تحميل الملف المرفق

‫دراسة عن التنمية المستدامة من منظور القيم‬
‫اإلسالمية وخصوصيات العالم اإلسالمي‬
‫_منظمة اإليسيسكو‬
‫مقدمة‬
‫منذ أن تطور اإلنسان واكتشف أهمية بعض الموارد الطبيعية كالمعادن وتعلم كيف‬
‫يربي الحيوانات ويستغلها ألغراضه الشخصية‪ ،‬ومنذ أن اكتشف النار والزراعة‪،‬‬
‫تطور كذلك تعامله مع البيئة‪ .‬وكلما تقدم في التطور‪ ،‬كلما تعقد ذلك التعامل‪ .‬فمن طور‬
‫اإلنسان المستعمل للموارد الطبيعية البسيطة وفي شكلها الخام‪ ،‬انتقل إلى طور‬
‫اإلنسان الذي أصبح يفكر في تحويلها من مادتها الخاصة إلى شكل قابل لالستعمال‪.‬‬
‫وحينما دخل اإلنسان عصر الصناعة‪ ،‬ازداد ضغطه على البيئة وأصبح يستغل مواردها‬
‫الطبيعية بشراسة وخصوصا منها الموارد الطاقية‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فاإلنسان أصبح له تأثير كبير على البيئة التي كانت فيما مضى بيئة طبيعية‬
‫وأصبحت اآلن بيئة محدثة من طرفه‪ .‬إنه يستغلها من أجل الموارد ومن أجل الطاقة‬
‫والسكن ويطرح فيها فضالته المنزلية والصناعية‪ ،‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فإنه يلوثها‪.‬‬
‫إن اإلنسان أصبح يمارس ضغوطا ً كبيرة على البيئة أدت إلى ظهور مشكالت بيئية‬
‫تختلف حجما ً وخطورة حسب درجات النمو والتطور التي وصلت إليها األمم‪.‬‬
‫ومما الشك فيه أن ج ّل هذه المشكالت ناتج عن سوء تدبير اإلنسان للبيئة بحيث لم‬
‫تعد تكتسي صبغة محلية محدودة ولكنها تفاقمت لتصبح انشغاال ً جهويا ً ودولياً‪ .‬ومن‬
‫هنا‪ ،‬أصبحت مشاكل البيئة تهم ال دوال ً محدودة‪ ،‬ولكن المجتمع البشري كله‪ ،‬نظرا ً لما‬
‫لها من تأثير على الحياة بجميع أشكالها‪ .‬فإذا كانت للدول حدود‪ ،‬فالمشكالت الناتجة‬
‫‪1‬‬
‫عن استغالل اإلنسان للبيئة تخترق هذه الحدود وقد تنتشر في أرجاء المعمور بعدة‬
‫طرق‪ .‬وهنا تجدر اإلشارة على سبيل المثال إلى المشكالت المترتبة عن تلوث األنهار‬
‫المشتركة بين الدول‪ ،‬حيث أن كل ما يصيبها من ضرر قد تكون له آثار على جميع‬
‫هذه الدول أو على بعضها‪.‬‬
‫فإذا كانت للدول حدود‪ ،‬فالجو يعلو فوق جميع القارات بحيث إذا اختل توازنه فقد‬
‫ينتشر هذا االختالل ويتعدى نطاق هذه الحدود‪ .‬فاإلنسان إذن أدخل تغييرات ضخمة‬
‫وسريعة على النظم البيئية حيث اقتحمها بمدنه وصناعاته بجميع أنواعها‪ ،‬الشيء‬
‫الذي أدى إلى نهب الموارد الطبيعية وتخريب بعض األوساط المالئمة للحياة‪.‬‬
‫وباختصار‪ ،‬إن العالم اليوم يعيش تحت وطأة مشكالت بيئية ضخمة تكتسي صبغة‬
‫كونية وعلى رأسها التغيرات المناخية المترتبة عن ظاهرة االنحباس المترتبة بدورها‬
‫عن تراكم ثاني أكسيد الكاربون في الجو الناتج عن مختلف األنشطة البشرية‬
‫الصناعية منها واالجتماعية‪.‬‬
‫وال داعي للقول إن المشكالت البيئية لها ثمن وكلما زادت حدة هذه المشكالت كلما‬
‫كان الثمن باهضا وله انعكاسات سلبية على التنمية االقتصادية واالجتماعية للبلدان‬
‫المتضررة‪ .‬ولعل أكثر البلدان تضررا ً من المشكالت البيئية الدول النامية التي ليست‬
‫لها القدرات واإلمكانيات الكافية ال على صعيد الوقاية وال على صعيد العالج‪.‬‬
‫والعالم اإلسالمي بحكم انتمائه إلى مجموعة الدول النامية تواجهه حاليا ً وستواجهه‬
‫مستقبالً تحديات كبرى لها عالقة وطيدة بالتوفيق بين البيئة والتنمية‪.‬‬
‫البيئة والتنمية في العالم اإلسالمي‪ ،‬الوضع الراهن والتحديات‬
‫‪ .1.1‬مفهـوم البيئة ‪:‬‬
‫لقد عرف مدلول مفهوم البيئة تطورا ً مع تقدم اإلنسان ومع تكاثر األنشطة التي‬
‫يمارسها على وجه األرض‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫على المستوى التاريخي‪ ،‬عرف مفهوم البيئة في مدلوله تطورا مسايرا للتعقيد الذي‬
‫اتسمت به العالقات التي يقيمها اإلنسان مع الوسط الذي يعيش فيه‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإن البيئة‬
‫كما عرفها وأدركها اإلنسان األول الذي عاش على جني الثمار والقنص ليست لها‬
‫نفس األهمية ونفس المدلول بالنسبة لإلنسان الذي اكتشف النار والفالحة والفليزات‪،‬‬
‫فباألحرى بالنسبة لإلنسان الذي أصبحت التكنولوجيا هي المحرك األساس لحياته‬
‫اليومية‪ .‬لقد أضحت البيئة مرآة للمستوى االجتماعي واالقتصادي والثقافي والعلمي‬
‫والتكنولوجي الذي وصلت إليه األمم‪.‬‬
‫وباختصار‪ ،‬إذا كانت البيئة قبل مؤتمري ستوكهولم(‪ )1‬وتبيليسي(‪ )2‬تعرف‬
‫كمجموعة تتألف من مكونات مادية غير حية‪ ،‬ومكونات حية والعالقات التي تربط بين‬
‫هذه المكونات‪ ،‬فإن نفس المفهوم عرف تطورا ً واضحاً‪ ،‬نتيجة للتغييرات الضخمة‬
‫التي أدخلها اإلنسان على التوازنات البيئية‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬إن البيئة ال يمكن أن ينظر‬
‫إليها في معزل عن الضغوط التي تمارس عليها من طرف اإلنسان‪ .‬كما ال يمكن أن‬
‫تعرف من مجرد ما يجنيه هذا األخير من فوائد من الموارد الطبيعية‪.‬‬
‫إن هذه النظرة أقل ما يقال عنها أنها أنانية تضع اإلنسان في موقع السيد المسيطر‬
‫والبيئة في موقع المستع َبد‪.‬‬
‫بالفعل‪ ،‬إن مفهوم البيئة ال معنى له إذا بتر منه واحد من أهم أبعاده األساس أال وهو‬
‫البعد البشري المتمثل في المعطيات االقتصادية واالجتماعية والثقافية والتكنولوجية‬
‫واألخالقية والدينية والجمالية‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫إن اإلنسان‪ ،‬بحكم ذكائه وتطلعه المستمر إلى مستويات عيش من حسن إلى أحسن‬
‫وخصوصا ً على الصعيد المادي‪ ،‬كان استغالله وتغييره للعديد من مظاهر البيئة‬
‫مجردين من كل نظر يمكنه من التنبؤ بكل ما يخبئه له المستقبل‪.‬‬
‫إن مفهوم البيئة يجب أن يدرك كمفهوم يتسم بالشمولية وكك ٍّ ّل غير قابل للتجزيء‪،‬‬
‫حيث يتفاعل كل بعد بيولوجيا ً كان‪ ،‬أو ماديا ً أو بشريا ً مع األبعاد األخرى ويلعب دورا ً‬
‫‪3‬‬
‫حيويا ً في توازن هذا الكل وخصوصا ً في إدراك المشكالت البيئية‪ .‬وعندما نتحدث عن‬
‫البعد البشري‪ ،‬فإن األمر يتعلق بالممارسات واألنشطة التي يقوم بها اإلنسان داخل‬
‫البيئة ألغراض تنموية‪ .‬ولهذا‪ ،‬فنوعية هذه الممارسات واألنشطة ومدى مالءمتها مع‬
‫البيئة أمران أساسان يؤديان إما إلى تخريب هذه األخيرة وإما إلى حمايتها وصيانة‬
‫مواردها‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬إن سالمة البيئة واستمرار توازناتها رهينان بالتوفيق بين‬
‫هذه األخيرة والتنمية‪.‬‬
‫‪ .1.2‬مفهـوم التنمية ‪:‬‬
‫على المستوى اللغوي المحض‪ ،‬يقصد بـ "تنمية" االزدهار‪ ،‬والتكاثر‪ ،‬والزيادة‪،‬‬
‫والرفاهية‪ ،‬مما يوحي بتغيير إيجابي وبتطور وتقدم‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬إن التنمية‬
‫بالنسبة لمجموعة من السكان أو لبلد بأكمله تعني الطموح إلى وضع وإلى غد أفضل‬
‫على المستويات االقتصادية واالجتماعية والثقافية‪ .‬فعلى المستوى االجتماعي‪" ،‬نما"‬
‫تعني الوصول إلى سد الحاجيات األساس للجماعات البشرية والسعي إلى الرفع من‬
‫جودتها باستمرار‪ .‬فالتنمية االجتماعية تسعى إلى رفاهية األشخاص وتحسين جودة‬
‫حياتهم من خالل سكن الئق وتغذية كافية ومالئمة‪ ،‬وتوفير الخدمات في مجاالت‬
‫الطاقة والماء والصحة والتربية والشغل‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫وعلى المستوى الثقافي‪ ،‬تعني التنمية تحسين المستوى الفكري للجماعات البشرية‬
‫من خالل تعميم التعليم ومحاربة األمية والنهوض بالفنون ووسائل اإلعالم والتواصل‪.‬‬
‫وبصفة عامة ‪ ،‬تعني "تنمية"‪ ،‬بكل بساطة‪ ،‬التمكن من الوصول باستمرار إلى‬
‫مستوى عيش جيد من الناحيتين المادية والمعنوية‪ .‬وإن دل هذا على شيء‪ ،‬فإنما يدل‬
‫على أن التنمية سياق حركي يؤدي إلى االنتقال من وضع سابق غير مرض إلى وضع‬
‫الحق يستجيب بكيفية ُمرضية إلى حاجات وطموحات الشخص والجماعة‪ .‬وإذا كان‬
‫هذا السياق حركياً‪ ،‬فهو كذلك كمي وكيفي‪ ،‬حيث يعتبر مبدئيا سد الحاجات المادية‬
‫‪4‬‬
‫بمثابة معبر إلى تحقيق الرفاهية على المستوى المعنوي‪ .‬فالهدف األخير من التنمية‬
‫هو تفتح الشخص‪ ،‬الذي يؤدي إلى تقدم المجتمع‪.‬‬
‫غير أن تحقيق أغراض التنمية رهين بما توفره البيئة من موارد‪ ،‬حيث ال مجال‬
‫لألولى بدون الثانية‪ .‬وهذا يعني أن العالقة بينهما وطيدة واستمرار توازنها يستدعي‬
‫العقلنة وبعد النظر في الممارسات والتصرفات والسلوكات‪.‬‬
‫‪ .1.3‬العالقة بين البيئة والتنمية ‪:‬‬
‫كما سبقت اإلشارة إلى ذلك‪ ،‬فكيفما كانت طبيعة وتوجه وهدف التنمية‪ ،‬وأينما وجدت‬
‫الجهة التي تتحقق فيها هذه التنمية‪ ،‬فهي في حاجة‪ ،‬لكي تصبح واقعاً‪ ،‬إلى موارد‬
‫البيئة‪ .‬وهذا يعني أن اإلنسان الذي يطمح إلى النمو يتصرف كعامل معبئ لتلك الموارد‬
‫ويحدث بذلك نظاما ً من العالقات بين البيئة والتنمية‪.‬‬
‫ويستنتج من كل هذا أن التنمية بصفة عامة‪ ،‬والتنمية االقتصادية واالجتماعية بصفة‬
‫خاصة رهينة بما توفره البيئة من موارد طبيعية‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإن العالقة بين البيئة‬
‫والتنمية بديهية‪ ،‬غير أن المشكل يكمن في االتجاه الذي يرسمه اإلنسان لهذه العالقة‬
‫من أجل تحقيق طموحاته التنموية‪.‬‬
‫في هذا الصدد‪ ،‬لسنا في حاجة اليوم إلى أدلة لنقول إن العالقة التي تربط التنمية‬
‫بالبيئة تسير في اتجاه واحد‪ ،‬أي من البيئة إلى اإلنسان‪ ،‬بحيث "تزود" األولى‬
‫و"تضع رهن اإلشارة"‪ ،‬بينما الثاني "يأخذ‪ ،‬ويقتطع‪ ،‬ويستغل‪ ،‬ويحول ويحدث‬
‫الخلل"‪ ،‬إلى حد أن العكس نادرا ً ما يالحظ‪ .‬بل أكثر من هذا‪ ،‬إن البيئة بحكم ما يسود‬
‫داخلها من نظام وتفاعل بين مختلف مكوناتها قادرة على امتصاص االختالالت التي‬
‫يحدثها اإلنسان ما لم تتجاوز هذه االختالالت حدا ً معيناً‪ .‬وإذا تجاوزت هذا الحد‪ ،‬وهذا‬
‫هو ما تتسم به تصرفات اإلنسان حالياً‪ ،‬فإن التنمية تصبح‪ ،‬على المدى الطويل‪ ،‬عامالً‬
‫هداما ً قد تكون له تأثيرات على البيئة يصعب تداركها‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫إن االنسجام الذي كان سائدا ً بين المجتمعات البدائية والنظام البيئي الذي كانت تعيش‬
‫فيه لم يعد إال حدثا ً تاريخيا ً يرويه اإلنسان كلما أحس بحنين إلى طبيعة كانت فيما‬
‫مضى حفية وكريمة‪ ،‬ولكنها أضحت في الوقت الراهن نادرة‪ ،‬بل ومعرضة للتقهقر‬
‫واالنقراض‪.‬‬
‫وتجدر اإلشارة في هذا الصدد إلى أن هذه المجتمعات البدائية كانت تحقق االكتفاء‬
‫الذاتي بسهولة‪ ،‬وذلك باعتمادها فقط على عاملين طبيعيين خارجين عن النظام البيئي‬
‫واألرضي‪ ،‬وهما الشمس والمطر‪ .‬إن مثل هذه المجتمعات حاليا ً اختفت‪ ،‬وإن وجدت‬
‫منها بقية‪ ،‬فإنها نسيت أو هي بصدد نسيان المعارف والمهارات التي كانت تمكنها من‬
‫االستمرار والبقاء‪ .‬فمنذ دخول اإلنسان عصر الصناعة‪ ،‬لم يتوقف عن اإلخالل بهذا‬
‫االنسجام الذي كان مقدسا ً عند أسالفه‪ .‬إن التنمية أصبحت بالنسبة له مرادفة‬
‫لالستهالك والنمو الالمحدودين‪ ،‬حيث أن الربح الفوري وخصوصا األنانية جعاله‬
‫ينسى أن جزءا ً مهما ً من هذا النمو ومن هذا االستهالك يتم على حساب البيئة‪ ،‬الشيء‬
‫الذي يعرض للتخريب ولإلتالف القدرة الطبيعية للنظم البيئية على سد حاجاته‬
‫وحاجات الكائنات الحية األخرى‪.‬‬
‫إن العالقة بين البيئة والتنمية يجب أن تكون متبادلة من أجل الحفاظ على األولى‬
‫وضمان استمرار الثانية وذلك للتوفيق بين أهداف التنمية وضرورات حماية البيئة‪.‬‬
‫وهذا يعني أن على اإلنسان أن يعيد النظر في أنماط التنمية التي سار عليها إلى حد‬
‫اآلن‪ ،‬والتي ال تنسجم مع التوازنات البيئية‪ .‬لقد أصبح واضحا ً اليوم أن البيئة في‬
‫مواجهة مستمرة مع التنمية‪.‬‬
‫‪ .1.4‬البيئة والتنمية في العالم اإلسالمي ‪ :‬الوضع الراهن ‪:‬‬
‫‪ .1.4.1‬تأثير الفقر و األمية على البيئة والتنمية ‪:‬‬
‫إذا كانت التنمية قد ساهمت بكيفية ال يمكن تجاهلها في تحسين ظروف عيش‬
‫المجتمعات البشرية‪ ،‬فيجب أن ال يغيب عن األذهان أنها مع مرور الوقت أصبحت‬
‫‪6‬‬
‫تسيء للبيئة‪ .‬واألمثلة في هذا الصدد كثيرة ومتنوعة‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإذا كان اإلفراط في‬
‫االستهالك عامالً من العوامل األساس لتخريب البيئة وتبذير مواردها في الدول‬
‫المصنعة‪ ،‬فالفقر واألمية يساهمان كذلك في هذا التخريب في الدول النامية‪.‬‬
‫ودول العالم اإلسالمي بحكم انتمائها للعالم النامي‪ ،‬توجد في الخانة الثانية‪ ،‬وبالتالي‪،‬‬
‫فالبيئة فيها معرضة لتأثيرات الفقر واألمية‪.‬‬
‫إن التنمية في العالم اإلسالمي بطيئة ومفعولها محدود في الزمان والمكان‪ ،‬وال‬
‫تستطيع سدَّ حتى الحاجات األولية لشعوبه وال سيما من الطاقة والغذاء‪.‬‬
‫أمام هذا الوضع‪ ،‬فإن الجماعات البشرية وخصوصا ً في الوسط القروي تتجه إلى‬
‫البيئة الطبيعية لمحاولة سد هذه الحاجات‪ .‬غير أن هذا التصرف غالبا ً ما يكون خاطئا ً‬
‫وغير مالئم لتوازن النظم البيئية الهشة‪ ،‬ويؤدي إلى تخريب األوساط من جراء ‪:‬‬
‫ـ حرائق األدغال‪،‬‬
‫ـ استصالح األراضي‪،‬‬
‫ـ اجتثاث الغابات‪،‬‬
‫ـ الرعي المفرط‪،‬‬
‫ـ التعرية‪،‬‬
‫ـ التصحر‪،‬‬
‫ـ إنهاك التربة من جراء ممارسة نوع واحد من الزراعة واستغالل األراضي‬
‫الهامشية‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫كل هذه المشكالت تزيد حدة وخطورة عندما تتزامن مع ظروف مناخية سيئة ومع‬
‫كون بعض دول العالم اإلسالمي تبنت من أجل تصنيعها نماذج أبانت عن فشلها في‬
‫‪7‬‬
‫بلدان أخرى‪ .‬حينذاك‪ ،‬تضاف إلى المشكالت التي تعاني منها مشكالت عانت منها دول‬
‫الشمال نفسها‪ .‬عندها‪ ،‬تصبح البيئة عرضة ليس فقط لضغوط الجماعات البشرية‬
‫ولكن كذلك لضغوط وتأثيرات ناتجة عن أنماط تنمية أعادت األخطاء التي وقعت فيها‬
‫الدول المصنعة منذ سنوات‪.‬‬
‫وفضالً عن ذلك ونظرا ً الرتباط تدهور البيئة بالنمو الديموغرافي‪ ،‬فإن أكبر نسب لنمو‬
‫السكان تسجل في العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .1.4.2‬البيئة والتنمية أمام االستغالل المفرط للثروات ‪:‬‬
‫أضف إلى هذا أن تخريب البيئة ليس مقتصرا ً على السكان المحليين في هذه الدول‪.‬‬
‫إن التنمية المفرطة وأنماط العيش المترتبة عنها في الدول المصنعة تسيء هي‬
‫األخرى للبيئة في العالم اإلسالمي‪ .‬وعلى سبيل المثال‪ ،‬فإذا كانت الغابات االستوائية‬
‫توجد في بعض دول العالم اإلسالمي‪ ،‬فإن جزءا ً كبيرا ً من تخريبها تتحمل مسؤوليته‬
‫الدول المصنعة‪ ،‬حيث أن هذه األخيرة تكون وراء تحطيم ما ال يقل عن ‪ 25‬مليون‬
‫هكتار من هذه الغابات سنوياً‪ ،‬وذلك لسد حاجاتها المترتبة عن أنماط عيشها المبذرة‪.‬‬
‫إن دول العالم اإلسالمي بتصرفها هذا ظنت وتظن أنها تسدي خدمة القتصادها الوطني‬
‫بينما هي في الحقيقة تنهك ثروتها الوطنية الضرورية لعيش وبقاء األجيال الحاضرة‬
‫والمقبلة‪ .‬والدليل على ذلك أن الميزان التجاري لهذه البلدان غالبا ً ما يشكو من العجز‪،‬‬
‫وعائداتها من العملة الصعبة اآلتية من التصدير تبقى عديمة الجدوى أمام ديونها‬
‫الخيالية‪.‬‬
‫إن الب يئة في العالم اإلسالمي ليست في نهاية المطاف ضحية للتصرف المحتوم‬
‫للجماعات البشرية المحلية بل إنها في نفس الوقت تعاني بصفة غير مباشرة من‬
‫التأثير الناتج عن تنمية غير مراقبة تبنتها الدول الغنية المتعطشة للموارد األولية التي‬
‫تنتجها دون غيرها الدول النامية بما فيها دول العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ ،‬إن البيئة في الدول اإلسالمية تعاني من ويالت التأخر في عين المكان‬
‫ومن تأثيرات التنمية في العالم المتقدم‪ .‬في عين المكان‪ ،‬يعد الفقر واألمية والجهل‬
‫واألحوال االقتصادية والبيئية والنمو الديمغرافي من أهم أعداء البيئة‪ ،‬بينما عن بعد‬
‫تأتي الهيمنة االقتصادية للدول الغنية التي غالبا ً ما تملي على الدول الفقيرة بكيفية‬
‫غير معلنة طريقة استغالل بيئتها‪.‬‬
‫‪ .1.4.3‬تهميش البيئة ‪:‬‬
‫إن سكان الدول اإلسالمية غالبا ً ما يذهبون ضحية معلومات خاطئة حول البيئة‪،‬‬
‫مفادها أن هذه البيئة ليست لها مشكالت أو تكاد‪ ،‬وأنه ال داعي لالنشغال بها في‬
‫الوقت الراهن‪ .‬إن هذه المعلومات واإلشاعات التي هي بالطبع غير مبنية على أساس‪،‬‬
‫تعد من الخطورة بمكان بحكم التصديق الذي تحاط به‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬تحدث عند األشخاص‬
‫الذين يصدقونها حالة المباالة تسيء للبيئة وتهمشها إن عاجالً أو آجالً‪ .‬وإذا تمكنت‬
‫هذه المعلومات الخاطئة من التأثير على جزء ال يستهان به من السكان‪ ،‬فذلك ليس‬
‫راجعا ً لمجرد الصدفة‪ .‬فتأثيرها على األشخاص يمكن تفسيره ولو جزئيا ً من خالل‬
‫العوامل التالية ‪:‬‬
‫ـ مستوى التثقيف في الدول اإلسالمية‪ ،‬حيث نسبة السكان األميين تتعدى في بعض‬
‫الحاالت ‪،%50‬‬
‫ـ وحتى عند الجزء اآلخر من السكان المثقفين‪ ،‬فإن مفهوم البيئة غالبا ً ما يبقى‬
‫غامضا ً وفي الكثير من الحاالت‪ ،‬يتم خلطه بالتلوث والنظافة وغرس األشجار‪،‬‬
‫ـ إن المشكالت البيئية غالبا ً ما تسند أسبابها إلى مجرد التطور االقتصادي والصناعي‬
‫مع العلم أن التخلف‪ ،‬كما سبق الذكر‪ ،‬له كذلك تأثير على البيئة في العالم اإلسالمي‪،‬‬
‫‪9‬‬
‫ـ بالنسبة للعديد من السكان األميين‪ ،‬إن مفهوم "المشكلة البيئية" ال يعني أي شيء‬
‫على اإلطالق‪ .‬واعتبارا ً لهذا االعتقاد‪ ،‬فإن أي شيء يصيبهم في حياتهم اليومية‪ ،‬بدالً‬
‫من أن يدرك كانعكاس سلبي لسوء تدبير البيئة‪ ،‬فإنه يعزى للقدر المحتوم‪،‬‬
‫ـ إن بعض المشكالت البيئية رغم وجودها ال تكشف عن آثارها السلبية إال بعد مرور‬
‫وقت طويل‪ ،‬الشيء الذي يجعل بعض األشخاص يرفضون كل النداءات الهادفة إلى‬
‫حماية البيئة بل أكثر من هذا‪ ،‬يعدون هذه النداءات ناتجة عن مجرد تهويل وتضخيم‬
‫لألحداث‪.‬‬
‫ـ إن انعدام معايير بيئية في العديد من البلدان اإلسالمية وعدم مراقبتها باستمرار في‬
‫حالة وجودها‪ ،‬يكون بمثابة حافز يزيد من الالمباالة التي يكنها كثير من األشخاص‬
‫للبيئة‪،‬‬
‫ـ كما أن انعدام تشريع بيئي شمولي يساهم هو اآلخر في الحفاظ على هذه الالمباالة‬
‫وحتى لو وجد هذا التشريع‪ ،‬فإنه غالبا ً ما يكون متجاوزا ً وال يستجيب لألوضاع‬
‫الراهنة والتطور الذي عرفته دول العالم اإلسالمي على الصعيدين االقتصادي‬
‫واالجتماعي‪.‬‬
‫‪ .1.5‬البيئة والتنمية في العالم اإلسالمي ‪ :‬التحديات ‪:‬‬
‫إذا كانت البيئة في دول العالم اإلسالمي تعاني من تحديات داخلية كبرى متمثلة في‬
‫مواجهة الفقر واألمية‪ ،‬فإن أمامها تحديات أخرى التقل أهمية تتمثل أوال ً في ضرورة‬
‫الرفع من مستوى التنمية البشرية لتحسين جودة حياة السكان‪ ،‬وثانيا ً في مواجهة‬
‫المشكالت البيئية الكبرى ذات الطابع الكوني‪ ،‬كالتغيرات المناخية وتراجع التنوع‬
‫البيولوجي إلى غير ذلك‪ ،‬وثالثا ً في مواجهة العولمة التي تتطلب تحرير االقتصاد‬
‫وإزالة الحواجز الجمركية‪.‬‬
‫‪ .1.5.1‬التنمية البشرية ‪:‬‬
‫‪10‬‬
‫إن التنمية االقتصادية واالجتماعية في دول العالم اإلسالمي لم تبلغ بعد المستوى‬
‫المطلوب التي من شأنها أن تضمن لسكان هذه البلدان ظروف عيش الئقة تجعل منهم‬
‫مواطنين مساهمين بكيفية فعالة في تحقيق هذه التنمية‪.‬‬
‫فعلى هذه الدول بذل المزيد من الجهود في مجال الخدمات االجتماعية من توفير‬
‫للغذاء والسكن وتزويد بالماء والطاقة وتوفير للخدمات الصحية والتربوية ولفرص‬
‫الشغل والتخلص من الفضالت إلى غير ذلك‪ .‬كما على هذه الدول أن تقوي بنياتها‬
‫التحتية ومؤسساتها االقتصادية لتستجيب لطموحات السكان ولتعزز مكانتها بين‬
‫مصاف الدول النامية والمتقدمة‪.‬‬
‫إن تلبية هذه الحاجات كيفما كان نوعها ال يمكن أن تتحقق إال من خالل استغالل ما‬
‫تختزنه البيئة من موارد طبيعية‪ ،‬الشيء الذي سيزيد من حدة الضغوط الممارسة على‬
‫البيئة‪ ،‬وبالتالي الزيادة في حدة المشكالت البيئية‪.‬‬
‫‪ .1.5.2‬المشكالت البيئية الكبرى ‪:‬‬
‫كما سبقت اإلشارة إلى ذلك‪ ،‬إن المشكالت البيئية ليست لها حدود‪ ،‬الشيء الذي يعني‬
‫أن البعض من هذه األخيرة لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على جميع الدول‬
‫بدون استثناء‪ .‬ولعل أعظم هذه المشكالت انعكاسا ً على البيئة والتنمية‪ ،‬التغييرات‬
‫المناخية وتراجع التنوع البيولوجي والتصحر‪ .‬والدليل على ذلك‪ ،‬مبادرة األمم المتحدة‬
‫إلى إعداد اتفاقيات دولية حول هذه المشكالت ودعوة الدول األعضاء إلى المصادقة‬
‫عليها وااللتزام بتطبيق بنودها‪.‬‬
‫وإذا أخذنا كمثال التغييرات المناخية‪ ،‬فإن الدول المصنعة هي التي تتحمل أكبر قسط‬
‫من المسؤولية في حدوث هذه التغييرات من جراء صناعاتها الضخمة التي بإفرازاتها‬
‫المختلفة تحدث خلالً في توازن الجو الشيء الذي يؤدي إلى ارتفاع في معدل حرارة‬
‫الكرة األرضية‪ .‬غير أن الدول النامية ومن ضمنها دول العالم اإلسالمي وخصوصا ً‬
‫منها اإلفريقية هي التي ستكون أكثر عرضة لعواقب التغييرات المناخية لعدم توفرها‬
‫‪11‬‬
‫على اإلمكانات والوسائل على المستوى الوقائي والمستوى العالجي معاً‪ .‬ولعل أكبر‬
‫ضرر ناتج عن التغييرات المناخية ذلك الذي له عالقة باختالل الدورات المائية‪ ،‬مما‬
‫نتج عنه وينتج عنه في العالم اإلسالمي على الخصوص شح في توفير المياه للشرب‬
‫والصناعة والفالحة‪ ،‬ولألنشطة االقتصادية بصفة عامة‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى‪ ،‬إن الدول اإلسالمية تعد من أكبر الدول تضررا ً من التراجع‬
‫البيولوجي والتصحر حيث تنعكس هذه الظواهر سلبا ً على السكان وعلى البيئة‬
‫واالقتصاد‪ .‬فالتنوع البيولوجي‪ ،‬إضافة إلى كونه عامالً أساسا ً وحاسما ً في استمرار‬
‫التوازنات البيئية‪ ،‬يعد كذلك من أهم مصادر إنعاش التنمية االقتصادية واالجتماعية‪.‬‬
‫وخير مثال يمكن سوقه في هذا الصدد‪ ،‬التراجع الذي تعرفه الثروات السمكية‬
‫والغابوية‪ .‬أما التصحر‪ ،‬فهو كذلك عامل من عوامل التأثير السلبي على االقتصاد‪،‬‬
‫حيث يقصي من االستغالل مساحات شاسعة من األراضي كان من الممكن استعمالها‬
‫ألغراض تنموية في مجال الزراعة والسياحة والبنيات التحتية‪.‬‬
‫ورغم كل هذه السلبيات‪ ،‬فإن دول العالم اإلسالمي‪ ،‬بحكم ضعف اقتصادها‪ ،‬وبحكم‬
‫انتمائها إلى النظام الدولي‪ ،‬ليس لها مناص من االنخراط في هذه االتفاقيات رافعة‬
‫بذلك مستوى التحديات التي تواجهها فيما يتعلق بحسن تدبير البيئة وبالتوفيق بين‬
‫هذه األخيرة والتنمية‪.‬‬
‫‪ .1.5.3‬عولمة االقتصاد ‪:‬‬
‫باإلضافة إلى تحرير االقتصاد ورفع الحواجز الجمركية‪ ،‬فإن العولمة سيكون لها‬
‫انعكاس على المستوى البيئي بالنسبة لجميع دول العالم‪ .‬ويتمثل هذا االنعكاس أساسا ً‬
‫في احترام مقاييس ومعايير جودة المنتوجات الصناعية التي سيتم تصديرها من بلد‬
‫آلخر‪.‬‬
‫ولعل أبرز المقاييس التي يجب حتما ً أن تحترم في المبادالت التجارية بين الدول تلك‬
‫التي لها عالقة بالبيئة‪ .‬وهذا يعني أن أي منتوج قابل للتصدير يجب أن تتوفر فيه‬
‫‪12‬‬
‫شروط تبين أنه صنع حسب أساليب تأخذ بعين االعتبار جودة المنتوج نفسه وجودة‬
‫البيئة‪.‬‬
‫ولن يتأتى هذا إال إذا توفرت لدى الدول اإلسالمية تكنولوجيات حديثة تحترم البيئة‪.‬‬
‫وهو ما أصبح يتعارف عليه حاليا بالتكنولوجيات النظيفة التي تستلزم استثمارات‬
‫هائلة‪.‬‬
‫العالم اإلسالمي وتطلعات المستقبل‪ ،‬التنمية المستدامة‬
‫أمام هذه التحديات الكبرى التي يواجهها أو سيواجهها العالم اإلسالمي في مجال‬
‫التوفيق بين البيئة والتنمية‪ ،‬من المرغوب فيه أن ينخرط هذا األخير في التيار الدولي‬
‫الذي بدأت بوادره في الظهور سنة ‪ 1987‬مباشرة بعد صدور التقرير(‪ )1‬الذي‬
‫أنجزته اللجنة العالمية حول البيئة والتنمية وتكرس بعد مؤتمر ريو سنة ‪ 1992‬حيث‬
‫أوصى المنتظم الدولي بتبني ما اصطلح عليه بالتنمية المستدامة التي تقضي بإعادة‬
‫النظر في أساليب التنمية الالمحدودة التي يعتمد عليها االقتصاد المعاصر والتي تنهك‬
‫البيئة وتؤثر سلبا ً على مصادر الحياة فيها‪.‬‬
‫وحينما نتحدث عن التنمية المستدامة‪ ،‬فاألمر يتعلق بالتعامل مع البيئة من زاوية‬
‫تضمن في آن واحد حاجات األجيال الحاضرة واألجيال القادمة من خالل المحافظة‬
‫على مصادر الحياة والموارد الطبيعية‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ ،‬إن التنمية المستديمة تسعى إلى ضمان جودة الحياة بصفة عامة‬
‫لألفراد والجماعات من خالل التنمية االقتصادية‪ ،‬ولكن دون إلحاق أضرار بالبيئة‬
‫الطبيعية والمشيدة‪.‬‬
‫انطالقا ً من هذه االعتبارات‪ ،‬فإن التنمية المستدامة تستدعي إعادة النظر ليس فقط في‬
‫مفهوم التنمية ولكن كذلك في مفهوم البيئة التي يجب أن تعتبر‪ ،‬كما سبقت اإلشارة‬
‫‪13‬‬
‫إلى ذلك‪ ،‬ككل غير قابل للتجزيء تترتب عنه تغييرات في نوعية العالقات التي يقيمها‬
‫اإلنسان مع البيئة ومع مواردها‪.‬‬
‫إن هذه التغييرات تعتبر تحديا ً في حد ذاتها ألنها قبل أن تكون تغييرات على مستوى‬
‫الممارسات والتصرفات‪ ،‬فهي أوال ً وقبل كل شيء تغييرات على مستوى الفكر‬
‫والمواقف والقيم‪.‬‬
‫إن العالم اإلسالمي مطالب بأن يرفع هذا التحدي ألن األمر يتعلق بإعادة النظر في‬
‫نظام القيم الذي بنت عليه العديد من المجتمعات نمط تنميتها وإنتاجها واستهالكها‬
‫وعيشها‪ .‬وبعبارة أخرى إن األمر يتعلق بإصالح النظام االجتماعي والثقافي بأكمله‪،‬‬
‫حيث أن هذا اإلصالح ال يمكن أن يتحقق إال إذا بادر اإلنسان المسلم بإعادة النظر في‬
‫العالقات التي يقيمها مع البيئة‪.‬‬
‫إن مفهوم التنمية المستدامة يحمل في طياته فلسفة هدفها األساس هو ملء الهوة‬
‫التي ما فتئت تتسع بين اإلنسان والبيئة‪ ،‬الشيء الذي يقود هذا اإلنسان إلى التعايش‬
‫مع هذه البيئة قلبا ً وقالباً‪.‬‬
‫إن هذه الثورة الفكرية واألخالقية والسلوكية ليست عزيزة على دول العالم اإلسالمي‬
‫مادامت هذه البلدان لها من المؤهالت والمبادئ ما يجعلها قادرة على القيام بهذه‬
‫المهمة‪.‬‬
‫بالفعل‪ ،‬إن الدين اإلسالمي أعطى للبيئة ولمواردها والستعمال هذه الموارد واستغاللها‬
‫وللتوازنات البيئية وللتنوع البيولوجي‪ ،‬إلخ‪ ،‬أهمية كبيرة وخصوصا ً من خالل العديد‬
‫من اآليات القرآنية واألحاديث النبوية‪.‬‬
‫ومما تجدر اإلشارة إليه في هذا الصدد هو أن جل المفاهيم البيئية المعاصرة الكبرى‬
‫تم التطرق لها بكيفية أو بأخرى من خالل اآليات القرآنية‪ ،‬نذكر منها على سبيل المثال‬
‫‪:‬‬
‫‪14‬‬
‫ـ مفهوم شمولية البيئة‬
‫ـ مفهوم التوازن‬
‫ـ مفهوم محدودية الموارد‬
‫ـ مفهوم تنوع الحياة‬
‫ـ مفهوم الغائية‬
‫ـ مفهوم حماية البيئة‬
‫التعاليم اإلسالميـة والقضايـا البيئية المعاصرة‬
‫‪ .3.1‬مفهوم شمولية البيئة ‪:‬‬
‫لقد ظهر هذا المفهوم إلى الوجود في الستينات متزامنا ً مع ظهور مفهوم البيئة نفسه‪.‬‬
‫ويعد مفهوم الشمولية إفرازا ً لألزمة البيئية التي يعاني منها العالم المعاصر الذي‬
‫اعتبرت فيه البيئة وال تزال مجموعة من المكونات القابلة لالستغالل إرضاء لرغبات‬
‫اإلنسان المحضة‪.‬‬
‫حينما نتحدث عن الشمولية‪ ،‬فاألمر يتعلق بتصور يجعل من البيئة وحدة متكاملة أو‬
‫كالً تكون مكوناته مرتبطة فيما بينها ارتباطا ً وثيقا ً حسب نظام من العالقات المتبادلة‬
‫يكون فيها بقاء كل كائن حيا ً كان أم غير حي‪ ،‬مرتبطا ً بباقي المكونات األخرى‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ ،‬فإن الشمولية تعني أن الكل يستمد بقاءه من الجزء وهذا األخير‬
‫يستمد بقاءه من الكل‪.‬‬
‫لقد أصبح اليوم مفهوم الشمولية من الناحية النظرية مفهوما ً متداوال ً في األوساط‬
‫العلمية والبيئية‪ .‬وللتذكير‪ ،‬فإن االقتراحات التي تقدم بها المفكرون والفالسفة لصياغة‬
‫نظرة جديدة للبيئة مبنية كلها على مفهوم الشمولية‪.‬‬
‫‪15‬‬
‫وإذا كان هذا األخير يعد جديدا ً بالنسبة لإلنسان‪ ،‬فإن هذه الجدة تنطبق على اإلنسان‬
‫فقط‪.‬‬
‫إن القرآن الكريم أشار إلى هذا المفهوم من خالل آيات كثيرة تتحدث عن وحدة الكون‪.‬‬
‫فحينما يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن هذا الكون‪ ،‬فإن ذلك يتم من خالل اإلشارة‬
‫إلى المكونات الكبرى‪ ،‬أي األرض والسماء والماء التي تعتبر حسب علم البيئة‬
‫الحديث نظما ً بيئية ضخمة يتألف منها ما يسمى بالمحيط الحيوي‪ .‬وفضالً عن ذلك‪،‬‬
‫فإن العديد من اآليات القرآنية تربط دائما األرض بالسماء بينما أخرى تشير إلى ما‬
‫بينهما‪ .‬فإن دل هذا على شيء‪ ،‬فإنما يدل على أن مفهوم الشمولية وارد في القرآن‬
‫الكريم وهو الشيء الذي توصل إليه العلم في السنين األخيرة حينما اعتبر الكوكب‬
‫األرضي وما يحيط به من أجواء بمثابة نظام بيئي متكامل غير قابل للتجزيء‪ .‬وفي‬
‫هذا الصدد‪ ،‬تجدر اإلشارة إلى أن بعض العلماء ذهبوا إلى حد تشبيه الكرة األرضية‬
‫مع محيطها الجوي بكائن حي إلبراز أهمية الترابط و التفاعل القائمين بين مكونات‬
‫البيئة‪.‬‬
‫إن اآليات القرآنية التي تشير بكيفية أو بأخرى لمفهوم شمولية البيئة كثيرة‪ ،‬منها‬
‫على سبيل المثال تلك التي يتم فيها الربط بين األرض والسماء‪ ،‬وأحيانا ً بين هذين‬
‫العنصرين والماء‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫األرض فِراشا ً والسما َء بنا ًءًً وأنزل من السماء ما ًءًً فأخرج به من‬
‫{ الذي جعل لكم‬
‫َ‬
‫ت رزقاًًً لكم } (سورة البقرة ‪ :‬اآلية ‪.)22‬‬
‫الثمرا ِ‬
‫ت‬
‫{ هو الذي خلق لكم ما في األرض جميعا ً ثم استوى إلى السماء فسوا ُه َّن سب َع سموا ٍّ‬
‫وهو بكل شيء عليم } (سورة البقرة ‪ :‬اآلية ‪.)29‬‬
‫‪16‬‬
‫واألرض وإذا قضى أمرا ً فإنما يقول له كن فيكون } (سورة البقرة ‪:‬‬
‫ت‬
‫{ بَديع السماوا ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪.)117‬‬
‫والفلك التي تجري في البحر‬
‫والنهار‬
‫واختالف اللي ِل‬
‫واألرض‬
‫ت‬
‫{ إن في خلق السموا ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫وبث‬
‫األرض بعد موتِها‬
‫ماء ًٍّ فأحْ يا به‬
‫بما ينف ُع‬
‫َ‬
‫الناس وما أنزل هللا من السماء من ٍّ‬
‫َ‬
‫واألرض آليات‬
‫السماء‬
‫ب المس َّخر بين‬
‫فيها من كل داب ٍّة ًٍّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وتصريف الرياحِ والسحا ِ‬
‫لقوم ًٍّ يع ِقلون } (سورة البقرة‪ :‬اآلية ‪.)164‬‬
‫ٍّ‬
‫واألرض وال ي ُؤدُه ِح ْف ُ‬
‫ي العظيم } (سورة‬
‫ت‬
‫سيُهُ السموا ِ‬
‫َ‬
‫س َع كُر ِ‬
‫{ َو ِ‬
‫ظهما وهو الع ِل ُّ‬
‫البقرة ‪ :‬اآلية ‪.)255‬‬
‫واألرض وهللا على كل شيء قدير } (سورة آل عمران ‪ :‬اآلية‬
‫ت‬
‫{ وللـه ُم ْلـكُ السمـاوا ِ‬
‫ِ‬
‫‪)189‬‬
‫ق ما يشاء وهللا على كل شيء قدير }‬
‫ت‬
‫{ وهلل ُملك السماوا ِ‬
‫واألرض وما بينهما يخلُ ُ‬
‫ِ‬
‫(سورة المائدة ‪ :‬اآلية ‪.)17‬‬
‫السماء ما ًءًً فأخر َج به من الثمرات‬
‫واألرض وأنزل من‬
‫ت‬
‫{ هللا الذي َخلَقَ السموا ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫رزقا ً لكم } (سورة إبراهيم ‪ :‬اآلية ‪.)32‬‬
‫َّ‬
‫فيهن وإن من شيء إال‬
‫واألرض ومن‬
‫سب ُع‬
‫ب ًِ ًِ ًِ ًِ ًِ ًِ ًّ ًِ ُ‬
‫ُ‬
‫ح له السمواتُ ال َّ‬
‫{ تُس ِ‬
‫يسبح ب َحمدِه ولكن ال تَ ْفقَ َ‬
‫هون تَسبي َحهم إنه كان َحليما ً غفورا ً } (سورة اإلسراء ‪:‬‬
‫اآلية ‪.)44‬‬
‫األرض وما بينهما وما تحت الثرى } (سورة طه ‪ :‬اآلية‬
‫ت وما في‬
‫{ لهُ ما في السموا ِ‬
‫ِ‬
‫‪.)6‬‬
‫ب ًِ ًِين } (سورة األنبياء ‪ :‬اآلية ‪.)16‬‬
‫{ وما خلقنا السما َء‬
‫َ‬
‫واألرض وما بينهما الع ِ‬
‫‪17‬‬
‫ع ِل َم‬
‫والطير صافات ًٍٍّّ ك ٌّل قد َ‬
‫واألرض‬
‫ت‬
‫{ أل ْم ت َ َر أن هللا يُس ِبّ ُح له من في السموا ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫صالتَه وتسبي َحه وهللا ع ِلي ٌمًٌ بما يفعَلون } (سورة النور ‪ :‬اآلية ‪.)41‬‬
‫سبَ َغ عليكم نِعَ َمهُ ظاهرةً‬
‫ت وما في‬
‫{ ألم تروا أن هللا س َّخ َر لكم ما في السموا ِ‬
‫األرض وأ ْ‬
‫ِ‬
‫وباطنة } (سورة لقمان ‪ :‬اآلية ‪.)20‬‬
‫ت وال في األرض وال أصغر من ذلك و‬
‫ب عنه ِمثْ َقا ُل ذَ َّر ٍّة في السموا ِ‬
‫{عالم الغيب ال َي ْع ُز ُ‬
‫ال أكبر إال في كتاب مبين} (سورة سبإ ‪ :‬اآلية ‪.)3‬‬
‫إن مفهوم شمولية البيئة ال يمكن أن يدرك إال إذا شكلت هذه البيئة وحدة أو كالً‬
‫متكامالً‪ .‬وهذه الوحدة ال يمكن أن تتحقق إال إذا ساد بين مختلف مكوناتها ترابط‬
‫وتناسق‪ .‬هذا هو ما يشير إليه القرآن الكريم من خالل اآليات التي تظهر السماء‬
‫واألرض والماء كعناصر مترابطة فيما بينها‪.‬‬
‫ويكفي أن نتمعن في بعض اآليات سالفة الذكر لندرك أن مفهوم الشمولية وارد في‬
‫القرآن الكريم حينما يقول الحق سبحانه وتعالى في اآلية ‪ 117‬من سورة البقرة ‪:‬‬
‫{ بديع السموات واألرض }‪ ،‬أي خالق السموات واألرض غير أن هذا الخلق ليس‬
‫عشوائيا ً بل يتم حسب نظام معين‪.‬‬
‫ونفس الشيء يمكن إدراكه من خالل اآلية ‪ 44‬من سورة اإلسراء حين يقول هللا‬
‫سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫{ تسبح له السماوات السبع واألرض ومن فيهن }‪ .‬والمقصود بالتسبيح هنا هو‬
‫السجود والخضوع واالنحناء أمام الخالق‪ ،‬الشيء الذي يمكن تفسيره من الناحية‬
‫البيئية بنظام الترابط الذي يجمع بين جميع الكائنات من أجل استمرار الحياة التي هي‬
‫من خلق هللا‪.‬‬
‫‪18‬‬
‫ونـفس الـشيء يمـكن إدراكـه كـذلك مـن خـالل اآليـة ‪ 16‬مـن سورة األنبياء حيـن‬
‫يقـول سبحانه وتعالى ‪ { :‬وما خلقنا السماء واألرض وما بينهما العبين }‪ .‬والمقصود‬
‫في هذه اآلية هو أن الخلق له غايات معينة وهو الشيء الذي تشير إليه اآلية ‪ 27‬من‬
‫سـورة ص حيـن قـال الحـق سبـحانه وتـعالى ‪ { :‬و ما خلقنا السماء واألرض وما‬
‫بينهما باطال } أو حين يقول في اآلية ‪ 5‬من سورة الزمر { خلق السموات واألرض‬
‫بالحق }‪ .‬ومن اآليات التي تشير إلى شمولية البيئة اآلية التي يقول فيها سبحانه عز‬
‫وجل ‪:‬‬
‫{ والذين ينقضون عهد هللا من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر هللا به أن يوصل‬
‫ويفسدون في األرض أوالئك لهم اللَّعنة ولهم سو ُء الدار } (سورة الرعد ‪ :‬اآلية ‪.)25‬‬
‫إن هذه اآلية تنطبق على الفكر البيئي المعاصر الذي جزأ البيئة‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬قطع‬
‫األوصال التي تربط بين مكوناتها‪ ،‬الشيء الذي أدى إلى ظهور اختالالت في نظام‬
‫الترابط الذي يشكل أساسا ً الستمرار وبقاء الحياة‪ .‬وخير مثال يمكن سوقه في هذا‬
‫الصدد يتعلق باالختالالت التي يحدثها التلوث في األوساط الطبيعية‪ .‬إن التلوث إذا‬
‫تجاوز حدا ً معيناً‪ ،‬يكسر التوازن القائم بين مكونات هذه األوساط ويؤدي على طول‬
‫المدى إلى موت هذه األوساط وانقراض الحياة منها‪ .‬وهذا هو ما يحدث في األنهار‬
‫والبحار التي تلقى فيها النفايات المنزلية والصناعية وكذلك في المساحات الخضراء‬
‫المعرضة لألمطار الحمضية‪.‬‬
‫ألم يقل سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫{ َ‬
‫عملوا لعلهم‬
‫س َبتْ أيدي‬
‫البر‬
‫الناس ليُذيقَهم بعض الذي ِ‬
‫والبحر بما َك َ‬
‫ِ‬
‫ظ َه َر الفسادُ في ِ ّ‬
‫ِ‬
‫يرجعون } (سورة الروم ‪ :‬اآلية ‪.)41‬‬
‫وكيفما كان الحال‪ ،‬إن مفهوم شمولية البيئة الذي جاء به المفكرون في مقترحاتهم‬
‫لتغيير نظرة اإلنسان المعاصر للبيئة ليس في الحقيقة مفهوما ً جديداً‪ .‬كل ما يمكن قوله‬
‫هو أن اإلنسان يسعى من جديد للعودة إلى الصواب الذي نص عليه القرآن الكريم منذ‬
‫‪19‬‬
‫عدة قرون والذي يقتضي أن تنطلق كل تصرفات البشر من مفهوم شمولية البيئة‬
‫حفاظا ً على وحدة هذه األخيرة وبقاء الحياة فيها‪.‬‬
‫‪ .3.2‬مفهوم التوازن ‪:‬‬
‫إن مفهوم التوازن يشكل واحدة من الركائز التي بني عليها علم البيئة الحديث‪.‬‬
‫والتوازن ال يجب أن يدرك كوضع سكوني قار ومستقر يسود داخل النظم البيئية‪.‬‬
‫فحينما يتم الحديث عن التوازن البيئي‪ ،‬فاألمر يتعلق بوضع حركي مستمر ناتج عن ما‬
‫يقوم من عالقات وتفاعالت بين مكونات النظام البيئي‪ .‬فال سبيل إذن للحديث عن‬
‫النظام البيئي بدون توازن‪ .‬فالنظام البيئي المتوازن هو ذلك الجزء من البيئة الذي‬
‫تسود بين مكوناته عالقات متبادلة متناسقة ومتكافئة تتجدد باستمرار وتؤدي في‬
‫نهاية المطاف إلى استمرار الحياة وبقائها‪ .‬وهكذا‪ ،‬فحينما يكون النظام البيئي‬
‫متوازناً‪ ،‬فهذا يعني أن لديه قدرة ذاتية على التنظيم تكون ناتجة عن الحركة الذاتية‬
‫التي تشترك فيها كل مكوناته من تربة وهواء وماء وحيوانات ونباتات بمختلف‬
‫أشكالها وأنواعها‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فإن كل كائن حيا ً كان أم غير حي يقوم بعمل‬
‫لصالحه ولكنه في نفس الوقت يكون عنصرا ً أو حلقة في سلسلة األعمال التي تقوم‬
‫بها الكائنات األخرى‪.‬‬
‫فإذا كان بإمكاننا الحديث عن عدة أنواع من النظم البيئية البرية منها والبحرية‬
‫والجوية والمائية والغابوية والقطبية والصحراوية والجبلية‪ ،‬الخ‪ ،‬فإن هذه النظم في‬
‫الحقيقة ليست لها حدود‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬فهي مرتبطة فيما بينها لتشكل نظاما ً بيئيا ً واحدا ً‬
‫يتشكل من الكرة األرضية بأكملها بما يحيط بها من أجواء وما يو جد فيها وفوقها من‬
‫ماء وما يبرز منها من قارات وما يترعرع فيها جوا ً وبرا ً وماء من حياة نباتا ً كانت أم‬
‫حيوانا ً بما في ذلك اإلنسان‪.‬‬
‫ولهذا‪ ،‬فالتوازن البيئي الشامل هو الذي أدخل عليه اإلنسان‪ ،‬من جراء فصل نفسه‬
‫عن البيئة وطموحه للسيطرة عليها‪ ،‬تغييرات كبرى أدت إلى ظهور مشكالت بيئية‬
‫‪20‬‬
‫واسعة النطاق طالت تأثيراتها جميع المحيطات والقارات وأسافل وأعالي األجواء‪ .‬إن‬
‫اإلنسان من جراء نظرته األنانية للبيئة أساء لخاصيات التوازن والتناسق والتناغم‬
‫التي أسس عليها هللا سبحانه وتعالى خلق هذا الكون‪ .‬بالفعل‪ ،‬لقد أشار الحق سبحانه‬
‫وتعالى للتوازن في العديد من آيات القرآن الكريم نذكر منها على سبيل المثال ‪:‬‬
‫سدين } (سورة البقرة ‪:‬‬
‫{ ُكلُـوا‬
‫واشـربوا مـن رزق اللـه و ال ت َ ْعثَوا في األرض ُمف ِ‬
‫َ‬
‫اآلية ‪.)60‬‬
‫األرض فسادا ً وهللا ال يحب المفسدين } (سورة المائدة ‪ :‬اآلية ‪.)64‬‬
‫س َعون في‬
‫{ و َي ْ‬
‫ِ‬
‫ْالحها وادْعوهُ َخوفا و َ‬
‫قريب من‬
‫ط َمعا ً إن رحمتَ هللا‬
‫سدوا في‬
‫األرض بعد إص ِ‬
‫{ وال ت ُ ْف ِ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫المحْ سنِين } (سورة األعراف ‪ :‬اآلية ‪.)56‬‬
‫َ‬
‫الناس أ ْ‬
‫شيَا َءهم وال‬
‫والميزان وال ت َ ْب َخسوا‬
‫{ قد جاءتْكُم بَ ِيّنَةٌ من َر ِبّكُم فأوفوا ال َك ْي َل‬
‫َ‬
‫خير لكم إِن كنتم ِمؤمنين } (سورة األعراف ‪:‬‬
‫سدوا في‬
‫تُف ِ‬
‫ِ‬
‫األرض بعد إصْالحها ذلكم ٌ‬
‫اآلية ‪.)85‬‬
‫َ‬
‫الناس أشيا َءهم والت َ ْعثَوا في‬
‫والميزان بال ِقسط وال ت َ ْب َخسوا‬
‫الميكال‬
‫أوفوا ِ‬
‫قوم ْ‬
‫َ‬
‫{ ويا ِ‬
‫سدين } ( سورة هود ‪ :‬اآلية ‪.)85‬‬
‫األرض ُم ْف ِ‬
‫{ هللا يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض األرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار }‬
‫(سورة الرعد ‪ :‬اآلية ‪.)8‬‬
‫موزون } (سورة‬
‫شيء‬
‫سي وأ ْنبَتْ َنا فيها من ك ِ ّل‬
‫{‬
‫ٍّ‬
‫َ‬
‫واألرض مدَ ْدنَاها وأ َ ْل َق ْينَا فيها ََروا ِ‬
‫ٍّ‬
‫الحجر ‪ :‬اآلية ‪.)19‬‬
‫ت‬
‫{ الذي له ملك السموا ِ‬
‫واألرض ولم َيت َّ ِخ ْذ َولَدا ولم يَك ُْن له شَريك في الملك و َخ َلقَ‬
‫ِ‬
‫شيء فَقَد ََّرهُ ت َ ْقديرا ً } (سورة الفرقان ‪ :‬اآلية ‪.)2‬‬
‫كل‬
‫ٍّ‬
‫‪21‬‬
‫ان أال َّ‬
‫َ‬
‫الميز َ‬
‫س َماَء َرفَعَها َوو َ‬
‫ض َع‬
‫سبان والنج ُم‬
‫الشمس‬
‫{‬
‫والشجر يَ ْ‬
‫والقمر ب ُح ْ‬
‫س ُجدان وال َّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫الميزان } (سورة الرحمن ‪:‬‬
‫سروا‬
‫تَطـْغَ ْوا فـي‬
‫س ِط وال ت ُ ْخ ِ‬
‫الو ْز َن بال ِق ْ‬
‫الميـزان وأقيمـوا َ‬
‫ِ‬
‫اآليات ‪.)5-8‬‬
‫س َّوى والذي قد ََّر فَ َهدَى } (سورة األعلى ‪ :‬اآليات‬
‫س ِبّح اسم َر ِبّكَ األعْلى الذي َخلَقَ فَ َ‬
‫{ َ‬
‫‪.)1-3‬‬
‫إن اآليات سالفة الذكر تشير كلها بطريقة أو بأخرى إلى مفهوم التوازن الذي كما‬
‫أسلفنا تأسس عليه علم البيئة الحديث‪ .‬وهكذا تمت اإلشارة لهذا التوازن في القرآن‬
‫الكريم عن طريق مفاهيم ‪:‬‬
‫ـ الفساد‬
‫ـ اإلصالح‬
‫ـ الميزان‬
‫ـ المقدار‬
‫ـ التقدير‬
‫ـ الحسبان‬
‫ـ التسوية‬
‫إن هللا ال يحب الفساد في كل شيء‪ .‬والفساد بمعناه البيئي‪ ،‬أي االضطراب واالختالل‬
‫والتخريب وعدم التناسق‪ ،‬يمكن أن يكون ناتجا ً عن التلوث واالستغالل المفرط وغير‬
‫العقالني للموا رد واقتحام وغزو األوساط الطبيعية‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬إن الفساد ينتج‬
‫عن التغييرات التي يدخلها اإلنسان بدون حسبان على نظام الترابط الذي يضمن الحياة‬
‫داخل المحيط البيئي‪ .‬أما اإلصالح‪ ،‬فيمكن ربطه بمفهوم التنظيم الذاتي الذي يضمن‬
‫‪22‬‬
‫استمرار التوازن داخل النظم البيئية‪ .‬وهذا يعني أن هللا سبحانه وتعالى وفر للبيئة كل‬
‫الظروف التي تمكنها من إصالح نفسها كلما أدخلت عليها تغييرات ولكن في حدود‬
‫معينة‪ .‬ولهذا‪ ،‬فإن هللا يوصي عباده بأن ال يفسدوا في األرض خصوصا ً وأن بث‬
‫الفساد أسهل بكثير من القيام باإلصالح‪.‬‬
‫أما مفاهيم الميزان والمقدار والتقدير والحسبان والتسوية فإنها تشير إلى أن هللا‬
‫سبحانه وتعالى نظم األمور ونسقها عند خلق هذا الكون‪ .‬وعندما يتعلق األمر بالتنظيم‬
‫والتنسيق والترتيب‪ .‬فهذا معناه أن كل شيء يحسب له حسابه‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فإن‬
‫األشياء ال يمكن أن تكون منظمة ومتناسقة إال إذا قامت بينها عـالقات مـتوازنة تكون‬
‫ضامنا ً للنظام والتناسق‪ .‬فحينما يقول الحق سبحانه وتعالى ‪ { :‬وأنبتنا فيها من كل‬
‫شيء موزون } (سورة الحجر ‪ :‬اآلية ‪ ،)19‬فهذا يعني أن هللا وفر في األرض‬
‫الظروف المالئمة لنمو العديد من أنواع النباتات المختلفة‪.‬‬
‫ومن المعروف حاليا ً في علم البيئة النباتي أن النباتات ال يمكن أن تتعايش في الوسط‬
‫الواحد إال إذا قام من جهة توازن فيما بينها‪ ،‬ومن جهة أخرى بينها وبين الظروف‬
‫المادية للوسط الذي تنبت فيه‪ .‬فعندما يختل هذا التوازن‪ ،‬فقد يطغى نوع من هذه‬
‫النباتات على األنواع األخرى‪ ،‬الشيء الذي يؤدي إلى تقليص عدد هذه األخيرة‬
‫وأحيانا ً إلى اختفائها‪ .‬وهذا هو ما يحدث عندما يتدخل اإلنسان في األوساط الطبيعية‬
‫ويستغل مواردها بكيفية غير عقالنية‪ .‬والنتيجة هي اختالل التوازنات الذي يؤدي إلى‬
‫طغيان مكونات بيئية وتراجع واندثار مكونات أخرى‪.‬‬
‫وخير مثال يمكن سياقه في هذا الصدد هو استعمال مختلف المبيدات الكيميائية من‬
‫أجل تحسين اإلنتاجية الزراعية‪ .‬وال سبيل هنا لذكر األضرار التي ألحقتها هذه‬
‫المبيدات بالتوازنات الطبيعية‪ .‬وال سبيل للذكر أنه بذلت محاوالت وال تزال تبذل من‬
‫أجل تجاوز هذا الوضع الذي يشكل تهديدا ً للتوازنات البيئية‪ .‬من بين هذه المحاوالت‪،‬‬
‫اللجوء إلى ما يسمى بالمكافحة البيولوجية التي تستعمل فيها وسائل طبيعية لخلق‬
‫توازن بين ما يسمى بالنباتات والحشرات المضرة وبين النباتات المزروعة‪ .‬وجدير‬
‫‪23‬‬
‫بالذكر أن اللجوء إلى المكافحة البيولوجية هو محاولة من اإلنسان للرجوع إلى‬
‫الفطرة‪ ،‬أي الوضع الطبيعي الذي وجدت فيه األرض عندما خـلقها اللـه سـبحانه‬
‫وتعالى‪ .‬وهذه هي الفطرة التي أشار إليها عز وجل حينما يقـول ‪ { :‬وخلق كل شيء‬
‫فقدره تقديـرا ً } (سورة الفرقان ‪ :‬اآلية ‪ )2‬أو { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى }‬
‫(سورة األعلى ‪ :‬اآليتان ‪.)2-3‬‬
‫وفي هذا الصد‪ ،‬البد من اإلشارة إلى أن العديد من التيارات الفكرية والحركات البيئية‬
‫وبالخصوص في الدول المصنعة حيث اإلنسان ألحق أضرارا ً كبيرة بالطبيعة‪ ،‬تنادي‬
‫بالرجوع إلى الطبيعة الذي معناه الرجوع إلى الفطرة‪ .‬وقد عبر الناس عن هذا‬
‫الرجوع بطرق عديدة منها الزهد في االستهالك‪ ،‬وبالخصوص بممارسة ما يسمى‬
‫بالزراعة البيولوجية التي تعتمد على التربة والشمس والماء والعمل اليدوي‪.‬‬
‫إن مفهوم التوازن الذي أقره علم البيئة الحديث سواء على مستوى النظم البيئية‬
‫الصغيرة أو على المستوى البيئي الشمولي واحد من المفاهيم البيئية التي وردت في‬
‫القرآن الكريم منذ عدة قرون‪ .‬إن هللا سبحانه وتعالى خلق الكون موزونا ً ومتوازنا ً‬
‫وهو الذي يقول ‪:‬‬
‫{ أَلَ ْم ت َ َر َّ‬
‫والقمر والنجو ُم‬
‫والشمس‬
‫األرض‬
‫ت و َم ْن في‬
‫س ُجدُ له َم ْن في السموا ِ‬
‫أن هللا يَ ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وكثيرًٌ ًٌ من الناس } (سورة الحج ‪ :‬اآلية ‪.)18‬‬
‫والدواب‬
‫والشجر‬
‫والجبا ُل‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫إن سجود الكائنات للحق سبحانه وتعالى إن دل على شيء إنما يدل على وحدة الكون‬
‫التي يحفظ توازنها خالق مدبر واحد‪.‬‬
‫‪ .3.3‬مفهوم محدودية الموارد ‪:‬‬
‫منذ أن دخل العالم عصر الصناعة خالل القرن التاسع عشر الذي اقترن أوله باختراع‬
‫اآللة البخارية وآخره باكتشاف الكهرباء والنفط ثم باختراع المحرك االنفجاري‪ ،‬بدأ‬
‫في نفس الوقت التهافت على الموارد الطبيعية وخصوصا ً في البلدان الغربية التي‬
‫‪24‬‬
‫كانت تتنافس فيما بينها أوال ً للرفع من مستوى إنتاجها واستهالكها‪ ،‬وثانيا ً لغزو‬
‫األسواق الخارجية بمنتوجاتها الصناعية‪ .‬وقد أدت هذه االختراعات واالكتشافات إلى‬
‫ازدهار العديد من الصناعات وعلى رأسها صناعة الحديد والصناعة الكيميائية‪ .‬وقد‬
‫أدت صناعة الحديد على الخصوص إلى اختراع العديد من وسائل النقل واآلالت‬
‫وخاصة تلك التي تستعمل في المجال الفالحي وفي قطاع استخراج واستغالل المعادن‪.‬‬
‫أما الصناعة الكيميائية فقد ساهمت هي األخرى بقسط وافر في ازدهار الفالحة بما‬
‫وفرته لهذه األخيرة من أسمدة ومبيدات مكنت المزارعين من الحصول على‬
‫مردوديات عالية في اإلنتاج‪.‬‬
‫وبصفة عامة‪ ،‬إن القرن التاسع عشر اقترن بظهور مجموعة من األنشطة االقتصادية‬
‫الواسعة النطاق المبنية على استغالل ثروات األرض ومصادر الطاقة وتحويل المواد‬
‫األولية إلى منتوجات مصنعة‪ .‬وال سبيل للذكر أن أهم الصناعات التي يرتكز عليها‬
‫االقتصاد العالمي اليوم نشأت في تلك الفترة نذكر من بينها على سبيل المثال ‪:‬‬
‫ـ الصناعة الثقيلة التي تحول المواد األولية المعدنية إلى فليزات تستعمل في عدة‬
‫أنواع أخرى من الصناعات‪،‬‬
‫ـ الصناعة الخفيفة التي تحول ما أنتجته الصناعة الثقيلة إلى منتوجات مصنعة‪،‬‬
‫ـ الصناعة الغذائية التي تصنع وتهيئ األغذية‪،‬‬
‫ـ الصناعة الميكانيكية التي تنتج اآلالت والمعدات المستعملة في مجاالت الصناعة‬
‫والفالحة والنقل‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫وجدير بالذكر أن ازدهار الصناعة خالل القرن التاسع عشر في العالم الغربي كان‬
‫مبنيا ً على تنافس شديد بين الدول التي كانت وال تزال تسعى إلى احتالل المراتب‬
‫األولى على الصعيد العالمي‪ ،‬الشيء الذي أدى إلى استغالل مفرط للموارد الطبيعية‬
‫ليس فقط في البلدان المصنعة ولكن كذلك في ما يسمى حاليا ً بالدول النامية‪.‬‬
‫‪25‬‬
‫بالفعل‪ ،‬إن ازدهار الصناعة وتطورها كانا في حاجة ماسة للموارد األولية لضمان‬
‫نشاطها بكيفية مستمرة‪ .‬فال غرابة إذن أن يقترن عصر الصناعة بإقبال بعض الدول‬
‫الغربية على استعمار إفريقيا وجزء كبير من آسيا من أجل استغالل مواردها الطبيعية‪.‬‬
‫وكيفما كان ال حال‪ ،‬فإن عصر الصناعة كان بداية الستغالل مفرط وجنوني ومطلق‬
‫العنان للموارد الطبيعية على الصعيد العالمي‪ .‬وحتى البلدان التي لم يطلها االستعمار‬
‫الغربي‪ ،‬فإن مواردها تستغل بثمن بخس من طرف الدول المصنعة‪.‬‬
‫إن الموارد الطبيعية كانت تستغل وكأنها غير قابلة للنفاد إذ ال فرق بين ما هو متجدد‬
‫طبيعيا ً وبين ما هو غير متجدد‪ .‬لقد كان هاجس الدول المصنعة هو تحقيق مستوى‬
‫عالمي من النمو ولو على حساب الطبيعة ومواردها‪.‬‬
‫ولحسن الحظ‪ ،‬فإن هذا االستغالل المفرط الذي أدى إلى استنزاف الموارد الطبيعية‪،‬‬
‫وبالتالي‪ ،‬إلى ظهور مشكالت بيئية أثار انتباه العديد من األوساط في الدول المصنعة‬
‫التي بادرت إلى عقد أول اجتماع استشاري دولي بمدينة بيرن بسويسرا سنة ‪1913‬‬
‫حول حماية الطبيعة شارك فيه ‪ 19‬بلداً‪ .‬ثم تال هذا االجتماع سنة ‪ 1923‬أول مؤتمر‬
‫عقد بباريس حول حماية الطبيعة وعوامل تخريب مواردها تاله مؤتمر ثاني سنة‬
‫‪ 1932‬تم تخصيصه لدراسة تأثير التكنولوجيات الملوثة على الطبيعة‪ .‬وبعد ذلك‪،‬‬
‫عقدت منظمة اليونسكو بفرنسا سنة ‪ 1948‬اجتماعا ً دوليا ً تمت فيه مناقشة تأثيرات‬
‫األنشطة البشرية على الطبيعة تاله سنة ‪ 1968‬مؤتمر نظمته نفس المنظمة بإفريقيا‬
‫حول االستعمال العقالني للموارد الطبيعية حيث ركز المشاركون من جهة على‬
‫هشاشة األسس التي تضمن تجدد البعض من هذه الموارد‪ ،‬ومن جهة أخرى على‬
‫محدودية كمية البعض اآلخر‪ .‬غير أن مفهوم محدودية الموارد لم يبرز إلى الوجود‬
‫بصفة واضحة إال بعد نشر تقرير نادي روما سنة ‪ 1970‬الذي أثار انتباه المجتمع‬
‫الدولي وخصوصا ً في الدول المصنعة إلى ضرورة إدخال تغييرات مهمة على نمط‬
‫نموها االقتصادي‪ ،‬الشيء الذي أكدت عليه اللجنة العالمية للبيئة والتنمية بعد صدور‬
‫تقريرها سنة ‪.1987‬‬
‫‪26‬‬
‫إن مفهوم محدودية الموارد الذي ظهر خالل السبعينات وتأكدت صحته خالل‬
‫الثمانينات هو الذي أدى إلى ظهور مفهوم التنمية المستدامة التي تقتضي أن يتعامل‬
‫اإلنسان مع البيئة ومع مواردها بكيفية تضمن حاجاته اآلنية وحاجات األجيال المقبلة‬
‫في نفس الوقت‪.‬‬
‫وإذا استطاع اإلنسان‪ ،‬بفضل ما أتاه هللا من علم‪ ،‬أن يقف على هذه الحقيقة‪ ،‬فإن‬
‫القرآن الكريم أشار غيرما مرة لمفهوم محدودية الموارد من خالل اآليات التالية ‪:‬‬
‫سقُ ُ‬
‫ط من َو َرقَ ٍّة‬
‫ب ال يعل ُمها إال هو ويعل ُم ما في ال َب ِ ّر‬
‫والبحر وما ت َ ْ‬
‫{ و ِع ْندَهُ َم َف ِاتُح الغَ ْي ِ‬
‫ِ‬
‫مبين }‬
‫ب‬
‫ب وال‬
‫إال يَ ْع َل ُم َها وال َحبَّ ٍّة في ظلمات‬
‫ٍّ‬
‫ِ‬
‫يابس إال في كتا ٍّ‬
‫األرض ًِ َوالرط ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫(سورة األنعام ‪ :‬اآلية ‪.)59‬‬
‫شيء عنده بمقدار }‬
‫يض األرحا ُم وما ت َ ْزدَادُ وك ُّل‬
‫ٍّ‬
‫{ هللا يَ ْعلَ ُم ما تَحْ ِم ُل ك ُّل أ ْنثى وما ت َ ِغ ُ‬
‫(سورة الرعد ‪ :‬اآلية ‪.)8‬‬
‫شـيء إال عنـدنا خـزائنه وما ننِزله إال بقدر معلوم } (سورة الحجر ‪ :‬اآلية‬
‫{ وإن مـن‬
‫ٍّ‬
‫‪.)21‬‬
‫ب به لقادِرون }‬
‫{ وأ ْن َز ْلنَا من‬
‫ِ‬
‫السماء ما ًء ِب َقد ٍَّر فأسكناه في األرض وإنا على ذها ِ‬
‫(سورة المؤمنون ‪ :‬اآلية ‪.)18‬‬
‫ت‬
‫{ الذي لهُ ُملك السموا ِ‬
‫واألرض ولم َيت َّ ِخ ْذ َو َلدا ً ولم َيك ُْن له شريك في الملك و َخلَقَ‬
‫ِ‬
‫شيء فَقَد ََّرهُ ت َ ْقدِيرا ً } (سورة الفرقان ‪ :‬اآلية ‪.)2‬‬
‫ك َّل‬
‫ٍّ‬
‫مبين } (سورة يس ‪ :‬اآلية ‪.)12‬‬
‫صيْناهُ في إم ٍّام‬
‫{ وك َّل‬
‫شيء أَحْ َ‬
‫ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫ي ِمن فَ ْوقِها وبَاَرك فيها وقَد ََّر فيها أ َ ْق َواتَها في أربع ِة أَيَّ ٍّام سوا ًء‬
‫{ وجعل فيها روا ِ‬
‫س َ‬
‫للسائِلين } (سورة فصلت ‪ :‬اآلية ‪.)10‬‬
‫‪27‬‬
‫س َ‬
‫األرض ولكن يُنَ ِ ّزل ِبقَد ٍَّر ما يشاء إنه بِعباده‬
‫الر ِز ًْقَ ِلعباده لَبَغَ ْوا في‬
‫{ ولو بَ َ‬
‫ِ‬
‫ط هللا ِ ّ‬
‫بصير } (سورة الشورى ‪ :‬اآلية ‪.)27‬‬
‫خبير‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫شيء َخ َل ْقنَاهُ ِب َقدَر } (سورة القمر ‪ :‬اآلية ‪.)49‬‬
‫{ ِإنَّا ك َّل‬
‫ٍّ‬
‫َيء عدَدا } (سورة الجن ‪ :‬اآلية ‪.)28‬‬
‫صى ك َّل ش ٍّ‬
‫{ وأَحْ َ‬
‫شيء قَدرا ً } (سورة الطالق ‪ :‬اآلية ‪.)3‬‬
‫{ ق ْد جعل هللا لك ِ ّل‬
‫ٍّ‬
‫ص ْيناه ِكتابا } (سورة النبإ ‪ :‬اآلية ‪.)29‬‬
‫{ وك َّل‬
‫شيء أحْ َ‬
‫ٍّ‬
‫من خالل اآليات السالفة الذكر‪ ،‬يشير سبحانه وتعالى إلى مفهوم محدودية الموارد من‬
‫خالل مفهومـي المقدار والقدر‪ .‬يقـول الحق سبحانه وتعالـى ‪ { :‬إنا كل شيء خلقنـاه‬
‫بقـدر } (سورة القمر ‪ :‬اآلية ‪ )49‬أي أن كل كائن حي أم غير حي يخضع لقانون أو‬
‫لقوانين معينة من حيث الكم‪ .‬والفرق الذي وضعه اإلنسان بين الموارد الطبيعية‬
‫المتجددة والموارد الطبيعية غير المتجددة يرتبط ارتباطا ً وثيقا ً بمفهوم محدودية‬
‫الموارد الذي يشير إليه القرآن الكريم‪.‬‬
‫فبالنسبة للموارد الطبيعية غير المتجددة‪ ،‬لقد أثبت العلم الحديث أنها فعالً محدودة‬
‫الكمية كما هو الشأن بالنسبة للمواد الطاقية األحفورية (فحم‪ ،‬نفط‪ ،‬غاز طبيعي)‬
‫واالنشطارية (أورانيوم‪ ،‬طوريوم‪ ،‬الخ) والمعادن الفلزية كالحديد والنحاس والمعادن‬
‫غير الفليزية كالفوسفاط والبوتاس الخ‪ .‬أما بالنسبة للموارد الطبيعية المتجددة‪ ،‬فهي‬
‫األخرى توجد في البيئة حسب كميات محدودة لكنها تتميز عن الموارد غير المتجددة‪،‬‬
‫بكونها تتجدد بكيفية طبيعية حسب دورات معينة كما هو الشأن بالنسبة للماء‬
‫والنباتات والحيوانات البرية والموارد البيولوجية المائية والطاقة‪ .‬والتجديد ال يعني‬
‫أن هناك زيادة في الكميات إلى ما ال نهاية‪ .‬بل التجديد يقصد به أن البيئة تتوفر على‬
‫كميات محددة من العناصر والمواد الكيميائية التي من جراء تعاقب الحياة والموت‬
‫تدخل في دورات معينة لتنتج من جديد الحياة وعناصر ومواد كيميائية‪ .‬وهذا ما يحدث‬
‫‪28‬‬
‫مثالً بالنسبة للغازات التي يتكون منها الجو كاألكسجين واآلزوت وثاني أكسيد‬
‫الكاربون‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫ب به لقادِرون }‬
‫سكناه في‬
‫{ َوأ َ ْن َز ْلنَا من‬
‫السماء ما ًء بِقَدر فأ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫األرض و ِإنَّا على ذها ِ‬
‫(سورة المؤمنون ‪ :‬اآلية ‪.)18‬‬
‫لقد أصبح اليوم معروفا أن كمية الماء التي يتكون منها المحيط البيئي محدودة حيث‬
‫تقدر بـ ‪ 1.350‬مليون كيلومتر مكعب موزعة كالتالي ‪:‬‬
‫الماء السائل‬
‫ـ المحيطات‬
‫ـ المياه الجوفية‬
‫ـ بحيرات الماء العذب‬
‫ـ بحيرات مالحة وبحار داخلية‬
‫ـ ماء التربة ( الرطوبة)‬
‫ـ مجاري المياه‬
‫الماء الصلب‬
‫ـ الجليديات القطبية‬
‫ـ جليديات المناطق المعتدلة واالستوائية‬
‫الماء الغازي‬
‫‪29‬‬
‫ـ بخار الماء الجوي‬
‫ـ ماء المحيط الحيوي‬
‫ـ ماء الكائنات الحية‬
‫وإذا كانت الموارد الطبيعية محدودة الكميات‪ ،‬فهذا يعني أن كمية العناصر الكيميائية‬
‫التي تتكون منها هذه الموارد هي األخرى محدودة‪.‬‬
‫بالفعل‪ ،‬إن أي مورد كيفما كان نوعه يتألف من جزيئات تتكون هي األخرى من ذرات‪.‬‬
‫فالماء مثالً يتكون من جزيئتين من الهيدروجين وجزئية واحدة من األكسجين‪ .‬فعندما‬
‫يتم الحديث عن محدودية كمية الماء على مستوى البيئة بأكملها‪ ،‬فهذا يعني أن هذه‬
‫الكمية تتكون هي األخرى من عدد محدود من ذرات الهيدروجين واألكسجين‪ .‬يقول‬
‫هللا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ‪:‬‬
‫ب عنه‬
‫ساعَةُ قُ ْل َبلَى َو َر ِبّي لَتَأ ْ ِت َينَّ ُك ْم‬
‫{ وقال الذين كفروا ال تَأْتينا ال َّ‬
‫ب ال َي ْع ُز ُ‬
‫عالم الغي ِ‬
‫ِ‬
‫مبين‬
‫ب‬
‫ت وال في‬
‫األرض وال أ َ ْ‬
‫ِمثقال ذَ َّر ٍّة في السموا ِ‬
‫ِ‬
‫صغَر من ذلك وال أ َ ْك َبر إال َّ في كتا ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫} (سورة سبإ ‪ :‬اآلية ‪.)3‬‬
‫وهنا تجدر اإلشارة إلى أن علماء الكيمياء عندما يتعاملون مع المادة‪ ،‬يعرفون أن‬
‫كمية هذه المادة ال تزيد وال تنقص رغم التحوالت التي تمر منها‪ .‬وهذا هو ما توصل‬
‫إليه عالم الكيمياء الفرنسي الفوازيي (‪ )Lavoisier‬في القرن الثامن عشر حين قال‬
‫‪> :‬ال شيء يضيع والشيء يضاف‪ ،‬الكل يتحول< ليتخذ أشكاال ً مختلفة‪ .‬وهذا هو ما‬
‫يجري داخل المحيط البيئي حيث المادة في تحوالت مستمرة لتتخذ أشكاال ً تتكون منها‬
‫الحياة وأخرى يتألف منها الماء والهواء والتربة‪ .‬وقد أشار الحق سبحانه وتعالى إلى‬
‫هذه التحوالت بقوله ‪:‬‬
‫ج فيها وهو‬
‫ج منها و َما َي ْن ِز ُل من‬
‫{ َي ْعلَ ُم َما َي ِل ُج في‬
‫السماء وما َي ْع ُر ُ‬
‫األرض ًِ وما َي ْخ ُر ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الرحيم الغفور } (سورة سبإ ‪ :‬اآلية ‪.)2‬‬
‫‪30‬‬
‫إن العلم الحديث أثبت بالفعل أن المادة تتحول باستمرار على مستوى المحيط البيئي‬
‫بأكمله من خالل ما يسمى بالدورات البيوجيوكيميائية‪ ،‬أي الدورات التي تجدد مكونات‬
‫البيئة الحية وغير الحية‪ .‬من بين هذه الدورات‪ ،‬نذكر على سبيل المثال ‪:‬‬
‫ـ دورة الماء‬
‫ـ دورة األكسيجين‬
‫ـ دورة الكاربون‬
‫ـ دورة الآلزوت‬
‫ـ دورة الفوسفور‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫وكما جاء في اآلية سالفة الذكر‪ ،‬فإن الدورات تتخذ األرض والجو نطاقا ً لتتحقق‪.‬‬
‫فالماء مثالً ينزل من الجو إلى األرض لتستفيد منه الكائنات الحية ثم تحت تأثير عامل‬
‫الحرارة يتبخر ويصعد إلى الجو ليعود مرة أخرى إلى األرض‪ .‬وهكذا‪ ،‬فرغم تعدد‬
‫األشكال التي تتخذها المادة من خالل ما هو حي وما هو غير حي‪ ،‬فإن األجزاء التي‬
‫تتألف منها المادة محدودة الكمية كما جاء في كتاب هللا عز وجل ‪:‬‬
‫شيء عددا ً } (سورة الجن ‪ :‬اآلية ‪.)28‬‬
‫صى كل‬
‫ٍّ‬
‫{ وأَحْ َ‬
‫‪ .3.4‬مفهوم تنوع الحياة ‪:‬‬
‫إن مفهوم تنوع الحياة أو ما يسمى حاليا ً بالتنوع البيولوجي مفهوم حديث حيث ظهر‬
‫إلى الوجود خالل الثمانينات وتم تكريسه في النصف األول من التسعينات من خالل‬
‫اتفاقية دولية انبثقت عن مؤتمر ريو سنة ‪.1992‬‬
‫والمقصود بالتنوع البيولوجي هو الخاصية التي تتميز بها الحياة لتظهر في الطبيعة‬
‫حسب أنواع وأشكال عديدة ومختلفة‪ .‬وجدير بالذكر أن هذا التنوع يظهر على جميع‬
‫‪31‬‬
‫مستويات التدرج البيولوجي بدأ من الخاليا واألعضاء ومرورا باألجسام إلى األنواع‬
‫والجماعات‪.‬‬
‫إن التنوع البيولوجي ضروري الستمرار الحياة إذ بواسطته تستطيع الكائنات الحية أن‬
‫تواجه التغييرات التي تحدث في األوساط التي تعيش فيها بصفة خاصة وفي البيئة‬
‫بصفة عامة‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فكلما كانت النظم البيئية غنية بأنواع وأشكال الحياة‪ ،‬كلما كانت لها القدرة‬
‫والوسائل للتصدي لهذه التغييرات‪ .‬وهنا البد من اإلشارة إلى أن التنوع البيولوجي‬
‫واحد من العوامل األساس التي تساهم في التنظيم الذاتي للنظم البيئية لتضمن توازنها‬
‫واستمرار الحياة بها‪.‬‬
‫ولعل أكثر الكائنات تنوعا ً الحشرات متبوعة بالنباتات ثم الكائنات الالفقرية والمجهرية‬
‫ثم األسماك ثم الثدييات والزواحف والضفدعيات وأخيرا ً الطيور‪ .‬وقد تم تقدير كمية‬
‫هذه الكائنات على صعيد المحيط البيئي بما مجموعه ‪ 33.500.000‬نوع لم يتمكن‬
‫اإلنسان إلى حد اآلن إال من معرفة ‪ 1.390.000‬نوعاً‪ ،‬أي ما يعادل ‪.%4‬‬
‫إن هذا التنوع الهائل في أشكال وأنواع الحياة أشار إليه هللا سبحانه وتعالى في كتابه‬
‫العزيز من خالل العديد من اآليات نذكر منها على سبيل المثال ما يلي ‪:‬‬
‫قدير }‬
‫شيء‬
‫ق ما يشا ُء وهللا على ك ِ ّل‬
‫ت‬
‫{ وهلل ملكُ السموا ِ‬
‫ٍّ‬
‫واألرض وما بينهما يَ ْخلُ ُ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫(سورة المائدة ‪ :‬اآلية ‪.)17‬‬
‫شيء ْ‬
‫السماء ما ًء ْ‬
‫فأخ َرجْ ًِنا منه َخ ِضرا‬
‫فأخ َرجْ نا به نباتَ ك ِ ّل‬
‫{ وهو الذي أ َ ْن َزل من‬
‫ٍّ‬
‫ِ‬
‫من النَّ ْخ ِل من َ‬
‫َ‬
‫ج منه حبًّا مترا ِكبا ً ِو َ‬
‫والزيتون‬
‫ب‬
‫ط ْل ِع َها قِ ْنوا ٌن دانية وجنا ٍّ‬
‫نُ ْخر ُ‬
‫ت من أعنا ٍّ‬
‫شت َ ِبها ً وغير متشا ِب ِه ا ْن ُ‬
‫والر َ‬
‫مان ُم ْ‬
‫ت لقوم‬
‫ظ ُروا إلى ث َ َمره إذا أثْ َم َر ويَ ْن ِع ِه ِإ َّن في ذلكم آليا ٍّ‬
‫ُّ‬
‫يؤمنون } (سورة األنعام ‪ :‬اآلية ‪.)99‬‬
‫‪32‬‬
‫ت جعل فيها‬
‫{ وهو الذي َمدَّ‬
‫ي وأنهارا ومن ك ِ ّل الثَّمرا ِ‬
‫َ‬
‫األرض وجعل فيها روا ِ‬
‫س َ‬
‫َز ْو َجي ِْن اثْنَي ِْن } (سورة الرعد ‪ :‬اآلية ‪.)3‬‬
‫سي ُم َ‬
‫ون يُ ْن ِبتُ لكم به‬
‫شراب ومنه‬
‫السماء ما ًء لكم منه‬
‫{ هو الذي أ ْن َز َل من‬
‫شجر فيه ت ُ ِ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ت إن في ذلك آليةً‬
‫َّ‬
‫لقوم يَتَ َفك َُّر َ‬
‫ون }‬
‫ع والزيتو َن والنخي َل‬
‫الز ْر َ‬
‫واألعناب ومن كل الث َّ َم َرا ِ‬
‫َ‬
‫ٍّ‬
‫(سورة النحل ‪ :‬اآليتان ‪.)10-11‬‬
‫السماء ما ًء فَأ َ ْخ َرجْ نَا به‬
‫سبُالً وأ َ ْن َزل من‬
‫ِ‬
‫{ الذي جعل لكم األرض َمهْدا ً و َ‬
‫سلَكَ لكم فيها ُ‬
‫شتَّى } (سورة طه ‪ :‬اآلية ‪.)53‬‬
‫ت َ‬
‫أ َ ْز َواجا ً من نبا ٍّ‬
‫وربَتْ وأ ْن َبتَتْ من ك ِ ّل َز ْوج بَهيج‬
‫{ وترى‬
‫َ‬
‫األرض هامدةً فإذا أ َ ْن َز ْلنَا عليها الما َء ا ْهت َ َّزتْ َ‬
‫} (سورة الحج ‪ :‬اآلية ‪.)5‬‬
‫ماء فمنهم من يمشي على بَ ْط ِن ِه ومنهم من يمشي‬
‫{ وهللا َخ َلقَ ك َّل دابَّ ٍّة من‬
‫ٍّ‬
‫شيء قدير‬
‫ق هللا ما يشا ُء إِ َّن هللا على ك ِ ّل‬
‫ٍّ‬
‫على ِرجْ لين ومنهم من يمشي على أ َ ْربَع يَ ْخلُ ُ‬
‫} ( سورة النور ‪ :‬اآلية ‪.)45‬‬
‫أو لَ ْم يَ َروا إلى األرض كم أنبتنا فيها من ك ِ ّل زوج كريم } ( سورة الشعراء ‪ :‬اآلية‬
‫{ َ‬
‫‪.)7‬‬
‫{ سبحان الذي خلق األزواج كلها مما تنبت األرض ومن أنفسهم ومما ال يعلمون }‬
‫(سورة يس ‪ :‬اآلية ‪.)36‬‬
‫ي وأ ْن َبتْنَا فيها من ك ِ ّل زوج بهيج } (سورة ق ‪:‬‬
‫{‬
‫َ‬
‫واألرض َمدَدْناها وأ َ ْل َقيْنا فيها روا ِ‬
‫س َ‬
‫اآلية ‪.)7‬‬
‫إن القرآن الكريم يعطي أهمية كبيرة لتنوع الحياة حيث يشير إلى اختالف النباتات‬
‫والحيوانات‪ .‬ولو أن أكثر اآليات سالفة الذكر خصصت للتنوع النباتي‪ ،‬فهناك اآلية‬
‫‪ 45‬من سورة النور التي تشير إلى التنوع الحيواني‪ .‬وإن اقتصرت هذه اآلية على‬
‫‪33‬‬
‫ذكر البعض من الحيوانات‪ ،‬فإن هللا سبحانـه وتعالـى ينهـي هذه اآلية بقولـه ‪ { :‬يخلق‬
‫هللا ما يشاء إن هللا على كل شيء قدير } وهذا معناه أن عدم اإلشارة إلى جميع أنواع‬
‫الحيوانات والنباتات في القرآن الكريم يجب أن ال يفسر باقتصار التنوع البيولوجي‬
‫على ما جاءت به اآليات الكريمة‪.‬‬
‫إن هللا سبحانه وتعالى يقول ‪ { :‬وإن تعدوا نعمة هللا ال تحصوها } (سورة إبراهيم ‪:‬‬
‫اآلية ‪ .)34‬كما يقول سبحانه وتعالى كذلك ‪ { :‬والخيل والبغال والحمير لتركبـوها‬
‫وزينة ويخلـق ماال تعلمـون } (سورة النحل ‪ :‬اآلية ‪ .)8‬فإن دلت هذه اآليات على‬
‫شيء‪ ،‬إنما تدل على أن هللا نوع الخلق لكن اإلنسان لم يستطع أن يتعرف عليه كله‪.‬‬
‫وهذا هو ما أثبته العلم اليوم حيث أن عدد أنواع الحشرات مثالً يقدر ب ‪30000000‬‬
‫نوع بينما ال يعرف العلماء إلى حد اآلن إال ‪ 750.000‬نوع‪ .‬أما الكائنات الالفقرية‬
‫والمجهرية فيقدر عددها بـ ‪ 3.000000‬بينمـا تم إلى حـد اآلن التعرف علـى‬
‫‪ 276.500‬نـوع‪ .‬يقـول سبحـانه وتعالــى ‪ { :‬سبحان الذي خلـق األزواج كلهـا مما‬
‫تنبت األرض ومن أنفسهم وممـا ال يعلمـون } (سورة يس ‪ :‬اآلية ‪.)36‬‬
‫إن مفهوم تن وع الحياة أصبح اليوم يحتل الصدارة في األوساط التي تهتم بشؤون‬
‫البيئة‪ .‬وال سبيل للقول إن هذا االهتمام أتى بعد أن أدرك اإلنسان الدور الحاسم الذي‬
‫يلعبه التنوع في استمرار دورة الحياة‪ .‬وهنا البد من اإلشارة إلى أن مفهوم تنوع‬
‫الحياة ال يمكن فصله عن مفهومي شمولية البيئة والتوازن‪ .‬إن التنوع البيولوجي‬
‫واحد من العوامل األساس الشمولية التي تساهم في استمرار توازن المحيط البيئي‬
‫الذي يتكون من الجو ومن سطح القارات ومن ماء المحيطات والبحار إضافة إلى‬
‫ضوء الشمس والمحيط الذي يتألف من جميع الكائنات الحية‪ .‬يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫والفلك التي تجري في البحر‬
‫والنهار‬
‫واألرض واختالِف اللي ِل‬
‫ت‬
‫ق السموا ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫{ ِإ َّن في َخ ْل ِ‬
‫األرض بعد َم ْوتِها وبَ َّ‬
‫ث فيها‬
‫ماء فأَحْ يا به‬
‫الناس وما أ َ ْن َز َل هللا من‬
‫بما يَ ْن َف ُع‬
‫َ‬
‫السماء من ٍّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ألرض آليات لقوم‬
‫السماء وا‬
‫س َّخ ِر بين‬
‫ِ‬
‫ب ال ُم َ‬
‫من كل دابَّ ٍّة وتَص ِْر ِي ِ‬
‫ِ‬
‫الرياح والسحا ِ‬
‫ف ِّ‬
‫يعقلون } (سورة البقرة ‪ :‬اآلية ‪.)164‬‬
‫‪34‬‬
‫إن هذه اآلية الكريمة تؤكد شمولية البيئة التي سبق الحديث عنها‪ .‬لقد أشار الحق‬
‫سبحانه وتعالى في هذه اآلية إلى العناصر المادية التي تتكون منها هذه البيئة من جو‬
‫(سماء) وأرض (سطـح األرض) ومـاء وكائنـات حية‪ .‬وحينما يقـول سبحانــه‬
‫وتعالــى ‪ { :‬آليـات لقوم يعقلـون }‪ ،‬فإنه يدعـو عباده للتأمـل والتمعن في مكـونات‬
‫هذا الكـون وفي العالقـات القائمـة بينـها‪ .‬وحينمـا يقـول سبحـانه وتعالـى فـي نفس‬
‫اآليـة ‪:‬‬
‫{ وما أنزل هللا من السماء من ماء فأحيا به األرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة‬
‫}‪ .‬فهذه إشارة للتنوع البيولوجي الذي على اإلنسان أن يتأمل فيه كواحد من عناصر‬
‫وحدة الكون وشموليته‪.‬‬
‫‪ .3.5‬مفهوم الغائية ‪:‬‬
‫من أهم المفاهيم التي وردت في المقترحات التي تقدم بها المفكرون لتغيير نظرة‬
‫اإلنسان للبيئة‪ ،‬مفهوم الغائية الذي ينص على أن كل كائن حيا ً كان أم غير حي هو في‬
‫الحقيقة مركز غائية‪ ،‬أي بمعنى أن هذا الكائن ينزع إلى تحقيق غاية معينة‪ .‬في هذه‬
‫الحالة‪ ،‬فإذا اعتبرت الكائنات مراكز غائية‪ ،‬فهذا يعني أنها تتحول من مجرد كائنات‬
‫مجهولة تتكون منها البيئة إلى كائنات ذات قيمة ذاتية وجودها له مبرر يتمثل في‬
‫كونها وسائل تتحقق من خاللها غايات معينة‪.‬‬
‫وإذا وضعنا مفهوم الغائية في إطار بيئي‪ ،‬فقد يصعب على المرء أن يتصور أن كل‬
‫كائن من ضمن الكائنات التي تتكون منها البيئة والتي تعد بالماليير (عدد البشر‬
‫وحدهم أكثر من خمسة ماليير) وجد من أجل أن تتحقق من خالله غاية معينة‪ .‬فال‬
‫سبيل لالستغراب ألن كل كائنات البيئة كيفما كان نوعها تعد وسائل وقنوات تتحقق من‬
‫خاللها الكثير من الغايات المختلفة‪ .‬فإذا اعتبرنا مثالً بعض األنواع من الحشرات ومن‬
‫ضمنها الفراشات والنحل‪ ،‬فسنجد أنها عندما تكون منهمكة في الحصول على قوتها‬
‫بتنقلها بين األ زهار‪ ،‬فإنها في نفس الوقت تلقح هذه األزهار بواسطة اللقاح الذي‬
‫‪35‬‬
‫تحمله مختلف أجزاء أجسامها‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإن هذه الكائنات بدون أن تشعر تمكن العديد‬
‫من النباتات من التكاثر‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬من استمرار الحياة‪ .‬وما يقال عن الحشرات‬
‫والطيور‪ ،‬يقال كذلك عن بعض الثدييات التي يكسو جسمها وبر أو صوف‪ .‬فعندما‬
‫تكون هذه الحيوانات بصدد البحث عن قوتها‪ ،‬فإن بعض األنواع من البذور وخصوصا ً‬
‫منها الشائكة تلتصق بريشها أو بوبرها أو بصوفها‪ ،‬الشيء الذي يساعد على نقل‬
‫هذه البذور من مكان آلخر‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬تمكينها من اإلنبات في وسط بعيد عن الوسط‬
‫األم‪ .‬فكما هو الشأن بالنسبة للحشرات‪ ،‬فإن هذه الحيوانات تساعد هي األخرى على‬
‫نقل الحياة من مكان إلى آخر وعلى استمرارها‪.‬‬
‫وما يقال عن الثدييات‪ ،‬يمكن أن يقال عن بعض األنواع من الديدان ومنها على‬
‫الخصوص دودة األرض التي تعيش داخل التربة التي تتوفر فيها نسبة معينة من‬
‫الرطوبة‪ .‬لكي تتغذى هذه الدودة‪ ،‬فإنها تبلع حبات دقيقة من التربة لتأخذ منها بعد‬
‫عملية الهضم ما هي في حاجة إليه من الغذاء ثم تعيد الباقي إلى التربة‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإن‬
‫هذه الدودة بعملها هذا أوال ً تحرك التربة‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬تسهل نفوذ الهواء إليها‪ ،‬وثانيا ً‬
‫تغنيها بأمالح معدنية بعد خضوع هذه التربة لعملية الهضم داخل جسمها‪ .‬وجدير‬
‫بالذكر أن هذا العمل له نتيجة تتمثل في ازدياد خصوبة التربة وتحسين تهويتها‪،‬‬
‫الشيء الذي يسهل إنبات البذور التي تسقط على التربة أو توضع فيها‪ .‬إن دودة‬
‫األرض كما هو الشأن بالنسبة للحيوانات سابقة الذكر‪ ،‬تساهم في استمرار الحياة‪.‬‬
‫وما يقال عن الحيوانات‪ ،‬يمكن أن يقال عن النباتات‪ .‬فبالنسبة مثالً للنباتات‬
‫الخضراء‪ ،‬من المعروف أنها تلتقط ضوء الشمس وتأخذ ثاني أكسيد الكربون من‬
‫الهواء لتصنع المادة العضوية التي بدونها الوجود للحياة‪ .‬ومن المعروف أن‬
‫الحيوانات ليست لها القدرة لصنع المادة العضوية بنفس الطريقة التي تسلكها النباتات‬
‫الخضراء‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬فإن هذه الحيوانات تحصل على المادة العضوية إما بأكل النباتات‬
‫الخضراء مباشرة وإما بأكل الحيوانات التي تتغذى على النباتات الخضراء‪ .‬وهكذا‪،‬‬
‫‪36‬‬
‫فإن النباتات الخضراء تشكل أساسا ً الستمرار الحياة الحيوانية بجميع أشكالها‬
‫وأنواعها‪.‬‬
‫غير أن هذا ال يعني أن استمرار الحياة النباتية غير مضمون‪ .‬بالعكس‪ ،‬إن النباتات‬
‫الخضراء المزهرة لها عدة وسائل لضمان استمرار حياتها‪ .‬من بين هذه الوسائل‪،‬‬
‫تجدر اإلشارة إلى أن العديد من النباتات لها زهور ذات ألوان زاهية تجذب الحشرات‬
‫إليها لتتغذى على رحيقها أو على لقاحها الذي يلتصق بأجسامها كما سبق الذكر‪،‬‬
‫وبالتالي‪ ،‬ينقل من نبات آلخر‪ ،‬الشيء الذي يؤدي إلى عملية اللقاح التي تؤدي‬
‫بدورها فيما بعد إلى ظهور ثمار ثم بذور التي هي الوسيلة التي تستمر بواسطتها‬
‫الحياة النباتية‪.‬‬
‫وكيفما كان الحال‪ ،‬فإن الكائنات الحية نباتية كانت أم حيوانية هي عبارة عن أماكن‬
‫تتحقق من خاللها غايات معينة‪ .‬وإذا كانت أول غاية يسعى إلى تحقيقها الكائن الحي‬
‫هي ضمان حياته‪ ،‬فإنه عندما يكون منهمكا ً في هذا العمل‪ ،‬يؤدي في نفس الوقت‬
‫خدمة تكون غايتها هي استمرار الحياة بصفة عامة‪ .‬وإن اختلفت الوسائل والطرق‬
‫المؤدية إلى هذه الخدمة‪ ،‬فالغاية واحدة تتمثل في استمرار الحياة‪.‬‬
‫وما يقال بصفة عامة عن الكائنات الحية‪ ،‬يمكن أن يقال عن الكائنات غير الحية أي‬
‫الجامدة‪ .‬إن األمثلة في هذا الباب كثيرة ومتعددة‪ .‬فإذا تحدثنا مثالً عن الماء‪ ،‬فسنجد‬
‫أنه يشكل ليس فقط غذاء بالنسبة لجميع الكائنات الحية ولكن كذلك وسطا ً للحياة‬
‫وعنصرا ً لتركيب األجسام ووسيلة نقل داخل هذه األجسام وعامالً لتنظيم درجة‬
‫الحرارة بها‪ ،‬الخ‪ .‬وما يقال عن الماء‪ ،‬يقال كذلك عن الهواء الذي تشكل غازاته من‬
‫أكسجين وهيدروجين وأزوت وثاني أكسيد الكربون‪ ،‬إلخ‪ ،‬غذاء للحيوانات والنباتات‪.‬‬
‫غير أن هذه الغازات تدخل كذلك في تركيب المادتين العضوية والمعدنية اللتين هما‬
‫أساس الحياة‪ .‬وفضالً عن هذا‪ ،‬فإن الهواء يحمل الطيور وتعيش به العديد من‬
‫الكائنات الحية الدقيقة كما يشكل عامالً أساسا ً في استقرار الضغط الذي يمارس على‬
‫الحيوانات والنباتات التي تحيا فوق سطح األرض‪.‬‬
‫‪37‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإذا كان الماء والهواء كائنين غير حيين‪ ،‬فإن الغايات التي تتحقق من‬
‫خاللهما تؤدي إلى تحقيق غاية واحدة أال وهي استمرار الحياة‪ .‬وبصفة عامة‪ ،‬فإن‬
‫الغايات التي تتحقق من خالل الكائنات الحية و غير الحية متعددة‪ ،‬ومتنوعة‪،‬‬
‫ومتداخلة ومرتبطة بعضها ببعض‪ .‬لكنها رغم تعددها وتنوعها وتداخلها وترابطها‬
‫تسعى في آخر المطاف إلى غاية نهائية واحدة أال وهي وحدة الكون وتوازنه‬
‫واستمرار الحياة به ألداء رسالة العبودية الخالصة هلل‪.‬‬
‫وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم من خالل العديد من اآليات نذكر منها على سبيل‬
‫المثال ‪:‬‬
‫ح ِب َح ْم ِد ِه‬
‫يه َّن وإن من‬
‫س ْب ُع‬
‫ب ًّ ًِ ُ‬
‫ٍّ‬
‫ُ‬
‫شيء إال يُ َ‬
‫س ِبّ ُح له السمواتُ ال َّ‬
‫{ تُ َ‬
‫س ّ‬
‫واألرض ومن فِ ِ‬
‫س ِبي َح ُهم إنه كان حليما َ‬
‫غفُورا } (سورة اإلسراء ‪ :‬اآلية ‪.)44‬‬
‫ولكن ال ت ْفقَهون ت َ ْ‬
‫س ُرون‬
‫ت‬
‫{ وله َم ْن في السموا ِ‬
‫ستَحْ ِ‬
‫ست َ ْك ِب ُرون عن ِع َباد ِته وال َي ْ‬
‫واألرض ومن عنده ال َي ْ‬
‫ِ‬
‫والنهار ال َي ْفت َ ُرون } (سورة األنبياء ‪ :‬اآليتان ‪.)19-20‬‬
‫س ِبّ ُحون اللي َل‬
‫يُ َ‬
‫َ‬
‫ت َو ْ‬
‫{ أل ْم ت َ َر َّ‬
‫والقمر والنجو ُم‬
‫والشمس‬
‫األرض‬
‫من في‬
‫س ُجدُ له َم ْن في السموا ِ‬
‫أن هللا يَ ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وكثير من الناس } (سورة الحج ‪ :‬اآلية ‪.)18‬‬
‫َّواب‬
‫والجبا ُل‬
‫والشجر والد ُ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫ع ِل َم صالته‬
‫ت ُك ّل قد َ‬
‫واألرض‬
‫ت‬
‫والطير صافا ٍّ‬
‫س ِبّ ُح له َم ْن في السموا ِ‬
‫{ أل ْم ت َ َر أ َ َّن هللا يُ َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫سبِي َحهُ وهللا علي ٌم بما يفعلون } (سورة النور ‪ :‬اآلية ‪.)41‬‬
‫َوت َ ْ‬
‫والقمر ك ّل يَجْ ري ألج ٍّل‬
‫مس‬
‫{ يُو ِل ُج الليل في النهار ويُو ِل ُج‬
‫النهار في اللي ِل و َ‬
‫َ‬
‫س َّخ َر الش َ‬
‫َ‬
‫س َّمى } (سورة فاطر ‪ :‬اآلية ‪.)13‬‬
‫ُم َ‬
‫ِير العزيز العليم } (سورة يس ‪ :‬اآلية ‪.)38‬‬
‫{‬
‫والشمس تَجْ ري ِل ُم ْ‬
‫ستَقَ ٍّ ّر لها ذلك ت َ ْقد ُ‬
‫ُ‬
‫باطال } (سورة ص ‪ :‬اآلية ‪.)27‬‬
‫{ وما َخلَ ْقنَا السما َء‬
‫َ‬
‫واألرض وما بينهما ِ‬
‫دان } (سورة الرحمن ‪ :‬اآلية ‪.)6‬‬
‫{ والنج ُم‬
‫والشجر َي ْ‬
‫ُ‬
‫س ُج ِ‬
‫‪38‬‬
‫فما هي عالقة هذه اآليات الكريمة بمفهوم الغائية؟ إن هذه العالقة تشير إليها اآليات‬
‫التي تتحدث عن التسبيح والسجود‪ .‬والتسبيح والسجود معناهما هنا طاعة خالق هذا‬
‫الكون وخضوع كائناته له من خالل ما أنيط بها من مهمات‪ .‬وقد سبق وأن أشرنا إلى‬
‫الكائنات الحية عندما تكون منهمكة في البحث والحصول على قوتها‪ ،‬فإنها في نفس‬
‫الوقت تقوم بمهام تساهم بواسطتها في استمرار الحياة‪ .‬كما أشرنا كذلك إلى أن هذه‬
‫المهام رغم تعددها وتنوعها‪ ،‬فإنها تؤدي في نهاية المطاف إلى استمرار وحدة الكون‬
‫وتوازنه‪ .‬يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫فيهن ْ‬
‫س ِبّ ُح بِ َح ْم ِد ِه ولكن‬
‫س ْب ُع‬
‫ُ‬
‫وإن من شيء إال يُ َ‬
‫س ِبّ ُح له السمواتُ ال َّ‬
‫{ تُ َ‬
‫واألرض ومن ِ‬
‫سبي َح ُهم إنه كان حليما َ‬
‫غفورا } (سورة اإلسراء ‪ :‬اآلية ‪.)44‬‬
‫ال ت ْفقَهون ت َ ْ‬
‫فعندما يقول سبحانه وتعالى ‪ { :‬وإن من شيء إال يسبح بحمده }‪ ،‬فهذا معناه أن أي‬
‫كائن حيا ً كان أم جمادا ً قد أناط هللا به مهمة تساهم بكيفية أو أخرى في وحدة وتوازن‬
‫هذا الكون‪ .‬غير أن اإلنسان بنظرته األنانية للبيئة لم يعط أهمية للمعنى السامي‬
‫والروحي للتسبيح‪ ،‬بل صب كل اهتمامه على ما يمكنه أن يجنيه من نفع للكائنات‬
‫ناسيا ً أن وراء هذا التسبيح غاية سامية تتمثل في احترام ما أناطه هللا من مهام‬
‫بمخلوقاته كافة‪ .‬يقول سبحانه وتعالى في نفس اآلية ‪ { :‬لكن ال تفقهون تسبيحهم }‬
‫أي أن العباد‪ ،‬عوض أن يتمعنوا في وحدة الكون وفي تناسقه وتناغمه‪ ،‬أعماهم‬
‫طموحهم للسيطرة على البيئة لالستفادة من جوانبها المادية متجاهلين النهج والنظام‬
‫اللذين بثهما هللا في هذا الكون من خالل كائناته المتنوعة‪ .‬يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫{ أَلَ ْم ت َ َر َّ‬
‫والقمر والنجو ُم‬
‫س ُجدُ له َم ْن في السموات ومن في األرض والشمس‬
‫أن هللا يَ ْ‬
‫ُ‬
‫ب } (سورة الحج‬
‫الناس‬
‫وكـثير من‬
‫اب‬
‫والجـبا ُل‬
‫وكثير ح َّ‬
‫ِ‬
‫ق عليه ال َعذَا ُ ُ‬
‫والشـجر والـد ََّو ُ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫‪ :‬اآلية ‪.)18‬‬
‫إن دلت هذه اآلية على شيء‪ ،‬فإنما تدل على أن الناس صنفان‪ .‬صنف يحترم غايات‬
‫الكون والنظام الذي سنه فيه سبحانه وتعالى من خالل المخلوقات‪ ،‬وصنف يتجاوز‬
‫‪39‬‬
‫النهج اإللهي ويحاول أن يطغى ولو أدى ذلك إلى الخراب والدمار‪ .‬وفي حق هذا‬
‫الصنف الثاني من الناس‪ ،‬يقول سبحانه وتعالى ‪ { :‬وكثير حق عليه العذاب }‪.‬‬
‫وحينما يقول سبحانه وتعالى ‪ { :‬وال تعثوا في األرض مفسدين }‪ ،‬فإن هللا يوصي‬
‫عباده بأن يحافظوا على نظام البيئة وذلك باحترامهم لمكونات هذه البيئة لتقوم بالمهام‬
‫التي أنيطت بها‪.‬‬
‫يقــول سبحانـه وتعالــى ‪ { :‬وما خلقنـا السمـاء واألرض ومـا بينهمـا باطـال } (سورة‬
‫ص ‪ :‬اآلية ‪ )27‬أي أن هللا عندما خلق الكون‪ ،‬لم يترك أي شيء للصدفة تتحكم فيه‪.‬‬
‫بل إن هللا سن لمخلوقاته نهجا ً تسيـر عليه وتعمـل وتؤدي مهامها بموجـبه‪ .‬هذا هو‬
‫ما يشيـر إليه سبحـانه وتعالـى بقوله ‪ُ { :‬ك ٌّل قـد علـم صالتـه وتسبيحـه وهللا عليم بمـا‬
‫يفعلـون } (سورة النور ‪ :‬اآلية ‪.)41‬‬
‫إن مفهوم الغائية الذي توصل إليه المفكرون حديثا ً لم يأت في الحقيقة بجديد‪ .‬إنه فقط‬
‫أكد ما نص عليه القرآن الكريم منذ عدة قرون‪ .‬فحينما يقول هؤالء المفكرون أن أي‬
‫كائن حي له في حد ذاته قيمة‪ ،‬فهذا اعتراف بأن هذا الكائن لم يخلق عبثاً‪ ،‬وبالتالي‪،‬‬
‫فاإلنسان مطالب بأن يحترم هذه القيمة من خالل هذا الكائن‪ ،‬الشيء الذي يحتم عليه‬
‫بصفة عامة أن يغير تعامله مع البيئة‪.‬‬
‫وما أتى به الفكر المعاصر من مفاهيم أكده وال يزال يؤكده العلم بواسطة المالحظة‬
‫والتجريب‪ .‬واألمثلة هنا كثيرة ومتعددة تخص الجراد والنحل والنمل والطيور‬
‫واألسماك والثدييات‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫من المعروف أن العديد من الحيوانات تهاجر من مكان إلى آخر إما من أجل التوالد‬
‫وإما من أجل البحث عن أماكن يتوفر فيها ما تحتاج إليه من غذاء‪ .‬فإذا كان سبب‬
‫الهجرة الواضح هو البحث عن غذاء أو عن أماكن للتوالد‪ ،‬فهناك أسباب أخرى غير‬
‫واضحة للعيان تدفع هذه المخلوقات إلى الهجرة‪ .‬وإن لم يكن هناك أسباب أخرى غير‬
‫األسباب الواضحة‪ ،‬فكيف يمكن تفسير الرغبة القوية التي تنتاب هذه الحيوانات عندما‬
‫‪40‬‬
‫يحل موعد الهجرة‪ .‬وكيف يمكن تفسير المشاق التي تتكبدها هذه الحيوانات وهي في‬
‫طريقها إلى مكان الهجرة ولو كان ذلك على حساب حياة العديد منها‪.‬‬
‫إن البحث عن القوت وعن أماكن للتوالد أسباب غريزية ال نقاش فيها‪ .‬لكن يجب أن ال‬
‫يغيب عن األذهان أن الطيور عندما تهاجر من قارة إلى أخرى‪ ،‬فإنها تساهم بكيفية أو‬
‫بأخرى في استمرار دورة الحياة‪ .‬فإذا تعلق األمر مثالً بالطيور‪ ،‬فمن المعروف أن‬
‫منها من يتغذى على البذور والثمار‪ ،‬ومنها من يتغذى على الحشرات والضفادع‬
‫والفئران واألسماك‪ ،‬الخ‪ .‬فإذا عرفنا أن هذا النوع من األغذية يكون متوفرا ً بكثرة في‬
‫األماكن المهاجر إليها‪ ،‬فإن وجود الطيور المهاجرة في تلك المناطق يمكن تفسيره‬
‫بدافع البحث عن القوت ولكن كذلك بمساهمتها في الحفاظ على التوازن الطبيعي‪.‬‬
‫بالفعل‪ ،‬إن الحشرات والضفادع والفئران‪ ،‬الخ‪ ،‬حيوانات تتوالد بكثرة‪ .‬فإذا لم يوضع‬
‫حد لتكاثرها‪ ،‬فإنها تغزو األوساط وتأتي على ما فيها من حياة‪ ،‬الشيء الذي يؤدي إلى‬
‫اختالالت في التوازنات الطبيعية‪ .‬ولهذا‪ ،‬فإن هجرة الطيور إلى مناطق معينة في‬
‫فترات معينة تساهم في استقرار أعداد بعض األنواع من الحيوانات في مستويات‬
‫معينة‪.‬‬
‫و كيفما كـان الحـال وكمـا جـاء في قولـه تعالـى ‪ { :‬كل قد علم صالته وتسبيحه }‬
‫(سورة النور ‪ :‬اآلية ‪ ،)41‬فإن أي كائن حي وجد في هذا الكون إال وأنيطت به مهمة‬
‫أو مهام وحينما يكون منهمكا في أداء هذه المهام‪ ،‬فإنه يخضع للنهج الذي سن عليه‬
‫الخالق هذا الكون‪ .‬وهذا هو التسبيح والسجود والصالة التي أشار إليه الحق سبحانه‬
‫وتعالى في اآليات الكريمة سالفة الذكر‪.‬‬
‫غير أنه يبدو أن اإلنسان بصفة عامة واإلنسان المعاصر بصفة خاصة قد نسي أو‬
‫تناسى أنه مطالب هو اآلخر كباقي المخلوقات أن يسبح ويسجد ويصلي للخالق وذلك‬
‫بأداء المهام التي أنيطت به ككائن استخلفه هللا في األرض ليؤكد معنى خـلقه وغـاية‬
‫وجوده في الكون بدليل قوله تعالى ‪ { :‬وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون } (سورة‬
‫‪41‬‬
‫الذاريات ‪ :‬اآلية ‪ .)56‬فعوض أن يسير في النهج الذي رسمه هللا سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫فإنه فصل نفسه عن البيئة وأراد أن يسيطر عليها‪ .‬إن اإلنسان بعمله هذا يسيء‬
‫لوحدة الكون التي من أجلها سبحت وتسبح هلل كل مخلوقات هذا الكون‪.‬‬
‫وحينما ركز الفالسفة والعلماء البيئيون على مفهوم الغائية‪ ،‬فإنهم لم يفعلوا شيئا ً‬
‫جديدا ً سوى أنهم حاولوا أن يعيدوا اإلنسان إلى ما بينه هللا لعباده البشر منذ عدة‬
‫قرون‪.‬‬
‫‪ .3.6‬مفهوم حماية البيئة ‪:‬‬
‫إن مفهوم حماية البيئة حديث العهد حيث تم إدخاله في قاموس المعرفة البيئية خالل‬
‫أواخر النصف األول من القرن العشرين‪ .‬فال غرابة إذا اقترن ظهور هذا المفهوم‬
‫بالفترة التي بدأت فيها المجتمعات المعاصرة وخصوصا في الدول المصنعة تعي ما‬
‫ألحقته تصرفاتها وأنشطتها الصناعية من أضرار بالبيئة‪.‬‬
‫بالفعل‪ ،‬إن اإلنسان بما أدخله من تغييرات ضخمة على النظم البيئية تجاوز إلى حد‬
‫كبير الفطرة التي خلق هللا عليها هذه األرض‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬لم تعد هذه األخيرة في أكثر‬
‫من مكان قادرة على استيعاب هذه التغييرات‪ .‬فإذا أبدى اإلنسان بعض االستعداد‬
‫إلصالح ما أفسده‪ ،‬ففي غالب األحيان‪ ،‬يبقى هذا االستعداد على مستوى النوايا وليس‬
‫على مستوى األفعال‪.‬‬
‫فكيف لإلنسان أن يصلح ما أفسده في البيئة ونظرته األنانية لهذه البيئة لم تتغير في‬
‫شيء؟ فال يزال اإلنسان يطمح إلى السيطرة على البيئة وال يزال يستغل مواردها‬
‫استغالال غير عقالني وال يزال يستعمل التكنولوجيات المتناقضة مع نواياه اإلصالحية‬
‫وال يزال يطمح إلى تحقيق أعلى المستويات في التقدم االقتصادي المادي المبني‬
‫على اإلنتاج واالستهالك الالمحدود ين‪ .‬بل ال يزال يفصل نفسه عن البيئة طمعا ً في‬
‫إخضاعها بواسطة العلم والتكنولوجيا لرغباته اإلنمائية‪.‬‬
‫‪42‬‬
‫إن اإلنسان رغم النداءات المتتالية واآلتية من جميع أنحاء المعمور‪ ،‬ال يزال يتعامل‬
‫مع البيئة حسب نظرته األنانية وتفكيره المخطئ الذي يفرز تصرفات مضرة بالبيئة‪.‬‬
‫وخير دليل على ذلك‪ ،‬عدم تحقق كامل أهداف قمة األرض الثانية التي انعقدت‬
‫بنيويورك خالل شهر يونيو سنة ‪ 1997‬والتقدم البطيء الذي تعرفه االتفاقيات الثالث‬
‫التي انبثقت عن قمة األرض األولى التي انعقدت بريو سنة ‪ 1992‬والتي تتعلق بتغيير‬
‫المناخ والتنوع البيولوجي والتصحر‪ .‬إن مفهوم حماية البيئة سوف لن يكتب له‬
‫النجاح ما دام اإلنسان المعاصر متشبثا ً بنظرته األنانية للبيئة وما يترتب عنها من‬
‫أنماط غير عقالنية الستغالل الموارد ولبناء االقتصاد والمستوطنات البشرية‬
‫والمنشآت الصناعية‪.‬‬
‫إن خروج مفهوم حماية البيئة إلى حيز التطبيق يقتضي أن يغير اإلنسان نظرته للبيئة‬
‫وأن يعود إلى الصواب الذي رسمه له هللا في كتابه العزيز‪ .‬يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫سبُالً لعلكم تهتدون } (سورة الزخرف ‪:‬‬
‫{ الذي جعل لكم‬
‫َ‬
‫األرض َمهْدا ً وجعل لكم فيها ُ‬
‫اآلية ‪.)10‬‬
‫لقد آن األوان ليسلك اإلنسان السبل التي رسمها له هللا والمتمثلة في استعمال العلم‬
‫استعماال ً يليق وما يتطلبه النهج البيئي السليم‪ .‬في هذه الحالة‪ ،‬يكون اإلنسان قد خطا‬
‫خطوات نحو التطبيق الفعلي لحماية البيئة‪.‬‬
‫وفضالً عن كل هذا‪ ،‬فإذا شعر اإلنسان المعاصر بضرورة حماية البيئة يجب أن ال‬
‫يعني هذا أنه في الماضي وفي القرون السابقة لم يكن مطالبا ً بالقيام بهذه المهمة‪ .‬بل‬
‫بالعكس‪ ،‬إن مفهوم حماية البيئة مرتبط بوجود اإلنسان على سطح األرض وذلك ألن‬
‫هللا‪ ،‬من جهة‪ ،‬استخلفه في هذه األرض‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬ألن اإلنسان هو أكثر‬
‫المخلوقات توغالً في البيئة واستغالال ً لمواردها‪ .‬فإذا كان اإلنسان المعاصر مطالبا ً بأن‬
‫يحمي بيئته أكثر من أي وقت مضي‪ ،‬فإن هذه الحماية واجب مالزم لوجود اإلنسان‪.‬‬
‫‪43‬‬
‫إن هذا اللزوم وارد في القرآن الكريـم غير ما مرة‪ .‬فحينما يقـول سبحانـه وتعـالى ‪{ :‬‬
‫وهللا ال يحب المفسدين } (سورة المائدة ‪ :‬اآلية ‪ )64‬أو { وال تسرفوا إنه ال يحب‬
‫المسرفين } (سورة األنعام ‪ :‬اآلية ‪ )141‬أو { وال تفسدوا في األرض بعد إصالحها }‬
‫(سورة األعراف ‪ :‬اآلية ‪ ،)85‬فإنه يدعو اإلنسان إلى أن يتجنب الفساد واإلسراف‬
‫ألنهما عامالن من عوامل تخريب البيئة وتدميرها‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬فإن هللا يدعو هذا‬
‫اإلنسان بصفة غير مباشرة إلى أن يحمي هذه البيئة ويحافظ عليها‪.‬‬
‫واآليات التي تشير إلى وجوب حماية البيئة من طرف اإلنسان كثيرة نذكر منها على‬
‫سبيل المثال ‪:‬‬
‫{ يا أيها الذين آمنوا ُكلُوا من َ‬
‫ت ما َر ْزقناكم واشْكروا ِ َّّلِل ِإ ْن ُك ْنتُم ِإيَّاهُ ت َ ْعبُدُون }‬
‫ط ِيّبا ِ‬
‫(سورة البقرة ‪ :‬اآلية ‪.)172‬‬
‫َ‬
‫صوها َّ‬
‫اإلنسان لظلو ٌم كَفار }‬
‫إن‬
‫{ وآتاكم من ك ِ ّل ما سأ ْلت ُ ُم ُوه و ِإ ْن تَعُدُّوا ِن ْع َمةَ هللا ال تحْ ُ‬
‫(سورة إبراهيم ‪ :‬اآلية ‪.)34‬‬
‫سيمون يُ ْن ِبتُ لكم به‬
‫شراب ومنه‬
‫السماء ما ًء لكم منه‬
‫{ هو الذي أ ْن َز َل ِم َن‬
‫شجر فيه ت ُ ِ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ت إِ َّن في ذلك آليةً لقوم يتفكَّرون }‬
‫والزيتون والنخي َل‬
‫ع‬
‫الز ْر َ‬
‫واألعناب ومن ك ِ ّل الثمرا ِ‬
‫َ‬
‫(سورة النحل ‪ :‬اآليتان ‪)10-11‬‬
‫س َّخ َر‬
‫{ وما ذَ َرأ َ لكم في‬
‫األرض ُم ْخت َ ِلفا ً أ َ ْلواُنهُ إِ َّن في ذلك آليةً لقوم يَذَّك َُّرون وهو الذي َ‬
‫ِ‬
‫اخ َر فيه‬
‫سونَها وتَرى الفُ ْلكَ َم َو ِ‬
‫البحر لتأكلوا منه لَحْ ما ً طريا ً وت َ ْ‬
‫ست َ ْخ ِر ُجوا منه ِح ْليَةً ت َ ْلبَ ُ‬
‫سي أ َ ْن ت َ ِميدَ بِكُم وأ َ ْنهارا ً‬
‫و ِلت َ ْبتَغُوا ِم ْن فَ ْ‬
‫ض ِل ِه ولعلَّكم ت َ ْ‬
‫شكُرون وأ ْلقَى في‬
‫األرض َر َوا ِ‬
‫ِ‬
‫سبُالً لعلَّكم ت َ ْهتَدُون } (سورة النحل ‪ :‬اآليات ‪.)13-14-15‬‬
‫و ُ‬
‫سكَرا ً ْ‬
‫ب تَت َّ ِخ َ‬
‫سنا ً ِإ َّن في ذلك آليةً لقوم‬
‫{ ومن ثمرا ِ‬
‫ورزقا ً َح َ‬
‫ذون منه َ‬
‫ت النَّخي ِل واألعنا ِ‬
‫يعقلون } (سورة النحل ‪ :‬اآلية ‪.)67‬‬
‫‪44‬‬
‫س َرابِي َل ت َ ِقيكُم‬
‫{ وهللا جعل لكم مما َخ َلقَ ِظالال ً وجعل لكم من الجبا ِل أ ْكنَانا ً وجعل لكم َ‬
‫س ِل ُمون } (سورة النحل ‪:‬‬
‫سكُم كذلك يُتِ ُّم ِن ْع َمتَهُ عليكم لعلَّكم ت ُ ْ‬
‫سرابِي َل ت َ ِقيكُم َبأ ْ َ‬
‫ال َح َّر و َ‬
‫اآلية ‪.)81‬‬
‫وارعَوا أ َ ْنعا َمكُم إن في ذلك آليةً ألولي النُّهى } (سورة طه ‪ :‬اآلية ‪.)54‬‬
‫{ ُكلُوا ْ‬
‫السماء ما ًء َ‬
‫س ِق َيهُ مما َخلَ ْق َنا أ ْنعاما ً‬
‫{ وأ ْن َز ْل َنا ِم َن‬
‫ي به َب ْلدَةً َم ْي ًِتا ً ونُ ْ‬
‫ِ‬
‫طهورا ِلنُحْ ِي َ‬
‫الناس إال ُكفُورا ً } (سورة الفرقان‬
‫أكثر‬
‫ي كثيرا ً ولقد َ‬
‫وأنا ِ‬
‫ِ‬
‫ص َّر ْفنَاهُ بين ُهم ِل َيذَّكَّروا فأ َبى ُ‬
‫س َّ‬
‫‪ :‬اآليات ‪)48-49-50‬‬
‫زوج كريم إن في ذلك آليةًّ وما كان‬
‫أولَ ْم يَ َروا إلى‬
‫األرض كم أ َ ْنبَتْنا فيها من ك ِ ّل ْ‬
‫ِ‬
‫{ َ‬
‫ؤمنين } (سورة الشعراء ‪ :‬اآليتان ‪.)7-8‬‬
‫أكثر ُهم ُم ِ‬
‫ُ‬
‫ْص َرةً و ِذ ْكرى‬
‫{‬
‫َ‬
‫واألرض َمدَ ْدنَاها وأ ْل َق ْينَا فيها روا ِ‬
‫بهيج تَب ِ‬
‫س َ‬
‫ٍّ‬
‫ي وأ َ ْن َبتْنَا فيها من ك ِ ّل زوجٍّ‬
‫ب } (سورة ق ‪ :‬اآليتان ‪.)7-8‬‬
‫لك ِ ّل َ‬
‫ع ْب ٍّد ُمني ٍّ‬
‫إن هذه اآليات الكريمة تشير كلها إلى ما أنعم هللا به من خيرات ومنافع على اإلنسان‪.‬‬
‫والمالحظ أنها كلها تنتهي بعدة صيغ تنبه اإلنسان من غفلته حيث يقول سبحانه‬
‫وتعالى ‪:‬‬
‫ـ { إن كنتم إياه تعبدون }‬
‫ـ { إن اإلنسان لظلوم كفار }‬
‫ـ { إن في ذلك آلية لقوم يتفكرون }‬
‫ـ { إن في ذلك آلية لقوم يتذكرون }‬
‫ـ { ولعلكم تشكرون }‬
‫ـ { لعلكم تهتدون }‬
‫‪45‬‬
‫ـ { إن في ذلك آليات لقوم يعقلون }‬
‫ـ { لعلكم تسلمون }‬
‫ـ { إن في ذلك آليات ألولي النهى }‬
‫ـ { فأبى أكثر الناس إال كفورا }‬
‫ـ { إن في ذلك آلية وما كان أكثرهم مؤمنين }‬
‫ـ { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب }‪.‬‬
‫دل هذا على أن هللا سبحانه وتعالى وهب لعباده كل ما هم في حاجة إليه من خيرات‬
‫وأنعام ومنافع‪ .‬وعندما ينهي آياته القرآنية بالتنبيه‪ ،‬فإنه في الحقيقة يدعوهم إلى أن‬
‫يعترفوا بهذه النعم بتسبيحه وحمده وذلك بالقيام بمهامهم كمستخلفين في األرض‪.‬‬
‫ومن ضمن هذه المهام‪ ،‬أمانة المحافظة على البيئة وضمان استمرار ثرواتها‪.‬‬
‫إن التنبيهات التي ينهي بها هللا بها سبحانه وتعالى اآليات سالفة الذكر هي نداء‬
‫لإلنسان بأن يكون في مستوى النعم التي حباه هللا إياها‪ .‬فإذا عبد الناس هللا وتفكروا‬
‫وتذكروا وشكروا واهتدوا وعقلوا وأسلموا وكانوا من أهل النهى وآمنوا وتبصروا‬
‫وأنابوا‪ ،‬فسيدركون أن عليهم حق صيانة وحماية البيئة التي من فضلها يأكلون‬
‫وينتفعون‪.‬‬
‫لكن اإلنسان المعاصر أراد أن يأكل وينتفع ويستفيد دون أن يؤدي مهامه كمستخلف‬
‫في األرض ناسيا ً أن استخالفه هذا أمانة وليس ترخيصا ً للتصرف المطلق وغير‬
‫العقالني في الخيرات واألنعام والمنافع‪.‬‬
‫‪46‬‬
‫إن هللا حين منح لعباده خيرات األرض ومنافعها‪ ،‬فقد خول لهم فقط حق االنتفاع‪،‬‬
‫وحق االنتفاع هذا يحتم على المنتفع كلما حصل على نفع أن يصون مصدر االنتفاع‬
‫ويحافظ عليه ليستفيد منه في الحاضر والمستقبل‪.‬‬
‫يقول هللا سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫أرساها َمتاعا ً لكم‬
‫{‬
‫َ‬
‫واألرض بعد ذلك دَحاها أ َ ْخ َر َج منها ما َءها و َم ْرعاها والجبا َل ْ‬
‫امكُم } (سورة النازعات ‪ :‬اآليات ‪.)30-33‬‬
‫وأل ْن َع ِ‬
‫{ فَ ْليَ ْن ُ‬
‫األرض شقَّا فَأ َ ْن َبتْنا فيها‬
‫شقَ ْقنَا‬
‫ظر اإلنسا ُن إلى‬
‫صبَ ْب َنا الما َء صبًا ثم َ‬
‫َ‬
‫طعام ِه أنَّا َ‬
‫ِ‬
‫ضبا ً وزيتونا ً ونَ ْخالً وحدائقَ ُ‬
‫حبا ً و ِعنَبا ً وقَ ْ‬
‫غ ْلبا ً وفاكهةً وأبًّا َمتاعًا لكم وألنعامكم }‬
‫(سورة عبس ‪ :‬اآليات ‪.)24-32‬‬
‫فعندما يقول سبحانه وتعالى ‪ { :‬متاعا لكم وألنعامكم } فهذا هو حق االنتفاع الذي هو‬
‫أمانة في عنق اإلنسان عليه أن يحافظ عليها ويضمن انتقالها من جيل إلى آخر‪.‬‬
‫فحينما نقول من جيل آلخر‪ ،‬فهذا ال يعني أن هذا الحق يخص فقط أجيال البشر‪ .‬بل إنه‬
‫يخص أجيال الكائنات الحية بجميع أنواعها‪.‬‬
‫يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫{ وما من دابة في األرض وال طائر يطير بجناحيه إال أمم أمثالكم } (سورة األنعام ‪:‬‬
‫اآلية ‪.)38‬‬
‫وهذا يعني أن جميع الكائنات الحية لها حق االنتفاع من خيرات األرض‪ .‬غير أن هذا‬
‫الحق لن يكون ممكنا ً إال إذا أدى اإلنسان األمانة المتمثلة في ضمان انتقال االنتفاع‬
‫عبر العصور واألجيال‪ ،‬الشيء الذي يعني أن على هذا اإلنسان بذل المزيد من الجهود‬
‫لحماية وصيانة مصادر االنتفاع‪.‬‬
‫‪47‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإذا شعر اإلنسان المعاصر بضرورة حماية مصادر انتفاعه من البيئة‪ ،‬فإنه لم‬
‫يفعل إال ما أمره هللا به منذ أن وجد على سطح األرض‪.‬‬
‫نحو مبادئ عامة لتبني تنمية شاملة مستدامة ذات توجه إسالمي‬
‫من خالل ما سبق‪ ،‬يتضح أن كل ما جاء به الفكر البيئي المعاصر من مفاهيم لتغيير‬
‫نظرة اإلنسان للبيئة قد أشار إليها القرآن الكريم من خالل العديد من آياته المجيدة‪،‬‬
‫سواء تعلق األمر بمفاهيم شمولية البيئة والتوازن ومحدودية الموارد وتنوع الحياة‬
‫والغائية أو حماية البيئة‪.‬‬
‫إن دل هذا على شيء‪ ،‬فإنما يدل على أن هللا عز وجل بين لعباده في كتابه العزيز‬
‫التوجهات الكبرى والمبادئ األساسية العامة التي عليهم أن يتبعوها لتنظيم تعاملهم‬
‫مع البيئة‪ .‬وهذا يعني أنه سبحانه وتعالى وضع اإلطار العام الذي يجب أن تنبثق منه‬
‫تصرفات اإلنسان داخل البيئة وتصب فيه‪ .‬وحينما نقول إن هللا رسم لعباده التوجهات‬
‫الكبرى والمبادئ األساس‪ ،‬يجب أن ال َيعُدَّ هذا بمثابة تقييد أليدي اإلنسان‪ .‬بل العكس‪،‬‬
‫إن هللا ترك لعباده حرية التصرف ولكن على أن يبقى هذا التصرف فيما رسمه هللا من‬
‫حدود‪.‬‬
‫يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ‪:‬‬
‫{ وما ِمن َ‬
‫َ‬
‫ب ُمبِين َّ‬
‫ص على بني‬
‫إن هذا‬
‫السماء‬
‫غائِبَ ٍّة في‬
‫القرآن َيقُ ُّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫واألرض إال في ِكتَا ٍّ‬
‫دى ورحمةً للمومنين } (سورة النمل ‪:‬‬
‫إسرائيل‬
‫َ‬
‫أكثر الذي ُه ْم فيه يَ ْخت َ ِلفون وإنه َل ُه ً‬
‫اآليات ‪.)75-76-77‬‬
‫إن القرآن الكريم ليس كتابا ً في علم البيئة لكنه يشكل المنبع األول واألخير الذي يجب‬
‫أن يبنى عليه هذا العلم‪ .‬والدليل على ذلك أن كل ما توصل إليه العلماء والمفكرون‬
‫والفالسفة البيئيون المعاصرون من أفكار ومفاهيم متضمن بكيفية أو بإخرى في‬
‫القرآن الكريم‪ .‬وهذا خير دليل على أن كتاب هللا هو أحسن منطلق وسند يمكن‬
‫‪48‬‬
‫االعتماد عليه لوضع أسس إسالمية لتنمية مستدامة هادفة‪ .‬من أجل هذا‪ ،‬يكفي‬
‫التمعن في اآليات الكريمة العديدة سالفة الذكر‪ .‬لقد تطرقت هذه اآليات لجميع القضايا‬
‫والمفاهيم البيئية التي تشغل حاليا ً بال المجتمع البشري والمفكرين المعاصرين‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإن كل مفهوم تم تفسيره من خالل آيات القرآن الكريم يقابله مبدأ أساس عام‬
‫يمكن استنباطه من نفس اآليات‪ .‬فمفهوم شمولية البيئة يقابله مبدأ وحدة الكون‪،‬‬
‫ومفهوم التوازن يقابله مبدأ الميزان‪ ،‬ومفهوم محدودية الموارد يقابله مبدأ المقدار‪،‬‬
‫ومفهوم تنوع الحياة يقابله مبدأ تنوع الخلق‪ ،‬ومفهوم الغائية يقابله مبدأ التسبيح‪،‬‬
‫ومفهوم حماية البيئة يقابله مبدأ حراسة األرض‪ .‬هذه المبادئ التي تم استنباطها من‬
‫الذكر الحكيم والتي يمكن أن تكون أساسا ً لتنمية مستدامة ذات توجه إسالمي‪.‬‬
‫والمقصود هنا بالتنمية المستدامة ذات التوجه االسالمي ال يعني أن لإلسالم تنمية‬
‫مستدامة خاصة به أو أنه يرفض مفهوم التنمية المستدامة كما هو متعارف عليه‬
‫اليوم‪ .‬بل المقصود هو أن اإلسالم له رؤية فعالة ومتميزة في هذا المجال‪.‬‬
‫‪ .4.1‬المبدأ العام األول‪ :‬وحدة الكون ‪:‬‬
‫كما سبق الذكر‪ ،‬إن العديد من آيات القرآن الكريم تشير إلى وحدة الكون الذي هو‬
‫صنع خالق واحد‪ .‬وهذا معناه أن هذا الكون من صنع هذا الخالق الواحد‪ ،‬أي أن‬
‫عناصره متداخلة ومتشابكة‪ .‬واإلنسان الذي هو من خلق هللا ال يمكن أن يستثنى من‬
‫هذه الوحدة‪ .‬فعندما يشير سبحانه وتعالى للخلق‪ ،‬فإنه يشير إليه من خالل السموات‬
‫واألرض وما بينهما‪ .‬وهذا يعني أن الخلق عبارة عن وحدة متكاملة ومتناسقة تعمل‬
‫حسب نسق متوازن‪ .‬يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫{ ما خلقنا السموات واألرض وما بينهما إال بالحق وأجل مسمى } (سورة االحقاف ‪:‬‬
‫اآلية ‪.)3‬‬
‫إن تبني مفهوم الشمولية أصبح في الوقت الراهن هدفا ً رئيسا ً يسعى إلى تحقيقه الفكر‬
‫العلمي بصفة عامة والفكر البيئي بصفة خاصة‪ .‬وفي هذا الصدد‪ ،‬ال بد من اإلشارة‬
‫‪49‬‬
‫إلى أن مفهوم التنمية المستدامة ال معنى له إذا لم يكن مقترنا ً على أرض الواقع‬
‫بشمولية المعرفة‪ .‬إن هذه الشمولية أحد المبادئ التي يرتكز عليها مفهوم التنمية‬
‫المستدامة كما هو متعارف عليه اليوم‪ .‬والمقصود هنا بشمولية المعرفة هو تكاملها‬
‫لتبرز من خاللها وحدة البيئة والترابط القائم بين مكوناتها‪ .‬ولتكون المعرفة البيئية‬
‫شمولية‪ ،‬أوصى مؤتمر تبيليسي ومن بعده مؤتمرات أخرى على أن تقارب هذه‬
‫المعرفة حسب ثالثة اتجاهات ‪:‬‬
‫ـ إما أن تبقى التخصصات العلمية قائمة بذاتها وتستخرج منها المعارف لتكوين نظرة‬
‫شمولية عن البيئة‪ ،‬وهو ما يسمى بتعدد التخصصات ‪Multidisciplinarité‬‬
‫ـ إما أن تبقى التخصصات العلمية قائمة بذاتها على أن تقام بينها جسور تمكن من‬
‫تكاملها‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬الخروج بنظرة شمولية عن البيئة وهو ما أطلق عليه اسم تكامل‬
‫المعرفة ‪Interdisciplinarité‬‬
‫ـ إما أن تختفي الحواجز الفاصلة بين التخصصات للوصول إلى وحدة المعرفة‪ ،‬أي إلى‬
‫ما يسمى بالعلم البيئي (‪ )Science environnementale‬وليس إلى العلوم‬
‫البيئية ‪ )Sciences environnementales‬كما هو الشأن اآلن‪ .‬يسمى هذا‬
‫التوجه المقاربة الفكرية الشمولية ‪Transdisciplinarité‬‬
‫فإذا كانت المقاربة األولى سارية المفعول ومعموال ً بها‪ ،‬فإن الثانية صعبة التطبيق‬
‫نظرا لل حواجز القائمة بين التخصصات العلمية‪ .‬أما الثالثة‪ ،‬فال مجال لتطبيقها ألن‬
‫ً‬
‫الفكر العلمي المعاصر مبني أساسا ً على تجزيء الواقع إلى وحدات مستقلة و حيث‬
‫تقتضي أن ينظر إلى البيئة ككل متكامل ال يقبل التقسيم‪.‬‬
‫إن ما يثير االنتباه هنا هو أن وحدة المعرفة التي أشار إليها المفكرون البيئيون‬
‫المعاصرون وأوصوا بتبنيها مشار إليها في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي‬
‫الشريف‪ .‬بالفعل‪ ،‬إن كلمة "علم" استعملت دائما ً في القرآن الكريم وفي السنة في‬
‫صيغتها المفردة "علم" وال أثر فيهما لجمعها "علوم"‪.‬‬
‫‪50‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإذا أشار القرآن الكريم إلى وحدة الكون أي إلى شمولية البيئة‪ ،‬فإنه أشار‬
‫كذلك إلى وحدة المعرفة‪ ،‬وهذا يعني أن المقاربة الفكرية الشمولية‬
‫‪ Transdisciplinarité‬التي حث عليها المفكرون البيئيون المعاصرون للتعامل‬
‫مع البيئة متضمنة في القرآن الكريم‪.‬‬
‫فعندما تم اختيار مبدأ "وحدة الكون" كأول مبدأ للتنمية المستدامة ذات التوجه‬
‫اإلسالمي‪ ،‬فهذا يعني أن اإلنسان عندما يريد أن يتعامل مع البيئة‪ ،‬عليه أن يعتبرها‬
‫كوحدة مترابطة األجزاء‪ .‬وحتى وإن جزأها على مستوى التفكير ليتعرف عليها‪ ،‬فعمله‬
‫داخلها يجب أن يكون متطابقا ً مع الشمولية ومبنيا ً على احترامها‪.‬‬
‫‪ .4.2‬المبدأ العام الثاني‪ :‬الميزان ‪:‬‬
‫المقصود بالميزان هو ذلك الوضع الوسط الذي يسود بين مكونات الكون والذي‬
‫بفضله تعمل وتتفاعل هذه المكونات وتقوم بينها عالقات متوازنة‪ .‬الميزان هو تفادي‬
‫اإلسراف واإلفراط والتجاوز في التعامل مع البيئة‪ .‬لقد بينا كما سبق الذكر‪ ،‬أنه ال‬
‫سبيل لل حياة إذا لم يكن هناك توازن في نظام الترابط البيئي‪ .‬فإذا تغاضى اإلنسان عن‬
‫وحدة الكون وتجاوز الفطرة وتخلى عن أمانة االستخالف‪ ،‬فإنه يخل بالميزان الذي‬
‫جعله هللا كضامن الستمرار الحياة في هذا الكون‪ .‬والميزان هنا ال يجب أن يدركه‬
‫الناس فقط بمعنى وزن األشياء المادية‪ .‬فكل نشاط أو فعل يقوم بهما اإلنسان للتعامل‬
‫مع البيئة يجب أن يكونا موزونين ليتالءما مع هذه البيئة‪.‬‬
‫يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫والميزان } (سورة الشورى ‪ :‬اآلية ‪.)17‬‬
‫{ هللا الذي أ ْن َز َل‬
‫ق ِ‬
‫َ‬
‫الكتاب بال َح ّ ِ‬
‫‪ .4.3‬المبدأ العام الثالث ‪ :‬المقدار ‪:‬‬
‫يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫‪51‬‬
‫شيء َخ َل ْقناه بِ َقدَر } (سورة القمر ‪ :‬اآلية ‪.)49‬‬
‫{ إنَّا ك َّل‬
‫ٍّ‬
‫أي أن هللا عز وجل عندما خلق مكونات الكون‪ ،‬راعى في خلقها الكم والكيف ضمانا ً‬
‫للتوازن والتناسق‪ .‬وهذا يعني أن هذه المكونات تتواجد في البيئة حسب كميات‬
‫متفاوتة وأشكال مختلفة‪ .‬فعندما ننزل مثالً إلى البحر‪ ،‬فإننا نالحظ وجود عشرات‬
‫األشكال من الحياة التي ال ترى بالعين المجردة‪ .‬ما كان لهذه األشكال أن تتساكن‬
‫وتستمر في الحياة لو لم تقم بينها عالقات متناسقة ومتوازنة‪ .‬وهنا ال بد من اإلشارة‬
‫إلى أن الكم والكيف يلعبان دورا ً حاسما ً في استمرار هذا التوازن‪ .‬فإذا احتوى مثالً‬
‫ماء البحر على كميات هائلة وضخمة من العلق النباتي‪ ،‬فذلك راجع لكون هذا العلق‬
‫من جهة يشكل أول غذاء للعديد من الكائنات الحيوانية مرئية وغير مرئية التي تشكل‬
‫بدورها مصدرا ً غذائيا ً لكائنات أخرى وهكذا‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬فإن العلق البحري‬
‫النباتي يعتبر كذلك أول مزود للهواء باألكسجين بعد المساحات الخضراء البرية‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإن تفاوت الكم بين مكونات البيئة يلعب دورا ً في الحفاظ على توازنها‪ ،‬فحينما‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى ‪ { :‬وكل شيء عنده بمقدار } (سورة الرعد ‪ :‬اآلية ‪،)8‬‬
‫فهذه إشارة إلى أن األشياء لم تخلق عبثا ً وأن الكم يلعب دورا ً في تماسكها وتناسقها‪.‬‬
‫‪ .4.4‬المبدأ العام الرابع‪ :‬تنوع الخلق ‪:‬‬
‫كما سبقت اإلشارة إلى ذلك‪ ،‬كلما تنوعت أشكال الحياة‪ ،‬كلما كانت للنظم البيئية قدرة‬
‫عالية لمقاومة التغييرات التي تحدث بها طبيعيا ً أو من جراء تدخل اإلنسان‪ .‬وهذا‬
‫يعني أن تنوع الخلق وسيلة للحفاظ على وضع هذه النظم البيئية الفطري‪ ،‬أي على‬
‫توازنها الطبيعي‪ .‬وهنا ال بد من اإلشارة إلى أن مبدأ المقدار ال يمكن فصله عن مبدأ‬
‫تنوع الخلق إذ ال توازن بيئي بدونه‪.‬‬
‫فكلما تنوع الخلق‪ ،‬كلما ازدادت فرص تحقيق توازن بيئي مستمر‪ .‬لقد وفر هللا سبحانه‬
‫وتعالى هذه الفرص في الكون ظاهرة وباطنة‪ .‬يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫‪52‬‬
‫ْحان الذي َخلَقَ ْ‬
‫سب َ‬
‫س ِهم ومما ال يعلمون }‬
‫ب ًِتُ‬
‫ومن أ ْنفُ ِ‬
‫األرض ِ‬
‫ُ‬
‫{ ُ‬
‫األز َوا َج ُكلَّها مما ت ُ ْن ِ‬
‫(سورة يس ‪ :‬اآلية ‪.)36‬‬
‫‪ .4.5‬المبدأ العام الخامس‪ :‬حراسة األرض ‪:‬‬
‫عوض أن ينصب اإلنسان نفسه سيدا ً على األرض‪ ،‬عليه أن يتذكر أن هللا استخلفه‬
‫عليها ليقوم بحراستها وصيانتها‪ .‬والدليل على ذلك أنه فضله على الكثير من‬
‫المخلوقات وزوده بالعقل والذكاء والفطنة ليقوم بهذه المهمة أحسن قيام‪ .‬عليه كذلك‬
‫أن يسخر ما أوتي من العلم ألداء مهمة االستخالف ولضمان استمرار حق االنتفاع من‬
‫خيرات األرض له ولغيره من األجيال اآلتية‪ :‬غير أن هذا االستمرار يحتم عليه أن‬
‫يحرس األرض ويرعاها كما أمره هللا بذلك‪.‬‬
‫يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫األرض من بعدِهم ِلنَ ْن ُ‬
‫ظ َر كيف تعملون (سورة يونس ‪ :‬اآلية‬
‫ف في‬
‫ِ‬
‫{ ثم َجعلناكم َخالئِ َ‬
‫‪.)14‬‬
‫‪ .4.6‬المبدأ العام السادس ‪ :‬التسبيح ‪:‬‬
‫لقد سبق وأن وضحنا أن هللا سبحانه وتعالى أناط بمخلوقاته مهاما ً معينة‪ .‬فعندما‬
‫يكون الكائن منهمكا ً في أداء هذه المهام‪ ،‬فإنه في نفس الوقت ينفع نفسه وينفع‬
‫الكائنات األخرى‪ .‬وعندما يؤدي الكائن مهامه‪ ،‬فإنه يخضع لخالقه الذي أناطه بهذه‬
‫المهام‪ .‬يقول سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫{ وما خلقنا السماء واألرض وما بينهما العبين } (سورة األنبياء‪ :‬اآلية ‪.)16‬‬
‫فعلى اإلنسان أن يعي هذه الحقيقة وأن ينضم للمسبحين هلل‪ ،‬وذلك ألداء مهمة‬
‫االستخالف أحسن أداء‪ .‬إن التسبيح هو الخضوع هلل والخضوع هلل ال يمكن أن يكون‬
‫‪53‬‬
‫خضوعا ً إال إذا أدى إلى تطبيق ما أمره هللا به‪ .‬وتطبيق أوامر هللا يقتضي أن ال يفصل‬
‫اإلنسان نفسه عن البيئة وأن ال يطغى ويستبد في تعامله معها‪.‬‬
‫وخالصة القول‪ ،‬إن هذه المبادئ العامة الستة مترابطة فيما بينها واحترامها من طرف‬
‫اإلنسان عند تعامله مع البيئة يعود إلى التنمية المستدامة التي حث عليها اإلسالم‬
‫وأكدها لعمارة الكون وصالح اإلنسان‪.‬‬
‫(‪ )1‬مؤتمر تم تنظيمه من طرف األمم المتحدة بستوكهولم بالسويد من ‪ 5‬إلى ‪16‬‬
‫يونيو ‪ 1972‬حول "البيئة البشرية"‪ .‬وكان أول منبر عالمي يتم التطرق فيه للبعد‬
‫البشري كمكون أساس لمفهوم البيئة‪.‬‬
‫(‪ )2‬مؤتمر تم عقده بمدينة تبيليسي (جورجيا‪ ،‬االتحاد السوفياتي سابقاً) من طرف‬
‫منظمة اليونيسكو وبرنامج األمم المتحدة للبيئة من ‪ 14‬إلى ‪ 26‬أكتوبر ‪ 1977‬حول‬
‫التربية البيئية‪ .‬وهو أول منبر عالمي يعطى فيه لمفهوم البيئة مضمون شمولي يأخذ‬
‫بعين االعتبار البعد البشري‪.‬‬
‫(‪ )1‬تقرير نشر أوال ً باللغة اإلنجليزية تحت عنوان "‪"Future Our Common‬‬
‫ثم باللغة الفرنسية تحت عنوان "‪( "avenir tous Notre‬مستقبلنا المشترك) من‬
‫طرف اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التي تدعى كذلك لجنة برنتالند‬
‫(‪ )Bruntland Commission‬باسم الوزيرة األولى للنرويج التي كلفت من‬
‫طرف األمين العام لألمم المتحدة باإلشراف على أشغال هذه اللجنة‪ .‬كانت هذه اللجنة‬
‫هي أول هيئة عالمية توصي بتبني مفهوم التنمية المستدامة‪.‬‬
‫‪http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Tanmoust/P4.htm‬‬
‫‪54‬‬