تحميل الملف المرفق

‫أسس‬
‫النهضة الراشدة‬
‫أحمد القصص‬
‫أسس‬
‫النهضة الراشدة‬
‫من منشورات‬
‫رابطة الوعي الثقافية‬
‫طرابلس ‪ -‬لبنان‬
‫الطبعة األولى‬
‫‪1416‬هـ ‪1995 -‬م‬
‫دار األمة‬
‫للطباعة والنشر والتوزيع‬
‫ص‪.‬ب‪135190 :‬‬
‫بيروت ‪ -‬لبنان‬
‫قَد َخلَ ْ‬
‫األرض‬
‫ِيروا في‬
‫ت ِمن قَب ِل ُك ْم ُ‬
‫ِ‬
‫سنَ ٌن فَس ُ‬
‫فا ْن ُ‬
‫يف كانَ عاقِبةُ ال ُم َكذِبين * هذا بَ ٌ‬
‫يان‬
‫ظ ُروا َك َ‬
‫ى و َم ْو ِع َ‬
‫ظةٌ ِلل ُمتقين * وال تَ ِهنُوا وال‬
‫ِللن ِ‬
‫اس و ُهدَ ً‬
‫ؤم ِنين * ْ‬
‫تحزَ نوا وأنت ُ ُم األع َلونَ ْ‬
‫إن‬
‫إن ُكنتُم ُم ِ‬
‫لك‬
‫وم قَر ٌح ِمثْلُهُ‪َ ،‬وتِ َ‬
‫س ْس ُك ْم قَ ْر ٌح فَقَد َم َّ‬
‫َي ْم َ‬
‫س القَ َ‬
‫اس َو ِليعلَ َم هللاُ الذِينَ ءا َمنُوا‬
‫األيا ُم نُدا ِولُها بَينَ النَّ ِ‬
‫َّ‬
‫َويت ِخذَ ِمن ُكم ُ‬
‫الظا ِلمين *‬
‫ب‬
‫ش َهدا َء‪ ،‬وهللاُ ال يُ ِح ُّ‬
‫ص هللاُ الذِينَ ءا َمنُوا َو َي ْم َحقَ الكا ِفرين‪.‬‬
‫َو ِليُ َم ِح َ‬
‫آل عمران ‪141-137‬‬
‫محتويات الكتاب‬
‫الـمـقـدمة ‪9 ...................................‬‬
‫القسم األول ‪ :‬فلسفة‬
‫النهضة ‪17 ...........‬‬
‫ المؤرخون وفلسفة النهضة‪19 ...................... .‬‬‫ فلسفة النهضة في الفكر الغربي المعاصر‪24 .... .‬‬‫ سر النهضة‪34 ..........................................‬‬‫ النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة‪40 .......... .‬‬‫‪ -‬بين الحضارة اإلسالمية والحضارة الغربية‪44 .. .‬‬
‫القسم الثاني ‪ :‬الحضارة‬
‫اإلسالمية ‪61 .....‬‬
‫ الحضارة‪65 .............................................‬‬‫ اإلسالم المبدأ‪73 ...................................... .‬‬‫ "ال إله إال هللا محمد رسول هللا"‬‫القاعدة الفكرية للمسلمين‪80 ....................... .‬‬
‫ اإلسالم نظام الحياة والمجتمع والدولة‪88 ........ .‬‬‫ السعادة‪ :‬نيل رضوان هللا تعالى‪96 ................. .‬‬‫ الروح والناحية الروحية‪105 ......................... .‬‬‫ نهضة األمة اإلسالمية بالوحي‪118 ...................‬‬‫‪7‬‬
‫ براءة الحضارة اإلسالمية من سائر الحضارات‪.‬‬‫‪128 .....................................................................‬‬
‫القسم الثالث ‪ :‬المجتمع‬
‫اإلسالمي ‪134 ......‬‬
‫ المجتمع ونهضته‪138 ...................................‬‬‫ منهج الرسول ‪ r‬في تغيير المجتمع‪145 ............. .‬‬‫ المجتمع اإلسالمي واالحتكاك الحضاري والفكري‪.‬‬‫‪152 .....................................................................‬‬
‫ دعاة التغيير‪ :‬بين المبدئية والواقعية‪183 .............‬‬‫المصادر والمراجع ‪204 ........................‬‬
‫‪8‬‬
‫الـمــقــدمــة‬
‫الحمد هلل رب العالمين‪ ،‬والصالة والسالم على سيدنا‬
‫محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبعه بإحسان إلى‬
‫يوم الدين‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫منذ نشوء األمة اإلسالمية‪ ،‬وقيام مجتمعها ودولتها‪ ،‬في‬
‫عهد رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم‪ ،‬عاشت األمة‬
‫اإلسالمية قرونا ً متطاولة‪ ،‬وهي ال ترى أمة وال دولة تدانيها في‬
‫حضارتها ونهضتها وقوتها وعزتها‪.‬‬
‫في عهد رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم قامت دولة‬
‫اإلسالم في الجزيرة العربية‪ ،‬وتاخمت بالد أعظم إمبراطوريتين‬
‫في ذلك التاريخ‪ :‬إمبراطورية فارس وإمبراطورية الروم‬
‫البيزنطيين‪ ،‬واحتَكت بهما منذ أول عهدها‪.‬‬
‫وفي عهد الخلفاء الراشدين تنطلق جحافل المجاهدين‪،‬‬
‫تحمل اإلسالم رسالة إلى العالم خارج جزيرة العرب‪ ،‬لتحول‬
‫البالد من ديار كفر إلى دار إسالم‪.‬‬
‫عمر دام‬
‫فتنهار تحت أقدامهم إمبراطورية فارس‪ ،‬بعد ُ‬
‫قرونا ً من التاريخ القديم‪ .‬وتندحر إمبراطورية الروم عن بالد‬
‫الشام وشمال إفريقية‪ ،‬مخلية الساحة أمام الحضارة اإلسالمية‬
‫كي ترفع شأن أمم تاقت إلى الرحمة منذ مئات السنين‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫ثم في عهد الخلفاء األمويين‪ ،‬تستمر دولة اإلسالم في‬
‫التوسع‪ ،‬مخترقة في الشرق هضاب آسيا وسهوبها عابرة‬
‫أنهارها‪ ،‬حتى تصل إلى مشارف سور الصين وتخوم الهند‪.‬‬
‫وتستمر جحافل الغازين في المضي غربا ً حتى تصل إلى‬
‫شواطئ المحيط األطلسي‪ ،‬ثم لتعبر مضيق جبل طارق متوغلة‬
‫في األندلس لتتاخم الحدود الجنوبية لفرنسا‪.‬‬
‫وبعد ذلك‪ ،‬في عهد الخلفاء العباسيين تتكرس الفتوحات‬
‫اإلسالمية وتستمر في التوسع ولو على نحو أقل نسبياً‪ .‬ويكون‬
‫ذلك العصر عصر ازدهار الثقافة اإلسالمية والمذاهب الفقهية‬
‫والمدارس الفكرية‪ ،‬وقيام عظيم العمران وروائع المدنية‬
‫وعجائب العلوم واالكتشافات‪ ،‬ليصبح المجتمع اإلسالمي منارة‬
‫األرض وجنة الدنيا الساحرة في نظر سائر الشعوب‪.‬‬
‫وفي القرن الخامس الهجري‪ ،‬يفتح هللا تعالى على‬
‫المسلمين بالدا ً جديدة‪ ،‬أهمها بالد األناضول (آسية الصغرى)‪،‬‬
‫حيث يط ّهر المجاهدون "السالجقة" تلك البالد من بقايا النفوذ‬
‫البيزنطي ويدحرون الروم حتى يتاخموا حدود عاصمتهم‬
‫القسطنطينية‪.‬‬
‫إال أن نهاية ذلك القرن تحل لتحمل معها عاقبة تشرذم‬
‫المسلمين وتفكك خالفتهم إلى إمارات وسلطنات متناحرة‪.‬‬
‫فيسلط هللا تعالى جحافل الحمالت الصليبية التي انطلقت من‬
‫الغرب األوربّي الغارق في ظلمات العصور الوسطى‬
‫وهمجيتها‪ ،‬فتشق طريقها عابرة آسية الصغرى‪ ،‬لتحتل السواحل‬
‫الشامية كلها وصوالً إلى أرض المسجد األقصى‪ ،‬حيث تحصد‬
‫مجازر هؤالء المتوحشين عشرات األلوف من المسلمين ذبحا ً‬
‫‪10‬‬
‫في المسجد األقصى‪ .‬فتُحشد جيوش المسلمين بعد تلك الصاعقة‬
‫المدمرة الغادرة من أجل تحرير البالد والمقدسات والثأر‬
‫للمسلمين وكرامتهم‪.‬‬
‫وال يكاد المسلمون يحررون بالد الشام على يد مجاهدين‬
‫أبطال أمثال صالح الدين والظاهر بيبرس‪ ،‬حتى تداهمهم‪ ،‬من‬
‫ناحية الشرق هذه الكرة‪ ،‬غزوات أشد همجية وأعظم دماراً‪،‬‬
‫تهلك الحرث والنسل وتأكل األخضر واليابس وتذبح الماليين‬
‫من النساء والولدان والشيوخ فضالً عن الرجال‪ :‬إنها غزوات‬
‫التتار والمغول الذين عاثوا في األرض خرابا ً ودماراً‪ ،‬حتى‬
‫اقتحموا على المسلمين عاصمة خالفتهم بغداد سنة ‪ 656‬هـ‪،‬‬
‫وذبحوا أهلها‪ ،‬وقتلوا آخر خليفة بغدادي وفقأوا عينيه‪ .‬ودمروا‬
‫أعظم مكتبة عرفها التاريخ‪ ،‬ورموا كتبها في دجلة‪ ،‬فجعلوا منها‬
‫معبرا ً بين ضفتيه‪ ،‬واصطبغ نهر دجلة بمداد الكتب‪ ،‬و ُ‬
‫طوي‬
‫تراث من الصفحات التي سودتها ‪ ...‬بل أضاءتها أقالم النساخ‪،‬‬
‫بأفكار العباقرة وثمرات المجتهدين وتجليات الشعراء وبالغة‬
‫األدباء وفصاحة العرب ‪ ...‬لتُفتح صفحات مظلمة من تاريخ‬
‫األمة اإلسالمية‪ ،‬حيث تصبح بالد فارس والشام والعراق مرتعا ً‬
‫للمجرمين الكفرة والمتوحشين ظمأى الدماء أكلة لحوم البشر ‪...‬‬
‫إنها حقا ً صفحات مظلمة ‪ ...‬حقبة انحطاط مخيف وتراجع‬
‫عجيب‪ ،‬من أمة دان لها الشرق والغرب خمسة قرون‪.‬‬
‫إال أن الناظر للتاريخ‪ ،‬المتعمق في صفحاته‪ ،‬المستنير‬
‫بأحداثه‪ ،‬حين يحكم على المجتمع اإلسالمي في ذلك العصر‬
‫باالنحطاط‪ ،‬فإنه ال يحكم بذلك مقارنة مع سائر المجتمعات‬
‫والدول وال قياسا ً عليها‪ .‬بل هي مقارنة مع سابق عهد المسلمين‬
‫‪11‬‬
‫وقياس عليه‪ .‬ذلك أنه‪ ،‬على ما أصاب المسلمين من ضعف‬
‫وهزيمة‪ ،‬لم تكن توجد على وجه األرض أمة تدانيهم في‬
‫حضارتهم ورقيّهم وتقدمهم‪ ،‬وأن أعداء المسلمين الذين أذلوهم‬
‫وسفكوا دماءهم ما تغلبوا عليهم برقي وال رفعة حضارية‪ .‬وإنما‬
‫هي موجات من الغزوات الهمجية التي عرف التاريخ العديد من‬
‫أمثلتها‪ ،‬تفور وتثور في فجاءة من الزمان‪ ،‬لتقتحم على الشعوب‬
‫غرة‪ ،‬ولتفسد في‬
‫الغافلة عن عوامل ضعفها بالدَها على حين ّ‬
‫األرض كما أفسدت يأجوج ومأجوج زمن ذي القرنين‪ .‬ولكنها‬
‫ال تلبث أن تنطفئ جذوتها وتنكسر شوكتها‪ ،‬بعد أن دمغ التاريخ‬
‫وصمة عار في جبينها ‪ ...‬بل على قفاها‪.‬‬
‫فها هي جحافل الصليبيين تعود إلى ديارها تجر أذيال‬
‫الخيبة والعار‪ ،‬رغم استقرارها في بعض بالد اإلسالم ما يداني‬
‫القرنين من السنين‪ ،‬وقد تأثرت بالحضارة اإلسالمية وعادات‬
‫المسلمين‪ ،‬وتنعمت ببعض مدنيّتهم‪ .‬وها هي جحافل المغول‬
‫تتهاوى أمام ضربات جيش المماليك الذي استجمع قواه في‬
‫مصر‪ ،‬ليدحر هؤالء المعتدين ويعيدهم من حيث أتوا ولكن‪ ،‬مع‬
‫فرق مهم بين مجيئهم ونكوصهم‪ ،‬فقد انطلقوا من ديارهم‬
‫مشركين وثنيين‪ ،‬وعادوا إلى ديارهم وهم يدخلون في دين هللا‬
‫أفواجاً‪ ،‬ويعتنقون عقيدة ضحاياهم ويدينون بدينهم‪.‬‬
‫وهكذا ‪ ...‬عاد المسلمون ليستأنفوا سابق مجدهم وعزهم‪،‬‬
‫فتولى المماليك حماية بيضة المسلمين والذود عن حرماتهم‬
‫ومقدساتهم في بالد مصر والشام والعراق والجزيرة العربية‬
‫وشمال إفريقية‪ .‬وفي األناضول قامت قبيلة بني عثمان لتحمل‬
‫الراية عن أسالفها السالجقة‪ ،‬وليطهر مجاهدوها أرض‬
‫‪12‬‬
‫األناضول نهائيا ً من فلول البيزنطيين‪ ،‬بل ليقتحموا بعد ذلك على‬
‫البيزنطيين أراضيهم داخل القارة األوربّية‪ ،‬وليقرروا سنة‬
‫‪ 1453‬م نهاية عهد اإلمبراطورية البيزنطية‪ ،‬محققين وعد‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم بفتح عاصمة "هرقل"‬
‫القسطنطينية التي بقيت‪ ،‬مئات السنين‪ ،‬القلب النابض لتلك‬
‫اإلمبراطورية العاتية‪ ،‬ولتتحول إلى مدينة اإلسالم "إسالمبول"‬
‫بل لتتحول سنة ‪ 923‬هـ إلى عاصمة الخالفة اإلسالمية‪ ،‬في ظل‬
‫الخلفاء العثمانيين‪.‬‬
‫مضت سنون طوال بعدها‪ ،‬وجيوش المسلمين تهدد ممالك‬
‫أوربا ودولها‪ .‬فقد وصل مجاهدو الخالفة العثمانية مقتحمين‬
‫ديار أوربا الشرقية إلى أسوار فيينا عاصمة اإلمبراطورية‬
‫الرومانية المقدسة‪ ،‬مهددين بذلك أوربا الالتينية والجرمانية‬
‫بأسرها‪ .‬ونشأت آنذاك لدى الغربيين "المسألة الشرقية"‪ ،‬أال‬
‫وهي‪ :‬كيف السبيل إلى التخلص من الخطر اإلسالمي؟ ولم يكن‬
‫من خيار آنذاك إال استرضاء الخلفاء العثمانيين‪ ،‬والحرص على‬
‫العالقات السلمية فيما بينهم وبين المسلمين‪.‬‬
‫إال أن هذا السلم كان فرصة للغرب‪ ،‬كي ينعم النظر في‬
‫أحواله ومجتمعه ودولته‪ ،‬وفي األسس الحضارية التي تقوم‬
‫عليها حياته‪ .‬لقد أدرك أن الفارق الجوهري بين مجتمعه‬
‫والمجتمع اإلسالمي‪ ،‬إنما يكمن في الحضارتين اللتين تصوغان‬
‫كالً من هذين المجتمعين‪ ،‬وأن الصراع الحقيقي إنما هو‬
‫الصراع الحضاري وليس العسكري‪ .‬واكتشف أن الحضارة‬
‫التي عاش في كنفها خالل العصور الوسطى هي من االنحطاط‪،‬‬
‫‪13‬‬
‫بحيث لم تكن يوما ً مؤهلة ألن تواجه حضارة قوية األركان‬
‫شامخة البنيان‪ ،‬هي الحضارة اإلسالمية‪.‬‬
‫وهكذا كانت القرون التي تلت سقوط اإلمبراطورية‬
‫البيزنطية والتي يطلق عليها المؤرخون الغربيون اسم "التاريخ‬
‫الحديث"‪ ،‬مرحلة المخاضات الفكرية والثقافية والحضارية‬
‫العسيرة‪ ،‬التي أسفرت مع نهاية القرن الثامن عشر الميالدي عن‬
‫والدة الحضارة الغربية المعاصرة‪ ،‬التي قامت على أسس من‬
‫العلمانية واللبرالية الرأسمالية‪.‬‬
‫تلك الفسحة التاريخية التي أتاحت للغرب أن يتأمل في‬
‫أحواله وهويته الحضارية وأسس مجتمعه‪ ،‬كانت مترافقة مع‬
‫تحجر في التفكير أطبق على أذهان المسلمين‪ ،‬بحيث انعدمت‬
‫الحيوية الفكرية في المجتمع اإلسالمي‪ ،‬وعاش المسلمون على‬
‫تراث الماضين من الفقهاء وعلماء اإلسالم‪ ،‬مع ّ‬
‫تزين بدينهم‬
‫ونظامهم ونمط عيشهم وهيبة دولتهم وقوة جيشهم‪ ،‬وال يرون‬
‫حولهم أمة أو دولة تضاهيهم بحضارتها أو قوتها وال يفطنون‬
‫إلى عوامل االنحطاط والتخلف التي دبّت في كيانهم‪ .‬وخالل‬
‫القرن التاسع عشر الميالدي‪ ،‬أضيف إلى ذلك الفارق فارق‬
‫جديد‪ ،‬أال وهو فارق القوة العسكرية‪.‬‬
‫ففي ذلك القرن تعاظمت قوة الدول القومية في أوربا‪،‬‬
‫وترافق ذلك مع قيام الثورة الصناعية التي تحولت قوة مادية‬
‫تمدّ الجيوش األوربية بأنواع األسلحة الجديدة ووسائل النقل‬
‫البرية والبحرية التي كانت عونا ً لها على التوسع االستعماري‬
‫في بالد العالم‪ ،‬ومنها بالد المسلمين‪ .‬بينما كانت قوة الدولة‬
‫‪14‬‬
‫العثمانية في تراجع وهبوط سريع‪ ،‬وكان الفساد اإلداري قد عم‬
‫مؤسساتها واألزمات االقتصادية تفت من عضدها‪.‬‬
‫فإذا بغارات الغزو العسكري تترافق مع غارات الغزو‬
‫وتمرغ‬
‫الفكري‪ .‬األولى تقضم بالد المسلمين الواحد تلو اآلخر‬
‫ّ‬
‫أنوف المسلمين في التراب‪ ،‬والثانية تربك المثقفين وأصحاب‬
‫الرأي بين المسلمين‪ ،‬وتصيب المجتمع بحالة من الضياع‬
‫والحيرة‪ .‬ولم تنته الحرب العالمية األولى بداية هذا القرن إال‬
‫وقد أسفرت عن أعظم نكبة ألمت بالمسلمين خالل تاريخهم‬
‫الطويل‪ .‬هذه النكبة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية‪ ،‬وال ضياع‬
‫أراض شاسعة من ديار اإلسالم‪ ،‬وال إزهاق األلوف من أرواح‬
‫ٍ‬
‫المسلمين‪ ،‬بل هي أبعد من ذلك بكثير‪ .‬إنها ضياع لهوية‬
‫وار للحضارة‬
‫المسلمين‪ ،‬وسقوط لكيانهم المعنوي والمادي‪ ،‬وت َ ٍ‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وتقويض للمجتمع اإلسالمي‪.‬‬
‫لقد عاش المسلمون في ماضي تاريخهم حقبا ٍ‬
‫ت من‬
‫انحطاط وهزيمة وضعف ولكنهم‪ ،‬بكل تأكيد‪ ،‬لم يعيشوا أسوأ‬
‫من هذه الحقبة‪ ،‬ولم يذوقوا يوما ً مرارة الذل التي ذاقوها في هذا‬
‫القرن‪ ،‬حتى انطبق عليهم‪ ،‬إلى أبعد الحدود‪ ،‬حديث رسول هللا‬
‫صلى هللا عليه وآله وسلم‪" :‬يوشك أن تداعى عليكم األمم من‬
‫كل أفق كما تداعى األكلة على قصعتها" قيل‪ " :‬يا رسول هللا‪،‬‬
‫أمن قلة بنا يومئذ؟" قال‪ " :‬أنتم يومئذ كثير‪ ،‬ولكن تكونون‬
‫غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في‬
‫‪15‬‬
‫قلوبكم الوهن" قال‪" :‬قلنا وما الوهن؟" قال‪" :‬حب الدنيا‬
‫وكراهية الموت"(‪.)1‬‬
‫وهكذا‪ ،‬لم يعد يماري عاقل في أن األمة اإلسالمية تعيش‬
‫حالة انحطاط بكل ما تحمل الكلمة من أبعاد‪ ،‬وإن اختلف‬
‫القائلون في المدى النسبي لذلك االنحطاط‪ .‬وبالتالي أصبحت‬
‫أطروحات النهضة والرقي والتغيير واإلصالح والبناء والهدم‬
‫وإعادة البناء ‪ ...‬من أهم األطروحات التي شغلت أذهان المثقفين‬
‫والمفكرين والكتّاب من أبناء المجتمع‪ ،‬فاستهلكت جهودهم‬
‫وفرغت أقالمهم واستأثرت بمجالسهم وأحاديثهم‪ ،‬سواء أكانوا‬
‫ّ‬
‫مخلصين أو عمالء‪ ،‬واعين أو تائهين ضائعين‪.‬‬
‫وكان من الواضح أن التأثير الثقافي والفكري والحضاري‬
‫الذي كرسه الغزو السياسي الغربي للعالم اإلسالمي‪ ،‬كان له‬
‫النصيب األكبر في توجيه تلك األطروحات والجهود‪ .‬وكان‬
‫صنعوا على عين الحضارة الغربية وسياسة دولها‬
‫وصول أناس ُ‬
‫إلى سدة الحكم‪ ،‬عامالً في قيام المؤسسات التربوية والتعليمية‬
‫واإلعالمية والثقافية والتوجيهية‪ ،‬الرسمية منها وغير الرسمية‪،‬‬
‫على أساس الحضارة الغربية‪ .‬فكانت معظم األطروحات التي‬
‫ناقشت مسألة النهضة واالرتقاء ووضعت لها التعاريف‬
‫والفلسفات واألسس والتفاصيل‪ ،‬متأثرة بشكل أو بآخر‬
‫بالحضارة الغربية بشكل كامل‪ ،‬بوصفها "الحضارة اإلنسانية‬
‫المعاصرة" وغاية ما وصلت إليه البشرية في مسيرة االرتقاء‪،‬‬
‫‪ - 1‬رواه أبو داود وأحمد‪ .‬واللفظ لإلمام أحمد‪ .‬أنظر‪ :‬المسند‪ ،‬الحديث رقم‬
‫‪.2246‬‬
‫‪16‬‬
‫إلى أطروحات تدعو إلى اقتباس "محاسن" تلك الحضارة من‬
‫أجل " هضمها وإخراجها حضارة متميزة تتوافق مع هويتنا‬
‫الحضارية"‪ ،‬وإلى أخرى تدعو إلى تالقح الحضارات وتفاعلها‬
‫من أجل مزيد من االرتقاء ‪ ...‬إلى ما هنالك من آراء ومقوالت‪.‬‬
‫إال أن األطروحات األشد خطورة‪ ،‬كانت تلك التي دأبت‬
‫على دراسة اإلسالم وفهمه ‪ -‬ومن ثم إبرازه ‪ -‬على نحو يتوافق‬
‫مع الحضارة الغربية‪ ،‬أو يتكامل معها‪ ،‬أو على األقل ال‬
‫يتعارض معها‪ .‬األمر الذي أنذر بخطر تحول اإلسالم إلى‬
‫مجرد تراث حضاري تاريخي غابر‪ ،‬واالستبقاء عليه دينا ً‬
‫كهنوتيا ً روحيا ً قابالً للتعايش مع أية حضارة تفرض هيبتها‬
‫وسلطانها على الساحة الدولية‪ ،‬وال سيما حضارة تفصل الدين‬
‫عن الحياة والمجتمع والدولة‪.‬‬
‫لذلك كان ال بد من إعادة النظر ملياً‪ ،‬في مسألة النهضة‬
‫وفلسفتها واألساس الذي تقوم عليه‪ ،‬وما هي صلة اإلسالم بتلك‬
‫الفلسفة‪ ،‬وما هو البنيان الحضاري الذي يقدمه اإلسالم من أجل‬
‫بنائه على ذلك األساس‪ ،‬وأين موقع األمة اإلسالمية اليوم من‬
‫حضارة اإلسالم ونظامه وطريقة عيشه‪ ،‬بعيدا ً عن تأثير‬
‫الحضارة الغربية وضغط الواقع المعاصر‪ ،‬وأهواء السوقة من‬
‫حملة الدعوات ومروجي األفكار والسلع الثقافية االستهالكية‬
‫المستوردة من هنا أو هناك‪ .‬وذلك من أجل قيام عمل حركي‬
‫إيجابي وفعال‪ ،‬للتغيير ودفع المجتمع قدما ً نحو النهوض‬
‫واالرتقاء‪ ،‬اهتداء بما أنزل هللا تعالى على نبيه محمد صلى هللا‬
‫عليه وآله وسلم‪ .‬وصدق هللا العظيم الذي قال‪:‬‬
‫‪17‬‬
‫{ قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين * يهدي به هللا من‬
‫اتّبع رضوانه سبل السالم ويخرجهم من الظلمات إلى النور‬
‫بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }(‪.)1‬‬
‫طرابلس الشام ‪ 3‬ربيع األول ‪ 1416‬هـ‪..‬‬
‫‪ 31‬تــمــوز ‪ 1995‬م‪.‬‬
‫أحمد القصص‬
‫‪ - 1‬سورة المائدة ‪ -‬اآليتان ‪ 15‬و ‪.16‬‬
‫‪18‬‬
‫الــقسم األول‬
‫فـلـســـفـة النـهــضـــة‬
‫‪19‬‬
20
‫المؤرخون وفلسفة النهضة‬
‫لقد كانت مسألة النهضة ‪ -‬والزالت ‪ -‬من المواضيع‬
‫األساسية الشاغلة ألغلب المؤرخين والمفكرين ‪ :‬ما هي‬
‫النهضة؟ كيف تتحقق؟ لماذا نهضت هذه األمة؟ ولماذا انحطت‬
‫تلك؟ هل القضية في الدين؟ أو هل القضية في التكنولوجيا‬
‫والمدنية؟ أو هي قضية فكر وثقافة؟‬
‫المؤرخون انشغلوا كثيرا ً في محاولة تفسير حركة‬
‫النهضة واالنحطاط منذ التاريخ القديم وحتى التاريخ المعاصر‪.‬‬
‫فيراقبون ما حصل على النحو اآلتي‪:‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫في التاريخ القديم‪ ،‬يشهد العالم نهضة مجموعة من‬
‫انحدارها حتى زوالها كالحضارة المصرية‬
‫الحضارات ث ُ ّم‬
‫َ‬
‫والسومرية واألشورية والبابلية والفارسية واليونانية‬
‫وغيرها‪ ،‬ويُختم بنهضة عريقة عظيمة‪ ،‬هي نهضة‬
‫الحضارة الرومانية التي انطلقت من مدينة روما اإليطالية‬
‫لتجتاح أوربّا ثم حوض البحر المتوسط بأكمله لتجعل من‬
‫ذلك البحر بحيرة رومانية‪.‬‬
‫مع بداية العصور الوسطى ‪ -‬أي خالل القرن الخامس‬
‫الميالدي ‪ -‬تنهار اإلمبراطورية الرومانية لتقوم على‬
‫أنقاضها في أوربا حضارة العصور الوسطى التي تميزت‬
‫‪21‬‬
‫باالنحطاط والتخلف‪ ،‬وس ّميت بعصور الظلمات‪ ،‬والتي‬
‫استمرت مخيمة بظالمها على أوربا قرونا ً متطاولة حتى‬
‫العصر الحديث‪ .‬بينما يشهد الشرق في تلك العصور نهضة‬
‫عظيمة عريقة‪ ،‬وذلك مع بزوغ شمس اإلسالم أوائل القرن‬
‫السابع الميالدي‪ ،‬حيث توسعت حضارة اإلسالم لتشمل في‬
‫رحابها البالد الممتدة من الصين شرقا ً إلى المحيط األطلسي‬
‫غربا ً مخترقة أوربا وصوالً إلى حدود فرنسا‪ ،‬بعد أن‬
‫اجتاحت إسبانيا أو بالد األندلس‪ .‬وتستمر هذه الحضارة‬
‫قرونا ً متطاولة تورف بظاللها على الشعوب اإلسالمية‪،‬‬
‫فكان العالم اإلسالمي آنذاك قبلة األنظار ومنارة التائهين‬
‫والجنة األرضية في نظر سائر الشعوب‪.‬‬
‫‪‬‬
‫في العصور الحديثة‪ ،‬أي مع إطاللة القرن الخامس عشر‬
‫تبدأ في أوربا بوادر نهضة جديدة تؤتي ثمارها مع بداية‬
‫التاريخ الغربي المعاصر‪ ،‬أي أواخر القرن الثامن عشر‬
‫الميالدي‪ ،‬والتي تُعدّ الحضارة الغربية اليوم امتدادا ً لها‪ .‬في‬
‫الوقت الذي يشهد فيه العالم انحسارا ً ملحوظا ً للحضارة‬
‫اإلسالمية وانحدارا ً للمسلمين باتجاه االنحطاط‪ ،‬حيث وصل‬
‫العالم اإلسالمي إلى الحضيض أواخر القرن التاسع عشر‬
‫وخالل القرن العشرين‪.‬‬
‫‪‬‬
‫وفي القرن العشرين يشهد العالم في بعض البالد نهضة من‬
‫نمط جديد لم تستطع أن تعمر أكثر من سبعة عقود‪ ،‬أال وهي‬
‫النهضة الشيوعية التي بدأت حياتها سنة ‪1917‬م لتموت في‬
‫أرض انبثاقها قبل أفول القرن العشرين‪ ،‬والتي ربما ضربت‬
‫‪22‬‬
‫رقما ً قياسيا ً في قِصر عمر الحضارات‪ ،‬رغم الدور الهائل‬
‫الذي لعبته في السياسة الدولية خالل القرن العشرين‪.‬‬
‫لقد تعددت تفسيرات المؤرخين والمفكرين لحركة النهضة‬
‫واالنحطاط تلك‪ .‬فمنهم من رأى أن نهضة الحضارات ثم‬
‫ي طبيعي ال تفسير له سوى دبيب الحيوية‬
‫انحطاطها أمر حتم ّ‬
‫في شعب من الشعوب ووصولها إلى الذروة‪ ،‬ثم انحسار تلك‬
‫الحيوية ومن ثم موتها‪ ،‬وبالتالي زوال تلك الحضارة كما هو‬
‫شأن اإلنسان‪ ،‬حيث يبدأ عمره بمولده طفالً ثم يشبّ ويكبر‬
‫مرورا ً بالشباب والعنفوان وصوالً إلى ذروة الرجولة‪ ،‬ثم يعود‬
‫منتكسا ً إلى الوراء مرورا ً بالكهولة فالشيخوخة ثم العجز‬
‫وصوالً إلى الموت‪ .‬من هؤالء المفكرين "شبنغلر" الفيلسوف‬
‫األلماني المتوفى سنة ‪ 1936‬الذي يذهب "إلى أن التاريخ‬
‫حضارات مستقلة فريدة‪ ،‬تكوينات عضوية فائقة لكل منها‬
‫مصيرها الفردي وتمر بفترات النشوء واالزدهار والموت‪،‬‬
‫وعنده أن الحضارة الغربية التي تبدأ من القرن التاسع عشر ‪-‬‬
‫أي من قيام الرأسمالية ‪ -‬قد دخلت مرحلة االنهيار وكان‬
‫ازدهارها في عصر اإلقطاع"(‪.)1‬‬
‫ي الحضارات هو نتيجة تح ٍدّ تواجهه‬
‫وبعضهم رأى أن رق ّ‬
‫الشعوب‪ ،‬سواء كان ذلك التحدي داخلياً‪ ،‬أي بين فئات الشعب‬
‫الواحد وطبقاته‪ ،‬أو كان تحديا ً بين شعب وآخر‪ ،‬مما يؤدي إلى‬
‫نشاط حيوي في المجتمع ينتج عن استجابة النخبة الواعية من‬
‫ذلك المجتمع لمواجهة تلك التحديات‪ ،‬فيكون ذلك سببا ً لنهضته‪.‬‬
‫‪ -1‬الموسوعة الفلسفية ‪ -‬مادة شبنجلر‪.‬‬
‫‪23‬‬
‫ويمثل هذا التفسير المؤرخ "توينبي" اإلنكليزي المتوفى سنة‬
‫‪ 1975‬الذي وافق شبنغلر في فكرة "أن تاريخ العالم يسير في‬
‫دورات كبرى من االرتفاعات واالنخفاضات وهو محصلة كلية‬
‫للحضارات المختلفة التي تمر بالمراحل نفسها‪ :‬الميالد والنمو‬
‫والسقوط والتفكك والتدمير"(‪ ،)1‬إال أنه أضاف التعليل الذي‬
‫ذكرناه لظاهرة النهضة(‪ .)2‬أما عن سقوط الحضارات‪ ،‬فيرى‬
‫توينبي أن سببه هو عجز النخبة الخالقة عن االستمرار في‬
‫مواجهة التحديات المستمرة كما واجهتها بداية األمر‪،‬‬
‫فيقول‪":‬عندما تنحط األقلية الخالقة في تاريخ أي مجتمع من‬
‫المجتمعات إلى أقلية مسيطرة تحاول أن تحافظ بالقوة على‬
‫مركز لم تعد تستأهله‪ ،‬هذا التبدل الهدام في طبيعة العنصر‬
‫الحاكم يحفز البروليتاريا (األكثرية) على االنفصال عنه‬
‫والتخلي عن تلقائيتها وحريتها في االنجذاب إليه ومحاكاته(‪)...‬‬
‫وهكذا يشكل سقوط الحضارة طبقة محاربة داخل مجتمع واحد‬
‫لم يكن كيانه في دور النمو الحضاري منقسما ً على ذاته‬
‫انقسامات حادة‪.)3("...‬‬
‫وهناك من يرى أن البشرية هي دائما ً في ارتقاء ّ‬
‫مطرد‬
‫نحو النهضة‪ .‬وأن الفرق الذي نراه بين أمة وأخرى في مستوى‬
‫الرقي أو االنحطاط مردّه إلى أن بعض الشعوب سبقت غيرها‬
‫في مسيرة "التقدم" وأن الشعوب المتخلفة سرعان ما ستلحق‬
‫بتلك التي سبقتها‪ .‬وأما االنحطاط الذي يحل بأمة بعد نهوضها‪،‬‬
‫‪ -1‬الموسوعة الفلسفية ‪ -‬مادة توينبي‪.‬‬
‫‪ -2‬نقالً عن‪ :‬عماد الدين خليل ‪ -‬التفسير اإلسالمي للتاريخ ‪ -‬ص ‪.74‬‬
‫‪ -3‬نقالً عن‪ :‬عماد الدين خليل ‪ -‬التفسير اإلسالمي للتاريخ ‪ -‬ص ‪.84‬‬
‫‪24‬‬
‫فينظرون إليه على أنه انتكاسة مؤقتة ناتجة عن انتقال األمة من‬
‫مرحلة إلى أخرى وأنه سرعان ما تخرج من انتكاستها تلك‬
‫لتستأنف نهضتها ولترتقي إلى مستوى أعلى من ذي قبل‪.‬‬
‫ونجد هذا التفسير لدى مفكرين شهيرين هما هيغل‬
‫وماركس‪ .‬إال أن هناك فرقا ً مهما ً بين االثنين‪ ،‬أال وهو أن هيغل‬
‫يرى أن الشكل األفضل للمجتمع اإلنساني واألكثر رقيا ً هو‬
‫الشكل اللبرالي الرأسمالي الذي وصلت إليه دول الغرب‬
‫والسيما دولته بروسيا(‪ .)1‬بينما يرى ماركس أن أرقى شكل‬
‫يصل إليه المجتمع يكون حين يصل إلى مرحلة الشيوعية‬
‫الكاملة التي تعقب الدولة االشتراكية(‪.)2‬‬
‫ومن الذين يحاولون إحياء نظرية هيغل في هذه األيام ‪-‬‬
‫والسيما بعد انهيار النموذج العملي لنظرية ماركس ‪ -‬الكاتب‬
‫األميركي ذو األصل الياباني "فرانسيس فوكوياما" الذي ذاع‬
‫صيته مؤخرا ً بعد إصداره كتاب "نهاية التاريخ واإلنسان‬
‫األخير" الذي يبشر فيه بأن التاريخ وصل إلى مرحلته األخيرة‬
‫الفضلى بانتصار اللبرالية ذات الطراز األميركي على كل ما‬
‫سواها من أنماط العيش األخرى‪.‬‬
‫هذه بعض التفسيرات التي تكلم بها المؤرخون والمفكرون‬
‫لفهم حركتي النهضة واالنحطاط‪ .‬أوردتها فقط ألضع القارىء‬
‫في أجواء الجهود التي بُذلت لوضع فلسفة للنهضة أو لفهم‬
‫‪ -1‬الموسوعة الفلسفية ‪ -‬مادة هيغل‪.‬‬
‫‪ -2‬أالسدير ماكانتاير ‪ -‬مقال من كتاب أعالم الفكر السياسي ‪ -‬تصنيف‬
‫موريس كرانستون ص ‪.103‬‬
‫‪25‬‬
‫حركة الحضارات عبر التاريخ‪ .‬لذلك لن أخصص بحثا ً لنقدها‪،‬‬
‫ذلك أنها ليست هي السائدة في عالمنا المعاصر بين أوساط‬
‫المثقفين‪ ،‬وإنما النظرية السائدة اليوم هي النظرية اللبرالية‬
‫الغربية التي تأثر بها معظم المثقفين المعاصرين ‪ -‬والسيما بعد‬
‫سقوط الشيوعية ‪ -‬والتي تختلف عنها كلها‪ ،‬وسنخصص لها‬
‫الفصل التالي‪.‬‬
‫وسيكون فهمنا الذي سنطرحه لتفسير حركة النهضة‬
‫واالنحطاط بمثابة الرد على كل تلك النظريات‪ .‬وهللا الموفق‬
‫وعليه االتكال‪.‬‬
‫‪26‬‬
‫فلسفة النهضة في الفكر الغربي المعاصر‬
‫إن أغلب مفكري الغرب في التاريخ المعاصر ‪ -‬وتُعد‬
‫أفكارهم استمرارا ً لبعض أفكار عصر النهضة األوربية ‪ -‬رأوا‬
‫أن القضية كامنة في مدى الحرية التي يتمتع بها اإلنسان‪ .‬فرأوا‬
‫أنه بقدر ما يتمتع اإلنسان بالحرية تبرز قدرته على اإلبداع‬
‫واإلنجاز واالبتكار‪ ،‬فيؤدي به ذلك حتما ً إلى التقدم والنهوض‪.‬‬
‫بخالف ما إذا خضع للعبودية واالستبداد والقيود بشتى أنواعها‪،‬‬
‫فإنه حينئذ يعجز عن الحركة واإلبداع واإلنجاز‪ ،‬فيرتكس به‬
‫ذلك حتما ً إلى االنحطاط والتخلف والتقهقر‪.‬‬
‫وقد رأوا أن أهم عائق يقف بين اإلنسان وحريته في‬
‫الحركة والعمل هو تعلقه بأوهام الغيب والكهنوت وما يسمى‬
‫بالكائنات الروحانية غير المحسوسة‪ .‬ويرى هؤالء أن الشعوب‬
‫حين يسيطر التفكير الديني على أذهانها‪ ،‬والنزعة الروحية على‬
‫حياتها ومجتمعها ودولتها فإنها تبتعد عن التعاطي مع الواقع‬
‫المحسوس‪ ،‬وتبقى مشدودة للتعلق فيما وراء المادة والحياة‬
‫والكون‪ ،‬وتبقى أسيرة للمفاهيم الدينية والكهنوتية التي تحول‬
‫بينها وبين حرية الحركة واإلنتاج واإلبداع‪ ،‬مما يؤدي بها إلى‬
‫إهمال الواقع الحياتي وبالتالي إلى انحطاطها‪.‬‬
‫وعدّوا التاريخ األوربي شاهدا ً على نظريتهم تلك‪ ،‬حيث‬
‫قالوا‪ :‬إن العصور الوسطى كانت عصور تدين وروحانية‪،‬‬
‫‪27‬‬
‫وكان األوربي المتدين يرى أنه إذا كان هناك تعارض بين‬
‫التدين والنهضة‪ ،‬وبعبارة أخرى‪ :‬بين الروح والمادة‪ ،‬فإنه‬
‫يفضل التدين المترافق مع االنحطاط على النهضة المترافقة مع‬
‫اإللحاد والضالل أو الكفر‪.‬‬
‫وقد كانت تلك النظرة مبنية على الفلسفة التي تقول‪ :‬إن‬
‫مكون من روح وجسد‪ ،‬أي إن فيه الناحية الروحية‬
‫اإلنسان ّ‬
‫والناحية المادية‪ ،‬وإن هاتين الناحيتين في تركيب اإلنسان‬
‫متناقضتان بحيث ال يمكن إشباع ناحية إال على حساب األخرى‪.‬‬
‫مصاف المالئكة فإن‬
‫فإذا أراد اإلنسان أن يتطهر ويسمو إلى‬
‫ّ‬
‫عليه أن يغلّب الروح على الجسد فيعتزل الدنيا ومتاعها‬
‫ومشاغلها وينصرف إلى شؤون العبادة والتقشف واالرتباط‬
‫بالغيب والنزوع إلى الروحانية‪ .‬أما إن هو أراد الدنيا ومتاعها‬
‫واالهتمام بعمارتها وزخرفها فإنه يكون حينئذ قد قرر تغليب‬
‫الجسد على الروح واالبتعاد‪ ،‬بالتالي‪ ،‬عن طهر النفس ونقاء‬
‫المالئكة‪ ،‬وطلق الغيب وخسر اآلخرة‪.‬‬
‫يصف ول ديورانت هذه النزعة لدى المتديّنين في‬
‫العصور الوسطى فيقول‪":‬وقد وجه كثير من المسيحيين همهم‬
‫كله إلى العمل على أن يستقبلوا يوم الحساب الرهيب طاهرين‬
‫من الدنس‪ ،‬فكانوا لذلك يرون في كل لذة من ملذات الحواس‬
‫غواية من غوايات الشيطان‪ ،‬ولهذا أخذوا ينددون بعالم الجسم‬
‫ويعملون لكبت الشهوات بالصوم وبكثير من أنواع التعذيب‬
‫البدني‪ ،‬وكانوا ينظرون بعين الريبة إلى الموسيقى والخبز‬
‫األبيض والخمور األجنبية والحمامات الدافئة وحلق اللحية‪،‬‬
‫‪28‬‬
‫ويرون في هذه األعمال استهانة بإرادة هللا الجلية الواضحة‬
‫للعيان"(‪.)1‬‬
‫كما أن العقل الذي يميز اإلنسان عن سائر المخلوقات‬
‫ويؤهله للتعرف على حقائق الكون واإلنسان والحياة لقي‬
‫االزدراء واالحتقار من رجال الكهنوت إلى حد تصويره عدوا ً‬
‫للدين واإليمان‪ ،‬فكان العامة من األوربيين ‪ -‬كما يقول ديورانت‬
‫ "يشعرون بأن من الحزم أن يؤمنوا باألجوبة التي ينطق بها‬‫رجال الدين ويؤكدوها توكيدا ً يزيل مخاوفهم‪ .‬ولو أن الكنيسة قد‬
‫اعترفت بأنها تخطىء تارة وتصيب تارة أخرى لفقدوا ثقتهم‬
‫فيها‪ ،‬ولعلهم كانوا يرتابون في المعرفة ويرون أنها الثمرة المرة‬
‫للشجرة المحرمة تحريما ً ينطق بالحكمة‪ ،‬أو السراب الذي يضل‬
‫الناس ويغويهم ليخرجوا من جنة السذاجة والحياة الخالية من‬
‫الشك‪ .‬وهكذا استسلم العقل في العصور الوسطى لإليمان في‬
‫أغلب األوقات والحاالت‪ ،‬وجعل كل اعتماده على هللا وعلى‬
‫الكنيسة‪ ،‬كما يثق رجل هذه األيام بالعلم والدولة"(‪.)2‬‬
‫وها هو مارتن لوثر رائد اإلصالح الديني الذي أسس ما‬
‫يسمى بالمذهب البروتستانتي والذي بذل جهده إلعادة روح‬
‫العصور الوسطى بعدما شعر بتأثير العقل يتسرب إلى‬
‫ّ‬
‫يشن هجومه العنيف على العقل ويدعو‬
‫المجتمعات األوربية‬
‫الناس إلى رجمه ودوسه باألقدام‪":‬أنت ال تستطيع أن تقبل كالً‬
‫من اإلنجيل والعقل‪ ،‬فأحدهما يجب أن يفسح الطريق لآلخر‪...‬‬
‫‪ -1‬ول ديورانت ‪ -‬قصة الحضارة ‪ -‬ج ‪ -11‬ص ‪.282‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ -16‬ص ‪.13-12‬‬
‫‪29‬‬
‫إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا هللا عنها في كلمته‬
‫أمام العقل مستحيلة تماما ً ومنافية للمعقول وزائفة‪ ...‬إن العقل‬
‫هو أكبر عدو لإليمان‪ ...‬إنه أفجر صنائع الشيطان‪ ،‬كبغي فتك‬
‫بها الجرب والجذام‪ ،‬ويجب أن توطأ باألقدام ويقضى عليها هي‬
‫وحكمتها‪ ...‬فاقذفها بالروث في وجهها‪ ...‬وأغرقها في‬
‫العماد‪.)1("...‬‬
‫لما فهم المفكرون الغربيون في التاريخ الحديث‬
‫والمعاصر الدين على هذا النحو ‪ -‬أي كما كان سائدا ً في أوربا‬
‫خالل العصور الوسطى ‪ -‬رأوا أن سيطرة الدين على الحياة‬
‫والمجتمع والدولة كانت العامل األساس في انحطاط المجتمع‬
‫في العصور الوسطى‪.‬‬
‫وكان من شواهدهم المهمة النظام اإلقطاعي الموغل في‬
‫الظلم والقسوة الذي كان األوربيون يخضعون له قانعين بتأثير‬
‫فكرة التفويض اإللهي الممنوح للملك‪ ،‬فكما يقول ديورانت‪:‬‬
‫"كان الملك من الوجهة الزمنية تابعا ً هلل‪ ،‬يحكم بما له من حق‬
‫إلهي‪ ،‬بمعنى أن هللا أجاز له أن يحكم‪ ،‬ومن ثم فوضه في أن‬
‫يحكم"(‪.)2‬‬
‫وهكذا يمضون في االستشهاد بالتاريخ األوربي ‪ -‬وكأنه‬
‫تاريخ العالم ‪ -‬فيصلون إلى التاريخ الحديث الذي يبدأ حسب‬
‫اصطالحهم في القرن الخامس عشر‪ ،‬فيربطون بين بوادر‬
‫النهضة في تلك القرون وبين الصراع الذي بدأ ينشب بين‬
‫‪ -1‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ -24‬ص ‪.56-55‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪-‬ج ‪ - 14‬ص ‪.429‬‬
‫‪30‬‬
‫الكنيسة الكاثوليكية التي تسيطر على المجتمع وتطبعه بطابعها‬
‫وبين اإلصالحيين والثوريين الذين وقفوا في وجه تلك السيطرة‪.‬‬
‫فكانت طالئع المعارضة متمثلة بادىء األمر في حركة‬
‫البروتستانتيين اإلصالحيين الذين طالبوا برفع النفوذ البابوي‬
‫عن ممالك أوربا الحديثة وإماراتها‪ ،‬ورغم أن تلك الحركة‬
‫اتسمت بالتز ّمت البالغ الذي فاق ما لدى كنيسة روما من‬
‫التعصب واالستهتار بالعقل والمعرفة‪ ،‬إال أن تلك الحركة‬
‫كسرت ذلك الطوق الذي كان يجعل من الكنيسة الكاثوليكية‬
‫السلطان األعلى على جميع ملوك أوربا وأمرائها(‪ )1‬والسيما أن‬
‫هذه الحركة طالبت برفع النفوذ البابوي والكنسي عن تلك‬
‫الممالك واإلمارات‪ .‬فمن النقاط التي طرحها زونجلي أحد‬
‫زعماء اإلصالح البروتستانتيين ودافع عنها بقوة‪ ،‬أنه "ال‬
‫أساس للسلطة الروحية التي يطلق عليها اسم "الكنيسة" في‬
‫الكتب المقدسة وفي تعاليم المسيح‪ .‬إال أن السلطة الزمنية تؤيدها‬
‫تعاليم المسيح وسنته"(‪.)2‬‬
‫ورافق ذلك ظهور بعض الفالسفة الذين تمردوا على‬
‫الطروحات الكهنوتية وهيمنة الكنيسة‪ ،‬سواء على شكل ملحدين‬
‫جاحدين للدين‪ ،‬أو على شكل علمانيين يطالبون بعزل الدين عن‬
‫الحياة والمجتمع والدولة‪ ،‬والحجر عليه داخل الكنيسة والبيت‪،‬‬
‫وطالبوا بإطالق حرية اإلنسان ليبدع فيها بعبقريته وكفاءته‬
‫‪ -1‬راجع المرجع السابق ج ‪ - 27‬ص ‪.262‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ - 24‬ص ‪.117‬‬
‫‪31‬‬
‫ومواهبه‪ ،‬ولينجز األعمال التي يعبر بها عن نفسه وتطلعاته‪،‬‬
‫والتي هي سبب النهضة في أي مجتمع من المجتمعات‪.‬‬
‫فها هو ماكيافيلّي المفكر اإليطالي الشهير المتوفى سنة‬
‫‪" 1527‬كان يعتقد أن المسيحية ‪ -‬في أحسن حاالتها ‪ -‬تعلم‬
‫فضائل مغلوطة‪ .‬فقد كانت تعلم حسب رأيه الخضوع والذل‬
‫وإنكار الجسد‪ ،‬وإعطاء الخد اآلخر للطم‪ ،‬ثم حصر أمل اإلنسان‬
‫بالفرح والسعادة في ما بعد الموت‪ .‬وكانت فكرة ماكيافيلي عن‬
‫الفضيلة على نقيض كلي مع المناقب المسيحية‪ .‬فقد كان‬
‫يستوحي نبل اإلنسان ومجد الحياة على األرض‪ ،‬وكان يعتقد أن‬
‫هذا النبل يعبر عنه ليس في إذالل النفس بل في االعتزاز‬
‫الفخور"(‪" .)1‬ونظرا ً إلى أنه كان كاآلخرين من معاصريه يعتقد‬
‫أن ائتالف الدين والدنيا أمر مفروض‪ ،‬فقد عقد األمل على أن‬
‫ينتصر في إيطاليا القرن السادس عشر نمطه الجمهوري بعد‬
‫التخلي عن المسيحية كديانة تجاوزها العصر فيزرع مكانها‬
‫ديانة ومؤسسات دينية مرتكزة على روح روما القديمة‪ ،‬أي‬
‫"ديانة زمنية" يكون غرضها األساسي تعزيز مشاعر وفضائل‬
‫وطنية"(‪.)2‬‬
‫وقد هاجم جمي ُع الكتاب الفرنسيين في القرن السادس عشر‬
‫على وجه أو آخر ثقافةَ العصور الوسطى‪ ،‬مشددين على وعي‬
‫الذات وعلى تنمية الفردية واالبتكار‪ .‬بلغ ذلك ذروته في‬
‫‪ -1‬أرنستو الندي ‪ -‬مقال في كتاب أعالم الفكر السياسي ‪ -‬تصنيف موريس‬
‫كرانستون ‪ -‬ص ‪.42‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ص ‪.43‬‬
‫‪32‬‬
‫الشكوكية النقدية التي حمل لواءها ميشال مونتين المتوفى سنة‬
‫‪.)1(1592‬‬
‫ثم يأتي القرن السابع عشر ليشهد بزوغ االعتقاد لدى‬
‫الفالسفة والكتاب األوربيين أن الحقيقة عن طبيعة اإلنسان‬
‫والكون يمكن أن تكتشف بالعقل‪ ،‬وفي الوقت نفسه أدى التفسير‬
‫النقدي للكتب المقدسة واالهتمام بمقارنة األديان إلى إضعاف‬
‫هيبة العقيدة الدينية الرسمية‪ .‬وفي باب الدين انعكست روح‬
‫العصر العلمية في إنكار المعجزات والوحي اإللهي‪ ،‬وكذلك في‬
‫مقاومة االندفاع العاطفي الحماسي‪ .‬ومن خصائص تفكير‬
‫"الكتّاب المتنورين" ‪ -‬وهو االسم الذي عرفوا به في تلك الحقبة‬
‫ والذين كانوا يلقبون بالفالسفة‪ ،‬أنهم وإن لم يكونوا عادة‬‫ملحدين‪ ،‬كانوا مثالً يَ َر ْون ‪ -‬على أسس إنسانية صرف ‪ -‬أنه من‬
‫غير المعقول أن يفرض المرء عقيدته الدينية على فرد آخر أو‬
‫أمة أخرى‪ ،‬وقد حولت أخبار الرحالت االهتمام نحو العامل‬
‫المشترك في جميع األديان‪ .‬وهو االعتقاد باهلل كمصدر لكل‬
‫وجود‪ .‬من هنا نشأت فكرة الوثني النبيل‪ ،‬وفكرة اإليمان‬
‫الطبيعي باهلل التي كانت تنطوي على القول بأن هللا ما أن خلق‬
‫الدنيا حتى تركها تجري وشأنها‪ ،‬أو "على غرار الساعة" كما‬
‫قال ألكسندر بوب في "مقالته في اإلنسان" سنة ‪.)2(1733‬‬
‫وفي القرن الثامن عشر يتتابع "الفالسفة المتنورون"‬
‫ليؤكدوا فكرة فصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة‪ .‬فها هو‬
‫‪ -1‬بهجة المعرفة ‪ -‬المجموعة الثانية ‪ -‬ج ‪ - 4‬ص ‪.276‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ 4‬ص ‪.359-356‬‬
‫‪33‬‬
‫مونتسكيو المتوفى سنة ‪ ،1755‬على الرغم من أنه لم يكن‬
‫ملحدا ً ينتقد الكنيسة ورجال الدين بشدة(‪.)1‬‬
‫وكذلك فولتير المتوفى سنة ‪ 1778‬والذي نقد في مؤلفاته‬
‫التاريخية النظرة اإلنجيلية والمسيحية عن تطور المجتمع ورسم‬
‫خطوطا ً عريضة لتاريخ اإلنسانية‪ .‬ففلسفة التاريخ تقوم عنده‬
‫على أساس فكرة التطور التقدمي للمجتمع في استقالل عن إرادة‬
‫هللا‪ ،‬وقد ناضل ضد الكهنوتية وما سماه بالشطحات الخيالية‬
‫الدينية‪ .‬وكانت المسيحية والكنيسة الكاثوليكية الهدف الرئيس‬
‫لتهكمه حيث اعتبرها العدو الرئيس للتقدم(‪.)2‬‬
‫وها هو جان جاك روسّو الذي اعتُبر كتابه "العقد‬
‫االجتماعي" عمدة الثورة الفرنسية الكبرى والذي أصبح إنجيل‬
‫الشعب الفرنسي عقب الثورة‪ ،‬يدعو إلى اإليمان باهلل وإنكار‬
‫الوحي(‪ ،)3‬وبالتالي إلى فصل الدين عن الحياة‪ .‬ويرى أن‬
‫واضعي الشرائع ومن بعدهم الحكام والملوك لم ينسبوا‬
‫القوانين والشرائع إلى هللا إال من أجل أن يعطوها صفة‬
‫اإللزام وإنزال الرهبة في قلوب الشعب من مخالفتها‪،‬‬
‫فيقول‪":‬فبما أن المشرع ال يستطيع استخدام ال القوة وال‬
‫المحاجة‪ ،‬فعليه أن يلجأ إلى سلطة من نوع آخر يمكنها أن تقود‬
‫دون عنف وأن تقنع دون إفحام‪ .‬هذا ما أجبر آباء األمم في‬
‫جميع األزمنة على االستعانة بتدخل السماء وأن ينسبوا إلى‬
‫‪ -1‬الموسوعة الفلسفية ‪ -‬مادة "مونتسكيو"‪.‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬مادة "فولتير"‪.‬‬
‫‪ -3‬المرجع السابق ‪ -‬مادة "روسّو"‪.‬‬
‫‪34‬‬
‫اآللهة فخار حكمتهم الخاصة‪ ،‬لكي تطيع الشعوب (‪ )...‬هذا‬
‫العقل السامي الذي يرتفع فوق إدراك الناس العاديين‪ ،‬هو العقل‬
‫الذي يضع به المشرع األحكام على أفواه الخالدين‪ ،‬ليقود‬
‫بالسلطة اإللهية أولئك الذين ال يمكن أن تزحزهم الحكمة‬
‫البشرية‪ .‬ولكن ال يحق لكل إنسان أن يجعل اآللهة تتكلم وال أن‬
‫يكون مصدَّقا ً عندما ينبىء الناس أنه ترجمانها"(‪.)1‬‬
‫وأخيرا ً جاءت الثورة الفرنسية الكبرى سنة ‪،1789‬‬
‫وأقصت الكنيسة نهائيا ً عن المجتمع والدولة والسياسة‪ .‬يقول ول‬
‫ديورانت‪" :‬لقد كانت معظم الثورات السابقة إما على الدولة‬
‫وإما على الكنيسة‪ ،‬وندر أن نشبت ضدهما معا ً في وقت واحد‬
‫(‪ )...‬أما الثورة الفرنسية فإنها هاجمت الملكية والكنيسة جميعاً‪،‬‬
‫واضطلعت بمهمة ومخاطرة مزدوجة هي مهمة اإلطاحة‬
‫بالركيزتين الدينية والدنيوية للنظام االجتماعي القائم"(‪.)2‬‬
‫وهكذا يَعُدّ المعاصرون من المفكرين والمؤرخين‬
‫الغربيين تلك األوضاع دليالً حيا ً على نظريتهم‪ ،‬حيث تناسب‬
‫مقدار الرقي المتعاظم شيئا ً فشيئا ً في أوربا مع مقدار انحسار‬
‫نفوذ الكنيسة عن المجتمع‪ ،‬وبالتالي انحسار الدين والتدين عن‬
‫الحياة العامة‪ .‬ثم وجدوا في الثورة الفرنسية التي افتتحت‬
‫تاريخهم المعاصر البرهان األكبر على نظريتهم حيث أقصيت‬
‫الكنيسة عن واقع المجتمع وقُضي على نظرية التفويض اإللهي‪،‬‬
‫وأطلقت الحريات العامة في المجتمع‪ ،‬فاستكملت حركة النهضة‬
‫‪ -1‬جان جاك روسو ‪ -‬العقد االجتماعي ‪ -‬ص ‪.85‬‬
‫‪ -2‬ول ديورانت ‪ -‬قصة الحضارة ‪ -‬ج‪ - 42‬ص ‪.397‬‬
‫‪35‬‬
‫األوربية مسيرتها وبدأت تؤتي أكلها وتثمر ثمارها التي يفتخر‬
‫بها الغربيون إلى اليوم‪.‬‬
‫إن هذه النظرية التاريخية الحضارية لدى المفكرين‬
‫الغربيين هي التي كانت وراء ظهور العقيدة العقلية التي اعتنقها‬
‫الغرب منذ بداية التاريخ المعاصر وجعلها قاعدة ألفكاره‪،‬‬
‫وقيادة فكرية لمجتمعه‪ ،‬أال وهي عقيدة "فصل الدين عن‬
‫الحياة"‪.‬‬
‫وهكذا مضى هؤالء في تفسير أيّة حركة نهضوية من‬
‫خالل تلك النظرية‪ ،‬فعندما يريدون تفسير ظاهرة النهضة‬
‫الشيوعية ومن ثم انحطاطها‪ ،‬فإنهم يعزون تلك النهضة إلى‬
‫غياب التأثير الديني عن الحياة في المجتمع الشيوعي ‪ -‬والسيما‬
‫أن الشيوعية تقوم على اإللحاد وتقول إن الدين أفيون الشعوب ‪-‬‬
‫وبالتالي إلى ارتباط الشعوب الشيوعية بالمادة والواقع والحياة‪.‬‬
‫أما االنحطاط السريع لتلك "الحضارة"‪ ،‬فمرده في رأيهم ليس‬
‫إلى اإللحاد وغياب الدين‪ ،‬وإنما النعدام الحرية‪ .‬فالحرية التي‬
‫يستهدفها اإلنسان بانعتاقه من الخضوع لرجال الدين والعبودية‬
‫للغيب‪ ،‬سلبه إياها النظام الشيوعي حين حوله عن الخضوع‬
‫لرجال الدين والعبودية للغيب‪ ،‬إلى الخضوع والعبودية للدولة‬
‫والحزب الحاكم‪ ،‬وينظرون إلى الشعوب المنتفضة على‬
‫الشيوعية اليوم من زاوية أنها تريد االنعتاق من العبودية للدولة‬
‫من أجل أن تمارس حريتها ولتلحق بركب الحضارة الغربية‬
‫اللبرالية‪ .‬يقول اللبرالي المتطرف فرانسيس فوكوياما‪ ":‬كلما‬
‫اقتربت اإلنسانية من نهاية األلف الثاني فإنه يالحظ أن األزمتين‬
‫المزدوجتين التسلطية واالشتراكية‪ ،‬لم تتركا في ساحة المعركة‬
‫‪36‬‬
‫إال إيديولوجيا واحدة محتملة ذات طابع شمولي‪ :‬هي‬
‫الديمقراطية اللبرالية‪ ،‬عقيدة الحرية الفردية والسيادة‬
‫الشعبية"(‪.)1‬‬
‫هذه هي خالصة المفهوم الغربي المعاصر عن حركتي‬
‫االنحطاط والنهضة في التاريخ‪ .‬ولن نستعجل كثيرا ً لنتوسع في‬
‫ّ‬
‫المحك‬
‫نقد هذه النظرية‪ .‬فإنه يكفينا أن نضع تلك النظرية على‬
‫بأن نعرض عليها نموذجا ً واحدا ً من نماذج النهضات التي‬
‫عرفها التاريخ‪ ،‬فنرى إن كانت تنطبق عليه أم ال‪ .‬فمن شأن‬
‫فلسفة النهضة‪ ،‬أو بعبارة أخرى "تعريف النهضة" إن كان‬
‫صحيحاً‪ ،‬أن ينطبق على كل نهضة‪ .‬فالتعريف يجب أن يكون‬
‫جامعا ً مانعاً‪ ،‬والسيما أن أصحاب تلك النظرية طرحوها على‬
‫أنها قاعدة مستمرة‪.‬‬
‫فإذا سألنا هؤالء عن سر النهضة الحضارية اإلسالمية‬
‫خالل العصور الوسطى‪ ،‬فإنهم يعجزون عن تفسير تلك‬
‫الظاهرة وفق نظريتهم السالفة الذكر‪ ،‬فيتكلفون التفسيرات‬
‫المختلفة من أجل إثبات نظريتهم‪ .‬فعصور الحضارة اإلسالمية‬
‫التي شهدت أعظم نهضة عرفها التاريخ كانت عصور تدين‬
‫وعبادة‪ ،‬بل كانت الحضارة اإلسالمية ‪ -‬بما فيها مجتمعها‬
‫ودولتها وطريقة عيشها ‪ -‬تقوم على أساس عقيدة روحية تربط‬
‫اإلنسان بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها‪.‬‬
‫فذلك المثال هو البرهان الحي والدليل القاطع على فساد‬
‫النظرية الغربية في تفسير حركتي النهضة واالنحطاط‪ .‬فالفكرة‬
‫‪ -1‬فرانسيس فوكوياما ‪ -‬نهاية التاريخ واإلنسان األخير ‪ -‬ص ‪.68‬‬
‫‪37‬‬
‫تثبت صحتها بانطباقها على الواقع‪ ،‬ويثبت فسادها إن لم تنطبق‬
‫على ذلك الواقع كما هو شأن تلك النظرية‪.‬‬
‫وفلسفة النهضة هي مسألة من الخطورة بحيث أنه ال‬
‫يجوز أن تكون نظرية ظنية كما هو شأن تلك النظرية‪ .‬بل يجب‬
‫أن تكون فكرا ً يقينيا ً جازما ً ينطبق على الواقع المحسوس‪ ،‬قادرا ً‬
‫على تفسير كل نهضة وكل انحطاط للحضارات التفسير‬
‫الصحيح‪.‬‬
‫ســــر الـنـهضــة‬
‫إن الذي يحدد الرقي واالنحطاط في مجتمع ما‪ ،‬هو‬
‫حضارته التي يقوم عليها‪ .‬فإن كانت حضارته راقية أمكنه أن‬
‫يرتقي‪ ،‬أما إن كانت منخفضة فإنه لن يعرف النهضة في كنفها‬
‫يوما ً من األيام‪.‬‬
‫‪38‬‬
‫وحين نتكلم عن الحضارات في المجتمعات اإلنسانية فهذا‬
‫يعني أننا نتكلم عن طرق العيش وأنماط السلوك والعالقات التي‬
‫تتميز بها تلك المجتمعات‪ .‬فالحضارة "طريقة عيش يعرف بها‬
‫كل مجتمع على حدة"‪ ،‬وبما أن سلوك الناس وعالقاتهم‬
‫وطريقة عيشهم هي رهن المفاهيم التي يحملونها عن الحياة‪،‬‬
‫فهذا يعني أن الحضارة "هي مجموعة المفاهيم عن الحياة"‪.‬‬
‫فمجموعة المفاهيم الغربية مثالً عن الحياة هي التي تشكل‬
‫الحضارة الغربية‪ ،‬وكذلك فإن الحضارة اإلسالمية هي مجموعة‬
‫المفاهيم اإلسالمية عن الحياة‪.‬‬
‫من هنا فإن الذي يقود الشعوب واألمم إلى النهضة هو‬
‫الفكر الذي تحمله‪ .‬كما أن الفكر أيضا ً قد يكون هوالسبب في‬
‫ي الفكر الذي يحمله شعب من‬
‫انحطاط الشعوب‪ .‬فإنه برق ّ‬
‫الشعوب يرقى وبانحطاطه ينحط‪ .‬وما الحضارة لدى المجتمع‬
‫إال ذلك البنيان الفكري الذي يشكل عقليته ويصوغ عالقاته‬
‫وينظم مشاكله‪ .‬وما رقي تلك الحضارة وما انحطاطها إال‬
‫بمقدار رقي ذلك الفكر أو انحطاطه‪.‬‬
‫فما هو الفكر الراقي؟ وما هو الفكر المنخفض؟‬
‫إن الفكر الراقي هو ذلك الفكر الشامل المتكامل‬
‫المتماسك‪ ،‬القادر على أن يعطي اإلنسان رأيا ً عن كل شيء‬
‫يرتبط بسلوكه‪ ،‬وموقفا ً إزاء أي حدث‪ ،‬ويستطيع إعطاء نظام‬
‫ينظم عالقات المجتمع كلها دون إغفال ناحية من نواحيه‪،‬‬
‫تنظيما ً دقيقا ً متناسقا ً متناغماً‪ ،‬بحيث يوجد في ذلك المجتمع نسقا ً‬
‫من العيش أو نمطا ً من السلوك منسجما ً وذا طراز معين ولون‬
‫‪39‬‬
‫محدد‪ ،‬فال تتضارب معالجاته‪ ،‬وال تتناقض قواعده‪ ،‬وال يأكل‬
‫بعضها بعضاً‪ .‬فهكذا فكر من شأنه أن يجعل من الجماعة‬
‫البشرية التي تحمله وتطبق نظامه مجتمعا ً متماسكا ً قويا ً يسير‬
‫سق عالقات‬
‫ارتقائيا ً نحو النهضة‪ .‬ذلك أنه استطاع أن ين ّ‬
‫المجتمع ويخلصه من االضطراب والتناقضات والصراعات‬
‫الداخلية‪.‬‬
‫ولكن المشكلة تكمن في كيفية الحصول على ذلك الفكر‬
‫الراقي الذي يتمتع بتلك الصفات ويتميز بذلك التكامل وتلك‬
‫الشمولية‪ .‬فمن أين للمجتمعات ذلك؟‬
‫إن الواقع المحسوس والتاريخ ‪-‬فضالً عن النظر والتفكير‬
‫المستنيرين‪ -‬يُثبتان أن فـكرا ً كهذا ال يمكن أن يوجد إال بوجود‬
‫قاعدة فكرية لـه‪ .‬ذلك أن كل بنيان يحتاج إلى أساس‪ ،‬ووجود‬
‫القاعدة الفكرية هو الذي من شـأنه أن يصلح أساسا ً لذلك البنيان‬
‫الفكري‪ .‬وهذه القاعدة الفكرية ‪-‬التي هي الفكر األساس ‪ -‬ال‬
‫يمكن أن تكون قاعدة إال بأن تكون عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية‬
‫فتعرف اإلنسان بأصله ومآله‪،‬‬
‫عن الكون واإلنسان والحياة‪،‬‬
‫ّ‬
‫وبالتالي تعرفه بطبيعة حياته والغاية منها‪ .‬وهكذا تكون هذه‬
‫العقيدة صالحة ألن يُبنى عليها ذلك البنيان الفكري‪ ،‬كما أن من‬
‫شأنها أن تكون عقيدة سياسية بحيث تنبثق عنها أنظمة للحياة‬
‫ترعى شؤون الناس في مجتمعهم وتتوافق مع أفكارهم التي‬
‫يحملونها والمشاعر السائدة بينهم‪ .‬مما يجعل من ذلك المجتمع‬
‫كيانا ً حضاريا ً متميزا ً ومنفرداً‪ ،‬وتكون عقيدته تلك التي يعتنقها‬
‫‪40‬‬
‫قيادة فكرية له تسير به ارتقائيا ً نحو النهضة‪ .‬وهذا الفكر يسمى‬
‫الفكر المبدئي(‪.)1‬‬
‫فالمبدأ ‪ -‬وهو العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام‪ -‬هو‬
‫الذي كانت تفتقر إليه شعوب أوربا في العصور الوسطى‪ .‬أي‬
‫إن تلك الشعوب لم تكن تمتلك فكرا ً مبدئيا ً تنهض على أساسه‪.‬‬
‫صحيح أن تلك الشعوب كانت تتدين بدين واحد وعقيدة واحدة‬
‫هي النصرانية‪ ،‬إال أن تلك العقيدة لم تكن عقيدة سياسية‪ ،‬وإنما‬
‫مجرد عقيدة وجدانية تلقتها تلك الشعوب تقليدا ً عن اآلباء‬
‫والرهبان والقساوسة(‪ ،)2‬وبالتالي لم تكن مؤهلة ألن تكون‬
‫قاعدة ألفكار نهضوية في المجتمع‪ ،‬وبالتالي لم تنبثق عنها‬
‫أنظمة للحياة والمجتمع والدولة‪ ،‬وإنما هي مجرد عقيدة‬
‫روحية تبيّن عالقة اإلنسان بخالقه‪ ،‬كما ترشد إلى مجموعة‬
‫من األخالق والقيم الروحية واإلنسانية‪ .‬وإننا إذا قلّبنا صفحات‬
‫اإلنجيل كلها فلن نجد أثرا ً لنظام للحكم أو االقتصاد أو‬
‫العقوبات أو ما شاكل ذلك‪ .‬وإذا كان الملوك ورجال الكنيسة‬
‫قد حكموا باسم الدين والتفويض اإللهي فهذا ال يعني أنهم‬
‫رعوا شؤون الناس بقوانين استُمدت من الدين واإلنجيل‪ ،‬بل‬
‫ّ‬
‫تمت إلى المسيحية بصلة‪،‬‬
‫طبقوا أنظمة وقوانين وضعية ال‬
‫ّ‬
‫أحط أنواع األنظمة‪ ،‬وهي ما عرف بالنظام‬
‫وكانت من‬
‫اإلقطاعي‪ .‬يقول ديورانت عن شريعة اإلقطاع‪":‬كانت العادات‬
‫‪ -1‬ورد في الموسوعة الفلسفية في مادة "مبدأ"‪ :‬المبدأ فكرة رئيسية‪،‬‬
‫والقاعدة األساسية للسلوك‪ .‬ومن الناحية المنطقية‪ ،‬المبدأ هو المفهوم‬
‫الرئيسي‪ ،‬واألساس ألي نظام‪.‬‬
‫‪ -2‬راجع ول ديورانت ‪ -‬قصة اللحضارة ‪ -‬ج ‪ - 16‬ص ‪.13 - 12‬‬
‫‪41‬‬
‫والشرائع شيئا ً واحدا ً في نظام الحكم اإلقطاعي حيث كان‬
‫القضاة والقائمون بتنفيذ القانون المدني عادة أميين‪ .‬فإذا ما‬
‫ثارت مشكلة خاصة بالقانون أو العقاب‪ ،‬سئل أكبر أعضاء‬
‫المجتمع سنا ً عما جرت به العادة في هذه المشكلة أيام شبابهم‪،‬‬
‫ولهذا كان المجتمع نفسه المصدر الرئيس للقوانين"(‪.)1‬‬
‫باختصار‪ :‬إن االنحطاط الذي عرفته أوربا خالل العصور‬
‫الوسطى مردّه في الحقيقة إلى تلك الثقافة المنخفضة التي كانت‬
‫سائدة فيها‪.‬‬
‫وكما كان شأن الشعوب األوربية في العصور الوسطى‪،‬‬
‫فكذلك كان شأن العرب في الجاهلية‪ .‬فلم تكن لهؤالء عقيدة‬
‫وتقوي أواصر مجتمعهم بتنظيم‬
‫عقلية سياسية تربط بينهم‬
‫ّ‬
‫عالقاته‪ ،‬وإنما كانوا يحملون عقيدة كهنوتية تقليدية هي‬
‫"الوثنية"‪ ،‬وبالتالي لم تكن صالحة ألن تكون قاعدة ألفكارهم‬
‫وال قيادة فكرية لحركة مجتمعهم‪ .‬وبذلك كان ذلك المجتمع‬
‫منحطاًّ‪ ،‬حيث سادت القبلية التي جعلت من القبائل والعشائر‬
‫مجتمعات متناحرة متقاتلة ال تفتأ تشن الحروب فيما بينها‪ ،‬ليس‬
‫من أجل شيء إال الثأر والعصبية‪ ،‬فعُرف ذلك المجتمع‬
‫بالمجتمع الجاهلي‪.‬‬
‫ولكن شعوب الجزيرة العربية ‪ -‬على الرغم من انحطاطها‬
‫ سرعان ما خرجت من ظالم االنحطاط إلى ضياء النهضة‬‫والرقي أوائل العصور الوسطى على نحو انقالبي مفاجىء‪.‬‬
‫بينما استمر االنحطاط مخيما ً على الشعوب األوربية قرونا ً‬
‫‪ -1‬قصة الحضارة ‪ -‬ج ‪ - 14‬ص ‪.434‬‬
‫‪42‬‬
‫متطاولة حتى حلول العصر الحديث حيث لم تظهر بوادر‬
‫النهضة إال أواخر القرن الخامس عشر‪ ،‬ولم تؤت ثمارها إال‬
‫أواخر القرن الثامن عشر‪.‬‬
‫على أي حال‪ ،‬سنصرف النظر عن الفارق الزمني بين‬
‫مولد كل من هاتين النهضتين وسرعة إثمارهما‪ ،‬ونطرح‬
‫السؤال اآلتي‪ :‬ما العامل الذي توفر في هذين المجتمعين حتى‬
‫دبّت فيهما عوامل النهضة وخرجا من حال االنحطاط إلى حال‬
‫الرقي؟‬
‫إن الجواب يكمن فيما أسلفناه من فلسفة للنهضة‪ .‬لقد‬
‫ُوجدت في كل من هذين المجتمعين عقيدة عقلية سياسية كانت‬
‫بمثابة مبدأ قام عليه بنيان حضاري شامل قاد المجتمع نحو‬
‫االرتقاء‪.‬‬
‫ففي جزيرة العرب ظهر الدين اإلسالمي كمبدأ يقوم على‬
‫عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون واإلنسان والحياة وعما‬
‫قبل الحياة الدنيا وعما بعدها وعن عالقتها بما قبلها وما بعدها‪،‬‬
‫وهي عقيدة "ال إله إال هللا محمد رسول هللا"‪ .‬وعن هذه العقيدة‬
‫ّ‬
‫فنظم‬
‫انبثق أعظم نظام لإلنسان في حياته ومجتمعه ودولته‪،‬‬
‫عالقة اإلنسان بخالقه بما بيّنه من عقائد وما شرعه من عبادات‬
‫ّ‬
‫ونظم عالقته بنفسه بما شرعه من‬
‫كالصالة والصوم والحج‪،‬‬
‫ّ‬
‫ونظم عالقته بغيره‬
‫األخالق وأحكام المطعومات والملبوسات‪،‬‬
‫من الناس بما شرعه من أنظمة للمجتمع والدولة‪ .‬فانبثق عن تلك‬
‫العقيدة نظام للحكم عرف بنظام الخالفة‪ ،‬وانبثق عنها نظام‬
‫لالقتصاديبيّن للدولة مصادر المال وكيفية توزيعه وإنفاقه‪،‬‬
‫‪43‬‬
‫ونظام اجتماعي ينظم عالقة الرجل بالمرأة ويعالج مشاكل‬
‫األسرة‪ ،‬ونظام للعقوبات وغير ذلك‪ .‬وقد تمثل انبثاق تلك‬
‫األنظمة عن العقيدة اإلسالمية بأنها استُنبطت كلها من القرآن‬
‫والسنة اللذين نزال وحيا ً من هللا على رسوله محمد ‪.r‬‬
‫وكانت هذه العقيدة قاعدة فكرية انبنت عليها الحضارة‬
‫اإلسالمية العريقة‪ ،‬وبذلك تحققت النهضة في بالد العرب‬
‫لتتوسع وتشمل مساحة عظيمة من المعمورة‪ ،‬منتشرة بسرعة لم‬
‫يسجل لها التاريخ مثيالً‪ ،‬من الصين شرقا ً إلى المحيط األطلسي‬
‫غرباً‪ .‬ويصف ديورانت البالد اإلسالمية في ظل الخالفة‪ ،‬فيرى‬
‫أن "الخلفاء قد أمنوا الناس إلى حد كبير على حياتهم وثمار‬
‫جهودهم‪ ،‬وهيأوا الفرص لذوي المواهب‪ ،‬ونشروا الرخاء على‬
‫مدى ستة قرون في أصقاع لم تر قط مثل هذا الرخاء بعد‬
‫عهدهم‪ ،‬وبفضل تشجيعهم ومعونتهم انتشر التعليم‪ ،‬وازدهرت‬
‫العلوم واآلداب والفلسفة والفنون ازدهارا ً جعل آسية الغربية‬
‫مدى خمسة قرون أرقى أقاليم العالم كله حضارة"(‪.)1‬‬
‫أما في أوربا‪ ،‬فقد أدى الصراع كما رأينا بين رجال‬
‫الكنيسة من جهة والملوك والفالسفة من جهة أخرى إلى والدة‬
‫مبدأ جديد‪ ،‬هو اللبرالية التي تقوم على عقيدة "فصل الدين عن‬
‫الحياة"‪ ،‬أو ما يسمى "بالعلمانية"‪ .‬فكانت هذه العقيدة السياسية‬
‫قاعدة فكرية قامت على أساسها الحضارة الغربية المعاصرة‪،‬‬
‫وانبثق عنها النظام الرأسمالي الذي يقوم على جعل اإلنسان حرا ً‬
‫من أي قيد دينيا ً كان أو غير ديني‪ .‬وهذا ما أدى إلى النهضة‬
‫‪ -1‬قصة الحضارة ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.151‬‬
‫‪44‬‬
‫الغربية التي التزال قائمة إلى يومنا هذا‪ ،‬وتعمل على غزو‬
‫المجتمعات وتحويلها إلى طريقة عيشها‪.‬‬
‫هذا هو التفسير الحقيقي للنهضة‪ .‬إنها ذلك االرتقاء‬
‫الفكري المتمثل في عقيدة عقلية سياسية تصلح قاعدة ألفكار‬
‫المجتمع وأصالً النبثاق نظامه وأساسا ً لحضارته‪ .‬وبعبارة‬
‫مختصرة ‪:‬‬
‫إن وجود "المبدأ" لدى أمة هو السبب في نهضتها‪.‬‬
‫‪45‬‬
‫النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة‬
‫إذا كان معظم المفكرين والمؤرخين والفالسفة الغربيين‬
‫يقفون عند حد البحث عن النهضة وأسبابها وتفسيرها‪ ،‬فمن‬
‫الخطأ أن نتابعهم على ذلك‪ .‬فها هو التاريخ قد أعطانا نماذج‬
‫عدة من النهضات‪ .‬ولم تكن كل نهضة كاألخرى‪ ،‬وإنما هناك‬
‫اختالف جوهري عميق‪ ،‬بل وأساسي بين نهضة وأخرى‪ .‬فليس‬
‫من الصواب أن يكتفي اإلنسان بالبحث عن مطلق نهضة‪ ،‬بل‬
‫عليه أن يبحث عن تلك النهضة التي تؤدي إلى هناء اإلنسان أي‬
‫إلى طمأنينته الدائمة‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬ما دام هناك نهضة‬
‫صحيحة وأخرى فاسدة‪ ،‬فهذا يعني أن على اإلنسان أن يتحرى‬
‫تلك الصحيحة‪.‬‬
‫إذا كان المبدأ ‪ -‬بعقيدته ونظامه ‪ -‬هو سر النهضة‪ ،‬فهذا‬
‫يعني أن النهضة الصحيحة منبعها المبدأ الصحيح‪ .‬والمبدأ‬
‫الصحيح هو ذلك الذي يقوم على العقيدة الصحيحة التي تقنع‬
‫العقل وتوافق الفطرة اإلنسانية فتمأل القلب طمأنينة‪ .‬وهذه‬
‫العقيدة من شأنها أن تعطي اإلجابة الصادقة والفكرة الصائبة‬
‫عن الكون واإلنسان والحياة‪ .‬وهذا المبدأ هو القابل للتطبيق في‬
‫أي زمان وأي مكان‪ ،‬وهو الكفيل لإلنسان بالنهضة الصحيحة‪.‬‬
‫‪46‬‬
‫أما المبدأ الذي يقوم على عقيدة خاطئة‪ ،‬فإنه ال يكون قابالً‬
‫للتطبيق‪ ،‬إال بقدر ما يجد في المجتمع من ظروف وأوضاع‬
‫مواتية ومتناغمة مع طرحه وتوجهه‪ ،‬وغالبا ً ما تكون قابليته‬
‫للتطبيق آتية من كونه هو بحد ذاته رد فعل على أوضاع أو‬
‫أزمات تفاقمت في مجتمع ما‪ ،‬كما هو شأن المبدأ اللبرالي‪ .‬ثم‬
‫سرعان ما يكتشف القائمون عليه عدم قابليته لالستمرار مطبقا ً‬
‫بعد أن يكتشف المجتمع مخالفته لعقولهم وتنافره مع فطرتهم‪،‬‬
‫وسرعان ما يرتكس ذلك المجتمع من جديد في ظل نظام كان‬
‫هو نفسه السبب في نهضته فيما مضى من الزمان‪ .‬وأقرب مثال‬
‫إلينا هو المبدأ الشيوعي‪.‬‬
‫فقد أحدث ذلك المبدأ نهضة لم تستطع االستمرار أكثر من‬
‫عدة عقود لشدة ما بلغ من الفساد‪ .‬ذلك أن عقيدته صادمت فطرة‬
‫اإلنسان وعقله حين نفت وجود الخالق سبحانه‪ ،‬فقالت "ال إله‬
‫والحياة مادة"‪ .‬فالفطرة اإلنسانية تنزع بطبيعتها إلى عبادة‬
‫الخالق المدبر‪ ،‬والعقل يقطع ويجزم بأن الكون واإلنسان والحياة‬
‫كلها مخلوقة لخالق‪ ،‬وذلك لما يظهر فيها من محدودية وعجز‬
‫ولما يتجلى فيها من آثار اإلبداع واإلتقان التي تدل على مبدع‬
‫حكيم أحسن خلقها‪ .‬وبالتالي انبثق عن هذه العقيدة نظام عفن‬
‫فاسد هو النظام االشتراكي‪ ،‬رفع اإلنسان لحظة من عمر‬
‫التاريخ ليودي به إلى الهاوية ولم يتزحزح عن صدره إال وقد‬
‫أرداه صريعا ً خائر القوى ال يقدر على شيء‪.‬‬
‫أما المبدأ اللبرالي الرأسمالي الذي ظهر كانسالخ عن‬
‫أوضاع العصور الوسطى في أوربا‪ ،‬فهو أيضا ً مبدأ خاطىء‪.‬‬
‫ذلك أن عقيدته ‪ -‬عقيدة فصل الدين عن الحياة ‪ -‬ليست عقيدة‬
‫‪47‬‬
‫روحية‪ .‬فهي بعد أن اعترفت بأن اإلنسان مخلوق لخالق ‪ -‬علما ً‬
‫أنها ال تجزم بذلك ‪ -‬فصلت ذلك اإلنسان عن خالقه وقالت له‪":‬‬
‫إن الخالق خلقك على هذه األرض ثم تخلى عنك وتركك لتدبر‬
‫أمرك كيفما شئت"(‪ .)1‬فخالفت بذلك فطرة اإلنسان الذي يرى‬
‫نفسه عاجزا ً قاصرا ً محدوداً‪ ،‬ويرى خالقه مدبر أمره وحياته‬
‫كلها‪.‬‬
‫وإذا كانت تلك العقيدة ‪ -‬التي هي أصل المبدأ ‪ -‬فاسدة‬
‫خاطئة فمن الطبيعي أن تكون األنظمة التي انبثقت عنها فاسدة‪،‬‬
‫والحضارة التي قامت عليها منحرفة‪.‬‬
‫أما اإلسالم‪ ،‬فهو مبدأ مقنع للعقل وموافق للفطرة‪ .‬ذلك أن‬
‫عقيدته التي أوحاها هللا تعالى إلى رسوله محمد ‪ r‬أعطت الفكرة‬
‫الكلية الصحيحة عن الكون واإلنسان والحياة حين قررت أنها‬
‫جميعها مخلوقة لخالق‪ ،‬وعما قبل الحياة الدنيا وهو هللا تعالى‪،‬‬
‫وعما بعدها وهو يوم القيامة‪ ،‬وحددت عالقة اإلنسان بخالقه‪،‬‬
‫وهي وجوب االنقياد ألوامره ونواهيه وتسيير الحياة بالنظام‬
‫الذي أنزله على رسوله محمد ‪ ،r‬وربطت اإلنسان وهو يعيش‬
‫على هذه األرض بيوم القيامة وما بعده وذلك بأن وعدته بالجنة‬
‫فوض أمره لخالقه سبحانه وانقاد ألوامره ونواهيه‪،‬‬
‫إن هو ّ‬
‫وتوعدته بالنار إن هو خالف وتمرد وعصى‪ .‬يصف هللا تعالى‬
‫لنا رحلة اإلنسان منذ نزوله إلى األرض وحتى خروجه منها‬
‫يوم الحساب قائالً‪:‬‬
‫‪ -1‬راجع‪ :‬بهجة المعرفة‪ -‬المجموعة الثانية ‪ -‬ج ‪ - 4‬ص ‪.359‬‬
‫‪48‬‬
‫{ قلنا اهبطوا منها جميعا ً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع‬
‫هداي فال خوف عليهم وال هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا‬
‫بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }(‪.)1‬‬
‫وبذلك كانت هذه العقيدة مقنعة لعقل اإلنسان الذي يخاطبه‬
‫القرآن الكريم قائالً ‪ {:‬أفي هللا شك فاطر السموات واألرض‬
‫}(‪ .)2‬وكذلك كانت هذه العقيدة موافقة لفطرة اإلنسان التي‬
‫تنزع إلى عبادة الخالق المدبر‪ ،‬والتي تكلم عنها القرآن الكريم‬
‫فطر الناس‬
‫قائالً‪ { :‬فأقم وجهك للدين حنيفا ً فِ ْط َرتَ هللا التي‬
‫َ‬
‫عليها ال تبديل لخلق هللا‪ ،‬ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ال‬
‫يعلمون }(‪.)3‬‬
‫وهكذا كانت هذه العقيدة عقيدة روحية(‪ ،)4‬فال تعارض‬
‫في اإلسالم بين المادة والروح أو الناحية الروحية‪ .‬فإذا كانت‬
‫الروح هي إدراك الصلة باهلل تعالى‪ ،‬فإن اإلسالم يكون قد ربط‬
‫بين المادة والروح حين أمر اإلنسان بأن يسيّر أعماله المادية‬
‫بأوامر هللا ونواهيه‪ ،‬فيدرك صلته باهلل تعالى حين القيام‬
‫باألعمال‪ ،‬فيجمع بين عمارة الدنيا ورضوان هللا تعالى‪ .‬وفي‬
‫الوقت نفسه كانت هذه العقيدة عقيدة سياسية بما انبثق عنها من‬
‫نظام لإلنسان في حياته ومجتمعه ودولته‪.‬‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ -‬اآليتان ‪.39 - 38‬‬
‫‪ -2‬سورة إبراهيم ‪ -‬اآلية ‪.10‬‬
‫‪ -3‬سورة الروم ‪ -‬اآلية ‪.30‬‬
‫‪ -4‬أنظر موضوع "الروح والناحية الروحية" في هذا الكتاب‪.‬‬
‫‪49‬‬
‫هكذا ندرك الفرق بين الظواهر النهضوية في التاريخ‪.‬‬
‫وهذا ما يجعلنا نقف عند التفسير الحقيقي لتميّز النهضة‬
‫اإلسالمية عن كل ما سواها من النهضات تميّزا ً كلياً‪ .‬وإذا كان‬
‫ال بد لنا من عرض مقارنة بين النهضة اإلسالمية وغيرها‪ ،‬فمن‬
‫الخطأ أن تكون بينها وبين حضارة العصور الوسطى األوربية‪،‬‬
‫ذلك ألن العصور الوسطى األوربية باعتراف الجميع لم تكن‬
‫عصور نهضة وإنما كانت عصور انحطاط‪ .‬إذن فلتكن المقارنة‬
‫بين نهضة الحضارة اإلسالمية ونهضة الحضارة الغربية‬
‫المعاصرة التي تهيمن على العالم اليوم‪.‬‬
‫‪50‬‬
‫بين الحضارة اإلسالمية والحضارة‬
‫الغربية‬
‫إن التطور في العمران والمدنية والتقنية والعلوم‬
‫والنواحي المادية‪ ،‬وإن كان أمرا ً مهما ً الستمرار الحضارات‪،‬‬
‫إال أنه ليس المقياس في الحكم على مدى رقي الحضارة أو‬
‫انحطاطها‪ ،‬وال على مدى صوابيتها أو فسادها‪ .‬فإذا كانت‬
‫الحضارة كما أسلفنا هي مجموعة من المفاهيم تكيّف نمط‬
‫قوم بالنظر إلى ما‬
‫العيش في المجتمع‪ ،‬فإن هذه الحضارة ت ُ ّ‬
‫أوجدته في المجتمع من طريقة في العيش وما أ ّمنته لإلنسان من‬
‫االستقرار واالطمئنان والهناء‪ .‬لذلك ليس غريبا ً أن نقوم بمقارنة‬
‫بين الحضارة اإلسالمية التي تجلت على أرض الواقع طوال‬
‫العصور الوسطى وبين الحضارة الغربية المعاصرة على ما‬
‫وصلت إليه من تطور مدني وتكنولوجي وعلمي‪ .‬فجوهر‬
‫التباين بين هاتين الحضارتين هو بالدرجة األولى تباين نوعي‪،‬‬
‫وليس تباينا ً في مدى التقدم المدني والتقني أو ما شاكل ذلك‪.‬‬
‫وإذا كان التباين النوعي البعيد بين كل من هاتين‬
‫الحضارتين يجعل من الصعب علينا استيفاء المقارنة‪ ،‬فبإمكاننا‬
‫أن نذكر قسطا ً من تلك الفروق‪.‬‬
‫‪51‬‬
‫فعلى الصعيد السياسي‪ ،‬نجد أن اإلسالم استطاع أن يجعل‬
‫من األمة اإلسالمية على اختالف قومياتها وشعوبها وألوانها‬
‫وألسنتها مجتمعا ً واحداً‪ .‬فقد توفي رسول هللا ‪ r‬بعد أن دخلت‬
‫الجزيرة العربية كلها في اإلسالم‪ ،‬وبعد أن قضي على الشرك‬
‫فيها وبعد أن أصبحت دار إسالم تحكم باإلسالم كله عقيدة‬
‫ونظاماً‪ .‬وجاء بعده الخلفاء الراشدون فتتابعت الفتوحات‪ ،‬ففتح‬
‫العراق وكان يسكنه خليط من النصارى والمزدكية والزرادشتية‬
‫من العرب والفرس‪ ،‬وفتحت فارس وكان يسكنها العجم وقليل‬
‫من اليهود والرومانيين‪ ،‬وكانت تدين بدين الفرس‪ ،‬وفتحت‬
‫الشام وكانت إقليما ً رومانيا ً يتثقف بثقافة الرومانيين ويتدين‬
‫بالنصرانية ويسكنه السوريون واألرمن واليهود وبعض‬
‫الرومان وبعض العرب‪ ،‬وفتحت شمال إفريقية وكان يسكنها‬
‫البربر وكانت في يد الرومان‪ .‬وجاء بعد الخلفاء الراشدين‬
‫األمويون‪ ،‬ففتحوا السند وخوارزم وسمرقند وأدخلوها ضمن‬
‫أراضي الدولة اإلسالمية‪ ،‬ثم فتحت األندلس وأصبحت والية‬
‫من والياتها‪ .‬وكانت هذه األقطار المتعددة متباينة القوميات‬
‫واللغة والدين والتقاليد والعادات والقوانين والثقافة‪ ،‬وطبيعيا ً‬
‫كانت مختلفة العقلية مختلفة النفسية‪ ،‬ولذلك كانت عملية صهرها‬
‫ببعضها وتكوين أمة واحدة منها موحدة الدين واللغة والثقافة‬
‫والقوانين أمرا ً عسيرا ً وعمالً شاقاً‪ ،‬يُعَدّ النجاح فيه شيئا ً غير‬
‫عادي‪ ،‬ولم يحصل لغير اإلسالم‪ ،‬ولم يتحقق إال للدولة‬
‫‪52‬‬
‫اإلسالمية‪ .‬فإن هذه الشعوب جميعها بعد أن ظللتها الراية‬
‫اإلسالمية ودخلت في اإلسالم صارت أمة واحدة(‪.)1‬‬
‫ويصف ديورانت انصهار الشعوب والقوميات بالحضارة‬
‫اإلسالمية قائالً‪":‬اتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة‬
‫العربية لسانا ً لهم‪ ،‬ولبسوا الثياب العربية‪ ،‬ثم انتهى األمر‬
‫باتباعهم شريعة القرآن واعتناق اإلسالم‪ .‬وحيث عجزت الهلينية‬
‫عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام‪ ،‬وحيث تركت‬
‫الجيوش الرومانية اآللهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها‪ ،‬وفي‬
‫البالد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب‬
‫الدولة البيزنطية الرسمي‪ .‬في هذه األقاليم كلها انتشرت العقائد‬
‫والعبادات اإلسالمية‪ ،‬وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له‪،‬‬
‫واستمسكوا بأصوله إخالصا ً واستمساكا ً أنسياهم بعد وقت‬
‫قصير آلهتهم القدامى‪ ،‬واستحوذ الدين اإلسالمي على قلوب‬
‫مئات الشعوب في البالد الممتدة من الصين وأندونيسيا والهند‬
‫إلى فارس والشام وجزيرة العرب ومصر وإلى مراكش‬
‫واألندلس‪ ،‬وتملك خيالهم وسيطر على أخالقهم وصاغ حياتهم‬
‫وبعث فيهم آماالً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها‪ ،‬وأوحى‬
‫إليهم العزة واألنفة‪ ،‬حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به في‬
‫هذه األيام نحو ثالثمائة وخمسين مليونا ً من األنفس(‪ ،)2‬يوحد‬
‫‪ -1‬راجع تقي الدين النبهاني ‪ -‬الدولة اإلسالمية ‪ -‬ص ‪.163 - 162‬‬
‫‪ -2‬هذا الرقم صحيح في الحقبة التي كتب فيها ديورانت كتابه‪ ،‬أما اليوم فقد‬
‫فاق عدد المسلمين المليار‪.‬‬
‫‪53‬‬
‫هذا الدين بينهم ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من االختالفات‬
‫والفروق السياسية"(‪.)1‬‬
‫لقد انتظم اإلسالم في كثير من حقبات التاريخ مختلف تلك‬
‫الشعوب في دولة واحدة موحدة‪ ،‬وإذا شهد التاريخ انفصال‬
‫بعض الدول واإلمارات عن جسم الخالفة اإلسالمية‪ ،‬فإنه لم‬
‫يكن مردّ ذلك إلى النزاعات القومية أو العرقية‪ ،‬وال إلى تصدع‬
‫في المجتمع اإلسالمي‪ ،‬بقدر ما كان مردّه إلى إساءة تطبيق‬
‫النظام وتسابق األمراء والعائالت على السلطة‪ ،‬بدليل أن األمة‬
‫بقيت اللُحمة بين شعوبها قوية ولم تفصل بينها أي حدود‬
‫سياسية‪.‬‬
‫بينما نجد الغرب إلى اليوم‪ ،‬رغم قيامه على مبدأ واحد‬
‫ورغم أن حضارته واحدة‪ ،‬إال أنه لم يستطع تذويب القوميات‬
‫وصهرها لتصبح الشعوب الغربية كيانا ً سياسيا ً واحداً‪ .‬فها هي‬
‫المحاولة التي قام بها نابليون بونابرت لتوحيد أوربا مع بداية‬
‫التاريخ األوربي المعاصر‪ ،‬والتي اغتذت بالطاقة القومية‬
‫الفرنسية تسقط أمام جدران القوميات األوربية المختلفة‪ .‬ثم ها‬
‫هو القرن العشرون يشهد حربين عالميتين مدمرتين كانت‬
‫النزعات القومية في أوربا من أهم عواملهما وأسبابهما‪ .‬وها هو‬
‫مشروع الوحدة األوربية اليوم يشهد صعوبات جمة أيضا ً بسبب‬
‫التعصب القومي لدى شعوب أوربا‪ ،‬مع أن الوحدة المطروحة‬
‫ليست وحدة كاملة‪ ،‬وإنما تقتصر على الناحية االقتصادية‬
‫‪ -1‬قصة الحضارة ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.133‬‬
‫‪54‬‬
‫والسياسة الخارجية والعسكرية دون الثقافية والتربوية‬
‫واالجتماعية والمدنية وما شاكل ذلك‪.‬‬
‫أما على الصعيد االقتصادي فإن التاريخ اإلسالمي يروي‬
‫لنا أوضاعا ً من المعيشة قلّما شهد التاريخ عدالتها‪ .‬فقد أحسن‬
‫النظام االقتصادي اإلسالمي توزيع الثروة بحيث كاد المجتمع‬
‫اإلسالمي في أكثر حقبات تاريخه يخلو من البؤس‬
‫الحقيقي‪.‬ويكفي أن نتذكر أحد أركان اإلسالم األساسية‪ ،‬و الذي‬
‫يتكفل بإيجاد قدر كبير من التوازن االقتصادي في المجتمع‪ ،‬أال‬
‫وهو الزكاة‪ ،‬التي قال هللا تعالى عنها في القرآن الكريم‪ { :‬وفي‬
‫أموالهم حق للسائل والمحروم }(‪ .)1‬عدا عن سائر الصدقات‬
‫والعطايا التي كانت كثيرة متعددة‪ .‬وهذا نابع من سياسة‬
‫االقتصاد في اإلسالم التي ترمي إلى ضمان تحقيق اإلشباع‬
‫لجميع الحاجات األساسية لكل فرد إشباعا ً كليا ً وتمكينه من‬
‫إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع(‪ .)2‬فالطب مثالً كان‬
‫مكفوالً للجميع مجاناً‪ ،‬يقول ديورانت‪":‬تزعم اإلسالم العالم كله‬
‫في إعداد المستشفيات الصالحة وإمدادها بحاجاتها‪ ،‬مثال ذلك‬
‫أن البيمارستان الذي أنشأه نور الدين في دمشق عام ‪ 1160‬ظل‬
‫ثالثة قرون يعالج المرضى من غير أجر ويمدهم بالدواء من‬
‫غير ثمن‪ ،‬ويقول المؤرخون إن نيرانه ظلت مشتعلة ال تنطفىء‬
‫‪ 267‬سنة"(‪.)3‬‬
‫‪ -1‬سورة الذاريات ‪ -‬اآلية ‪.19‬‬
‫‪ -2‬تقي الدين النبهاني ‪ -‬النظام االقتصادي في اإلسالم ‪ -‬ص ‪.62‬‬
‫‪ -3‬قصة الحضارة ‪ -‬ج ‪ 13‬ص ‪360‬‬
‫‪55‬‬
‫حتى إن هذه العدالة لم تستثن العبيد المماليك‪ ،‬فلقد أوصى‬
‫الرسول‪ r‬بحسن معاملة العبد‪ ،‬لذلك فإن السيد كما يشهد‬
‫ديوارنت "كان في العادة يحسن معاملته إلى حد لم يكن معه‬
‫مركزه أسوأ من مركز العامل في المصانع األوربية في القرن‬
‫التاسع عشر‪ ،‬بل لعله كان أحسن حاالً من ذلك الصانع‪ ،‬ألنه‬
‫كان أأمن على حياته منه"(‪.)1‬‬
‫وشهدت البالد اإلسالمية ازدهارا ً اقتصاديا ً مدهشا ً لم يكن‬
‫لواحدة من الدول القائمة آنذاك حتى أن تحلم به‪ ،‬ويكفينا نموذجا ً‬
‫أن نذكر ما أورده ديورانت عن االقتصاد في األندلس حيث‬
‫قال‪":‬بلغت اإليرادات في أيام عبد الرحمن الثالث‬
‫‪ 000،045،12‬دينار ذهبي وأكبر الظن أن هذا كان يفوق‬
‫إيرادات حكومات البالد المسيحية الالتينية مجتمعة‪ .‬ولم يكن‬
‫مصدر هذه اإليرادات هو الضرائب العالية بقدر ما كان أثرا ً‬
‫من آثار الحكم الصالح‪ ،‬وتقدم الزراعة والصناعة ورواج‬
‫التجارة"(‪ .)2‬وكالم ديورانت هذا يدل بشكل واضح على أن‬
‫الدولة اإلسالمية لم تكن دولة استعمارية‪ ،‬وأن االقتصاد‬
‫اإلسالمي لم يكن قائما ً على امتصاص دماء الشعوب ونهب‬
‫خيراتها وثروات أراضيها‪ ،‬بل كانت الشعوب التي تدخل‬
‫حظيرة اإلسالم تنعم بعدالة االقتصاد اإلسالمي حتى ولو لم‬
‫تدخل اإلسالم‪ .‬يقول المستشرق أستانلي لين بول في كتابه‬
‫"حكم المسلمين في إسبانيا"‪":‬لم تنعم األندلس طوال تاريخها‬
‫‪ -1‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.112‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.293‬‬
‫‪56‬‬
‫بحكم رحيم عادل‪ ،‬كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب"(‪.)1‬‬
‫ويذكر ديورانت أن المسيحيين في األندلس كثيرا ً ما كانوا‬
‫يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين (‪ ،)2‬وأن األقاليم‬
‫التي وقعت تحت حكم العثمانيين كرودس واليونان أو‬
‫البيزنطيين أو البنادقة‪ ،‬حتى بالد المجر نفسها ارتأت أن‬
‫األحوال فيها صارت تحت حكم سليمان إلى أحسن مما كانت‬
‫عليه أيام آل هابسبرج(‪.)3‬‬
‫أما الغرب الراقي اليوم‪ ،‬فإنه لم يستطع أن يوقف عود‬
‫اقتصاده إال بعد أن استعمر العالم وسيطر على موارده‬
‫ومصادر ثروات شعوبه وامتص دماءهم‪ .‬وهو ال يزال يمعن‬
‫تفكيكا ً وتمزيقا ً لبالد العالم وإشعاالً للفتن فيه‪ ،‬حتى يبقى متربعا ً‬
‫على عرشه ناقبا ً لمناجمه مستنبطا ً آباره حاصدا ً أراضيه قاطفا ً‬
‫جنانه ومس ّخرا ً طاقاته‪ .‬ورغم غنى الغرب الفاحش وأمواله‬
‫الطائلة لم يستطع النظام الرأسمالي أن يحسن توزيع الثروة بين‬
‫أفراد المجتمع‪ ،‬فنرى الفروقات في مستوى الملكية تفوق حد‬
‫التصور‪ ،‬ونجد في أغنى بالد الغرب كالواليات المتحدة ألوفا ً‬
‫بل ماليين من العاطلين عن العمل الذين يسكنون المالجىء أو‬
‫المستودعات أو األزقة أو ربما المجارير‪ .‬ها هو أحد كبار‬
‫الفاعلين في السياسة األميركية وهو زبغنيو برجنسكي مستشار‬
‫األمن القومي للرئيس األميركي السابق جيمي كارتر والذي‬
‫يعمل حاليا ً مستشارا ً في مركز الدراسات االستراتيجية‬
‫‪ -1‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.292‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.297‬‬
‫‪ -3‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ - 26‬ص ‪.113‬‬
‫‪57‬‬
‫والعالمية بواشنطن يدق ناقوس الخطر من األزمات المختلفة‬
‫التي تعصف بالمجتمع الغربي عموما ً ومجتمع الواليات المتحدة‬
‫بشكل خاص فيقول حين كالمه عن المشاكل االجتماعية‬
‫والسياسية إنه على الرغم من إنفاق مبالغ هائلة في مجال النظام‬
‫الصحي إال أن عشرات الماليين من المواطنين األمريكان ال‬
‫يتمتعون بالرعاية الصحية المطلوبة‪ ،‬ويشكو من تهلهل البنية‬
‫االجتماعية وتداعي المرافق العمرانية حيث توجد أحياء سكانية‬
‫فقيرة ومتداعية شبيهة بالموجود في أفقر دول العالم الثالث‪،‬‬
‫ويتكلم عن "تجذر" مشكلة العنصرية والفقر‪ ،‬حيث تشير‬
‫اإلحصاءات إلى حقيقة مؤلمة ومخجلة وهي أن نسب‬
‫األمريكيين الذين يعيشون تحت خط الفقر يشكلون ‪ 7،35‬مليون‬
‫مواطن أمريكي‪ ،‬وال يجد قسم كبير منهم سقفا ً يستظل به‪ ،‬وهذه‬
‫الحالة ‪ -‬على حد تعبير برجنسكي ‪ -‬ال تليق بالقوة العالمية‬
‫الوحيدة(‪.)1‬‬
‫أما على الصعيد االجتماعي‪ ،‬فإن ذلك التماسك في‬
‫صعده وفئاته وشرائحه وال سيّما‬
‫المجتمع اإلسالمي بين مختلف ُ‬
‫على صعيد األسرة لم يشهده مجتمع من المجتمعات‪ .‬ونحن في‬
‫غنى عن وصف تلك األوضاع االجتماعية التي شهدها التاريخ‬
‫اإلسالمي والتي شهد بها األعداء أنفسهم والتي التزال إلى حد‬
‫كبير قائمة حتى اليوم‪ ،‬رغم التصدع الذي أحدثته الحضارة‬
‫الغربية في مجتمعنا‪.‬‬
‫‪ -1‬نقالً عن مجلة الوعي ‪ -‬العدد ‪ - 86‬مقال عن كتاب "خارج حدود‬
‫السيطرة"‪ .‬الذي ألفه برجنسكي‪ .‬ص ‪.23 - 22‬‬
‫‪58‬‬
‫ولكن نظرة خاطفة إلى المجتمع الغربي ترينا مدى التفكك‬
‫االجتماعي واألسري الذي أخذ ّ‬
‫يفت من عضده وينكأ جراحه‪.‬‬
‫ونعود لنترك الكالم لبرجنسكي حيث يشكو من "شيوع اإلباحية‬
‫الجنسية التي أصبحت "الطابع العام للحياة في أمريكا" وبالتالي‬
‫فهي تهدد مكانة وبنية الخلية األساسية في المجتمع وهي‬
‫األسرة‪ ،‬وذلك بتفاقم مشكلة ما يسمى باألسر التي يقوم عليها‬
‫أحد األبوين (األم غالباً) والتي تنشأ فيها أجيال من األطفال غير‬
‫الشرعيين‪ ،‬مع ما يصاحب هذه الظاهرة من آثار خطيرة تتمثل‬
‫في تفكك األواصر االجتماعية‪ .‬كما أن شيوع اإلباحية الجنسية‬
‫من أهم أسباب تفشي مرض اإليدز الخطر"(‪ .)1‬كما يشكو من‬
‫"استشراء الفساد األخالقي على أوسع نطاق عن طريق وسائل‬
‫اإلعالم المرئية‪ ،‬إذ إن كل ما تقوم به هذه الوسائل باسم الترفيه‬
‫هو نشر الفساد وبث مفاهيم الجنس والعنف كوسيلة لجذب‬
‫المشاهدين"(‪ .)2‬ويتكلم عن "استفحال ظاهرة الجريمة والعنف‬
‫التي تزداد تعقيدا ً بإمكانية حصول المدنيين على األسلحة النارية‬
‫بسهولة أكثر من حصول معظم جيوش العالم عليها‪ ،‬هذا‬
‫باإلضافة إلى انتشار األفالم وبرامج التلفزيون التي تشجع‬
‫علىالعنف والجريمة‪ ،‬وهذا كله يجعل أمريكا تنفرد بأعلى نسب‬
‫من جرائم القتل في العالم"(‪ .)3‬وال ينسى أن يتكلم عن االنتشار‬
‫المذهل للمخدرات‪ ،‬الظاهرة التي "تعود من ناحية إلى محاولة‬
‫نفسية للهروب من واقع بائس‪ ،‬ومن ناحية أخرى إلى كون‬
‫‪ -1‬المرجع السابق ‪ -‬ص ‪.23‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ص ‪.23‬‬
‫‪ -3‬المرجع السابق ‪ -‬ص ‪.23‬‬
‫‪59‬‬
‫تجارة المخدرات البديل األكثر إغراء للحصول على الثروة‬
‫بأسرع طريق‪ .‬وتشير التقارير إلى أن تجارة المخدرات تدر‬
‫على أصحابها مبلغا ً يصل إلى ‪ 100‬مليار سنويا"(‪ .)1‬وكدليل‬
‫على فساد العالقات بين أفراد المجتمع يتكلم عن "اإلفراط في‬
‫التحاكم إلى القضاء‪ ،‬وهي ظاهرة ليس لها مثيل في أية دولة‬
‫أخرى‪ ،‬فرجال القضاء والمحامون في أمريكا يشكلون ثلث‬
‫رجال القضاء في العالم"(‪.)2‬‬
‫وفي دراسة أعدتها رابطة التجارة اإليطالية سنة ‪1993‬‬
‫اتضح أن ‪ 60‬بالمائة من المتاجر والحانات والمطاعم تدفع‬
‫أتاوات منتظمة لعصابات المافيا‪ .‬وتقول الدراسة إن الجريمة‬
‫تكسب سنويا ً ‪ 25‬مليار دوالر من وراء األتاوات التي يدفعها‬
‫أصحاب المحالت في أنحاء البالد‪ .‬وهناك مدن تدفع مائة في‬
‫المائة من محالتها هذه األتاوة‪ ،‬مثل مدينة بالرمو عاصمة‬
‫صقلية‪ ،‬وهي تعتبر مركزا ً للمافيا ووطنا ً أساسيا ً لها(‪.)3‬‬
‫وفي بريطانيا يقول إحصاء رسمي إن ‪ %34‬من المطلقين‬
‫و ‪ %22‬من المطلقات يعيشون مع شريك من دون زواج وتبلغ‬
‫نسبة المولودين خارج الزواج ‪ 7،28‬في المائة من المواليد في‬
‫بريطانيا وفي ‪ 1990‬ولد مائتا ألف طفل خارج الزواج في‬
‫إنجلترا وويلز(‪.)4‬‬
‫‪ -1‬المرجع السابق ‪ -‬ص ‪.23‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ص ‪.22‬‬
‫‪ -3‬مجلة الوعي ‪ -‬العدد (‪ - )71 - 70‬ص ‪.44‬‬
‫‪ -4‬مجلة الوعي ‪ -‬العدد ‪ - 57‬ص ‪.10‬‬
‫‪60‬‬
‫كل هذه الظواهر التي ذكرناها عن المجتمع الغربي ‪-‬‬
‫وهي غيض من فيض ‪ -‬نتيجة طبيعية وحتمية لوجهة النظر‬
‫الغربية عن الحياة ولمفهوم السعادة في الذهن الغربي ولمقياس‬
‫األعمال في ذلك المجتمع‪.‬‬
‫وسنستمر في ترك الكالم لشاهد من أهلها‪ ،‬وهو‬
‫برجنسكي الذي يسمي المجتمع الغربي ‪ -‬والسيما األميركي ‪-‬‬
‫بعالم إباحية الوفرة فيقرر ما يلي‪:‬‬
‫عالم إباحية الوفرة عالم اختلت فيه موازين األخالق‬
‫وموازين الخير والشر وتم إبدالها بموازين من صنع البشر‬
‫"قانوني وغير قانوني"‪ ،‬وهكذا تم إقصاء القيم الدينية الداخلية‬
‫في ضمير الفرد ووضعت مكانها قوانين وقواعد خارجية تنفذها‬
‫أجهزة الشرطة واألجهزة القانونية‪ ،‬فلم تنتج االنضباط لوجود‬
‫ثغرات عديدة في هذه القوانين وألنها خارجية وغير ملزمة‬
‫أدبياً‪ ،‬ولغياب الضوابط الداخلية المطلقة‪.‬‬
‫ويرى أن عالم إباحية الوفرة يشكو كذلك من اختالل‬
‫مفهومي "الحرية" و"الحياة الطيبة"‪ ،‬حيث أصبح مفهوم الحرية‬
‫إطالق العنان لشهوات األفراد دون التقيد بالمسؤوليات العامة‬
‫ومصلحة المجتمع‪ ،‬وبالتالي أصبحت الحرية تعني انعدام‬
‫الضوابط تماما ً باستثناء الحاالت التي تترتب عليها عقوبات‬
‫قانونية‪.‬‬
‫أما مفهوم "الحياة الطيبة" المرتبط أساسا ً بمفهوم السعادة‬
‫فهو ‪-‬كما يرى برجنسكي ‪ -‬يعني في قاموس إباحية الوفـرة‬
‫طلب اللذة والمتعة الحسية من طريق جمع المادة واالستهالك‬
‫‪61‬‬
‫ألجل االستهالك‪ ،‬وبالتالي أصبحت الوفرة غاية في حد ذاتها ال‬
‫وسيلة لتحقيق السعادة‪ ،‬ويشن برجنسكي بهذا الصدد حملة قوية‬
‫على اإلعالم الغربي وعلى التلفزيون بوجه الخصوص لقيامه‬
‫بالدور األكبر في نشر مبادىء اإلباحية‪ ،‬والجري وراء المتع‬
‫والشهوات المحمومة‪ ،‬وإشراب قيم إباحية الوفرة للناشئة‬
‫وللعنصر النسائي بصفة خاصة(‪.)1‬‬
‫أما التقدم المدني الذي يشمل العلوم والصناعة‬
‫والتكنولوجيا والطب وما شاكل ذلك ‪ -‬والذي هو أبرز ما يفتخر‬
‫به الغرب اليوم ‪ -‬فإنه لم يقم حائالً أمام الشقاء والتعاسة اللذين‬
‫يعاني منهما مجتمعه‪ .‬فإن المدنية والعلوم هي وسائل يستخدمها‬
‫اإلنسان لتيسير سبل العيش ولخدمة طراز العيش ونمط الحياة‬
‫التي يحياها‪ ،‬فإن كان هذا النمط من العيش ناجما ً عن حضارة‬
‫منحرفة وفكر خاطىء ونظام فاسد فإن هذه المدنية لن تزيد ذلك‬
‫المجتمع واإلنسانية عموما ً إال شقاء وتعاسة‪ .‬يقول الفيلسوف‬
‫الفرنسي غارودي الذي اعتنق اإلسالم أوائل الثمانينيات‪":‬وكما‬
‫حدث في أثناء انهيار اإلمبراطورية الرومانية‪ ،‬نعيش اليوم‬
‫مرحلة "تعفن التاريخ" التي تمتاز من دون سواها بالهيمنة‬
‫التقنية والعسكرية الساحقة إلمبراطورية ليس لها مشروع‬
‫إنساني يمكن أن يعطي معنى للحياة وللتاريخ"(‪ .)2‬ويقول‬
‫الفيلسوف اإلنكليزي جود‪":‬إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة‬
‫الجديرة باآللهة ولكننا نستعملها بعقول األطفال والوحوش"(‪.)3‬‬
‫‪ -1‬نقالً عن‪ :‬مجلة الوعي ‪ -‬العدد ‪ - 86‬ص ‪.21 - 20‬‬
‫‪ -2‬نقالً عن مجلة الوعي ‪ -‬العدد ‪ - 63‬ص ‪.10‬‬
‫‪ -3‬فهرس قصة الحضارة ‪ -‬ج ‪ - 1‬ص ‪.12‬‬
‫‪62‬‬
‫لقد استخدمت الحضارة الغربية التكنولوجيا لصنع القنبلة‬
‫الذرية التي أبادت األلوف من البشر‪ ،‬وأشعلت تلك الحضارة‬
‫الحروب والفتن في العالم من أجل تسويق صناعاتها الحربية‪.‬‬
‫والتكنولوجيا لدى هؤالء أفسدت البيئة وأنتجت األمراض‬
‫العضوية المختلفة‪.‬‬
‫ثم ماذا نفع الطب أمام تلك األمراض الفتاكة المستعصية‬
‫التي أنتجتها حضارة الحريات واإلباحية والشذوذ والرذيلة‪،‬‬
‫حضارة االنفالت من كل القيم الروحية وال ُخلُ ِقية واإلنسانية‪...‬‬
‫إال المادية؟! هل استطاع العلم أن يجمع شمل العائلة الغربية؟‬
‫هل استطاع أن يوقف الجريمة؟ هل وجد حالً لألزمات النفسية‬
‫التي يعاني منها ماليين البشر هناك؟‬
‫يقول الدكتور مراد هوفمان السفير األلماني لدى المغرب‬
‫ وقد اعتنق اإلسالم منذ عدة سنوات ‪":-‬لنتأمل معا ً ضحايا ذلك‬‫المجتمع الصناعي وقيمة الحيدية المزعومة فحسب‪ .‬إنهم‬
‫يتمتعون بكل ما يريدون من االستقالل الذاتي والحياة المؤمنة‬
‫منذ المهد إلى اللحد‪ ،‬والحرية أو اإلباحية الجنسية التي ال تعرف‬
‫محظورا ً أو محرماً‪ ،‬والمخدرات على اختالف أنواعها وأذواقها‬
‫حسب كل مزاج وطلب‪ ،‬وأوقات الفراغ والعطالت واإلجازات‬
‫المكفولة قانونياً‪ ،‬وكافة الحقوق المدنية التي يحلم بها المرء‪،‬‬
‫لكنهم على ذلك كله يحسون فراغا ً هائالً يمأل وجودهم الفعلي‪،‬‬
‫ويتوقون إلى الحنان والدفء البشري من قبل الجماعة التي‬
‫‪63‬‬
‫يعيشون معها أو ينتمون إليها وإلى سلطة زعيم روحي‪ ...‬وراء‬
‫كل هذا يقبع سؤال خطير ملح عن مغزى الحياة أو الوجود"(‪.)1‬‬
‫إن التاريخ اإلسالمي سجل لنا إسهامات في العلوم‬
‫وإنتاجات في التكنولوجيا واكتشافات في الطب وإبداعات في‬
‫الفنون والعمران وسائر الشؤون المدنية‪ ،‬جعلت من البالد‬
‫اإلسالمية متحفا ً رائعا ً ومشهدا ً فتّانا ً لكل من يفد إليه من الشرق‬
‫والغرب‪ .‬يقول ديورانت‪":‬كان اإلقليم المحصور بين بخارى‬
‫وسمرقند يعد في أثناء القرن العاشر "إحدى الجنات األرضية‬
‫األربع" وكانت الثالث األخر هي جنوبي فارس‪ ،‬وجنوبي‬
‫العراق‪ ،‬واإلقليم المحيط بدمشق في بالد الشام"(‪.)2‬‬
‫ويقول‪":‬كان العرب على جانب كبير من المهارة اآللية الفنية‪،‬‬
‫وشاهد ذلك أن الساعة المائية التي أهداها هارون الرشيد إلى‬
‫شارلمان قد صنعت من الجلد والنحاس األصفر المنقوش‪.‬‬
‫وكانت تدل على الوقت بفرسان من المعدن يفتحون كل ساعة‬
‫بابا ً يسقط منه العدد المطلوب من الكرات على صنجة‪ ،‬ثم‬
‫ينسحبون ويغلقون الباب"(‪ .)3‬ويتابع قائالً‪":‬وبلغت بالد آسية‬
‫الغربية تحت حكم المسلمين درجة من الرخاء الصناعي‬
‫والتجاري لم تصل إليها بالد أوربا قبل القرن السادس‬
‫عشر"(‪.)4‬‬
‫‪ -1‬مراد هوفمان ‪ -‬اإلسالم كبديل ‪ -‬ص ‪.29‬‬
‫‪ -2‬قصة الحضارة ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.107‬‬
‫‪ -3‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.108‬‬
‫‪ -4‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ - 13‬ص ‪.108‬‬
‫‪64‬‬
‫لقد س ّخرت المدنية في المجتمع اإلسالمي لخدمة البشرية‬
‫ولم تس ّخر إلبادة الشعوب وإذاللها‪ ،‬فما قام به المسلمون كما‬
‫تقول الفيلسوفة األلمانية زيغريد هونكة‪" :‬لهو عمل إنقاذي له‬
‫مغزاه الكبير في تاريخ العالم"(‪.)1‬‬
‫إن علماء الغرب أنفسهم يشهدون أن البنيان العلمي‬
‫والتكنولوجي‪ ،‬وعلوم الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة وما‬
‫شاكل ذلك مما توصل إليه الغرب اليوم قام بغالبيته بدعامة‬
‫النظريات والمنجزات التي حققها العالم اإلسالمي إبان عصور‬
‫نهضته‪ .‬تقول زيغريد هونكة‪":‬لقد قدم المسلمون أثمن هدية‪،‬‬
‫وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب‬
‫طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم"(‪.)2‬‬
‫ويقول ديورانت‪":‬لما أعلن روجر بيكن هذه الطريقة إلى‬
‫أوربا بعد أن أعلنها جابر بخمسمائة عام كان الذي هداه إليها هو‬
‫النور الذي أضاء له السبيل من عرب األندلس‪ ،‬وليس هذا‬
‫الضياء نفسه إال قبسا ً من نور المسلمين في الشرق"(‪ .)3‬ويقول‬
‫األستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس)‪" :‬إن النهضة أو إحياء‬
‫العلوم والفنون األوربية باستمدادها الواسع من المصادر‬
‫اإلسالمية والعربية على األخص كانت تعزى في األكثر إلى‬
‫االتصال المادي بين الشرق والغرب‪ ،‬لقد استفادت أوربا أكثر‬
‫مما استفاد العالم اإلسالمي‪ ،‬ولكنها لم تعترف بهذا الجميل"(‪.)4‬‬
‫‪ -1‬فهرس قصة الحضارة ‪ -‬ج‪ - 1‬ص ‪.11‬‬
‫‪ -2‬المرجع السابق ‪ -‬ج ‪ -1‬ص ‪.12‬‬
‫‪ -3‬قصة الحضارة ‪ -‬ج ‪ 13‬ص ‪.292‬‬
‫‪ -4‬اإلسالم على مفترق الطرق ‪ -‬ص ‪.59‬‬
‫‪65‬‬
‫إن تلك الثورة التكنولوجية‪ ،‬العظيمة التي شهدها القرن‬
‫العشرون من اكتشاف الذرة واختراق للفضاء وغير ذلك‪ ،‬ال‬
‫تعزى إلى الحضارة الغربية بقدر ما تعزى إلى تراكم‬
‫المعلومات واالكتشافات والنظريات والقواعد المعرفية في‬
‫الذهن البشري وسجالته المدونة‪ .‬أي إن تلك الثورة الصناعية‬
‫كانت تنتظر أي حضارة ناهضة لتثمر على يديها فصادف أن‬
‫كان دور الحضارة الغربية المعاصرة‪ .‬بدليل أن النهضة‬
‫الشيوعية ‪ -‬على ما فيها من مناقضة للحضارة الغربية ‪ -‬حققت‬
‫إبان إزدهارها نفس المستوى الذي حققه الغرب من التقدم‬
‫المدني والتكنولوجي‪ ،‬ولوال االنحطاط الذي أل ّم بكيان المنظومة‬
‫الشيوعية والسيما االتحاد السوفياتي لبقيت تزاحم الغرب في‬
‫ذلك المجال‪ .‬كما أن الحضارة اإلسالمية اليوم أيضا ً مرشحة‬
‫ألن تلعب ذلك الدور إذا ما عادت األمة اإلسالمية إلى إحيائها‬
‫من جديد‪.‬‬
‫لقد بدأت شعوب الغرب اليوم تكتشف أن نهضتها تلك‬
‫ليست سببا ً للسعادة بل هي سبب للشقاء والتعاسة والقلق‬
‫والخوف والسعي وراء السراب‪.‬‬
‫َ‬
‫والذين َكفَروا أعمالُهُم‬
‫وصدق هللا العظيم إذ قال‪{ :‬‬
‫الظمآن ما ًء حتى إذا جاءهُ لم يج ْدهُ شيئا ً‬
‫سبُهُ‬
‫ُ‬
‫ب بِ ِقيع ٍة يح َ‬
‫َك َ‬
‫سرا ٍ‬
‫َو َوجدَ هللا ِعندَهُ فَوفّاهُ ِحسابَه وهللا ُُ سري ُع الحساب }(‪.)1‬‬
‫وإنه إذا كانت الشيوعية أقصر عمرا ً وأضيق نفسا ً‬
‫فانهارت حضارتها بطرفة عين بسبب مصادمتها العنيفة للفطرة‬
‫‪ -1‬سورة النور ‪ -‬اآلية ‪.39‬‬
‫‪66‬‬
‫ونكايتها لعقل اإلنسان وبديهته‪ ،‬فإن الحضارة الغربية سرعان‬
‫ما ستلحق بها بعد أن تصل بالشعوب الغربية إلى الحضيض‪.‬‬
‫وإذا كانت الشيوعية هي تلك المطرقة التي هوت على رأس‬
‫اإلنسان‪ ،‬أو ذلك المنجل الذي أصاب عنقه فأطاح برأسه وأرداه‬
‫قتيالً بالضربة القاضية‪ ،‬فإن الحضارة الغربية الرأسمالية هي‬
‫ذلك السم الذي يجري في عروق الجسد دون أن يحس به‬
‫اإلنسان فتخور قواه شيئا ً فشيئا ً إلى أن يلقى حتفه وهو غافل عن‬
‫نفسه‪ .‬والذين تنبهوا إلى الخطر المحدق بالمجتمع الغربي‬
‫يدعون‪ ،‬كما دعا برجنسكي الواليات المتحدة "إلى مراجعة‬
‫كاملة للفلسفة المادية التي تقوم عليها حضارتها وإخضاع هذه‬
‫الحضارة إلى عملية نقد ذاتي صارمة‪ ،‬كما أن على أمريكا أن‬
‫تصل إلى قناعة بأن المجتمع الذي ال يمتلك قيما ً وثوابت‬
‫مطلقة‪ ،‬والذي يقوم على فلسفة تحقيق المتعة الذاتية وإرضاء‬
‫النزوات هو مجتمع محكوم عليه باالنهيار والذوبان‪ .‬وفي هذا‬
‫الصدد يهيب برجنسكي بأمريكا أن تفقه دروس التاريخ في‬
‫ازدهار الحضارات وانهيارها وفي تبوئها مرتبة الريادة‬
‫وانحسارها عن هذه المرتبة فيقول‪ :‬إن التاريخ يعلمنا أنه ال بد‬
‫ألية قوة عظمى ‪ -‬لكي تحافظ على دور الريادة ‪ -‬من رسالة‬
‫حضارية تقوم على فضائل األخالق وتكون نموذجا ً يحتذى من‬
‫اآلخرين عن طواعية ال بالقوة واإلكراه‪ ....‬وفي غياب هذه‬
‫الرسالة الحضارية فإن النموذج األميركي سيتم رفضه كما‬
‫ُرفض النموذج الشيوعي السوفياتي من قبل"(‪.)1‬‬
‫‪ -1‬مجلة الوعي ‪ -‬العدد ‪ - 86‬ص ‪.25‬‬
‫‪67‬‬
‫أما نحن المسلمين‪ ،‬إيمانا ً منا بقوله تعالى‪ { :‬وكذلك‬
‫جعلناكم أمة وسطا ً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول‬
‫عليكم شهيدا ً }(‪ ،)1‬فإننا على يقين أن العالم سيبقى يتخبط في‬
‫مشاكله وأزماته حتى تعود األمة اإلسالمية من جديد إلى حمل‬
‫اإلسالم رسالة إلى العالم من أجل أن ينعم برحمة التشريع‬
‫اإللهي الذي أُرسل به محمد ‪ r‬رحمة للعالمين‪ .‬وذلك لن يكون‬
‫إال بعد أن يستأنف المسلمون الحياة اإلسالمية مجددا ً بإعادة‬
‫المجتمع اإلسالمي الذي يعتنق اإلسالم عقيدة ونظاما ً للحياة‬
‫والمجتمع والدولة‪ ،‬وحمل الرسالة إلى العالم‪.‬‬
‫وهللا عز وجل هو القائل في كتابه العزيز‪َ { :‬و َ‬
‫عدَ هللاُ‬
‫َ‬
‫الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في األرض‬
‫َّ‬
‫وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى‬
‫كما استخلف الذين من قبلهم‬
‫لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً‪ ،‬يعبدونني ال يشركون بي‬
‫شيئاً‪ ،‬ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }(‪.)2‬‬
‫وأما االنحطاط الذي ألـ ّم بالعالم اإلسالمي‪ ،‬فإن نظرة‬
‫عميقة نزيهة إلى تاريخه وحاضره ترينا أن العالم اإلسالمي لم‬
‫ّ‬
‫ينحط بسبب قصور المبدأ اإلسالمي‪ .‬فعقيدته هي العقيدة‬
‫الصحيحة الموافقة لفطرة اإلنسان ولعقله‪ ،‬والمنطبقةُ على واقع‬
‫الكون واإلنسان والحياة‪ ،‬ونظامه هو النظام الصحيح الذي نزل‬
‫من عند هللا تعالى لمعالجة مشاكل اإلنسان بوصفه إنسانا ً في كل‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪.113‬‬
‫‪ -2‬سورة النور ‪ -‬األية ‪.55‬‬
‫‪68‬‬
‫زمان ومكان‪ .‬ولكن ذلك االنحطاط كان بسبب تقصير المسلمين‬
‫في فهمهم لذلك المبدأ وبالتالي إساءتهم لتطبيقه‪.‬‬
‫فالمبدأ ليس دواء سحريا ً يفعل فعله على نحو خيالي‬
‫ساحر‪ ،‬بل إن فعله متوقف على أمة تعتنقه وتفهمه حق فهمه‬
‫وبالتالي تحسن تطبيقه وصياغة مجتمعها به‪ .‬واألمة اإلسالمية‬
‫آذنت بانحطاطها منذ أن رضيت بتحويل الخالفة إلى ملك‪ ،‬ومنذ‬
‫أن أغلقت باب االجتهاد وأهملت شأن اللغة العربية‪ ،‬فأغلقت‬
‫على نفسها بذلك‪ ،‬الباب الذي تدخل منه عوامل نهضتها‪ .‬ذلك أن‬
‫االجتهاد وفهم اللغة العربية هما الطريق الوحيد لفهم اإلسالم‬
‫وبالتالي إلحسان تطبيقه‪ .‬فبدأ بنيانها الفكري بالتآكل وأصابه‬
‫الهزال‪ ،‬فوجدت الحضارة الغربية القائمة على المبدأ الرأسمالي‬
‫طريقها إلى المجتمع اإلسالمي مفتوحاً‪ .‬وظن المسلمون أن تلك‬
‫الحضارة ستنهض بهم كما نهضت بالغرب‪ ،‬ونسوا أن عقيدتها‬
‫تتعارض ‪ -‬من حيث األساس ‪ -‬مع عقيدتهم التي يحملونها والتي‬
‫ال يفكرون يوما ً بالتخلي عنها‪.‬‬
‫وبما أن هللا ال يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم‪ ،‬فإن‬
‫المسلمين مكلفون اليوم بالعمل على دراسة اإلسالم من جديد‬
‫دراسة عميقة صافية نقية واضحة‪ ،‬بمعزل عن أيّة غشاوة‪،‬‬
‫وبعيدا ً عن كل اللوثات والسموم الفكرية التي تراكمت عبر‬
‫عصور االنحطاط أو وفدت مع الغزو الفكري الغربي‪ ،‬من أجل‬
‫أن يصوغوا مجتمعهم بأفكار اإلسالم ومشاعره وأنظمته حتى‬
‫يعود المجتمع اإلسالمي المنارة التي تنير للشعوب واألمم درب‬
‫الهداية والخالص‪.‬‬
‫‪69‬‬
‫وصدق هللا العظيم إذ قال‪ { :‬إن األرض هلل يورثها من‬
‫يشاء من عباده والعاقبة للمتقين }(‪.)1‬‬
‫‪ -1‬سورة األعراف ‪ -‬اآلية ‪.128‬‬
‫‪70‬‬
‫الـقسم الثاني‬
‫الـحـضــارة اإلسـالمـيــة‬
‫‪71‬‬
72
‫قال تعالى‪:‬‬
‫ب هللاُ َمثَالً َكل َمةً َ‬
‫طيِبَةً َك َ‬
‫ش َج َرةٍ‬
‫يف َ‬
‫ض َر َ‬
‫أَلَ ْم تَ َر َك َ‬
‫َ‬
‫صلُها ثَا ِب ٌ‬
‫ع َها في السماء * تُؤ ِتي‬
‫ت َوفَ ْر ُ‬
‫ط ِي َب ٍة أ ْ‬
‫األمثَا َل‬
‫إذن َر ِبها‪َ ،‬ويَض ِْر ُ‬
‫ب هللاُ ْ‬
‫أ ُ ُكلَها ُك َّل ِح ٍ‬
‫ين ِب ِ‬
‫اس لَعَلَّ ُهم يَتَذَ َّكرون * و َمثَ ُل َك ِل َم ٍة َخبِيثَ ٍة‬
‫ِللنَّ ِ‬
‫اجتُث ْ‬
‫األرض َما لَ َها ِمن‬
‫ق‬
‫َك َ‬
‫ش َج َر ٍة َخ ِبيثَ ٍة ْ‬
‫ِ‬
‫ت ِم ْن فَو ِ‬
‫ت في‬
‫قَ َرار * يُثَ ِبتُ هللاُ الذِينَ ءا َمنُوا بالقَو ِل الثَّا ِب ِ‬
‫ض ُّل هللاُ َّ‬
‫الظا ِل ِمينَ ‪،‬‬
‫الحياةِ الدُّنيا وفي‬
‫ِ‬
‫اآلخرةِ‪َ ،‬ويُ ِ‬
‫و َي ْف َع ُل هللاُ ما َيشَاء‪.‬‬
‫إبراهيم ‪27-24‬‬
‫‪73‬‬
74
‫الحـضــارة‬
‫إن كلمتي الحضارة و المدنية هما من أكثر المصطلحات‬
‫شيوعا ً في أيامنا هذه‪ .‬ويجدر بنا ‪ -‬ونحن نبحث في موضوع‬
‫الحضارات عموما ً والحضارة اإلسالمية خصوصا ً ‪ -‬أن نقف‬
‫عند مدلول هاتين الكلمتين‪ ،‬وال سيما الكلمة األولى‪ :‬الحضارة‪،‬‬
‫حتى يدرك القارئ ما نرمي إليه من معنى عند إيراد تلك الكلمة‪.‬‬
‫صحيح كما يقال أن ال مشاحة في االصطالح‪ ،‬إال أن ضبط‬
‫االصطالح وتحديد مدلوله حين استخدامه أمر في غاية األهمية‪،‬‬
‫وذلك حتى ال تلتبس المعاني على السامع أو القارئ‪.‬‬
‫إن معنى كلمة الحضارة في اللغة هو كما ورد في لسان‬
‫ضر وال َحض َْرة‬
‫ضر (‪ )...‬وال َح َ‬
‫العرب‪" :‬اإلقامة في ال َح َ‬
‫والحاضرة ‪ :‬خالف البادية‪ ،‬وهي المدن والقرى والريف"‪.‬‬
‫ِ‬
‫إذن‪ ،‬فحين تذكر الحضارة في اللغة فإنه يقصد بها ما هو‬
‫عكس البداوة‪ ،‬أي سكن المدن والقرى‪ .‬إال أن هذا المعنى‬
‫اللغوي للعبارة ليس هو المقصود حين الكالم عن الحضارة في‬
‫النصوص الفكرية والتاريخية والسياسية المعاصرة‪ .‬إذ أصبح‬
‫لكلمة الحضارة مدلول اصطالحي جديد مختلف عن المدلول‬
‫اللغوي األصلي‪.‬‬
‫ونشأة هذا االصطالح تعود في الواقع إلى الدراسات‬
‫األوربيّة‪ ،‬وذلـك حـيـن درج الغربيون على استـخـدام كـلـمــة‬
‫‪75‬‬
‫"‪- "Civilisation‬وترجمتها إلى العربية الحضارة أو المدنية ‪-‬‬
‫للتعبير بها عن التطور المادي والصناعي والعمراني الذي أخذ‬
‫ّ‬
‫يطرد بسرعة خالل العصور الحديثة التي تلت القرن الخامس‬
‫عشر الميالدي والتي سميت بعصور النهضة‪ .‬إال أن تلك‬
‫العبارة تحولت مع مرور الوقت عن ذلك المدلول لتأخذ مدلوالً‬
‫آخر جديداً‪ .‬فقد أصبحت تطلق على ما يملكه شعب ما أو مجتمع‬
‫ما أو أمة من األمم من تراث وخصائص وإبداعات يتميز بها‬
‫عن غيره من المجتمعات‪ .‬فأصبح المؤرخون والمفكرون‬
‫والكتّاب يتكلمون عن حضارات عديدة سالفة ومعاصرة‪.‬‬
‫كالحضارة المصرية القديمة والحضارة اليونانية والحضارة‬
‫السومرية والرومانية والفارسية والصينية والهندية وحضارة‬
‫أوربّا العصور الوسطى والحضارة اإلسالمية وأخيرا ً الحضارة‬
‫الغربية المعاصرة والحضارة الشيوعية وما شاكل ذلك‪.‬‬
‫وقد نقل هذا االصطالح الغربي إلى اللغة العربية‬
‫باستخدام عبارتين هما الحضارة و المدنية‪ .‬فأصبحت هاتان‬
‫الكلمتان تستخدمان للداللة على ذلك المعنى االصطالحي‬
‫الجديد‪.‬‬
‫إال أن المشكلة في هذا االصطالح‪ ،‬هي أن معظم الذين‬
‫يستخدمونه يُدخلون في مدلوله كل ما يملكه مجتم ٌع ما أو يرثه‬
‫أو يبدعه من أفكار وتشريعات وفنون وإنجازات علمية ومادية‬
‫وغيرها‪ ،‬بصرف النظر عما هو من مميزات ذلك المجتمع وما‬
‫ليس من مميزاته‪ ،‬من ذلك التراث وتلك اإلنجازات واإلبداعات‬
‫التي يملكها‪.‬‬
‫‪76‬‬
‫مع أننا حين نتكلم عن حضارة مجتمع من المجتمعات‪،‬‬
‫فإننا نتكلم عن طريقة العيش التي تميز ذلك المجتمع عن سائر‬
‫المجتمعات‪ .‬وواضح للعيان تاريخا ً وحاضرا ً أن لكل مجتمع‬
‫طريقة في العيش تميزه عن سائر المجتمعات تجعل منه جماعة‬
‫بشرية ذات شخصية معينة ولون متميز وهوية خاصة‪ ،‬هذه‬
‫الطريقة في العيش التي تميز مجتمعا ً عن آخر هي ما يعبر عنه‬
‫باصطالح الحضارة‪.‬‬
‫لذلك يجب أن يلحظ حين استخدام ذلك االصطالح‬
‫وتعريف مدلوله أن ال يدخل ضمنه إال ما هو من مقومات‬
‫شخصية المجتمع التي تجعل منه مجتمعا ً معينا ً يختلف عن غيره‬
‫من المجتمعات في طريقة عيشه‪ ،‬فال تدخل األشكال والوسائل‬
‫المادية التي يستخدمها المجتمع في شؤون الحياة والتي ال يتميز‬
‫بها عن غيره من المجتمعات‪ .‬فالمصانع والسيارات والطائرات‬
‫وسائر اإلنجازات المادية التي تنتجها أمة من األمم ليست هي‬
‫التي تميزها عن غيرها من المجتمعات وليست هي التي تعطيها‬
‫هويتها‪ .‬فهذه أشكال ووسائل "حيادية"‪ ،‬وعامة لكل البشر‬
‫والمجتمعات‪ .‬فإننا نجد أن المجتمعات التي تتمسك بحضارتها‬
‫وطريقة عيشها تقف بالمرصاد أمام كل وافد من األفكار‬
‫واألنظمة ووجهات النظر في الحياة‪ ،‬إال أنها تستفيد في الوقت‬
‫نفسه مما ينتجه أي شعب أو مجتمع من األشكال والوسائل‬
‫المادية ما لم تكن تلك األشكال والوسائل متعارضة مع‬
‫حضارتها التي تصوغ مجتمعها وتميز حياتها‪ .‬بل إنك تجد‬
‫الدولة الراقية التي تتمسك بحضارتها وتفتخر بها حريصة على‬
‫مواكبة كل ما يتم إنجازه في البالد األخرى من االختراعات‬
‫‪77‬‬
‫والمبتكرات الفنية والتقنية والعلمية‪ ،‬إذ هي من أسباب القوة التي‬
‫تحرص األمة الراقية على امتالكها‪ .‬لذلك فإننا ال نستغرب أن‬
‫يعمل كل من الحلفين الشرقي والغربي إبان الحرب الباردة بين‬
‫المعسكرين الشيوعي والرأسمالي‪ ،‬على مواكبة ما ينجزه عدوه‬
‫من مبتكرات وصناعات‪ ،‬بل قد يصل بهما األمر في بعض‬
‫األحيان إلى سرقة التصاميم والمخططات العلمية والصناعية‬
‫والهندسية والعسكرية‪ .‬وهذا يعني أن هذه اإلنجازات‬
‫والمبتكرات من األشكال والوسائل المادية ليست هي التي تطبع‬
‫المجتمع بطابعه الخاص وهويته المتميزة‪ .‬أما حين يكون األمر‬
‫متعلقا ً بالعقائد واإلديولوجيا والدراسات السياسية وما شاكل ذلك‬
‫فإنك تجد كالً من الفريقين متأهبا ً دائما ً للمواجهة‪ ،‬إما عن طريق‬
‫ضرب جدار سميك يحول بين تلك األفكار ووصولها إلى‬
‫مجتمعه‪ ،‬وإما عن طريق الدعاوة المضادة حيث يجند جيشا ً من‬
‫المفكرين والكتاب والنقاد الذين يوسعون األفكار الوافدة ضربا ً‬
‫ونقضا ً وتشويهاً‪.‬‬
‫كل ذلك يحتم علينا أن نضبط المصطلح الدال على نمط‬
‫العيش و هوية المجتمع‪ ،‬فنميز بينه وبين ما يدل على مجموعة‬
‫األشكال والوسائل المادية المحسوسة المستعملة في شؤون‬
‫الحياة‪ ،‬والتي هي عامة لجميع الشعوب والمجتمعات‪ .‬وبالتالي‬
‫فإننا نخصص كلمة الحضارة للداللة على ما يميز المجتمع‬
‫فيجعل له طريقة خاصة في العيش‪ ،‬ونجعل كلمة المدنية دالة‬
‫على الوسائل واألشكال المادية المستعملة في شؤون الحياة‪.‬‬
‫وبالرجوع إلى واقع المجتمعات وما يجعلها مجتمعات ذات لون‬
‫معين ونمط خاص في العيش‪ ،‬نجد أن مجموعة المفاهيم التي‬
‫‪78‬‬
‫يعتنقها مجتمع ما عن الحياة هي التي تعطيه هويته وشخصيته‬
‫وتجعل له طرازا ً خاصا ً في العيش‪ .‬إذ إن تلك المفاهيم هي التي‬
‫تكيف عالقات الناس فيما بينهم في المجتمع‪ ،‬وما المجتمع إال‬
‫ناس قامت بينهم عالقات دائمية‪ ،‬وطبيعة هذه العالقات في‬
‫المجتمع هي التي تعطيه هويته وشخصيته(‪ .)1‬وبناء عليه يمكن‬
‫تعريف الحضارة بأنها "مجموعة المفاهيم عن الحياة"‪.‬‬
‫ونحن المسلمين أحوج ما نكون إلى ذلك التفريق بين‬
‫الحضارة والمدنية‪ .‬ذلك أن اإلسالم جعل من األمة اإلسالمية‬
‫أمة متميزة تحيا حياة ذات نمط خاص يتفرد كل التفرد عن سائر‬
‫أنماط الحياة في المجتمعات البشرية‪ .‬وما ذلك إال ألن المجتمع‬
‫اإلسالمي قام على أساس عقيدة مصدرها الوحي اإللهي‪ ،‬انبثق‬
‫عن هذه العقيدة نظام متماسك وانبنت عليها أفكار شاملة ونجمت‬
‫عنها مشاعر‪ ،‬فصاغت عالقات الناس في المجتمع اإلسالمي‪.‬‬
‫فكانت الحضارة اإلسالمية التي تجلت في ذلك المجتمع‬
‫اإلسالمي حضارة متفردة متميزة تتعالى كل التعالي على سائر‬
‫الحضارات البشرية‪.‬‬
‫وإذا لم يكن ذلك المصطلح موجودا ً في عصور النهضة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬فإن المسلمين فرقوا عمليا ً بين ما يجوز لهم أخذه من‬
‫الشعوب واألمم األخرى من وسائل وأشكال‪ ،‬وما يحرم عليهم‬
‫أخذه مما هو مفاهيم عن الحياة‪ ،‬من عقائد وفلسفات وتشريعات‬
‫وأنظمة وغيرها‪.‬‬
‫‪ -1‬راجع في هذا الكتاب "المجتمع ونهضته"‪.‬‬
‫‪79‬‬
‫أما في عصرنا هذا‪ ،‬فمع شيوع اصطالح الحضارة‬
‫ومقوالت التفاعل الحضاري و التبادل الثقافي‪ ،‬وإزاء الغزو‬
‫الحضاري والثقافي الوافد من الغرب إلى البالد اإلسالمية‪ ،‬فإنه‬
‫ال بد من إعطاء رأي اإلسالم بوضوح فيما يجوز قبوله وما ال‬
‫يجوز قبوله‪ ،‬مما يفد إلينا من األمم والشعوب والدول األخرى‪.‬‬
‫فنقول‪ ،‬أما الحضارة فإنه ال يجوز أخذها من أي أمة من‬
‫األمم وال من أي مجتمع من المجتمعات‪ ،‬ذلك أن حضارة‬
‫المسلمين هي مجموعة المفاهيم اإلسالمية عن الحياة‪ ،‬وهذه‬
‫المفاهيم إ ّما منبثقة من أفكار اإلسالم أو مبنيّة عليها‪ .‬وبما أن‬
‫اإلسالم هو دين هللا الموحى إلى رسوله ‪ ،r‬فإنه ال يقبل التداخل‬
‫مع غيره من المذاهب واألنظمة والمبادئ‪ ،‬ويتسامى عن‬
‫االقتباس من أي حضارة أخرى‪ .‬والناظر في التاريخ اإلسالمي‬
‫يلمس بجالء أن الحضارة اإلسالمية كانت بريئة من كل ما‬
‫سواها من الحضارات اإلنسانية‪ .‬إذ ال يجوز للمسلمين أن‬
‫يقتبسوا العقائد والفلسفات وال األنظمة والتشريعات‪ .‬قال هللا‬
‫تعالى { قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين * يهدي به هللا من‬
‫اتبع رضوانه سبل السالم ويخرجهم من الظلمات إلى النور‬
‫بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }(‪ ،)1‬وقال سبحانه ‪{ :‬‬
‫اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وال تتبعوا من دونه أولياء قليالً ما‬
‫تذكرون }(‪ ،)2‬وقال عز وجل‪ { :‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت‬
‫عليكم نعمتي ورضيت لكم اإلسالم دينا ً }(‪ .)3‬وقال رسول هللا ‪r‬‬
‫‪ -1‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪16‬‬
‫‪ -2‬سورة األعراف ‪ -‬اآلية ‪3‬‬
‫‪ -3‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪3‬‬
‫‪80‬‬
‫"إن خير الحديث كتاب هللا‪ ،‬وخير الهدي هدي محمد‪ ،‬وشر األمور‬
‫محدثاتها‪ ،‬وكل بدعة ضاللة"(‪ ،)1‬وقال عليه الصالة والسالم ‪:‬‬
‫"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(‪ ،)2‬وقال عليه‬
‫الصالة والسالم ‪" :‬تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ال‬
‫يزيغ عنها إال هالك"(‪ ،)3‬وقال في معرض التبكيت والذم ‪" :‬‬
‫لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا ً بشبر وذراعا ً بذراع‪ ،‬حتى لو‬
‫دخلوا جحر ضب التـبـعتموهـم" قيل ‪ " :‬يا رسول هللا‪ ،‬اليهود‬
‫والنصارى ؟" قال ‪" :‬فمن ؟!"(‪.)4‬‬
‫وبناء عليه‪ ،‬ال يجوز أخذ الفلسفات والعقائد من الكفار‬
‫لتبنيها واالستفادة منها‪ ،‬وإن جازت دراستها للرد عليها ومجادلة‬
‫أصحابها‪ .‬وال يجوز كذلك أخذ المبادئ من لبرالية وماركسية‪،‬‬
‫وال أخذ أنظمة الحكم من ديمقراطية وجمهورية وملكية‬
‫ودكتاتورية وكنفدرالية وغيرها‪ ،‬وال أخذ أنظمة االقتصاد من‬
‫رأسمالية واشتراكية وغيرها‪ ،‬وال يجوز أخذ وجهات النظر عن‬
‫الحياة كالحرية واإلباحية والوجودية واالرتقائية الماركسية أو‬
‫الهيغلية أو غيرها‪ .‬ذلك أن كل هذه هي مفاهيم عن الحياة‬
‫والكون واإلنسان أنتجتها عقول المشرعين الذين رسموا للناس‬
‫حضارات تتنافى مع الحضارة التي يرضاها هللا تعالى لعباده‪.‬‬
‫أما المدنيّة‪ ،‬وهي "مجموعة األشكال والوسائل المادية‬
‫المستخدمة في شؤون الحياة"‪ ،‬فهذه يجوز أخذها واالستفادة‬
‫‪ -1‬رواه مسلم ‪ -‬كتاب الجمعة ‪ -‬الحديث ‪43‬‬
‫‪ -2‬رواه مسلم ‪ -‬كتاب األقضية ‪ -‬الحديث ‪17‬‬
‫‪ -3‬رواه أحمد ‪126/4 -‬‬
‫‪ -4‬رواه مسلم ‪ -‬كتاب العلم ‪ -‬الحديث ‪6‬‬
‫‪81‬‬
‫منها‪ ،‬ما دامت غير ناجمة عن حضارة غير الحضارة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬أو ما لم تكن متعارضة مع الحضارة اإلسالمية‪ .‬فهي‬
‫تكون في هذه الحالة نتاجا ً بشريا ً حياديا ً غير معبر عن وجهة‬
‫نظر وال طريقة عيش وال عن حضارة من الحضارات‪ .‬وذلك‬
‫كما أخذ الرسول ‪ r‬أسلوب حفر الخندق من الفرس حين أبلغه‬
‫إياه سلمان الفارسي رضي هللا عنه في غزوة األحزاب‪ ،‬وكما‬
‫أخذ عمر بن الخطاب أسلوب الدواوين من الفرس أيضاً‪ ،‬وهي‬
‫شكل من أشكال المحاسبة المالية وإدارة األعمال‪ ،‬وكما استفاد‬
‫المسلمون على مر عصور نهضتهم من العلوم واإلنجازات‬
‫المادية التي أبدعتها الشعوب السالفة والمعاصرة لهم‪ ،‬إذ إن هذه‬
‫األشياء تنطبق عليها القاعدة الشرعية "األصل في األشياء‬
‫اإلباحة"‪ .‬وبناء عليه يجوز للمسلمين اليوم أن يأخذوا أو‬
‫يقتبسوا من أي شعب من الشعوب اإلبداعات المادية من‬
‫عسكرية ومدنية وصناعية وغيرها‪ ،‬كالطائرة والسيارة واآللة‬
‫العسكرية ومعدات الطب والهندسة والمختبرات والنظريات‬
‫العلمية‪ .‬بل ربما وجب ذلك في بعض األحيان‪ ،‬وذلك حين تكون‬
‫تلك الوسائل من أسباب القوة لقوله تعالى ‪ { :‬وأعدوا لهم ما‬
‫استطعتم من قوة }(‪ ،)1‬أو حين تكون تلك األشكال والوسائل‬
‫مما ال يتم الواجب إال به‪ .‬فإذا كان تصريف األعمال في‬
‫مؤسسات الدولة يقتضي العمل بأنظمة إدارة األعمال وإدخال‬
‫أجهزة "الكمبيوتر"‪ ،‬وإذا كانت رعاية شؤون الناس تقتضي‬
‫من الدولة تنظيم السير والبناء واألسواق بأساليب حديثة‪ ،‬فال‬
‫‪ -1‬سورة األنفال ‪ -‬اآلية ‪60‬‬
‫‪82‬‬
‫بأس في استفادة تلك األساليب من أي دولة من الدول‪ .‬ذلك أن‬
‫كل هذه األشكال والوسائل المدنية ال ترتبط بحضارة من‬
‫الحضارات‪.‬‬
‫أما إن كانت تلك الوسائل واألشكال ناجمة عن حضارة‬
‫غير اإلسالم ومتعارضة مع الحضارة اإلسالمية‪ ،‬فإنها في هذه‬
‫الحالة تأخذ حكم الحضارة‪ ،‬فال يجوز للمسلمين أخذها واالنتفاع‬
‫بها‪ .‬مثال ذلك أن صورة امرأة عارية هي في الغرب شكل‬
‫مدني‪ ،‬ولكن هذا الشكل المدني يرتبط بالحضارة الغربية التي‬
‫أنتجت االنحالل والفساد الخلقي باسم الحرية بجميع أشكالها‪.‬‬
‫فهذا الشكل المدني مما ال يجوز للمسلمين أخذه ألنه يتعارض‬
‫مع اإلسالم وحضارته التي تعُدّ المرأة عرضا ً يجب أن يصان‪.‬‬
‫وكذلك مصانع الخمور وآالت قتل الذبائح المخالفة للطريقة‬
‫الشرعية‪ ،‬وأسواق البورصة القائمة على العقود الربوية وما‬
‫شاكلها‪ .‬فهذه كلها أشكال ووسائل أنتجتها حضارة غير‬
‫الحضارة اإلسالمية‪ ،‬وتتعارض مع اإلسالم فال يجوز أخذها‪.‬‬
‫ويأخذ حكم الوسائل واألشكال المدنية‪ ،‬كل الفنون‬
‫واألزياء‪ ،‬فإن كانت ترتبط بوجهة نظر أو حضارة أو دين غير‬
‫اإلسالم‪ ،‬فال يجوز للمسلمين أخذها‪ .‬فال يجوز لهم ارتداء أزياء‬
‫الرهبان والراهبات والك ّهان ومن شاكلهم‪ ،‬إذ ال يجوز التشبه‬
‫بالكفار‪.‬‬
‫وخالصة الكالم‪ ،‬أن الحضارة هي "مجموعة المفاهيم‬
‫عن الحياة" فال يجوز للمسلمين أخذها أو أخذ شيء منها من‬
‫غير اإلسالم‪ ،‬ألن إسالمهم أعطاهم حضارة كاملة متميزة‪ .‬وأما‬
‫‪83‬‬
‫المدنية ‪ -‬وهي مجموعة األشكال والوسائل المادية المستعملة‬
‫في شؤون الحياة ‪ -‬فإنها عامة لجميع البشر والمجتمعات‪،‬‬
‫ويجوز للمسلمين أخذها ما لم تتعارض مع اإلسالم وحضارته‪.‬‬
‫‪84‬‬
‫اإلســالم المـبـدأ‬
‫إن اإلنسان بطبعه وفطرته يبحث عن السعادة والرقي‬
‫والرفا َه ِة‪ ،‬ويسعى إلى حياة كريمة يتجلى فيها ارتفاعه وعلوه‬
‫َّ‬
‫فوق سائر المخلوقات‪.‬‬
‫ولقد بحث اإلنسان منذ القدم عن السبيل لتحقيق هذا الرقي‬
‫والرفا ِهيَ ِة من أجل الوصول إلى السعادة‪ ،‬فشرع المفكرون‬
‫َّ‬
‫والفالسفة والمشرعون بوضع النظريات والعقائد‬
‫واإلديولوجيات من أجل ذلك الهدف‪ ،‬وسار الناس وراء هؤالء‬
‫على اختالف اتجاهاتهم ونظرياتهم وفلسفاتهم‪ .‬ولكن‪ ،‬هل حقق‬
‫جميع هؤالء غايتهم وأملهم المنشود ؟ الجواب بالطبع ‪ ...‬ال‪.‬‬
‫ذلك أن هؤالء لم يدركوا الطريق إلى النهضة الصحيحة‪،‬‬
‫وبالتالي إلى السعادة‪.‬‬
‫إذا أراد اإلنسان أن يحصل على النهضة الصحيحة‬
‫وبالتالي على السعادة عليه أن يحصل على السلوك البشري‬
‫السوي‪ .‬فسلوك اإلنسان هو السبب في أن يؤدي بصاحبه إلى‬
‫ّ‬
‫النهضة أو إلى االنحطاط‪ .‬فما هو السلوك ؟‬
‫إن السلوك هو مجموع ما يقوم به اإلنسان من أعمال في‬
‫حياته ومجتمعه‪ .‬وهذه األعمال مردّها جمعيها في حقيقة األمر‬
‫إلى تلك الطاقة الحيوية التي يتمتع بها اإلنسان‪.‬‬
‫‪85‬‬
‫الطاقة الحيوية في اإلنسان هي التي تدفعه إلى القيام‬
‫باألعمال التي نشاهده يقوم بها‪ .‬وهذه الطاقة الحيوية‪ ،‬هي‬
‫مجموع ما لدى اإلنسان من حاجات عضوية وغرائز‪ ،‬والتي‬
‫يشعر اإلنسان بالحاجة إلى إشباعها‪ .‬فهو يريد أن يأكل ويشرب‪،‬‬
‫ويريد أن يلبس وأن يمتلك وأن يدافع عن نفسه ويريد أن يقدّس‬
‫ويب ّجل ‪ ...‬وغير ذلك من الحاجات التي نراه يسعى إلشباعها‪{ ،‬‬
‫ُز ِيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير‬
‫المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة واألنعام‬
‫والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا‪.)1(}...‬‬
‫وقد وجد اإلنسان أن وسائل إشباع هذه الحاجات‬
‫س ّخرت له‪،‬‬
‫والرغبات موجودة في األشياء التي حوله والتي ُ‬
‫فاندفع ليحصل منها على ما يحتاجه ويريده‪ .‬وهنا وجد نفسه‬
‫أمام مشكلة ‪:‬‬
‫ما هي طريقة االنتفاع باألشياء التي حوله ؟ أي ما هي‬
‫طريقة إشباع حاجاته وغرائزه ؟ فاالنتفاع بتلك األشياء‪ ،‬وإشباع‬
‫الحاجات والغرائز لدى اإلنسان ليس عملية آلية وتلقائية كما هو‬
‫شأن البهيمة‪ ،‬وإنما لدى اإلنسان ذهن يضع أمامه الكثير من‬
‫الخيارات والسبل لالنتفاع واإلشباع‪.‬‬
‫فإذا اختار اإلنسان كيفية معينة لالنتفاع باألشياء وطريقة‬
‫معينة إلشباع حاجاته وغرائزه فإنه يكون قد اختار سلوكا ً معيناً‪،‬‬
‫فهذا هو السلوك‪ .‬إنه تلك الكيفية التي اعتمدها في إشباع رغباته‬
‫وتلك القواعد التي تتحكم بتصرفاته وأفعاله وردود األفعال التي‬
‫‪ -1‬سورة الزخرف ‪ -‬اآلية ‪32‬‬
‫‪86‬‬
‫تصدر عنه‪ ،‬ومواقفه إزاء األشياء واألحداث التي يعاينها‪،‬‬
‫وطريقة عالجه للمشاكل التي تعترضه في حياته‪.‬‬
‫واآلن بعد أن عرفنا السلوك‪ ،‬نأتي إلى البحث الجوهري‪.‬‬
‫ما هو السلوك السوي المؤدي إلى النهضة الصحيحة‪،‬‬
‫وبالتالي إلى السعادة ؟ واإلجابة تبدأ بما يلي ‪:‬‬
‫إذا أردنا العثور على السلوك السوي‪ ،‬فال بد لنا من‬
‫الحصول على الفكر الصحيح‪ ،‬ذلك أن سلوك اإلنسان مرتبط‬
‫بمفاهيمه‪ ،‬وهو يكيّف سلوكه في الحياة بحسب مفاهيمه عن‬
‫األشياء‪ .‬فسلوك اإلنسان كما قررنا هو مجموع عالقاته مع‬
‫األشياء والناس من حوله‪ ،‬ومفهوم اإلنسان عن تلك األشياء هو‬
‫الذي يعين له موقفه منها‪ .‬فمفاهيم اإلنسان عن شخص يحبه‬
‫تكيف سلوكه نحوه‪ ،‬على النقيض من سلوكه مع شخص يبغضه‬
‫وعنده مفاهيم الكراهية عنه‪ ،‬وعلى خالف سلوكه مع شخص ال‬
‫يعرفه وال يوجد لديه أي مفهوم عنه‪ .‬لذلك إذا أردنا أن نرتقي‬
‫بسلوك اإلنسان فال بد من أن نوجد له المفاهيم الصحيحة أوالً‪،‬‬
‫{ إن هللا ال يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }(‪.)1‬‬
‫إال أنه ال يتأتى وجود هذه المفاهيم عن األشياء‪ ،‬إال إذا‬
‫كانت مستندة إلى الفكر عن الحياة الدنيا‪ ،‬أي كانت نابعة من‬
‫وجهة نظر عن الحياة الدنيا‪ ،‬توضح لإلنسان معنى وجوده في‬
‫هذه الحياة والغاية منها‪ .‬فإن هو حدد لنفسه الغرض من وجوده‬
‫في هذه الدنيا وماهي المهمة التي تفرضها عليه تلك الغاية‬
‫‪ -1‬سورة الرعد ‪ -‬اآلية ‪11‬‬
‫‪87‬‬
‫استطاع أن ينظر من خاللها نظرة ثابتة إلى األشياء‪ ،‬فيكيف‬
‫سلوكه تجاهها على نحو يجعله منسجما ً مع نفسه‪.‬‬
‫والفكر عن الحياة الدنيا أيضاً‪ ،‬ال يتركز تركزا ً منتجا ً إال‬
‫بعد أن يوجد الفكر عن الكون واإلنسان والحياة وعما قبل‬
‫الحياة الدنيا وعما بعدها‪ ،‬وعن عالقتها بما قبلها وما بعدها‪،‬‬
‫وذلك بإعطاء الفكرة الكلية عما وراء هذا الكون واإلنسان‬
‫والحياة‪ ،‬ألنها القاعدة الفكرية التي تُبنى عليها جميع األفكار عن‬
‫الحياة‪ .‬ذلك أن اإلنسان يشعر ويدرك أن الحياة هي حلقة ضمن‬
‫سلسلة متصلة الحلقات‪ ،‬وبالتالي فهي جزء من كل‪ ،‬لذلك كان‬
‫إعطاء الفكرة الكلية عن هذه األشياء هو حل العقدة الكبرى عند‬
‫اإلنسان‪ ،‬والتي ما زالت تلح عليه منذ أن وجد على وجه‬
‫األرض‪ ،‬وال زالت تقلقه مالم يحلّها‪ .‬ومتى حلت هذه العقدة‬
‫الكبرى حلت باقي العقد‪ ،‬ألنها جزئية بالنسبة لها أو فروع عنها‪.‬‬
‫فإذا ما حصل اإلنسان على هذا الحل فإنه يكون قد حصل‬
‫على العقيدة‪ ،‬وعلى القاعدة الفكرية التي يبنى عليها كل فكر‬
‫فرعي عن السلوك في الحياة وعن أنظمة الحياة‪ .‬وبعبارة أخرى‬
‫يكون قد حصل على "المبدأ"‪.‬‬
‫فالمبدأ في اصطالح الناس جميعا ً هو الفكر األساسي‬
‫الذي تبنى عليه أفكار‪ .‬وال يصح أن يسمى الفكر مبدأ إال إذا كان‬
‫فكرا ً أساسيا ً تنبثق عنه كل األفكار عن الحياة‪ .‬والفكر األساسي‬
‫هو الذي ال يوجد قبله فكر مطلقاً‪ .‬وهذا الفكر األساسي محصور‬
‫في الفكرة الكلية عن الكون واإلنسان والحياة وال يوجد غيرها‬
‫فكر أساسي‪ ،‬ألن هذا الفكر هو األساس في الحياة‪.‬‬
‫‪88‬‬
‫وإن هذا المبدأ كفيل بأن ينهض باإلنسان‪ ،‬إال أنه ال‬
‫ينهض به النهضة الصحيحة إال إذا كان حالً صحيحا ً يوافق‬
‫فطرة اإلنسان‪ ،‬ويقنع العقل‪ ،‬فيمأل القلب طمأنينة‪.‬‬
‫والمبدأ ال بد أن ينشأ في ذهن شخص‪ ،‬إما بوحي هللا له به‬
‫وأمره بتبليغه‪ ،‬وإما بعبقرية تشرق في ذلك الشخص‪ .‬أما المبدأ‬
‫الذي ينشأ في ذهن إنسان بوحي هللا له به‪ ،‬فهو المبدأ الصحيح‪،‬‬
‫ألنه من خالق الكون واإلنسان والحياة‪ ،‬وهو هللا تعالى‪ ،‬فهو‬
‫مبدأ قطعي الصحة‪ .‬وأما المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص‬
‫بعبقرية تشرق فيه فهو مبدأ باطل‪ ،‬ألنه ناشىء من عقل محدود‬
‫يعجز عن اإلحاطة بالوجود‪ ،‬وألن فهم اإلنسان للتنظيم عرضة‬
‫للتفاوت واالختالف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها‪،‬‬
‫مما ينتج النظام المتناقض المؤدي إلى شقاء اإلنسان‪ ،‬لذلك كان‬
‫المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص باطالً في عقيدته وفي نظامه‬
‫الذي ينبثق عنها‪ { ،‬ات َّ ِبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وال تتبعوا من‬
‫دونه أولياء }(‪.)1‬‬
‫من هنا كان اإلسالم هو المبدأ الوحيد الصحيح في الدنيا‪،‬‬
‫فاإلسالم الذي أوحاه هللا تبارك وتعالى إلى نبيه محمد ‪ r‬وختم به‬
‫الرساالت عمد إلى العقدة الكبرى فحلها لإلنسان حالً يوافق‬
‫الفطرة ويمأل العقل قناعة والقلب طمأنينة‪.‬‬
‫فلقد بيّن اإلسالم أن وراء الكون والحياة واإلنسان خالقا ً‬
‫خلقها هو هللا تعالى‪ ،‬ولذلك كان أساسه االعتقاد بوجود هللا‬
‫تعالى‪ .‬واإليمان باهلل يجب أن يقترن باإليمان بنبوة محمد‬
‫‪ -1‬سورة األعراف ‪ -‬اآلية ‪3‬‬
‫‪89‬‬
‫ورسالته‪ ،‬وبأن القرآن الكريم كالم هللا‪ ،‬فيجب اإليمان بكل ما‬
‫جاء به‪ .‬ولهذا كانت العقيدة اإلسالمية تقضي بأنه يوجد قبل‬
‫الحياة ما يجب اإليمان به‪ ،‬وهو هللا تعالى‪ ،‬وتقضي باإليمان بما‬
‫بعد الحياة وهو يوم القيامة‪ ،‬وبأن اإلنسان في هذه الحياة الدنيا‬
‫مقيد بأوامر هللا ونواهيه‪ ،‬وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما قبلها‪،‬‬
‫ومقيد بالمحاسبة على اتباع هذه األوامر واجتناب هذه النواهي‪،‬‬
‫وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما بعدها‪ .‬ولذلك كان حتما ً على‬
‫المسلم أن يدرك صلته باهلل تعالى حين القيام باألعمال ‪ -‬أي في‬
‫سلوكه ‪ -‬فيسيّر أعماله بأوامر هللا ونواهيه‪.‬‬
‫ومن أجل أن يسيّر اإلنسان أعماله وفق أوامر هللا‬
‫ونواهيه‪ ،‬وحتى تكون العقيدة اإلسالمية قاعدة فكرية لمفاهيمه‪،‬‬
‫جعل هللا تعالى الشريعة اإلسالمية شريعة شاملة لكل نواحي‬
‫الحياة‪ ،‬تنظم سلوك اإلنسان كله‪ ،‬وتعالج جميع مشاكله وتنتظم‬
‫جميع أفعاله‪ .‬فأعطى حكما ً شرعيا ً لكل فعل من أفعال العباد‪،‬‬
‫فإن أي فعل من أفعال العباد ينطبق عليه أحد األحكام الشرعية‬
‫الخمسة وهي ‪ :‬الوجوب والتحريم والندب والكراهية واإلباحة‪.‬‬
‫قال تعالى ‪ّ { :‬‬
‫ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل شيء }(‪.)1‬‬
‫ومن مجموع تلك األحكام الشرعية تكونت أنظمة الحياة‪.‬‬
‫فعالوة على أحكام العبادات واألخالق والمطعومات‬
‫والملبوسات‪ ،‬شرع لنا اإلسالم أنظمة للحياة والمجتمع والدولة‪،‬‬
‫بما في ذلك سياستها الداخلية‪ ،‬من نظام للحكم واالقتصاد‬
‫واالجتماع والتعليم‪ ،‬وكذلك سياستها الخارجية من أحكام الجهاد‬
‫‪ -1‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪89‬‬
‫‪90‬‬
‫والمعاهدات والحرب والسلم وغيرها‪ .‬قال عز وجل ‪ { :‬اليوم‬
‫أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم اإلسالم‬
‫دينا ً }(‪.)1‬‬
‫وبذلك كان اإلسالم المبدأ الوحيد الكفيل بإنهاض البشرية‬
‫النهضة الصحيحة وإيصالها إلى السعادة الحقيقية‪ .‬وإن التاريخ‬
‫خير شاهد على هذه الحقيقة العظيمة‪ .‬فالقرون التي شهدت‬
‫تطبيق اإلسالم بشكله الصحيح شهدت أعظم نهضة عرفها‬
‫النوع اإلنساني‪ .‬وإذا أراد البشر اليوم – وعلى رأسهم المسلمون‬
‫ أن ينعموا بنهضة تعلي اإلنسان وتكرمه وتوصله إلى السعادة‪،‬‬‫فعليهم أن يعيدوا المبدأ اإلسالمي إلى معترك الحياة من خالل‬
‫تطبيقه في المجتمع والدولة‪ .‬عندها سيخرجون من دياجير الظلم‬
‫والظلمات إلى رحابة النور والعدل‪ .‬وصدق هللا العظيم إذ قال ‪:‬‬
‫{ هللا ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين‬
‫كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات‬
‫}(‪.)2‬‬
‫‪ -1‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪3‬‬
‫‪ -2‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪257‬‬
‫‪91‬‬
‫ال إلــه إال هللا مـحمـد رسـول هللا‬
‫القاعدة الفكرية للمسلمين‬
‫قال تعالى‪ { :‬يا أيها الذين آمنوا قد جاءكم برهان من‬
‫ربكم وأنزلنا إليكم نورا ً مبينا ً * فأما الذين آمنوا باهلل‬
‫واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه‬
‫صراطا ً مستقيما ً }(‪.)1‬‬
‫إن اإلنسان الراقي‪ ،‬هو ذلك اإلنسان الذي يتخذ لفكره‬
‫قاعدة معينة يسير وفقها وتعيّن له وجهة نظره في الحياة وتجعل‬
‫من أفكاره بنيانا ً متكامالً ونسقا ً متناغماً‪ ،‬فال تتضارب أفكاره‬
‫وال تتناقض وال يأكل بعضها بعضاً‪ ،‬مما يجعل منه شخصية‬
‫متميزة ذات لون معين واتجاه ثابت وموقف حازم ورأي‬
‫واضح‪.‬‬
‫أما اإلنسان الذي ال يملك تلك القاعدة الفكرية فإنه يحمل‬
‫مزيجا ً من األفكار غير متجانس وال متكامل‪ ،‬وإنما هو مزيج‬
‫من المتناقضات والمتنافرات‪ .‬فكل فكرة تضرب األخرى وكل‬
‫رأي يأكل اآلخر‪ .‬وهذا اإلنسان ال يثق بفكرة يحملها‪ ،‬وال يجزم‬
‫برأي يصدره‪،‬وال يثبت على موقف يتخذه‪،‬وأفكاره هي دائما ً في‬
‫‪ -1‬سورة النساء ‪ -‬اآليتان ‪175-174‬‬
‫‪92‬‬
‫مهب الريح‪ ،‬عرضة ألن تتطاير مع أية نسمة تمر بها‪ .‬وهذا ما‬
‫يجعل منه شخصية مضطربة متلونة ضعيفة‪ ،‬إنها الشخصية‬
‫"المنخفضة"‪.‬‬
‫لذلك أراد هللا عز وجل لعقيدة المسلمين أن تكون أساسا ً‬
‫لتفكير المسلم كله وسلوكه كافة‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬يا أيها الذين‬
‫آمنوا ادخلوا في السلم كافة }(‪ .)1‬فالعقيدة اإلسالمية ليست‬
‫كسائر العقائد الدينية‪ ،‬تتناول جزءا ً من تفكير اإلنسان وتلقي‬
‫بظاللها فقط على كمية محدودة من أفكاره‪ .‬بل هي العقيدة‬
‫التي ال يتأتى لمسلم يعتنقها ويفهمها حق فهمها إال أن يبني كل‬
‫أفكاره وثقافته وآرائه عليها‪ ،‬وأن ال يحمل أي رأي أو فهم‬
‫يناقضها‪ ،‬وهذا ما يجعل من العقيدة اإلسالمية قاعدة فكرية‪.‬‬
‫وهكذا نفهم أول آية نزلت على رسول هللا ‪ { : r‬إقرأ باسم ربك‬
‫الذي خلق }(‪.)2‬‬
‫ومن هنا وجب على المسلم أن يستحضر عقيدته وما‬
‫تحويه وتقتضيه من أفكار‪ ،‬حين يستمع ألي فكر‪ ،‬وحين يقرأ أي‬
‫بحث‪ ،‬وحين يرى أي حدث ويسمع أي خبر‪ .‬وبذلك فإن ذهنه‬
‫لن يتقبل أي مفهوم يتعارض مع عقيدته التي يحملها‪.‬‬
‫فالعقيدة اإلسالمية هي الجواب الجازم على األسئلة‬
‫األساسية التي تشكل العقدة الكبرى لدى اإلنسان‪ .‬إنها اإلجابة‬
‫القاطعة عن أصل اإلنسان والكون والحياة وعن مآلها‪ ،‬وهي‬
‫التي تفسر لإلنسان معنى وجوده والغاية التي يحيا من أجلها‪.‬‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪208‬‬
‫‪ -2‬سورة العلق ‪ -‬اآلية ‪1‬‬
‫‪93‬‬
‫وبذلك كانت جديرة بأن تكون األساس لكل ثقافة اإلنسان‬
‫أو‬
‫والسراج الذي ينير له طريقه في حياته الدنيا‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬‬
‫من كان ميتا ً فأحييناه وجعلنا له نورا ً يمشي به في الناس كمن‬
‫مثله في الظلمات ليس بخارج منها }(‪ .)1‬وألن العقيدة‬
‫اإلسالمية هي العقيدة الصحيحة الحقة التي أوحاها هللا تعالى‬
‫إلى كل أنبيائه‪ ،‬كانت كفيلة بأن تعطي اإلنسان موقفا ً من كل‬
‫فكر ورأي وحدث‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل‬
‫شيء }(‪.)2‬‬
‫انظر إلى هاتين اآليتين الكريمتين‪ ،‬وهما تبينان هذه‬
‫السمة الجوهرية للعقيدة اإلسالمية‪.‬‬
‫{ ألم تر كيف ضرب هللا مثالً كلمة طيبة كشجرة طيبة‬
‫أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أ ُ ُكلَها كل حين بإذن ربها‬
‫ويضرب هللا األمثال للناس لعلهم يتذكرون }(‪.)3‬‬
‫إن الكلمة الطيبة التي تذكرها اآلية الكريمة كما فسرها‬
‫أغلب المفسرين هي العقيدة اإلسالمية‪ ،‬قال ابن عباس ‪:‬‬
‫"الكلـمــة الـطــيــبة ال إلـه إال هللا"‪ ،‬وقال مجاهد وابن جريج ‪:‬‬
‫"الكلمة الطيبة اإليمان"(‪ .)4‬فاهلل تعالى يشبه اإلسالم بالشجرة‬
‫الطيبة الطاهرة‪ ،‬فكما أن أصل تلك الشجرة ثابت في األرض‬
‫مكين قوي‪ ،‬كذلك اإلسالم فإن عقيدته هي أصل مقطوع به‬
‫جازم يقيني‪ ،‬صالح ألن يكون أساسا ً لكل فروعه من أحكام‬
‫‪ -1‬سورة األنعام ‪ -‬اآلية ‪122‬‬
‫‪ -2‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪89‬‬
‫‪ -3‬سورة إبراهيم ‪ -‬اآليتان ‪25-24‬‬
‫‪ -4‬راجع تفسير القرطبي‪ ،‬الجامع ألحكام القرآن ‪ -‬الجزء التاسع‪ -‬ص ‪359‬‬
‫‪94‬‬
‫وأفكار وآراء ووجهة نظر‪ .‬وكما هي تلك الشجرة التي ذكرتها‬
‫اآلثار النبوية أنها النخلة(‪ )1‬تؤتي أ ُ ُكلها كل‬
‫اآلية والتي تذكر‬
‫ُ‬
‫حين‪ ،‬فال تعرى من الورق‪ ،‬ويأكل اإلنسان من ثمرها على‬
‫مدار السنة بلحا ً ورطبا ً وتمراً‪ ،‬كما هي تلك الشجرة فكذلك‬
‫اإلسالم‪ ،‬يؤتي أكله كل حين بإذن هللا تعالى‪ ،‬فال يعجز عن‬
‫إمداد المسلم وإسعافه بالموقف الالزم إزاء أي فكر أو رأي أو‬
‫حدث من األحداث‪.‬‬
‫ثم بعد ذلك يأتي قوله تعالى ‪ { :‬يثبّت هللا الذين آمنوا‬
‫بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي اآلخرة‪ ،)2(}...‬فتؤكد هذه‬
‫اآلية المعنى ذاته‪ .‬فالقول الثابت كما يقول ابن عباس هو "ال‬
‫إله إال هللا"‪ .‬فالعقيدة اإلسالمية هي التي تجعل من المسلم‬
‫إنسانا ً ثابتا ً وطيدا ً أمام كل استحقاقات الحياة‪.‬‬
‫وتأ ّم ْل في قوله تعالى ‪ { :‬ومن يؤمن باهلل يَ ْه ِد قلبه وهللا‬
‫بكل شيء عليم }(‪ .)3‬فاهلل عز وجل يخـبرنا فـي هذه اآليــة‬
‫الكريمة أن اإليمان به ‪-‬وبالتالي اإليمان بما أوجب من‬
‫العقائد‪ -‬هو الذي يهدي قلب اإلنسان‪ .‬والقلب حين يرد ذكره‬
‫في القرآن الكريم فإنه يراد به غالبا ً العقل‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬أفلم‬
‫يسيروا في األرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها }(‪ .)4‬وبذلك‬
‫يكون اإليمان باهلل مرشدا ً للعقل موجها ً له في كل ما يعترض‬
‫‪ -1‬المرجع السابق‪ ،‬جـ‪ -9‬ص‪359‬‬
‫‪ -2‬سورة إبراهيم ‪ -‬اآلية ‪27‬‬
‫‪ -3‬سورة التغابن ‪ -‬اآلية ‪11‬‬
‫‪ -4‬سورة الحج ‪ -‬اآلية ‪46‬‬
‫‪95‬‬
‫اإلنسان في حياته‪ ،‬ولذلك ختم هللا تعالى اآلية بقوله ‪ { :‬وهللا‬
‫بكل شيء عليم }‪ ،‬أي إن هللا هو الذي يعلم كل شيء وهو‬
‫القادر على أن يعلم اإلنسان ما يلزمه في حياته‪ ،‬كما في قوله‬
‫تعالى‪ { :‬واتّقوا هللا ويُعَ ِلّ ُمكم هللا }(‪.)1‬‬
‫هذه هي أهم سمة ميّزت المسلمين الذين حملوا اإلسالم في‬
‫صدر التاريخ اإلسالمي‪ .‬فأولئك الصحابة الذين كانوا في‬
‫الجاهلية يحملون عقائد الكفر ويعبدون األوثان ويقارفون‬
‫ويحيون حياة االنحطاط والتخلف‬
‫الفواحش ويئدون البنات‬
‫ْ‬
‫ويتخلقون بأخالق القبلية العصبية الجاهلية‪ ،‬أولئك تحولوا‬
‫بمجرد أن أصبحت العقيدة اإلسالمية قاعدة تفكيرهم إلى أناس‬
‫آخرين‪ ،‬وكأن تلك األبدان أصبحت تحوي في داخلها نفوسا ً‬
‫أخرى غير تلك التي كانت تحويها‪ .‬فإذا الرجل منهم يصبح‬
‫شخصية متميزة ترفض كل عقائد الجاهلية وتأنف عاداتها‬
‫الهابطة وتزدري مفاهيمها وتقاليدها البالية العفنة‪ .‬وإذا بتلك‬
‫القاعدة الفكرية الجديدة تنير لهم طريق الرشاد وتكشف لهم‬
‫األشياء على حقيقتها والناس على قدرهم‪ ،‬وتمأل عقولهم بثقافة‬
‫عظيمة هي بمثابة البنيان الشامخ والصرح العظيم الذي قام على‬
‫األساس المتين‪ ،‬حتى اصبح الواحد منهم يوصف بحق بأن‬
‫سلوكه القرآن‪.‬‬
‫وبهذه القاعدة الفكرية‪ ،‬وما انبنى عليها من أفكار وأحكام‬
‫وأنظمة‪ ،‬استطاعوا أن يحدثوا ذلك االنقالب الشامل في جزيرة‬
‫العرب لتتحول من الوثنية المنحطة إلى اإلسالم الصرف النقي‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪282‬‬
‫‪96‬‬
‫الصافي‪ ،‬الذي ودع عليه الرسول ‪ r‬المسلمين قائالً ‪" :‬تركتكم‬
‫على ال َم َحجَّة البيضاء ليلها كنهارها ال يزيغ عنها إال هالك "(‪.)1‬‬
‫وبها أيضا ً انطلقوا خارج الجزيرة العربية فاتحين العالم‪،‬‬
‫ليواجهوا أمما ً تحمل في أذهانها وضمائرها ثقافات عريقة‬
‫وحضارات مزدهرة‪ ،‬فما كان من هؤالء إال أن ألقوا سالحهم‬
‫وهجروا قواعدهم الفكرية مقبلين على عقيدة اإلسالم التي‬
‫انهارت أمامها كل الحضارات والثقافات‪ ،‬ولم يصمد أمام‬
‫قوتها فكر وال دين‪.‬‬
‫ذلك أن هؤالء المسلمين األوائل حين واجهوا الثقافات‬
‫والحضارات األخرى‪ ،‬عمدوا إلى قواعدها الفكرية فنسفوها من‬
‫أساسها‪ .‬وميزوا بين ما يتعارض مع قاعدتهم الفكرية من تلك‬
‫المعارف فردّوه ورفضوه‪ ،‬بل ونفوه من أذهان أصحابه‪ ،‬وبين‬
‫ما يتوافق معها من المعارف فأخذوه واستفادوا منه وأسهموا في‬
‫إثرائه وإنمائه‪ .‬فإنهم في الوقت الذي أخذوا فيه علوم الطب‬
‫والفيزياء والكيمياء والهندسة والحساب والفلك وعلوم اإلدارة‬
‫والفنون العسكرية والحربية والمالحية وغيرها من العلوم‬
‫واألشكال المدنية وجعلوها من أسباب قوتهم‪ ،‬لم يفكروا في‬
‫اقتباس العقائد واألديان واألنظمة والتشريع واإلديولوجيات‪.‬‬
‫وإنه وإن وجد بعض الناس ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية‬
‫عرفوا زورا ً باسم الفالسفة المسلمين‪ ،‬أو ممن تأثروا بالفلسفة‬
‫و ُ‬
‫الهندية أو بالفكر الفارسي‪ ،‬إال أن هؤالء كانوا قلة عزلهم‬
‫‪ -1‬رواه اإلمام أحمد في مسنده ‪.126/4 -‬‬
‫‪97‬‬
‫المجتمع اإلسالمي ولم يعبّروا عن التيار الفكري لألمة‬
‫اإلسالمية آنذاك‪.‬‬
‫ولكن حين حلت بالمسلمين عصور انحطاطهم بدأوا‬
‫يغفلون عن تلك الميزة التي تميزت بها عقيدتهم من كونها‬
‫قاعدة فكرية‪ ،‬فبدأوا يتقبلون األفكار واآلراء والمذاهب التي‬
‫تتعارض معها وتنافيها‪ .‬فرأينا أناسا ً كثرا ً من المسلمين‬
‫يتكلمون في الفلسفة ويجرون وراءها رغم كونها تتعارض‬
‫من حيث األساس مع طريقة التفكير الصحيحة التي جاء بها‬
‫اإلسالم والتي طرح عقيدته من خاللها‪ ،‬ورغم كونها تحوي‬
‫أفكارا ً تتعارض مع العقيدة اإلسالمية من حيث األساس‪،‬‬
‫وربما أوصل بعضها إلى الكفر‪.‬‬
‫ورأينا أناسا ً من المسلمين يتغنون باآلداب الجاهلية ثم‬
‫األوربيّة غافلين أو متغافلين عن معارضتها لوجهة النظر‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫وعلوم النفس واالجتماع والتربية التي يظهر فسادها‪،‬‬
‫أصبحت تؤخذ وتدرس بكل راحة ضمير‪ ،‬بل وتدرس أحيانا ً‬
‫في المعاهد الشرعية على الرغم مما فيها من أفكار فاسدة‬
‫ومخالفة لإلسالم عالوة على فساد منهجها‪.‬‬
‫وأصبح الدارسون للتاريخ ينجرفون مع علماء الغرب‬
‫وفالسفته في نظرتهم للتاريخ وفي تفسيرهم لحركة التاريخ‪،‬‬
‫وردها لهم‬
‫ويطبقون على تاريخهم اإلسالمي النظريات التي ّ‬
‫‪98‬‬
‫الغرب‪ ،‬كأن يقولوا إن الحضارة اإلسالمية هي امتداد‬
‫للحضارات السالفة من جاهلية وهندية ويونانية ورومانية‬
‫وفارسية‪ .‬بل وربما وجدت بعض المتدينين من الباحثين‬
‫والمؤرخين ينساقون مع النظرية التي ابتكرها بعض من‬
‫يسمون بعلماء "األنتروبولوجيا" من الغربيين والتي تدعي‬
‫بأن اإلنسان لم يكن في األصل مفكراً‪ ،‬وبالتالي لم يكن هناك‬
‫ما يميزه عن البهائم‪ ،‬وربما كان قرداً‪ .‬وهي النظرية التي‬
‫تتوافق مع نظرية داروين عن النشوء واالرتقاء‪ ،‬والتي‬
‫استساغ بعض الدارسين لعلم األحياء (البيولوجيا) من‬
‫المسلمين القول بها مع معارضتها لعقيدة اإلسالم من حيث‬
‫األساس‪.‬‬
‫أما الدارسون لما يسمى بالعلوم السياسية‪ ،‬فلم يفرقوا بين‬
‫ما يتعارض مع قاعدتهم الفكرية من تلك المعارف وما ال‬
‫يتعارض معها‪ ،‬أي لم يفرقوا بين الفكر السياسي وأنظمته من‬
‫جهة ‪ -‬والتي يحرم اإلسالم أخذها من غير الشرع ‪ -‬واألنظمة‬
‫والقوانين اإلدارية من جهة أخرى والتي يجوز أخذها كما أخذ‬
‫عمر بن الخطاب رضي هللا عنه نظام الدواوين‪ .‬وباتوا‬
‫يأخذون األفكار واألنظمة السياسية من الشرق والغرب‪ ،‬بل‬
‫ويصلون إلى حد إلصاقها باإلسالم‪ ،‬كأن يقولوا بأن اإلسالم‬
‫ديمقراطي أو اشتراكي أو بأن نظامه نظام حر أو لبرالي أو‬
‫ما شاكل ذلك‪.‬‬
‫‪99‬‬
‫ومثلهم الدارسون لالقتصاد‪ ،‬فإنهم لم يعودوا يفرقون بين‬
‫يحرم اإلسالم أخذها من غير الشرع‬
‫األنظمة االقتصادية التي ّ‬
‫وبين علم االقتصاد الذي يبحث في وسائل تنمية الثروة األهلية‬
‫وحل األزمات االقتصادية وما شاكل ذلك‪ ،‬والتي يجوز أخذها‬
‫بشرط عدم مخالفة األحكام الشرعية‪ .‬وراحوا يفاضلون بين‬
‫النظام االشتراكي والرأسمالي ليقرروا ما هو النظام األصلح‪،‬‬
‫غافلين عن أنهم يملكون أعظم نظام اقتصادي في العالم‪.‬‬
‫أما من حيث التشريع والقوانين‪ ،‬فقد أصبح كثير من‬
‫المسلمين يستسيغون التحاكم إلى المحاكم التي تفصل‬
‫خصوماتهم بالتشريعات والقوانين الوضعية التي لم تنبثق عن‬
‫العقيدة اإلسالمية‪ ،‬وأصبحوا يقبلون بأن يرعى الحكام شؤونهم‬
‫بتلك التشريعات والقوانين‪.‬‬
‫هذه نماذج قليلة جدا ً من التخبط الفكري الذي تعانيه األمة‬
‫اإلسالمية نتيجة تغييب العقيدة اإلسالمية كقاعدة فكرية من‬
‫الحياة‪ ،‬فليس غريبا ً مع حال كهذه أن نرى المسلمين في هذه‬
‫الحالة من االنحطاط والتردي‪ ،‬فقد فقدوا هويتهم وشخصيتهم‬
‫ومميزاتهم الحضارية‪ ،‬فأنّى لهم أن يدّعوا النهضة مع كل هذه‬
‫المقَاتل ؟! فال سبيل للمسلمين اليوم‪ ،‬من أجل العودة إلى سابق‬
‫عزهم وقوتهم ونهضتهم‪ ،‬إال باعتماد العقيدة اإلسالمية قاعدةً‬
‫فكرية يبنون عليها من جديد صرحهم الفكري والحضاري‪.‬‬
‫‪100‬‬
‫اإلســـالم‬
‫نظــام الـحـيـاة والـمجتـمع والـدولـة‬
‫لقد اكتشف اإلنسان منذ أول تاريخه أن ليس بإمكانه‬
‫العيش وحيدا ً منفرداً‪ ،‬وإنما هو بحاجة ألن يعيش ضمن جماعة‬
‫بشرية تقاسمه ذات الشعور واألحاسيس‪ ،‬وتسعى لتحقيق نفس‬
‫األهداف والغايات التي يسعى لها‪.‬‬
‫ذلك أن هذا اإلنسان أدرك بشكل جازم أن كثيرا ً مما‬
‫يحتاجه إلشباع حاجاته ورغباته ولتأمين متطلبات حياته موجود‬
‫لدى اآلخرين‪ .‬في الوقت الذي يملك هو فيه من الطاقات‬
‫واإلمكانيات والمواهب ما يحتاجه اآلخرون‪ ،‬فهناك كثير من‬
‫استحقاقات الحياة يعجز اإلنسان عن مواجهتها بمفرده‪ .‬من هنا‬
‫رأينا اإلنسان منذ القدم يعيش في جماعات بشرية كبيرة أو‬
‫صغيرة‪ ،‬أطلق على هذه الجماعات اسم المجتمع‪.‬‬
‫في ذلك المجتمع يجتمع الناس ليتبادلوا المصالح والمنافع‪،‬‬
‫وتقوم بذلك بينهم العالقات الدائمية التي من شأنها أن تحافظ‬
‫على استمرارية تبادل المنافع والمصالح‪ .‬ونتج عن ذلك‬
‫فوجد الفالح‬
‫تخصص الناس في المهن والحرف واألعمال‪ُ ،‬‬
‫والصناعي والحرفي والبناء والتاجر الذي ينقل السلع بين الناس‬
‫والطبيب الذي يعالج أمراضهم والفنان الذي يرضي رغباتهم‬
‫‪101‬‬
‫ونزعاتهم‪ ...‬وهكذا‪ .‬قال تعالى‪ { :‬نحن قسمنا بينهم معيشتهم‬
‫في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ‬
‫بعضهم بعضا ً سُخريا ً ‪.)1(}...‬‬
‫وقد أدركت المجتمعات البشرية بشكل جازم أيضاً‪ ،‬أن‬
‫المجتمع حتى تدوم عالقاته وال يتفكك وينهار‪ ،‬ال بد له من نظام‬
‫هو بمثابة القواعد السلوكية التي يتقيد بها أعضاؤه والتي تنظم‬
‫العالقات بين الناس فيه وتعالج المشاكل الناتجة عن تلك‬
‫العالقات‪ ،‬وأنه ال بد من قيام سلطة في ذلك المجتمع تقوم على‬
‫حفظ ذلك النظام وتطبيقه ورعاية شؤون المجتمع به وتمنع‬
‫مخالفته وتأخذ على يد مخالفيه‪ .‬ألن الناس إن تركوا ليحقق كل‬
‫فرد منهم مصلحته كيفما أراد ولينال غاياته من اآلخرين على‬
‫مزاجه وهواه فإن المجتمع سيتحول إلى شريعة الغاب التي يأكل‬
‫القوي فيها الضعيف‪ ،‬أو لتحول الناس إلى أسماك يأكل الكبير‬
‫منها الصغير‪ ،‬وبالتالي سينهار المجتمع ويتحول عن كونه‬
‫مجتمعاً‪ .‬من هنا رأينا الناس منذ فجر التاريخ يتعارفون داخل‬
‫مجتمعاتهم على نظام معين ويحرصون على تطبيقه‪ ،‬ورأيناهم‬
‫دائما ً يذعنون لسلطة ترعى شؤونهم بهذا النظام وتفرض‬
‫االلتزام به على كل األفراد وتأخذ على يد المخالفين له‪ .‬هذه‬
‫السلطة عرفت بالسلطة السياسية وعرفت أيضا ً بالدولة‪.‬‬
‫إال أن الناس وجدوا أنفسهم أمام مشكلة مهمة حيال ذلك‬
‫األمر‪ ،‬أال وهي ‪ :‬من أين لهم هذا النظام ؟ فالقضية ليست أن‬
‫يلتزم الناس بمطلق نظام‪ .‬فاألنظمة كثيرة متعددة‪ .‬ولكل نظام‬
‫‪ -1‬سورة الزخرف ‪ -‬اآلية ‪32‬‬
‫‪102‬‬
‫أثره في المجتمع‪ ،‬فهناك نظام ينهض بالمجتمع‪ ،‬وهناك نظام‬
‫ينحط به المجتمع‪ .‬هناك نظام يؤدي إلى سعادة اإلنسان‪ ،‬وهناك‬
‫غيره يؤدي به إلى الشقاء والتعاسة‪ .‬مما يضع اإلنسان أمام‬
‫مسؤولية كبيرة‪ ،‬أال وهي مسؤولية اختيار النظام الصحيح‬
‫والصالح الذي يؤدي بتنظيمه لعالقات الناس ومعالجته للمشاكل‬
‫الناتجة عن تلك العالقات إلى النهضة الصحيحة لتلك الجماعة‬
‫البشرية‪ ،‬وبالتالي إلى السعادة والهناء والرفاهة‪.‬‬
‫ولم يكن كثير من المجتمعات على قدر هذه المسؤولية منذ‬
‫قديم التاريخ وإلى يومنا هذا‪ ،‬حيث ال زال كثير من الشعوب‬
‫يعاني من آثار اختياره الخاطىء للنظام‪ .‬وبما أن مسؤولية هداية‬
‫البشرية تقع على عاتقنا نحن المسلمين‪ ،‬فال بد لنا من إيضاح‬
‫ي للحصول على النظام الصحيح‪ .‬فنقول لها‪:‬‬
‫الطريق السو ّ‬
‫إن النظام‪ ،‬إما أن يكون من عند هللا سبحانه خالق اإلنسان‬
‫والحياة والكون‪ ،‬وإما أن يكون من عند اإلنسان نفسه‪ .‬أي إما أن‬
‫يكون مصدره الوحي وإما ان يكون العقل‪ .‬فأي المصدرين هو‬
‫المصدر الصحيح ؟‬
‫لقد طرح القرآن الكريم هذه المساءلة على البشر ليحثهم‬
‫على التفكير وإعمال الذهن‪ ،‬فقال سبحانه ‪ { :‬قل أءنتم أعلم أم‬
‫هللا؟ }(‪.)1‬‬
‫واإلجابة البدهية على هذا السؤال‪ ،‬هي أن الواقع‬
‫المحسوس يرينا أن عقل اإلنسان عاجز عن إبداع التشريع‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪140‬‬
‫‪103‬‬
‫الصالح ألن يكون نظاما ً لحياة اإلنسان‪ .‬ذلك ألن النظام‬
‫المطلوب هو النظام الذي يعالج مشاكل اإلنسان بوصفه إنساناً‪،‬‬
‫أي يعالج إشباع الحاجات العضوية والغرائز البشرية‪ ،‬وهذه‬
‫الكوامن البشرية يعجز العقل البشري عن سبر أغوارها وإدراك‬
‫دقائقها حتى يعلم ما يصلح لها من نظام أو تشريع‪.‬‬
‫أما الخالق سبحانه وتعالى‪ ،‬فهو الذي خلق اإلنسان‬
‫وغرائزه وحاجاته العضوية وكوامن نفسه‪ ،‬فهو الذي يعلم ما‬
‫يصلح لهذه النفس من أنظمة ومعالجات‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬ولقد‬
‫خلقنا اإلنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من‬
‫حبل الوريد }(‪ ،)1‬وقال سبحانه‪ { :‬أال يعلم من خلق وهو اللطيف‬
‫الخبير }(‪.)2‬‬
‫وحين يشرع اإلنسان ويضع المعالجات‪ ،‬فإنه في حقيقة‬
‫األمر ال يعالج مشاكل اإلنسان بوصفه إنساناً‪ ،‬أي ال ينظم إشباع‬
‫الحاجات والغرائز‪ ،‬وإنما هو يعالج مشاكل عرضية ظاهرية‬
‫ألمت باإلنسان في وقت من األوقات وفي مكان من األمكنة‪،‬‬
‫بحيث ال يصلح هذا النظام ألن يطبق في غير هذا المكان وذلك‬
‫الزمان‪ .‬وغالبا ً ما يكون مخفقا ً حتى في معالجة المسألة‬
‫الجزئية‪ ،‬وجالبا ً الضرر بدل العالج‪.‬‬
‫أما النظام اآلتي من عند هللا سبحانه‪ ،‬فإنه تشريع لإلنسان‬
‫بوصفه إنساناً‪ ،‬وبالتالي فهو صالح لكل زمان ومكان‪ ،‬ألن‬
‫اإلنسان في غرائزه وحاجاته العضوية هو هو ال يتغير مهما‬
‫‪ -1‬سورة ق ‪ -‬اآلية ‪16‬‬
‫‪ -2‬سورة الملك ‪ -‬اآلية ‪14‬‬
‫‪104‬‬
‫تبدلت األزمان والعصور ‪ { ...‬فطرة هللا التي فطر الناس عليها‬
‫ال تبديل لخلق هللا ‪.)1(}...‬‬
‫عالوة على ذلك‪ ،‬فإن عقل اإلنسان عرضة للتفاوت‬
‫واالختالف والتناقض‪ .‬ذلك أن ما يراه فالن صالحا ً من‬
‫التشريعات لإلنسان قد يراه غيره فاسدا ً خاطئا ً‪ ،‬وبالتالي فإن كل‬
‫مشرع يضع نظاما ً يختلف عن اآلخر‪ .‬كما أن ما يراه الشخص‬
‫نفسه اليوم صالحا ً قد يراه غدا ً فاسداً‪ ،‬لذلك نرى المشرعين‬
‫دائما ً يعدّلون ويغيّرون تشريعاتهم بحيث أصبحت البشرية‬
‫بالنسبة لهؤالء كالفأر في المختبر يجربون بها نظرياتهم‬
‫وتشريعاتهم‪ ،‬فاصطلت بنيرانهم وتقلبت على أشواكهم‪ .‬وصدق‬
‫هللا العظيم إذ قال ‪ { :‬ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات‬
‫واألرض ومن فيهن ‪.)2(}...‬‬
‫أما التشريع الذي يتلقاه اإلنسان من الوحي‪ ،‬فإنه التشريع‬
‫الثابت الدائم الذي ال يطرأ عليه تعديل وال تبديل وال تغيير‪،‬‬
‫ألنه من الخالق العليم الحكيم الذي ال تأخذه سنة وال نوم‪.‬‬
‫وبعد ذلك التباين البعيد‪ ،‬بين إنسان قاصر عاجز متأثر‬
‫فم َّم ْن‬
‫بأهوائه وبيئته‪ ،‬وبين خالق عليم حكيم لطيف حي قيوم ‪ِ :‬‬
‫يجدر بالبشرية أن تستقي نظامها ؟ أمن اإلنسان أم من هللا‬
‫تعالى ؟ وبعبارة أخرى ‪ :‬من العقل أم من الوحي ؟‬
‫‪ -1‬سورة الروم ‪ -‬اآلية ‪30‬‬
‫‪ -2‬سورة المؤمنون ‪ -‬اآلية ‪71‬‬
‫‪105‬‬
‫أنظر في هذه اآليات التي تحمل المساءلة واإلجابة‬
‫الصحيحة البدهية معا ً ‪:‬‬
‫{ قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل هللا يهدي‬
‫للحق أفمن يَ ْهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن ال يَهدِي إال أن‬
‫}(‪)1‬‬
‫يُهدى فما لكم كيف تحكمون‬
‫{ ومن أحسن من هللا حكما ً لقوم يوقنون }(‪)2‬‬
‫{ أفمن كان على بينة من ربه كمن ُز ِيّن له سوء عمله‬
‫واتبعوا أهواءهم }(‪)3‬‬
‫{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من هللا }(‪)4‬‬
‫ثم اسمع إلى تلك اإلجابات القاطعة واألوامر الجازمة ‪:‬‬
‫إن الحك ُم إال هلل أمر أال تعبدوا إال إياه ذلك الدين القيّم‬
‫{ ِ‬
‫ولكن أكثر الناس ال يعلمون }(‪)5‬‬
‫{ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فال يضل وال‬
‫يشقى }(‪)6‬‬
‫{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وال تتبعوا من دونه‬
‫أولياء }(‪)7‬‬
‫‪ -1‬سورة يونس ‪ -‬اآلية ‪35‬‬
‫‪ -2‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪50‬‬
‫‪ -3‬سورة محمد ‪ -‬اآلية ‪14‬‬
‫‪ -4‬سورة القصص ‪ -‬اآلية ‪50‬‬
‫‪ -5‬سورة يوسف ‪ -‬اآلية ‪40‬‬
‫‪ -6‬سورة طه ‪ -‬اآلية ‪123‬‬
‫‪ -7‬سورة األعراف ‪ -‬اآلية ‪3‬‬
‫‪106‬‬
‫{ وأن هذا صراطي مستقيما ً فاتبعوه وال تتبعوا السبل‬
‫فتفرق بكم عن سبيله }(‪)1‬‬
‫من هنا جاء النهي الجازم في القرآن الكريم لإلنسان عن‬
‫التعدي على حق هللا تعالى في التشريع للبشر‪ ،‬وجاء الذم‬
‫الشديد والوعيد لمن يشرع فيحل ويحرم من عند نفسه ‪:‬‬
‫{ وال تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حالل وهذا حرام‬
‫لتفتروا على هللا الكذب إن الذين يفترون على هللا الكذب ال‬
‫يفلحون }(‪)2‬‬
‫{ قل أرأيتم ما أنزل هللا لكم من رزق فجعلتم منه حراما ً‬
‫وحالالً قل آهلل أذن لكم أم على هللا تفترون }(‪)3‬‬
‫{ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من‬
‫أضل هللاُ وما لهم ناصرين *فأقم وجهك للدين حنيفا ً فِ ْط َرتَ هللا‬
‫التي فطر الناس عليها ال تبديل لخلق هللا ذلك الدين القيم ولكن‬
‫أكثر الناس ال يعلمون}(‪)4‬‬
‫وقد أنزل هللا تعالى على رسوله محمد ‪ r‬شريعة جعلها‬
‫نظاما ً لإلنسان في حياته ومجتمعه ودولته‪ ،‬وبناها على عقيدة‬
‫تعطي فكرة كلية عن الكون واإلنسان والحياة‪ ،‬وتشكل قاعدة‬
‫فكرية لكل أفكار اإلنسان وقيادة فكرية لسلوكه في الحياة‪ .‬قال‬
‫تعالى ‪ { :‬يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم‬
‫نورا ً مبيناً‪ ،‬فأما الذين آمنوا باهلل واعتصموا به فسيدخلهم في‬
‫‪ -1‬سورة األنعام ‪ -‬اآلية ‪153‬‬
‫‪ -2‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪116‬‬
‫‪ -3‬سورة يونس ‪ -‬اآلية ‪59‬‬
‫‪ -4‬سورة الروم ‪ -‬اآلية ‪30‬‬
‫‪107‬‬
‫رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا ً مستقيما ً }(‪ ،)1‬وقال‬
‫سبحانه ‪ { :‬قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين * يهدي به هللا‬
‫من اتبع رضوانه سبل السالم ويخرجهم من الظلمات إلى النور‬
‫بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }(‪.)2‬‬
‫وجعل سبحانه شريعته نظاما ً شامالً لجميع نواحي الحياة‪،‬‬
‫حيث نظمت كل السلوك اإلنساني‪ ،‬سواء كان هذا السلوك عالقة‬
‫بين اإلنسان وخالقه‪ ،‬أو بين اإلنسان ونفسه‪ ،‬أو بين اإلنسان‬
‫واإلنسان‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل شيء‬
‫}(‪.)3‬‬
‫فقد نظم اإلسالم عالقة اإلنسان بخالقه حين بين له العقائد‬
‫وشرع له العبادات‪ .‬ونظم عالقته بنفسه حين شرع له األخالق‬
‫وأحكام المطعومات والملبوسات‪ .‬ونظم عالقته بغيره من سائر‬
‫البشر حين شرع أحكام المعامالت والعقوبات التي شملت كل‬
‫الميادين البشرية في الحياة والمجتمع والدولة‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم‬
‫اإلسالم دينا ً }(‪.)4‬‬
‫فاإلسالم ليس مجرد دين روحي ينظم عالقة اإلنسان‬
‫بخالقه وبنفسه بمجموعة من العبادات واألخالق كما يظن بعض‬
‫الناس وكما يريده البعض اآلخر‪ ،‬بل هو دين شامل ونظام‬
‫‪ -1‬سورة النساء ‪ -‬اآلية ‪174‬‬
‫‪ -2‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪16‬‬
‫‪ -3‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪89‬‬
‫‪ -4‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪3‬‬
‫‪108‬‬
‫كامل‪ .‬والعقيدة اإلسالمية عالوة على كونها عقيدة روحية‪ ،‬هي‬
‫عقيدة سياسية‪ .‬فقد انبثق عنها نظام لإلنسان في حياته ومجتمعه‬
‫ودولته‪ .‬وأوجب اإلسالم على المسلمين أن تكون لهم دولة‬
‫تحكمهم بما أنزل هللا تعالى‪ .‬قال سبحانه ‪ { :‬إنا أنزلنا إليك‬
‫الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك هللا }(‪ .)1‬وقال { ومن‬
‫لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الكافرون }(‪ .)2‬ونظم هذه الدولة‬
‫حين شرع أنظمة للحكم واالقتصاد واالجتماع‪ ،‬وحين رسم‬
‫سياسة للتعليم‪ ،‬وحين أعطى نظاما ً للعقوبات وأحكاما ً للبينات‬
‫وحين رسم السياسة الخارجية للدولة‪.‬‬
‫وقد حرم هللا تعالى على المسلمين ‪ -‬بعد أن جاءتهم هذه‬
‫عدَّ‬
‫الهداية ‪ -‬أن يأخذوا أنظمة البشر والقوانين الوضعية‪ ،‬حيث َ‬
‫كل شرع سوى شريعته طاغوتاً‪.‬‬
‫فقال سبحانه ‪ {:‬ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما‬
‫أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى‬
‫الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم‬
‫ضالالً بعيدا ً }(‪.)3‬‬
‫الســعــادة ‪:‬‬
‫‪ -1‬سورة النساء ‪ -‬اآلية ‪105‬‬
‫‪ -2‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪44‬‬
‫‪ -3‬سورة النساء ‪ -‬اآلية ‪60‬‬
‫‪109‬‬
‫نـيـل رضـوان هللا تـعـالـى‬
‫إن السعادة هي األمل والغاية التي يسعى إليها كل إنسان‬
‫عاش على هذه المعمورة‪ ،‬بغض النظر عن انتمائه أو لونه أو‬
‫عرقه أو حتى شخصيته‪.‬‬
‫فكل إنسان يتمنى أن يحصل على السكينة النفسية‬
‫والطمأنينة الدائمة‪ .‬ولكن الفرق بين إنسان وآخر‪ ،‬أو بين‬
‫شخصية وأخرى‪ ،‬أو حتى بين مجتمع وآخر‪ ،‬أن كالً من هؤالء‬
‫يفهم السعادة على نحو‪ ،‬وبالتالي يسعى لتحقيقها بطريقته‬
‫الخاصة‪ .‬وهذا يعني بالطبع أن ليس كل هؤالء حققوا السعادة‪،‬‬
‫ذلك أن للسعادة مفهوما ً واحدا ً صحيحاً‪ ،‬ولتحقيقها طريقة واحدة‬
‫ال ثاني لها‪ ،‬وكثير من الناس فهموا السعادة بغير ذلك الفهم‬
‫وسعوا لها بغير تلك الطريقة فضلّوا سبيلها‪.‬‬
‫إن الذين قضوا حياتهم في عبادة األوثان والكواكب‬
‫واألبطال‪ ،‬والذين قضوا ساعات نهارهم وليلهم في الزوايا‬
‫يتعبدون ويتبتلون‪ ،‬وأوالء الذين قضوا حياتهم في تحقيق‬
‫الثروات الضخمة أو هؤالء الذين قضوها سعيا ً وراء اللذة‬
‫والشهوة واإلدمان على الخمور والمخدرات‪ ،‬وأولئك الذين‬
‫يصبحون ويمسون على ممارسة الجريمة بشتى أنواعها‪ ...‬كل‬
‫أولئك يفعلون ما يفعلون أمالً بالوصول إلى السعادة‪ ،‬وألنهم‬
‫فهموا أن ذلك النمط من الحياة هو السعادة أو الموصل إلى‬
‫السعادة‪.‬‬
‫‪110‬‬
‫حتى أولئك الذين يأخذون القرار باالنتحار‪ ،‬فإنهم يفعلون‬
‫ذلك أمالً بالحصول على السعادة‪ ،‬باختراق ذلك الجدار الذي‬
‫يحد حياتهم‪ ،‬أو على األقل هم يحاولون الهروب من التعاسة‬
‫التي تمثلت في الدنيا‪ ،‬لعلهم يجدون السعادة فيما وراءها‪.‬‬
‫إن معظم المذاهب المادية التي تسود العالم اليوم ‪ -‬وعلى‬
‫رأسها الحضارة الغربية‪ -‬تنظر إلى اإلنسان بوصفه كائنا ً حيا ً‬
‫يتمتع بطاقة حيوية ناتجة عن غرائزه وحاجاته العضوية‪ ،‬وأن‬
‫مشكلته تكمن في تمكنه من اإلشباع المادي لتلك الجوعات‪ ،‬وأنه‬
‫بقدر ما يشبعها يسعد‪ .‬فالسعادة تعظم بكثرة اإلشباع وتنقص بقلة‬
‫اإلشباع‪.‬‬
‫من هنا كانت الحرية الشخصية من األشياء المقدسة لدى‬
‫الحضارة الغربية‪ ،‬ألن السعادة لديهم هي "نيل أكبر قدر من‬
‫المتع الجسدية"‪ ،‬وال يتأتى تمكين اإلنسان من تحقيق السعادة إال‬
‫بتركه يفعل ما يريد ويشتهي دون حدود أو ضوابط ينضبط بها‪.‬‬
‫لذلك كان من الطبيعي أن نرى المجتمع على هذه الحال‬
‫من الفوضوية في السلوك الشخصي‪ ،‬حيث لم يعد اإلنسان هناك‬
‫يفكر في تنظيم إشباعاته‪ ،‬وإنما أطلق لغرائزه العنان وبدأ يبحث‬
‫عن وسائل جديدة لإلشباع‪ ،‬وتمادى في االنسياق وراء الغريزة‪،‬‬
‫ولم يعد عقله إال أداة لإلبداع في فنون اإلشباع واللذة‪ .‬فانتشر‬
‫الشذوذ الجنسي وزنا المحارم‪ ،‬ووصل األمر برجالهم ونسائهم‬
‫إلى مواقعة البهائم‪ ،‬وكثرت أنواع المخدرات والخمور وما‬
‫شاكلها‪.‬‬
‫‪111‬‬
‫وبما أن المال هو من أهم الوسائل لتحقيق المتعة‪ ،‬أصبح‬
‫تحقيق الثروات الضخمة من أبرز المثل العليا في المجتمع‬
‫الغربي‪ .‬وبما أن فكرة الحريات سيطرت على عقول الغربيين‪،‬‬
‫فلقد أصبح يحق لإلنسان أن يكسب ماله بالطريقة التي يريد‪،‬‬
‫سواء عن طريق التجارة أو الربا‪ ،‬عن طريق اإلجارة أو العهر‪،‬‬
‫عن طريق الصناعة أو القمار‪ .‬وإذا كان النظام الرأسمالي قد‬
‫حد حرية اإلنسان فقال ‪ :‬إن الحرية تنتهي حيث يبدأ االعتداء‬
‫على اآلخرين‪ ،‬فإنه لم يستطع أن يوقف أكثر الناس عند ذلك‬
‫الحد‪ ،‬ذلك أن فكرة الحريات كانت أقوى سلطانا ً على العقلية‬
‫الغربية من بنود القانون‪ ،‬فال يمتنع اإلنسان الغربي عن االعتداء‬
‫إال حين يطاله القانون‪.‬‬
‫لذلك كثرت العصابات المنظمة كالمافيا وراجت تجارة‬
‫المخدرات وأنواع الحشيش‪ ،‬واستشرت ظاهرة االعتداء على‬
‫األعراض واألموال واألرواح‪ ،‬رغم مالحقة القانون والشرطي‪.‬‬
‫وبما أن الشهرة والنفوذ هما أيضا ً من الوسائل المهمة‬
‫لتحقيق المتعة لإلنسان أصبحا من أسمى الغايات لدى اإلنسان‬
‫الغربي‪ .‬من هنا فإن أسعد إنسان في نظر الحضارة الغربية‬
‫وأتباعها هو ذلك الذي حاز أعظم قدر من المال والسلطة‬
‫والشهرة‪.‬‬
‫كل ذلك أدى إلى أن يصبح المجتمع الغربي كالغابة التي‬
‫يأكل القوي فيها الضعيف‪ .‬حيث يتسابق الناس على الرغيف‬
‫ليكون آكله هو الرابح الذي يستحق االحترام والتقدير‪،‬‬
‫‪112‬‬
‫ويتزاحمون على المناصب ليعتليها القوي‪ ،‬وعلى السلطة‬
‫ليتسلمها األقوى‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬بدأ المجتمع الغربي اليوم يدرك أن الباب الذي‬
‫طرقه ابتغاء السعادة‪ ،‬أوصله إلى التعاسة والشقاء والض ْنك‪.‬‬
‫كل هذه المظاهر كانت نتيجة أن هؤالء قد غفلوا عن‬
‫أمور جوهرية ثالثة فيما يتعلق بإشباع الجوعات اإلنسانية ؟‬
‫أولها‪ ،‬أنه إذا كانت الحاجات العضوية كاألكل والشرب‬
‫والنوم‪ ،‬وبعض الغرائز كغريزة النوع والبقاء تشبع إشباعا ً‬
‫مادياً‪ ،‬فإن غريزة كغريزة التدين ليس من شأنها أن تشبع إال‬
‫إشباعا ً روحياً‪ ،‬بوصفها شعورا ً بالحاجة إلى الخالق المدبر‬
‫وتوجها ً نحو إقامة الصلة معه‪ .‬فلما أغفل الغربيون أمر القيمة‬
‫الروحية أحدثوا فجوة كبيرة في الوجدان البشري جعلته كاللطيم‬
‫في هذه الحياة‪.‬‬
‫أما الثاني‪ ،‬فإن المشكلة المهمة فيما يتعلق بالحاجات‬
‫العضوية والغرائز‪ ،‬إنما هي كيفية اإلشباع وليس اإلشباع بحد‬
‫ذاته‪ .‬فاألمر الطبيعي بالنسبة لإلنسان أن تتيسر له وسائل‬
‫اإلشباع‪ ،‬فهو يجد الطعام الذي يأكله واللباس الذي يلبسه والمال‬
‫الذي يريد والجنس الذي يشتهي‪ ،‬ويستطيع أن يستخدم األشياء‬
‫التي حوله لإلشباع في أي وقت يشاء‪ .‬فالحاالت التي تكون فيها‬
‫وسائل اإلشباع نادرة ومفقودة هي حاالت استثنائية غير طبيعية‬
‫تعالج في أوانها‪.‬‬
‫أما كيفية اإلشباع‪ ،‬أو تنظيم اإلشباع‪ ،‬فهو الذي من شأنه‬
‫أن يؤدي إما إلى سعادة اإلنسان وإما إلى شقائه‪.‬‬
‫‪113‬‬
‫فالقضية ليست ‪ :‬هل يأكل الناس أم ال يأكلون أم كم‬
‫يأكلون‪ ،‬وال هل يلبسون أم ال‪ ،‬وال كم يتملكون‪ ،‬وال هل يعاشر‬
‫رجالهم نساءهم أم ال يتعاشرون‪ ،‬بمعنى آخر‪ ،‬ليست ‪ :‬هل‬
‫يعيشون أم ال يعيشون‪ .‬بل القضية هي‪ :‬ماذا وكيف يأكل الناس‬
‫وكيف يلبسون‪ ،‬وكيف يتملكون وكيف يتعاشر رجالهم‬
‫ونساؤهم‪ .‬بمعنى آخر القضية هي ‪ :‬كيف يعيشون ؟‬
‫أما األمر الثالث‪ ،‬الذي غفلوا عنه‪ ،‬فهو أن اإلنسان قد‬
‫يشبع غريزته ويتمادى في إشباعها بحيث تطغى على األخرى‬
‫وتحول دون إشباعها‪ ،‬فال يعود هناك تناسق بين الغرائز عند‬
‫إشباعها‪ ،‬فيؤدي ذلك باإلنسان إلى االضطراب والحيرة والقلق‪،‬‬
‫أي إلى الشقاء كما هو شأن اإلنسان الغربي اليوم‪.‬‬
‫إن الطريقة الصحيحة لتحقيق السعادة لإلنسان تكمن في‬
‫إشباع حاجاته وغرائزه إشباعا ً منظما ً منسقا ً يوازي بين الغرائز‬
‫بحيث ال يغفل غريزة‪ ،‬وال يدع واحدة تطغى على األخرى‪.‬‬
‫وإن أهم ما يجب التنبه إليه هو أن أبرز غريزة في‬
‫اإلنسان وأظهرها أثرا ً على سلوكه هي غريزة التدين‪ .‬ذلك أن‬
‫اإلنسان حين يعي على هذه الحياة الدنيا‪ ،‬ويرى نفسه مدفوعا ً‬
‫إلشباع جوعاته يدرك فطريا ً أن النعمة تحيط به من كل‬
‫جانب‪ ،‬ذلك أن وسائل إشباع جوعاته مسخرة له ومتيسرة من‬
‫قبل أن يكون على قيد الحياة‪ ،‬فالهواء والماء والطعام‬
‫والحرارة المعتدلة وسواها من وسائل العيش التي ال حياة له‬
‫س ّخرت دون أي فعل منه أو جهد‪ ،‬فيجد‬
‫من غيرها‪ ،‬أُمنت له و ُ‬
‫نفسه مدفوعا ً للبحث عن صاحب تلك القدرة التي أنعمت عليه‬
‫بالحياة وأسبغت نعمها ظاهرة وباطنة‪ ،‬من أجل أن يعرب عن‬
‫‪114‬‬
‫شكره وامتنانه عابدا ً إياه ومبجالً‪ ،‬مقدسا ً له ومتذلالً‪ .‬لذلك‬
‫رأينا اإلنسان منذ قديم الدهر عابدا ً متدينا ً حتى إذا ضل عن‬
‫معرفة خالقه سبحانه اتخذ رموزا ً وأوثانا ً آلهة مزعومة‬
‫يعبدها‪.‬‬
‫ثم إن ذلك اإلنسان حين يقف أمام استحقاق العيش يشعر‬
‫بالحيرة والقلق ‪ :‬كيف أشبع جوعاتي‪ ،‬كيف أعيش‪ ،‬كيف‬
‫أستخدم األشياء من حولي وكيف أواجه الحياة ؟ فيشعر أنه‬
‫ناقص عاجز عن تدبير أمره وحياته‪ ،‬وأنه بحاجة إلى تدبير‬
‫خالقه سبحانه‪ ،‬فيلجأ إليه طالبا ً منه تدبير أمره وحياته كلها‪.‬‬
‫وباختصار‪ ،‬إن غريزة التدين ‪ -‬التي هي جوهر الفطرة‬
‫اإلنسانية‪ -‬هي ذلك االحتياج إلى الخالق المدبر‪ ،‬الناشىء عن‬
‫العجز الطبيعي في تكوين اإلنسان‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬إن أغفلت هذه الناحية الجوهرية في اإلنسان‪،‬‬
‫ووضع على طريق اإلشباع المادي البعيد عن إدراك الصلة‬
‫باهلل تعالى ‪ -‬أي بعيدا ً عن الروحانية ‪ -‬فإنه سيبقى قلقا ً مضطربا ً‬
‫حائرا ً تعيسا ً نكدا ً ينشد السعادة فال يجدها‪ ،‬كمن يركض وراء‬
‫السراب‪.‬‬
‫لنتأمل اآلن قوله تعالى عن هؤالء ‪ { :‬والذين كفروا‬
‫أعمالهم كسراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم‬
‫يجده شيئا ً ووجد هللا عنده فوفّاه حسابه وهللا سريع الحساب *‬
‫لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه‬
‫أو كظلمات في بحر‬
‫ّ‬
‫‪115‬‬
‫سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها‬
‫ومن لم يجعل هللا له نورا ً فما له من نور }(‪.)1‬‬
‫من هنا كان تصوير اإلسالم للسعادة هو التصوير‬
‫الصحيح‪ ،‬وكان طريقه هو المؤدي إلى سعادة اإلنسان‪ .‬ذلك أنه‬
‫وافق فطرة اإلنسان فأشبع غريزة التدين إشباعا ً صحيحا ً حين‬
‫عرف اإلنسان بخالقه سبحانه وأقام له الصلة الصحيحة معه بما‬
‫ّ‬
‫بيّن من عقائد وشرع من عبادات‪ .‬ثم حين دبر له أمره وحياته‬
‫بما شرع من أنظمة للحياة تنظم إشباع جوعاته كلها‪ ،‬فلم يطلق‬
‫الغرائز وإنما نظمها ونسقها ووضعها في المسار الصحيح‪.‬‬
‫وبذلك أصبح اإلنسان المسلم مسيرا ً حياته بأوامر هللا ونواهيه‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فإن اإلنسان بقدر ما يلتزم بأوامر هللا ونواهيه‪،‬‬
‫وبقدر ما ينضبط سلوكه بالنظام اإللهي‪ ،‬يحقق لنفسه السعادة‪.‬‬
‫وهكذا ندرك المفهوم الصحيح للسعادة بأنها نيل رضوان هللا‬
‫تعالى‪ ،‬وأن التعاسة هي في البعد عن رضوانه سبحانه‪.‬‬
‫وهذا ما يخبرنا به ربنا سبحانه وتعالى حين يقول ‪:‬‬
‫{ قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين * يهدي به هللا من‬
‫اتبع رضوانه سبل السالم }(‪.)2‬‬
‫{ من عمل صالحا ً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه‬
‫حياة طيبة }(‪.)3‬‬
‫هدى فمن تبع هداي فال خوفٌ عليهم‬
‫{ فإمّا يأتينّكم مني‬
‫ً‬
‫وال هم يحزنون }(‪.)1‬‬
‫‪ -1‬سورة النور ‪ -‬اآليتان ‪40-39‬‬
‫‪ -2‬سورة المائدة ‪ -‬اآليتان ‪16-15‬‬
‫‪ -3‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪97‬‬
‫‪116‬‬
‫{ إن الذين قالوا ربنا هللا ثم استقاموا فال خوف عليهم‬
‫وال هم يحزنون }(‪.)2‬‬
‫ثم يعرض هللا تعالى لنا مقابلة بين الفريق السعيد وذلك‬
‫الشقي‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫يض ُّل وال يشقى ومن أعرض عن‬
‫{ فمن اتّبع هداي فال ِ‬
‫ذكري فإن له معيشةً ضنكا ً }(‪.)3‬‬
‫وبذلك المفهوم‪ ،‬فإن السعادة قد تكون مع التنعم وزينة‬
‫الحياة الدنيا وزخرفها إذا ما أقبل اإلنسان عليها ملتزما ً أوامر‬
‫هللا ونواهيه منضبطا ً بحدود شرعه‪ .‬أما إن هو أقبل على الدنيا‬
‫معرضا ً عن أمره سبحانه مقتحما ً حرماته‪ ،‬فإنه لن يشعر‬
‫بالسعادة مهما ادعاها‪ ،‬ذلك أن نفسه لن تستقر وقلبه لن يطمئن‪،‬‬
‫إذ ال طمأنينة دون استشعار رضوان هللا تعالى‪.‬‬
‫وبذلك أيضاً‪ ،‬قد تترافق السعادة مع الضيق واالبتالء‬
‫والشدة‪ ،‬فالمسلم حين يقاتل في ساحة المعركة معرضا ً دمه‬
‫لإلهراق ونفسه لإلزهاق فإنه يشعر بعظيم النشوة والفرح‪ ،‬ذلك‬
‫أنه يستشعر رضوان هللا تعالى بقيامه بأعظم شعيرة من‬
‫شعائره‪ ،‬وبالجهاد من أجل أن تكون كلمة هللا هي العليا‪ .‬وكذلك‬
‫شأنه حين يتعرض لالضطهاد والتنكيل من أجل كلمة الحق‬
‫والموقف المبدئي‪ .‬فها هو بالل رضي هللا عنه يشعر بالنشوة‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪38‬‬
‫‪ -2‬سورة األحقاف ‪ -‬اآلية ‪13‬‬
‫‪ -3‬سورة طه ‪ -‬اآلية ‪124‬‬
‫‪117‬‬
‫والعزة وهو تحت الصخرة فوق رمال الصحراء المحرقة‬
‫مصرا ً على ترديد "أحد أحد"‪.‬‬
‫ثم ها هو سيدنا يوسف عليه الصالة والسالم يضرب لنا‬
‫المثل الرائع حين يفضل السجن المترافق مع رضوان هللا تعالى‬
‫على المتعة المترافقة مع سخطه سبحانه‪ ،‬فحين تهدده زوجة‬
‫العزيز قائلة ‪ { :‬ولقد راو ْدتُهُ عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل‬
‫َّ‬
‫ليسجنن وليكونا ً مّن الصاغرين }(‪ ،)1‬يجيب ذلك‬
‫ما آمره به‬
‫ُ‬
‫إلي مما يدعونني‬
‫السجن أحبُّ‬
‫ّ‬
‫الجواب الرائع ‪ { :‬قال َربّ ِ‬
‫إليه ‪.)2(}...‬‬
‫ويؤكد هللا تعالى أن ال سعادة بغير رضوانه حين يقترن‬
‫وعده بالجنة ونعيمها في العديد من اآليات‪ ،‬برضوانه سبحانه‪،‬‬
‫وكأن نعيم الجنة ال يكتمل إال بذلك الرضوان فيقول عز من قائل‬
‫‪:‬‬
‫{ وعد هللا المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها‬
‫األنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان‬
‫من هللا أكبر ذلك هو الفوز العظيم }(‪.)3‬‬
‫{ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها األنهار‬
‫خالدين فيها أبدا ً رضي هللا عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي‬
‫ربه }(‪.)4‬‬
‫‪ -1‬سورة يوسف ‪ -‬اآلية ‪32‬‬
‫‪ -2‬سورة يوسف ‪ -‬اآلية ‪33‬‬
‫‪ -3‬سورة التوبة ‪ -‬اآلية ‪72‬‬
‫‪ -4‬سورة البينة ‪ -‬اآلية ‪8‬‬
‫‪118‬‬
‫الــروح والناحية الــروحـيـة‬
‫منذ قرون بعيدة‪ ،‬وقبل ظهور اإلسالم‪ ،‬وحتى قبل‬
‫المسيحية‪ ،‬سادت لدى بعض الشعوب فكرة عن الوجود‪،‬‬
‫مؤداها أن هذا الوجود إنما هو مكون من عنصرين اثنين ‪:‬‬
‫المادة والروح‪ .‬فما يراه اإلنسان حوله من األشياء المحسوسة‬
‫إنما هو الجانب المادي من الوجود‪ .‬وأما الجانب اآلخر المغيب‬
‫عن اإلنسان عادة فهو الروح أو العالم الروحاني‪ .‬ويرون أن‬
‫ع َرضا ً‬
‫الجوهر في الوجود هو "روحه"‪ ،‬وأن مادته ليست إال َ‬
‫له‪ .‬ضمن هذه الفلسفة تعددت األفهام في تحديد العوالم‬
‫الروحانية‪ ،‬بين من يطلق عبارة الروح على خالق الوجود‬
‫سبحانه‪ ،‬ومن يدرج ضمنها المالئكة أو الجن أو غير ذلك من‬
‫"األرواح"‪.‬‬
‫المهم في تلك الفلسفة نظرتها إلى اإلنسان‪ .‬فهي النظرة‬
‫ذاتها‪ ،‬أي تصوير اإلنسان مكونا ً من عنصرين اثنين ‪ :‬المادة ‪-‬‬
‫وهي الجسد‪ -‬والروح‪ .‬ولقد ساد لدى هؤالء اعتقاد مفاده أن‬
‫هذين العنصرين هما في صراع دائم ناتج عن تناقضهما‬
‫وتنافرهما‪ .‬وهذا الصراع بين الجسد والروح سيسفر لدى كل‬
‫إنسان عن أحد أمرين؛ إما أن تتغلب الروح على الجسد‪ ،‬وإما‬
‫أن يتغلب الجسد على الروح‪ .‬فإن انتصرت الروح على الجسد‬
‫فقد ُوجد اإلنسان الخيّر الطيب والنقي التقي الذي يسمو فوق‬
‫‪119‬‬
‫عالم الجسد والمادة ونتن الحياة الدنيا‪ .‬أما إن انتصر الجسد‬
‫على الروح‪ ،‬فهذا يعني أننا إزاء إنسان شرير انحط إلى‬
‫مستوى البهيمة وغرق في أوحال الدنيا ونتنها‪ ،‬وبعد عن عالم‬
‫األرواح السامية‪.‬‬
‫أما كيف تنتصر الروح على الجسد‪ ،‬وكيف ينتصر الجسد‬
‫على الروح ؟ فإن اإلنسان ‪ -‬في نظر هؤالء ‪ -‬هو عبارة عن‬
‫روح يأسرها الجسد ويمنعها من االرتقاء والتحرر والسمو إلى‬
‫عالم األرواح العليا‪ .‬فحتى تنتصر الروح على الجسد ال بد من‬
‫إضعافه وقهره وإذالله حتى ال يقوى على الروح‪ ،‬وحتى‬
‫تستطيع التفلت منه والتحرر من قيوده‪ .‬لذلك‪ ،‬فإن على من يريد‬
‫االرتقاء بروحه أن يقضي حياته في معركة ضد جسده‪ ،‬بأن ال‬
‫يستجيب لرغباته وشهواته‪ ،‬فيبتعد عن متاع الحياة الدنيا‬
‫وزخرفها ونعيمها‪ ،‬فال يأكل إال ما يقيم صلبه من مر الطعام‬
‫وزهيده‪ ،‬وال يلبس نواعم الثياب‪ ،‬وإنما يضع على كاهليه رقاع‬
‫"الصوف" الخشن والثياب الرثة‪ ،‬وال يركب الدوابّ الذلول‬
‫وإنما يسيح في األرض حافي القدمين حاسر الرأس في نوائب‬
‫األيام وعواتي الليالي‪ ،‬وال يسكن البيوت الفارهة وإنما الدور‬
‫الوضيعة واألكواخ الزرية‪ ،‬وال ينام على الفرش وال يتكئ على‬
‫األرائك وإنما يفترش األرض والبسط اليابسة‪ ،‬ويهجر الرجل‬
‫المرأة والمرأة تهجره‪ ،‬ويكبتان شهوة النوع‪ ،‬ويعيش حياة‬
‫الرهبان‪ ،‬ويقضي أوقاته في قهر الجسد وإذالله في الزوايا‬
‫والتكايا ودور العبادة‪ ...‬وهكذا إلى أن يصل ضعف الجسد حدا ً‬
‫ال يقوى معه على أسر الروح‪ ،‬فتنفلت منه وتسمو إلى عالم‬
‫األرواح العلوي وتتكشف الحقائق والقضايا أمام ذلك اإلنسان‬
‫‪120‬‬
‫جلية واضحة‪ ،‬ليس عن طريق الحواس الجسدية من بصر‬
‫وسمع وغير ذلك‪ ،‬وإنما عن طريق الكشف "الوجداني"‪ .‬وهكذا‬
‫تتدرج تلك الروح في االرتقاء إلى أن تصل‪ -‬في زعم هؤالء ‪-‬‬
‫إلى االتحاد بالروح العليا أي بالذات اإللهية تعالى هللا عن ذلك‪.‬‬
‫أما اإلنسان الذي يستجيب ألهواء جسده‪ ،‬ويشبع رغباته‬
‫وشهواته‪ ،‬وينال متع الحياة الدنيا ويأكل من طيبات ثمرها ويأخذ‬
‫من زينتها‪ ،‬فقد حكم على روحه بالموت والفناء مع ذلك الجسد‪،‬‬
‫وغرق في أوحال الدنيا ومادتها وأصبح في عداد األشرار‬
‫الفاسقين‪.‬‬
‫هذه الفلسفة التي سادت وصاغت نمط العيش في المجتمع‬
‫الهندي والمجتمع الصيني منذ قديم العصور وال زالت إلى اليوم‬
‫تلقي بظاللها على تلك المجتمعات‪ ،‬والتي تسللت إلى أذهان‬
‫بعض الفالسفة اليونان وكتبهم وآرائهم‪ ،‬كان لها تأثير عظيم في‬
‫انحراف العقيدة النصرانية وتعاليمها‪ ،‬وبالتالي كان لها أثر‬
‫عظيم في مجتمعات أوربّا في العصور الوسطى‪ .‬ذلك أن الديانة‬
‫النصرانية حين انتشرت في بالد الشام وبعدها في أنحاء‬
‫اإلمبراطورية الرومانية‪ ،‬أي في البالد األوربّية‪ ،‬تأثر أتباعها‬
‫من قساوسة وأحبار بالفلسفات التي تشعبت أفكارها وأوهامها‬
‫وغزت أذهان الناس وشوشتها‪ ،‬فانقلبت تلك الديانة السماوية بعد‬
‫تدخل القياصرة والحكام والفالسفة‪ ،‬ديانة أخرى جديدة‪ .‬فكان‬
‫مما دخل فيها‪ ،‬تلك الفلسفة عن الروح والجسد‪ ،‬وقد صادفت‬
‫لدى النصارى تناغما ً مع العقيدة التي تقول إن الحياة كلها منذ‬
‫نزول آدم وحواء إلى األرض وحتى يوم القيامة إنما هي مرحلة‬
‫عقاب على الخطيئة األولى التي ارتكبها آدم عليه السالم‬
‫‪121‬‬
‫وزوجه حواء‪ ،‬لذلك فإنه ال يحق لإلنسان أن يبحث عن‬
‫االستقرار والهناء والرفاهة في الدنيا‪ ،‬وإنما عليه أن يقنع بالذلة‬
‫والشقاء والعذاب في الدنيا إلى أن يلقى السعادة والنعيم في‬
‫الحياة اآلخرة‪" ،‬فكانوا لذلك يرون في كل لذة من ملذات‬
‫الحواس غواية من غوايات الشيطان‪ ،‬ولهذا أخذوا ينددون بعالم‬
‫الجسم ويعملون لكبت الشهوات بالصوم وبكثير من أنواع‬
‫التعذيب البدني"(‪.)1‬‬
‫وهكذا ومع انتشار النصرانية في البالد األوربيّة أخذت‬
‫تلك الفلسفة تنعكس على الحياة والمجتمع والسياسة‪ ،‬فكان أن‬
‫نشأ إلى جانب السلطة السياسية التي يعلوها الملك ويليه األمراء‬
‫واإلقطاعيون‪ ،‬سلطة جديدة هي سلطة الكنيسة التي يترأسها‬
‫الحبر األعظم (البابا) في روما حيث "الكرسي الرسولي"‪.‬‬
‫وهكذا تنازعت المجتمع سلطتان‪ :‬السطلة الزمنية و السلطة‬
‫الروحية‪ ،‬وجاءت عبارة الزمنية هنا كمرادف لعبارة المادية‪،‬‬
‫وبما أن المادة والروح هما في صراع دائم حتى تتغلب إحداهما‬
‫على األخرى‪ ،‬فقد كان من الطبيعي أن ينشب الصراع في‬
‫أوربّا فيما بين السلطتين الزمنية والروحية‪.‬‬
‫في العصور الوسطى‪ ،‬عصور التدين‪ ،‬كان من الطبيعي‬
‫أن تنتصر السلطة الروحية على السلطة الزمنية‪ ،‬إلى حد أذل‬
‫بعض الملوك واألباطرة ومرغ أنوفهم في التراب‪ ،‬فكان‬
‫اإلمبراطور أو الملك الشرعي هو ذلك الذي يقلده بابا روما‬
‫سلطة الحكم على الرعايا فيحكم الملك رعاياه بتفويض إلهي‬
‫‪ -1‬ول ديورانت ‪ -‬قصة الحضارة ‪ -‬جـ‪ - 11‬ص ‪.282‬‬
‫‪122‬‬
‫تمثل في التقليد العلماني الذي ناله من رأس الكنيسة‬
‫الكاثوليكية‪ ،‬والويل للملك أو األمير الذي ينزل به غضب‬
‫الكنيسة ويصدر بحقه قرار حرمان كنسي‪ .‬وكان نجاح الحروب‬
‫الصليبية التي حض عليها أحبار روما العظام ‪ -‬وقد استهدف‬
‫معظمها بالد المسلمين في الشام وشمال إفريقية ‪ -‬من العوامل‬
‫التي عززت موقع الكنيسة وسلطتها على أوربّا في العصور‬
‫الوسطى‪ .‬إال أن القرون توالت لتوهن من قبضة الكنيسة وليعود‬
‫الملوك واألمراء للتفلت من عقالها من جديد‪ .‬فمع أفول نجم‬
‫الحروب الصليبية واستنفاد أغراضها‪ ،‬عادت كفة السلطة‬
‫الزمنية ترجح على كفة السلطة الروحية‪ ،‬وفي العصور الحديثة‬
‫ أي بين بداية القرن السادس عشر ونهاية القرن الثامن عشر ‪-‬‬‫ضعف تأثير الدين إلى حد ما على المجتمع وسطع نجم فالسفة‬
‫"التنوير"‪ ،‬في أوربّا‪ ،‬وفقدت الكنيسة ذلك السلطان الذي نعمت‬
‫به خالل العصور الوسطى‪ ،‬وأصبحت مجرد مبرر لسلطة‬
‫الملوك واألمراء الحاكمين‪ .‬ومع بداية القرن التاسع عشر تم‬
‫فصل الدين عن المجتمع والدولة نهائياً‪ ،‬وأقصيت الكنيسة عن‬
‫التدخل في شؤون السياسة والحكم‪ ،‬وأصبحت مهمتها قاصرة‬
‫على الكهنوت وشؤون العبادة والزواج وما شاكلها‪ ،‬وأصبح‬
‫للكنيسة دولة الفاتيكان الروحية التي تتولى رعاية الشؤون‬
‫الكهنوتية للنصارى الكاثوليك في العالم كله‪.‬‬
‫وهكذا توزعت رعاية شوؤن الناس بين سلطتين‬
‫منفصلتين‪ ،‬سلطة تحكم المجتمع وعالقاته وتسيّر شؤون‬
‫السياسة الداخلية والخارجية‪ ،‬وسلطة تتولى رعاية الشؤون‬
‫الدينية والكهنوتية بمعزل عن السلطة الزمنية‪.‬‬
‫‪123‬‬
‫هذا هو أثر فلسفة المادة والروح تلك على بعض األمم‬
‫والشعوب منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا‪ .‬والسؤال الذي‬
‫يطرح نفسه بقوة بعد هذا العرض هو ‪ :‬ما مدى صحة تلك‬
‫الفلسفة ؟ ثم ما هو رأي اإلسالم في هذه المسألة ؟‬
‫إن كثيرا ً ممن تصدوا لبحث هذا الموضوع من المسلمين‪،‬‬
‫لم يبحثوا المشكلة من جذورها‪ ،‬وظنوا أن خالفهم مع أصحاب‬
‫تلك الفلسفة ليس هو من حيث األصل وإنما هو خالف في‬
‫التفصيل والتفريع والبناء‪ .‬أعني أن معظمهم سلموا مع‬
‫خصومهم بأن اإلنسان مكون من جسد وروح‪ ،‬ثم نازعوهم في‬
‫الكيفية التي يجب أن يعامل بها الجسد والروح‪ ،‬فقال كثير منهم‬
‫إن اإلسالم حافظ على التوازن ما بين الروح والجسد‪ ،‬بحيث‬
‫أعطى لكل منهما غذاءه وما يتطلبه دون أن يطغى أحدهما على‬
‫اآلخر‪ ،‬فغذى الروح باإليمان والعبادات واألذكار والقربات‪،‬‬
‫ونظم غذاء الجسد بما شرعه من أحكام المطعومات‬
‫والملبوسات والزواج وغيرها‪.‬‬
‫ولكننا نقول ‪ :‬إن معالجة مشكلة حساسة كهذه تتطلب‬
‫مزيدا ً من الدقة والعمق في محاكمة األفكار واآلراء المطروحة‬
‫فيها‪ .‬فيُطرح السؤال لمحاكمة األساس الذي تقوم عليه تلك‬
‫الفلسفة‪ :‬هل اإلنسان مكون حقا ً من المادة والروح ؟‬
‫إن االلتباس في المسألة وقع لدى كثير من الناس بسبب ما‬
‫هو معلوم من أن اإلنسان فيه روح‪ ،‬هي سر حياته‪ ،‬بوجودها‬
‫يحيا وبخروجها يموت‪ .‬ومن أن هللا تعالى يقول ‪ { :‬ونفخت فيه‬
‫‪124‬‬
‫من روحي }(‪ ،)1‬ويقول ‪ { :‬ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل‬
‫لكم السمع واألبصار واألفئدة قليالً ما تشكرون }(‪ .)2‬ومن غير‬
‫ذلك من اآليات واألحاديث التي تتكلم عن الروح وكينونتها في‬
‫اإلنسان‪ .‬وهكذا سلم كثير من المسلمين لتلك الفكرة التي تقول‬
‫إن اإلنسان مكون من جسد وروح وإن لكل منهما غذاءه‪.‬‬
‫إال أن الدقة تستوجب إنعام النظر في الفكرة لمعرفة ما هو‬
‫المقصود بالروح التي يتكلمون عنها‪ .‬فكلمة الروح هي كلمة‬
‫مشتركة تحتمل العديد من المعاني‪ .‬فقد وردت في لغة العرب‬
‫معان‪ .‬فمن تلك المعاني ما ورد في‬
‫وفي القرآن الكريم بعدة‬
‫ٍ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬نزل به الروح األمين * على قلبك لتكون من‬
‫المنذرين }(‪ ،)3‬والمقصود بالروح هنا جبريل عليه السالم‪.‬‬
‫ومن تلك المعاني ما ورد في قوله تعالى ‪ { :‬ويسألونك عن‬
‫الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إال قليالً }(‪،)4‬‬
‫والمقصود بالروح هنا روح اإلنسان التي بوجودها توجد‬
‫الحياة وبخروجها يموت اإلنسان‪ .‬والروح بهذا المعنى شيء‬
‫ال ّ‬
‫يطلع عليه اإلنسان وإن رأى أثره‪ ،‬وهو الحياة التي تدب‬
‫في الجسد وتبعث فيه الحركة والحيوية‪ .‬وبالجملة أطلقت‬
‫عبارة الروح على عدة معان‪ .‬قال صاحب "مختار الصحاح"‬
‫‪ " :‬الروح يذكر ويؤنث والجمع األرواح‪ .‬ويسمى القرآن‬
‫وعيسى وجبرائيل عليهما السالم روحاً‪ ،‬والنسبة إلى المالئكة‬
‫‪ -1‬سورة الحجر ‪ -‬اآلية ‪29‬‬
‫‪ -2‬سورة السجدة ‪ -‬اآلية ‪9‬‬
‫‪ -3‬سورة الشعراء ‪ -‬اآليتان ‪194-193‬‬
‫‪ -4‬سورة اإلسراء ‪ -‬اآلية ‪85‬‬
‫‪125‬‬
‫والجن روحاني بضم الراء والجمع روحانيون‪ .‬وكذا كل شيء‬
‫فيه روح روحاني بالضم"(‪.)1‬‬
‫إال أن هذه المعاني كلها ليست هي المقصودة حين‬
‫يتكلمون عن الروح والروحانية والناحية الروحية في الكون‬
‫واإلنسان والحياة‪ .‬وإنما يراد معنى آخر هو معنى اصطالحي‪،‬‬
‫وليس من المعاني اللغوية التي يمكن أن نجدها في معاجم اللغة‬
‫اصطالح ما‪،‬‬
‫العربية القديمة‪ .‬وإذا أراد الباحث أن يدرك معنى‬
‫ٍ‬
‫فإن عليه أن يدقق في النصوص التي ورد فيه ذلك االصطالح‬
‫ليقف على المعنى الذي رمى إليه أولئك الذين تكلموا به‪.‬‬
‫والمدقق في معظم تلك النصوص يجد أن هؤالء يستخدمون‬
‫كلمة الروح أو الروحانية أو الناحية الروحية‪ ،‬للتعبير عما‬
‫يشعر به اإلنسان حين إدراكه لصلته بخالقه عز وجل‪ ،‬فيقال إن‬
‫المؤمن يشعر بالروحانية حين قيامه بشعائر العبادة من صالة أو‬
‫صيام أو حج‪ .‬وحين يتأمل في ملكوت هللا‪ ،‬يشعر بالناحية‬
‫الروحية‪ .‬ويشعر بالروح أيضا ً حين يسمع االبتهاالت واألدعية‬
‫وحين يدخل دور العبادة وما شاكل ذلك‪ .‬وهذا المعنى ال صلة له‬
‫بالروح التي هي سر الحياة‪ ،‬إذ إن هذه األخيرة تسري في‬
‫اإلنسان المؤمن الذي يشعر بالروحانية وفي اإلنسان الملحد‬
‫المنكر لوجود هللا والذي ال يشعر بالتالي بالناحية الروحية أو‬
‫الروحانية‪.‬‬
‫نعرف الناحية الروحية بكون الشيء‬
‫وبناء عليه يمكن أن ّ‬
‫مخلوقا ً هلل سبحانه وتعالى‪ .‬فالكون واإلنسان والحياة‪ ،‬ليست‬
‫‪ -1‬اإلمام محمد بن أبي بكر الرازي ‪ -‬مختار الصحاح ‪ -‬المادة "روح"‪.‬‬
‫‪126‬‬
‫أشياء مكونة من عنصرين هما المادة والروح‪ ،‬وإنما هي أشياء‬
‫مكونة من مادة فقط وال يوجد في تركيبها شيء آخر‪ .‬إال أنها‬
‫تتصف بناحية روحية ليست جزءا ً من تركيبها‪ ،‬وإنما هي أمر‬
‫اعتباري‪ ،‬وهو كونها مخلوقة لخالق‪ .‬فالناحية الروحية في‬
‫الكون هي كونه مخلوقا ً لخالق‪ ،‬والناحية الروحية في الحياة هي‬
‫كونها مخلوقة لخالق‪ ،‬والناحية الروحية في اإلنسان هي كونه‬
‫مخلوقا ً لذلك الخالق سبحانه‪ .‬والروح ‪ -‬بالمعنى االصطالحي‬
‫الذي نتكلم عنه‪ -‬هي إدراك الصلة باهلل تعالى‪ .‬فشعور اإلنسان‬
‫بالروح أو الروحانية هو إدراكه لصلته باهلل تعالى من حيث إنه‬
‫مخلوق له وعبد خاضع لقدرته وتدبيره عز وجل‪.‬‬
‫من هنا‪ ،‬فإنه ال يعود هناك مجال للكالم عن أن اإلنسان‬
‫مكون من جسد وروح‪ ،‬وأن هناك صراعا ً بين هذين‬
‫العنصرين‪ ،‬وأن على اإلنسان أن يغلّب الروح على الجسد أو‬
‫أن يوازي بينهما‪ .‬وإنما الذي يطرح هو السؤال التالي ‪ :‬ما مدى‬
‫تأثير الروح ‪ -‬التي هي إدراك الصلة باهلل ‪ -‬على اإلنسان‬
‫وحياته وسلوكه ؟‬
‫إن أصل سلوك اإلنسان‪ ،‬هو أن فيه طاقة حيوية تدفعه‬
‫إلى القيام باألعمال‪ .‬ونعني بالطاقة الحيوية هنا الدوافع‬
‫والجوعات التي يندفع اإلنسان بطبيعته إلى إشباعها‪ .‬وإذا دققنا‬
‫في واقع هذا اإلنسان وجدنا أن هذه الطاقة الحيوية هي عبارة‬
‫عن حاجات عضوية‪ ،‬كالحاجة إلى الغذاء والنوم وغير ذلك مما‬
‫ال يمكن لإلنسان أن يبقى على قيد الحياة إن لم يشبعها‪ .‬ثم‬
‫الغرائز التي يندفع إلشباعها بإلحاح بحيث إنه يشعر بالقلق‬
‫واالضطراب إن لم يشبعها‪.‬‬
‫‪127‬‬
‫هذه الحاجات والغرائز لدى اإلنسان يلزمها نظام ينظم‬
‫إشباعها‪ .‬وهذا النظام إما أن يكون من عند هللا تعالى وإما من‬
‫عند اإلنسان‪ .‬فإن أشبعت تلك الحاجات والغرائز دون نظام أو‬
‫بنظام من عند غير هللا عز وجل‪ ،‬كان ذلك اإلشباع إشباعا ً ماديا ً‬
‫ال روح فيه‪ .‬أما إن أشبعت بنظام من عند هللا بناء على إدراك‬
‫الصلة به تعالى‪ .‬أي بناء على اإليمان باهلل خالقا ً ومدبراً‪ ،‬فإن‬
‫هذا اإلشباع يكون إشباعا ً صحيحا ً مسيّرا ً بالروح‪ .‬ومن بين تلك‬
‫الغرائز التي يشعر اإلنسان بالحاجة إلشباعها غريزة التدين‬
‫التي يظهر أثرها في نزوع اإلنسان نحو التقديس والتبجيل‬
‫والعبادة والتذلل وإكبار األقوى واألقدر‪ .‬فاإلحساس بالنقص‬
‫والعجز الطبيعيين لدى اإلنسان يؤدي تلقائيا ً إلى الشعور‬
‫بالحاجة إلى الخالق المدبر‪ ،‬وهذا ما عنيناه بغريزة التدين‪ .‬إال‬
‫أن هذه الغريزة كسائر الغرائز‪ ،‬إما أن تشبع إشباعا ً ماديا ً‬
‫بمعزل عن اإليمان باهلل تعالى خالقا ً مدبراً‪ ،‬وذلك كعبادة األوثان‬
‫أو الكواكب أو الملوك أو األبطال أو غيرها من سائر‬
‫المخلوقات‪ ،‬وإما أن تشبع إشباعا ً روحيا ً بعبادة هللا وفق نظام‬
‫من عنده عز وجل‪.‬‬
‫إن اإلسالم لما قام على أساس اإليمان باهلل تعالى‪ ،‬قرر‬
‫الناحية الروحية في اإلنسان وحياته وما يحيط به من مادة‬
‫الكون‪ ،‬من حيث إن هذه األشياء هي مخلوقة لخالق هو هللا‬
‫تعالى‪ .‬ثم إنه جعل حياة المسلم كلها تقوم على أساس روحي‪،‬‬
‫وجعل الروح مالبسة لكل عمل يقوم به‪ .‬ذلك أن هللا تعالى شرع‬
‫شريعة هي نظام شامل لحياة اإلنسان كلها ومعالجات لكل‬
‫مشاكله‪ ،‬وبالتالي جعل لكل فعل من أفعال العباد حكما ً شرعياً‪،‬‬
‫‪128‬‬
‫يجب على المؤمن أن يلتزم به حين القيام بالعمل‪ ،‬وذلك بناء‬
‫على إيمانه باهلل تعالى ربا ً وإلها ً معبودا ً مطاعاً‪ { ،‬فال وربك ال‬
‫يؤمنون حتى يح ّكموك فيما شجر بينهم ثم ال يجدوا في أنفسهم‬
‫حرجا ً مما قضيت ويسلموا تسليما ً }(‪ .)1‬فالمؤمن حين يلتزم‬
‫في أفعاله كلها ‪-‬وهي مادة‪ -‬بأوامر هللا ونواهيه بناء على‬
‫إدراك الصلة باهلل‪ ،‬أي بناء على اإليمان باهلل تعالى‪ ،‬فإنه يكون‬
‫قد مزج المادة بالروح‪ ،‬وقامت حياته كلها على أساس روحي‪،‬‬
‫هو العقيدة اإلسالمية‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ ،‬فإن المسألة ليست‪ :‬هل يشبع اإلنسان حاجاته‬
‫ورغباته أم ال يشبعها ؟ وليست أيضاً‪ :‬كم يشبعها ؟ وال هي‪:‬‬
‫ماذا يشبع‪ ،‬الجسد أم الروح ؟ وال هي‪ :‬ماذا يغلّب‪ ،‬الجسد أم‬
‫الروح ؟ فمن الخطأ أن تكون هذه األسئلة محل بحث‪ .‬وإنما‬
‫محل البحث هو ‪ :‬كيف يكون اإلشباع‪ ،‬وعلى أي أساس يجب‬
‫أن يقوم ؟‬
‫لذلك‪ ،‬فقد أخطأ من ظن أن التقوى تكون بالتقشف والبعد‬
‫عن المتع والملذات وهجران نعيم الدنيا ومتاعها‪ .‬فقد يمارس‬
‫ذلك التقشف إنسان كافر ال يؤمن باهلل حق اإليمان‪ ،‬فأين منه‬
‫التقوى ؟ بل إن آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول ‪ r‬تصرح‬
‫بأن هللا تعالى خلق الدنيا ومتاعها وسخر كل ما فيها لإلنسان‪،‬‬
‫على أن يأخذها بحقها‪ ،‬أي وفق أوامره ونواهيه عز وجل‪ .‬فاهلل‬
‫تعالى يقول ‪ { :‬ولقد كرّ منا بني آدم وحملناهم في البر والبحر‬
‫ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيالً‬
‫‪ -1‬سورة النساء ‪ -‬اآلية ‪65‬‬
‫‪129‬‬
‫}(‪ ،)1‬وقال سبحانه ‪ { :‬وسخر لكم ما في السموات وما في‬
‫األرض جميعا ً منه إن في ذلك آليات لقوم يتفكرون }(‪ ،)2‬وقال‬
‫عز وجل ‪ { :‬قل من حرم زينة هللا التي أخرج لعباده والطيبات‬
‫من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم‬
‫القيامة كذلك نفصّل اآليات لقوم يعلمون }(‪ ،)3‬وقال سبحانه‬
‫مذكرا ً بنعمه على عباده‪ { :‬واألنعام خلقها لكم فيها دفء‬
‫ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين‬
‫تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إال بشق‬
‫األنفس إن ربكم لرؤوف رحيم * والخيل والبغال والحمير‬
‫لتركبوها وزينة ويخلق ما ال تعلمون}(‪ ،)4‬وغير ذلك الكثير من‬
‫اآليات التي تتضمن هذا المعنى‪.‬‬
‫وفي عهد النبوة فهم بعض الناس التقوى بالتقشف وقهر‬
‫النفس والجسد‪ ،‬وعندما سألوا عن عبادة رسول هللا ‪ r‬تقالّوها‪،‬‬
‫فنذروا على أنفسهم تكاليف قاسية ما أنزل هللا بها من سلطان‪،‬‬
‫وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ً وأنهم أصابوا التقوى‪ .‬فلما بلغ‬
‫َبرهم رسو َل هللا ‪ r‬شعر بخطر ذلك الفهم المنحرف‪ ،‬فاتخذ‬
‫خ ُ‬
‫اإلجراء الذي تستحقه تلك الظاهرة‪ .‬فقد روى البخاري عن أنس‬
‫بن مالك أنه قال ‪ " :‬جاء ثالثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ‪ r‬يسألون‬
‫عن عبادة النبي ‪ ،r‬فلما أخبروا كأنهم تقالّوها‪ ،‬فقالوا ‪ :‬وأين نحن من‬
‫النبي ‪ r‬؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‪ .‬قال أحدهم ‪ :‬أما أنا فأنا‬
‫‪ -1‬سورة اإلسراء ‪ -‬اآلية ‪70‬‬
‫‪ -2‬سورة الجاثية ‪ -‬اآلية ‪13‬‬
‫‪ -3‬سورة األعراف ‪ -‬اآلية ‪32‬‬
‫‪ -4‬سورة النحل ‪ -‬من اآلية ‪ 5‬إلى اآلية ‪8‬‬
‫‪130‬‬
‫أصلي الليل أبداً‪ .‬وقال آخر‪ :‬أنا أصوم الدهر وال أفطر‪ .‬وقال آخر ‪ :‬أنا‬
‫أعتزل النساء فال أتزوج أبداً‪ .‬فجاء رسول هللا ‪ r‬فقال ‪ :‬أنتم الذين قلتم كذا‬
‫وكذا ؟ أما وهللا إني ألخشاكم هلل وأتقاكم له‪ ،‬لكني أصوم وأفطر وأصلي‬
‫وأرقد‪ ،‬وأتزوج النساء‪ ،‬فمن رغب عن سنتي فليس مني"(‪.)1‬‬
‫وبهذا ال يكون هناك تعارض بين المتعة وبين الروح‪.‬‬
‫فاإلنسان الذي يأكل طيّب الطعام من الرزق الحالل‪ ،‬حامدا ً هللا‬
‫تعالى على نعمته‪ ،‬يشعر بالروح مع شعوره بلذة الطعام‪ { ،‬يا‬
‫أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا هلل إن‬
‫كنتم إياه تعبدون }(‪ ،)2‬وقال سبحانه ‪ { :‬يا أيها الذين آمنوا ال‬
‫تحرموا طيبات ما أحل هللا لكم وال تعتدوا إن هللا اليحب المعتدين‬
‫ّ‬
‫}(‪ .)3‬والتاجر الذي يكسب الربح الوفير والمال العميم يشعر‬
‫أيضا ً بالروحانية إن هو التزم األحكام الشرعية وراعى‬
‫الحالل والحرام في تجارته‪ ،‬قال عليه الصالة والسالم ‪" :‬‬
‫التاجر الصدوق األمين مع النبيين والصديقين والشهداء"(‪ .)4‬وفي‬
‫الحياة الزوجية يقول عليه الصالة والسالم‪" :‬وفي بُضع أحدكم‬
‫صدقة" قالوا ‪ :‬يا رسول هللا أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال‬
‫‪ " :‬أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في‬
‫الحالل كان له أجراً"(‪.)5‬‬
‫‪ -1‬صحيح البخاري ‪-‬كتاب النكاح‪ -‬الحديث ‪5063‬‬
‫‪ -2‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪172‬‬
‫‪ -3‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪87‬‬
‫‪ -4‬رواه الدارمي في سننه ‪ -‬كتاب البيوع ‪ -‬باب في التاجر الصدوق‬
‫‪ -5‬رواه مسلم ‪-‬كتاب الزكاة‪ -‬الحديث رقم ‪ 53‬في بابه‬
‫‪131‬‬
‫هذه النظرة الشرعية لإلنسان وسلوكه وتقواه‪ ،‬هي التي‬
‫ميزت الحياة في المجتمع اإلسالمي خالل عهود نهضته وقوة‬
‫الدولة اإلسالمية‪ .‬فلم يكن يوجد في ذلك المجتمع شرخ بين‬
‫المادة والروح‪ ،‬ولم يكن يعرف في الدولة اإلسالمية صراع بين‬
‫سلطتين زمنية وروحية‪ .‬إذ لم يكن هنالك إال سلطة واحدة ترعى‬
‫شؤون الناس بنظام اإلسالم‪ ،‬وبناء على العقيدة اإلسالمية‪ ،‬أي‬
‫بناء على إدراك الصلة باهلل تعالى‪ .‬فالدولة سلطة سياسية تقوم‬
‫على أساس روحي‪ .‬ولم يكن هناك وجود لما يعرف اليوم‬
‫بمحاكم مدنية وأخرى شرعية‪ ،‬وإنما كان هناك محاكم إسالمية‬
‫تفصل كل أنواع الخصومات بين الناس بأحكام الشرع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬سواء كانت متعلقة بالحكم أو المال أو االجتماع‬
‫(األحوال الشخصية) أو غير ذلك من العالقات المجتمعية‪.‬‬
‫إلى أن أتى الزمان الذي سيطرت فيه دول الغرب على‬
‫بالدنا‪ ،‬وهدمت الدولة اإلسالمية‪ ،‬وأقصت نظام اإلسالم عن‬
‫معترك الحياة والمجتمع والدولة‪ ،‬وجعلت شؤون الدين قاصرة‬
‫على العبادات واألخالق وما يسمونه األحوال الشخصية‪.‬‬
‫وأقامت دوالً تطبق األنظمة الوضعية المادية وتفصل الدين عن‬
‫الدولة‪.‬‬
‫فوجدت في البالد اإلسالمية سلطات روحية تتمثل في‬
‫ُ‬
‫"المفتي"‪ ،‬وقسموا المحاكم إلى مدنية تتولى فصل الخصومات‬
‫بالقوانين الوضعية فيما يتعلق بالحكم والمال وما شاكل ذلك‪،‬‬
‫ومحاكم شرعية تتولى رعاية الشؤون االجتماعية أو ما يسمونه‬
‫"األحوال الشخصية" من زواج وطالق وإرث‪.‬‬
‫‪132‬‬
‫هذا النمط من العيش الذي يحكم حياتنا اليوم‪ ،‬ليس هو‬
‫النمط الذي يرضاه هللا تعالى ورسمه لنا في الرسالة اإلسالمية‪.‬‬
‫لذلك فإن قضية المسلمين المصيرية هي أن يعملوا على‬
‫استئناف الحياة اإلسالمية وإعادة نظام اإلسالم إلى معترك‬
‫الحياة والمجتمع‪ ،‬وأن يقضوا على كل ما يوحي بفصل الدين‬
‫عن الدولة‪ ،‬من تقسيم المحاكم إلى مدنية وشرعية‪ ،‬ومن تنصيب‬
‫سلطات روحية‪ ،‬ومن إقامة وزارات لألوقاف والمساجد وما‬
‫شاكل ذلك‪ .‬ففي نظام اإلسالم هناك سلطة واحدة تحكم بما أنزل‬
‫هللا‪ ،‬وعلى المسلمين طاعتها في طاعة هللا‪ .‬قال تعالى ‪ { :‬يا أيها‬
‫الذين آمنوا أطيعوا هللا وأطيعوا الرسول وأولي األمر منكم فإن‬
‫تنازعتم في شيء فردوه إلى هللا والرسول إن كنتم تؤمنون‬
‫باهلل واليوم اآلخر ذلك خير وأحسن تأويالً }(‪.)1‬‬
‫‪ -1‬سورة النساء ‪ -‬اآلية ‪59‬‬
‫‪133‬‬
‫نهضة األمة اإلسالمية بالوحي‬
‫لقد قررنا في الفصول السابقة‪ ،‬أن نهضة اإلنسان في‬
‫حياته ومجتمعه ودولته إنما مردّها إلى فكر مبدئي يقوم على‬
‫عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون واإلنسان والحياة‪،‬‬
‫تكون بمثابة قاعدة فكرية تنبني عليها األفكار عن الحياة الدنيا‬
‫وتنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة‪ .‬كما قررنا أن‬
‫النهضة الصحيحة هي تلك التي تقوم على المبدأ الصحيح‪ ،‬وأن‬
‫المبدأ الصحيح هو ذلك المبدأ الذي يوافق فطرة اإلنسان فيقرر‬
‫غريزة التدين فيه وسائر الغرائز ويشبعها اإلشباع الصحيح‪ ،‬و‬
‫يكون قائما ً على العقل بحيث يقطع العقل بصحة عقيدته‬
‫وانطباقها على واقع الكون واإلنسان والحياة‪ .‬ومن ثم قررنا أن‬
‫ذلك المبدأ هو اإلسالم بعقيدته العقلية وما انبنى عليها من أفكار‬
‫وانبثق عنها من أنظمة‪.‬‬
‫في هذا الفصل نريد أن نتوقف عند طبيعة المبدأ اإلسالمي‬
‫ومضمونه لندرك طبيعة نهضة األمة اإلسالمية وأركانها‬
‫ومقوماتها‪ ،‬ومن ثم لنقف على الخطوط الحمر التي ال يجوز‬
‫لألمة اإلسالمية أن تخترقها بوصفها الخط الفاصل بين منطقتي‬
‫النهضة واالنحطاط‪.‬‬
‫‪134‬‬
‫وهذا يقتضي منا بالدرجة األولى الوقوف عند العقيدة‬
‫اإلسالمية التي هي أساس المبدأ اإلسالمي‪ ،‬وفهم اإلسالم يتوقف‬
‫على فهمها‪ ،‬كما أن اعتناقه يتوقف على اعتناقها‪.‬‬
‫إن اإلسالم يقوم على شهادتي أن ال إله إال هللا وأن محمدا ً‬
‫رسول هللا‪ .‬وهاتان الشهادتان بالنسبة لسائر الشريعة اإلسالمية‬
‫هما األصل الذي قامت عليه سائر الفروع‪.‬‬
‫أما شهادة أن ال إله إال هللا‪ ،‬فهي تقرر أن ال معبود بحق‬
‫إال هللا تعالى بوصفه الرب الخالق المدبر‪ .‬فاإلله هو المعبود‪،‬‬
‫والعبودية هي الخضوع المطلق والتذلل الكامل وتفويض‬
‫األمر للمعبود‪ .‬وبالتالي فإن كل ما سوى هللا تعالى من األوثان‬
‫واألصنام‪ ،‬الحية منها وغير الحية‪ ،‬البشرية وغير البشرية‪ ،‬ال‬
‫تصلح ألن تكون آلهة تعبد‪ ،‬ذلك أنها ال تستطيع أن تخلق شيئاً‪،‬‬
‫بل هي مخلوقة محدودة‪ ،‬ومهما عظم شأنها وهال أمرها فإنها‬
‫صغيرة حقيرة إزاء خالقها سبحانه وتعالى‪ ،‬بل إن عظمتها‬
‫وهولها لدليل أقوى وأبلغ على عظمة خالقها الذي أوجدها من‬
‫العدم‪ { ...‬ذلكم هللا ربكم ال إله إال هو خالق كل شيء فاعبدوه‬
‫}(‪.)1‬‬
‫وانظر إلى تلك اآليات التي تلفت نظر اإلنسان إلى سخف‬
‫عبادته لألنداد من دونه سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫‪ -1‬سورة األنعام ‪ -‬اآلية ‪102‬‬
‫‪135‬‬
‫{ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ال تسجدوا‬
‫للشمس وال للقمر واسجدوا هلل الذي خلقهن إن كنتم إياه‬
‫تعبدون }(‪.)1‬‬
‫{ يا أيها الناس ُ‬
‫ضرب مثل فاستمعوا له‪ ،‬إن الذين تدعون‬
‫من دون هللا لن يخلقوا ذبابا ً ولو اجتمعوا له‪ ،‬وإن يسلبهم الذباب‬
‫شيئا ً ال يستنقذوه منه‪ ،‬ضعف الطالب والمطلوب }(‪.)2‬‬
‫وفي تلك القصة التي يرويها لنا القرآن الكريم عن إبراهيم‬
‫عليه السالم وهو يجادل النمرود الذي ادعى األلوهية على‬
‫الناس ‪:‬‬
‫{ ألم تر إلى الذي حا ّ‬
‫ج إبراهيم في ربه أن آتاه هللا الملك‪،‬‬
‫إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت‪ ،‬قال أنا أحيي وأميت‪ ،‬قال‬
‫إبراهيم فإن هللا يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب‪.‬‬
‫فبهت الذي كفر وهللا ال يهدي القوم الظالمين }(‪.)3‬‬
‫إذن فالعبادة ال تصح لشيء خلقه هللا سبحانه‪ ،‬وإنما يجب‬
‫أن تؤدى فقط لذلك الخالق الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه‪،‬‬
‫فهو الوحيد الذي يتصف بصفات الكمال وال يطرأ عليه النقصان‬
‫وال العجز وال االحتياج‪ ،‬بل كل ما سواه محتاج إليه سبحانه‪.‬‬
‫وهكذا فإن توحيد األلوهية هلل سبحانه وتعالى يعني أن‬
‫تكون عبودية اإلنسان المطلقة لخالقه سبحانه وتعالى‪ ،‬وحين‬
‫يتكلم القرآن الكريم عن العبودية‪ ،‬فإنه ال يعطيها مفهوم‬
‫الطقوس الروحية والشعائر العبادية فقط‪ ،‬وإنما يعني بها‬
‫‪ -1‬سورة فصلت ‪ -‬اآلية ‪37‬‬
‫‪ -2‬سورة الحج ‪ -‬اآلية ‪73‬‬
‫‪ -3‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية ‪258‬‬
‫‪136‬‬
‫الخضوع الكامل والمطلق من اإلنسان هلل تعالى‪ ،‬في جميع‬
‫حياته‪ ،‬وذلك بأن يعيش في هذه الدنيا مس ِيّرا ً أعماله حسب‬
‫مسلّما ً له نفسه‪ ،‬مفوضا ً له أمره‬
‫أوامر هللا تعالى ونواهيه‪،‬‬
‫ِ‬
‫متوكالً عليه في عيشه‪ .‬وبذلك يكون معنى توحيد األلوهية‬
‫أيضاً‪ ،‬توحيده سبحانه في التدبير والتشريع والحكم على أفعال‬
‫العباد‪ .‬أنظر إلى قوله تعالى وهو يقرر أن الحكم إنما هو له‬
‫وحده ويقرن ذلك بالتوحيد والتوكل على هللا وعبادته عز‬
‫وجل‪...‬‬
‫{ إن الحكم إال هلل أمر أال تعبدوا إال إياه ذلك الدين‬
‫القيم }(‪.)1‬‬
‫{ إن الحكم إال هلل عليه توكلت وعليه فليتوكل‬
‫المتوكلون }(‪.)2‬‬
‫{ له الحمد في األولى واآلخرة وله الحكم وإليه ترجعون‬
‫}(‪.)3‬‬
‫{ ومن أحسن من هللا حكما ً لقوم يوقنون }(‪.)4‬‬
‫{ وهللا يحكم ال معقب لحكمه وهو سريع الحساب }(‪.)5‬‬
‫وتأمل تلك اآلية الكريمة وهي تنهى الناس عن أن‬
‫يشرعوا فيحلوا ويحرموا من عند أنفسهم فيفترون على هللا‬
‫تعالى الذي له وحده حق التشريع‪ ،‬حيث يقول سبحانه ‪:‬‬
‫‪ -1‬سورة يوسف ‪ -‬اآلية ‪40‬‬
‫‪ -2‬سورة يوسف ‪ -‬اآلية ‪67‬‬
‫‪ -3‬سورة القصص ‪ -‬اآلية ‪70‬‬
‫‪ -4‬سورة المائدة ‪ -‬اآلية ‪50‬‬
‫‪ -5‬سورة الرعد ‪ -‬اآلية ‪41‬‬
‫‪137‬‬
‫{ وال تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حالل وهذا حرام‬
‫لتفتروا على هللا الكذب‪ .‬إن الذين يفترون على هللا الكذب ال‬
‫يفلحون }(‪.)1‬‬
‫وقولَه سبحانه وهو يذم الذين يشرعون للناس الشرائع‪..‬‬
‫{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به‬
‫هللا‪.)2(}...‬‬
‫وبذلك فإن الشهادة األولى ‪ :‬ال إله إال هللا‪ ،‬تعني أن ال‬
‫معبود وال مشرع بحق إال هللا سبحانه وتعالى‪ .‬أي أن النظام‬
‫الذي يجب على اإلنسان أن يسير في جميع حياته وفقه ويسيّر‬
‫أعماله به هو النظام الذي شرعه هللا سبحانه‪.‬‬
‫وبعد‪ ،‬فإن هذه الشهادة العظيمة تحتّم على اإلنسان السؤال‬
‫التالي‪ :‬إن كان التشريع هو هلل تعالى‪ ،‬فمن أين لي معرفته ومن‬
‫أين أتلقاه ؟‬
‫لذلك جاءت الشهادة الثانية مكملة لألولى ومجيبة على‬
‫السؤال الذي نتج عنها‪ ،‬فتقول ‪ :‬محمد رسول هللا‪ ،‬أي إن‬
‫الشريعة التي ارتضاها هللا تعالى للبشر هي الشريعة التي‬
‫أنزلت على محمد ‪ r‬عن طريق الوحي الذي نزل به الروح‬
‫األمين جبريل عليه السالم‪ .‬ولذلك فإنه بعد نزول الوحي على‬
‫محمد ‪ ،r‬ال بد لمن يريد توحيد هللا تعالى في األلوهية‬
‫والتشريع من أن يتبع الدين الذي جاء به محمد ‪ ،r‬ذلك أنه هو‬
‫‪ -1‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪116‬‬
‫‪ -2‬سورة الشورى ‪ -‬اآلية ‪21‬‬
‫‪138‬‬
‫الذي حمل الرسالة من اإلله المشرع سبحانه إلى اإلنسان‬
‫العاجز الناقص المحتاج إلى تدبير خالقه وهدايته‪ .‬وقد جاءت‬
‫آيات كريمة كثيرة تؤكد ذلك المعنى‪...‬‬
‫{ ثم جعلناك على شريعة من األمر فاتّبعها وال تتبع أهواء‬
‫الذين ال يعلمون }(‪.)1‬‬
‫{ قل إن كنتم تحبون هللا فاتبعوني يحببكم هللا ويغفر لكم‬
‫ذنوبكم وهللا غفور رحيم }(‪.)2‬‬
‫{ فال وربك ال يؤمنون حتى يح ّكموك فيما شجر بينهم ثم ال‬
‫يجدوا في أنفسهم حرجا ً مما قضيت ويسلموا تسليما ً }(‪.)3‬‬
‫{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما ّ‬
‫نزل على‬
‫محمد وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم‬
‫}(‪.)4‬‬
‫وبما أن الوحي الذي نزل على محمد ‪ r‬أعطى فكرة كلية‬
‫عن الكون واإلنسان والحياة وشرع أنظمة للحياة كان ذلك الدين‬
‫مبدأ‪ ،‬وكان ذلك المبدأ ‪ -‬أي اإلسالم ‪ -‬المبدأ الوحيد الذي صدر‬
‫عن الوحي ال عن البشر‪ .‬وهذا سر تميّز نهضة األمة اإلسالمية‪.‬‬
‫فإن نهضتها ناتجة عن عيشها وفقا ً لما جاء به الوحي اإللهي‪،‬‬
‫وتقيدها بأوامر هللا ونواهيه وسننه التي ارتضاها لعباده المتقين‪،‬‬
‫‪ -1‬سورة الجاثية ‪ -‬اآلية ‪18‬‬
‫‪ -2‬سورة آل عمران ‪ -‬اآلية ‪31‬‬
‫‪ -3‬سورة النساء ‪ -‬اآلية ‪65‬‬
‫‪ -4‬سورة محمد ‪ -‬اآلية ‪2‬‬
‫‪139‬‬
‫لذلك كانت النهضة الوحيدة الصحيحة‪ .‬ذلك أن سلوك البشر فيها‬
‫يتناغم مع حركة الكون وسائر المخلوقات‪ ،‬ويتناسق معها‪ ،‬وهي‬
‫خاضعة للنظام الذي أراده هللا تعالى لها ال تحيد عنه قيد أنملة‪.‬‬
‫وانظر إلى تلك اآليات التي تقرر تلك الحقيقة‪..‬‬
‫{ وله أسلم من في السموات واألرض طوعا ً وكرها ً وإليه‬
‫يرجعون }(‪.)1‬‬
‫{ والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم *‬
‫والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * ال الشمس‬
‫ينبغي لها أن تدرك القمر وال الليل سابق النهار وكل في فلك‬
‫يسبحون }(‪.)2‬‬
‫{ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ولألرض‬
‫ائتيا طوعا ً أو كرها ً قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات‬
‫في يومين وأوحى في كل سماء أمرها }(‪.)3‬‬
‫ّ‬
‫فيهن وإن من‬
‫{ تسبح له السماوات السبع واألرض ومن‬
‫شيء إال يسبح بحمده ولكن ال تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما ً‬
‫غفورا ً }(‪.)4‬‬
‫ومن أهم ما يتناغم مع ذلك السلوك والعيش المتقيد‬
‫بشريعة الوحي ويتناسق معه‪ ،‬تلك الفطرة اإلنسانية التي خلقها‬
‫هللا سبحانه وتعالى ّ‬
‫نزاعة إلى عبادة الخالق المدبر‪ ،‬والتي‬
‫ذكرها عز وجل في اآلية الكريمة { فأقم وجهك للدين حنيفا ً‬
‫‪ -1‬سورة آل عمران ‪ -‬اآلية ‪83‬‬
‫‪ -2‬سورة يس ‪ -‬اآليتان ‪40-38‬‬
‫‪ -3‬سورة فصلت ‪ -‬اآليتان ‪12-11‬‬
‫‪ -4‬سورة اإلسراء ‪ -‬اآلية ‪44‬‬
‫‪140‬‬
‫فطرة هللا التي فطر الناس عليها ال تبديل لخلق هللا ذلك الدين‬
‫القيم }(‪.)1‬‬
‫ومن هنا جاءت اآليات الكثيرة التي تربط بين االلتزام‬
‫بشريعة هللا تعالى وبين إسباغ النعم وتفجر الخيرات والتمتع‬
‫باألمن والطمأنينة والرفاهة‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪ { :‬وألَّ ِو استقاموا‬
‫على الطريقة ألسقيناهم ماء غدقاً‪ .)2(}...‬وقوله سبحانه ‪:‬‬
‫{ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من‬
‫السماء واألرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون }(‪.)3‬‬
‫ثم اسمع إلى تلك اآليات الكريمات وهي تروي لنا خطاب‬
‫نوح عليه السالم لقومه الذين طغوا في األرض وفسقوا فيها ‪:‬‬
‫{ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ً * يرسل السماء‬
‫عليكم مدرارا ً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل‬
‫لكم أنهارا ً }(‪.)4‬‬
‫واسمع إلى قوله تعالى يعد المؤمنين الذين يعملون‬
‫الصالحات باالستخالف في األرض ‪ { :‬وعد هللا الذين آمنوا‬
‫منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في األرض كما استخلف‬
‫ّ‬
‫وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم‬
‫الذين من قبلهم‬
‫من بعد خوفهم أمنا ً يعبدونني ال يشركون بي شيئاً‪ .‬ومن كفر‬
‫بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }(‪.)5‬‬
‫‪ -1‬سورة الروم ‪ -‬اآلية ‪30‬‬
‫‪ -2‬سورة الجن ‪ -‬اآلية ‪16‬‬
‫‪ -3‬سورة األعراف ‪ -‬اآلية ‪96‬‬
‫‪ -4‬سورة نوح ‪ -‬اآلية ‪12-10‬‬
‫‪ -5‬سورة النور ‪ -‬اآلية ‪55‬‬
‫‪141‬‬
‫وبالمقابل يتوعد هللا تعالى المجتمعات التي تعرض عن‬
‫أمر ربها وتطغى في األرض وتفسق فيها بسوء العاقبة ووقوع‬
‫الشقاء‪ ،‬ويضرب لنا األمثال عن تلك المجتمعات التي أهلكها‬
‫بظلمها ‪:‬‬
‫{ وضرب هللا مثالً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها‬
‫رغدا ً من كل مكان فكفرت بأنعم هللا فأذاقها هللا لباس الجوع‬
‫والخوف بما كانوا يصنعون }(‪.)1‬‬
‫من هنا‪ ،‬كانت نهضة األمة اإلسالمية ناتجة عن ذلك التقيد‬
‫الكامل بأوامر هللا ونواهيه‪ ،‬وبعبارة أخرى‪ ،‬عن ذلك االلتصاق‬
‫المحكم بالوحي الذي نزل على محمد ‪ ،r‬وإنه بقدر ما تلتصق‬
‫األمة اإلسالمية بالوحي فكرا ً وسلوكا ً بقدر ما تنهض وترتقي‪،‬‬
‫وبقدر ما تبعد عن ذلك المعين الصافي بقدر ما تنحط‬
‫وتنخفض‪ ،‬هذه معادلة ثابتة‪ ،‬ال يمكن أن تخرق في يوم من‬
‫األيام‪ ،‬وهذا هو التاريخ اإلسالمي خير شاهد على ذلك‪.‬‬
‫فعندما صاغ المسلمون حياتهم باإلسالم في المجتمع‬
‫اإلسالمي األول‪ -‬زمن النبوة والخالفة الراشدة ‪ -‬حققوا نهضتهم‬
‫المثلى وتحقق خير القرون‪ ،‬ومن ثم حين بدأ يطرأ الخلل على‬
‫تلك الصياغة الفريدة وبدأ السلوك في المجتمع اإلسالمي ينفصل‬
‫عن القواعد واألحكام التي نزل بها الوحي‪ ،‬بدأ االنحطاط‬
‫يتسرب إلى جسم األمة اإلسالمية‪ ،‬وكان مقدار ذلك االنحطاط‬
‫يتناسب مع مقدار الشرخ الذي قام بين سلوك المجتمع وبين‬
‫الوحي‪ ،‬وكان كلما اتسع ذلك الشرخ ازدادت األمة انحطاطاً‪،‬‬
‫‪ -1‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪112‬‬
‫‪142‬‬
‫إلى أن غابت شريعة الوحي عن حياة المسلمين ومجتمعهم‬
‫ودولتهم فوصلوا إلى الدرك األسفل من االنحطاط‪.‬‬
‫من هنا كان واجب المسلمين أن يحرصوا أشد الحرص‬
‫على فهم اإلسالم فهما ً نقيا ً صافيا ً ال تشوبه شائبة‪ ،‬حتى يكون‬
‫التزامهم باإلسالم وأفكاره وأحكامه التزاما ً بالوحي الذي أنزله‬
‫هللا على سيدنا محمد ‪ r‬وهذا يحتم عليهم أن يُحكموا نظرتهم إلى‬
‫مصادر التشريع اإلسالمي وذلك بأن ال يستقوا أحكامهم إال من‬
‫المصادر التي جاء بها الوحي اإللهي لكونه استقر فيها‪.‬‬
‫ففي الماضي حين حصر المسلمون تلقيهم للشريعة‬
‫اإلسالمية بالمصادر األربعة ‪ :‬القرآن والسنة واإلجماع‬
‫والقياس‪ ،‬إنما فعلوا ذلك بناء على أنه ال يجوز أخذ الشريعة من‬
‫غير الوحي‪ .‬فالقرآن‪ ،‬هو كتاب هللا الذي أوحاه إلى رسوله‬
‫محمد ‪ r‬باللفظ والمعنى‪ .‬والسنة ‪ -‬وهي كل ما صدر عن‬
‫الرسول من قول أو فعل أو تقرير ‪ -‬إنما تعبّر عن الوحي ألن‬
‫الرسول ال ينطق عن الهوى إن هو إال وحي يوحى‪ .‬فالسنة‬
‫هي ما أوحي إلى الرسول بالمعنى دون اللفظ‪.‬‬
‫وأ ّما اإلجماع ‪ -‬ويقصد به غالبا ً إجماع الصحابة ‪ -‬فإنه‬
‫يعبر عن الوحي‪ ،‬ألن الصحابة الذين أثنى هللا على مجموعهم‬
‫في القرآن الكريم ال يمكن أن يجمعوا على شيء لم يطلعوا على‬
‫دليله من رسول ‪ ،r‬وبالتالي كان إجماعهم دليالً شرعيا ً لكونه‬
‫يكشف عن دليل خفي عنا‪.‬‬
‫وأما القياس‪ ،‬فهو أيضا ً مصدر يكشف عن الوحي‪ .‬ذلك أن‬
‫القياس ليس ‪-‬كما يظنه بعض الناس‪ -‬استنباطا ً للحكم من العقل‪،‬‬
‫‪143‬‬
‫وإنما هو استدالل على األحكام بالعلة الشرعية التي جاءت بها‬
‫النصوص الشرعية من قرآن أو سنة‪ ،‬أي إن قياس حكم على آخر‬
‫إنما يكون الشتراكهما بعلة واحدة ورد بها النص الشرعي من‬
‫قرآن وسنة‪ ،‬وبالتالي كان االستدالل بالقياس استنباطا ً من الوحي‪.‬‬
‫هكذا كان فهم المسلمين لإلسالم وتشريعه في عصور‬
‫النهضة اإلسالمية‪ ،‬أما في عصور االنحطاط هذه‪ ،‬فقد كثرت‬
‫لدى المسلمين مصادر التشريع وتعددت بحيث أصبح كثير من‬
‫تلك المصادر ال عالقة له بالوحي‪ ،‬واالستدالل به ليس تلقيا ً‬
‫للشريعة من الوحي‪ ،‬وإنما من العقل والواقع والمصالح وما‬
‫شاكل ذلك‪ ،‬مما زاد األمة اإلسالمية انحطاطا ً وتراجعا ً وتقهقراً‪.‬‬
‫فعجبا ً ألمة تريد نصرة اإلسالم ‪ -‬وهو الوحي الذي نُ ِ ّزل‬
‫على محمد ‪ - r‬بينما هي تستقي الكثير من أحكامها وتشريعها‬
‫من غير الوحي‪ ،‬وتسعى لنصرته بما نهى عنه الوحي‪.‬‬
‫لذلك ال يسعنا أخيرا ً إال أن نعود فنذ ّكر بقوله تعالى ‪:‬‬
‫{ قل إن كنتم تحبون هللا فاتبعوني يحببكم هللا ويغفر لكم‬
‫ذنوبكم وهللا غفور رحيم }(‪.)1‬‬
‫‪ -1‬سورة آل عمران ‪ -‬اآلية ‪31‬‬
‫‪144‬‬
‫براءة الحضارة اإلسالمية‬
‫من سائر الحضارات‬
‫إن الناظر في مجمل الحضارات واألفكار التي سادت‬
‫س ُن‬
‫الشعوب عبر التاريخ‪ ،‬يجد ظاهرة جديرة باالهتمام‪ ،‬يَحْ ُ‬
‫التوقف عندها لدراستها ملياً‪ .‬وهي تأثر تلك الحضارات بعضها‬
‫ببعض‪ ،‬أو انبثاق بعضها من بعض‪ .‬وقد تكون بعض‬
‫الحضارات امتدادا ً لتلك التي سبقتها‪ ،‬إال أنها تميزت عنها‬
‫وميزات أخرى‪ .‬فكيف يمكن لنا تفسير هذه‬
‫بسمات جديدة ِ‬
‫الظاهرة ؟‬
‫حين نقول إن الحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة‪،‬‬
‫فهذا يعني أنها مجموعة من األفكار كبيرة الكم‪ ،‬تتناول مختلف‬
‫نواحي الحياة والمجتمع‪ ،‬من حكم واقتصاد واجتماع وقانون‬
‫وسياسة وفن وغير ذلك‪ .‬فإذا كانت تلك األفكار هي نتاج العقول‬
‫أو األذهان البشرية‪ ،‬فإننا سنصل بالتأكيد إلى حتمية تأثر‬
‫الحضارات بعضها ببعض‪ ،‬سواء تأثرا ً إيجابيا ً أو تأثرا ً سلبياً‪.‬‬
‫ذلك أن العقل البشري الذي أنتج تلك األفكار واتخذها‬
‫الناس بعد ذلك مفاهيم‪ ،‬إنما هو محدود بقدر ما أوتي من‬
‫معلومات‪ .‬وحين يبدع فإنه يبدع بناء على خزين من المعلومات‬
‫في الذهن‪ .‬فاإلنسان ال يدرك إال بقدر ما يملك من معلومات‬
‫يفسر بها الواقع المحسوس‪ .‬واإلبداع ال يعني أن اإلنسان ينشىء‬
‫‪145‬‬
‫أفكارا ً جديدة ال صلة لها بالواقع المحسوس أو بالمعلومات‬
‫السابقة‪ ،‬بل هو إدراك شيء جديد‪ ،‬أو إنتاج فكرة جديدة لم يسبق‬
‫ألحد أن أنتجها‪ ،‬ولكن أيضا ً استنادا ً إلى الواقع والمعلومات‬
‫السابقة‪ .‬وكل ما في األمر أن المبدع قد ربط بين معطيات‬
‫معينة‪ ،‬فأخرج فكرة جديدة لم يسبق ألحد أن أخرجها‪ ،‬فكان أول‬
‫قائل بها‪ ،‬وذلك بغض النظر عن صحة تلك الفكرة أو خطئها‪.‬‬
‫وبالتالي فإن المبدعين حين يبدعون األفكار والنظريات أو ربما‬
‫التخيالت‪ ،‬فإنهم يفعلون ذلك بقدر ما يملكون من معلومات‬
‫سابقة وحسب طبيعة الربط التي تجري في أذهانهم‪.‬‬
‫ومن الطبيعي أن يتأثر المفكر أو المبدع باألفكار التي‬
‫تحيط به واألوضاع التي يعيش فيها والظروف التي تالبسه‬
‫وهو يفكر‪ ،‬فيخرج بأفكار ونظريات هي إما من جنس األفكار‬
‫التي تحيط به‪ ،‬وإما رد فعل عكسي إزاءها‪ ،‬وفي كال الحالين‬
‫هو متأثر بها‪ .‬وهذا ما يفسر لنا ظاهرة تأثر الحضارات بعضها‬
‫ببعض‪ .‬فإن تلك الحضارات ‪ -‬كما سبق القول‪ -‬هي مجموع ما‬
‫لدى شعب ما من المفاهيم عن الحياة‪ ،‬أي مجموع األفكار التي‬
‫اعتنقها‪ ،‬وتلك األفكار هي نتاج تلك العقول واألذهان التي يتأثر‬
‫بعضها ببعض ويأخذ بعضها عن البعض اآلخر‪ ،‬وتبدع أفكارا ً‬
‫جديدة يتميز بها البعض عن البعض اآلخر‪.‬‬
‫وعلى هذا األساس نستطيع أن نفسر ما يتكلم عنه‬
‫المؤرخون والباحثون من تأثر الحضارتين األشورية والبابلية‬
‫وغيرهما بالحضارة السومرية مثالً‪ ،‬أو تأثر الحضارة‬
‫الرومانية بالحضارة اليونانية السابقة لـها ‪ -‬بل هي كما يقولون‬
‫‪146‬‬
‫امتداد لها‪ -‬أو تأثر الحضارة اليونانية بحضارات مصر والشرق‬
‫األدنى القديم‪...‬‬
‫وعلى هذا األساس أيضاً‪ ،‬نستطيع أن نفهم طبيعة العالقة‬
‫بين حضارة أوربّا في العصور الوسطى والحضارة الغربية‬
‫المعاصرة "اللبرالية"‪ ،‬وأيضا ً العالقة بين تلك األخيرة‬
‫و"المشروع الحضاري" الشيوعي‪ .‬ففي هاتين الحالتين كان‬
‫التأثر سلبياً‪ ،‬بمعنى أنه كان عكسياً‪.‬‬
‫فإن تحكم الكنيسة وتسلط الملوك باسم التفويض اإللهي‪،‬‬
‫واستفحال الظلم في ظل النظام اإلقطاعي‪ ،‬حيث السيد والعبد‪،‬‬
‫أو اإلقطاعي والفالح‪ ،‬ومساورة األجواء الروحية والتدين‬
‫ألوضاع االنحطاط والتخلف خالل العصور الوسطى‪ ،‬كل ذلك‬
‫أنتج رد فعل عكسياً‪ ،‬تجلى في فكرة فصل الدين عن الحياة‬
‫والمجتمع والدولة‪ ،‬وفي فكرة الديمقراطية وفكرة الحريات‬
‫العامة من حرية شخصية وحرية تملك وحرية اعتقاد وحرية‬
‫رأي‪ ،‬لدى المفكرين اللبراليين‪.‬‬
‫ثم كانت أوضاع المجتمع الرأسمالي بعد ذلك‪ ،‬حيث‬
‫معاناة العمال والموظفين من ظلم الرأسماليين مالك المصانع‬
‫والشركات والمؤسسات الخاصة وعسفهم‪ ،‬وحيث تر ّك ُز رؤوس‬
‫األموال في يد فئة قليلة من البرجوازيين‪ ،‬بينما ال تجد األغلبية‬
‫الساحقة من أفراد المجتمع إال ما ال يكاد يسد الرمق‪ .‬كل هذه‬
‫األوضاع أنتجت رد فعل عكسيا ً لدى المفكرين وأصحاب‬
‫النظريات االقتصادية‪ ،‬تجلى في النظريات االشتراكية التي‬
‫تنزع نحو توزيع الثروة األهلية على نحو أكثر "إنصافاً" مما‬
‫‪147‬‬
‫هو عليه في المجتمع الرأسمالي‪ .‬وكان من أهم تلك النظريات‬
‫وأكثرها تماسكا ً االشتراكية الماركسية‪ ،‬التي حاولت الثورة‬
‫البلشفية تطبيقها على أرض الواقع داخل ما عرف باالتحاد‬
‫السوفياتي‪.‬‬
‫أما إذا أخذنا مثال الحضارة اإلسالمية التي انتشرت مع‬
‫بداية العصور الوسطى‪ ،‬فإننا سنجد ذلك الكالم ال ينطبق عليها‪.‬‬
‫ذلك أن الناظر إلى بداية نشوئها ال يجد فيها أي تأثر أو أي‬
‫ارتباط بالحضارات السابقة لها أو المعاصرة‪ ،‬ال تأثرا ً إيجابيا ً‬
‫وال تأثرا ً سلبياً‪ ،‬ذلك أن اإلسالم أوجد نمطا ً من العيش مختلفا ً‬
‫كل االختالف عن كل أنماط العيش السابقة له والمعاصرة‪،‬‬
‫وأحدث انقالبا ً جذريا ً في المجتمع بحيث لم يترك ناحية من‬
‫نواحيه إال وطالها وأحدث فيها التغيير من أساسها‪ ،‬انطالقا ً من‬
‫الجزيرة العربية التي اعتادت نمط عيش الجاهلية لعدة قرون‬
‫خلت ومرورا ً وانتهاء بالبالد المجاورة والمحيطة والبعيدة التي‬
‫سادتها الحضارات الرومانية والفارسية وغيرها‪.‬‬
‫وبينما نجد أن الحضارتين الغربية الرأسمالية والشيوعية‬
‫ اللتين قامتا انقالبا ً على حضارة العصور الوسطى‪ -‬لم توجدا‬‫على أرض الواقع إال بعد إرهاصات طالت عدة قرون حيث‬
‫تتابع المفكرون والفالسفة يبدعون فكرة تلو فكرة ونظرية تلو‬
‫األخرى حتى جاء مفكرون ليرمموا تلك األفكار المتناثرة‬
‫ويصوغوا منها مبدئين كاملين لم يوضعا موضع التطبيق إال‬
‫بعد قرون من المخاضات الحضارية العسيرة‪ ،‬أقول ‪ :‬بينما نجد‬
‫ذلك في هاتين الحضارتين‪،‬فإننا نجد أن الحضارة اإلسالمية‬
‫التي أحدثت ذلك االنقالب في الجزيرة العربية وسائر الشعوب‬
‫‪148‬‬
‫التي دخلت حظيرتها بدأ انتشارها منذ إعالن محمد ‪ r‬لها في‬
‫مكة قلب الجزيرة العربية‪ ،‬وآتت ثمارها بعد ثالثة عشر عاما ً‬
‫من والدتها حين ارتكزت في المدينة المنورة "يثرب"‪ ،‬ثم‬
‫انتشرت بعد ذلك بعشر سنوات في كل الجزيرة العربية‪ ،‬لتتابع‬
‫بعد ذلك مسيرتها في سائر العالم القديم‪ .‬ولم يمض قرن واحد‬
‫إال وقد أصبحت تظلل مساحة شاسعة تمتد من الصين شرقا ً إلى‬
‫األطلسي غرباً‪ ،‬حيث ضربت صفحا ً عن كل الحضارات‬
‫السابقة في تلك البالد من فارسية وبيزنطية وهندية وغيرها إلى‬
‫غير رجعة‪.‬‬
‫يقول األستاذ محمد أسد ( ليوبولد فايس)‪ " :‬واضح إذن‬
‫أننا مهما أوغلنا في التنقيب والبحث فيما سلف من حضارات‬
‫البشر‪ ،‬فلن نجد توقيتا ً معينا ً نستطيع أن نحدده بدءا ً لحضارة ما‪،‬‬
‫أو تاريخا ً لمولدها‪ ،‬وال أن نعين حدا ً فاصالً يميز بين حضارة‬
‫ولت وأخرى أشرق عليها النور وتبدت للوجود‪.‬‬
‫ولكن هناك استثناء واحدا لكل ما أسلفنا من قول‪ ،‬استثناء‬
‫تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد األلسنة‪ ،‬فلم يذكر تاريخ البشر‬
‫فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة برزت‬
‫للوجود من عالم الغيب دفعة واحدة‪ ،‬واستوت للناظرين قائمة‬
‫على أصولها في فترة محدودة من تاريخ البشر‪ ،‬تلك وال شك‬
‫حضارة فذة من نوع فريد وإنها لحضارة اإلسالم‪.‬‬
‫فلئن قامت كل الحضارات األخرى ونشأت رويدا ً رويدا ً‬
‫من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيارات الفكر‪،‬‬
‫واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاص وكيانها المحدد آمادا ً‬
‫طويلة من الزمن‪ ،‬فلقد انفردت حضارة اإلسالم وحدها‬
‫بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار‪.‬‬
‫‪149‬‬
‫وقد جمعت هذه الحضارة‪ ،‬من فجر نشأتها‪ ،‬كل المقومات‬
‫األساسية لحضارة مكتملة شاملة‪ .‬فقامت في مجتمع واضح‬
‫المعالم‪ ،‬له نظرته الخاصة إلى الحياة‪ ،‬وله نظامه التشريعي‬
‫الكامل وله نهجه المحدد للعالقات بين األفراد‪ ،‬بعضهم ببعض‬
‫داخل هذا المجتمع‪.‬‬
‫ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي‪ ،‬وال وليد‬
‫تيارات فكرية متوارثة‪ ،‬ولكن هذه الحضارة‪ ،‬كانت وليدة حدث‬
‫تاريخي فريد وهو تنزيل القرآن الكريم"‪)1(.‬‬
‫إن المفكرين الغربيين ‪ -‬وال سيما المستشرقين منهم‪ -‬ثم‬
‫العلمانيين من المثقفين في العالم اإلسالمي لم يطيقوا العجز عن‬
‫تطبيق نظرية تواصل الحضارات اإلنسانية على الحضارة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬فراحوا يتلمسون في التاريخ اإلسالمي الظواهر‬
‫واألحداث والنصوص واآلثار التي يمكن امتطاؤها الدعاء أن‬
‫الحضارة اإلسالمية هي امتداد لسائر الحضارات السابقة‬
‫والمعاصرة لها من جاهلية ورومانية وفارسية وهندية وغيرها‪.‬‬
‫إال أن الباحث النزيه يقطع بأن هذه المحاوالت كانت عبثا ً وأنها‬
‫َ‬
‫ط ْرق لباب المستحيل‪ ،‬كالذي يحاول إثبات أن الوالد أصغر‬
‫عمرا ً من ولده‪.‬‬
‫ذلك أن الحضارة اإلسالمية ليست إبداع ذهن أو عقل‬
‫بشري‪ ،‬وال حتى مجموعة عقول‪ ،‬بل هي من الوحي اإللهي‬
‫الحكيم‪ .‬فالحضارة اإلسالمية هي مجموعة المفاهيم اإلسالمية‬
‫‪ -1‬اإلسالم والتحدي الحضاري‪ .‬ص ‪20 - 19‬‬
‫‪150‬‬
‫عن الحياة‪ .‬وكل هذه المفاهيم إنما استقاها المسلمون من‬
‫نصوص الوحي أو بنوها على نصوص الوحي أي القرآن‬
‫والسنة‪ ،‬وهما وحي من هللا القائل سبحانه ‪ { :‬وما ينطق عن‬
‫الهوى إن هو إال وحي يوحى }(‪ ،)1‬وهذه المفاهيم مبنية على‬
‫عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون واإلنسان والحياة‪،‬‬
‫هي عقيدة ال إله إال هللا محمد رسول هللا‪ .‬وبذلك كانت الحضارة‬
‫اإلسالمية حضارة مبدئية تتناول كل نواحي الحياة والمجتمع‬
‫والدولة‪...‬‬
‫قال تعالى ‪ { :‬ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل شيء وهدى‬
‫ورحمة وبشرى للمسلمين }(‪.)2‬‬
‫‪ -1‬سورة النجم ‪ -‬اآلية ‪.4‬‬
‫‪ -2‬سورة النحل ‪ -‬اآلية ‪.89‬‬
‫‪151‬‬
‫القسم الثالث‬
‫المجتمع اإلسالمي‬
‫‪152‬‬
153
‫قال رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم‪:‬‬
‫يحمل هذا العلم من كل خلف‬
‫عدوله‪،‬‬
‫يـنـفــون عــنــه تــحـريـف‬
‫الـغــالــين‬
‫وانتحال الـمبطـلـين وتأويل‬
‫الجاهلين‬
‫‪154‬‬
‫رواه البيهقي‬
‫‪155‬‬
156
‫الـمـجـتـمع ونــهـضـتـه‬
‫إن الباحث حين يستعرض التاريخ البشري ويتأمله بروية‬
‫وعمق‪ ،‬يجد ظاهرة رئيسة تلفت انتباهه‪ .‬أال وهي تفاوت‬
‫المجتمعات من حيث الرقي واالنحطاط‪ ،‬وبعبارة أخرى تفاوتها‬
‫من حيث النهوض واالنخفاض‪.‬‬
‫فالنصوص التاريخية في حقيقتها هي سجل لحياة‬
‫المجتمعات البشرية التي عاشت على وجه هذه البسيطة‪ .‬وحين‬
‫تقارن بين هذه المجتمعات فإنك تجد فرقا ً واضحا ً فيما بينها‪،‬‬
‫سواء من حيث النوع أو المستوى‪ ،‬أي سواء من حيث النمط‬
‫الحضاري‪ ،‬أو من حيث الرقي واالنحطاط‪ .‬بل إننا ّ‬
‫نطلع في تلك‬
‫النصــوص على مجهودات بذلـها المفكرون والفالسفـة‬
‫والسيـاسيـون ‪-‬نظريا ً وعمليا ً ‪ -‬من أجل النهوض بمجتمعاتهم‬
‫والسير بها نحو األرقى‪ ،‬ومنهم من أفلح في تحقيق غايته ومنهم‬
‫من فشل‪.‬‬
‫وال زال هذا الموضوع إلى اليوم يشغل كثيرا ً من الباحثين‬
‫والمفكرين والسياسيين‪ ،‬على اختالف اتجاهاتهم ومذاهبهم‪،‬‬
‫وسيبقى يشغلهم‪ .‬ذلك أن اإلنسان هو اإلنسان في الماضي‬
‫والحاضر والمستقبل‪.‬‬
‫‪157‬‬
‫ونحن المسلمين لسنا بمعزل عن هذه القاعدة‪ ،‬فإننا منذ‬
‫ق على‬
‫فجر تاريخنا استهدفنا الرقي وسعينا إلى إقامة مجتمع را ٍ‬
‫أساس اإلسالم‪ ،‬وقد أفلح أسالفنا منذ عهد رسول هللا ‪ r‬في‬
‫تحقيق هذا الهدف‪ ،‬والسيما أن هللا سبحانه وتعالى قد أوجبهُ‬
‫عليهم ورسم لهم سبيله من خالل ما نزل من الوحي على‬
‫الرسول ‪ ،r‬فقال تعالى‪ { :‬وعدَ هللاُ الذين آمنوا منكم وعملوا‬
‫الصالحات ليستخلفنهم في األرض كما استخلف الذين من‬
‫ّ‬
‫وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد‬
‫قبلهم‬
‫خوفهم أمنا ً يعبدونني ال يشركون بي شيئا ً ومن كفر بعد ذلك‬
‫فأولئك هم الفاسقون }(‪.)1‬‬
‫أما اليوم وقد أصبح ُمجتمعنا بحال من االنحطاط ال يُحسد‬
‫عليها وال ينازع فيها عاقل‪ ،‬كان ال بد من العودة من جديد‬
‫للبحث عن السبيل المؤدي إلى نهضة المجتمع‪ ،‬وليس أيّما‬
‫نهضة‪ ،‬وإنما النهضة اإلسالمية التي هي النهضة الوحيدة‬
‫الصحيحة‪.‬‬
‫ومما ال شك فيه أن اإلسالم قد رسم للمسلمين سبيل إقامة‬
‫المجتمع اإلسالمي‪ .‬وبعبارة أخرى رسم الطريق لنهضة‬
‫مجتمعهم‪ .‬إال أن هذه الطريق ال يمكن فهمها وتطبيقها قبل‬
‫معرفة واقع المجتمع من حيث هو مجتمع‪ .‬ذلك أن طريقة‬
‫اإلسالم في معالجة المشاكل وإعطاء الحلول هي على النحو‬
‫التالي‪:‬‬
‫‪ -1‬سورة النور‪-‬اآلية (‪.)55‬‬
‫‪158‬‬
‫أوالً‪ :‬فهم الواقع فهما ً دقيقا ً عميقا ً للوقوف على حقيقة‬
‫المشكلة التي تراد معالجتها‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬العودة إلى النصوص التشريعية لفهم النصوص‬
‫المتعلقة بذلك الواقع وتلك المشكلة فهما ً تشريعياً‪ ،‬وتكون الغاية‬
‫معرفة حكم هللا في تلك المسألة‪ ،‬وذلك ألخذ المعالجات والحلول‬
‫من الوحي الذي نزل على الرسول ‪. r‬‬
‫ثالثا ً‪ :‬تطبيق هذه المعالجات الشرعية على ذلك الواقع‬
‫لحل المشكلة المطروحة‪.‬‬
‫من هنا كان البد أوالً من معرفة واقع المجتمع البشري‬
‫من حيث هو مجتمع‪ ،‬أي ال بد من تعريف المجتمع‪.‬‬
‫إن كثيرا ً من الناس ينظرون إلى المجتمع نظرة سطحية‬
‫عابرة‪ ،‬فيعّرفونه تعريفا ً خاطئا ً ال ينطبق على واقعه‪ .‬فيقولون‪:‬‬
‫إن المجتمع هو مجموعة أفراد من الناس‪ .‬وتبعا ً لتعريفهم هذا‬
‫يضعون تصورا ً لكيفية النهوض بالمجتمع أو إصالحه فيقولون‪:‬‬
‫أصلح الفرد يصلح المجتمع‪.‬‬
‫فلنحاكم ذلك التعريف‪ .‬فحتى يكون التعريف صحيحا ً يجب‬
‫أن يكون وصفا ً جامعا ً مانعاً‪ .‬ويكون هذا التعريف جامعا ً إذا كان‬
‫ينطبق على كل مجتمع‪ ،‬ويكون مانعا ً إذا لم ينطبق على غير‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫وإذا طبقنا هذا التعريف على الواقع سنجده جامعا ً إال أنه‬
‫غير مانع‪ .‬فهو جامع‪ ،‬ألن كل مجتمع يحوي بالضرورة‬
‫مجموعة أفراد‪ .‬إال أنه غير مانع‪ ،‬ألنه ينطبق على ما سوى‬
‫‪159‬‬
‫يكونون‬
‫المجتمع‪ .‬ذلك أن مجرد مجموعة من األفراد ال ّ‬
‫بالضرورة مجتمعاً‪ .‬ولنضرب على ذلك مثاالً‪:‬‬
‫إن مجموعة من الناس يركبون سفينة واحدة ال يشكلون‬
‫مجتمعا ً مهما كثر عددهم‪ ،‬حتى ولو بلغ األلوف‪ ،‬وذلك باتفاق‬
‫الجميع‪ .‬أليس هؤالء مجموعة من األفراد‪.‬‬
‫قاصر‪،‬‬
‫فلماذا لم يشكلوا مجتمعاً؟ هذا يعني أن التَّعريف ِ‬
‫وبالتالي خاطىء‪.‬‬
‫وفيما نجد أن األلوف على ظهر الباخرة‪ ،‬ال يشكلون‬
‫مجتمعاً‪ ،‬فإننا نجد أن بضع مئات من الناس في قرية صغيرة‬
‫يشكلون مجتمعاً‪ ،‬وذلك أيضا ً باتفاق الجميع‪.‬‬
‫فالتعريف الصحيح هو ذلك التعريف الذي يلحظ الفرق‬
‫الجوهري بين الناس الذين يشكلون مجتمعا ً ولو كانوا بضع‬
‫مئات في قرية‪ ،‬وبين الناس الذين اجتمعوا في وقت من األوقات‬
‫دون أن يشكلوا مجتمعا ً ولو بلغوا عشرات األلوف‪ .‬وهذا الفرق‬
‫الجوهري يكمن في أن أهل القرية قامت بينهم عالقات دائمية‬
‫حافظت على تماسكهم وجعلت منهم وحدة متماسكة وأعطت‬
‫لمجموعهم ‪ -‬وليس ألفرادهم ‪ -‬شخصية متميزة بحيث أصبح‬
‫لهذا المجموع هوية محددة‪ .‬بينما ركاب الباخرة الذين يعدّون‬
‫األلوف ليسوا أكثر من رفاق طريق وال تربطهم أية عالقة‬
‫دائمية‪ ،‬فهم سيتفرقون بمجرد النزول على الرصيف‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالمجتمع هو مجموعة من الناس تؤلف بينهم‬
‫عالقات دائمية‪ ،‬بها يقوم ذلك المجتمع وبتميّزها يت ّميز‪ .‬فإن‬
‫‪160‬‬
‫كانت هذه العالقات راقية كان ذلك المجتمع راقيا ً وإن كانت‬
‫منخفضة كان منخفضاً‪.‬‬
‫وهنا يبرز السؤال التالي‪:‬‬
‫كيف تكون هذه العالقات راقية‪ ،‬وكيف تكون منخفضة؟‬
‫الجواب يكمن في معرفة العوامل التي تتحكم بهذه العالقات‪.‬‬
‫إن النظرة العميقة إلى واقع المجتمع ترينا أن الذي يتحكم‬
‫بعالقات الناس فيه ثالثة أشياء‪ ،‬هي المفاهيم والمشاعر‬
‫واألنظمة‪.‬‬
‫أما المفاهيم‪ ،‬فذلك أن اإلنسان يكون سلوكه تابعا ً لمفاهيمه‬
‫التي يحملها‪ ،‬فهو يفعل ما يراه صواباً‪ ،‬ويترك ما يراه خطأً‪،‬‬
‫وحتى تقوم العالقة بين الناس البد أن تكون المفاهيم مشتركة‪،‬‬
‫ذلك أن الناس اجتمعوا على المصلحة‪ ،‬وال تقوم العالقة بين‬
‫طرفين إال إذا توحدت المفاهيم لديهما حول المصلحة‪ .‬أما إذا‬
‫اختلفت المفاهيم حول المصلحة‪ ،‬فلن تقوم العالقة‪.‬‬
‫وأما المشاعر‪ ،‬فذلك أن المفاهيم التي يحملها الناس‪،‬‬
‫ترتبط بها مشاعر من جنسها‪ ،‬وحتى تقوم العالقة بينهم‪ ،‬البد أن‬
‫تتوحد مشاعرهم تجاه المصلحة التي اجتمعوا عليها‪ ،‬فيفرحون‬
‫جميعا ً لما يرونه صوابا ً ويغضبون وينز ِعجون جميعا ً لما يرونه‬
‫خطأً‪ .‬وهذه األفكار والمشاعر هي التي يتكون منها العرف العام‬
‫في المجتمع‪.‬‬
‫وأما األنظمة‪ ،‬فإن كل مجتمع تقوم فيه سلطة ترعى‬
‫شؤونه‪ .‬وتنظم عالقاته وتفصل الخصومات فيه‪ ،‬كل ذلك حسب‬
‫‪161‬‬
‫نظام تتبناه وتطبقه وتُلزم جميع أفراد المجتمع به‪ ،‬مما يعني أن‬
‫هذا النظام سيكون له أثر كبير في عالقات المجتمع‪.‬‬
‫وهكذا يظهر لنا أن المجتمع هو أناس تربطهم أفكار‬
‫ومشاعر مشتركة وأنظمة‪ .‬وإن هذا المجتمع يصنَّف بحسب تلك‬
‫األفكار والمشاعر واألنظمة‪ ،‬فإن كانت مثالً رأسمالية كلها كان‬
‫المجتمع رأسمالياً‪ ،‬وإن كانت شيوعية كان المجتمع شيوعياً‪،‬‬
‫وإن كانت إسالمية كان المجتمع إسالمياً‪.‬‬
‫فحتى يكون ذلك المجتمع ذا هوية معينة وشخصية متميزة‬
‫يجب أن تكون تلك المجموعة من األفكار والمشاعر واألنظمة‬
‫متجانسة‪ ،‬بحيث ال يناقض بعضها بعضاً‪.‬‬
‫فلو فرضنا أن مجتمعا ً يحمل مزيجا ً من األفكار‬
‫الرأسمالية واإلسالمـيـة ‪-‬كما هو الحال في كثير من البالد‬
‫اإلسالمية ‪ -‬فإنه لن يكون لذلك المجتمع لون معين وال هوية‬
‫محددة‪ ،‬وبالتالي فإنه ‪ -‬مادام على حاله هذه ‪ -‬لن يعرف النهضة‬
‫وال بشكل من األشكال‪.‬‬
‫وكذلك ما لو قام شرخ في مجتمع ما بين العرف العام فيه‬
‫وبين األنظمة بحيث طبـق الحكـام أنـظمـة تتناقـض مع مفاهيم‬
‫المجتمع ومشاعره ‪ -‬كما هو شأن معظم العالم اإلسالمي اليوم ‪-‬‬
‫فإنه سيكون مجتمعا ً مضطربا ً تتّقد فيه نار العداوة بين الحاكمين‬
‫والمحكومين‪ ،‬وبالتالي فإنه بعيد أشد البعد عن وصف الرقي أو‬
‫النهضة‪.‬‬
‫ي أفكاره ومشاعره وأنظمته‬
‫ثم إن المجتمع يرقى برق ّ‬
‫وينخفض بانخفاضها‪ .‬وال يمكن أن تكون تلك األفكار والمشاعر‬
‫‪162‬‬
‫واألنظمة راقية إال أن تكون مبنية على قاعدة فكرية واحدة‪.‬‬
‫وهذه القاعدة الفكرية يجب أن تكون عقيدة عقلية تعطي فكرة‬
‫كلية عن الكون واإلنسان والحياة‪ ،‬حتى تصلح أن تكون مبدأ‬
‫لكل األفكار وأصالً لكل األنظمة‪.‬‬
‫وخالصة الكالم أن المجتمع‪ ،‬يكون مجتمعا ً ناهضا ً إذا‬
‫كان عرفُهُ العام ‪ -‬وهو األفكار والمشاعر‪ -‬مبينا ً على عقيدة‬
‫عقليةٍ‪ ،‬وكانت أنظمته منبثقة عنها‪ .‬وبذلك تكون هذه العقيدة هي‬
‫األساس الذي يقوم عليه المجتمع‪ ،‬والقيادة الفكرية التي تأخذ بيده‬
‫نحو النهضة‪.‬‬
‫فإذا أردنا إيجاد مجتمع ينعم بالنهضة الصحيحة‪ ،‬فإن ذلك‬
‫ال يتأتى إال بإقامة مجتمع إسالمي‪ ،‬أي بإيجاد مجتمع يقوم على‬
‫العقيدة اإلسالمية‪ ،‬بحيث تكون أفكاره ومشاعره وأنظمته كلها‬
‫إسالمية‪ .‬ذلك أن العقيدة اإلسالمية هي العقيدة الصحيحة وما‬
‫سواها باطل‪.‬‬
‫وإذا نظرنا إلى واقع مجتمع المسلمين اليوم على ضوء ما‬
‫سبق من الكالم‪ ،‬وجدنا أنه مجتمع يصدق عليه وصف‬
‫االنحطاط‪ .‬ذلك أن أفكاره وإن كان كثير منها إسالميا ً إال أن‬
‫فيها قسما ً كبيرا ً من األفكار الدخيلة غير اإلسالمية والتي ورد‬
‫معظمها من الحضارة الغربية‪ ،‬كأفكار فصل الدين عن الحياة‬
‫والحريات العامة والديمقراطية وما شابه ذلك‪.‬‬
‫أما من حيث المشاعر‪ ،‬فكذلك ُر ْغ َم من حفاظ األمة على‬
‫كثير من مشاعرها اإلسالمية‪ ،‬تفشت في المجتمع كثير من‬
‫المشاعر الزائفة‪ ،‬كالقومية والوطنية والقبلية وغيرها‪.‬‬
‫‪163‬‬
‫وأما من حيث األنظمة‪ ،‬فإن أغلب األنظمة التي تطبق في‬
‫بالد المسلمين هي أنظمة كفر استوردت من هنا وهناك من‬
‫القوانين الوضعية‪.‬‬
‫وهكذا أصبح المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون‪ ،‬مش ّكالً‬
‫من مزيج من األفكار والمشاعر واألنظمة اإلسالمية وغير‬
‫اإلسالمية‪ ،‬مما جعل منه مجتمعا ً منخفضا ً ال ينعم بشيء من‬
‫النهضة‪.‬‬
‫كما أن ذلك يعني‪ ،‬أنه على الرغم من كون أغلب النا س‬
‫في المجتمع مسلمين‪ ،‬إال أن هذا المجتمع ال ينطبق عليه وصف‬
‫المجتمع اإلسالمي‪ ،‬أي أنه ليس مجتمعا ً إسالمياً‪.‬‬
‫‪164‬‬
‫منهج الرسول ‪ r‬في تغيير المجتمع‬
‫لقد بُعث رسول هللا ‪ r‬في مجتمع جاهلي‪ ،‬تسوده المفاهيم‬
‫والمشاعر واألنظمة الجاهلية‪ ،‬فكانت مهمته أن يحول هذا‬
‫المجتمع إلى مجتمع آخر تماماً‪ ،‬وذلك ليس بتغيير أفراده‪ ،‬وليس‬
‫بإزالة أفراده واإلتيان بأفراد آخرين بدالً منهم‪ ،‬وإنما بتغيير‬
‫مفاهيمه ومشاعره وأنظمته‪ ،‬أي بإزالة أفكار الكفر ومشاعره‬
‫وأنظمته وإيجاد أفكار ومشاعر وأنظمة إسالمية‪.‬‬
‫فما الطريقة التي اتبعها في ذلك؟‬
‫من خالل التدقيق واالستقراء لسيرة رسول هللا ‪ r‬ابتداء‬
‫من نزول الوحي‪ ،‬يتبين لنا أنها تنقسم إلى ثالث مراحل‪:‬‬
‫أ‪ -‬المرحلة األولى‪ :‬مرحلة إعداد تكتل على أساس‬
‫اإلسالم‪ ،‬وتثقيفه بالثقافة اإلسالمية‪.‬‬
‫ب‪ -‬المرحلة الثانية‪ :‬مرحلة الصدع بالدعوة والتفاعل مع‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫ت‪ -‬المرحلة الثالثة‪ :‬تطبيق اإلسالم عمليا ً من خالل‬
‫الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫وفيما يلي التفصيل والتوسيع‬
‫‪165‬‬
‫المرحلة األولى‪ :‬مرحلة التثقيف‬
‫استمرت هذه المرحلة ثالث سنوات‪ ،‬قام رسول هللا ‪r‬‬
‫خاللها بغرس العقيدة في نفوس الصحابة رضي هللا عنهم‪،‬‬
‫يقوي فيهم اإليمان عن طريق األدلة والبراهين العقلية‬
‫وكان ّ‬
‫القاطعة‪ ،‬ويعلمهم أحكام اإلسالم ويثقفهم بالثقافة اإلسالمية‬
‫الحية‪ ،‬ويقيم لهم األدلة والبراهين على فساد العقائد والمفاهيم‬
‫واألنظمة الجاهلية‪ .‬ويحثهم على ذكر هللا تعالى‪ ،‬وعلى التفكر‬
‫في الكون من أجل مزيد من اليقين باهلل ومزيد من الطاعات له‪،‬‬
‫ويبعث فيهم الروحانية بالصالة والتالوة والتهجد‪ .‬وينزع من‬
‫قلوبهم مشاعر الجاهلية‪ ،‬كالحمية الجاهلية والعصبية القبلية‪،‬‬
‫ويبعث فيهم المشاعر اإلسالمية المنسجمة مع المفاهيم‬
‫فيعودهم على الوالء هلل وللرسول‬
‫اإلسالمية الصادقة‪،‬‬
‫ّ‬
‫وللمؤمنين‪ ،‬ويحرم عليهم الوالء للشيطان وأوليائه‪ ،‬ولو كانوا‬
‫آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم أو عشيرتهم‪ ،‬ويشحذ فيهم الهمم‬
‫من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل‪ ،‬إلى أن يصلوا إلى حالة‬
‫ال يطيقون معها أن يبقى المبدأ حبيس نفوسهم‪ .‬فالعقيدة تغلي في‬
‫صدورهم‪ ،‬والمفاهيم الصادقة تتزاحم في أذهانهم‪ ،‬والواقع بما‬
‫يحويه من قناعات وعادات وتقاليد وأنظمة فاسدة مهترئة بالية‬
‫وظلم ال يطاق وفساد ال يحتمل‪ ،‬وتسلط من شرار القوم وشذّاذ‬
‫اآلفاق‪ ،‬وتجبّر من الطواغيت‪ ،‬وظلم للمستضعفين‪ ،‬ووأد‬
‫للبنات‪ ،‬وتطفيف للكيل‪ ،‬وافتراس للناس بالربا‪ ،‬وتقاتل من أجل‬
‫العصبية ‪ .‬هذا الواقع يحفزهم ويدعوهم إلى مجابهته من أجل‬
‫تقويمه‪.‬‬
‫‪166‬‬
‫واستمر الرسول ‪ r‬في هذه المرحلة حتى أعد تكتالً من‬
‫الصحابة الذين نضجوا في الثقافة اإلسالمية‪ ،‬فقد تكونت فيهم‬
‫العقلية اإلسالمية وأصبحت نفسيتهم نفسية إسالمية‪ .‬وبذلك‬
‫اطمأن عليه الصالة والسالم إلى أنه أوجد تكتالً من الشخصيات‬
‫ّ‬
‫تمت إلى‬
‫اإلسالمية الناضجة الموصولة باهلل تعالى‪ ،‬وال‬
‫المجتمع الجاهلي بصلة‪ .‬وأيقن أن التكتل أصبح مستعدا ً للصدع‬
‫بالدعوة مستعدا ً لمجابهة المجتمع القائم بكل جاهليته‪.‬‬
‫المرحلة الثانية‪ :‬مرحلة الصدع بالدعوة والتفاعل‬
‫مع المجتمع‬
‫في هذه المرحلة‪ ،‬استمر الرسول ‪ r‬في بناء كتلته وتثقيفها‬
‫وزيادة عددها‪ ،‬وأضاف إلى ذلك عدة أعمال كانت األخطر‬
‫واألصعب واألشد في حياة الدعوة التي عاشها تكتل الصحابة‪،‬‬
‫وهذه األعمال هي‪:‬‬
‫‪ -1‬الدعوة الجماهيرية الجهرية لنشر اإلسالم وإيجاد‬
‫الرأي العام اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ -2‬الصراع الفكري لعقائد الكفر وأنظمته وأفكاره‬
‫وللعادات الفاسدة واألفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة‪ ،‬ببيان‬
‫زيفها والدعوة إلى تركها‪.‬‬
‫صد فيه زعما َء قريش‪،‬‬
‫‪ -3‬الكفاح السياسي‪ ،‬الذي تق ّ‬
‫إلصرارهم على الكفر وحكم الناس بأنظمة الكفر‪ ،‬ولوقوفهم في‬
‫وجه الدعوة اإلسالمية‪.‬‬
‫‪167‬‬
‫في مرحلة الجهر بالدعوة هذه‪ ،‬حمل الرسول ‪ r‬الدعوة‬
‫وأظهر الكتلة التي تحمل معه الدعوة سافرة متحدية‪ .‬وفوق ذلك‬
‫فقد كانت هذه الدعوة بذاتها تتضمن كفاح قريش والمجتمع في‬
‫مكة ألنها كانت تدعو إلى توحيد هللا وعبادته وحده‪ ،‬وإلى ترك‬
‫عبادة األصنام واإلقالع عن النظام الفاسد الذي يعيشون ِو ْفقَه‪،‬‬
‫فاصطدمت بقريش اصطداما ً كلياً‪ ،‬فقد سفّه الرسول ‪ r‬أحالمهم‬
‫وحقّر آلهتهم وندّد بحياتهم الرخيصة‪ ،‬ونعى على وسائل عيشهم‬
‫الظالمة‪ .‬ينزل عليه القرآن فيهاجمهم ويقول لهم صراحةً { إنكم‬
‫وما تعبدون من دون هللا حصب جهنم أنتم لها واردون }(‪ ،)1‬ثم‬
‫يهاجم الربا الذي يعيشون عليه مهاجمة عنيفة من أصوله‪،‬‬
‫فيقول تعالى في سورة الروم‪ { :‬وما آتيتم من ربا ليربو في‬
‫أموال الناس فال يربو عند هللا }(‪ ،)2‬ويتوعد الذين يطفّفون‬
‫الكيل والميزان‪ ،‬فيقول تعالى‪ { :‬ويل للمطففين * الذين إذا‬
‫اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو َو َزنُو ُهم‬
‫ي ُْخسِرون }(‪ ،)3‬ولهذا أخذوا يقفون في وجهه‪ ،‬ويؤذونه هو‬
‫وأصحابه بالتعذيب تارة وبالمقاطعة أخرى‪ ،‬وبالدعاوة ضده‬
‫وضد دينه‪ ،‬غير أنه ظل يهاجمهم‪ ،‬واستمر على مكافحة‬
‫اآلراء الخاطئة‪ ،‬وهدم العقائد الفاسدة‪ ،‬والمجاهدة في سبيل‬
‫ي‪،‬‬
‫نشر الدعوة‪ .‬وكان يدعو إلى اإلسالم بكل صراحة‪ ،‬ال يكن ّ‬
‫يلوح‪ ،‬وال يلين وال يستكين‪ ،‬وال يحابي وال يداهن‪ ،‬رغم‬
‫وال ّ‬
‫‪ -1‬سورة األنبياء ‪ -‬اآلية (‪.)98‬‬
‫‪ -2‬سورة الروم ‪ -‬اآلية (‪)39‬‬
‫‪ -3‬سورة المطففين ‪ -‬اآليات (‪)3-1‬‬
‫‪168‬‬
‫ما القاه من قريش من صنوف األذى‪ ،‬ورغم ما يصيبه من‬
‫مشقّات‪.‬‬
‫ومع أنه فرد أعزل ال ُمعين له وال نصير من الناس‪ ،‬وال‬
‫عدة معه وال سالح‪ ،‬فإنه جاء سافرا ً متحدياً‪ ،‬يدعو لدين هللا بقوة‬
‫وإيمان‪ ،‬ال يتطرق إليه أي ضعف عن احتمال تكاليف الدعوة‪،‬‬
‫والقيام باألعباء الجسام من أجلها‪ ،‬فكان لذلك كله األثر في‬
‫التغلب على الصعوبات التي كانت تضعها قريش في وجهه‬
‫لتحول بينه وبين الناس‪ .‬وقد استطاع الرسول ‪ r‬أن يصل إلى‬
‫الناس ويبلّغهم‪ ،‬فأقبلوا على دين هللا‪ ،‬وأخذت قوة الحق تعلو‬
‫علىالباطل‪ ،‬وأخذ نور اإلسالم يزداد كل يوم انتشارا ً بين‬
‫العرب‪ ،‬فأسلم الكثير من عبّاد األصنام ومن النصارى‪ ،‬بل أخذ‬
‫زعماء قريش يسمعون للقرآن وتهفو قلوبهم له‪.‬‬
‫تجلى في هذه المرحلة الكفاح بين فكر وفكر‪ ،‬بين مسلمين‬
‫وكافرين‪ ،‬بدأ ذلك من كتلة الصحابة حين خرج الرسول ‪ r‬ومعه‬
‫أصحابه في ترتيب لم تعهده العرب من قبل‪ ،‬وفي كتلة واحدة‪.‬‬
‫ومنذ ذلك الحين صار الرسول ‪ r‬ينشر الدعوة على الناس كافة‬
‫جهارا ً نهارا ً سافرا ً متحدياً‪ .‬فيكون لهذه الدعوة الجماعية‬
‫والتثقيف الجماعي أثر على قريش‪ ،‬إذ ازداد حقدها وأحست‬
‫بالخطر يقترب منها‪ ،‬وبدأت تتخذ الخطوات الجدية للمقاومة‪،‬‬
‫بعد أن كانت بادىء األمر ال تأبه لمحمد وال لدعوته‪ ،‬فتجلّى‬
‫الكفاح السياسي أكثر فأكثر‪ ،‬فلقد نزل القرآن الكريم يهاجم أبا‬
‫لهب عم الرسول وأحد زعماء مكة‪ ،‬حيث قال تعالى‪ { :‬تبت يدا‬
‫أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ً‬
‫‪169‬‬
‫ذات لهب }(‪ ،)1‬ونزل القرآن الكريم يهاجم الوليد بن المغيرة‬
‫الذي تولى المحاربة الفكرية واإلعالمية للدعوة فقال تعالى‪{ :‬‬
‫كال إنه كان آلياتنا عنيدا ً * سأرهقه صعودا ً * إنه فَ َّكر وقدر *‬
‫فقُتِل كيف قَدّر * ثم قُتِل كيف قَدّر * ثم نظر * ثم عبس وبسر *‬
‫ثم أدبر واستكبر * فقال ْ‬
‫حر يؤثر * إن هذا إال قو ُل‬
‫س ٌ‬
‫إن هذا إالّ ِ‬
‫البشر * سأ ُ ْ‬
‫ص ِليه سقر}(‪ .)2‬فازداد األذى واالضطهاد على‬
‫النبي ‪ r‬وعلى أصحابه‪.‬‬
‫لقد كان للدعوة الجماعية أثر نقلها إلى أفق أوسع‪ ،‬وإن‬
‫كان نقل َح َملتها إلى المشقة والعذاب وتحمل صنوف األذى‪.‬‬
‫وكان يزيد النار اشتعاالً في نفوس زعماء قريش‪ ،‬مهاجمة‬
‫الرسول للظلم والقسوة واالستعباد الذي كان يسود مكة‪ ،‬وكشفه‬
‫ألحوال الكفار وأعمالهم‪ ،‬فكانت هذه المرحلة من أشق‬
‫المراحل‪ ،‬وكان هذا الدور من أعظم األدوار‪.‬‬
‫منذ أن أنشأ الرسول ‪ r‬تكتل الصحابة الذي صدع معه‬
‫بالدعوة إلى اإلسالم كان يستهدف تغيير العرف العام السائد في‬
‫مكة‪ ،‬من عرف عام جاهلي إلى عرف عام إسالمي‪ .‬ذلك أن‬
‫تغيير ذلك العرف العام هو الخطوة األهم في عملية تغيير‬
‫المجتمع واالنتقال به من الجاهلية إلى اإلسالم‪ ،‬فإن ذلك العرف‬
‫العام ما هو في حقيقة األمر إال مجموع ما لدى المجتمع من‬
‫أفكار ومشاعر تكيّف سلوكه وعالقاته ومواقفه‪ .‬فإذا ما انتشر‬
‫اإلسالم واعتنقه الناس بغالبيتهم في مكة فإنهم يكونون قد حملوا‬
‫‪ -1‬سورة اللهب ‪ -‬اآليات ‪3-1‬‬
‫‪ -2‬سورة المدثر ‪ -‬اآليات ‪26-16‬‬
‫‪170‬‬
‫أفكاره‪ ،‬واعتملت في نفوسهم مشاعره‪ ،‬وبذلك يكون العرف‬
‫العام قد تشكل على أساس اإلسالم ‪ -‬ولو علىنحو عمومي ‪ -‬مما‬
‫يؤدي إلى وجود رأي عام يتلمس اإلسالم في مواقفه وآرائه‪.‬‬
‫عندها لن يعود بين المجتمع وبين أن يصبح إسالميا ً إال أن‬
‫يوضع النظام اإلسالمي موضع التطبيق من خالل السلطة‬
‫والحكم‪ ،‬سواء أسلم أهل الحكم والسلطة وأوصلوا اإلسالم إلى‬
‫سدة الحكم بأنفسهم‪ ،‬أو أُطيحوا بالقوة بعد أن يصبح الرأي العام‬
‫في مكة إسالميا ً يريد أن يعيش حياة إسالمية‪ .‬وبذلك يمكن لمكة‬
‫أن تصبح النواة األولى للمجتمع اإلسالمي‪.‬‬
‫إال أن ذلك لم يتحقق للرسول ‪ r‬في مكة‪ ،‬فرغم أن الذين‬
‫دخلوا في اإلسالم من المكيّين زاد عددهم في تلك المرحلة‪ ،‬إال‬
‫أنهم لم يصلوا إلى الحد الذي يمكن أن يقال معه إن العرف العام‬
‫والرأي العام الم ّكي أصبح إسالمياً‪ ،‬فما زال العرف العام السائد‬
‫هو العرف الجاهلي‪ ،‬والرأي العام هو رأي الجاهليين‪ .‬وقد‬
‫وصل األمر مع الرسول ‪ r‬في مكة إلى أن تج ّمد المجتمع في‬
‫وجهه وتح ّجر بحيث لم يعد هناك أي تفاعل بين الدعوة وبين‬
‫الناس بسبب اإلرهاب الذي مارسه صناديد قريش تجاه اإلسالم‬
‫وكل من تحدثه نفسه بالدخول في الدين الجديد‪ .‬مما دفع الرسول‬
‫عليه الصالة والسالم إلى البحث عن مجتمع جديد يحاول فيه‬
‫نشر اإلسالم لعله يكون بديالً عن مكة‪ ،‬نقطةً الرتكاز الدعوة‬
‫تنتقل فيها من مرحلة الدعوة إلى مرحلة التطبيق العملي من‬
‫خالل الحكم‪ .‬وصار يعرض نفسه على القبائل الوافدة إلى مكة‪،‬‬
‫إلى أن أكرم هللا تعالى أهل يثرب بأن يكونوا أهل نصرة اإلسالم‬
‫والرسول ‪.r‬‬
‫‪171‬‬
‫حصل ذلك حين أسلم وفد من المدينة في أحد مواسم الحج‬
‫على يدي الرسول ‪ ،r‬وعادوا إلى المدينة ليدعوا قومهم إلى‬
‫اإلسالم وليأتوا في الموسم التالي بمزيد من الذين انشرحت‬
‫قلوبهم لهداية اإلسالم‪ ،‬فبايعوا الرسول عليه الصالة والسالم‬
‫عند العقبة‪ ،‬فأرسل معهم ‪ r‬الصحابي الجليل الداعية البارع‬
‫مصعب بن عمير رضي هللا عنه‪ ،‬ليعلمهم اإلسالم ويفقههم فيه‬
‫ولينشر اإلسالم في المدينة‪ .‬ولم تمض سنة على وجود مصعب‬
‫في المدينة إال وقد تشكل العرف العام اإلسالمي في المدينة بعد‬
‫أن دخل زعماؤها ومعظم أهلها في اإلسالم‪ .‬وبذلك تكفّل العرف‬
‫العام اإلسالمي في المدينة بركنين من أركان المجتمع اإلسالمي‬
‫أال وهما المفهوم والشعور اإلسالميان المبنيان على العقيدة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬فلم يبق إال أن يأتي الرسول ‪ r‬إلى المدينة ليضع‬
‫األنظمة المنبثقة عن تلك العقيدة موضع التطبيق من خالل‬
‫السلطة والحكم‪ ،‬وبذلك يكون قد قام المجتمع اإلسالمي األول‪.‬‬
‫وهكذا كانت هجرة الرسول ‪ r‬إلى المدينة تتويجا ً لمسيرة‬
‫تأسيس مجتمع اإلسالم‪ ،‬حيث شرع منذ وصوله بتطبيق أنظمة‬
‫اإلسالم على كل الصعد‪ ،‬في الحكم واالقتصاد واالجتماع‬
‫والتعليم والعقوبات والسياسة الداخلية والخارجية‪ .‬ووصل بذلك‬
‫‪ r‬إلى المرحلة الثالثة‪ ،‬مرحلة تطبيق اإلسالم عمليا ً من خالل‬
‫الحكم والسلطان‪ ،‬أي من خالل "الدولة"‪.‬‬
‫‪172‬‬
‫المجتمع اإلسالمي‬
‫واالحتكاك الحضاري والفكري‬
‫حين نقول إن الحضارة اإلسالمية هي مجموعة المفاهيم‬
‫اإلسالمية عن الحياة‪ ،‬فهذا يعني أن الحضارة اإلسالمية هي‬
‫العقيدة اإلسالمية وما انبثق عنها من أنظمة وما نتج عنها وبني‬
‫عليها من أفكار‪ .‬وبالتالي فإنه بقدر ما يكون المجتمع متقيدا ً‬
‫بأوامر هللا ونواهيه‪ ،‬سائرا ً وفق نظام هللا تعالى‪ ،‬ستتجلى فيه‬
‫الحضارة اإلسالمية‪ .‬وبقدر ما يكون الفكر اإلسالمي واضحا ً‬
‫في أذهان المسلمين سيحسنون تطبيقه‪ ،‬وبقدر ما يكون نقيا ً‬
‫وصافيا ً ستكون حضارتهم إسالمية صرفة‪ .‬ونعني بالنقاء‬
‫والصفاء أن ال يداخل الفكر اإلسالمي أي دخل أو فكر غريب‪.‬‬
‫ألن أي فكر غير إسالمي يقحم في الفكر اإلسالمي هو تلويث له‬
‫وتشويه‪ .‬ذلك أن الفكر اإلسالمي ‪ -‬وهو وحي من هللا ‪ -‬هو‬
‫الحق وما سواه هو الباطل‪ ،‬وال يمكن لهما أن يجتمعا‪ .‬وهذا كما‬
‫أسلفنا ما يميّز الحضارة اإلسالمية عن غيرها‪ ،‬من حيث إنها ال‬
‫ّ‬
‫تمت بصلة إلى أي حضارة أخرى‪.‬‬
‫‪173‬‬
‫فما مدى النقاء الذي اتّسم به الفكر اإلسالمي في أذهان‬
‫المسلمين وحياتهم خالل التاريخ اإلسالمي وإلى عصرنا هذا؟‬
‫لقد اقتضت حكمة هللا سبحانه وتعالى أن ينزل الوحي‬
‫باإلسالم بين قوم أميّين بعيدين أشدّ البعد عن المدنية‬
‫شوشت أذهان الشعوب‬
‫والحضارات المعقدة والمتشابكة التي ّ‬
‫واألمم‪ { ،‬هو الذي بعث في األميين رسوالً منهم يتلو عليهم‬
‫آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي‬
‫ضالل مبين }(‪.)1‬‬
‫إذا تلمسنا الفرق بين المجتمع الجاهلي في الجزيرة‬
‫العربية وبين سائر المجتمعات‪ ،‬نجد أن هناك فروقا ً مهمة‬
‫تجعلنا نقف عند شيء ولو يسير من الحكمة في نزول الوحي‬
‫بين هؤالء العرب‪.‬‬
‫إذا تأملنا طبيعة الحياة واألجواء التي أحاطت بالعربي في‬
‫الجزيرة العربية‪ ،‬وجدنا البساطة هي السمة األبرز في حياته‪.‬‬
‫فاألشياء التي يراها حوله في الصحراء قليلة‪ ،‬وربما استطاع‬
‫اإلنسان أن يعدها بالرمال والجبال والمياه والنخيل في الواحة‬
‫واإلبل والدواب والخيام وبعض البيوت الطينية البسيطة وبعض‬
‫الماشية والشمس في النهار والقمر والنجوم في الليل‪ ،‬والقليل‬
‫من األشياء غيرها‪ .‬وها هو القرآن الكريم حين يخاطبهم يراعي‬
‫في ضرب األمثلة ما يقع عليه نظرهم فيقول‪ { :‬أفال ينظرون‬
‫‪ -1‬سورة الجمعة ‪ -‬اآلية (‪)2‬‬
‫‪174‬‬
‫إلى اإلبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال‬
‫كيف نصبت * وإلى األرض كيف سطحت }(‪.)1‬‬
‫وكذلك إذا نظرنا إلى عقائدهم وأفكارهم سنجدها بسيطة‬
‫تافهة‪ ،‬وهي تتلخص في عبادة األوثان وتعظيم العشيرة‬
‫والتفاخر باألموال والبنين‪ ،‬مع التمسك ببعض القيم والشيم‬
‫كالشهامة والشجاعة والمروءة والنجدة والكرم وما شابه ذلك‪.‬‬
‫وتبعا ً لبساطة تلك العقائد واألفكار‪ ،‬كانت عاداتهم وتقاليدهم‬
‫وعالقاتهم تتسم بالبساطة وبعيدة كل البعد عن التعقيد‪ .‬وبالتالي‬
‫كانت أذهانهم صافية بعيدة عن التشوش والتعقيد‪ ،‬ولعل ذلك كله‬
‫يفسر تميّزهم بذاكرة قوية تجلت أكثر ما تجلت في حفظ‬
‫األنساب واألسماء واألشعار‪.‬‬
‫وأما سائر المجتمعات المحيطة التي انتشرت فيها‬
‫الحضارات القديمة كالرومانية والفارسية والهندية والصينية‪،‬‬
‫فإنها كانت مجتمعات مثقفة متمدنة‪ ،‬ازدحمت في أذهانها‬
‫األفكار والمعلومات التي أغدقتها الفلسفات واألديان والنظم‬
‫والحضارات والثقافات والمعارف المتعددة والمختلفة والمتلونة‪.‬‬
‫وكانت الحياة فيها تتسم بالتعقيد بما فيها من مدنية وعمران‬
‫ووسائل مادية‪ ،‬مما جعل أذهان الناس فيها مشوشة تتسم بالتعقيد‬
‫والتكلف‪.‬‬
‫وهكذا كان العرب الصحراويون مؤهلين أكثر من جميع‬
‫هؤالء لتكون فيهم النبوة والرسالة من هللا تعالى‪ ،‬ذلك أن‬
‫أذهانهم كانت مهيّأة ألن تتخلى بسهولة عن العقائد واألفكار‬
‫‪ -1‬سورة الغاشية ‪ -‬اآليات (‪)20 - 19 - 18 - 17‬‬
‫‪175‬‬
‫التافهة السطحية إذا ما اقتنعت بالفكر الجديد الذي نزل وحيا ً من‬
‫عند هللا تعالى‪ ،‬فال يخلطون بينه وبين غيره من الموروثات‬
‫الفكرية السابقة‪ ،‬ألن ذلك قد يؤدي إلى وجود دين جديد‬
‫وحضارة جديدة ليست هي الجاهلية األولى وال اإلسالم‪ ،‬وإنما‬
‫هي مزيج من االثنين ال هوية له وال لون وال طعم‪.‬‬
‫أما لو أردنا أن نتصور ما سيكون حال هذه الدعوة إذا‬
‫انتشرت بادىء أمرها في المجتمعات الرومانية أو الفارسية أو‬
‫الهندية مثالً‪ ،‬فبإمكاننا أن نستحضر في ذهننا الصورة التي‬
‫أحاطت بالدين النصراني حين انتشر في اإلمبراطورية‬
‫الرومانية حيث أصبح مزيجا ً من المسيحية والوثنية والفلسفات‬
‫اليونانية والهندية وغيرها‪ .‬وكذلك يمكننا استحضار صورة‬
‫ال ِف َرق المبتدعة التي انسلخت عن اإلسالم بعد انتشاره خارج‬
‫الجزيرة العربية والتي ما كانت بدعها في حقيقة األمر إال‬
‫اقتباسا ً لألفكار الوثنية والفلسفية الغابرة ومحاولة نَسبها إلى‬
‫اإلسالم زورا ً وبهتاناً‪.‬‬
‫وهكذا كان العرب أهالً ألن يكونوا النواة األولى التي‬
‫تتجسد فيها الحضارة اإلسالمية نقية صافية مبلورة واضحة‬
‫خالية من أي لبس أو لوث أو دخل أو دخن‪.‬‬
‫فما مدى استمرار ذلك النقاء في الفكر اإلسالمي من بعد‬
‫محمد رسول هللا ‪ r‬؟‬
‫إن الناظر في تاريخ الفكر اإلسالمي منذ عهد رسول هللا ‪r‬‬
‫ومرورا ً بعدة قرون من بعده‪ ،‬يجد أن األمة اإلسالمية حافظت‬
‫على نقاء فكرها إلى حد بعيد‪ ،‬ولم توجد أمة انضبطت في‬
‫‪176‬‬
‫تفكيرها وحافظت على هويتها واستقامت في سيرها وفق وجهة‬
‫نظرها وقيادتها الفكرية كما كان حال األمة اإلسالمية‪ .‬فالعقيدة‬
‫اإلسالمية كانت القاعدة الفكرية التي يبني المسلمون عليها‬
‫أفكارهم‪ .‬ونصوص الوحي ‪ -‬وهي القرآن والسنة ‪ -‬كانت‬
‫المصدر ألنظمة الحياة والدولة‪ .‬وكانت األمة حريصة على عدم‬
‫األخذ من أي فكر أو حضارة غير اإلسالم ذلك أن كل ما سوى‬
‫اإلسالم في نظرها هو كفر‪ ،‬ألنه ليس بعد الحق سوى الضالل‪.‬‬
‫إال أن هذا الواقع لم يستمر كما يجب‪ ،‬فقد وصلنا إلى حالة‬
‫لم يعد معها الفكر اإلسالمي واضحا ً في أذهان المسلمين‪ ،‬ولم‬
‫يعد نقيا ً حتى في أذهان العلماء ومدرسي الشريعة وطالبها‪،‬‬
‫حيث دخلت لوثات كثيرة إلى األذهان‪ ،‬وأصبح كثير من األفكار‬
‫ينسب إلى اإلسالم وهو منها براء‪ .‬فما أسباب هذا التلوث؟‬
‫ومتى بدأ؟ وما هو الطريق للتخلص منه وإعادة النقاء إلى فهم‬
‫المسلمين لإلسالم؟‬
‫من البدهي أن تأثر الشعوب بعضها بأفكار بعض يكون‬
‫نتيجة لالحتكاك الفكري بين تلك الشعوب‪ .‬هذا االحتكاك قد‬
‫يؤدي إلى انهزام فكر وانتصار فكر‪ ،‬وقد يؤدي إلى تأثر فكر‬
‫باآلخر‪ ،‬وقد يؤدي إلى تأثر الفكرين كل واحد منهما باآلخر‪.‬‬
‫والتاريخ يرينا أن الفكر اإلسالمي منذ أن احتك بغيره من‬
‫األفكار‪ ،‬لم يصمد أمامه فكر مطلقاً‪ ،‬مادام قد تسنى له من يفهمه‬
‫حق فهمه ويحمله بالتالي على أحسن وجه‪ .‬أما حين أصبح فاقدا ً‬
‫لل َح َملَة الواعين الفاهمين‪ ،‬فقد سنحت الفرصة لغيره من األفكار‬
‫باالنتصار‪ ،‬ال عليه‪ ،‬وإنما على المسلمين‪.‬‬
‫‪177‬‬
‫لقد تعرض الفكر اإلسالمي لكثير من الضغوط والعوامل‬
‫التي من شأنها أن تؤدي إلى تلويثه وتشويهه أو ربما تحريفه‬
‫لوال أن هللا تعالى تكفل بحفظه وهو القائل‪ { :‬إنا نحن ّ‬
‫نزلنا‬
‫الذكر وإنا له لحافظون }(‪ .)1‬فما هي تلك الضغوط والعوامل‬
‫وما مدى تأثيرها على الثقافة اإلسالمية؟‬
‫‪   ‬‬
‫مع ظهور اإلسالم وخالل المرحلة المكية‪ ،‬خاض الرسول‬
‫‪ r‬وصحابته الكرام رضي هللا عنهم‪ ،‬الصراع الفكري إلى جانب‬
‫الكفاح السياسي‪ ،‬في الوقت الذي يعلو فيه الكفر والكفار في‬
‫المجتمع‪ .‬ويمكن أن توصف تلك المرحلة بحق بأنها مرحلة‬
‫ملحمية حيث كانت تقع على عاتق الرسول مهمة من أصعب‬
‫المهمات‪ .‬فهو يقف أعزل مستضعفا ً أمام صناديد الكفار‪،‬‬
‫ويواجههم بدينه‪ ،‬ويعيب عليهم آلهتهم‪ ،‬ويسفه أحالمهم‪ ،‬ويحقّر‬
‫تراث آبائهم‪ ،‬ويطرح دعوته متحديا ً سافرا ً ال يداهن وال يداجي‬
‫وال تلين له قناة‪ .‬فيعمد الكفار إلى ما يملكون من قوة وأسباب‬
‫ووسائل يستخدمونها إما للترهيب أو الترغيب‪ .‬فتارة يعرضون‬
‫عليه المال والجاه والنساء والملك‪ ،‬وتارة يساومونه فيعرضون‬
‫عليه أن يعبدوا إلهه مقابل أن يعبد آلهتهم هو أيضاً‪ ،‬أو على‬
‫األقل أن يكف عن سبها وتحقيرها‪ .‬فإذا فشلت أساليب الترغيب‬
‫‪ -1‬سورة الحجر ‪ -‬اآلية (‪)9‬‬
‫‪178‬‬
‫هذه عمدوا إلى وسائل الترهيب من قتل للصحابة وتعذيب لهم‬
‫وتشريد ومقاطعة اقتصادية واجتماعية وسياسية وغير ذلك‪.‬‬
‫فهل نجحت تلك الضغوط في التأثير على الدعوة وهل كان لها‬
‫أثر في الفكر اإلسالمي؟‬
‫إن لنا أن نتصور ‪ -‬لو لم يكن رسول هللا هو حامل الدعوة‬
‫ أن َح َملَة الدعوة قد يتنازلون عن بعض أفكارهم ومواقفهم‬‫ويداهنون أعداءهم ويسايرونهم حتى يخفّفوا من نقمة المجتمع‬
‫والحكام‪ ،‬وحتى يستميلوا إليهم أتباعا ً لدينهم بعد إجراء‬
‫التعديالت عليه على نحو يوافق عقليات الناس وأمزجتهم‪ ،‬كما‬
‫يفعل كثير من أصحاب الدعوات‪ .‬وعلى الرغم من أن الرسول‬
‫‪ r‬معصوم ال يتصور منه ذلك‪ ،‬إال أن القرآن الكريم يحذره من‬
‫الوقوع في تلك الحبائل الشيطانية التي يحيكها صناديد قريش‪،‬‬
‫السيما المداهنة والمسايرة والتملق‪ .‬فيقول تعالى‪ { :‬فال تطع‬
‫المكذبين * ودّوا لو تدهن فيدهنون }(‪ .)1‬وبعض اآليات‬
‫تصرح بأن الكفار كادوا أن يصرفوا الرسول ‪ r‬عن بعض‬
‫اإلسالم لوال تثبيت هللا تعالى له‪ ،‬حين قال تعالى‪ { :‬وإن كادوا‬
‫ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا ً التخذوك‬
‫خليالً * ولوال أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ً قليالً * إذا ً‬
‫وضعف الممات ثم ال تجد لك علينا نصيرا ً‬
‫ألذقناك ِضعف الحياة ِ‬
‫}(‪ .)2‬قال القرطبي في تفسير هذه اآليات‪" :‬هو قول أكابر‬
‫قريش للنبي ‪ :r‬أطرد عنا هؤالء السقاط والموالي حتى نجلس‬
‫‪ -1‬سورة القلم ‪ -‬اآليتان (‪)9 - 8‬‬
‫‪ -2‬سورة اإلسراء‪ -‬اآليات (من ‪ 73‬حتى ‪)75‬‬
‫‪179‬‬
‫معك ونسمع منك‪ ،‬فهم بذلك حتى نهي عنه‪ .‬وقال قتادة‪ :‬ذكر لنا‬
‫أن قريشا ً خلوا برسول هللا ‪ r‬ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه‬
‫ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنك تأتي بشيء ال يأتي‬
‫به أحد من الناس‪ ،‬وأنت سيدنا يا سيدنا‪ ،‬وما زالوا به حتى كاد‬
‫يقاربهم في بعض ما يريدون‪ ،‬ثم عصمه هللا من ذلك‪ ،‬وأنزل‬
‫هللا تعالى هذه اآلية‪ ...‬ولما نزلت هذه األية {ولوال أن ثبتناك‪}...‬‬
‫اآلية‪ ،‬قال عليه السالم‪ :‬اللهم ال تكلني إلى نفسي طرفة عين‪...‬‬
‫وقال ابن عباس‪ :‬كان رسول هللا ‪ r‬معصوماً‪ ،‬ولكن هذا تعريف‬
‫لألمة لئال يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام هللا‬
‫تعالى وشرائعه"‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬فإن هذه األجواء التي عاشها الرسول ‪ r‬والصحابة‬
‫الكرام في مكة‪ ،‬جلبت الكثير من الضغوط المادية على حملة‬
‫الدعوة‪ ،‬إال أننا رأينا أن هذه الضغوط لم يكن لها أي تأثير على‬
‫الدعوة وال على الفكر اإلسالمي‪ ،‬فهي حقبة النبوة‪ ،‬وقائد الدعوة‬
‫هو محمد رسول هللا ‪ ،r‬فأنّى للكفر أن يفلح في ذلك‪ .‬وقد تخطى‬
‫الرسول ‪ r‬تلك المرحلة وأصبح لإلسالم دار ودولة تحكم بما‬
‫أنزل هللا تعالى‪ .‬وزالت تلك الضغوط عن حملة الدعوة بعد أن‬
‫تخلصوا من طغيان الكفار‪ ،‬وأصبحوا حكام مجتمعهم في المدينة‬
‫المنورة‪ ،‬حيث ُوضع اإلسالم موضع التنفيذ والتطبيق‪ .‬ولم‬
‫تمض عشر سنين إال وقد انتشر اإلسالم في الجزيرة العربية‬
‫كلها على يد رسول هللا ‪ ،r‬وطبق اإلسالم فيها نقيا ً صافياً‪ ،‬وعلى‬
‫أحسن وجه‪.‬‬
‫‪   ‬‬
‫‪180‬‬
‫بعد وفاة الرسول ‪ ،r‬تابع الصحابة الكرام المسيرة‪،‬‬
‫فبايعوا خلفاء يحكمونهم بكتاب هللا وسنة رسوله ويرعون‬
‫شؤونهم باألنظمة التي انبثقت عن العقيدة اإلسالمية‪ .‬وكان‬
‫الخلفاء الراشدون حريصين أشد الحرص على الحفاظ على‬
‫نقاء اإلسالم وصفائه وبراءته من أي لوث أو دخل‪ .‬حتى إن‬
‫اتساع الدولة اإلسالمية وترامي أطرافها لم يغرهم باقتباس‬
‫األفكار وأنظمة الحكم واالقتصاد‪ .‬ففرقوا بين الحضارة‬
‫والمدنية وكذلك بين الثقافة والعلوم‪ .‬وفرقوا بين أنظمة الحكم‬
‫والقوانين اإلدارية‪ .‬فرفضوا الحضارات والثقافات وأنظمة‬
‫الحياة كلها ما دامت من غير اإلسالم‪ ،‬وأخذوا ما يلزمهم من‬
‫المدنية والعلوم والقوانين اإلدارية‪ ،‬وذلك كما فعل عمر بن‬
‫الخطاب حين أخذ نظام الدواوين الذي لم يكن أكثر من أسلوب‬
‫إداري كالدوائر واإلدارات والسجالت التي تضمن حسن‬
‫تطبيق النظام الذي تبنته الدولة‪.‬‬
‫وقد حافظ الفكر اإلسالمي على نقائه طوال عهد الخلفاء‬
‫الراشدين‪ .‬وكذلك من بعدهم‪ ،‬إال أنه خالل العهد األموي بدأت‬
‫بعض اللوثات تتسرب إلى أذهان المسلمين فيخلطونها باإلسالم‪.‬‬
‫من أوائل المحاوالت الختراق الفكر اإلسالمي كانت‬
‫عمليات دس األحاديث‪ .‬فقد عمد أعداء اإلسالم إلى األحاديث‬
‫النبوية يدسون فيها أحاديث مكذوبة لم يقلها الرسول ‪ r‬ولكنهم‬
‫زوروها وض ّمنوها معاني غير إسالمية ومفاهيم تناقض‬
‫اإلسالم‪ ،‬حتى يأخذها المسلمون ويعملوا بما فيها فيبعدوا عن‬
‫‪181‬‬
‫اإلسالم‪ .‬وبالفعل كذبوا على الرسول ‪ r‬أحاديث كثيرة دسوها‬
‫بين األحاديث وأشاعوها بين الناس‪ .‬غير أن المسلمين فطنوا‬
‫لهؤالء الزنادقة وقضوا على مؤامراتهم‪ ،‬فهب العلماء ورواة‬
‫الحديث يجمعون الحديث ويضعون تاريخ رواته وأوصافهم‬
‫ويبينون الحديث الصحيح من الضعيف من المكذوب‪ ،‬حتى حفظ‬
‫الحديث فحصرت رواية الحديث في تابعي التابعين عن التابعين‬
‫عن الصحابة‪ ،‬ولم تقبل بعدهم أي رواية‪ .‬وحصر الرواة‬
‫وعرف كل واحد منهم‪ ،‬وبُينت طبقات كتب الحديث‪ ،‬حتى‬
‫أصبح بإمكان المسلم إذا تتبع الحديث أن يعرف صحته من‬
‫ضعفه من كذبه‪ ،‬بمعرفة سنده ومتنه‪ .‬وفوق ذلك فإن الدولة‬
‫اإلسالمية ضربت على يد هؤالء الزنادقة بيد من حديد حتى‬
‫كان جزاء الكثيرين منهم القتل جزاء على افترائهم األحاديث‬
‫على رسول هللا ‪ ،r‬وبذلك لم يكن لهذه المؤامرة على اإلسالم وال‬
‫على ثقافته أثر يذكر‪ .‬ولكن الخطر داهم الثقافة اإلسالمية من‬
‫طريق آخر‪.‬‬
‫حدث ذلك حين بدأ االحتكاك الفكري بالشعوب التي فتح‬
‫المسلمون بالدها‪ ،‬من رومية نصرانية وفارسية وهندية وقبطية‬
‫وغيرها‪ .‬وكانت تلك الشعوب تحمل قبل الفتح اإلسالمي ثقافات‬
‫وأفكارا ً عميقة األثر في نفوسهم‪ .‬وكان على المسلمين أن‬
‫يشمروا عن سواعدهم لخوض صراع فكري مع هؤالء حتى‬
‫يوصلوا إليهم اإلسالم‪ .‬فالفتوح اإلسالمية إنما شرعت لهذا‬
‫السبب‪ ،‬وكان كل فتح يعقبه انتشار للعلماء والدعاة حتى يدخل‬
‫الناس في دين هللا أفواجاً‪ .‬فخاض بعضهم غمار مجادلة أهل‬
‫الكتاب الذين كانوا ينتشرون في بالد الشام وشمال إفريقية‬
‫‪182‬‬
‫وبعض العراق‪ ،‬وخاض بعضهم غمار مجادلة المجوس‬
‫الفارسيين وبعضهم جادل الوثنيين من هنود وصينيين وغيرهم‪.‬‬
‫لقد كان البدهي أن يحقق المسلمون انتصارا ً ساحقا ً على‬
‫كل الثقافات والحضارات واألديان التي كان يعتنقها الكفار من‬
‫الشعوب المفتوحة‪ ،‬ولم يستغرق األمر سنين طواالً‪ ،‬بل لقد‬
‫دخلت شعوب تلك البالد اإلسالم بأسرع من لمح البصر في‬
‫حساب تاريخ الشعوب واألمم‪ ،‬وهجرت حضاراتها وثقافاتها‬
‫وانصهرت في حضارة اإلسالم وتثقفت بثقافته‪.‬‬
‫إال أن هذا الصراع الحضاري والفكري الذي انتصر فيه‬
‫المسلمون على سائر الثقافات والحضارات‪ ،‬لم يمض دون أن‬
‫يصابوا ببعض "الشظايا الفكرية" المتناثرة في ميدان المعركة‪،‬‬
‫فقد كان االصطدام الفكري جدّ عنيف‪ .‬وكان أصحاب األديان‬
‫األخرى يثيرون الشبهات ويجادلون المسلمين في العقائد‪ ،‬ألن‬
‫أساس الدعوة مبني على العقيدة واألفكار المتعلقة بها‪ .‬فكان‬
‫حرص المسلمين على الدعوة اإلسالمية‪ ،‬وحاجتهم للرد على‬
‫خصومهم قد حمل الكثيرين منهم على تعلم بعض األفكار‬
‫الفلسفية لتكون بيدهم سالحا ً ضد خصومهم‪ .‬فقد تسربت مسائل‬
‫فلسفية الهوتية من نصارى النساطرة وأمثالهم وعرف منطق‬
‫ّ‬
‫واطلع بعض المسلمين على بعض كتب‬
‫أرسطو بين المسلمين‪،‬‬
‫الفلسفة‪ ،‬وترجمت كتب كثيرة من اليونانية إلى السريانية ثم إلى‬
‫العربية‪ ،‬ثم صارت الترجمة من اليونانية إلى العربية‪ ،‬فكان هذا‬
‫مساعدا ً على وجود األفكار الفلسفية‪ .‬وكانت األديان األخرى‬
‫وخاصة اليهودية والنصرانية قد تسلحت بالفلسفة اليونانية‪،‬‬
‫‪183‬‬
‫وأدخلت للبالد األفكار الفلسفية‪ ،‬فكان ذلك كله موجدا ً أفكارا ً‬
‫فلسفية حملت المسلمين على دراستها‪.‬‬
‫إال أن تلك الدراسة لم تكن دراسة فلسفية كاملة‪ ،‬وإنما‬
‫دراسة أفكار فلسفية للرد على النصارى واليهود‪ ،‬ألنه ما كان‬
‫يتسنى للمسلمين الرد إال بعد االطالع على أقوال الفالسفة‬
‫اليونانيين‪ ،‬السيما ما يتعلق منها بالمنطق والالهوت‪ .‬ولذلك‬
‫اندفعوا إلى اإلحاطة بالفرق األجنبية وأقوالها وحججها‪ .‬وبذلك‬
‫أصبحت البالد اإلسالمية ساحة تعرض فيها كل اآلراء وكل‬
‫الديانات ويُتجادل فيها‪ .‬والشك أن الجدل يستدعي النظر‬
‫والتفكير ويثير مسائل متعددة تستدعي التأمل‪ ،‬وتحمل كل فريق‬
‫على األخذ بما صح عنده‪ ،‬فكان هذا الجدل والتفكير مؤثرا ً إلى‬
‫حد كبير في إيجاد أشخاص ينهجون نهجا ً جديدا ً في البحث‬
‫والجدل والنقاش‪ .‬وقد أثرت عليهم األفكار الفلسفية التي تعلموها‬
‫فتكون‬
‫تأثيرا ً كبيرا ً في طريقة استداللهم‪ ،‬وفي بعض أفكارهم‪،‬‬
‫ّ‬
‫جرا َء ذلك "علم الكالم" وصار فنا ً خاصاً‪ ،‬ونشأت في البالد‬
‫اإلسالمية بين المسلمين جماعة "المتكلمين"‪.‬‬
‫صحيح أن هؤالء المتكلمين كان تأثرهم األساسي هو‬
‫بالقرآن‪ ،‬وأساسهم الذي يبنون عليه بحثهم هو القرآن‪ ،‬إال أنهم ‪-‬‬
‫وقد تعلموا الفلسفة للدفاع عن القرآن وتسلحوا بها ضد‬
‫خصومهم ‪ -‬صار لهم منهج خاص في البحث والتفكير‪ ،‬يخالف‬
‫‪184‬‬
‫منهج القرآن والحديث وأقوال الصحابة ويخالف في الوقت نفسه‬
‫منهج الفالسفة اليونانيين في بحثم وتقريرهم وتدليلهم(‪.)1‬‬
‫حين ظهر علم الكالم على الساحة الثقافية اإلسالمية القى‬
‫مواجهة عنيفة من علماء المسلمين وفقهائهم‪ .‬إذ إنه أدخل طريقة‬
‫في البحث غريبة عن الحس اإلسالمي ومخالفة كما أسلفنا‬
‫لمنهج القرآن والسنة في بحث العقائد‪ .‬لذلك عارض معظم‬
‫الفقهاء علم الكالم وكان حكمهم في المتكلمين شديداً‪ .‬من ذلك ما‬
‫قاله اإلمام الشافعي رضي هللا تعالى عنه‪ ":‬حكمي في علماء‬
‫الكالم أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر‬
‫ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في علم‬
‫الكالم"(‪ .)2‬وقال اإلمام ابن عبد البر‪":‬أجمع أهل الفقه واآلثار‬
‫في جميع األمصار أن أهل الكالم أهل بدع وزيغ وال يعدون‬
‫عند الجميع‪ ،‬في جميع األمصار في طبقات العلماء‪ .‬وإنما‬
‫العلماء أهل األثر والفقه فيه‪ ،‬ويتفاضلون فيه باإلتقان والميز‬
‫والفهم"(‪.)3‬‬
‫إال أنه مع مرور الزمن بدأ علم الكالم ينتشر بشكل واضح‬
‫ويلقى قبوالً لدى معظم العلماء‪ ،‬حتى أصبحت عبارة "علم‬
‫الكالم" مرادفة لعبارة "علم التوحيد" أو "أصول الدين"‪ ،‬بل إن‬
‫كثيرا ً ممن بقوا ينكرون على المتكلمين وعلم الكالم انزلقوا إلى‬
‫الخوض في مسائله ووفق منهجه دون أن يفطنوا إلى ما وقعوا‬
‫‪ -1‬راجع‪ :‬النبهاني ‪ -‬الشخصية اإلسالمية‪ ،‬الجزء األول ‪( -‬ص ‪ 47‬حتى‬
‫‪.)50‬‬
‫‪ -2‬تلبيس إبليس ‪ -‬ص (‪.)107‬‬
‫‪ -3‬جامع بيان العلم وفضله ‪ -‬ج ‪ - 2‬ص (‪.)95‬‬
‫‪185‬‬
‫فيه‪ .‬وكان من أسوأ آثاره أنه اندمج مع علم أصول الفقه على‬
‫شوه ذلك العلم الذي هو من أج ّل العلوم‪.‬‬
‫نحو ّ‬
‫ولعل ظهور "علم الكالم" والمتكلمين كان باكورة التأثر‬
‫الفعلي لدى المسلمين بسائر الثقافات والحضارات‪ .‬وقد توالت‬
‫بعد ذلك موجات التأثير التي أصابت البنيان الفكري لألمة‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫فبعد ظهور علم الكالم والمتكلمين وانتشار المؤلفات‬
‫الفلسفية وترجماتها‪ ،‬أصبح ا ّ‬
‫الطالع على الفلسفة اليونانية‬
‫وغيرها‪ ،‬من األمور المتيسرة في بالد المسلمين‪ ،‬مما أدى إلى‬
‫ظهور من عرفوا "بالفالسفة المسلمين" الذين لم يقتصر عملهم‬
‫على االطالع على بعض جوانب األبحاث الفلسفية والرد عليها‪،‬‬
‫بل تخطوا ذلك إلى دراسة الفلسفة دراسة كاملة والسير على‬
‫منهجها بشكل كامل‪ .‬ومن أشهر هؤالء "الكندي" المتوفى سنة‬
‫‪ 260‬هـ‪ ،‬ثم جاء بعده "الفارابي" و"ابن سينا" و"جابر بن‬
‫حيان" وغيرهم‪.‬‬
‫وقد أخطأ كثيرا ً من عدّ فلسفة هؤالء "فلسفة إسالمية"‪،‬‬
‫ذلك أنها ال ّ‬
‫تمت إلى اإلسالم بصلة‪ ،‬بل هي تتناقض مع اإلسالم‬
‫تناقضا ً تاماً‪ ،‬سواء من حيث األساس أو من حيث كثير من‬
‫التفاصيل‪ .‬أما من حيث األساس فإن هذه الفلسفة تبحث في ما‬
‫وراء الكون‪ ،‬أي في الوجود المطلق‪ ،‬بخالف اإلسالم فإنه إنما‬
‫يبحث في الكون وفي المحسوسات فحسب‪ ،‬فيقول تعالى‪ {:‬إن‬
‫في خلق السموات واألرض واختالف الليل النهار والفلك التي‬
‫تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل هللا من السماء من‬
‫‪186‬‬
‫ماء فأحيا به األرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة‬
‫وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء واألرض‬
‫آليات لقوم يعقلون }(‪ ،)1‬ويمنع البحث في ذات هللا‪ ،‬وفيما‬
‫وراء الكون‪ ،‬ويأمر بالتسليم به تسليما ً مطلقاً‪ ،‬والوقوف عند‬
‫حد ما يأمر باإليمان به من دون زيادة‪ ،‬ودون أن يسمح للعقل‬
‫في محاولة بحثه‪ .‬وأما من حيث التفاصيل فإن في هذه الفلسفة‬
‫أبحاثا ً كثيرة يعتبرها اإلسالم كفراً‪ ،‬ففيها أبحاث تقول بقدم‬
‫العالم وأنه أزلي‪ ،‬وأبحاث تقول إن نعيم الجنة روحاني وليس‬
‫مادياً‪ ،‬وأبحاث تقول إن هللا يجهل الجزئيات‪ ،‬وغير ذلك مما‬
‫هو كفر صراح قطعا ً في نظر اإلسالم(‪.)2‬‬
‫إال أن الجدير ذكره‪ ،‬هو أن هؤالء الفالسفة لم يبلغوا أن‬
‫يكونوا جماعات أو مذاهب‪ ،‬ولم يتبعهم جمهور من المسلمين‪،‬‬
‫أي أنهم لم يكونوا يعبّرون عن الرأي العام اإلسالمي‪ ،‬وال حتى‬
‫عن قسم منه‪ .‬لذلك ليس من الصواب أخذ أبحاثهم بعين االعتبار‬
‫حين دراسة الثقافة السائدة في األمة اإلسالمية آنذاك‪ .‬فليس كل‬
‫من كتب كتابا ً أو صنّف مصنفا ً يشكل تيارا ً فكريا ً في المجتمع‪،‬‬
‫فإنه ال تكون له تلك األهمية إال أن تنتشر أفكاره لدى جمهور‬
‫من الناس‪ .‬بل إننا نرى هؤالء الفالسفة منبوذين من قبل الرأي‬
‫العام الذي كان ينظر بعين الريبة‪ ،‬بل والسخط‪ ،‬إلى أبحاثهم‬
‫وانحرافاتهم الفكرية‪ ،‬والسيما أن الرأي العام كان يستلهم معظم‬
‫مواقفه من آراء المجتهدين والفقهاء الذين وقفوا بالمرصاد أمام‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية (‪.)164‬‬
‫‪ -2‬راجع‪ :‬النبهاني ‪ -‬الشخصية اإلسالمية‪ ،‬الجزء األول ‪ -‬ص (‪ 122‬حتى‬
‫‪.)125‬‬
‫‪187‬‬
‫تلك االنحرافات الفكرية‪ .‬ويمكننا القول إن هؤالء الفالسفة لم‬
‫يحظوا طوال التاريخ باألهمية التي حظوا بها في التاريخ‬
‫الحديث والمعاصر‪ .‬وربما ذاع صيتهم في البالد الغربية قبل‬
‫اإلسالمية في التاريخ المعاصر‪ ،‬نتيجة حركة االستشراق التي‬
‫توجهت دائما ً نحو اإلعالء من شأن الفرق الضالة والمبتدعة‬
‫أمثال القرامطة وغيرها من الفرق الباطنية‪ ،‬وكذلك اإلعالء من‬
‫شأن الفالسفة أمثال ابن سينا والفارابي والكندي وابن حيان‬
‫وابن رشد‪ .‬وحاول هؤالء المستشرقون دائما ً إظهار هؤالء‬
‫الفالسفة في صورة المفكرين المتنورين والعباقرة المبدعين‬
‫الذين انتفضوا على جمود العصور الوسطى وتخلفها وتزمتها‪،‬‬
‫والذين كانوا ضحية الفقهاء والرجعيين من رجاالت الدولة‬
‫وحكامها‪ .‬تماما ً كما كانوا يصورون مفكري عصر النهضة‬
‫األوربية أو الفالسفة المتنورين الذين انتفضوا في وجه االستبداد‬
‫الديني والظلم والتعسف الذي مارسه رجال الدين والكنيسة‬
‫المتحكمون بالمجتمع وثقافته‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬مهما يكن شأن هؤالء ضئيالً في ذلك الوقت‪ ،‬إال‬
‫أن أبحاثهم كانت ممرا ً لبعض األفكار الفلسفية التي لم يكن لها‬
‫أن تنتشر وتتركز في أذهان المسلمين لوال أن أسدى لها بعض‬
‫العلماء خدمة جليلة بإضفاء الصفة الشرعية عليها‪ ،‬وأبرز تلك‬
‫األفكار ما صنف تحت عنوان "التصوف"‪.‬‬
‫‪   ‬‬
‫‪188‬‬
‫حين دخلت أفكار الصوفية والتصوف بادىء األمر إلى‬
‫الميدان الثقافي في العالم اإلسالمي عبر ترجمات الكتب‬
‫الهندية والفارسية وغيرها واعتنقها بعض الناس وأخذوا‬
‫أفكارها‪ ،‬عاملها المسلمون ‪ -‬وفي مقدمتهم العلماء والفقهاء‪-‬‬
‫كما عاملوا سائر الفلسفات والفالسفة‪ ،‬بل كان موقفهم إزاءها‬
‫أشد قسوة وأكثر وضوحاً‪ ،‬وذلك لبعد الشقة بينها وبين العقيدة‬
‫اإلسالمية من حيث األساس‪ .‬ذلك أن الفلسفة الصوفية الوافدة‬
‫من الهند والصين والتي تأثر بها النصارى قبل المسلمين‪ ،‬بل‬
‫وحتى قبل ظهور اإلسالم‪ ،‬حوت من األفكار واآلراء ما‬
‫يخالف اإلسالم‪ ،‬بل ويعد كفرا ً صريحا ً بنظره‪ .‬ففيها أفكار‬
‫الحلول واالتحاد‪ ،‬وارتقاء المتصوفة إلى سدة الذات اإللهية‪،‬‬
‫أو تجسد الذات اإللهية في شخص المتصوفة‪ ،‬وفيها االعتقاد‬
‫بحدوث المعجزات على أيدي المتصوفة وما شاكل ذلك‪ ،‬مما‬
‫ال يمكن بشكل من األشكال أن يلقى قبوالً أو حتى تجاهالً من‬
‫قبل المسلمين‪ .‬لذلك كان "األفراد" الذين أخذوا األفكار‬
‫الصوفية واعتنقوها مثل محي الدين بن عربي والحالّج‬
‫وغيرهما من المنبوذين المغضوب عليهم في المجتمع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬ومعدودين في عداد الزنادقة والكفار المرتدين‪.‬‬
‫إلى أن جاء الوقت الذي بدأت فيه الصوفية تلقى القبول‪،‬‬
‫حين لقيت العناية من بعض العلماء المسلمين الذين تكفلوها‬
‫بالرعاية وأخذوا على عاتقهم تهذيبها وتنقيتها مما يخالف العقيدة‬
‫اإلسالمية‪ .‬وكان من أبرز هؤالء اإلمام "أبو حامد الغزالي"‬
‫‪189‬‬
‫المتوفى سنة ‪505‬هـ‪ .‬إال أن هذا األمر أدى لألسف إلى تبني‬
‫األساس الذي تقوم عليه الصوفية‪ ،‬فضالً عن أن الصوفية هي‬
‫جملة وتفصيالً فكرة غريبة عن اإلسالم وسابقة عليه زمناً‪.‬‬
‫فاألساس الذي تقوم عليه الصوفية‪ ،‬هو أن الوجود كله‬
‫مكون من مادة وروح‪ ،‬أي أن فيه المادي المحسوس والغيبي‬
‫الذي ال يُرى والذي س ّموه الروح‪ .‬وكذلك اإلنسان في نظرهم‬
‫مكون من مادة ‪ -‬وهي الجسد ‪ -‬ومن الروح‪ .‬وكانوا ينظرون‬
‫إلى المادة على أنها الشر المطلق وإلى الروح على أنها الخير‬
‫المطلق‪ .‬وبالتالي فإن اإلنسان مكون من ناحيتين متناقضتين‬
‫تعمل كل منهما على أن تطغى على األخرى‪ .‬فإما أن يتغلب‬
‫الجسد على الروح فينحط اإلنسان إلى درك الدناءة والرذيلة‬
‫والشر ووحل األرض‪ ،‬وإما أن تتغلب الروح على الجسد‬
‫مصاف المالئكة واألولياء وينسلخ عن مادة األرض‬
‫فيرتقي إلى‬
‫ّ‬
‫والتراب والجسد حتى يصل في ذروة ارتقائه إلى العلوم‬
‫والمعرفة ال من طريق االكتساب وتلمس األسباب‪ ،‬وإنما من‬
‫طريق الكشف والتجلي‪ ،‬وحتى تحصل المعجزات أو‬
‫ا"الكرامات" على أيدي "األولياء الصالحين"‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬وبجهود علماء كالغزالي وغيره انتشرت فكرة‬
‫الصوفية وشعائرها وطقوسها‪ ،‬فبدأت أفواج المتصوفين تسلك‬
‫دروب "رياضة النفس والروح"‪ ،‬من خالل التقشف وتعذيب‬
‫الجسد والبعد عن متاع الحياة الدنيا وزخرفها وهجر المجتمع‬
‫وترك األسباب واحتقار العمل والنضال السياسي والمكوث في‬
‫الزوايا والتكايا‪ .‬كل ذلك حتى تتغلب الروح على الجسد ويصل‬
‫مصاف المالئكة واألولياء‪ .‬مع أن تلك الفلسفة‬
‫"األتقياء" إلى‬
‫ّ‬
‫‪190‬‬
‫التي تقوم عليها "الصوفية" ليست من اإلسالم في شيء‪ ،‬بل هي‬
‫مخالفة له كل المخالفة(‪ .)1‬وهكذا كانت تلك الفكرة من عوامل‬
‫الهبوط في المجتمع اإلسالمي‪ ،‬فهي تدفع اإلنسان إلى هجر‬
‫المجتمع وازدراء الحياة إلى حد يجعل من المتصوف إنسانا ً‬
‫عديم الغاية فاقد الهدف‪ ،‬فال نشاط لديه وال عمل يؤدي إلى‬
‫أساس من تقوى هللا سبحانه وتعالى الذي‬
‫عمارة الدنيا على‬
‫ٍ‬
‫استخلف اإلنسان في األرض فقال له‪ { :‬هو أنشأكم من األرض‬
‫واستعمركم فيها }(‪ .)2‬وكان ضغثا ً على إبالة أن اندمجت فكرة‬
‫الصوفية تلك مع القدرية الغيبية التي تؤمن بأن اإلنسان‬
‫كالريشة في مهب الريح أو كالخشبة التي تتالطمها األمواج‪،‬‬
‫فال قيمة إلرادة اإلنسان وال لقدرته وال جهده‪ ،‬فكل ما في هذه‬
‫الدنيا يحصل نتيجة خطة محكمة ال يملك اإلنسان التأثير في‬
‫شيء منها‪ .‬وال يخفى على واعٍ ما في تلك المفاهيم من خطر‬
‫مدمر على أي مجتمع من المجتمعات‪.‬‬
‫وفي تلك المرحلة التي انتشرت فيها حركة الترجمة‪ ،‬وهي‬
‫زمن الخالفة العباسية‪ ،‬انتشرت في بعض البالد اإلسالمية‬
‫ولدى بعض المذاهب اإلسالمية فكرة جديدة ال تقل خطرا ً عن‬
‫األفكار السابق ذكرها‪ .‬هذه المرة أتت هذه الفكرة من ثقافة‬
‫الفارسيين الذين فتح المسلمون بالدهم وأسقطوا دولتهم ودخلوا‬
‫في اإلسالم كسائر الشعوب التي دخلت تحت راية الدولة‬
‫اإلسالمية‪ .‬الشك أن تلك الشعوب دخلت في اإلسالم مخلصة‬
‫‪ -1‬راجع في هذا الكتاب‪" :‬الروح والناحية الروحية"‪.‬‬
‫‪ -2‬سورة هود ‪ -‬اآلية (‪.)61‬‬
‫‪191‬‬
‫صادقة‪ ،‬إال أن بعض الحاقدين على اإلسالم وأهله تستروا‬
‫بلباس اإلسالم وسلكوا درب النفاق من أجل أن يطعنوا اإلسالم‬
‫من داخله‪ ،‬فحملوا معهم موروثاتهم الفكرية من ثقافاتهم وأديانهم‬
‫البائدة السابقة محاولين دسها في اإلسالم والثقافة اإلسالمية‪.‬‬
‫فكان من ثمرات ذلك الدس أن انتشرت بين صفوف قسم من‬
‫المسلمين فكرة "عصمة األئمة" وفكرة الوصاية بالخالفة لألئمة‬
‫المعصومين‪ .‬وملخص تلك الفكرة أن هللا تعالى لم يترك‬
‫المسلمين بعد الرسول ‪ r‬ليختاروا خليفة له ينصبونه عن طريق‬
‫البيعة‪ ،‬إذ ال يجوز أن تُترك رعاية شؤون المسلمين ومهمة حفظ‬
‫الدين ألناس يخطئون ويصيبون‪ .‬وإنما عيّن سبحانه أئمة‬
‫بأسمائهم هم الخلفاء الشرعيون للرسول عليه الصالة والسالم‬
‫بنص الوحي‪ ،‬وهم من المعصومين عن المعصية ومخالفة‬
‫الشرع‪ ،‬وال يجوز ألحد غيرهم أن يتولى منصب الخالفة‪ ،‬وكل‬
‫من تولى ذلك المنصب هو معتد على الشرع ومغتصب لحق‬
‫األئمة المعصومين في الخالفة‪.‬‬
‫والذي يُنعم النظر في التاريخ الفارسي وحضارته يدرك‬
‫مدى االرتباط بين الثقافة الفارسية وفكرة "عصمة األئمة"‪ .‬فلقد‬
‫كان الملك الفارسي يحكم الناس بصفته ممثالً لإلرادة اإللهية‪،‬‬
‫بل كان الفارسيون يعتقدون "أن قرارات الملك وأحكامه إنما‬
‫يوحيها إليه اإلله نفسه‪ ،‬وعلى هذا األساس كان قانون المملكة‬
‫مستمدا ً من اإلرادة اإللهية وكان كل خروج على هذا القانون‬
‫يعد خروجا ً على إرادة اإلله"(‪ .)1‬وليس من قبيل المصادفة‬
‫‪ -1‬ول ديورانت ‪ -‬قصة الحضارة ‪ -‬ج‪ - 2‬ص (‪.)418‬‬
‫‪192‬‬
‫على األرجح أن فكرة عصمة األئمة نشأت وترعرعت في‬
‫بالد فارس وال زالت تتركز فيها إلى اليوم‪ .‬وعلى كل حال‪،‬‬
‫فإن فكرة الحكم بموجب التفويض اإللهي كانت منتشرة في‬
‫تلك العصور‪ ،‬بحيث يندر أن تخلو منها دولة من الدول‪.‬‬
‫‪   ‬‬
‫هكذا دخلت المؤثرات الحضارية والفكرية الواحدة تلو‬
‫األخرى إلى الميدان الثقافي في األمة اإلسالمية‪ ،‬ما أفقد‬
‫المسلمين نقاء الفكر وصفاءه ووضوحه إلى حد من الحدود‪.‬‬
‫إال أنه بأي حال من األحوال‪ ،‬لم يصل األمر إلى أن يفقد‬
‫المسلمون هويتهم‪ ،‬أو تتغير حضارتهم وتُسلب شخصيتهم‪ .‬فكل‬
‫تلك المؤثرات لم تكن في يوم من األيام لتقوى على إيمان‬
‫المسلمين بعقيدتهم وثقتهم بتشريعهم ومفاهيمهم اإلسالمية‪ .‬فال‬
‫زالت العقيدة اإلسالمية هي القاعدة الفكرية التي يبني المسلمون‬
‫عليها أفكارهم‪ ،‬وال زال القرآن والسنة وما أرشدا إليه مصادر‬
‫التشريع لديهم‪ .‬وعلماء الكالم إنما كانوا يبذلون طاقتهم وجهدهم‬
‫في دراسة المنطق بغاية تثبيت العقيدة اإلسالمية‪ ،‬وجعلوا‬
‫العقيدة اإلسالمية أساسا ً ألبحاثهم‪ .‬والفالسفة الذين ظهروا بين‬
‫المسلمين بقوا أفرادا ً ولم يكن لهم شأن يذكر في الرأي العام‪.‬‬
‫والصوفية على خطرها وفسادها ومجانبتها لإلسالم لم‬
‫تكن تقوى على مزاحمة العقائد األساسية لدى المسلمين‪ .‬وفكرة‬
‫‪193‬‬
‫"عصمة األئمة والوصاية بالخالفة" لم تتعد أتباع بعض‬
‫المذاهب التي عرفت باإلمامية‪ ،‬ولم تجد قبوالً لدى الغالبية‬
‫العظمى من المسلمين‪ ،‬فضالً عن كونها فكرة خيالية غير قابلة‬
‫للتطبيق‪ ،‬بل لقد خالفها أتباعها وحملتها أنفسهم حين مارسوا‬
‫السياسة والحكم بمعزل عنها‪ ،‬سواء على يد البويهيين أو‬
‫الفاطميين أو الصفويين أو غيرهم‪.‬‬
‫واألهم من ذلك كله أن أصحاب السهم األكبر واألعظم في‬
‫تشكيل الرأي العام والتوجيه الثقافي في العالم اإلسالمي كانوا‬
‫"الفقهاء"‪ .‬وهؤالء كانوا بكل تأكيد بعيدين عن التأثر بالثقافات‬
‫واألفكار غير اإلسالمية‪ .‬فلقد كانت أبحاثهم تنصبّ على دراسة‬
‫اللغة العربية لغة القرآن والسنة‪ ،‬وعلى فهم المدلوالت اللغوية‬
‫والشرعية للقرآن والسنة من أجل استنباط األحكام الشرعية‬
‫وضبط سلوك المسلمين بها‪ .‬فحياة المسلمين وعالقاتهم في‬
‫مجتمعهم ودولتهم كانت تسيّرها مجموعة األحكام الشرعية‬
‫المستنبطة من الكتاب والسنة‪ ،‬ولم يكن لحاكم أن يفكر في‬
‫استبدال أنظمة وضعية باألنظمة اإلسالمية أو أن يتجرأ على‬
‫ذلك‪.‬‬
‫وأما ما حاول بعض المستشرقين وأتباعهم من المثقفين‬
‫المتغربين ترويجه من أن الفقه اإلسالمي قد تأثر بغيره من‬
‫التشريعات‪ ،‬والسيما التشريع الروماني‪ ،‬فال أساس له من‬
‫الصحة‪ ،‬بل هو حقا ً خرافة ال ّ‬
‫حظ لها من الحقيقة‪.‬‬
‫ذلك أنه لم يرو أحد أن واحدا ً من المسلمين‪ ،‬فقهاء أو غير‬
‫فقهاء‪ ،‬قد أشار إشارة إلى الفقه الروماني ال على سبيل النقد وال‬
‫‪194‬‬
‫على سبيل التأييد‪ ،‬وال على سبيل االقتباس‪ ،‬ولم يذكره أحد ال‬
‫بالقليل وال بالكثير‪ ،‬مما يدل على أنه لم يكن موضع حديث‪،‬‬
‫فضالً عن أن يكون موضع بحث‪ .‬وإن بعض المسلمين ترجموا‬
‫الفلسفة اليونانية‪ ،‬ولكن الفقه الروماني لم تترجم منه أي كلمة أو‬
‫جملة فضالً عن كتاب‪ ،‬مما يبعث على الجزم أنه قد ألغي‬
‫وطمس من البالد بمجرد فتحها‪.‬‬
‫ثم إن المسلمين يعتقدون أن هللا خاطب في الشريعة‬
‫اإلسالمية جميع البشر‪ ،‬وحرم عليهم وضع التشريعات حين‬
‫إن الحُك ُم إالّ هلل }(‪ ،)1‬وقال سبحانه‪ {:‬اتبعوا ما أنزل‬
‫قال‪ِ { :‬‬
‫إليكم من ربكم وال تتبعوا من دونه أولياء }(‪ ،)2‬ويرون أن كل‬
‫من ال يؤمن بالشريعة اإلسالمية كافر‪ ،‬فهم يعتقدون أن أي‬
‫حكم غير حكم اإلسالم‪ ،‬هو حكم كفر يحرم عليهم أخذه‪ .‬فمن‬
‫يعتقد هذا االعتقاد ويعمل به ال يمكن أن يأخذ غير حكم‬
‫اإلسالم‪ .‬والسيما في العصر األول عصر الفتوحات وهو‬
‫العصر الذي استقر فيه الفقه اإلسالمي وازدهر وتبلور لدى‬
‫مذاهب فقهية عظيمة الشأن إلى يومنا هذا كالمذهب الشافعي‬
‫والحنفي والمالكي وغيرها‪ .‬فالمسلمون يفتحون البالد إلنقاذ‬
‫أهلها من حكم الكفر‪ ،‬فكيف يأخذون حكم الكفر الذي جاؤوا‬
‫ليزيلوه ويضعوا مكانه حكم اإلسالم؟! فالحقيقة والواقع‬
‫المحسوس أن الفقه اإلسالمي أحكام مستنبطة مستندة إلى‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬أو إلى ما أرشدا إليه من أدلة‪ .‬وإن الحكم إذا لم‬
‫‪ -1‬سورة األنعام ‪ -‬اآلية (‪.)57‬‬
‫‪ -2‬سورة األعراف ‪ -‬اآلية (‪.)3‬‬
‫‪195‬‬
‫يكن مستندا ً إلى دليل شرعي‪ ،‬ال يُعَدّ من أحكام اإلسالم‪ ،‬وال‬
‫يُ َعدّ من الفقه اإلسالمي‪.‬‬
‫وهكذا كان وجود المجتهدين والفقهاء وما يُجْ رونه من‬
‫مناظرات ومناقشات فقهية وتنافس على درك الرأي األصوب‬
‫في المسائل الفقهية‪ ،‬كان كل ذلك صمام األمان للمجتمع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬والضمان لمعالجة أي خلل يمكن أن يطرأ على‬
‫المجتمع اإلسالمي‪ .‬ولذلك كانت الطامة الكبرى حين انزلق‬
‫المسلمون في قضية إقفال باب االجتهاد‪ .‬فقد كان ذلك يعني أن‬
‫الحيوية الفكرية األساسية لدى المسلمين والتي هي سبب‬
‫ارتقائهم ونهضتهم قد حكم عليها باإلعدام‪ .‬وربما كان ذلك‬
‫الحكم هو أكثر األحكام جورا ً وظلما ً في التاريخ اإلسالمي‪ .‬فقد‬
‫أصبح واجبا ً على كل المسلمين بما في ذلك العلماء والفقهاء أن‬
‫ال يخرجوا عن أطر المذاهب التي استقرت قبل إقفال باب‬
‫االجتهاد‪.‬‬
‫صحيح أنه ظهر مجموعة من المجتهدين الذين لم يأبهوا‬
‫لفكرة إغالق باب االجتهاد وتابعوا أداء تلك الفريضة‪ ،‬إال أن‬
‫ذلك اإلقفال القى من االستجابة ما كان له أثر بالغ في جمود‬
‫التفكير وشح العلم والعلماء‪ .‬فإننا إذا شهدنا في عصر ازدهار‬
‫الفقه ظهور مدارس فقهية عظيمة مثل الشافعية والحنفية‬
‫والمالكية‪ ،‬فإننا لم نعد نعثر على تلك الظاهرة بعد إغالق باب‬
‫االجتهاد‪ ،‬بل كان معظم الفقهاء والمجتهدين الذين ظهروا بعد‬
‫ذلك ينتسبون إلى إحدى تلك المذاهب القديمة‪.‬‬
‫من الطبيعي أن يتوقع الباحث أن إغالق باب االجتهاد‬
‫سيؤدي إلى تغلغل مزيد من األفكار الوافدة إلى ثقافة المسلمين‬
‫‪196‬‬
‫وإلى مزيد من التلوث الفكري في العالم اإلسالمي‪ .‬إال أن الواقع‬
‫كان غير ذلك‪ .‬صحيح أن البنيان الفكري لدى المسلمين قد فقد‬
‫مناعته بعد إغالق باب االجتهاد‪ ،‬إال أن ذلك لم يكن كافيا ً لتغلغل‬
‫اللوثات الفكرية والثقافية إلى ذلك البنيان‪ ،‬ذلك أن تلك اللوثات‬
‫لم يعد لها وجود آنذاك‪ .‬فالحضارات التي احتك بها المسلمون‬
‫في صـدر التاريخ اإلسالمي مع اندفاع الفتوحات اإلسـالمـيـــة‬
‫ وعلى رأسها الحضارتان الرومانية والفارسية ‪ -‬لم يعد لها‬‫وجود يذكر على الساحة الدولية‪ .‬فدولة فارس سقطت‬
‫واإلمبراطورية البيزنطية وريثة الحضارة الرومانية تلفظ‬
‫أنفاسها األخيرة‪ .‬وأوربا الغربية الكاثوليكية كانت تعيش في‬
‫دياجير العصور الوسطى وانحطاطها‪ ،‬وما من رسالة حضارية‬
‫لديها تحملها إلى العالم‪ .‬والمغول والتتار والتركمان الذين لم‬
‫يعتنقوا اإلسالم بعد‪ ،‬كانوا أشد منهم انحطاطا ً وأكثر تخلفاً‪ .‬أما‬
‫ّ‬
‫واالطالع على المعارف والثقافات السابقة فقد‬
‫حركة الترجمة‬
‫توقفت عند حد معّين واستنفدت أغراضها‪ .‬وهكذا بقيت األمة‬
‫اإلسالمية سيدة المبادرة الحضارية والثقافية فضالً عن السياسية‬
‫في الساحة الدولية‪ ،‬وبقيت تعيش على التراث الفقهي السابق‪،‬‬
‫صبت جهود الفقهاء المتتابعين على شرح المصنفات الفقهية‬
‫وان ّ‬
‫القديمة وكتابة الشروح على المتون وربما الشروح على‬
‫الشروح‪ ،‬أو على تلخيص تلك المصنفات وربما تلخيص‬
‫شروحها‪.‬‬
‫وخالل تلك األجواء التي استمرت مئات السنين لم تجد‬
‫األمة اإلسالمية من ينازعها فكريا ً وحضارياً‪ ،‬وازدادت ثقتها‬
‫بنفسها حين انتصرت على أعدائها عسكريا ً بعد أن طردت‬
‫‪197‬‬
‫الصليبيين والمغول والتتار‪ ،‬وعادت الخالفة اإلسالمية في عهد‬
‫العثمانيين لتوحد معظم العالم اإلسالمي وتكون أقوى دولة في‬
‫العالم وتملك الجيش الذي ال يقهر‪ .‬فركن المسلمون إلى‬
‫أوضاعهم الثقافية والفكرية والتشريعية والحضارية عموماً‪ ،‬إذ‬
‫ما من ناقوس يدق حولهم وينبههم إلى الخطر المحدق بهم‪.‬‬
‫‪   ‬‬
‫ولكن التاريخ جاء فيما بعد ليثبت أن الكيان اإلسالمي كان‬
‫ينتظر حضارة واحدة على قدر من الرقي والنهوض‪ ،‬تقف‬
‫بمواجهته حتى تتزعزع أركانه وينهار بنيانه‪ .‬فإذا كانت األمة‬
‫اإلسالمية قد تغلبت في الماضي على جميع األمم فكريا ً بسبب‬
‫المبدأ العظيم الذي تحمله وتحسن فهمه وتطبيقه‪ ،‬وانتصرت‬
‫عسكريا ً بسبب قوة إيمانها وطاقتها الروحية وحبها للجهاد‬
‫والشهادة في سبيل هللا‪ ،‬فقد جاء الوقت الذي يقوم فيه كيان جديد‬
‫يواجه المسلمين حضاريا ً وفكريا ً بما يحمله من مبدأ جديد‪،‬‬
‫ويواجههم عسكريا ً بما يتمتع به من قوة صناعية وتكنولوجية‪.‬‬
‫أال وهو كيان الحضارة الغربية المعاصرة الذي تكاملت صورته‬
‫مع بداية القرن التاسع عشر الميالدي‪ .‬ولسنا هنا بصدد البحث‬
‫في الصراع العسكري والمادي الذي نشب بين الدولة اإلسالمية‬
‫والدول الغربية‪ ،‬فبحثنا منصبّ على االحتكاك الفكري والثقافي‬
‫بين المسلمين وسائر الثقافات والحضارات‪ .‬إال أن ذلك الصراع‬
‫العسكري والمادي يكتسب أهميته في البحث لما أسفر عنه من‬
‫تفوق للغرب على الدولة اإلسالمية ومن ثم انتصاره عليها‪،‬‬
‫‪198‬‬
‫األمر الذي أصاب المسلمين بصدمة عنيفة أفقدتهم ثقتهم بأنفسهم‬
‫وحضارتهم وثقافتهم وتشريعهم‪ ،‬فكانت تلك أعظم صدمة وأبلغ‬
‫إصابة أصيبت بها األمة اإلسالمية‪ ،‬ولوال أن تلك األمة تحمل‬
‫ّ‬
‫لحق للباحث المراقب أن‬
‫رسالة هللا الخالدة إلى يوم القيامة‪،‬‬
‫يقول إن تلك الصدمة كانت هي اإلصابة القاتلة لألمة اإلسالمية‬
‫والحضارة اإلسالمية‪.‬‬
‫لقد واجهت األمة اإلسالمية عبر تاريخها الطويل الكثير‬
‫من األعداء من كل حدب وصوب‪ ،‬إال أن العدو اللدود الذي‬
‫استمر الصراع معه منذ صدر التاريخ اإلسالمي وحتى يومنا‬
‫هذا هو الدول األوربية‪ ،‬سواء تمثل هذا العدو التاريخي‬
‫باإلمبراطورية البيزنطية التي حاربها المسلمون حتى أسقطوها‬
‫عام ‪1453‬م‪ ،‬أم بممالك أوربا الغربية الكاثوليكية التي اقتحم‬
‫المسلمون ديارها عبر األندلس‪ ،‬أم تمثلت بالدول الغربية‬
‫االستعمارية الحديثة التي قامت على أساس حضاري جديد هو‬
‫الرأسمالية اللبرالية‪.‬‬
‫ولما لم يكن للدول األوربية من رسالة حضارية تحملها‬
‫إلى العالم خالل العصور الوسطى‪ ،‬وتواجه بها المسلمين على‬
‫األخص‪ ،‬كان سالحها الوحيد هو الحروب الصليبية‪ .‬لذلك لم‬
‫تكن تشكل آنذاك ذلك الخطر العظيم‪ ،‬وال سيما على أمة تقوم‬
‫على حضارة عريقة راقية كاألمة اإلسالمية‪ ،‬بل إن تلك‬
‫الحروب ذاتها لم تكن لتالقي النجاح لوال الظروف التي القتها‬
‫في العالم اإلسالمي من تفكك وتشرذم ونزاع داخلي وتسابق‬
‫على الواليات واإلمارات‪ .‬لذلك ما أن عاد المسلمون إلى توحيد‬
‫يجرون أذيال الخيبة إلى بالدهم‪.‬‬
‫صفوفهم حتى عاد الصليبيون ّ‬
‫‪199‬‬
‫إال أن الطامة الكبرى كانت حين بدأ المجتمع الغربي يتشكل‬
‫على أسس جديدة جعلت منه كيانا ً حضاريا ً جديدا ً يملك من‬
‫األفكار والمفاهيم واألنظمة ما يستطيع أن يواجه به العالم‬
‫بأسره‪ ،‬والسيما األمة اإلسالمية التي كانت المارد المخيف‬
‫ألوربا على مر السنين‪.‬‬
‫لم تكن الحضارة الغربية المعاصرة لتنتصر يوما ً من‬
‫األيام على الحضارة اإلسالمية‪ ،‬ولم يكن الفكر الغربي ليتفوق‬
‫على المبدأ اإلسالمي‪ ،‬ذلك أن المبدأ اإلسالمي هو وحده الذي‬
‫يقوم على العقيدة الصحيحة دون غيرها‪ ،‬ونظامه هو النظام‬
‫الذي أنزله هللا تعالى‪ ،‬فهو النظام الوحيد الصالح لإلنسان‪ .‬فإذا‬
‫انتصر الغرب في صراعه الفكري والحضاري مع األمة‬
‫اإلسالمية فإنه لم ينتصر على اإلسالم‪ ،‬فاإلسالم دين هللا الذي‬
‫يعلو وال يُعلى عليه‪ ،‬والذي ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من‬
‫خلفه‪ .‬وإنما انتصر الغرب على المسلمين أنفسهم‪ ،‬الذين لم‬
‫يعودوا يأخذون اإلسالم بقوة وفهم ووعي كما كان شأنهم في‬
‫السابق‪.‬‬
‫مع بداية القرن التاسع عشر‪ ،‬ومع اندالع ثورات التحرر‬
‫في الغرب‪ ،‬والتي كانت فاتحتها الثورة الفرنسية عام ‪1789‬م‪،‬‬
‫أخذت تتبلور معالم الحضارة الغربية المعاصرة ويتكامل بنيانها‬
‫الفكري وقام المجتمع الغربي على أساس أفكار وأنظمة جديدة‬
‫تتمثل في الرأسمالية اللبرالية بعد أن كانت تسوده األنظمة‬
‫اإلقطاعية‪ .‬وبما أن تلك الحضارة تقوم ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬على‬
‫أساس عقيدة عقلية سياسية تنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع‬
‫والدولة‪ ،‬فقد أحدثت في الغرب تلك النهضة التي ال نراها نحن‬
‫‪200‬‬
‫المسلمين النهضة الصحيحة‪ ،‬إال أنها كانت كافية لتقف في وجه‬
‫أمة تبلد تفكيرها وتحجرت أفكارها وأساءت تطبيق نظامها‬
‫وعاشت على "هامش" حضارتها العظيمة‪ ،‬هي األمة‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫ها هو الغرب في القرن التاسع عشر تزدهر حضارته‬
‫وتتكون مؤسساته السياسية على أساس قوي‪ ،‬ويستقر مجتمعه‬
‫إلى حد كبير ويمضي مرتقيا ً نحو النهضة‪ ،‬ويقوى اقتصاديا ً‬
‫وعسكرياً‪ ،‬ويبدع مدنيا ً وعمرانيا ً وتكنولوجياً‪ ،‬في وقت تتصدع‬
‫فيه الدولة اإلسالمية وتفقد ثغورها الواحد تلو اآلخر‪ ،‬وتتفاقم‬
‫فيها المشاكل واألزمات السياسية واالقتصادية‪ ،‬وتضعف‬
‫عسكرياً‪ ،‬وتتخلف على الصعيد المدني والتكنولوجي‪ ،‬وتهوي‬
‫بسرعة نحو االنحطاط‪ .‬بعبارة مختصرة أخذت ال ِكفة تميل‬
‫بسرعة هائلة لصالح الحضارة الغربية‪.‬‬
‫كل تلك األوضاع‪ ،‬مضافا ً إليها الذهول الذي أصاب األمة‬
‫اإلسالمية بعدما أيقنت بتفوق عدوها عليها على هذا النحو‪،‬‬
‫جعلت األرض مفتوحة ليشن الغرب حربا ً من نوع جديد على‬
‫األمة اإلسالمية‪ ،‬يستخدم فيها سالحا ً أمضى من أسلحة الحروب‬
‫الصليبية‪ .‬إنها حرب حضارية سالحها األفكار ووجهات النظر‬
‫وأنظمة الحياة‪ ،‬وميدانها الثقافة والمعرفة والمناظرات‪ .‬ولما‬
‫كان العامل المعنوي هو العامل األهم في الحروب حتى الفكرية‬
‫منها‪ ،‬كانت األجواء تنذر من البداية بانتصار الغرب على‬
‫المسلمين‪ .‬ذلك أن المسلمين بسبب ما لمسوا من تخلفهم وتفوق‬
‫عدوهم عليهم‪ ،‬بدأوا يفقدون الثقة بمفاهيمهم وأنظمتهم‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ما جعل معنوياتهم ضعيفة أمام عدو يتمتع بارتفاع‬
‫‪201‬‬
‫المعنويات ويفتخر بحضارته وأفكاره وأنظمته "العصرية‬
‫الحديثة"‪.‬‬
‫وهكذا تزاحمت التساؤالت في أذهان المسلمين‪ :‬لماذا‬
‫نهض الغرب؟ لماذا تخلفنا؟ هل أخذ الغرب بأسباب القوة‬
‫وتركناها؟ هل يمكن أن تكون مفاهيمنا غير صحيحة؟ لعلنا‬
‫فهمنا اإلسالم على نحو خاطىء! لعل الغرب أخذ بمحاسن‬
‫إسالمنا! أال يجوز أن نأخذ من الغرب أسباب نهضته؟ ألم يأخذ‬
‫هو منا أسباب النهضة بعد أن كنا روادها؟! أال يمكن التوفيق‬
‫بين اإلسالم والحضارة الغربية؟ أال يجوز أن نقتبس بعض‬
‫يحرم االنتفاع بما عند‬
‫األنظمة من الغرب؟ هل اإلسالم‬
‫ّ‬
‫اآلخرين؟‪...‬‬
‫وأثناء تلك التساؤالت التي أربكت أذهان المسلمين‬
‫وشوشتها‪ ،‬راح الغرب يرشق سهامه الفكرية يهاجم بها اإلسالم‬
‫وحضارته وأحكامه ومعالجاته وأنظمته ونمط عيشه‪ .‬فأدى ذلك‬
‫بطبيعة الحال إلى أن تكون الحضارة الغربية في حال الهجوم‪،‬‬
‫واألمة اإلسالمية في حال الدفاع‪ ،‬ويا ليته كان دفاعا ً ناجحا ً ذابّا ً‬
‫عن حمى اإلسالم‪.‬‬
‫لقد هاجم الغرب نظام الخالفة وقال إنه نظام فردي‬
‫دكتاتوري‪ ،‬وإن البديل هو النظام الديمقراطي‪ .‬وهاجم الجهاد‬
‫وقال إنه طغيان ونشر لإلسالم بقوة السيف وحرمان للشعوب‬
‫من حق تقرير المصير‪ .‬هاجم تعدد الزوجات وقال إنه ظلم‬
‫للمرأة وامتهان لكرامتها‪ .‬وهاجم رابطة األخوة اإلسالمية وقال‬
‫إنها تعصب وتزمت وإن الرابطة الصحيحة هي القومية أو‬
‫‪202‬‬
‫الوطنية‪ .‬هاجم الحكم بأحكام الدين وقال إنه رجعية فالبد من‬
‫فصل الدين عن الدولة والسياسة‪.‬‬
‫فما هو الرد الدفاعي لدى المسلمين على ذلك الهجوم‬
‫وتلك االتهامات؟‬
‫إن حالة االنسالب التي اعترت األمة اإلسالمية جعلتها‬
‫تقبل بكونها متهمة‪ ،‬وأنه يجب أن تدفع عن نفسها التهم‪ ،‬مع أن‬
‫ما يهاجمه الغرب هو فضائل وليس برذائل‪ ،‬وهو حسن وليس‬
‫قبحاً‪ .‬إال أن المسلمين ل ّما كانوا قد فقدوا حيوية التفكير وألمعية‬
‫الذهن نتيجة قرون مضت‪ ،‬وباب االجتهاد مقفل‪ ،‬لم ينتبهوا إلى‬
‫تلك الحقائق‪ .‬فبدل أن يدافعوا عن نظام الخالفة ويقولوا إنه‬
‫النظام الصحيح وأن القيادة ال يمكن إال أن تكون فردية‪ ،‬وأن‬
‫يقولوا إن الديمقراطية نظام كفر ألنها تجعل حق التشريع‬
‫للشعب بينما هو حق هلل تعالى‪ ،‬وأنها فكرة خادعة كاذبة‪ ،‬بدل‬
‫ذلك قالوا إن الديمقراطية هي من اإلسالم وإن الحكم في اإلسالم‬
‫يقوم على الشورى وهي عين الديمقراطية‪ .‬وبدل أن يفتخروا‬
‫بأنهم يجاهدون الدول والحكام من أجل تحطيم الحواجز التي‬
‫تقف أمام حمل اإلسالم رسالة إلىالعالم‪ ،‬بينما غيرهم من األمم‬
‫والدول تقاتل وتسفك الدماء من أجل السيطرة على البالد‬
‫واستعباد أهلها وسلب ثرواتها‪ ،‬بدالً من ذلك قالوا‪ :‬إن الجهاد هو‬
‫حرب دفاعية فقط وال تجوز إال لصد العدوان عن البالد‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫‪203‬‬
‫صروا عليها فيقولوا‬
‫وبدل أن يثبتوا على أحكام اإلسالم وي ّ‬
‫إن السماح بتعدد الزوجات هو النظام الصحيح ألنه من عند هللا‬
‫تعالى الذي خلق اإلنسان ويعلم ما يصلح له‪ ،‬وأن هذا السماح‬
‫هو النظام الذي يحول دون تفشي الزنا والرذيلة وبوار النساء‪،‬‬
‫بدالً من ذلك قالوا إن اإلسالم قيّد تعدد الزوجات ولم يسمح به‬
‫إال في حاالت خاصة‪ ،‬وما شاكل ذلك‪.‬‬
‫وهكذا مضى المسلمون في التوفيق بين الحضارة الغربية‬
‫واإلسالم‪ ،‬حتى خلطوا أحكام اإلسالم وأفكاره بأحكام الغرب‬
‫وأفكاره وأنظمته‪ .‬وإذا كانت مئات السنين مضت ولم يتأثر‬
‫المسلمون إال بالقليل القليل من أفكار الحضارات والثقافات التي‬
‫احتكوا بها‪ ،‬فإن عشرات من السنين شن خاللها الغرب حربه‬
‫الحضارية والفكرية على المسلمين‪ ،‬كانت كافية ألن تجعل من‬
‫ثقافتهم مزيجا ً سمجا ً ممقوتا ً من أفكار اإلسالم وأفكار الحضارة‬
‫الغربية‪.‬‬
‫في الماضي حين كان المسلمون ال يزالون يحتقرون‬
‫الغرب ومجتمعه وحضارته رفضوا أن يأخذوا منه أي شيء‪،‬‬
‫حتى المنجزات واإلبداعات المدنية والتكنولوجية المادية‪ ،‬وحين‬
‫حاول بعض الوالة تحديث األساليب والوسائل واألشكال في‬
‫البالد اإلسالمية‪ ،‬جابههم الفقهاء حتى إن بعضهم حرم استخدام‬
‫المطابع والهاتف‪ .‬أما حين تفوق الغرب بشكل واضح وهدد‬
‫الدولة اإلسالمية وانبهر المسلمون بالغرب وتفوقه المدني‬
‫شرعت األبواب أمام كل‬
‫والصناعي فإن األمر قد اختلف‪ .‬فقد ّ‬
‫ما يرد من الغرب دون تفريق بين الحضارة والمدنية‪ ،‬ودون‬
‫تفريق بين الثقافة والعلم‪ .‬وبدأت أفكار الغرب تغزونا الفكرة تلو‬
‫‪204‬‬
‫الفكرة‪ .‬فغزتنا فكرة الديمقراطية وغزتنا فكرة الحريات العامة‬
‫وفكرة القومية وفكرة الوطنية‪ ،‬كل ذلك مع التظاهر بالتمسك‬
‫باإلسالم‪ ،‬فتنسب تلك األفكار إلى اإلسالم وهو منها بريء‪.‬‬
‫فيقول المسلمون إن الديمقراطية من اإلسالم‪ ،‬واإلسالم صان‬
‫الحريات العامة‪ ،‬واإلسالم يحفظ للقوميات خصوصيتها‬
‫وكرامتها‪ ،‬واإلسالم عزز الحس الوطني حين أمر بالدفاع عن‬
‫"األوطان"‪ .‬وهكذا أصبحت كل فكرة تأتي من الغرب وتفرض‬
‫نفسها على الرأي العام تقحم في اإلسالم زورا ً وبهتاناً‪ ،‬بواسطة‬
‫قواعد "فقهية" جديدة لم نسمع بها لدى الفقهاء األوائل‪ ،‬مثل‬
‫قاعدة "ال ينكر تغير األحكام بتغير األزمان" وقاعدة "حيثما‬
‫تكون المصلحة فثم شرع هللا"‪ ،‬وبواسطة الكالم عن "مرونة‬
‫الشريعة وتطورها" وما شاكل ذلك‪.‬‬
‫‪   ‬‬
‫إال أن ذلك الحرص على التوفيق بين اإلسالم والحضارة‬
‫الغربية أخذ يتالشى بعد زوال سلطان اإلسالم وهدم الخالفة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وخضوع البالد اإلسالمية في القرن العشرين‬
‫لحكومات تحكم بغير ما أنزل هللا‪ ،‬وتقيم المؤسسات اإلعالمية‬
‫والتعليمية التي تروج للحضارة الغربية بوصفها غاية ما‬
‫وصلت إليه البشرية حتى اآلن من تطور وتقدم ورقي‪ ،‬وعلى‬
‫أن نظامها هو النظام اإلنساني الصالح لهذا العصر‪ .‬مما أدى‬
‫إلى قناع ٍة مفادها أن نظام اإلسالم ومعالجاته وأحكامه لم تعد‬
‫‪205‬‬
‫صالحة لزماننا هذا‪ .‬فأعرض معظم المثقفين عن محاوالت‬
‫التوفيق بين اإلسالم والحضارة الغربية‪ ،‬وحملوا أفكارا ً‬
‫تتعارض بكل وضوح وصراحة مع اإلسالم‪ ،‬فأصبحت فكرة‬
‫فصل الدين عن الدولة رأيا ً عاماً‪ ،‬وأصبح التحاكم إلى األنظمة‬
‫الوضعية أمرا ً طبيعياً‪ ،‬وأصبح االنسياق وراء سياسات‬
‫المستعمر وشعاراته شيئا ً ال غضاضة فيه‪ .‬والرابطة القومية ثم‬
‫الوطنية حلت محل رابطة اإلسالم‪ .‬وانتشرت شعارات مناوئة‬
‫لإلسالم ونظامه ووجهة نظره‪ ،‬مثل شعار " دع ما هلل هلل وما‬
‫لقيصر لقيصر" وشعار "الدين هلل والوطن للجميع" وشعار‬
‫"اإلسالم أطهر من تلويثه بالسياسة"‪ .‬وحين ظهر عداء الدول‬
‫الغربية الرأسمالية وطمعها ببالد المسلمين اتجه كثير من‬
‫المثقفين نحو االشتراكية وفلسفتها ونظامها‪ ،‬حتى وصل كثير‬
‫من األفراد إلى التشدق باإللحاد واالفتخار باعتناق الديالكتيكية‬
‫المادية‪ .‬فلم يعد اإلسالم السياسي والحضاري محل بحث‪ ،‬اللهم‬
‫إال تراثا ً تاريخيا ً‪ ،‬ولم يعد المثقفون يكترثون إلى مدى موافقة‬
‫أفكارهم لإلسالم أو مخالفتها له‪ .‬فاإلسالم ال شأن له في نظرهم‬
‫بالحياة والمجتمع والدولة والسياسة‪ ،‬وإنما هو عالقة بين‬
‫اإلنسان وخالقه فقط‪ ،‬ومجاله المسجد والبيت‪ ،‬ال الحياة‬
‫والمجتمع وال السياسة‪.‬‬
‫إال أن ذلك الدين الذي تكفل هللا تعالى بحفظه لم يفقد ثلة‬
‫من المؤمنين المخلصين الذين بقوا على تمسكهم باإلسالم دينا ً‬
‫ونظاما ً للحياة‪ ،‬ولم ينجرفوا مع تيارات العلمانية واإللحاد‪ .‬فجاء‬
‫دورهم ليصبحوا رواد الساحة الفكرية والثقافية حين سقطت كل‬
‫الطروحات والشعارات الوافدة إلى العالم اإلسالمي من الغرب‬
‫‪206‬‬
‫أو من الشرق‪ .‬فقد تضافرت جهودهم مع األوضاع والظروف‬
‫السياسية المستجدة لتدفع األمة اإلسالمية منذ السبعينيات من هذا‬
‫القرن نحو التمسك من جديد باإلسالم دينا ً ونظاما ً للحياة‬
‫والمجتمع والدولة ولترفض كل التوجهات واألفكار‬
‫والطروحات المعادية لإلسالم والمخالفة له‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬إن أهم عامل في تحويل األمة من جديد باتجاه‬
‫اإلسالم كان وجود دعاة من المسلمين بقوا يجذفون بعكس التيار‬
‫الجارف حتى تحول التيار على نحو موا ٍ‬
‫ت لهم إلى حد بعيد‪ .‬إال‬
‫أن هذا التحول على ما فيه من بشائر الخير والفرج‪ ،‬عاد ليحمل‬
‫معه الخطر المدمر الذي حاق باألمة منذ أن بدأت الحضارة‬
‫الغربية بغزوها‪ ،‬أال وهو اختالط اإلسالم بما ليس إسالماً‪ .‬فإن‬
‫المسلمين حين بدأوا يتحولون نحو اإلسالم بوصفه الحل‬
‫والخالص من األوضاع المتردية التي يعانون منها‪ ،‬لم‬
‫يتخلصوا من تأثير الحضارة الغربية وثقافتها وأنظمتها‪ .‬كما أن‬
‫األوضاع واألجواء التي فرضتها األنظمة الحاكمة عليهم منذ‬
‫عشرات السنين ضربت حول أذهان المسلمين جدارا ً سميكا ً‬
‫يحول بينهم وبين رؤية النظام اإلسالمي وطراز عيشه‬
‫ومجتمعه رؤية حقيقية واضحة ونقية‪ .‬فلم يعودوا يستطيعون‬
‫تصور شكل نظام اإلسالم ونمط المجتمع اإلسالمي بمعزل عن‬
‫األنظمة القائمة بما فيها من مؤسسات وما أفرزته من عالقات‪.‬‬
‫ومسايرة لهذا الواقع‪ ،‬قامت حركات وجماعات تتبنى‬
‫اإلسالم بوصفه نظاما ً للحياة والمجتمع والدولة‪ ،‬إال أنها تطرح‬
‫اإلسالم على نحو ال يتعارض مع الحضارة الغربية والقانون‬
‫الدولي وشرعة األمم المتحدة‪ ،‬وال تطرح بديالً كامالً عن‬
‫‪207‬‬
‫األوضاع القائمة في البالد اإلسالمية وفي سائر بالد العالم‪.‬‬
‫وإنما تقترح بعض اإلصالحات والتعديالت‪ ،‬وتفهم اإلسالم على‬
‫نحو يؤهلها للتعايش مع األوضاع السياسية المحلية واإلقليمية‬
‫والدولية‪ ،‬وعلى نحو يرضي الرأي العام الذي يرتبط شعوريا ً‬
‫باإلسالم ويتأثر فكريا ً بالحضارة الغربية‪.‬‬
‫والكافر المستعمر الذي بقيت عينه ساهرة للحيلولة دون‬
‫تحرر المسلمين من سيطرته ونفوذه‪ ،‬أدرك في السنوات‬
‫األخيرة أن اإلسالم سيبقى يفرض نفسه على المسلمين‪ ،‬ولن‬
‫يأتي يوم يندرس فيه هذا الدين بوصفه نظاما ً للحياة‪ .‬فعمد من‬
‫جديد إلى تغذية األطروحات التي تعرض إسالما ً يوافق‬
‫الحضارة الغربية والقانون المدني وشرعة األمم المتحدة‪،‬‬
‫ويتساير مع الزمن ويبدل ثوبه من يوم إلى يوم‪ .‬ذلك أنه إذا كان‬
‫البد من وصول اإلسالم إلىالسلطة‪ ،‬فليصل أناس يعلنون الدولة‬
‫دولة إسالمية بالقول ويطبقون ما طبقه سلفهم من الحكام‬
‫العلمانيين بالفعل‪ .‬فراح يفسح المجال أمام تلك األطروحات‬
‫وحركاتها ومفكريها وروادها‪ ،‬ويضرب طوقا ً حديديا ً وتعتيما ً‬
‫إعالميا ً على من يدعون إلى اإلسالم دعوة مبدئية‪ ،‬ألنه يعلم‬
‫تمام العلم أن هذه الدعوة هي التي ستقطع دابر الكفر في بالد‬
‫المسلمين حين ينصهر المجتمع بأفكارها ويسلمها القيادة‪.‬‬
‫وهكذا تحول الصراع من صراع بين الدعوة اإلسالمية‬
‫والدعوات العلمانية واإللحادية‪ ،‬إلى صراع بين الفهم المبدئي‬
‫النقي لإلسالم والفهم الملّوث والمشوش‪ ،‬بل والمضلّل لإلسالم‪.‬‬
‫‪208‬‬
‫دعـاة التغيـيـر‬
‫بـيـن المـبـدئـيـة والــواقعيـة‬
‫من المعلوم أن الدعوة المبدئية ‪ -‬وهي حركة سياسية ‪ -‬إذا‬
‫نشأت في مجتمع منحط‪ ،‬فإن مهمتها يجب أن تكون العمل على‬
‫النهوض بهذا المجتمع‪ .‬وبما أن المجتمع ينحط بانحطاط العرف‬
‫العام السائد فيه واألنظمة المطبقة فيه‪ ،‬ويرتقي برقي العرف‬
‫العام واألنظمة‪ ،‬فإن مهمة الدعوة المبدئية تكون حينئذ العمل‬
‫على تغيير المجتمع عن طريق تغيير العرف العام واألنظمة‪،‬‬
‫أي عن طريق مكافحة األفكار والقناعات والمفاهيم والمشاعر‬
‫السائدة واألنظمة القائمة ‪ -‬وهي مخالفة للمبدأ ‪ -‬من أجل أن تحل‬
‫محلها أفكار وقناعات ومفاهيم ومشاعر وأنظمة راقية‬
‫وصحيحة‪.‬‬
‫وهذا يعني أن على الدعوة المبدئية أن تصطدم بالواقع‬
‫الفاسد منذ أول يوم ألنها أتت بشيء جديد غريب عن الواقع‬
‫الذي يعيشه الناس‪ .‬فمن طبيعة المجتمعات أنها تتمسك بما‬
‫عندها من أعراف وتقاليد وقناعات وال تتخلى عنها بسهولة‪ ،‬بل‬
‫يحتاج األمر إلى سنين من العمل الدؤوب والكفاح المتواصل‬
‫والصراع المرير والمصابرة الجلود من قِبَل الدعاة حتى يبدأ‬
‫الناس بالتخلي عن قناعاتهم وأفكارهم وحتى تبدأ مشاعرهم‬
‫‪209‬‬
‫تصاغ على هيئة جديدة‪ .‬لذلك فإن الحركات السياسية التي تريد‬
‫تغيير المجتمع والنهوض به عليها أن تتوقع منذ أول يوم‬
‫مجابهة الناس لها‪ ،‬ووقوفهم في وجهها وخذالنها‪ .‬فحملة الدعوة‬
‫يتكلمون بما يخالف أمزجة الناس‪ ،‬ويخالفون عاداتهم وتقاليدهم‪،‬‬
‫وهذا ما يعُدّه المجتمع تحديا ً للعرف وخروجا ً على التقاليد التي‬
‫اكتسبت مع الوقت ما يشبه القداسة‪.‬‬
‫وإذا راجعنا حوادث التاريخ‪ ،‬وجدنا أن كل دعوة جديدة‬
‫كانت تجابه بالمحاربة والتعصب والجمود على القديم‪ ،‬وخاصة‬
‫لدى الشعوب المنحطة‪ .‬وأكثر ما تتجلى هذه الحقيقة في دعوات‬
‫الرسل عليهم السالم‪ .‬فلقد كانوا يبعثون غالبا ً إلى شعوب غارقة‬
‫في ظلمات االنحطاط‪ ،‬فيدعونهم إلى اعتناق العقائد واألديان‬
‫المبنية على العقل‪ ،‬أي يعملون على النهوض بهم فكرياً‪،‬‬
‫فيواجهون باالستهزاء والمحاربة واإليذاء والشتم‪ .‬تأمل في قوله‬
‫تعالى‪ { :‬يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إال كانوا به‬
‫يستهزئون }(‪ ،)1‬وفي قوله تعالى‪ { :‬كذلك ما أتى الذين من‬
‫قبلهم من رسول اال قالوا ساحر أو مجنون }(‪ ،)2‬وانظر إلى هذه‬
‫اآليات التي تعدد الشعوب واألقوام التي كذبت رسلها‪ ،‬فيقول‬
‫تعالى‪ { :‬كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون‬
‫فانتصر }(‪ ،)3‬ويقول عز من‬
‫وازدُ ِجر * فدعا ربه أني مغلوب‬
‫ِ‬
‫قائل‪ { :‬كذبت ثمود بالنُذُر * فقالوا أبشرا ً منا واحدا ً نتّبعه إنّا إذا ً‬
‫‪ -1‬سورة يس ‪ -‬اآلية (‪.)50‬‬
‫‪ -2‬سورة الذاريات ‪ -‬اآلية ‪.)52 -‬‬
‫‪ -3‬سورة القمر ‪ -‬اآليتان (‪.)10 - 9‬‬
‫‪210‬‬
‫شر‬
‫لفي ضالل وسعر * أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كَذابٌ أ َ ِ‬
‫* سيعلمون غدا ً َمن الكذابُ األ ِشر }(‪.)1‬‬
‫من هنا نقول‪ ،‬إن التفاف المجتمع حول دعوة سياسية من‬
‫أول يوم تقوم به ال يدل على نجاحها‪ ،‬بل قد يدل على أن هذه‬
‫الدعوة فاشلة مخفقة‪ .‬لماذا؟‬
‫ألن من طبيعة الشعوب أن تلتف حول من يمثل أفكارها‬
‫وقناعاتها وغاياتها‪ ،‬فعندما تلتف الشعوب المنحطة حول حركة‬
‫سياسية ما من أول يوم‪ ،‬فهذا يعني أن هذه الحركة هي من جنس‬
‫هذا المجتمع‪ ،‬وتحمل ما يحمل من أفكار وتصورات وقناعات‪،‬‬
‫أي أنها منحطة شأنها شأن المجتمع‪.‬‬
‫إذا كانت مهمة الحركات السياسية في المجتمع المنحط‬
‫هي النهوض به‪ ،‬فمن البدهي أن يكون فكرها مغايرا ً للعرف‬
‫العام‪ ،‬ومشاعرها مخالفة للمشاعر الطاغية‪ ،‬أي أنها تتمتع بفكر‬
‫ال يتمتع به المجتمع‪ ،‬تستطيع به تغيير هذا المجتمع‪ ،‬وإال فإن‬
‫وجودها ال معنى له‪ ،‬بل ربما كان عدم وجودها أفضل‪ ،‬ألن‬
‫الذي يريد أن يرتقي بالناس عليه هو أوالً أن يكون راقياً‪ ،‬ومن‬
‫البداهة أن فاقد الشيء ال يعطيه‪ .‬وهذا ما ي ّميز الدعوات‬
‫المبدئية التي تلتزم بالمبدأ عن الدعوات الواقعية وهي التي‬
‫تساير الواقع‪.‬‬
‫فالدعوات الواقعية هي الدعوات التي تشعر بفساد الواقع‬
‫القائم الذي تعيشه األمة‪ ،‬وتشعر بوجوب التغيير‪ ،‬ولكنها تنتقل‬
‫من هذا الشعور فورا ً إلى العمل‪ ،‬دون أن يسبق هذا العمل تفكير‬
‫‪ -1‬سورة القمر ‪ -‬اآليات (‪23‬حتى ‪.)26‬‬
‫‪211‬‬
‫في حقيقة المشكلة التي يعاني منها المجتمع‪ ،‬ودون التفكير في‬
‫الفكرة التي يراد النهوض بالمجتمع على أساسها‪ ،‬وال في‬
‫الطريقة التي ستسلكها من أجل الوصول إلى هدف محدد‪ ،‬فتقوم‬
‫بأعمال مرتجلة عفوية غير مدروسة‪ ،‬وكثيرا ً ما تكون غير‬
‫هادفة‪.‬‬
‫فيكون عملها في حقيقة األمر مستمدا ً من الواقع الفاسد‬
‫الذي تعيشه‪ ،‬أي إنها جعلت الواقع ‪ -‬رغم فساده ‪ -‬مصدر‬
‫المعالجة بدل أن يكون موضع المعالجة‪ .‬مما يجعل عملها تَكيّفا ً‬
‫مع الواقع الفاسد وتكريسا ً لألسس التي يقوم عليها هذا المجتمع‪.‬‬
‫وبذلك‪ ،‬تكون هذه الدعوات تعبيرا ً عما يسود المجتمع‬
‫المنحط من أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر‪ .‬وبما أن الشعوب‬
‫تنقاد لمن يعبّر عن قناعاتها ومشاعرها وتوجهاتها‪ ،‬فإن الناس‬
‫سوف تلتف حول هذه الدعوات منذ أول يوم‪ .‬وبذلك تكون هذه‬
‫الدعوات رجعية تساهم في تكريس الواقع الفاسد المتخلف الذي‬
‫يعيشه المجتمع‪ ،‬وخاصة عندما تقوم بإضفاء ثوب الشرعية‬
‫والعلم والفقه على األفكار والقناعات الفاسدة‪ ،‬وإلصاق األدلة‬
‫الشرعية والشواهد الفقهية بها‪ .‬إال أن هذا المجتمع إذا قُدّر له أن‬
‫ينهض بتأثير دعاة مبدئيين فإنه سرعان ما يتخلى عن تلك‬
‫الدعوات التي لن تعود عند ذلك تمثل قناعاته وأهدافه‪.‬‬
‫أما الدعوات المبدئية‪ ،‬فهي التي تحس بفساد الواقع‬
‫وتخلف المجتمع‪ ،‬فتنتقل من هذا اإلحساس إلى دراسة الواقع‬
‫والتعمق فيه لمعرفة حقيقة المشكلة‪ ،‬ألن الذي يجهل المشكلة ال‬
‫يتصور منه أن يحلها‪ .‬فتدرس المجتمع دراسة عميقة بما فيه من‬
‫‪212‬‬
‫أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر وأنظمة دراسة عميقة تؤدي‬
‫إلى معرفة الصحيح من الفاسد العقيم‪ ،‬وإلى معرفة ما يفتقر إليه‬
‫المجتمع من أفكار ومشاعر‪ ،‬وما دخله من أفكار ومشاعر‬
‫غريبة فاسدة‪ ،‬وتؤدي إلى فهم واقع األنظمة التي ترعى بها‬
‫شؤون الناس‪ ،‬ثم بعد ذلك تنتقل إلى مبدئها ‪ -‬وهو بالنسبة لنا‬
‫اإلسالم ‪ -‬لتبحث من خالله عن العالج الصحيح للمشكلة‪ ،‬وهو‬
‫يتمثل في مجموعة المفاهيم واألنظمة التي على أساسها سيتم‬
‫تغيير المجتمع‪.‬‬
‫والدعوة المبدئية حين تقوم بالبحث عن العالج الذي به‬
‫تريد تغيير المجتمع‪ ،‬ال تتأثر بالواقع الفاسد الذي يعيشه الناس‪.‬‬
‫فالمعالجة يجب أن تكون بريئة كل البراءة من كل األوضاع‬
‫الفاسدة التي تلم بالمجتمع‪ .‬ففي الوقت الذي تكون فيه الحركة‬
‫الواقعية ملتصقة بالواقع الفاسد تستمد تصوراتها ومعالجاتها منه‬
‫وال تملك الخروج من تأثيره‪ ،‬تكون الحركة المبدئية قد حلّقت‬
‫فوق األجواء واألوضاع بما فيها من ظروف ومالبسات‪ ،‬حلّقت‬
‫ّ‬
‫وأدق‪،‬‬
‫فوق الواقع لتدركه على حقيقته على نحو أشمل‬
‫ولتستشرف النهضة المنشودة والغاية المرسومة التي تريد‬
‫وضع األمة على طريقها‪ ،‬ثم تعود بعد ذلك إلى المجتمع لتأخذ‬
‫بيده في طرق االرتقاء والنهوض‪.‬‬
‫وهكذا تبدأ الدعوة المبدئية بمواجهة المجتمع المتخلف‬
‫بدعوتها‪ ،‬ويبدأ الصدام بين الفكر القديم البالي‪ ،‬والفكر الجديد‬
‫الذي تحمله الدعوة المبدئية‪ ،‬وبين سياسة األنظمة التي تحكم‬
‫المجتمع من جهة والمعالجات التي يطرحها َح َملَة الدعوة من‬
‫جهة أخرى‪ .‬األمر الذي يجعل الحركة المبدئية تبدو ألول األمر‬
‫‪213‬‬
‫غريبة عن الواقع‪ ،‬ويُخيّل للناس وكأنها قد أتت من عالم آخر ال‬
‫يمت إلى مجتمعهم بصلة‪ .‬إال أن هذا الواقع يكون في الحقيقة‬
‫من البشائر التي تُطمئِن حملة الدعوة بأنهم على الطريق‬
‫السوي‪ ،‬ألنهم يالقون ما القاه حملة الدعوة دائما ً عبر التاريخ‬
‫حين واجهوا الشعوب المتخلفة المنحطة‪.‬‬
‫إال أن هذا الواقع الذي تعيشه الحركات المبدئية بادىء‬
‫األمر‪ ،‬ال يلبث أن يتغير ويتبدل‪ .‬فالدعاة المبدئيون حين‬
‫ينطلقون بدعوتهم‪ ،‬يعُدّون أنفسهم قد دخلوا إلى ساحة معركة‬
‫فكرية يجب أن يخرجوا منها منتصرين‪ .‬ساحة المعركة هي هذا‬
‫المجتمع الغارق في ظالم التخلف واالنحطاط‪ ،‬هذا الظالم الذي‬
‫يستر الحقائق عن أعين الناس‪ ،‬فال يُدركون زيف الباطل وال‬
‫صدق الحق‪ ،‬ال يستطيعون في هذا الظالم التمييز بين الصحيح‬
‫والخطأ‪ ،‬أو بين الصالح والفاسد‪ ،‬أو بين الصدق والكذب‪ .‬ولكن‬
‫حملة الدعوة الذين يتمتعون بحدة البصر ويدركون األمور على‬
‫حقيقتها يبدأون بمصادمة األفكار والقناعات واألنظمة البالية‪.‬‬
‫فعندما يصطدم الفكر الصحيح بالفكر السقيم‪ ،‬والمفاهيم الراقية‬
‫بالمفاهيم المنحطة‪ ،‬ينقدح من جراء هذا االصطدام شرر يضيء‬
‫الساحة فينكشف للناس عوار الباطل ويلمع صدق الحق { كذلك‬
‫يضرب هللا الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع‬
‫الناس فيمكث في األرض }(‪ .)1‬وهكذا تتكرر المصادمات‬
‫ويتكرر الشرر‪ ،‬إلى أن يوجد الوعي العام على المبدأ الذي‬
‫حمله الدعاة‪ ،‬ويتحول هذا الوعي إلى رأي عام‪ ،‬ومن ث َ َّم إلى‬
‫‪ -1‬سورة الرعد ‪ -‬اآلية (‪,)17‬‬
‫‪214‬‬
‫حركة إيجابية في المجتمع‪ ،‬فتحتضن األمة دعوة المبدئيين‬
‫وتحمل قضيتهم وتسير وراءهم وتلبي نداءاتهم وتدافع عنهم‪،‬‬
‫حتى تصل معهم إلى إعادة بناء المجتمع اإلسالمي واستئناف‬
‫الحياة اإلسالمية‪.‬‬
‫وهذا ما حصل مع رسول هللا ‪ . r‬فهو عندما بدأ بالجهر‬
‫بالدعوة‪ ،‬ومعه الصحابة القلة‪ ،‬واجه مجابهة عنيفة من مجتمع‬
‫مكة الجاهلي‪ .‬وواجه االستهزاء واإليذاء والحصار‪ ،‬ووصل‬
‫عدّ المسلمون جسما ً غريبا ً‬
‫األمر إلى حد قتل بعض أتباعه‪ .‬و ُ‬
‫عن المجتمع القائم‪ .‬ولكن قوة الفكر الذي يحمله عليه الصالة‬
‫والسالم وشدة إيمانه به وصبره ومن معه على تحمل األهوال‬
‫من أجل نشره وإعالئه‪ ،‬كل ذلك أدى إلى إيجاد الرأي العام على‬
‫اإلسالم‪ ،‬وأصبحت األجواء مواتية إلقامة الدولة اإلسالمية في‬
‫المدينة وتطبيق اإلسالم عملياً‪.‬‬
‫إال أن َح َملَة الدعوة لن يحققوا التغيير المنشود إذا اتبعوا‬
‫الطرق الملتوية أو حاولوا مسايرة الواقع الفاسد‪ ،‬أو جربوا تملق‬
‫الناس أو داهنوا حملة أفكار الكفر والضالل‪ .‬فمن المتوقع ‪-‬‬
‫عندما ينطلق الدعاة ليخوضوا غمرات الدعوة إلى فكرتهم‬
‫ويبدأون بالتفاعل مع المجتمع ‪ -‬أن يتعرضوا لإلغراءات التي‬
‫تدعوهم إلى مسايرة األوضاع‪ ،‬أو مداهنة السوقة‪ ،‬أو كسب‬
‫رضا الناس‪ ،‬كما قد تثنيهم المصاعب واألهوال عن االستقامة‬
‫على الطريق المرسوم‪ ،‬وتدفعهم إلى البحث عن وسائل‬
‫وأساليب قد تؤدي بالدعوة إلى االنكفاء والتقهقر‪ .‬وقد لفت‬
‫القرآن الكريم النظر إلى هذه الحقيقة حين خاطب الرسول ‪r‬‬
‫قائالً‪ { :‬وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا‬
‫‪215‬‬
‫غيره وإذا ً التخذوك خليالً * ولوال أن ثبتناك لقد كدت تركن‬
‫وضعف الممات ثم‬
‫إليهم شيئا ً قليالً * إذا ً ألذقناك ِضعف الحياة ِ‬
‫ال تجد لك علينا نصيرا ً }(‪.)1‬‬
‫فعلى الدعاة المبدئيين أن يكونوا على حذر تام من هذه‬
‫االمتحانات التي يتعرضون لها‪ ،‬وعليهم دائما ً أن يدركوا أن‬
‫طبيعة االحتكاك بين اإلسالم والكفر هي التصادم الكلي‪،‬‬
‫التصادم الذي يعلي الحق ويزهق الباطل { وقل جاء الحق‬
‫وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ً }(‪ ،)2‬التصادم الذي يؤدي‬
‫إلى الهزيمة الشنعاء للكفر وأهله { بل نقذف بالحق على الباطل‬
‫فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون }(‪ .)3‬فالفرق بين‬
‫اإلسالم والكفر هو الفرق بين الحق والباطل‪ ،‬وبين النور‬
‫والظالم‪ ،‬وبين الهدى والضالل‪ ،‬وبين الخير والشر‪ ،‬وبين‬
‫الجنة والنار‪ ،‬فال مجال للتالقي‪ ،‬وال مجال للمساومة‪ ،‬وال‬
‫مجال للمفاوضة‪.‬‬
‫فها هو رسول هللا ‪ r‬منذ أول يوم بدأ فيه بنشر دعوته نراه‬
‫يخاطب الناس بحزم وثقة‪ ،‬ويواجه الكفر والكفار بقوة وجرأة‬
‫وصرامة تامة‪ ،‬ويطرح دعوته متحدية سافرة واضحة المعالم‪،‬‬
‫محددة األلفاظ والمعاني‪،‬ال تبقي أي مجال للّبس أو الشك‪ ،‬وليس‬
‫للتردد فيها أثر وال للخوف فيها تأثير‪ .‬فبدأ القرآن ينزل مسفها ً‬
‫أحالم الكفار‪ ،‬يعيب عليهم آلهتهم ويشين طريقة عيشهم البالية‪،‬‬
‫‪ -1‬سورة اإلسراء ‪ -‬اآليات (‪.)75 - 73‬‬
‫‪ -2‬سورة اإلسراء ‪ -‬اآلية (‪.)81‬‬
‫‪ -3‬سورة األنبياء ‪ -‬اآلية (‪.)18‬‬
‫‪216‬‬
‫ويستهزىء بأعرافهم وتقاليدهم‪ .‬فهو حين يتناول األصنام نراه‬
‫يقول‪ { :‬إنكم وما تعبدون من دون هللا حصب جهنم أنتم لها‬
‫ّ‬
‫والعزى * ومناة الثالثة‬
‫واردون }(‪ ،)1‬ويقول‪ { :‬أفرأيتم الّالت‬
‫األخرى * ألكم الذكر وله األنثى * تلك إذا ً قسمة ضيزى * إن‬
‫هي إال أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل هللا بها من سلطان‬
‫* إن يتبعون إال الظن وما تهوى األنفس ولقد جاءهم من ربهم‬
‫الهدى }(‪ ،)2‬وحين يتناول تقليدهم األعمى آلبائهم وتقديسهم لما‬
‫ورثوه عنهم تراه يقول‪ { :‬وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل هللا قالوا‬
‫بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم ال يعقلون شيئا ً وال‬
‫يهتدون }(‪ ،)3‬وحين يتناول الحكام الطغاة بالذم والنقد نراه‬
‫يقول‪ { :‬تبت يدا أبي لهب وتبّ * ما أغنى عنه ماله وما كسب *‬
‫سيصلى نارا ً ذات لهب }(‪ ،)4‬ويفضح الوليد بن المغيرة‬
‫ويتوعده بالعقاب حين يقول‪ { :‬وال تطع كل حالف مهين * هماز‬
‫م ّ‬
‫شاء بنميم * مّناع للخير معتد أثيم * عت ّل بعد ذلك زنيم * أن‬
‫كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير األولين *‬
‫سنسمه على الخرطوم }(‪ ،)5‬وحين يتناول العالقات الفاسدة‬
‫نراه يتكلم عن تطفيف الكيل مثالً فيقول‪ { :‬ويل للمطففين *‬
‫الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم‬
‫يخسرون * أال يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم }(‪.)6‬‬
‫‪ -1‬سورة األنبياء ‪ -‬اآلية (‪.)98‬‬
‫‪ -2‬سورة النجم ‪ -‬اآليات (‪.)23 - 18‬‬
‫‪ -3‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية (‪.)8‬‬
‫‪ -4‬سورة اللهب ‪ -‬اآليات (‪.)3 - 1‬‬
‫‪ -5‬سورة القلم ‪ -‬اآليات (‪.)16 - 10‬‬
‫‪ -6‬سورة المطففين ‪ -‬اآليات (‪.)5 - 1‬‬
‫‪217‬‬
‫وحين حاول الكفار مساومة رسول هللا ‪ ،r‬فعرضوا عليه أن‬
‫يعبد آلهتهم سنة على أن يعبدوا إلهه سنة‪ ،‬جاء الرد من الوحي‬
‫حازما ً { قل يا أيها الكافرون * ال أعبد ما تعبدون * وال أنتم‬
‫عابدون ما أعبد * وال أنا عابد ما عبدتم * وال أنتم عابدون ما‬
‫دين }(‪ ،)1‬فقررت هذه اآليات المفاصلة‬
‫أعبد * لكم دينكم ولي ِ‬
‫الكاملة بين اإلسالم وبين الكفر بكل أنواعه‪ ،‬فليس بعد الحق‬
‫إال الضالل‪ .‬وحين عرضوا العروض على نبي هللا عليه‬
‫الصالة والسالم من أجل أن يتخلى عن دعوته جاء الرد منه‬
‫حاسماً‪ ":‬وهللا لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن‬
‫أترك هذا األمر حتى يظهره هللا أو أهلك فيه ما تركته"(‪.)2‬‬
‫وهذا هو منهج األنبياء أولي العزم من قبل‪ .‬أنظر إلى قوله‬
‫تعالى‪ { :‬قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ‬
‫قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون هللا كفرنا‬
‫بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ً حتى تؤمنوا باهلل‬
‫وحده }(‪ ،)3‬ففي هذه اآلية الكريمة يظهر بوضوح الموقف‬
‫الصارم الذي يتخذه المؤمنون بالعقيدة الصحيحة إزاء كل ما‬
‫يخالف قناعاتهم ومفاهيمهم التي قطعوا بصحتها ووقفوا‬
‫حياتهم ألجلها‪ .‬فقد أعلن سيدنا إبراهيم عليه السالم والذين معه‬
‫البراءة التامة من كل عقائد قومهم ومفاهيمهم وعاداتهم‬
‫‪ -1‬سورة الكافرون‪.‬‬
‫‪ -2‬سيرة ابن هشام ‪ -‬مبادأة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قومه‪ ،‬وما كان‬
‫منهم‪.‬‬
‫‪ -3‬سورة الممتحنة ‪ -‬اآلية (‪.)4‬‬
‫‪218‬‬
‫وتقاليدهم‪ ،‬وأعلنوها حربا ً ضروسا ً بين الحق والباطل‪ ،‬إلى أن‬
‫ينتصر الحق ويزهق الباطل‪.‬‬
‫إذا سلك الدعاة هذا الطريق وباعوا أنفسهم هلل‪ ،‬ومن أجل‬
‫إعالء كلمته وتنفيذ شريعته‪ ،‬ولم يحيدوا عن الطريقة الشرعية‬
‫التي رسمها لهم هللا تعالى القائل في كتابه العزيز‪ { :‬قل هذه‬
‫سبيلي أدعو إلى هللا على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان هللا‬
‫وما أنا من المشركين }(‪ ،)1‬إذا قام الدعاة بكل ذلك فإن هللا‬
‫سبحانه الشك سيحقق لهم وعده وسينجز نصره‪ ،‬وهو القائل‬
‫سبحانه‪ { :‬إن تنصروا هللا ينصركم ويثبت أقدامكم }(‪.)2‬‬
‫‪   ‬‬
‫وبعد أن سلطنا األضواء على طبيعة كل من الدعوتين‪،‬‬
‫المبدئية والواقعية‪ ،‬وبعد أن رسمنا الخطوط األساسية والصفات‬
‫التي يجب أن تتوفر في الدعوة المبدئية‪ ،‬ننتقل إلى الواقع الذي‬
‫نقوم‬
‫عاشته األمة اإلسالمية في القرن األخير‪ ،‬من أجل أن ّ‬
‫إنجاز ِكال الفريقين وما حقق كل منهما على أرض الواقع‪.‬‬
‫بعد أن هدمت الخالفة اإلسالمية عقب الحرب العالمية‬
‫األولى عاشت األمة اإلسالمية حالة من الضياع واالنحطاط‬
‫رهيبة‪ ،‬أحس بها جميع الناس بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم‪.‬‬
‫‪ -1‬سورة يوسف ‪ -‬اآلية (‪.)108‬‬
‫‪ -2‬سورة محمد ‪ -‬اآلية (‪.)7‬‬
‫‪219‬‬
‫فلقد عاشت األمة اإلسالمية تحت االحتالل العسكري المباشر‬
‫ردحا ً من الزمن‪ ،‬وبقيت تحت سلطة المستعمر الذي يحكم بالد‬
‫صب حكاما ً عمالء على الناس‪،‬‬
‫المسلمين بغير ما أنزل هللا‪ ،‬وين ّ‬
‫وينهب خيرات البالد‪ ،‬وينشر ثقافته وفكره وحضارته‪ ،‬ويحاول‬
‫فرض نمط عيشه على األمة‪ ،‬ويمضي في إفساد أخالق الناس‬
‫ليحول بينهم وبين التمسك بدينهم وشريعتهم‪.‬‬
‫وكردّ فعل على تلك األوضاع‪ ،‬نشط دعاة مسلمون‪،‬‬
‫وقاموا بأعمال مرتجلة عفوية بقصد مواجهة الواقع الفاسد‪ ،‬فلم‬
‫يكن لهؤالء الدعاة مفهوم واضح عن النهضة‪ ،‬ولم تكن لديهم‬
‫دراسة وافية عن الفكرة التي يعملون للنهضة على أساسها‪ ،‬وال‬
‫عن الطريقة التي ستسلكها‪ ،‬لذلك وضعوا أهدافا ً صغيرة تافهة‪،‬‬
‫وسلكوا طرقا ً ملتوية ومرتجلة تتبدل كل يوم بتبدل الظروف‪.‬‬
‫فهم في طريقة عملهم كانوا متأثرين بالواقع الفاسد إلى حد بعيد‪،‬‬
‫بحيث إن هذا الواقع هو الذي حدد لهم أهدافهم وأطروحاتهم‬
‫وطريقة عملهم إنهم الواقعيون‪.‬‬
‫لنأخذ مثاالً على ذلك‪ ،‬تعاطي هؤالء مع األفكار الوافدة‬
‫الغريبة عن اإلسالم وشريعته وأفكاره‪ ،‬لنرى موقفهم منها‪ .‬فبدل‬
‫أن يدرسوا تلك األفكار من أجل إدراك واقعها وفهمها على‬
‫حقيقتها ثم ليبيّنوا زيفها ومخالفتها لإلسالم‪ ،‬بدل ذلك رأيناهم‬
‫يتلقفونها ويحملونها ويوفقون بينها وبين اإلسالم‪.‬‬
‫تشرع نظاما ً يتناقض كليا ً مع نظام اإلسالم‪،‬‬
‫فاالشتراكية ّ‬
‫أصبحت‪ ،‬بنظر بعض هؤالء‪،‬من اإلسالم‪ ،‬لدرجة أن بعض‬
‫‪220‬‬
‫الكتب حملت عنوان "اشتراكية اإلسالم"‪ ،‬وحاولت أن تقول إن‬
‫اإلسالم هو أول من أتى باالشتراكية‪.‬‬
‫والديمقراطية التي تقوم على أساس عقيدة "فصل الدين‬
‫عن الحياة"‪ ،‬والتي تجعل السيادة للشعب‪ ،‬أي تعطي الشعب حق‬
‫تشريع األنظمة والقوانين للحياة‪ ،‬هذه الديمقراطية أصبحت‪،‬‬
‫لدى الكثير من هؤالء‪ ،‬من اإلسالم‪ .‬فيصفون نظام الحكم‬
‫اإلسالمي بالديمقراطي‪ ،‬ويصفون الرسول ‪ r‬وخلفاءه الراشدين‬
‫بالديمقراطيين‪ ،‬ويعُدّون كلمة "الشورى" مرادفة لكلمة‬
‫الديمقراطية‪ ،‬وهكذا‪ ...‬فمن ذلك قول أحدهم‪":‬نحن محتاجون‬
‫إلى معرفة عصرنا وما يتطلبه‪ ،‬ومن ذلك الديمقراطية‪ ...،‬إن‬
‫الديمقراطية هي التعبير العصري عما نسميه بلغة الفقه والثقافة‬
‫اإلسالمية بالشورى‪ ،‬والحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو‬
‫أحق بها‪ ،...‬ونحن كمسلمين نرحب بها ونؤيدها ونرى أن‬
‫اإلسالم يعتبرها جزءا ً منه"(‪ .)1‬ومما يقوله أحد العاملين‬
‫المسلمين‪ ":‬نحن مع الديمقراطية بكل أبعادها وبمعناها الكامل‬
‫والشامل‪ ،‬وال نعترض على تعدد األحزاب‪ ،‬فالشعب الذي يحكم‬
‫على األفكار واألشخاص"(‪.)2‬‬
‫أما فكرة الحريات التي انبثقت عن عقيدة "فصل الدين‬
‫عن الحياة" أيضاً‪ ،‬والتي تجعل اإلنسان في حل من أي قيد أو‬
‫ضابط وتعطيه حق التصرف كيفما شاء في حياته الشخصية‬
‫وحق االرتداد عن دينه واعتناق أي عقيدة‪ ،‬وحق التفوه بأي‬
‫‪ -1‬جريدة الشرق األوسط ‪ -‬حلقات في ‪5‬و ‪ 6‬و‪ 7‬و‪ 9‬شباط ‪1990‬م‪.‬‬
‫‪ -2‬مجلة العالم ‪ -‬العدد ‪ 21 - 123‬حزيران ‪.1986‬‬
‫‪221‬‬
‫كالم وحق تملك ما يريد وكيفما يريد دون قيد أو شرط‪،‬‬
‫أصبحت هذه الحريات بنظر هؤالء من أسس الشريعة‬
‫ومقاصدها وأهدافها فمن الكتب التي ألّفها أحد الحركيين‬
‫المسلمين كتاب يحمل عنوان "الحريات العامة في الدولة‬
‫اإلسالمية"‪ .‬يحاول فيه تفصيل األحكام الشرعية على قياس‬
‫الدولة الديمقراطية المعاصرة‪ .‬من ذلك ما يقوله من أنه يجوز‬
‫للمرأة أن تكون خليفة أو حاكما ً استنادا ً إلى "أن عمومات‬
‫اإلسالم تؤكد المساواة بين الذكر واألنثى"(‪ ،)1‬مع أن حديث‬
‫رسول هللا ‪ r‬واضح في تحريم أن تكون المرأة ولي أمر‬
‫المسلمين " لن يفلح قوم َولّوا أمرهم امرأة"(‪ .)2‬وكذلك ما قاله في‬
‫شأن تقرير "حرية االعتقاد" في اإلسالم حيث نفى أن يكون‬
‫القتل عقوبة للمرتد عن اإلسالم‪ ،‬وادّعى أن قتل المرتد زمن‬
‫النبي كان عقوبة تعزيرية استدعتها الظروف السياسية‬
‫آنذاك(‪ ،)3‬رغم وضوح قوله عليه الصالة والسالم "من بدل دينه‬
‫فاقتلوه"(‪.)4‬‬
‫هذه األمثلة التي هي غيض من فيض تكشف لنا مدى تأثر‬
‫الدعاة الواقعيين باألفكار الفاسدة السائدة في المجتمع والتي هي‬
‫في الغالب من لوثات الغزو الفكري الغربي‪.‬‬
‫‪ -1‬راشد الغنوشي ‪ -‬الحريات العامة في الدولة اإلسالمية ‪ -‬ص ‪.129‬‬
‫‪ -2‬رواه البخاري ‪ -‬كتاب المغازي ‪.4163 -‬‬
‫‪ -3‬راشد الغنوشي ‪ -‬الحريات العامة في الدولة اإلسالمية ‪ -‬ص ‪-49-48‬‬
‫‪.50‬‬
‫‪ -4‬صحيح البخاري ‪ -‬رقم الحديث ‪.3017‬‬
‫‪222‬‬
‫أما من حيث نظرتهم إلى الشريعة وكيفية فهمهم لها فقد‬
‫كانت متأثرة بمنهجهم الواقعي أيضا ً إلى حد بعيد‪.‬‬
‫فطريقة اإلسالم في الدرس والتطبيق ومعالجة المشاكل‬
‫هي كالتالي‪ :‬أن يفهم الواقع على حقيقته فهما ً عميقا ً يؤدي إلى‬
‫معرفة المشكلة التي يراد معالجتها والتي هي مناط الحكم‪ ،‬ثم‬
‫بعد ذلك تفهم النصوص الشرعية واألدلة المتعلقة بهذا الواقع‬
‫ألخذ الحكم الشرعي وتطبيقه علىالواقع‪ ،‬وبذلك تكون المشكلة‬
‫قد عولجت بالشرع‪.‬‬
‫ولكن الواقعيين‪ ،‬ال يتبعون هذه الطريقة‪ ،‬وإنما يستمدون‬
‫معالجتهم للواقع من الواقع نفسه‪ ،‬ومن ثم يعودون بعد ذلك إلى‬
‫النصوص الشرعية ليبحثوا عن دليل ليلصقوه بالمعالجة‬
‫الواقعية‪ ،‬ولو أدى ذلك إلى أن تلوى أعناق األدلة واألحكام‬
‫الشرعية لتوافق معالجاتهم‪ .‬وهذا ما دفعهم إلى توسيع مجال‬
‫مصادر التشريع‪ ،‬بحيث تشمل جميع المصادر التي تكلم بها‬
‫األصوليون على اختالفهم‪ ،‬دون النظر في مدى صحة تلك‬
‫المصادر‪ .‬وذلك حتى يكون المجال واسعا ً أمامهم للعثور على‬
‫دليل على أي فكرة يحملونها أو أي معالجة يتبنونها أو أي‬
‫موقف يتخذونه‪ .‬فباإلضافة إلى مصادر التشريع األربعة التي‬
‫اتفق عليها جمهور األصوليين‪ ،‬وهي القرآن والسنة وإجماع‬
‫الصحابة والقياس‪ ،‬نراهم يأخذون بالمصادر غير الثابتة‪.‬‬
‫فاالستحسان والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا والعرف‬
‫وفتوى الصحابي والعقل وسواها لم تثبت كأدلة للتشريع‪ ،‬بل هي‬
‫مجرد شبهة‪ ،‬ومع ذلك س ّخروها ألغراضهم‪.‬‬
‫‪223‬‬
‫الواقعية أيضا ً هي التي دفعتهم إلى استحداث القواعد‬
‫الجديدة‪ ،‬والتمسك بالقواعد الضعيفة‪ ،‬باإلضافة إلى القواعد التي‬
‫ح ّملوها ما ال تحتمل من معان‪ .‬فقالوا بقاعدة "ال ينكر تغيّر‬
‫األحكام بتغير الزمان والمكان" وقالوا إن الشريعة مرنة‬
‫ومتطورة‪ ،‬وتمسكوا بقاعدة "حيثما تكون المصلحة فثم شرع‬
‫هللا" فكل ما يرونه مصلحة "بنظرهم" يكون بحجة هذه القاعدة‬
‫من الشرع‪ ،‬وع ّمموا قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"‪،‬‬
‫هذه القاعدة التي تتناول ضرورة الهالك ومحظورات الطعام‪،‬‬
‫ع ّمموها لتشمل غير المطعومات‪ ،‬ولتشمل حتى الكماليات‪.‬‬
‫وبذلك تسنّىلهم أن يظهروا أي معالجة واقعية بالمظهر‬
‫الشرعي‪ .‬واألمثلة على ذلك كثيرة‪ ،‬نذكر منها على سبيل المثال‬
‫ما قام به بعض "الفقهاء" حين أرادوا إباحة المشاركة في‬
‫الحكم‪ ،‬فقد وضعوا دراسة أتوا فيها بأدلة على جواز الحكم بغير‬
‫ما أنزل هللا تتلخص في االستدالل بشرع من قبلنا حيث ادعوا‬
‫أن يوسف عليه السالم حكم بغير ما أنزل هللا‪ ،‬واستدلوا‬
‫بالمصالح حيث رأوا أن الحكم بغير ما أنزل هللا مشاركةً مع‬
‫الحكام يحقق مصلحة للمسلمين‪ ،‬وعطلوا اآليات القطعية في‬
‫تحريم الحكم بغير ما أنزل هللا‪ .‬ثم ادعوا أن وجود النجاشي على‬
‫رأس السلطة في الحبشة دليل على جواز الحكم بغير ما أنزل‬
‫هللا‪ ،‬ونسوا أو تناسوا أن النجاشي كان يخفي إسالمه ألنه لم يكن‬
‫يجرؤ على إعالن إسالمه أمام قومه‪ ،‬وكانت المدة بين إسالمه‬
‫وموته قصيرة جداً‪ ،‬حتى إن رسول هللا ‪ r‬لم يعلم بإسالمه إال‬
‫‪224‬‬
‫يوم موته (عن طريق الوحي)(‪ .)1‬وعندما أباح بعضهم التدرج‬
‫في تطبيق األحكام الشرعية‪ ،‬استدل بنزول الوحي منجما ً على‬
‫رسول هللا ‪ .r‬مع أن المسألة بحث في كيفية تطبيق الشرع ال‬
‫في كيفية نزوله‪ ،‬وتطبيق الشرع من أفعال العباد ونزول‬
‫الوحي من فعل هللا تعالى‪ ،‬فكيف يقاس فعل العبد على فعل‬
‫هللا؟‬
‫وهكذا كان الدعاة الواقعيون مسايرين ألهواء الناس‬
‫موافقين ألفكارهم ممثلين ألهدافهم وتطلعاتهم في الوقت الذي‬
‫قام فيه دعاة مبدئيون يدركون قضية األمة ويعملون على‬
‫االنتقال بالناس من حالة االنحطاط واالنخفاض المتمثلة في‬
‫التخلف الفكري‪ ،‬إلى حالة النهضة والرقي عن طريق بث‬
‫الثقافة اإلسالمية الصحيحة النقية الصافية‪.‬‬
‫بدأت المعركة بين الدعاة المبدئيين وأفكارهم من جهة‬
‫واألفكار السقيمة واألنظمة البالية من جهة أخرى‪ ،‬حتى الح في‬
‫األفق انتصار الفكر الصحيح والعمل المبدئي‪.‬‬
‫تنفض من حول‬
‫مع بداية هذه المعركة بدأت الجماهير‬
‫ّ‬
‫أصحاب الواقعية‪ ،‬وتحمل أفكار الدعاة المبدئيين‪ ،‬التي أخذ‬
‫صدقها يظهر للعيان كل يوم أكثر فأكثر‪ ،‬وأصبح المبدئيون‬
‫موضع آمال المسلمين‪ ،‬في الوقت الذي يصبح فيه أصحاب‬
‫‪ -1‬أنظر‪ :‬أحمد المحمود ‪ -‬الدعوة إلى اإلسالم ‪ -‬من ص ‪ 308‬إلى ص‬
‫‪.315‬‬
‫‪225‬‬
‫األطروحات الواقعية محل اتهام بالرجعية ومسايرة الواقع‬
‫الفاسد بما فيه من أفكار وقناعات وثقافة وأنظمة‪.‬‬
‫قام الدعاة المبدئيون بعد دراسة عميقة لواقع المجتمع‬
‫الذي يعيش فيه المسلمون‪ ،‬فدرسوا أفكاره ومشاعره وأنظمته‬
‫وأوضاعه السياسية‪ ،‬وبعد دراسة عميقة للفكرة اإلسالمية‬
‫ألخذها صافية نقية مبلورة وفهم دقيق لطريقة حمل الدعوة‪،‬‬
‫وهي تتمثل في طريق الرسول ‪ .r‬وعزموا على خوض غمار‬
‫الصراع الفكري ألجل تحقيق نهضة األمة واستئناف الحياة‬
‫اإلسالمية‪ .‬وخاض هؤالء غمار التفاعل مع المجتمع من أجل‬
‫أن تحمل األمة اإلسالم نظاما ً للحياة والمجتمع والدولة‪ ،‬ولتكفر‬
‫بكل ما سواه من أنظمة وأفكار ومبادىء‪ ،‬ومن أجل أن يصبح‬
‫استئناف الحياة اإلسالمية‪ ،‬عن طريق عودة الحكم بما أنزل هللا‬
‫قضية يعمل ألجلها المسلمون ويناضلون في سبيلها‪.‬‬
‫وحصل التفاعل‪ ،‬وواجه الرأي العام الدعاة المبدئيين‬
‫بادىء األمر مواجهة عنيفة‪ ،‬شأنه في ذلك شأن كل المجتمعات‬
‫المتخلفة التي تتعرض لمن يخالفها في تقاليدها وعاداتها‬
‫وأعرافها وطريقة عيشها‪ .‬إال أن هذه المواجهة هي دليل على‬
‫ترفّع الدعاة المبدئيين عن فساد الواقع بأفكاره ومشاعره‬
‫وأنظمته‪ ،‬وهذا ما جعل الدعاة يصرون على دعوتهم ويثبتون‬
‫على قناعاتهم‪ ،‬ألن عملهم هو أن يغيّروا المجتمع ال أن يغيّرهم‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫قام هؤالء الدعاة ليواجهوا كل فكر دخيل‪ ،‬وكل ثقافة‬
‫وافدة‪ ،‬وكل تو ّج ٍه مغاير لإلسالم‪ ،‬فهم يفهمون حق الفهم حديث‬
‫‪226‬‬
‫رسول هللا‪" : r‬من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو‬
‫رد"(‪ .)1‬ففي الوقت الذي يؤلف فيه المؤلفون الكتب لينسبوا‬
‫االشتراكية والديمقراطية والقومية والوطنية والحريات‬
‫لإلسالم‪ ،‬قام المبدئيون ليثبتوا فساد االشتراكية وأنها كفر‪،‬‬
‫وليقفوا في وجه دعاتها وليسقطوا هيبتهم من أعين الناس‪،‬‬
‫وليبينّوا عفن الديمقراطية وأنها رجس وأنها تتناقض مع‬
‫اإلسالم من حيث األساس والتفاصيل‪ ،‬وليكشفوا عوار القومية‬
‫وأنها انحطاط وارتكاس ونتانة‪ ،‬وليظهروا تفاهة الوطنية‬
‫ومصطنعيها‪ ،‬وليوضّحوا أن الحريات هي تفلّت من أحكام‬
‫الشرع وهي من الحضارة الغربية وليس من اإلسالم في‬
‫شيء‪ ،‬وأنها عار على أمة تحمل عقيدة كالعقيدة اإلسالمية‪،‬‬
‫قاموا ليعلنوا البراءة الكاملة من أنظمة البشر الوضعية‪،‬‬
‫والمفاصلة الشاملة بين اإلسالم وغيره‪ ،‬وليظهروا فساد‬
‫األنظمة والقوانين التي تُرعى بها شؤون األمة‪ ،‬متمثلين قوله‬
‫‪" : r‬يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله‪ ،‬ينفون عنه تحريف الغالين‬
‫وانتحال المبطلين‪ ،‬وتأويل الجاهلين"(‪.)2‬‬
‫لقد حتم المبدأ على َح َملَة اإلسالم أن يتحروا النقاء‬
‫والصفاء في أفكارهم وثقافتهم التي يحملونها دعوة إلى الناس‪.‬‬
‫فكان لزاما ً على الدعاة المبدئيين‪ ،‬وهم يحملون الدعوة إلى‬
‫‪ -1‬رواه مسلم ‪ -‬كتاب األقضية ‪.)17( -‬‬
‫‪ -2‬رواه البيهقي ‪ -‬راجع أيضا ً ‪ :‬مشكاة المصابيح‪ ،‬لمحمد التبريزي‪ ،‬كتاب‬
‫العلم‪ ،‬الحديث ‪.248‬‬
‫‪227‬‬
‫اإلسالم وأنظمته وأحكامه‪ ،‬أن ينقّوا عقائدهم من أي لوث أو‬
‫دخل علق بها منذ قديم التاريخ اإلسالمي وإلى عصرنا هذا‪.‬‬
‫وكان لزاما ً عليهم أن يبحثوا عن المصدر النقي الصافي لألحكام‬
‫الشرعية‪ ،‬وهو القرآن والسنة وما أرشدا إليه "قطعاً" من أدلة‬
‫التشريع‪ .‬وكان لزاما ً عليهم أن يعتمدوا القواعد التشريعية التي‬
‫دل عليها الدليل الشرعي باستدالل صحيح‪ ،‬وأن يتحروا األحكام‬
‫المستندة إلى الدليل األقوى‪ ،‬وأن تكون قوة الدليل هي المقياس‬
‫حين المفاضلة بين اجتهاد وآخر‪ ،‬وبين رأي وآخر‪ ،‬بصرف‬
‫النظر عما يوافق نظام العصر وواقع القرن العشرين وعالقات‬
‫المجتمع الرأسمالي‪ .‬فليس الواقع مصدرا ً للمعالجات‪ ،‬وليست‬
‫المصلحة دليالً على األحكام‪ ،‬وليست حضارة القرن العشرين‬
‫"الحضارة الغربية" ح َكما ً على اإلسالم وأحكامه‪ .‬وال يجوز‬
‫على المبدأ أن يتكيف مع الواقع الفاسد والمجتمع المنحط‬
‫والعالقات الرأسمالية‪ .‬بل إن على الواقع أن يتغير ليوافق‬
‫المبدأ‪ ،‬أي ليوافق اإلسالم‪ ،‬وعلى الدعاة تقع مسؤولية تغيير‬
‫المجتمع ليصبح مجتمعا ً إسالمياً‪ ،‬وذلك عن طريق توجيه‬
‫الضربات الفكرية واإلعالمية ضد عالقاته الفاسدة وما يتحكم‬
‫بها من أفكار خاطئة ومشاعر زائفة وأنظمة بالية‪ .‬وهذا ال يتأتى‬
‫إال بالثبات على المبدأ بعقائده وأفكاره وأحكامه ومعالجاته‪ ،‬دون‬
‫حيد قيد شعرة عنها‪ ،‬ولنتذكر حديث رسول هللا ‪ " r‬أال إن َر َحا‬
‫اإلسالم دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار‪ ،‬أال إن الكتاب والسلطان‬
‫سيفترقان‪ ،‬فال تفارقوا الكتاب"(‪.)1‬‬
‫‪ - 1‬رواه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد‪ ،‬وقال‪ :‬رواه الطبري‪.‬‬
‫‪228‬‬
‫فحين يُسأل الدعاة عن نظام الحكم في اإلسالم‪ ،‬فواجبهم‬
‫أن يقولوا هو نظام الخالفة الذي تو ِكل فيه األمة رعاية شؤونها‬
‫عن طريق البيعة‪ ،‬رجالً تفوضه السلطة الكاملة‪ ،‬ليحكمها بما‬
‫أنزل هللا‪ ،‬وليكون مسؤوالً أمام هللا في اآلخرة‪ ،‬وأمام الرعية في‬
‫صلوا‬
‫الدنيا عما يمارسه من رعاية الشؤون‪ .‬وواجبهم أن يف ّ‬
‫شكل نظام الحكم كما دلت عليه األدلة الشرعية وكما مارسه‬
‫رسول هللا محمد ‪ r‬والخلفاء الراشدون من بعده‪ ،‬وكما وردت‬
‫أحكامه في الكتب الفقهية المعتبرة‪ .‬ال أن يتوسلوا النظم‬
‫المعاصرة ليبحثوا عن أقربها إلى "روح اإلسالم" فيَسِموا بها‬
‫اإلسالم زورا ً وبهتاناً‪ ،‬فيقولوا‪ :‬نظام الحكم في اإلسالم‬
‫ديمقراطي أو جمهوري أو برلماني أو غير ذلك‪.‬‬
‫وعليهم حين يُسألون عن نظام االقتصاد في اإلسالم أن‬
‫يجيبوا بما دلت عليه مجموعة األحكام الشرعية المتعلقة‬
‫باالقتصاد والمال التي استقرت في كتب الفقه سواء أكانت من‬
‫أحكام المعامالت الفردية‪ ،‬أم من األحكام المنوطة بالدولة‪ .‬وال‬
‫ضير في ترتيب هذه األحكام وتبويبها على نحو يس ّهل الرجوع‬
‫إليها ويؤهلها لمواجهة األنظمة الوضعية المعاصرة‪ .‬ولكن ال‬
‫يجوز أن يقال‪ ،‬حين تروج أفكار االقتصاد الحر‪ :‬إن اإلسالم‬
‫أقرب ما يكون في نظامه االقتصادي إلى النظام الحر‪ .‬أو أن‬
‫يقال‪ ،‬حين تروج الدعوة إلى األفكار االشتراكية‪ :‬إن اإلسالم‬
‫ينزع في تشريعه االقتصادي نزعة اشتراكية‪ .‬أو أن يقال‪ :‬إن‬
‫اإلسالم جمع بين مزايا النظامين الحر واالشتراكي‪.‬‬
‫إن المبدأ يملي على َح َملَته‪ ،‬أن يؤكدوا براءة اإلسالم من‬
‫كل نظام‪ ،‬وأن يبرهنوا على تميزه عن كل ما سواه من المبادىء‬
‫‪229‬‬
‫والمذاهب واألنظمة‪ ،‬سواء من حيث األساس الذي يقوم عليه‪،‬‬
‫أو من حيث مصدره الذي نجم عنه‪ ،‬أو من حيث مضمونه الذي‬
‫تجلى نظاما ً للحياة والمجتمع والدولة‪.‬‬
‫أما من حيث األساس‪ ،‬فأساس نظام اإلسالم هو العقيدة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬عقيدة "ال إله إال هللا محمد رسول هللا"‪ .‬بينما أساس‬
‫النظام الرأسمالي عقيدة "فصل الدين عن الحياة"‪ .‬وأساس‬
‫النظام االشتراكي الشيوعي عقيدة "ال إله والحياة مادة"‪ .‬وأما‬
‫نزل‬
‫من حيث المصدر‪ ،‬فمصدر نظام اإلسالم الوحي الذي أ ُ ِ‬
‫على رسول هللا محمد ‪ { r‬ثم جعلناك على شريعة من األمر‬
‫فات ّ ِبعها وال تَت ّ ِبع أهواء الذين ال يعلمون }(‪ ،)1‬بينما مصدر‬
‫األنظمة الوضعية عقول البشر وأهواؤهم وعبقرياتهم‪ .‬وأما‬
‫من حيث المضمون‪ ،‬فإن كتب الفقه اإلسالمي وتاريخ‬
‫المجتمع اإلسالمي والدولة اإلسالمية‪ ،‬ألدلة حية دامغة على‬
‫أن لإلسالم كيانا ً حضاريا ً وتشريعيا ً ونمطا ً من العيش ال يمت‬
‫بصلة إلى أي حضارة من الحضارات وال أي تشريع من‬
‫التشريعات‪ ،‬وأنه بريء من كل ما سواه براءة لم يعرف تاريخ‬
‫الحضارات لها مثيالً‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬على َح َملَة الدعوة أن يأخذوا بقوة‪ ،‬بكل فكرة‬
‫إسالمية‪ ،‬وبكل معالجة وكل حكم يعطيه اإلسالم‪ .‬فليسوا‬
‫مطالبين بتبرير حكم "الجهاد"‪ ،‬وليسوا مجبرين على تبرير‬
‫"تعدد الزوجات"‪ ،‬وال حكم "الطالق"‪ ،‬وال "قطع يد السارق"‬
‫‪ -1‬سورة الجاثية ‪ -‬اآلية ‪.18‬‬
‫‪230‬‬
‫وال غيرها‪ ،‬بل عليهم االفتخار بأنهم يحملون أعظم نظام عرفه‬
‫البشر‪ ،‬إنه شريعة هللا المهداة رحمة للعالمين‪.‬‬
‫وال يجوز للدعاة أن يبحثوا عما يوافق الواقع من أحكام‬
‫فيأخذونها ولو كانت اجتهادا ً ضعيفا ً أو كانت مستندة إلى أدلة‬
‫ضعيفة‪ .‬وال يجوز أن يأولوا الحكام والنصوص الشرعية لتوافق‬
‫"روح العصر" الذي هو النمط الحضاري الغربي‪ .‬وال يجوز‬
‫التنازل عن بعض األحكام وتعديلها أو إخفاؤها‪ ،‬استرضاء‬
‫للسالطين واتقا ًء لشرهم وطمعا ً ببعض ما عندهم‪ .‬بل الدعوة‬
‫موقف ثابت‪ ،‬وكلمة حق ينال بها الدعاة شرف الدنيا واآلخرة‬
‫بإذن ربهم‪.‬‬
‫إن ثبات المبدئيين على ذلك النهج وتلك المواقف‪ ،‬أدى‬
‫إلى اضطهادهم وظلمهم ومواجهتهم بالقتل والتشريد والسجن‬
‫وقطع األرزاق وترويج الدعاوات اإلعالمية لتشويه صورتهم‬
‫أمام أعين الناس‪ ،‬مما جعل المجتمع يتجمد في وجههم بعض‬
‫األحيان‪ ،‬وذلك إزاء اإلرهاب المادي واإلعالمي الذي يمارس‬
‫ضد الدعاة ومن يلتف حولهم ويؤيدهم‪.‬‬
‫إال أن كل ذلك لم يثن الذين يعتنقون أعظم عقيدة ويحلمون‬
‫بجنات عرضها السماوات واألرض عن دعوتهم التي نذروا‬
‫حياتهم لها‪ ،‬وتحملوا األهوال ألجلها‪ ،‬ورأوا أن القضية قضية‬
‫حياة أو موت واتخذوا إزاءها إجراء الحياة والموت‪ .‬فهم‬
‫يتذكرون دائما ً قول هللا تعالى‪ { :‬أم حسبتم أن تدخلوا الجنة‬
‫ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء‬
‫‪231‬‬
‫وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر هللا‬
‫أال إن نصر هللا قريب }(‪.)1‬‬
‫وما أشبه ذلك بما حصل مع رسول هللا ‪ r‬وأصحابه ومن‬
‫يؤيدهم ويحميهم‪ .‬فقد حاصرت قريش آل هاشم‪ ،‬ألجل أنهم‬
‫دافعوا عن رسول هللا ‪ r‬وحاربت كل من يعين أو ينصر دعوة‬
‫الحق أو يصغي إلى كلمة اإلسالم‪ .‬فتجمد المجتمع في وجه‬
‫رسول هللا ‪ ،r‬ووقف الناس موقف المراقب والمترقب الذي‬
‫ينتظر ما ستؤول إليه األمور‪ .‬إال أن رسول هللا ‪ r‬صبر على‬
‫دعوته ودأب يبحث عن مجال آخر للدعوة‪ ،‬حتى أكرمه هللا‬
‫سبحانه وتعالى بإيمان أهل المدينة وتحقق بذلك نصر هللا تعالى‬
‫لرسوله الكريم‪.‬‬
‫وها هم الدعاة المبدئيون في أيامنا هذه‪ ،‬لما صبروا على‬
‫دعوتهم رأينا أبواب التوفيق تفتّح لهم من جديد‪ ،‬وسرعان ما‬
‫عادت األمة لتحتضن أبناءها المخلصين الواعين الذين ثبتوا‬
‫على مبدئهم ودعوتهم‪ .‬وهاهم يصبحون أمل الناس في التغيير‪،‬‬
‫وها هي الخالفة أصبحت على كل لسان‪ ،‬وها هي بشائر النصر‬
‫تلوح في األفق وتبشر بمجد جديد تكون فيه كلمة هللا هي العليا‬
‫وكلمة الذين كفروا السفلى‪ ،‬ويكون اإلسالم الصافي النقي هو‬
‫الذي يحكم حياة الناس ويعلي شأنها‪ ،‬حيث ال وجود بإذن هللا‬
‫تعالى آلثار التخلف والظالم‪ ،‬وال صوت يعلو لغير المخلصين‬
‫الواعين من أبناء هذه األمة‪.‬‬
‫‪ -1‬سورة البقرة ‪ -‬اآلية (‪.)214‬‬
‫‪232‬‬
‫إن مزيدا ً من الجهود في طريق الدعوة‪ ،‬وعلى الخط الذي‬
‫رسمه المبدأ من أجل استئناف الحياة اإلسالمية‪ ،‬من شأنها أن‬
‫تبشر بوالدة نهضة راشدة جديدة تعيد للحضارة اإلسالمية‬
‫ّ‬
‫وعزها وللمجتمع هويته ولألرض‬
‫حياتها ولألمة كرامتها‬
‫منارتها‪.‬‬
‫إنه نداء لكم يا خير أمة أخرجت للناس‪ ،‬نداء لكم يا من‬
‫ناداهم هللا بقوله‪ { :‬يا أيها الذين آمنوا استجيبوا هلل وللرسول‬
‫إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن هللا يحول بين المرء وقلبه‬
‫وأنه إليه تحشرون }(‪.)1‬‬
‫‪ -1‬سورة األنفال ‪ -‬اآلية (‪.)24‬‬
‫‪233‬‬
‫المصادر والمراجع‬
‫الواردة أسماؤها في هوامش الكتاب‬
‫‪ ‬اإلسالم كبديل ‪ -‬مراد هوفمان ‪ -‬ترجمة د‪ .‬غريب محمد‬
‫غريب ‪ -‬الطبعة األولى ‪ -‬مجلة النور الكويتية ومؤسسة‬
‫بافاريا‪.‬‬
‫‪ ‬اإلسالم على مفترق الطرق ‪ -‬محمد أسد ‪ -‬ترجمة د‪ .‬عمر‬
‫فروخ ‪ - 1987 -‬دار العلم للماليين‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪ ‬اإلسالم والتحدي الحضاري ‪ -‬بأقالم عشرة من علماء‬
‫اإلسالم ‪ -‬دار الكاتب العربي‪ ،‬بيروت ‪1992 -‬م ‪1412‬‬
‫هـ‪.‬‬
‫‪ ‬أعالم الفكر السياسي ‪ -‬إعداد موريس كرانستون ‪ -‬الطبعة‬
‫الثالثة ‪ - 1991‬دار النهار للنشر‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪ ‬بهجة المعرفة ‪ -‬موسوعة علمية مصورة ‪ -‬الشركة العامة‬
‫للنشر والتوزيع واإلعالن‪.‬‬
‫‪ ‬التفسير اإلسالمي للتاريخ ‪ -‬عماد الدين خليل ‪ -‬الطبعة‬
‫الخامسة ‪ - 1991‬دار العلم للماليين‪.‬‬
‫‪ ‬تلبيس إبليس ‪ -‬الحافظ اإلمام أبو الفرج عبد الرحمن بن‬
‫الجوزي البغدادي‪ ،‬المتوفى ‪ 597‬هـ‪ -‬تحقيق عصام فارس‬
‫الحرستاني ‪ -‬المكتب اإلسالمي‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة األولى‬
‫‪ 1414‬هـ ‪1994 -‬م‪.‬‬
‫‪234‬‬
‫‪ ‬جامع بيان العلم وفضله ‪ -‬اإلمام أبو عمر يوسف بن عبد‬
‫البر القرطبي المتوفى سنة ‪ 462‬هـ ‪ -‬إدارة الطباعة‬
‫الجيزية‪ ،‬مصر ‪ -‬د‪.‬ت‪.‬‬
‫‪ ‬الجامع ألحكام القرآن ‪ -‬أبو عبد هللا محمد بن أحمد‬
‫األنصاري القرطبي ‪ -‬دار الكتاب العربي‪ ،‬بيروت ‪ -‬د‪.‬ت‪.‬‬
‫‪ ‬الحريات العامة في الدولة اإلسالمية ‪ -‬راشد الغنوشي ‪-‬‬
‫مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ‪.1993 -‬‬
‫‪ ‬الدعوة إلى اإلسالم ‪ -‬أحمد المحمود ‪ -‬الطبعة األولى ‪-‬‬
‫‪1415‬هـ‪1995 ،‬م ‪ -‬دار األمة‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪ ‬الدولة اإلسالمية ‪ -‬تقي الدين النبهاني ‪ -‬الطبعة الخامسة‬
‫‪ - 1994‬دار األمة‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪ ‬سنن الدارمي ‪ -‬اإلمام عبد هللا بن عبد الرحمن الدارمي‬
‫السمرقندي (ت ‪ 255‬هـ)‪.‬‬
‫‪ ‬السيرة النبوية ‪ -‬ابن هشام (المتوفى سنة ‪ 213‬أو ‪ 218‬هـ)‬
‫ تعليق وتخريج‪ :‬د‪ .‬عمر عبد السالم تدمري ‪ -‬دار الكتاب‬‫العربي ‪ -‬الطبعة الرابعة ‪.1993‬‬
‫‪ ‬الشخصية اإلسالمية‪ ،‬الجزء األول ‪ -‬تقي الدين النبهاني ‪-‬‬
‫الطبعة الرابعة ‪ 1994‬م ‪ -‬دار األمة‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪ ‬صحيح البخاري ‪ -‬لإلمام الحافظ أبو عبد هللا محمد بن‬
‫إسماعيل البخاري المتوفى سنة ‪ 256‬هـ‪.‬‬
‫‪ ‬صحيح مسلم ‪ -‬لإلمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج‬
‫القشيري النيسابوري المتوفى سنة ‪ 261‬هـ‪.‬‬
‫‪235‬‬
‫‪ ‬العقد االجتماعي ‪ -‬جان جاك روسو ‪ -‬ترجمة ذوقان قرقوط‬
‫ دار القلم‪ ،‬بيروت‪.‬‬‫‪ ‬قصة الحضارة ‪ -‬ول ديورانت ‪ -‬ترجمة مجموعة من‬
‫الكتّاب ‪ -‬دار الجيل‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪ ‬مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ‪ -‬للحافظ نور الدين علي بن‬
‫أبي بكر الهيثمي (المتوفى سنة ‪ 807‬هـ) مؤسسة‬
‫المعارف‪ ،‬بيروت ‪ 1406‬هـ ‪1986 -‬م‪.‬‬
‫‪ ‬مختار الصحاح ‪ -‬محمد بن أبي بكر الرازي ‪ -‬مكتبة لبنان ‪-‬‬
‫‪.1992‬‬
‫‪ ‬مسند اإلمام أحمد ‪ -‬اإلمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة‬
‫‪ 241‬هـ) ‪ -‬مراجعة صدقي العطار ‪ -‬دار الفكر‪ ،‬بيروت‬
‫‪1994‬م‪.‬‬
‫‪ ‬الموسوعة الفلسفية ‪ -‬وضع لجنة من العلماء واألكاديميين‬
‫السوفياتيين‪ ،‬بإشراف م‪ .‬روزنتال و ب‪ .‬يودين ‪ -‬ترجمة‬
‫سمير كرم ‪ -‬دار الطليعة‪ ،‬بيروت ‪.1987 -‬‬
‫‪ ‬النظام االقتصادي في اإلسالم ‪ -‬تقي الدين النبهاني ‪ -‬الطبعة‬
‫الرابعة ‪ - 1990‬دار األمة‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫‪ ‬نهاية التاريخ واإلنسان األخير ‪ -‬تأليف فرانسيس فوكوياما ‪-‬‬
‫مترجم بإشراف مطاع صفدي ‪ -‬مركز اإلنماء القومي‪،‬‬
‫بيروت ‪.1993‬‬
‫‪ ‬الوعي (مجلة) ‪ -‬جامعية فكرية ثقافية ‪ -‬تصدر عن ثلة من‬
‫الشباب الجامعي المسلم في لبنان‪.‬‬
‫‪236‬‬
237