه الكريم:
الهيدروجين والهليوم ،وصدق ه
{ فَقَ َ
اء أ َ ْم َر َها } (سورة فصلت،
اوا ِ
س َم ِ
ت فِي يَ ْو َمي ِْن َوأ َ ْو َحى ِفي ُك ِ ّل َ
س ْب َع َ
ضا ُه هن َ
س َم َ
اآلية .)12 :
يتكون الهواء في طبقته السفلى من عدة غازات إضافة إلى بخار الماء ،وبعض
الجسيمات الدقيقة ( األتربة والرذاذ) ،والهواء الجاف غير الملوث يتكون من 78%
12
غاز النيتروجين 21% ،أوكسجين وحوالي 0,09%غاز أرجون ،والبقية من غازات
شحيحة مثل غاز ثاني أكسيد الكربون والنيون والهليوم والهيدروجين والميثان
وغيرها ،إضافة إلى هذا يحتوي الهواء على نسب مختلفة من بخار الماء ،نتيجة
للتبخر من السطوح المائية ومن التربة ومن النباتات ،كما تعلق في الهواء كميات
هائلة من الغبار (األتربة) التي توجد بصورة مرئية للعين ،ويختلف وجودها من
منطقة إلى أخرى ،فتزداد بالقرب من المناطق الصحراوية ،خاصة في مواسم معينة (
مثل الخماسين) كما أن الغبار في الطبقات السفلى من الهواء أكثر مما في الطبقات
العليا.
وقد احتفظ الهواء المحيط بالكرة األرضية بتركيبه ثابتاً ،بالرغم من األنشطة الحيوية
التي تجري على سطح األرض ،فاإلنسان ،وكذلك الحيوان ،يستهلكان األوكسجين
بعملياته الحيوية ،ويعطي ثاني أكسيد الكربون ،ولكن النبات يستعمل ثاني أكسيد
الكربون في عمليات التمثيل ( أو البناء) الضوئي فيحتفظ لنفسه بالكربون ،ويعيد إلى
الهواء غاز األوكسجين ،فإذا زادت نسبة أكسيد الكربون في الهواء ،فإن الفائض
يذوب في المسطحات المائية ـ البحار والمحيطات ،ويتفاعل مع أمالح الكالسيوم
الذائبة فيها ،ومن ثم يترسب في صورة كربونات كالسـيوم (التي تكون األحجار
الجيرية) .هذه التفاعالت الطبيعية التي تُعرف بالدورات الجيوكيميائية ـ أدت إلى
وجود حالة من التوازن ،احتفظ معها الهواء بتركيبه ثابتا ً على مر األزمان ،ومن هنا
اَّلل سبحانه وتعالى يدعونا إلى التفكر في معجزة خلق السموات ،وإعمال العقل
فإن ه
في هذا اإلعجاز ،وذلك بقوله سبحانه وتعالى :
س هوا َها } (سورة النازعات ،اآليتان
{ أأنت ُ ْم أ َ َ
س ْم َك َها فَ َ
س َما ُء بَ َنا َها َرفَ َع َ
شدُّ َخ ْلقا ً أ َ ِم ال ه
27:و.)28
ض َو َما َب ْينَ ُه َما الَ َ
عبين } (سورة األنبياء ،اآلية .)16 :
س َما َء
واألر َ
{ َو َما َخل ْقنَا ال ه
ْ
13
س ْقفا ً همحْ فُوظا ً َو ُه ْم ع َْن آياتِ َها ُم ْع ِرض َ
ُون } ( سورة األنبياء ،اآلية :
س َماء َ
{ َوجعَ ْلنَا ال ه
.)32
آطالً } (سورة ص ،آية.)27:
س َما َء َواأل َ ْر َ
ض َو َما َب ْينَ ُه َم ََا بَ ِ
{ َو َما َخلَ ْقنَا ال ه
لكن منذ أن عرف اإلنسان النار ،واستخدم مصادر الطاقة المختلفة ،ومع الثورة
الصناعية بدأت كميات هائلة من الغازات والمواد المختلفة تنبعث في الهواء محدثة
اَّلل
اَّلل في الغالف الجوي ،وصدق ه
خلالً متزايدا ً في التوازن الطبيعي الذي أوجده ه
العظيم ،إذ يقول في محكم آياته :
اب النه ِار } (سورة آل عمران ،اآلية:
ق َِ َنا َ
{ َربهنَا َما َخلَ ْقتَ َهذا بَ ِ
اطالً ُ
عذ َ َ
س ْب َحانَكَ فَ ِ
.)191
النظام الحيوي :
ويشتمل على كل مظاهر الحياة النباتية الحيوانية على اليابسة والماء ،وتسهم العوامل
المن اخية والمائية وتنوع التربة وتباين المظهر الطبيعي لألرض ،في تشكيل أعداد
هائلة من النظم البيئية النباتية ،كما يكون للتفاعل بين المياه والتربة والنبات
الطبيعي ،أثر حاسم في توزيع الحياة الحيوانية الطبيعية.
تعتمد حياة اإلنسان وغيره من الكائنات على الثروة النباتية ،فالغذاء الذي نأكله،
اَّلل
يتكون من منتجات نباتية مثل القمح ـ الذرة ـ البطاطس ـ األرز ..إلخ ،وصدق ه
العظيم ،حيث يقول في كتابه الكريم:
ب ا ْل َح ِصي ِد } (سورة ق ،اآلية :
س َم ِ
{ َونَ هز ْلنَا ِم َن ال ه
اركا ً فأَنبتنا ِب ِه جنات َو َح ه
اء َماء ُّمبَ َ
.)9
ع َو ه
{ يُنِبتُ لَ ُك ْم ِب ِه ه
الز ْيت ُ َ
اب } (سورة النحل ،اآلية .)11 :
الز ْر َ
ون َوالنه ِخي َل َواأل َ ْع َن َ
14
وقد يتكون غذاء اإلنسان من منتجات الحيوان الذي يتغذى على النباتات ،كما أن تدفئة
وإنارة بيوتنا ومصادر الطاقة لمصانعنا ،اعتمدت أو تعتمد على الفحم المتكون من
الغاب ات في األحقاب الغابرة ،أو من البترول ،وهو من بقايا جيولوجية لنباتات
وحيوانات ،كذلك األخشاب التي نعتمد عليها في أثاث منازلنا ،والحرير والقطن
والكتان الذي تصنع منه األزياء ،وكثير غيرها من العقاقير لم تكن لتتوفر لوال وجود
النباتات.
ومن أهم مصادر الثروة النباتية الغابات بأنواعها المختلفة ،ويحصل اإلنسان منها
على الكثير من المنتجات ،فإضافة إلى األخشاب والوقود ،أصبح من الممكن إنتاج
األحماض ومواد اللصق ،والكحول ،وعلف الحيوان ،والمواد المضادة للتجميد،
والمالس ،واألصباغ ،والمطهرات ،والزيوت ،والورق ،واللدائن ،واألدوية،
والمذيبات .ولقد قدر أن هناك 4500مادة مصنعة يمكن الحصول عليها جزئيا ً أو
كليا ً من الغابات .
وتشكل الغابات رئات للعالم ،إذ تعمل على المحافظة على نسب الغازات في الغالف
الجوي ،ولها أثر كبير في سقوط االمطار ،فقد وجد أن كمية األمطار قد نقصت خالل
ست وعشرين سنة إلى حوالي 24%من المعدل ،عما كانت عليه قبل اقتالع الغابات
في جمهورية كولومبيا.
وتتداخل العناصر الرئيسة للبيئة الطبيعية بأقسامها الفرعية وتتفاعل مع بعضها
البعض بحيث يؤثر كل عنصر في بقية عناصر النظـام ،فيتأثر النظام كله .فعلى سبيل
المثال تؤثر الحرارة ،وهي من عناصر النظام الجوي ،في النظام المائي ممثالً في
البحار واألنهار والمحيطات ،إذ يتكون بخار الماء الذي يتصاعد إلى طبقات الجو العليا
عندما تسخن مياه البحار والمحيطات ،وتحمله الرياح على هيئة سحاب من مناطق
الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض ،فيسقط على هيئة أمطار .ويتحدد نوع
النباتات بدرجة الحرارة ،فحينما ترتفع درجة الحرارة وتسقط األمطار بغزارة ،تنمو
الغابات االستوائية ،حول خط االستواء في بيئة أرضية أو نظام أرضي .وتعد الغابات
15
االستوائية وما فيها من حيوانات برية جزءا ً من النظام الحيوي ،وهكذا نجد أن
عناصر النظـام الطبيعي تربطها عالقات متشابكة ،ويحرك هذا التفاعل ويستغله
اإلنسان بإمكاناته التكنولوجية وبقية عناصر بيئته الحضارية ،فما هي عناصر البيئة
الحضارية؟ وكيف تتفاعل مع عناصر البيئة؟.
ج) مكونات البيئة الحضارية:
يتكون النظام البيئي الحضاري من خمسة عناصر أساس هي :
.1النظام التكنولوجي.
.2النظام االجتماعي.
.3النظام االقتصادي.
.4النظام الثقافي.
.5النظام السياسي.
.1النظام التكنولوجي :
تعني التكنولوجيا في العصر الراهن استخدام المعرفة العلمية في التطبيق العلمي
الستثمار موارد البيئة من جهة ،وحل المشكالت البيئية والتصدي لألخطار البيئية من
جهة أخرى ،أو بمعني آخر اإلصحاح البيئي .والعالقة التي تربط بين العلم
والتكنولوجيا في الوقت الحاضر عالقة تبادلية ،بمعنى أن كل ما يحرزه العلم من تقدم
يتمثل في اختراعات تكنولوجية جديدة ،ومن ثم تساعد تلك االختراعات على تقدم
العلم ،ويالحظ أن هناك تسارعا ً في الفترة ما بين االكتشاف العلمي الجدي وتطبيقه،
فعلى سبيل المثال فإن التصوير الفوتوغرافي تم تطبيقه صناعيا ً بعد اكتشافه علميا ً بـ
( 112عاماً) ،والتليفون استغرق إنتاجه 56عاماً ،أما الراديو فقد استغرق 35
عاماً ،والرادار استغرق 15عاماً ،والترانزستور استغرق 5سنوات ،أما الدوائر
16
المتكاملة فقد استغرقت 3سنوات .إن هذه الظاهرة من السرعة المتزايدة يوما ً بعد
يوم ،يجب أن تلفت نظرنا بشدة إلى ضرورة اإلسراع بالخطى واالهتمام باإلنسان
صانع التكنولوجيا ،وضرورة االهتمام بالفكر والعلم واالبتكار ،ووضع حلول غير
تقليدية للمشكالت البيئية ،وضرورة مواجهة التغيرات االجتماعية واالقتصادية
والبيئية ،التي تنشأ عن تنفيذ المشاريع التنموية.
دور التكنولوجيا في التفاعالت البيئية :
لقد تغلغلت التكنولوجيا وتطورت في النسيج االجتماعي للناس ،وفي حياتهم اليومية
حتى أصبح من المستحيل أن تعود عقارب الساعة ،وينفض اإلنسان يده من
التكنولوجيا ،فلمعالجة الخلل البيئي الذي نشأ عن تطبيقات التكنولوجيا في الصناعة
والزراعة ،يجب استنباط وسائل تكنولوجية جديدة ،أو تطوير الوسائل التكنولوجية
الموجودة ،كأنما المجتمعات الحد يثة قد أصبحت ( ُمدمنة) تكنولوجيا ،والدواء
الوحيد هو المزيد من التكنولوجيا.
.2النظام االجتماعي :
يقصد بالبيئة االجتماعية ،الجزء الذي يشمل األفراد والجماعات وتفاعلهم ،وأنماط
العالقات االجتماعية القائمة بين األفراد والجماعات التي ينقسم إليها المجتمع ،وتؤثر
التقاليد والقيم االجتماعية على استغالل ثروات البيئة.
ولتنفيذ المشروعات البيئية على المستويات المحلية ينبغي إدراك أهمية المعرفة
الشاملة ألنماط العالقات االجتماعية القائمة بين األفراد والجماعات والنظم االجتماعية
في تفاعلها وترابطها وتساندها الوظيفي كما يجب العمل على كسب القيادات التقليدية
المحلية ،التي تتوفر على المعرفة الدقيقة بمختلف أمور مجتمعها المحلي وباألحداث
البيئية التي مرت به.
17
وقد دعا اإلسالم إلى نـظام اجتماعي أساسه الترابط والتكافل ،إذ يقول الرسول ص: :
( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً) ،كما وضع اإلسالم معيار
اَّلل أتْقَآ ُك ْم ه
إن
اَّلل تعالى { :إن أ َ ْك َر َم ُك ْم عَند ه
التقوى أساسا ً للمفاضلة بين الناس ،فقال ه
ير } (سورة الحجرات ،اآلية.)13 :
اَّلل عَليِ ٌم َخبِ ٌ
هَ
كما اعتبر اإلسالم كل عمل نافعا ً مادام يزيد اإلنتاج ويخدم به اإلنسان نفسه وغيره.
مما سبق
ونخلص مما سبق أنه يجب وضع االعتبارات االجتماعية للبيئة في الحسبان عند
إقامة مشروعات تنموية بها ،ودراسة اآلثار التنموية على البيئة االجتماعية للسكان
في إطار شامل متكامل ،حتى يمكن تجنب كثير من مظاهر اإلهدار والتلوث ،وسوء
استغالل الموارد البيئية.
.3النظام االقتصادي.
يحدد النظام االقتصادي في أي مجتمع كان ،طبيعة حركة الموارد الطبيعية خالل
النظـام ونوعية الموارد المتحركة ،وما ينتج عنها من نتائج اقتصادية واجتماعية
كارتفاع مستوى المعيشة ،أو اإلخالل بالوسط البيئي ،وتغيير نوعية البيئة .وترتبط
بالنظام االقتصادي كذلك ،درجة تقدم معدالت التغيير في نوعية البيئة ،كزيادة طرح
النفايات والفضالت والملوثات المختلفة التي تؤدي إلى تدهور البيئة .ففي المجتمعات
الزراعية يكون إسهام األنشطة االقتصادية في تدهور نوعية البيئة ضئيالً بالمقارنة
مع دورها في المجتمعات المتقدمة ،إذ في األخيرة تتعاظم مشكالت تلوث التربة والماء
والهواء واألزمات البيئية األخرى وقد وضع اإلسالم شرطا ً أساسيا ً لممارسة العمل في
كل أوجه النشاط االقتصادي ،وهو عدم الفساد في األرض ،قال تعالى:
{ وآ ْبت َ َغ ِف َيما
إلَ ْيكَ َوالَ تَب ِْغ
اَّلل
نس َنصيبكَ ِم َن الدُّ ْن َيا َوأَحْ ِ
هار ِ
س َن َك َما أَحْ َ
س َن ه
آتَاك ه
اآلخرة َوالَ ت َ َ
اَّلل الد َ
سد َ
ض ه
ِين } (سورة القصص ،اآلية:
ب ال ُم ْف ِ
ا ْلفَ َ
إن ه
اَّللَ الَيُ ِح ُّ
سادَ فِي األ َ ْر ِ
.)77
18
.4النظام الثقافي :
استطاع اإلنسان ،منذ ظهوره حتى اآلن ،أن يشيد بيئات اصطناعية ( أو حضارية)
تختلف عن البيئات الطبيعية ،كمحاولة الستثمار الوسط البيئي لتلبية حاجاته
واستمرار وجوده .وتعد النظم الثقافية جزءا ً من البيئات االصطناعية التي أوجدها
اإلنسان ،وتشكل الثقافة مركبا ً متنوعا ً من المعرفة والعقائد ،والفنون واألخالق
والقوانين واألعراف ،وكل المقدرات والعقائد األخرى التي يكتسبها اإلنسان من حيث
كونه عضوا ً في المجتمع.
وتلعب المعتقدات السائدة دورا ً مهما ً في إعاقة خطط التنمية وإهدار الموارد البيئية،
واألمثلة على ذلك كثيرة ،فأفراد ( البيجا) وهي قبيلة في شرق السودان ،قاوموا
الجرارات الميكانيكية التي استخدمتها الحكومة في حرث أراضـــي منطــقة ( طوكو)،
العتقادهم أنها تفسد األرض ،وتسبب في تقليل رطوبتها .وموقف الهندوس من األبقار
وتقديسهم لها ،يقف حائالً دون قبول أي نمط ثقافي جديد خاص بتحسين استغالل هذه
الثروة الحيوانية التي كان من الممكن أن تلعب دورا ً مهما ً في االقتصاد الهندي.
ومن األمور الضارة بالتوازن البيئي ذلك االعتقاد الخاطىء بأن طائر البوم نذير شؤم،
في حين أن البومة تصطاد في كل ليلة مابين 3إلى 4فئران ،فهي عامل من عوامل
التوازن البيئي ،كما أن العناكب التي اليرتاح اإلنسان إليها ،تصطاد من الحشرات
الضارة سنويا ً ما يزيد على وزن ثالثة ماليين رطل ،ولو اختفت لفتكت الحشرات
بمقومات هذاالكوكب فتكا ً ذريعاً.
وكما أن للمعتقدات دورا ً مهما ً في إعاقة التنمية وإهدارالموارد ،فإن لالتجاهات والقيم
السائدة في المجتمع نفس الدور في إعاقة التنمية .فبدال ً من تعظيم تنمية المحافظة
على مصادر الملكية العامة والمال العام ،نجد سيادة الالمباالة واالتكالية ،وتدل األمثال
السائدة في التراث الشعبي على هذه االتجاهات مثل قولهم :
" أردب للحكومة ما تحضرشي كيله " أي وزنه.
19
" أنا أخذت من مال الحكومة ،هو أنا أخذت من مال حد منكم؟"
"بعيد عن أرضي بقيراط واقطع".
كما تلعب القيم المتعلقة بالنظرة الدونية للمرأة ،جزءا ً أساسا ً من تفكير كثير من
القرويين خاصة في المجتمعات التي ترتفع فيها نسبة األمية األبجدية ،وتدل أقوالهم
الشعبية على ذلك مثل قولهم " :ال تأمن الشمس إذا ولت ،وال للخيل إذا وطت ،وال
للمرأة إذا صلت""،عمر المرة ( المرأة) ما تربي طور ( ثور) ويحرث".
وتستطيع برامج التربية البيئية والسكانية أن تناقش هذه االتجاهات الخاطئة في ضوء
نسيج الحياه الثقافية واالقتصادية الحديثة لتثبت خطأها وعدم مسايرتها لطبيعة
العصر ،ومن هنا نسعى إلى حل المشكالت البيئية واالهتمام باإلنسان محور التنمية
ومنفذها وهدفها وغايتها.
وقد دعا اإلسالم إلى تجديد البيئة الثقافية ،حيث رفض التقليد والتبعية .قال تعالى :
علَ ْي ِه آباءنَا } (سورة المائدة ،اآلية.)104 :
سبُنَا َمآ َو َج ْدنَا َ
{ قَالُواْ َح ْ
{ َوقَالُواْ َربهنَا إنها أ َ َ
سادَتَنَا َو ُكبَ َرآ َءنَا َو ُكبَ َرآءنَا فَأ َ َ
سبِيالَ } (سورة األحزاب،
ضلَونَا ال ًّ
ط ْعنَا َ
اآلية.)67 :
وقد رغب اإلسالم في قول الصدق والبعد عن الرياء ،فقال تعالى :
ون النهاس َوالَ َي ْذك ُُر َ
{ يُ َرآ ُء َ
اَّلل إال ه قَ ِليالً } (سورة النساء ،اآلية ..)142 :
ون ه َ
اَّلل عنه قال :قال رسول اللههص: :
كما نهى اإلسالم عن التطير ،فعن أنس رضي ه
(العدوى وال طيرة ويعجبني الفأل ،قالوا :وما الفأل؟ قال :كلمة طيبة) متفق عليه.
كما دعا اإلسالم إلى محاربة األمية ،فقد ذكر ابن سعد عن عامر الشعبي قال > :أسر
رسول هللا ،ص ، :يوم بدر سبعين أسيراً ،وكان يفادي بهم على قدر أموالهم ،وكان
20
أهل مكة يكتبون وأهل المدينة ال يكتبون ،فمن لم يكن له فداء ،دفع إليه عشرة
غلمان من غلمان المدينة فعلمهم ،فإذا (حذقوا) فهو فداؤهم< .وذكر أن زيد بن ثابت
أحد كتاب الوحي كان ممن علمه أسرى قريش ،ومعنى هذا أن خطة النبيص :لم تكن
قائمة على مجرد ( فك الخط) كما يقولون ،بل البد من درجة ( الحذق) واإلتقان حتى
الينسى ،ويرتد إلى األمية من جديد ،ولم يقف حث النبي ص :على تعلم الكتابة عند
اَّلل ،أم المؤمنين
الرجال فقط ،بل شمل النساء أيضاً ،فقد علمت الشفاء بنت عبد ه
حفصة بنت عمر ،الكتابة.
.5النظام السياسي:
ويقصد به كيفية إدارة المجتمع لمؤسساته التي تنقل آراء القيادة السياسية للقاعدة
الشعبية ،ومتطلبات القاعدة الشعبية للقيادة .وتختلف األنظـمة السياسية من ملكية إلى
جمهورية ،ومما الشك فيه أن للنظام السياسي أبلغ اآلثار على النظام البيئي ،فقد
يشعل الحروب التي تدمر البيئة ،وتهدر مواردها ،وتقضي على القوى البشرية وتبدد
قواها ،وقد يسمح بدفن النفايات الذرية في أراضيه ،فيعمل على تدمير بيئته الطبيعية
بل البيئة العالمية حاضرا ً ومستقبالً .وقد دعى اإلسالم إلى الشورى وأخذ رأي
الجماعة ،وعدم استبداد الحاكم برأيه ،بل ومحاسبته ،كما كان يتم في عهد الخليفة
العادل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي هللا عنه ،ومحاسبته لوالة األقاليم
وتطبيقه مبدأ :من أين لك هذا؟ كذلك في عهد الخليفة عمر بن العزيز الذي رد
أموال بني أمية إلى بيت مال المسلمين.
د) كيفية حدوث المشكالت البيئية :
تتفاعل النظم الحضارية بأقسامها الفرعية ،مع النظم الفرعية للبيئة الطبيعية ،عبر
سلسلة أو شبكة معقدة من تدفقات المادة والطاقة ،ويترتب على التفاعل المستمر
نتائج إيجابية وسلبية ،أو مايعرف باسم األخطار البيئية ،التي يسعى اإلنسان جاهدا ً
21
إلى االستجابة لها والتوافق معها ،واتخاذ قرارات بيئية بشأنها ،كما يتضح ذلك من
الشكل التالي (رقم )1الذي يوضح النظام البيئي وعالقاته الوظيفية ونتائجها.
وإذا لم يتدخل اإلنسان في عناصر النظام البيئي الطبيعي ،اتسم باالستقرار والتوازن،
حيث يؤثر كل كائن حي داخل النظام البيئي في حياة الكائنات األخرى ويتأثر بها ،وإذا
لم تتعرض هذه الكائنات الحية لعوامل جديدة أو طارئة على النظام البيئي ،فإنها تقيم
فيما بينها توازنا ً طبيعيا ً بيولوجياً ،يحتفظ فيه كل نوع بتوزيع عدد ثابت تقريباً ،إذ يحد
من التزايد الالنهائي ألفراد أي نوع من الكائنات في النظام البيئي ،أو طغيانه وتفوقه
على غيره من األنواع ،عوامل متعددة ،منها وجود أعداء طبيعيين ،أو منافسين على
الغذاء المحدود ،أو نقص الموارد أو المساحة المتاحة لتكاثره وانتشاره.
ويمكن القول إن عناصر النظام البيئي الطبيعي تتضمن عمليات متشابكة ومترابطة،
تتميز بالعديد من المسارات ،والتي تؤدي إلى تغيير معدالت نمو الجماعات الحية،
وتصل بها إلى حالة مستقرة من التوازن في إطار النظام ككل.
لكن اإلنسان لم يترك النظم البيئية ثابتة ،بل استغلها بطريقة غير عقالنية ،فنجده على
سبيل المثال تفاعل بنـظامه التكـنولوجي مـع النظـام البيـــئي مع النظام االقتصادي
لرغبته في زيادة رقعة األراضي الزراعية ،مــــــــــع النظام االجتماعي لرغبته في
توفير فرص عمل للسكان المتزايد عددهم ورفع مسـتوى معيشـتهما ،مع النظام
السياسي الذي حاول كسر االحتكارات العالمية ،وتحدي النظم االستعمارية .مثال :
إقامة سد على نهر النيل ،وهو السد العالي في مصر ،فمن نتائجه اإليجابية :
.1تحول أراضي الحياض إلى ري دائم.
.2توفير كهرباء إلنارة القرى في الوادي والدلتا ،والتوسع في حركة التصنيع.
.3زيادة مساحة األراضي التي تزرع أرز اً.
22
.4التخزين المستمر للمياه ،وعدم تعرض البالد لخطر الفيضانات المرتفعة أو
الشحيحة.
لكن من نتائجه السلبية :
.1زيادة نحر البحر المتوسط لشمال الدلتا.
.2زيادة النحر لنهر النيل في الشواطىء اليمنى وزيادة اإلرساب في الجوانب
اليسرى.
. 3حرمان التربة المصرية من الغرين الذي كان يعمل على تجديد خصوبتها
باستمرار.
.4زيادة نسبة التصحر في األراضي المصرية.
وكما حقق اإلنسان في مصر نتائج إيجابية من مشروع بناء السد العالي ،عليه أن
يضع خططا ً للقضاء على سلبياته ،والتخفيف من حدتها.
مثال آخر :
تفاعل اإلنسان بنظامه التكنولوجي مع النظام الحيوي ممثالً في الغابات ،وكذلك نظامه
االقتصادي
ممثالً في رغبته في زيادة مساحة األرض الزراعية على حساب
مساحة الغابات مع النظام االجتماعي برغبته في رفع مستوى معيشة سكانه وتوفير
الغذاء لهم مع نظامه المائي ممثالً في رغبته في استغالل ثروته المائية ،فقام بقطع
الغابات ،وترتب على ذلك نتائج إيجابية وسلبية ،فمن النتائج اإليجابية :توفير مساحة
من أراضي الغابة للزراعة.
ومن النتائج السلبية :
.1تفكك التربة وسهولة انجرافها.
23
.2مضاعفة الرواسب التي تحملها مياه األنهار في مناطق القطع بمقدار سبعة آالف
مرة عما كانت عليه قبل عمليات القطع الجائر.
.3أدى ارتفاع حمولة الرواسب في األنهار إلى تدمير أماكن تكاثر األسماك.
.4تكرار حوادث الفيضانات العنيفة على جانب النهر.
.5تكرار حدوث االنهيارات األرضية.
.6زيادة التعرية المركزة في قنوات عميقة.
ومن ثم فإن اآلثار البيئية الناجمة عن استثمار الغابة بصورة غير مخططة كانت ذات
كلفة اقتصادية عالية ،تفوق أحيانا ً عوائد قطع األخشاب التي كانت تجنيها الشركات لو
استمر التقييد.
ومن ثم وجب على اإلنسان أن يضع مخططا ً لالستغالل المنظم للغابة ،يتضمن خطة
لقطع األشجار ،وزراعة أشجار بدال ً من التي تم قطعها.
مثال آخر :
من نتائج تفاعل اإلنسان مع بيئته بنظامه التكنولوجي أنتج غاز الفلوروكربون الذي
تفاعل مع النظام الجوي ممثالً في طبقة األوزون ،ونتج عن هذا التفاعل ،ما يعرف
باسم ثقب األوزون ،الذي أدى إلى تآكل جزء كبير من طبقة األوزون التي تحمي
األرض من األشعة شديدة الحرارة من الوصول إليها ،وأدى ذلك إلى ظاهرة الدفء
الحراري وما يترتب على ذلك من ارتفاع درجة حرارة سطح األرض ،وذوبان الجليد
ومن ثم ارتفاع مستوى مياه المحيطات والبحار وغرق الجزر والسواحل ،ومن ثم
وجب على اإلنسان أن يتخذ من اإلجراءات ما يقلل انبعاث هذا الغاز وإيجاد وسائل
بديلة الستخدامه.
24
ـ ومما تجدر اإلشارة إليه أن التفاعالت بين النظم البيئية ،ليست بسهولة المنظومة
المعروضة في األمثلة السابقة ،بل تتداخل وتتشابك عناصرها في عالقات معقدة،
لدرجة أصبحت النظم البيئية وما يدور فيها ،وكيف تتغير بمرور الزمن ،موضوع تحد
للعلماء ،حيث إن ما يتم في الطبيعة على جانب كبير من التعقيد .ذلك أن النظام البيئي
الحياتي يتكون من مئات األنواع من الكائنات الحية يتأثر كل منها بمكونات النظام
البيئي وعناصره ،وغيره من الكائنات الحية األخرى ،وعالوة على ذلك يتغير عدد
ونوع الكائنات الحية ،وتتغير بعض المكونات الطبيعية للبيئة يوميا ً وفصليا ً مثل درجة
الحرارة ورطوبة التربة وغيرها ،لذلك فإن معالجة المشكالت البيئية تتطلب وضع
برامج بحوث متطورة تقوم على توفير معلومات متكاملة وصحيحة.
ـ ويرتبط التوصل إلى حلول للمشكالت البيئىة تتبع جذورها ،وأقسامها الفرعية،
والعالقات المتشابكة والمتداخلة بينها ،وأن تسير الحلول المقترحة ألنظمة البيئة
الطبيعية جنبا ً إلى جنب مع الحلول المقترحة ألنظمة البيئة الحضارية.
الفصل الثاني
مفهوم التنمية المستدامة ومقوماتها وضوابطها
أوال ً :الظروف التي أدت إلى ظهور فكرة التنمية المستدامة :
نتج عن مشروعات التنمية التي يقوم بها اإلنسان لتحسين حياته وتطويرها نحو
األفضل ،واستخدامه لكل الموارد والوسائل واألدوات والمعرفة المتاحة ،أن نفذ خططا ً
للتنمية في الجوانب االقتصادية واالجتماعية والثقافية والسياسية وأحدث كثيرا ً من
اإلنجازات والنجاحات ،نذكر منها :
* زيادة معدالت اإلنتاج الزراعي والصناعي وزيادة في االستهالك.
* تحسن في مستويات المعيشة في العالم بشكل عام وارتفاع نصيب الفرد نسبيا ً من
الناتج القومي اإلجمالي.
25
* زيادة معدالت العمر المتوقع لإلنسان.
* نقص في معدالت وفيات الرضع واألطفال.
* تخلص العالم أو ( كاد) أن يتخلص من عدد األوبئة.
* زيادة نسبة السكان الذين يتمتعون بمياه الشرب ووسائل الصرف الصحي.
* زيادة نسبة المتعلمين في مراحل التعليم.
* زادت عدد األسر ذات السيارتين والمنزلين ...الخ.
لكننا نشهد على الجانب األخر ،إضرارا ً بالمحيط الحيوي :
1ـ قطع الغابات 2 ،ـ تدهور األرض 3 ،ـ التصحر 4 ،ـ المعدالت الخطيرة لفقد
التنوع البيولوجي5 ،ـ تخلخل األوزون في طبقة األستراتوسفير 6 ،ـ مخاطر تغير
المناخ7،ـ تعاظم تراكم كميات كبيرة من النفايات بما في ذلك والنفايات الخطرة 8 ،ـ
استنزاف المعادن 9 ،ـ اإلسراف في استهالك المياه.
وإزاء هذه المشكالت والمخاطر البيئية ،نظم المجتمع الدولي اجتماعا ً حافالً ،وهو
مؤتمر األمم المتحدة للبيئة والتنمية عام 1992م والذي عقد في مدينة ريودي
جانيرو بالبرازيل ،حضره عدد من رؤساء الدول وأطلق عليه " مؤتمر قمة األرض"،
ولقد أصدر المؤتمر خطة عمل شاملة ،سماها أجندة القرن الحادي والعشرين ،وأقر
صيغة اتفاقية دولية لصون التنوع األحيائي (البيولوجي ) ،واتفاقية دولية تتناول
قضايا تغير المناخ ،وإطار عمل لصون الغابات ،وشكل لجنة من ممثلي الحكومات
لوضع اتفاقية دولية لمكافحة التصحر ( تم وضع االتفاقية عام 1994م) .ولقد بدا
المؤتمر وكأن العالم يجمع أمره على معالجة قضايا البيئة والتنمية حفاظا ً على
مستقبل اإلنسان ،وظهرت الفكرة األساس التي بُنيت عليها أجنده القرن الحادي
والعشرين وهي فكرة التنمية المستدامة.
26
ثانيا ً :مفهوم التنمية المستدامة :
كان االعتقاد حتى بداية السبعينات من القرن الماضي ،أن النمو االقتصادي يقوم على
حساب حماية البيئة ،وأنه اليمكن الجمع بين هذين التوجهين ،وأن أي تحسين في
نوعية البيئة يعني إعاقة النمو االقتصادي ،كما أن أي نمو اقتصادي يعني القضاء
على البيئة وتدميرها.
ولقد ظهرت عدة تعريفات واستخدامات للتنمية المستدامة ،فالبعض يتعامل مع التنمية
المستدامة كرؤية أخالقية تناسب اهتمامات وأولويات النظام العالي الجديد ،والبعض
يرى أن التنمية المستدامة نموذج تنموي وبديل عن النموذج الصناعي الرأسمالي ،أو
ربما أسلوبا ً إلصالح أخطاء وتعثرات هذا النموذج في عالقته بالبيئة .ولكن هناك من
يتعامل مع التنمية المستدامة كقضية إدارية وفنية بحتة للتدليل على حاجة المجتمعات
اإلنسانية المتقدمة والنامية إلى إدارة بيئية واعية وتخطيط جديد الستغالل الموارد.
إن هذا الخلط بين التعريف والشروط والمتطلبات هي أكثر ما يميز أدبيات التنمية
المستدامة في المرحلة الراهنة ،ولقد حاول تقرير الموارد العالمية الذي نشر عام
1992م والذي ُخصص بكامله لموضوع التنمية المستدامة ،توضيح هذا الخلط ،وذلك
بإجراء مسح شامل لهذا المفهوم ،واستطاع التقرير حصر عشرين تعريفا ً واسع
التداول للتنمية المستدامة ،وقد حاول التقرير توزيع هذه التعريفات إلى أربع
مجموعات هي :التعريفات االقتصادية ،والتعريفات البيئية ،والتعريفات االجتماعية
واإلنسانية ،والتعريفات التقنية واإلدارية.
أ) فاقتصاديا ً :وبالنسبة للدول الصناعية في الشمال ،فإن التنمية المستدامة تعني
إجراء خفض عميق ومتواصل في استهالك هذه الدول من الطاقة والموارد الطبيعية
وإحداث تحوالت جذرية في األنماط الحياتية السائدة :
أما بالنسبة للدول الفقيرة :فالتنمية المستدامة تعني توظيف الموارد من أجل رفع
المستوى المعيشي للسكان األكثر فقرا ً في الجنوب.
27
ب) أما على الصعيد اإلنساني واالجتماعي :فإن التنمية المستدامة تسعى إلى تحقيق
االستقرار في النمو السكاني ،ووقف تدفق األفراد إلى المدن ،وذلك من خالل تطوير
مستوى الخدمات الصحية والتعليمية في األرياف وتحقيق أكبر قدر من المشاركة
الشعبية في التخطيط للتنمية.
ج) وأما على الصعيد البيئي :فإن التنمية المستدامة هي االستخدام األمثل لألرض
الزراعية ،والموارد المائية في العالم ،بما يؤدي إلى مضاعفة المساحة الخضراء على
سطح الكرة األرضية.
د) وأما على الصعيد التقني واإلداري :فإن التنمية المستدامة هي التنمية التي تنقل
المجتمع إلى عصر الصناعات والتقنيات النظيفة التي تستخدم أقل قدر ممكن من
الطاقة والموارد ،وتُنتج الحد األدنى من الغازات والملوثات التي ال تؤدي إلى رفع
درجة حرارة سطح األرض والضارة باألوزون.
يقول تقرير الموارد الطبيعية إن القاسم المشترك لهذه التعريفات االقتصادية والبيئية
واإلنسانية والتقنية هي أن التنمية لكي تكون مستدامة يجب :
أوال ً :أال ه تتجاهل الضوابط والمحددات البيئية.
ثانيا ً :أال ه تؤدي إلى دمار واستنزاف الموارد الطبيعية.
ثالثا ً :أن تؤدي إلى تطوير الموارد البشرية ( المسكن ـ الصحة ـ مستوى البيئة ـ
أوضاع المرأة ـ الديمقراطية ـ حقوق اإلنسان).
رابعا ً :أن تحدث تحوالت في القاعدة الصناعية السائدة.
إن التنمية المستدامة هي المبدأ القائل بأن التنمية االقتصادية واالجتماعية يجب أن ال
تدمر البيئة ،وأن تتم عملية التنمية ضمن حدود وإمكانات العناصر البيئية ،وضمن
األطر التي يضعها علم البيئة بمعناه الواسع ،وذلك من خالل دراسة وفهم العالقات
28
المتبادلة بين اإلنسان ونشاطاته المختلفة ،وبين البيئة التي يعيش فيها وما يحكمها
من قوانين فيزيائية وكيميائية.
وتهدف التنمية المستدامة إلى تلبية احتياجات الحاضر دون اإلخالل بالقدرة على تلبية
احتياجات المستقبل .وترتكز فلسفة التنمية المستدامة على أن االهتمام بالبيئة وما
تحتويه من موارد طبيعية هو أساس التنمية االقتصادية والصحية والثقافية وغيرها،
وهذا يتطلب إعداد خطط تنموية تهتم بالمشروعات الحالية وتهتم بآثارها البعيدة على
البيئة وعلى الناس في المستقبل ،وبذلك تستمر التنمية .وتلك الخطط ال تشمل فقط
دور الدول والمؤسسات في المشروعات التي تقيمها وإنما تشتمل أيضا ً على دور
الفرد في المجتمع ،ألن الفرد أساس المجتمع.
ويشير مفهوم التنمية المستدامة إلى قيمة أخالقية في غاية األهمية ،وهذه القيمة هي
المساواة بين األجيال التي أصبحت أحد أهداف اإلدارة البيئية ،كما نبه كل دولة إلى
أهمية استثمار مواردها.
ثالثا ً :مقومات وأسس التنمية المستدامة :
أ) اإلنسان :وهو المسؤول وحامل األمانة ،وتوضح أجندة القرن الحادي والعشرين
أنه نتيجة للنمو السريع في عدد سكان العالم فإن أنماط استهالكهم تتزايد على األرض
والماء والطاقة والموارد الطبيعية األخرى ،لقد كان عدد سكان العالم أقل من 5,5
بليون عام 1993م ومن المتوقع أن يصل إلى 8بليون عام 2025وينبغي على
استراتيجيات التنمية أن تتعامل مع النمو السكاني ،وصحة النظام البيئي ،ووسائل
التكنولوجيا واستخداماتها المتقدمة ،كما ينبغي أن تتضمن األهداف األولية للتنمية
محاربة الفقر ،وتأمين الحياة البشرية ،والسعي لنوعية حياة جديدة متضمنة تحسين
أوضاع المرأة ،وتأمين الحاجات األساس مثل الغذاء والمأوى ،والخدمات األساس مثل
التعليم وصحة األسرة ،وإعادة تشجير الغابات ،وتوفير فرص العمل ،والرعاية البيئية.
29
كما ينبغي أن تكون اهتمامات السكان جزءا ً من استراتيجيات التنمية المستدامة،
ويجب على الدول أن تحدد لها أهدافا ً وبرامج سكانية ،واضعة في االعتبار أن التكوين
الهرمي للسكان والذي تزداد فيه نسبة صغار السن ،سوف يخلق في المستقبل القريب
مطالب وضغوطا ً على الموارد.
وتطالب أجندة القرن الحادي والعشرين من الدول أن يتعرفوا على القدرات االحتمالية
لمواردهم ،مع إعطاء اهتمام خاص للموارد الحرجة مثل المياه واألرض ،والعوامل
البيئية األخرى ،كصحة النظام البيئي ،والتنوع األحيائي (والقدرة االحتمالية تعني
مقدرة الموارد على إعالة وتقديم احتياجات البشر بدون إهدارها أو استنزافها ) ،كما
تنبه أجندة القرن الحادي والعشرين إلى أن العالم يحتاج إلى دراسات جادة للتنبؤ
بالنتائج المحتملة لألنشطة البشرية ،متضمنة اتجاهات السكان ،ونصيب كل فرد منهم
من الناتج اإلجمالي للدخل ،وتوزيع الثروة ،والهجرات المنتظرة نتيجة للتغيير
المناخي.
وفي عام 2001حسب إحصائيات صندوق األمم المتحدة للسكان ،بلغ عدد سكان دول
العالم اإلسالمي األعضاء في منظمة المؤتمر اإلسالمي نحو مليار و 144مليون
نسمة ،وهم يشكلون نحو 18%من جملة عدد سكان للعالم في نفس السنة ،وما
يوازي عدد سكان المناطق األكثر نموا ً في العالم ( الدول المتقدمة) والتي يبلغ عدد
سكانها نحو مليار و 193مليون نسمة ،بينما يشكلون نحو 23,3%من سكان
المناطق األقل نمواً ،والتي يشكل سكانها نحو أربعة مليارات و 940مليون نسمة
ونتيجة الرتفاع معدالت الزيادة الطبيعية لمعظم الدول األعضاء في منظمة المؤتمر
اإلسالمي والتي تبلغ ما بين 2,5و 3%سنويا ً ( 40دولة من 48دولة) وأيضا ً
ارتفاع نسبة صغار السن أقل من 15سنة ،وسيادة النمط الزراعي في معظم
اقتصاديات هذه الدول ،فإن اإلسقاطات السكانية لها مرتفعة ،ويتوقع أن يصل عدد
سكان هذه الدول عام 2025مليار و 699مليون نسمة ،وفي 2050مليارين و227
مليون نسمة.
30
ويقدر الخبراء أنه من الخطأ اعتبار الزيادة السريعة في عدد السكان نعمة مطلقة ،أو
نقمة مطلقة ،فبالتحليل الموضوعي نجد أن تأثير الزيادة يختلف من بلد آلخر حسب
الظروف المحلية ،واحتياجاته ،وموارده وتطلعاته ،فهناك دول تحتاج إلى الزيادة
السكانية ،وعندها من الموارد الكافية الستيعابها ،وهناك بالد قد تؤدي الزيادة
السكانية فيها إلى آثار سلبية ،لقلة الموارد .والمهم أن يكون للدولة سياسة سكانية
واليترك النمو السكاني فيها بدون تخطيط ،ولكن يجب أن يكون ذلك في إطار (
النقصان لعدد المسلمين).
ب) الطبيعة :
المحيط الحيوي ،وهو خزانة الموارد المجددة وغير المتجددة.
الموارد المتجددة :
مثل الغابات ـ مصائد األسماك ـ المراعي ـ المزارع ،ويعد اإلنسان عنصرا ً رئيسا ً من
عناصر استهالك تلك الموارد ،وإنتاج الموارد السابقة هو إنتاج متجدد ما استمرت
صحة النظام البيئي.
الموارد غير المتجددة :
وهي مواد مختزنة في باطن األرض تكونت وتجمعت في عصور سابقة وسحيقة ،ما
يؤخذ منها اليعوض واليتجدد ،وتضم هذه المجموعة خامات البترول والفحم والغاز
الطبيعي ورواسب المعادن وتكوينات المحاجر غالبية المياه الجوفية .وترشيد وتنمية
الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة نقيض استنزافها ،أي تجاوز قدرة النظم
البيئية على العطاء ،وهذا الترشيد هو التنمية المتواصلة أو المستدامة أو المطردة.
وحاليا ً في عهد الثورة العلمية الثالثة بعد أن كانت مقومات االقتصاد في عهد الثورة
الصناعية هي األرض بمواردها :العمالة ورأس المال واآلالت ،أصبحت حاليا ً في عهد
الثورة الثالثة هي الفكر والعلم واالبتكار ".فقد أصبحنا نتكلم اآلن عن زراعة بال
31
زراع وبال مزارع" ،وعلى سبيل المثال ففي مادة الثوماتين Thaumatinوهي
موجودة في فاكهة إحدى النباتات األفريقية والتي تعادل حالوتها حالوة السكر مائة
ألف مرة ،إستطاع العلماء عن طريق تكنولوجيا جديدة هي فصل أو تقطيع الجينات
Tecniques Gene Splicingأن يفصلوا الجين الخاص بهذه المادة ،وأن
ينتجوه معمليا ً بكميات تجارية في معامل بكتيرية ،وتستطيع أن تتصور حجم هذه
الزراعة العلمية المعملية على إنتاج قصب السكر والبنجر في مختلف أنحاء العالم،
وأثر ذلك على العمالة الموجودة حاليا ً في المزارع ،وأثر ذلك على األرض التي كانت
تستغل في هذا الشأن.
ومادة الفانيليا Vaniliaأيضا ً والتي تبلغ قيمة إنتاجها السنوي عالميا ً ثالثة باليين
دوالر ويزيد إنتاجها كل سنة بنسبة تصل إلى ،3%وتكسب معظم األغذية الطعم
والرائحة ،استطاع العلماء أن يفصلوا الجين الخاص بالفانيليا ،واستطاعوا أن ينتجوه
بكميات تجارية ،في حمامات بكتيرية ،عن طريق جزء من الهندسة الوراثية بطريقة
نقل الجينات ،وهذا يعني أننا نتجه نحو عالم فيه زراعة بال زراع وبال مزارع،
وصناعة تدخل فيها المعرفة والعلوم ،بدال ً من النفط ،واأليدي العاملة ،واألرض
والمواد الخام.
ج) التكنولوجيا :
لقد أصبح التطور التكنولوجي مترسبا ً في نسيج المجتمعات وفي حياة الناس اليومية،
وذلك ألن الكثير من المشاكل التي تنشأ عن التقنية ليس لها حل ،إال البحث عن
تقنيات تصوب األخطاء.
قد تبدو بعض الوسائل التكنولوجية عظيمة النفع أول األمر ،بريئة الضرر ،ومع تطور
المعارف العلمية والتكنولوجية تبين أن لها أضرارا ً جسيمة خفيت علينا مثل مركبات
الفريون ( الكلوروفلوروكربون) والتي اكتشفت عام 1928م ،وطبقت عام 1930م،
كبديل لمركبات األمونيا وثاني أكسيد الكبريت والتي كانت تستخدم في صناعة التبريد،
32
وسرعان ما ا كتشفت لها استعماالت عديدة باعتبارها مركبات آمنة ،وبعد خمسين
عاما ً علمنا أن هذه المركبات قد تكون سببا ً في واحدة من قضيا البيئة العالمية وهي
تضر بطبقة األوزون في األستراتوسفير.
سادت في الزمن الحديث فكرة الحلول التكنولوجية لسائر المشكالت الصناعية والبيئية
وا الجتماعية ،ولكن التجربة أظهرت أن المشاكل البيئية ناتجة عن التفاعالت بين
اإلنسان والطبيعة والتكنولوجيا ،وأن الحلول المؤقتة قد تكون عبر الوسائل
التكنولوجية ،والحل الشامل لهذا الخلل يعتمد على إصالح التفاعل وإيجاد طرائق
تتصل بالعناصر الثالثة لتحقيق االتزان في تفاعالتها ،والسبيل إلى ذلك حزمة متكاملة
تجمع بين الوسائل التقنية والوسائل االقتصادية والوسائل االجتماعية ،بما في ذلك
التشريعات واإلجراءات اإلدارية ،كما أن استخدام بعض هذه الحزمة دون جملة
العناصر يعد قصورا ً اليؤدي إلى الطريق الناجح .
رابعا ً :ضوابط التنمية المستدامة بالنسبة للنظم البيئية الطبيعية :
قدمت وثيقة االستراتيجية العالمية لصون الطبيعة 1980م ،وتقرير لجنة األمم
المتحدة للبيئة والتنمية 1978م وصورتها المعدلة والتي كانت حجر الزاوية في
مداوالت مؤتمر األمم المتحدة للبيئة والتنمية ،1992ثالثة مقاصد أساس فيما يتصل
بالنظم البيئية الطبيعية وهي:
ـ المحافظة على العمليات البيئية األساس التي هي أساس صحة النظم والتي تعتمد
عليها األحياء ( خصوبة التربة ـ تدوير عناصر الغذاء ـ نقاء الماء ـ نقاء الهواء).
ـ صيانة الموارد الوراثية أي المكونات الوراثية الموجودة في كائنات العالم( ،األنواع
والسالالت من نبات وحيوان) ،وهو التنوع الذي تعتمد عليه برامج تربية األنواع
واستنباط السالالت المحسنة وتعتمد عليها فرص استكشاف مواد جديدة تدخل في
التطور التكنولوجي بصفة عامة.
33
تأمين االستخدام المتواصل لألنواع ( الكائنات الحية) والنظم البيئية وخاصة مصايد
األسماك وغيرها من الكائنات البرية والغابات ،أي ال يكون الحصاد أكبر من قدرة
النظام على اإلنتاج والعطاء.
وهذه الضوابط تنطبق على النظم الطبيعية وعلى النظم التي يديرها اإلنسان ،وتقضي
التنمية المستدامة أن يراعي اإلنسان هذه الضوابط ،ويراعي أهمية صون النظام
البيئي ،بحيث يصبح صحيحا ً قادرا ً على اإلنتاج والعطاء ،بأن يخطط معدالت استهالكه
في الحدود المرعية ليحافظ على التوازن بين اإلنسان (عددا ً واستهالكاً) وبين طاقة
النظم البيئية وقدرتها على التحمل...وهذا وجه رئيس من أوجه الضبط االجتماعي.
خامسا ً :ضوابط التنمية المستدامة بالنسبة للمحيط االجتماعي
" التنمية البشرية
المستدامة"
تقوم التنمية البشرية المستدامة على أربعة عناصر الهدف منها عملية توسيع
اختيارات البشر.
أ) اإلنتاجية : productivity
وهي تعني توفير الظروف للبشر حتى يتمكنوا من رفع وتحسين إنتاجيتهم ،وذلك
بإشراكهم بشكل فعال في عملية توليد الدخل وفي العمالة بأجر.
ب) اإلنصاف والعدالة االجتماعية : Social Equality
وهي تعني تساوي البشر في الحصول على نفس الفرص ،ولبلوغ ذلك البد من رفع
الحواجز التي تحول دون اعتبار اشتراك جميع مكونات المجتمع وفي مختلف الفرص
المؤدية إلى التنمية االقتصادية منها واالجتماعية والسياسية والثقافية ،بحيث تكون
متاحة للجميع.
ج) االستدامة Sustainability
34
وتحتوي على ضمان حصول البشر على فرص التنمية دون نسيان األجيال المقبلة،
وهذا يعني ضرورة األخذ بمبدإ التضامن بين األجيال عند رسم السياسات التنموية،
وهذا مايحتم " مأسسة" التنمية في مفهومها الشامل من خالل تعزيز المؤسسات
الحكومية وغير الحكومية بما يجعلها تساهم في ديمومة التنمية.
د) التمكين Empowerment
على التنمية أن تكون من صنع البشر ،ال من أجلهم فحسب ،وهذا ما يحتم مشاركتهم
مشاركة تامة في صنع القرارات والسياسات المتعلقة بحياتهم وفي تنفيذها إلى حيز
الواقع ،وحتى نضمن لتلك المشاركة الفعالية والنجاح فالبد من تعزيز قدرات البشر
على مختلف المستويات والمجاالت بهدف سيطرة كل فرد في المجتمع على مصيره.
أن تتضمن سياسات التنمية المتواصلة ،أهدافا ً تتصل بالسكان :أعدادهم وتوزيعهم
وخصائصهم ،ويكون القصد هو تحقيق التوازن على المدى البعيد بين الموارد
وحاجات الناس.
ـ أن يكون هدف التعليم والتدريب وآلياته ومؤسساته هو تنمية الموارد البشرية ،أي
يعمل على تحويل الرجال والنساء إلى ثروات للمجتمع ،واليتم كما هو حاصل في كثير
من األحوال ،تحويل النساء إلى عبء اجتماعي ،وهنا تبرز وظائف جديدة لمؤسسات
التعليم والتثقيف الوطني وعلى رأسها وسائل اإلعالم ألنها قادرة على :
.1إتاحة البيانات والمعارف للناس.
.2نشر الوعي بقضايا المجتمع عامة وقضايا البيئة والتنمية خاصة.
ـ بيان الوسائل والقنوات التي يسهم عن طريقها الفرد في سعي مجتمعه لتحقيق
التنمية المتواصلة ،وتجاوز األضرار البيئية التي تهدد الحاضر والمستقبل .ولقد كان
المدخل إلى التنمية الناجحة في اليابان ودول النمور األسيوية التعليم والتدريب
الرشيد.
35
ـ أن تكون خطط التنمية للموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة في إطار المدى
الزمني الممتد الذي يراعي مصالح األجيال التالية مع الحرص على كفاية المتطلبات
األساس والمشروعة للجيل الحاضر ،وهذه مسألة تتصل باألخالق االجتماعية.
ـ تقوم التنمية المتواصلة على العدل االجتماعي ومن ثم تتضمن خططها الوسائل
والظروف التي تحقق الفرص المتكافئة للرجال والنساء ،وتحقق مشاركة الناس
مشاركة إيجابية وفعالة في مراحل التخطيط ،ووضع برامج التنفيذ ،ومتابعة إجراءاته.
ـ تستهدف التنمية المتواصلة استخدام األرض ( الحيز الوطني) أفضل استخدام
للمحيط الحيوي ،وتقليل التعارض بين االستخدامات المختلفة ،وأن تلتزم في كل هذا
بأولويات يتفق عليها المجتمع ويتقبلها.
ـ أن تتضمن المؤسسات العاملة في تنمية الموارد الطبيعية عناصر إلدارة المخاطر
البيئية ،نذكر منها على سبيل المثال نوبات الجفاف وحوادث السيول ،وأن تعتمد هذه
القطاعات في عملها على أجهزة الرصد واإلنذار المبكر ،والتنظيم االجتماعي لمقابلة
الكوارث وآليات التعويض والغوث للمصابين والمتضررين.
ـ أن تعمل المؤسسات الوطنية على دعم التعاون اإلقليمي في تنمية الموارد المشتركة
( أحواض األنهار الدولية ـ البحار اإلقليمية ـ مصادر المياه الجوفية اإلقليمية )
والتعاون على درء المخاطر البيئية ذات المدى اإلقليمي ( التلوث العابر للحدود) ودعم
التعاون اإلقليمي في القضايا ذات المدى العالمي ( تغير المناخ ـ تخلخل طبقات
األوزون ـ تدهور التنوع اإلحيائي ...إلخ) أو بمعنى آخر أن تتقبل السياسات الوطنية
فكرة التعاون العالمي ،وتسهم في الجهود العالمية لصون بيئة الكرة األرضية.
الفصل الثالث
أسس التنمية المستدامة من المنظور اإلسالمي ومقوماتها
أوال ً :أسس التنمية المستدامة ومقوماتها :
36
. 1ورد مضمون التنمية تحت مصطلح العمارة والتعمير ،يقول هللا سبحانه وتعالى :
{هو أنشأكم من األرض واستعمركم فيها } (سورة هود ،اآلية.)61 :
ويقول علماء التفسير إن اآلية الكريمة تحث على طلب العمارة ،والطلب المطلق من
هللا يكون على سبيل الوجوب ،وفي هذه اآلية داللة على وجوب عمارة األرض ،قال
علي بن أبي طالب كرم هللا وجهه لنائبه على مصر "ليكن نظرك في عمارة األرض،
أبلغ من نظرك في استخراج الخراج ،ألن ذلك ال يدرك إال بالعمارة ،ومن طلب الخراج
بغير عمارة أخرب البالد.
وهناك مصطلح آخر هو التمكين :قال هللا تعالى :ژو َلقَ ْد َم هكنها ُك ْم في األرض و َجعَ ْل َنا
ش ي (سورة األعراف ،اآلية.)10 :
لكم فيها َمعَا ِي َ
يرى علماء الفقه أن للتمكين معنيين :األول :اتخاذ قرار ومكان وموطن ،الثاني :
السيطرة والقدرة على التحكم ،وهو يعني أن هللا سبحانه وتعالى قد هيأ لإلنسان وضع
السيطرة على الطبيعة ،وطلب منا تحقيق تلك السيطرة ،أو بتعبير آخر طلب منا تحقيق
التكنولوجيا على اعتبار أن التكنولوجيا هي أداة تسخير الوسائل العلمية للسيطرة على
الظروف الطبيعية وتوجيهها لصالح اإلنسان.
. 2اهتم التصور اإلسالمي للتنمية المستدامة باإلنسان فهو صانع التنمية والمستفيد
األول من عوائدها ،وهو جزء من الكون ،مخلوق من طين األرض ،وفيه نفحة علوية
من روح هللا ،عنصران ممتزجان في كيان كلي ،وقد عقدت له الخالفة في األرض
ليعمرها ويرقيها وفق منهج هللا ،ويمكن تأصيل هذه العالقة من عدة جوانب :
2-1كرم هللا اإلنسان وجعله مفضال ًعلى كثير من مخلوقاته ،ويقول هللا سبحانه
وتعالى { :ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات
وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيال } (سورة اإلسراء ،اآلية.)70 :
37
2-2اإلنسان ليس مستهلكا ً فقط ،بل هو منتج لنفسه ولغيره ،بل طالبنا اإلسالم
باإلتقان واإلحسان في العمل.
3-2إن هللا قد أودع في االنسان طاقات كثيرة ،منها ما هو ظاهر ،ومنها ما هو باطن
خفي ،ليستخدمها في عمارة األرض وترقية الحياة على ظهرها.
.3اقتضت حكمة هللا سبحانه وتعالى أن يسخر لإلنسان كل ما في الكون من مخلوقاته
ونعمه (الماء ـ الهواء ـ الحيوان ـ النبات ـ الجماد ـ السماء ـ األرض ـ الشمس ـ القمر
ـ الليل ـ النهار ..الخ) ،وصدق هللا العظيم إذ يقول في قرآنه الكريـم { ألم تروا أن هللا
سخر لكم ما في السماوات وما في األرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة }
(سورة لقمان ،اآلية )20 :وهو يعني أن لإلنسان حقا ً على تلك الموارد ،والبحث
عنها واالنتفاع بها في بناء الحياة وعمارة الكون وفق منهج هللا.
وتحمل اإلنسان المسؤولية عن هذا الكون ،تلك المسؤولية التي هي جزء من فطرته،
هي في جملتها صون للتوازن البيئي على كوكب األرض ،فعندما عصا قوم نوح
نبيهم ،وحقت عليهم كلمة هللا أن يبتلعهم الطوفان ،تلقى نوح من ربه ،أن يأخذ في
السفينة من كل زوجين اثنين قال تعالى { :فاسلك فيها من كل زوجين اثنين} (سورة
المؤمنون ،اآلية.)27 :
ففلك نوح هو الوسيلة الوحيدة للنجاة ،أي البقاء ،والبقاء هو حفظ النوع .فقد أمر هللا
سيدنا نوحا ً أن يحمل معه من الكائنات الحية األخرى من كل نوع زوجين اثنين ،وهي
الوحدة القادرة على حفظ النوع وتحقيق بقائه .كذلك أمر هللا نوحا ً أن يحمل معه أهله
أي عناصر الجنس البشري التي ستحفظ نوعه وتحقق بقاءه ،فنجاة سيدنا نوح وحده
ال تعني بقاء النوع .يعني هذا أن القاعدة هي أن للكائنات جميعا ً ـ ومنها اإلنسان ـ حق
البقاء ألن الجميع شركاء في األرض ،التي شاءت إرادة هللا أن تكون مهدا ً للحياة ،ألن
هللا لم يخلق الكائنات عبثا ً بال غاية ،ذلك ألن كل كائن من الميكروب الدقيق إلى
الحيوان الكبير له دور في حفظ توازن الحياة.
38
ويعني هذا أن نوحا ً ـ قائد الفلك ـ هو المسؤول عن سالمة الكائنات جميعاً ،ال فرق بين
نوع ونوع ،وأنه المسؤول عن إتاحة فرصة البقاء .هذه هي األمانة التي حملها،
والخالفة التي كرمه هللا بها ،ويقتضي ذلك منه حسن إدارتها بأن :
ـ يحفظ توازنها ونواميس النظم البيئية.
ـ يحقق لألنواع جميعا ً البقاء.
ـ يأخذ من مواردها ما يكفي لحاجته المشروعة ،وال يستنزف مواردها باإلسراف الذي
نهى عنه اإلسالم ونهت عن األديان كافة.
. 4رغم سلطان اإلنسان على موارد البيئة التي استخلفه هللا فيها لتحقيق مصلحته،
إال أن ملكيته لها ليست مطلقة ويجب أال ه تؤدي إلى اإلضرار بالغير فموارد البيئة
نعمة من نعم هللا على اإلنسان ،وأثر من آثار رحمته بعباده ،ينبغي أن تقابل بالشكر
والحمد ،وشكرها هو اإليمان بمصدرها واستعمالها فيما ينفع األرض وعمارة الكون،
وليس اإلساءة لغيره .فمن يستخدم المبيدات الكيميائية لحماية محصوالته الزراعية أو
يدير مصنعا ً تصدر عنه أصوات مزعجة ،أو ينفث أبخرة وغازات سامة ،يجب منعه
من ذلك ،أو إلزامه باتخاذ التدابير التي تكفل عدم اإلضرار بالغير ،فجلبه مصلحة
لنفسه ال ينبغي أن تكون على حساب المضار التي تلحق بغيره ،ومن القواعد الفقهية
الضرر األكبر يدفع الضرر األخف ،وفي األمثلة السابقة إذا كان يترتب على خطر
استخدام المبيدات نقص في المحصول ،أو االلتزام بالحد من نشاط المصنع ،مما يسبب
ضررا ً أخف ينبغي تحمله في سبيل منع األضرار الصحية وغيرها التي تلحق بمجموع
الناس ،أي أن حق الملكية في اإلسالم مقيد بحدود هللا وحقوق المجتمع ،حتى أن
انتزاع هذا الملك من صاحبه يجوز للمصلحة العامة على أن يعوض ثمنه بالمثل ،ذلك
ألن المال مال هللا ،وهومستخلف فيه ،وبعبارة أخرى هو وكيل الجماعة في رعايته
وتثميره وإنفاقه فإذا أساء التصرف في المال كان من حق الجماعة أن تغل يده،
وبعض علماء المذهب المالكي يقولون إن سلطان االنسان اليكون المادة ،وإنما محله
39
منافعها فقط.ومما يؤكد ذلك أن هللا سبحانه وتعالى جعل الناس مستخلفين في إدارة
المال حيث قال سبحانه :
{ آمنوا باهلل ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } (سورة الحديد ،اآلية.)7 :
{ وأتوهم من مال هللا الذي آتاكم } (سورة النور ،اآلية .)33:
وحق االنتفاع بموارد البيئة دون حق الملكية ،له محدودية زمنية ،فقد قال سبحانه:
{ولكم في األرض مستقر ومتاع إلى حين}(سورة البقرة ،اآلية.)36 :
وتفيد تلك المحدودية الزمنية في ضبط سلوك اإلنسان في تعامله مع موارد البيئة
وثرواتها ،ذلك أن تلك الثروات والموارد ليست ملكا ً للجيل الحالي بل هي ملك لألجيال
التا لية ،وهذا يقتضي الحفاظ عليها وصيانتها من الملوثات التي تضر بها ،وعدم
اإلسراف والجور في استغاللها ،حتى نورثها سليمة قادرة على اإلنتاج لألجيال
القادمة .وإذا كانت المبادئ التي تم عرضها ت َ ُه ُّم بالدرجة األولى الموارد البيئية التي
تدخل في الحيازة والملك ،فإنها تصدق كذلك بالنسبة للموارد البيئية التي ال يمكن
حيازتها أو إحرازها كالهواء واألنهار والبحار والمناطق القطبية.
. 5نص اإلسالم على فكرة شتراك اإلنسانية في الموارد الطبيعية ،منذ أربعة عشر
قرناً ،فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى :
ب محت َ َ
ضر } (سورة القمر ،اآلية.)28 :
{ ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل ِ
ش ْر ٍ
يوم معلوم } (سورة الشعراء ،اآلية.)155 :
ب ولكم ِ
{ قال هذه ناقة لها ِ
ش ْر ٌ
ش ْر ُ
ب ٍ
وجاء في السنة المطهرة أن الناس شركاء في ثالث " :الماء والكأل و النار" رواه أبو
داود في سننه بإسناد صحيح ،فلفظ الكأل ذو معنى واسع ،تشمل كل المزروعات التي
تعيش عليها الكائنات الحية ،وهي من الموارد الرئيسة للبيئة البرية ،وال يجوز ألحد
أن يمنع غيره من االنتفاع بتلك الموارد ،قال تعالى :
40
{ كالًّ نُ ِمدُّ هؤالء وهؤالء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ً } ( سورة
اإلسراء ،اآلية .) 20:
وقد أخذت االتفاقات الدولية بهذا المبدأ ،حق االنتفاع بموارد البيئة مكفول لكل البشر
كما في اتفاقية الفضاء الخارجي ( 27يناير ،)1967وقد تكلمت المادة األولى منها
عن فكرة التراث المشترك بخصوص المواد والثروات الموجودة في قاع البحار
والمحيطات وباطن األرض خارج حدود الوالية الوطنية لكل دولة.
.6بما أن موادر الطبيعة تراث مشترك لالنسانية فيجب االلتزام باآلداب اإلسالمية في
تنميتها ودفع الضرر والفساد عنها ،ألن تلك الموارد المشتركة بين بني البشر لها
وظائف ثالث :
الوظيفة األولى :تعبدية وهي ذات شقين
الشق األول :أنها تسبح بحمد خالقها وتسجد له ،ودليل على قدرة هللا سبحانه
وتعالى ،حيث يقول {ألم تر أن هللا يسجد له من في السموات ومن في األرض
والدواب} (سورة الحج ،االية .)18 :
والشجر
والقمر والنجو ُم والجبا ُل
والشمس
ُ
ُ
ُ
ُ
الشق الثاني :يخص اإلنسان الذي سخرت لخدمته تلك الموارد ،فهذه األخيرة مجال
لتأمل اإلنسان وإعمال فكره حول مبدعها وخالقها ،قال سبحانه وتعالى { :إن في
خلق السماوات واألرض واختالف الليل والنهار آليات ألُولي األلباب الذين يذكرون
هللا قياما ً وقعودا ً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات واألرض ربنا ما خلقت
هذا باطالً سبحانك ف ِقنا َ
عذاب الناري (سورة آل عمران ،اآليتان )190-191 :
ً
والتعدي على البيئة أو استنزافها يعوق تلك الوظيفة التعبدية.
الوظيفة الثانية :جمالية ترفيهية ،ذلك أن هللا خلق موارد الطبيعة مختلفة األلوان
واألشكال ،إلدخال البهجة والسرور على نفس من استخلفه هللا في عمارة األرض،
ت
وصدق هللا العظيم إذ يقول { :أل ْم ت َ َر أن هللا أ َنز َل من
السماء ما ًء فأخرجنا به ثمرا ٍ
ِ
41
ختلف ألوانها و َ
يب سودٌ ومن
مر ُم
ُّمختلفا ً ألوانُها ومن الجبال ُجدَدٌ
ٌ
ٌ
غرا َ ِب ُ
بيض و ُح ُ
اَّلل ِم َن عباده العُلما ُء إن هللا
الناس والدواب واألنعام ُم ْخت َ ِل ٌ
ف ألَ َوانُه كذلك إنما يخشى ه َ
ٌ
غفور } (سورة فاطر ،اآليتان .)27-28 :
عزيز
ٌ
الوظيفة الثالثة :حياتية معيشية ،فكل فرد يستعمل موارد الطبيعية في تدبير طعامه
وطعام أنعامه ،ويتخذ منها ملبسه ومسكنه ،ووسيلة انتقاله دون أن يتعدى على حق
الغير ،ومادام ذلك في حدود شرع هللا.
. 7اإلسالم يحظر التعسف في استعمال موارد الطبيعة لتأثير ذلك على التوازن البيئي،
فالرعي الجائر يؤدي إلى التصحر ،واستخدام المبيدات الكيميائية لمقاومة اآلفات
الزراعية أدى إلى موت العديد من الطيور بتأثير تلك المبيدات وأدى إلى انقراض كثير
من الحيوانات البرية والطيور كالبوم والثعالب التي كانت تتخذ من الفئران غذاء لها،
فاختل التوازن بين الطرفين ،وظهرت مشكلة الفئران وألحقت الضرر بالمزارع .وأدى
التلوث إلى ظاهرة األمطار الحمضية التي تعاني منها دول شمال غرب أوربا ،حيث
قضت األمطار على 16مليون فدان من الغابات في تسع دول أوربية.
. 8دعا اإلسالم إلى الوسطية أو االعتدال في استغالل موادر البيئة ،قال هللا تعالى { :
وكذلك جعلناكم أمة وسطا ً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ً }
(سورة البقرة ،اآلية .)143 :
واألمة الوسط هي األمة األعلى واألشرف بين األمم ،ألنها تقوم على طريق الحق
والعدل .وللوسطية مظاهر عدة منها :
ـ الوسطية في التصور واالعتقاد ،ال غلو في التجرد الروحي ،وال في االرتكاس
المادي.
ـ الوسطية في التنظيم ال تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر ،وال تدعها كلها
للتشريع والتأديب ،وإنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب.
42
ـ الوسطية في االرتباطات والعالقات ،ال تلغي شخصية الفرد ومقوماته ،وال تتالشى
شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ،وال تطلقه فردا ً جشعا ً ال هم له إال ذاته،
وإنما تجعل الفرد خادما ً الجماعة ،والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق ،فعندما
اشتد جموح األفراد وأنشطتهم لتدمير طبقة األوزون عن طريق زيادة استخدام
الفلوروكربون ،سارع العالم إلى عقد االتفاقيات لتقييد حرية الدول في استخدامه
حفاظا ً على حقوق اإلنسانية جمعاء ،إنها المسؤولية المشتركة.
.9تنهى مبادئ اإلسالم عن اإلسراف والتبذير في استعمال ما أنعم هللا به على
اإلنسان من موارد البيئة ،قال تعالى { :يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا
واشربوا وال تسرفوا إنه ال يحب المسرفين} (سورة األعراف ،اآلية .) 31 :
إن اإلسراف والتبدير ضرب من ضروب الفساد في األرض المنهي عنه شرعاً ،قال
سد َ
األرض
ُون في
تعالى { :فاتقوا هللا
وأطيعون وال تطيعوا أَ ْم َر المسرفين الذين يُ ْف ِ
ِ
ِ
َ
لحون } ( سورة الشعراء ،اآليات .)150-151-152 :
ْص
وال ُي ِ
وقد نهى رسول هللا صلى هللا عليه و سلم عن اإلسراف في استهالك الماء عند
الوضوء ،فقد مر بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ فقال :ما هذا السرف يا سعد؟
فقال :أفي الوضوء سرف ؟ قال :نعم وإن كنت على نهر جار (رواه مسلم).
كما حث اإلسالم في الوقت نفسه على تهيئة الموارد الطبيعية لالستغالل ،ويدل على
ذلك حديث رسول هللا صلى هللا عليه و سلم (:من أحيا أرضا ً ميتة فهي له) رواه
البخاري.
.10دعا اإلسالم إلى االحتكام إلى شريعة هللا حكومة وشعبا ً واألخذ بمبادئ العدل
والشورى ،ففي كثير من الدول النامية ال يشارك الشعب في اتخاذ القرارات التنموية،
وتفرض عليه مشاريع التنمية ،دون أخذ رأيه تجاهها .ويترتب على عدم مناقشته
لمثل هذه المشاريع ،وتحديد نتائجها ،مشاكل بيئية ال حصر لها ،تكون الحكومات في
غنى عن مواجهتها لو استمعت إلى الجماهير التي سوف تعود عليها نتائج التنمية.
43
وقد دعا اإلسالم إلى عدم االنفراد بالرأي ،ومشورة الجماعة .قال تعالى { :والذين
استجابوا لربهم وأقاموا الصالة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } (سورة
الشورى،اآلية ،)150 :كذلك بالمعارضة تظهر عيوب خطط التنمية واآلثار السلبية
لتفاعل اإلنسان مع البيئة.
11.الحريم
عينت الشريعة اإلسالمية حرما ً متنوعة يحرم فيها التعمير ،أو يقيد لحماية المرافق
العامة والموارد المهمة من اإلفساد واإلضرار ،فلكل قرية أو مدينة حرم حولها حيث
ال تملك األراضي لألحياء ،وألهل القرية جميعا ً إدارة هذه األراضي المشتركة بينهم
لتأمين ما يحتاجون إليه من المرعى والحطب وغير ذلك ،وكذلك موارد المياه كاألنهار
والعيون واآلبار ومسايل المياه ،والمرافق العامة كالطرق واألفنية ،لها حرمة
مشروعة ،وذلك لمنع إفسادها ،وتيسير استعمالها وصيانتها ،ومن واجب السلطة أن
تمنع االعتداء على مثل تلك الحرم.
12.الحمى
لوالة األمور الحق بل عليهم أن يحموا األراضي ذات المنفعة العامة كإدارة المراعي
والغابات ،ومستجمعات المياه والحيوانات البرية والمحافظة عليها فقد حمى رسول هللا
صلى هللا عليه و سلم أراضي في سبيل هللا للمصالح العامة .ولوالة األمور ،داخل
هذه األحمية ،أن يمنعوا التعمير وقطع الشجر والرعي والصيد ،أو تقييده ،حسب
األهداف المعنية لكل حمى.
13.الوقف الخيري
إن اإلسالم يحث المسلمين كأفراد على المشاركة في المحافظة على البيئة وعمارتها
الرشيدة عن طريق الهبة والوصية ،وأهم النظم الشرعية في هذا المجال هو نظام
44
الوقف الخيري .وقد يكون الوقف على شكل أرض مخصصة ألغراض خيرية كاألبحاث
الزراعية أو الرعوية أو محتطب لقرية أو حوض أو بئر أو حديقة عامة ،أو يكون
الوقف على شكل عقار أو مال مخصص لإلنفاق على مشاريع مماثلة .وفي هذا
محافظة على الموارد الطبيعية في البيئة.
14.الحرمان الشريفان :
خصص رسول صلى هللا عليه و سلم
مناطق معينة من مكة والمدينة كمحميات
طبيعية ،وحدد رسول هللا للحرم المكي حدودا من جميع الجهات ال يعضد شوكه وال
ينفر صيده .وعن أبي هريرة أن رسول صلى هللا عليه و سلم قال (:إن إبراهيم حرم
مكة وإني حرمت المدينة ،ما بين البتيها ،ال يقطع عضاها وال يصاد صيدها).
يتضح مما سبق أن اإلسالم أول من قرر مبدأ المحميات الطبيعية وأقام محميتين
طبيعيتين وحدد حدودهما ،كما سن التشريعات المناسبة لحماية الحياة البرية فيهما،
فبالنسبة لل ُمحْ ِر َِم بمكة إذا قتل صيدا ً أو قطع شجرة طبيعية لم يستنبتها اإلنسان ،فإنه
يكون آثما ً ويجب عليه االستغفار كما تجب عليه الغرامة ،وهي دفع قيمة ما قطع أو
الهدي (وهو ما يهدى إلى الحرم من النعم مثل اإلبل ،وغيرها).
15ـ تضمن الفقه اإلسالمي العديد من القواعد الفقهية التي تعتبر األساس للعديد من
األنظمة والقوانين الخاصة بالتنمية المستدامة ،ومنها :
. 15-1ال ضرر وال ضرار :
أي ال يضر اإلنسان غيره بأعماله ،وال هو يضار بأعمال الغير ،فمن حق اإلنسان أن
يستمتع على سبيل المثال بمشاهدة التلفاز ،واالستماع إلى الراديو ،لكن ليس من حقه
أن يتسبب في إزعاج اآلخرين عن طريق رفع الصوت من وسائل االتصال الحديثة،
فحرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية اآلخرين .ومن حق اإلنسان استخدام المياه في
45
الشرب وأغراضه الخاصة ،لكن ليس من حقه تلويث المياه أو إهدارها ،فكل حق بيئي
يقابله واجب بيئي.
15-2درء المفاسد مقدم على جلب المصالح :
فما أدى إلى حرام فهو حرام ،كما أن منع الضرر قبل حدوثه أولى في معالجته بعد
حدوثه .فمن المؤكد أن منع التلوث الغذائي قبل وقوعه ،أولى من معالجته بعد حدوثه.
15-3ت َ َح ُّم ُل الضرر الخاص لدفع الضرر العام :
فعدم استخدام المبيدات بكثرة ،واستخدام المقاومة البيولوجية بدالً من المقاومة
الكيميائية ،أفضل من الضرر الذي قد يصيب عددا ً كبيرا ً من جراء تلوث التربة ،والتي
لها آثار جانبية على اإلنسان والحيوان باإلضافة إلى أنها تقتل الكائنات الدقيقة
الموجودة في التربة (المحلالت) والتي تعمل على تكوين مادة "الدوبال" التي تؤدي
إلى خصوبتها ،ومن هنا كان تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
15-4الضرر يُزال :
من يتسبب في إحداث الضرر ،ينبغي عليه إزالته ،فإلقاء السفن الضخمة فضالتها في
البيئة البحري ة ،يلوثها ويدمر النباتات البحرية ،مما يؤدي إلى اختالل التوازن البيئي،
ومن هنا يجب على المتسبب أن يتخذ ما يلزم من إجراءات إلزالة اآلثار السيئة
ألفعاله ،حيث يعدُّ هذا إفسادا ً في األرض ،وقد توعد هللا المفسدين بالعذاب الشديد.
وهناك الكثير من المبادئ الفقهية التي تقوم عليها فكرة التنمية المستدامة ،وضرورة
المحافظة على الموارد الطبيعية لألجيال الحالية والمستقبلية ،وعدم تبديدها أو
إهدارها ،ومن هذه المبادئ :
15-5الحكم يدور مع علتة وجودا ً وعدماً.
15-6إذا زال المانع عاد الممنوع.
46
15-7إذا سقط األصل ،سقط الفرع.
15-8ليس كل ما هو مشروع للفرد ،مشروعا ً للجماعة.
15- 9المعروف عرفاً ،كالمشروط شرطاً.
15-10ما ال يتم الواجب إال ه به فهو واجب.
15-11األصل في األشياء اإلباحة.
ثانياً :تعريف التنمية المستدامة من وجهة نظر إسالمية :
بناء على األسس والمبادئ والمقومات التي تمت مناقشتها سابقا ً والتي تقوم عليها
التنمية المستدامة من منظور إسالمي ،يمكن تعريف التنمية المستدامة من وجهة نظر
إسالمية التعريف التالي :
التنمية المستدامة من وجهة نظر إسالمية عملية متعددة األبعاد ،تعمل على التوازن
بين أبعاد التنمية االقتصادية واالجتماعية من جهة ،والبعد البيئي من جهة أخرى،
وتهدف إلى االستغالل األمثل للموارد واألنشطة البشرية القائمة عليها من منظور
إسالمي يؤكد أن اإلنسان مستخلف في األرض له حق االنتفاع بمواردها دون حق
ملكيتها ،ويلتزم في تنميتها بأحكام القرآن والسنة النبوية الشريفة ،على أن يراعي
في عملية التنمية االستجابة لحاجات الحاضر ،دون إهدار حق األجيال الالحقة،
ووصوال ً إلى االرتفاع بالجوانب الكمية والنوعية للمادة البشر.
وهذا التعريف يتضمن ثالثة عناصر أساسية :
. 1عملية متعددة األبعاد تقوم على التخطيط والتنسيق بين خطط التنمية الشاملة من
جهة وبعدها البيئي من جهة أخرى.
.2االستغالل األمثل للموارد من منظور إسالمي.
47
.3توفير حق األجيال الحاضرة والالحقة من الموارد واالرتقاء بالجوانب الكمية
والنوعية للمادة والبشر.
من العرض السابق ألسس ومقومات التنمية المستدامة ،وتعريفها ،يتضح أن اإلسالم
قد أمر بها منذ أكثر من ألف وربعمائة عام ،وقبل أن تظهر الفكرة في مؤتمر ريودي
جانيرو عام ،1992وبيان التنمية المستدامة من وجهة نظر إسالمية يربطها بالوحي
اإللهي ،فتظل مصونة من الخطأ والزلل ،محوطة بضمانات من الوحي الرباني والهدي
النبوي ،كما قال صلى هللا عليه و سلم ( :تركت فيكم ما إن تمسكتم به ،لن تضلوا
بعدي أبداً ،كتاب هللا وسنتي).
ومما الشك فيه أن العالم اإلسالمي يتمتع بخصوصية ثقافية واحدة جامعة ،أسسها
وأرسى دعائمها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ،وقواعد الفقه اإلسالمي،
واألثر الثقافي واألخالقي الذي تتميز به حضارتنا اإلسالمية ،والذي يشجع على
الحوار ،إليجاد وئام وتوافق دولي بين الحضارات واألديان ،يكون أحد مخرجاته
تحقيق التنمية المستدامة بمفهومها الشامل على المستوى الوطني واإلقليمي
والدولي.
الفصل الرابع
المعوقات األساس للتنمية المستدامة ،ومطالب الدول األعضاء من القمة العالمية
للتنمية المستدامة
أوال ً :المعوقات الرئيسة للتنمية المستدامة في العالم اإلسالمي.
.1الفقر وتراكم الديون
ـ الفقر مفهوم متعدد األبعاد فهو يعني انعدام الحيلة ،والتعرض للمعاناة ،والخوف.
والفقر ال يشمل فقط انخفاض الدخل واالستهالك ،بل يشمل أيضا ً ضعف اإلنجاز في
مجاالت التعليم ،والصحة والتغذية ،واإلسكان ،وغيرها من مجاالت التنمية.
48
ـ يرجع الفقر بصفة أساس إلى أن توزيع المكاسب العالمية غير متكافئ بصورة
صارخة ،فمتوسط دخل الفرد في أغنى 20بلدا ً في العالم ،يعادل 37مثالً لمتوسط
الدخل ألفقر 20بلدا ً في العالم.
ـ يتم اتخاذ نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي ،كمؤشر عام يوضح مدى
االستقرار المادي ألفراد الشعب ،وبالنظر إلى نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي
في الدول األعضاء في منظمة المؤتمر اإلسالمي ،وذلك لعام ،2000بالدوالر
األمريكي ،نجد ما يلي :
. 1هناك دول في العالم اإلسالمي نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي فيها
مرتفع ،والذي يبلغ أكثر من 9266دوالرا ً كما حددته بيانات البنك الدولي عام
2001وهي دولة اإلمارات العربية المتحدة ،سلطنة بروناي ،دولة الكويت ،دولة
قطر.
.2دول نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي من 756دوالرا ً حتى أقل من
9266دوالراً ،وتتمثل في ،األردن ،سلطنة عمان ،إيران ،ماليزيا ،جزر المالديف،
سورينام ،المغرب ،الجزائر ،تونس ،الجابون ،سوريا ،مصر ،البحرين ،باكستان،
بنجالديش ،أذربيجان ،قازاخستان ،السنغال ،غينيا ،تشاد ،بنين ،جابون ،جمبيا،
الكاميرون ،قيرغيزستان ،أندونيسيا ،موريتانيا ،بوركينا فاسو ،نيجريا ،كوت ديفوار
( 30دولة).
.3دول ذات دخل منخفض :والتي يبلغ نصيب الفرد فيها الناتج القومي اإلجمالي
755دوالرا ً أو أقل ،وتشمل :اليمن ،جزر القمر ،النيجر ،غينيا بيساو ،سيراليون،
ويتضح من مؤشر متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي أن هناك تفاوتا ً
في توزيع الثروة في العالم اإلسالمي ،وأنه يجب على دول العالم اإلسالمي الغنية أن
تستثمر أموالها في الدول الفقيرة في العالم اإلسالمي.
49
ـ يدفع الفقر إلى استنزاف الموارد الطبيعية المتوفرة والقليلة وإلى استعمالها استعماالً
عشوائياً ،حيث تستعمل األراضي الهامشية إلى درجة استنزافها ،وتنخفض قدرتها
على اإلنتاج الزراعي ،كما تقطع أشجار الغابات ألغراض التدفئة بسرعة ال تسمح
بتعويض ما تم قطعه ،وهذه الجدلية بين الفقر واستنزاف الموارد الطبيعية قد يكون
سببها ضغط الديون الخارجية ،التي تجعل الفقير ال يستطيع التفكير في المدى البعيد،
واليفكر إال في قوته اليومي الذي يمثل بالنسبة له أكبر التحديات.
ـ تشكل خدمة الدين بالنسبة لصادرات السلع و الخدمات عام ،1998في بعض دول
العالم اإلسالمي :
بالنسبة لسوريا ، %6,4األردن ، %16,4أندونيسيا ، %33باكستان ، %23,6
بنجالديش ، %9,1إيران ،%20,2طاجيكستان ، %13,7قيرغيزستان ،%9,4
مصر ، %9,5السودان ، %9,8المغرب ، %23الجزائر ، %42تونس، %15,1
موريتانيا ، %27,7نيجيريا ، %11,2كاميرون ، %22,3النيجر، %12,6
السنغال ، 23,2غينيا ، %19,5لكل من تشاد وبنين ، %10,6وغينيا
بيساو %25,6وفي جامبيا . %9,7
مما سبق يتضح أن خدمة الديون كنسبة مئوية من صادرات السلع والخدمات تشكل
عبئا ً على اقتصاد معظم دول العالم اإلسالمي.
ـ وقد حرصت مبادئ اإلسالم على محاربة الفقر بضمان حد الكفاية لكل فرد يوفره
لنفسه ولمن يعولهم بعمله وجهده ،فإن لم يستطيع ذلك لسبب خارج عن إرادته،
كمرض أو عجز أو شيخوخة ،تكفلت له بذلك الدولة من مال مؤسسة الزكاة التي
انفرد اإلسالم بإنشائها منذ أربعة عشر قرنا ً ليحرر اإلنسان من عبودية الفقر
والحاجة ،وليخلص في عبادة هللا وحده.
.2الحروب وانعدام االستقرار وغياب األمن
50
شهدت معظم بالد العالم اإلسالمي خالل القرن العشرين ،وخاصة منذ بداية الصراع
العربي اإلسرائيلي ،الكثير من النزاعات والصراعات والحروب األهلية ،كان من
أسبابها الرغبة في السيطرة على األرض والموارد ولقد أدت إلى عرقلة مسيرة الدول
التنموية وزعزعة استقرارها واستنزاف قواها ومواردها ،وكان لها أبلغ األثر على
حالة بيئتها الطبيعية والبشرية ،كما كان لها عواقب مدمرة ،ومآسي إنسانية كثيرة
تمثلت في نزوح الالجئين والمتضررين وإفراز فقراء ينهشهم المرض والجوع .ومن
هذه النزاعات والصراعات والحروب بشكل عام:
.1الصراع العربي ـ اإلسرائيلي.
.2مشكلة األلغام التي خلفتها الحروب في العالم اإلسالمي.
.3النزاعات الحدودية العربية واإلسالمية.
.4النزاعات حول الموارد المائية المشتركة.
. 5الصراعات والحروب األهلية (في الصومال ـ السودان ـ جزر القمر ـ
الجزائر...الخ)
.6حرب الخليج الثانية والتي أدت إلى دمار بيئي كبير.
.7فرض العقوبات (على العراق ـ وليبيا).
.8النزاع بين الهند وباكستان.
. 3قلة اإلمكانات التقنية والخبرات الفنية ،وعدم توفر التقنيات الحديثة والمالئمة
للظروف المحلية للعديد من دول العالم اإلسالمي لقلة الموارد المالية ويظهر ذلك
كمثال فيما يصرف على التعليم في بعض هذه الدول مقارنا ً بالدول المتقدمة .فما تزال
معظم بلدان العالم اإلسالمي بعيدة عن تحقيق االستيعاب الكامل لألطفال في مدارس
التعليم االبتدائي ،رغم رفعها شعار إلزامية التعليم ،وبشكل عام يالحظ انخفاض قدرة
51
التعليم الثانوي في بلدان العالم اإلسالمي على استيعاب التالميذ في الشريحة العمرية
المقابلة ،وإذا كانت نسبة طالب المدارس اإلعدادية والمتوسطة تصل في بعض البالد
إلى %90أو أكثر ،فإن نسبة طالب التعليم الثانوي إلى الشريحة العمرية المقابلة
تنخفض في بعض بلدان العالم اإلسالمي لتصل إلى ،%25ويؤدي هذا بالتالي إلى
جفاف المنبع الذي تخرج منه الخبرات الفنية باإلضافة إلى هجرة العقول إلى الدول
المتقدمة.
ـ تتزايد الفجوة في نوعية التعليم بين الدول الصناعية والدول النامية ومنها دول
العالم اإلسالمي ويبدو أن تلك الفجوة النوعية في ازدياد .وتشير اإلحصاءات إلى أن
دول أوربا الغربية كانت تنفق ما قيمته 14مثال لما تنفقه الدول النامية على كل طالب
عام ،1960وفي عام 1980بلغت نسبة ما تنفقه الدول الصناعية 50مثالً لكل
طالب ،وهذا بطبيعة الحال له انعكاساته على التفاوت في مدخالت العميلة التعليمية،
واحتياجتها الفنية ،وبالتالي على المستوى العلمي ومستوى المهارات لمخرجات
التعليم ،ومن ثم اتسعت الفجوة النوعية بين دول الشمال ودول الجنوب ،وتجسد ما
عرف باسم فجوة المعرفة بين الدول الغنية والفقيرة ،بل وبين األغنياء والفقراء في
القطر الواحد.
.4تدني األوضاع اإلقتصادية ،مما ينعكس سلبيا ً على قدرات الدول في االلتزام
بمسئولياتها تجاه التنمية العالمية المستدامة ،ويرجع ذلك إلى انخفاض متوسط دخل
الفرد في معظم دول العالم اإلسالمي ،ضعف رأس المال المتاح لالستثمار في النهوض
بقطاعات اإلنتاج، ،انتشار البطالة وعدم وجود فرص عمل بصفة خاصة للشباب
وانخفاض مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي اإلجمالي ،وازدياد مساهمة
القطاع األول كالزراعة والصيد والرعي ،وقطع األخشاب ،وارتفاع نسبة األمية،
وارتفاع معدالت النمو السكاني ،والتبعية االقتصادية الخارجية واالعتماد على سلعة
واحدة تقوم الدولة بتصديرها ،والهجرة من الريف للمدن...إلخ ،واستثمار األموال
العربية في الدول الغربية ،حيث تقدر األموال العربية المستثمرة في خارج العالم
52
اإلسالمي بما ال يقل عن 800مليار دوالر ،علما ً بأن االستثمار في الدول اإلسالمية
وإن كان أقل ربحية إال أنه أكثر أماناً .ومما ال شك فيه أن هذه األوضاع االقتصادية
تؤثر على تنفيذ مشاريع التنمية المستدامة.
. 5عدم وجود مواءمة بين النمو السكاني والموارد الطبيعية المتوفرة لتلبية
احتياجات معدالت النمو في الدول اإلسالمية ،فإذا أخذنا على سبيل المثال األراضي
الصالحة لالستخدام نجد أنها محدودة بالنسبة للمساحة الكلية لمعظم دول العالم
اإلسالمي ،فهي تبلغ %31,9في سوريا ،و %6في مصر ،وهي منخفضة في
الجزائر والسودان ،وتصل أدنى النسب %0,5في السعودية .وقد أدت الضغوط
السكانية إلى تزايد التوسع في زراعة مناطق الرعي الطبيعية والزراعات المطرية،
وقد أدى كل ذلك إلى ازدياد معدالت الرعي الجائر ،والتصحر بين مختلف أرجاء العالم
اإلسالمي.
وإذا أخذنا مصادر المياه العذبة كمثال ،فقد انخفضت حصة الفرد من المياه العذبة في
المنطقة العربية بشكل حاد.
من 4000متر مكعب للفرد الواحد عام .1950
إلى 1312متر مكعب للفرد الواحد عام .1995
إلى 1000متر مكعب للفرد الواحد عام .2001
والمنتظر 500متر مكعب للفرد الواحد عام .2025
ويؤثر في مشاكل المياه في المنطقة عدة عوامل منها :
ـ سرعة تزايد معدالت النمو السكاني.
ـ اإلدارة والسياسات والممارسات غير الفعالة للمياه.
53
ـ الوضع األمني المتقلب وسريع التأثر.
ـ األنهار التي تنبع من خارج حدود العالم اإلسالمي.
ويعتبر نقص إمدادات المياه إحدى أولويات القمة العالمية للتنمية المستدامة
بجوهانسبرج في أغسطس ،2002ولقد تبنت العديد من دول العالم اإلسالمي
سياسات وبرامج طموحة تهدف إلى تنمية مصادر المياه المتجددة لتغطية النقص
الحاد في إمدادات المياه الصالحة للشرب ،ومن هذه المصادر محطات تحلية مياه
البحر ،وإنشاء السدود لتجميع مياه األمطار ،واستغالل المياه الجوفية المتجددة،
ونشر الوعي البيئي بين األفراد لترشيد استهالك المياه في مختلف األغراض،
باإلضافة إلى برامج ناجحة للتخطيط والتنظيم العائلي.
.6عدم وفاء الدول المتقدمة بتقديم المساعدات التي وعدت بها للدول النامية
كان من نتائج مؤتمر قمة األرض بريودي جانيرو عام ،1992تعهد الدول المتقدمة
بتقديم %0,7من إجمالي ناتجها المحلى إلى الدول النامية ،لمساعدتها في
تنفيذمشروعات بيئية تحقق أهداف التنمية المستدامة ،هذا باإلضافة إلى أن الدول
المتقدمة هي المسؤول األساس عن تلوث البيئة ،حيث تنتج %80من إنبعاثات
غازات االحتباس الحراري ،لكن لألسف لم تف إال بعض الدول األسكندينافية (السويد
ـ النرويج ـ فنلندا ـ الدنمارك) بنحو %0,33من إجمالي نتاجها المحلي ،لمساعدة
الدول النامية ،ومنها بالطبع دول العالم اإلسالمي ،وتطمح الدول النامية في مؤتمر
قمة التنمية المستدامة بجوهانسبرج إلى تحويل أعباء الديون وفوائدها إلى موارد
مالية لخدمة أهداف التنمية المستدامة.
ثانيا ً :ماذا تريد الدول النامية (ومنها دول العالم اإلسالمي من قمة التنمية المستدامة
بجوهانسبرج؟
54
مجاالت الدعم المطلوبة من المجتمع الدولي لتحقيق التنمية المستدامة في الوطن
العربي والعالم اإلسالمي.
.1السالم واألمن :
أ) المساعدة الدولية في حل النزاع العربي ـ اإلسرائيلي وفقا ً لقرارات مجلس األمن
والشرعية الدولية وتحقيق السالم الشامل والعادل الذي يضمن إعادة كامل الحقوق
ألصحابها بما فيها االنسحاب اإلسرائيلي من جميع األراضي العربية كخطوة أساس
الستقرار المنطقة وتعزيز مسار التنمية المستدامة.
ب) حث المجتمع الدولي على تحديد مفهوم اإلرهاب وإيجاد تعريف متفق عليه مع
التأكيد على أن مقاومة اإلحتالل ال تعتبر بأي حال من األحوال إرهابا ،بل تعتبر عمالً
شرعيا ً وفق ميثاق األمم المتحدة.
ج) مسؤولية الدول التي تسببت في فقدان أو تدهور الموارد الطبيعية أثناء الحروب
في دفع التعويضات أو تكاليف اإلصالح ،وبالمثل مسؤولية الدول التي زرعت األلغام
في تحمل تكاليف إزالتها ،والدول التي استخدمت اليورانيوم المستنفذ في دفع
تعويضات األضرار التي تسببت عن ذلك.
د) تكثيف الجهود لمنع امتالك واستخدام األسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار
الشامل وإعالن منطقة الشرق األوسط منطقة خالية من هذه األسلحة.
هـ) حل النزاعات بين دول العالم اإلسالمي وفقا ً لقرارات األمم المتحدة.
. 2مكافحة الفقر :
أ) دعم الدول المتقدمة ومؤسسات التمويل الدولية للجهود المبذولة من قبل الدول
النامية ،في إيجاد المناخ الدولي المالئم للقضاء على الفقر.
55
ب) التأكيد على كافة منظمات األمم المتحدة ،أن يكون القضاء على الفقر أحد أهم
محاورها األساس وتطوير برامج المساعدات الدولية لتشمل القضاء على الفقر
وإشراك المجتمع المدني فضالً عن تشجيع القروض الميسرة.
ج) عدم استخدام أي نوع من أنواع الحصار االقتصادي على الدول ،والتأكيد على رفع
الحصار والعقوبات االقتصادية عن الدول العربية المفروض عليها ،ألنه يؤدي إلى
مزيد من التدهور في مستوى معيشة الطبقات الفقيرة.
.3عبء الديون :
إلغاء الديون والخدمة المترتبة عليها ،واالستفادة من زيادة الموارد في تمويل
مشاريع التنمية المستدامة وخاصة الموجهة للحد من الفقر والحفاظ على البيئة.
.4التجارة الدولية :
أ) التأكيد على أن تعمل منظمة التجارة العالمية على تحقيق ما أنشئت من أجله لصالح
األعضاء من الدول المتقدمة والدول النامية على حد سواء ،وتحرير التجارة وفتح
األسواق أمام صادرات تلك الدول ،وأن يكون للدول النامية ومنها دول العالم اإلسالمي
نصيب عادل من هذه األسواق ،وعدم إقحام المعايير البيئية والمهنية في المفاوضات
وتركها للجهات المختصة األخرى.
ب) توفير المساعدات الفنية للدول النامية ومنها دول العالم اإلسالمي لتعزيز قدراتها
على النفاذ إلى األسواق ،وخاصة من حيث تنويع الصادرات وتحسين جودة وكفاءة
المنتج العربي واستخدام تقنيات اإلنتاج األنظف.
.5العولمة :
56
أ) مساعدة الدول النامية على مواجهة آثار العولمة التي قد تحد من إمكانية تحقيق
التنمية المستدامة فيها ،واالستفادة مما يمكن أن تقدمه العولمة من فرص قد تؤدي
إلى قدر من اإلنتاجية وبمستوى أعلى من المعيشة لشعوب الدول النامية.
ب) مشاركة عادلة لجميع الدول في العولمة تحكمها حرية انتقال الموارد البشرية
والتقنيات إلى جانب حرية تدفق رؤوس األموال والمنتجات والخدمات .واعتماد ميثاق
شرف لعمل الشركات متعددة الجنسية ،ووضع ضوابط لضمان تدفق وتشجيع
االستثمار األجنبي المباشر بما يتفق واألولويات واالحتياجات األقليمية والمحلية.
.6دعم القدرات في مجال البحوث ونقل التكنولوجيا :
أ) توجيه المجتمع العلمي الدولي والجهات المانحة ومنظمات األمم المتحدة إلى دعم
قدرات المراكز األكاديمية والبحثية في الدول النامية ومنها دول العالم اإلسالمي
وخاصة في مجال تطوير البرامج وتعزيز القدرات المتصلة باألولويات البحثية في كل
منطقة ،فمثالً في دول العالم اإلسالمي ،يأتي في مقدمة أولوياتها وأهمها تحلية مياه
البحر ،والتقنية الحيوية ،والطاقات الجديدة والمتجددة وتطوير التقنيات التقليدية،
وتطبيق المكافحة المتكاملة لآلفات الزراعية واستخدام التقنيات وأساليب الري
الحديثة التي تشجع على ترشيد استعماالت المياه والتوسع في استخدام السالالت
النباتية المتأقلمة مع الظروف المحلية وخاصة شح المياه وارتفاع درجة الحرارة
ونسبة الملوحة.
ب) تقديم الدعم إلى القطاع الخاص لمساندة التحول إلى وسائل اإلنتاج األنظف ،وهي
خطوة مهمة لزيادة قدرة الدول النامية على تنفيذ التزاماتها طبقا لالتفاقيات الدولية
المعنية بالبيئة.
ج) على الدول المتقدمة أن تغير من أنماط االستهالك واإلنتاج غير المستدام التي
تؤدي إلى نضوب الموارد وتيسير توفرها للدول النامية.
57
د) تيسير إتاحة التقنيات المعلوماتية واالتصاالت الحديثة التي تفتح آفاقا ً جديدة
لترشيد استخدام الموارد للدول النامية ومنهادول العالم اإلسالمي.
.7الحاكمية والمشاركة في صنع القرار :
العمل على تعزيز دور األمم المتحدة ومنظماتها المختلفة ذات العالقة بالتنمية
المستدامة وتطوير آليات عملها بما يمكنها من تنفيذ االستراتيجيات والبرامج الخاصة
بالتنمية المستدامة بأسلوب متكامل ،ودعوتها لتوثيق التعاون مع جامعة الدول
العربية ومنظمة المؤتمر اإلسالمي ومؤسساتها.
.8السكان والنمو الحضري والصحة والبيئة :
أ) العمل على وضع سياسة متكاملة تُراعي بُعدي النمو السكاني ،والخصائص
السكانية ،وتعالج اختالل التوازن السكاني بين الريف والمدن.
ب) دعم الخطوات اإليجابية التي تقوم بها الدول النامية ،ومنها دول العالم اإلسالمي
لتحقيق التكامل بين االستراتيجيات الصحية والبيئية ،وخاصة من حيث توفير الغذاء
والمياه الصالحة للشرب ،ومعالجة مياه الصرف والمخلفات الصلبة ،والتحكم والحد
من المخاطر المحتملة الناتجة عن الكيماويات والتلوث بمختلف أنواعه والمواد
المعدلة وراثيا ً وتحقيق األمان النووي في ودول العالم اإلسالمي.
.9اإلدارة المتكاملة للموارد الطبيعية :
أ) مساعدة الدول النامية ومنها دول العالم اإلسالمي في وضع السياسات والبرامج
للحد من تدهور البيئة والموارد الطبيعية ،والعمل على إدارتها بشكل مستدام بما
يحقق األمن المائي والغذائي والمحافظة على النظم األيكولوجية والتنوع الحيوي
ومكافحة التصحر.
58
ب) إن الدول المتقدمة وخاصة الصناعية منها هي المسؤولة بشكل رئيس عن التلوث
العالمي وتزايد معدالته بما فيها التغيرات المناخية واستنفاد طبقة األوزون وذلك من
خالل أنماط اإلنتاج واالستهالك غير المستدام التي تبنتها.
ج) حث الدول الصناعية على الحد من أنماط االستهالك المدمر للموارد البيئية وذلك
من خالل برامج واضحة خاصة بتعديل وتطوير أساليب االستهالك والتحول إلى أنماط
اإلنتاج واالستهالك المستدام.
.10الصناعة والسياحة :
أ) دعم جهود الدول النامية في نقل وتوطين وامتالك التقنيات الحديثة بما يتناسب مع
الظروف االقتصادية واإلجتماعية والبيئية في دول المنطقة ودراسة تلك التقنيات
المراد استيرادها وتقييم تطبيقاتها وآثارها المحتملة وتالفي سلبياتها قبل الشروع في
تطبيقها في المنطقة للنهوض باإلنتاج الصناعي.
ب) الحاجة إلى جهود دولية لتعزيز مفهوم السياحة التي تعتمد على االستغالل الرشيد
لمصادر الثروة الطبيعية واآلثارو وتعزيز مفهوم السياحة البيئية.
.11التراث الحضاري والطبيعي :
أ) الدعوة إلى إرساء شراكة عالمية تستفيد من اإلرث األخالقي والثقافي الذي تتميز
به الحضارة العربية اإلسالمية لتحقيق التوجه الذي تسعى األمم المتحدة إلى ترسيخه
والمتمثل في تشجيع الحوار إليجاد وئام وتوافق دولي بين الحضارات واألديان.
ب) توفير الدعم الفني والمادي للمساعدة في صيانة وحماية وتنمية التراث الحضاري
والطبيعي للعالم اإلسالمي.
.12التمويل :
59
أ) تعزيز موارد المرفق العالمي للبيئة للمساعدة في تنفيذ االتفاقيات الدولية المعنية
بالبيئة وإيجاد فرص عادلة ومتكافئة لجميع الدول النامية لالستفادة من هذا المرفق.
ب) وفاء الدول المتقدمة والجهات المانحة بما دعت إليه األمم المتحدة وأكدت عليه
مقررات ريو بشأن زيادة المساعدات الرسمية لتصبح %0,7من الناتج اإلجمالي
للدول المتقدمة.
ج) ضمان متابعة القمة العالمية للتنمية المستدامة من خالل اآلليات الدولية المتاحة
ودعمها بما يلزم من موارد إضافية على المستويين الدولي واإلقليمي.
.14تعزيز دور الجمعيات األهلية من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة:
ينبغي تعزيز دور الجمعيات األهلية من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة على
المستوى الوطني واإلقليمي والدولي وتدعيم الجهود التي تبذل حاليا ً لتدعيم وممارسة
مبدأ الشراكة بين المؤسسات الدولية والجمعيات غير الحكومية مع توفير التمويل
الالزم لها للقيام بخطط تنموية تحقق أهداف التنمية المستدامة.
http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Tanmoust/P5.htm
60
© Copyright 2026 Paperzz