دراسة عن التنمية المستدامة من منظور القيم
اإلسالمية وخصوصيات العالم اإلسالمي
_منظمة اإليسيسكو
مقدمة
منذ أن تطور اإلنسان واكتشف أهمية بعض الموارد الطبيعية كالمعادن وتعلم كيف
يربي الحيوانات ويستغلها ألغراضه الشخصية ،ومنذ أن اكتشف النار والزراعة،
تطور كذلك تعامله مع البيئة .وكلما تقدم في التطور ،كلما تعقد ذلك التعامل .فمن طور
اإلنسان المستعمل للموارد الطبيعية البسيطة وفي شكلها الخام ،انتقل إلى طور
اإلنسان الذي أصبح يفكر في تحويلها من مادتها الخاصة إلى شكل قابل لالستعمال.
وحينما دخل اإلنسان عصر الصناعة ،ازداد ضغطه على البيئة وأصبح يستغل مواردها
الطبيعية بشراسة وخصوصا منها الموارد الطاقية.
إذن ،فاإلنسان أصبح له تأثير كبير على البيئة التي كانت فيما مضى بيئة طبيعية
وأصبحت اآلن بيئة محدثة من طرفه .إنه يستغلها من أجل الموارد ومن أجل الطاقة
والسكن ويطرح فيها فضالته المنزلية والصناعية ،وبعبارة أخرى ،فإنه يلوثها.
إن اإلنسان أصبح يمارس ضغوطا ً كبيرة على البيئة أدت إلى ظهور مشكالت بيئية
تختلف حجما ً وخطورة حسب درجات النمو والتطور التي وصلت إليها األمم.
ومما الشك فيه أن ج ّل هذه المشكالت ناتج عن سوء تدبير اإلنسان للبيئة بحيث لم
تعد تكتسي صبغة محلية محدودة ولكنها تفاقمت لتصبح انشغاال ً جهويا ً ودولياً .ومن
هنا ،أصبحت مشاكل البيئة تهم ال دوال ً محدودة ،ولكن المجتمع البشري كله ،نظرا ً لما
لها من تأثير على الحياة بجميع أشكالها .فإذا كانت للدول حدود ،فالمشكالت الناتجة
1
عن استغالل اإلنسان للبيئة تخترق هذه الحدود وقد تنتشر في أرجاء المعمور بعدة
طرق .وهنا تجدر اإلشارة على سبيل المثال إلى المشكالت المترتبة عن تلوث األنهار
المشتركة بين الدول ،حيث أن كل ما يصيبها من ضرر قد تكون له آثار على جميع
هذه الدول أو على بعضها.
فإذا كانت للدول حدود ،فالجو يعلو فوق جميع القارات بحيث إذا اختل توازنه فقد
ينتشر هذا االختالل ويتعدى نطاق هذه الحدود .فاإلنسان إذن أدخل تغييرات ضخمة
وسريعة على النظم البيئية حيث اقتحمها بمدنه وصناعاته بجميع أنواعها ،الشيء
الذي أدى إلى نهب الموارد الطبيعية وتخريب بعض األوساط المالئمة للحياة.
وباختصار ،إن العالم اليوم يعيش تحت وطأة مشكالت بيئية ضخمة تكتسي صبغة
كونية وعلى رأسها التغيرات المناخية المترتبة عن ظاهرة االنحباس المترتبة بدورها
عن تراكم ثاني أكسيد الكاربون في الجو الناتج عن مختلف األنشطة البشرية
الصناعية منها واالجتماعية.
وال داعي للقول إن المشكالت البيئية لها ثمن وكلما زادت حدة هذه المشكالت كلما
كان الثمن باهضا وله انعكاسات سلبية على التنمية االقتصادية واالجتماعية للبلدان
المتضررة .ولعل أكثر البلدان تضررا ً من المشكالت البيئية الدول النامية التي ليست
لها القدرات واإلمكانيات الكافية ال على صعيد الوقاية وال على صعيد العالج.
والعالم اإلسالمي بحكم انتمائه إلى مجموعة الدول النامية تواجهه حاليا ً وستواجهه
مستقبالً تحديات كبرى لها عالقة وطيدة بالتوفيق بين البيئة والتنمية.
البيئة والتنمية في العالم اإلسالمي ،الوضع الراهن والتحديات
.1.1مفهـوم البيئة :
لقد عرف مدلول مفهوم البيئة تطورا ً مع تقدم اإلنسان ومع تكاثر األنشطة التي
يمارسها على وجه األرض.
2
على المستوى التاريخي ،عرف مفهوم البيئة في مدلوله تطورا مسايرا للتعقيد الذي
اتسمت به العالقات التي يقيمها اإلنسان مع الوسط الذي يعيش فيه .وهكذا ،فإن البيئة
كما عرفها وأدركها اإلنسان األول الذي عاش على جني الثمار والقنص ليست لها
نفس األهمية ونفس المدلول بالنسبة لإلنسان الذي اكتشف النار والفالحة والفليزات،
فباألحرى بالنسبة لإلنسان الذي أصبحت التكنولوجيا هي المحرك األساس لحياته
اليومية .لقد أضحت البيئة مرآة للمستوى االجتماعي واالقتصادي والثقافي والعلمي
والتكنولوجي الذي وصلت إليه األمم.
وباختصار ،إذا كانت البيئة قبل مؤتمري ستوكهولم( )1وتبيليسي( )2تعرف
كمجموعة تتألف من مكونات مادية غير حية ،ومكونات حية والعالقات التي تربط بين
هذه المكونات ،فإن نفس المفهوم عرف تطورا ً واضحاً ،نتيجة للتغييرات الضخمة
التي أدخلها اإلنسان على التوازنات البيئية .وبعبارة أخرى ،إن البيئة ال يمكن أن ينظر
إليها في معزل عن الضغوط التي تمارس عليها من طرف اإلنسان .كما ال يمكن أن
تعرف من مجرد ما يجنيه هذا األخير من فوائد من الموارد الطبيعية.
إن هذه النظرة أقل ما يقال عنها أنها أنانية تضع اإلنسان في موقع السيد المسيطر
والبيئة في موقع المستع َبد.
بالفعل ،إن مفهوم البيئة ال معنى له إذا بتر منه واحد من أهم أبعاده األساس أال وهو
البعد البشري المتمثل في المعطيات االقتصادية واالجتماعية والثقافية والتكنولوجية
واألخالقية والدينية والجمالية ،الخ.
إن اإلنسان ،بحكم ذكائه وتطلعه المستمر إلى مستويات عيش من حسن إلى أحسن
وخصوصا ً على الصعيد المادي ،كان استغالله وتغييره للعديد من مظاهر البيئة
مجردين من كل نظر يمكنه من التنبؤ بكل ما يخبئه له المستقبل.
إن مفهوم البيئة يجب أن يدرك كمفهوم يتسم بالشمولية وكك ٍّ ّل غير قابل للتجزيء،
حيث يتفاعل كل بعد بيولوجيا ً كان ،أو ماديا ً أو بشريا ً مع األبعاد األخرى ويلعب دورا ً
3
حيويا ً في توازن هذا الكل وخصوصا ً في إدراك المشكالت البيئية .وعندما نتحدث عن
البعد البشري ،فإن األمر يتعلق بالممارسات واألنشطة التي يقوم بها اإلنسان داخل
البيئة ألغراض تنموية .ولهذا ،فنوعية هذه الممارسات واألنشطة ومدى مالءمتها مع
البيئة أمران أساسان يؤديان إما إلى تخريب هذه األخيرة وإما إلى حمايتها وصيانة
مواردها .وبعبارة أخرى ،إن سالمة البيئة واستمرار توازناتها رهينان بالتوفيق بين
هذه األخيرة والتنمية.
.1.2مفهـوم التنمية :
على المستوى اللغوي المحض ،يقصد بـ "تنمية" االزدهار ،والتكاثر ،والزيادة،
والرفاهية ،مما يوحي بتغيير إيجابي وبتطور وتقدم .وبعبارة أخرى ،إن التنمية
بالنسبة لمجموعة من السكان أو لبلد بأكمله تعني الطموح إلى وضع وإلى غد أفضل
على المستويات االقتصادية واالجتماعية والثقافية .فعلى المستوى االجتماعي" ،نما"
تعني الوصول إلى سد الحاجيات األساس للجماعات البشرية والسعي إلى الرفع من
جودتها باستمرار .فالتنمية االجتماعية تسعى إلى رفاهية األشخاص وتحسين جودة
حياتهم من خالل سكن الئق وتغذية كافية ومالئمة ،وتوفير الخدمات في مجاالت
الطاقة والماء والصحة والتربية والشغل ،الخ.
وعلى المستوى الثقافي ،تعني التنمية تحسين المستوى الفكري للجماعات البشرية
من خالل تعميم التعليم ومحاربة األمية والنهوض بالفنون ووسائل اإلعالم والتواصل.
وبصفة عامة ،تعني "تنمية" ،بكل بساطة ،التمكن من الوصول باستمرار إلى
مستوى عيش جيد من الناحيتين المادية والمعنوية .وإن دل هذا على شيء ،فإنما يدل
على أن التنمية سياق حركي يؤدي إلى االنتقال من وضع سابق غير مرض إلى وضع
الحق يستجيب بكيفية ُمرضية إلى حاجات وطموحات الشخص والجماعة .وإذا كان
هذا السياق حركياً ،فهو كذلك كمي وكيفي ،حيث يعتبر مبدئيا سد الحاجات المادية
4
بمثابة معبر إلى تحقيق الرفاهية على المستوى المعنوي .فالهدف األخير من التنمية
هو تفتح الشخص ،الذي يؤدي إلى تقدم المجتمع.
غير أن تحقيق أغراض التنمية رهين بما توفره البيئة من موارد ،حيث ال مجال
لألولى بدون الثانية .وهذا يعني أن العالقة بينهما وطيدة واستمرار توازنها يستدعي
العقلنة وبعد النظر في الممارسات والتصرفات والسلوكات.
.1.3العالقة بين البيئة والتنمية :
كما سبقت اإلشارة إلى ذلك ،فكيفما كانت طبيعة وتوجه وهدف التنمية ،وأينما وجدت
الجهة التي تتحقق فيها هذه التنمية ،فهي في حاجة ،لكي تصبح واقعاً ،إلى موارد
البيئة .وهذا يعني أن اإلنسان الذي يطمح إلى النمو يتصرف كعامل معبئ لتلك الموارد
ويحدث بذلك نظاما ً من العالقات بين البيئة والتنمية.
ويستنتج من كل هذا أن التنمية بصفة عامة ،والتنمية االقتصادية واالجتماعية بصفة
خاصة رهينة بما توفره البيئة من موارد طبيعية .وهكذا ،فإن العالقة بين البيئة
والتنمية بديهية ،غير أن المشكل يكمن في االتجاه الذي يرسمه اإلنسان لهذه العالقة
من أجل تحقيق طموحاته التنموية.
في هذا الصدد ،لسنا في حاجة اليوم إلى أدلة لنقول إن العالقة التي تربط التنمية
بالبيئة تسير في اتجاه واحد ،أي من البيئة إلى اإلنسان ،بحيث "تزود" األولى
و"تضع رهن اإلشارة" ،بينما الثاني "يأخذ ،ويقتطع ،ويستغل ،ويحول ويحدث
الخلل" ،إلى حد أن العكس نادرا ً ما يالحظ .بل أكثر من هذا ،إن البيئة بحكم ما يسود
داخلها من نظام وتفاعل بين مختلف مكوناتها قادرة على امتصاص االختالالت التي
يحدثها اإلنسان ما لم تتجاوز هذه االختالالت حدا ً معيناً .وإذا تجاوزت هذا الحد ،وهذا
هو ما تتسم به تصرفات اإلنسان حالياً ،فإن التنمية تصبح ،على المدى الطويل ،عامالً
هداما ً قد تكون له تأثيرات على البيئة يصعب تداركها.
5
إن االنسجام الذي كان سائدا ً بين المجتمعات البدائية والنظام البيئي الذي كانت تعيش
فيه لم يعد إال حدثا ً تاريخيا ً يرويه اإلنسان كلما أحس بحنين إلى طبيعة كانت فيما
مضى حفية وكريمة ،ولكنها أضحت في الوقت الراهن نادرة ،بل ومعرضة للتقهقر
واالنقراض.
وتجدر اإلشارة في هذا الصدد إلى أن هذه المجتمعات البدائية كانت تحقق االكتفاء
الذاتي بسهولة ،وذلك باعتمادها فقط على عاملين طبيعيين خارجين عن النظام البيئي
واألرضي ،وهما الشمس والمطر .إن مثل هذه المجتمعات حاليا ً اختفت ،وإن وجدت
منها بقية ،فإنها نسيت أو هي بصدد نسيان المعارف والمهارات التي كانت تمكنها من
االستمرار والبقاء .فمنذ دخول اإلنسان عصر الصناعة ،لم يتوقف عن اإلخالل بهذا
االنسجام الذي كان مقدسا ً عند أسالفه .إن التنمية أصبحت بالنسبة له مرادفة
لالستهالك والنمو الالمحدودين ،حيث أن الربح الفوري وخصوصا األنانية جعاله
ينسى أن جزءا ً مهما ً من هذا النمو ومن هذا االستهالك يتم على حساب البيئة ،الشيء
الذي يعرض للتخريب ولإلتالف القدرة الطبيعية للنظم البيئية على سد حاجاته
وحاجات الكائنات الحية األخرى.
إن العالقة بين البيئة والتنمية يجب أن تكون متبادلة من أجل الحفاظ على األولى
وضمان استمرار الثانية وذلك للتوفيق بين أهداف التنمية وضرورات حماية البيئة.
وهذا يعني أن على اإلنسان أن يعيد النظر في أنماط التنمية التي سار عليها إلى حد
اآلن ،والتي ال تنسجم مع التوازنات البيئية .لقد أصبح واضحا ً اليوم أن البيئة في
مواجهة مستمرة مع التنمية.
.1.4البيئة والتنمية في العالم اإلسالمي :الوضع الراهن :
.1.4.1تأثير الفقر و األمية على البيئة والتنمية :
إذا كانت التنمية قد ساهمت بكيفية ال يمكن تجاهلها في تحسين ظروف عيش
المجتمعات البشرية ،فيجب أن ال يغيب عن األذهان أنها مع مرور الوقت أصبحت
6
تسيء للبيئة .واألمثلة في هذا الصدد كثيرة ومتنوعة .وهكذا ،فإذا كان اإلفراط في
االستهالك عامالً من العوامل األساس لتخريب البيئة وتبذير مواردها في الدول
المصنعة ،فالفقر واألمية يساهمان كذلك في هذا التخريب في الدول النامية.
ودول العالم اإلسالمي بحكم انتمائها للعالم النامي ،توجد في الخانة الثانية ،وبالتالي،
فالبيئة فيها معرضة لتأثيرات الفقر واألمية.
إن التنمية في العالم اإلسالمي بطيئة ومفعولها محدود في الزمان والمكان ،وال
تستطيع سدَّ حتى الحاجات األولية لشعوبه وال سيما من الطاقة والغذاء.
أمام هذا الوضع ،فإن الجماعات البشرية وخصوصا ً في الوسط القروي تتجه إلى
البيئة الطبيعية لمحاولة سد هذه الحاجات .غير أن هذا التصرف غالبا ً ما يكون خاطئا ً
وغير مالئم لتوازن النظم البيئية الهشة ،ويؤدي إلى تخريب األوساط من جراء :
ـ حرائق األدغال،
ـ استصالح األراضي،
ـ اجتثاث الغابات،
ـ الرعي المفرط،
ـ التعرية،
ـ التصحر،
ـ إنهاك التربة من جراء ممارسة نوع واحد من الزراعة واستغالل األراضي
الهامشية ،الخ.
كل هذه المشكالت تزيد حدة وخطورة عندما تتزامن مع ظروف مناخية سيئة ومع
كون بعض دول العالم اإلسالمي تبنت من أجل تصنيعها نماذج أبانت عن فشلها في
7
بلدان أخرى .حينذاك ،تضاف إلى المشكالت التي تعاني منها مشكالت عانت منها دول
الشمال نفسها .عندها ،تصبح البيئة عرضة ليس فقط لضغوط الجماعات البشرية
ولكن كذلك لضغوط وتأثيرات ناتجة عن أنماط تنمية أعادت األخطاء التي وقعت فيها
الدول المصنعة منذ سنوات.
وفضالً عن ذلك ونظرا ً الرتباط تدهور البيئة بالنمو الديموغرافي ،فإن أكبر نسب لنمو
السكان تسجل في العالم اإلسالمي.
.1.4.2البيئة والتنمية أمام االستغالل المفرط للثروات :
أضف إلى هذا أن تخريب البيئة ليس مقتصرا ً على السكان المحليين في هذه الدول.
إن التنمية المفرطة وأنماط العيش المترتبة عنها في الدول المصنعة تسيء هي
األخرى للبيئة في العالم اإلسالمي .وعلى سبيل المثال ،فإذا كانت الغابات االستوائية
توجد في بعض دول العالم اإلسالمي ،فإن جزءا ً كبيرا ً من تخريبها تتحمل مسؤوليته
الدول المصنعة ،حيث أن هذه األخيرة تكون وراء تحطيم ما ال يقل عن 25مليون
هكتار من هذه الغابات سنوياً ،وذلك لسد حاجاتها المترتبة عن أنماط عيشها المبذرة.
إن دول العالم اإلسالمي بتصرفها هذا ظنت وتظن أنها تسدي خدمة القتصادها الوطني
بينما هي في الحقيقة تنهك ثروتها الوطنية الضرورية لعيش وبقاء األجيال الحاضرة
والمقبلة .والدليل على ذلك أن الميزان التجاري لهذه البلدان غالبا ً ما يشكو من العجز،
وعائداتها من العملة الصعبة اآلتية من التصدير تبقى عديمة الجدوى أمام ديونها
الخيالية.
إن الب يئة في العالم اإلسالمي ليست في نهاية المطاف ضحية للتصرف المحتوم
للجماعات البشرية المحلية بل إنها في نفس الوقت تعاني بصفة غير مباشرة من
التأثير الناتج عن تنمية غير مراقبة تبنتها الدول الغنية المتعطشة للموارد األولية التي
تنتجها دون غيرها الدول النامية بما فيها دول العالم اإلسالمي.
8
وبعبارة أخرى ،إن البيئة في الدول اإلسالمية تعاني من ويالت التأخر في عين المكان
ومن تأثيرات التنمية في العالم المتقدم .في عين المكان ،يعد الفقر واألمية والجهل
واألحوال االقتصادية والبيئية والنمو الديمغرافي من أهم أعداء البيئة ،بينما عن بعد
تأتي الهيمنة االقتصادية للدول الغنية التي غالبا ً ما تملي على الدول الفقيرة بكيفية
غير معلنة طريقة استغالل بيئتها.
.1.4.3تهميش البيئة :
إن سكان الدول اإلسالمية غالبا ً ما يذهبون ضحية معلومات خاطئة حول البيئة،
مفادها أن هذه البيئة ليست لها مشكالت أو تكاد ،وأنه ال داعي لالنشغال بها في
الوقت الراهن .إن هذه المعلومات واإلشاعات التي هي بالطبع غير مبنية على أساس،
تعد من الخطورة بمكان بحكم التصديق الذي تحاط به ،وبالتالي ،تحدث عند األشخاص
الذين يصدقونها حالة المباالة تسيء للبيئة وتهمشها إن عاجالً أو آجالً .وإذا تمكنت
هذه المعلومات الخاطئة من التأثير على جزء ال يستهان به من السكان ،فذلك ليس
راجعا ً لمجرد الصدفة .فتأثيرها على األشخاص يمكن تفسيره ولو جزئيا ً من خالل
العوامل التالية :
ـ مستوى التثقيف في الدول اإلسالمية ،حيث نسبة السكان األميين تتعدى في بعض
الحاالت ،%50
ـ وحتى عند الجزء اآلخر من السكان المثقفين ،فإن مفهوم البيئة غالبا ً ما يبقى
غامضا ً وفي الكثير من الحاالت ،يتم خلطه بالتلوث والنظافة وغرس األشجار،
ـ إن المشكالت البيئية غالبا ً ما تسند أسبابها إلى مجرد التطور االقتصادي والصناعي
مع العلم أن التخلف ،كما سبق الذكر ،له كذلك تأثير على البيئة في العالم اإلسالمي،
9
ـ بالنسبة للعديد من السكان األميين ،إن مفهوم "المشكلة البيئية" ال يعني أي شيء
على اإلطالق .واعتبارا ً لهذا االعتقاد ،فإن أي شيء يصيبهم في حياتهم اليومية ،بدالً
من أن يدرك كانعكاس سلبي لسوء تدبير البيئة ،فإنه يعزى للقدر المحتوم،
ـ إن بعض المشكالت البيئية رغم وجودها ال تكشف عن آثارها السلبية إال بعد مرور
وقت طويل ،الشيء الذي يجعل بعض األشخاص يرفضون كل النداءات الهادفة إلى
حماية البيئة بل أكثر من هذا ،يعدون هذه النداءات ناتجة عن مجرد تهويل وتضخيم
لألحداث.
ـ إن انعدام معايير بيئية في العديد من البلدان اإلسالمية وعدم مراقبتها باستمرار في
حالة وجودها ،يكون بمثابة حافز يزيد من الالمباالة التي يكنها كثير من األشخاص
للبيئة،
ـ كما أن انعدام تشريع بيئي شمولي يساهم هو اآلخر في الحفاظ على هذه الالمباالة
وحتى لو وجد هذا التشريع ،فإنه غالبا ً ما يكون متجاوزا ً وال يستجيب لألوضاع
الراهنة والتطور الذي عرفته دول العالم اإلسالمي على الصعيدين االقتصادي
واالجتماعي.
.1.5البيئة والتنمية في العالم اإلسالمي :التحديات :
إذا كانت البيئة في دول العالم اإلسالمي تعاني من تحديات داخلية كبرى متمثلة في
مواجهة الفقر واألمية ،فإن أمامها تحديات أخرى التقل أهمية تتمثل أوال ً في ضرورة
الرفع من مستوى التنمية البشرية لتحسين جودة حياة السكان ،وثانيا ً في مواجهة
المشكالت البيئية الكبرى ذات الطابع الكوني ،كالتغيرات المناخية وتراجع التنوع
البيولوجي إلى غير ذلك ،وثالثا ً في مواجهة العولمة التي تتطلب تحرير االقتصاد
وإزالة الحواجز الجمركية.
.1.5.1التنمية البشرية :
10
إن التنمية االقتصادية واالجتماعية في دول العالم اإلسالمي لم تبلغ بعد المستوى
المطلوب التي من شأنها أن تضمن لسكان هذه البلدان ظروف عيش الئقة تجعل منهم
مواطنين مساهمين بكيفية فعالة في تحقيق هذه التنمية.
فعلى هذه الدول بذل المزيد من الجهود في مجال الخدمات االجتماعية من توفير
للغذاء والسكن وتزويد بالماء والطاقة وتوفير للخدمات الصحية والتربوية ولفرص
الشغل والتخلص من الفضالت إلى غير ذلك .كما على هذه الدول أن تقوي بنياتها
التحتية ومؤسساتها االقتصادية لتستجيب لطموحات السكان ولتعزز مكانتها بين
مصاف الدول النامية والمتقدمة.
إن تلبية هذه الحاجات كيفما كان نوعها ال يمكن أن تتحقق إال من خالل استغالل ما
تختزنه البيئة من موارد طبيعية ،الشيء الذي سيزيد من حدة الضغوط الممارسة على
البيئة ،وبالتالي الزيادة في حدة المشكالت البيئية.
.1.5.2المشكالت البيئية الكبرى :
كما سبقت اإلشارة إلى ذلك ،إن المشكالت البيئية ليست لها حدود ،الشيء الذي يعني
أن البعض من هذه األخيرة لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على جميع الدول
بدون استثناء .ولعل أعظم هذه المشكالت انعكاسا ً على البيئة والتنمية ،التغييرات
المناخية وتراجع التنوع البيولوجي والتصحر .والدليل على ذلك ،مبادرة األمم المتحدة
إلى إعداد اتفاقيات دولية حول هذه المشكالت ودعوة الدول األعضاء إلى المصادقة
عليها وااللتزام بتطبيق بنودها.
وإذا أخذنا كمثال التغييرات المناخية ،فإن الدول المصنعة هي التي تتحمل أكبر قسط
من المسؤولية في حدوث هذه التغييرات من جراء صناعاتها الضخمة التي بإفرازاتها
المختلفة تحدث خلالً في توازن الجو الشيء الذي يؤدي إلى ارتفاع في معدل حرارة
الكرة األرضية .غير أن الدول النامية ومن ضمنها دول العالم اإلسالمي وخصوصا ً
منها اإلفريقية هي التي ستكون أكثر عرضة لعواقب التغييرات المناخية لعدم توفرها
11
على اإلمكانات والوسائل على المستوى الوقائي والمستوى العالجي معاً .ولعل أكبر
ضرر ناتج عن التغييرات المناخية ذلك الذي له عالقة باختالل الدورات المائية ،مما
نتج عنه وينتج عنه في العالم اإلسالمي على الخصوص شح في توفير المياه للشرب
والصناعة والفالحة ،ولألنشطة االقتصادية بصفة عامة.
ومن جهة أخرى ،إن الدول اإلسالمية تعد من أكبر الدول تضررا ً من التراجع
البيولوجي والتصحر حيث تنعكس هذه الظواهر سلبا ً على السكان وعلى البيئة
واالقتصاد .فالتنوع البيولوجي ،إضافة إلى كونه عامالً أساسا ً وحاسما ً في استمرار
التوازنات البيئية ،يعد كذلك من أهم مصادر إنعاش التنمية االقتصادية واالجتماعية.
وخير مثال يمكن سوقه في هذا الصدد ،التراجع الذي تعرفه الثروات السمكية
والغابوية .أما التصحر ،فهو كذلك عامل من عوامل التأثير السلبي على االقتصاد،
حيث يقصي من االستغالل مساحات شاسعة من األراضي كان من الممكن استعمالها
ألغراض تنموية في مجال الزراعة والسياحة والبنيات التحتية.
ورغم كل هذه السلبيات ،فإن دول العالم اإلسالمي ،بحكم ضعف اقتصادها ،وبحكم
انتمائها إلى النظام الدولي ،ليس لها مناص من االنخراط في هذه االتفاقيات رافعة
بذلك مستوى التحديات التي تواجهها فيما يتعلق بحسن تدبير البيئة وبالتوفيق بين
هذه األخيرة والتنمية.
.1.5.3عولمة االقتصاد :
باإلضافة إلى تحرير االقتصاد ورفع الحواجز الجمركية ،فإن العولمة سيكون لها
انعكاس على المستوى البيئي بالنسبة لجميع دول العالم .ويتمثل هذا االنعكاس أساسا ً
في احترام مقاييس ومعايير جودة المنتوجات الصناعية التي سيتم تصديرها من بلد
آلخر.
ولعل أبرز المقاييس التي يجب حتما ً أن تحترم في المبادالت التجارية بين الدول تلك
التي لها عالقة بالبيئة .وهذا يعني أن أي منتوج قابل للتصدير يجب أن تتوفر فيه
12
شروط تبين أنه صنع حسب أساليب تأخذ بعين االعتبار جودة المنتوج نفسه وجودة
البيئة.
ولن يتأتى هذا إال إذا توفرت لدى الدول اإلسالمية تكنولوجيات حديثة تحترم البيئة.
وهو ما أصبح يتعارف عليه حاليا بالتكنولوجيات النظيفة التي تستلزم استثمارات
هائلة.
العالم اإلسالمي وتطلعات المستقبل ،التنمية المستدامة
أمام هذه التحديات الكبرى التي يواجهها أو سيواجهها العالم اإلسالمي في مجال
التوفيق بين البيئة والتنمية ،من المرغوب فيه أن ينخرط هذا األخير في التيار الدولي
الذي بدأت بوادره في الظهور سنة 1987مباشرة بعد صدور التقرير( )1الذي
أنجزته اللجنة العالمية حول البيئة والتنمية وتكرس بعد مؤتمر ريو سنة 1992حيث
أوصى المنتظم الدولي بتبني ما اصطلح عليه بالتنمية المستدامة التي تقضي بإعادة
النظر في أساليب التنمية الالمحدودة التي يعتمد عليها االقتصاد المعاصر والتي تنهك
البيئة وتؤثر سلبا ً على مصادر الحياة فيها.
وحينما نتحدث عن التنمية المستدامة ،فاألمر يتعلق بالتعامل مع البيئة من زاوية
تضمن في آن واحد حاجات األجيال الحاضرة واألجيال القادمة من خالل المحافظة
على مصادر الحياة والموارد الطبيعية.
وبعبارة أخرى ،إن التنمية المستديمة تسعى إلى ضمان جودة الحياة بصفة عامة
لألفراد والجماعات من خالل التنمية االقتصادية ،ولكن دون إلحاق أضرار بالبيئة
الطبيعية والمشيدة.
انطالقا ً من هذه االعتبارات ،فإن التنمية المستدامة تستدعي إعادة النظر ليس فقط في
مفهوم التنمية ولكن كذلك في مفهوم البيئة التي يجب أن تعتبر ،كما سبقت اإلشارة
13
إلى ذلك ،ككل غير قابل للتجزيء تترتب عنه تغييرات في نوعية العالقات التي يقيمها
اإلنسان مع البيئة ومع مواردها.
إن هذه التغييرات تعتبر تحديا ً في حد ذاتها ألنها قبل أن تكون تغييرات على مستوى
الممارسات والتصرفات ،فهي أوال ً وقبل كل شيء تغييرات على مستوى الفكر
والمواقف والقيم.
إن العالم اإلسالمي مطالب بأن يرفع هذا التحدي ألن األمر يتعلق بإعادة النظر في
نظام القيم الذي بنت عليه العديد من المجتمعات نمط تنميتها وإنتاجها واستهالكها
وعيشها .وبعبارة أخرى إن األمر يتعلق بإصالح النظام االجتماعي والثقافي بأكمله،
حيث أن هذا اإلصالح ال يمكن أن يتحقق إال إذا بادر اإلنسان المسلم بإعادة النظر في
العالقات التي يقيمها مع البيئة.
إن مفهوم التنمية المستدامة يحمل في طياته فلسفة هدفها األساس هو ملء الهوة
التي ما فتئت تتسع بين اإلنسان والبيئة ،الشيء الذي يقود هذا اإلنسان إلى التعايش
مع هذه البيئة قلبا ً وقالباً.
إن هذه الثورة الفكرية واألخالقية والسلوكية ليست عزيزة على دول العالم اإلسالمي
مادامت هذه البلدان لها من المؤهالت والمبادئ ما يجعلها قادرة على القيام بهذه
المهمة.
بالفعل ،إن الدين اإلسالمي أعطى للبيئة ولمواردها والستعمال هذه الموارد واستغاللها
وللتوازنات البيئية وللتنوع البيولوجي ،إلخ ،أهمية كبيرة وخصوصا ً من خالل العديد
من اآليات القرآنية واألحاديث النبوية.
ومما تجدر اإلشارة إليه في هذا الصدد هو أن جل المفاهيم البيئية المعاصرة الكبرى
تم التطرق لها بكيفية أو بأخرى من خالل اآليات القرآنية ،نذكر منها على سبيل المثال
:
14
ـ مفهوم شمولية البيئة
ـ مفهوم التوازن
ـ مفهوم محدودية الموارد
ـ مفهوم تنوع الحياة
ـ مفهوم الغائية
ـ مفهوم حماية البيئة
التعاليم اإلسالميـة والقضايـا البيئية المعاصرة
.3.1مفهوم شمولية البيئة :
لقد ظهر هذا المفهوم إلى الوجود في الستينات متزامنا ً مع ظهور مفهوم البيئة نفسه.
ويعد مفهوم الشمولية إفرازا ً لألزمة البيئية التي يعاني منها العالم المعاصر الذي
اعتبرت فيه البيئة وال تزال مجموعة من المكونات القابلة لالستغالل إرضاء لرغبات
اإلنسان المحضة.
حينما نتحدث عن الشمولية ،فاألمر يتعلق بتصور يجعل من البيئة وحدة متكاملة أو
كالً تكون مكوناته مرتبطة فيما بينها ارتباطا ً وثيقا ً حسب نظام من العالقات المتبادلة
يكون فيها بقاء كل كائن حيا ً كان أم غير حي ،مرتبطا ً بباقي المكونات األخرى.
وبعبارة أخرى ،فإن الشمولية تعني أن الكل يستمد بقاءه من الجزء وهذا األخير
يستمد بقاءه من الكل.
لقد أصبح اليوم مفهوم الشمولية من الناحية النظرية مفهوما ً متداوال ً في األوساط
العلمية والبيئية .وللتذكير ،فإن االقتراحات التي تقدم بها المفكرون والفالسفة لصياغة
نظرة جديدة للبيئة مبنية كلها على مفهوم الشمولية.
15
وإذا كان هذا األخير يعد جديدا ً بالنسبة لإلنسان ،فإن هذه الجدة تنطبق على اإلنسان
فقط.
إن القرآن الكريم أشار إلى هذا المفهوم من خالل آيات كثيرة تتحدث عن وحدة الكون.
فحينما يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن هذا الكون ،فإن ذلك يتم من خالل اإلشارة
إلى المكونات الكبرى ،أي األرض والسماء والماء التي تعتبر حسب علم البيئة
الحديث نظما ً بيئية ضخمة يتألف منها ما يسمى بالمحيط الحيوي .وفضالً عن ذلك،
فإن العديد من اآليات القرآنية تربط دائما األرض بالسماء بينما أخرى تشير إلى ما
بينهما .فإن دل هذا على شيء ،فإنما يدل على أن مفهوم الشمولية وارد في القرآن
الكريم وهو الشيء الذي توصل إليه العلم في السنين األخيرة حينما اعتبر الكوكب
األرضي وما يحيط به من أجواء بمثابة نظام بيئي متكامل غير قابل للتجزيء .وفي
هذا الصدد ،تجدر اإلشارة إلى أن بعض العلماء ذهبوا إلى حد تشبيه الكرة األرضية
مع محيطها الجوي بكائن حي إلبراز أهمية الترابط و التفاعل القائمين بين مكونات
البيئة.
إن اآليات القرآنية التي تشير بكيفية أو بأخرى لمفهوم شمولية البيئة كثيرة ،منها
على سبيل المثال تلك التي يتم فيها الربط بين األرض والسماء ،وأحيانا ً بين هذين
العنصرين والماء.
يقول الحق سبحانه وتعالى :
األرض فِراشا ً والسما َء بنا ًءًً وأنزل من السماء ما ًءًً فأخرج به من
{ الذي جعل لكم
َ
ت رزقاًًً لكم } (سورة البقرة :اآلية .)22
الثمرا ِ
ت
{ هو الذي خلق لكم ما في األرض جميعا ً ثم استوى إلى السماء فسوا ُه َّن سب َع سموا ٍّ
وهو بكل شيء عليم } (سورة البقرة :اآلية .)29
16
واألرض وإذا قضى أمرا ً فإنما يقول له كن فيكون } (سورة البقرة :
ت
{ بَديع السماوا ِ
ِ
اآلية .)117
والفلك التي تجري في البحر
والنهار
واختالف اللي ِل
واألرض
ت
{ إن في خلق السموا ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
َّ
وبث
األرض بعد موتِها
ماء ًٍّ فأحْ يا به
بما ينف ُع
َ
الناس وما أنزل هللا من السماء من ٍّ
َ
واألرض آليات
السماء
ب المس َّخر بين
فيها من كل داب ٍّة ًٍّ
ِ
ِ
ِ
وتصريف الرياحِ والسحا ِ
لقوم ًٍّ يع ِقلون } (سورة البقرة :اآلية .)164
ٍّ
واألرض وال ي ُؤدُه ِح ْف ُ
ي العظيم } (سورة
ت
سيُهُ السموا ِ
َ
س َع كُر ِ
{ َو ِ
ظهما وهو الع ِل ُّ
البقرة :اآلية .)255
واألرض وهللا على كل شيء قدير } (سورة آل عمران :اآلية
ت
{ وللـه ُم ْلـكُ السمـاوا ِ
ِ
)189
ق ما يشاء وهللا على كل شيء قدير }
ت
{ وهلل ُملك السماوا ِ
واألرض وما بينهما يخلُ ُ
ِ
(سورة المائدة :اآلية .)17
السماء ما ًءًً فأخر َج به من الثمرات
واألرض وأنزل من
ت
{ هللا الذي َخلَقَ السموا ِ
َ
ِ
رزقا ً لكم } (سورة إبراهيم :اآلية .)32
َّ
فيهن وإن من شيء إال
واألرض ومن
سب ُع
ب ًِ ًِ ًِ ًِ ًِ ًِ ًّ ًِ ُ
ُ
ح له السمواتُ ال َّ
{ تُس ِ
يسبح ب َحمدِه ولكن ال تَ ْفقَ َ
هون تَسبي َحهم إنه كان َحليما ً غفورا ً } (سورة اإلسراء :
اآلية .)44
األرض وما بينهما وما تحت الثرى } (سورة طه :اآلية
ت وما في
{ لهُ ما في السموا ِ
ِ
.)6
ب ًِ ًِين } (سورة األنبياء :اآلية .)16
{ وما خلقنا السما َء
َ
واألرض وما بينهما الع ِ
17
ع ِل َم
والطير صافات ًٍٍّّ ك ٌّل قد َ
واألرض
ت
{ أل ْم ت َ َر أن هللا يُس ِبّ ُح له من في السموا ِ
ِ
ُ
صالتَه وتسبي َحه وهللا ع ِلي ٌمًٌ بما يفعَلون } (سورة النور :اآلية .)41
سبَ َغ عليكم نِعَ َمهُ ظاهرةً
ت وما في
{ ألم تروا أن هللا س َّخ َر لكم ما في السموا ِ
األرض وأ ْ
ِ
وباطنة } (سورة لقمان :اآلية .)20
ت وال في األرض وال أصغر من ذلك و
ب عنه ِمثْ َقا ُل ذَ َّر ٍّة في السموا ِ
{عالم الغيب ال َي ْع ُز ُ
ال أكبر إال في كتاب مبين} (سورة سبإ :اآلية .)3
إن مفهوم شمولية البيئة ال يمكن أن يدرك إال إذا شكلت هذه البيئة وحدة أو كالً
متكامالً .وهذه الوحدة ال يمكن أن تتحقق إال إذا ساد بين مختلف مكوناتها ترابط
وتناسق .هذا هو ما يشير إليه القرآن الكريم من خالل اآليات التي تظهر السماء
واألرض والماء كعناصر مترابطة فيما بينها.
ويكفي أن نتمعن في بعض اآليات سالفة الذكر لندرك أن مفهوم الشمولية وارد في
القرآن الكريم حينما يقول الحق سبحانه وتعالى في اآلية 117من سورة البقرة :
{ بديع السموات واألرض } ،أي خالق السموات واألرض غير أن هذا الخلق ليس
عشوائيا ً بل يتم حسب نظام معين.
ونفس الشيء يمكن إدراكه من خالل اآلية 44من سورة اإلسراء حين يقول هللا
سبحانه وتعالى :
{ تسبح له السماوات السبع واألرض ومن فيهن } .والمقصود بالتسبيح هنا هو
السجود والخضوع واالنحناء أمام الخالق ،الشيء الذي يمكن تفسيره من الناحية
البيئية بنظام الترابط الذي يجمع بين جميع الكائنات من أجل استمرار الحياة التي هي
من خلق هللا.
18
ونـفس الـشيء يمـكن إدراكـه كـذلك مـن خـالل اآليـة 16مـن سورة األنبياء حيـن
يقـول سبحانه وتعالى { :وما خلقنا السماء واألرض وما بينهما العبين } .والمقصود
في هذه اآلية هو أن الخلق له غايات معينة وهو الشيء الذي تشير إليه اآلية 27من
سـورة ص حيـن قـال الحـق سبـحانه وتـعالى { :و ما خلقنا السماء واألرض وما
بينهما باطال } أو حين يقول في اآلية 5من سورة الزمر { خلق السموات واألرض
بالحق } .ومن اآليات التي تشير إلى شمولية البيئة اآلية التي يقول فيها سبحانه عز
وجل :
{ والذين ينقضون عهد هللا من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر هللا به أن يوصل
ويفسدون في األرض أوالئك لهم اللَّعنة ولهم سو ُء الدار } (سورة الرعد :اآلية .)25
إن هذه اآلية تنطبق على الفكر البيئي المعاصر الذي جزأ البيئة ،وبالتالي ،قطع
األوصال التي تربط بين مكوناتها ،الشيء الذي أدى إلى ظهور اختالالت في نظام
الترابط الذي يشكل أساسا ً الستمرار وبقاء الحياة .وخير مثال يمكن سوقه في هذا
الصدد يتعلق باالختالالت التي يحدثها التلوث في األوساط الطبيعية .إن التلوث إذا
تجاوز حدا ً معيناً ،يكسر التوازن القائم بين مكونات هذه األوساط ويؤدي على طول
المدى إلى موت هذه األوساط وانقراض الحياة منها .وهذا هو ما يحدث في األنهار
والبحار التي تلقى فيها النفايات المنزلية والصناعية وكذلك في المساحات الخضراء
المعرضة لألمطار الحمضية.
ألم يقل سبحانه وتعالى :
{ َ
عملوا لعلهم
س َبتْ أيدي
البر
الناس ليُذيقَهم بعض الذي ِ
والبحر بما َك َ
ِ
ظ َه َر الفسادُ في ِ ّ
ِ
يرجعون } (سورة الروم :اآلية .)41
وكيفما كان الحال ،إن مفهوم شمولية البيئة الذي جاء به المفكرون في مقترحاتهم
لتغيير نظرة اإلنسان المعاصر للبيئة ليس في الحقيقة مفهوما ً جديداً .كل ما يمكن قوله
هو أن اإلنسان يسعى من جديد للعودة إلى الصواب الذي نص عليه القرآن الكريم منذ
19
عدة قرون والذي يقتضي أن تنطلق كل تصرفات البشر من مفهوم شمولية البيئة
حفاظا ً على وحدة هذه األخيرة وبقاء الحياة فيها.
.3.2مفهوم التوازن :
إن مفهوم التوازن يشكل واحدة من الركائز التي بني عليها علم البيئة الحديث.
والتوازن ال يجب أن يدرك كوضع سكوني قار ومستقر يسود داخل النظم البيئية.
فحينما يتم الحديث عن التوازن البيئي ،فاألمر يتعلق بوضع حركي مستمر ناتج عن ما
يقوم من عالقات وتفاعالت بين مكونات النظام البيئي .فال سبيل إذن للحديث عن
النظام البيئي بدون توازن .فالنظام البيئي المتوازن هو ذلك الجزء من البيئة الذي
تسود بين مكوناته عالقات متبادلة متناسقة ومتكافئة تتجدد باستمرار وتؤدي في
نهاية المطاف إلى استمرار الحياة وبقائها .وهكذا ،فحينما يكون النظام البيئي
متوازناً ،فهذا يعني أن لديه قدرة ذاتية على التنظيم تكون ناتجة عن الحركة الذاتية
التي تشترك فيها كل مكوناته من تربة وهواء وماء وحيوانات ونباتات بمختلف
أشكالها وأنواعها .وبعبارة أخرى ،فإن كل كائن حيا ً كان أم غير حي يقوم بعمل
لصالحه ولكنه في نفس الوقت يكون عنصرا ً أو حلقة في سلسلة األعمال التي تقوم
بها الكائنات األخرى.
فإذا كان بإمكاننا الحديث عن عدة أنواع من النظم البيئية البرية منها والبحرية
والجوية والمائية والغابوية والقطبية والصحراوية والجبلية ،الخ ،فإن هذه النظم في
الحقيقة ليست لها حدود ،وبالتالي ،فهي مرتبطة فيما بينها لتشكل نظاما ً بيئيا ً واحدا ً
يتشكل من الكرة األرضية بأكملها بما يحيط بها من أجواء وما يو جد فيها وفوقها من
ماء وما يبرز منها من قارات وما يترعرع فيها جوا ً وبرا ً وماء من حياة نباتا ً كانت أم
حيوانا ً بما في ذلك اإلنسان.
ولهذا ،فالتوازن البيئي الشامل هو الذي أدخل عليه اإلنسان ،من جراء فصل نفسه
عن البيئة وطموحه للسيطرة عليها ،تغييرات كبرى أدت إلى ظهور مشكالت بيئية
20
واسعة النطاق طالت تأثيراتها جميع المحيطات والقارات وأسافل وأعالي األجواء .إن
اإلنسان من جراء نظرته األنانية للبيئة أساء لخاصيات التوازن والتناسق والتناغم
التي أسس عليها هللا سبحانه وتعالى خلق هذا الكون .بالفعل ،لقد أشار الحق سبحانه
وتعالى للتوازن في العديد من آيات القرآن الكريم نذكر منها على سبيل المثال :
سدين } (سورة البقرة :
{ ُكلُـوا
واشـربوا مـن رزق اللـه و ال ت َ ْعثَوا في األرض ُمف ِ
َ
اآلية .)60
األرض فسادا ً وهللا ال يحب المفسدين } (سورة المائدة :اآلية .)64
س َعون في
{ و َي ْ
ِ
ْالحها وادْعوهُ َخوفا و َ
قريب من
ط َمعا ً إن رحمتَ هللا
سدوا في
األرض بعد إص ِ
{ وال ت ُ ْف ِ
ٌ
ِ
المحْ سنِين } (سورة األعراف :اآلية .)56
َ
الناس أ ْ
شيَا َءهم وال
والميزان وال ت َ ْب َخسوا
{ قد جاءتْكُم بَ ِيّنَةٌ من َر ِبّكُم فأوفوا ال َك ْي َل
َ
خير لكم إِن كنتم ِمؤمنين } (سورة األعراف :
سدوا في
تُف ِ
ِ
األرض بعد إصْالحها ذلكم ٌ
اآلية .)85
َ
الناس أشيا َءهم والت َ ْعثَوا في
والميزان بال ِقسط وال ت َ ْب َخسوا
الميكال
أوفوا ِ
قوم ْ
َ
{ ويا ِ
سدين } ( سورة هود :اآلية .)85
األرض ُم ْف ِ
{ هللا يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض األرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار }
(سورة الرعد :اآلية .)8
موزون } (سورة
شيء
سي وأ ْنبَتْ َنا فيها من ك ِ ّل
{
ٍّ
َ
واألرض مدَ ْدنَاها وأ َ ْل َق ْينَا فيها ََروا ِ
ٍّ
الحجر :اآلية .)19
ت
{ الذي له ملك السموا ِ
واألرض ولم َيت َّ ِخ ْذ َولَدا ولم يَك ُْن له شَريك في الملك و َخ َلقَ
ِ
شيء فَقَد ََّرهُ ت َ ْقديرا ً } (سورة الفرقان :اآلية .)2
كل
ٍّ
21
ان أال َّ
َ
الميز َ
س َماَء َرفَعَها َوو َ
ض َع
سبان والنج ُم
الشمس
{
والشجر يَ ْ
والقمر ب ُح ْ
س ُجدان وال َّ
ُ
ُ
ُ
َ
الميزان } (سورة الرحمن :
سروا
تَطـْغَ ْوا فـي
س ِط وال ت ُ ْخ ِ
الو ْز َن بال ِق ْ
الميـزان وأقيمـوا َ
ِ
اآليات .)5-8
س َّوى والذي قد ََّر فَ َهدَى } (سورة األعلى :اآليات
س ِبّح اسم َر ِبّكَ األعْلى الذي َخلَقَ فَ َ
{ َ
.)1-3
إن اآليات سالفة الذكر تشير كلها بطريقة أو بأخرى إلى مفهوم التوازن الذي كما
أسلفنا تأسس عليه علم البيئة الحديث .وهكذا تمت اإلشارة لهذا التوازن في القرآن
الكريم عن طريق مفاهيم :
ـ الفساد
ـ اإلصالح
ـ الميزان
ـ المقدار
ـ التقدير
ـ الحسبان
ـ التسوية
إن هللا ال يحب الفساد في كل شيء .والفساد بمعناه البيئي ،أي االضطراب واالختالل
والتخريب وعدم التناسق ،يمكن أن يكون ناتجا ً عن التلوث واالستغالل المفرط وغير
العقالني للموا رد واقتحام وغزو األوساط الطبيعية .وبعبارة أخرى ،إن الفساد ينتج
عن التغييرات التي يدخلها اإلنسان بدون حسبان على نظام الترابط الذي يضمن الحياة
داخل المحيط البيئي .أما اإلصالح ،فيمكن ربطه بمفهوم التنظيم الذاتي الذي يضمن
22
استمرار التوازن داخل النظم البيئية .وهذا يعني أن هللا سبحانه وتعالى وفر للبيئة كل
الظروف التي تمكنها من إصالح نفسها كلما أدخلت عليها تغييرات ولكن في حدود
معينة .ولهذا ،فإن هللا يوصي عباده بأن ال يفسدوا في األرض خصوصا ً وأن بث
الفساد أسهل بكثير من القيام باإلصالح.
أما مفاهيم الميزان والمقدار والتقدير والحسبان والتسوية فإنها تشير إلى أن هللا
سبحانه وتعالى نظم األمور ونسقها عند خلق هذا الكون .وعندما يتعلق األمر بالتنظيم
والتنسيق والترتيب .فهذا معناه أن كل شيء يحسب له حسابه .وبعبارة أخرى ،فإن
األشياء ال يمكن أن تكون منظمة ومتناسقة إال إذا قامت بينها عـالقات مـتوازنة تكون
ضامنا ً للنظام والتناسق .فحينما يقول الحق سبحانه وتعالى { :وأنبتنا فيها من كل
شيء موزون } (سورة الحجر :اآلية ،)19فهذا يعني أن هللا وفر في األرض
الظروف المالئمة لنمو العديد من أنواع النباتات المختلفة.
ومن المعروف حاليا ً في علم البيئة النباتي أن النباتات ال يمكن أن تتعايش في الوسط
الواحد إال إذا قام من جهة توازن فيما بينها ،ومن جهة أخرى بينها وبين الظروف
المادية للوسط الذي تنبت فيه .فعندما يختل هذا التوازن ،فقد يطغى نوع من هذه
النباتات على األنواع األخرى ،الشيء الذي يؤدي إلى تقليص عدد هذه األخيرة
وأحيانا ً إلى اختفائها .وهذا هو ما يحدث عندما يتدخل اإلنسان في األوساط الطبيعية
ويستغل مواردها بكيفية غير عقالنية .والنتيجة هي اختالل التوازنات الذي يؤدي إلى
طغيان مكونات بيئية وتراجع واندثار مكونات أخرى.
وخير مثال يمكن سياقه في هذا الصدد هو استعمال مختلف المبيدات الكيميائية من
أجل تحسين اإلنتاجية الزراعية .وال سبيل هنا لذكر األضرار التي ألحقتها هذه
المبيدات بالتوازنات الطبيعية .وال سبيل للذكر أنه بذلت محاوالت وال تزال تبذل من
أجل تجاوز هذا الوضع الذي يشكل تهديدا ً للتوازنات البيئية .من بين هذه المحاوالت،
اللجوء إلى ما يسمى بالمكافحة البيولوجية التي تستعمل فيها وسائل طبيعية لخلق
توازن بين ما يسمى بالنباتات والحشرات المضرة وبين النباتات المزروعة .وجدير
23
بالذكر أن اللجوء إلى المكافحة البيولوجية هو محاولة من اإلنسان للرجوع إلى
الفطرة ،أي الوضع الطبيعي الذي وجدت فيه األرض عندما خـلقها اللـه سـبحانه
وتعالى .وهذه هي الفطرة التي أشار إليها عز وجل حينما يقـول { :وخلق كل شيء
فقدره تقديـرا ً } (سورة الفرقان :اآلية )2أو { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى }
(سورة األعلى :اآليتان .)2-3
وفي هذا الصد ،البد من اإلشارة إلى أن العديد من التيارات الفكرية والحركات البيئية
وبالخصوص في الدول المصنعة حيث اإلنسان ألحق أضرارا ً كبيرة بالطبيعة ،تنادي
بالرجوع إلى الطبيعة الذي معناه الرجوع إلى الفطرة .وقد عبر الناس عن هذا
الرجوع بطرق عديدة منها الزهد في االستهالك ،وبالخصوص بممارسة ما يسمى
بالزراعة البيولوجية التي تعتمد على التربة والشمس والماء والعمل اليدوي.
إن مفهوم التوازن الذي أقره علم البيئة الحديث سواء على مستوى النظم البيئية
الصغيرة أو على المستوى البيئي الشمولي واحد من المفاهيم البيئية التي وردت في
القرآن الكريم منذ عدة قرون .إن هللا سبحانه وتعالى خلق الكون موزونا ً ومتوازنا ً
وهو الذي يقول :
{ أَلَ ْم ت َ َر َّ
والقمر والنجو ُم
والشمس
األرض
ت و َم ْن في
س ُجدُ له َم ْن في السموا ِ
أن هللا يَ ْ
ِ
ُ
ُ
وكثيرًٌ ًٌ من الناس } (سورة الحج :اآلية .)18
والدواب
والشجر
والجبا ُل
ُ
ٌ
ُ
إن سجود الكائنات للحق سبحانه وتعالى إن دل على شيء إنما يدل على وحدة الكون
التي يحفظ توازنها خالق مدبر واحد.
.3.3مفهوم محدودية الموارد :
منذ أن دخل العالم عصر الصناعة خالل القرن التاسع عشر الذي اقترن أوله باختراع
اآللة البخارية وآخره باكتشاف الكهرباء والنفط ثم باختراع المحرك االنفجاري ،بدأ
في نفس الوقت التهافت على الموارد الطبيعية وخصوصا ً في البلدان الغربية التي
24
كانت تتنافس فيما بينها أوال ً للرفع من مستوى إنتاجها واستهالكها ،وثانيا ً لغزو
األسواق الخارجية بمنتوجاتها الصناعية .وقد أدت هذه االختراعات واالكتشافات إلى
ازدهار العديد من الصناعات وعلى رأسها صناعة الحديد والصناعة الكيميائية .وقد
أدت صناعة الحديد على الخصوص إلى اختراع العديد من وسائل النقل واآلالت
وخاصة تلك التي تستعمل في المجال الفالحي وفي قطاع استخراج واستغالل المعادن.
أما الصناعة الكيميائية فقد ساهمت هي األخرى بقسط وافر في ازدهار الفالحة بما
وفرته لهذه األخيرة من أسمدة ومبيدات مكنت المزارعين من الحصول على
مردوديات عالية في اإلنتاج.
وبصفة عامة ،إن القرن التاسع عشر اقترن بظهور مجموعة من األنشطة االقتصادية
الواسعة النطاق المبنية على استغالل ثروات األرض ومصادر الطاقة وتحويل المواد
األولية إلى منتوجات مصنعة .وال سبيل للذكر أن أهم الصناعات التي يرتكز عليها
االقتصاد العالمي اليوم نشأت في تلك الفترة نذكر من بينها على سبيل المثال :
ـ الصناعة الثقيلة التي تحول المواد األولية المعدنية إلى فليزات تستعمل في عدة
أنواع أخرى من الصناعات،
ـ الصناعة الخفيفة التي تحول ما أنتجته الصناعة الثقيلة إلى منتوجات مصنعة،
ـ الصناعة الغذائية التي تصنع وتهيئ األغذية،
ـ الصناعة الميكانيكية التي تنتج اآلالت والمعدات المستعملة في مجاالت الصناعة
والفالحة والنقل ،الخ.
وجدير بالذكر أن ازدهار الصناعة خالل القرن التاسع عشر في العالم الغربي كان
مبنيا ً على تنافس شديد بين الدول التي كانت وال تزال تسعى إلى احتالل المراتب
األولى على الصعيد العالمي ،الشيء الذي أدى إلى استغالل مفرط للموارد الطبيعية
ليس فقط في البلدان المصنعة ولكن كذلك في ما يسمى حاليا ً بالدول النامية.
25
بالفعل ،إن ازدهار الصناعة وتطورها كانا في حاجة ماسة للموارد األولية لضمان
نشاطها بكيفية مستمرة .فال غرابة إذن أن يقترن عصر الصناعة بإقبال بعض الدول
الغربية على استعمار إفريقيا وجزء كبير من آسيا من أجل استغالل مواردها الطبيعية.
وكيفما كان ال حال ،فإن عصر الصناعة كان بداية الستغالل مفرط وجنوني ومطلق
العنان للموارد الطبيعية على الصعيد العالمي .وحتى البلدان التي لم يطلها االستعمار
الغربي ،فإن مواردها تستغل بثمن بخس من طرف الدول المصنعة.
إن الموارد الطبيعية كانت تستغل وكأنها غير قابلة للنفاد إذ ال فرق بين ما هو متجدد
طبيعيا ً وبين ما هو غير متجدد .لقد كان هاجس الدول المصنعة هو تحقيق مستوى
عالمي من النمو ولو على حساب الطبيعة ومواردها.
ولحسن الحظ ،فإن هذا االستغالل المفرط الذي أدى إلى استنزاف الموارد الطبيعية،
وبالتالي ،إلى ظهور مشكالت بيئية أثار انتباه العديد من األوساط في الدول المصنعة
التي بادرت إلى عقد أول اجتماع استشاري دولي بمدينة بيرن بسويسرا سنة 1913
حول حماية الطبيعة شارك فيه 19بلداً .ثم تال هذا االجتماع سنة 1923أول مؤتمر
عقد بباريس حول حماية الطبيعة وعوامل تخريب مواردها تاله مؤتمر ثاني سنة
1932تم تخصيصه لدراسة تأثير التكنولوجيات الملوثة على الطبيعة .وبعد ذلك،
عقدت منظمة اليونسكو بفرنسا سنة 1948اجتماعا ً دوليا ً تمت فيه مناقشة تأثيرات
األنشطة البشرية على الطبيعة تاله سنة 1968مؤتمر نظمته نفس المنظمة بإفريقيا
حول االستعمال العقالني للموارد الطبيعية حيث ركز المشاركون من جهة على
هشاشة األسس التي تضمن تجدد البعض من هذه الموارد ،ومن جهة أخرى على
محدودية كمية البعض اآلخر .غير أن مفهوم محدودية الموارد لم يبرز إلى الوجود
بصفة واضحة إال بعد نشر تقرير نادي روما سنة 1970الذي أثار انتباه المجتمع
الدولي وخصوصا ً في الدول المصنعة إلى ضرورة إدخال تغييرات مهمة على نمط
نموها االقتصادي ،الشيء الذي أكدت عليه اللجنة العالمية للبيئة والتنمية بعد صدور
تقريرها سنة .1987
26
إن مفهوم محدودية الموارد الذي ظهر خالل السبعينات وتأكدت صحته خالل
الثمانينات هو الذي أدى إلى ظهور مفهوم التنمية المستدامة التي تقتضي أن يتعامل
اإلنسان مع البيئة ومع مواردها بكيفية تضمن حاجاته اآلنية وحاجات األجيال المقبلة
في نفس الوقت.
وإذا استطاع اإلنسان ،بفضل ما أتاه هللا من علم ،أن يقف على هذه الحقيقة ،فإن
القرآن الكريم أشار غيرما مرة لمفهوم محدودية الموارد من خالل اآليات التالية :
سقُ ُ
ط من َو َرقَ ٍّة
ب ال يعل ُمها إال هو ويعل ُم ما في ال َب ِ ّر
والبحر وما ت َ ْ
{ و ِع ْندَهُ َم َف ِاتُح الغَ ْي ِ
ِ
مبين }
ب
ب وال
إال يَ ْع َل ُم َها وال َحبَّ ٍّة في ظلمات
ٍّ
ِ
يابس إال في كتا ٍّ
األرض ًِ َوالرط ٍّ
ٍّ
(سورة األنعام :اآلية .)59
شيء عنده بمقدار }
يض األرحا ُم وما ت َ ْزدَادُ وك ُّل
ٍّ
{ هللا يَ ْعلَ ُم ما تَحْ ِم ُل ك ُّل أ ْنثى وما ت َ ِغ ُ
(سورة الرعد :اآلية .)8
شـيء إال عنـدنا خـزائنه وما ننِزله إال بقدر معلوم } (سورة الحجر :اآلية
{ وإن مـن
ٍّ
.)21
ب به لقادِرون }
{ وأ ْن َز ْلنَا من
ِ
السماء ما ًء ِب َقد ٍَّر فأسكناه في األرض وإنا على ذها ِ
(سورة المؤمنون :اآلية .)18
ت
{ الذي لهُ ُملك السموا ِ
واألرض ولم َيت َّ ِخ ْذ َو َلدا ً ولم َيك ُْن له شريك في الملك و َخلَقَ
ِ
شيء فَقَد ََّرهُ ت َ ْقدِيرا ً } (سورة الفرقان :اآلية .)2
ك َّل
ٍّ
مبين } (سورة يس :اآلية .)12
صيْناهُ في إم ٍّام
{ وك َّل
شيء أَحْ َ
ٍّ
ٍّ
ي ِمن فَ ْوقِها وبَاَرك فيها وقَد ََّر فيها أ َ ْق َواتَها في أربع ِة أَيَّ ٍّام سوا ًء
{ وجعل فيها روا ِ
س َ
للسائِلين } (سورة فصلت :اآلية .)10
27
س َ
األرض ولكن يُنَ ِ ّزل ِبقَد ٍَّر ما يشاء إنه بِعباده
الر ِز ًْقَ ِلعباده لَبَغَ ْوا في
{ ولو بَ َ
ِ
ط هللا ِ ّ
بصير } (سورة الشورى :اآلية .)27
خبير
ٌ
ٌ
شيء َخ َل ْقنَاهُ ِب َقدَر } (سورة القمر :اآلية .)49
{ ِإنَّا ك َّل
ٍّ
َيء عدَدا } (سورة الجن :اآلية .)28
صى ك َّل ش ٍّ
{ وأَحْ َ
شيء قَدرا ً } (سورة الطالق :اآلية .)3
{ ق ْد جعل هللا لك ِ ّل
ٍّ
ص ْيناه ِكتابا } (سورة النبإ :اآلية .)29
{ وك َّل
شيء أحْ َ
ٍّ
من خالل اآليات السالفة الذكر ،يشير سبحانه وتعالى إلى مفهوم محدودية الموارد من
خالل مفهومـي المقدار والقدر .يقـول الحق سبحانه وتعالـى { :إنا كل شيء خلقنـاه
بقـدر } (سورة القمر :اآلية )49أي أن كل كائن حي أم غير حي يخضع لقانون أو
لقوانين معينة من حيث الكم .والفرق الذي وضعه اإلنسان بين الموارد الطبيعية
المتجددة والموارد الطبيعية غير المتجددة يرتبط ارتباطا ً وثيقا ً بمفهوم محدودية
الموارد الذي يشير إليه القرآن الكريم.
فبالنسبة للموارد الطبيعية غير المتجددة ،لقد أثبت العلم الحديث أنها فعالً محدودة
الكمية كما هو الشأن بالنسبة للمواد الطاقية األحفورية (فحم ،نفط ،غاز طبيعي)
واالنشطارية (أورانيوم ،طوريوم ،الخ) والمعادن الفلزية كالحديد والنحاس والمعادن
غير الفليزية كالفوسفاط والبوتاس الخ .أما بالنسبة للموارد الطبيعية المتجددة ،فهي
األخرى توجد في البيئة حسب كميات محدودة لكنها تتميز عن الموارد غير المتجددة،
بكونها تتجدد بكيفية طبيعية حسب دورات معينة كما هو الشأن بالنسبة للماء
والنباتات والحيوانات البرية والموارد البيولوجية المائية والطاقة .والتجديد ال يعني
أن هناك زيادة في الكميات إلى ما ال نهاية .بل التجديد يقصد به أن البيئة تتوفر على
كميات محددة من العناصر والمواد الكيميائية التي من جراء تعاقب الحياة والموت
تدخل في دورات معينة لتنتج من جديد الحياة وعناصر ومواد كيميائية .وهذا ما يحدث
28
مثالً بالنسبة للغازات التي يتكون منها الجو كاألكسجين واآلزوت وثاني أكسيد
الكاربون ،الخ.
يقول الحق سبحانه وتعالى :
ب به لقادِرون }
سكناه في
{ َوأ َ ْن َز ْلنَا من
السماء ما ًء بِقَدر فأ ْ
ِ
ِ
األرض و ِإنَّا على ذها ِ
(سورة المؤمنون :اآلية .)18
لقد أصبح اليوم معروفا أن كمية الماء التي يتكون منها المحيط البيئي محدودة حيث
تقدر بـ 1.350مليون كيلومتر مكعب موزعة كالتالي :
الماء السائل
ـ المحيطات
ـ المياه الجوفية
ـ بحيرات الماء العذب
ـ بحيرات مالحة وبحار داخلية
ـ ماء التربة ( الرطوبة)
ـ مجاري المياه
الماء الصلب
ـ الجليديات القطبية
ـ جليديات المناطق المعتدلة واالستوائية
الماء الغازي
29
ـ بخار الماء الجوي
ـ ماء المحيط الحيوي
ـ ماء الكائنات الحية
وإذا كانت الموارد الطبيعية محدودة الكميات ،فهذا يعني أن كمية العناصر الكيميائية
التي تتكون منها هذه الموارد هي األخرى محدودة.
بالفعل ،إن أي مورد كيفما كان نوعه يتألف من جزيئات تتكون هي األخرى من ذرات.
فالماء مثالً يتكون من جزيئتين من الهيدروجين وجزئية واحدة من األكسجين .فعندما
يتم الحديث عن محدودية كمية الماء على مستوى البيئة بأكملها ،فهذا يعني أن هذه
الكمية تتكون هي األخرى من عدد محدود من ذرات الهيدروجين واألكسجين .يقول
هللا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :
ب عنه
ساعَةُ قُ ْل َبلَى َو َر ِبّي لَتَأ ْ ِت َينَّ ُك ْم
{ وقال الذين كفروا ال تَأْتينا ال َّ
ب ال َي ْع ُز ُ
عالم الغي ِ
ِ
مبين
ب
ت وال في
األرض وال أ َ ْ
ِمثقال ذَ َّر ٍّة في السموا ِ
ِ
صغَر من ذلك وال أ َ ْك َبر إال َّ في كتا ٍّ
ٍّ
} (سورة سبإ :اآلية .)3
وهنا تجدر اإلشارة إلى أن علماء الكيمياء عندما يتعاملون مع المادة ،يعرفون أن
كمية هذه المادة ال تزيد وال تنقص رغم التحوالت التي تمر منها .وهذا هو ما توصل
إليه عالم الكيمياء الفرنسي الفوازيي ( )Lavoisierفي القرن الثامن عشر حين قال
> :ال شيء يضيع والشيء يضاف ،الكل يتحول< ليتخذ أشكاال ً مختلفة .وهذا هو ما
يجري داخل المحيط البيئي حيث المادة في تحوالت مستمرة لتتخذ أشكاال ً تتكون منها
الحياة وأخرى يتألف منها الماء والهواء والتربة .وقد أشار الحق سبحانه وتعالى إلى
هذه التحوالت بقوله :
ج فيها وهو
ج منها و َما َي ْن ِز ُل من
{ َي ْعلَ ُم َما َي ِل ُج في
السماء وما َي ْع ُر ُ
األرض ًِ وما َي ْخ ُر ُ
ِ
ِ
الرحيم الغفور } (سورة سبإ :اآلية .)2
30
إن العلم الحديث أثبت بالفعل أن المادة تتحول باستمرار على مستوى المحيط البيئي
بأكمله من خالل ما يسمى بالدورات البيوجيوكيميائية ،أي الدورات التي تجدد مكونات
البيئة الحية وغير الحية .من بين هذه الدورات ،نذكر على سبيل المثال :
ـ دورة الماء
ـ دورة األكسيجين
ـ دورة الكاربون
ـ دورة الآلزوت
ـ دورة الفوسفور ،الخ.
وكما جاء في اآلية سالفة الذكر ،فإن الدورات تتخذ األرض والجو نطاقا ً لتتحقق.
فالماء مثالً ينزل من الجو إلى األرض لتستفيد منه الكائنات الحية ثم تحت تأثير عامل
الحرارة يتبخر ويصعد إلى الجو ليعود مرة أخرى إلى األرض .وهكذا ،فرغم تعدد
األشكال التي تتخذها المادة من خالل ما هو حي وما هو غير حي ،فإن األجزاء التي
تتألف منها المادة محدودة الكمية كما جاء في كتاب هللا عز وجل :
شيء عددا ً } (سورة الجن :اآلية .)28
صى كل
ٍّ
{ وأَحْ َ
.3.4مفهوم تنوع الحياة :
إن مفهوم تنوع الحياة أو ما يسمى حاليا ً بالتنوع البيولوجي مفهوم حديث حيث ظهر
إلى الوجود خالل الثمانينات وتم تكريسه في النصف األول من التسعينات من خالل
اتفاقية دولية انبثقت عن مؤتمر ريو سنة .1992
والمقصود بالتنوع البيولوجي هو الخاصية التي تتميز بها الحياة لتظهر في الطبيعة
حسب أنواع وأشكال عديدة ومختلفة .وجدير بالذكر أن هذا التنوع يظهر على جميع
31
مستويات التدرج البيولوجي بدأ من الخاليا واألعضاء ومرورا باألجسام إلى األنواع
والجماعات.
إن التنوع البيولوجي ضروري الستمرار الحياة إذ بواسطته تستطيع الكائنات الحية أن
تواجه التغييرات التي تحدث في األوساط التي تعيش فيها بصفة خاصة وفي البيئة
بصفة عامة.
وهكذا ،فكلما كانت النظم البيئية غنية بأنواع وأشكال الحياة ،كلما كانت لها القدرة
والوسائل للتصدي لهذه التغييرات .وهنا البد من اإلشارة إلى أن التنوع البيولوجي
واحد من العوامل األساس التي تساهم في التنظيم الذاتي للنظم البيئية لتضمن توازنها
واستمرار الحياة بها.
ولعل أكثر الكائنات تنوعا ً الحشرات متبوعة بالنباتات ثم الكائنات الالفقرية والمجهرية
ثم األسماك ثم الثدييات والزواحف والضفدعيات وأخيرا ً الطيور .وقد تم تقدير كمية
هذه الكائنات على صعيد المحيط البيئي بما مجموعه 33.500.000نوع لم يتمكن
اإلنسان إلى حد اآلن إال من معرفة 1.390.000نوعاً ،أي ما يعادل .%4
إن هذا التنوع الهائل في أشكال وأنواع الحياة أشار إليه هللا سبحانه وتعالى في كتابه
العزيز من خالل العديد من اآليات نذكر منها على سبيل المثال ما يلي :
قدير }
شيء
ق ما يشا ُء وهللا على ك ِ ّل
ت
{ وهلل ملكُ السموا ِ
ٍّ
واألرض وما بينهما يَ ْخلُ ُ
ِ
ٌ
(سورة المائدة :اآلية .)17
شيء ْ
السماء ما ًء ْ
فأخ َرجْ ًِنا منه َخ ِضرا
فأخ َرجْ نا به نباتَ ك ِ ّل
{ وهو الذي أ َ ْن َزل من
ٍّ
ِ
من النَّ ْخ ِل من َ
َ
ج منه حبًّا مترا ِكبا ً ِو َ
والزيتون
ب
ط ْل ِع َها قِ ْنوا ٌن دانية وجنا ٍّ
نُ ْخر ُ
ت من أعنا ٍّ
شت َ ِبها ً وغير متشا ِب ِه ا ْن ُ
والر َ
مان ُم ْ
ت لقوم
ظ ُروا إلى ث َ َمره إذا أثْ َم َر ويَ ْن ِع ِه ِإ َّن في ذلكم آليا ٍّ
ُّ
يؤمنون } (سورة األنعام :اآلية .)99
32
ت جعل فيها
{ وهو الذي َمدَّ
ي وأنهارا ومن ك ِ ّل الثَّمرا ِ
َ
األرض وجعل فيها روا ِ
س َ
َز ْو َجي ِْن اثْنَي ِْن } (سورة الرعد :اآلية .)3
سي ُم َ
ون يُ ْن ِبتُ لكم به
شراب ومنه
السماء ما ًء لكم منه
{ هو الذي أ ْن َز َل من
شجر فيه ت ُ ِ
ِ
ٌ
ٌ
ت إن في ذلك آليةً
َّ
لقوم يَتَ َفك َُّر َ
ون }
ع والزيتو َن والنخي َل
الز ْر َ
واألعناب ومن كل الث َّ َم َرا ِ
َ
ٍّ
(سورة النحل :اآليتان .)10-11
السماء ما ًء فَأ َ ْخ َرجْ نَا به
سبُالً وأ َ ْن َزل من
ِ
{ الذي جعل لكم األرض َمهْدا ً و َ
سلَكَ لكم فيها ُ
شتَّى } (سورة طه :اآلية .)53
ت َ
أ َ ْز َواجا ً من نبا ٍّ
وربَتْ وأ ْن َبتَتْ من ك ِ ّل َز ْوج بَهيج
{ وترى
َ
األرض هامدةً فإذا أ َ ْن َز ْلنَا عليها الما َء ا ْهت َ َّزتْ َ
} (سورة الحج :اآلية .)5
ماء فمنهم من يمشي على بَ ْط ِن ِه ومنهم من يمشي
{ وهللا َخ َلقَ ك َّل دابَّ ٍّة من
ٍّ
شيء قدير
ق هللا ما يشا ُء إِ َّن هللا على ك ِ ّل
ٍّ
على ِرجْ لين ومنهم من يمشي على أ َ ْربَع يَ ْخلُ ُ
} ( سورة النور :اآلية .)45
أو لَ ْم يَ َروا إلى األرض كم أنبتنا فيها من ك ِ ّل زوج كريم } ( سورة الشعراء :اآلية
{ َ
.)7
{ سبحان الذي خلق األزواج كلها مما تنبت األرض ومن أنفسهم ومما ال يعلمون }
(سورة يس :اآلية .)36
ي وأ ْن َبتْنَا فيها من ك ِ ّل زوج بهيج } (سورة ق :
{
َ
واألرض َمدَدْناها وأ َ ْل َقيْنا فيها روا ِ
س َ
اآلية .)7
إن القرآن الكريم يعطي أهمية كبيرة لتنوع الحياة حيث يشير إلى اختالف النباتات
والحيوانات .ولو أن أكثر اآليات سالفة الذكر خصصت للتنوع النباتي ،فهناك اآلية
45من سورة النور التي تشير إلى التنوع الحيواني .وإن اقتصرت هذه اآلية على
33
ذكر البعض من الحيوانات ،فإن هللا سبحانـه وتعالـى ينهـي هذه اآلية بقولـه { :يخلق
هللا ما يشاء إن هللا على كل شيء قدير } وهذا معناه أن عدم اإلشارة إلى جميع أنواع
الحيوانات والنباتات في القرآن الكريم يجب أن ال يفسر باقتصار التنوع البيولوجي
على ما جاءت به اآليات الكريمة.
إن هللا سبحانه وتعالى يقول { :وإن تعدوا نعمة هللا ال تحصوها } (سورة إبراهيم :
اآلية .)34كما يقول سبحانه وتعالى كذلك { :والخيل والبغال والحمير لتركبـوها
وزينة ويخلـق ماال تعلمـون } (سورة النحل :اآلية .)8فإن دلت هذه اآليات على
شيء ،إنما تدل على أن هللا نوع الخلق لكن اإلنسان لم يستطع أن يتعرف عليه كله.
وهذا هو ما أثبته العلم اليوم حيث أن عدد أنواع الحشرات مثالً يقدر ب 30000000
نوع بينما ال يعرف العلماء إلى حد اآلن إال 750.000نوع .أما الكائنات الالفقرية
والمجهرية فيقدر عددها بـ 3.000000بينمـا تم إلى حـد اآلن التعرف علـى
276.500نـوع .يقـول سبحـانه وتعالــى { :سبحان الذي خلـق األزواج كلهـا مما
تنبت األرض ومن أنفسهم وممـا ال يعلمـون } (سورة يس :اآلية .)36
إن مفهوم تن وع الحياة أصبح اليوم يحتل الصدارة في األوساط التي تهتم بشؤون
البيئة .وال سبيل للقول إن هذا االهتمام أتى بعد أن أدرك اإلنسان الدور الحاسم الذي
يلعبه التنوع في استمرار دورة الحياة .وهنا البد من اإلشارة إلى أن مفهوم تنوع
الحياة ال يمكن فصله عن مفهومي شمولية البيئة والتوازن .إن التنوع البيولوجي
واحد من العوامل األساس الشمولية التي تساهم في استمرار توازن المحيط البيئي
الذي يتكون من الجو ومن سطح القارات ومن ماء المحيطات والبحار إضافة إلى
ضوء الشمس والمحيط الذي يتألف من جميع الكائنات الحية .يقول سبحانه وتعالى :
والفلك التي تجري في البحر
والنهار
واألرض واختالِف اللي ِل
ت
ق السموا ِ
ِ
ِ
ِ
{ ِإ َّن في َخ ْل ِ
األرض بعد َم ْوتِها وبَ َّ
ث فيها
ماء فأَحْ يا به
الناس وما أ َ ْن َز َل هللا من
بما يَ ْن َف ُع
َ
السماء من ٍّ
ِ
َ
ألرض آليات لقوم
السماء وا
س َّخ ِر بين
ِ
ب ال ُم َ
من كل دابَّ ٍّة وتَص ِْر ِي ِ
ِ
الرياح والسحا ِ
ف ِّ
يعقلون } (سورة البقرة :اآلية .)164
34
إن هذه اآلية الكريمة تؤكد شمولية البيئة التي سبق الحديث عنها .لقد أشار الحق
سبحانه وتعالى في هذه اآلية إلى العناصر المادية التي تتكون منها هذه البيئة من جو
(سماء) وأرض (سطـح األرض) ومـاء وكائنـات حية .وحينما يقـول سبحانــه
وتعالــى { :آليـات لقوم يعقلـون } ،فإنه يدعـو عباده للتأمـل والتمعن في مكـونات
هذا الكـون وفي العالقـات القائمـة بينـها .وحينمـا يقـول سبحـانه وتعالـى فـي نفس
اآليـة :
{ وما أنزل هللا من السماء من ماء فأحيا به األرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة
} .فهذه إشارة للتنوع البيولوجي الذي على اإلنسان أن يتأمل فيه كواحد من عناصر
وحدة الكون وشموليته.
.3.5مفهوم الغائية :
من أهم المفاهيم التي وردت في المقترحات التي تقدم بها المفكرون لتغيير نظرة
اإلنسان للبيئة ،مفهوم الغائية الذي ينص على أن كل كائن حيا ً كان أم غير حي هو في
الحقيقة مركز غائية ،أي بمعنى أن هذا الكائن ينزع إلى تحقيق غاية معينة .في هذه
الحالة ،فإذا اعتبرت الكائنات مراكز غائية ،فهذا يعني أنها تتحول من مجرد كائنات
مجهولة تتكون منها البيئة إلى كائنات ذات قيمة ذاتية وجودها له مبرر يتمثل في
كونها وسائل تتحقق من خاللها غايات معينة.
وإذا وضعنا مفهوم الغائية في إطار بيئي ،فقد يصعب على المرء أن يتصور أن كل
كائن من ضمن الكائنات التي تتكون منها البيئة والتي تعد بالماليير (عدد البشر
وحدهم أكثر من خمسة ماليير) وجد من أجل أن تتحقق من خالله غاية معينة .فال
سبيل لالستغراب ألن كل كائنات البيئة كيفما كان نوعها تعد وسائل وقنوات تتحقق من
خاللها الكثير من الغايات المختلفة .فإذا اعتبرنا مثالً بعض األنواع من الحشرات ومن
ضمنها الفراشات والنحل ،فسنجد أنها عندما تكون منهمكة في الحصول على قوتها
بتنقلها بين األ زهار ،فإنها في نفس الوقت تلقح هذه األزهار بواسطة اللقاح الذي
35
تحمله مختلف أجزاء أجسامها .وهكذا ،فإن هذه الكائنات بدون أن تشعر تمكن العديد
من النباتات من التكاثر ،وبالتالي ،من استمرار الحياة .وما يقال عن الحشرات
والطيور ،يقال كذلك عن بعض الثدييات التي يكسو جسمها وبر أو صوف .فعندما
تكون هذه الحيوانات بصدد البحث عن قوتها ،فإن بعض األنواع من البذور وخصوصا ً
منها الشائكة تلتصق بريشها أو بوبرها أو بصوفها ،الشيء الذي يساعد على نقل
هذه البذور من مكان آلخر ،وبالتالي ،تمكينها من اإلنبات في وسط بعيد عن الوسط
األم .فكما هو الشأن بالنسبة للحشرات ،فإن هذه الحيوانات تساعد هي األخرى على
نقل الحياة من مكان إلى آخر وعلى استمرارها.
وما يقال عن الثدييات ،يمكن أن يقال عن بعض األنواع من الديدان ومنها على
الخصوص دودة األرض التي تعيش داخل التربة التي تتوفر فيها نسبة معينة من
الرطوبة .لكي تتغذى هذه الدودة ،فإنها تبلع حبات دقيقة من التربة لتأخذ منها بعد
عملية الهضم ما هي في حاجة إليه من الغذاء ثم تعيد الباقي إلى التربة .وهكذا ،فإن
هذه الدودة بعملها هذا أوال ً تحرك التربة ،وبالتالي ،تسهل نفوذ الهواء إليها ،وثانيا ً
تغنيها بأمالح معدنية بعد خضوع هذه التربة لعملية الهضم داخل جسمها .وجدير
بالذكر أن هذا العمل له نتيجة تتمثل في ازدياد خصوبة التربة وتحسين تهويتها،
الشيء الذي يسهل إنبات البذور التي تسقط على التربة أو توضع فيها .إن دودة
األرض كما هو الشأن بالنسبة للحيوانات سابقة الذكر ،تساهم في استمرار الحياة.
وما يقال عن الحيوانات ،يمكن أن يقال عن النباتات .فبالنسبة مثالً للنباتات
الخضراء ،من المعروف أنها تلتقط ضوء الشمس وتأخذ ثاني أكسيد الكربون من
الهواء لتصنع المادة العضوية التي بدونها الوجود للحياة .ومن المعروف أن
الحيوانات ليست لها القدرة لصنع المادة العضوية بنفس الطريقة التي تسلكها النباتات
الخضراء ،وبالتالي ،فإن هذه الحيوانات تحصل على المادة العضوية إما بأكل النباتات
الخضراء مباشرة وإما بأكل الحيوانات التي تتغذى على النباتات الخضراء .وهكذا،
36
فإن النباتات الخضراء تشكل أساسا ً الستمرار الحياة الحيوانية بجميع أشكالها
وأنواعها.
غير أن هذا ال يعني أن استمرار الحياة النباتية غير مضمون .بالعكس ،إن النباتات
الخضراء المزهرة لها عدة وسائل لضمان استمرار حياتها .من بين هذه الوسائل،
تجدر اإلشارة إلى أن العديد من النباتات لها زهور ذات ألوان زاهية تجذب الحشرات
إليها لتتغذى على رحيقها أو على لقاحها الذي يلتصق بأجسامها كما سبق الذكر،
وبالتالي ،ينقل من نبات آلخر ،الشيء الذي يؤدي إلى عملية اللقاح التي تؤدي
بدورها فيما بعد إلى ظهور ثمار ثم بذور التي هي الوسيلة التي تستمر بواسطتها
الحياة النباتية.
وكيفما كان الحال ،فإن الكائنات الحية نباتية كانت أم حيوانية هي عبارة عن أماكن
تتحقق من خاللها غايات معينة .وإذا كانت أول غاية يسعى إلى تحقيقها الكائن الحي
هي ضمان حياته ،فإنه عندما يكون منهمكا ً في هذا العمل ،يؤدي في نفس الوقت
خدمة تكون غايتها هي استمرار الحياة بصفة عامة .وإن اختلفت الوسائل والطرق
المؤدية إلى هذه الخدمة ،فالغاية واحدة تتمثل في استمرار الحياة.
وما يقال بصفة عامة عن الكائنات الحية ،يمكن أن يقال عن الكائنات غير الحية أي
الجامدة .إن األمثلة في هذا الباب كثيرة ومتعددة .فإذا تحدثنا مثالً عن الماء ،فسنجد
أنه يشكل ليس فقط غذاء بالنسبة لجميع الكائنات الحية ولكن كذلك وسطا ً للحياة
وعنصرا ً لتركيب األجسام ووسيلة نقل داخل هذه األجسام وعامالً لتنظيم درجة
الحرارة بها ،الخ .وما يقال عن الماء ،يقال كذلك عن الهواء الذي تشكل غازاته من
أكسجين وهيدروجين وأزوت وثاني أكسيد الكربون ،إلخ ،غذاء للحيوانات والنباتات.
غير أن هذه الغازات تدخل كذلك في تركيب المادتين العضوية والمعدنية اللتين هما
أساس الحياة .وفضالً عن هذا ،فإن الهواء يحمل الطيور وتعيش به العديد من
الكائنات الحية الدقيقة كما يشكل عامالً أساسا ً في استقرار الضغط الذي يمارس على
الحيوانات والنباتات التي تحيا فوق سطح األرض.
37
وهكذا ،فإذا كان الماء والهواء كائنين غير حيين ،فإن الغايات التي تتحقق من
خاللهما تؤدي إلى تحقيق غاية واحدة أال وهي استمرار الحياة .وبصفة عامة ،فإن
الغايات التي تتحقق من خالل الكائنات الحية و غير الحية متعددة ،ومتنوعة،
ومتداخلة ومرتبطة بعضها ببعض .لكنها رغم تعددها وتنوعها وتداخلها وترابطها
تسعى في آخر المطاف إلى غاية نهائية واحدة أال وهي وحدة الكون وتوازنه
واستمرار الحياة به ألداء رسالة العبودية الخالصة هلل.
وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم من خالل العديد من اآليات نذكر منها على سبيل
المثال :
ح ِب َح ْم ِد ِه
يه َّن وإن من
س ْب ُع
ب ًّ ًِ ُ
ٍّ
ُ
شيء إال يُ َ
س ِبّ ُح له السمواتُ ال َّ
{ تُ َ
س ّ
واألرض ومن فِ ِ
س ِبي َح ُهم إنه كان حليما َ
غفُورا } (سورة اإلسراء :اآلية .)44
ولكن ال ت ْفقَهون ت َ ْ
س ُرون
ت
{ وله َم ْن في السموا ِ
ستَحْ ِ
ست َ ْك ِب ُرون عن ِع َباد ِته وال َي ْ
واألرض ومن عنده ال َي ْ
ِ
والنهار ال َي ْفت َ ُرون } (سورة األنبياء :اآليتان .)19-20
س ِبّ ُحون اللي َل
يُ َ
َ
ت َو ْ
{ أل ْم ت َ َر َّ
والقمر والنجو ُم
والشمس
األرض
من في
س ُجدُ له َم ْن في السموا ِ
أن هللا يَ ْ
ِ
ُ
ُ
وكثير من الناس } (سورة الحج :اآلية .)18
َّواب
والجبا ُل
والشجر والد ُ
ٌ
ُ
ع ِل َم صالته
ت ُك ّل قد َ
واألرض
ت
والطير صافا ٍّ
س ِبّ ُح له َم ْن في السموا ِ
{ أل ْم ت َ َر أ َ َّن هللا يُ َ
ِ
ُ
سبِي َحهُ وهللا علي ٌم بما يفعلون } (سورة النور :اآلية .)41
َوت َ ْ
والقمر ك ّل يَجْ ري ألج ٍّل
مس
{ يُو ِل ُج الليل في النهار ويُو ِل ُج
النهار في اللي ِل و َ
َ
س َّخ َر الش َ
َ
س َّمى } (سورة فاطر :اآلية .)13
ُم َ
ِير العزيز العليم } (سورة يس :اآلية .)38
{
والشمس تَجْ ري ِل ُم ْ
ستَقَ ٍّ ّر لها ذلك ت َ ْقد ُ
ُ
باطال } (سورة ص :اآلية .)27
{ وما َخلَ ْقنَا السما َء
َ
واألرض وما بينهما ِ
دان } (سورة الرحمن :اآلية .)6
{ والنج ُم
والشجر َي ْ
ُ
س ُج ِ
38
فما هي عالقة هذه اآليات الكريمة بمفهوم الغائية؟ إن هذه العالقة تشير إليها اآليات
التي تتحدث عن التسبيح والسجود .والتسبيح والسجود معناهما هنا طاعة خالق هذا
الكون وخضوع كائناته له من خالل ما أنيط بها من مهمات .وقد سبق وأن أشرنا إلى
الكائنات الحية عندما تكون منهمكة في البحث والحصول على قوتها ،فإنها في نفس
الوقت تقوم بمهام تساهم بواسطتها في استمرار الحياة .كما أشرنا كذلك إلى أن هذه
المهام رغم تعددها وتنوعها ،فإنها تؤدي في نهاية المطاف إلى استمرار وحدة الكون
وتوازنه .يقول سبحانه وتعالى :
فيهن ْ
س ِبّ ُح بِ َح ْم ِد ِه ولكن
س ْب ُع
ُ
وإن من شيء إال يُ َ
س ِبّ ُح له السمواتُ ال َّ
{ تُ َ
واألرض ومن ِ
سبي َح ُهم إنه كان حليما َ
غفورا } (سورة اإلسراء :اآلية .)44
ال ت ْفقَهون ت َ ْ
فعندما يقول سبحانه وتعالى { :وإن من شيء إال يسبح بحمده } ،فهذا معناه أن أي
كائن حيا ً كان أم جمادا ً قد أناط هللا به مهمة تساهم بكيفية أو أخرى في وحدة وتوازن
هذا الكون .غير أن اإلنسان بنظرته األنانية للبيئة لم يعط أهمية للمعنى السامي
والروحي للتسبيح ،بل صب كل اهتمامه على ما يمكنه أن يجنيه من نفع للكائنات
ناسيا ً أن وراء هذا التسبيح غاية سامية تتمثل في احترام ما أناطه هللا من مهام
بمخلوقاته كافة .يقول سبحانه وتعالى في نفس اآلية { :لكن ال تفقهون تسبيحهم }
أي أن العباد ،عوض أن يتمعنوا في وحدة الكون وفي تناسقه وتناغمه ،أعماهم
طموحهم للسيطرة على البيئة لالستفادة من جوانبها المادية متجاهلين النهج والنظام
اللذين بثهما هللا في هذا الكون من خالل كائناته المتنوعة .يقول سبحانه وتعالى :
{ أَلَ ْم ت َ َر َّ
والقمر والنجو ُم
س ُجدُ له َم ْن في السموات ومن في األرض والشمس
أن هللا يَ ْ
ُ
ب } (سورة الحج
الناس
وكـثير من
اب
والجـبا ُل
وكثير ح َّ
ِ
ق عليه ال َعذَا ُ ُ
والشـجر والـد ََّو ُ
ٌ
ٌ
ُ
:اآلية .)18
إن دلت هذه اآلية على شيء ،فإنما تدل على أن الناس صنفان .صنف يحترم غايات
الكون والنظام الذي سنه فيه سبحانه وتعالى من خالل المخلوقات ،وصنف يتجاوز
39
النهج اإللهي ويحاول أن يطغى ولو أدى ذلك إلى الخراب والدمار .وفي حق هذا
الصنف الثاني من الناس ،يقول سبحانه وتعالى { :وكثير حق عليه العذاب }.
وحينما يقول سبحانه وتعالى { :وال تعثوا في األرض مفسدين } ،فإن هللا يوصي
عباده بأن يحافظوا على نظام البيئة وذلك باحترامهم لمكونات هذه البيئة لتقوم بالمهام
التي أنيطت بها.
يقــول سبحانـه وتعالــى { :وما خلقنـا السمـاء واألرض ومـا بينهمـا باطـال } (سورة
ص :اآلية )27أي أن هللا عندما خلق الكون ،لم يترك أي شيء للصدفة تتحكم فيه.
بل إن هللا سن لمخلوقاته نهجا ً تسيـر عليه وتعمـل وتؤدي مهامها بموجـبه .هذا هو
ما يشيـر إليه سبحـانه وتعالـى بقوله ُ { :ك ٌّل قـد علـم صالتـه وتسبيحـه وهللا عليم بمـا
يفعلـون } (سورة النور :اآلية .)41
إن مفهوم الغائية الذي توصل إليه المفكرون حديثا ً لم يأت في الحقيقة بجديد .إنه فقط
أكد ما نص عليه القرآن الكريم منذ عدة قرون .فحينما يقول هؤالء المفكرون أن أي
كائن حي له في حد ذاته قيمة ،فهذا اعتراف بأن هذا الكائن لم يخلق عبثاً ،وبالتالي،
فاإلنسان مطالب بأن يحترم هذه القيمة من خالل هذا الكائن ،الشيء الذي يحتم عليه
بصفة عامة أن يغير تعامله مع البيئة.
وما أتى به الفكر المعاصر من مفاهيم أكده وال يزال يؤكده العلم بواسطة المالحظة
والتجريب .واألمثلة هنا كثيرة ومتعددة تخص الجراد والنحل والنمل والطيور
واألسماك والثدييات ،الخ.
من المعروف أن العديد من الحيوانات تهاجر من مكان إلى آخر إما من أجل التوالد
وإما من أجل البحث عن أماكن يتوفر فيها ما تحتاج إليه من غذاء .فإذا كان سبب
الهجرة الواضح هو البحث عن غذاء أو عن أماكن للتوالد ،فهناك أسباب أخرى غير
واضحة للعيان تدفع هذه المخلوقات إلى الهجرة .وإن لم يكن هناك أسباب أخرى غير
األسباب الواضحة ،فكيف يمكن تفسير الرغبة القوية التي تنتاب هذه الحيوانات عندما
40
يحل موعد الهجرة .وكيف يمكن تفسير المشاق التي تتكبدها هذه الحيوانات وهي في
طريقها إلى مكان الهجرة ولو كان ذلك على حساب حياة العديد منها.
إن البحث عن القوت وعن أماكن للتوالد أسباب غريزية ال نقاش فيها .لكن يجب أن ال
يغيب عن األذهان أن الطيور عندما تهاجر من قارة إلى أخرى ،فإنها تساهم بكيفية أو
بأخرى في استمرار دورة الحياة .فإذا تعلق األمر مثالً بالطيور ،فمن المعروف أن
منها من يتغذى على البذور والثمار ،ومنها من يتغذى على الحشرات والضفادع
والفئران واألسماك ،الخ .فإذا عرفنا أن هذا النوع من األغذية يكون متوفرا ً بكثرة في
األماكن المهاجر إليها ،فإن وجود الطيور المهاجرة في تلك المناطق يمكن تفسيره
بدافع البحث عن القوت ولكن كذلك بمساهمتها في الحفاظ على التوازن الطبيعي.
بالفعل ،إن الحشرات والضفادع والفئران ،الخ ،حيوانات تتوالد بكثرة .فإذا لم يوضع
حد لتكاثرها ،فإنها تغزو األوساط وتأتي على ما فيها من حياة ،الشيء الذي يؤدي إلى
اختالالت في التوازنات الطبيعية .ولهذا ،فإن هجرة الطيور إلى مناطق معينة في
فترات معينة تساهم في استقرار أعداد بعض األنواع من الحيوانات في مستويات
معينة.
و كيفما كـان الحـال وكمـا جـاء في قولـه تعالـى { :كل قد علم صالته وتسبيحه }
(سورة النور :اآلية ،)41فإن أي كائن حي وجد في هذا الكون إال وأنيطت به مهمة
أو مهام وحينما يكون منهمكا في أداء هذه المهام ،فإنه يخضع للنهج الذي سن عليه
الخالق هذا الكون .وهذا هو التسبيح والسجود والصالة التي أشار إليه الحق سبحانه
وتعالى في اآليات الكريمة سالفة الذكر.
غير أنه يبدو أن اإلنسان بصفة عامة واإلنسان المعاصر بصفة خاصة قد نسي أو
تناسى أنه مطالب هو اآلخر كباقي المخلوقات أن يسبح ويسجد ويصلي للخالق وذلك
بأداء المهام التي أنيطت به ككائن استخلفه هللا في األرض ليؤكد معنى خـلقه وغـاية
وجوده في الكون بدليل قوله تعالى { :وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون } (سورة
41
الذاريات :اآلية .)56فعوض أن يسير في النهج الذي رسمه هللا سبحانه وتعالى،
فإنه فصل نفسه عن البيئة وأراد أن يسيطر عليها .إن اإلنسان بعمله هذا يسيء
لوحدة الكون التي من أجلها سبحت وتسبح هلل كل مخلوقات هذا الكون.
وحينما ركز الفالسفة والعلماء البيئيون على مفهوم الغائية ،فإنهم لم يفعلوا شيئا ً
جديدا ً سوى أنهم حاولوا أن يعيدوا اإلنسان إلى ما بينه هللا لعباده البشر منذ عدة
قرون.
.3.6مفهوم حماية البيئة :
إن مفهوم حماية البيئة حديث العهد حيث تم إدخاله في قاموس المعرفة البيئية خالل
أواخر النصف األول من القرن العشرين .فال غرابة إذا اقترن ظهور هذا المفهوم
بالفترة التي بدأت فيها المجتمعات المعاصرة وخصوصا في الدول المصنعة تعي ما
ألحقته تصرفاتها وأنشطتها الصناعية من أضرار بالبيئة.
بالفعل ،إن اإلنسان بما أدخله من تغييرات ضخمة على النظم البيئية تجاوز إلى حد
كبير الفطرة التي خلق هللا عليها هذه األرض ،وبالتالي ،لم تعد هذه األخيرة في أكثر
من مكان قادرة على استيعاب هذه التغييرات .فإذا أبدى اإلنسان بعض االستعداد
إلصالح ما أفسده ،ففي غالب األحيان ،يبقى هذا االستعداد على مستوى النوايا وليس
على مستوى األفعال.
فكيف لإلنسان أن يصلح ما أفسده في البيئة ونظرته األنانية لهذه البيئة لم تتغير في
شيء؟ فال يزال اإلنسان يطمح إلى السيطرة على البيئة وال يزال يستغل مواردها
استغالال غير عقالني وال يزال يستعمل التكنولوجيات المتناقضة مع نواياه اإلصالحية
وال يزال يطمح إلى تحقيق أعلى المستويات في التقدم االقتصادي المادي المبني
على اإلنتاج واالستهالك الالمحدود ين .بل ال يزال يفصل نفسه عن البيئة طمعا ً في
إخضاعها بواسطة العلم والتكنولوجيا لرغباته اإلنمائية.
42
إن اإلنسان رغم النداءات المتتالية واآلتية من جميع أنحاء المعمور ،ال يزال يتعامل
مع البيئة حسب نظرته األنانية وتفكيره المخطئ الذي يفرز تصرفات مضرة بالبيئة.
وخير دليل على ذلك ،عدم تحقق كامل أهداف قمة األرض الثانية التي انعقدت
بنيويورك خالل شهر يونيو سنة 1997والتقدم البطيء الذي تعرفه االتفاقيات الثالث
التي انبثقت عن قمة األرض األولى التي انعقدت بريو سنة 1992والتي تتعلق بتغيير
المناخ والتنوع البيولوجي والتصحر .إن مفهوم حماية البيئة سوف لن يكتب له
النجاح ما دام اإلنسان المعاصر متشبثا ً بنظرته األنانية للبيئة وما يترتب عنها من
أنماط غير عقالنية الستغالل الموارد ولبناء االقتصاد والمستوطنات البشرية
والمنشآت الصناعية.
إن خروج مفهوم حماية البيئة إلى حيز التطبيق يقتضي أن يغير اإلنسان نظرته للبيئة
وأن يعود إلى الصواب الذي رسمه له هللا في كتابه العزيز .يقول سبحانه وتعالى :
سبُالً لعلكم تهتدون } (سورة الزخرف :
{ الذي جعل لكم
َ
األرض َمهْدا ً وجعل لكم فيها ُ
اآلية .)10
لقد آن األوان ليسلك اإلنسان السبل التي رسمها له هللا والمتمثلة في استعمال العلم
استعماال ً يليق وما يتطلبه النهج البيئي السليم .في هذه الحالة ،يكون اإلنسان قد خطا
خطوات نحو التطبيق الفعلي لحماية البيئة.
وفضالً عن كل هذا ،فإذا شعر اإلنسان المعاصر بضرورة حماية البيئة يجب أن ال
يعني هذا أنه في الماضي وفي القرون السابقة لم يكن مطالبا ً بالقيام بهذه المهمة .بل
بالعكس ،إن مفهوم حماية البيئة مرتبط بوجود اإلنسان على سطح األرض وذلك ألن
هللا ،من جهة ،استخلفه في هذه األرض ،ومن جهة أخرى ،ألن اإلنسان هو أكثر
المخلوقات توغالً في البيئة واستغالال ً لمواردها .فإذا كان اإلنسان المعاصر مطالبا ً بأن
يحمي بيئته أكثر من أي وقت مضي ،فإن هذه الحماية واجب مالزم لوجود اإلنسان.
43
إن هذا اللزوم وارد في القرآن الكريـم غير ما مرة .فحينما يقـول سبحانـه وتعـالى { :
وهللا ال يحب المفسدين } (سورة المائدة :اآلية )64أو { وال تسرفوا إنه ال يحب
المسرفين } (سورة األنعام :اآلية )141أو { وال تفسدوا في األرض بعد إصالحها }
(سورة األعراف :اآلية ،)85فإنه يدعو اإلنسان إلى أن يتجنب الفساد واإلسراف
ألنهما عامالن من عوامل تخريب البيئة وتدميرها ،وبالتالي ،فإن هللا يدعو هذا
اإلنسان بصفة غير مباشرة إلى أن يحمي هذه البيئة ويحافظ عليها.
واآليات التي تشير إلى وجوب حماية البيئة من طرف اإلنسان كثيرة نذكر منها على
سبيل المثال :
{ يا أيها الذين آمنوا ُكلُوا من َ
ت ما َر ْزقناكم واشْكروا ِ َّّلِل ِإ ْن ُك ْنتُم ِإيَّاهُ ت َ ْعبُدُون }
ط ِيّبا ِ
(سورة البقرة :اآلية .)172
َ
صوها َّ
اإلنسان لظلو ٌم كَفار }
إن
{ وآتاكم من ك ِ ّل ما سأ ْلت ُ ُم ُوه و ِإ ْن تَعُدُّوا ِن ْع َمةَ هللا ال تحْ ُ
(سورة إبراهيم :اآلية .)34
سيمون يُ ْن ِبتُ لكم به
شراب ومنه
السماء ما ًء لكم منه
{ هو الذي أ ْن َز َل ِم َن
شجر فيه ت ُ ِ
ِ
ٌ
ٌ
َّ
َ
ت إِ َّن في ذلك آليةً لقوم يتفكَّرون }
والزيتون والنخي َل
ع
الز ْر َ
واألعناب ومن ك ِ ّل الثمرا ِ
َ
(سورة النحل :اآليتان )10-11
س َّخ َر
{ وما ذَ َرأ َ لكم في
األرض ُم ْخت َ ِلفا ً أ َ ْلواُنهُ إِ َّن في ذلك آليةً لقوم يَذَّك َُّرون وهو الذي َ
ِ
اخ َر فيه
سونَها وتَرى الفُ ْلكَ َم َو ِ
البحر لتأكلوا منه لَحْ ما ً طريا ً وت َ ْ
ست َ ْخ ِر ُجوا منه ِح ْليَةً ت َ ْلبَ ُ
سي أ َ ْن ت َ ِميدَ بِكُم وأ َ ْنهارا ً
و ِلت َ ْبتَغُوا ِم ْن فَ ْ
ض ِل ِه ولعلَّكم ت َ ْ
شكُرون وأ ْلقَى في
األرض َر َوا ِ
ِ
سبُالً لعلَّكم ت َ ْهتَدُون } (سورة النحل :اآليات .)13-14-15
و ُ
سكَرا ً ْ
ب تَت َّ ِخ َ
سنا ً ِإ َّن في ذلك آليةً لقوم
{ ومن ثمرا ِ
ورزقا ً َح َ
ذون منه َ
ت النَّخي ِل واألعنا ِ
يعقلون } (سورة النحل :اآلية .)67
44
س َرابِي َل ت َ ِقيكُم
{ وهللا جعل لكم مما َخ َلقَ ِظالال ً وجعل لكم من الجبا ِل أ ْكنَانا ً وجعل لكم َ
س ِل ُمون } (سورة النحل :
سكُم كذلك يُتِ ُّم ِن ْع َمتَهُ عليكم لعلَّكم ت ُ ْ
سرابِي َل ت َ ِقيكُم َبأ ْ َ
ال َح َّر و َ
اآلية .)81
وارعَوا أ َ ْنعا َمكُم إن في ذلك آليةً ألولي النُّهى } (سورة طه :اآلية .)54
{ ُكلُوا ْ
السماء ما ًء َ
س ِق َيهُ مما َخلَ ْق َنا أ ْنعاما ً
{ وأ ْن َز ْل َنا ِم َن
ي به َب ْلدَةً َم ْي ًِتا ً ونُ ْ
ِ
طهورا ِلنُحْ ِي َ
الناس إال ُكفُورا ً } (سورة الفرقان
أكثر
ي كثيرا ً ولقد َ
وأنا ِ
ِ
ص َّر ْفنَاهُ بين ُهم ِل َيذَّكَّروا فأ َبى ُ
س َّ
:اآليات )48-49-50
زوج كريم إن في ذلك آليةًّ وما كان
أولَ ْم يَ َروا إلى
األرض كم أ َ ْنبَتْنا فيها من ك ِ ّل ْ
ِ
{ َ
ؤمنين } (سورة الشعراء :اآليتان .)7-8
أكثر ُهم ُم ِ
ُ
ْص َرةً و ِذ ْكرى
{
َ
واألرض َمدَ ْدنَاها وأ ْل َق ْينَا فيها روا ِ
بهيج تَب ِ
س َ
ٍّ
ي وأ َ ْن َبتْنَا فيها من ك ِ ّل زوجٍّ
ب } (سورة ق :اآليتان .)7-8
لك ِ ّل َ
ع ْب ٍّد ُمني ٍّ
إن هذه اآليات الكريمة تشير كلها إلى ما أنعم هللا به من خيرات ومنافع على اإلنسان.
والمالحظ أنها كلها تنتهي بعدة صيغ تنبه اإلنسان من غفلته حيث يقول سبحانه
وتعالى :
ـ { إن كنتم إياه تعبدون }
ـ { إن اإلنسان لظلوم كفار }
ـ { إن في ذلك آلية لقوم يتفكرون }
ـ { إن في ذلك آلية لقوم يتذكرون }
ـ { ولعلكم تشكرون }
ـ { لعلكم تهتدون }
45
ـ { إن في ذلك آليات لقوم يعقلون }
ـ { لعلكم تسلمون }
ـ { إن في ذلك آليات ألولي النهى }
ـ { فأبى أكثر الناس إال كفورا }
ـ { إن في ذلك آلية وما كان أكثرهم مؤمنين }
ـ { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب }.
دل هذا على أن هللا سبحانه وتعالى وهب لعباده كل ما هم في حاجة إليه من خيرات
وأنعام ومنافع .وعندما ينهي آياته القرآنية بالتنبيه ،فإنه في الحقيقة يدعوهم إلى أن
يعترفوا بهذه النعم بتسبيحه وحمده وذلك بالقيام بمهامهم كمستخلفين في األرض.
ومن ضمن هذه المهام ،أمانة المحافظة على البيئة وضمان استمرار ثرواتها.
إن التنبيهات التي ينهي بها هللا بها سبحانه وتعالى اآليات سالفة الذكر هي نداء
لإلنسان بأن يكون في مستوى النعم التي حباه هللا إياها .فإذا عبد الناس هللا وتفكروا
وتذكروا وشكروا واهتدوا وعقلوا وأسلموا وكانوا من أهل النهى وآمنوا وتبصروا
وأنابوا ،فسيدركون أن عليهم حق صيانة وحماية البيئة التي من فضلها يأكلون
وينتفعون.
لكن اإلنسان المعاصر أراد أن يأكل وينتفع ويستفيد دون أن يؤدي مهامه كمستخلف
في األرض ناسيا ً أن استخالفه هذا أمانة وليس ترخيصا ً للتصرف المطلق وغير
العقالني في الخيرات واألنعام والمنافع.
46
إن هللا حين منح لعباده خيرات األرض ومنافعها ،فقد خول لهم فقط حق االنتفاع،
وحق االنتفاع هذا يحتم على المنتفع كلما حصل على نفع أن يصون مصدر االنتفاع
ويحافظ عليه ليستفيد منه في الحاضر والمستقبل.
يقول هللا سبحانه وتعالى :
أرساها َمتاعا ً لكم
{
َ
واألرض بعد ذلك دَحاها أ َ ْخ َر َج منها ما َءها و َم ْرعاها والجبا َل ْ
امكُم } (سورة النازعات :اآليات .)30-33
وأل ْن َع ِ
{ فَ ْليَ ْن ُ
األرض شقَّا فَأ َ ْن َبتْنا فيها
شقَ ْقنَا
ظر اإلنسا ُن إلى
صبَ ْب َنا الما َء صبًا ثم َ
َ
طعام ِه أنَّا َ
ِ
ضبا ً وزيتونا ً ونَ ْخالً وحدائقَ ُ
حبا ً و ِعنَبا ً وقَ ْ
غ ْلبا ً وفاكهةً وأبًّا َمتاعًا لكم وألنعامكم }
(سورة عبس :اآليات .)24-32
فعندما يقول سبحانه وتعالى { :متاعا لكم وألنعامكم } فهذا هو حق االنتفاع الذي هو
أمانة في عنق اإلنسان عليه أن يحافظ عليها ويضمن انتقالها من جيل إلى آخر.
فحينما نقول من جيل آلخر ،فهذا ال يعني أن هذا الحق يخص فقط أجيال البشر .بل إنه
يخص أجيال الكائنات الحية بجميع أنواعها.
يقول سبحانه وتعالى :
{ وما من دابة في األرض وال طائر يطير بجناحيه إال أمم أمثالكم } (سورة األنعام :
اآلية .)38
وهذا يعني أن جميع الكائنات الحية لها حق االنتفاع من خيرات األرض .غير أن هذا
الحق لن يكون ممكنا ً إال إذا أدى اإلنسان األمانة المتمثلة في ضمان انتقال االنتفاع
عبر العصور واألجيال ،الشيء الذي يعني أن على هذا اإلنسان بذل المزيد من الجهود
لحماية وصيانة مصادر االنتفاع.
47
وهكذا ،فإذا شعر اإلنسان المعاصر بضرورة حماية مصادر انتفاعه من البيئة ،فإنه لم
يفعل إال ما أمره هللا به منذ أن وجد على سطح األرض.
نحو مبادئ عامة لتبني تنمية شاملة مستدامة ذات توجه إسالمي
من خالل ما سبق ،يتضح أن كل ما جاء به الفكر البيئي المعاصر من مفاهيم لتغيير
نظرة اإلنسان للبيئة قد أشار إليها القرآن الكريم من خالل العديد من آياته المجيدة،
سواء تعلق األمر بمفاهيم شمولية البيئة والتوازن ومحدودية الموارد وتنوع الحياة
والغائية أو حماية البيئة.
إن دل هذا على شيء ،فإنما يدل على أن هللا عز وجل بين لعباده في كتابه العزيز
التوجهات الكبرى والمبادئ األساسية العامة التي عليهم أن يتبعوها لتنظيم تعاملهم
مع البيئة .وهذا يعني أنه سبحانه وتعالى وضع اإلطار العام الذي يجب أن تنبثق منه
تصرفات اإلنسان داخل البيئة وتصب فيه .وحينما نقول إن هللا رسم لعباده التوجهات
الكبرى والمبادئ األساس ،يجب أن ال َيعُدَّ هذا بمثابة تقييد أليدي اإلنسان .بل العكس،
إن هللا ترك لعباده حرية التصرف ولكن على أن يبقى هذا التصرف فيما رسمه هللا من
حدود.
يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :
{ وما ِمن َ
َ
ب ُمبِين َّ
ص على بني
إن هذا
السماء
غائِبَ ٍّة في
القرآن َيقُ ُّ
ِ
ِ
واألرض إال في ِكتَا ٍّ
دى ورحمةً للمومنين } (سورة النمل :
إسرائيل
َ
أكثر الذي ُه ْم فيه يَ ْخت َ ِلفون وإنه َل ُه ً
اآليات .)75-76-77
إن القرآن الكريم ليس كتابا ً في علم البيئة لكنه يشكل المنبع األول واألخير الذي يجب
أن يبنى عليه هذا العلم .والدليل على ذلك أن كل ما توصل إليه العلماء والمفكرون
والفالسفة البيئيون المعاصرون من أفكار ومفاهيم متضمن بكيفية أو بإخرى في
القرآن الكريم .وهذا خير دليل على أن كتاب هللا هو أحسن منطلق وسند يمكن
48
االعتماد عليه لوضع أسس إسالمية لتنمية مستدامة هادفة .من أجل هذا ،يكفي
التمعن في اآليات الكريمة العديدة سالفة الذكر .لقد تطرقت هذه اآليات لجميع القضايا
والمفاهيم البيئية التي تشغل حاليا ً بال المجتمع البشري والمفكرين المعاصرين.
وهكذا ،فإن كل مفهوم تم تفسيره من خالل آيات القرآن الكريم يقابله مبدأ أساس عام
يمكن استنباطه من نفس اآليات .فمفهوم شمولية البيئة يقابله مبدأ وحدة الكون،
ومفهوم التوازن يقابله مبدأ الميزان ،ومفهوم محدودية الموارد يقابله مبدأ المقدار،
ومفهوم تنوع الحياة يقابله مبدأ تنوع الخلق ،ومفهوم الغائية يقابله مبدأ التسبيح،
ومفهوم حماية البيئة يقابله مبدأ حراسة األرض .هذه المبادئ التي تم استنباطها من
الذكر الحكيم والتي يمكن أن تكون أساسا ً لتنمية مستدامة ذات توجه إسالمي.
والمقصود هنا بالتنمية المستدامة ذات التوجه االسالمي ال يعني أن لإلسالم تنمية
مستدامة خاصة به أو أنه يرفض مفهوم التنمية المستدامة كما هو متعارف عليه
اليوم .بل المقصود هو أن اإلسالم له رؤية فعالة ومتميزة في هذا المجال.
.4.1المبدأ العام األول :وحدة الكون :
كما سبق الذكر ،إن العديد من آيات القرآن الكريم تشير إلى وحدة الكون الذي هو
صنع خالق واحد .وهذا معناه أن هذا الكون من صنع هذا الخالق الواحد ،أي أن
عناصره متداخلة ومتشابكة .واإلنسان الذي هو من خلق هللا ال يمكن أن يستثنى من
هذه الوحدة .فعندما يشير سبحانه وتعالى للخلق ،فإنه يشير إليه من خالل السموات
واألرض وما بينهما .وهذا يعني أن الخلق عبارة عن وحدة متكاملة ومتناسقة تعمل
حسب نسق متوازن .يقول سبحانه وتعالى :
{ ما خلقنا السموات واألرض وما بينهما إال بالحق وأجل مسمى } (سورة االحقاف :
اآلية .)3
إن تبني مفهوم الشمولية أصبح في الوقت الراهن هدفا ً رئيسا ً يسعى إلى تحقيقه الفكر
العلمي بصفة عامة والفكر البيئي بصفة خاصة .وفي هذا الصدد ،ال بد من اإلشارة
49
إلى أن مفهوم التنمية المستدامة ال معنى له إذا لم يكن مقترنا ً على أرض الواقع
بشمولية المعرفة .إن هذه الشمولية أحد المبادئ التي يرتكز عليها مفهوم التنمية
المستدامة كما هو متعارف عليه اليوم .والمقصود هنا بشمولية المعرفة هو تكاملها
لتبرز من خاللها وحدة البيئة والترابط القائم بين مكوناتها .ولتكون المعرفة البيئية
شمولية ،أوصى مؤتمر تبيليسي ومن بعده مؤتمرات أخرى على أن تقارب هذه
المعرفة حسب ثالثة اتجاهات :
ـ إما أن تبقى التخصصات العلمية قائمة بذاتها وتستخرج منها المعارف لتكوين نظرة
شمولية عن البيئة ،وهو ما يسمى بتعدد التخصصات Multidisciplinarité
ـ إما أن تبقى التخصصات العلمية قائمة بذاتها على أن تقام بينها جسور تمكن من
تكاملها ،وبالتالي ،الخروج بنظرة شمولية عن البيئة وهو ما أطلق عليه اسم تكامل
المعرفة Interdisciplinarité
ـ إما أن تختفي الحواجز الفاصلة بين التخصصات للوصول إلى وحدة المعرفة ،أي إلى
ما يسمى بالعلم البيئي ( )Science environnementaleوليس إلى العلوم
البيئية )Sciences environnementalesكما هو الشأن اآلن .يسمى هذا
التوجه المقاربة الفكرية الشمولية Transdisciplinarité
فإذا كانت المقاربة األولى سارية المفعول ومعموال ً بها ،فإن الثانية صعبة التطبيق
نظرا لل حواجز القائمة بين التخصصات العلمية .أما الثالثة ،فال مجال لتطبيقها ألن
ً
الفكر العلمي المعاصر مبني أساسا ً على تجزيء الواقع إلى وحدات مستقلة و حيث
تقتضي أن ينظر إلى البيئة ككل متكامل ال يقبل التقسيم.
إن ما يثير االنتباه هنا هو أن وحدة المعرفة التي أشار إليها المفكرون البيئيون
المعاصرون وأوصوا بتبنيها مشار إليها في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي
الشريف .بالفعل ،إن كلمة "علم" استعملت دائما ً في القرآن الكريم وفي السنة في
صيغتها المفردة "علم" وال أثر فيهما لجمعها "علوم".
50
وهكذا ،فإذا أشار القرآن الكريم إلى وحدة الكون أي إلى شمولية البيئة ،فإنه أشار
كذلك إلى وحدة المعرفة ،وهذا يعني أن المقاربة الفكرية الشمولية
Transdisciplinaritéالتي حث عليها المفكرون البيئيون المعاصرون للتعامل
مع البيئة متضمنة في القرآن الكريم.
فعندما تم اختيار مبدأ "وحدة الكون" كأول مبدأ للتنمية المستدامة ذات التوجه
اإلسالمي ،فهذا يعني أن اإلنسان عندما يريد أن يتعامل مع البيئة ،عليه أن يعتبرها
كوحدة مترابطة األجزاء .وحتى وإن جزأها على مستوى التفكير ليتعرف عليها ،فعمله
داخلها يجب أن يكون متطابقا ً مع الشمولية ومبنيا ً على احترامها.
.4.2المبدأ العام الثاني :الميزان :
المقصود بالميزان هو ذلك الوضع الوسط الذي يسود بين مكونات الكون والذي
بفضله تعمل وتتفاعل هذه المكونات وتقوم بينها عالقات متوازنة .الميزان هو تفادي
اإلسراف واإلفراط والتجاوز في التعامل مع البيئة .لقد بينا كما سبق الذكر ،أنه ال
سبيل لل حياة إذا لم يكن هناك توازن في نظام الترابط البيئي .فإذا تغاضى اإلنسان عن
وحدة الكون وتجاوز الفطرة وتخلى عن أمانة االستخالف ،فإنه يخل بالميزان الذي
جعله هللا كضامن الستمرار الحياة في هذا الكون .والميزان هنا ال يجب أن يدركه
الناس فقط بمعنى وزن األشياء المادية .فكل نشاط أو فعل يقوم بهما اإلنسان للتعامل
مع البيئة يجب أن يكونا موزونين ليتالءما مع هذه البيئة.
يقول سبحانه وتعالى :
والميزان } (سورة الشورى :اآلية .)17
{ هللا الذي أ ْن َز َل
ق ِ
َ
الكتاب بال َح ّ ِ
.4.3المبدأ العام الثالث :المقدار :
يقول سبحانه وتعالى :
51
شيء َخ َل ْقناه بِ َقدَر } (سورة القمر :اآلية .)49
{ إنَّا ك َّل
ٍّ
أي أن هللا عز وجل عندما خلق مكونات الكون ،راعى في خلقها الكم والكيف ضمانا ً
للتوازن والتناسق .وهذا يعني أن هذه المكونات تتواجد في البيئة حسب كميات
متفاوتة وأشكال مختلفة .فعندما ننزل مثالً إلى البحر ،فإننا نالحظ وجود عشرات
األشكال من الحياة التي ال ترى بالعين المجردة .ما كان لهذه األشكال أن تتساكن
وتستمر في الحياة لو لم تقم بينها عالقات متناسقة ومتوازنة .وهنا ال بد من اإلشارة
إلى أن الكم والكيف يلعبان دورا ً حاسما ً في استمرار هذا التوازن .فإذا احتوى مثالً
ماء البحر على كميات هائلة وضخمة من العلق النباتي ،فذلك راجع لكون هذا العلق
من جهة يشكل أول غذاء للعديد من الكائنات الحيوانية مرئية وغير مرئية التي تشكل
بدورها مصدرا ً غذائيا ً لكائنات أخرى وهكذا .ومن جهة أخرى ،فإن العلق البحري
النباتي يعتبر كذلك أول مزود للهواء باألكسجين بعد المساحات الخضراء البرية.
وهكذا ،فإن تفاوت الكم بين مكونات البيئة يلعب دورا ً في الحفاظ على توازنها ،فحينما
يقول الحق سبحانه وتعالى { :وكل شيء عنده بمقدار } (سورة الرعد :اآلية ،)8
فهذه إشارة إلى أن األشياء لم تخلق عبثا ً وأن الكم يلعب دورا ً في تماسكها وتناسقها.
.4.4المبدأ العام الرابع :تنوع الخلق :
كما سبقت اإلشارة إلى ذلك ،كلما تنوعت أشكال الحياة ،كلما كانت للنظم البيئية قدرة
عالية لمقاومة التغييرات التي تحدث بها طبيعيا ً أو من جراء تدخل اإلنسان .وهذا
يعني أن تنوع الخلق وسيلة للحفاظ على وضع هذه النظم البيئية الفطري ،أي على
توازنها الطبيعي .وهنا ال بد من اإلشارة إلى أن مبدأ المقدار ال يمكن فصله عن مبدأ
تنوع الخلق إذ ال توازن بيئي بدونه.
فكلما تنوع الخلق ،كلما ازدادت فرص تحقيق توازن بيئي مستمر .لقد وفر هللا سبحانه
وتعالى هذه الفرص في الكون ظاهرة وباطنة .يقول سبحانه وتعالى :
52
ْحان الذي َخلَقَ ْ
سب َ
س ِهم ومما ال يعلمون }
ب ًِتُ
ومن أ ْنفُ ِ
األرض ِ
ُ
{ ُ
األز َوا َج ُكلَّها مما ت ُ ْن ِ
(سورة يس :اآلية .)36
.4.5المبدأ العام الخامس :حراسة األرض :
عوض أن ينصب اإلنسان نفسه سيدا ً على األرض ،عليه أن يتذكر أن هللا استخلفه
عليها ليقوم بحراستها وصيانتها .والدليل على ذلك أنه فضله على الكثير من
المخلوقات وزوده بالعقل والذكاء والفطنة ليقوم بهذه المهمة أحسن قيام .عليه كذلك
أن يسخر ما أوتي من العلم ألداء مهمة االستخالف ولضمان استمرار حق االنتفاع من
خيرات األرض له ولغيره من األجيال اآلتية :غير أن هذا االستمرار يحتم عليه أن
يحرس األرض ويرعاها كما أمره هللا بذلك.
يقول سبحانه وتعالى :
األرض من بعدِهم ِلنَ ْن ُ
ظ َر كيف تعملون (سورة يونس :اآلية
ف في
ِ
{ ثم َجعلناكم َخالئِ َ
.)14
.4.6المبدأ العام السادس :التسبيح :
لقد سبق وأن وضحنا أن هللا سبحانه وتعالى أناط بمخلوقاته مهاما ً معينة .فعندما
يكون الكائن منهمكا ً في أداء هذه المهام ،فإنه في نفس الوقت ينفع نفسه وينفع
الكائنات األخرى .وعندما يؤدي الكائن مهامه ،فإنه يخضع لخالقه الذي أناطه بهذه
المهام .يقول سبحانه وتعالى :
{ وما خلقنا السماء واألرض وما بينهما العبين } (سورة األنبياء :اآلية .)16
فعلى اإلنسان أن يعي هذه الحقيقة وأن ينضم للمسبحين هلل ،وذلك ألداء مهمة
االستخالف أحسن أداء .إن التسبيح هو الخضوع هلل والخضوع هلل ال يمكن أن يكون
53
خضوعا ً إال إذا أدى إلى تطبيق ما أمره هللا به .وتطبيق أوامر هللا يقتضي أن ال يفصل
اإلنسان نفسه عن البيئة وأن ال يطغى ويستبد في تعامله معها.
وخالصة القول ،إن هذه المبادئ العامة الستة مترابطة فيما بينها واحترامها من طرف
اإلنسان عند تعامله مع البيئة يعود إلى التنمية المستدامة التي حث عليها اإلسالم
وأكدها لعمارة الكون وصالح اإلنسان.
( )1مؤتمر تم تنظيمه من طرف األمم المتحدة بستوكهولم بالسويد من 5إلى 16
يونيو 1972حول "البيئة البشرية" .وكان أول منبر عالمي يتم التطرق فيه للبعد
البشري كمكون أساس لمفهوم البيئة.
( )2مؤتمر تم عقده بمدينة تبيليسي (جورجيا ،االتحاد السوفياتي سابقاً) من طرف
منظمة اليونيسكو وبرنامج األمم المتحدة للبيئة من 14إلى 26أكتوبر 1977حول
التربية البيئية .وهو أول منبر عالمي يعطى فيه لمفهوم البيئة مضمون شمولي يأخذ
بعين االعتبار البعد البشري.
( )1تقرير نشر أوال ً باللغة اإلنجليزية تحت عنوان ""Future Our Common
ثم باللغة الفرنسية تحت عنوان "( "avenir tous Notreمستقبلنا المشترك) من
طرف اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التي تدعى كذلك لجنة برنتالند
( )Bruntland Commissionباسم الوزيرة األولى للنرويج التي كلفت من
طرف األمين العام لألمم المتحدة باإلشراف على أشغال هذه اللجنة .كانت هذه اللجنة
هي أول هيئة عالمية توصي بتبني مفهوم التنمية المستدامة.
http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Tanmoust/P4.htm
54
© Copyright 2026 Paperzz