تحميل الملف المرفق

‫العالم اإلسالمي وتحديات التنمية المستدامة‬
‫_منظمة اإليسيسكو‬
‫مقدمة‬
‫ازداد االهتمام بقضايا البيئة‪ ،‬ومشكالتها في الوقت الحاضر‪ ،‬بعد أن نمت مهارة‬
‫اإلنسان‪ ،‬أكثر مما نمت لديه الحكمة والعقالنية‪ ،‬وبعد أن أصبحت المشكالت البيئية‬
‫واقعا ً يتهدد حياة اإلنسان حاليا ً ومستقبالً‪ ،‬ما لم يتدارك ويعدل من سلوكه الخاطىء‬
‫بفطنة وذكاء‪.‬‬
‫ومن المسلم به أن اإلنسان لو التزم بتوجيهات اإلسالم‪ ،‬ونفذ أوامره واجتنب نواهيه‪،‬‬
‫اَّلل سبحانه‬
‫لتخلص من كل أسباب المشكالت البيئية‪ ،‬والنتفت من الوجود‪ ،‬ذلك‪ ،‬أن ه‬
‫مايضر بها‪ ،‬ويوردها‬
‫وتعالى خالق النفس البشرية‪ ،‬يعلم ما يصلح أمرها‪ ،‬وكذلك‬
‫ُ‬
‫اَّلل العظيم‪ ،‬إذ يقول في كتابة الكريم { أالَ يَ ْعلَ ُم َم ْن َخلَقَ َو ُه َو ََ‬
‫المهالك‪ ،‬وصدق ه‬
‫يف ا ْل َخ ِبير }‪( .‬سورة الملك‪ ،‬آية ‪.) 14:‬‬
‫الله ِط ُ‬
‫ولقد عالج اإلسالم كل قضايا البيئة‪ ،‬بنظرة شمولية متكاملة‪ ،‬دون الدخول في‬
‫ب‬
‫التفاصيل الدقيقة‪ ،‬وصدق ه‬
‫اَّلل العظيم‪ ،‬إذا يقول في كتابة الكريم { َما فرطنا ِفي ال ِكتَا ِ‬
‫ش ْيء } (سورة االنعام‪ ،‬آية ‪.)38 :‬‬
‫ِمن َ‬
‫علَى ش َِريعَ ٍة َم َن األ َ ْم ِر فَاتبِ ْع َها }‬
‫وقوله سبحانه وتعالى في سورة أخرى { ث ُ هم َجعَ ْلنَاكَ َ‬
‫( سورة الجاثية‪ ،‬آية ‪.)18:‬‬
‫كذلك عالجت السنة النبوية متمثلةً فى أحاديث الرسول‪ ،‬صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ماجاء‪،‬‬
‫ق ع َِن ا ْل َه َوى‪ْ ،‬‬
‫إن ُه َو‬
‫ينط ُ‬
‫اَّلل العظيم‪ ،‬إذا يقول { َو َما ِ‬
‫مجمالً في القرآن الكريم‪ ،‬وصدق ه‬
‫ي يُو َحى } ( سورة النجم‪ ،‬اآليتان ‪ 3 :‬و‪.)4‬‬
‫إال ه َوحْ ّ‬
‫وتشتمل الدراسة على أربعة فصول ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫الفصل األول ‪ :‬ويناقش مفهوم البيئة ومكوناتها من وجهة نظر إسالمية‪ ،‬كما وردت‬
‫في القرآن الكريم والحديث الشريف‪ ،‬بطريقة إجمالية أو تفصيلية‪.‬‬
‫الفصل الثاني ‪ :‬ويتعرض لمفهوم التنمية المستدامة‪ ،‬والظروف التي أدت إليها‪،‬‬
‫وتعريفها‪ ،‬ومقوماتها‪ ،‬وضوابطها بالنسبة للنظم البيئية الطبيعية‪ ،‬وبالنسبة للمحيط‬
‫االجتماعي‪.‬‬
‫الفصل الثالث ‪ :‬ويفسر أسس ومقومات التنمية المستدامة من المنظور اإلسالمي‪ ،‬ثم‬
‫بعد ذلك تعريفها‪.‬‬
‫الفصل الرابع‪ :‬ويحلل بعض المعوقات األساس للتنمية المستدامة‪ ،‬ومطالب دول‬
‫العالم اإلسالمي من قمة التنمية المستدامة العالمية‪.‬‬
‫الفصل األول‬
‫مفهوم البيئة ومكوناتها من وجهة نظر إسالمية‬
‫أ ) مفهوم البيئة ‪:‬‬
‫تعرف البيئة بأنها الوسط أو المجال المكاني الذي يعيش فيه اإلنسان بما يتضمن من‬
‫ظواهر طبيعية وبشرية يتأثر بها ويؤثر فيها‪ ،‬ويستمد منه مقومات حياته من غذاء‬
‫وكساء ودواء ومأوى‪ ،‬ويمارس فيه عالقاته مع من سواه‪ ،‬ويرى أحد علماء البيئة‬
‫البارزين ‪ :‬أن البيئة هي مجموعة الظروف والمواد والتفاعالت التي تجتمع في الحيز‬
‫الذي توجد فيه الحياة‪ .‬الظروف ‪ :‬تشمل أحوال المناخ من الحرارة والرطوبة‬
‫والضوء‪ ،‬واألحوال الكونية كالجاذبية األرضية‪ .‬المواد ‪ :‬تشمل األرض وما يتصل بها‬
‫م ن مكونات الصخور‪ ،‬والمياه الجارية في األنهار والتي تمأل البحار‪ ،‬ومنتجات الحياه‬
‫من األوراق واألخشاب والثمار والفراء وغيرها‪ ،‬والتفاعالت التي تجري في هذا‬
‫‪2‬‬
‫اإلطار بعضها فيزيقي كالتحوالت الكيميائية‪ ،‬وبعضها حيوي يتصل بنمو الكائنات‬
‫الحية‪ ،‬ومدى هذه التفاعالت قد يكون محليا ً موضوعيا ً بين الكائن الفرد وماحوله‪ ،‬وقد‬
‫يكون واسع المدى كدورات المياه وحركة الرياح‪ ،‬كذلك قد يكون الحيز الذي ننظر إليه‬
‫محدوداً‪ ،‬وقد يتسع ليشمل المحيط الحيوي جميعا ً أي الحيز الذي توجد فيه الحياة‬
‫وهو المـحيط الغـازي‬
‫‪ Atmosphere‬والمحيط المائي ‪Hydrosphere‬‬
‫والمحيط اليابس ‪ ،Lithosphere‬أي أن للبيئة ثالثة أبعاد‪ ،‬البعد األيكولوجي‪،‬‬
‫والبعد االجتماعي االقتصادي ‪ ،‬والبعد االجتماعي الثقافي ( النظام القيمي)‪ ،‬لذا فإن‬
‫اإلنسان في واقع األمر يعيش في بيئة تتكون من ثالثة محيطات ( متداخلة) متفاعلة‪،‬‬
‫تتبادل التأثر والتأثير‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫اَّلل‪ ،‬اإلنسان فيها‬
‫المحيط الحيوي ‪ :‬وهو بيئة الحياة الفطرية أو األصلية التي أوجدها ه‬
‫بين صور الحياة األخرى‪.‬‬
‫المحيط المصنوع ‪ :‬ويتكون مما أنشأه اإلنسان في البيئة‪.‬‬
‫المحيط االجتماعي ‪ :‬وهو النظام الذي تدير في إطاره المجتمعات البشرية شؤون‬
‫حياتها االجتماعية واالقتصادية‪ ،‬من قبيل األعراف االجتماعية والشؤون اإلدارية‬
‫والتشريعات والمؤسسات االجتماعية واالقتصادية‪.‬‬
‫وينظر إلى البيئة على أنها نظام وظيفي‪ ،‬يعمل بشكل متكامل وعبر عالقات متبادلة‬
‫بين مكوناته العضوية‪ ،‬وغير العضوية‪ .‬وللنظام البيئي مدخالت‪ ،‬ونقل وتخزين‪،‬‬
‫ومخرجات من الطاقة والموارد األساس‪ ،‬تعمل في الظروف الطبيعية‪ ،‬وعندما‬
‫يضطرب النظام البيئي بفعل اإلنسان‪ ،‬فإنه يميل في البداية إلى إعادة تنظيم ذاته‪ ،‬فمن‬
‫خالل عملية التعاقب مثالً يتجه الغطاء النباتي إلى تكوين مجتمع نباتي مستقر ثابت‪،‬‬
‫وذلك تبعا ً للطاقة المتدفقة‪ ،‬وتشير ظروف الثبات في النظم البيئية إلى التوازن‬
‫الديناميكي بين المدخالت من الطاقة والمادة وبين المخرجات منها‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫وفي ضوء التعريف السابق يمكن النظر إلى البيئة على أنها تتكون من نظامين‬
‫أساسين (‪ )5‬هما البيئة الطبيعية والبيئة الحضارية‪.‬‬
‫البيئة الطبيعية ‪:‬‬
‫ويقصد بها األرض والماء والهواء‪ ،‬والكائنات الحية النباتية والحيوانية‪ ،‬بما في ذلك‬
‫العمليات الطبيعية المختلفة الناتجة عن تفاعل عناصر النظام الطبيعي لإلنسان‪.‬‬
‫البيئة الحضارية ‪:‬‬
‫ويقصد بها النظـام الذي أوجده اإلنسان في الوسط الطبيعي مثل النظم الحضارية‬
‫والريفية بما في ذلك المباني والشوارع والمصانع والزراعة والتكنولوجيا‪،‬‬
‫والمؤسسات االجتماعية واالقتصادية والتنموية وغيرها من األنشطة التي تهدف إلى‬
‫إشباع حاجات اإلنسان المعيشية ورغباته‪ ،‬وكذلك وسائل معالجته للمشكالت الناجمة‬
‫من خالل عالقاته مع الوسط الطبيعي‪ ،‬ومدى استجابته وتوافقه مع تلك المشكالت‪.‬‬
‫ومن الصعوبة بمكان‪ ،‬بل ومن المستحيل الفصل بين النظم الطبيعية والنظم الحضارية‬
‫‪ :‬إذ استطاع اإلنسان منذ ظهوره على وجه األرض وخالل مراحل تطوره الحضاري‬
‫أن يؤثر في معظم أو كل النظم الطبيعية من خالل تفاعله معها‪ ،‬وتعديل بعضها‪،‬‬
‫واعتماده على الموارد البيئية المختلفة في تلبية حاجاته الحياتية كالضوء والحرارة‬
‫والغذاء والمأوى والمياه والهواء‪.‬‬
‫ب ) مكونات النظام البيئي الطبيعي ‪:‬‬
‫إذا أخذنا بعين االعتبار كوكب األرض‪ ،‬فإنه يمكن اعتباره نظاما ً في الدرجة العالية‪،‬‬
‫ويتكون من أربعة نظم فرعية أساس‪ ،‬هي ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫النظام األرضي ـ النظـام الجوي ـ النظام المائي ـ النظام الحيوي‪ .‬وهذه النظم الفرعية‬
‫األساس‪ ،‬كل نظام منها يتكون من عدة أنظمة فرعية أخرى تتفاعل فيما بينها بعالقات‬
‫شبكية‪.‬‬
‫النظام األرضي ‪:‬‬
‫يعرف النظام األرضي على أنه القشرة العليا من سطح األرض ( طبقة السيال) التي‬
‫يع يش عليها اإلنسان‪ ،‬يتفاعل مع عناصرها وال يتجاوز عمق القشرة التي يهتم بها‬
‫اإلنسان بضعة أمتار‪ ،‬أو مئات األمتار‪ ،‬وتوجد بها كافة المعادن‪ ،‬باستثناء بعض اآلبار‬
‫االرتوازية التي يصل عمقها إلى ثمانية كيلو مترات‪ ،‬وكذلك آبار النفط وبعض‬
‫المناجم‪.‬‬
‫إن الخالق عظمت قدرته حينما هيأ األرض لسكنى اإلنسان‪ ،‬جعلها مناسبة ومالئمة‬
‫لحياته‪ ،‬فأنبت له الشجر والزرع‪ ،‬وأجرى له األنهار‪ ،‬وسخر له الليل والنهار‬
‫والشمس والقمر وزوده بنعمة العقل‪ ،‬وجعل الطبيعة في خدمته قال تعالى ‪:‬‬
‫سبَاتاً‪،‬‬
‫{ أَلَ ْم نَجْ عَ ِل األرض ِم َهادا ً ‪َ ،‬وا ْل ِجبَا َل أ َ ْوتَآدا ً ‪َ ،‬و َخلَ ْقنَا ُك ْم أ َ ْز َواجا ً ‪َ ،‬و َجع ْلنا نَ ْو َم ُك ْم ُ‬
‫س َراجا ً‬
‫سبْعا ً شدادا ً ‪َ ،‬و َجعَ ْلنَا ِ‬
‫ار َمعَاشا ً ‪ ،‬وبنينا فَ ْوقَ ُك ْم َ‬
‫َو َجعَ ْلنَا الله ْي َل ِلبَاسا ً ‪َ ،‬و َجعَ ْلنَا النه َه َ‬
‫ت أ َ ْلفآفا ً }‪،‬‬
‫ت َمآ ًء ث َ هجاجاً‪ ،‬لنُ ْخ ِر َج ِب ِه َحبّا ً َونَ َباتا ً ‪َ ،‬و َجنها ٍ‬
‫َو ههاجا ً ‪َ ،‬وأَنز ْلنَا ِم َن ا ْل ُم ْع ِص َرا ِ‬
‫(سورة النبأ‪ ،‬اآليات‪.)6-16 :‬‬
‫اَّلل حيث يقول في كتابه الكريم ‪:‬‬
‫وخالق األرض هو ه‬
‫س ِه ْم َو َما كُنتُ ُمتهخذَ ََ ا ْل ُم ِض ِلّ َ‬
‫{ هماأ َ ْ‬
‫ين‬
‫اوا ِ‬
‫ض َوالَ َخ ْلقَ أ َ ْنفُ ِ‬
‫ش َهدت ُّ ُه ْم َخ ْلقَ ال ه‬
‫ت َواأل َ ْر ِ‬
‫س َم َ‬
‫واَّلل خلق اإلنسان من تراب‪ .‬من طين‪ ..‬من حمإ‬
‫َ‬
‫عضُدا ً } (سورة الكهف‪ ،‬اآلية‪ ) 51:‬ه‬
‫مسنون‪ ..‬من صلصال كالفخار‪ ..‬ثم نفخ فيه من روحه‪ ،‬فأصل اإلنسان ومقومات‬
‫حياته من األرض‪ ..‬من الطين‪ ..‬هذه القشرة األرضية الخصبة هي التي تعطي كل‬
‫مقومات الحياة التي نعيشها‪ ،‬ولقد حلل العلماء جسد اإلنسان‪ ،‬فوجدوه مكونا ً من‬
‫‪5‬‬
‫عنصرا ً أولها األوكسجين وآخرها المنجنيز‪ ،‬والقشرة األرضية الخصبة مكونة من‬
‫نفس العناصر‪ ،‬إذ أن عناصر الطين المخصب هي نفس عناصر جسم اإلنسان‪.‬‬
‫اَّلل سبحانه وتعالى اإلنسان بعدم اإلفساد في األرض‪ ،‬حيث قال في كتابه‬
‫وقد أمر ه‬
‫الكريم ‪:‬‬
‫صالَ ِح َها َوا ْدعُوهُ َخ ْوفا ً َو َ‬
‫طمعا ً ه‬
‫يب ِ ّم َن‬
‫ض َب ْعدَ إ ْ‬
‫إن َرحْ َم ََةَ ه ِ‬
‫{ َوالَ ت ُ ْف ِ‬
‫اَّلل قَ ِر ٌ‬
‫سدُواْ ِفي األ َ ْر ِ‬
‫س ِن َ‬
‫ين } (سورة األعراف‪ ،‬اآلية‪.)56 :‬‬
‫ا ْل ُمحْ ِ‬
‫ض َوتُقَ ِ ّ‬
‫طعُواْ أ َ ْر َحا َم ُك ْم } ( سورة محمد‪،‬‬
‫{ فَ َه ْل َ‬
‫س ْيت ُ ْم إن ت َ َوله ْيت ُ ْم أَن ت ُ ْف ِ‬
‫ع َ‬
‫سدُوا فِي األ َ ْر ِ‬
‫اآلية‪.)22 :‬‬
‫سد َ‬
‫ِين } (سورة المائدة‪ ،‬اآلية‪.)64 :‬‬
‫ب ا ْل ُم ْف ِ‬
‫اَّللُ الَ ِ‬
‫{ َويَ ْ‬
‫ض فَ َ‬
‫سادا ً َو ه‬
‫يح ُّ‬
‫األر ِ‬
‫سعَ ْو َن فِي ْ‬
‫ومظاهر إفساد اإلنسان في الغالف األرضي تتجلى في إهدار التربة والتصحر وعدم‬
‫تسوية األرض بعد التنقيب عن المعادن‪ ..‬إلخ‪ .‬لقد نمت لدى اإلنسان المهارة أكثر مما‬
‫نمت لديه الحكمة والعقالنية‪.‬‬
‫النظام المائي ( الهيدرولوجي) ‪:‬‬
‫ويشتمل على الماء في حاالته الثالث الغازية والسائلة والصلبة‪ ،‬سواء أكان موجودا ً‬
‫في الهواء أو على سطح األرض أو في داخل األرض‪.‬‬
‫ولقد ذكر الماء في القرآن في ثالثة وستين موضعاً‪ ،‬تندرج تحت التصنيفات التالية‪:‬‬
‫الماء أول الموجودات ‪:‬‬
‫اَّلل تعالى في محكم كتابه ‪:‬‬
‫يقول ه‬
‫{وك َ‬
‫ع َمالً } (سورة هود‪ ،‬اآلية ‪)7:‬‬
‫س ُن َ‬
‫شهُ َ‬
‫َان ع َْر ُ‬
‫علَى ا ْل َم ِ‬
‫اء ِليَ ْبلُ َو ُك ْم أَيُّ ُك ْم أَحْ َ‬
‫َ‬
‫‪6‬‬
‫اَّلل ولم يكن شيء قبله‪ ،‬وكان عرشه على الماء‪ ،‬ثم خلق‬
‫اَّلل ص ‪( :‬كان ه‬
‫وعن رسول ه‬
‫السموات واألرض‪ ،‬وكتب في الذكر كل شيء )‪ ،‬أخرجه الترمذي"‪.‬‬
‫الماء تعتمد عليه كل الكائنات ‪:‬‬
‫اَّلل تعالى ‪:‬‬
‫يقول ه‬
‫اء ُك هل شَي ٍ ّء َحي أَفَالَ يُ ْؤ ِمنُ َ‬
‫ون } (سورة األنبياء‪ ،‬اآلية ‪.)30 :‬‬
‫{ َو َجعَ ْلنَا ِم َن الّ َم ِ‬
‫أثبتت األبحاث أن جسم اإلنسان يحتوي على ‪ 70%‬من مكوناته من الماء‪ ،‬فإذا‬
‫تناقصت هذه النسبة‪ ،‬تعرضت أجزاؤه للمرض‪ ،‬فإذا وصلت نسبة الفقد إلى ‪20%‬‬
‫اَّلل العظيم القائل في كتابه الكريم‪:‬‬
‫تعرض للموت‪ ،‬وأصل اإلنسان من ماء‪ ،‬وصدق ه‬
‫سبا ً َو ِصهْرا ًَوك َ‬
‫َان َربُّكَ َقدِيرا ً } (سورة‬
‫{ َو ُه َو الهذي َخلَقَ ِم َن الّ َماء بَشَرا ً فجعله نَ َ‬
‫الفرقان‪ ،‬اآلية‪.)54 :‬‬
‫الماء سبب إنبات كل شيء ‪:‬‬
‫حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫ش ْي ٍء } (سورة األنعام‪ ،‬اآلية‪:‬‬
‫اء َما ًء فَأ َ ْخ َرجْ نَا ِب ِه َن َباتَ ُك هل َ‬
‫س َم ِ‬
‫{ َو ُه َو الهذِي أَنَ َز َل ِم َن ال ه‬
‫‪.)99‬‬
‫يم ٍَ } (سورة لقمان‪ ،‬اآلية‪:‬‬
‫س َم ِ‬
‫{ َوأَنَ َز ْلنَا ِم َن ال ه‬
‫اء َما ًء فَأ َ ْن َبتْنَا فِي َها ِمن ُك ِ ّل َز ْوجٍ ك َِر ٍ‬
‫‪.)10‬‬
‫الماء مصدر تنوع الحياه النباتية على األرض‪:‬‬
‫حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫‪7‬‬
‫ت ُّم ْخت َ ِلفا ً أ َ ْل َوانُ َها } (سورة‬
‫ماء َما ًء فَأ َ ْخ َرجنَا َ بِ ِه ث َ َمرا ٍ‬
‫س ِ‬
‫اَّلل أ َ ْن َز َل ِم َن ال َ‬
‫{ أَلَ ْم ت َ َر أ َ هن ه َ‬
‫فاطر‪ ،‬اآلية‪.)27:‬‬
‫الماء مصدر الرزق ‪:‬‬
‫حيث يقول هللا تعالى ‪:‬‬
‫{ َوأ َ َ‬
‫ت ِر ْزقا ً لَ ُك ْم } ( سورة البقرة‪،‬‬
‫اء َما ًء فَأ َ ْخ َر َج ِب ِه ِم َن الث ه َم َرا ِ‬
‫س َم ِ‬
‫نز َل ِم َن ال ه‬
‫اآلية‪.)22:‬‬
‫الماء مصدر للشرب ‪:‬‬
‫عظة واعتبارا ً للبشر‪ ،‬حيث يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫{ أَفَ َرأ َ ْيتُم ا ْل َما ُء الهذي تَش َْربُون‪ ،‬أَأَنت ُ ْم أ َ َ‬
‫نزلُون‪ْ ،‬و نَشَا ُء‬
‫نز ْلت ُ ُمو ُه ِم َن ا ْل ُم ْز ِن أ َ ْم نَحْ ُن ا ْل ُم ِ‬
‫شك ُُر َ‬
‫َجعَ ْلنَاهُ أ ُ َجاجا ً فَلَ ْوالَ ت َ ْ‬
‫ون } (سورة الواقعة‪ ،‬اآليات ‪.)70 - 68 :‬‬
‫اَّلل‪:‬‬
‫الماء مورد لالستغاثة لتذكر ه‬
‫قال تعالى ‪:‬‬
‫ض هل َمن ت َ ْدع َ‬
‫ض ُّر فِي ا ْلبَحْ ِر َ‬
‫س ُك ُم ا ْل ُّ‬
‫ُون إاله ِإيهاهُ} (سورة اإلسراء‪ ،‬اآلية‪.)67:‬‬
‫{ َو ِإذا َم ه‬
‫اء } (سورة األعراف‪،‬‬
‫اب ا ْل َجنه ِة أ َ ْن أَفِيضُواْ َ‬
‫اب النه ِار أَ ْ‬
‫{ َونَادَى أ َ ْ‬
‫علَ ْينَا ِم َن ا ْل َم ِ‬
‫ص َح َ‬
‫ص َح ُ‬
‫اآلية‪.)50 :‬‬
‫ست َ ِجيبُ َ‬
‫ِين يَ ْدع َ‬
‫{ َوالهذ َ‬
‫ون لَ ُهم بِ َ‬
‫س ِط َكفه ْي ِه إلى ا ْل َم ِ‬
‫ش ْي ٍء إال ه َكبَا ِ‬
‫ُون ِمن دُونِ ِه الَ يَ ْ‬
‫اء ِليَ ْبلُ َغ فَاهُ‬
‫َو َما ُه َو بِبَا ِل ِغ ِه } (سورة الرعد‪ ،‬اآلية‪.)14 :‬‬
‫الماء وعد ووعيد ‪:‬‬
‫اَّلل تعالى ‪:‬‬
‫قال ه‬
‫‪8‬‬
‫صبَ َح ْ َما ُؤ ُك ْم َ‬
‫اء هم ِعين} ( سورة الملك‪ ،‬اآلية ‪:‬‬
‫{ قُ ْل أ َ َرأ َ ْيت ُ ْم إن أ َ ْ‬
‫غ ْورا ً فَ َمن يأْتي ُك ْم بِ َم ٍ‬
‫‪.)30‬‬
‫الماء مصدر رهبة ورجاء‪:‬‬
‫اَّلل تعالى ‪:‬‬
‫قال ه‬
‫{ ُه َو الهذي يُريكُم ا ْلبَ ْرقَ َخ ْوفا ً َو َ‬
‫آب ال ِث ّقَا َل } (سورة الرعد‪،‬‬
‫ط َمعا ً َويُ ْنشي ُء ال ه‬
‫س َح َ‬
‫اآلية‪.)12:‬‬
‫{و ِم َن آياتِ ِه يُري ُك ُم ا ْلبَ ْرقَ َخ ْوفآ ً َو َ‬
‫ض بَ ْعدَ‬
‫س َما ِء ما ًء فَيُحْ ِيي ِب ِه األ َ ْر َ‬
‫ط َمعا ً َويُنَ ِ ّز ُل ِم َن ال ه‬
‫َ‬
‫َم ْوتِ َها } (سورة الروم‪ ،‬اآلية‪.)24 :‬‬
‫اَّلل‬
‫الناس في حاجة إلى تخزين الماء على مدار العام في آبار أو عيون‪ ،‬حيث يقول ه‬
‫تعالى ‪:‬‬
‫ب بِ ِه ِلقَاد ُِرون }‬
‫ض َوإنها َ‬
‫اء َما ًء بِقَد َِر فأ َ ْ‬
‫س َم ِ‬
‫{ َوأ َ ْن َز ْلنَا ِم َن ال ه‬
‫األر ِ‬
‫س َكنهاهُ في ْ‬
‫علَى ذَ َها ٍ‬
‫(سورة المؤمنون‪ ،‬اآلية‪.)18 :‬‬
‫ون} (سورة يس‪،‬‬
‫{ َو َجعَ ْلنَآ فِي َها َجنها ٍ‬
‫ت ِم ْن نه ِخي ٍل َوأ َ ْعنَا ٍ‬
‫ب وفجرنا فِي َها ِم َن ا ْلعُيُ ِ‬
‫اآلية‪.)34:‬‬
‫ار تَجْ ِري ِمن تحتهم } (سورة األنعام‪،‬‬
‫س َما َء َ‬
‫س ْلنَا ال ًّ‬
‫{ َوأ َ ْر َ‬
‫ع ْلي ِْهم همد َْرارا ً َو َج َع ْل َنآ األ َ ْن َه َ‬
‫اآلية‪.)6:‬‬
‫الماء سبب للهالك ‪:‬‬
‫حيث يقول ربنا الكريم ‪:‬‬
‫علَى أ َ ْم ٍر قَ ْد‬
‫عيُونا ً فَا ْلتَقَى الَما ُء َ‬
‫ض ُ‬
‫اء ُّم ْن َه ِم ٍر ‪َ ،‬وفَ هج ْرنَا األ َ ْر َ‬
‫اء بِ َم ِ‬
‫س َم ِ‬
‫اب ال ه‬
‫{ فَفَتَحْ نَا أَب َْو َ‬
‫قُد َِر } (سورة القمر‪،‬اآليتان ‪.)11-12:‬‬
‫‪9‬‬
‫{ َواتْ ُر ِك ا ْلبَحْ َر َر ْهوا ً إِنه ُه ْم ُجندٌ ُّم ْغ َرقُون } (سورة الدخان‪ ،‬اآلية‪.)24:‬‬
‫الماء مصدر للتعذيب يوم القيامة ‪:‬‬
‫اَّلل تعالى ‪:‬‬
‫قال ه‬
‫صدِي ٍد } (سورة إبراهيم‪ ،‬اآلية‪.)16:‬‬
‫اء َ‬
‫س َقى ِمن هم ٍ‬
‫{ ِ ّمن َو َرآئه َج َهنه ُم َويُ ْ‬
‫سقُواْ َما ُء َح ِميما ً فَ َق ه‬
‫ط َع أ َ ْم َعا َء ُه ْم } (سورة محمد‪ ،‬اآلية‪.)15:‬‬
‫{ َو ُ‬
‫الماء سبب للتكاثر والخلود ‪:‬‬
‫اَّلل العظيم القائل في كتابه الكريم ‪:‬‬
‫وصدق ه‬
‫{ ف ْليَن ُ‬
‫ب}‬
‫َافق ‪ ،‬يَ ْخ ُر ُ‬
‫ج ِمن بَي َْن ال ُّ‬
‫سا ُن ِم هم ُخ ِلق ‪ُ ،‬خلِقَ ِمن هم ِ‬
‫ظ ِر اإلن َ‬
‫ب َوالت ه َرآئِ ِ‬
‫ص ْل ِ‬
‫اء د ٍ‬
‫(سورة الطارق‪ ،‬اآليات ‪. ) 5-7 :‬‬
‫الماء وسيلة انتقال ‪:‬‬
‫حيث يقول ربنا الكريم ‪:‬‬
‫ي ا ْلفُ ْلكُ ِفيه بأ َ ْم ِر ِه َو ِلت َ ْبتَغُواْ ِمن فَ ْ‬
‫ض ِل ِه َولَعَله ُك ْم‬
‫اَّللُ الهذي َ‬
‫{ ه‬
‫س هخ َر لَ ُك ُم ا ْلبَحْ َر ِلتَجْ ِر َ‬
‫شك ُُر َ‬
‫تَ ْ‬
‫ون } (سورة الجاثية‪ ،‬اآلية ‪..)12 :‬‬
‫الماء مصدر للغذاء ‪:‬‬
‫اَّلل العظيم القائل‬
‫الماء مصدر الينفد لألطعمة المائية والبروتينات الحيوانية‪ ،‬وصدق ه‬
‫في محكم كتابه ‪:‬‬
‫ص ْيدُ ا ْلبَحْ ِر َو َ‬
‫طعَا ُمهُ َمتَاعا ً لَ ُك ْم } (سورة المائدة‪ ،‬اآلية ‪.)96 :‬‬
‫{ أ ُ ِح هل لَ ُك ْم َ‬
‫‪10‬‬
‫ج َو ِمن ُك ٍ ّل تَأ ْ ُكلُ َ‬
‫ون‬
‫سائِ ٌغ ش ََرابُهُ َو َهذَا ِم ْل ٌح أ ُ َجا ٌ‬
‫{ َو َما ي ْ‬
‫ب فُ َراتٌ َ‬
‫ان َهذَا ع َْذ ٌ‬
‫ست َ ِوي ا ْلبَحْ َر ِ‬
‫لَحْ ما ً َ‬
‫ست َ ْخ ِر ُج َ‬
‫سونَ َها } (سورة فاطر‪ ،‬اآلية ‪.)12 :‬‬
‫ط ِريّا ً َوت َ ْ‬
‫ون حِ َِ ْليَةً تَ ْلبَ ُ‬
‫الماء بشارة خير ورحمة وطهارة وبركة وحياة للناس ‪:‬‬
‫حيث يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫اء َما ًء َ‬
‫ط ُهورا ً }‬
‫س َم ِ‬
‫س َل الرياح بُش َْر ََ ا بي َْن يَد َْي َر ْح َمتِ ِه َوأَنز ْلنَآ ِم َن ال ه‬
‫أر َ‬
‫{ َو ُه َو الهذي ْ‬
‫(سورة الفرقان‪ ،‬اآلية‪)48 :‬‬
‫اء َما ًء ِلّيُ َ‬
‫ط ِ ّه َر ُك ْم ِب ِه } (سورة األنفال‪ ،‬اآلية ‪.)11:‬‬
‫{ َويُنَ ِ ّز ُل َ‬
‫س َم ِ‬
‫علَ ْيكُم ِ ّمن ال ه‬
‫ب ا ْل َح ِصي ِد } (سورة ق‪ ،‬اآلية‬
‫اركا ً فَأنَبتْ َنا بِ ِه َِ َجنها ٍ‬
‫س َم ِ‬
‫{ َونَ هز ْلنَا ِم َن ال ه‬
‫ت َو َح ه‬
‫اء َمآ ًء ُّم َب َ‬
‫‪.)9:‬‬
‫الماء يذهب الخطايا والذنوب ‪:‬‬
‫اَّلل ص قال ‪ ( :‬إذا توضأ العبد المسلم ـ المؤمن ـ فغسل‬
‫عن أبي هريرة أن رسول ه‬
‫وجهه‪ ،‬خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء ـ أو مع آخر قطر الماء‬
‫ـ فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر‬
‫قطر الماء‪ ،‬فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجاله مع الماء ـ أو مع آخر‬
‫قطر الماء ـ حتى يخرج نقيا ً من الذنوب ) أخرجه مسلم‪.‬‬
‫وبعد كل هذه االستخدامات للماء‪ ..‬أال يتعظ اإلنسان حامل األمانة؟ أفال يتدبر ويتفكر‬
‫في نتائج تلويثه لمصادر المياه‪ !..‬والتي تجلب إليه األمراض الخبيثة حاليا ً ومستقبالً‪،‬‬
‫اَّلل العظيم‪ ،‬القائل في كتابه الكريم‪:‬‬
‫وصدق ه‬
‫ُور } (سورة الحج‪ ،‬اآلية ‪:‬‬
‫وب اله ِتي فِي ال ُّ‬
‫{ فَ ِإنه َها الَت َ ْع َمى األ َ ْب َ‬
‫ار َولَ ِك َن ت َ ْع َمى ا ْلقُلُ ُ‬
‫ص ُ‬
‫صد ِ‬
‫‪.)46‬‬
‫‪11‬‬
‫ْص ُر َ‬
‫وب الهيَ ْفقَ ُه َ‬
‫ون ب َها } (سورة األعراف‪ ،‬اآلية ‪:‬‬
‫{ لَ ُه ْم قُلُ ٌ‬
‫ون بِ َها َولَ ُه ْم أ َ ْعيُ ٌن ال ه يُب ِ‬
‫‪.)179‬‬
‫النظام الجوي ‪:‬‬
‫يحيط بالكرة األرضية غالف جوي ( أو ما يسمي بالهواء) يتكون أساسا ً من غازي‬
‫النيتروجين واألوكسجين‪ ،‬ويمتد هذا الغالف الجوي إلى عدة مئات من الكيلومترات‬
‫فوق سطح األرض؛ وتقل كثافته باالرتفاع إلى درجة كبيرة ويتكون الغالف الجوي من‬
‫طبقات رئيسة تتداخل في بعضها البعض‪ .‬وهذه الطبقات هي‪:‬‬
‫أ) التربوسفير ‪ :‬أو الطبقة السفلى من الغالف الجوي‪ ،‬وتمتد من سطح األرض حتى‬
‫ارتفاع ‪ 12‬كيلومترا ً تقريباً‪ ،‬وفي هذه الطبقة تحدث معظم التغيرات الجوية التي‬
‫نلمسها يومياً‪ ،‬وتقل فيها درجات الحرارة مع االرتفاع‪ ،‬وهذه الطبقة تحتوي على‬
‫معظم بخار الماء واألوكسجين وثان أكسيد الكربون‪ ،‬وتتركز فيها أنشطة اإلنسان‪.‬‬
‫ب) االستراتوسفير ‪ :‬وهي الطبقة التي تعلو التروبوسفير‪ ،‬وتمتد من ارتفاع ‪ 12‬إلى‬
‫‪ 80‬كيلومترا ً تقريبا ً فوق سطح األرض‪ ،‬وتتميز هذه الطبقة بخلوها من التقلبات‬
‫المختلفة أو العواصف‪ ،‬ويوجد بها حزام يعرف بطبقة األوزون التي تحمي سطح‬
‫األرض من مخاطر األشعة فوق البنفسجية‪.‬‬
‫ج) األيونوسفير ‪ :‬وهي الطبقة التي تعلو االستراتوسفير من ارتفاع ‪ 80‬كيلومترا ً‬
‫تقريبا ً وحتى ‪ 360‬كيلومترا ً أو أكثر‪ ،‬وتتميز بخفة غازاتها‪ ،‬ويسود فيها غاز‬
‫اَّلل العظيم‪ ،‬إذ يقول في كتابه الكريم‪:‬‬
‫الهيدروجين والهليوم‪ ،‬وصدق ه‬
‫{ فَقَ َ‬
‫اء أ َ ْم َر َها } (سورة فصلت‪،‬‬
‫اوا ِ‬
‫س َم ِ‬
‫ت فِي يَ ْو َمي ِْن َوأ َ ْو َحى ِفي ُك ِ ّل َ‬
‫س ْب َع َ‬
‫ضا ُه هن َ‬
‫س َم َ‬
‫اآلية ‪.)12 :‬‬
‫يتكون الهواء في طبقته السفلى من عدة غازات إضافة إلى بخار الماء‪ ،‬وبعض‬
‫الجسيمات الدقيقة ( األتربة والرذاذ)‪ ،‬والهواء الجاف غير الملوث يتكون من ‪78%‬‬
‫‪12‬‬
‫غاز النيتروجين‪ 21% ،‬أوكسجين وحوالي ‪ 0,09%‬غاز أرجون‪ ،‬والبقية من غازات‬
‫شحيحة مثل غاز ثاني أكسيد الكربون والنيون والهليوم والهيدروجين والميثان‬
‫وغيرها‪ ،‬إضافة إلى هذا يحتوي الهواء على نسب مختلفة من بخار الماء‪ ،‬نتيجة‬
‫للتبخر من السطوح المائية ومن التربة ومن النباتات‪ ،‬كما تعلق في الهواء كميات‬
‫هائلة من الغبار (األتربة) التي توجد بصورة مرئية للعين‪ ،‬ويختلف وجودها من‬
‫منطقة إلى أخرى‪ ،‬فتزداد بالقرب من المناطق الصحراوية‪ ،‬خاصة في مواسم معينة (‬
‫مثل الخماسين) كما أن الغبار في الطبقات السفلى من الهواء أكثر مما في الطبقات‬
‫العليا‪.‬‬
‫وقد احتفظ الهواء المحيط بالكرة األرضية بتركيبه ثابتاً‪ ،‬بالرغم من األنشطة الحيوية‬
‫التي تجري على سطح األرض‪ ،‬فاإلنسان‪ ،‬وكذلك الحيوان‪ ،‬يستهلكان األوكسجين‬
‫بعملياته الحيوية‪ ،‬ويعطي ثاني أكسيد الكربون‪ ،‬ولكن النبات يستعمل ثاني أكسيد‬
‫الكربون في عمليات التمثيل ( أو البناء) الضوئي فيحتفظ لنفسه بالكربون‪ ،‬ويعيد إلى‬
‫الهواء غاز األوكسجين‪ ،‬فإذا زادت نسبة أكسيد الكربون في الهواء ‪ ،‬فإن الفائض‬
‫يذوب في المسطحات المائية ـ البحار والمحيطات‪ ،‬ويتفاعل مع أمالح الكالسيوم‬
‫الذائبة فيها‪ ،‬ومن ثم يترسب في صورة كربونات كالسـيوم (التي تكون األحجار‬
‫الجيرية)‪ .‬هذه التفاعالت الطبيعية التي تُعرف بالدورات الجيوكيميائية ـ أدت إلى‬
‫وجود حالة من التوازن‪ ،‬احتفظ معها الهواء بتركيبه ثابتا ً على مر األزمان‪ ،‬ومن هنا‬
‫اَّلل سبحانه وتعالى يدعونا إلى التفكر في معجزة خلق السموات‪ ،‬وإعمال العقل‬
‫فإن ه‬
‫في هذا اإلعجاز‪ ،‬وذلك بقوله سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫س هوا َها } (سورة النازعات‪ ،‬اآليتان‬
‫{ أأنت ُ ْم أ َ َ‬
‫س ْم َك َها فَ َ‬
‫س َما ُء بَ َنا َها َرفَ َع َ‬
‫شدُّ َخ ْلقا ً أ َ ِم ال ه‬
‫‪ 27:‬و‪.)28‬‬
‫ض َو َما َب ْينَ ُه َما الَ َ‬
‫عبين } (سورة األنبياء‪ ،‬اآلية ‪.)16 :‬‬
‫س َما َء‬
‫واألر َ‬
‫{ َو َما َخل ْقنَا ال ه‬
‫ْ‬
‫‪13‬‬
‫س ْقفا ً همحْ فُوظا ً َو ُه ْم ع َْن آياتِ َها ُم ْع ِرض َ‬
‫ُون } ( سورة األنبياء‪ ،‬اآلية ‪:‬‬
‫س َماء َ‬
‫{ َوجعَ ْلنَا ال ه‬
‫‪.)32‬‬
‫آطالً } (سورة ص‪ ،‬آية‪.)27:‬‬
‫س َما َء َواأل َ ْر َ‬
‫ض َو َما َب ْينَ ُه َم ََا بَ ِ‬
‫{ َو َما َخلَ ْقنَا ال ه‬
‫لكن منذ أن عرف اإلنسان النار‪ ،‬واستخدم مصادر الطاقة المختلفة‪ ،‬ومع الثورة‬
‫الصناعية بدأت كميات هائلة من الغازات والمواد المختلفة تنبعث في الهواء محدثة‬
‫اَّلل‬
‫اَّلل في الغالف الجوي‪ ،‬وصدق ه‬
‫خلالً متزايدا ً في التوازن الطبيعي الذي أوجده ه‬
‫العظيم‪ ،‬إذ يقول في محكم آياته ‪:‬‬
‫اب النه ِار } (سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪:‬‬
‫ق َِ َنا َ‬
‫{ َربهنَا َما َخلَ ْقتَ َهذا بَ ِ‬
‫اطالً ُ‬
‫عذ َ َ‬
‫س ْب َحانَكَ فَ ِ‬
‫‪.)191‬‬
‫النظام الحيوي ‪:‬‬
‫ويشتمل على كل مظاهر الحياة النباتية الحيوانية على اليابسة والماء‪ ،‬وتسهم العوامل‬
‫المن اخية والمائية وتنوع التربة وتباين المظهر الطبيعي لألرض‪ ،‬في تشكيل أعداد‬
‫هائلة من النظم البيئية النباتية‪ ،‬كما يكون للتفاعل بين المياه والتربة والنبات‬
‫الطبيعي‪ ،‬أثر حاسم في توزيع الحياة الحيوانية الطبيعية‪.‬‬
‫تعتمد حياة اإلنسان وغيره من الكائنات على الثروة النباتية‪ ،‬فالغذاء الذي نأكله‪،‬‬
‫اَّلل‬
‫يتكون من منتجات نباتية مثل القمح ـ الذرة ـ البطاطس ـ األرز ‪..‬إلخ‪ ،‬وصدق ه‬
‫العظيم‪ ،‬حيث يقول في كتابه الكريم‪:‬‬
‫ب ا ْل َح ِصي ِد } (سورة ق‪ ،‬اآلية ‪:‬‬
‫س َم ِ‬
‫{ َونَ هز ْلنَا ِم َن ال ه‬
‫اركا ً فأَنبتنا ِب ِه جنات َو َح ه‬
‫اء َماء ُّمبَ َ‬
‫‪.)9‬‬
‫ع َو ه‬
‫{ يُنِبتُ لَ ُك ْم ِب ِه ه‬
‫الز ْيت ُ َ‬
‫اب } (سورة النحل‪ ،‬اآلية ‪.)11 :‬‬
‫الز ْر َ‬
‫ون َوالنه ِخي َل َواأل َ ْع َن َ‬
‫‪14‬‬
‫وقد يتكون غذاء اإلنسان من منتجات الحيوان الذي يتغذى على النباتات‪ ،‬كما أن تدفئة‬
‫وإنارة بيوتنا ومصادر الطاقة لمصانعنا‪ ،‬اعتمدت أو تعتمد على الفحم المتكون من‬
‫الغاب ات في األحقاب الغابرة‪ ،‬أو من البترول‪ ،‬وهو من بقايا جيولوجية لنباتات‬
‫وحيوانات‪ ،‬كذلك األخشاب التي نعتمد عليها في أثاث منازلنا‪ ،‬والحرير والقطن‬
‫والكتان الذي تصنع منه األزياء‪ ،‬وكثير غيرها من العقاقير لم تكن لتتوفر لوال وجود‬
‫النباتات‪.‬‬
‫ومن أهم مصادر الثروة النباتية الغابات بأنواعها المختلفة‪ ،‬ويحصل اإلنسان منها‬
‫على الكثير من المنتجات‪ ،‬فإضافة إلى األخشاب والوقود‪ ،‬أصبح من الممكن إنتاج‬
‫األحماض ومواد اللصق‪ ،‬والكحول‪ ،‬وعلف الحيوان‪ ،‬والمواد المضادة للتجميد‪،‬‬
‫والمالس‪ ،‬واألصباغ‪ ،‬والمطهرات‪ ،‬والزيوت‪ ،‬والورق‪ ،‬واللدائن‪ ،‬واألدوية‪،‬‬
‫والمذيبات‪ .‬ولقد قدر أن هناك ‪ 4500‬مادة مصنعة يمكن الحصول عليها جزئيا ً أو‬
‫كليا ً من الغابات ‪.‬‬
‫وتشكل الغابات رئات للعالم‪ ،‬إذ تعمل على المحافظة على نسب الغازات في الغالف‬
‫الجوي‪ ،‬ولها أثر كبير في سقوط االمطار‪ ،‬فقد وجد أن كمية األمطار قد نقصت خالل‬
‫ست وعشرين سنة إلى حوالي ‪ 24%‬من المعدل‪ ،‬عما كانت عليه قبل اقتالع الغابات‬
‫في جمهورية كولومبيا‪.‬‬
‫وتتداخل العناصر الرئيسة للبيئة الطبيعية بأقسامها الفرعية وتتفاعل مع بعضها‬
‫البعض بحيث يؤثر كل عنصر في بقية عناصر النظـام‪ ،‬فيتأثر النظام كله‪ .‬فعلى سبيل‬
‫المثال تؤثر الحرارة‪ ،‬وهي من عناصر النظام الجوي‪ ،‬في النظام المائي ممثالً في‬
‫البحار واألنهار والمحيطات‪ ،‬إذ يتكون بخار الماء الذي يتصاعد إلى طبقات الجو العليا‬
‫عندما تسخن مياه البحار والمحيطات‪ ،‬وتحمله الرياح على هيئة سحاب من مناطق‬
‫الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض‪ ،‬فيسقط على هيئة أمطار‪ .‬ويتحدد نوع‬
‫النباتات بدرجة الحرارة‪ ،‬فحينما ترتفع درجة الحرارة وتسقط األمطار بغزارة‪ ،‬تنمو‬
‫الغابات االستوائية‪ ،‬حول خط االستواء في بيئة أرضية أو نظام أرضي‪ .‬وتعد الغابات‬
‫‪15‬‬
‫االستوائية وما فيها من حيوانات برية جزءا ً من النظام الحيوي‪ ،‬وهكذا نجد أن‬
‫عناصر النظـام الطبيعي تربطها عالقات متشابكة‪ ،‬ويحرك هذا التفاعل ويستغله‬
‫اإلنسان بإمكاناته التكنولوجية وبقية عناصر بيئته الحضارية‪ ،‬فما هي عناصر البيئة‬
‫الحضارية؟ وكيف تتفاعل مع عناصر البيئة؟‪.‬‬
‫ج) مكونات البيئة الحضارية‪:‬‬
‫يتكون النظام البيئي الحضاري من خمسة عناصر أساس هي ‪:‬‬
‫‪ .1‬النظام التكنولوجي‪.‬‬
‫‪ .2‬النظام االجتماعي‪.‬‬
‫‪ .3‬النظام االقتصادي‪.‬‬
‫‪ .4‬النظام الثقافي‪.‬‬
‫‪ .5‬النظام السياسي‪.‬‬
‫‪ .1‬النظام التكنولوجي ‪:‬‬
‫تعني التكنولوجيا في العصر الراهن استخدام المعرفة العلمية في التطبيق العلمي‬
‫الستثمار موارد البيئة من جهة‪ ،‬وحل المشكالت البيئية والتصدي لألخطار البيئية من‬
‫جهة أخرى‪ ،‬أو بمعني آخر اإلصحاح البيئي‪ .‬والعالقة التي تربط بين العلم‬
‫والتكنولوجيا في الوقت الحاضر عالقة تبادلية‪ ،‬بمعنى أن كل ما يحرزه العلم من تقدم‬
‫يتمثل في اختراعات تكنولوجية جديدة‪ ،‬ومن ثم تساعد تلك االختراعات على تقدم‬
‫العلم‪ ،‬ويالحظ أن هناك تسارعا ً في الفترة ما بين االكتشاف العلمي الجدي وتطبيقه‪،‬‬
‫فعلى سبيل المثال فإن التصوير الفوتوغرافي تم تطبيقه صناعيا ً بعد اكتشافه علميا ً بـ‬
‫(‪ 112‬عاماً)‪ ،‬والتليفون استغرق إنتاجه ‪ 56‬عاماً‪ ،‬أما الراديو فقد استغرق ‪35‬‬
‫عاماً‪ ،‬والرادار استغرق ‪ 15‬عاماً‪ ،‬والترانزستور استغرق ‪ 5‬سنوات‪ ،‬أما الدوائر‬
‫‪16‬‬
‫المتكاملة فقد استغرقت ‪ 3‬سنوات‪ .‬إن هذه الظاهرة من السرعة المتزايدة يوما ً بعد‬
‫يوم‪ ،‬يجب أن تلفت نظرنا بشدة إلى ضرورة اإلسراع بالخطى واالهتمام باإلنسان‬
‫صانع التكنولوجيا‪ ،‬وضرورة االهتمام بالفكر والعلم واالبتكار‪ ،‬ووضع حلول غير‬
‫تقليدية للمشكالت البيئية‪ ،‬وضرورة مواجهة التغيرات االجتماعية واالقتصادية‬
‫والبيئية‪ ،‬التي تنشأ عن تنفيذ المشاريع التنموية‪.‬‬
‫دور التكنولوجيا في التفاعالت البيئية ‪:‬‬
‫لقد تغلغلت التكنولوجيا وتطورت في النسيج االجتماعي للناس‪ ،‬وفي حياتهم اليومية‬
‫حتى أصبح من المستحيل أن تعود عقارب الساعة‪ ،‬وينفض اإلنسان يده من‬
‫التكنولوجيا‪ ،‬فلمعالجة الخلل البيئي الذي نشأ عن تطبيقات التكنولوجيا في الصناعة‬
‫والزراعة‪ ،‬يجب استنباط وسائل تكنولوجية جديدة‪ ،‬أو تطوير الوسائل التكنولوجية‬
‫الموجودة‪ ،‬كأنما المجتمعات الحد يثة قد أصبحت ( ُمدمنة) تكنولوجيا‪ ،‬والدواء‬
‫الوحيد هو المزيد من التكنولوجيا‪.‬‬
‫‪ .2‬النظام االجتماعي ‪:‬‬
‫يقصد بالبيئة االجتماعية‪ ،‬الجزء الذي يشمل األفراد والجماعات وتفاعلهم‪ ،‬وأنماط‬
‫العالقات االجتماعية القائمة بين األفراد والجماعات التي ينقسم إليها المجتمع‪ ،‬وتؤثر‬
‫التقاليد والقيم االجتماعية على استغالل ثروات البيئة‪.‬‬
‫ولتنفيذ المشروعات البيئية على المستويات المحلية ينبغي إدراك أهمية المعرفة‬
‫الشاملة ألنماط العالقات االجتماعية القائمة بين األفراد والجماعات والنظم االجتماعية‬
‫في تفاعلها وترابطها وتساندها الوظيفي كما يجب العمل على كسب القيادات التقليدية‬
‫المحلية‪ ،‬التي تتوفر على المعرفة الدقيقة بمختلف أمور مجتمعها المحلي وباألحداث‬
‫البيئية التي مرت به‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫وقد دعا اإلسالم إلى نـظام اجتماعي أساسه الترابط والتكافل‪ ،‬إذ يقول الرسول ص‪: :‬‬
‫( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً)‪ ،‬كما وضع اإلسالم معيار‬
‫اَّلل أتْقَآ ُك ْم ه‬
‫إن‬
‫اَّلل تعالى ‪ { :‬إن أ َ ْك َر َم ُك ْم عَند ه‬
‫التقوى أساسا ً للمفاضلة بين الناس‪ ،‬فقال ه‬
‫ير } (سورة الحجرات‪ ،‬اآلية‪.)13 :‬‬
‫اَّلل عَليِ ٌم َخبِ ٌ‬
‫هَ‬
‫كما اعتبر اإلسالم كل عمل نافعا ً مادام يزيد اإلنتاج ويخدم به اإلنسان نفسه وغيره‪.‬‬
‫مما سبق‬
‫ونخلص مما سبق أنه يجب وضع االعتبارات االجتماعية للبيئة في الحسبان عند‬
‫إقامة مشروعات تنموية بها‪ ،‬ودراسة اآلثار التنموية على البيئة االجتماعية للسكان‬
‫في إطار شامل متكامل‪ ،‬حتى يمكن تجنب كثير من مظاهر اإلهدار والتلوث‪ ،‬وسوء‬
‫استغالل الموارد البيئية‪.‬‬
‫‪ .3‬النظام االقتصادي‪.‬‬
‫يحدد النظام االقتصادي في أي مجتمع كان‪ ،‬طبيعة حركة الموارد الطبيعية خالل‬
‫النظـام ونوعية الموارد المتحركة‪ ،‬وما ينتج عنها من نتائج اقتصادية واجتماعية‬
‫كارتفاع مستوى المعيشة‪ ،‬أو اإلخالل بالوسط البيئي‪ ،‬وتغيير نوعية البيئة‪ .‬وترتبط‬
‫بالنظام االقتصادي كذلك‪ ،‬درجة تقدم معدالت التغيير في نوعية البيئة‪ ،‬كزيادة طرح‬
‫النفايات والفضالت والملوثات المختلفة التي تؤدي إلى تدهور البيئة‪ .‬ففي المجتمعات‬
‫الزراعية يكون إسهام األنشطة االقتصادية في تدهور نوعية البيئة ضئيالً بالمقارنة‬
‫مع دورها في المجتمعات المتقدمة‪ ،‬إذ في األخيرة تتعاظم مشكالت تلوث التربة والماء‬
‫والهواء واألزمات البيئية األخرى وقد وضع اإلسالم شرطا ً أساسيا ً لممارسة العمل في‬
‫كل أوجه النشاط االقتصادي‪ ،‬وهو عدم الفساد في األرض‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫{ وآ ْبت َ َغ ِف َيما‬
‫إلَ ْيكَ َوالَ تَب ِْغ‬
‫اَّلل‬
‫نس َنصيبكَ ِم َن الدُّ ْن َيا َوأَحْ ِ‬
‫هار ِ‬
‫س َن َك َما أَحْ َ‬
‫س َن ه‬
‫آتَاك ه‬
‫اآلخرة َوالَ ت َ َ‬
‫اَّلل الد َ‬
‫سد َ‬
‫ض ه‬
‫ِين } (سورة القصص‪ ،‬اآلية‪:‬‬
‫ب ال ُم ْف ِ‬
‫ا ْلفَ َ‬
‫إن ه‬
‫اَّللَ الَيُ ِح ُّ‬
‫سادَ فِي األ َ ْر ِ‬
‫‪.)77‬‬
‫‪18‬‬
‫‪ .4‬النظام الثقافي ‪:‬‬
‫استطاع اإلنسان‪ ،‬منذ ظهوره حتى اآلن‪ ،‬أن يشيد بيئات اصطناعية ( أو حضارية)‬
‫تختلف عن البيئات الطبيعية‪ ،‬كمحاولة الستثمار الوسط البيئي لتلبية حاجاته‬
‫واستمرار وجوده‪ .‬وتعد النظم الثقافية جزءا ً من البيئات االصطناعية التي أوجدها‬
‫اإلنسان‪ ،‬وتشكل الثقافة مركبا ً متنوعا ً من المعرفة والعقائد‪ ،‬والفنون واألخالق‬
‫والقوانين واألعراف‪ ،‬وكل المقدرات والعقائد األخرى التي يكتسبها اإلنسان من حيث‬
‫كونه عضوا ً في المجتمع‪.‬‬
‫وتلعب المعتقدات السائدة دورا ً مهما ً في إعاقة خطط التنمية وإهدار الموارد البيئية‪،‬‬
‫واألمثلة على ذلك كثيرة‪ ،‬فأفراد ( البيجا) وهي قبيلة في شرق السودان‪ ،‬قاوموا‬
‫الجرارات الميكانيكية التي استخدمتها الحكومة في حرث أراضـــي منطــقة ( طوكو)‪،‬‬
‫العتقادهم أنها تفسد األرض‪ ،‬وتسبب في تقليل رطوبتها‪ .‬وموقف الهندوس من األبقار‬
‫وتقديسهم لها‪ ،‬يقف حائالً دون قبول أي نمط ثقافي جديد خاص بتحسين استغالل هذه‬
‫الثروة الحيوانية التي كان من الممكن أن تلعب دورا ً مهما ً في االقتصاد الهندي‪.‬‬
‫ومن األمور الضارة بالتوازن البيئي ذلك االعتقاد الخاطىء بأن طائر البوم نذير شؤم‪،‬‬
‫في حين أن البومة تصطاد في كل ليلة مابين ‪ 3‬إلى ‪ 4‬فئران‪ ،‬فهي عامل من عوامل‬
‫التوازن البيئي‪ ،‬كما أن العناكب التي اليرتاح اإلنسان إليها‪ ،‬تصطاد من الحشرات‬
‫الضارة سنويا ً ما يزيد على وزن ثالثة ماليين رطل‪ ،‬ولو اختفت لفتكت الحشرات‬
‫بمقومات هذاالكوكب فتكا ً ذريعاً‪.‬‬
‫وكما أن للمعتقدات دورا ً مهما ً في إعاقة التنمية وإهدارالموارد‪ ،‬فإن لالتجاهات والقيم‬
‫السائدة في المجتمع نفس الدور في إعاقة التنمية‪ .‬فبدال ً من تعظيم تنمية المحافظة‬
‫على مصادر الملكية العامة والمال العام‪ ،‬نجد سيادة الالمباالة واالتكالية‪ ،‬وتدل األمثال‬
‫السائدة في التراث الشعبي على هذه االتجاهات مثل قولهم ‪:‬‬
‫" أردب للحكومة ما تحضرشي كيله " أي وزنه‪.‬‬
‫‪19‬‬
‫" أنا أخذت من مال الحكومة‪ ،‬هو أنا أخذت من مال حد منكم؟"‬
‫"بعيد عن أرضي بقيراط واقطع"‪.‬‬
‫كما تلعب القيم المتعلقة بالنظرة الدونية للمرأة‪ ،‬جزءا ً أساسا ً من تفكير كثير من‬
‫القرويين خاصة في المجتمعات التي ترتفع فيها نسبة األمية األبجدية‪ ،‬وتدل أقوالهم‬
‫الشعبية على ذلك مثل قولهم‪ " :‬ال تأمن الشمس إذا ولت‪ ،‬وال للخيل إذا وطت‪ ،‬وال‬
‫للمرأة إذا صلت"‪"،‬عمر المرة ( المرأة) ما تربي طور ( ثور) ويحرث"‪.‬‬
‫وتستطيع برامج التربية البيئية والسكانية أن تناقش هذه االتجاهات الخاطئة في ضوء‬
‫نسيج الحياه الثقافية واالقتصادية الحديثة لتثبت خطأها وعدم مسايرتها لطبيعة‬
‫العصر‪ ،‬ومن هنا نسعى إلى حل المشكالت البيئية واالهتمام باإلنسان محور التنمية‬
‫ومنفذها وهدفها وغايتها‪.‬‬
‫وقد دعا اإلسالم إلى تجديد البيئة الثقافية‪ ،‬حيث رفض التقليد والتبعية‪ .‬قال تعالى ‪:‬‬
‫علَ ْي ِه آباءنَا } (سورة المائدة‪ ،‬اآلية‪.)104 :‬‬
‫سبُنَا َمآ َو َج ْدنَا َ‬
‫{ قَالُواْ َح ْ‬
‫{ َوقَالُواْ َربهنَا إنها أ َ َ‬
‫سادَتَنَا َو ُكبَ َرآ َءنَا َو ُكبَ َرآءنَا فَأ َ َ‬
‫سبِيالَ } (سورة األحزاب‪،‬‬
‫ضلَونَا ال ًّ‬
‫ط ْعنَا َ‬
‫اآلية‪.)67 :‬‬
‫وقد رغب اإلسالم في قول الصدق والبعد عن الرياء‪ ،‬فقال تعالى ‪:‬‬
‫ون النهاس َوالَ َي ْذك ُُر َ‬
‫{ يُ َرآ ُء َ‬
‫اَّلل إال ه قَ ِليالً } (سورة النساء‪ ،‬اآلية ‪..)142 :‬‬
‫ون ه َ‬
‫اَّلل عنه قال‪ :‬قال رسول اللههص‪: :‬‬
‫كما نهى اإلسالم عن التطير‪ ،‬فعن أنس رضي ه‬
‫(العدوى وال طيرة ويعجبني الفأل‪ ،‬قالوا‪ :‬وما الفأل؟ قال ‪ :‬كلمة طيبة) متفق عليه‪.‬‬
‫كما دعا اإلسالم إلى محاربة األمية‪ ،‬فقد ذكر ابن سعد عن عامر الشعبي قال ‪> :‬أسر‬
‫رسول هللا‪ ،‬ص‪ ، :‬يوم بدر سبعين أسيراً‪ ،‬وكان يفادي بهم على قدر أموالهم‪ ،‬وكان‬
‫‪20‬‬
‫أهل مكة يكتبون وأهل المدينة ال يكتبون‪ ،‬فمن لم يكن له فداء‪ ،‬دفع إليه عشرة‬
‫غلمان من غلمان المدينة فعلمهم‪ ،‬فإذا (حذقوا) فهو فداؤهم<‪ .‬وذكر أن زيد بن ثابت‬
‫أحد كتاب الوحي كان ممن علمه أسرى قريش‪ ،‬ومعنى هذا أن خطة النبيص‪ :‬لم تكن‬
‫قائمة على مجرد ( فك الخط) كما يقولون‪ ،‬بل البد من درجة ( الحذق) واإلتقان حتى‬
‫الينسى‪ ،‬ويرتد إلى األمية من جديد‪ ،‬ولم يقف حث النبي ص‪ :‬على تعلم الكتابة عند‬
‫اَّلل‪ ،‬أم المؤمنين‬
‫الرجال فقط‪ ،‬بل شمل النساء أيضاً‪ ،‬فقد علمت الشفاء بنت عبد ه‬
‫حفصة بنت عمر‪ ،‬الكتابة‪.‬‬
‫‪ .5‬النظام السياسي‪:‬‬
‫ويقصد به كيفية إدارة المجتمع لمؤسساته التي تنقل آراء القيادة السياسية للقاعدة‬
‫الشعبية‪ ،‬ومتطلبات القاعدة الشعبية للقيادة‪ .‬وتختلف األنظـمة السياسية من ملكية إلى‬
‫جمهورية‪ ،‬ومما الشك فيه أن للنظام السياسي أبلغ اآلثار على النظام البيئي‪ ،‬فقد‬
‫يشعل الحروب التي تدمر البيئة‪ ،‬وتهدر مواردها‪ ،‬وتقضي على القوى البشرية وتبدد‬
‫قواها‪ ،‬وقد يسمح بدفن النفايات الذرية في أراضيه‪ ،‬فيعمل على تدمير بيئته الطبيعية‬
‫بل البيئة العالمية حاضرا ً ومستقبالً‪ .‬وقد دعى اإلسالم إلى الشورى وأخذ رأي‬
‫الجماعة‪ ،‬وعدم استبداد الحاكم برأيه‪ ،‬بل ومحاسبته‪ ،‬كما كان يتم في عهد الخليفة‬
‫العادل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي هللا عنه‪ ،‬ومحاسبته لوالة األقاليم‬
‫وتطبيقه مبدأ ‪ :‬من أين لك هذا؟ كذلك في عهد الخليفة عمر بن العزيز الذي رد‬
‫أموال بني أمية إلى بيت مال المسلمين‪.‬‬
‫د) كيفية حدوث المشكالت البيئية ‪:‬‬
‫تتفاعل النظم الحضارية بأقسامها الفرعية‪ ،‬مع النظم الفرعية للبيئة الطبيعية‪ ،‬عبر‬
‫سلسلة أو شبكة معقدة من تدفقات المادة والطاقة‪ ،‬ويترتب على التفاعل المستمر‬
‫نتائج إيجابية وسلبية‪ ،‬أو مايعرف باسم األخطار البيئية‪ ،‬التي يسعى اإلنسان جاهدا ً‬
‫‪21‬‬
‫إلى االستجابة لها والتوافق معها‪ ،‬واتخاذ قرارات بيئية بشأنها‪ ،‬كما يتضح ذلك من‬
‫الشكل التالي (رقم ‪ )1‬الذي يوضح النظام البيئي وعالقاته الوظيفية ونتائجها‪.‬‬
‫وإذا لم يتدخل اإلنسان في عناصر النظام البيئي الطبيعي‪ ،‬اتسم باالستقرار والتوازن‪،‬‬
‫حيث يؤثر كل كائن حي داخل النظام البيئي في حياة الكائنات األخرى ويتأثر بها‪ ،‬وإذا‬
‫لم تتعرض هذه الكائنات الحية لعوامل جديدة أو طارئة على النظام البيئي‪ ،‬فإنها تقيم‬
‫فيما بينها توازنا ً طبيعيا ً بيولوجياً‪ ،‬يحتفظ فيه كل نوع بتوزيع عدد ثابت تقريباً‪ ،‬إذ يحد‬
‫من التزايد الالنهائي ألفراد أي نوع من الكائنات في النظام البيئي‪ ،‬أو طغيانه وتفوقه‬
‫على غيره من األنواع‪ ،‬عوامل متعددة‪ ،‬منها وجود أعداء طبيعيين‪ ،‬أو منافسين على‬
‫الغذاء المحدود‪ ،‬أو نقص الموارد أو المساحة المتاحة لتكاثره وانتشاره‪.‬‬
‫ويمكن القول إن عناصر النظام البيئي الطبيعي تتضمن عمليات متشابكة ومترابطة‪،‬‬
‫تتميز بالعديد من المسارات‪ ،‬والتي تؤدي إلى تغيير معدالت نمو الجماعات الحية‪،‬‬
‫وتصل بها إلى حالة مستقرة من التوازن في إطار النظام ككل‪.‬‬
‫لكن اإلنسان لم يترك النظم البيئية ثابتة‪ ،‬بل استغلها بطريقة غير عقالنية‪ ،‬فنجده على‬
‫سبيل المثال تفاعل بنـظامه التكـنولوجي مـع النظـام البيـــئي مع النظام االقتصادي‬
‫لرغبته في زيادة رقعة األراضي الزراعية‪ ،‬مــــــــــع النظام االجتماعي لرغبته في‬
‫توفير فرص عمل للسكان المتزايد عددهم ورفع مسـتوى معيشـتهما‪ ،‬مع النظام‬
‫السياسي الذي حاول كسر االحتكارات العالمية‪ ،‬وتحدي النظم االستعمارية‪ .‬مثال ‪:‬‬
‫إقامة سد على نهر النيل‪ ،‬وهو السد العالي في مصر‪ ،‬فمن نتائجه اإليجابية ‪:‬‬
‫‪ .1‬تحول أراضي الحياض إلى ري دائم‪.‬‬
‫‪ .2‬توفير كهرباء إلنارة القرى في الوادي والدلتا‪ ،‬والتوسع في حركة التصنيع‪.‬‬
‫‪ .3‬زيادة مساحة األراضي التي تزرع أرز اً‪.‬‬
‫‪22‬‬
‫‪ .4‬التخزين المستمر للمياه‪ ،‬وعدم تعرض البالد لخطر الفيضانات المرتفعة أو‬
‫الشحيحة‪.‬‬
‫لكن من نتائجه السلبية ‪:‬‬
‫‪ .1‬زيادة نحر البحر المتوسط لشمال الدلتا‪.‬‬
‫‪ .2‬زيادة النحر لنهر النيل في الشواطىء اليمنى وزيادة اإلرساب في الجوانب‬
‫اليسرى‪.‬‬
‫‪ . 3‬حرمان التربة المصرية من الغرين الذي كان يعمل على تجديد خصوبتها‬
‫باستمرار‪.‬‬
‫‪ .4‬زيادة نسبة التصحر في األراضي المصرية‪.‬‬
‫وكما حقق اإلنسان في مصر نتائج إيجابية من مشروع بناء السد العالي‪ ،‬عليه أن‬
‫يضع خططا ً للقضاء على سلبياته‪ ،‬والتخفيف من حدتها‪.‬‬
‫مثال آخر ‪:‬‬
‫تفاعل اإلنسان بنظامه التكنولوجي مع النظام الحيوي ممثالً في الغابات‪ ،‬وكذلك نظامه‬
‫االقتصادي‬
‫ممثالً في رغبته في زيادة مساحة األرض الزراعية على حساب‬
‫مساحة الغابات مع النظام االجتماعي برغبته في رفع مستوى معيشة سكانه وتوفير‬
‫الغذاء لهم مع نظامه المائي ممثالً في رغبته في استغالل ثروته المائية‪ ،‬فقام بقطع‬
‫الغابات‪ ،‬وترتب على ذلك نتائج إيجابية وسلبية‪ ،‬فمن النتائج اإليجابية‪ :‬توفير مساحة‬
‫من أراضي الغابة للزراعة‪.‬‬
‫ومن النتائج السلبية ‪:‬‬
‫‪ .1‬تفكك التربة وسهولة انجرافها‪.‬‬
‫‪23‬‬
‫‪ .2‬مضاعفة الرواسب التي تحملها مياه األنهار في مناطق القطع بمقدار سبعة آالف‬
‫مرة عما كانت عليه قبل عمليات القطع الجائر‪.‬‬
‫‪ .3‬أدى ارتفاع حمولة الرواسب في األنهار إلى تدمير أماكن تكاثر األسماك‪.‬‬
‫‪ .4‬تكرار حوادث الفيضانات العنيفة على جانب النهر‪.‬‬
‫‪ .5‬تكرار حدوث االنهيارات األرضية‪.‬‬
‫‪ .6‬زيادة التعرية المركزة في قنوات عميقة‪.‬‬
‫ومن ثم فإن اآلثار البيئية الناجمة عن استثمار الغابة بصورة غير مخططة كانت ذات‬
‫كلفة اقتصادية عالية‪ ،‬تفوق أحيانا ً عوائد قطع األخشاب التي كانت تجنيها الشركات لو‬
‫استمر التقييد‪.‬‬
‫ومن ثم وجب على اإلنسان أن يضع مخططا ً لالستغالل المنظم للغابة‪ ،‬يتضمن خطة‬
‫لقطع األشجار‪ ،‬وزراعة أشجار بدال ً من التي تم قطعها‪.‬‬
‫مثال آخر ‪:‬‬
‫من نتائج تفاعل اإلنسان مع بيئته بنظامه التكنولوجي أنتج غاز الفلوروكربون الذي‬
‫تفاعل مع النظام الجوي ممثالً في طبقة األوزون‪ ،‬ونتج عن هذا التفاعل‪ ،‬ما يعرف‬
‫باسم ثقب األوزون‪ ،‬الذي أدى إلى تآكل جزء كبير من طبقة األوزون التي تحمي‬
‫األرض من األشعة شديدة الحرارة من الوصول إليها‪ ،‬وأدى ذلك إلى ظاهرة الدفء‬
‫الحراري وما يترتب على ذلك من ارتفاع درجة حرارة سطح األرض‪ ،‬وذوبان الجليد‬
‫ومن ثم ارتفاع مستوى مياه المحيطات والبحار وغرق الجزر والسواحل‪ ،‬ومن ثم‬
‫وجب على اإلنسان أن يتخذ من اإلجراءات ما يقلل انبعاث هذا الغاز وإيجاد وسائل‬
‫بديلة الستخدامه‪.‬‬
‫‪24‬‬
‫ـ ومما تجدر اإلشارة إليه أن التفاعالت بين النظم البيئية‪ ،‬ليست بسهولة المنظومة‬
‫المعروضة في األمثلة السابقة‪ ،‬بل تتداخل وتتشابك عناصرها في عالقات معقدة‪،‬‬
‫لدرجة أصبحت النظم البيئية وما يدور فيها‪ ،‬وكيف تتغير بمرور الزمن‪ ،‬موضوع تحد‬
‫للعلماء‪ ،‬حيث إن ما يتم في الطبيعة على جانب كبير من التعقيد‪ .‬ذلك أن النظام البيئي‬
‫الحياتي يتكون من مئات األنواع من الكائنات الحية يتأثر كل منها بمكونات النظام‬
‫البيئي وعناصره‪ ،‬وغيره من الكائنات الحية األخرى‪ ،‬وعالوة على ذلك يتغير عدد‬
‫ونوع الكائنات الحية‪ ،‬وتتغير بعض المكونات الطبيعية للبيئة يوميا ً وفصليا ً مثل درجة‬
‫الحرارة ورطوبة التربة وغيرها‪ ،‬لذلك فإن معالجة المشكالت البيئية تتطلب وضع‬
‫برامج بحوث متطورة تقوم على توفير معلومات متكاملة وصحيحة‪.‬‬
‫ـ ويرتبط التوصل إلى حلول للمشكالت البيئىة تتبع جذورها‪ ،‬وأقسامها الفرعية‪،‬‬
‫والعالقات المتشابكة والمتداخلة بينها‪ ،‬وأن تسير الحلول المقترحة ألنظمة البيئة‬
‫الطبيعية جنبا ً إلى جنب مع الحلول المقترحة ألنظمة البيئة الحضارية‪.‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫مفهوم التنمية المستدامة ومقوماتها وضوابطها‬
‫أوال ً ‪ :‬الظروف التي أدت إلى ظهور فكرة التنمية المستدامة ‪:‬‬
‫نتج عن مشروعات التنمية التي يقوم بها اإلنسان لتحسين حياته وتطويرها نحو‬
‫األفضل‪ ،‬واستخدامه لكل الموارد والوسائل واألدوات والمعرفة المتاحة‪ ،‬أن نفذ خططا ً‬
‫للتنمية في الجوانب االقتصادية واالجتماعية والثقافية والسياسية وأحدث كثيرا ً من‬
‫اإلنجازات والنجاحات‪ ،‬نذكر منها ‪:‬‬
‫* زيادة معدالت اإلنتاج الزراعي والصناعي وزيادة في االستهالك‪.‬‬
‫* تحسن في مستويات المعيشة في العالم بشكل عام وارتفاع نصيب الفرد نسبيا ً من‬
‫الناتج القومي اإلجمالي‪.‬‬
‫‪25‬‬
‫* زيادة معدالت العمر المتوقع لإلنسان‪.‬‬
‫* نقص في معدالت وفيات الرضع واألطفال‪.‬‬
‫* تخلص العالم أو ( كاد) أن يتخلص من عدد األوبئة‪.‬‬
‫* زيادة نسبة السكان الذين يتمتعون بمياه الشرب ووسائل الصرف الصحي‪.‬‬
‫* زيادة نسبة المتعلمين في مراحل التعليم‪.‬‬
‫* زادت عدد األسر ذات السيارتين والمنزلين ‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫لكننا نشهد على الجانب األخر‪ ،‬إضرارا ً بالمحيط الحيوي ‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ قطع الغابات‪ 2 ،‬ـ تدهور األرض‪ 3 ،‬ـ التصحر ‪ 4 ،‬ـ المعدالت الخطيرة لفقد‬
‫التنوع البيولوجي‪5 ،‬ـ تخلخل األوزون في طبقة األستراتوسفير‪ 6 ،‬ـ مخاطر تغير‬
‫المناخ‪7،‬ـ تعاظم تراكم كميات كبيرة من النفايات بما في ذلك والنفايات الخطرة‪ 8 ،‬ـ‬
‫استنزاف المعادن‪ 9 ،‬ـ اإلسراف في استهالك المياه‪.‬‬
‫وإزاء هذه المشكالت والمخاطر البيئية‪ ،‬نظم المجتمع الدولي اجتماعا ً حافالً‪ ،‬وهو‬
‫مؤتمر األمم المتحدة للبيئة والتنمية عام ‪1992‬م والذي عقد في مدينة ريودي‬
‫جانيرو بالبرازيل‪ ،‬حضره عدد من رؤساء الدول وأطلق عليه " مؤتمر قمة األرض"‪،‬‬
‫ولقد أصدر المؤتمر خطة عمل شاملة‪ ،‬سماها أجندة القرن الحادي والعشرين‪ ،‬وأقر‬
‫صيغة اتفاقية دولية لصون التنوع األحيائي (البيولوجي )‪ ،‬واتفاقية دولية تتناول‬
‫قضايا تغير المناخ‪ ،‬وإطار عمل لصون الغابات‪ ،‬وشكل لجنة من ممثلي الحكومات‬
‫لوضع اتفاقية دولية لمكافحة التصحر ( تم وضع االتفاقية عام ‪1994‬م)‪ .‬ولقد بدا‬
‫المؤتمر وكأن العالم يجمع أمره على معالجة قضايا البيئة والتنمية حفاظا ً على‬
‫مستقبل اإلنسان‪ ،‬وظهرت الفكرة األساس التي بُنيت عليها أجنده القرن الحادي‬
‫والعشرين وهي فكرة التنمية المستدامة‪.‬‬
‫‪26‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬مفهوم التنمية المستدامة ‪:‬‬
‫كان االعتقاد حتى بداية السبعينات من القرن الماضي‪ ،‬أن النمو االقتصادي يقوم على‬
‫حساب حماية البيئة‪ ،‬وأنه اليمكن الجمع بين هذين التوجهين‪ ،‬وأن أي تحسين في‬
‫نوعية البيئة يعني إعاقة النمو االقتصادي‪ ،‬كما أن أي نمو اقتصادي يعني القضاء‬
‫على البيئة وتدميرها‪.‬‬
‫ولقد ظهرت عدة تعريفات واستخدامات للتنمية المستدامة‪ ،‬فالبعض يتعامل مع التنمية‬
‫المستدامة كرؤية أخالقية تناسب اهتمامات وأولويات النظام العالي الجديد‪ ،‬والبعض‬
‫يرى أن التنمية المستدامة نموذج تنموي وبديل عن النموذج الصناعي الرأسمالي‪ ،‬أو‬
‫ربما أسلوبا ً إلصالح أخطاء وتعثرات هذا النموذج في عالقته بالبيئة‪ .‬ولكن هناك من‬
‫يتعامل مع التنمية المستدامة كقضية إدارية وفنية بحتة للتدليل على حاجة المجتمعات‬
‫اإلنسانية المتقدمة والنامية إلى إدارة بيئية واعية وتخطيط جديد الستغالل الموارد‪.‬‬
‫إن هذا الخلط بين التعريف والشروط والمتطلبات هي أكثر ما يميز أدبيات التنمية‬
‫المستدامة في المرحلة الراهنة‪ ،‬ولقد حاول تقرير الموارد العالمية الذي نشر عام‬
‫‪1992‬م والذي ُخصص بكامله لموضوع التنمية المستدامة‪ ،‬توضيح هذا الخلط‪ ،‬وذلك‬
‫بإجراء مسح شامل لهذا المفهوم‪ ،‬واستطاع التقرير حصر عشرين تعريفا ً واسع‬
‫التداول للتنمية المستدامة‪ ،‬وقد حاول التقرير توزيع هذه التعريفات إلى أربع‬
‫مجموعات هي ‪ :‬التعريفات االقتصادية‪ ،‬والتعريفات البيئية‪ ،‬والتعريفات االجتماعية‬
‫واإلنسانية‪ ،‬والتعريفات التقنية واإلدارية‪.‬‬
‫أ) فاقتصاديا ً ‪ :‬وبالنسبة للدول الصناعية في الشمال‪ ،‬فإن التنمية المستدامة تعني‬
‫إجراء خفض عميق ومتواصل في استهالك هذه الدول من الطاقة والموارد الطبيعية‬
‫وإحداث تحوالت جذرية في األنماط الحياتية السائدة ‪:‬‬
‫أما بالنسبة للدول الفقيرة ‪ :‬فالتنمية المستدامة تعني توظيف الموارد من أجل رفع‬
‫المستوى المعيشي للسكان األكثر فقرا ً في الجنوب‪.‬‬
‫‪27‬‬
‫ب) أما على الصعيد اإلنساني واالجتماعي ‪ :‬فإن التنمية المستدامة تسعى إلى تحقيق‬
‫االستقرار في النمو السكاني‪ ،‬ووقف تدفق األفراد إلى المدن‪ ،‬وذلك من خالل تطوير‬
‫مستوى الخدمات الصحية والتعليمية في األرياف وتحقيق أكبر قدر من المشاركة‬
‫الشعبية في التخطيط للتنمية‪.‬‬
‫ج) وأما على الصعيد البيئي ‪ :‬فإن التنمية المستدامة هي االستخدام األمثل لألرض‬
‫الزراعية‪ ،‬والموارد المائية في العالم‪ ،‬بما يؤدي إلى مضاعفة المساحة الخضراء على‬
‫سطح الكرة األرضية‪.‬‬
‫د) وأما على الصعيد التقني واإلداري ‪ :‬فإن التنمية المستدامة هي التنمية التي تنقل‬
‫المجتمع إلى عصر الصناعات والتقنيات النظيفة التي تستخدم أقل قدر ممكن من‬
‫الطاقة والموارد‪ ،‬وتُنتج الحد األدنى من الغازات والملوثات التي ال تؤدي إلى رفع‬
‫درجة حرارة سطح األرض والضارة باألوزون‪.‬‬
‫يقول تقرير الموارد الطبيعية إن القاسم المشترك لهذه التعريفات االقتصادية والبيئية‬
‫واإلنسانية والتقنية هي أن التنمية لكي تكون مستدامة يجب ‪:‬‬
‫أوال ً ‪ :‬أال ه تتجاهل الضوابط والمحددات البيئية‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬أال ه تؤدي إلى دمار واستنزاف الموارد الطبيعية‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬أن تؤدي إلى تطوير الموارد البشرية ( المسكن ـ الصحة ـ مستوى البيئة ـ‬
‫أوضاع المرأة ـ الديمقراطية ـ حقوق اإلنسان)‪.‬‬
‫رابعا ً ‪ :‬أن تحدث تحوالت في القاعدة الصناعية السائدة‪.‬‬
‫إن التنمية المستدامة هي المبدأ القائل بأن التنمية االقتصادية واالجتماعية يجب أن ال‬
‫تدمر البيئة‪ ،‬وأن تتم عملية التنمية ضمن حدود وإمكانات العناصر البيئية‪ ،‬وضمن‬
‫األطر التي يضعها علم البيئة بمعناه الواسع‪ ،‬وذلك من خالل دراسة وفهم العالقات‬
‫‪28‬‬
‫المتبادلة بين اإلنسان ونشاطاته المختلفة‪ ،‬وبين البيئة التي يعيش فيها وما يحكمها‬
‫من قوانين فيزيائية وكيميائية‪.‬‬
‫وتهدف التنمية المستدامة إلى تلبية احتياجات الحاضر دون اإلخالل بالقدرة على تلبية‬
‫احتياجات المستقبل‪ .‬وترتكز فلسفة التنمية المستدامة على أن االهتمام بالبيئة وما‬
‫تحتويه من موارد طبيعية هو أساس التنمية االقتصادية والصحية والثقافية وغيرها‪،‬‬
‫وهذا يتطلب إعداد خطط تنموية تهتم بالمشروعات الحالية وتهتم بآثارها البعيدة على‬
‫البيئة وعلى الناس في المستقبل‪ ،‬وبذلك تستمر التنمية‪ .‬وتلك الخطط ال تشمل فقط‬
‫دور الدول والمؤسسات في المشروعات التي تقيمها وإنما تشتمل أيضا ً على دور‬
‫الفرد في المجتمع‪ ،‬ألن الفرد أساس المجتمع‪.‬‬
‫ويشير مفهوم التنمية المستدامة إلى قيمة أخالقية في غاية األهمية‪ ،‬وهذه القيمة هي‬
‫المساواة بين األجيال التي أصبحت أحد أهداف اإلدارة البيئية‪ ،‬كما نبه كل دولة إلى‬
‫أهمية استثمار مواردها‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬مقومات وأسس التنمية المستدامة ‪:‬‬
‫أ) اإلنسان ‪ :‬وهو المسؤول وحامل األمانة‪ ،‬وتوضح أجندة القرن الحادي والعشرين‬
‫أنه نتيجة للنمو السريع في عدد سكان العالم فإن أنماط استهالكهم تتزايد على األرض‬
‫والماء والطاقة والموارد الطبيعية األخرى‪ ،‬لقد كان عدد سكان العالم أقل من ‪5,5‬‬
‫بليون عام ‪1993‬م ومن المتوقع أن يصل إلى ‪ 8‬بليون عام ‪ 2025‬وينبغي على‬
‫استراتيجيات التنمية أن تتعامل مع النمو السكاني‪ ،‬وصحة النظام البيئي‪ ،‬ووسائل‬
‫التكنولوجيا واستخداماتها المتقدمة‪ ،‬كما ينبغي أن تتضمن األهداف األولية للتنمية‬
‫محاربة الفقر‪ ،‬وتأمين الحياة البشرية‪ ،‬والسعي لنوعية حياة جديدة متضمنة تحسين‬
‫أوضاع المرأة‪ ،‬وتأمين الحاجات األساس مثل الغذاء والمأوى‪ ،‬والخدمات األساس مثل‬
‫التعليم وصحة األسرة‪ ،‬وإعادة تشجير الغابات‪ ،‬وتوفير فرص العمل‪ ،‬والرعاية البيئية‪.‬‬
‫‪29‬‬
‫كما ينبغي أن تكون اهتمامات السكان جزءا ً من استراتيجيات التنمية المستدامة‪،‬‬
‫ويجب على الدول أن تحدد لها أهدافا ً وبرامج سكانية‪ ،‬واضعة في االعتبار أن التكوين‬
‫الهرمي للسكان والذي تزداد فيه نسبة صغار السن‪ ،‬سوف يخلق في المستقبل القريب‬
‫مطالب وضغوطا ً على الموارد‪.‬‬
‫وتطالب أجندة القرن الحادي والعشرين من الدول أن يتعرفوا على القدرات االحتمالية‬
‫لمواردهم‪ ،‬مع إعطاء اهتمام خاص للموارد الحرجة مثل المياه واألرض‪ ،‬والعوامل‬
‫البيئية األخرى‪ ،‬كصحة النظام البيئي‪ ،‬والتنوع األحيائي (والقدرة االحتمالية تعني‬
‫مقدرة الموارد على إعالة وتقديم احتياجات البشر بدون إهدارها أو استنزافها )‪ ،‬كما‬
‫تنبه أجندة القرن الحادي والعشرين إلى أن العالم يحتاج إلى دراسات جادة للتنبؤ‬
‫بالنتائج المحتملة لألنشطة البشرية‪ ،‬متضمنة اتجاهات السكان‪ ،‬ونصيب كل فرد منهم‬
‫من الناتج اإلجمالي للدخل‪ ،‬وتوزيع الثروة‪ ،‬والهجرات المنتظرة نتيجة للتغيير‬
‫المناخي‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 2001‬حسب إحصائيات صندوق األمم المتحدة للسكان‪ ،‬بلغ عدد سكان دول‬
‫العالم اإلسالمي األعضاء في منظمة المؤتمر اإلسالمي نحو مليار و‪ 144‬مليون‬
‫نسمة‪ ،‬وهم يشكلون نحو ‪ 18%‬من جملة عدد سكان للعالم في نفس السنة‪ ،‬وما‬
‫يوازي عدد سكان المناطق األكثر نموا ً في العالم ( الدول المتقدمة) والتي يبلغ عدد‬
‫سكانها نحو مليار و‪ 193‬مليون نسمة‪ ،‬بينما يشكلون نحو ‪ 23,3%‬من سكان‬
‫المناطق األقل نمواً‪ ،‬والتي يشكل سكانها نحو أربعة مليارات و ‪ 940‬مليون نسمة‬
‫ونتيجة الرتفاع معدالت الزيادة الطبيعية لمعظم الدول األعضاء في منظمة المؤتمر‬
‫اإلسالمي والتي تبلغ ما بين ‪ 2,5‬و‪ 3%‬سنويا ً (‪ 40‬دولة من ‪ 48‬دولة) وأيضا ً‬
‫ارتفاع نسبة صغار السن أقل من ‪ 15‬سنة‪ ،‬وسيادة النمط الزراعي في معظم‬
‫اقتصاديات هذه الدول‪ ،‬فإن اإلسقاطات السكانية لها مرتفعة‪ ،‬ويتوقع أن يصل عدد‬
‫سكان هذه الدول عام ‪ 2025‬مليار و‪ 699‬مليون نسمة‪ ،‬وفي ‪ 2050‬مليارين و‪227‬‬
‫مليون نسمة‪.‬‬
‫‪30‬‬
‫ويقدر الخبراء أنه من الخطأ اعتبار الزيادة السريعة في عدد السكان نعمة مطلقة‪ ،‬أو‬
‫نقمة مطلقة‪ ،‬فبالتحليل الموضوعي نجد أن تأثير الزيادة يختلف من بلد آلخر حسب‬
‫الظروف المحلية‪ ،‬واحتياجاته‪ ،‬وموارده وتطلعاته‪ ،‬فهناك دول تحتاج إلى الزيادة‬
‫السكانية‪ ،‬وعندها من الموارد الكافية الستيعابها‪ ،‬وهناك بالد قد تؤدي الزيادة‬
‫السكانية فيها إلى آثار سلبية‪ ،‬لقلة الموارد‪ .‬والمهم أن يكون للدولة سياسة سكانية‬
‫واليترك النمو السكاني فيها بدون تخطيط‪ ،‬ولكن يجب أن يكون ذلك في إطار (‬
‫النقصان لعدد المسلمين)‪.‬‬
‫ب) الطبيعة ‪:‬‬
‫المحيط الحيوي‪ ،‬وهو خزانة الموارد المجددة وغير المتجددة‪.‬‬
‫الموارد المتجددة ‪:‬‬
‫مثل الغابات ـ مصائد األسماك ـ المراعي ـ المزارع‪ ،‬ويعد اإلنسان عنصرا ً رئيسا ً من‬
‫عناصر استهالك تلك الموارد‪ ،‬وإنتاج الموارد السابقة هو إنتاج متجدد ما استمرت‬
‫صحة النظام البيئي‪.‬‬
‫الموارد غير المتجددة ‪:‬‬
‫وهي مواد مختزنة في باطن األرض تكونت وتجمعت في عصور سابقة وسحيقة‪ ،‬ما‬
‫يؤخذ منها اليعوض واليتجدد‪ ،‬وتضم هذه المجموعة خامات البترول والفحم والغاز‬
‫الطبيعي ورواسب المعادن وتكوينات المحاجر غالبية المياه الجوفية‪ .‬وترشيد وتنمية‬
‫الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة نقيض استنزافها‪ ،‬أي تجاوز قدرة النظم‬
‫البيئية على العطاء‪ ،‬وهذا الترشيد هو التنمية المتواصلة أو المستدامة أو المطردة‪.‬‬
‫وحاليا ً في عهد الثورة العلمية الثالثة بعد أن كانت مقومات االقتصاد في عهد الثورة‬
‫الصناعية هي األرض بمواردها‪ :‬العمالة ورأس المال واآلالت‪ ،‬أصبحت حاليا ً في عهد‬
‫الثورة الثالثة هي الفكر والعلم واالبتكار ‪ ".‬فقد أصبحنا نتكلم اآلن عن زراعة بال‬
‫‪31‬‬
‫زراع وبال مزارع"‪ ،‬وعلى سبيل المثال ففي مادة الثوماتين ‪ Thaumatin‬وهي‬
‫موجودة في فاكهة إحدى النباتات األفريقية والتي تعادل حالوتها حالوة السكر مائة‬
‫ألف مرة‪ ،‬إستطاع العلماء عن طريق تكنولوجيا جديدة هي فصل أو تقطيع الجينات‬
‫‪ Tecniques Gene Splicing‬أن يفصلوا الجين الخاص بهذه المادة‪ ،‬وأن‬
‫ينتجوه معمليا ً بكميات تجارية في معامل بكتيرية‪ ،‬وتستطيع أن تتصور حجم هذه‬
‫الزراعة العلمية المعملية على إنتاج قصب السكر والبنجر في مختلف أنحاء العالم‪،‬‬
‫وأثر ذلك على العمالة الموجودة حاليا ً في المزارع‪ ،‬وأثر ذلك على األرض التي كانت‬
‫تستغل في هذا الشأن‪.‬‬
‫ومادة الفانيليا ‪ Vanilia‬أيضا ً والتي تبلغ قيمة إنتاجها السنوي عالميا ً ثالثة باليين‬
‫دوالر ويزيد إنتاجها كل سنة بنسبة تصل إلى ‪ ،3%‬وتكسب معظم األغذية الطعم‬
‫والرائحة‪ ،‬استطاع العلماء أن يفصلوا الجين الخاص بالفانيليا‪ ،‬واستطاعوا أن ينتجوه‬
‫بكميات تجارية‪ ،‬في حمامات بكتيرية‪ ،‬عن طريق جزء من الهندسة الوراثية بطريقة‬
‫نقل الجينات‪ ،‬وهذا يعني أننا نتجه نحو عالم فيه زراعة بال زراع وبال مزارع‪،‬‬
‫وصناعة تدخل فيها المعرفة والعلوم‪ ،‬بدال ً من النفط‪ ،‬واأليدي العاملة‪ ،‬واألرض‬
‫والمواد الخام‪.‬‬
‫ج) التكنولوجيا ‪:‬‬
‫لقد أصبح التطور التكنولوجي مترسبا ً في نسيج المجتمعات وفي حياة الناس اليومية‪،‬‬
‫وذلك ألن الكثير من المشاكل التي تنشأ عن التقنية ليس لها حل‪ ،‬إال البحث عن‬
‫تقنيات تصوب األخطاء‪.‬‬
‫قد تبدو بعض الوسائل التكنولوجية عظيمة النفع أول األمر‪ ،‬بريئة الضرر‪ ،‬ومع تطور‬
‫المعارف العلمية والتكنولوجية تبين أن لها أضرارا ً جسيمة خفيت علينا مثل مركبات‬
‫الفريون ( الكلوروفلوروكربون) والتي اكتشفت عام ‪1928‬م‪ ،‬وطبقت عام ‪1930‬م‪،‬‬
‫كبديل لمركبات األمونيا وثاني أكسيد الكبريت والتي كانت تستخدم في صناعة التبريد‪،‬‬
‫‪32‬‬
‫وسرعان ما ا كتشفت لها استعماالت عديدة باعتبارها مركبات آمنة‪ ،‬وبعد خمسين‬
‫عاما ً علمنا أن هذه المركبات قد تكون سببا ً في واحدة من قضيا البيئة العالمية وهي‬
‫تضر بطبقة األوزون في األستراتوسفير‪.‬‬
‫سادت في الزمن الحديث فكرة الحلول التكنولوجية لسائر المشكالت الصناعية والبيئية‬
‫وا الجتماعية‪ ،‬ولكن التجربة أظهرت أن المشاكل البيئية ناتجة عن التفاعالت بين‬
‫اإلنسان والطبيعة والتكنولوجيا‪ ،‬وأن الحلول المؤقتة قد تكون عبر الوسائل‬
‫التكنولوجية‪ ،‬والحل الشامل لهذا الخلل يعتمد على إصالح التفاعل وإيجاد طرائق‬
‫تتصل بالعناصر الثالثة لتحقيق االتزان في تفاعالتها‪ ،‬والسبيل إلى ذلك حزمة متكاملة‬
‫تجمع بين الوسائل التقنية والوسائل االقتصادية والوسائل االجتماعية‪ ،‬بما في ذلك‬
‫التشريعات واإلجراءات اإلدارية‪ ،‬كما أن استخدام بعض هذه الحزمة دون جملة‬
‫العناصر يعد قصورا ً اليؤدي إلى الطريق الناجح ‪.‬‬
‫رابعا ً ‪ :‬ضوابط التنمية المستدامة بالنسبة للنظم البيئية الطبيعية ‪:‬‬
‫قدمت وثيقة االستراتيجية العالمية لصون الطبيعة ‪1980‬م‪ ،‬وتقرير لجنة األمم‬
‫المتحدة للبيئة والتنمية ‪1978‬م وصورتها المعدلة والتي كانت حجر الزاوية في‬
‫مداوالت مؤتمر األمم المتحدة للبيئة والتنمية ‪ ،1992‬ثالثة مقاصد أساس فيما يتصل‬
‫بالنظم البيئية الطبيعية وهي‪:‬‬
‫ـ المحافظة على العمليات البيئية األساس التي هي أساس صحة النظم والتي تعتمد‬
‫عليها األحياء ( خصوبة التربة ـ تدوير عناصر الغذاء ـ نقاء الماء ـ نقاء الهواء)‪.‬‬
‫ـ صيانة الموارد الوراثية أي المكونات الوراثية الموجودة في كائنات العالم‪( ،‬األنواع‬
‫والسالالت من نبات وحيوان)‪ ،‬وهو التنوع الذي تعتمد عليه برامج تربية األنواع‬
‫واستنباط السالالت المحسنة وتعتمد عليها فرص استكشاف مواد جديدة تدخل في‬
‫التطور التكنولوجي بصفة عامة‪.‬‬
‫‪33‬‬
‫تأمين االستخدام المتواصل لألنواع ( الكائنات الحية) والنظم البيئية وخاصة مصايد‬
‫األسماك وغيرها من الكائنات البرية والغابات‪ ،‬أي ال يكون الحصاد أكبر من قدرة‬
‫النظام على اإلنتاج والعطاء‪.‬‬
‫وهذه الضوابط تنطبق على النظم الطبيعية وعلى النظم التي يديرها اإلنسان‪ ،‬وتقضي‬
‫التنمية المستدامة أن يراعي اإلنسان هذه الضوابط‪ ،‬ويراعي أهمية صون النظام‬
‫البيئي‪ ،‬بحيث يصبح صحيحا ً قادرا ً على اإلنتاج والعطاء‪ ،‬بأن يخطط معدالت استهالكه‬
‫في الحدود المرعية ليحافظ على التوازن بين اإلنسان (عددا ً واستهالكاً) وبين طاقة‬
‫النظم البيئية وقدرتها على التحمل‪...‬وهذا وجه رئيس من أوجه الضبط االجتماعي‪.‬‬
‫خامسا ً ‪ :‬ضوابط التنمية المستدامة بالنسبة للمحيط االجتماعي‬
‫" التنمية البشرية‬
‫المستدامة"‬
‫تقوم التنمية البشرية المستدامة على أربعة عناصر الهدف منها عملية توسيع‬
‫اختيارات البشر‪.‬‬
‫أ) اإلنتاجية ‪: productivity‬‬
‫وهي تعني توفير الظروف للبشر حتى يتمكنوا من رفع وتحسين إنتاجيتهم‪ ،‬وذلك‬
‫بإشراكهم بشكل فعال في عملية توليد الدخل وفي العمالة بأجر‪.‬‬
‫ب) اإلنصاف والعدالة االجتماعية ‪: Social Equality‬‬
‫وهي تعني تساوي البشر في الحصول على نفس الفرص‪ ،‬ولبلوغ ذلك البد من رفع‬
‫الحواجز التي تحول دون اعتبار اشتراك جميع مكونات المجتمع وفي مختلف الفرص‬
‫المؤدية إلى التنمية االقتصادية منها واالجتماعية والسياسية والثقافية‪ ،‬بحيث تكون‬
‫متاحة للجميع‪.‬‬
‫ج) االستدامة ‪Sustainability‬‬
‫‪34‬‬
‫وتحتوي على ضمان حصول البشر على فرص التنمية دون نسيان األجيال المقبلة‪،‬‬
‫وهذا يعني ضرورة األخذ بمبدإ التضامن بين األجيال عند رسم السياسات التنموية‪،‬‬
‫وهذا مايحتم " مأسسة" التنمية في مفهومها الشامل من خالل تعزيز المؤسسات‬
‫الحكومية وغير الحكومية بما يجعلها تساهم في ديمومة التنمية‪.‬‬
‫د) التمكين ‪Empowerment‬‬
‫على التنمية أن تكون من صنع البشر‪ ،‬ال من أجلهم فحسب‪ ،‬وهذا ما يحتم مشاركتهم‬
‫مشاركة تامة في صنع القرارات والسياسات المتعلقة بحياتهم وفي تنفيذها إلى حيز‬
‫الواقع‪ ،‬وحتى نضمن لتلك المشاركة الفعالية والنجاح فالبد من تعزيز قدرات البشر‬
‫على مختلف المستويات والمجاالت بهدف سيطرة كل فرد في المجتمع على مصيره‪.‬‬
‫أن تتضمن سياسات التنمية المتواصلة‪ ،‬أهدافا ً تتصل بالسكان‪ :‬أعدادهم وتوزيعهم‬
‫وخصائصهم‪ ،‬ويكون القصد هو تحقيق التوازن على المدى البعيد بين الموارد‬
‫وحاجات الناس‪.‬‬
‫ـ أن يكون هدف التعليم والتدريب وآلياته ومؤسساته هو تنمية الموارد البشرية‪ ،‬أي‬
‫يعمل على تحويل الرجال والنساء إلى ثروات للمجتمع‪ ،‬واليتم كما هو حاصل في كثير‬
‫من األحوال‪ ،‬تحويل النساء إلى عبء اجتماعي‪ ،‬وهنا تبرز وظائف جديدة لمؤسسات‬
‫التعليم والتثقيف الوطني وعلى رأسها وسائل اإلعالم ألنها قادرة على ‪:‬‬
‫‪ .1‬إتاحة البيانات والمعارف للناس‪.‬‬
‫‪ .2‬نشر الوعي بقضايا المجتمع عامة وقضايا البيئة والتنمية خاصة‪.‬‬
‫ـ بيان الوسائل والقنوات التي يسهم عن طريقها الفرد في سعي مجتمعه لتحقيق‬
‫التنمية المتواصلة‪ ،‬وتجاوز األضرار البيئية التي تهدد الحاضر والمستقبل‪ .‬ولقد كان‬
‫المدخل إلى التنمية الناجحة في اليابان ودول النمور األسيوية التعليم والتدريب‬
‫الرشيد‪.‬‬
‫‪35‬‬
‫ـ أن تكون خطط التنمية للموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة في إطار المدى‬
‫الزمني الممتد الذي يراعي مصالح األجيال التالية مع الحرص على كفاية المتطلبات‬
‫األساس والمشروعة للجيل الحاضر‪ ،‬وهذه مسألة تتصل باألخالق االجتماعية‪.‬‬
‫ـ تقوم التنمية المتواصلة على العدل االجتماعي ومن ثم تتضمن خططها الوسائل‬
‫والظروف التي تحقق الفرص المتكافئة للرجال والنساء‪ ،‬وتحقق مشاركة الناس‬
‫مشاركة إيجابية وفعالة في مراحل التخطيط‪ ،‬ووضع برامج التنفيذ‪ ،‬ومتابعة إجراءاته‪.‬‬
‫ـ تستهدف التنمية المتواصلة استخدام األرض ( الحيز الوطني) أفضل استخدام‬
‫للمحيط الحيوي‪ ،‬وتقليل التعارض بين االستخدامات المختلفة‪ ،‬وأن تلتزم في كل هذا‬
‫بأولويات يتفق عليها المجتمع ويتقبلها‪.‬‬
‫ـ أن تتضمن المؤسسات العاملة في تنمية الموارد الطبيعية عناصر إلدارة المخاطر‬
‫البيئية‪ ،‬نذكر منها على سبيل المثال نوبات الجفاف وحوادث السيول‪ ،‬وأن تعتمد هذه‬
‫القطاعات في عملها على أجهزة الرصد واإلنذار المبكر‪ ،‬والتنظيم االجتماعي لمقابلة‬
‫الكوارث وآليات التعويض والغوث للمصابين والمتضررين‪.‬‬
‫ـ أن تعمل المؤسسات الوطنية على دعم التعاون اإلقليمي في تنمية الموارد المشتركة‬
‫( أحواض األنهار الدولية ـ البحار اإلقليمية ـ مصادر المياه الجوفية اإلقليمية )‬
‫والتعاون على درء المخاطر البيئية ذات المدى اإلقليمي ( التلوث العابر للحدود) ودعم‬
‫التعاون اإلقليمي في القضايا ذات المدى العالمي ( تغير المناخ ـ تخلخل طبقات‬
‫األوزون ـ تدهور التنوع اإلحيائي ‪ ...‬إلخ) أو بمعنى آخر أن تتقبل السياسات الوطنية‬
‫فكرة التعاون العالمي‪ ،‬وتسهم في الجهود العالمية لصون بيئة الكرة األرضية‪.‬‬
‫الفصل الثالث‬
‫أسس التنمية المستدامة من المنظور اإلسالمي ومقوماتها‬
‫أوال ً‪ :‬أسس التنمية المستدامة ومقوماتها ‪:‬‬
‫‪36‬‬
‫‪ . 1‬ورد مضمون التنمية تحت مصطلح العمارة والتعمير‪ ،‬يقول هللا سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫{هو أنشأكم من األرض واستعمركم فيها } (سورة هود‪ ،‬اآلية‪.)61 :‬‬
‫ويقول علماء التفسير إن اآلية الكريمة تحث على طلب العمارة‪ ،‬والطلب المطلق من‬
‫هللا يكون على سبيل الوجوب‪ ،‬وفي هذه اآلية داللة على وجوب عمارة األرض‪ ،‬قال‬
‫علي بن أبي طالب كرم هللا وجهه لنائبه على مصر "ليكن نظرك في عمارة األرض‪،‬‬
‫أبلغ من نظرك في استخراج الخراج‪ ،‬ألن ذلك ال يدرك إال بالعمارة‪ ،‬ومن طلب الخراج‬
‫بغير عمارة أخرب البالد‪.‬‬
‫وهناك مصطلح آخر هو التمكين ‪ :‬قال هللا تعالى ‪ :‬ژو َلقَ ْد َم هكنها ُك ْم في األرض و َجعَ ْل َنا‬
‫ش ي (سورة األعراف‪ ،‬اآلية‪.)10 :‬‬
‫لكم فيها َمعَا ِي َ‬
‫يرى علماء الفقه أن للتمكين معنيين ‪ :‬األول ‪ :‬اتخاذ قرار ومكان وموطن‪ ،‬الثاني ‪:‬‬
‫السيطرة والقدرة على التحكم‪ ،‬وهو يعني أن هللا سبحانه وتعالى قد هيأ لإلنسان وضع‬
‫السيطرة على الطبيعة‪ ،‬وطلب منا تحقيق تلك السيطرة‪ ،‬أو بتعبير آخر طلب منا تحقيق‬
‫التكنولوجيا على اعتبار أن التكنولوجيا هي أداة تسخير الوسائل العلمية للسيطرة على‬
‫الظروف الطبيعية وتوجيهها لصالح اإلنسان‪.‬‬
‫‪ . 2‬اهتم التصور اإلسالمي للتنمية المستدامة باإلنسان فهو صانع التنمية والمستفيد‬
‫األول من عوائدها‪ ،‬وهو جزء من الكون‪ ،‬مخلوق من طين األرض‪ ،‬وفيه نفحة علوية‬
‫من روح هللا‪ ،‬عنصران ممتزجان في كيان كلي‪ ،‬وقد عقدت له الخالفة في األرض‬
‫ليعمرها ويرقيها وفق منهج هللا‪ ،‬ويمكن تأصيل هذه العالقة من عدة جوانب ‪:‬‬
‫‪ 2-1‬كرم هللا اإلنسان وجعله مفضال ًعلى كثير من مخلوقاته‪ ،‬ويقول هللا سبحانه‬
‫وتعالى ‪{ :‬ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات‬
‫وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيال } (سورة اإلسراء‪ ،‬اآلية‪.)70 :‬‬
‫‪37‬‬
‫‪ 2-2‬اإلنسان ليس مستهلكا ً فقط‪ ،‬بل هو منتج لنفسه ولغيره‪ ،‬بل طالبنا اإلسالم‬
‫باإلتقان واإلحسان في العمل‪.‬‬
‫‪ 3-2‬إن هللا قد أودع في االنسان طاقات كثيرة‪ ،‬منها ما هو ظاهر‪ ،‬ومنها ما هو باطن‬
‫خفي‪ ،‬ليستخدمها في عمارة األرض وترقية الحياة على ظهرها‪.‬‬
‫‪ .3‬اقتضت حكمة هللا سبحانه وتعالى أن يسخر لإلنسان كل ما في الكون من مخلوقاته‬
‫ونعمه (الماء ـ الهواء ـ الحيوان ـ النبات ـ الجماد ـ السماء ـ األرض ـ الشمس ـ القمر‬
‫ـ الليل ـ النهار ‪ ..‬الخ)‪ ،‬وصدق هللا العظيم إذ يقول في قرآنه الكريـم { ألم تروا أن هللا‬
‫سخر لكم ما في السماوات وما في األرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة }‬
‫(سورة لقمان‪ ،‬اآلية ‪ )20 :‬وهو يعني أن لإلنسان حقا ً على تلك الموارد‪ ،‬والبحث‬
‫عنها واالنتفاع بها في بناء الحياة وعمارة الكون وفق منهج هللا‪.‬‬
‫وتحمل اإلنسان المسؤولية عن هذا الكون‪ ،‬تلك المسؤولية التي هي جزء من فطرته‪،‬‬
‫هي في جملتها صون للتوازن البيئي على كوكب األرض‪ ،‬فعندما عصا قوم نوح‬
‫نبيهم‪ ،‬وحقت عليهم كلمة هللا أن يبتلعهم الطوفان‪ ،‬تلقى نوح من ربه‪ ،‬أن يأخذ في‬
‫السفينة من كل زوجين اثنين قال تعالى ‪ { :‬فاسلك فيها من كل زوجين اثنين} (سورة‬
‫المؤمنون‪ ،‬اآلية‪.)27 :‬‬
‫ففلك نوح هو الوسيلة الوحيدة للنجاة‪ ،‬أي البقاء‪ ،‬والبقاء هو حفظ النوع‪ .‬فقد أمر هللا‬
‫سيدنا نوحا ً أن يحمل معه من الكائنات الحية األخرى من كل نوع زوجين اثنين‪ ،‬وهي‬
‫الوحدة القادرة على حفظ النوع وتحقيق بقائه‪ .‬كذلك أمر هللا نوحا ً أن يحمل معه أهله‬
‫أي عناصر الجنس البشري التي ستحفظ نوعه وتحقق بقاءه‪ ،‬فنجاة سيدنا نوح وحده‬
‫ال تعني بقاء النوع‪ .‬يعني هذا أن القاعدة هي أن للكائنات جميعا ً ـ ومنها اإلنسان ـ حق‬
‫البقاء ألن الجميع شركاء في األرض‪ ،‬التي شاءت إرادة هللا أن تكون مهدا ً للحياة‪ ،‬ألن‬
‫هللا لم يخلق الكائنات عبثا ً بال غاية‪ ،‬ذلك ألن كل كائن من الميكروب الدقيق إلى‬
‫الحيوان الكبير له دور في حفظ توازن الحياة‪.‬‬
‫‪38‬‬
‫ويعني هذا أن نوحا ً ـ قائد الفلك ـ هو المسؤول عن سالمة الكائنات جميعاً‪ ،‬ال فرق بين‬
‫نوع ونوع‪ ،‬وأنه المسؤول عن إتاحة فرصة البقاء‪ .‬هذه هي األمانة التي حملها‪،‬‬
‫والخالفة التي كرمه هللا بها‪ ،‬ويقتضي ذلك منه حسن إدارتها بأن ‪:‬‬
‫ـ يحفظ توازنها ونواميس النظم البيئية‪.‬‬
‫ـ يحقق لألنواع جميعا ً البقاء‪.‬‬
‫ـ يأخذ من مواردها ما يكفي لحاجته المشروعة‪ ،‬وال يستنزف مواردها باإلسراف الذي‬
‫نهى عنه اإلسالم ونهت عن األديان كافة‪.‬‬
‫‪ . 4‬رغم سلطان اإلنسان على موارد البيئة التي استخلفه هللا فيها لتحقيق مصلحته‪،‬‬
‫إال أن ملكيته لها ليست مطلقة ويجب أال ه تؤدي إلى اإلضرار بالغير فموارد البيئة‬
‫نعمة من نعم هللا على اإلنسان‪ ،‬وأثر من آثار رحمته بعباده‪ ،‬ينبغي أن تقابل بالشكر‬
‫والحمد‪ ،‬وشكرها هو اإليمان بمصدرها واستعمالها فيما ينفع األرض وعمارة الكون‪،‬‬
‫وليس اإلساءة لغيره‪ .‬فمن يستخدم المبيدات الكيميائية لحماية محصوالته الزراعية أو‬
‫يدير مصنعا ً تصدر عنه أصوات مزعجة‪ ،‬أو ينفث أبخرة وغازات سامة‪ ،‬يجب منعه‬
‫من ذلك‪ ،‬أو إلزامه باتخاذ التدابير التي تكفل عدم اإلضرار بالغير‪ ،‬فجلبه مصلحة‬
‫لنفسه ال ينبغي أن تكون على حساب المضار التي تلحق بغيره‪ ،‬ومن القواعد الفقهية‬
‫الضرر األكبر يدفع الضرر األخف‪ ،‬وفي األمثلة السابقة إذا كان يترتب على خطر‬
‫استخدام المبيدات نقص في المحصول‪ ،‬أو االلتزام بالحد من نشاط المصنع‪ ،‬مما يسبب‬
‫ضررا ً أخف ينبغي تحمله في سبيل منع األضرار الصحية وغيرها التي تلحق بمجموع‬
‫الناس‪ ،‬أي أن حق الملكية في اإلسالم مقيد بحدود هللا وحقوق المجتمع‪ ،‬حتى أن‬
‫انتزاع هذا الملك من صاحبه يجوز للمصلحة العامة على أن يعوض ثمنه بالمثل‪ ،‬ذلك‬
‫ألن المال مال هللا‪ ،‬وهومستخلف فيه‪ ،‬وبعبارة أخرى هو وكيل الجماعة في رعايته‬
‫وتثميره وإنفاقه فإذا أساء التصرف في المال كان من حق الجماعة أن تغل يده‪،‬‬
‫وبعض علماء المذهب المالكي يقولون إن سلطان االنسان اليكون المادة‪ ،‬وإنما محله‬
‫‪39‬‬
‫منافعها فقط‪.‬ومما يؤكد ذلك أن هللا سبحانه وتعالى جعل الناس مستخلفين في إدارة‬
‫المال حيث قال سبحانه ‪:‬‬
‫{ آمنوا باهلل ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } (سورة الحديد‪ ،‬اآلية‪.)7 :‬‬
‫{ وأتوهم من مال هللا الذي آتاكم } (سورة النور ‪ ،‬اآلية ‪.)33:‬‬
‫وحق االنتفاع بموارد البيئة دون حق الملكية‪ ،‬له محدودية زمنية‪ ،‬فقد قال سبحانه‪:‬‬
‫{ولكم في األرض مستقر ومتاع إلى حين}(سورة البقرة‪ ،‬اآلية‪.)36 :‬‬
‫وتفيد تلك المحدودية الزمنية في ضبط سلوك اإلنسان في تعامله مع موارد البيئة‬
‫وثرواتها‪ ،‬ذلك أن تلك الثروات والموارد ليست ملكا ً للجيل الحالي بل هي ملك لألجيال‬
‫التا لية‪ ،‬وهذا يقتضي الحفاظ عليها وصيانتها من الملوثات التي تضر بها‪ ،‬وعدم‬
‫اإلسراف والجور في استغاللها‪ ،‬حتى نورثها سليمة قادرة على اإلنتاج لألجيال‬
‫القادمة‪ .‬وإذا كانت المبادئ التي تم عرضها ت َ ُه ُّم بالدرجة األولى الموارد البيئية التي‬
‫تدخل في الحيازة والملك‪ ،‬فإنها تصدق كذلك بالنسبة للموارد البيئية التي ال يمكن‬
‫حيازتها أو إحرازها كالهواء واألنهار والبحار والمناطق القطبية‪.‬‬
‫‪ . 5‬نص اإلسالم على فكرة شتراك اإلنسانية في الموارد الطبيعية‪ ،‬منذ أربعة عشر‬
‫قرناً‪ ،‬فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى ‪:‬‬
‫ب محت َ َ‬
‫ضر } (سورة القمر‪ ،‬اآلية‪.)28 :‬‬
‫{ ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل ِ‬
‫ش ْر ٍ‬
‫يوم معلوم } (سورة الشعراء‪ ،‬اآلية‪.)155 :‬‬
‫ب ولكم ِ‬
‫{ قال هذه ناقة لها ِ‬
‫ش ْر ٌ‬
‫ش ْر ُ‬
‫ب ٍ‬
‫وجاء في السنة المطهرة أن الناس شركاء في ثالث ‪" :‬الماء والكأل و النار" رواه أبو‬
‫داود في سننه بإسناد صحيح‪ ،‬فلفظ الكأل ذو معنى واسع‪ ،‬تشمل كل المزروعات التي‬
‫تعيش عليها الكائنات الحية‪ ،‬وهي من الموارد الرئيسة للبيئة البرية‪ ،‬وال يجوز ألحد‬
‫أن يمنع غيره من االنتفاع بتلك الموارد‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬
‫‪40‬‬
‫{ كالًّ نُ ِمدُّ هؤالء وهؤالء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ً } ( سورة‬
‫اإلسراء‪ ،‬اآلية ‪.) 20:‬‬
‫وقد أخذت االتفاقات الدولية بهذا المبدأ‪ ،‬حق االنتفاع بموارد البيئة مكفول لكل البشر‬
‫كما في اتفاقية الفضاء الخارجي (‪ 27‬يناير ‪ ،)1967‬وقد تكلمت المادة األولى منها‬
‫عن فكرة التراث المشترك بخصوص المواد والثروات الموجودة في قاع البحار‬
‫والمحيطات وباطن األرض خارج حدود الوالية الوطنية لكل دولة‪.‬‬
‫‪ .6‬بما أن موادر الطبيعة تراث مشترك لالنسانية فيجب االلتزام باآلداب اإلسالمية في‬
‫تنميتها ودفع الضرر والفساد عنها‪ ،‬ألن تلك الموارد المشتركة بين بني البشر لها‬
‫وظائف ثالث ‪:‬‬
‫الوظيفة األولى ‪ :‬تعبدية وهي ذات شقين‬
‫الشق األول ‪ :‬أنها تسبح بحمد خالقها وتسجد له‪ ،‬ودليل على قدرة هللا سبحانه‬
‫وتعالى‪ ،‬حيث يقول {ألم تر أن هللا يسجد له من في السموات ومن في األرض‬
‫والدواب} (سورة الحج‪ ،‬االية ‪.)18 :‬‬
‫والشجر‬
‫والقمر والنجو ُم والجبا ُل‬
‫والشمس‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫الشق الثاني ‪ :‬يخص اإلنسان الذي سخرت لخدمته تلك الموارد‪ ،‬فهذه األخيرة مجال‬
‫لتأمل اإلنسان وإعمال فكره حول مبدعها وخالقها‪ ،‬قال سبحانه وتعالى ‪ { :‬إن في‬
‫خلق السماوات واألرض واختالف الليل والنهار آليات ألُولي األلباب الذين يذكرون‬
‫هللا قياما ً وقعودا ً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات واألرض ربنا ما خلقت‬
‫هذا باطالً سبحانك ف ِقنا َ‬
‫عذاب الناري (سورة آل عمران‪ ،‬اآليتان ‪)190-191 :‬‬
‫ً‬
‫والتعدي على البيئة أو استنزافها يعوق تلك الوظيفة التعبدية‪.‬‬
‫الوظيفة الثانية ‪ :‬جمالية ترفيهية‪ ،‬ذلك أن هللا خلق موارد الطبيعة مختلفة األلوان‬
‫واألشكال‪ ،‬إلدخال البهجة والسرور على نفس من استخلفه هللا في عمارة األرض‪،‬‬
‫ت‬
‫وصدق هللا العظيم إذ يقول ‪ { :‬أل ْم ت َ َر أن هللا أ َنز َل من‬
‫السماء ما ًء فأخرجنا به ثمرا ٍ‬
‫ِ‬
‫‪41‬‬
‫ختلف ألوانها و َ‬
‫يب سودٌ ومن‬
‫مر ُم‬
‫ُّمختلفا ً ألوانُها ومن الجبال ُجدَدٌ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫غرا َ ِب ُ‬
‫بيض و ُح ُ‬
‫اَّلل ِم َن عباده العُلما ُء إن هللا‬
‫الناس والدواب واألنعام ُم ْخت َ ِل ٌ‬
‫ف ألَ َوانُه كذلك إنما يخشى ه َ‬
‫ٌ‬
‫غفور } (سورة فاطر ‪ ،‬اآليتان ‪.)27-28 :‬‬
‫عزيز‬
‫ٌ‬
‫الوظيفة الثالثة‪ :‬حياتية معيشية‪ ،‬فكل فرد يستعمل موارد الطبيعية في تدبير طعامه‬
‫وطعام أنعامه‪ ،‬ويتخذ منها ملبسه ومسكنه‪ ،‬ووسيلة انتقاله دون أن يتعدى على حق‬
‫الغير‪ ،‬ومادام ذلك في حدود شرع هللا‪.‬‬
‫‪ . 7‬اإلسالم يحظر التعسف في استعمال موارد الطبيعة لتأثير ذلك على التوازن البيئي‪،‬‬
‫فالرعي الجائر يؤدي إلى التصحر‪ ،‬واستخدام المبيدات الكيميائية لمقاومة اآلفات‬
‫الزراعية أدى إلى موت العديد من الطيور بتأثير تلك المبيدات وأدى إلى انقراض كثير‬
‫من الحيوانات البرية والطيور كالبوم والثعالب التي كانت تتخذ من الفئران غذاء لها‪،‬‬
‫فاختل التوازن بين الطرفين‪ ،‬وظهرت مشكلة الفئران وألحقت الضرر بالمزارع‪ .‬وأدى‬
‫التلوث إلى ظاهرة األمطار الحمضية التي تعاني منها دول شمال غرب أوربا‪ ،‬حيث‬
‫قضت األمطار على ‪ 16‬مليون فدان من الغابات في تسع دول أوربية‪.‬‬
‫‪ . 8‬دعا اإلسالم إلى الوسطية أو االعتدال في استغالل موادر البيئة‪ ،‬قال هللا تعالى ‪{ :‬‬
‫وكذلك جعلناكم أمة وسطا ً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ً }‬
‫(سورة البقرة ‪ ،‬اآلية ‪.)143 :‬‬
‫واألمة الوسط هي األمة األعلى واألشرف بين األمم‪ ،‬ألنها تقوم على طريق الحق‬
‫والعدل‪ .‬وللوسطية مظاهر عدة منها ‪:‬‬
‫ـ الوسطية في التصور واالعتقاد‪ ،‬ال غلو في التجرد الروحي‪ ،‬وال في االرتكاس‬
‫المادي‪.‬‬
‫ـ الوسطية في التنظيم ال تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر‪ ،‬وال تدعها كلها‬
‫للتشريع والتأديب‪ ،‬وإنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب‪.‬‬
‫‪42‬‬
‫ـ الوسطية في االرتباطات والعالقات‪ ،‬ال تلغي شخصية الفرد ومقوماته‪ ،‬وال تتالشى‬
‫شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة‪ ،‬وال تطلقه فردا ً جشعا ً ال هم له إال ذاته‪،‬‬
‫وإنما تجعل الفرد خادما ً الجماعة‪ ،‬والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق‪ ،‬فعندما‬
‫اشتد جموح األفراد وأنشطتهم لتدمير طبقة األوزون عن طريق زيادة استخدام‬
‫الفلوروكربون‪ ،‬سارع العالم إلى عقد االتفاقيات لتقييد حرية الدول في استخدامه‬
‫حفاظا ً على حقوق اإلنسانية جمعاء‪ ،‬إنها المسؤولية المشتركة‪.‬‬
‫‪ .9‬تنهى مبادئ اإلسالم عن اإلسراف والتبذير في استعمال ما أنعم هللا به على‬
‫اإلنسان من موارد البيئة‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا‬
‫واشربوا وال تسرفوا إنه ال يحب المسرفين} (سورة األعراف‪ ،‬اآلية ‪.) 31 :‬‬
‫إن اإلسراف والتبدير ضرب من ضروب الفساد في األرض المنهي عنه شرعاً‪ ،‬قال‬
‫سد َ‬
‫األرض‬
‫ُون في‬
‫تعالى ‪ { :‬فاتقوا هللا‬
‫وأطيعون وال تطيعوا أَ ْم َر المسرفين الذين يُ ْف ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫لحون } ( سورة الشعراء‪ ،‬اآليات ‪.)150-151-152 :‬‬
‫ْص‬
‫وال ُي ِ‬
‫وقد نهى رسول هللا صلى هللا عليه و سلم عن اإلسراف في استهالك الماء عند‬
‫الوضوء‪ ،‬فقد مر بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ فقال ‪ :‬ما هذا السرف يا سعد؟‬
‫فقال ‪ :‬أفي الوضوء سرف ؟ قال ‪ :‬نعم وإن كنت على نهر جار (رواه مسلم)‪.‬‬
‫كما حث اإلسالم في الوقت نفسه على تهيئة الموارد الطبيعية لالستغالل‪ ،‬ويدل على‬
‫ذلك حديث رسول هللا صلى هللا عليه و سلم ‪(:‬من أحيا أرضا ً ميتة فهي له) رواه‬
‫البخاري‪.‬‬
‫‪ .10‬دعا اإلسالم إلى االحتكام إلى شريعة هللا حكومة وشعبا ً واألخذ بمبادئ العدل‬
‫والشورى‪ ،‬ففي كثير من الدول النامية ال يشارك الشعب في اتخاذ القرارات التنموية‪،‬‬
‫وتفرض عليه مشاريع التنمية‪ ،‬دون أخذ رأيه تجاهها‪ .‬ويترتب على عدم مناقشته‬
‫لمثل هذه المشاريع‪ ،‬وتحديد نتائجها‪ ،‬مشاكل بيئية ال حصر لها‪ ،‬تكون الحكومات في‬
‫غنى عن مواجهتها لو استمعت إلى الجماهير التي سوف تعود عليها نتائج التنمية‪.‬‬
‫‪43‬‬
‫وقد دعا اإلسالم إلى عدم االنفراد بالرأي‪ ،‬ومشورة الجماعة‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬والذين‬
‫استجابوا لربهم وأقاموا الصالة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } (سورة‬
‫الشورى‪،‬اآلية ‪ ،)150 :‬كذلك بالمعارضة تظهر عيوب خطط التنمية واآلثار السلبية‬
‫لتفاعل اإلنسان مع البيئة‪.‬‬
‫‪ 11.‬الحريم‬
‫عينت الشريعة اإلسالمية حرما ً متنوعة يحرم فيها التعمير‪ ،‬أو يقيد لحماية المرافق‬
‫العامة والموارد المهمة من اإلفساد واإلضرار‪ ،‬فلكل قرية أو مدينة حرم حولها حيث‬
‫ال تملك األراضي لألحياء‪ ،‬وألهل القرية جميعا ً إدارة هذه األراضي المشتركة بينهم‬
‫لتأمين ما يحتاجون إليه من المرعى والحطب وغير ذلك‪ ،‬وكذلك موارد المياه كاألنهار‬
‫والعيون واآلبار ومسايل المياه‪ ،‬والمرافق العامة كالطرق واألفنية‪ ،‬لها حرمة‬
‫مشروعة‪ ،‬وذلك لمنع إفسادها‪ ،‬وتيسير استعمالها وصيانتها‪ ،‬ومن واجب السلطة أن‬
‫تمنع االعتداء على مثل تلك الحرم‪.‬‬
‫‪ 12.‬الحمى‬
‫لوالة األمور الحق بل عليهم أن يحموا األراضي ذات المنفعة العامة كإدارة المراعي‬
‫والغابات‪ ،‬ومستجمعات المياه والحيوانات البرية والمحافظة عليها فقد حمى رسول هللا‬
‫صلى هللا عليه و سلم أراضي في سبيل هللا للمصالح العامة‪ .‬ولوالة األمور‪ ،‬داخل‬
‫هذه األحمية‪ ،‬أن يمنعوا التعمير وقطع الشجر والرعي والصيد‪ ،‬أو تقييده‪ ،‬حسب‬
‫األهداف المعنية لكل حمى‪.‬‬
‫‪ 13.‬الوقف الخيري‬
‫إن اإلسالم يحث المسلمين كأفراد على المشاركة في المحافظة على البيئة وعمارتها‬
‫الرشيدة عن طريق الهبة والوصية‪ ،‬وأهم النظم الشرعية في هذا المجال هو نظام‬
‫‪44‬‬
‫الوقف الخيري‪ .‬وقد يكون الوقف على شكل أرض مخصصة ألغراض خيرية كاألبحاث‬
‫الزراعية أو الرعوية أو محتطب لقرية أو حوض أو بئر أو حديقة عامة‪ ،‬أو يكون‬
‫الوقف على شكل عقار أو مال مخصص لإلنفاق على مشاريع مماثلة‪ .‬وفي هذا‬
‫محافظة على الموارد الطبيعية في البيئة‪.‬‬
‫‪ 14.‬الحرمان الشريفان ‪:‬‬
‫خصص رسول صلى هللا عليه و سلم‬
‫مناطق معينة من مكة والمدينة كمحميات‬
‫طبيعية‪ ،‬وحدد رسول هللا للحرم المكي حدودا من جميع الجهات ال يعضد شوكه وال‬
‫ينفر صيده‪ .‬وعن أبي هريرة أن رسول صلى هللا عليه و سلم قال ‪(:‬إن إبراهيم حرم‬
‫مكة وإني حرمت المدينة‪ ،‬ما بين البتيها‪ ،‬ال يقطع عضاها وال يصاد صيدها)‪.‬‬
‫يتضح مما سبق أن اإلسالم أول من قرر مبدأ المحميات الطبيعية وأقام محميتين‬
‫طبيعيتين وحدد حدودهما‪ ،‬كما سن التشريعات المناسبة لحماية الحياة البرية فيهما‪،‬‬
‫فبالنسبة لل ُمحْ ِر َِم بمكة إذا قتل صيدا ً أو قطع شجرة طبيعية لم يستنبتها اإلنسان‪ ،‬فإنه‬
‫يكون آثما ً ويجب عليه االستغفار كما تجب عليه الغرامة‪ ،‬وهي دفع قيمة ما قطع أو‬
‫الهدي (وهو ما يهدى إلى الحرم من النعم مثل اإلبل‪ ،‬وغيرها)‪.‬‬
‫‪ 15‬ـ تضمن الفقه اإلسالمي العديد من القواعد الفقهية التي تعتبر األساس للعديد من‬
‫األنظمة والقوانين الخاصة بالتنمية المستدامة‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫‪ . 15-1‬ال ضرر وال ضرار ‪:‬‬
‫أي ال يضر اإلنسان غيره بأعماله‪ ،‬وال هو يضار بأعمال الغير‪ ،‬فمن حق اإلنسان أن‬
‫يستمتع على سبيل المثال بمشاهدة التلفاز‪ ،‬واالستماع إلى الراديو‪ ،‬لكن ليس من حقه‬
‫أن يتسبب في إزعاج اآلخرين عن طريق رفع الصوت من وسائل االتصال الحديثة‪،‬‬
‫فحرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية اآلخرين‪ .‬ومن حق اإلنسان استخدام المياه في‬
‫‪45‬‬
‫الشرب وأغراضه الخاصة‪ ،‬لكن ليس من حقه تلويث المياه أو إهدارها‪ ،‬فكل حق بيئي‬
‫يقابله واجب بيئي‪.‬‬
‫‪ 15-2‬درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ‪:‬‬
‫فما أدى إلى حرام فهو حرام‪ ،‬كما أن منع الضرر قبل حدوثه أولى في معالجته بعد‬
‫حدوثه‪ .‬فمن المؤكد أن منع التلوث الغذائي قبل وقوعه‪ ،‬أولى من معالجته بعد حدوثه‪.‬‬
‫‪ 15-3‬ت َ َح ُّم ُل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ‪:‬‬
‫فعدم استخدام المبيدات بكثرة‪ ،‬واستخدام المقاومة البيولوجية بدالً من المقاومة‬
‫الكيميائية‪ ،‬أفضل من الضرر الذي قد يصيب عددا ً كبيرا ً من جراء تلوث التربة‪ ،‬والتي‬
‫لها آثار جانبية على اإلنسان والحيوان باإلضافة إلى أنها تقتل الكائنات الدقيقة‬
‫الموجودة في التربة (المحلالت) والتي تعمل على تكوين مادة "الدوبال" التي تؤدي‬
‫إلى خصوبتها‪ ،‬ومن هنا كان تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام‪.‬‬
‫‪ 15-4‬الضرر يُزال ‪:‬‬
‫من يتسبب في إحداث الضرر‪ ،‬ينبغي عليه إزالته‪ ،‬فإلقاء السفن الضخمة فضالتها في‬
‫البيئة البحري ة‪ ،‬يلوثها ويدمر النباتات البحرية‪ ،‬مما يؤدي إلى اختالل التوازن البيئي‪،‬‬
‫ومن هنا يجب على المتسبب أن يتخذ ما يلزم من إجراءات إلزالة اآلثار السيئة‬
‫ألفعاله‪ ،‬حيث يعدُّ هذا إفسادا ً في األرض‪ ،‬وقد توعد هللا المفسدين بالعذاب الشديد‪.‬‬
‫وهناك الكثير من المبادئ الفقهية التي تقوم عليها فكرة التنمية المستدامة‪ ،‬وضرورة‬
‫المحافظة على الموارد الطبيعية لألجيال الحالية والمستقبلية‪ ،‬وعدم تبديدها أو‬
‫إهدارها‪ ،‬ومن هذه المبادئ ‪:‬‬
‫‪ 15-5‬الحكم يدور مع علتة وجودا ً وعدماً‪.‬‬
‫‪ 15-6‬إذا زال المانع عاد الممنوع‪.‬‬
‫‪46‬‬
‫‪ 15-7‬إذا سقط األصل‪ ،‬سقط الفرع‪.‬‬
‫‪ 15-8‬ليس كل ما هو مشروع للفرد‪ ،‬مشروعا ً للجماعة‪.‬‬
‫‪ 15- 9‬المعروف عرفاً‪ ،‬كالمشروط شرطاً‪.‬‬
‫‪ 15-10‬ما ال يتم الواجب إال ه به فهو واجب‪.‬‬
‫‪ 15-11‬األصل في األشياء اإلباحة‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬تعريف التنمية المستدامة من وجهة نظر إسالمية ‪:‬‬
‫بناء على األسس والمبادئ والمقومات التي تمت مناقشتها سابقا ً والتي تقوم عليها‬
‫التنمية المستدامة من منظور إسالمي‪ ،‬يمكن تعريف التنمية المستدامة من وجهة نظر‬
‫إسالمية التعريف التالي ‪:‬‬
‫التنمية المستدامة من وجهة نظر إسالمية عملية متعددة األبعاد‪ ،‬تعمل على التوازن‬
‫بين أبعاد التنمية االقتصادية واالجتماعية من جهة‪ ،‬والبعد البيئي من جهة أخرى‪،‬‬
‫وتهدف إلى االستغالل األمثل للموارد واألنشطة البشرية القائمة عليها من منظور‬
‫إسالمي يؤكد أن اإلنسان مستخلف في األرض له حق االنتفاع بمواردها دون حق‬
‫ملكيتها‪ ،‬ويلتزم في تنميتها بأحكام القرآن والسنة النبوية الشريفة‪ ،‬على أن يراعي‬
‫في عملية التنمية االستجابة لحاجات الحاضر‪ ،‬دون إهدار حق األجيال الالحقة‪،‬‬
‫ووصوال ً إلى االرتفاع بالجوانب الكمية والنوعية للمادة البشر‪.‬‬
‫وهذا التعريف يتضمن ثالثة عناصر أساسية ‪:‬‬
‫‪ . 1‬عملية متعددة األبعاد تقوم على التخطيط والتنسيق بين خطط التنمية الشاملة من‬
‫جهة وبعدها البيئي من جهة أخرى‪.‬‬
‫‪ .2‬االستغالل األمثل للموارد من منظور إسالمي‪.‬‬
‫‪47‬‬
‫‪ .3‬توفير حق األجيال الحاضرة والالحقة من الموارد واالرتقاء بالجوانب الكمية‬
‫والنوعية للمادة والبشر‪.‬‬
‫من العرض السابق ألسس ومقومات التنمية المستدامة‪ ،‬وتعريفها‪ ،‬يتضح أن اإلسالم‬
‫قد أمر بها منذ أكثر من ألف وربعمائة عام‪ ،‬وقبل أن تظهر الفكرة في مؤتمر ريودي‬
‫جانيرو عام ‪ ،1992‬وبيان التنمية المستدامة من وجهة نظر إسالمية يربطها بالوحي‬
‫اإللهي‪ ،‬فتظل مصونة من الخطأ والزلل‪ ،‬محوطة بضمانات من الوحي الرباني والهدي‬
‫النبوي‪ ،‬كما قال صلى هللا عليه و سلم ‪( :‬تركت فيكم ما إن تمسكتم به‪ ،‬لن تضلوا‬
‫بعدي أبداً‪ ،‬كتاب هللا وسنتي)‪.‬‬
‫ومما الشك فيه أن العالم اإلسالمي يتمتع بخصوصية ثقافية واحدة جامعة‪ ،‬أسسها‬
‫وأرسى دعائمها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة‪ ،‬وقواعد الفقه اإلسالمي‪،‬‬
‫واألثر الثقافي واألخالقي الذي تتميز به حضارتنا اإلسالمية‪ ،‬والذي يشجع على‬
‫الحوار‪ ،‬إليجاد وئام وتوافق دولي بين الحضارات واألديان‪ ،‬يكون أحد مخرجاته‬
‫تحقيق التنمية المستدامة بمفهومها الشامل على المستوى الوطني واإلقليمي‬
‫والدولي‪.‬‬
‫الفصل الرابع‬
‫المعوقات األساس للتنمية المستدامة‪ ،‬ومطالب الدول األعضاء من القمة العالمية‬
‫للتنمية المستدامة‬
‫أوال ً ‪ :‬المعوقات الرئيسة للتنمية المستدامة في العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .1‬الفقر وتراكم الديون‬
‫ـ الفقر مفهوم متعدد األبعاد فهو يعني انعدام الحيلة‪ ،‬والتعرض للمعاناة‪ ،‬والخوف‪.‬‬
‫والفقر ال يشمل فقط انخفاض الدخل واالستهالك‪ ،‬بل يشمل أيضا ً ضعف اإلنجاز في‬
‫مجاالت التعليم‪ ،‬والصحة والتغذية‪ ،‬واإلسكان‪ ،‬وغيرها من مجاالت التنمية‪.‬‬
‫‪48‬‬
‫ـ يرجع الفقر بصفة أساس إلى أن توزيع المكاسب العالمية غير متكافئ بصورة‬
‫صارخة‪ ،‬فمتوسط دخل الفرد في أغنى ‪ 20‬بلدا ً في العالم‪ ،‬يعادل ‪ 37‬مثالً لمتوسط‬
‫الدخل ألفقر ‪ 20‬بلدا ً في العالم‪.‬‬
‫ـ يتم اتخاذ نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي‪ ،‬كمؤشر عام يوضح مدى‬
‫االستقرار المادي ألفراد الشعب‪ ،‬وبالنظر إلى نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي‬
‫في الدول األعضاء في منظمة المؤتمر اإلسالمي‪ ،‬وذلك لعام ‪ ،2000‬بالدوالر‬
‫األمريكي‪ ،‬نجد ما يلي ‪:‬‬
‫‪ . 1‬هناك دول في العالم اإلسالمي نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي فيها‬
‫مرتفع‪ ،‬والذي يبلغ أكثر من ‪ 9266‬دوالرا ً كما حددته بيانات البنك الدولي عام‬
‫‪ 2001‬وهي دولة اإلمارات العربية المتحدة‪ ،‬سلطنة بروناي‪ ،‬دولة الكويت‪ ،‬دولة‬
‫قطر‪.‬‬
‫‪ .2‬دول نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي من ‪ 756‬دوالرا ً حتى أقل من‬
‫‪ 9266‬دوالراً‪ ،‬وتتمثل في‪ ،‬األردن‪ ،‬سلطنة عمان‪ ،‬إيران‪ ،‬ماليزيا‪ ،‬جزر المالديف‪،‬‬
‫سورينام‪ ،‬المغرب‪ ،‬الجزائر‪ ،‬تونس‪ ،‬الجابون‪ ،‬سوريا‪ ،‬مصر‪ ،‬البحرين‪ ،‬باكستان‪،‬‬
‫بنجالديش‪ ،‬أذربيجان‪ ،‬قازاخستان‪ ،‬السنغال‪ ،‬غينيا‪ ،‬تشاد‪ ،‬بنين‪ ،‬جابون‪ ،‬جمبيا‪،‬‬
‫الكاميرون‪ ،‬قيرغيزستان‪ ،‬أندونيسيا‪ ،‬موريتانيا‪ ،‬بوركينا فاسو‪ ،‬نيجريا‪ ،‬كوت ديفوار‬
‫(‪ 30‬دولة)‪.‬‬
‫‪ .3‬دول ذات دخل منخفض ‪ :‬والتي يبلغ نصيب الفرد فيها الناتج القومي اإلجمالي‬
‫‪ 755‬دوالرا ً أو أقل‪ ،‬وتشمل ‪ :‬اليمن‪ ،‬جزر القمر‪ ،‬النيجر‪ ،‬غينيا بيساو‪ ،‬سيراليون‪،‬‬
‫ويتضح من مؤشر متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي اإلجمالي أن هناك تفاوتا ً‬
‫في توزيع الثروة في العالم اإلسالمي‪ ،‬وأنه يجب على دول العالم اإلسالمي الغنية أن‬
‫تستثمر أموالها في الدول الفقيرة في العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪49‬‬
‫ـ يدفع الفقر إلى استنزاف الموارد الطبيعية المتوفرة والقليلة وإلى استعمالها استعماالً‬
‫عشوائياً‪ ،‬حيث تستعمل األراضي الهامشية إلى درجة استنزافها‪ ،‬وتنخفض قدرتها‬
‫على اإلنتاج الزراعي‪ ،‬كما تقطع أشجار الغابات ألغراض التدفئة بسرعة ال تسمح‬
‫بتعويض ما تم قطعه‪ ،‬وهذه الجدلية بين الفقر واستنزاف الموارد الطبيعية قد يكون‬
‫سببها ضغط الديون الخارجية‪ ،‬التي تجعل الفقير ال يستطيع التفكير في المدى البعيد‪،‬‬
‫واليفكر إال في قوته اليومي الذي يمثل بالنسبة له أكبر التحديات‪.‬‬
‫ـ تشكل خدمة الدين بالنسبة لصادرات السلع و الخدمات عام ‪ ،1998‬في بعض دول‬
‫العالم اإلسالمي ‪:‬‬
‫بالنسبة لسوريا ‪ ، %6,4‬األردن ‪ ، %16,4‬أندونيسيا ‪ ، %33‬باكستان ‪، %23,6‬‬
‫بنجالديش ‪ ، %9,1‬إيران ‪ ،%20,2‬طاجيكستان ‪ ، %13,7‬قيرغيزستان ‪،%9,4‬‬
‫مصر‪ ، %9,5‬السودان‪ ، %9,8‬المغرب ‪ ، %23‬الجزائر ‪ ، %42‬تونس‪، %15,1‬‬
‫موريتانيا‪ ، %27,7‬نيجيريا ‪ ، %11,2‬كاميرون‪ ، %22,3‬النيجر‪، %12,6‬‬
‫السنغال ‪ ، 23,2‬غينيا ‪ ، %19,5‬لكل من تشاد وبنين ‪ ، %10,6‬وغينيا‬
‫بيساو‪ %25,6‬وفي جامبيا ‪. %9,7‬‬
‫مما سبق يتضح أن خدمة الديون كنسبة مئوية من صادرات السلع والخدمات تشكل‬
‫عبئا ً على اقتصاد معظم دول العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫ـ وقد حرصت مبادئ اإلسالم على محاربة الفقر بضمان حد الكفاية لكل فرد يوفره‬
‫لنفسه ولمن يعولهم بعمله وجهده‪ ،‬فإن لم يستطيع ذلك لسبب خارج عن إرادته‪،‬‬
‫كمرض أو عجز أو شيخوخة‪ ،‬تكفلت له بذلك الدولة من مال مؤسسة الزكاة التي‬
‫انفرد اإلسالم بإنشائها منذ أربعة عشر قرنا ً ليحرر اإلنسان من عبودية الفقر‬
‫والحاجة‪ ،‬وليخلص في عبادة هللا وحده‪.‬‬
‫‪ .2‬الحروب وانعدام االستقرار وغياب األمن‬
‫‪50‬‬
‫شهدت معظم بالد العالم اإلسالمي خالل القرن العشرين‪ ،‬وخاصة منذ بداية الصراع‬
‫العربي اإلسرائيلي‪ ،‬الكثير من النزاعات والصراعات والحروب األهلية‪ ،‬كان من‬
‫أسبابها الرغبة في السيطرة على األرض والموارد ولقد أدت إلى عرقلة مسيرة الدول‬
‫التنموية وزعزعة استقرارها واستنزاف قواها ومواردها‪ ،‬وكان لها أبلغ األثر على‬
‫حالة بيئتها الطبيعية والبشرية‪ ،‬كما كان لها عواقب مدمرة‪ ،‬ومآسي إنسانية كثيرة‬
‫تمثلت في نزوح الالجئين والمتضررين وإفراز فقراء ينهشهم المرض والجوع‪ .‬ومن‬
‫هذه النزاعات والصراعات والحروب بشكل عام‪:‬‬
‫‪ .1‬الصراع العربي ـ اإلسرائيلي‪.‬‬
‫‪ .2‬مشكلة األلغام التي خلفتها الحروب في العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .3‬النزاعات الحدودية العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫‪ .4‬النزاعات حول الموارد المائية المشتركة‪.‬‬
‫‪ . 5‬الصراعات والحروب األهلية (في الصومال ـ السودان ـ جزر القمر ـ‬
‫الجزائر‪...‬الخ)‬
‫‪ .6‬حرب الخليج الثانية والتي أدت إلى دمار بيئي كبير‪.‬‬
‫‪ .7‬فرض العقوبات (على العراق ـ وليبيا)‪.‬‬
‫‪ .8‬النزاع بين الهند وباكستان‪.‬‬
‫‪ . 3‬قلة اإلمكانات التقنية والخبرات الفنية‪ ،‬وعدم توفر التقنيات الحديثة والمالئمة‬
‫للظروف المحلية للعديد من دول العالم اإلسالمي لقلة الموارد المالية ويظهر ذلك‬
‫كمثال فيما يصرف على التعليم في بعض هذه الدول مقارنا ً بالدول المتقدمة‪ .‬فما تزال‬
‫معظم بلدان العالم اإلسالمي بعيدة عن تحقيق االستيعاب الكامل لألطفال في مدارس‬
‫التعليم االبتدائي‪ ،‬رغم رفعها شعار إلزامية التعليم‪ ،‬وبشكل عام يالحظ انخفاض قدرة‬
‫‪51‬‬
‫التعليم الثانوي في بلدان العالم اإلسالمي على استيعاب التالميذ في الشريحة العمرية‬
‫المقابلة‪ ،‬وإذا كانت نسبة طالب المدارس اإلعدادية والمتوسطة تصل في بعض البالد‬
‫إلى ‪ %90‬أو أكثر‪ ،‬فإن نسبة طالب التعليم الثانوي إلى الشريحة العمرية المقابلة‬
‫تنخفض في بعض بلدان العالم اإلسالمي لتصل إلى ‪ ،%25‬ويؤدي هذا بالتالي إلى‬
‫جفاف المنبع الذي تخرج منه الخبرات الفنية باإلضافة إلى هجرة العقول إلى الدول‬
‫المتقدمة‪.‬‬
‫ـ تتزايد الفجوة في نوعية التعليم بين الدول الصناعية والدول النامية ومنها دول‬
‫العالم اإلسالمي ويبدو أن تلك الفجوة النوعية في ازدياد‪ .‬وتشير اإلحصاءات إلى أن‬
‫دول أوربا الغربية كانت تنفق ما قيمته ‪ 14‬مثال لما تنفقه الدول النامية على كل طالب‬
‫عام ‪ ،1960‬وفي عام ‪ 1980‬بلغت نسبة ما تنفقه الدول الصناعية ‪ 50‬مثالً لكل‬
‫طالب‪ ،‬وهذا بطبيعة الحال له انعكاساته على التفاوت في مدخالت العميلة التعليمية‪،‬‬
‫واحتياجتها الفنية‪ ،‬وبالتالي على المستوى العلمي ومستوى المهارات لمخرجات‬
‫التعليم‪ ،‬ومن ثم اتسعت الفجوة النوعية بين دول الشمال ودول الجنوب‪ ،‬وتجسد ما‬
‫عرف باسم فجوة المعرفة بين الدول الغنية والفقيرة‪ ،‬بل وبين األغنياء والفقراء في‬
‫القطر الواحد‪.‬‬
‫‪ .4‬تدني األوضاع اإلقتصادية‪ ،‬مما ينعكس سلبيا ً على قدرات الدول في االلتزام‬
‫بمسئولياتها تجاه التنمية العالمية المستدامة‪ ،‬ويرجع ذلك إلى انخفاض متوسط دخل‬
‫الفرد في معظم دول العالم اإلسالمي‪ ،‬ضعف رأس المال المتاح لالستثمار في النهوض‬
‫بقطاعات اإلنتاج‪، ،‬انتشار البطالة وعدم وجود فرص عمل بصفة خاصة للشباب‬
‫وانخفاض مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي اإلجمالي‪ ،‬وازدياد مساهمة‬
‫القطاع األول كالزراعة والصيد والرعي‪ ،‬وقطع األخشاب‪ ،‬وارتفاع نسبة األمية‪،‬‬
‫وارتفاع معدالت النمو السكاني‪ ،‬والتبعية االقتصادية الخارجية واالعتماد على سلعة‬
‫واحدة تقوم الدولة بتصديرها‪ ،‬والهجرة من الريف للمدن‪...‬إلخ‪ ،‬واستثمار األموال‬
‫العربية في الدول الغربية‪ ،‬حيث تقدر األموال العربية المستثمرة في خارج العالم‬
‫‪52‬‬
‫اإلسالمي بما ال يقل عن ‪ 800‬مليار دوالر‪ ،‬علما ً بأن االستثمار في الدول اإلسالمية‬
‫وإن كان أقل ربحية إال أنه أكثر أماناً‪ .‬ومما ال شك فيه أن هذه األوضاع االقتصادية‬
‫تؤثر على تنفيذ مشاريع التنمية المستدامة‪.‬‬
‫‪ . 5‬عدم وجود مواءمة بين النمو السكاني والموارد الطبيعية المتوفرة لتلبية‬
‫احتياجات معدالت النمو في الدول اإلسالمية‪ ،‬فإذا أخذنا على سبيل المثال األراضي‬
‫الصالحة لالستخدام نجد أنها محدودة بالنسبة للمساحة الكلية لمعظم دول العالم‬
‫اإلسالمي‪ ،‬فهي تبلغ ‪ %31,9‬في سوريا‪ ،‬و‪ %6‬في مصر‪ ،‬وهي منخفضة في‬
‫الجزائر والسودان‪ ،‬وتصل أدنى النسب ‪ %0,5‬في السعودية‪ .‬وقد أدت الضغوط‬
‫السكانية إلى تزايد التوسع في زراعة مناطق الرعي الطبيعية والزراعات المطرية‪،‬‬
‫وقد أدى كل ذلك إلى ازدياد معدالت الرعي الجائر‪ ،‬والتصحر بين مختلف أرجاء العالم‬
‫اإلسالمي‪.‬‬
‫وإذا أخذنا مصادر المياه العذبة كمثال‪ ،‬فقد انخفضت حصة الفرد من المياه العذبة في‬
‫المنطقة العربية بشكل حاد‪.‬‬
‫من ‪ 4000‬متر مكعب للفرد الواحد عام ‪.1950‬‬
‫إلى ‪ 1312‬متر مكعب للفرد الواحد عام ‪.1995‬‬
‫إلى ‪ 1000‬متر مكعب للفرد الواحد عام ‪.2001‬‬
‫والمنتظر ‪ 500‬متر مكعب للفرد الواحد عام ‪.2025‬‬
‫ويؤثر في مشاكل المياه في المنطقة عدة عوامل منها ‪:‬‬
‫ـ سرعة تزايد معدالت النمو السكاني‪.‬‬
‫ـ اإلدارة والسياسات والممارسات غير الفعالة للمياه‪.‬‬
‫‪53‬‬
‫ـ الوضع األمني المتقلب وسريع التأثر‪.‬‬
‫ـ األنهار التي تنبع من خارج حدود العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫ويعتبر نقص إمدادات المياه إحدى أولويات القمة العالمية للتنمية المستدامة‬
‫بجوهانسبرج في أغسطس ‪ ،2002‬ولقد تبنت العديد من دول العالم اإلسالمي‬
‫سياسات وبرامج طموحة تهدف إلى تنمية مصادر المياه المتجددة لتغطية النقص‬
‫الحاد في إمدادات المياه الصالحة للشرب‪ ،‬ومن هذه المصادر محطات تحلية مياه‬
‫البحر‪ ،‬وإنشاء السدود لتجميع مياه األمطار‪ ،‬واستغالل المياه الجوفية المتجددة‪،‬‬
‫ونشر الوعي البيئي بين األفراد لترشيد استهالك المياه في مختلف األغراض‪،‬‬
‫باإلضافة إلى برامج ناجحة للتخطيط والتنظيم العائلي‪.‬‬
‫‪ .6‬عدم وفاء الدول المتقدمة بتقديم المساعدات التي وعدت بها للدول النامية‬
‫كان من نتائج مؤتمر قمة األرض بريودي جانيرو عام ‪ ،1992‬تعهد الدول المتقدمة‬
‫بتقديم ‪ %0,7‬من إجمالي ناتجها المحلى إلى الدول النامية‪ ،‬لمساعدتها في‬
‫تنفيذمشروعات بيئية تحقق أهداف التنمية المستدامة‪ ،‬هذا باإلضافة إلى أن الدول‬
‫المتقدمة هي المسؤول األساس عن تلوث البيئة‪ ،‬حيث تنتج ‪ %80‬من إنبعاثات‬
‫غازات االحتباس الحراري‪ ،‬لكن لألسف لم تف إال بعض الدول األسكندينافية (السويد‬
‫ـ النرويج ـ فنلندا ـ الدنمارك) بنحو ‪ %0,33‬من إجمالي نتاجها المحلي‪ ،‬لمساعدة‬
‫الدول النامية‪ ،‬ومنها بالطبع دول العالم اإلسالمي‪ ،‬وتطمح الدول النامية في مؤتمر‬
‫قمة التنمية المستدامة بجوهانسبرج إلى تحويل أعباء الديون وفوائدها إلى موارد‬
‫مالية لخدمة أهداف التنمية المستدامة‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬ماذا تريد الدول النامية (ومنها دول العالم اإلسالمي من قمة التنمية المستدامة‬
‫بجوهانسبرج؟‬
‫‪54‬‬
‫مجاالت الدعم المطلوبة من المجتمع الدولي لتحقيق التنمية المستدامة في الوطن‬
‫العربي والعالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .1‬السالم واألمن ‪:‬‬
‫أ) المساعدة الدولية في حل النزاع العربي ـ اإلسرائيلي وفقا ً لقرارات مجلس األمن‬
‫والشرعية الدولية وتحقيق السالم الشامل والعادل الذي يضمن إعادة كامل الحقوق‬
‫ألصحابها بما فيها االنسحاب اإلسرائيلي من جميع األراضي العربية كخطوة أساس‬
‫الستقرار المنطقة وتعزيز مسار التنمية المستدامة‪.‬‬
‫ب) حث المجتمع الدولي على تحديد مفهوم اإلرهاب وإيجاد تعريف متفق عليه مع‬
‫التأكيد على أن مقاومة اإلحتالل ال تعتبر بأي حال من األحوال إرهابا‪ ،‬بل تعتبر عمالً‬
‫شرعيا ً وفق ميثاق األمم المتحدة‪.‬‬
‫ج) مسؤولية الدول التي تسببت في فقدان أو تدهور الموارد الطبيعية أثناء الحروب‬
‫في دفع التعويضات أو تكاليف اإلصالح‪ ،‬وبالمثل مسؤولية الدول التي زرعت األلغام‬
‫في تحمل تكاليف إزالتها‪ ،‬والدول التي استخدمت اليورانيوم المستنفذ في دفع‬
‫تعويضات األضرار التي تسببت عن ذلك‪.‬‬
‫د) تكثيف الجهود لمنع امتالك واستخدام األسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار‬
‫الشامل وإعالن منطقة الشرق األوسط منطقة خالية من هذه األسلحة‪.‬‬
‫هـ) حل النزاعات بين دول العالم اإلسالمي وفقا ً لقرارات األمم المتحدة‪.‬‬
‫‪ . 2‬مكافحة الفقر ‪:‬‬
‫أ) دعم الدول المتقدمة ومؤسسات التمويل الدولية للجهود المبذولة من قبل الدول‬
‫النامية‪ ،‬في إيجاد المناخ الدولي المالئم للقضاء على الفقر‪.‬‬
‫‪55‬‬
‫ب) التأكيد على كافة منظمات األمم المتحدة‪ ،‬أن يكون القضاء على الفقر أحد أهم‬
‫محاورها األساس وتطوير برامج المساعدات الدولية لتشمل القضاء على الفقر‬
‫وإشراك المجتمع المدني فضالً عن تشجيع القروض الميسرة‪.‬‬
‫ج) عدم استخدام أي نوع من أنواع الحصار االقتصادي على الدول‪ ،‬والتأكيد على رفع‬
‫الحصار والعقوبات االقتصادية عن الدول العربية المفروض عليها‪ ،‬ألنه يؤدي إلى‬
‫مزيد من التدهور في مستوى معيشة الطبقات الفقيرة‪.‬‬
‫‪ .3‬عبء الديون ‪:‬‬
‫إلغاء الديون والخدمة المترتبة عليها‪ ،‬واالستفادة من زيادة الموارد في تمويل‬
‫مشاريع التنمية المستدامة وخاصة الموجهة للحد من الفقر والحفاظ على البيئة‪.‬‬
‫‪ .4‬التجارة الدولية ‪:‬‬
‫أ) التأكيد على أن تعمل منظمة التجارة العالمية على تحقيق ما أنشئت من أجله لصالح‬
‫األعضاء من الدول المتقدمة والدول النامية على حد سواء‪ ،‬وتحرير التجارة وفتح‬
‫األسواق أمام صادرات تلك الدول‪ ،‬وأن يكون للدول النامية ومنها دول العالم اإلسالمي‬
‫نصيب عادل من هذه األسواق‪ ،‬وعدم إقحام المعايير البيئية والمهنية في المفاوضات‬
‫وتركها للجهات المختصة األخرى‪.‬‬
‫ب) توفير المساعدات الفنية للدول النامية ومنها دول العالم اإلسالمي لتعزيز قدراتها‬
‫على النفاذ إلى األسواق‪ ،‬وخاصة من حيث تنويع الصادرات وتحسين جودة وكفاءة‬
‫المنتج العربي واستخدام تقنيات اإلنتاج األنظف‪.‬‬
‫‪ .5‬العولمة ‪:‬‬
‫‪56‬‬
‫أ) مساعدة الدول النامية على مواجهة آثار العولمة التي قد تحد من إمكانية تحقيق‬
‫التنمية المستدامة فيها‪ ،‬واالستفادة مما يمكن أن تقدمه العولمة من فرص قد تؤدي‬
‫إلى قدر من اإلنتاجية وبمستوى أعلى من المعيشة لشعوب الدول النامية‪.‬‬
‫ب) مشاركة عادلة لجميع الدول في العولمة تحكمها حرية انتقال الموارد البشرية‬
‫والتقنيات إلى جانب حرية تدفق رؤوس األموال والمنتجات والخدمات‪ .‬واعتماد ميثاق‬
‫شرف لعمل الشركات متعددة الجنسية‪ ،‬ووضع ضوابط لضمان تدفق وتشجيع‬
‫االستثمار األجنبي المباشر بما يتفق واألولويات واالحتياجات األقليمية والمحلية‪.‬‬
‫‪ .6‬دعم القدرات في مجال البحوث ونقل التكنولوجيا ‪:‬‬
‫أ) توجيه المجتمع العلمي الدولي والجهات المانحة ومنظمات األمم المتحدة إلى دعم‬
‫قدرات المراكز األكاديمية والبحثية في الدول النامية ومنها دول العالم اإلسالمي‬
‫وخاصة في مجال تطوير البرامج وتعزيز القدرات المتصلة باألولويات البحثية في كل‬
‫منطقة‪ ،‬فمثالً في دول العالم اإلسالمي‪ ،‬يأتي في مقدمة أولوياتها وأهمها تحلية مياه‬
‫البحر‪ ،‬والتقنية الحيوية‪ ،‬والطاقات الجديدة والمتجددة وتطوير التقنيات التقليدية‪،‬‬
‫وتطبيق المكافحة المتكاملة لآلفات الزراعية واستخدام التقنيات وأساليب الري‬
‫الحديثة التي تشجع على ترشيد استعماالت المياه والتوسع في استخدام السالالت‬
‫النباتية المتأقلمة مع الظروف المحلية وخاصة شح المياه وارتفاع درجة الحرارة‬
‫ونسبة الملوحة‪.‬‬
‫ب) تقديم الدعم إلى القطاع الخاص لمساندة التحول إلى وسائل اإلنتاج األنظف‪ ،‬وهي‬
‫خطوة مهمة لزيادة قدرة الدول النامية على تنفيذ التزاماتها طبقا لالتفاقيات الدولية‬
‫المعنية بالبيئة‪.‬‬
‫ج) على الدول المتقدمة أن تغير من أنماط االستهالك واإلنتاج غير المستدام التي‬
‫تؤدي إلى نضوب الموارد وتيسير توفرها للدول النامية‪.‬‬
‫‪57‬‬
‫د) تيسير إتاحة التقنيات المعلوماتية واالتصاالت الحديثة التي تفتح آفاقا ً جديدة‬
‫لترشيد استخدام الموارد للدول النامية ومنهادول العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .7‬الحاكمية والمشاركة في صنع القرار ‪:‬‬
‫العمل على تعزيز دور األمم المتحدة ومنظماتها المختلفة ذات العالقة بالتنمية‬
‫المستدامة وتطوير آليات عملها بما يمكنها من تنفيذ االستراتيجيات والبرامج الخاصة‬
‫بالتنمية المستدامة بأسلوب متكامل‪ ،‬ودعوتها لتوثيق التعاون مع جامعة الدول‬
‫العربية ومنظمة المؤتمر اإلسالمي ومؤسساتها‪.‬‬
‫‪ .8‬السكان والنمو الحضري والصحة والبيئة ‪:‬‬
‫أ) العمل على وضع سياسة متكاملة تُراعي بُعدي النمو السكاني‪ ،‬والخصائص‬
‫السكانية‪ ،‬وتعالج اختالل التوازن السكاني بين الريف والمدن‪.‬‬
‫ب) دعم الخطوات اإليجابية التي تقوم بها الدول النامية‪ ،‬ومنها دول العالم اإلسالمي‬
‫لتحقيق التكامل بين االستراتيجيات الصحية والبيئية‪ ،‬وخاصة من حيث توفير الغذاء‬
‫والمياه الصالحة للشرب‪ ،‬ومعالجة مياه الصرف والمخلفات الصلبة‪ ،‬والتحكم والحد‬
‫من المخاطر المحتملة الناتجة عن الكيماويات والتلوث بمختلف أنواعه والمواد‬
‫المعدلة وراثيا ً وتحقيق األمان النووي في ودول العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .9‬اإلدارة المتكاملة للموارد الطبيعية ‪:‬‬
‫أ) مساعدة الدول النامية ومنها دول العالم اإلسالمي في وضع السياسات والبرامج‬
‫للحد من تدهور البيئة والموارد الطبيعية‪ ،‬والعمل على إدارتها بشكل مستدام بما‬
‫يحقق األمن المائي والغذائي والمحافظة على النظم األيكولوجية والتنوع الحيوي‬
‫ومكافحة التصحر‪.‬‬
‫‪58‬‬
‫ب) إن الدول المتقدمة وخاصة الصناعية منها هي المسؤولة بشكل رئيس عن التلوث‬
‫العالمي وتزايد معدالته بما فيها التغيرات المناخية واستنفاد طبقة األوزون وذلك من‬
‫خالل أنماط اإلنتاج واالستهالك غير المستدام التي تبنتها‪.‬‬
‫ج) حث الدول الصناعية على الحد من أنماط االستهالك المدمر للموارد البيئية وذلك‬
‫من خالل برامج واضحة خاصة بتعديل وتطوير أساليب االستهالك والتحول إلى أنماط‬
‫اإلنتاج واالستهالك المستدام‪.‬‬
‫‪ .10‬الصناعة والسياحة ‪:‬‬
‫أ) دعم جهود الدول النامية في نقل وتوطين وامتالك التقنيات الحديثة بما يتناسب مع‬
‫الظروف االقتصادية واإلجتماعية والبيئية في دول المنطقة ودراسة تلك التقنيات‬
‫المراد استيرادها وتقييم تطبيقاتها وآثارها المحتملة وتالفي سلبياتها قبل الشروع في‬
‫تطبيقها في المنطقة للنهوض باإلنتاج الصناعي‪.‬‬
‫ب) الحاجة إلى جهود دولية لتعزيز مفهوم السياحة التي تعتمد على االستغالل الرشيد‬
‫لمصادر الثروة الطبيعية واآلثارو وتعزيز مفهوم السياحة البيئية‪.‬‬
‫‪ .11‬التراث الحضاري والطبيعي ‪:‬‬
‫أ) الدعوة إلى إرساء شراكة عالمية تستفيد من اإلرث األخالقي والثقافي الذي تتميز‬
‫به الحضارة العربية اإلسالمية لتحقيق التوجه الذي تسعى األمم المتحدة إلى ترسيخه‬
‫والمتمثل في تشجيع الحوار إليجاد وئام وتوافق دولي بين الحضارات واألديان‪.‬‬
‫ب) توفير الدعم الفني والمادي للمساعدة في صيانة وحماية وتنمية التراث الحضاري‬
‫والطبيعي للعالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .12‬التمويل ‪:‬‬
‫‪59‬‬
‫أ) تعزيز موارد المرفق العالمي للبيئة للمساعدة في تنفيذ االتفاقيات الدولية المعنية‬
‫بالبيئة وإيجاد فرص عادلة ومتكافئة لجميع الدول النامية لالستفادة من هذا المرفق‪.‬‬
‫ب) وفاء الدول المتقدمة والجهات المانحة بما دعت إليه األمم المتحدة وأكدت عليه‬
‫مقررات ريو بشأن زيادة المساعدات الرسمية لتصبح ‪ %0,7‬من الناتج اإلجمالي‬
‫للدول المتقدمة‪.‬‬
‫ج) ضمان متابعة القمة العالمية للتنمية المستدامة من خالل اآلليات الدولية المتاحة‬
‫ودعمها بما يلزم من موارد إضافية على المستويين الدولي واإلقليمي‪.‬‬
‫‪ .14‬تعزيز دور الجمعيات األهلية من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة‪:‬‬
‫ينبغي تعزيز دور الجمعيات األهلية من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة على‬
‫المستوى الوطني واإلقليمي والدولي وتدعيم الجهود التي تبذل حاليا ً لتدعيم وممارسة‬
‫مبدأ الشراكة بين المؤسسات الدولية والجمعيات غير الحكومية مع توفير التمويل‬
‫الالزم لها للقيام بخطط تنموية تحقق أهداف التنمية المستدامة‪.‬‬
‫‪http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Tanmoust/P5.htm‬‬
‫‪60‬‬