أسس
النهضة الراشدة
أحمد القصص
أسس
النهضة الراشدة
من منشورات
رابطة الوعي الثقافية
طرابلس -لبنان
الطبعة األولى
1416هـ 1995 -م
دار األمة
للطباعة والنشر والتوزيع
ص.ب135190 :
بيروت -لبنان
قَد َخلَ ْ
األرض
ِيروا في
ت ِمن قَب ِل ُك ْم ُ
ِ
سنَ ٌن فَس ُ
فا ْن ُ
يف كانَ عاقِبةُ ال ُم َكذِبين * هذا بَ ٌ
يان
ظ ُروا َك َ
ى و َم ْو ِع َ
ظةٌ ِلل ُمتقين * وال تَ ِهنُوا وال
ِللن ِ
اس و ُهدَ ً
ؤم ِنين * ْ
تحزَ نوا وأنت ُ ُم األع َلونَ ْ
إن
إن ُكنتُم ُم ِ
لك
وم قَر ٌح ِمثْلُهَُ ،وتِ َ
س ْس ُك ْم قَ ْر ٌح فَقَد َم َّ
َي ْم َ
س القَ َ
اس َو ِليعلَ َم هللاُ الذِينَ ءا َمنُوا
األيا ُم نُدا ِولُها بَينَ النَّ ِ
َّ
َويت ِخذَ ِمن ُكم ُ
الظا ِلمين *
ب
ش َهدا َء ،وهللاُ ال يُ ِح ُّ
ص هللاُ الذِينَ ءا َمنُوا َو َي ْم َحقَ الكا ِفرين.
َو ِليُ َم ِح َ
آل عمران 141-137
محتويات الكتاب
الـمـقـدمة 9 ...................................
القسم األول :فلسفة
النهضة 17 ...........
المؤرخون وفلسفة النهضة19 ...................... . فلسفة النهضة في الفكر الغربي المعاصر24 .... . سر النهضة34 .......................................... النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة40 .......... . -بين الحضارة اإلسالمية والحضارة الغربية44 .. .
القسم الثاني :الحضارة
اإلسالمية 61 .....
الحضارة65 ............................................. اإلسالم المبدأ73 ...................................... . "ال إله إال هللا محمد رسول هللا"القاعدة الفكرية للمسلمين80 ....................... .
اإلسالم نظام الحياة والمجتمع والدولة88 ........ . السعادة :نيل رضوان هللا تعالى96 ................. . الروح والناحية الروحية105 ......................... . نهضة األمة اإلسالمية بالوحي118 ...................7
براءة الحضارة اإلسالمية من سائر الحضارات.128 .....................................................................
القسم الثالث :المجتمع
اإلسالمي 134 ......
المجتمع ونهضته138 ................................... منهج الرسول rفي تغيير المجتمع145 ............. . المجتمع اإلسالمي واالحتكاك الحضاري والفكري.152 .....................................................................
دعاة التغيير :بين المبدئية والواقعية183 .............المصادر والمراجع 204 ........................
8
الـمــقــدمــة
الحمد هلل رب العالمين ،والصالة والسالم على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبعه بإحسان إلى
يوم الدين ،وبعد:
منذ نشوء األمة اإلسالمية ،وقيام مجتمعها ودولتها ،في
عهد رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم ،عاشت األمة
اإلسالمية قرونا ً متطاولة ،وهي ال ترى أمة وال دولة تدانيها في
حضارتها ونهضتها وقوتها وعزتها.
في عهد رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم قامت دولة
اإلسالم في الجزيرة العربية ،وتاخمت بالد أعظم إمبراطوريتين
في ذلك التاريخ :إمبراطورية فارس وإمبراطورية الروم
البيزنطيين ،واحتَكت بهما منذ أول عهدها.
وفي عهد الخلفاء الراشدين تنطلق جحافل المجاهدين،
تحمل اإلسالم رسالة إلى العالم خارج جزيرة العرب ،لتحول
البالد من ديار كفر إلى دار إسالم.
عمر دام
فتنهار تحت أقدامهم إمبراطورية فارس ،بعد ُ
قرونا ً من التاريخ القديم .وتندحر إمبراطورية الروم عن بالد
الشام وشمال إفريقية ،مخلية الساحة أمام الحضارة اإلسالمية
كي ترفع شأن أمم تاقت إلى الرحمة منذ مئات السنين.
9
ثم في عهد الخلفاء األمويين ،تستمر دولة اإلسالم في
التوسع ،مخترقة في الشرق هضاب آسيا وسهوبها عابرة
أنهارها ،حتى تصل إلى مشارف سور الصين وتخوم الهند.
وتستمر جحافل الغازين في المضي غربا ً حتى تصل إلى
شواطئ المحيط األطلسي ،ثم لتعبر مضيق جبل طارق متوغلة
في األندلس لتتاخم الحدود الجنوبية لفرنسا.
وبعد ذلك ،في عهد الخلفاء العباسيين تتكرس الفتوحات
اإلسالمية وتستمر في التوسع ولو على نحو أقل نسبياً .ويكون
ذلك العصر عصر ازدهار الثقافة اإلسالمية والمذاهب الفقهية
والمدارس الفكرية ،وقيام عظيم العمران وروائع المدنية
وعجائب العلوم واالكتشافات ،ليصبح المجتمع اإلسالمي منارة
األرض وجنة الدنيا الساحرة في نظر سائر الشعوب.
وفي القرن الخامس الهجري ،يفتح هللا تعالى على
المسلمين بالدا ً جديدة ،أهمها بالد األناضول (آسية الصغرى)،
حيث يط ّهر المجاهدون "السالجقة" تلك البالد من بقايا النفوذ
البيزنطي ويدحرون الروم حتى يتاخموا حدود عاصمتهم
القسطنطينية.
إال أن نهاية ذلك القرن تحل لتحمل معها عاقبة تشرذم
المسلمين وتفكك خالفتهم إلى إمارات وسلطنات متناحرة.
فيسلط هللا تعالى جحافل الحمالت الصليبية التي انطلقت من
الغرب األوربّي الغارق في ظلمات العصور الوسطى
وهمجيتها ،فتشق طريقها عابرة آسية الصغرى ،لتحتل السواحل
الشامية كلها وصوالً إلى أرض المسجد األقصى ،حيث تحصد
مجازر هؤالء المتوحشين عشرات األلوف من المسلمين ذبحا ً
10
في المسجد األقصى .فتُحشد جيوش المسلمين بعد تلك الصاعقة
المدمرة الغادرة من أجل تحرير البالد والمقدسات والثأر
للمسلمين وكرامتهم.
وال يكاد المسلمون يحررون بالد الشام على يد مجاهدين
أبطال أمثال صالح الدين والظاهر بيبرس ،حتى تداهمهم ،من
ناحية الشرق هذه الكرة ،غزوات أشد همجية وأعظم دماراً،
تهلك الحرث والنسل وتأكل األخضر واليابس وتذبح الماليين
من النساء والولدان والشيوخ فضالً عن الرجال :إنها غزوات
التتار والمغول الذين عاثوا في األرض خرابا ً ودماراً ،حتى
اقتحموا على المسلمين عاصمة خالفتهم بغداد سنة 656هـ،
وذبحوا أهلها ،وقتلوا آخر خليفة بغدادي وفقأوا عينيه .ودمروا
أعظم مكتبة عرفها التاريخ ،ورموا كتبها في دجلة ،فجعلوا منها
معبرا ً بين ضفتيه ،واصطبغ نهر دجلة بمداد الكتب ،و ُ
طوي
تراث من الصفحات التي سودتها ...بل أضاءتها أقالم النساخ،
بأفكار العباقرة وثمرات المجتهدين وتجليات الشعراء وبالغة
األدباء وفصاحة العرب ...لتُفتح صفحات مظلمة من تاريخ
األمة اإلسالمية ،حيث تصبح بالد فارس والشام والعراق مرتعا ً
للمجرمين الكفرة والمتوحشين ظمأى الدماء أكلة لحوم البشر ...
إنها حقا ً صفحات مظلمة ...حقبة انحطاط مخيف وتراجع
عجيب ،من أمة دان لها الشرق والغرب خمسة قرون.
إال أن الناظر للتاريخ ،المتعمق في صفحاته ،المستنير
بأحداثه ،حين يحكم على المجتمع اإلسالمي في ذلك العصر
باالنحطاط ،فإنه ال يحكم بذلك مقارنة مع سائر المجتمعات
والدول وال قياسا ً عليها .بل هي مقارنة مع سابق عهد المسلمين
11
وقياس عليه .ذلك أنه ،على ما أصاب المسلمين من ضعف
وهزيمة ،لم تكن توجد على وجه األرض أمة تدانيهم في
حضارتهم ورقيّهم وتقدمهم ،وأن أعداء المسلمين الذين أذلوهم
وسفكوا دماءهم ما تغلبوا عليهم برقي وال رفعة حضارية .وإنما
هي موجات من الغزوات الهمجية التي عرف التاريخ العديد من
أمثلتها ،تفور وتثور في فجاءة من الزمان ،لتقتحم على الشعوب
غرة ،ولتفسد في
الغافلة عن عوامل ضعفها بالدَها على حين ّ
األرض كما أفسدت يأجوج ومأجوج زمن ذي القرنين .ولكنها
ال تلبث أن تنطفئ جذوتها وتنكسر شوكتها ،بعد أن دمغ التاريخ
وصمة عار في جبينها ...بل على قفاها.
فها هي جحافل الصليبيين تعود إلى ديارها تجر أذيال
الخيبة والعار ،رغم استقرارها في بعض بالد اإلسالم ما يداني
القرنين من السنين ،وقد تأثرت بالحضارة اإلسالمية وعادات
المسلمين ،وتنعمت ببعض مدنيّتهم .وها هي جحافل المغول
تتهاوى أمام ضربات جيش المماليك الذي استجمع قواه في
مصر ،ليدحر هؤالء المعتدين ويعيدهم من حيث أتوا ولكن ،مع
فرق مهم بين مجيئهم ونكوصهم ،فقد انطلقوا من ديارهم
مشركين وثنيين ،وعادوا إلى ديارهم وهم يدخلون في دين هللا
أفواجاً ،ويعتنقون عقيدة ضحاياهم ويدينون بدينهم.
وهكذا ...عاد المسلمون ليستأنفوا سابق مجدهم وعزهم،
فتولى المماليك حماية بيضة المسلمين والذود عن حرماتهم
ومقدساتهم في بالد مصر والشام والعراق والجزيرة العربية
وشمال إفريقية .وفي األناضول قامت قبيلة بني عثمان لتحمل
الراية عن أسالفها السالجقة ،وليطهر مجاهدوها أرض
12
األناضول نهائيا ً من فلول البيزنطيين ،بل ليقتحموا بعد ذلك على
البيزنطيين أراضيهم داخل القارة األوربّية ،وليقرروا سنة
1453م نهاية عهد اإلمبراطورية البيزنطية ،محققين وعد
رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم بفتح عاصمة "هرقل"
القسطنطينية التي بقيت ،مئات السنين ،القلب النابض لتلك
اإلمبراطورية العاتية ،ولتتحول إلى مدينة اإلسالم "إسالمبول"
بل لتتحول سنة 923هـ إلى عاصمة الخالفة اإلسالمية ،في ظل
الخلفاء العثمانيين.
مضت سنون طوال بعدها ،وجيوش المسلمين تهدد ممالك
أوربا ودولها .فقد وصل مجاهدو الخالفة العثمانية مقتحمين
ديار أوربا الشرقية إلى أسوار فيينا عاصمة اإلمبراطورية
الرومانية المقدسة ،مهددين بذلك أوربا الالتينية والجرمانية
بأسرها .ونشأت آنذاك لدى الغربيين "المسألة الشرقية" ،أال
وهي :كيف السبيل إلى التخلص من الخطر اإلسالمي؟ ولم يكن
من خيار آنذاك إال استرضاء الخلفاء العثمانيين ،والحرص على
العالقات السلمية فيما بينهم وبين المسلمين.
إال أن هذا السلم كان فرصة للغرب ،كي ينعم النظر في
أحواله ومجتمعه ودولته ،وفي األسس الحضارية التي تقوم
عليها حياته .لقد أدرك أن الفارق الجوهري بين مجتمعه
والمجتمع اإلسالمي ،إنما يكمن في الحضارتين اللتين تصوغان
كالً من هذين المجتمعين ،وأن الصراع الحقيقي إنما هو
الصراع الحضاري وليس العسكري .واكتشف أن الحضارة
التي عاش في كنفها خالل العصور الوسطى هي من االنحطاط،
13
بحيث لم تكن يوما ً مؤهلة ألن تواجه حضارة قوية األركان
شامخة البنيان ،هي الحضارة اإلسالمية.
وهكذا كانت القرون التي تلت سقوط اإلمبراطورية
البيزنطية والتي يطلق عليها المؤرخون الغربيون اسم "التاريخ
الحديث" ،مرحلة المخاضات الفكرية والثقافية والحضارية
العسيرة ،التي أسفرت مع نهاية القرن الثامن عشر الميالدي عن
والدة الحضارة الغربية المعاصرة ،التي قامت على أسس من
العلمانية واللبرالية الرأسمالية.
تلك الفسحة التاريخية التي أتاحت للغرب أن يتأمل في
أحواله وهويته الحضارية وأسس مجتمعه ،كانت مترافقة مع
تحجر في التفكير أطبق على أذهان المسلمين ،بحيث انعدمت
الحيوية الفكرية في المجتمع اإلسالمي ،وعاش المسلمون على
تراث الماضين من الفقهاء وعلماء اإلسالم ،مع ّ
تزين بدينهم
ونظامهم ونمط عيشهم وهيبة دولتهم وقوة جيشهم ،وال يرون
حولهم أمة أو دولة تضاهيهم بحضارتها أو قوتها وال يفطنون
إلى عوامل االنحطاط والتخلف التي دبّت في كيانهم .وخالل
القرن التاسع عشر الميالدي ،أضيف إلى ذلك الفارق فارق
جديد ،أال وهو فارق القوة العسكرية.
ففي ذلك القرن تعاظمت قوة الدول القومية في أوربا،
وترافق ذلك مع قيام الثورة الصناعية التي تحولت قوة مادية
تمدّ الجيوش األوربية بأنواع األسلحة الجديدة ووسائل النقل
البرية والبحرية التي كانت عونا ً لها على التوسع االستعماري
في بالد العالم ،ومنها بالد المسلمين .بينما كانت قوة الدولة
14
العثمانية في تراجع وهبوط سريع ،وكان الفساد اإلداري قد عم
مؤسساتها واألزمات االقتصادية تفت من عضدها.
فإذا بغارات الغزو العسكري تترافق مع غارات الغزو
وتمرغ
الفكري .األولى تقضم بالد المسلمين الواحد تلو اآلخر
ّ
أنوف المسلمين في التراب ،والثانية تربك المثقفين وأصحاب
الرأي بين المسلمين ،وتصيب المجتمع بحالة من الضياع
والحيرة .ولم تنته الحرب العالمية األولى بداية هذا القرن إال
وقد أسفرت عن أعظم نكبة ألمت بالمسلمين خالل تاريخهم
الطويل .هذه النكبة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية ،وال ضياع
أراض شاسعة من ديار اإلسالم ،وال إزهاق األلوف من أرواح
ٍ
المسلمين ،بل هي أبعد من ذلك بكثير .إنها ضياع لهوية
وار للحضارة
المسلمين ،وسقوط لكيانهم المعنوي والمادي ،وت َ ٍ
اإلسالمية ،وتقويض للمجتمع اإلسالمي.
لقد عاش المسلمون في ماضي تاريخهم حقبا ٍ
ت من
انحطاط وهزيمة وضعف ولكنهم ،بكل تأكيد ،لم يعيشوا أسوأ
من هذه الحقبة ،ولم يذوقوا يوما ً مرارة الذل التي ذاقوها في هذا
القرن ،حتى انطبق عليهم ،إلى أبعد الحدود ،حديث رسول هللا
صلى هللا عليه وآله وسلم" :يوشك أن تداعى عليكم األمم من
كل أفق كما تداعى األكلة على قصعتها" قيل " :يا رسول هللا،
أمن قلة بنا يومئذ؟" قال " :أنتم يومئذ كثير ،ولكن تكونون
غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في
15
قلوبكم الوهن" قال" :قلنا وما الوهن؟" قال" :حب الدنيا
وكراهية الموت"(.)1
وهكذا ،لم يعد يماري عاقل في أن األمة اإلسالمية تعيش
حالة انحطاط بكل ما تحمل الكلمة من أبعاد ،وإن اختلف
القائلون في المدى النسبي لذلك االنحطاط .وبالتالي أصبحت
أطروحات النهضة والرقي والتغيير واإلصالح والبناء والهدم
وإعادة البناء ...من أهم األطروحات التي شغلت أذهان المثقفين
والمفكرين والكتّاب من أبناء المجتمع ،فاستهلكت جهودهم
وفرغت أقالمهم واستأثرت بمجالسهم وأحاديثهم ،سواء أكانوا
ّ
مخلصين أو عمالء ،واعين أو تائهين ضائعين.
وكان من الواضح أن التأثير الثقافي والفكري والحضاري
الذي كرسه الغزو السياسي الغربي للعالم اإلسالمي ،كان له
النصيب األكبر في توجيه تلك األطروحات والجهود .وكان
صنعوا على عين الحضارة الغربية وسياسة دولها
وصول أناس ُ
إلى سدة الحكم ،عامالً في قيام المؤسسات التربوية والتعليمية
واإلعالمية والثقافية والتوجيهية ،الرسمية منها وغير الرسمية،
على أساس الحضارة الغربية .فكانت معظم األطروحات التي
ناقشت مسألة النهضة واالرتقاء ووضعت لها التعاريف
والفلسفات واألسس والتفاصيل ،متأثرة بشكل أو بآخر
بالحضارة الغربية بشكل كامل ،بوصفها "الحضارة اإلنسانية
المعاصرة" وغاية ما وصلت إليه البشرية في مسيرة االرتقاء،
- 1رواه أبو داود وأحمد .واللفظ لإلمام أحمد .أنظر :المسند ،الحديث رقم
.2246
16
إلى أطروحات تدعو إلى اقتباس "محاسن" تلك الحضارة من
أجل " هضمها وإخراجها حضارة متميزة تتوافق مع هويتنا
الحضارية" ،وإلى أخرى تدعو إلى تالقح الحضارات وتفاعلها
من أجل مزيد من االرتقاء ...إلى ما هنالك من آراء ومقوالت.
إال أن األطروحات األشد خطورة ،كانت تلك التي دأبت
على دراسة اإلسالم وفهمه -ومن ثم إبرازه -على نحو يتوافق
مع الحضارة الغربية ،أو يتكامل معها ،أو على األقل ال
يتعارض معها .األمر الذي أنذر بخطر تحول اإلسالم إلى
مجرد تراث حضاري تاريخي غابر ،واالستبقاء عليه دينا ً
كهنوتيا ً روحيا ً قابالً للتعايش مع أية حضارة تفرض هيبتها
وسلطانها على الساحة الدولية ،وال سيما حضارة تفصل الدين
عن الحياة والمجتمع والدولة.
لذلك كان ال بد من إعادة النظر ملياً ،في مسألة النهضة
وفلسفتها واألساس الذي تقوم عليه ،وما هي صلة اإلسالم بتلك
الفلسفة ،وما هو البنيان الحضاري الذي يقدمه اإلسالم من أجل
بنائه على ذلك األساس ،وأين موقع األمة اإلسالمية اليوم من
حضارة اإلسالم ونظامه وطريقة عيشه ،بعيدا ً عن تأثير
الحضارة الغربية وضغط الواقع المعاصر ،وأهواء السوقة من
حملة الدعوات ومروجي األفكار والسلع الثقافية االستهالكية
المستوردة من هنا أو هناك .وذلك من أجل قيام عمل حركي
إيجابي وفعال ،للتغيير ودفع المجتمع قدما ً نحو النهوض
واالرتقاء ،اهتداء بما أنزل هللا تعالى على نبيه محمد صلى هللا
عليه وآله وسلم .وصدق هللا العظيم الذي قال:
17
{ قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين * يهدي به هللا من
اتّبع رضوانه سبل السالم ويخرجهم من الظلمات إلى النور
بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }(.)1
طرابلس الشام 3ربيع األول 1416هـ..
31تــمــوز 1995م.
أحمد القصص
- 1سورة المائدة -اآليتان 15و .16
18
الــقسم األول
فـلـســـفـة النـهــضـــة
19
20
المؤرخون وفلسفة النهضة
لقد كانت مسألة النهضة -والزالت -من المواضيع
األساسية الشاغلة ألغلب المؤرخين والمفكرين :ما هي
النهضة؟ كيف تتحقق؟ لماذا نهضت هذه األمة؟ ولماذا انحطت
تلك؟ هل القضية في الدين؟ أو هل القضية في التكنولوجيا
والمدنية؟ أو هي قضية فكر وثقافة؟
المؤرخون انشغلوا كثيرا ً في محاولة تفسير حركة
النهضة واالنحطاط منذ التاريخ القديم وحتى التاريخ المعاصر.
فيراقبون ما حصل على النحو اآلتي:
في التاريخ القديم ،يشهد العالم نهضة مجموعة من
انحدارها حتى زوالها كالحضارة المصرية
الحضارات ث ُ ّم
َ
والسومرية واألشورية والبابلية والفارسية واليونانية
وغيرها ،ويُختم بنهضة عريقة عظيمة ،هي نهضة
الحضارة الرومانية التي انطلقت من مدينة روما اإليطالية
لتجتاح أوربّا ثم حوض البحر المتوسط بأكمله لتجعل من
ذلك البحر بحيرة رومانية.
مع بداية العصور الوسطى -أي خالل القرن الخامس
الميالدي -تنهار اإلمبراطورية الرومانية لتقوم على
أنقاضها في أوربا حضارة العصور الوسطى التي تميزت
21
باالنحطاط والتخلف ،وس ّميت بعصور الظلمات ،والتي
استمرت مخيمة بظالمها على أوربا قرونا ً متطاولة حتى
العصر الحديث .بينما يشهد الشرق في تلك العصور نهضة
عظيمة عريقة ،وذلك مع بزوغ شمس اإلسالم أوائل القرن
السابع الميالدي ،حيث توسعت حضارة اإلسالم لتشمل في
رحابها البالد الممتدة من الصين شرقا ً إلى المحيط األطلسي
غربا ً مخترقة أوربا وصوالً إلى حدود فرنسا ،بعد أن
اجتاحت إسبانيا أو بالد األندلس .وتستمر هذه الحضارة
قرونا ً متطاولة تورف بظاللها على الشعوب اإلسالمية،
فكان العالم اإلسالمي آنذاك قبلة األنظار ومنارة التائهين
والجنة األرضية في نظر سائر الشعوب.
في العصور الحديثة ،أي مع إطاللة القرن الخامس عشر
تبدأ في أوربا بوادر نهضة جديدة تؤتي ثمارها مع بداية
التاريخ الغربي المعاصر ،أي أواخر القرن الثامن عشر
الميالدي ،والتي تُعدّ الحضارة الغربية اليوم امتدادا ً لها .في
الوقت الذي يشهد فيه العالم انحسارا ً ملحوظا ً للحضارة
اإلسالمية وانحدارا ً للمسلمين باتجاه االنحطاط ،حيث وصل
العالم اإلسالمي إلى الحضيض أواخر القرن التاسع عشر
وخالل القرن العشرين.
وفي القرن العشرين يشهد العالم في بعض البالد نهضة من
نمط جديد لم تستطع أن تعمر أكثر من سبعة عقود ،أال وهي
النهضة الشيوعية التي بدأت حياتها سنة 1917م لتموت في
أرض انبثاقها قبل أفول القرن العشرين ،والتي ربما ضربت
22
رقما ً قياسيا ً في قِصر عمر الحضارات ،رغم الدور الهائل
الذي لعبته في السياسة الدولية خالل القرن العشرين.
لقد تعددت تفسيرات المؤرخين والمفكرين لحركة النهضة
واالنحطاط تلك .فمنهم من رأى أن نهضة الحضارات ثم
ي طبيعي ال تفسير له سوى دبيب الحيوية
انحطاطها أمر حتم ّ
في شعب من الشعوب ووصولها إلى الذروة ،ثم انحسار تلك
الحيوية ومن ثم موتها ،وبالتالي زوال تلك الحضارة كما هو
شأن اإلنسان ،حيث يبدأ عمره بمولده طفالً ثم يشبّ ويكبر
مرورا ً بالشباب والعنفوان وصوالً إلى ذروة الرجولة ،ثم يعود
منتكسا ً إلى الوراء مرورا ً بالكهولة فالشيخوخة ثم العجز
وصوالً إلى الموت .من هؤالء المفكرين "شبنغلر" الفيلسوف
األلماني المتوفى سنة 1936الذي يذهب "إلى أن التاريخ
حضارات مستقلة فريدة ،تكوينات عضوية فائقة لكل منها
مصيرها الفردي وتمر بفترات النشوء واالزدهار والموت،
وعنده أن الحضارة الغربية التي تبدأ من القرن التاسع عشر -
أي من قيام الرأسمالية -قد دخلت مرحلة االنهيار وكان
ازدهارها في عصر اإلقطاع"(.)1
ي الحضارات هو نتيجة تح ٍدّ تواجهه
وبعضهم رأى أن رق ّ
الشعوب ،سواء كان ذلك التحدي داخلياً ،أي بين فئات الشعب
الواحد وطبقاته ،أو كان تحديا ً بين شعب وآخر ،مما يؤدي إلى
نشاط حيوي في المجتمع ينتج عن استجابة النخبة الواعية من
ذلك المجتمع لمواجهة تلك التحديات ،فيكون ذلك سببا ً لنهضته.
-1الموسوعة الفلسفية -مادة شبنجلر.
23
ويمثل هذا التفسير المؤرخ "توينبي" اإلنكليزي المتوفى سنة
1975الذي وافق شبنغلر في فكرة "أن تاريخ العالم يسير في
دورات كبرى من االرتفاعات واالنخفاضات وهو محصلة كلية
للحضارات المختلفة التي تمر بالمراحل نفسها :الميالد والنمو
والسقوط والتفكك والتدمير"( ،)1إال أنه أضاف التعليل الذي
ذكرناه لظاهرة النهضة( .)2أما عن سقوط الحضارات ،فيرى
توينبي أن سببه هو عجز النخبة الخالقة عن االستمرار في
مواجهة التحديات المستمرة كما واجهتها بداية األمر،
فيقول":عندما تنحط األقلية الخالقة في تاريخ أي مجتمع من
المجتمعات إلى أقلية مسيطرة تحاول أن تحافظ بالقوة على
مركز لم تعد تستأهله ،هذا التبدل الهدام في طبيعة العنصر
الحاكم يحفز البروليتاريا (األكثرية) على االنفصال عنه
والتخلي عن تلقائيتها وحريتها في االنجذاب إليه ومحاكاته()...
وهكذا يشكل سقوط الحضارة طبقة محاربة داخل مجتمع واحد
لم يكن كيانه في دور النمو الحضاري منقسما ً على ذاته
انقسامات حادة.)3("...
وهناك من يرى أن البشرية هي دائما ً في ارتقاء ّ
مطرد
نحو النهضة .وأن الفرق الذي نراه بين أمة وأخرى في مستوى
الرقي أو االنحطاط مردّه إلى أن بعض الشعوب سبقت غيرها
في مسيرة "التقدم" وأن الشعوب المتخلفة سرعان ما ستلحق
بتلك التي سبقتها .وأما االنحطاط الذي يحل بأمة بعد نهوضها،
-1الموسوعة الفلسفية -مادة توينبي.
-2نقالً عن :عماد الدين خليل -التفسير اإلسالمي للتاريخ -ص .74
-3نقالً عن :عماد الدين خليل -التفسير اإلسالمي للتاريخ -ص .84
24
فينظرون إليه على أنه انتكاسة مؤقتة ناتجة عن انتقال األمة من
مرحلة إلى أخرى وأنه سرعان ما تخرج من انتكاستها تلك
لتستأنف نهضتها ولترتقي إلى مستوى أعلى من ذي قبل.
ونجد هذا التفسير لدى مفكرين شهيرين هما هيغل
وماركس .إال أن هناك فرقا ً مهما ً بين االثنين ،أال وهو أن هيغل
يرى أن الشكل األفضل للمجتمع اإلنساني واألكثر رقيا ً هو
الشكل اللبرالي الرأسمالي الذي وصلت إليه دول الغرب
والسيما دولته بروسيا( .)1بينما يرى ماركس أن أرقى شكل
يصل إليه المجتمع يكون حين يصل إلى مرحلة الشيوعية
الكاملة التي تعقب الدولة االشتراكية(.)2
ومن الذين يحاولون إحياء نظرية هيغل في هذه األيام -
والسيما بعد انهيار النموذج العملي لنظرية ماركس -الكاتب
األميركي ذو األصل الياباني "فرانسيس فوكوياما" الذي ذاع
صيته مؤخرا ً بعد إصداره كتاب "نهاية التاريخ واإلنسان
األخير" الذي يبشر فيه بأن التاريخ وصل إلى مرحلته األخيرة
الفضلى بانتصار اللبرالية ذات الطراز األميركي على كل ما
سواها من أنماط العيش األخرى.
هذه بعض التفسيرات التي تكلم بها المؤرخون والمفكرون
لفهم حركتي النهضة واالنحطاط .أوردتها فقط ألضع القارىء
في أجواء الجهود التي بُذلت لوضع فلسفة للنهضة أو لفهم
-1الموسوعة الفلسفية -مادة هيغل.
-2أالسدير ماكانتاير -مقال من كتاب أعالم الفكر السياسي -تصنيف
موريس كرانستون ص .103
25
حركة الحضارات عبر التاريخ .لذلك لن أخصص بحثا ً لنقدها،
ذلك أنها ليست هي السائدة في عالمنا المعاصر بين أوساط
المثقفين ،وإنما النظرية السائدة اليوم هي النظرية اللبرالية
الغربية التي تأثر بها معظم المثقفين المعاصرين -والسيما بعد
سقوط الشيوعية -والتي تختلف عنها كلها ،وسنخصص لها
الفصل التالي.
وسيكون فهمنا الذي سنطرحه لتفسير حركة النهضة
واالنحطاط بمثابة الرد على كل تلك النظريات .وهللا الموفق
وعليه االتكال.
26
فلسفة النهضة في الفكر الغربي المعاصر
إن أغلب مفكري الغرب في التاريخ المعاصر -وتُعد
أفكارهم استمرارا ً لبعض أفكار عصر النهضة األوربية -رأوا
أن القضية كامنة في مدى الحرية التي يتمتع بها اإلنسان .فرأوا
أنه بقدر ما يتمتع اإلنسان بالحرية تبرز قدرته على اإلبداع
واإلنجاز واالبتكار ،فيؤدي به ذلك حتما ً إلى التقدم والنهوض.
بخالف ما إذا خضع للعبودية واالستبداد والقيود بشتى أنواعها،
فإنه حينئذ يعجز عن الحركة واإلبداع واإلنجاز ،فيرتكس به
ذلك حتما ً إلى االنحطاط والتخلف والتقهقر.
وقد رأوا أن أهم عائق يقف بين اإلنسان وحريته في
الحركة والعمل هو تعلقه بأوهام الغيب والكهنوت وما يسمى
بالكائنات الروحانية غير المحسوسة .ويرى هؤالء أن الشعوب
حين يسيطر التفكير الديني على أذهانها ،والنزعة الروحية على
حياتها ومجتمعها ودولتها فإنها تبتعد عن التعاطي مع الواقع
المحسوس ،وتبقى مشدودة للتعلق فيما وراء المادة والحياة
والكون ،وتبقى أسيرة للمفاهيم الدينية والكهنوتية التي تحول
بينها وبين حرية الحركة واإلنتاج واإلبداع ،مما يؤدي بها إلى
إهمال الواقع الحياتي وبالتالي إلى انحطاطها.
وعدّوا التاريخ األوربي شاهدا ً على نظريتهم تلك ،حيث
قالوا :إن العصور الوسطى كانت عصور تدين وروحانية،
27
وكان األوربي المتدين يرى أنه إذا كان هناك تعارض بين
التدين والنهضة ،وبعبارة أخرى :بين الروح والمادة ،فإنه
يفضل التدين المترافق مع االنحطاط على النهضة المترافقة مع
اإللحاد والضالل أو الكفر.
وقد كانت تلك النظرة مبنية على الفلسفة التي تقول :إن
مكون من روح وجسد ،أي إن فيه الناحية الروحية
اإلنسان ّ
والناحية المادية ،وإن هاتين الناحيتين في تركيب اإلنسان
متناقضتان بحيث ال يمكن إشباع ناحية إال على حساب األخرى.
مصاف المالئكة فإن
فإذا أراد اإلنسان أن يتطهر ويسمو إلى
ّ
عليه أن يغلّب الروح على الجسد فيعتزل الدنيا ومتاعها
ومشاغلها وينصرف إلى شؤون العبادة والتقشف واالرتباط
بالغيب والنزوع إلى الروحانية .أما إن هو أراد الدنيا ومتاعها
واالهتمام بعمارتها وزخرفها فإنه يكون حينئذ قد قرر تغليب
الجسد على الروح واالبتعاد ،بالتالي ،عن طهر النفس ونقاء
المالئكة ،وطلق الغيب وخسر اآلخرة.
يصف ول ديورانت هذه النزعة لدى المتديّنين في
العصور الوسطى فيقول":وقد وجه كثير من المسيحيين همهم
كله إلى العمل على أن يستقبلوا يوم الحساب الرهيب طاهرين
من الدنس ،فكانوا لذلك يرون في كل لذة من ملذات الحواس
غواية من غوايات الشيطان ،ولهذا أخذوا ينددون بعالم الجسم
ويعملون لكبت الشهوات بالصوم وبكثير من أنواع التعذيب
البدني ،وكانوا ينظرون بعين الريبة إلى الموسيقى والخبز
األبيض والخمور األجنبية والحمامات الدافئة وحلق اللحية،
28
ويرون في هذه األعمال استهانة بإرادة هللا الجلية الواضحة
للعيان"(.)1
كما أن العقل الذي يميز اإلنسان عن سائر المخلوقات
ويؤهله للتعرف على حقائق الكون واإلنسان والحياة لقي
االزدراء واالحتقار من رجال الكهنوت إلى حد تصويره عدوا ً
للدين واإليمان ،فكان العامة من األوربيين -كما يقول ديورانت
"يشعرون بأن من الحزم أن يؤمنوا باألجوبة التي ينطق بهارجال الدين ويؤكدوها توكيدا ً يزيل مخاوفهم .ولو أن الكنيسة قد
اعترفت بأنها تخطىء تارة وتصيب تارة أخرى لفقدوا ثقتهم
فيها ،ولعلهم كانوا يرتابون في المعرفة ويرون أنها الثمرة المرة
للشجرة المحرمة تحريما ً ينطق بالحكمة ،أو السراب الذي يضل
الناس ويغويهم ليخرجوا من جنة السذاجة والحياة الخالية من
الشك .وهكذا استسلم العقل في العصور الوسطى لإليمان في
أغلب األوقات والحاالت ،وجعل كل اعتماده على هللا وعلى
الكنيسة ،كما يثق رجل هذه األيام بالعلم والدولة"(.)2
وها هو مارتن لوثر رائد اإلصالح الديني الذي أسس ما
يسمى بالمذهب البروتستانتي والذي بذل جهده إلعادة روح
العصور الوسطى بعدما شعر بتأثير العقل يتسرب إلى
ّ
يشن هجومه العنيف على العقل ويدعو
المجتمعات األوربية
الناس إلى رجمه ودوسه باألقدام":أنت ال تستطيع أن تقبل كالً
من اإلنجيل والعقل ،فأحدهما يجب أن يفسح الطريق لآلخر...
-1ول ديورانت -قصة الحضارة -ج -11ص .282
-2المرجع السابق -ج -16ص .13-12
29
إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا هللا عنها في كلمته
أمام العقل مستحيلة تماما ً ومنافية للمعقول وزائفة ...إن العقل
هو أكبر عدو لإليمان ...إنه أفجر صنائع الشيطان ،كبغي فتك
بها الجرب والجذام ،ويجب أن توطأ باألقدام ويقضى عليها هي
وحكمتها ...فاقذفها بالروث في وجهها ...وأغرقها في
العماد.)1("...
لما فهم المفكرون الغربيون في التاريخ الحديث
والمعاصر الدين على هذا النحو -أي كما كان سائدا ً في أوربا
خالل العصور الوسطى -رأوا أن سيطرة الدين على الحياة
والمجتمع والدولة كانت العامل األساس في انحطاط المجتمع
في العصور الوسطى.
وكان من شواهدهم المهمة النظام اإلقطاعي الموغل في
الظلم والقسوة الذي كان األوربيون يخضعون له قانعين بتأثير
فكرة التفويض اإللهي الممنوح للملك ،فكما يقول ديورانت:
"كان الملك من الوجهة الزمنية تابعا ً هلل ،يحكم بما له من حق
إلهي ،بمعنى أن هللا أجاز له أن يحكم ،ومن ثم فوضه في أن
يحكم"(.)2
وهكذا يمضون في االستشهاد بالتاريخ األوربي -وكأنه
تاريخ العالم -فيصلون إلى التاريخ الحديث الذي يبدأ حسب
اصطالحهم في القرن الخامس عشر ،فيربطون بين بوادر
النهضة في تلك القرون وبين الصراع الذي بدأ ينشب بين
-1المرجع السابق -ج -24ص .56-55
-2المرجع السابق -ج - 14ص .429
30
الكنيسة الكاثوليكية التي تسيطر على المجتمع وتطبعه بطابعها
وبين اإلصالحيين والثوريين الذين وقفوا في وجه تلك السيطرة.
فكانت طالئع المعارضة متمثلة بادىء األمر في حركة
البروتستانتيين اإلصالحيين الذين طالبوا برفع النفوذ البابوي
عن ممالك أوربا الحديثة وإماراتها ،ورغم أن تلك الحركة
اتسمت بالتز ّمت البالغ الذي فاق ما لدى كنيسة روما من
التعصب واالستهتار بالعقل والمعرفة ،إال أن تلك الحركة
كسرت ذلك الطوق الذي كان يجعل من الكنيسة الكاثوليكية
السلطان األعلى على جميع ملوك أوربا وأمرائها( )1والسيما أن
هذه الحركة طالبت برفع النفوذ البابوي والكنسي عن تلك
الممالك واإلمارات .فمن النقاط التي طرحها زونجلي أحد
زعماء اإلصالح البروتستانتيين ودافع عنها بقوة ،أنه "ال
أساس للسلطة الروحية التي يطلق عليها اسم "الكنيسة" في
الكتب المقدسة وفي تعاليم المسيح .إال أن السلطة الزمنية تؤيدها
تعاليم المسيح وسنته"(.)2
ورافق ذلك ظهور بعض الفالسفة الذين تمردوا على
الطروحات الكهنوتية وهيمنة الكنيسة ،سواء على شكل ملحدين
جاحدين للدين ،أو على شكل علمانيين يطالبون بعزل الدين عن
الحياة والمجتمع والدولة ،والحجر عليه داخل الكنيسة والبيت،
وطالبوا بإطالق حرية اإلنسان ليبدع فيها بعبقريته وكفاءته
-1راجع المرجع السابق ج - 27ص .262
-2المرجع السابق -ج - 24ص .117
31
ومواهبه ،ولينجز األعمال التي يعبر بها عن نفسه وتطلعاته،
والتي هي سبب النهضة في أي مجتمع من المجتمعات.
فها هو ماكيافيلّي المفكر اإليطالي الشهير المتوفى سنة
" 1527كان يعتقد أن المسيحية -في أحسن حاالتها -تعلم
فضائل مغلوطة .فقد كانت تعلم حسب رأيه الخضوع والذل
وإنكار الجسد ،وإعطاء الخد اآلخر للطم ،ثم حصر أمل اإلنسان
بالفرح والسعادة في ما بعد الموت .وكانت فكرة ماكيافيلي عن
الفضيلة على نقيض كلي مع المناقب المسيحية .فقد كان
يستوحي نبل اإلنسان ومجد الحياة على األرض ،وكان يعتقد أن
هذا النبل يعبر عنه ليس في إذالل النفس بل في االعتزاز
الفخور"(" .)1ونظرا ً إلى أنه كان كاآلخرين من معاصريه يعتقد
أن ائتالف الدين والدنيا أمر مفروض ،فقد عقد األمل على أن
ينتصر في إيطاليا القرن السادس عشر نمطه الجمهوري بعد
التخلي عن المسيحية كديانة تجاوزها العصر فيزرع مكانها
ديانة ومؤسسات دينية مرتكزة على روح روما القديمة ،أي
"ديانة زمنية" يكون غرضها األساسي تعزيز مشاعر وفضائل
وطنية"(.)2
وقد هاجم جمي ُع الكتاب الفرنسيين في القرن السادس عشر
على وجه أو آخر ثقافةَ العصور الوسطى ،مشددين على وعي
الذات وعلى تنمية الفردية واالبتكار .بلغ ذلك ذروته في
-1أرنستو الندي -مقال في كتاب أعالم الفكر السياسي -تصنيف موريس
كرانستون -ص .42
-2المرجع السابق -ص .43
32
الشكوكية النقدية التي حمل لواءها ميشال مونتين المتوفى سنة
.)1(1592
ثم يأتي القرن السابع عشر ليشهد بزوغ االعتقاد لدى
الفالسفة والكتاب األوربيين أن الحقيقة عن طبيعة اإلنسان
والكون يمكن أن تكتشف بالعقل ،وفي الوقت نفسه أدى التفسير
النقدي للكتب المقدسة واالهتمام بمقارنة األديان إلى إضعاف
هيبة العقيدة الدينية الرسمية .وفي باب الدين انعكست روح
العصر العلمية في إنكار المعجزات والوحي اإللهي ،وكذلك في
مقاومة االندفاع العاطفي الحماسي .ومن خصائص تفكير
"الكتّاب المتنورين" -وهو االسم الذي عرفوا به في تلك الحقبة
والذين كانوا يلقبون بالفالسفة ،أنهم وإن لم يكونوا عادةملحدين ،كانوا مثالً يَ َر ْون -على أسس إنسانية صرف -أنه من
غير المعقول أن يفرض المرء عقيدته الدينية على فرد آخر أو
أمة أخرى ،وقد حولت أخبار الرحالت االهتمام نحو العامل
المشترك في جميع األديان .وهو االعتقاد باهلل كمصدر لكل
وجود .من هنا نشأت فكرة الوثني النبيل ،وفكرة اإليمان
الطبيعي باهلل التي كانت تنطوي على القول بأن هللا ما أن خلق
الدنيا حتى تركها تجري وشأنها ،أو "على غرار الساعة" كما
قال ألكسندر بوب في "مقالته في اإلنسان" سنة .)2(1733
وفي القرن الثامن عشر يتتابع "الفالسفة المتنورون"
ليؤكدوا فكرة فصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة .فها هو
-1بهجة المعرفة -المجموعة الثانية -ج - 4ص .276
-2المرجع السابق -ج 4ص .359-356
33
مونتسكيو المتوفى سنة ،1755على الرغم من أنه لم يكن
ملحدا ً ينتقد الكنيسة ورجال الدين بشدة(.)1
وكذلك فولتير المتوفى سنة 1778والذي نقد في مؤلفاته
التاريخية النظرة اإلنجيلية والمسيحية عن تطور المجتمع ورسم
خطوطا ً عريضة لتاريخ اإلنسانية .ففلسفة التاريخ تقوم عنده
على أساس فكرة التطور التقدمي للمجتمع في استقالل عن إرادة
هللا ،وقد ناضل ضد الكهنوتية وما سماه بالشطحات الخيالية
الدينية .وكانت المسيحية والكنيسة الكاثوليكية الهدف الرئيس
لتهكمه حيث اعتبرها العدو الرئيس للتقدم(.)2
وها هو جان جاك روسّو الذي اعتُبر كتابه "العقد
االجتماعي" عمدة الثورة الفرنسية الكبرى والذي أصبح إنجيل
الشعب الفرنسي عقب الثورة ،يدعو إلى اإليمان باهلل وإنكار
الوحي( ،)3وبالتالي إلى فصل الدين عن الحياة .ويرى أن
واضعي الشرائع ومن بعدهم الحكام والملوك لم ينسبوا
القوانين والشرائع إلى هللا إال من أجل أن يعطوها صفة
اإللزام وإنزال الرهبة في قلوب الشعب من مخالفتها،
فيقول":فبما أن المشرع ال يستطيع استخدام ال القوة وال
المحاجة ،فعليه أن يلجأ إلى سلطة من نوع آخر يمكنها أن تقود
دون عنف وأن تقنع دون إفحام .هذا ما أجبر آباء األمم في
جميع األزمنة على االستعانة بتدخل السماء وأن ينسبوا إلى
-1الموسوعة الفلسفية -مادة "مونتسكيو".
-2المرجع السابق -مادة "فولتير".
-3المرجع السابق -مادة "روسّو".
34
اآللهة فخار حكمتهم الخاصة ،لكي تطيع الشعوب ( )...هذا
العقل السامي الذي يرتفع فوق إدراك الناس العاديين ،هو العقل
الذي يضع به المشرع األحكام على أفواه الخالدين ،ليقود
بالسلطة اإللهية أولئك الذين ال يمكن أن تزحزهم الحكمة
البشرية .ولكن ال يحق لكل إنسان أن يجعل اآللهة تتكلم وال أن
يكون مصدَّقا ً عندما ينبىء الناس أنه ترجمانها"(.)1
وأخيرا ً جاءت الثورة الفرنسية الكبرى سنة ،1789
وأقصت الكنيسة نهائيا ً عن المجتمع والدولة والسياسة .يقول ول
ديورانت" :لقد كانت معظم الثورات السابقة إما على الدولة
وإما على الكنيسة ،وندر أن نشبت ضدهما معا ً في وقت واحد
( )...أما الثورة الفرنسية فإنها هاجمت الملكية والكنيسة جميعاً،
واضطلعت بمهمة ومخاطرة مزدوجة هي مهمة اإلطاحة
بالركيزتين الدينية والدنيوية للنظام االجتماعي القائم"(.)2
وهكذا يَعُدّ المعاصرون من المفكرين والمؤرخين
الغربيين تلك األوضاع دليالً حيا ً على نظريتهم ،حيث تناسب
مقدار الرقي المتعاظم شيئا ً فشيئا ً في أوربا مع مقدار انحسار
نفوذ الكنيسة عن المجتمع ،وبالتالي انحسار الدين والتدين عن
الحياة العامة .ثم وجدوا في الثورة الفرنسية التي افتتحت
تاريخهم المعاصر البرهان األكبر على نظريتهم حيث أقصيت
الكنيسة عن واقع المجتمع وقُضي على نظرية التفويض اإللهي،
وأطلقت الحريات العامة في المجتمع ،فاستكملت حركة النهضة
-1جان جاك روسو -العقد االجتماعي -ص .85
-2ول ديورانت -قصة الحضارة -ج - 42ص .397
35
األوربية مسيرتها وبدأت تؤتي أكلها وتثمر ثمارها التي يفتخر
بها الغربيون إلى اليوم.
إن هذه النظرية التاريخية الحضارية لدى المفكرين
الغربيين هي التي كانت وراء ظهور العقيدة العقلية التي اعتنقها
الغرب منذ بداية التاريخ المعاصر وجعلها قاعدة ألفكاره،
وقيادة فكرية لمجتمعه ،أال وهي عقيدة "فصل الدين عن
الحياة".
وهكذا مضى هؤالء في تفسير أيّة حركة نهضوية من
خالل تلك النظرية ،فعندما يريدون تفسير ظاهرة النهضة
الشيوعية ومن ثم انحطاطها ،فإنهم يعزون تلك النهضة إلى
غياب التأثير الديني عن الحياة في المجتمع الشيوعي -والسيما
أن الشيوعية تقوم على اإللحاد وتقول إن الدين أفيون الشعوب -
وبالتالي إلى ارتباط الشعوب الشيوعية بالمادة والواقع والحياة.
أما االنحطاط السريع لتلك "الحضارة" ،فمرده في رأيهم ليس
إلى اإللحاد وغياب الدين ،وإنما النعدام الحرية .فالحرية التي
يستهدفها اإلنسان بانعتاقه من الخضوع لرجال الدين والعبودية
للغيب ،سلبه إياها النظام الشيوعي حين حوله عن الخضوع
لرجال الدين والعبودية للغيب ،إلى الخضوع والعبودية للدولة
والحزب الحاكم ،وينظرون إلى الشعوب المنتفضة على
الشيوعية اليوم من زاوية أنها تريد االنعتاق من العبودية للدولة
من أجل أن تمارس حريتها ولتلحق بركب الحضارة الغربية
اللبرالية .يقول اللبرالي المتطرف فرانسيس فوكوياما ":كلما
اقتربت اإلنسانية من نهاية األلف الثاني فإنه يالحظ أن األزمتين
المزدوجتين التسلطية واالشتراكية ،لم تتركا في ساحة المعركة
36
إال إيديولوجيا واحدة محتملة ذات طابع شمولي :هي
الديمقراطية اللبرالية ،عقيدة الحرية الفردية والسيادة
الشعبية"(.)1
هذه هي خالصة المفهوم الغربي المعاصر عن حركتي
االنحطاط والنهضة في التاريخ .ولن نستعجل كثيرا ً لنتوسع في
ّ
المحك
نقد هذه النظرية .فإنه يكفينا أن نضع تلك النظرية على
بأن نعرض عليها نموذجا ً واحدا ً من نماذج النهضات التي
عرفها التاريخ ،فنرى إن كانت تنطبق عليه أم ال .فمن شأن
فلسفة النهضة ،أو بعبارة أخرى "تعريف النهضة" إن كان
صحيحاً ،أن ينطبق على كل نهضة .فالتعريف يجب أن يكون
جامعا ً مانعاً ،والسيما أن أصحاب تلك النظرية طرحوها على
أنها قاعدة مستمرة.
فإذا سألنا هؤالء عن سر النهضة الحضارية اإلسالمية
خالل العصور الوسطى ،فإنهم يعجزون عن تفسير تلك
الظاهرة وفق نظريتهم السالفة الذكر ،فيتكلفون التفسيرات
المختلفة من أجل إثبات نظريتهم .فعصور الحضارة اإلسالمية
التي شهدت أعظم نهضة عرفها التاريخ كانت عصور تدين
وعبادة ،بل كانت الحضارة اإلسالمية -بما فيها مجتمعها
ودولتها وطريقة عيشها -تقوم على أساس عقيدة روحية تربط
اإلنسان بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها.
فذلك المثال هو البرهان الحي والدليل القاطع على فساد
النظرية الغربية في تفسير حركتي النهضة واالنحطاط .فالفكرة
-1فرانسيس فوكوياما -نهاية التاريخ واإلنسان األخير -ص .68
37
تثبت صحتها بانطباقها على الواقع ،ويثبت فسادها إن لم تنطبق
على ذلك الواقع كما هو شأن تلك النظرية.
وفلسفة النهضة هي مسألة من الخطورة بحيث أنه ال
يجوز أن تكون نظرية ظنية كما هو شأن تلك النظرية .بل يجب
أن تكون فكرا ً يقينيا ً جازما ً ينطبق على الواقع المحسوس ،قادرا ً
على تفسير كل نهضة وكل انحطاط للحضارات التفسير
الصحيح.
ســــر الـنـهضــة
إن الذي يحدد الرقي واالنحطاط في مجتمع ما ،هو
حضارته التي يقوم عليها .فإن كانت حضارته راقية أمكنه أن
يرتقي ،أما إن كانت منخفضة فإنه لن يعرف النهضة في كنفها
يوما ً من األيام.
38
وحين نتكلم عن الحضارات في المجتمعات اإلنسانية فهذا
يعني أننا نتكلم عن طرق العيش وأنماط السلوك والعالقات التي
تتميز بها تلك المجتمعات .فالحضارة "طريقة عيش يعرف بها
كل مجتمع على حدة" ،وبما أن سلوك الناس وعالقاتهم
وطريقة عيشهم هي رهن المفاهيم التي يحملونها عن الحياة،
فهذا يعني أن الحضارة "هي مجموعة المفاهيم عن الحياة".
فمجموعة المفاهيم الغربية مثالً عن الحياة هي التي تشكل
الحضارة الغربية ،وكذلك فإن الحضارة اإلسالمية هي مجموعة
المفاهيم اإلسالمية عن الحياة.
من هنا فإن الذي يقود الشعوب واألمم إلى النهضة هو
الفكر الذي تحمله .كما أن الفكر أيضا ً قد يكون هوالسبب في
ي الفكر الذي يحمله شعب من
انحطاط الشعوب .فإنه برق ّ
الشعوب يرقى وبانحطاطه ينحط .وما الحضارة لدى المجتمع
إال ذلك البنيان الفكري الذي يشكل عقليته ويصوغ عالقاته
وينظم مشاكله .وما رقي تلك الحضارة وما انحطاطها إال
بمقدار رقي ذلك الفكر أو انحطاطه.
فما هو الفكر الراقي؟ وما هو الفكر المنخفض؟
إن الفكر الراقي هو ذلك الفكر الشامل المتكامل
المتماسك ،القادر على أن يعطي اإلنسان رأيا ً عن كل شيء
يرتبط بسلوكه ،وموقفا ً إزاء أي حدث ،ويستطيع إعطاء نظام
ينظم عالقات المجتمع كلها دون إغفال ناحية من نواحيه،
تنظيما ً دقيقا ً متناسقا ً متناغماً ،بحيث يوجد في ذلك المجتمع نسقا ً
من العيش أو نمطا ً من السلوك منسجما ً وذا طراز معين ولون
39
محدد ،فال تتضارب معالجاته ،وال تتناقض قواعده ،وال يأكل
بعضها بعضاً .فهكذا فكر من شأنه أن يجعل من الجماعة
البشرية التي تحمله وتطبق نظامه مجتمعا ً متماسكا ً قويا ً يسير
سق عالقات
ارتقائيا ً نحو النهضة .ذلك أنه استطاع أن ين ّ
المجتمع ويخلصه من االضطراب والتناقضات والصراعات
الداخلية.
ولكن المشكلة تكمن في كيفية الحصول على ذلك الفكر
الراقي الذي يتمتع بتلك الصفات ويتميز بذلك التكامل وتلك
الشمولية .فمن أين للمجتمعات ذلك؟
إن الواقع المحسوس والتاريخ -فضالً عن النظر والتفكير
المستنيرين -يُثبتان أن فـكرا ً كهذا ال يمكن أن يوجد إال بوجود
قاعدة فكرية لـه .ذلك أن كل بنيان يحتاج إلى أساس ،ووجود
القاعدة الفكرية هو الذي من شـأنه أن يصلح أساسا ً لذلك البنيان
الفكري .وهذه القاعدة الفكرية -التي هي الفكر األساس -ال
يمكن أن تكون قاعدة إال بأن تكون عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية
فتعرف اإلنسان بأصله ومآله،
عن الكون واإلنسان والحياة،
ّ
وبالتالي تعرفه بطبيعة حياته والغاية منها .وهكذا تكون هذه
العقيدة صالحة ألن يُبنى عليها ذلك البنيان الفكري ،كما أن من
شأنها أن تكون عقيدة سياسية بحيث تنبثق عنها أنظمة للحياة
ترعى شؤون الناس في مجتمعهم وتتوافق مع أفكارهم التي
يحملونها والمشاعر السائدة بينهم .مما يجعل من ذلك المجتمع
كيانا ً حضاريا ً متميزا ً ومنفرداً ،وتكون عقيدته تلك التي يعتنقها
40
قيادة فكرية له تسير به ارتقائيا ً نحو النهضة .وهذا الفكر يسمى
الفكر المبدئي(.)1
فالمبدأ -وهو العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام -هو
الذي كانت تفتقر إليه شعوب أوربا في العصور الوسطى .أي
إن تلك الشعوب لم تكن تمتلك فكرا ً مبدئيا ً تنهض على أساسه.
صحيح أن تلك الشعوب كانت تتدين بدين واحد وعقيدة واحدة
هي النصرانية ،إال أن تلك العقيدة لم تكن عقيدة سياسية ،وإنما
مجرد عقيدة وجدانية تلقتها تلك الشعوب تقليدا ً عن اآلباء
والرهبان والقساوسة( ،)2وبالتالي لم تكن مؤهلة ألن تكون
قاعدة ألفكار نهضوية في المجتمع ،وبالتالي لم تنبثق عنها
أنظمة للحياة والمجتمع والدولة ،وإنما هي مجرد عقيدة
روحية تبيّن عالقة اإلنسان بخالقه ،كما ترشد إلى مجموعة
من األخالق والقيم الروحية واإلنسانية .وإننا إذا قلّبنا صفحات
اإلنجيل كلها فلن نجد أثرا ً لنظام للحكم أو االقتصاد أو
العقوبات أو ما شاكل ذلك .وإذا كان الملوك ورجال الكنيسة
قد حكموا باسم الدين والتفويض اإللهي فهذا ال يعني أنهم
رعوا شؤون الناس بقوانين استُمدت من الدين واإلنجيل ،بل
ّ
تمت إلى المسيحية بصلة،
طبقوا أنظمة وقوانين وضعية ال
ّ
أحط أنواع األنظمة ،وهي ما عرف بالنظام
وكانت من
اإلقطاعي .يقول ديورانت عن شريعة اإلقطاع":كانت العادات
-1ورد في الموسوعة الفلسفية في مادة "مبدأ" :المبدأ فكرة رئيسية،
والقاعدة األساسية للسلوك .ومن الناحية المنطقية ،المبدأ هو المفهوم
الرئيسي ،واألساس ألي نظام.
-2راجع ول ديورانت -قصة اللحضارة -ج - 16ص .13 - 12
41
والشرائع شيئا ً واحدا ً في نظام الحكم اإلقطاعي حيث كان
القضاة والقائمون بتنفيذ القانون المدني عادة أميين .فإذا ما
ثارت مشكلة خاصة بالقانون أو العقاب ،سئل أكبر أعضاء
المجتمع سنا ً عما جرت به العادة في هذه المشكلة أيام شبابهم،
ولهذا كان المجتمع نفسه المصدر الرئيس للقوانين"(.)1
باختصار :إن االنحطاط الذي عرفته أوربا خالل العصور
الوسطى مردّه في الحقيقة إلى تلك الثقافة المنخفضة التي كانت
سائدة فيها.
وكما كان شأن الشعوب األوربية في العصور الوسطى،
فكذلك كان شأن العرب في الجاهلية .فلم تكن لهؤالء عقيدة
وتقوي أواصر مجتمعهم بتنظيم
عقلية سياسية تربط بينهم
ّ
عالقاته ،وإنما كانوا يحملون عقيدة كهنوتية تقليدية هي
"الوثنية" ،وبالتالي لم تكن صالحة ألن تكون قاعدة ألفكارهم
وال قيادة فكرية لحركة مجتمعهم .وبذلك كان ذلك المجتمع
منحطاًّ ،حيث سادت القبلية التي جعلت من القبائل والعشائر
مجتمعات متناحرة متقاتلة ال تفتأ تشن الحروب فيما بينها ،ليس
من أجل شيء إال الثأر والعصبية ،فعُرف ذلك المجتمع
بالمجتمع الجاهلي.
ولكن شعوب الجزيرة العربية -على الرغم من انحطاطها
سرعان ما خرجت من ظالم االنحطاط إلى ضياء النهضةوالرقي أوائل العصور الوسطى على نحو انقالبي مفاجىء.
بينما استمر االنحطاط مخيما ً على الشعوب األوربية قرونا ً
-1قصة الحضارة -ج - 14ص .434
42
متطاولة حتى حلول العصر الحديث حيث لم تظهر بوادر
النهضة إال أواخر القرن الخامس عشر ،ولم تؤت ثمارها إال
أواخر القرن الثامن عشر.
على أي حال ،سنصرف النظر عن الفارق الزمني بين
مولد كل من هاتين النهضتين وسرعة إثمارهما ،ونطرح
السؤال اآلتي :ما العامل الذي توفر في هذين المجتمعين حتى
دبّت فيهما عوامل النهضة وخرجا من حال االنحطاط إلى حال
الرقي؟
إن الجواب يكمن فيما أسلفناه من فلسفة للنهضة .لقد
ُوجدت في كل من هذين المجتمعين عقيدة عقلية سياسية كانت
بمثابة مبدأ قام عليه بنيان حضاري شامل قاد المجتمع نحو
االرتقاء.
ففي جزيرة العرب ظهر الدين اإلسالمي كمبدأ يقوم على
عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون واإلنسان والحياة وعما
قبل الحياة الدنيا وعما بعدها وعن عالقتها بما قبلها وما بعدها،
وهي عقيدة "ال إله إال هللا محمد رسول هللا" .وعن هذه العقيدة
ّ
فنظم
انبثق أعظم نظام لإلنسان في حياته ومجتمعه ودولته،
عالقة اإلنسان بخالقه بما بيّنه من عقائد وما شرعه من عبادات
ّ
ونظم عالقته بنفسه بما شرعه من
كالصالة والصوم والحج،
ّ
ونظم عالقته بغيره
األخالق وأحكام المطعومات والملبوسات،
من الناس بما شرعه من أنظمة للمجتمع والدولة .فانبثق عن تلك
العقيدة نظام للحكم عرف بنظام الخالفة ،وانبثق عنها نظام
لالقتصاديبيّن للدولة مصادر المال وكيفية توزيعه وإنفاقه،
43
ونظام اجتماعي ينظم عالقة الرجل بالمرأة ويعالج مشاكل
األسرة ،ونظام للعقوبات وغير ذلك .وقد تمثل انبثاق تلك
األنظمة عن العقيدة اإلسالمية بأنها استُنبطت كلها من القرآن
والسنة اللذين نزال وحيا ً من هللا على رسوله محمد .r
وكانت هذه العقيدة قاعدة فكرية انبنت عليها الحضارة
اإلسالمية العريقة ،وبذلك تحققت النهضة في بالد العرب
لتتوسع وتشمل مساحة عظيمة من المعمورة ،منتشرة بسرعة لم
يسجل لها التاريخ مثيالً ،من الصين شرقا ً إلى المحيط األطلسي
غرباً .ويصف ديورانت البالد اإلسالمية في ظل الخالفة ،فيرى
أن "الخلفاء قد أمنوا الناس إلى حد كبير على حياتهم وثمار
جهودهم ،وهيأوا الفرص لذوي المواهب ،ونشروا الرخاء على
مدى ستة قرون في أصقاع لم تر قط مثل هذا الرخاء بعد
عهدهم ،وبفضل تشجيعهم ومعونتهم انتشر التعليم ،وازدهرت
العلوم واآلداب والفلسفة والفنون ازدهارا ً جعل آسية الغربية
مدى خمسة قرون أرقى أقاليم العالم كله حضارة"(.)1
أما في أوربا ،فقد أدى الصراع كما رأينا بين رجال
الكنيسة من جهة والملوك والفالسفة من جهة أخرى إلى والدة
مبدأ جديد ،هو اللبرالية التي تقوم على عقيدة "فصل الدين عن
الحياة" ،أو ما يسمى "بالعلمانية" .فكانت هذه العقيدة السياسية
قاعدة فكرية قامت على أساسها الحضارة الغربية المعاصرة،
وانبثق عنها النظام الرأسمالي الذي يقوم على جعل اإلنسان حرا ً
من أي قيد دينيا ً كان أو غير ديني .وهذا ما أدى إلى النهضة
-1قصة الحضارة -ج - 13ص .151
44
الغربية التي التزال قائمة إلى يومنا هذا ،وتعمل على غزو
المجتمعات وتحويلها إلى طريقة عيشها.
هذا هو التفسير الحقيقي للنهضة .إنها ذلك االرتقاء
الفكري المتمثل في عقيدة عقلية سياسية تصلح قاعدة ألفكار
المجتمع وأصالً النبثاق نظامه وأساسا ً لحضارته .وبعبارة
مختصرة :
إن وجود "المبدأ" لدى أمة هو السبب في نهضتها.
45
النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة
إذا كان معظم المفكرين والمؤرخين والفالسفة الغربيين
يقفون عند حد البحث عن النهضة وأسبابها وتفسيرها ،فمن
الخطأ أن نتابعهم على ذلك .فها هو التاريخ قد أعطانا نماذج
عدة من النهضات .ولم تكن كل نهضة كاألخرى ،وإنما هناك
اختالف جوهري عميق ،بل وأساسي بين نهضة وأخرى .فليس
من الصواب أن يكتفي اإلنسان بالبحث عن مطلق نهضة ،بل
عليه أن يبحث عن تلك النهضة التي تؤدي إلى هناء اإلنسان أي
إلى طمأنينته الدائمة .وبعبارة أخرى :ما دام هناك نهضة
صحيحة وأخرى فاسدة ،فهذا يعني أن على اإلنسان أن يتحرى
تلك الصحيحة.
إذا كان المبدأ -بعقيدته ونظامه -هو سر النهضة ،فهذا
يعني أن النهضة الصحيحة منبعها المبدأ الصحيح .والمبدأ
الصحيح هو ذلك الذي يقوم على العقيدة الصحيحة التي تقنع
العقل وتوافق الفطرة اإلنسانية فتمأل القلب طمأنينة .وهذه
العقيدة من شأنها أن تعطي اإلجابة الصادقة والفكرة الصائبة
عن الكون واإلنسان والحياة .وهذا المبدأ هو القابل للتطبيق في
أي زمان وأي مكان ،وهو الكفيل لإلنسان بالنهضة الصحيحة.
46
أما المبدأ الذي يقوم على عقيدة خاطئة ،فإنه ال يكون قابالً
للتطبيق ،إال بقدر ما يجد في المجتمع من ظروف وأوضاع
مواتية ومتناغمة مع طرحه وتوجهه ،وغالبا ً ما تكون قابليته
للتطبيق آتية من كونه هو بحد ذاته رد فعل على أوضاع أو
أزمات تفاقمت في مجتمع ما ،كما هو شأن المبدأ اللبرالي .ثم
سرعان ما يكتشف القائمون عليه عدم قابليته لالستمرار مطبقا ً
بعد أن يكتشف المجتمع مخالفته لعقولهم وتنافره مع فطرتهم،
وسرعان ما يرتكس ذلك المجتمع من جديد في ظل نظام كان
هو نفسه السبب في نهضته فيما مضى من الزمان .وأقرب مثال
إلينا هو المبدأ الشيوعي.
فقد أحدث ذلك المبدأ نهضة لم تستطع االستمرار أكثر من
عدة عقود لشدة ما بلغ من الفساد .ذلك أن عقيدته صادمت فطرة
اإلنسان وعقله حين نفت وجود الخالق سبحانه ،فقالت "ال إله
والحياة مادة" .فالفطرة اإلنسانية تنزع بطبيعتها إلى عبادة
الخالق المدبر ،والعقل يقطع ويجزم بأن الكون واإلنسان والحياة
كلها مخلوقة لخالق ،وذلك لما يظهر فيها من محدودية وعجز
ولما يتجلى فيها من آثار اإلبداع واإلتقان التي تدل على مبدع
حكيم أحسن خلقها .وبالتالي انبثق عن هذه العقيدة نظام عفن
فاسد هو النظام االشتراكي ،رفع اإلنسان لحظة من عمر
التاريخ ليودي به إلى الهاوية ولم يتزحزح عن صدره إال وقد
أرداه صريعا ً خائر القوى ال يقدر على شيء.
أما المبدأ اللبرالي الرأسمالي الذي ظهر كانسالخ عن
أوضاع العصور الوسطى في أوربا ،فهو أيضا ً مبدأ خاطىء.
ذلك أن عقيدته -عقيدة فصل الدين عن الحياة -ليست عقيدة
47
روحية .فهي بعد أن اعترفت بأن اإلنسان مخلوق لخالق -علما ً
أنها ال تجزم بذلك -فصلت ذلك اإلنسان عن خالقه وقالت له":
إن الخالق خلقك على هذه األرض ثم تخلى عنك وتركك لتدبر
أمرك كيفما شئت"( .)1فخالفت بذلك فطرة اإلنسان الذي يرى
نفسه عاجزا ً قاصرا ً محدوداً ،ويرى خالقه مدبر أمره وحياته
كلها.
وإذا كانت تلك العقيدة -التي هي أصل المبدأ -فاسدة
خاطئة فمن الطبيعي أن تكون األنظمة التي انبثقت عنها فاسدة،
والحضارة التي قامت عليها منحرفة.
أما اإلسالم ،فهو مبدأ مقنع للعقل وموافق للفطرة .ذلك أن
عقيدته التي أوحاها هللا تعالى إلى رسوله محمد rأعطت الفكرة
الكلية الصحيحة عن الكون واإلنسان والحياة حين قررت أنها
جميعها مخلوقة لخالق ،وعما قبل الحياة الدنيا وهو هللا تعالى،
وعما بعدها وهو يوم القيامة ،وحددت عالقة اإلنسان بخالقه،
وهي وجوب االنقياد ألوامره ونواهيه وتسيير الحياة بالنظام
الذي أنزله على رسوله محمد ،rوربطت اإلنسان وهو يعيش
على هذه األرض بيوم القيامة وما بعده وذلك بأن وعدته بالجنة
فوض أمره لخالقه سبحانه وانقاد ألوامره ونواهيه،
إن هو ّ
وتوعدته بالنار إن هو خالف وتمرد وعصى .يصف هللا تعالى
لنا رحلة اإلنسان منذ نزوله إلى األرض وحتى خروجه منها
يوم الحساب قائالً:
-1راجع :بهجة المعرفة -المجموعة الثانية -ج - 4ص .359
48
{ قلنا اهبطوا منها جميعا ً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع
هداي فال خوف عليهم وال هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا
بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }(.)1
وبذلك كانت هذه العقيدة مقنعة لعقل اإلنسان الذي يخاطبه
القرآن الكريم قائالً {:أفي هللا شك فاطر السموات واألرض
}( .)2وكذلك كانت هذه العقيدة موافقة لفطرة اإلنسان التي
تنزع إلى عبادة الخالق المدبر ،والتي تكلم عنها القرآن الكريم
فطر الناس
قائالً { :فأقم وجهك للدين حنيفا ً فِ ْط َرتَ هللا التي
َ
عليها ال تبديل لخلق هللا ،ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ال
يعلمون }(.)3
وهكذا كانت هذه العقيدة عقيدة روحية( ،)4فال تعارض
في اإلسالم بين المادة والروح أو الناحية الروحية .فإذا كانت
الروح هي إدراك الصلة باهلل تعالى ،فإن اإلسالم يكون قد ربط
بين المادة والروح حين أمر اإلنسان بأن يسيّر أعماله المادية
بأوامر هللا ونواهيه ،فيدرك صلته باهلل تعالى حين القيام
باألعمال ،فيجمع بين عمارة الدنيا ورضوان هللا تعالى .وفي
الوقت نفسه كانت هذه العقيدة عقيدة سياسية بما انبثق عنها من
نظام لإلنسان في حياته ومجتمعه ودولته.
-1سورة البقرة -اآليتان .39 - 38
-2سورة إبراهيم -اآلية .10
-3سورة الروم -اآلية .30
-4أنظر موضوع "الروح والناحية الروحية" في هذا الكتاب.
49
هكذا ندرك الفرق بين الظواهر النهضوية في التاريخ.
وهذا ما يجعلنا نقف عند التفسير الحقيقي لتميّز النهضة
اإلسالمية عن كل ما سواها من النهضات تميّزا ً كلياً .وإذا كان
ال بد لنا من عرض مقارنة بين النهضة اإلسالمية وغيرها ،فمن
الخطأ أن تكون بينها وبين حضارة العصور الوسطى األوربية،
ذلك ألن العصور الوسطى األوربية باعتراف الجميع لم تكن
عصور نهضة وإنما كانت عصور انحطاط .إذن فلتكن المقارنة
بين نهضة الحضارة اإلسالمية ونهضة الحضارة الغربية
المعاصرة التي تهيمن على العالم اليوم.
50
بين الحضارة اإلسالمية والحضارة
الغربية
إن التطور في العمران والمدنية والتقنية والعلوم
والنواحي المادية ،وإن كان أمرا ً مهما ً الستمرار الحضارات،
إال أنه ليس المقياس في الحكم على مدى رقي الحضارة أو
انحطاطها ،وال على مدى صوابيتها أو فسادها .فإذا كانت
الحضارة كما أسلفنا هي مجموعة من المفاهيم تكيّف نمط
قوم بالنظر إلى ما
العيش في المجتمع ،فإن هذه الحضارة ت ُ ّ
أوجدته في المجتمع من طريقة في العيش وما أ ّمنته لإلنسان من
االستقرار واالطمئنان والهناء .لذلك ليس غريبا ً أن نقوم بمقارنة
بين الحضارة اإلسالمية التي تجلت على أرض الواقع طوال
العصور الوسطى وبين الحضارة الغربية المعاصرة على ما
وصلت إليه من تطور مدني وتكنولوجي وعلمي .فجوهر
التباين بين هاتين الحضارتين هو بالدرجة األولى تباين نوعي،
وليس تباينا ً في مدى التقدم المدني والتقني أو ما شاكل ذلك.
وإذا كان التباين النوعي البعيد بين كل من هاتين
الحضارتين يجعل من الصعب علينا استيفاء المقارنة ،فبإمكاننا
أن نذكر قسطا ً من تلك الفروق.
51
فعلى الصعيد السياسي ،نجد أن اإلسالم استطاع أن يجعل
من األمة اإلسالمية على اختالف قومياتها وشعوبها وألوانها
وألسنتها مجتمعا ً واحداً .فقد توفي رسول هللا rبعد أن دخلت
الجزيرة العربية كلها في اإلسالم ،وبعد أن قضي على الشرك
فيها وبعد أن أصبحت دار إسالم تحكم باإلسالم كله عقيدة
ونظاماً .وجاء بعده الخلفاء الراشدون فتتابعت الفتوحات ،ففتح
العراق وكان يسكنه خليط من النصارى والمزدكية والزرادشتية
من العرب والفرس ،وفتحت فارس وكان يسكنها العجم وقليل
من اليهود والرومانيين ،وكانت تدين بدين الفرس ،وفتحت
الشام وكانت إقليما ً رومانيا ً يتثقف بثقافة الرومانيين ويتدين
بالنصرانية ويسكنه السوريون واألرمن واليهود وبعض
الرومان وبعض العرب ،وفتحت شمال إفريقية وكان يسكنها
البربر وكانت في يد الرومان .وجاء بعد الخلفاء الراشدين
األمويون ،ففتحوا السند وخوارزم وسمرقند وأدخلوها ضمن
أراضي الدولة اإلسالمية ،ثم فتحت األندلس وأصبحت والية
من والياتها .وكانت هذه األقطار المتعددة متباينة القوميات
واللغة والدين والتقاليد والعادات والقوانين والثقافة ،وطبيعيا ً
كانت مختلفة العقلية مختلفة النفسية ،ولذلك كانت عملية صهرها
ببعضها وتكوين أمة واحدة منها موحدة الدين واللغة والثقافة
والقوانين أمرا ً عسيرا ً وعمالً شاقاً ،يُعَدّ النجاح فيه شيئا ً غير
عادي ،ولم يحصل لغير اإلسالم ،ولم يتحقق إال للدولة
52
اإلسالمية .فإن هذه الشعوب جميعها بعد أن ظللتها الراية
اإلسالمية ودخلت في اإلسالم صارت أمة واحدة(.)1
ويصف ديورانت انصهار الشعوب والقوميات بالحضارة
اإلسالمية قائالً":اتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة
العربية لسانا ً لهم ،ولبسوا الثياب العربية ،ثم انتهى األمر
باتباعهم شريعة القرآن واعتناق اإلسالم .وحيث عجزت الهلينية
عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام ،وحيث تركت
الجيوش الرومانية اآللهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها ،وفي
البالد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب
الدولة البيزنطية الرسمي .في هذه األقاليم كلها انتشرت العقائد
والعبادات اإلسالمية ،وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له،
واستمسكوا بأصوله إخالصا ً واستمساكا ً أنسياهم بعد وقت
قصير آلهتهم القدامى ،واستحوذ الدين اإلسالمي على قلوب
مئات الشعوب في البالد الممتدة من الصين وأندونيسيا والهند
إلى فارس والشام وجزيرة العرب ومصر وإلى مراكش
واألندلس ،وتملك خيالهم وسيطر على أخالقهم وصاغ حياتهم
وبعث فيهم آماالً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها ،وأوحى
إليهم العزة واألنفة ،حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به في
هذه األيام نحو ثالثمائة وخمسين مليونا ً من األنفس( ،)2يوحد
-1راجع تقي الدين النبهاني -الدولة اإلسالمية -ص .163 - 162
-2هذا الرقم صحيح في الحقبة التي كتب فيها ديورانت كتابه ،أما اليوم فقد
فاق عدد المسلمين المليار.
53
هذا الدين بينهم ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من االختالفات
والفروق السياسية"(.)1
لقد انتظم اإلسالم في كثير من حقبات التاريخ مختلف تلك
الشعوب في دولة واحدة موحدة ،وإذا شهد التاريخ انفصال
بعض الدول واإلمارات عن جسم الخالفة اإلسالمية ،فإنه لم
يكن مردّ ذلك إلى النزاعات القومية أو العرقية ،وال إلى تصدع
في المجتمع اإلسالمي ،بقدر ما كان مردّه إلى إساءة تطبيق
النظام وتسابق األمراء والعائالت على السلطة ،بدليل أن األمة
بقيت اللُحمة بين شعوبها قوية ولم تفصل بينها أي حدود
سياسية.
بينما نجد الغرب إلى اليوم ،رغم قيامه على مبدأ واحد
ورغم أن حضارته واحدة ،إال أنه لم يستطع تذويب القوميات
وصهرها لتصبح الشعوب الغربية كيانا ً سياسيا ً واحداً .فها هي
المحاولة التي قام بها نابليون بونابرت لتوحيد أوربا مع بداية
التاريخ األوربي المعاصر ،والتي اغتذت بالطاقة القومية
الفرنسية تسقط أمام جدران القوميات األوربية المختلفة .ثم ها
هو القرن العشرون يشهد حربين عالميتين مدمرتين كانت
النزعات القومية في أوربا من أهم عواملهما وأسبابهما .وها هو
مشروع الوحدة األوربية اليوم يشهد صعوبات جمة أيضا ً بسبب
التعصب القومي لدى شعوب أوربا ،مع أن الوحدة المطروحة
ليست وحدة كاملة ،وإنما تقتصر على الناحية االقتصادية
-1قصة الحضارة -ج - 13ص .133
54
والسياسة الخارجية والعسكرية دون الثقافية والتربوية
واالجتماعية والمدنية وما شاكل ذلك.
أما على الصعيد االقتصادي فإن التاريخ اإلسالمي يروي
لنا أوضاعا ً من المعيشة قلّما شهد التاريخ عدالتها .فقد أحسن
النظام االقتصادي اإلسالمي توزيع الثروة بحيث كاد المجتمع
اإلسالمي في أكثر حقبات تاريخه يخلو من البؤس
الحقيقي.ويكفي أن نتذكر أحد أركان اإلسالم األساسية ،و الذي
يتكفل بإيجاد قدر كبير من التوازن االقتصادي في المجتمع ،أال
وهو الزكاة ،التي قال هللا تعالى عنها في القرآن الكريم { :وفي
أموالهم حق للسائل والمحروم }( .)1عدا عن سائر الصدقات
والعطايا التي كانت كثيرة متعددة .وهذا نابع من سياسة
االقتصاد في اإلسالم التي ترمي إلى ضمان تحقيق اإلشباع
لجميع الحاجات األساسية لكل فرد إشباعا ً كليا ً وتمكينه من
إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع( .)2فالطب مثالً كان
مكفوالً للجميع مجاناً ،يقول ديورانت":تزعم اإلسالم العالم كله
في إعداد المستشفيات الصالحة وإمدادها بحاجاتها ،مثال ذلك
أن البيمارستان الذي أنشأه نور الدين في دمشق عام 1160ظل
ثالثة قرون يعالج المرضى من غير أجر ويمدهم بالدواء من
غير ثمن ،ويقول المؤرخون إن نيرانه ظلت مشتعلة ال تنطفىء
267سنة"(.)3
-1سورة الذاريات -اآلية .19
-2تقي الدين النبهاني -النظام االقتصادي في اإلسالم -ص .62
-3قصة الحضارة -ج 13ص 360
55
حتى إن هذه العدالة لم تستثن العبيد المماليك ،فلقد أوصى
الرسول rبحسن معاملة العبد ،لذلك فإن السيد كما يشهد
ديوارنت "كان في العادة يحسن معاملته إلى حد لم يكن معه
مركزه أسوأ من مركز العامل في المصانع األوربية في القرن
التاسع عشر ،بل لعله كان أحسن حاالً من ذلك الصانع ،ألنه
كان أأمن على حياته منه"(.)1
وشهدت البالد اإلسالمية ازدهارا ً اقتصاديا ً مدهشا ً لم يكن
لواحدة من الدول القائمة آنذاك حتى أن تحلم به ،ويكفينا نموذجا ً
أن نذكر ما أورده ديورانت عن االقتصاد في األندلس حيث
قال":بلغت اإليرادات في أيام عبد الرحمن الثالث
000،045،12دينار ذهبي وأكبر الظن أن هذا كان يفوق
إيرادات حكومات البالد المسيحية الالتينية مجتمعة .ولم يكن
مصدر هذه اإليرادات هو الضرائب العالية بقدر ما كان أثرا ً
من آثار الحكم الصالح ،وتقدم الزراعة والصناعة ورواج
التجارة"( .)2وكالم ديورانت هذا يدل بشكل واضح على أن
الدولة اإلسالمية لم تكن دولة استعمارية ،وأن االقتصاد
اإلسالمي لم يكن قائما ً على امتصاص دماء الشعوب ونهب
خيراتها وثروات أراضيها ،بل كانت الشعوب التي تدخل
حظيرة اإلسالم تنعم بعدالة االقتصاد اإلسالمي حتى ولو لم
تدخل اإلسالم .يقول المستشرق أستانلي لين بول في كتابه
"حكم المسلمين في إسبانيا"":لم تنعم األندلس طوال تاريخها
-1المرجع السابق -ج - 13ص .112
-2المرجع السابق -ج - 13ص .293
56
بحكم رحيم عادل ،كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب"(.)1
ويذكر ديورانت أن المسيحيين في األندلس كثيرا ً ما كانوا
يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين ( ،)2وأن األقاليم
التي وقعت تحت حكم العثمانيين كرودس واليونان أو
البيزنطيين أو البنادقة ،حتى بالد المجر نفسها ارتأت أن
األحوال فيها صارت تحت حكم سليمان إلى أحسن مما كانت
عليه أيام آل هابسبرج(.)3
أما الغرب الراقي اليوم ،فإنه لم يستطع أن يوقف عود
اقتصاده إال بعد أن استعمر العالم وسيطر على موارده
ومصادر ثروات شعوبه وامتص دماءهم .وهو ال يزال يمعن
تفكيكا ً وتمزيقا ً لبالد العالم وإشعاالً للفتن فيه ،حتى يبقى متربعا ً
على عرشه ناقبا ً لمناجمه مستنبطا ً آباره حاصدا ً أراضيه قاطفا ً
جنانه ومس ّخرا ً طاقاته .ورغم غنى الغرب الفاحش وأمواله
الطائلة لم يستطع النظام الرأسمالي أن يحسن توزيع الثروة بين
أفراد المجتمع ،فنرى الفروقات في مستوى الملكية تفوق حد
التصور ،ونجد في أغنى بالد الغرب كالواليات المتحدة ألوفا ً
بل ماليين من العاطلين عن العمل الذين يسكنون المالجىء أو
المستودعات أو األزقة أو ربما المجارير .ها هو أحد كبار
الفاعلين في السياسة األميركية وهو زبغنيو برجنسكي مستشار
األمن القومي للرئيس األميركي السابق جيمي كارتر والذي
يعمل حاليا ً مستشارا ً في مركز الدراسات االستراتيجية
-1المرجع السابق -ج - 13ص .292
-2المرجع السابق -ج - 13ص .297
-3المرجع السابق -ج - 26ص .113
57
والعالمية بواشنطن يدق ناقوس الخطر من األزمات المختلفة
التي تعصف بالمجتمع الغربي عموما ً ومجتمع الواليات المتحدة
بشكل خاص فيقول حين كالمه عن المشاكل االجتماعية
والسياسية إنه على الرغم من إنفاق مبالغ هائلة في مجال النظام
الصحي إال أن عشرات الماليين من المواطنين األمريكان ال
يتمتعون بالرعاية الصحية المطلوبة ،ويشكو من تهلهل البنية
االجتماعية وتداعي المرافق العمرانية حيث توجد أحياء سكانية
فقيرة ومتداعية شبيهة بالموجود في أفقر دول العالم الثالث،
ويتكلم عن "تجذر" مشكلة العنصرية والفقر ،حيث تشير
اإلحصاءات إلى حقيقة مؤلمة ومخجلة وهي أن نسب
األمريكيين الذين يعيشون تحت خط الفقر يشكلون 7،35مليون
مواطن أمريكي ،وال يجد قسم كبير منهم سقفا ً يستظل به ،وهذه
الحالة -على حد تعبير برجنسكي -ال تليق بالقوة العالمية
الوحيدة(.)1
أما على الصعيد االجتماعي ،فإن ذلك التماسك في
صعده وفئاته وشرائحه وال سيّما
المجتمع اإلسالمي بين مختلف ُ
على صعيد األسرة لم يشهده مجتمع من المجتمعات .ونحن في
غنى عن وصف تلك األوضاع االجتماعية التي شهدها التاريخ
اإلسالمي والتي شهد بها األعداء أنفسهم والتي التزال إلى حد
كبير قائمة حتى اليوم ،رغم التصدع الذي أحدثته الحضارة
الغربية في مجتمعنا.
-1نقالً عن مجلة الوعي -العدد - 86مقال عن كتاب "خارج حدود
السيطرة" .الذي ألفه برجنسكي .ص .23 - 22
58
ولكن نظرة خاطفة إلى المجتمع الغربي ترينا مدى التفكك
االجتماعي واألسري الذي أخذ ّ
يفت من عضده وينكأ جراحه.
ونعود لنترك الكالم لبرجنسكي حيث يشكو من "شيوع اإلباحية
الجنسية التي أصبحت "الطابع العام للحياة في أمريكا" وبالتالي
فهي تهدد مكانة وبنية الخلية األساسية في المجتمع وهي
األسرة ،وذلك بتفاقم مشكلة ما يسمى باألسر التي يقوم عليها
أحد األبوين (األم غالباً) والتي تنشأ فيها أجيال من األطفال غير
الشرعيين ،مع ما يصاحب هذه الظاهرة من آثار خطيرة تتمثل
في تفكك األواصر االجتماعية .كما أن شيوع اإلباحية الجنسية
من أهم أسباب تفشي مرض اإليدز الخطر"( .)1كما يشكو من
"استشراء الفساد األخالقي على أوسع نطاق عن طريق وسائل
اإلعالم المرئية ،إذ إن كل ما تقوم به هذه الوسائل باسم الترفيه
هو نشر الفساد وبث مفاهيم الجنس والعنف كوسيلة لجذب
المشاهدين"( .)2ويتكلم عن "استفحال ظاهرة الجريمة والعنف
التي تزداد تعقيدا ً بإمكانية حصول المدنيين على األسلحة النارية
بسهولة أكثر من حصول معظم جيوش العالم عليها ،هذا
باإلضافة إلى انتشار األفالم وبرامج التلفزيون التي تشجع
علىالعنف والجريمة ،وهذا كله يجعل أمريكا تنفرد بأعلى نسب
من جرائم القتل في العالم"( .)3وال ينسى أن يتكلم عن االنتشار
المذهل للمخدرات ،الظاهرة التي "تعود من ناحية إلى محاولة
نفسية للهروب من واقع بائس ،ومن ناحية أخرى إلى كون
-1المرجع السابق -ص .23
-2المرجع السابق -ص .23
-3المرجع السابق -ص .23
59
تجارة المخدرات البديل األكثر إغراء للحصول على الثروة
بأسرع طريق .وتشير التقارير إلى أن تجارة المخدرات تدر
على أصحابها مبلغا ً يصل إلى 100مليار سنويا"( .)1وكدليل
على فساد العالقات بين أفراد المجتمع يتكلم عن "اإلفراط في
التحاكم إلى القضاء ،وهي ظاهرة ليس لها مثيل في أية دولة
أخرى ،فرجال القضاء والمحامون في أمريكا يشكلون ثلث
رجال القضاء في العالم"(.)2
وفي دراسة أعدتها رابطة التجارة اإليطالية سنة 1993
اتضح أن 60بالمائة من المتاجر والحانات والمطاعم تدفع
أتاوات منتظمة لعصابات المافيا .وتقول الدراسة إن الجريمة
تكسب سنويا ً 25مليار دوالر من وراء األتاوات التي يدفعها
أصحاب المحالت في أنحاء البالد .وهناك مدن تدفع مائة في
المائة من محالتها هذه األتاوة ،مثل مدينة بالرمو عاصمة
صقلية ،وهي تعتبر مركزا ً للمافيا ووطنا ً أساسيا ً لها(.)3
وفي بريطانيا يقول إحصاء رسمي إن %34من المطلقين
و %22من المطلقات يعيشون مع شريك من دون زواج وتبلغ
نسبة المولودين خارج الزواج 7،28في المائة من المواليد في
بريطانيا وفي 1990ولد مائتا ألف طفل خارج الزواج في
إنجلترا وويلز(.)4
-1المرجع السابق -ص .23
-2المرجع السابق -ص .22
-3مجلة الوعي -العدد ( - )71 - 70ص .44
-4مجلة الوعي -العدد - 57ص .10
60
كل هذه الظواهر التي ذكرناها عن المجتمع الغربي -
وهي غيض من فيض -نتيجة طبيعية وحتمية لوجهة النظر
الغربية عن الحياة ولمفهوم السعادة في الذهن الغربي ولمقياس
األعمال في ذلك المجتمع.
وسنستمر في ترك الكالم لشاهد من أهلها ،وهو
برجنسكي الذي يسمي المجتمع الغربي -والسيما األميركي -
بعالم إباحية الوفرة فيقرر ما يلي:
عالم إباحية الوفرة عالم اختلت فيه موازين األخالق
وموازين الخير والشر وتم إبدالها بموازين من صنع البشر
"قانوني وغير قانوني" ،وهكذا تم إقصاء القيم الدينية الداخلية
في ضمير الفرد ووضعت مكانها قوانين وقواعد خارجية تنفذها
أجهزة الشرطة واألجهزة القانونية ،فلم تنتج االنضباط لوجود
ثغرات عديدة في هذه القوانين وألنها خارجية وغير ملزمة
أدبياً ،ولغياب الضوابط الداخلية المطلقة.
ويرى أن عالم إباحية الوفرة يشكو كذلك من اختالل
مفهومي "الحرية" و"الحياة الطيبة" ،حيث أصبح مفهوم الحرية
إطالق العنان لشهوات األفراد دون التقيد بالمسؤوليات العامة
ومصلحة المجتمع ،وبالتالي أصبحت الحرية تعني انعدام
الضوابط تماما ً باستثناء الحاالت التي تترتب عليها عقوبات
قانونية.
أما مفهوم "الحياة الطيبة" المرتبط أساسا ً بمفهوم السعادة
فهو -كما يرى برجنسكي -يعني في قاموس إباحية الوفـرة
طلب اللذة والمتعة الحسية من طريق جمع المادة واالستهالك
61
ألجل االستهالك ،وبالتالي أصبحت الوفرة غاية في حد ذاتها ال
وسيلة لتحقيق السعادة ،ويشن برجنسكي بهذا الصدد حملة قوية
على اإلعالم الغربي وعلى التلفزيون بوجه الخصوص لقيامه
بالدور األكبر في نشر مبادىء اإلباحية ،والجري وراء المتع
والشهوات المحمومة ،وإشراب قيم إباحية الوفرة للناشئة
وللعنصر النسائي بصفة خاصة(.)1
أما التقدم المدني الذي يشمل العلوم والصناعة
والتكنولوجيا والطب وما شاكل ذلك -والذي هو أبرز ما يفتخر
به الغرب اليوم -فإنه لم يقم حائالً أمام الشقاء والتعاسة اللذين
يعاني منهما مجتمعه .فإن المدنية والعلوم هي وسائل يستخدمها
اإلنسان لتيسير سبل العيش ولخدمة طراز العيش ونمط الحياة
التي يحياها ،فإن كان هذا النمط من العيش ناجما ً عن حضارة
منحرفة وفكر خاطىء ونظام فاسد فإن هذه المدنية لن تزيد ذلك
المجتمع واإلنسانية عموما ً إال شقاء وتعاسة .يقول الفيلسوف
الفرنسي غارودي الذي اعتنق اإلسالم أوائل الثمانينيات":وكما
حدث في أثناء انهيار اإلمبراطورية الرومانية ،نعيش اليوم
مرحلة "تعفن التاريخ" التي تمتاز من دون سواها بالهيمنة
التقنية والعسكرية الساحقة إلمبراطورية ليس لها مشروع
إنساني يمكن أن يعطي معنى للحياة وللتاريخ"( .)2ويقول
الفيلسوف اإلنكليزي جود":إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة
الجديرة باآللهة ولكننا نستعملها بعقول األطفال والوحوش"(.)3
-1نقالً عن :مجلة الوعي -العدد - 86ص .21 - 20
-2نقالً عن مجلة الوعي -العدد - 63ص .10
-3فهرس قصة الحضارة -ج - 1ص .12
62
لقد استخدمت الحضارة الغربية التكنولوجيا لصنع القنبلة
الذرية التي أبادت األلوف من البشر ،وأشعلت تلك الحضارة
الحروب والفتن في العالم من أجل تسويق صناعاتها الحربية.
والتكنولوجيا لدى هؤالء أفسدت البيئة وأنتجت األمراض
العضوية المختلفة.
ثم ماذا نفع الطب أمام تلك األمراض الفتاكة المستعصية
التي أنتجتها حضارة الحريات واإلباحية والشذوذ والرذيلة،
حضارة االنفالت من كل القيم الروحية وال ُخلُ ِقية واإلنسانية...
إال المادية؟! هل استطاع العلم أن يجمع شمل العائلة الغربية؟
هل استطاع أن يوقف الجريمة؟ هل وجد حالً لألزمات النفسية
التي يعاني منها ماليين البشر هناك؟
يقول الدكتور مراد هوفمان السفير األلماني لدى المغرب
وقد اعتنق اإلسالم منذ عدة سنوات ":-لنتأمل معا ً ضحايا ذلكالمجتمع الصناعي وقيمة الحيدية المزعومة فحسب .إنهم
يتمتعون بكل ما يريدون من االستقالل الذاتي والحياة المؤمنة
منذ المهد إلى اللحد ،والحرية أو اإلباحية الجنسية التي ال تعرف
محظورا ً أو محرماً ،والمخدرات على اختالف أنواعها وأذواقها
حسب كل مزاج وطلب ،وأوقات الفراغ والعطالت واإلجازات
المكفولة قانونياً ،وكافة الحقوق المدنية التي يحلم بها المرء،
لكنهم على ذلك كله يحسون فراغا ً هائالً يمأل وجودهم الفعلي،
ويتوقون إلى الحنان والدفء البشري من قبل الجماعة التي
63
يعيشون معها أو ينتمون إليها وإلى سلطة زعيم روحي ...وراء
كل هذا يقبع سؤال خطير ملح عن مغزى الحياة أو الوجود"(.)1
إن التاريخ اإلسالمي سجل لنا إسهامات في العلوم
وإنتاجات في التكنولوجيا واكتشافات في الطب وإبداعات في
الفنون والعمران وسائر الشؤون المدنية ،جعلت من البالد
اإلسالمية متحفا ً رائعا ً ومشهدا ً فتّانا ً لكل من يفد إليه من الشرق
والغرب .يقول ديورانت":كان اإلقليم المحصور بين بخارى
وسمرقند يعد في أثناء القرن العاشر "إحدى الجنات األرضية
األربع" وكانت الثالث األخر هي جنوبي فارس ،وجنوبي
العراق ،واإلقليم المحيط بدمشق في بالد الشام"(.)2
ويقول":كان العرب على جانب كبير من المهارة اآللية الفنية،
وشاهد ذلك أن الساعة المائية التي أهداها هارون الرشيد إلى
شارلمان قد صنعت من الجلد والنحاس األصفر المنقوش.
وكانت تدل على الوقت بفرسان من المعدن يفتحون كل ساعة
بابا ً يسقط منه العدد المطلوب من الكرات على صنجة ،ثم
ينسحبون ويغلقون الباب"( .)3ويتابع قائالً":وبلغت بالد آسية
الغربية تحت حكم المسلمين درجة من الرخاء الصناعي
والتجاري لم تصل إليها بالد أوربا قبل القرن السادس
عشر"(.)4
-1مراد هوفمان -اإلسالم كبديل -ص .29
-2قصة الحضارة -ج - 13ص .107
-3المرجع السابق -ج - 13ص .108
-4المرجع السابق -ج - 13ص .108
64
لقد س ّخرت المدنية في المجتمع اإلسالمي لخدمة البشرية
ولم تس ّخر إلبادة الشعوب وإذاللها ،فما قام به المسلمون كما
تقول الفيلسوفة األلمانية زيغريد هونكة" :لهو عمل إنقاذي له
مغزاه الكبير في تاريخ العالم"(.)1
إن علماء الغرب أنفسهم يشهدون أن البنيان العلمي
والتكنولوجي ،وعلوم الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة وما
شاكل ذلك مما توصل إليه الغرب اليوم قام بغالبيته بدعامة
النظريات والمنجزات التي حققها العالم اإلسالمي إبان عصور
نهضته .تقول زيغريد هونكة":لقد قدم المسلمون أثمن هدية،
وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب
طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم"(.)2
ويقول ديورانت":لما أعلن روجر بيكن هذه الطريقة إلى
أوربا بعد أن أعلنها جابر بخمسمائة عام كان الذي هداه إليها هو
النور الذي أضاء له السبيل من عرب األندلس ،وليس هذا
الضياء نفسه إال قبسا ً من نور المسلمين في الشرق"( .)3ويقول
األستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس)" :إن النهضة أو إحياء
العلوم والفنون األوربية باستمدادها الواسع من المصادر
اإلسالمية والعربية على األخص كانت تعزى في األكثر إلى
االتصال المادي بين الشرق والغرب ،لقد استفادت أوربا أكثر
مما استفاد العالم اإلسالمي ،ولكنها لم تعترف بهذا الجميل"(.)4
-1فهرس قصة الحضارة -ج - 1ص .11
-2المرجع السابق -ج -1ص .12
-3قصة الحضارة -ج 13ص .292
-4اإلسالم على مفترق الطرق -ص .59
65
إن تلك الثورة التكنولوجية ،العظيمة التي شهدها القرن
العشرون من اكتشاف الذرة واختراق للفضاء وغير ذلك ،ال
تعزى إلى الحضارة الغربية بقدر ما تعزى إلى تراكم
المعلومات واالكتشافات والنظريات والقواعد المعرفية في
الذهن البشري وسجالته المدونة .أي إن تلك الثورة الصناعية
كانت تنتظر أي حضارة ناهضة لتثمر على يديها فصادف أن
كان دور الحضارة الغربية المعاصرة .بدليل أن النهضة
الشيوعية -على ما فيها من مناقضة للحضارة الغربية -حققت
إبان إزدهارها نفس المستوى الذي حققه الغرب من التقدم
المدني والتكنولوجي ،ولوال االنحطاط الذي أل ّم بكيان المنظومة
الشيوعية والسيما االتحاد السوفياتي لبقيت تزاحم الغرب في
ذلك المجال .كما أن الحضارة اإلسالمية اليوم أيضا ً مرشحة
ألن تلعب ذلك الدور إذا ما عادت األمة اإلسالمية إلى إحيائها
من جديد.
لقد بدأت شعوب الغرب اليوم تكتشف أن نهضتها تلك
ليست سببا ً للسعادة بل هي سبب للشقاء والتعاسة والقلق
والخوف والسعي وراء السراب.
َ
والذين َكفَروا أعمالُهُم
وصدق هللا العظيم إذ قال{ :
الظمآن ما ًء حتى إذا جاءهُ لم يج ْدهُ شيئا ً
سبُهُ
ُ
ب بِ ِقيع ٍة يح َ
َك َ
سرا ٍ
َو َوجدَ هللا ِعندَهُ فَوفّاهُ ِحسابَه وهللا ُُ سري ُع الحساب }(.)1
وإنه إذا كانت الشيوعية أقصر عمرا ً وأضيق نفسا ً
فانهارت حضارتها بطرفة عين بسبب مصادمتها العنيفة للفطرة
-1سورة النور -اآلية .39
66
ونكايتها لعقل اإلنسان وبديهته ،فإن الحضارة الغربية سرعان
ما ستلحق بها بعد أن تصل بالشعوب الغربية إلى الحضيض.
وإذا كانت الشيوعية هي تلك المطرقة التي هوت على رأس
اإلنسان ،أو ذلك المنجل الذي أصاب عنقه فأطاح برأسه وأرداه
قتيالً بالضربة القاضية ،فإن الحضارة الغربية الرأسمالية هي
ذلك السم الذي يجري في عروق الجسد دون أن يحس به
اإلنسان فتخور قواه شيئا ً فشيئا ً إلى أن يلقى حتفه وهو غافل عن
نفسه .والذين تنبهوا إلى الخطر المحدق بالمجتمع الغربي
يدعون ،كما دعا برجنسكي الواليات المتحدة "إلى مراجعة
كاملة للفلسفة المادية التي تقوم عليها حضارتها وإخضاع هذه
الحضارة إلى عملية نقد ذاتي صارمة ،كما أن على أمريكا أن
تصل إلى قناعة بأن المجتمع الذي ال يمتلك قيما ً وثوابت
مطلقة ،والذي يقوم على فلسفة تحقيق المتعة الذاتية وإرضاء
النزوات هو مجتمع محكوم عليه باالنهيار والذوبان .وفي هذا
الصدد يهيب برجنسكي بأمريكا أن تفقه دروس التاريخ في
ازدهار الحضارات وانهيارها وفي تبوئها مرتبة الريادة
وانحسارها عن هذه المرتبة فيقول :إن التاريخ يعلمنا أنه ال بد
ألية قوة عظمى -لكي تحافظ على دور الريادة -من رسالة
حضارية تقوم على فضائل األخالق وتكون نموذجا ً يحتذى من
اآلخرين عن طواعية ال بالقوة واإلكراه ....وفي غياب هذه
الرسالة الحضارية فإن النموذج األميركي سيتم رفضه كما
ُرفض النموذج الشيوعي السوفياتي من قبل"(.)1
-1مجلة الوعي -العدد - 86ص .25
67
أما نحن المسلمين ،إيمانا ً منا بقوله تعالى { :وكذلك
جعلناكم أمة وسطا ً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول
عليكم شهيدا ً }( ،)1فإننا على يقين أن العالم سيبقى يتخبط في
مشاكله وأزماته حتى تعود األمة اإلسالمية من جديد إلى حمل
اإلسالم رسالة إلى العالم من أجل أن ينعم برحمة التشريع
اإللهي الذي أُرسل به محمد rرحمة للعالمين .وذلك لن يكون
إال بعد أن يستأنف المسلمون الحياة اإلسالمية مجددا ً بإعادة
المجتمع اإلسالمي الذي يعتنق اإلسالم عقيدة ونظاما ً للحياة
والمجتمع والدولة ،وحمل الرسالة إلى العالم.
وهللا عز وجل هو القائل في كتابه العزيزَ { :و َ
عدَ هللاُ
َ
الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في األرض
َّ
وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى
كما استخلف الذين من قبلهم
لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً ،يعبدونني ال يشركون بي
شيئاً ،ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }(.)2
وأما االنحطاط الذي ألـ ّم بالعالم اإلسالمي ،فإن نظرة
عميقة نزيهة إلى تاريخه وحاضره ترينا أن العالم اإلسالمي لم
ّ
ينحط بسبب قصور المبدأ اإلسالمي .فعقيدته هي العقيدة
الصحيحة الموافقة لفطرة اإلنسان ولعقله ،والمنطبقةُ على واقع
الكون واإلنسان والحياة ،ونظامه هو النظام الصحيح الذي نزل
من عند هللا تعالى لمعالجة مشاكل اإلنسان بوصفه إنسانا ً في كل
-1سورة البقرة -اآلية .113
-2سورة النور -األية .55
68
زمان ومكان .ولكن ذلك االنحطاط كان بسبب تقصير المسلمين
في فهمهم لذلك المبدأ وبالتالي إساءتهم لتطبيقه.
فالمبدأ ليس دواء سحريا ً يفعل فعله على نحو خيالي
ساحر ،بل إن فعله متوقف على أمة تعتنقه وتفهمه حق فهمه
وبالتالي تحسن تطبيقه وصياغة مجتمعها به .واألمة اإلسالمية
آذنت بانحطاطها منذ أن رضيت بتحويل الخالفة إلى ملك ،ومنذ
أن أغلقت باب االجتهاد وأهملت شأن اللغة العربية ،فأغلقت
على نفسها بذلك ،الباب الذي تدخل منه عوامل نهضتها .ذلك أن
االجتهاد وفهم اللغة العربية هما الطريق الوحيد لفهم اإلسالم
وبالتالي إلحسان تطبيقه .فبدأ بنيانها الفكري بالتآكل وأصابه
الهزال ،فوجدت الحضارة الغربية القائمة على المبدأ الرأسمالي
طريقها إلى المجتمع اإلسالمي مفتوحاً .وظن المسلمون أن تلك
الحضارة ستنهض بهم كما نهضت بالغرب ،ونسوا أن عقيدتها
تتعارض -من حيث األساس -مع عقيدتهم التي يحملونها والتي
ال يفكرون يوما ً بالتخلي عنها.
وبما أن هللا ال يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ،فإن
المسلمين مكلفون اليوم بالعمل على دراسة اإلسالم من جديد
دراسة عميقة صافية نقية واضحة ،بمعزل عن أيّة غشاوة،
وبعيدا ً عن كل اللوثات والسموم الفكرية التي تراكمت عبر
عصور االنحطاط أو وفدت مع الغزو الفكري الغربي ،من أجل
أن يصوغوا مجتمعهم بأفكار اإلسالم ومشاعره وأنظمته حتى
يعود المجتمع اإلسالمي المنارة التي تنير للشعوب واألمم درب
الهداية والخالص.
69
وصدق هللا العظيم إذ قال { :إن األرض هلل يورثها من
يشاء من عباده والعاقبة للمتقين }(.)1
-1سورة األعراف -اآلية .128
70
الـقسم الثاني
الـحـضــارة اإلسـالمـيــة
71
72
قال تعالى:
ب هللاُ َمثَالً َكل َمةً َ
طيِبَةً َك َ
ش َج َرةٍ
يف َ
ض َر َ
أَلَ ْم تَ َر َك َ
َ
صلُها ثَا ِب ٌ
ع َها في السماء * تُؤ ِتي
ت َوفَ ْر ُ
ط ِي َب ٍة أ ْ
األمثَا َل
إذن َر ِبهاَ ،ويَض ِْر ُ
ب هللاُ ْ
أ ُ ُكلَها ُك َّل ِح ٍ
ين ِب ِ
اس لَعَلَّ ُهم يَتَذَ َّكرون * و َمثَ ُل َك ِل َم ٍة َخبِيثَ ٍة
ِللنَّ ِ
اجتُث ْ
األرض َما لَ َها ِمن
ق
َك َ
ش َج َر ٍة َخ ِبيثَ ٍة ْ
ِ
ت ِم ْن فَو ِ
ت في
قَ َرار * يُثَ ِبتُ هللاُ الذِينَ ءا َمنُوا بالقَو ِل الثَّا ِب ِ
ض ُّل هللاُ َّ
الظا ِل ِمينَ ،
الحياةِ الدُّنيا وفي
ِ
اآلخرةَِ ،ويُ ِ
و َي ْف َع ُل هللاُ ما َيشَاء.
إبراهيم 27-24
73
74
الحـضــارة
إن كلمتي الحضارة و المدنية هما من أكثر المصطلحات
شيوعا ً في أيامنا هذه .ويجدر بنا -ونحن نبحث في موضوع
الحضارات عموما ً والحضارة اإلسالمية خصوصا ً -أن نقف
عند مدلول هاتين الكلمتين ،وال سيما الكلمة األولى :الحضارة،
حتى يدرك القارئ ما نرمي إليه من معنى عند إيراد تلك الكلمة.
صحيح كما يقال أن ال مشاحة في االصطالح ،إال أن ضبط
االصطالح وتحديد مدلوله حين استخدامه أمر في غاية األهمية،
وذلك حتى ال تلتبس المعاني على السامع أو القارئ.
إن معنى كلمة الحضارة في اللغة هو كما ورد في لسان
ضر وال َحض َْرة
ضر ( )...وال َح َ
العرب" :اإلقامة في ال َح َ
والحاضرة :خالف البادية ،وهي المدن والقرى والريف".
ِ
إذن ،فحين تذكر الحضارة في اللغة فإنه يقصد بها ما هو
عكس البداوة ،أي سكن المدن والقرى .إال أن هذا المعنى
اللغوي للعبارة ليس هو المقصود حين الكالم عن الحضارة في
النصوص الفكرية والتاريخية والسياسية المعاصرة .إذ أصبح
لكلمة الحضارة مدلول اصطالحي جديد مختلف عن المدلول
اللغوي األصلي.
ونشأة هذا االصطالح تعود في الواقع إلى الدراسات
األوربيّة ،وذلـك حـيـن درج الغربيون على استـخـدام كـلـمــة
75
"- "Civilisationوترجمتها إلى العربية الحضارة أو المدنية -
للتعبير بها عن التطور المادي والصناعي والعمراني الذي أخذ
ّ
يطرد بسرعة خالل العصور الحديثة التي تلت القرن الخامس
عشر الميالدي والتي سميت بعصور النهضة .إال أن تلك
العبارة تحولت مع مرور الوقت عن ذلك المدلول لتأخذ مدلوالً
آخر جديداً .فقد أصبحت تطلق على ما يملكه شعب ما أو مجتمع
ما أو أمة من األمم من تراث وخصائص وإبداعات يتميز بها
عن غيره من المجتمعات .فأصبح المؤرخون والمفكرون
والكتّاب يتكلمون عن حضارات عديدة سالفة ومعاصرة.
كالحضارة المصرية القديمة والحضارة اليونانية والحضارة
السومرية والرومانية والفارسية والصينية والهندية وحضارة
أوربّا العصور الوسطى والحضارة اإلسالمية وأخيرا ً الحضارة
الغربية المعاصرة والحضارة الشيوعية وما شاكل ذلك.
وقد نقل هذا االصطالح الغربي إلى اللغة العربية
باستخدام عبارتين هما الحضارة و المدنية .فأصبحت هاتان
الكلمتان تستخدمان للداللة على ذلك المعنى االصطالحي
الجديد.
إال أن المشكلة في هذا االصطالح ،هي أن معظم الذين
يستخدمونه يُدخلون في مدلوله كل ما يملكه مجتم ٌع ما أو يرثه
أو يبدعه من أفكار وتشريعات وفنون وإنجازات علمية ومادية
وغيرها ،بصرف النظر عما هو من مميزات ذلك المجتمع وما
ليس من مميزاته ،من ذلك التراث وتلك اإلنجازات واإلبداعات
التي يملكها.
76
مع أننا حين نتكلم عن حضارة مجتمع من المجتمعات،
فإننا نتكلم عن طريقة العيش التي تميز ذلك المجتمع عن سائر
المجتمعات .وواضح للعيان تاريخا ً وحاضرا ً أن لكل مجتمع
طريقة في العيش تميزه عن سائر المجتمعات تجعل منه جماعة
بشرية ذات شخصية معينة ولون متميز وهوية خاصة ،هذه
الطريقة في العيش التي تميز مجتمعا ً عن آخر هي ما يعبر عنه
باصطالح الحضارة.
لذلك يجب أن يلحظ حين استخدام ذلك االصطالح
وتعريف مدلوله أن ال يدخل ضمنه إال ما هو من مقومات
شخصية المجتمع التي تجعل منه مجتمعا ً معينا ً يختلف عن غيره
من المجتمعات في طريقة عيشه ،فال تدخل األشكال والوسائل
المادية التي يستخدمها المجتمع في شؤون الحياة والتي ال يتميز
بها عن غيره من المجتمعات .فالمصانع والسيارات والطائرات
وسائر اإلنجازات المادية التي تنتجها أمة من األمم ليست هي
التي تميزها عن غيرها من المجتمعات وليست هي التي تعطيها
هويتها .فهذه أشكال ووسائل "حيادية" ،وعامة لكل البشر
والمجتمعات .فإننا نجد أن المجتمعات التي تتمسك بحضارتها
وطريقة عيشها تقف بالمرصاد أمام كل وافد من األفكار
واألنظمة ووجهات النظر في الحياة ،إال أنها تستفيد في الوقت
نفسه مما ينتجه أي شعب أو مجتمع من األشكال والوسائل
المادية ما لم تكن تلك األشكال والوسائل متعارضة مع
حضارتها التي تصوغ مجتمعها وتميز حياتها .بل إنك تجد
الدولة الراقية التي تتمسك بحضارتها وتفتخر بها حريصة على
مواكبة كل ما يتم إنجازه في البالد األخرى من االختراعات
77
والمبتكرات الفنية والتقنية والعلمية ،إذ هي من أسباب القوة التي
تحرص األمة الراقية على امتالكها .لذلك فإننا ال نستغرب أن
يعمل كل من الحلفين الشرقي والغربي إبان الحرب الباردة بين
المعسكرين الشيوعي والرأسمالي ،على مواكبة ما ينجزه عدوه
من مبتكرات وصناعات ،بل قد يصل بهما األمر في بعض
األحيان إلى سرقة التصاميم والمخططات العلمية والصناعية
والهندسية والعسكرية .وهذا يعني أن هذه اإلنجازات
والمبتكرات من األشكال والوسائل المادية ليست هي التي تطبع
المجتمع بطابعه الخاص وهويته المتميزة .أما حين يكون األمر
متعلقا ً بالعقائد واإلديولوجيا والدراسات السياسية وما شاكل ذلك
فإنك تجد كالً من الفريقين متأهبا ً دائما ً للمواجهة ،إما عن طريق
ضرب جدار سميك يحول بين تلك األفكار ووصولها إلى
مجتمعه ،وإما عن طريق الدعاوة المضادة حيث يجند جيشا ً من
المفكرين والكتاب والنقاد الذين يوسعون األفكار الوافدة ضربا ً
ونقضا ً وتشويهاً.
كل ذلك يحتم علينا أن نضبط المصطلح الدال على نمط
العيش و هوية المجتمع ،فنميز بينه وبين ما يدل على مجموعة
األشكال والوسائل المادية المحسوسة المستعملة في شؤون
الحياة ،والتي هي عامة لجميع الشعوب والمجتمعات .وبالتالي
فإننا نخصص كلمة الحضارة للداللة على ما يميز المجتمع
فيجعل له طريقة خاصة في العيش ،ونجعل كلمة المدنية دالة
على الوسائل واألشكال المادية المستعملة في شؤون الحياة.
وبالرجوع إلى واقع المجتمعات وما يجعلها مجتمعات ذات لون
معين ونمط خاص في العيش ،نجد أن مجموعة المفاهيم التي
78
يعتنقها مجتمع ما عن الحياة هي التي تعطيه هويته وشخصيته
وتجعل له طرازا ً خاصا ً في العيش .إذ إن تلك المفاهيم هي التي
تكيف عالقات الناس فيما بينهم في المجتمع ،وما المجتمع إال
ناس قامت بينهم عالقات دائمية ،وطبيعة هذه العالقات في
المجتمع هي التي تعطيه هويته وشخصيته( .)1وبناء عليه يمكن
تعريف الحضارة بأنها "مجموعة المفاهيم عن الحياة".
ونحن المسلمين أحوج ما نكون إلى ذلك التفريق بين
الحضارة والمدنية .ذلك أن اإلسالم جعل من األمة اإلسالمية
أمة متميزة تحيا حياة ذات نمط خاص يتفرد كل التفرد عن سائر
أنماط الحياة في المجتمعات البشرية .وما ذلك إال ألن المجتمع
اإلسالمي قام على أساس عقيدة مصدرها الوحي اإللهي ،انبثق
عن هذه العقيدة نظام متماسك وانبنت عليها أفكار شاملة ونجمت
عنها مشاعر ،فصاغت عالقات الناس في المجتمع اإلسالمي.
فكانت الحضارة اإلسالمية التي تجلت في ذلك المجتمع
اإلسالمي حضارة متفردة متميزة تتعالى كل التعالي على سائر
الحضارات البشرية.
وإذا لم يكن ذلك المصطلح موجودا ً في عصور النهضة
اإلسالمية ،فإن المسلمين فرقوا عمليا ً بين ما يجوز لهم أخذه من
الشعوب واألمم األخرى من وسائل وأشكال ،وما يحرم عليهم
أخذه مما هو مفاهيم عن الحياة ،من عقائد وفلسفات وتشريعات
وأنظمة وغيرها.
-1راجع في هذا الكتاب "المجتمع ونهضته".
79
أما في عصرنا هذا ،فمع شيوع اصطالح الحضارة
ومقوالت التفاعل الحضاري و التبادل الثقافي ،وإزاء الغزو
الحضاري والثقافي الوافد من الغرب إلى البالد اإلسالمية ،فإنه
ال بد من إعطاء رأي اإلسالم بوضوح فيما يجوز قبوله وما ال
يجوز قبوله ،مما يفد إلينا من األمم والشعوب والدول األخرى.
فنقول ،أما الحضارة فإنه ال يجوز أخذها من أي أمة من
األمم وال من أي مجتمع من المجتمعات ،ذلك أن حضارة
المسلمين هي مجموعة المفاهيم اإلسالمية عن الحياة ،وهذه
المفاهيم إ ّما منبثقة من أفكار اإلسالم أو مبنيّة عليها .وبما أن
اإلسالم هو دين هللا الموحى إلى رسوله ،rفإنه ال يقبل التداخل
مع غيره من المذاهب واألنظمة والمبادئ ،ويتسامى عن
االقتباس من أي حضارة أخرى .والناظر في التاريخ اإلسالمي
يلمس بجالء أن الحضارة اإلسالمية كانت بريئة من كل ما
سواها من الحضارات اإلنسانية .إذ ال يجوز للمسلمين أن
يقتبسوا العقائد والفلسفات وال األنظمة والتشريعات .قال هللا
تعالى { قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين * يهدي به هللا من
اتبع رضوانه سبل السالم ويخرجهم من الظلمات إلى النور
بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }( ،)1وقال سبحانه { :
اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وال تتبعوا من دونه أولياء قليالً ما
تذكرون }( ،)2وقال عز وجل { :اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ورضيت لكم اإلسالم دينا ً }( .)3وقال رسول هللا r
-1سورة المائدة -اآلية 16
-2سورة األعراف -اآلية 3
-3سورة المائدة -اآلية 3
80
"إن خير الحديث كتاب هللا ،وخير الهدي هدي محمد ،وشر األمور
محدثاتها ،وكل بدعة ضاللة"( ،)1وقال عليه الصالة والسالم :
"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"( ،)2وقال عليه
الصالة والسالم " :تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ال
يزيغ عنها إال هالك"( ،)3وقال في معرض التبكيت والذم " :
لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا ً بشبر وذراعا ً بذراع ،حتى لو
دخلوا جحر ضب التـبـعتموهـم" قيل " :يا رسول هللا ،اليهود
والنصارى ؟" قال " :فمن ؟!"(.)4
وبناء عليه ،ال يجوز أخذ الفلسفات والعقائد من الكفار
لتبنيها واالستفادة منها ،وإن جازت دراستها للرد عليها ومجادلة
أصحابها .وال يجوز كذلك أخذ المبادئ من لبرالية وماركسية،
وال أخذ أنظمة الحكم من ديمقراطية وجمهورية وملكية
ودكتاتورية وكنفدرالية وغيرها ،وال أخذ أنظمة االقتصاد من
رأسمالية واشتراكية وغيرها ،وال يجوز أخذ وجهات النظر عن
الحياة كالحرية واإلباحية والوجودية واالرتقائية الماركسية أو
الهيغلية أو غيرها .ذلك أن كل هذه هي مفاهيم عن الحياة
والكون واإلنسان أنتجتها عقول المشرعين الذين رسموا للناس
حضارات تتنافى مع الحضارة التي يرضاها هللا تعالى لعباده.
أما المدنيّة ،وهي "مجموعة األشكال والوسائل المادية
المستخدمة في شؤون الحياة" ،فهذه يجوز أخذها واالستفادة
-1رواه مسلم -كتاب الجمعة -الحديث 43
-2رواه مسلم -كتاب األقضية -الحديث 17
-3رواه أحمد 126/4 -
-4رواه مسلم -كتاب العلم -الحديث 6
81
منها ،ما دامت غير ناجمة عن حضارة غير الحضارة
اإلسالمية ،أو ما لم تكن متعارضة مع الحضارة اإلسالمية .فهي
تكون في هذه الحالة نتاجا ً بشريا ً حياديا ً غير معبر عن وجهة
نظر وال طريقة عيش وال عن حضارة من الحضارات .وذلك
كما أخذ الرسول rأسلوب حفر الخندق من الفرس حين أبلغه
إياه سلمان الفارسي رضي هللا عنه في غزوة األحزاب ،وكما
أخذ عمر بن الخطاب أسلوب الدواوين من الفرس أيضاً ،وهي
شكل من أشكال المحاسبة المالية وإدارة األعمال ،وكما استفاد
المسلمون على مر عصور نهضتهم من العلوم واإلنجازات
المادية التي أبدعتها الشعوب السالفة والمعاصرة لهم ،إذ إن هذه
األشياء تنطبق عليها القاعدة الشرعية "األصل في األشياء
اإلباحة" .وبناء عليه يجوز للمسلمين اليوم أن يأخذوا أو
يقتبسوا من أي شعب من الشعوب اإلبداعات المادية من
عسكرية ومدنية وصناعية وغيرها ،كالطائرة والسيارة واآللة
العسكرية ومعدات الطب والهندسة والمختبرات والنظريات
العلمية .بل ربما وجب ذلك في بعض األحيان ،وذلك حين تكون
تلك الوسائل من أسباب القوة لقوله تعالى { :وأعدوا لهم ما
استطعتم من قوة }( ،)1أو حين تكون تلك األشكال والوسائل
مما ال يتم الواجب إال به .فإذا كان تصريف األعمال في
مؤسسات الدولة يقتضي العمل بأنظمة إدارة األعمال وإدخال
أجهزة "الكمبيوتر" ،وإذا كانت رعاية شؤون الناس تقتضي
من الدولة تنظيم السير والبناء واألسواق بأساليب حديثة ،فال
-1سورة األنفال -اآلية 60
82
بأس في استفادة تلك األساليب من أي دولة من الدول .ذلك أن
كل هذه األشكال والوسائل المدنية ال ترتبط بحضارة من
الحضارات.
أما إن كانت تلك الوسائل واألشكال ناجمة عن حضارة
غير اإلسالم ومتعارضة مع الحضارة اإلسالمية ،فإنها في هذه
الحالة تأخذ حكم الحضارة ،فال يجوز للمسلمين أخذها واالنتفاع
بها .مثال ذلك أن صورة امرأة عارية هي في الغرب شكل
مدني ،ولكن هذا الشكل المدني يرتبط بالحضارة الغربية التي
أنتجت االنحالل والفساد الخلقي باسم الحرية بجميع أشكالها.
فهذا الشكل المدني مما ال يجوز للمسلمين أخذه ألنه يتعارض
مع اإلسالم وحضارته التي تعُدّ المرأة عرضا ً يجب أن يصان.
وكذلك مصانع الخمور وآالت قتل الذبائح المخالفة للطريقة
الشرعية ،وأسواق البورصة القائمة على العقود الربوية وما
شاكلها .فهذه كلها أشكال ووسائل أنتجتها حضارة غير
الحضارة اإلسالمية ،وتتعارض مع اإلسالم فال يجوز أخذها.
ويأخذ حكم الوسائل واألشكال المدنية ،كل الفنون
واألزياء ،فإن كانت ترتبط بوجهة نظر أو حضارة أو دين غير
اإلسالم ،فال يجوز للمسلمين أخذها .فال يجوز لهم ارتداء أزياء
الرهبان والراهبات والك ّهان ومن شاكلهم ،إذ ال يجوز التشبه
بالكفار.
وخالصة الكالم ،أن الحضارة هي "مجموعة المفاهيم
عن الحياة" فال يجوز للمسلمين أخذها أو أخذ شيء منها من
غير اإلسالم ،ألن إسالمهم أعطاهم حضارة كاملة متميزة .وأما
83
المدنية -وهي مجموعة األشكال والوسائل المادية المستعملة
في شؤون الحياة -فإنها عامة لجميع البشر والمجتمعات،
ويجوز للمسلمين أخذها ما لم تتعارض مع اإلسالم وحضارته.
84
اإلســالم المـبـدأ
إن اإلنسان بطبعه وفطرته يبحث عن السعادة والرقي
والرفا َه ِة ،ويسعى إلى حياة كريمة يتجلى فيها ارتفاعه وعلوه
َّ
فوق سائر المخلوقات.
ولقد بحث اإلنسان منذ القدم عن السبيل لتحقيق هذا الرقي
والرفا ِهيَ ِة من أجل الوصول إلى السعادة ،فشرع المفكرون
َّ
والفالسفة والمشرعون بوضع النظريات والعقائد
واإلديولوجيات من أجل ذلك الهدف ،وسار الناس وراء هؤالء
على اختالف اتجاهاتهم ونظرياتهم وفلسفاتهم .ولكن ،هل حقق
جميع هؤالء غايتهم وأملهم المنشود ؟ الجواب بالطبع ...ال.
ذلك أن هؤالء لم يدركوا الطريق إلى النهضة الصحيحة،
وبالتالي إلى السعادة.
إذا أراد اإلنسان أن يحصل على النهضة الصحيحة
وبالتالي على السعادة عليه أن يحصل على السلوك البشري
السوي .فسلوك اإلنسان هو السبب في أن يؤدي بصاحبه إلى
ّ
النهضة أو إلى االنحطاط .فما هو السلوك ؟
إن السلوك هو مجموع ما يقوم به اإلنسان من أعمال في
حياته ومجتمعه .وهذه األعمال مردّها جمعيها في حقيقة األمر
إلى تلك الطاقة الحيوية التي يتمتع بها اإلنسان.
85
الطاقة الحيوية في اإلنسان هي التي تدفعه إلى القيام
باألعمال التي نشاهده يقوم بها .وهذه الطاقة الحيوية ،هي
مجموع ما لدى اإلنسان من حاجات عضوية وغرائز ،والتي
يشعر اإلنسان بالحاجة إلى إشباعها .فهو يريد أن يأكل ويشرب،
ويريد أن يلبس وأن يمتلك وأن يدافع عن نفسه ويريد أن يقدّس
ويب ّجل ...وغير ذلك من الحاجات التي نراه يسعى إلشباعها{ ،
ُز ِيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير
المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة واألنعام
والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا.)1(}...
وقد وجد اإلنسان أن وسائل إشباع هذه الحاجات
س ّخرت له،
والرغبات موجودة في األشياء التي حوله والتي ُ
فاندفع ليحصل منها على ما يحتاجه ويريده .وهنا وجد نفسه
أمام مشكلة :
ما هي طريقة االنتفاع باألشياء التي حوله ؟ أي ما هي
طريقة إشباع حاجاته وغرائزه ؟ فاالنتفاع بتلك األشياء ،وإشباع
الحاجات والغرائز لدى اإلنسان ليس عملية آلية وتلقائية كما هو
شأن البهيمة ،وإنما لدى اإلنسان ذهن يضع أمامه الكثير من
الخيارات والسبل لالنتفاع واإلشباع.
فإذا اختار اإلنسان كيفية معينة لالنتفاع باألشياء وطريقة
معينة إلشباع حاجاته وغرائزه فإنه يكون قد اختار سلوكا ً معيناً،
فهذا هو السلوك .إنه تلك الكيفية التي اعتمدها في إشباع رغباته
وتلك القواعد التي تتحكم بتصرفاته وأفعاله وردود األفعال التي
-1سورة الزخرف -اآلية 32
86
تصدر عنه ،ومواقفه إزاء األشياء واألحداث التي يعاينها،
وطريقة عالجه للمشاكل التي تعترضه في حياته.
واآلن بعد أن عرفنا السلوك ،نأتي إلى البحث الجوهري.
ما هو السلوك السوي المؤدي إلى النهضة الصحيحة،
وبالتالي إلى السعادة ؟ واإلجابة تبدأ بما يلي :
إذا أردنا العثور على السلوك السوي ،فال بد لنا من
الحصول على الفكر الصحيح ،ذلك أن سلوك اإلنسان مرتبط
بمفاهيمه ،وهو يكيّف سلوكه في الحياة بحسب مفاهيمه عن
األشياء .فسلوك اإلنسان كما قررنا هو مجموع عالقاته مع
األشياء والناس من حوله ،ومفهوم اإلنسان عن تلك األشياء هو
الذي يعين له موقفه منها .فمفاهيم اإلنسان عن شخص يحبه
تكيف سلوكه نحوه ،على النقيض من سلوكه مع شخص يبغضه
وعنده مفاهيم الكراهية عنه ،وعلى خالف سلوكه مع شخص ال
يعرفه وال يوجد لديه أي مفهوم عنه .لذلك إذا أردنا أن نرتقي
بسلوك اإلنسان فال بد من أن نوجد له المفاهيم الصحيحة أوالً،
{ إن هللا ال يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }(.)1
إال أنه ال يتأتى وجود هذه المفاهيم عن األشياء ،إال إذا
كانت مستندة إلى الفكر عن الحياة الدنيا ،أي كانت نابعة من
وجهة نظر عن الحياة الدنيا ،توضح لإلنسان معنى وجوده في
هذه الحياة والغاية منها .فإن هو حدد لنفسه الغرض من وجوده
في هذه الدنيا وماهي المهمة التي تفرضها عليه تلك الغاية
-1سورة الرعد -اآلية 11
87
استطاع أن ينظر من خاللها نظرة ثابتة إلى األشياء ،فيكيف
سلوكه تجاهها على نحو يجعله منسجما ً مع نفسه.
والفكر عن الحياة الدنيا أيضاً ،ال يتركز تركزا ً منتجا ً إال
بعد أن يوجد الفكر عن الكون واإلنسان والحياة وعما قبل
الحياة الدنيا وعما بعدها ،وعن عالقتها بما قبلها وما بعدها،
وذلك بإعطاء الفكرة الكلية عما وراء هذا الكون واإلنسان
والحياة ،ألنها القاعدة الفكرية التي تُبنى عليها جميع األفكار عن
الحياة .ذلك أن اإلنسان يشعر ويدرك أن الحياة هي حلقة ضمن
سلسلة متصلة الحلقات ،وبالتالي فهي جزء من كل ،لذلك كان
إعطاء الفكرة الكلية عن هذه األشياء هو حل العقدة الكبرى عند
اإلنسان ،والتي ما زالت تلح عليه منذ أن وجد على وجه
األرض ،وال زالت تقلقه مالم يحلّها .ومتى حلت هذه العقدة
الكبرى حلت باقي العقد ،ألنها جزئية بالنسبة لها أو فروع عنها.
فإذا ما حصل اإلنسان على هذا الحل فإنه يكون قد حصل
على العقيدة ،وعلى القاعدة الفكرية التي يبنى عليها كل فكر
فرعي عن السلوك في الحياة وعن أنظمة الحياة .وبعبارة أخرى
يكون قد حصل على "المبدأ".
فالمبدأ في اصطالح الناس جميعا ً هو الفكر األساسي
الذي تبنى عليه أفكار .وال يصح أن يسمى الفكر مبدأ إال إذا كان
فكرا ً أساسيا ً تنبثق عنه كل األفكار عن الحياة .والفكر األساسي
هو الذي ال يوجد قبله فكر مطلقاً .وهذا الفكر األساسي محصور
في الفكرة الكلية عن الكون واإلنسان والحياة وال يوجد غيرها
فكر أساسي ،ألن هذا الفكر هو األساس في الحياة.
88
وإن هذا المبدأ كفيل بأن ينهض باإلنسان ،إال أنه ال
ينهض به النهضة الصحيحة إال إذا كان حالً صحيحا ً يوافق
فطرة اإلنسان ،ويقنع العقل ،فيمأل القلب طمأنينة.
والمبدأ ال بد أن ينشأ في ذهن شخص ،إما بوحي هللا له به
وأمره بتبليغه ،وإما بعبقرية تشرق في ذلك الشخص .أما المبدأ
الذي ينشأ في ذهن إنسان بوحي هللا له به ،فهو المبدأ الصحيح،
ألنه من خالق الكون واإلنسان والحياة ،وهو هللا تعالى ،فهو
مبدأ قطعي الصحة .وأما المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص
بعبقرية تشرق فيه فهو مبدأ باطل ،ألنه ناشىء من عقل محدود
يعجز عن اإلحاطة بالوجود ،وألن فهم اإلنسان للتنظيم عرضة
للتفاوت واالختالف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها،
مما ينتج النظام المتناقض المؤدي إلى شقاء اإلنسان ،لذلك كان
المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص باطالً في عقيدته وفي نظامه
الذي ينبثق عنها { ،ات َّ ِبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وال تتبعوا من
دونه أولياء }(.)1
من هنا كان اإلسالم هو المبدأ الوحيد الصحيح في الدنيا،
فاإلسالم الذي أوحاه هللا تبارك وتعالى إلى نبيه محمد rوختم به
الرساالت عمد إلى العقدة الكبرى فحلها لإلنسان حالً يوافق
الفطرة ويمأل العقل قناعة والقلب طمأنينة.
فلقد بيّن اإلسالم أن وراء الكون والحياة واإلنسان خالقا ً
خلقها هو هللا تعالى ،ولذلك كان أساسه االعتقاد بوجود هللا
تعالى .واإليمان باهلل يجب أن يقترن باإليمان بنبوة محمد
-1سورة األعراف -اآلية 3
89
ورسالته ،وبأن القرآن الكريم كالم هللا ،فيجب اإليمان بكل ما
جاء به .ولهذا كانت العقيدة اإلسالمية تقضي بأنه يوجد قبل
الحياة ما يجب اإليمان به ،وهو هللا تعالى ،وتقضي باإليمان بما
بعد الحياة وهو يوم القيامة ،وبأن اإلنسان في هذه الحياة الدنيا
مقيد بأوامر هللا ونواهيه ،وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما قبلها،
ومقيد بالمحاسبة على اتباع هذه األوامر واجتناب هذه النواهي،
وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما بعدها .ولذلك كان حتما ً على
المسلم أن يدرك صلته باهلل تعالى حين القيام باألعمال -أي في
سلوكه -فيسيّر أعماله بأوامر هللا ونواهيه.
ومن أجل أن يسيّر اإلنسان أعماله وفق أوامر هللا
ونواهيه ،وحتى تكون العقيدة اإلسالمية قاعدة فكرية لمفاهيمه،
جعل هللا تعالى الشريعة اإلسالمية شريعة شاملة لكل نواحي
الحياة ،تنظم سلوك اإلنسان كله ،وتعالج جميع مشاكله وتنتظم
جميع أفعاله .فأعطى حكما ً شرعيا ً لكل فعل من أفعال العباد،
فإن أي فعل من أفعال العباد ينطبق عليه أحد األحكام الشرعية
الخمسة وهي :الوجوب والتحريم والندب والكراهية واإلباحة.
قال تعالى ّ { :
ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل شيء }(.)1
ومن مجموع تلك األحكام الشرعية تكونت أنظمة الحياة.
فعالوة على أحكام العبادات واألخالق والمطعومات
والملبوسات ،شرع لنا اإلسالم أنظمة للحياة والمجتمع والدولة،
بما في ذلك سياستها الداخلية ،من نظام للحكم واالقتصاد
واالجتماع والتعليم ،وكذلك سياستها الخارجية من أحكام الجهاد
-1سورة النحل -اآلية 89
90
والمعاهدات والحرب والسلم وغيرها .قال عز وجل { :اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم اإلسالم
دينا ً }(.)1
وبذلك كان اإلسالم المبدأ الوحيد الكفيل بإنهاض البشرية
النهضة الصحيحة وإيصالها إلى السعادة الحقيقية .وإن التاريخ
خير شاهد على هذه الحقيقة العظيمة .فالقرون التي شهدت
تطبيق اإلسالم بشكله الصحيح شهدت أعظم نهضة عرفها
النوع اإلنساني .وإذا أراد البشر اليوم – وعلى رأسهم المسلمون
أن ينعموا بنهضة تعلي اإلنسان وتكرمه وتوصله إلى السعادة،فعليهم أن يعيدوا المبدأ اإلسالمي إلى معترك الحياة من خالل
تطبيقه في المجتمع والدولة .عندها سيخرجون من دياجير الظلم
والظلمات إلى رحابة النور والعدل .وصدق هللا العظيم إذ قال :
{ هللا ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين
كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
}(.)2
-1سورة المائدة -اآلية 3
-2سورة البقرة -اآلية 257
91
ال إلــه إال هللا مـحمـد رسـول هللا
القاعدة الفكرية للمسلمين
قال تعالى { :يا أيها الذين آمنوا قد جاءكم برهان من
ربكم وأنزلنا إليكم نورا ً مبينا ً * فأما الذين آمنوا باهلل
واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه
صراطا ً مستقيما ً }(.)1
إن اإلنسان الراقي ،هو ذلك اإلنسان الذي يتخذ لفكره
قاعدة معينة يسير وفقها وتعيّن له وجهة نظره في الحياة وتجعل
من أفكاره بنيانا ً متكامالً ونسقا ً متناغماً ،فال تتضارب أفكاره
وال تتناقض وال يأكل بعضها بعضاً ،مما يجعل منه شخصية
متميزة ذات لون معين واتجاه ثابت وموقف حازم ورأي
واضح.
أما اإلنسان الذي ال يملك تلك القاعدة الفكرية فإنه يحمل
مزيجا ً من األفكار غير متجانس وال متكامل ،وإنما هو مزيج
من المتناقضات والمتنافرات .فكل فكرة تضرب األخرى وكل
رأي يأكل اآلخر .وهذا اإلنسان ال يثق بفكرة يحملها ،وال يجزم
برأي يصدره،وال يثبت على موقف يتخذه،وأفكاره هي دائما ً في
-1سورة النساء -اآليتان 175-174
92
مهب الريح ،عرضة ألن تتطاير مع أية نسمة تمر بها .وهذا ما
يجعل منه شخصية مضطربة متلونة ضعيفة ،إنها الشخصية
"المنخفضة".
لذلك أراد هللا عز وجل لعقيدة المسلمين أن تكون أساسا ً
لتفكير المسلم كله وسلوكه كافة .قال تعالى { :يا أيها الذين
آمنوا ادخلوا في السلم كافة }( .)1فالعقيدة اإلسالمية ليست
كسائر العقائد الدينية ،تتناول جزءا ً من تفكير اإلنسان وتلقي
بظاللها فقط على كمية محدودة من أفكاره .بل هي العقيدة
التي ال يتأتى لمسلم يعتنقها ويفهمها حق فهمها إال أن يبني كل
أفكاره وثقافته وآرائه عليها ،وأن ال يحمل أي رأي أو فهم
يناقضها ،وهذا ما يجعل من العقيدة اإلسالمية قاعدة فكرية.
وهكذا نفهم أول آية نزلت على رسول هللا { : rإقرأ باسم ربك
الذي خلق }(.)2
ومن هنا وجب على المسلم أن يستحضر عقيدته وما
تحويه وتقتضيه من أفكار ،حين يستمع ألي فكر ،وحين يقرأ أي
بحث ،وحين يرى أي حدث ويسمع أي خبر .وبذلك فإن ذهنه
لن يتقبل أي مفهوم يتعارض مع عقيدته التي يحملها.
فالعقيدة اإلسالمية هي الجواب الجازم على األسئلة
األساسية التي تشكل العقدة الكبرى لدى اإلنسان .إنها اإلجابة
القاطعة عن أصل اإلنسان والكون والحياة وعن مآلها ،وهي
التي تفسر لإلنسان معنى وجوده والغاية التي يحيا من أجلها.
-1سورة البقرة -اآلية 208
-2سورة العلق -اآلية 1
93
وبذلك كانت جديرة بأن تكون األساس لكل ثقافة اإلنسان
أو
والسراج الذي ينير له طريقه في حياته الدنيا ،قال تعالى َ { :
من كان ميتا ً فأحييناه وجعلنا له نورا ً يمشي به في الناس كمن
مثله في الظلمات ليس بخارج منها }( .)1وألن العقيدة
اإلسالمية هي العقيدة الصحيحة الحقة التي أوحاها هللا تعالى
إلى كل أنبيائه ،كانت كفيلة بأن تعطي اإلنسان موقفا ً من كل
فكر ورأي وحدث ،قال تعالى { :ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل
شيء }(.)2
انظر إلى هاتين اآليتين الكريمتين ،وهما تبينان هذه
السمة الجوهرية للعقيدة اإلسالمية.
{ ألم تر كيف ضرب هللا مثالً كلمة طيبة كشجرة طيبة
أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أ ُ ُكلَها كل حين بإذن ربها
ويضرب هللا األمثال للناس لعلهم يتذكرون }(.)3
إن الكلمة الطيبة التي تذكرها اآلية الكريمة كما فسرها
أغلب المفسرين هي العقيدة اإلسالمية ،قال ابن عباس :
"الكلـمــة الـطــيــبة ال إلـه إال هللا" ،وقال مجاهد وابن جريج :
"الكلمة الطيبة اإليمان"( .)4فاهلل تعالى يشبه اإلسالم بالشجرة
الطيبة الطاهرة ،فكما أن أصل تلك الشجرة ثابت في األرض
مكين قوي ،كذلك اإلسالم فإن عقيدته هي أصل مقطوع به
جازم يقيني ،صالح ألن يكون أساسا ً لكل فروعه من أحكام
-1سورة األنعام -اآلية 122
-2سورة النحل -اآلية 89
-3سورة إبراهيم -اآليتان 25-24
-4راجع تفسير القرطبي ،الجامع ألحكام القرآن -الجزء التاسع -ص 359
94
وأفكار وآراء ووجهة نظر .وكما هي تلك الشجرة التي ذكرتها
اآلثار النبوية أنها النخلة( )1تؤتي أ ُ ُكلها كل
اآلية والتي تذكر
ُ
حين ،فال تعرى من الورق ،ويأكل اإلنسان من ثمرها على
مدار السنة بلحا ً ورطبا ً وتمراً ،كما هي تلك الشجرة فكذلك
اإلسالم ،يؤتي أكله كل حين بإذن هللا تعالى ،فال يعجز عن
إمداد المسلم وإسعافه بالموقف الالزم إزاء أي فكر أو رأي أو
حدث من األحداث.
ثم بعد ذلك يأتي قوله تعالى { :يثبّت هللا الذين آمنوا
بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي اآلخرة ،)2(}...فتؤكد هذه
اآلية المعنى ذاته .فالقول الثابت كما يقول ابن عباس هو "ال
إله إال هللا" .فالعقيدة اإلسالمية هي التي تجعل من المسلم
إنسانا ً ثابتا ً وطيدا ً أمام كل استحقاقات الحياة.
وتأ ّم ْل في قوله تعالى { :ومن يؤمن باهلل يَ ْه ِد قلبه وهللا
بكل شيء عليم }( .)3فاهلل عز وجل يخـبرنا فـي هذه اآليــة
الكريمة أن اإليمان به -وبالتالي اإليمان بما أوجب من
العقائد -هو الذي يهدي قلب اإلنسان .والقلب حين يرد ذكره
في القرآن الكريم فإنه يراد به غالبا ً العقل ،قال تعالى { :أفلم
يسيروا في األرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها }( .)4وبذلك
يكون اإليمان باهلل مرشدا ً للعقل موجها ً له في كل ما يعترض
-1المرجع السابق ،جـ -9ص359
-2سورة إبراهيم -اآلية 27
-3سورة التغابن -اآلية 11
-4سورة الحج -اآلية 46
95
اإلنسان في حياته ،ولذلك ختم هللا تعالى اآلية بقوله { :وهللا
بكل شيء عليم } ،أي إن هللا هو الذي يعلم كل شيء وهو
القادر على أن يعلم اإلنسان ما يلزمه في حياته ،كما في قوله
تعالى { :واتّقوا هللا ويُعَ ِلّ ُمكم هللا }(.)1
هذه هي أهم سمة ميّزت المسلمين الذين حملوا اإلسالم في
صدر التاريخ اإلسالمي .فأولئك الصحابة الذين كانوا في
الجاهلية يحملون عقائد الكفر ويعبدون األوثان ويقارفون
ويحيون حياة االنحطاط والتخلف
الفواحش ويئدون البنات
ْ
ويتخلقون بأخالق القبلية العصبية الجاهلية ،أولئك تحولوا
بمجرد أن أصبحت العقيدة اإلسالمية قاعدة تفكيرهم إلى أناس
آخرين ،وكأن تلك األبدان أصبحت تحوي في داخلها نفوسا ً
أخرى غير تلك التي كانت تحويها .فإذا الرجل منهم يصبح
شخصية متميزة ترفض كل عقائد الجاهلية وتأنف عاداتها
الهابطة وتزدري مفاهيمها وتقاليدها البالية العفنة .وإذا بتلك
القاعدة الفكرية الجديدة تنير لهم طريق الرشاد وتكشف لهم
األشياء على حقيقتها والناس على قدرهم ،وتمأل عقولهم بثقافة
عظيمة هي بمثابة البنيان الشامخ والصرح العظيم الذي قام على
األساس المتين ،حتى اصبح الواحد منهم يوصف بحق بأن
سلوكه القرآن.
وبهذه القاعدة الفكرية ،وما انبنى عليها من أفكار وأحكام
وأنظمة ،استطاعوا أن يحدثوا ذلك االنقالب الشامل في جزيرة
العرب لتتحول من الوثنية المنحطة إلى اإلسالم الصرف النقي
-1سورة البقرة -اآلية 282
96
الصافي ،الذي ودع عليه الرسول rالمسلمين قائالً " :تركتكم
على ال َم َحجَّة البيضاء ليلها كنهارها ال يزيغ عنها إال هالك "(.)1
وبها أيضا ً انطلقوا خارج الجزيرة العربية فاتحين العالم،
ليواجهوا أمما ً تحمل في أذهانها وضمائرها ثقافات عريقة
وحضارات مزدهرة ،فما كان من هؤالء إال أن ألقوا سالحهم
وهجروا قواعدهم الفكرية مقبلين على عقيدة اإلسالم التي
انهارت أمامها كل الحضارات والثقافات ،ولم يصمد أمام
قوتها فكر وال دين.
ذلك أن هؤالء المسلمين األوائل حين واجهوا الثقافات
والحضارات األخرى ،عمدوا إلى قواعدها الفكرية فنسفوها من
أساسها .وميزوا بين ما يتعارض مع قاعدتهم الفكرية من تلك
المعارف فردّوه ورفضوه ،بل ونفوه من أذهان أصحابه ،وبين
ما يتوافق معها من المعارف فأخذوه واستفادوا منه وأسهموا في
إثرائه وإنمائه .فإنهم في الوقت الذي أخذوا فيه علوم الطب
والفيزياء والكيمياء والهندسة والحساب والفلك وعلوم اإلدارة
والفنون العسكرية والحربية والمالحية وغيرها من العلوم
واألشكال المدنية وجعلوها من أسباب قوتهم ،لم يفكروا في
اقتباس العقائد واألديان واألنظمة والتشريع واإلديولوجيات.
وإنه وإن وجد بعض الناس ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية
عرفوا زورا ً باسم الفالسفة المسلمين ،أو ممن تأثروا بالفلسفة
و ُ
الهندية أو بالفكر الفارسي ،إال أن هؤالء كانوا قلة عزلهم
-1رواه اإلمام أحمد في مسنده .126/4 -
97
المجتمع اإلسالمي ولم يعبّروا عن التيار الفكري لألمة
اإلسالمية آنذاك.
ولكن حين حلت بالمسلمين عصور انحطاطهم بدأوا
يغفلون عن تلك الميزة التي تميزت بها عقيدتهم من كونها
قاعدة فكرية ،فبدأوا يتقبلون األفكار واآلراء والمذاهب التي
تتعارض معها وتنافيها .فرأينا أناسا ً كثرا ً من المسلمين
يتكلمون في الفلسفة ويجرون وراءها رغم كونها تتعارض
من حيث األساس مع طريقة التفكير الصحيحة التي جاء بها
اإلسالم والتي طرح عقيدته من خاللها ،ورغم كونها تحوي
أفكارا ً تتعارض مع العقيدة اإلسالمية من حيث األساس،
وربما أوصل بعضها إلى الكفر.
ورأينا أناسا ً من المسلمين يتغنون باآلداب الجاهلية ثم
األوربيّة غافلين أو متغافلين عن معارضتها لوجهة النظر
اإلسالمية.
وعلوم النفس واالجتماع والتربية التي يظهر فسادها،
أصبحت تؤخذ وتدرس بكل راحة ضمير ،بل وتدرس أحيانا ً
في المعاهد الشرعية على الرغم مما فيها من أفكار فاسدة
ومخالفة لإلسالم عالوة على فساد منهجها.
وأصبح الدارسون للتاريخ ينجرفون مع علماء الغرب
وفالسفته في نظرتهم للتاريخ وفي تفسيرهم لحركة التاريخ،
وردها لهم
ويطبقون على تاريخهم اإلسالمي النظريات التي ّ
98
الغرب ،كأن يقولوا إن الحضارة اإلسالمية هي امتداد
للحضارات السالفة من جاهلية وهندية ويونانية ورومانية
وفارسية .بل وربما وجدت بعض المتدينين من الباحثين
والمؤرخين ينساقون مع النظرية التي ابتكرها بعض من
يسمون بعلماء "األنتروبولوجيا" من الغربيين والتي تدعي
بأن اإلنسان لم يكن في األصل مفكراً ،وبالتالي لم يكن هناك
ما يميزه عن البهائم ،وربما كان قرداً .وهي النظرية التي
تتوافق مع نظرية داروين عن النشوء واالرتقاء ،والتي
استساغ بعض الدارسين لعلم األحياء (البيولوجيا) من
المسلمين القول بها مع معارضتها لعقيدة اإلسالم من حيث
األساس.
أما الدارسون لما يسمى بالعلوم السياسية ،فلم يفرقوا بين
ما يتعارض مع قاعدتهم الفكرية من تلك المعارف وما ال
يتعارض معها ،أي لم يفرقوا بين الفكر السياسي وأنظمته من
جهة -والتي يحرم اإلسالم أخذها من غير الشرع -واألنظمة
والقوانين اإلدارية من جهة أخرى والتي يجوز أخذها كما أخذ
عمر بن الخطاب رضي هللا عنه نظام الدواوين .وباتوا
يأخذون األفكار واألنظمة السياسية من الشرق والغرب ،بل
ويصلون إلى حد إلصاقها باإلسالم ،كأن يقولوا بأن اإلسالم
ديمقراطي أو اشتراكي أو بأن نظامه نظام حر أو لبرالي أو
ما شاكل ذلك.
99
ومثلهم الدارسون لالقتصاد ،فإنهم لم يعودوا يفرقون بين
يحرم اإلسالم أخذها من غير الشرع
األنظمة االقتصادية التي ّ
وبين علم االقتصاد الذي يبحث في وسائل تنمية الثروة األهلية
وحل األزمات االقتصادية وما شاكل ذلك ،والتي يجوز أخذها
بشرط عدم مخالفة األحكام الشرعية .وراحوا يفاضلون بين
النظام االشتراكي والرأسمالي ليقرروا ما هو النظام األصلح،
غافلين عن أنهم يملكون أعظم نظام اقتصادي في العالم.
أما من حيث التشريع والقوانين ،فقد أصبح كثير من
المسلمين يستسيغون التحاكم إلى المحاكم التي تفصل
خصوماتهم بالتشريعات والقوانين الوضعية التي لم تنبثق عن
العقيدة اإلسالمية ،وأصبحوا يقبلون بأن يرعى الحكام شؤونهم
بتلك التشريعات والقوانين.
هذه نماذج قليلة جدا ً من التخبط الفكري الذي تعانيه األمة
اإلسالمية نتيجة تغييب العقيدة اإلسالمية كقاعدة فكرية من
الحياة ،فليس غريبا ً مع حال كهذه أن نرى المسلمين في هذه
الحالة من االنحطاط والتردي ،فقد فقدوا هويتهم وشخصيتهم
ومميزاتهم الحضارية ،فأنّى لهم أن يدّعوا النهضة مع كل هذه
المقَاتل ؟! فال سبيل للمسلمين اليوم ،من أجل العودة إلى سابق
عزهم وقوتهم ونهضتهم ،إال باعتماد العقيدة اإلسالمية قاعدةً
فكرية يبنون عليها من جديد صرحهم الفكري والحضاري.
100
اإلســـالم
نظــام الـحـيـاة والـمجتـمع والـدولـة
لقد اكتشف اإلنسان منذ أول تاريخه أن ليس بإمكانه
العيش وحيدا ً منفرداً ،وإنما هو بحاجة ألن يعيش ضمن جماعة
بشرية تقاسمه ذات الشعور واألحاسيس ،وتسعى لتحقيق نفس
األهداف والغايات التي يسعى لها.
ذلك أن هذا اإلنسان أدرك بشكل جازم أن كثيرا ً مما
يحتاجه إلشباع حاجاته ورغباته ولتأمين متطلبات حياته موجود
لدى اآلخرين .في الوقت الذي يملك هو فيه من الطاقات
واإلمكانيات والمواهب ما يحتاجه اآلخرون ،فهناك كثير من
استحقاقات الحياة يعجز اإلنسان عن مواجهتها بمفرده .من هنا
رأينا اإلنسان منذ القدم يعيش في جماعات بشرية كبيرة أو
صغيرة ،أطلق على هذه الجماعات اسم المجتمع.
في ذلك المجتمع يجتمع الناس ليتبادلوا المصالح والمنافع،
وتقوم بذلك بينهم العالقات الدائمية التي من شأنها أن تحافظ
على استمرارية تبادل المنافع والمصالح .ونتج عن ذلك
فوجد الفالح
تخصص الناس في المهن والحرف واألعمالُ ،
والصناعي والحرفي والبناء والتاجر الذي ينقل السلع بين الناس
والطبيب الذي يعالج أمراضهم والفنان الذي يرضي رغباتهم
101
ونزعاتهم ...وهكذا .قال تعالى { :نحن قسمنا بينهم معيشتهم
في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ
بعضهم بعضا ً سُخريا ً .)1(}...
وقد أدركت المجتمعات البشرية بشكل جازم أيضاً ،أن
المجتمع حتى تدوم عالقاته وال يتفكك وينهار ،ال بد له من نظام
هو بمثابة القواعد السلوكية التي يتقيد بها أعضاؤه والتي تنظم
العالقات بين الناس فيه وتعالج المشاكل الناتجة عن تلك
العالقات ،وأنه ال بد من قيام سلطة في ذلك المجتمع تقوم على
حفظ ذلك النظام وتطبيقه ورعاية شؤون المجتمع به وتمنع
مخالفته وتأخذ على يد مخالفيه .ألن الناس إن تركوا ليحقق كل
فرد منهم مصلحته كيفما أراد ولينال غاياته من اآلخرين على
مزاجه وهواه فإن المجتمع سيتحول إلى شريعة الغاب التي يأكل
القوي فيها الضعيف ،أو لتحول الناس إلى أسماك يأكل الكبير
منها الصغير ،وبالتالي سينهار المجتمع ويتحول عن كونه
مجتمعاً .من هنا رأينا الناس منذ فجر التاريخ يتعارفون داخل
مجتمعاتهم على نظام معين ويحرصون على تطبيقه ،ورأيناهم
دائما ً يذعنون لسلطة ترعى شؤونهم بهذا النظام وتفرض
االلتزام به على كل األفراد وتأخذ على يد المخالفين له .هذه
السلطة عرفت بالسلطة السياسية وعرفت أيضا ً بالدولة.
إال أن الناس وجدوا أنفسهم أمام مشكلة مهمة حيال ذلك
األمر ،أال وهي :من أين لهم هذا النظام ؟ فالقضية ليست أن
يلتزم الناس بمطلق نظام .فاألنظمة كثيرة متعددة .ولكل نظام
-1سورة الزخرف -اآلية 32
102
أثره في المجتمع ،فهناك نظام ينهض بالمجتمع ،وهناك نظام
ينحط به المجتمع .هناك نظام يؤدي إلى سعادة اإلنسان ،وهناك
غيره يؤدي به إلى الشقاء والتعاسة .مما يضع اإلنسان أمام
مسؤولية كبيرة ،أال وهي مسؤولية اختيار النظام الصحيح
والصالح الذي يؤدي بتنظيمه لعالقات الناس ومعالجته للمشاكل
الناتجة عن تلك العالقات إلى النهضة الصحيحة لتلك الجماعة
البشرية ،وبالتالي إلى السعادة والهناء والرفاهة.
ولم يكن كثير من المجتمعات على قدر هذه المسؤولية منذ
قديم التاريخ وإلى يومنا هذا ،حيث ال زال كثير من الشعوب
يعاني من آثار اختياره الخاطىء للنظام .وبما أن مسؤولية هداية
البشرية تقع على عاتقنا نحن المسلمين ،فال بد لنا من إيضاح
ي للحصول على النظام الصحيح .فنقول لها:
الطريق السو ّ
إن النظام ،إما أن يكون من عند هللا سبحانه خالق اإلنسان
والحياة والكون ،وإما أن يكون من عند اإلنسان نفسه .أي إما أن
يكون مصدره الوحي وإما ان يكون العقل .فأي المصدرين هو
المصدر الصحيح ؟
لقد طرح القرآن الكريم هذه المساءلة على البشر ليحثهم
على التفكير وإعمال الذهن ،فقال سبحانه { :قل أءنتم أعلم أم
هللا؟ }(.)1
واإلجابة البدهية على هذا السؤال ،هي أن الواقع
المحسوس يرينا أن عقل اإلنسان عاجز عن إبداع التشريع
-1سورة البقرة -اآلية 140
103
الصالح ألن يكون نظاما ً لحياة اإلنسان .ذلك ألن النظام
المطلوب هو النظام الذي يعالج مشاكل اإلنسان بوصفه إنساناً،
أي يعالج إشباع الحاجات العضوية والغرائز البشرية ،وهذه
الكوامن البشرية يعجز العقل البشري عن سبر أغوارها وإدراك
دقائقها حتى يعلم ما يصلح لها من نظام أو تشريع.
أما الخالق سبحانه وتعالى ،فهو الذي خلق اإلنسان
وغرائزه وحاجاته العضوية وكوامن نفسه ،فهو الذي يعلم ما
يصلح لهذه النفس من أنظمة ومعالجات .قال تعالى { :ولقد
خلقنا اإلنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من
حبل الوريد }( ،)1وقال سبحانه { :أال يعلم من خلق وهو اللطيف
الخبير }(.)2
وحين يشرع اإلنسان ويضع المعالجات ،فإنه في حقيقة
األمر ال يعالج مشاكل اإلنسان بوصفه إنساناً ،أي ال ينظم إشباع
الحاجات والغرائز ،وإنما هو يعالج مشاكل عرضية ظاهرية
ألمت باإلنسان في وقت من األوقات وفي مكان من األمكنة،
بحيث ال يصلح هذا النظام ألن يطبق في غير هذا المكان وذلك
الزمان .وغالبا ً ما يكون مخفقا ً حتى في معالجة المسألة
الجزئية ،وجالبا ً الضرر بدل العالج.
أما النظام اآلتي من عند هللا سبحانه ،فإنه تشريع لإلنسان
بوصفه إنساناً ،وبالتالي فهو صالح لكل زمان ومكان ،ألن
اإلنسان في غرائزه وحاجاته العضوية هو هو ال يتغير مهما
-1سورة ق -اآلية 16
-2سورة الملك -اآلية 14
104
تبدلت األزمان والعصور { ...فطرة هللا التي فطر الناس عليها
ال تبديل لخلق هللا .)1(}...
عالوة على ذلك ،فإن عقل اإلنسان عرضة للتفاوت
واالختالف والتناقض .ذلك أن ما يراه فالن صالحا ً من
التشريعات لإلنسان قد يراه غيره فاسدا ً خاطئا ً ،وبالتالي فإن كل
مشرع يضع نظاما ً يختلف عن اآلخر .كما أن ما يراه الشخص
نفسه اليوم صالحا ً قد يراه غدا ً فاسداً ،لذلك نرى المشرعين
دائما ً يعدّلون ويغيّرون تشريعاتهم بحيث أصبحت البشرية
بالنسبة لهؤالء كالفأر في المختبر يجربون بها نظرياتهم
وتشريعاتهم ،فاصطلت بنيرانهم وتقلبت على أشواكهم .وصدق
هللا العظيم إذ قال { :ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات
واألرض ومن فيهن .)2(}...
أما التشريع الذي يتلقاه اإلنسان من الوحي ،فإنه التشريع
الثابت الدائم الذي ال يطرأ عليه تعديل وال تبديل وال تغيير،
ألنه من الخالق العليم الحكيم الذي ال تأخذه سنة وال نوم.
وبعد ذلك التباين البعيد ،بين إنسان قاصر عاجز متأثر
فم َّم ْن
بأهوائه وبيئته ،وبين خالق عليم حكيم لطيف حي قيوم ِ :
يجدر بالبشرية أن تستقي نظامها ؟ أمن اإلنسان أم من هللا
تعالى ؟ وبعبارة أخرى :من العقل أم من الوحي ؟
-1سورة الروم -اآلية 30
-2سورة المؤمنون -اآلية 71
105
أنظر في هذه اآليات التي تحمل المساءلة واإلجابة
الصحيحة البدهية معا ً :
{ قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل هللا يهدي
للحق أفمن يَ ْهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن ال يَهدِي إال أن
}()1
يُهدى فما لكم كيف تحكمون
{ ومن أحسن من هللا حكما ً لقوم يوقنون }()2
{ أفمن كان على بينة من ربه كمن ُز ِيّن له سوء عمله
واتبعوا أهواءهم }()3
{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من هللا }()4
ثم اسمع إلى تلك اإلجابات القاطعة واألوامر الجازمة :
إن الحك ُم إال هلل أمر أال تعبدوا إال إياه ذلك الدين القيّم
{ ِ
ولكن أكثر الناس ال يعلمون }()5
{ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فال يضل وال
يشقى }()6
{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وال تتبعوا من دونه
أولياء }()7
-1سورة يونس -اآلية 35
-2سورة المائدة -اآلية 50
-3سورة محمد -اآلية 14
-4سورة القصص -اآلية 50
-5سورة يوسف -اآلية 40
-6سورة طه -اآلية 123
-7سورة األعراف -اآلية 3
106
{ وأن هذا صراطي مستقيما ً فاتبعوه وال تتبعوا السبل
فتفرق بكم عن سبيله }()1
من هنا جاء النهي الجازم في القرآن الكريم لإلنسان عن
التعدي على حق هللا تعالى في التشريع للبشر ،وجاء الذم
الشديد والوعيد لمن يشرع فيحل ويحرم من عند نفسه :
{ وال تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حالل وهذا حرام
لتفتروا على هللا الكذب إن الذين يفترون على هللا الكذب ال
يفلحون }()2
{ قل أرأيتم ما أنزل هللا لكم من رزق فجعلتم منه حراما ً
وحالالً قل آهلل أذن لكم أم على هللا تفترون }()3
{ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من
أضل هللاُ وما لهم ناصرين *فأقم وجهك للدين حنيفا ً فِ ْط َرتَ هللا
التي فطر الناس عليها ال تبديل لخلق هللا ذلك الدين القيم ولكن
أكثر الناس ال يعلمون}()4
وقد أنزل هللا تعالى على رسوله محمد rشريعة جعلها
نظاما ً لإلنسان في حياته ومجتمعه ودولته ،وبناها على عقيدة
تعطي فكرة كلية عن الكون واإلنسان والحياة ،وتشكل قاعدة
فكرية لكل أفكار اإلنسان وقيادة فكرية لسلوكه في الحياة .قال
تعالى { :يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم
نورا ً مبيناً ،فأما الذين آمنوا باهلل واعتصموا به فسيدخلهم في
-1سورة األنعام -اآلية 153
-2سورة النحل -اآلية 116
-3سورة يونس -اآلية 59
-4سورة الروم -اآلية 30
107
رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا ً مستقيما ً }( ،)1وقال
سبحانه { :قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين * يهدي به هللا
من اتبع رضوانه سبل السالم ويخرجهم من الظلمات إلى النور
بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }(.)2
وجعل سبحانه شريعته نظاما ً شامالً لجميع نواحي الحياة،
حيث نظمت كل السلوك اإلنساني ،سواء كان هذا السلوك عالقة
بين اإلنسان وخالقه ،أو بين اإلنسان ونفسه ،أو بين اإلنسان
واإلنسان .قال تعالى { :ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل شيء
}(.)3
فقد نظم اإلسالم عالقة اإلنسان بخالقه حين بين له العقائد
وشرع له العبادات .ونظم عالقته بنفسه حين شرع له األخالق
وأحكام المطعومات والملبوسات .ونظم عالقته بغيره من سائر
البشر حين شرع أحكام المعامالت والعقوبات التي شملت كل
الميادين البشرية في الحياة والمجتمع والدولة ،قال تعالى:
{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
اإلسالم دينا ً }(.)4
فاإلسالم ليس مجرد دين روحي ينظم عالقة اإلنسان
بخالقه وبنفسه بمجموعة من العبادات واألخالق كما يظن بعض
الناس وكما يريده البعض اآلخر ،بل هو دين شامل ونظام
-1سورة النساء -اآلية 174
-2سورة المائدة -اآلية 16
-3سورة النحل -اآلية 89
-4سورة المائدة -اآلية 3
108
كامل .والعقيدة اإلسالمية عالوة على كونها عقيدة روحية ،هي
عقيدة سياسية .فقد انبثق عنها نظام لإلنسان في حياته ومجتمعه
ودولته .وأوجب اإلسالم على المسلمين أن تكون لهم دولة
تحكمهم بما أنزل هللا تعالى .قال سبحانه { :إنا أنزلنا إليك
الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك هللا }( .)1وقال { ومن
لم يحكم بما أنزل هللا فأولئك هم الكافرون }( .)2ونظم هذه الدولة
حين شرع أنظمة للحكم واالقتصاد واالجتماع ،وحين رسم
سياسة للتعليم ،وحين أعطى نظاما ً للعقوبات وأحكاما ً للبينات
وحين رسم السياسة الخارجية للدولة.
وقد حرم هللا تعالى على المسلمين -بعد أن جاءتهم هذه
عدَّ
الهداية -أن يأخذوا أنظمة البشر والقوانين الوضعية ،حيث َ
كل شرع سوى شريعته طاغوتاً.
فقال سبحانه {:ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما
أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى
الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم
ضالالً بعيدا ً }(.)3
الســعــادة :
-1سورة النساء -اآلية 105
-2سورة المائدة -اآلية 44
-3سورة النساء -اآلية 60
109
نـيـل رضـوان هللا تـعـالـى
إن السعادة هي األمل والغاية التي يسعى إليها كل إنسان
عاش على هذه المعمورة ،بغض النظر عن انتمائه أو لونه أو
عرقه أو حتى شخصيته.
فكل إنسان يتمنى أن يحصل على السكينة النفسية
والطمأنينة الدائمة .ولكن الفرق بين إنسان وآخر ،أو بين
شخصية وأخرى ،أو حتى بين مجتمع وآخر ،أن كالً من هؤالء
يفهم السعادة على نحو ،وبالتالي يسعى لتحقيقها بطريقته
الخاصة .وهذا يعني بالطبع أن ليس كل هؤالء حققوا السعادة،
ذلك أن للسعادة مفهوما ً واحدا ً صحيحاً ،ولتحقيقها طريقة واحدة
ال ثاني لها ،وكثير من الناس فهموا السعادة بغير ذلك الفهم
وسعوا لها بغير تلك الطريقة فضلّوا سبيلها.
إن الذين قضوا حياتهم في عبادة األوثان والكواكب
واألبطال ،والذين قضوا ساعات نهارهم وليلهم في الزوايا
يتعبدون ويتبتلون ،وأوالء الذين قضوا حياتهم في تحقيق
الثروات الضخمة أو هؤالء الذين قضوها سعيا ً وراء اللذة
والشهوة واإلدمان على الخمور والمخدرات ،وأولئك الذين
يصبحون ويمسون على ممارسة الجريمة بشتى أنواعها ...كل
أولئك يفعلون ما يفعلون أمالً بالوصول إلى السعادة ،وألنهم
فهموا أن ذلك النمط من الحياة هو السعادة أو الموصل إلى
السعادة.
110
حتى أولئك الذين يأخذون القرار باالنتحار ،فإنهم يفعلون
ذلك أمالً بالحصول على السعادة ،باختراق ذلك الجدار الذي
يحد حياتهم ،أو على األقل هم يحاولون الهروب من التعاسة
التي تمثلت في الدنيا ،لعلهم يجدون السعادة فيما وراءها.
إن معظم المذاهب المادية التي تسود العالم اليوم -وعلى
رأسها الحضارة الغربية -تنظر إلى اإلنسان بوصفه كائنا ً حيا ً
يتمتع بطاقة حيوية ناتجة عن غرائزه وحاجاته العضوية ،وأن
مشكلته تكمن في تمكنه من اإلشباع المادي لتلك الجوعات ،وأنه
بقدر ما يشبعها يسعد .فالسعادة تعظم بكثرة اإلشباع وتنقص بقلة
اإلشباع.
من هنا كانت الحرية الشخصية من األشياء المقدسة لدى
الحضارة الغربية ،ألن السعادة لديهم هي "نيل أكبر قدر من
المتع الجسدية" ،وال يتأتى تمكين اإلنسان من تحقيق السعادة إال
بتركه يفعل ما يريد ويشتهي دون حدود أو ضوابط ينضبط بها.
لذلك كان من الطبيعي أن نرى المجتمع على هذه الحال
من الفوضوية في السلوك الشخصي ،حيث لم يعد اإلنسان هناك
يفكر في تنظيم إشباعاته ،وإنما أطلق لغرائزه العنان وبدأ يبحث
عن وسائل جديدة لإلشباع ،وتمادى في االنسياق وراء الغريزة،
ولم يعد عقله إال أداة لإلبداع في فنون اإلشباع واللذة .فانتشر
الشذوذ الجنسي وزنا المحارم ،ووصل األمر برجالهم ونسائهم
إلى مواقعة البهائم ،وكثرت أنواع المخدرات والخمور وما
شاكلها.
111
وبما أن المال هو من أهم الوسائل لتحقيق المتعة ،أصبح
تحقيق الثروات الضخمة من أبرز المثل العليا في المجتمع
الغربي .وبما أن فكرة الحريات سيطرت على عقول الغربيين،
فلقد أصبح يحق لإلنسان أن يكسب ماله بالطريقة التي يريد،
سواء عن طريق التجارة أو الربا ،عن طريق اإلجارة أو العهر،
عن طريق الصناعة أو القمار .وإذا كان النظام الرأسمالي قد
حد حرية اإلنسان فقال :إن الحرية تنتهي حيث يبدأ االعتداء
على اآلخرين ،فإنه لم يستطع أن يوقف أكثر الناس عند ذلك
الحد ،ذلك أن فكرة الحريات كانت أقوى سلطانا ً على العقلية
الغربية من بنود القانون ،فال يمتنع اإلنسان الغربي عن االعتداء
إال حين يطاله القانون.
لذلك كثرت العصابات المنظمة كالمافيا وراجت تجارة
المخدرات وأنواع الحشيش ،واستشرت ظاهرة االعتداء على
األعراض واألموال واألرواح ،رغم مالحقة القانون والشرطي.
وبما أن الشهرة والنفوذ هما أيضا ً من الوسائل المهمة
لتحقيق المتعة لإلنسان أصبحا من أسمى الغايات لدى اإلنسان
الغربي .من هنا فإن أسعد إنسان في نظر الحضارة الغربية
وأتباعها هو ذلك الذي حاز أعظم قدر من المال والسلطة
والشهرة.
كل ذلك أدى إلى أن يصبح المجتمع الغربي كالغابة التي
يأكل القوي فيها الضعيف .حيث يتسابق الناس على الرغيف
ليكون آكله هو الرابح الذي يستحق االحترام والتقدير،
112
ويتزاحمون على المناصب ليعتليها القوي ،وعلى السلطة
ليتسلمها األقوى.
وهكذا ،بدأ المجتمع الغربي اليوم يدرك أن الباب الذي
طرقه ابتغاء السعادة ،أوصله إلى التعاسة والشقاء والض ْنك.
كل هذه المظاهر كانت نتيجة أن هؤالء قد غفلوا عن
أمور جوهرية ثالثة فيما يتعلق بإشباع الجوعات اإلنسانية ؟
أولها ،أنه إذا كانت الحاجات العضوية كاألكل والشرب
والنوم ،وبعض الغرائز كغريزة النوع والبقاء تشبع إشباعا ً
مادياً ،فإن غريزة كغريزة التدين ليس من شأنها أن تشبع إال
إشباعا ً روحياً ،بوصفها شعورا ً بالحاجة إلى الخالق المدبر
وتوجها ً نحو إقامة الصلة معه .فلما أغفل الغربيون أمر القيمة
الروحية أحدثوا فجوة كبيرة في الوجدان البشري جعلته كاللطيم
في هذه الحياة.
أما الثاني ،فإن المشكلة المهمة فيما يتعلق بالحاجات
العضوية والغرائز ،إنما هي كيفية اإلشباع وليس اإلشباع بحد
ذاته .فاألمر الطبيعي بالنسبة لإلنسان أن تتيسر له وسائل
اإلشباع ،فهو يجد الطعام الذي يأكله واللباس الذي يلبسه والمال
الذي يريد والجنس الذي يشتهي ،ويستطيع أن يستخدم األشياء
التي حوله لإلشباع في أي وقت يشاء .فالحاالت التي تكون فيها
وسائل اإلشباع نادرة ومفقودة هي حاالت استثنائية غير طبيعية
تعالج في أوانها.
أما كيفية اإلشباع ،أو تنظيم اإلشباع ،فهو الذي من شأنه
أن يؤدي إما إلى سعادة اإلنسان وإما إلى شقائه.
113
فالقضية ليست :هل يأكل الناس أم ال يأكلون أم كم
يأكلون ،وال هل يلبسون أم ال ،وال كم يتملكون ،وال هل يعاشر
رجالهم نساءهم أم ال يتعاشرون ،بمعنى آخر ،ليست :هل
يعيشون أم ال يعيشون .بل القضية هي :ماذا وكيف يأكل الناس
وكيف يلبسون ،وكيف يتملكون وكيف يتعاشر رجالهم
ونساؤهم .بمعنى آخر القضية هي :كيف يعيشون ؟
أما األمر الثالث ،الذي غفلوا عنه ،فهو أن اإلنسان قد
يشبع غريزته ويتمادى في إشباعها بحيث تطغى على األخرى
وتحول دون إشباعها ،فال يعود هناك تناسق بين الغرائز عند
إشباعها ،فيؤدي ذلك باإلنسان إلى االضطراب والحيرة والقلق،
أي إلى الشقاء كما هو شأن اإلنسان الغربي اليوم.
إن الطريقة الصحيحة لتحقيق السعادة لإلنسان تكمن في
إشباع حاجاته وغرائزه إشباعا ً منظما ً منسقا ً يوازي بين الغرائز
بحيث ال يغفل غريزة ،وال يدع واحدة تطغى على األخرى.
وإن أهم ما يجب التنبه إليه هو أن أبرز غريزة في
اإلنسان وأظهرها أثرا ً على سلوكه هي غريزة التدين .ذلك أن
اإلنسان حين يعي على هذه الحياة الدنيا ،ويرى نفسه مدفوعا ً
إلشباع جوعاته يدرك فطريا ً أن النعمة تحيط به من كل
جانب ،ذلك أن وسائل إشباع جوعاته مسخرة له ومتيسرة من
قبل أن يكون على قيد الحياة ،فالهواء والماء والطعام
والحرارة المعتدلة وسواها من وسائل العيش التي ال حياة له
س ّخرت دون أي فعل منه أو جهد ،فيجد
من غيرها ،أُمنت له و ُ
نفسه مدفوعا ً للبحث عن صاحب تلك القدرة التي أنعمت عليه
بالحياة وأسبغت نعمها ظاهرة وباطنة ،من أجل أن يعرب عن
114
شكره وامتنانه عابدا ً إياه ومبجالً ،مقدسا ً له ومتذلالً .لذلك
رأينا اإلنسان منذ قديم الدهر عابدا ً متدينا ً حتى إذا ضل عن
معرفة خالقه سبحانه اتخذ رموزا ً وأوثانا ً آلهة مزعومة
يعبدها.
ثم إن ذلك اإلنسان حين يقف أمام استحقاق العيش يشعر
بالحيرة والقلق :كيف أشبع جوعاتي ،كيف أعيش ،كيف
أستخدم األشياء من حولي وكيف أواجه الحياة ؟ فيشعر أنه
ناقص عاجز عن تدبير أمره وحياته ،وأنه بحاجة إلى تدبير
خالقه سبحانه ،فيلجأ إليه طالبا ً منه تدبير أمره وحياته كلها.
وباختصار ،إن غريزة التدين -التي هي جوهر الفطرة
اإلنسانية -هي ذلك االحتياج إلى الخالق المدبر ،الناشىء عن
العجز الطبيعي في تكوين اإلنسان.
وهكذا ،إن أغفلت هذه الناحية الجوهرية في اإلنسان،
ووضع على طريق اإلشباع المادي البعيد عن إدراك الصلة
باهلل تعالى -أي بعيدا ً عن الروحانية -فإنه سيبقى قلقا ً مضطربا ً
حائرا ً تعيسا ً نكدا ً ينشد السعادة فال يجدها ،كمن يركض وراء
السراب.
لنتأمل اآلن قوله تعالى عن هؤالء { :والذين كفروا
أعمالهم كسراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم
يجده شيئا ً ووجد هللا عنده فوفّاه حسابه وهللا سريع الحساب *
لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه
أو كظلمات في بحر
ّ
115
سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها
ومن لم يجعل هللا له نورا ً فما له من نور }(.)1
من هنا كان تصوير اإلسالم للسعادة هو التصوير
الصحيح ،وكان طريقه هو المؤدي إلى سعادة اإلنسان .ذلك أنه
وافق فطرة اإلنسان فأشبع غريزة التدين إشباعا ً صحيحا ً حين
عرف اإلنسان بخالقه سبحانه وأقام له الصلة الصحيحة معه بما
ّ
بيّن من عقائد وشرع من عبادات .ثم حين دبر له أمره وحياته
بما شرع من أنظمة للحياة تنظم إشباع جوعاته كلها ،فلم يطلق
الغرائز وإنما نظمها ونسقها ووضعها في المسار الصحيح.
وبذلك أصبح اإلنسان المسلم مسيرا ً حياته بأوامر هللا ونواهيه.
لذلك ،فإن اإلنسان بقدر ما يلتزم بأوامر هللا ونواهيه،
وبقدر ما ينضبط سلوكه بالنظام اإللهي ،يحقق لنفسه السعادة.
وهكذا ندرك المفهوم الصحيح للسعادة بأنها نيل رضوان هللا
تعالى ،وأن التعاسة هي في البعد عن رضوانه سبحانه.
وهذا ما يخبرنا به ربنا سبحانه وتعالى حين يقول :
{ قد جاءكم من هللا نور وكتاب مبين * يهدي به هللا من
اتبع رضوانه سبل السالم }(.)2
{ من عمل صالحا ً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه
حياة طيبة }(.)3
هدى فمن تبع هداي فال خوفٌ عليهم
{ فإمّا يأتينّكم مني
ً
وال هم يحزنون }(.)1
-1سورة النور -اآليتان 40-39
-2سورة المائدة -اآليتان 16-15
-3سورة النحل -اآلية 97
116
{ إن الذين قالوا ربنا هللا ثم استقاموا فال خوف عليهم
وال هم يحزنون }(.)2
ثم يعرض هللا تعالى لنا مقابلة بين الفريق السعيد وذلك
الشقي ،فيقول :
يض ُّل وال يشقى ومن أعرض عن
{ فمن اتّبع هداي فال ِ
ذكري فإن له معيشةً ضنكا ً }(.)3
وبذلك المفهوم ،فإن السعادة قد تكون مع التنعم وزينة
الحياة الدنيا وزخرفها إذا ما أقبل اإلنسان عليها ملتزما ً أوامر
هللا ونواهيه منضبطا ً بحدود شرعه .أما إن هو أقبل على الدنيا
معرضا ً عن أمره سبحانه مقتحما ً حرماته ،فإنه لن يشعر
بالسعادة مهما ادعاها ،ذلك أن نفسه لن تستقر وقلبه لن يطمئن،
إذ ال طمأنينة دون استشعار رضوان هللا تعالى.
وبذلك أيضاً ،قد تترافق السعادة مع الضيق واالبتالء
والشدة ،فالمسلم حين يقاتل في ساحة المعركة معرضا ً دمه
لإلهراق ونفسه لإلزهاق فإنه يشعر بعظيم النشوة والفرح ،ذلك
أنه يستشعر رضوان هللا تعالى بقيامه بأعظم شعيرة من
شعائره ،وبالجهاد من أجل أن تكون كلمة هللا هي العليا .وكذلك
شأنه حين يتعرض لالضطهاد والتنكيل من أجل كلمة الحق
والموقف المبدئي .فها هو بالل رضي هللا عنه يشعر بالنشوة
-1سورة البقرة -اآلية 38
-2سورة األحقاف -اآلية 13
-3سورة طه -اآلية 124
117
والعزة وهو تحت الصخرة فوق رمال الصحراء المحرقة
مصرا ً على ترديد "أحد أحد".
ثم ها هو سيدنا يوسف عليه الصالة والسالم يضرب لنا
المثل الرائع حين يفضل السجن المترافق مع رضوان هللا تعالى
على المتعة المترافقة مع سخطه سبحانه ،فحين تهدده زوجة
العزيز قائلة { :ولقد راو ْدتُهُ عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل
َّ
ليسجنن وليكونا ً مّن الصاغرين }( ،)1يجيب ذلك
ما آمره به
ُ
إلي مما يدعونني
السجن أحبُّ
ّ
الجواب الرائع { :قال َربّ ِ
إليه .)2(}...
ويؤكد هللا تعالى أن ال سعادة بغير رضوانه حين يقترن
وعده بالجنة ونعيمها في العديد من اآليات ،برضوانه سبحانه،
وكأن نعيم الجنة ال يكتمل إال بذلك الرضوان فيقول عز من قائل
:
{ وعد هللا المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها
األنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان
من هللا أكبر ذلك هو الفوز العظيم }(.)3
{ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها األنهار
خالدين فيها أبدا ً رضي هللا عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي
ربه }(.)4
-1سورة يوسف -اآلية 32
-2سورة يوسف -اآلية 33
-3سورة التوبة -اآلية 72
-4سورة البينة -اآلية 8
118
الــروح والناحية الــروحـيـة
منذ قرون بعيدة ،وقبل ظهور اإلسالم ،وحتى قبل
المسيحية ،سادت لدى بعض الشعوب فكرة عن الوجود،
مؤداها أن هذا الوجود إنما هو مكون من عنصرين اثنين :
المادة والروح .فما يراه اإلنسان حوله من األشياء المحسوسة
إنما هو الجانب المادي من الوجود .وأما الجانب اآلخر المغيب
عن اإلنسان عادة فهو الروح أو العالم الروحاني .ويرون أن
ع َرضا ً
الجوهر في الوجود هو "روحه" ،وأن مادته ليست إال َ
له .ضمن هذه الفلسفة تعددت األفهام في تحديد العوالم
الروحانية ،بين من يطلق عبارة الروح على خالق الوجود
سبحانه ،ومن يدرج ضمنها المالئكة أو الجن أو غير ذلك من
"األرواح".
المهم في تلك الفلسفة نظرتها إلى اإلنسان .فهي النظرة
ذاتها ،أي تصوير اإلنسان مكونا ً من عنصرين اثنين :المادة -
وهي الجسد -والروح .ولقد ساد لدى هؤالء اعتقاد مفاده أن
هذين العنصرين هما في صراع دائم ناتج عن تناقضهما
وتنافرهما .وهذا الصراع بين الجسد والروح سيسفر لدى كل
إنسان عن أحد أمرين؛ إما أن تتغلب الروح على الجسد ،وإما
أن يتغلب الجسد على الروح .فإن انتصرت الروح على الجسد
فقد ُوجد اإلنسان الخيّر الطيب والنقي التقي الذي يسمو فوق
119
عالم الجسد والمادة ونتن الحياة الدنيا .أما إن انتصر الجسد
على الروح ،فهذا يعني أننا إزاء إنسان شرير انحط إلى
مستوى البهيمة وغرق في أوحال الدنيا ونتنها ،وبعد عن عالم
األرواح السامية.
أما كيف تنتصر الروح على الجسد ،وكيف ينتصر الجسد
على الروح ؟ فإن اإلنسان -في نظر هؤالء -هو عبارة عن
روح يأسرها الجسد ويمنعها من االرتقاء والتحرر والسمو إلى
عالم األرواح العليا .فحتى تنتصر الروح على الجسد ال بد من
إضعافه وقهره وإذالله حتى ال يقوى على الروح ،وحتى
تستطيع التفلت منه والتحرر من قيوده .لذلك ،فإن على من يريد
االرتقاء بروحه أن يقضي حياته في معركة ضد جسده ،بأن ال
يستجيب لرغباته وشهواته ،فيبتعد عن متاع الحياة الدنيا
وزخرفها ونعيمها ،فال يأكل إال ما يقيم صلبه من مر الطعام
وزهيده ،وال يلبس نواعم الثياب ،وإنما يضع على كاهليه رقاع
"الصوف" الخشن والثياب الرثة ،وال يركب الدوابّ الذلول
وإنما يسيح في األرض حافي القدمين حاسر الرأس في نوائب
األيام وعواتي الليالي ،وال يسكن البيوت الفارهة وإنما الدور
الوضيعة واألكواخ الزرية ،وال ينام على الفرش وال يتكئ على
األرائك وإنما يفترش األرض والبسط اليابسة ،ويهجر الرجل
المرأة والمرأة تهجره ،ويكبتان شهوة النوع ،ويعيش حياة
الرهبان ،ويقضي أوقاته في قهر الجسد وإذالله في الزوايا
والتكايا ودور العبادة ...وهكذا إلى أن يصل ضعف الجسد حدا ً
ال يقوى معه على أسر الروح ،فتنفلت منه وتسمو إلى عالم
األرواح العلوي وتتكشف الحقائق والقضايا أمام ذلك اإلنسان
120
جلية واضحة ،ليس عن طريق الحواس الجسدية من بصر
وسمع وغير ذلك ،وإنما عن طريق الكشف "الوجداني" .وهكذا
تتدرج تلك الروح في االرتقاء إلى أن تصل -في زعم هؤالء -
إلى االتحاد بالروح العليا أي بالذات اإللهية تعالى هللا عن ذلك.
أما اإلنسان الذي يستجيب ألهواء جسده ،ويشبع رغباته
وشهواته ،وينال متع الحياة الدنيا ويأكل من طيبات ثمرها ويأخذ
من زينتها ،فقد حكم على روحه بالموت والفناء مع ذلك الجسد،
وغرق في أوحال الدنيا ومادتها وأصبح في عداد األشرار
الفاسقين.
هذه الفلسفة التي سادت وصاغت نمط العيش في المجتمع
الهندي والمجتمع الصيني منذ قديم العصور وال زالت إلى اليوم
تلقي بظاللها على تلك المجتمعات ،والتي تسللت إلى أذهان
بعض الفالسفة اليونان وكتبهم وآرائهم ،كان لها تأثير عظيم في
انحراف العقيدة النصرانية وتعاليمها ،وبالتالي كان لها أثر
عظيم في مجتمعات أوربّا في العصور الوسطى .ذلك أن الديانة
النصرانية حين انتشرت في بالد الشام وبعدها في أنحاء
اإلمبراطورية الرومانية ،أي في البالد األوربّية ،تأثر أتباعها
من قساوسة وأحبار بالفلسفات التي تشعبت أفكارها وأوهامها
وغزت أذهان الناس وشوشتها ،فانقلبت تلك الديانة السماوية بعد
تدخل القياصرة والحكام والفالسفة ،ديانة أخرى جديدة .فكان
مما دخل فيها ،تلك الفلسفة عن الروح والجسد ،وقد صادفت
لدى النصارى تناغما ً مع العقيدة التي تقول إن الحياة كلها منذ
نزول آدم وحواء إلى األرض وحتى يوم القيامة إنما هي مرحلة
عقاب على الخطيئة األولى التي ارتكبها آدم عليه السالم
121
وزوجه حواء ،لذلك فإنه ال يحق لإلنسان أن يبحث عن
االستقرار والهناء والرفاهة في الدنيا ،وإنما عليه أن يقنع بالذلة
والشقاء والعذاب في الدنيا إلى أن يلقى السعادة والنعيم في
الحياة اآلخرة" ،فكانوا لذلك يرون في كل لذة من ملذات
الحواس غواية من غوايات الشيطان ،ولهذا أخذوا ينددون بعالم
الجسم ويعملون لكبت الشهوات بالصوم وبكثير من أنواع
التعذيب البدني"(.)1
وهكذا ومع انتشار النصرانية في البالد األوربيّة أخذت
تلك الفلسفة تنعكس على الحياة والمجتمع والسياسة ،فكان أن
نشأ إلى جانب السلطة السياسية التي يعلوها الملك ويليه األمراء
واإلقطاعيون ،سلطة جديدة هي سلطة الكنيسة التي يترأسها
الحبر األعظم (البابا) في روما حيث "الكرسي الرسولي".
وهكذا تنازعت المجتمع سلطتان :السطلة الزمنية و السلطة
الروحية ،وجاءت عبارة الزمنية هنا كمرادف لعبارة المادية،
وبما أن المادة والروح هما في صراع دائم حتى تتغلب إحداهما
على األخرى ،فقد كان من الطبيعي أن ينشب الصراع في
أوربّا فيما بين السلطتين الزمنية والروحية.
في العصور الوسطى ،عصور التدين ،كان من الطبيعي
أن تنتصر السلطة الروحية على السلطة الزمنية ،إلى حد أذل
بعض الملوك واألباطرة ومرغ أنوفهم في التراب ،فكان
اإلمبراطور أو الملك الشرعي هو ذلك الذي يقلده بابا روما
سلطة الحكم على الرعايا فيحكم الملك رعاياه بتفويض إلهي
-1ول ديورانت -قصة الحضارة -جـ - 11ص .282
122
تمثل في التقليد العلماني الذي ناله من رأس الكنيسة
الكاثوليكية ،والويل للملك أو األمير الذي ينزل به غضب
الكنيسة ويصدر بحقه قرار حرمان كنسي .وكان نجاح الحروب
الصليبية التي حض عليها أحبار روما العظام -وقد استهدف
معظمها بالد المسلمين في الشام وشمال إفريقية -من العوامل
التي عززت موقع الكنيسة وسلطتها على أوربّا في العصور
الوسطى .إال أن القرون توالت لتوهن من قبضة الكنيسة وليعود
الملوك واألمراء للتفلت من عقالها من جديد .فمع أفول نجم
الحروب الصليبية واستنفاد أغراضها ،عادت كفة السلطة
الزمنية ترجح على كفة السلطة الروحية ،وفي العصور الحديثة
أي بين بداية القرن السادس عشر ونهاية القرن الثامن عشر -ضعف تأثير الدين إلى حد ما على المجتمع وسطع نجم فالسفة
"التنوير" ،في أوربّا ،وفقدت الكنيسة ذلك السلطان الذي نعمت
به خالل العصور الوسطى ،وأصبحت مجرد مبرر لسلطة
الملوك واألمراء الحاكمين .ومع بداية القرن التاسع عشر تم
فصل الدين عن المجتمع والدولة نهائياً ،وأقصيت الكنيسة عن
التدخل في شؤون السياسة والحكم ،وأصبحت مهمتها قاصرة
على الكهنوت وشؤون العبادة والزواج وما شاكلها ،وأصبح
للكنيسة دولة الفاتيكان الروحية التي تتولى رعاية الشؤون
الكهنوتية للنصارى الكاثوليك في العالم كله.
وهكذا توزعت رعاية شوؤن الناس بين سلطتين
منفصلتين ،سلطة تحكم المجتمع وعالقاته وتسيّر شؤون
السياسة الداخلية والخارجية ،وسلطة تتولى رعاية الشؤون
الدينية والكهنوتية بمعزل عن السلطة الزمنية.
123
هذا هو أثر فلسفة المادة والروح تلك على بعض األمم
والشعوب منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا .والسؤال الذي
يطرح نفسه بقوة بعد هذا العرض هو :ما مدى صحة تلك
الفلسفة ؟ ثم ما هو رأي اإلسالم في هذه المسألة ؟
إن كثيرا ً ممن تصدوا لبحث هذا الموضوع من المسلمين،
لم يبحثوا المشكلة من جذورها ،وظنوا أن خالفهم مع أصحاب
تلك الفلسفة ليس هو من حيث األصل وإنما هو خالف في
التفصيل والتفريع والبناء .أعني أن معظمهم سلموا مع
خصومهم بأن اإلنسان مكون من جسد وروح ،ثم نازعوهم في
الكيفية التي يجب أن يعامل بها الجسد والروح ،فقال كثير منهم
إن اإلسالم حافظ على التوازن ما بين الروح والجسد ،بحيث
أعطى لكل منهما غذاءه وما يتطلبه دون أن يطغى أحدهما على
اآلخر ،فغذى الروح باإليمان والعبادات واألذكار والقربات،
ونظم غذاء الجسد بما شرعه من أحكام المطعومات
والملبوسات والزواج وغيرها.
ولكننا نقول :إن معالجة مشكلة حساسة كهذه تتطلب
مزيدا ً من الدقة والعمق في محاكمة األفكار واآلراء المطروحة
فيها .فيُطرح السؤال لمحاكمة األساس الذي تقوم عليه تلك
الفلسفة :هل اإلنسان مكون حقا ً من المادة والروح ؟
إن االلتباس في المسألة وقع لدى كثير من الناس بسبب ما
هو معلوم من أن اإلنسان فيه روح ،هي سر حياته ،بوجودها
يحيا وبخروجها يموت .ومن أن هللا تعالى يقول { :ونفخت فيه
124
من روحي }( ،)1ويقول { :ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل
لكم السمع واألبصار واألفئدة قليالً ما تشكرون }( .)2ومن غير
ذلك من اآليات واألحاديث التي تتكلم عن الروح وكينونتها في
اإلنسان .وهكذا سلم كثير من المسلمين لتلك الفكرة التي تقول
إن اإلنسان مكون من جسد وروح وإن لكل منهما غذاءه.
إال أن الدقة تستوجب إنعام النظر في الفكرة لمعرفة ما هو
المقصود بالروح التي يتكلمون عنها .فكلمة الروح هي كلمة
مشتركة تحتمل العديد من المعاني .فقد وردت في لغة العرب
معان .فمن تلك المعاني ما ورد في
وفي القرآن الكريم بعدة
ٍ
قوله تعالى { :نزل به الروح األمين * على قلبك لتكون من
المنذرين }( ،)3والمقصود بالروح هنا جبريل عليه السالم.
ومن تلك المعاني ما ورد في قوله تعالى { :ويسألونك عن
الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إال قليالً }(،)4
والمقصود بالروح هنا روح اإلنسان التي بوجودها توجد
الحياة وبخروجها يموت اإلنسان .والروح بهذا المعنى شيء
ال ّ
يطلع عليه اإلنسان وإن رأى أثره ،وهو الحياة التي تدب
في الجسد وتبعث فيه الحركة والحيوية .وبالجملة أطلقت
عبارة الروح على عدة معان .قال صاحب "مختار الصحاح"
" :الروح يذكر ويؤنث والجمع األرواح .ويسمى القرآن
وعيسى وجبرائيل عليهما السالم روحاً ،والنسبة إلى المالئكة
-1سورة الحجر -اآلية 29
-2سورة السجدة -اآلية 9
-3سورة الشعراء -اآليتان 194-193
-4سورة اإلسراء -اآلية 85
125
والجن روحاني بضم الراء والجمع روحانيون .وكذا كل شيء
فيه روح روحاني بالضم"(.)1
إال أن هذه المعاني كلها ليست هي المقصودة حين
يتكلمون عن الروح والروحانية والناحية الروحية في الكون
واإلنسان والحياة .وإنما يراد معنى آخر هو معنى اصطالحي،
وليس من المعاني اللغوية التي يمكن أن نجدها في معاجم اللغة
اصطالح ما،
العربية القديمة .وإذا أراد الباحث أن يدرك معنى
ٍ
فإن عليه أن يدقق في النصوص التي ورد فيه ذلك االصطالح
ليقف على المعنى الذي رمى إليه أولئك الذين تكلموا به.
والمدقق في معظم تلك النصوص يجد أن هؤالء يستخدمون
كلمة الروح أو الروحانية أو الناحية الروحية ،للتعبير عما
يشعر به اإلنسان حين إدراكه لصلته بخالقه عز وجل ،فيقال إن
المؤمن يشعر بالروحانية حين قيامه بشعائر العبادة من صالة أو
صيام أو حج .وحين يتأمل في ملكوت هللا ،يشعر بالناحية
الروحية .ويشعر بالروح أيضا ً حين يسمع االبتهاالت واألدعية
وحين يدخل دور العبادة وما شاكل ذلك .وهذا المعنى ال صلة له
بالروح التي هي سر الحياة ،إذ إن هذه األخيرة تسري في
اإلنسان المؤمن الذي يشعر بالروحانية وفي اإلنسان الملحد
المنكر لوجود هللا والذي ال يشعر بالتالي بالناحية الروحية أو
الروحانية.
نعرف الناحية الروحية بكون الشيء
وبناء عليه يمكن أن ّ
مخلوقا ً هلل سبحانه وتعالى .فالكون واإلنسان والحياة ،ليست
-1اإلمام محمد بن أبي بكر الرازي -مختار الصحاح -المادة "روح".
126
أشياء مكونة من عنصرين هما المادة والروح ،وإنما هي أشياء
مكونة من مادة فقط وال يوجد في تركيبها شيء آخر .إال أنها
تتصف بناحية روحية ليست جزءا ً من تركيبها ،وإنما هي أمر
اعتباري ،وهو كونها مخلوقة لخالق .فالناحية الروحية في
الكون هي كونه مخلوقا ً لخالق ،والناحية الروحية في الحياة هي
كونها مخلوقة لخالق ،والناحية الروحية في اإلنسان هي كونه
مخلوقا ً لذلك الخالق سبحانه .والروح -بالمعنى االصطالحي
الذي نتكلم عنه -هي إدراك الصلة باهلل تعالى .فشعور اإلنسان
بالروح أو الروحانية هو إدراكه لصلته باهلل تعالى من حيث إنه
مخلوق له وعبد خاضع لقدرته وتدبيره عز وجل.
من هنا ،فإنه ال يعود هناك مجال للكالم عن أن اإلنسان
مكون من جسد وروح ،وأن هناك صراعا ً بين هذين
العنصرين ،وأن على اإلنسان أن يغلّب الروح على الجسد أو
أن يوازي بينهما .وإنما الذي يطرح هو السؤال التالي :ما مدى
تأثير الروح -التي هي إدراك الصلة باهلل -على اإلنسان
وحياته وسلوكه ؟
إن أصل سلوك اإلنسان ،هو أن فيه طاقة حيوية تدفعه
إلى القيام باألعمال .ونعني بالطاقة الحيوية هنا الدوافع
والجوعات التي يندفع اإلنسان بطبيعته إلى إشباعها .وإذا دققنا
في واقع هذا اإلنسان وجدنا أن هذه الطاقة الحيوية هي عبارة
عن حاجات عضوية ،كالحاجة إلى الغذاء والنوم وغير ذلك مما
ال يمكن لإلنسان أن يبقى على قيد الحياة إن لم يشبعها .ثم
الغرائز التي يندفع إلشباعها بإلحاح بحيث إنه يشعر بالقلق
واالضطراب إن لم يشبعها.
127
هذه الحاجات والغرائز لدى اإلنسان يلزمها نظام ينظم
إشباعها .وهذا النظام إما أن يكون من عند هللا تعالى وإما من
عند اإلنسان .فإن أشبعت تلك الحاجات والغرائز دون نظام أو
بنظام من عند غير هللا عز وجل ،كان ذلك اإلشباع إشباعا ً ماديا ً
ال روح فيه .أما إن أشبعت بنظام من عند هللا بناء على إدراك
الصلة به تعالى .أي بناء على اإليمان باهلل خالقا ً ومدبراً ،فإن
هذا اإلشباع يكون إشباعا ً صحيحا ً مسيّرا ً بالروح .ومن بين تلك
الغرائز التي يشعر اإلنسان بالحاجة إلشباعها غريزة التدين
التي يظهر أثرها في نزوع اإلنسان نحو التقديس والتبجيل
والعبادة والتذلل وإكبار األقوى واألقدر .فاإلحساس بالنقص
والعجز الطبيعيين لدى اإلنسان يؤدي تلقائيا ً إلى الشعور
بالحاجة إلى الخالق المدبر ،وهذا ما عنيناه بغريزة التدين .إال
أن هذه الغريزة كسائر الغرائز ،إما أن تشبع إشباعا ً ماديا ً
بمعزل عن اإليمان باهلل تعالى خالقا ً مدبراً ،وذلك كعبادة األوثان
أو الكواكب أو الملوك أو األبطال أو غيرها من سائر
المخلوقات ،وإما أن تشبع إشباعا ً روحيا ً بعبادة هللا وفق نظام
من عنده عز وجل.
إن اإلسالم لما قام على أساس اإليمان باهلل تعالى ،قرر
الناحية الروحية في اإلنسان وحياته وما يحيط به من مادة
الكون ،من حيث إن هذه األشياء هي مخلوقة لخالق هو هللا
تعالى .ثم إنه جعل حياة المسلم كلها تقوم على أساس روحي،
وجعل الروح مالبسة لكل عمل يقوم به .ذلك أن هللا تعالى شرع
شريعة هي نظام شامل لحياة اإلنسان كلها ومعالجات لكل
مشاكله ،وبالتالي جعل لكل فعل من أفعال العباد حكما ً شرعياً،
128
يجب على المؤمن أن يلتزم به حين القيام بالعمل ،وذلك بناء
على إيمانه باهلل تعالى ربا ً وإلها ً معبودا ً مطاعاً { ،فال وربك ال
يؤمنون حتى يح ّكموك فيما شجر بينهم ثم ال يجدوا في أنفسهم
حرجا ً مما قضيت ويسلموا تسليما ً }( .)1فالمؤمن حين يلتزم
في أفعاله كلها -وهي مادة -بأوامر هللا ونواهيه بناء على
إدراك الصلة باهلل ،أي بناء على اإليمان باهلل تعالى ،فإنه يكون
قد مزج المادة بالروح ،وقامت حياته كلها على أساس روحي،
هو العقيدة اإلسالمية.
وبناء عليه ،فإن المسألة ليست :هل يشبع اإلنسان حاجاته
ورغباته أم ال يشبعها ؟ وليست أيضاً :كم يشبعها ؟ وال هي:
ماذا يشبع ،الجسد أم الروح ؟ وال هي :ماذا يغلّب ،الجسد أم
الروح ؟ فمن الخطأ أن تكون هذه األسئلة محل بحث .وإنما
محل البحث هو :كيف يكون اإلشباع ،وعلى أي أساس يجب
أن يقوم ؟
لذلك ،فقد أخطأ من ظن أن التقوى تكون بالتقشف والبعد
عن المتع والملذات وهجران نعيم الدنيا ومتاعها .فقد يمارس
ذلك التقشف إنسان كافر ال يؤمن باهلل حق اإليمان ،فأين منه
التقوى ؟ بل إن آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول rتصرح
بأن هللا تعالى خلق الدنيا ومتاعها وسخر كل ما فيها لإلنسان،
على أن يأخذها بحقها ،أي وفق أوامره ونواهيه عز وجل .فاهلل
تعالى يقول { :ولقد كرّ منا بني آدم وحملناهم في البر والبحر
ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيالً
-1سورة النساء -اآلية 65
129
}( ،)1وقال سبحانه { :وسخر لكم ما في السموات وما في
األرض جميعا ً منه إن في ذلك آليات لقوم يتفكرون }( ،)2وقال
عز وجل { :قل من حرم زينة هللا التي أخرج لعباده والطيبات
من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم
القيامة كذلك نفصّل اآليات لقوم يعلمون }( ،)3وقال سبحانه
مذكرا ً بنعمه على عباده { :واألنعام خلقها لكم فيها دفء
ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين
تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إال بشق
األنفس إن ربكم لرؤوف رحيم * والخيل والبغال والحمير
لتركبوها وزينة ويخلق ما ال تعلمون}( ،)4وغير ذلك الكثير من
اآليات التي تتضمن هذا المعنى.
وفي عهد النبوة فهم بعض الناس التقوى بالتقشف وقهر
النفس والجسد ،وعندما سألوا عن عبادة رسول هللا rتقالّوها،
فنذروا على أنفسهم تكاليف قاسية ما أنزل هللا بها من سلطان،
وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ً وأنهم أصابوا التقوى .فلما بلغ
َبرهم رسو َل هللا rشعر بخطر ذلك الفهم المنحرف ،فاتخذ
خ ُ
اإلجراء الذي تستحقه تلك الظاهرة .فقد روى البخاري عن أنس
بن مالك أنه قال " :جاء ثالثة رهط إلى بيوت أزواج النبي rيسألون
عن عبادة النبي ،rفلما أخبروا كأنهم تقالّوها ،فقالوا :وأين نحن من
النبي r؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .قال أحدهم :أما أنا فأنا
-1سورة اإلسراء -اآلية 70
-2سورة الجاثية -اآلية 13
-3سورة األعراف -اآلية 32
-4سورة النحل -من اآلية 5إلى اآلية 8
130
أصلي الليل أبداً .وقال آخر :أنا أصوم الدهر وال أفطر .وقال آخر :أنا
أعتزل النساء فال أتزوج أبداً .فجاء رسول هللا rفقال :أنتم الذين قلتم كذا
وكذا ؟ أما وهللا إني ألخشاكم هلل وأتقاكم له ،لكني أصوم وأفطر وأصلي
وأرقد ،وأتزوج النساء ،فمن رغب عن سنتي فليس مني"(.)1
وبهذا ال يكون هناك تعارض بين المتعة وبين الروح.
فاإلنسان الذي يأكل طيّب الطعام من الرزق الحالل ،حامدا ً هللا
تعالى على نعمته ،يشعر بالروح مع شعوره بلذة الطعام { ،يا
أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا هلل إن
كنتم إياه تعبدون }( ،)2وقال سبحانه { :يا أيها الذين آمنوا ال
تحرموا طيبات ما أحل هللا لكم وال تعتدوا إن هللا اليحب المعتدين
ّ
}( .)3والتاجر الذي يكسب الربح الوفير والمال العميم يشعر
أيضا ً بالروحانية إن هو التزم األحكام الشرعية وراعى
الحالل والحرام في تجارته ،قال عليه الصالة والسالم " :
التاجر الصدوق األمين مع النبيين والصديقين والشهداء"( .)4وفي
الحياة الزوجية يقول عليه الصالة والسالم" :وفي بُضع أحدكم
صدقة" قالوا :يا رسول هللا أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال
" :أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في
الحالل كان له أجراً"(.)5
-1صحيح البخاري -كتاب النكاح -الحديث 5063
-2سورة البقرة -اآلية 172
-3سورة المائدة -اآلية 87
-4رواه الدارمي في سننه -كتاب البيوع -باب في التاجر الصدوق
-5رواه مسلم -كتاب الزكاة -الحديث رقم 53في بابه
131
هذه النظرة الشرعية لإلنسان وسلوكه وتقواه ،هي التي
ميزت الحياة في المجتمع اإلسالمي خالل عهود نهضته وقوة
الدولة اإلسالمية .فلم يكن يوجد في ذلك المجتمع شرخ بين
المادة والروح ،ولم يكن يعرف في الدولة اإلسالمية صراع بين
سلطتين زمنية وروحية .إذ لم يكن هنالك إال سلطة واحدة ترعى
شؤون الناس بنظام اإلسالم ،وبناء على العقيدة اإلسالمية ،أي
بناء على إدراك الصلة باهلل تعالى .فالدولة سلطة سياسية تقوم
على أساس روحي .ولم يكن هناك وجود لما يعرف اليوم
بمحاكم مدنية وأخرى شرعية ،وإنما كان هناك محاكم إسالمية
تفصل كل أنواع الخصومات بين الناس بأحكام الشرع
اإلسالمي ،سواء كانت متعلقة بالحكم أو المال أو االجتماع
(األحوال الشخصية) أو غير ذلك من العالقات المجتمعية.
إلى أن أتى الزمان الذي سيطرت فيه دول الغرب على
بالدنا ،وهدمت الدولة اإلسالمية ،وأقصت نظام اإلسالم عن
معترك الحياة والمجتمع والدولة ،وجعلت شؤون الدين قاصرة
على العبادات واألخالق وما يسمونه األحوال الشخصية.
وأقامت دوالً تطبق األنظمة الوضعية المادية وتفصل الدين عن
الدولة.
فوجدت في البالد اإلسالمية سلطات روحية تتمثل في
ُ
"المفتي" ،وقسموا المحاكم إلى مدنية تتولى فصل الخصومات
بالقوانين الوضعية فيما يتعلق بالحكم والمال وما شاكل ذلك،
ومحاكم شرعية تتولى رعاية الشؤون االجتماعية أو ما يسمونه
"األحوال الشخصية" من زواج وطالق وإرث.
132
هذا النمط من العيش الذي يحكم حياتنا اليوم ،ليس هو
النمط الذي يرضاه هللا تعالى ورسمه لنا في الرسالة اإلسالمية.
لذلك فإن قضية المسلمين المصيرية هي أن يعملوا على
استئناف الحياة اإلسالمية وإعادة نظام اإلسالم إلى معترك
الحياة والمجتمع ،وأن يقضوا على كل ما يوحي بفصل الدين
عن الدولة ،من تقسيم المحاكم إلى مدنية وشرعية ،ومن تنصيب
سلطات روحية ،ومن إقامة وزارات لألوقاف والمساجد وما
شاكل ذلك .ففي نظام اإلسالم هناك سلطة واحدة تحكم بما أنزل
هللا ،وعلى المسلمين طاعتها في طاعة هللا .قال تعالى { :يا أيها
الذين آمنوا أطيعوا هللا وأطيعوا الرسول وأولي األمر منكم فإن
تنازعتم في شيء فردوه إلى هللا والرسول إن كنتم تؤمنون
باهلل واليوم اآلخر ذلك خير وأحسن تأويالً }(.)1
-1سورة النساء -اآلية 59
133
نهضة األمة اإلسالمية بالوحي
لقد قررنا في الفصول السابقة ،أن نهضة اإلنسان في
حياته ومجتمعه ودولته إنما مردّها إلى فكر مبدئي يقوم على
عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون واإلنسان والحياة،
تكون بمثابة قاعدة فكرية تنبني عليها األفكار عن الحياة الدنيا
وتنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة .كما قررنا أن
النهضة الصحيحة هي تلك التي تقوم على المبدأ الصحيح ،وأن
المبدأ الصحيح هو ذلك المبدأ الذي يوافق فطرة اإلنسان فيقرر
غريزة التدين فيه وسائر الغرائز ويشبعها اإلشباع الصحيح ،و
يكون قائما ً على العقل بحيث يقطع العقل بصحة عقيدته
وانطباقها على واقع الكون واإلنسان والحياة .ومن ثم قررنا أن
ذلك المبدأ هو اإلسالم بعقيدته العقلية وما انبنى عليها من أفكار
وانبثق عنها من أنظمة.
في هذا الفصل نريد أن نتوقف عند طبيعة المبدأ اإلسالمي
ومضمونه لندرك طبيعة نهضة األمة اإلسالمية وأركانها
ومقوماتها ،ومن ثم لنقف على الخطوط الحمر التي ال يجوز
لألمة اإلسالمية أن تخترقها بوصفها الخط الفاصل بين منطقتي
النهضة واالنحطاط.
134
وهذا يقتضي منا بالدرجة األولى الوقوف عند العقيدة
اإلسالمية التي هي أساس المبدأ اإلسالمي ،وفهم اإلسالم يتوقف
على فهمها ،كما أن اعتناقه يتوقف على اعتناقها.
إن اإلسالم يقوم على شهادتي أن ال إله إال هللا وأن محمدا ً
رسول هللا .وهاتان الشهادتان بالنسبة لسائر الشريعة اإلسالمية
هما األصل الذي قامت عليه سائر الفروع.
أما شهادة أن ال إله إال هللا ،فهي تقرر أن ال معبود بحق
إال هللا تعالى بوصفه الرب الخالق المدبر .فاإلله هو المعبود،
والعبودية هي الخضوع المطلق والتذلل الكامل وتفويض
األمر للمعبود .وبالتالي فإن كل ما سوى هللا تعالى من األوثان
واألصنام ،الحية منها وغير الحية ،البشرية وغير البشرية ،ال
تصلح ألن تكون آلهة تعبد ،ذلك أنها ال تستطيع أن تخلق شيئاً،
بل هي مخلوقة محدودة ،ومهما عظم شأنها وهال أمرها فإنها
صغيرة حقيرة إزاء خالقها سبحانه وتعالى ،بل إن عظمتها
وهولها لدليل أقوى وأبلغ على عظمة خالقها الذي أوجدها من
العدم { ...ذلكم هللا ربكم ال إله إال هو خالق كل شيء فاعبدوه
}(.)1
وانظر إلى تلك اآليات التي تلفت نظر اإلنسان إلى سخف
عبادته لألنداد من دونه سبحانه وتعالى :
-1سورة األنعام -اآلية 102
135
{ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ال تسجدوا
للشمس وال للقمر واسجدوا هلل الذي خلقهن إن كنتم إياه
تعبدون }(.)1
{ يا أيها الناس ُ
ضرب مثل فاستمعوا له ،إن الذين تدعون
من دون هللا لن يخلقوا ذبابا ً ولو اجتمعوا له ،وإن يسلبهم الذباب
شيئا ً ال يستنقذوه منه ،ضعف الطالب والمطلوب }(.)2
وفي تلك القصة التي يرويها لنا القرآن الكريم عن إبراهيم
عليه السالم وهو يجادل النمرود الذي ادعى األلوهية على
الناس :
{ ألم تر إلى الذي حا ّ
ج إبراهيم في ربه أن آتاه هللا الملك،
إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت ،قال أنا أحيي وأميت ،قال
إبراهيم فإن هللا يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.
فبهت الذي كفر وهللا ال يهدي القوم الظالمين }(.)3
إذن فالعبادة ال تصح لشيء خلقه هللا سبحانه ،وإنما يجب
أن تؤدى فقط لذلك الخالق الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه،
فهو الوحيد الذي يتصف بصفات الكمال وال يطرأ عليه النقصان
وال العجز وال االحتياج ،بل كل ما سواه محتاج إليه سبحانه.
وهكذا فإن توحيد األلوهية هلل سبحانه وتعالى يعني أن
تكون عبودية اإلنسان المطلقة لخالقه سبحانه وتعالى ،وحين
يتكلم القرآن الكريم عن العبودية ،فإنه ال يعطيها مفهوم
الطقوس الروحية والشعائر العبادية فقط ،وإنما يعني بها
-1سورة فصلت -اآلية 37
-2سورة الحج -اآلية 73
-3سورة البقرة -اآلية 258
136
الخضوع الكامل والمطلق من اإلنسان هلل تعالى ،في جميع
حياته ،وذلك بأن يعيش في هذه الدنيا مس ِيّرا ً أعماله حسب
مسلّما ً له نفسه ،مفوضا ً له أمره
أوامر هللا تعالى ونواهيه،
ِ
متوكالً عليه في عيشه .وبذلك يكون معنى توحيد األلوهية
أيضاً ،توحيده سبحانه في التدبير والتشريع والحكم على أفعال
العباد .أنظر إلى قوله تعالى وهو يقرر أن الحكم إنما هو له
وحده ويقرن ذلك بالتوحيد والتوكل على هللا وعبادته عز
وجل...
{ إن الحكم إال هلل أمر أال تعبدوا إال إياه ذلك الدين
القيم }(.)1
{ إن الحكم إال هلل عليه توكلت وعليه فليتوكل
المتوكلون }(.)2
{ له الحمد في األولى واآلخرة وله الحكم وإليه ترجعون
}(.)3
{ ومن أحسن من هللا حكما ً لقوم يوقنون }(.)4
{ وهللا يحكم ال معقب لحكمه وهو سريع الحساب }(.)5
وتأمل تلك اآلية الكريمة وهي تنهى الناس عن أن
يشرعوا فيحلوا ويحرموا من عند أنفسهم فيفترون على هللا
تعالى الذي له وحده حق التشريع ،حيث يقول سبحانه :
-1سورة يوسف -اآلية 40
-2سورة يوسف -اآلية 67
-3سورة القصص -اآلية 70
-4سورة المائدة -اآلية 50
-5سورة الرعد -اآلية 41
137
{ وال تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حالل وهذا حرام
لتفتروا على هللا الكذب .إن الذين يفترون على هللا الكذب ال
يفلحون }(.)1
وقولَه سبحانه وهو يذم الذين يشرعون للناس الشرائع..
{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به
هللا.)2(}...
وبذلك فإن الشهادة األولى :ال إله إال هللا ،تعني أن ال
معبود وال مشرع بحق إال هللا سبحانه وتعالى .أي أن النظام
الذي يجب على اإلنسان أن يسير في جميع حياته وفقه ويسيّر
أعماله به هو النظام الذي شرعه هللا سبحانه.
وبعد ،فإن هذه الشهادة العظيمة تحتّم على اإلنسان السؤال
التالي :إن كان التشريع هو هلل تعالى ،فمن أين لي معرفته ومن
أين أتلقاه ؟
لذلك جاءت الشهادة الثانية مكملة لألولى ومجيبة على
السؤال الذي نتج عنها ،فتقول :محمد رسول هللا ،أي إن
الشريعة التي ارتضاها هللا تعالى للبشر هي الشريعة التي
أنزلت على محمد rعن طريق الوحي الذي نزل به الروح
األمين جبريل عليه السالم .ولذلك فإنه بعد نزول الوحي على
محمد ،rال بد لمن يريد توحيد هللا تعالى في األلوهية
والتشريع من أن يتبع الدين الذي جاء به محمد ،rذلك أنه هو
-1سورة النحل -اآلية 116
-2سورة الشورى -اآلية 21
138
الذي حمل الرسالة من اإلله المشرع سبحانه إلى اإلنسان
العاجز الناقص المحتاج إلى تدبير خالقه وهدايته .وقد جاءت
آيات كريمة كثيرة تؤكد ذلك المعنى...
{ ثم جعلناك على شريعة من األمر فاتّبعها وال تتبع أهواء
الذين ال يعلمون }(.)1
{ قل إن كنتم تحبون هللا فاتبعوني يحببكم هللا ويغفر لكم
ذنوبكم وهللا غفور رحيم }(.)2
{ فال وربك ال يؤمنون حتى يح ّكموك فيما شجر بينهم ثم ال
يجدوا في أنفسهم حرجا ً مما قضيت ويسلموا تسليما ً }(.)3
{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما ّ
نزل على
محمد وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم
}(.)4
وبما أن الوحي الذي نزل على محمد rأعطى فكرة كلية
عن الكون واإلنسان والحياة وشرع أنظمة للحياة كان ذلك الدين
مبدأ ،وكان ذلك المبدأ -أي اإلسالم -المبدأ الوحيد الذي صدر
عن الوحي ال عن البشر .وهذا سر تميّز نهضة األمة اإلسالمية.
فإن نهضتها ناتجة عن عيشها وفقا ً لما جاء به الوحي اإللهي،
وتقيدها بأوامر هللا ونواهيه وسننه التي ارتضاها لعباده المتقين،
-1سورة الجاثية -اآلية 18
-2سورة آل عمران -اآلية 31
-3سورة النساء -اآلية 65
-4سورة محمد -اآلية 2
139
لذلك كانت النهضة الوحيدة الصحيحة .ذلك أن سلوك البشر فيها
يتناغم مع حركة الكون وسائر المخلوقات ،ويتناسق معها ،وهي
خاضعة للنظام الذي أراده هللا تعالى لها ال تحيد عنه قيد أنملة.
وانظر إلى تلك اآليات التي تقرر تلك الحقيقة..
{ وله أسلم من في السموات واألرض طوعا ً وكرها ً وإليه
يرجعون }(.)1
{ والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم *
والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * ال الشمس
ينبغي لها أن تدرك القمر وال الليل سابق النهار وكل في فلك
يسبحون }(.)2
{ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ولألرض
ائتيا طوعا ً أو كرها ً قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات
في يومين وأوحى في كل سماء أمرها }(.)3
ّ
فيهن وإن من
{ تسبح له السماوات السبع واألرض ومن
شيء إال يسبح بحمده ولكن ال تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما ً
غفورا ً }(.)4
ومن أهم ما يتناغم مع ذلك السلوك والعيش المتقيد
بشريعة الوحي ويتناسق معه ،تلك الفطرة اإلنسانية التي خلقها
هللا سبحانه وتعالى ّ
نزاعة إلى عبادة الخالق المدبر ،والتي
ذكرها عز وجل في اآلية الكريمة { فأقم وجهك للدين حنيفا ً
-1سورة آل عمران -اآلية 83
-2سورة يس -اآليتان 40-38
-3سورة فصلت -اآليتان 12-11
-4سورة اإلسراء -اآلية 44
140
فطرة هللا التي فطر الناس عليها ال تبديل لخلق هللا ذلك الدين
القيم }(.)1
ومن هنا جاءت اآليات الكثيرة التي تربط بين االلتزام
بشريعة هللا تعالى وبين إسباغ النعم وتفجر الخيرات والتمتع
باألمن والطمأنينة والرفاهة ،مثل قوله تعالى { :وألَّ ِو استقاموا
على الطريقة ألسقيناهم ماء غدقاً .)2(}...وقوله سبحانه :
{ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من
السماء واألرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون }(.)3
ثم اسمع إلى تلك اآليات الكريمات وهي تروي لنا خطاب
نوح عليه السالم لقومه الذين طغوا في األرض وفسقوا فيها :
{ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ً * يرسل السماء
عليكم مدرارا ً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل
لكم أنهارا ً }(.)4
واسمع إلى قوله تعالى يعد المؤمنين الذين يعملون
الصالحات باالستخالف في األرض { :وعد هللا الذين آمنوا
منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في األرض كما استخلف
ّ
وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم
الذين من قبلهم
من بعد خوفهم أمنا ً يعبدونني ال يشركون بي شيئاً .ومن كفر
بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }(.)5
-1سورة الروم -اآلية 30
-2سورة الجن -اآلية 16
-3سورة األعراف -اآلية 96
-4سورة نوح -اآلية 12-10
-5سورة النور -اآلية 55
141
وبالمقابل يتوعد هللا تعالى المجتمعات التي تعرض عن
أمر ربها وتطغى في األرض وتفسق فيها بسوء العاقبة ووقوع
الشقاء ،ويضرب لنا األمثال عن تلك المجتمعات التي أهلكها
بظلمها :
{ وضرب هللا مثالً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها
رغدا ً من كل مكان فكفرت بأنعم هللا فأذاقها هللا لباس الجوع
والخوف بما كانوا يصنعون }(.)1
من هنا ،كانت نهضة األمة اإلسالمية ناتجة عن ذلك التقيد
الكامل بأوامر هللا ونواهيه ،وبعبارة أخرى ،عن ذلك االلتصاق
المحكم بالوحي الذي نزل على محمد ،rوإنه بقدر ما تلتصق
األمة اإلسالمية بالوحي فكرا ً وسلوكا ً بقدر ما تنهض وترتقي،
وبقدر ما تبعد عن ذلك المعين الصافي بقدر ما تنحط
وتنخفض ،هذه معادلة ثابتة ،ال يمكن أن تخرق في يوم من
األيام ،وهذا هو التاريخ اإلسالمي خير شاهد على ذلك.
فعندما صاغ المسلمون حياتهم باإلسالم في المجتمع
اإلسالمي األول -زمن النبوة والخالفة الراشدة -حققوا نهضتهم
المثلى وتحقق خير القرون ،ومن ثم حين بدأ يطرأ الخلل على
تلك الصياغة الفريدة وبدأ السلوك في المجتمع اإلسالمي ينفصل
عن القواعد واألحكام التي نزل بها الوحي ،بدأ االنحطاط
يتسرب إلى جسم األمة اإلسالمية ،وكان مقدار ذلك االنحطاط
يتناسب مع مقدار الشرخ الذي قام بين سلوك المجتمع وبين
الوحي ،وكان كلما اتسع ذلك الشرخ ازدادت األمة انحطاطاً،
-1سورة النحل -اآلية 112
142
إلى أن غابت شريعة الوحي عن حياة المسلمين ومجتمعهم
ودولتهم فوصلوا إلى الدرك األسفل من االنحطاط.
من هنا كان واجب المسلمين أن يحرصوا أشد الحرص
على فهم اإلسالم فهما ً نقيا ً صافيا ً ال تشوبه شائبة ،حتى يكون
التزامهم باإلسالم وأفكاره وأحكامه التزاما ً بالوحي الذي أنزله
هللا على سيدنا محمد rوهذا يحتم عليهم أن يُحكموا نظرتهم إلى
مصادر التشريع اإلسالمي وذلك بأن ال يستقوا أحكامهم إال من
المصادر التي جاء بها الوحي اإللهي لكونه استقر فيها.
ففي الماضي حين حصر المسلمون تلقيهم للشريعة
اإلسالمية بالمصادر األربعة :القرآن والسنة واإلجماع
والقياس ،إنما فعلوا ذلك بناء على أنه ال يجوز أخذ الشريعة من
غير الوحي .فالقرآن ،هو كتاب هللا الذي أوحاه إلى رسوله
محمد rباللفظ والمعنى .والسنة -وهي كل ما صدر عن
الرسول من قول أو فعل أو تقرير -إنما تعبّر عن الوحي ألن
الرسول ال ينطق عن الهوى إن هو إال وحي يوحى .فالسنة
هي ما أوحي إلى الرسول بالمعنى دون اللفظ.
وأ ّما اإلجماع -ويقصد به غالبا ً إجماع الصحابة -فإنه
يعبر عن الوحي ،ألن الصحابة الذين أثنى هللا على مجموعهم
في القرآن الكريم ال يمكن أن يجمعوا على شيء لم يطلعوا على
دليله من رسول ،rوبالتالي كان إجماعهم دليالً شرعيا ً لكونه
يكشف عن دليل خفي عنا.
وأما القياس ،فهو أيضا ً مصدر يكشف عن الوحي .ذلك أن
القياس ليس -كما يظنه بعض الناس -استنباطا ً للحكم من العقل،
143
وإنما هو استدالل على األحكام بالعلة الشرعية التي جاءت بها
النصوص الشرعية من قرآن أو سنة ،أي إن قياس حكم على آخر
إنما يكون الشتراكهما بعلة واحدة ورد بها النص الشرعي من
قرآن وسنة ،وبالتالي كان االستدالل بالقياس استنباطا ً من الوحي.
هكذا كان فهم المسلمين لإلسالم وتشريعه في عصور
النهضة اإلسالمية ،أما في عصور االنحطاط هذه ،فقد كثرت
لدى المسلمين مصادر التشريع وتعددت بحيث أصبح كثير من
تلك المصادر ال عالقة له بالوحي ،واالستدالل به ليس تلقيا ً
للشريعة من الوحي ،وإنما من العقل والواقع والمصالح وما
شاكل ذلك ،مما زاد األمة اإلسالمية انحطاطا ً وتراجعا ً وتقهقراً.
فعجبا ً ألمة تريد نصرة اإلسالم -وهو الوحي الذي نُ ِ ّزل
على محمد - rبينما هي تستقي الكثير من أحكامها وتشريعها
من غير الوحي ،وتسعى لنصرته بما نهى عنه الوحي.
لذلك ال يسعنا أخيرا ً إال أن نعود فنذ ّكر بقوله تعالى :
{ قل إن كنتم تحبون هللا فاتبعوني يحببكم هللا ويغفر لكم
ذنوبكم وهللا غفور رحيم }(.)1
-1سورة آل عمران -اآلية 31
144
براءة الحضارة اإلسالمية
من سائر الحضارات
إن الناظر في مجمل الحضارات واألفكار التي سادت
س ُن
الشعوب عبر التاريخ ،يجد ظاهرة جديرة باالهتمام ،يَحْ ُ
التوقف عندها لدراستها ملياً .وهي تأثر تلك الحضارات بعضها
ببعض ،أو انبثاق بعضها من بعض .وقد تكون بعض
الحضارات امتدادا ً لتلك التي سبقتها ،إال أنها تميزت عنها
وميزات أخرى .فكيف يمكن لنا تفسير هذه
بسمات جديدة ِ
الظاهرة ؟
حين نقول إن الحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة،
فهذا يعني أنها مجموعة من األفكار كبيرة الكم ،تتناول مختلف
نواحي الحياة والمجتمع ،من حكم واقتصاد واجتماع وقانون
وسياسة وفن وغير ذلك .فإذا كانت تلك األفكار هي نتاج العقول
أو األذهان البشرية ،فإننا سنصل بالتأكيد إلى حتمية تأثر
الحضارات بعضها ببعض ،سواء تأثرا ً إيجابيا ً أو تأثرا ً سلبياً.
ذلك أن العقل البشري الذي أنتج تلك األفكار واتخذها
الناس بعد ذلك مفاهيم ،إنما هو محدود بقدر ما أوتي من
معلومات .وحين يبدع فإنه يبدع بناء على خزين من المعلومات
في الذهن .فاإلنسان ال يدرك إال بقدر ما يملك من معلومات
يفسر بها الواقع المحسوس .واإلبداع ال يعني أن اإلنسان ينشىء
145
أفكارا ً جديدة ال صلة لها بالواقع المحسوس أو بالمعلومات
السابقة ،بل هو إدراك شيء جديد ،أو إنتاج فكرة جديدة لم يسبق
ألحد أن أنتجها ،ولكن أيضا ً استنادا ً إلى الواقع والمعلومات
السابقة .وكل ما في األمر أن المبدع قد ربط بين معطيات
معينة ،فأخرج فكرة جديدة لم يسبق ألحد أن أخرجها ،فكان أول
قائل بها ،وذلك بغض النظر عن صحة تلك الفكرة أو خطئها.
وبالتالي فإن المبدعين حين يبدعون األفكار والنظريات أو ربما
التخيالت ،فإنهم يفعلون ذلك بقدر ما يملكون من معلومات
سابقة وحسب طبيعة الربط التي تجري في أذهانهم.
ومن الطبيعي أن يتأثر المفكر أو المبدع باألفكار التي
تحيط به واألوضاع التي يعيش فيها والظروف التي تالبسه
وهو يفكر ،فيخرج بأفكار ونظريات هي إما من جنس األفكار
التي تحيط به ،وإما رد فعل عكسي إزاءها ،وفي كال الحالين
هو متأثر بها .وهذا ما يفسر لنا ظاهرة تأثر الحضارات بعضها
ببعض .فإن تلك الحضارات -كما سبق القول -هي مجموع ما
لدى شعب ما من المفاهيم عن الحياة ،أي مجموع األفكار التي
اعتنقها ،وتلك األفكار هي نتاج تلك العقول واألذهان التي يتأثر
بعضها ببعض ويأخذ بعضها عن البعض اآلخر ،وتبدع أفكارا ً
جديدة يتميز بها البعض عن البعض اآلخر.
وعلى هذا األساس نستطيع أن نفسر ما يتكلم عنه
المؤرخون والباحثون من تأثر الحضارتين األشورية والبابلية
وغيرهما بالحضارة السومرية مثالً ،أو تأثر الحضارة
الرومانية بالحضارة اليونانية السابقة لـها -بل هي كما يقولون
146
امتداد لها -أو تأثر الحضارة اليونانية بحضارات مصر والشرق
األدنى القديم...
وعلى هذا األساس أيضاً ،نستطيع أن نفهم طبيعة العالقة
بين حضارة أوربّا في العصور الوسطى والحضارة الغربية
المعاصرة "اللبرالية" ،وأيضا ً العالقة بين تلك األخيرة
و"المشروع الحضاري" الشيوعي .ففي هاتين الحالتين كان
التأثر سلبياً ،بمعنى أنه كان عكسياً.
فإن تحكم الكنيسة وتسلط الملوك باسم التفويض اإللهي،
واستفحال الظلم في ظل النظام اإلقطاعي ،حيث السيد والعبد،
أو اإلقطاعي والفالح ،ومساورة األجواء الروحية والتدين
ألوضاع االنحطاط والتخلف خالل العصور الوسطى ،كل ذلك
أنتج رد فعل عكسياً ،تجلى في فكرة فصل الدين عن الحياة
والمجتمع والدولة ،وفي فكرة الديمقراطية وفكرة الحريات
العامة من حرية شخصية وحرية تملك وحرية اعتقاد وحرية
رأي ،لدى المفكرين اللبراليين.
ثم كانت أوضاع المجتمع الرأسمالي بعد ذلك ،حيث
معاناة العمال والموظفين من ظلم الرأسماليين مالك المصانع
والشركات والمؤسسات الخاصة وعسفهم ،وحيث تر ّك ُز رؤوس
األموال في يد فئة قليلة من البرجوازيين ،بينما ال تجد األغلبية
الساحقة من أفراد المجتمع إال ما ال يكاد يسد الرمق .كل هذه
األوضاع أنتجت رد فعل عكسيا ً لدى المفكرين وأصحاب
النظريات االقتصادية ،تجلى في النظريات االشتراكية التي
تنزع نحو توزيع الثروة األهلية على نحو أكثر "إنصافاً" مما
147
هو عليه في المجتمع الرأسمالي .وكان من أهم تلك النظريات
وأكثرها تماسكا ً االشتراكية الماركسية ،التي حاولت الثورة
البلشفية تطبيقها على أرض الواقع داخل ما عرف باالتحاد
السوفياتي.
أما إذا أخذنا مثال الحضارة اإلسالمية التي انتشرت مع
بداية العصور الوسطى ،فإننا سنجد ذلك الكالم ال ينطبق عليها.
ذلك أن الناظر إلى بداية نشوئها ال يجد فيها أي تأثر أو أي
ارتباط بالحضارات السابقة لها أو المعاصرة ،ال تأثرا ً إيجابيا ً
وال تأثرا ً سلبياً ،ذلك أن اإلسالم أوجد نمطا ً من العيش مختلفا ً
كل االختالف عن كل أنماط العيش السابقة له والمعاصرة،
وأحدث انقالبا ً جذريا ً في المجتمع بحيث لم يترك ناحية من
نواحيه إال وطالها وأحدث فيها التغيير من أساسها ،انطالقا ً من
الجزيرة العربية التي اعتادت نمط عيش الجاهلية لعدة قرون
خلت ومرورا ً وانتهاء بالبالد المجاورة والمحيطة والبعيدة التي
سادتها الحضارات الرومانية والفارسية وغيرها.
وبينما نجد أن الحضارتين الغربية الرأسمالية والشيوعية
اللتين قامتا انقالبا ً على حضارة العصور الوسطى -لم توجداعلى أرض الواقع إال بعد إرهاصات طالت عدة قرون حيث
تتابع المفكرون والفالسفة يبدعون فكرة تلو فكرة ونظرية تلو
األخرى حتى جاء مفكرون ليرمموا تلك األفكار المتناثرة
ويصوغوا منها مبدئين كاملين لم يوضعا موضع التطبيق إال
بعد قرون من المخاضات الحضارية العسيرة ،أقول :بينما نجد
ذلك في هاتين الحضارتين،فإننا نجد أن الحضارة اإلسالمية
التي أحدثت ذلك االنقالب في الجزيرة العربية وسائر الشعوب
148
التي دخلت حظيرتها بدأ انتشارها منذ إعالن محمد rلها في
مكة قلب الجزيرة العربية ،وآتت ثمارها بعد ثالثة عشر عاما ً
من والدتها حين ارتكزت في المدينة المنورة "يثرب" ،ثم
انتشرت بعد ذلك بعشر سنوات في كل الجزيرة العربية ،لتتابع
بعد ذلك مسيرتها في سائر العالم القديم .ولم يمض قرن واحد
إال وقد أصبحت تظلل مساحة شاسعة تمتد من الصين شرقا ً إلى
األطلسي غرباً ،حيث ضربت صفحا ً عن كل الحضارات
السابقة في تلك البالد من فارسية وبيزنطية وهندية وغيرها إلى
غير رجعة.
يقول األستاذ محمد أسد ( ليوبولد فايس) " :واضح إذن
أننا مهما أوغلنا في التنقيب والبحث فيما سلف من حضارات
البشر ،فلن نجد توقيتا ً معينا ً نستطيع أن نحدده بدءا ً لحضارة ما،
أو تاريخا ً لمولدها ،وال أن نعين حدا ً فاصالً يميز بين حضارة
ولت وأخرى أشرق عليها النور وتبدت للوجود.
ولكن هناك استثناء واحدا لكل ما أسلفنا من قول ،استثناء
تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد األلسنة ،فلم يذكر تاريخ البشر
فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة برزت
للوجود من عالم الغيب دفعة واحدة ،واستوت للناظرين قائمة
على أصولها في فترة محدودة من تاريخ البشر ،تلك وال شك
حضارة فذة من نوع فريد وإنها لحضارة اإلسالم.
فلئن قامت كل الحضارات األخرى ونشأت رويدا ً رويدا ً
من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيارات الفكر،
واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاص وكيانها المحدد آمادا ً
طويلة من الزمن ،فلقد انفردت حضارة اإلسالم وحدها
بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار.
149
وقد جمعت هذه الحضارة ،من فجر نشأتها ،كل المقومات
األساسية لحضارة مكتملة شاملة .فقامت في مجتمع واضح
المعالم ،له نظرته الخاصة إلى الحياة ،وله نظامه التشريعي
الكامل وله نهجه المحدد للعالقات بين األفراد ،بعضهم ببعض
داخل هذا المجتمع.
ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي ،وال وليد
تيارات فكرية متوارثة ،ولكن هذه الحضارة ،كانت وليدة حدث
تاريخي فريد وهو تنزيل القرآن الكريم")1(.
إن المفكرين الغربيين -وال سيما المستشرقين منهم -ثم
العلمانيين من المثقفين في العالم اإلسالمي لم يطيقوا العجز عن
تطبيق نظرية تواصل الحضارات اإلنسانية على الحضارة
اإلسالمية ،فراحوا يتلمسون في التاريخ اإلسالمي الظواهر
واألحداث والنصوص واآلثار التي يمكن امتطاؤها الدعاء أن
الحضارة اإلسالمية هي امتداد لسائر الحضارات السابقة
والمعاصرة لها من جاهلية ورومانية وفارسية وهندية وغيرها.
إال أن الباحث النزيه يقطع بأن هذه المحاوالت كانت عبثا ً وأنها
َ
ط ْرق لباب المستحيل ،كالذي يحاول إثبات أن الوالد أصغر
عمرا ً من ولده.
ذلك أن الحضارة اإلسالمية ليست إبداع ذهن أو عقل
بشري ،وال حتى مجموعة عقول ،بل هي من الوحي اإللهي
الحكيم .فالحضارة اإلسالمية هي مجموعة المفاهيم اإلسالمية
-1اإلسالم والتحدي الحضاري .ص 20 - 19
150
عن الحياة .وكل هذه المفاهيم إنما استقاها المسلمون من
نصوص الوحي أو بنوها على نصوص الوحي أي القرآن
والسنة ،وهما وحي من هللا القائل سبحانه { :وما ينطق عن
الهوى إن هو إال وحي يوحى }( ،)1وهذه المفاهيم مبنية على
عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون واإلنسان والحياة،
هي عقيدة ال إله إال هللا محمد رسول هللا .وبذلك كانت الحضارة
اإلسالمية حضارة مبدئية تتناول كل نواحي الحياة والمجتمع
والدولة...
قال تعالى { :ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ً لكل شيء وهدى
ورحمة وبشرى للمسلمين }(.)2
-1سورة النجم -اآلية .4
-2سورة النحل -اآلية .89
151
القسم الثالث
المجتمع اإلسالمي
152
153
قال رسول هللا صلى هللا عليه وآله وسلم:
يحمل هذا العلم من كل خلف
عدوله،
يـنـفــون عــنــه تــحـريـف
الـغــالــين
وانتحال الـمبطـلـين وتأويل
الجاهلين
154
رواه البيهقي
155
156
الـمـجـتـمع ونــهـضـتـه
إن الباحث حين يستعرض التاريخ البشري ويتأمله بروية
وعمق ،يجد ظاهرة رئيسة تلفت انتباهه .أال وهي تفاوت
المجتمعات من حيث الرقي واالنحطاط ،وبعبارة أخرى تفاوتها
من حيث النهوض واالنخفاض.
فالنصوص التاريخية في حقيقتها هي سجل لحياة
المجتمعات البشرية التي عاشت على وجه هذه البسيطة .وحين
تقارن بين هذه المجتمعات فإنك تجد فرقا ً واضحا ً فيما بينها،
سواء من حيث النوع أو المستوى ،أي سواء من حيث النمط
الحضاري ،أو من حيث الرقي واالنحطاط .بل إننا ّ
نطلع في تلك
النصــوص على مجهودات بذلـها المفكرون والفالسفـة
والسيـاسيـون -نظريا ً وعمليا ً -من أجل النهوض بمجتمعاتهم
والسير بها نحو األرقى ،ومنهم من أفلح في تحقيق غايته ومنهم
من فشل.
وال زال هذا الموضوع إلى اليوم يشغل كثيرا ً من الباحثين
والمفكرين والسياسيين ،على اختالف اتجاهاتهم ومذاهبهم،
وسيبقى يشغلهم .ذلك أن اإلنسان هو اإلنسان في الماضي
والحاضر والمستقبل.
157
ونحن المسلمين لسنا بمعزل عن هذه القاعدة ،فإننا منذ
ق على
فجر تاريخنا استهدفنا الرقي وسعينا إلى إقامة مجتمع را ٍ
أساس اإلسالم ،وقد أفلح أسالفنا منذ عهد رسول هللا rفي
تحقيق هذا الهدف ،والسيما أن هللا سبحانه وتعالى قد أوجبهُ
عليهم ورسم لهم سبيله من خالل ما نزل من الوحي على
الرسول ،rفقال تعالى { :وعدَ هللاُ الذين آمنوا منكم وعملوا
الصالحات ليستخلفنهم في األرض كما استخلف الذين من
ّ
وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد
قبلهم
خوفهم أمنا ً يعبدونني ال يشركون بي شيئا ً ومن كفر بعد ذلك
فأولئك هم الفاسقون }(.)1
أما اليوم وقد أصبح ُمجتمعنا بحال من االنحطاط ال يُحسد
عليها وال ينازع فيها عاقل ،كان ال بد من العودة من جديد
للبحث عن السبيل المؤدي إلى نهضة المجتمع ،وليس أيّما
نهضة ،وإنما النهضة اإلسالمية التي هي النهضة الوحيدة
الصحيحة.
ومما ال شك فيه أن اإلسالم قد رسم للمسلمين سبيل إقامة
المجتمع اإلسالمي .وبعبارة أخرى رسم الطريق لنهضة
مجتمعهم .إال أن هذه الطريق ال يمكن فهمها وتطبيقها قبل
معرفة واقع المجتمع من حيث هو مجتمع .ذلك أن طريقة
اإلسالم في معالجة المشاكل وإعطاء الحلول هي على النحو
التالي:
-1سورة النور-اآلية (.)55
158
أوالً :فهم الواقع فهما ً دقيقا ً عميقا ً للوقوف على حقيقة
المشكلة التي تراد معالجتها.
ثانيا ً :العودة إلى النصوص التشريعية لفهم النصوص
المتعلقة بذلك الواقع وتلك المشكلة فهما ً تشريعياً ،وتكون الغاية
معرفة حكم هللا في تلك المسألة ،وذلك ألخذ المعالجات والحلول
من الوحي الذي نزل على الرسول . r
ثالثا ً :تطبيق هذه المعالجات الشرعية على ذلك الواقع
لحل المشكلة المطروحة.
من هنا كان البد أوالً من معرفة واقع المجتمع البشري
من حيث هو مجتمع ،أي ال بد من تعريف المجتمع.
إن كثيرا ً من الناس ينظرون إلى المجتمع نظرة سطحية
عابرة ،فيعّرفونه تعريفا ً خاطئا ً ال ينطبق على واقعه .فيقولون:
إن المجتمع هو مجموعة أفراد من الناس .وتبعا ً لتعريفهم هذا
يضعون تصورا ً لكيفية النهوض بالمجتمع أو إصالحه فيقولون:
أصلح الفرد يصلح المجتمع.
فلنحاكم ذلك التعريف .فحتى يكون التعريف صحيحا ً يجب
أن يكون وصفا ً جامعا ً مانعاً .ويكون هذا التعريف جامعا ً إذا كان
ينطبق على كل مجتمع ،ويكون مانعا ً إذا لم ينطبق على غير
المجتمع.
وإذا طبقنا هذا التعريف على الواقع سنجده جامعا ً إال أنه
غير مانع .فهو جامع ،ألن كل مجتمع يحوي بالضرورة
مجموعة أفراد .إال أنه غير مانع ،ألنه ينطبق على ما سوى
159
يكونون
المجتمع .ذلك أن مجرد مجموعة من األفراد ال ّ
بالضرورة مجتمعاً .ولنضرب على ذلك مثاالً:
إن مجموعة من الناس يركبون سفينة واحدة ال يشكلون
مجتمعا ً مهما كثر عددهم ،حتى ولو بلغ األلوف ،وذلك باتفاق
الجميع .أليس هؤالء مجموعة من األفراد.
قاصر،
فلماذا لم يشكلوا مجتمعاً؟ هذا يعني أن التَّعريف ِ
وبالتالي خاطىء.
وفيما نجد أن األلوف على ظهر الباخرة ،ال يشكلون
مجتمعاً ،فإننا نجد أن بضع مئات من الناس في قرية صغيرة
يشكلون مجتمعاً ،وذلك أيضا ً باتفاق الجميع.
فالتعريف الصحيح هو ذلك التعريف الذي يلحظ الفرق
الجوهري بين الناس الذين يشكلون مجتمعا ً ولو كانوا بضع
مئات في قرية ،وبين الناس الذين اجتمعوا في وقت من األوقات
دون أن يشكلوا مجتمعا ً ولو بلغوا عشرات األلوف .وهذا الفرق
الجوهري يكمن في أن أهل القرية قامت بينهم عالقات دائمية
حافظت على تماسكهم وجعلت منهم وحدة متماسكة وأعطت
لمجموعهم -وليس ألفرادهم -شخصية متميزة بحيث أصبح
لهذا المجموع هوية محددة .بينما ركاب الباخرة الذين يعدّون
األلوف ليسوا أكثر من رفاق طريق وال تربطهم أية عالقة
دائمية ،فهم سيتفرقون بمجرد النزول على الرصيف.
إذن ،فالمجتمع هو مجموعة من الناس تؤلف بينهم
عالقات دائمية ،بها يقوم ذلك المجتمع وبتميّزها يت ّميز .فإن
160
كانت هذه العالقات راقية كان ذلك المجتمع راقيا ً وإن كانت
منخفضة كان منخفضاً.
وهنا يبرز السؤال التالي:
كيف تكون هذه العالقات راقية ،وكيف تكون منخفضة؟
الجواب يكمن في معرفة العوامل التي تتحكم بهذه العالقات.
إن النظرة العميقة إلى واقع المجتمع ترينا أن الذي يتحكم
بعالقات الناس فيه ثالثة أشياء ،هي المفاهيم والمشاعر
واألنظمة.
أما المفاهيم ،فذلك أن اإلنسان يكون سلوكه تابعا ً لمفاهيمه
التي يحملها ،فهو يفعل ما يراه صواباً ،ويترك ما يراه خطأً،
وحتى تقوم العالقة بين الناس البد أن تكون المفاهيم مشتركة،
ذلك أن الناس اجتمعوا على المصلحة ،وال تقوم العالقة بين
طرفين إال إذا توحدت المفاهيم لديهما حول المصلحة .أما إذا
اختلفت المفاهيم حول المصلحة ،فلن تقوم العالقة.
وأما المشاعر ،فذلك أن المفاهيم التي يحملها الناس،
ترتبط بها مشاعر من جنسها ،وحتى تقوم العالقة بينهم ،البد أن
تتوحد مشاعرهم تجاه المصلحة التي اجتمعوا عليها ،فيفرحون
جميعا ً لما يرونه صوابا ً ويغضبون وينز ِعجون جميعا ً لما يرونه
خطأً .وهذه األفكار والمشاعر هي التي يتكون منها العرف العام
في المجتمع.
وأما األنظمة ،فإن كل مجتمع تقوم فيه سلطة ترعى
شؤونه .وتنظم عالقاته وتفصل الخصومات فيه ،كل ذلك حسب
161
نظام تتبناه وتطبقه وتُلزم جميع أفراد المجتمع به ،مما يعني أن
هذا النظام سيكون له أثر كبير في عالقات المجتمع.
وهكذا يظهر لنا أن المجتمع هو أناس تربطهم أفكار
ومشاعر مشتركة وأنظمة .وإن هذا المجتمع يصنَّف بحسب تلك
األفكار والمشاعر واألنظمة ،فإن كانت مثالً رأسمالية كلها كان
المجتمع رأسمالياً ،وإن كانت شيوعية كان المجتمع شيوعياً،
وإن كانت إسالمية كان المجتمع إسالمياً.
فحتى يكون ذلك المجتمع ذا هوية معينة وشخصية متميزة
يجب أن تكون تلك المجموعة من األفكار والمشاعر واألنظمة
متجانسة ،بحيث ال يناقض بعضها بعضاً.
فلو فرضنا أن مجتمعا ً يحمل مزيجا ً من األفكار
الرأسمالية واإلسالمـيـة -كما هو الحال في كثير من البالد
اإلسالمية -فإنه لن يكون لذلك المجتمع لون معين وال هوية
محددة ،وبالتالي فإنه -مادام على حاله هذه -لن يعرف النهضة
وال بشكل من األشكال.
وكذلك ما لو قام شرخ في مجتمع ما بين العرف العام فيه
وبين األنظمة بحيث طبـق الحكـام أنـظمـة تتناقـض مع مفاهيم
المجتمع ومشاعره -كما هو شأن معظم العالم اإلسالمي اليوم -
فإنه سيكون مجتمعا ً مضطربا ً تتّقد فيه نار العداوة بين الحاكمين
والمحكومين ،وبالتالي فإنه بعيد أشد البعد عن وصف الرقي أو
النهضة.
ي أفكاره ومشاعره وأنظمته
ثم إن المجتمع يرقى برق ّ
وينخفض بانخفاضها .وال يمكن أن تكون تلك األفكار والمشاعر
162
واألنظمة راقية إال أن تكون مبنية على قاعدة فكرية واحدة.
وهذه القاعدة الفكرية يجب أن تكون عقيدة عقلية تعطي فكرة
كلية عن الكون واإلنسان والحياة ،حتى تصلح أن تكون مبدأ
لكل األفكار وأصالً لكل األنظمة.
وخالصة الكالم أن المجتمع ،يكون مجتمعا ً ناهضا ً إذا
كان عرفُهُ العام -وهو األفكار والمشاعر -مبينا ً على عقيدة
عقليةٍ ،وكانت أنظمته منبثقة عنها .وبذلك تكون هذه العقيدة هي
األساس الذي يقوم عليه المجتمع ،والقيادة الفكرية التي تأخذ بيده
نحو النهضة.
فإذا أردنا إيجاد مجتمع ينعم بالنهضة الصحيحة ،فإن ذلك
ال يتأتى إال بإقامة مجتمع إسالمي ،أي بإيجاد مجتمع يقوم على
العقيدة اإلسالمية ،بحيث تكون أفكاره ومشاعره وأنظمته كلها
إسالمية .ذلك أن العقيدة اإلسالمية هي العقيدة الصحيحة وما
سواها باطل.
وإذا نظرنا إلى واقع مجتمع المسلمين اليوم على ضوء ما
سبق من الكالم ،وجدنا أنه مجتمع يصدق عليه وصف
االنحطاط .ذلك أن أفكاره وإن كان كثير منها إسالميا ً إال أن
فيها قسما ً كبيرا ً من األفكار الدخيلة غير اإلسالمية والتي ورد
معظمها من الحضارة الغربية ،كأفكار فصل الدين عن الحياة
والحريات العامة والديمقراطية وما شابه ذلك.
أما من حيث المشاعر ،فكذلك ُر ْغ َم من حفاظ األمة على
كثير من مشاعرها اإلسالمية ،تفشت في المجتمع كثير من
المشاعر الزائفة ،كالقومية والوطنية والقبلية وغيرها.
163
وأما من حيث األنظمة ،فإن أغلب األنظمة التي تطبق في
بالد المسلمين هي أنظمة كفر استوردت من هنا وهناك من
القوانين الوضعية.
وهكذا أصبح المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون ،مش ّكالً
من مزيج من األفكار والمشاعر واألنظمة اإلسالمية وغير
اإلسالمية ،مما جعل منه مجتمعا ً منخفضا ً ال ينعم بشيء من
النهضة.
كما أن ذلك يعني ،أنه على الرغم من كون أغلب النا س
في المجتمع مسلمين ،إال أن هذا المجتمع ال ينطبق عليه وصف
المجتمع اإلسالمي ،أي أنه ليس مجتمعا ً إسالمياً.
164
منهج الرسول rفي تغيير المجتمع
لقد بُعث رسول هللا rفي مجتمع جاهلي ،تسوده المفاهيم
والمشاعر واألنظمة الجاهلية ،فكانت مهمته أن يحول هذا
المجتمع إلى مجتمع آخر تماماً ،وذلك ليس بتغيير أفراده ،وليس
بإزالة أفراده واإلتيان بأفراد آخرين بدالً منهم ،وإنما بتغيير
مفاهيمه ومشاعره وأنظمته ،أي بإزالة أفكار الكفر ومشاعره
وأنظمته وإيجاد أفكار ومشاعر وأنظمة إسالمية.
فما الطريقة التي اتبعها في ذلك؟
من خالل التدقيق واالستقراء لسيرة رسول هللا rابتداء
من نزول الوحي ،يتبين لنا أنها تنقسم إلى ثالث مراحل:
أ -المرحلة األولى :مرحلة إعداد تكتل على أساس
اإلسالم ،وتثقيفه بالثقافة اإلسالمية.
ب -المرحلة الثانية :مرحلة الصدع بالدعوة والتفاعل مع
المجتمع.
ت -المرحلة الثالثة :تطبيق اإلسالم عمليا ً من خالل
الدولة اإلسالمية.
وفيما يلي التفصيل والتوسيع
165
المرحلة األولى :مرحلة التثقيف
استمرت هذه المرحلة ثالث سنوات ،قام رسول هللا r
خاللها بغرس العقيدة في نفوس الصحابة رضي هللا عنهم،
يقوي فيهم اإليمان عن طريق األدلة والبراهين العقلية
وكان ّ
القاطعة ،ويعلمهم أحكام اإلسالم ويثقفهم بالثقافة اإلسالمية
الحية ،ويقيم لهم األدلة والبراهين على فساد العقائد والمفاهيم
واألنظمة الجاهلية .ويحثهم على ذكر هللا تعالى ،وعلى التفكر
في الكون من أجل مزيد من اليقين باهلل ومزيد من الطاعات له،
ويبعث فيهم الروحانية بالصالة والتالوة والتهجد .وينزع من
قلوبهم مشاعر الجاهلية ،كالحمية الجاهلية والعصبية القبلية،
ويبعث فيهم المشاعر اإلسالمية المنسجمة مع المفاهيم
فيعودهم على الوالء هلل وللرسول
اإلسالمية الصادقة،
ّ
وللمؤمنين ،ويحرم عليهم الوالء للشيطان وأوليائه ،ولو كانوا
آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم أو عشيرتهم ،ويشحذ فيهم الهمم
من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل ،إلى أن يصلوا إلى حالة
ال يطيقون معها أن يبقى المبدأ حبيس نفوسهم .فالعقيدة تغلي في
صدورهم ،والمفاهيم الصادقة تتزاحم في أذهانهم ،والواقع بما
يحويه من قناعات وعادات وتقاليد وأنظمة فاسدة مهترئة بالية
وظلم ال يطاق وفساد ال يحتمل ،وتسلط من شرار القوم وشذّاذ
اآلفاق ،وتجبّر من الطواغيت ،وظلم للمستضعفين ،ووأد
للبنات ،وتطفيف للكيل ،وافتراس للناس بالربا ،وتقاتل من أجل
العصبية .هذا الواقع يحفزهم ويدعوهم إلى مجابهته من أجل
تقويمه.
166
واستمر الرسول rفي هذه المرحلة حتى أعد تكتالً من
الصحابة الذين نضجوا في الثقافة اإلسالمية ،فقد تكونت فيهم
العقلية اإلسالمية وأصبحت نفسيتهم نفسية إسالمية .وبذلك
اطمأن عليه الصالة والسالم إلى أنه أوجد تكتالً من الشخصيات
ّ
تمت إلى
اإلسالمية الناضجة الموصولة باهلل تعالى ،وال
المجتمع الجاهلي بصلة .وأيقن أن التكتل أصبح مستعدا ً للصدع
بالدعوة مستعدا ً لمجابهة المجتمع القائم بكل جاهليته.
المرحلة الثانية :مرحلة الصدع بالدعوة والتفاعل
مع المجتمع
في هذه المرحلة ،استمر الرسول rفي بناء كتلته وتثقيفها
وزيادة عددها ،وأضاف إلى ذلك عدة أعمال كانت األخطر
واألصعب واألشد في حياة الدعوة التي عاشها تكتل الصحابة،
وهذه األعمال هي:
-1الدعوة الجماهيرية الجهرية لنشر اإلسالم وإيجاد
الرأي العام اإلسالمي.
-2الصراع الفكري لعقائد الكفر وأنظمته وأفكاره
وللعادات الفاسدة واألفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة ،ببيان
زيفها والدعوة إلى تركها.
صد فيه زعما َء قريش،
-3الكفاح السياسي ،الذي تق ّ
إلصرارهم على الكفر وحكم الناس بأنظمة الكفر ،ولوقوفهم في
وجه الدعوة اإلسالمية.
167
في مرحلة الجهر بالدعوة هذه ،حمل الرسول rالدعوة
وأظهر الكتلة التي تحمل معه الدعوة سافرة متحدية .وفوق ذلك
فقد كانت هذه الدعوة بذاتها تتضمن كفاح قريش والمجتمع في
مكة ألنها كانت تدعو إلى توحيد هللا وعبادته وحده ،وإلى ترك
عبادة األصنام واإلقالع عن النظام الفاسد الذي يعيشون ِو ْفقَه،
فاصطدمت بقريش اصطداما ً كلياً ،فقد سفّه الرسول rأحالمهم
وحقّر آلهتهم وندّد بحياتهم الرخيصة ،ونعى على وسائل عيشهم
الظالمة .ينزل عليه القرآن فيهاجمهم ويقول لهم صراحةً { إنكم
وما تعبدون من دون هللا حصب جهنم أنتم لها واردون }( ،)1ثم
يهاجم الربا الذي يعيشون عليه مهاجمة عنيفة من أصوله،
فيقول تعالى في سورة الروم { :وما آتيتم من ربا ليربو في
أموال الناس فال يربو عند هللا }( ،)2ويتوعد الذين يطفّفون
الكيل والميزان ،فيقول تعالى { :ويل للمطففين * الذين إذا
اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو َو َزنُو ُهم
ي ُْخسِرون }( ،)3ولهذا أخذوا يقفون في وجهه ،ويؤذونه هو
وأصحابه بالتعذيب تارة وبالمقاطعة أخرى ،وبالدعاوة ضده
وضد دينه ،غير أنه ظل يهاجمهم ،واستمر على مكافحة
اآلراء الخاطئة ،وهدم العقائد الفاسدة ،والمجاهدة في سبيل
ي،
نشر الدعوة .وكان يدعو إلى اإلسالم بكل صراحة ،ال يكن ّ
يلوح ،وال يلين وال يستكين ،وال يحابي وال يداهن ،رغم
وال ّ
-1سورة األنبياء -اآلية (.)98
-2سورة الروم -اآلية ()39
-3سورة المطففين -اآليات ()3-1
168
ما القاه من قريش من صنوف األذى ،ورغم ما يصيبه من
مشقّات.
ومع أنه فرد أعزل ال ُمعين له وال نصير من الناس ،وال
عدة معه وال سالح ،فإنه جاء سافرا ً متحدياً ،يدعو لدين هللا بقوة
وإيمان ،ال يتطرق إليه أي ضعف عن احتمال تكاليف الدعوة،
والقيام باألعباء الجسام من أجلها ،فكان لذلك كله األثر في
التغلب على الصعوبات التي كانت تضعها قريش في وجهه
لتحول بينه وبين الناس .وقد استطاع الرسول rأن يصل إلى
الناس ويبلّغهم ،فأقبلوا على دين هللا ،وأخذت قوة الحق تعلو
علىالباطل ،وأخذ نور اإلسالم يزداد كل يوم انتشارا ً بين
العرب ،فأسلم الكثير من عبّاد األصنام ومن النصارى ،بل أخذ
زعماء قريش يسمعون للقرآن وتهفو قلوبهم له.
تجلى في هذه المرحلة الكفاح بين فكر وفكر ،بين مسلمين
وكافرين ،بدأ ذلك من كتلة الصحابة حين خرج الرسول rومعه
أصحابه في ترتيب لم تعهده العرب من قبل ،وفي كتلة واحدة.
ومنذ ذلك الحين صار الرسول rينشر الدعوة على الناس كافة
جهارا ً نهارا ً سافرا ً متحدياً .فيكون لهذه الدعوة الجماعية
والتثقيف الجماعي أثر على قريش ،إذ ازداد حقدها وأحست
بالخطر يقترب منها ،وبدأت تتخذ الخطوات الجدية للمقاومة،
بعد أن كانت بادىء األمر ال تأبه لمحمد وال لدعوته ،فتجلّى
الكفاح السياسي أكثر فأكثر ،فلقد نزل القرآن الكريم يهاجم أبا
لهب عم الرسول وأحد زعماء مكة ،حيث قال تعالى { :تبت يدا
أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ً
169
ذات لهب }( ،)1ونزل القرآن الكريم يهاجم الوليد بن المغيرة
الذي تولى المحاربة الفكرية واإلعالمية للدعوة فقال تعالى{ :
كال إنه كان آلياتنا عنيدا ً * سأرهقه صعودا ً * إنه فَ َّكر وقدر *
فقُتِل كيف قَدّر * ثم قُتِل كيف قَدّر * ثم نظر * ثم عبس وبسر *
ثم أدبر واستكبر * فقال ْ
حر يؤثر * إن هذا إال قو ُل
س ٌ
إن هذا إالّ ِ
البشر * سأ ُ ْ
ص ِليه سقر}( .)2فازداد األذى واالضطهاد على
النبي rوعلى أصحابه.
لقد كان للدعوة الجماعية أثر نقلها إلى أفق أوسع ،وإن
كان نقل َح َملتها إلى المشقة والعذاب وتحمل صنوف األذى.
وكان يزيد النار اشتعاالً في نفوس زعماء قريش ،مهاجمة
الرسول للظلم والقسوة واالستعباد الذي كان يسود مكة ،وكشفه
ألحوال الكفار وأعمالهم ،فكانت هذه المرحلة من أشق
المراحل ،وكان هذا الدور من أعظم األدوار.
منذ أن أنشأ الرسول rتكتل الصحابة الذي صدع معه
بالدعوة إلى اإلسالم كان يستهدف تغيير العرف العام السائد في
مكة ،من عرف عام جاهلي إلى عرف عام إسالمي .ذلك أن
تغيير ذلك العرف العام هو الخطوة األهم في عملية تغيير
المجتمع واالنتقال به من الجاهلية إلى اإلسالم ،فإن ذلك العرف
العام ما هو في حقيقة األمر إال مجموع ما لدى المجتمع من
أفكار ومشاعر تكيّف سلوكه وعالقاته ومواقفه .فإذا ما انتشر
اإلسالم واعتنقه الناس بغالبيتهم في مكة فإنهم يكونون قد حملوا
-1سورة اللهب -اآليات 3-1
-2سورة المدثر -اآليات 26-16
170
أفكاره ،واعتملت في نفوسهم مشاعره ،وبذلك يكون العرف
العام قد تشكل على أساس اإلسالم -ولو علىنحو عمومي -مما
يؤدي إلى وجود رأي عام يتلمس اإلسالم في مواقفه وآرائه.
عندها لن يعود بين المجتمع وبين أن يصبح إسالميا ً إال أن
يوضع النظام اإلسالمي موضع التطبيق من خالل السلطة
والحكم ،سواء أسلم أهل الحكم والسلطة وأوصلوا اإلسالم إلى
سدة الحكم بأنفسهم ،أو أُطيحوا بالقوة بعد أن يصبح الرأي العام
في مكة إسالميا ً يريد أن يعيش حياة إسالمية .وبذلك يمكن لمكة
أن تصبح النواة األولى للمجتمع اإلسالمي.
إال أن ذلك لم يتحقق للرسول rفي مكة ،فرغم أن الذين
دخلوا في اإلسالم من المكيّين زاد عددهم في تلك المرحلة ،إال
أنهم لم يصلوا إلى الحد الذي يمكن أن يقال معه إن العرف العام
والرأي العام الم ّكي أصبح إسالمياً ،فما زال العرف العام السائد
هو العرف الجاهلي ،والرأي العام هو رأي الجاهليين .وقد
وصل األمر مع الرسول rفي مكة إلى أن تج ّمد المجتمع في
وجهه وتح ّجر بحيث لم يعد هناك أي تفاعل بين الدعوة وبين
الناس بسبب اإلرهاب الذي مارسه صناديد قريش تجاه اإلسالم
وكل من تحدثه نفسه بالدخول في الدين الجديد .مما دفع الرسول
عليه الصالة والسالم إلى البحث عن مجتمع جديد يحاول فيه
نشر اإلسالم لعله يكون بديالً عن مكة ،نقطةً الرتكاز الدعوة
تنتقل فيها من مرحلة الدعوة إلى مرحلة التطبيق العملي من
خالل الحكم .وصار يعرض نفسه على القبائل الوافدة إلى مكة،
إلى أن أكرم هللا تعالى أهل يثرب بأن يكونوا أهل نصرة اإلسالم
والرسول .r
171
حصل ذلك حين أسلم وفد من المدينة في أحد مواسم الحج
على يدي الرسول ،rوعادوا إلى المدينة ليدعوا قومهم إلى
اإلسالم وليأتوا في الموسم التالي بمزيد من الذين انشرحت
قلوبهم لهداية اإلسالم ،فبايعوا الرسول عليه الصالة والسالم
عند العقبة ،فأرسل معهم rالصحابي الجليل الداعية البارع
مصعب بن عمير رضي هللا عنه ،ليعلمهم اإلسالم ويفقههم فيه
ولينشر اإلسالم في المدينة .ولم تمض سنة على وجود مصعب
في المدينة إال وقد تشكل العرف العام اإلسالمي في المدينة بعد
أن دخل زعماؤها ومعظم أهلها في اإلسالم .وبذلك تكفّل العرف
العام اإلسالمي في المدينة بركنين من أركان المجتمع اإلسالمي
أال وهما المفهوم والشعور اإلسالميان المبنيان على العقيدة
اإلسالمية ،فلم يبق إال أن يأتي الرسول rإلى المدينة ليضع
األنظمة المنبثقة عن تلك العقيدة موضع التطبيق من خالل
السلطة والحكم ،وبذلك يكون قد قام المجتمع اإلسالمي األول.
وهكذا كانت هجرة الرسول rإلى المدينة تتويجا ً لمسيرة
تأسيس مجتمع اإلسالم ،حيث شرع منذ وصوله بتطبيق أنظمة
اإلسالم على كل الصعد ،في الحكم واالقتصاد واالجتماع
والتعليم والعقوبات والسياسة الداخلية والخارجية .ووصل بذلك
rإلى المرحلة الثالثة ،مرحلة تطبيق اإلسالم عمليا ً من خالل
الحكم والسلطان ،أي من خالل "الدولة".
172
المجتمع اإلسالمي
واالحتكاك الحضاري والفكري
حين نقول إن الحضارة اإلسالمية هي مجموعة المفاهيم
اإلسالمية عن الحياة ،فهذا يعني أن الحضارة اإلسالمية هي
العقيدة اإلسالمية وما انبثق عنها من أنظمة وما نتج عنها وبني
عليها من أفكار .وبالتالي فإنه بقدر ما يكون المجتمع متقيدا ً
بأوامر هللا ونواهيه ،سائرا ً وفق نظام هللا تعالى ،ستتجلى فيه
الحضارة اإلسالمية .وبقدر ما يكون الفكر اإلسالمي واضحا ً
في أذهان المسلمين سيحسنون تطبيقه ،وبقدر ما يكون نقيا ً
وصافيا ً ستكون حضارتهم إسالمية صرفة .ونعني بالنقاء
والصفاء أن ال يداخل الفكر اإلسالمي أي دخل أو فكر غريب.
ألن أي فكر غير إسالمي يقحم في الفكر اإلسالمي هو تلويث له
وتشويه .ذلك أن الفكر اإلسالمي -وهو وحي من هللا -هو
الحق وما سواه هو الباطل ،وال يمكن لهما أن يجتمعا .وهذا كما
أسلفنا ما يميّز الحضارة اإلسالمية عن غيرها ،من حيث إنها ال
ّ
تمت بصلة إلى أي حضارة أخرى.
173
فما مدى النقاء الذي اتّسم به الفكر اإلسالمي في أذهان
المسلمين وحياتهم خالل التاريخ اإلسالمي وإلى عصرنا هذا؟
لقد اقتضت حكمة هللا سبحانه وتعالى أن ينزل الوحي
باإلسالم بين قوم أميّين بعيدين أشدّ البعد عن المدنية
شوشت أذهان الشعوب
والحضارات المعقدة والمتشابكة التي ّ
واألمم { ،هو الذي بعث في األميين رسوالً منهم يتلو عليهم
آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي
ضالل مبين }(.)1
إذا تلمسنا الفرق بين المجتمع الجاهلي في الجزيرة
العربية وبين سائر المجتمعات ،نجد أن هناك فروقا ً مهمة
تجعلنا نقف عند شيء ولو يسير من الحكمة في نزول الوحي
بين هؤالء العرب.
إذا تأملنا طبيعة الحياة واألجواء التي أحاطت بالعربي في
الجزيرة العربية ،وجدنا البساطة هي السمة األبرز في حياته.
فاألشياء التي يراها حوله في الصحراء قليلة ،وربما استطاع
اإلنسان أن يعدها بالرمال والجبال والمياه والنخيل في الواحة
واإلبل والدواب والخيام وبعض البيوت الطينية البسيطة وبعض
الماشية والشمس في النهار والقمر والنجوم في الليل ،والقليل
من األشياء غيرها .وها هو القرآن الكريم حين يخاطبهم يراعي
في ضرب األمثلة ما يقع عليه نظرهم فيقول { :أفال ينظرون
-1سورة الجمعة -اآلية ()2
174
إلى اإلبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال
كيف نصبت * وإلى األرض كيف سطحت }(.)1
وكذلك إذا نظرنا إلى عقائدهم وأفكارهم سنجدها بسيطة
تافهة ،وهي تتلخص في عبادة األوثان وتعظيم العشيرة
والتفاخر باألموال والبنين ،مع التمسك ببعض القيم والشيم
كالشهامة والشجاعة والمروءة والنجدة والكرم وما شابه ذلك.
وتبعا ً لبساطة تلك العقائد واألفكار ،كانت عاداتهم وتقاليدهم
وعالقاتهم تتسم بالبساطة وبعيدة كل البعد عن التعقيد .وبالتالي
كانت أذهانهم صافية بعيدة عن التشوش والتعقيد ،ولعل ذلك كله
يفسر تميّزهم بذاكرة قوية تجلت أكثر ما تجلت في حفظ
األنساب واألسماء واألشعار.
وأما سائر المجتمعات المحيطة التي انتشرت فيها
الحضارات القديمة كالرومانية والفارسية والهندية والصينية،
فإنها كانت مجتمعات مثقفة متمدنة ،ازدحمت في أذهانها
األفكار والمعلومات التي أغدقتها الفلسفات واألديان والنظم
والحضارات والثقافات والمعارف المتعددة والمختلفة والمتلونة.
وكانت الحياة فيها تتسم بالتعقيد بما فيها من مدنية وعمران
ووسائل مادية ،مما جعل أذهان الناس فيها مشوشة تتسم بالتعقيد
والتكلف.
وهكذا كان العرب الصحراويون مؤهلين أكثر من جميع
هؤالء لتكون فيهم النبوة والرسالة من هللا تعالى ،ذلك أن
أذهانهم كانت مهيّأة ألن تتخلى بسهولة عن العقائد واألفكار
-1سورة الغاشية -اآليات ()20 - 19 - 18 - 17
175
التافهة السطحية إذا ما اقتنعت بالفكر الجديد الذي نزل وحيا ً من
عند هللا تعالى ،فال يخلطون بينه وبين غيره من الموروثات
الفكرية السابقة ،ألن ذلك قد يؤدي إلى وجود دين جديد
وحضارة جديدة ليست هي الجاهلية األولى وال اإلسالم ،وإنما
هي مزيج من االثنين ال هوية له وال لون وال طعم.
أما لو أردنا أن نتصور ما سيكون حال هذه الدعوة إذا
انتشرت بادىء أمرها في المجتمعات الرومانية أو الفارسية أو
الهندية مثالً ،فبإمكاننا أن نستحضر في ذهننا الصورة التي
أحاطت بالدين النصراني حين انتشر في اإلمبراطورية
الرومانية حيث أصبح مزيجا ً من المسيحية والوثنية والفلسفات
اليونانية والهندية وغيرها .وكذلك يمكننا استحضار صورة
ال ِف َرق المبتدعة التي انسلخت عن اإلسالم بعد انتشاره خارج
الجزيرة العربية والتي ما كانت بدعها في حقيقة األمر إال
اقتباسا ً لألفكار الوثنية والفلسفية الغابرة ومحاولة نَسبها إلى
اإلسالم زورا ً وبهتاناً.
وهكذا كان العرب أهالً ألن يكونوا النواة األولى التي
تتجسد فيها الحضارة اإلسالمية نقية صافية مبلورة واضحة
خالية من أي لبس أو لوث أو دخل أو دخن.
فما مدى استمرار ذلك النقاء في الفكر اإلسالمي من بعد
محمد رسول هللا r؟
إن الناظر في تاريخ الفكر اإلسالمي منذ عهد رسول هللا r
ومرورا ً بعدة قرون من بعده ،يجد أن األمة اإلسالمية حافظت
على نقاء فكرها إلى حد بعيد ،ولم توجد أمة انضبطت في
176
تفكيرها وحافظت على هويتها واستقامت في سيرها وفق وجهة
نظرها وقيادتها الفكرية كما كان حال األمة اإلسالمية .فالعقيدة
اإلسالمية كانت القاعدة الفكرية التي يبني المسلمون عليها
أفكارهم .ونصوص الوحي -وهي القرآن والسنة -كانت
المصدر ألنظمة الحياة والدولة .وكانت األمة حريصة على عدم
األخذ من أي فكر أو حضارة غير اإلسالم ذلك أن كل ما سوى
اإلسالم في نظرها هو كفر ،ألنه ليس بعد الحق سوى الضالل.
إال أن هذا الواقع لم يستمر كما يجب ،فقد وصلنا إلى حالة
لم يعد معها الفكر اإلسالمي واضحا ً في أذهان المسلمين ،ولم
يعد نقيا ً حتى في أذهان العلماء ومدرسي الشريعة وطالبها،
حيث دخلت لوثات كثيرة إلى األذهان ،وأصبح كثير من األفكار
ينسب إلى اإلسالم وهو منها براء .فما أسباب هذا التلوث؟
ومتى بدأ؟ وما هو الطريق للتخلص منه وإعادة النقاء إلى فهم
المسلمين لإلسالم؟
من البدهي أن تأثر الشعوب بعضها بأفكار بعض يكون
نتيجة لالحتكاك الفكري بين تلك الشعوب .هذا االحتكاك قد
يؤدي إلى انهزام فكر وانتصار فكر ،وقد يؤدي إلى تأثر فكر
باآلخر ،وقد يؤدي إلى تأثر الفكرين كل واحد منهما باآلخر.
والتاريخ يرينا أن الفكر اإلسالمي منذ أن احتك بغيره من
األفكار ،لم يصمد أمامه فكر مطلقاً ،مادام قد تسنى له من يفهمه
حق فهمه ويحمله بالتالي على أحسن وجه .أما حين أصبح فاقدا ً
لل َح َملَة الواعين الفاهمين ،فقد سنحت الفرصة لغيره من األفكار
باالنتصار ،ال عليه ،وإنما على المسلمين.
177
لقد تعرض الفكر اإلسالمي لكثير من الضغوط والعوامل
التي من شأنها أن تؤدي إلى تلويثه وتشويهه أو ربما تحريفه
لوال أن هللا تعالى تكفل بحفظه وهو القائل { :إنا نحن ّ
نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون }( .)1فما هي تلك الضغوط والعوامل
وما مدى تأثيرها على الثقافة اإلسالمية؟
مع ظهور اإلسالم وخالل المرحلة المكية ،خاض الرسول
rوصحابته الكرام رضي هللا عنهم ،الصراع الفكري إلى جانب
الكفاح السياسي ،في الوقت الذي يعلو فيه الكفر والكفار في
المجتمع .ويمكن أن توصف تلك المرحلة بحق بأنها مرحلة
ملحمية حيث كانت تقع على عاتق الرسول مهمة من أصعب
المهمات .فهو يقف أعزل مستضعفا ً أمام صناديد الكفار،
ويواجههم بدينه ،ويعيب عليهم آلهتهم ،ويسفه أحالمهم ،ويحقّر
تراث آبائهم ،ويطرح دعوته متحديا ً سافرا ً ال يداهن وال يداجي
وال تلين له قناة .فيعمد الكفار إلى ما يملكون من قوة وأسباب
ووسائل يستخدمونها إما للترهيب أو الترغيب .فتارة يعرضون
عليه المال والجاه والنساء والملك ،وتارة يساومونه فيعرضون
عليه أن يعبدوا إلهه مقابل أن يعبد آلهتهم هو أيضاً ،أو على
األقل أن يكف عن سبها وتحقيرها .فإذا فشلت أساليب الترغيب
-1سورة الحجر -اآلية ()9
178
هذه عمدوا إلى وسائل الترهيب من قتل للصحابة وتعذيب لهم
وتشريد ومقاطعة اقتصادية واجتماعية وسياسية وغير ذلك.
فهل نجحت تلك الضغوط في التأثير على الدعوة وهل كان لها
أثر في الفكر اإلسالمي؟
إن لنا أن نتصور -لو لم يكن رسول هللا هو حامل الدعوة
أن َح َملَة الدعوة قد يتنازلون عن بعض أفكارهم ومواقفهمويداهنون أعداءهم ويسايرونهم حتى يخفّفوا من نقمة المجتمع
والحكام ،وحتى يستميلوا إليهم أتباعا ً لدينهم بعد إجراء
التعديالت عليه على نحو يوافق عقليات الناس وأمزجتهم ،كما
يفعل كثير من أصحاب الدعوات .وعلى الرغم من أن الرسول
rمعصوم ال يتصور منه ذلك ،إال أن القرآن الكريم يحذره من
الوقوع في تلك الحبائل الشيطانية التي يحيكها صناديد قريش،
السيما المداهنة والمسايرة والتملق .فيقول تعالى { :فال تطع
المكذبين * ودّوا لو تدهن فيدهنون }( .)1وبعض اآليات
تصرح بأن الكفار كادوا أن يصرفوا الرسول rعن بعض
اإلسالم لوال تثبيت هللا تعالى له ،حين قال تعالى { :وإن كادوا
ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا ً التخذوك
خليالً * ولوال أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ً قليالً * إذا ً
وضعف الممات ثم ال تجد لك علينا نصيرا ً
ألذقناك ِضعف الحياة ِ
}( .)2قال القرطبي في تفسير هذه اآليات" :هو قول أكابر
قريش للنبي :rأطرد عنا هؤالء السقاط والموالي حتى نجلس
-1سورة القلم -اآليتان ()9 - 8
-2سورة اإلسراء -اآليات (من 73حتى )75
179
معك ونسمع منك ،فهم بذلك حتى نهي عنه .وقال قتادة :ذكر لنا
أن قريشا ً خلوا برسول هللا rذات ليلة إلى الصبح يكلمونه
ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه ،فقالوا :إنك تأتي بشيء ال يأتي
به أحد من الناس ،وأنت سيدنا يا سيدنا ،وما زالوا به حتى كاد
يقاربهم في بعض ما يريدون ،ثم عصمه هللا من ذلك ،وأنزل
هللا تعالى هذه اآلية ...ولما نزلت هذه األية {ولوال أن ثبتناك}...
اآلية ،قال عليه السالم :اللهم ال تكلني إلى نفسي طرفة عين...
وقال ابن عباس :كان رسول هللا rمعصوماً ،ولكن هذا تعريف
لألمة لئال يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام هللا
تعالى وشرائعه".
وهكذا ،فإن هذه األجواء التي عاشها الرسول rوالصحابة
الكرام في مكة ،جلبت الكثير من الضغوط المادية على حملة
الدعوة ،إال أننا رأينا أن هذه الضغوط لم يكن لها أي تأثير على
الدعوة وال على الفكر اإلسالمي ،فهي حقبة النبوة ،وقائد الدعوة
هو محمد رسول هللا ،rفأنّى للكفر أن يفلح في ذلك .وقد تخطى
الرسول rتلك المرحلة وأصبح لإلسالم دار ودولة تحكم بما
أنزل هللا تعالى .وزالت تلك الضغوط عن حملة الدعوة بعد أن
تخلصوا من طغيان الكفار ،وأصبحوا حكام مجتمعهم في المدينة
المنورة ،حيث ُوضع اإلسالم موضع التنفيذ والتطبيق .ولم
تمض عشر سنين إال وقد انتشر اإلسالم في الجزيرة العربية
كلها على يد رسول هللا ،rوطبق اإلسالم فيها نقيا ً صافياً ،وعلى
أحسن وجه.
180
بعد وفاة الرسول ،rتابع الصحابة الكرام المسيرة،
فبايعوا خلفاء يحكمونهم بكتاب هللا وسنة رسوله ويرعون
شؤونهم باألنظمة التي انبثقت عن العقيدة اإلسالمية .وكان
الخلفاء الراشدون حريصين أشد الحرص على الحفاظ على
نقاء اإلسالم وصفائه وبراءته من أي لوث أو دخل .حتى إن
اتساع الدولة اإلسالمية وترامي أطرافها لم يغرهم باقتباس
األفكار وأنظمة الحكم واالقتصاد .ففرقوا بين الحضارة
والمدنية وكذلك بين الثقافة والعلوم .وفرقوا بين أنظمة الحكم
والقوانين اإلدارية .فرفضوا الحضارات والثقافات وأنظمة
الحياة كلها ما دامت من غير اإلسالم ،وأخذوا ما يلزمهم من
المدنية والعلوم والقوانين اإلدارية ،وذلك كما فعل عمر بن
الخطاب حين أخذ نظام الدواوين الذي لم يكن أكثر من أسلوب
إداري كالدوائر واإلدارات والسجالت التي تضمن حسن
تطبيق النظام الذي تبنته الدولة.
وقد حافظ الفكر اإلسالمي على نقائه طوال عهد الخلفاء
الراشدين .وكذلك من بعدهم ،إال أنه خالل العهد األموي بدأت
بعض اللوثات تتسرب إلى أذهان المسلمين فيخلطونها باإلسالم.
من أوائل المحاوالت الختراق الفكر اإلسالمي كانت
عمليات دس األحاديث .فقد عمد أعداء اإلسالم إلى األحاديث
النبوية يدسون فيها أحاديث مكذوبة لم يقلها الرسول rولكنهم
زوروها وض ّمنوها معاني غير إسالمية ومفاهيم تناقض
اإلسالم ،حتى يأخذها المسلمون ويعملوا بما فيها فيبعدوا عن
181
اإلسالم .وبالفعل كذبوا على الرسول rأحاديث كثيرة دسوها
بين األحاديث وأشاعوها بين الناس .غير أن المسلمين فطنوا
لهؤالء الزنادقة وقضوا على مؤامراتهم ،فهب العلماء ورواة
الحديث يجمعون الحديث ويضعون تاريخ رواته وأوصافهم
ويبينون الحديث الصحيح من الضعيف من المكذوب ،حتى حفظ
الحديث فحصرت رواية الحديث في تابعي التابعين عن التابعين
عن الصحابة ،ولم تقبل بعدهم أي رواية .وحصر الرواة
وعرف كل واحد منهم ،وبُينت طبقات كتب الحديث ،حتى
أصبح بإمكان المسلم إذا تتبع الحديث أن يعرف صحته من
ضعفه من كذبه ،بمعرفة سنده ومتنه .وفوق ذلك فإن الدولة
اإلسالمية ضربت على يد هؤالء الزنادقة بيد من حديد حتى
كان جزاء الكثيرين منهم القتل جزاء على افترائهم األحاديث
على رسول هللا ،rوبذلك لم يكن لهذه المؤامرة على اإلسالم وال
على ثقافته أثر يذكر .ولكن الخطر داهم الثقافة اإلسالمية من
طريق آخر.
حدث ذلك حين بدأ االحتكاك الفكري بالشعوب التي فتح
المسلمون بالدها ،من رومية نصرانية وفارسية وهندية وقبطية
وغيرها .وكانت تلك الشعوب تحمل قبل الفتح اإلسالمي ثقافات
وأفكارا ً عميقة األثر في نفوسهم .وكان على المسلمين أن
يشمروا عن سواعدهم لخوض صراع فكري مع هؤالء حتى
يوصلوا إليهم اإلسالم .فالفتوح اإلسالمية إنما شرعت لهذا
السبب ،وكان كل فتح يعقبه انتشار للعلماء والدعاة حتى يدخل
الناس في دين هللا أفواجاً .فخاض بعضهم غمار مجادلة أهل
الكتاب الذين كانوا ينتشرون في بالد الشام وشمال إفريقية
182
وبعض العراق ،وخاض بعضهم غمار مجادلة المجوس
الفارسيين وبعضهم جادل الوثنيين من هنود وصينيين وغيرهم.
لقد كان البدهي أن يحقق المسلمون انتصارا ً ساحقا ً على
كل الثقافات والحضارات واألديان التي كان يعتنقها الكفار من
الشعوب المفتوحة ،ولم يستغرق األمر سنين طواالً ،بل لقد
دخلت شعوب تلك البالد اإلسالم بأسرع من لمح البصر في
حساب تاريخ الشعوب واألمم ،وهجرت حضاراتها وثقافاتها
وانصهرت في حضارة اإلسالم وتثقفت بثقافته.
إال أن هذا الصراع الحضاري والفكري الذي انتصر فيه
المسلمون على سائر الثقافات والحضارات ،لم يمض دون أن
يصابوا ببعض "الشظايا الفكرية" المتناثرة في ميدان المعركة،
فقد كان االصطدام الفكري جدّ عنيف .وكان أصحاب األديان
األخرى يثيرون الشبهات ويجادلون المسلمين في العقائد ،ألن
أساس الدعوة مبني على العقيدة واألفكار المتعلقة بها .فكان
حرص المسلمين على الدعوة اإلسالمية ،وحاجتهم للرد على
خصومهم قد حمل الكثيرين منهم على تعلم بعض األفكار
الفلسفية لتكون بيدهم سالحا ً ضد خصومهم .فقد تسربت مسائل
فلسفية الهوتية من نصارى النساطرة وأمثالهم وعرف منطق
ّ
واطلع بعض المسلمين على بعض كتب
أرسطو بين المسلمين،
الفلسفة ،وترجمت كتب كثيرة من اليونانية إلى السريانية ثم إلى
العربية ،ثم صارت الترجمة من اليونانية إلى العربية ،فكان هذا
مساعدا ً على وجود األفكار الفلسفية .وكانت األديان األخرى
وخاصة اليهودية والنصرانية قد تسلحت بالفلسفة اليونانية،
183
وأدخلت للبالد األفكار الفلسفية ،فكان ذلك كله موجدا ً أفكارا ً
فلسفية حملت المسلمين على دراستها.
إال أن تلك الدراسة لم تكن دراسة فلسفية كاملة ،وإنما
دراسة أفكار فلسفية للرد على النصارى واليهود ،ألنه ما كان
يتسنى للمسلمين الرد إال بعد االطالع على أقوال الفالسفة
اليونانيين ،السيما ما يتعلق منها بالمنطق والالهوت .ولذلك
اندفعوا إلى اإلحاطة بالفرق األجنبية وأقوالها وحججها .وبذلك
أصبحت البالد اإلسالمية ساحة تعرض فيها كل اآلراء وكل
الديانات ويُتجادل فيها .والشك أن الجدل يستدعي النظر
والتفكير ويثير مسائل متعددة تستدعي التأمل ،وتحمل كل فريق
على األخذ بما صح عنده ،فكان هذا الجدل والتفكير مؤثرا ً إلى
حد كبير في إيجاد أشخاص ينهجون نهجا ً جديدا ً في البحث
والجدل والنقاش .وقد أثرت عليهم األفكار الفلسفية التي تعلموها
فتكون
تأثيرا ً كبيرا ً في طريقة استداللهم ،وفي بعض أفكارهم،
ّ
جرا َء ذلك "علم الكالم" وصار فنا ً خاصاً ،ونشأت في البالد
اإلسالمية بين المسلمين جماعة "المتكلمين".
صحيح أن هؤالء المتكلمين كان تأثرهم األساسي هو
بالقرآن ،وأساسهم الذي يبنون عليه بحثهم هو القرآن ،إال أنهم -
وقد تعلموا الفلسفة للدفاع عن القرآن وتسلحوا بها ضد
خصومهم -صار لهم منهج خاص في البحث والتفكير ،يخالف
184
منهج القرآن والحديث وأقوال الصحابة ويخالف في الوقت نفسه
منهج الفالسفة اليونانيين في بحثم وتقريرهم وتدليلهم(.)1
حين ظهر علم الكالم على الساحة الثقافية اإلسالمية القى
مواجهة عنيفة من علماء المسلمين وفقهائهم .إذ إنه أدخل طريقة
في البحث غريبة عن الحس اإلسالمي ومخالفة كما أسلفنا
لمنهج القرآن والسنة في بحث العقائد .لذلك عارض معظم
الفقهاء علم الكالم وكان حكمهم في المتكلمين شديداً .من ذلك ما
قاله اإلمام الشافعي رضي هللا تعالى عنه ":حكمي في علماء
الكالم أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر
ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في علم
الكالم"( .)2وقال اإلمام ابن عبد البر":أجمع أهل الفقه واآلثار
في جميع األمصار أن أهل الكالم أهل بدع وزيغ وال يعدون
عند الجميع ،في جميع األمصار في طبقات العلماء .وإنما
العلماء أهل األثر والفقه فيه ،ويتفاضلون فيه باإلتقان والميز
والفهم"(.)3
إال أنه مع مرور الزمن بدأ علم الكالم ينتشر بشكل واضح
ويلقى قبوالً لدى معظم العلماء ،حتى أصبحت عبارة "علم
الكالم" مرادفة لعبارة "علم التوحيد" أو "أصول الدين" ،بل إن
كثيرا ً ممن بقوا ينكرون على المتكلمين وعلم الكالم انزلقوا إلى
الخوض في مسائله ووفق منهجه دون أن يفطنوا إلى ما وقعوا
-1راجع :النبهاني -الشخصية اإلسالمية ،الجزء األول ( -ص 47حتى
.)50
-2تلبيس إبليس -ص (.)107
-3جامع بيان العلم وفضله -ج - 2ص (.)95
185
فيه .وكان من أسوأ آثاره أنه اندمج مع علم أصول الفقه على
شوه ذلك العلم الذي هو من أج ّل العلوم.
نحو ّ
ولعل ظهور "علم الكالم" والمتكلمين كان باكورة التأثر
الفعلي لدى المسلمين بسائر الثقافات والحضارات .وقد توالت
بعد ذلك موجات التأثير التي أصابت البنيان الفكري لألمة
اإلسالمية.
فبعد ظهور علم الكالم والمتكلمين وانتشار المؤلفات
الفلسفية وترجماتها ،أصبح ا ّ
الطالع على الفلسفة اليونانية
وغيرها ،من األمور المتيسرة في بالد المسلمين ،مما أدى إلى
ظهور من عرفوا "بالفالسفة المسلمين" الذين لم يقتصر عملهم
على االطالع على بعض جوانب األبحاث الفلسفية والرد عليها،
بل تخطوا ذلك إلى دراسة الفلسفة دراسة كاملة والسير على
منهجها بشكل كامل .ومن أشهر هؤالء "الكندي" المتوفى سنة
260هـ ،ثم جاء بعده "الفارابي" و"ابن سينا" و"جابر بن
حيان" وغيرهم.
وقد أخطأ كثيرا ً من عدّ فلسفة هؤالء "فلسفة إسالمية"،
ذلك أنها ال ّ
تمت إلى اإلسالم بصلة ،بل هي تتناقض مع اإلسالم
تناقضا ً تاماً ،سواء من حيث األساس أو من حيث كثير من
التفاصيل .أما من حيث األساس فإن هذه الفلسفة تبحث في ما
وراء الكون ،أي في الوجود المطلق ،بخالف اإلسالم فإنه إنما
يبحث في الكون وفي المحسوسات فحسب ،فيقول تعالى {:إن
في خلق السموات واألرض واختالف الليل النهار والفلك التي
تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل هللا من السماء من
186
ماء فأحيا به األرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة
وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء واألرض
آليات لقوم يعقلون }( ،)1ويمنع البحث في ذات هللا ،وفيما
وراء الكون ،ويأمر بالتسليم به تسليما ً مطلقاً ،والوقوف عند
حد ما يأمر باإليمان به من دون زيادة ،ودون أن يسمح للعقل
في محاولة بحثه .وأما من حيث التفاصيل فإن في هذه الفلسفة
أبحاثا ً كثيرة يعتبرها اإلسالم كفراً ،ففيها أبحاث تقول بقدم
العالم وأنه أزلي ،وأبحاث تقول إن نعيم الجنة روحاني وليس
مادياً ،وأبحاث تقول إن هللا يجهل الجزئيات ،وغير ذلك مما
هو كفر صراح قطعا ً في نظر اإلسالم(.)2
إال أن الجدير ذكره ،هو أن هؤالء الفالسفة لم يبلغوا أن
يكونوا جماعات أو مذاهب ،ولم يتبعهم جمهور من المسلمين،
أي أنهم لم يكونوا يعبّرون عن الرأي العام اإلسالمي ،وال حتى
عن قسم منه .لذلك ليس من الصواب أخذ أبحاثهم بعين االعتبار
حين دراسة الثقافة السائدة في األمة اإلسالمية آنذاك .فليس كل
من كتب كتابا ً أو صنّف مصنفا ً يشكل تيارا ً فكريا ً في المجتمع،
فإنه ال تكون له تلك األهمية إال أن تنتشر أفكاره لدى جمهور
من الناس .بل إننا نرى هؤالء الفالسفة منبوذين من قبل الرأي
العام الذي كان ينظر بعين الريبة ،بل والسخط ،إلى أبحاثهم
وانحرافاتهم الفكرية ،والسيما أن الرأي العام كان يستلهم معظم
مواقفه من آراء المجتهدين والفقهاء الذين وقفوا بالمرصاد أمام
-1سورة البقرة -اآلية (.)164
-2راجع :النبهاني -الشخصية اإلسالمية ،الجزء األول -ص ( 122حتى
.)125
187
تلك االنحرافات الفكرية .ويمكننا القول إن هؤالء الفالسفة لم
يحظوا طوال التاريخ باألهمية التي حظوا بها في التاريخ
الحديث والمعاصر .وربما ذاع صيتهم في البالد الغربية قبل
اإلسالمية في التاريخ المعاصر ،نتيجة حركة االستشراق التي
توجهت دائما ً نحو اإلعالء من شأن الفرق الضالة والمبتدعة
أمثال القرامطة وغيرها من الفرق الباطنية ،وكذلك اإلعالء من
شأن الفالسفة أمثال ابن سينا والفارابي والكندي وابن حيان
وابن رشد .وحاول هؤالء المستشرقون دائما ً إظهار هؤالء
الفالسفة في صورة المفكرين المتنورين والعباقرة المبدعين
الذين انتفضوا على جمود العصور الوسطى وتخلفها وتزمتها،
والذين كانوا ضحية الفقهاء والرجعيين من رجاالت الدولة
وحكامها .تماما ً كما كانوا يصورون مفكري عصر النهضة
األوربية أو الفالسفة المتنورين الذين انتفضوا في وجه االستبداد
الديني والظلم والتعسف الذي مارسه رجال الدين والكنيسة
المتحكمون بالمجتمع وثقافته.
ولكن ،مهما يكن شأن هؤالء ضئيالً في ذلك الوقت ،إال
أن أبحاثهم كانت ممرا ً لبعض األفكار الفلسفية التي لم يكن لها
أن تنتشر وتتركز في أذهان المسلمين لوال أن أسدى لها بعض
العلماء خدمة جليلة بإضفاء الصفة الشرعية عليها ،وأبرز تلك
األفكار ما صنف تحت عنوان "التصوف".
188
حين دخلت أفكار الصوفية والتصوف بادىء األمر إلى
الميدان الثقافي في العالم اإلسالمي عبر ترجمات الكتب
الهندية والفارسية وغيرها واعتنقها بعض الناس وأخذوا
أفكارها ،عاملها المسلمون -وفي مقدمتهم العلماء والفقهاء-
كما عاملوا سائر الفلسفات والفالسفة ،بل كان موقفهم إزاءها
أشد قسوة وأكثر وضوحاً ،وذلك لبعد الشقة بينها وبين العقيدة
اإلسالمية من حيث األساس .ذلك أن الفلسفة الصوفية الوافدة
من الهند والصين والتي تأثر بها النصارى قبل المسلمين ،بل
وحتى قبل ظهور اإلسالم ،حوت من األفكار واآلراء ما
يخالف اإلسالم ،بل ويعد كفرا ً صريحا ً بنظره .ففيها أفكار
الحلول واالتحاد ،وارتقاء المتصوفة إلى سدة الذات اإللهية،
أو تجسد الذات اإللهية في شخص المتصوفة ،وفيها االعتقاد
بحدوث المعجزات على أيدي المتصوفة وما شاكل ذلك ،مما
ال يمكن بشكل من األشكال أن يلقى قبوالً أو حتى تجاهالً من
قبل المسلمين .لذلك كان "األفراد" الذين أخذوا األفكار
الصوفية واعتنقوها مثل محي الدين بن عربي والحالّج
وغيرهما من المنبوذين المغضوب عليهم في المجتمع
اإلسالمي ،ومعدودين في عداد الزنادقة والكفار المرتدين.
إلى أن جاء الوقت الذي بدأت فيه الصوفية تلقى القبول،
حين لقيت العناية من بعض العلماء المسلمين الذين تكفلوها
بالرعاية وأخذوا على عاتقهم تهذيبها وتنقيتها مما يخالف العقيدة
اإلسالمية .وكان من أبرز هؤالء اإلمام "أبو حامد الغزالي"
189
المتوفى سنة 505هـ .إال أن هذا األمر أدى لألسف إلى تبني
األساس الذي تقوم عليه الصوفية ،فضالً عن أن الصوفية هي
جملة وتفصيالً فكرة غريبة عن اإلسالم وسابقة عليه زمناً.
فاألساس الذي تقوم عليه الصوفية ،هو أن الوجود كله
مكون من مادة وروح ،أي أن فيه المادي المحسوس والغيبي
الذي ال يُرى والذي س ّموه الروح .وكذلك اإلنسان في نظرهم
مكون من مادة -وهي الجسد -ومن الروح .وكانوا ينظرون
إلى المادة على أنها الشر المطلق وإلى الروح على أنها الخير
المطلق .وبالتالي فإن اإلنسان مكون من ناحيتين متناقضتين
تعمل كل منهما على أن تطغى على األخرى .فإما أن يتغلب
الجسد على الروح فينحط اإلنسان إلى درك الدناءة والرذيلة
والشر ووحل األرض ،وإما أن تتغلب الروح على الجسد
مصاف المالئكة واألولياء وينسلخ عن مادة األرض
فيرتقي إلى
ّ
والتراب والجسد حتى يصل في ذروة ارتقائه إلى العلوم
والمعرفة ال من طريق االكتساب وتلمس األسباب ،وإنما من
طريق الكشف والتجلي ،وحتى تحصل المعجزات أو
ا"الكرامات" على أيدي "األولياء الصالحين".
وهكذا ،وبجهود علماء كالغزالي وغيره انتشرت فكرة
الصوفية وشعائرها وطقوسها ،فبدأت أفواج المتصوفين تسلك
دروب "رياضة النفس والروح" ،من خالل التقشف وتعذيب
الجسد والبعد عن متاع الحياة الدنيا وزخرفها وهجر المجتمع
وترك األسباب واحتقار العمل والنضال السياسي والمكوث في
الزوايا والتكايا .كل ذلك حتى تتغلب الروح على الجسد ويصل
مصاف المالئكة واألولياء .مع أن تلك الفلسفة
"األتقياء" إلى
ّ
190
التي تقوم عليها "الصوفية" ليست من اإلسالم في شيء ،بل هي
مخالفة له كل المخالفة( .)1وهكذا كانت تلك الفكرة من عوامل
الهبوط في المجتمع اإلسالمي ،فهي تدفع اإلنسان إلى هجر
المجتمع وازدراء الحياة إلى حد يجعل من المتصوف إنسانا ً
عديم الغاية فاقد الهدف ،فال نشاط لديه وال عمل يؤدي إلى
أساس من تقوى هللا سبحانه وتعالى الذي
عمارة الدنيا على
ٍ
استخلف اإلنسان في األرض فقال له { :هو أنشأكم من األرض
واستعمركم فيها }( .)2وكان ضغثا ً على إبالة أن اندمجت فكرة
الصوفية تلك مع القدرية الغيبية التي تؤمن بأن اإلنسان
كالريشة في مهب الريح أو كالخشبة التي تتالطمها األمواج،
فال قيمة إلرادة اإلنسان وال لقدرته وال جهده ،فكل ما في هذه
الدنيا يحصل نتيجة خطة محكمة ال يملك اإلنسان التأثير في
شيء منها .وال يخفى على واعٍ ما في تلك المفاهيم من خطر
مدمر على أي مجتمع من المجتمعات.
وفي تلك المرحلة التي انتشرت فيها حركة الترجمة ،وهي
زمن الخالفة العباسية ،انتشرت في بعض البالد اإلسالمية
ولدى بعض المذاهب اإلسالمية فكرة جديدة ال تقل خطرا ً عن
األفكار السابق ذكرها .هذه المرة أتت هذه الفكرة من ثقافة
الفارسيين الذين فتح المسلمون بالدهم وأسقطوا دولتهم ودخلوا
في اإلسالم كسائر الشعوب التي دخلت تحت راية الدولة
اإلسالمية .الشك أن تلك الشعوب دخلت في اإلسالم مخلصة
-1راجع في هذا الكتاب" :الروح والناحية الروحية".
-2سورة هود -اآلية (.)61
191
صادقة ،إال أن بعض الحاقدين على اإلسالم وأهله تستروا
بلباس اإلسالم وسلكوا درب النفاق من أجل أن يطعنوا اإلسالم
من داخله ،فحملوا معهم موروثاتهم الفكرية من ثقافاتهم وأديانهم
البائدة السابقة محاولين دسها في اإلسالم والثقافة اإلسالمية.
فكان من ثمرات ذلك الدس أن انتشرت بين صفوف قسم من
المسلمين فكرة "عصمة األئمة" وفكرة الوصاية بالخالفة لألئمة
المعصومين .وملخص تلك الفكرة أن هللا تعالى لم يترك
المسلمين بعد الرسول rليختاروا خليفة له ينصبونه عن طريق
البيعة ،إذ ال يجوز أن تُترك رعاية شؤون المسلمين ومهمة حفظ
الدين ألناس يخطئون ويصيبون .وإنما عيّن سبحانه أئمة
بأسمائهم هم الخلفاء الشرعيون للرسول عليه الصالة والسالم
بنص الوحي ،وهم من المعصومين عن المعصية ومخالفة
الشرع ،وال يجوز ألحد غيرهم أن يتولى منصب الخالفة ،وكل
من تولى ذلك المنصب هو معتد على الشرع ومغتصب لحق
األئمة المعصومين في الخالفة.
والذي يُنعم النظر في التاريخ الفارسي وحضارته يدرك
مدى االرتباط بين الثقافة الفارسية وفكرة "عصمة األئمة" .فلقد
كان الملك الفارسي يحكم الناس بصفته ممثالً لإلرادة اإللهية،
بل كان الفارسيون يعتقدون "أن قرارات الملك وأحكامه إنما
يوحيها إليه اإلله نفسه ،وعلى هذا األساس كان قانون المملكة
مستمدا ً من اإلرادة اإللهية وكان كل خروج على هذا القانون
يعد خروجا ً على إرادة اإلله"( .)1وليس من قبيل المصادفة
-1ول ديورانت -قصة الحضارة -ج - 2ص (.)418
192
على األرجح أن فكرة عصمة األئمة نشأت وترعرعت في
بالد فارس وال زالت تتركز فيها إلى اليوم .وعلى كل حال،
فإن فكرة الحكم بموجب التفويض اإللهي كانت منتشرة في
تلك العصور ،بحيث يندر أن تخلو منها دولة من الدول.
هكذا دخلت المؤثرات الحضارية والفكرية الواحدة تلو
األخرى إلى الميدان الثقافي في األمة اإلسالمية ،ما أفقد
المسلمين نقاء الفكر وصفاءه ووضوحه إلى حد من الحدود.
إال أنه بأي حال من األحوال ،لم يصل األمر إلى أن يفقد
المسلمون هويتهم ،أو تتغير حضارتهم وتُسلب شخصيتهم .فكل
تلك المؤثرات لم تكن في يوم من األيام لتقوى على إيمان
المسلمين بعقيدتهم وثقتهم بتشريعهم ومفاهيمهم اإلسالمية .فال
زالت العقيدة اإلسالمية هي القاعدة الفكرية التي يبني المسلمون
عليها أفكارهم ،وال زال القرآن والسنة وما أرشدا إليه مصادر
التشريع لديهم .وعلماء الكالم إنما كانوا يبذلون طاقتهم وجهدهم
في دراسة المنطق بغاية تثبيت العقيدة اإلسالمية ،وجعلوا
العقيدة اإلسالمية أساسا ً ألبحاثهم .والفالسفة الذين ظهروا بين
المسلمين بقوا أفرادا ً ولم يكن لهم شأن يذكر في الرأي العام.
والصوفية على خطرها وفسادها ومجانبتها لإلسالم لم
تكن تقوى على مزاحمة العقائد األساسية لدى المسلمين .وفكرة
193
"عصمة األئمة والوصاية بالخالفة" لم تتعد أتباع بعض
المذاهب التي عرفت باإلمامية ،ولم تجد قبوالً لدى الغالبية
العظمى من المسلمين ،فضالً عن كونها فكرة خيالية غير قابلة
للتطبيق ،بل لقد خالفها أتباعها وحملتها أنفسهم حين مارسوا
السياسة والحكم بمعزل عنها ،سواء على يد البويهيين أو
الفاطميين أو الصفويين أو غيرهم.
واألهم من ذلك كله أن أصحاب السهم األكبر واألعظم في
تشكيل الرأي العام والتوجيه الثقافي في العالم اإلسالمي كانوا
"الفقهاء" .وهؤالء كانوا بكل تأكيد بعيدين عن التأثر بالثقافات
واألفكار غير اإلسالمية .فلقد كانت أبحاثهم تنصبّ على دراسة
اللغة العربية لغة القرآن والسنة ،وعلى فهم المدلوالت اللغوية
والشرعية للقرآن والسنة من أجل استنباط األحكام الشرعية
وضبط سلوك المسلمين بها .فحياة المسلمين وعالقاتهم في
مجتمعهم ودولتهم كانت تسيّرها مجموعة األحكام الشرعية
المستنبطة من الكتاب والسنة ،ولم يكن لحاكم أن يفكر في
استبدال أنظمة وضعية باألنظمة اإلسالمية أو أن يتجرأ على
ذلك.
وأما ما حاول بعض المستشرقين وأتباعهم من المثقفين
المتغربين ترويجه من أن الفقه اإلسالمي قد تأثر بغيره من
التشريعات ،والسيما التشريع الروماني ،فال أساس له من
الصحة ،بل هو حقا ً خرافة ال ّ
حظ لها من الحقيقة.
ذلك أنه لم يرو أحد أن واحدا ً من المسلمين ،فقهاء أو غير
فقهاء ،قد أشار إشارة إلى الفقه الروماني ال على سبيل النقد وال
194
على سبيل التأييد ،وال على سبيل االقتباس ،ولم يذكره أحد ال
بالقليل وال بالكثير ،مما يدل على أنه لم يكن موضع حديث،
فضالً عن أن يكون موضع بحث .وإن بعض المسلمين ترجموا
الفلسفة اليونانية ،ولكن الفقه الروماني لم تترجم منه أي كلمة أو
جملة فضالً عن كتاب ،مما يبعث على الجزم أنه قد ألغي
وطمس من البالد بمجرد فتحها.
ثم إن المسلمين يعتقدون أن هللا خاطب في الشريعة
اإلسالمية جميع البشر ،وحرم عليهم وضع التشريعات حين
إن الحُك ُم إالّ هلل }( ،)1وقال سبحانه {:اتبعوا ما أنزل
قالِ { :
إليكم من ربكم وال تتبعوا من دونه أولياء }( ،)2ويرون أن كل
من ال يؤمن بالشريعة اإلسالمية كافر ،فهم يعتقدون أن أي
حكم غير حكم اإلسالم ،هو حكم كفر يحرم عليهم أخذه .فمن
يعتقد هذا االعتقاد ويعمل به ال يمكن أن يأخذ غير حكم
اإلسالم .والسيما في العصر األول عصر الفتوحات وهو
العصر الذي استقر فيه الفقه اإلسالمي وازدهر وتبلور لدى
مذاهب فقهية عظيمة الشأن إلى يومنا هذا كالمذهب الشافعي
والحنفي والمالكي وغيرها .فالمسلمون يفتحون البالد إلنقاذ
أهلها من حكم الكفر ،فكيف يأخذون حكم الكفر الذي جاؤوا
ليزيلوه ويضعوا مكانه حكم اإلسالم؟! فالحقيقة والواقع
المحسوس أن الفقه اإلسالمي أحكام مستنبطة مستندة إلى
الكتاب والسنة ،أو إلى ما أرشدا إليه من أدلة .وإن الحكم إذا لم
-1سورة األنعام -اآلية (.)57
-2سورة األعراف -اآلية (.)3
195
يكن مستندا ً إلى دليل شرعي ،ال يُعَدّ من أحكام اإلسالم ،وال
يُ َعدّ من الفقه اإلسالمي.
وهكذا كان وجود المجتهدين والفقهاء وما يُجْ رونه من
مناظرات ومناقشات فقهية وتنافس على درك الرأي األصوب
في المسائل الفقهية ،كان كل ذلك صمام األمان للمجتمع
اإلسالمي ،والضمان لمعالجة أي خلل يمكن أن يطرأ على
المجتمع اإلسالمي .ولذلك كانت الطامة الكبرى حين انزلق
المسلمون في قضية إقفال باب االجتهاد .فقد كان ذلك يعني أن
الحيوية الفكرية األساسية لدى المسلمين والتي هي سبب
ارتقائهم ونهضتهم قد حكم عليها باإلعدام .وربما كان ذلك
الحكم هو أكثر األحكام جورا ً وظلما ً في التاريخ اإلسالمي .فقد
أصبح واجبا ً على كل المسلمين بما في ذلك العلماء والفقهاء أن
ال يخرجوا عن أطر المذاهب التي استقرت قبل إقفال باب
االجتهاد.
صحيح أنه ظهر مجموعة من المجتهدين الذين لم يأبهوا
لفكرة إغالق باب االجتهاد وتابعوا أداء تلك الفريضة ،إال أن
ذلك اإلقفال القى من االستجابة ما كان له أثر بالغ في جمود
التفكير وشح العلم والعلماء .فإننا إذا شهدنا في عصر ازدهار
الفقه ظهور مدارس فقهية عظيمة مثل الشافعية والحنفية
والمالكية ،فإننا لم نعد نعثر على تلك الظاهرة بعد إغالق باب
االجتهاد ،بل كان معظم الفقهاء والمجتهدين الذين ظهروا بعد
ذلك ينتسبون إلى إحدى تلك المذاهب القديمة.
من الطبيعي أن يتوقع الباحث أن إغالق باب االجتهاد
سيؤدي إلى تغلغل مزيد من األفكار الوافدة إلى ثقافة المسلمين
196
وإلى مزيد من التلوث الفكري في العالم اإلسالمي .إال أن الواقع
كان غير ذلك .صحيح أن البنيان الفكري لدى المسلمين قد فقد
مناعته بعد إغالق باب االجتهاد ،إال أن ذلك لم يكن كافيا ً لتغلغل
اللوثات الفكرية والثقافية إلى ذلك البنيان ،ذلك أن تلك اللوثات
لم يعد لها وجود آنذاك .فالحضارات التي احتك بها المسلمون
في صـدر التاريخ اإلسالمي مع اندفاع الفتوحات اإلسـالمـيـــة
وعلى رأسها الحضارتان الرومانية والفارسية -لم يعد لهاوجود يذكر على الساحة الدولية .فدولة فارس سقطت
واإلمبراطورية البيزنطية وريثة الحضارة الرومانية تلفظ
أنفاسها األخيرة .وأوربا الغربية الكاثوليكية كانت تعيش في
دياجير العصور الوسطى وانحطاطها ،وما من رسالة حضارية
لديها تحملها إلى العالم .والمغول والتتار والتركمان الذين لم
يعتنقوا اإلسالم بعد ،كانوا أشد منهم انحطاطا ً وأكثر تخلفاً .أما
ّ
واالطالع على المعارف والثقافات السابقة فقد
حركة الترجمة
توقفت عند حد معّين واستنفدت أغراضها .وهكذا بقيت األمة
اإلسالمية سيدة المبادرة الحضارية والثقافية فضالً عن السياسية
في الساحة الدولية ،وبقيت تعيش على التراث الفقهي السابق،
صبت جهود الفقهاء المتتابعين على شرح المصنفات الفقهية
وان ّ
القديمة وكتابة الشروح على المتون وربما الشروح على
الشروح ،أو على تلخيص تلك المصنفات وربما تلخيص
شروحها.
وخالل تلك األجواء التي استمرت مئات السنين لم تجد
األمة اإلسالمية من ينازعها فكريا ً وحضارياً ،وازدادت ثقتها
بنفسها حين انتصرت على أعدائها عسكريا ً بعد أن طردت
197
الصليبيين والمغول والتتار ،وعادت الخالفة اإلسالمية في عهد
العثمانيين لتوحد معظم العالم اإلسالمي وتكون أقوى دولة في
العالم وتملك الجيش الذي ال يقهر .فركن المسلمون إلى
أوضاعهم الثقافية والفكرية والتشريعية والحضارية عموماً ،إذ
ما من ناقوس يدق حولهم وينبههم إلى الخطر المحدق بهم.
ولكن التاريخ جاء فيما بعد ليثبت أن الكيان اإلسالمي كان
ينتظر حضارة واحدة على قدر من الرقي والنهوض ،تقف
بمواجهته حتى تتزعزع أركانه وينهار بنيانه .فإذا كانت األمة
اإلسالمية قد تغلبت في الماضي على جميع األمم فكريا ً بسبب
المبدأ العظيم الذي تحمله وتحسن فهمه وتطبيقه ،وانتصرت
عسكريا ً بسبب قوة إيمانها وطاقتها الروحية وحبها للجهاد
والشهادة في سبيل هللا ،فقد جاء الوقت الذي يقوم فيه كيان جديد
يواجه المسلمين حضاريا ً وفكريا ً بما يحمله من مبدأ جديد،
ويواجههم عسكريا ً بما يتمتع به من قوة صناعية وتكنولوجية.
أال وهو كيان الحضارة الغربية المعاصرة الذي تكاملت صورته
مع بداية القرن التاسع عشر الميالدي .ولسنا هنا بصدد البحث
في الصراع العسكري والمادي الذي نشب بين الدولة اإلسالمية
والدول الغربية ،فبحثنا منصبّ على االحتكاك الفكري والثقافي
بين المسلمين وسائر الثقافات والحضارات .إال أن ذلك الصراع
العسكري والمادي يكتسب أهميته في البحث لما أسفر عنه من
تفوق للغرب على الدولة اإلسالمية ومن ثم انتصاره عليها،
198
األمر الذي أصاب المسلمين بصدمة عنيفة أفقدتهم ثقتهم بأنفسهم
وحضارتهم وثقافتهم وتشريعهم ،فكانت تلك أعظم صدمة وأبلغ
إصابة أصيبت بها األمة اإلسالمية ،ولوال أن تلك األمة تحمل
ّ
لحق للباحث المراقب أن
رسالة هللا الخالدة إلى يوم القيامة،
يقول إن تلك الصدمة كانت هي اإلصابة القاتلة لألمة اإلسالمية
والحضارة اإلسالمية.
لقد واجهت األمة اإلسالمية عبر تاريخها الطويل الكثير
من األعداء من كل حدب وصوب ،إال أن العدو اللدود الذي
استمر الصراع معه منذ صدر التاريخ اإلسالمي وحتى يومنا
هذا هو الدول األوربية ،سواء تمثل هذا العدو التاريخي
باإلمبراطورية البيزنطية التي حاربها المسلمون حتى أسقطوها
عام 1453م ،أم بممالك أوربا الغربية الكاثوليكية التي اقتحم
المسلمون ديارها عبر األندلس ،أم تمثلت بالدول الغربية
االستعمارية الحديثة التي قامت على أساس حضاري جديد هو
الرأسمالية اللبرالية.
ولما لم يكن للدول األوربية من رسالة حضارية تحملها
إلى العالم خالل العصور الوسطى ،وتواجه بها المسلمين على
األخص ،كان سالحها الوحيد هو الحروب الصليبية .لذلك لم
تكن تشكل آنذاك ذلك الخطر العظيم ،وال سيما على أمة تقوم
على حضارة عريقة راقية كاألمة اإلسالمية ،بل إن تلك
الحروب ذاتها لم تكن لتالقي النجاح لوال الظروف التي القتها
في العالم اإلسالمي من تفكك وتشرذم ونزاع داخلي وتسابق
على الواليات واإلمارات .لذلك ما أن عاد المسلمون إلى توحيد
يجرون أذيال الخيبة إلى بالدهم.
صفوفهم حتى عاد الصليبيون ّ
199
إال أن الطامة الكبرى كانت حين بدأ المجتمع الغربي يتشكل
على أسس جديدة جعلت منه كيانا ً حضاريا ً جديدا ً يملك من
األفكار والمفاهيم واألنظمة ما يستطيع أن يواجه به العالم
بأسره ،والسيما األمة اإلسالمية التي كانت المارد المخيف
ألوربا على مر السنين.
لم تكن الحضارة الغربية المعاصرة لتنتصر يوما ً من
األيام على الحضارة اإلسالمية ،ولم يكن الفكر الغربي ليتفوق
على المبدأ اإلسالمي ،ذلك أن المبدأ اإلسالمي هو وحده الذي
يقوم على العقيدة الصحيحة دون غيرها ،ونظامه هو النظام
الذي أنزله هللا تعالى ،فهو النظام الوحيد الصالح لإلنسان .فإذا
انتصر الغرب في صراعه الفكري والحضاري مع األمة
اإلسالمية فإنه لم ينتصر على اإلسالم ،فاإلسالم دين هللا الذي
يعلو وال يُعلى عليه ،والذي ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من
خلفه .وإنما انتصر الغرب على المسلمين أنفسهم ،الذين لم
يعودوا يأخذون اإلسالم بقوة وفهم ووعي كما كان شأنهم في
السابق.
مع بداية القرن التاسع عشر ،ومع اندالع ثورات التحرر
في الغرب ،والتي كانت فاتحتها الثورة الفرنسية عام 1789م،
أخذت تتبلور معالم الحضارة الغربية المعاصرة ويتكامل بنيانها
الفكري وقام المجتمع الغربي على أساس أفكار وأنظمة جديدة
تتمثل في الرأسمالية اللبرالية بعد أن كانت تسوده األنظمة
اإلقطاعية .وبما أن تلك الحضارة تقوم -كما أسلفنا -على
أساس عقيدة عقلية سياسية تنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع
والدولة ،فقد أحدثت في الغرب تلك النهضة التي ال نراها نحن
200
المسلمين النهضة الصحيحة ،إال أنها كانت كافية لتقف في وجه
أمة تبلد تفكيرها وتحجرت أفكارها وأساءت تطبيق نظامها
وعاشت على "هامش" حضارتها العظيمة ،هي األمة
اإلسالمية.
ها هو الغرب في القرن التاسع عشر تزدهر حضارته
وتتكون مؤسساته السياسية على أساس قوي ،ويستقر مجتمعه
إلى حد كبير ويمضي مرتقيا ً نحو النهضة ،ويقوى اقتصاديا ً
وعسكرياً ،ويبدع مدنيا ً وعمرانيا ً وتكنولوجياً ،في وقت تتصدع
فيه الدولة اإلسالمية وتفقد ثغورها الواحد تلو اآلخر ،وتتفاقم
فيها المشاكل واألزمات السياسية واالقتصادية ،وتضعف
عسكرياً ،وتتخلف على الصعيد المدني والتكنولوجي ،وتهوي
بسرعة نحو االنحطاط .بعبارة مختصرة أخذت ال ِكفة تميل
بسرعة هائلة لصالح الحضارة الغربية.
كل تلك األوضاع ،مضافا ً إليها الذهول الذي أصاب األمة
اإلسالمية بعدما أيقنت بتفوق عدوها عليها على هذا النحو،
جعلت األرض مفتوحة ليشن الغرب حربا ً من نوع جديد على
األمة اإلسالمية ،يستخدم فيها سالحا ً أمضى من أسلحة الحروب
الصليبية .إنها حرب حضارية سالحها األفكار ووجهات النظر
وأنظمة الحياة ،وميدانها الثقافة والمعرفة والمناظرات .ولما
كان العامل المعنوي هو العامل األهم في الحروب حتى الفكرية
منها ،كانت األجواء تنذر من البداية بانتصار الغرب على
المسلمين .ذلك أن المسلمين بسبب ما لمسوا من تخلفهم وتفوق
عدوهم عليهم ،بدأوا يفقدون الثقة بمفاهيمهم وأنظمتهم
اإلسالمية ،ما جعل معنوياتهم ضعيفة أمام عدو يتمتع بارتفاع
201
المعنويات ويفتخر بحضارته وأفكاره وأنظمته "العصرية
الحديثة".
وهكذا تزاحمت التساؤالت في أذهان المسلمين :لماذا
نهض الغرب؟ لماذا تخلفنا؟ هل أخذ الغرب بأسباب القوة
وتركناها؟ هل يمكن أن تكون مفاهيمنا غير صحيحة؟ لعلنا
فهمنا اإلسالم على نحو خاطىء! لعل الغرب أخذ بمحاسن
إسالمنا! أال يجوز أن نأخذ من الغرب أسباب نهضته؟ ألم يأخذ
هو منا أسباب النهضة بعد أن كنا روادها؟! أال يمكن التوفيق
بين اإلسالم والحضارة الغربية؟ أال يجوز أن نقتبس بعض
يحرم االنتفاع بما عند
األنظمة من الغرب؟ هل اإلسالم
ّ
اآلخرين؟...
وأثناء تلك التساؤالت التي أربكت أذهان المسلمين
وشوشتها ،راح الغرب يرشق سهامه الفكرية يهاجم بها اإلسالم
وحضارته وأحكامه ومعالجاته وأنظمته ونمط عيشه .فأدى ذلك
بطبيعة الحال إلى أن تكون الحضارة الغربية في حال الهجوم،
واألمة اإلسالمية في حال الدفاع ،ويا ليته كان دفاعا ً ناجحا ً ذابّا ً
عن حمى اإلسالم.
لقد هاجم الغرب نظام الخالفة وقال إنه نظام فردي
دكتاتوري ،وإن البديل هو النظام الديمقراطي .وهاجم الجهاد
وقال إنه طغيان ونشر لإلسالم بقوة السيف وحرمان للشعوب
من حق تقرير المصير .هاجم تعدد الزوجات وقال إنه ظلم
للمرأة وامتهان لكرامتها .وهاجم رابطة األخوة اإلسالمية وقال
إنها تعصب وتزمت وإن الرابطة الصحيحة هي القومية أو
202
الوطنية .هاجم الحكم بأحكام الدين وقال إنه رجعية فالبد من
فصل الدين عن الدولة والسياسة.
فما هو الرد الدفاعي لدى المسلمين على ذلك الهجوم
وتلك االتهامات؟
إن حالة االنسالب التي اعترت األمة اإلسالمية جعلتها
تقبل بكونها متهمة ،وأنه يجب أن تدفع عن نفسها التهم ،مع أن
ما يهاجمه الغرب هو فضائل وليس برذائل ،وهو حسن وليس
قبحاً .إال أن المسلمين ل ّما كانوا قد فقدوا حيوية التفكير وألمعية
الذهن نتيجة قرون مضت ،وباب االجتهاد مقفل ،لم ينتبهوا إلى
تلك الحقائق .فبدل أن يدافعوا عن نظام الخالفة ويقولوا إنه
النظام الصحيح وأن القيادة ال يمكن إال أن تكون فردية ،وأن
يقولوا إن الديمقراطية نظام كفر ألنها تجعل حق التشريع
للشعب بينما هو حق هلل تعالى ،وأنها فكرة خادعة كاذبة ،بدل
ذلك قالوا إن الديمقراطية هي من اإلسالم وإن الحكم في اإلسالم
يقوم على الشورى وهي عين الديمقراطية .وبدل أن يفتخروا
بأنهم يجاهدون الدول والحكام من أجل تحطيم الحواجز التي
تقف أمام حمل اإلسالم رسالة إلىالعالم ،بينما غيرهم من األمم
والدول تقاتل وتسفك الدماء من أجل السيطرة على البالد
واستعباد أهلها وسلب ثرواتها ،بدالً من ذلك قالوا :إن الجهاد هو
حرب دفاعية فقط وال تجوز إال لصد العدوان عن البالد
اإلسالمية.
203
صروا عليها فيقولوا
وبدل أن يثبتوا على أحكام اإلسالم وي ّ
إن السماح بتعدد الزوجات هو النظام الصحيح ألنه من عند هللا
تعالى الذي خلق اإلنسان ويعلم ما يصلح له ،وأن هذا السماح
هو النظام الذي يحول دون تفشي الزنا والرذيلة وبوار النساء،
بدالً من ذلك قالوا إن اإلسالم قيّد تعدد الزوجات ولم يسمح به
إال في حاالت خاصة ،وما شاكل ذلك.
وهكذا مضى المسلمون في التوفيق بين الحضارة الغربية
واإلسالم ،حتى خلطوا أحكام اإلسالم وأفكاره بأحكام الغرب
وأفكاره وأنظمته .وإذا كانت مئات السنين مضت ولم يتأثر
المسلمون إال بالقليل القليل من أفكار الحضارات والثقافات التي
احتكوا بها ،فإن عشرات من السنين شن خاللها الغرب حربه
الحضارية والفكرية على المسلمين ،كانت كافية ألن تجعل من
ثقافتهم مزيجا ً سمجا ً ممقوتا ً من أفكار اإلسالم وأفكار الحضارة
الغربية.
في الماضي حين كان المسلمون ال يزالون يحتقرون
الغرب ومجتمعه وحضارته رفضوا أن يأخذوا منه أي شيء،
حتى المنجزات واإلبداعات المدنية والتكنولوجية المادية ،وحين
حاول بعض الوالة تحديث األساليب والوسائل واألشكال في
البالد اإلسالمية ،جابههم الفقهاء حتى إن بعضهم حرم استخدام
المطابع والهاتف .أما حين تفوق الغرب بشكل واضح وهدد
الدولة اإلسالمية وانبهر المسلمون بالغرب وتفوقه المدني
شرعت األبواب أمام كل
والصناعي فإن األمر قد اختلف .فقد ّ
ما يرد من الغرب دون تفريق بين الحضارة والمدنية ،ودون
تفريق بين الثقافة والعلم .وبدأت أفكار الغرب تغزونا الفكرة تلو
204
الفكرة .فغزتنا فكرة الديمقراطية وغزتنا فكرة الحريات العامة
وفكرة القومية وفكرة الوطنية ،كل ذلك مع التظاهر بالتمسك
باإلسالم ،فتنسب تلك األفكار إلى اإلسالم وهو منها بريء.
فيقول المسلمون إن الديمقراطية من اإلسالم ،واإلسالم صان
الحريات العامة ،واإلسالم يحفظ للقوميات خصوصيتها
وكرامتها ،واإلسالم عزز الحس الوطني حين أمر بالدفاع عن
"األوطان" .وهكذا أصبحت كل فكرة تأتي من الغرب وتفرض
نفسها على الرأي العام تقحم في اإلسالم زورا ً وبهتاناً ،بواسطة
قواعد "فقهية" جديدة لم نسمع بها لدى الفقهاء األوائل ،مثل
قاعدة "ال ينكر تغير األحكام بتغير األزمان" وقاعدة "حيثما
تكون المصلحة فثم شرع هللا" ،وبواسطة الكالم عن "مرونة
الشريعة وتطورها" وما شاكل ذلك.
إال أن ذلك الحرص على التوفيق بين اإلسالم والحضارة
الغربية أخذ يتالشى بعد زوال سلطان اإلسالم وهدم الخالفة
اإلسالمية ،وخضوع البالد اإلسالمية في القرن العشرين
لحكومات تحكم بغير ما أنزل هللا ،وتقيم المؤسسات اإلعالمية
والتعليمية التي تروج للحضارة الغربية بوصفها غاية ما
وصلت إليه البشرية حتى اآلن من تطور وتقدم ورقي ،وعلى
أن نظامها هو النظام اإلنساني الصالح لهذا العصر .مما أدى
إلى قناع ٍة مفادها أن نظام اإلسالم ومعالجاته وأحكامه لم تعد
205
صالحة لزماننا هذا .فأعرض معظم المثقفين عن محاوالت
التوفيق بين اإلسالم والحضارة الغربية ،وحملوا أفكارا ً
تتعارض بكل وضوح وصراحة مع اإلسالم ،فأصبحت فكرة
فصل الدين عن الدولة رأيا ً عاماً ،وأصبح التحاكم إلى األنظمة
الوضعية أمرا ً طبيعياً ،وأصبح االنسياق وراء سياسات
المستعمر وشعاراته شيئا ً ال غضاضة فيه .والرابطة القومية ثم
الوطنية حلت محل رابطة اإلسالم .وانتشرت شعارات مناوئة
لإلسالم ونظامه ووجهة نظره ،مثل شعار " دع ما هلل هلل وما
لقيصر لقيصر" وشعار "الدين هلل والوطن للجميع" وشعار
"اإلسالم أطهر من تلويثه بالسياسة" .وحين ظهر عداء الدول
الغربية الرأسمالية وطمعها ببالد المسلمين اتجه كثير من
المثقفين نحو االشتراكية وفلسفتها ونظامها ،حتى وصل كثير
من األفراد إلى التشدق باإللحاد واالفتخار باعتناق الديالكتيكية
المادية .فلم يعد اإلسالم السياسي والحضاري محل بحث ،اللهم
إال تراثا ً تاريخيا ً ،ولم يعد المثقفون يكترثون إلى مدى موافقة
أفكارهم لإلسالم أو مخالفتها له .فاإلسالم ال شأن له في نظرهم
بالحياة والمجتمع والدولة والسياسة ،وإنما هو عالقة بين
اإلنسان وخالقه فقط ،ومجاله المسجد والبيت ،ال الحياة
والمجتمع وال السياسة.
إال أن ذلك الدين الذي تكفل هللا تعالى بحفظه لم يفقد ثلة
من المؤمنين المخلصين الذين بقوا على تمسكهم باإلسالم دينا ً
ونظاما ً للحياة ،ولم ينجرفوا مع تيارات العلمانية واإللحاد .فجاء
دورهم ليصبحوا رواد الساحة الفكرية والثقافية حين سقطت كل
الطروحات والشعارات الوافدة إلى العالم اإلسالمي من الغرب
206
أو من الشرق .فقد تضافرت جهودهم مع األوضاع والظروف
السياسية المستجدة لتدفع األمة اإلسالمية منذ السبعينيات من هذا
القرن نحو التمسك من جديد باإلسالم دينا ً ونظاما ً للحياة
والمجتمع والدولة ولترفض كل التوجهات واألفكار
والطروحات المعادية لإلسالم والمخالفة له.
إذن ،إن أهم عامل في تحويل األمة من جديد باتجاه
اإلسالم كان وجود دعاة من المسلمين بقوا يجذفون بعكس التيار
الجارف حتى تحول التيار على نحو موا ٍ
ت لهم إلى حد بعيد .إال
أن هذا التحول على ما فيه من بشائر الخير والفرج ،عاد ليحمل
معه الخطر المدمر الذي حاق باألمة منذ أن بدأت الحضارة
الغربية بغزوها ،أال وهو اختالط اإلسالم بما ليس إسالماً .فإن
المسلمين حين بدأوا يتحولون نحو اإلسالم بوصفه الحل
والخالص من األوضاع المتردية التي يعانون منها ،لم
يتخلصوا من تأثير الحضارة الغربية وثقافتها وأنظمتها .كما أن
األوضاع واألجواء التي فرضتها األنظمة الحاكمة عليهم منذ
عشرات السنين ضربت حول أذهان المسلمين جدارا ً سميكا ً
يحول بينهم وبين رؤية النظام اإلسالمي وطراز عيشه
ومجتمعه رؤية حقيقية واضحة ونقية .فلم يعودوا يستطيعون
تصور شكل نظام اإلسالم ونمط المجتمع اإلسالمي بمعزل عن
األنظمة القائمة بما فيها من مؤسسات وما أفرزته من عالقات.
ومسايرة لهذا الواقع ،قامت حركات وجماعات تتبنى
اإلسالم بوصفه نظاما ً للحياة والمجتمع والدولة ،إال أنها تطرح
اإلسالم على نحو ال يتعارض مع الحضارة الغربية والقانون
الدولي وشرعة األمم المتحدة ،وال تطرح بديالً كامالً عن
207
األوضاع القائمة في البالد اإلسالمية وفي سائر بالد العالم.
وإنما تقترح بعض اإلصالحات والتعديالت ،وتفهم اإلسالم على
نحو يؤهلها للتعايش مع األوضاع السياسية المحلية واإلقليمية
والدولية ،وعلى نحو يرضي الرأي العام الذي يرتبط شعوريا ً
باإلسالم ويتأثر فكريا ً بالحضارة الغربية.
والكافر المستعمر الذي بقيت عينه ساهرة للحيلولة دون
تحرر المسلمين من سيطرته ونفوذه ،أدرك في السنوات
األخيرة أن اإلسالم سيبقى يفرض نفسه على المسلمين ،ولن
يأتي يوم يندرس فيه هذا الدين بوصفه نظاما ً للحياة .فعمد من
جديد إلى تغذية األطروحات التي تعرض إسالما ً يوافق
الحضارة الغربية والقانون المدني وشرعة األمم المتحدة،
ويتساير مع الزمن ويبدل ثوبه من يوم إلى يوم .ذلك أنه إذا كان
البد من وصول اإلسالم إلىالسلطة ،فليصل أناس يعلنون الدولة
دولة إسالمية بالقول ويطبقون ما طبقه سلفهم من الحكام
العلمانيين بالفعل .فراح يفسح المجال أمام تلك األطروحات
وحركاتها ومفكريها وروادها ،ويضرب طوقا ً حديديا ً وتعتيما ً
إعالميا ً على من يدعون إلى اإلسالم دعوة مبدئية ،ألنه يعلم
تمام العلم أن هذه الدعوة هي التي ستقطع دابر الكفر في بالد
المسلمين حين ينصهر المجتمع بأفكارها ويسلمها القيادة.
وهكذا تحول الصراع من صراع بين الدعوة اإلسالمية
والدعوات العلمانية واإللحادية ،إلى صراع بين الفهم المبدئي
النقي لإلسالم والفهم الملّوث والمشوش ،بل والمضلّل لإلسالم.
208
دعـاة التغيـيـر
بـيـن المـبـدئـيـة والــواقعيـة
من المعلوم أن الدعوة المبدئية -وهي حركة سياسية -إذا
نشأت في مجتمع منحط ،فإن مهمتها يجب أن تكون العمل على
النهوض بهذا المجتمع .وبما أن المجتمع ينحط بانحطاط العرف
العام السائد فيه واألنظمة المطبقة فيه ،ويرتقي برقي العرف
العام واألنظمة ،فإن مهمة الدعوة المبدئية تكون حينئذ العمل
على تغيير المجتمع عن طريق تغيير العرف العام واألنظمة،
أي عن طريق مكافحة األفكار والقناعات والمفاهيم والمشاعر
السائدة واألنظمة القائمة -وهي مخالفة للمبدأ -من أجل أن تحل
محلها أفكار وقناعات ومفاهيم ومشاعر وأنظمة راقية
وصحيحة.
وهذا يعني أن على الدعوة المبدئية أن تصطدم بالواقع
الفاسد منذ أول يوم ألنها أتت بشيء جديد غريب عن الواقع
الذي يعيشه الناس .فمن طبيعة المجتمعات أنها تتمسك بما
عندها من أعراف وتقاليد وقناعات وال تتخلى عنها بسهولة ،بل
يحتاج األمر إلى سنين من العمل الدؤوب والكفاح المتواصل
والصراع المرير والمصابرة الجلود من قِبَل الدعاة حتى يبدأ
الناس بالتخلي عن قناعاتهم وأفكارهم وحتى تبدأ مشاعرهم
209
تصاغ على هيئة جديدة .لذلك فإن الحركات السياسية التي تريد
تغيير المجتمع والنهوض به عليها أن تتوقع منذ أول يوم
مجابهة الناس لها ،ووقوفهم في وجهها وخذالنها .فحملة الدعوة
يتكلمون بما يخالف أمزجة الناس ،ويخالفون عاداتهم وتقاليدهم،
وهذا ما يعُدّه المجتمع تحديا ً للعرف وخروجا ً على التقاليد التي
اكتسبت مع الوقت ما يشبه القداسة.
وإذا راجعنا حوادث التاريخ ،وجدنا أن كل دعوة جديدة
كانت تجابه بالمحاربة والتعصب والجمود على القديم ،وخاصة
لدى الشعوب المنحطة .وأكثر ما تتجلى هذه الحقيقة في دعوات
الرسل عليهم السالم .فلقد كانوا يبعثون غالبا ً إلى شعوب غارقة
في ظلمات االنحطاط ،فيدعونهم إلى اعتناق العقائد واألديان
المبنية على العقل ،أي يعملون على النهوض بهم فكرياً،
فيواجهون باالستهزاء والمحاربة واإليذاء والشتم .تأمل في قوله
تعالى { :يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إال كانوا به
يستهزئون }( ،)1وفي قوله تعالى { :كذلك ما أتى الذين من
قبلهم من رسول اال قالوا ساحر أو مجنون }( ،)2وانظر إلى هذه
اآليات التي تعدد الشعوب واألقوام التي كذبت رسلها ،فيقول
تعالى { :كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون
فانتصر }( ،)3ويقول عز من
وازدُ ِجر * فدعا ربه أني مغلوب
ِ
قائل { :كذبت ثمود بالنُذُر * فقالوا أبشرا ً منا واحدا ً نتّبعه إنّا إذا ً
-1سورة يس -اآلية (.)50
-2سورة الذاريات -اآلية .)52 -
-3سورة القمر -اآليتان (.)10 - 9
210
شر
لفي ضالل وسعر * أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كَذابٌ أ َ ِ
* سيعلمون غدا ً َمن الكذابُ األ ِشر }(.)1
من هنا نقول ،إن التفاف المجتمع حول دعوة سياسية من
أول يوم تقوم به ال يدل على نجاحها ،بل قد يدل على أن هذه
الدعوة فاشلة مخفقة .لماذا؟
ألن من طبيعة الشعوب أن تلتف حول من يمثل أفكارها
وقناعاتها وغاياتها ،فعندما تلتف الشعوب المنحطة حول حركة
سياسية ما من أول يوم ،فهذا يعني أن هذه الحركة هي من جنس
هذا المجتمع ،وتحمل ما يحمل من أفكار وتصورات وقناعات،
أي أنها منحطة شأنها شأن المجتمع.
إذا كانت مهمة الحركات السياسية في المجتمع المنحط
هي النهوض به ،فمن البدهي أن يكون فكرها مغايرا ً للعرف
العام ،ومشاعرها مخالفة للمشاعر الطاغية ،أي أنها تتمتع بفكر
ال يتمتع به المجتمع ،تستطيع به تغيير هذا المجتمع ،وإال فإن
وجودها ال معنى له ،بل ربما كان عدم وجودها أفضل ،ألن
الذي يريد أن يرتقي بالناس عليه هو أوالً أن يكون راقياً ،ومن
البداهة أن فاقد الشيء ال يعطيه .وهذا ما ي ّميز الدعوات
المبدئية التي تلتزم بالمبدأ عن الدعوات الواقعية وهي التي
تساير الواقع.
فالدعوات الواقعية هي الدعوات التي تشعر بفساد الواقع
القائم الذي تعيشه األمة ،وتشعر بوجوب التغيير ،ولكنها تنتقل
من هذا الشعور فورا ً إلى العمل ،دون أن يسبق هذا العمل تفكير
-1سورة القمر -اآليات (23حتى .)26
211
في حقيقة المشكلة التي يعاني منها المجتمع ،ودون التفكير في
الفكرة التي يراد النهوض بالمجتمع على أساسها ،وال في
الطريقة التي ستسلكها من أجل الوصول إلى هدف محدد ،فتقوم
بأعمال مرتجلة عفوية غير مدروسة ،وكثيرا ً ما تكون غير
هادفة.
فيكون عملها في حقيقة األمر مستمدا ً من الواقع الفاسد
الذي تعيشه ،أي إنها جعلت الواقع -رغم فساده -مصدر
المعالجة بدل أن يكون موضع المعالجة .مما يجعل عملها تَكيّفا ً
مع الواقع الفاسد وتكريسا ً لألسس التي يقوم عليها هذا المجتمع.
وبذلك ،تكون هذه الدعوات تعبيرا ً عما يسود المجتمع
المنحط من أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر .وبما أن الشعوب
تنقاد لمن يعبّر عن قناعاتها ومشاعرها وتوجهاتها ،فإن الناس
سوف تلتف حول هذه الدعوات منذ أول يوم .وبذلك تكون هذه
الدعوات رجعية تساهم في تكريس الواقع الفاسد المتخلف الذي
يعيشه المجتمع ،وخاصة عندما تقوم بإضفاء ثوب الشرعية
والعلم والفقه على األفكار والقناعات الفاسدة ،وإلصاق األدلة
الشرعية والشواهد الفقهية بها .إال أن هذا المجتمع إذا قُدّر له أن
ينهض بتأثير دعاة مبدئيين فإنه سرعان ما يتخلى عن تلك
الدعوات التي لن تعود عند ذلك تمثل قناعاته وأهدافه.
أما الدعوات المبدئية ،فهي التي تحس بفساد الواقع
وتخلف المجتمع ،فتنتقل من هذا اإلحساس إلى دراسة الواقع
والتعمق فيه لمعرفة حقيقة المشكلة ،ألن الذي يجهل المشكلة ال
يتصور منه أن يحلها .فتدرس المجتمع دراسة عميقة بما فيه من
212
أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر وأنظمة دراسة عميقة تؤدي
إلى معرفة الصحيح من الفاسد العقيم ،وإلى معرفة ما يفتقر إليه
المجتمع من أفكار ومشاعر ،وما دخله من أفكار ومشاعر
غريبة فاسدة ،وتؤدي إلى فهم واقع األنظمة التي ترعى بها
شؤون الناس ،ثم بعد ذلك تنتقل إلى مبدئها -وهو بالنسبة لنا
اإلسالم -لتبحث من خالله عن العالج الصحيح للمشكلة ،وهو
يتمثل في مجموعة المفاهيم واألنظمة التي على أساسها سيتم
تغيير المجتمع.
والدعوة المبدئية حين تقوم بالبحث عن العالج الذي به
تريد تغيير المجتمع ،ال تتأثر بالواقع الفاسد الذي يعيشه الناس.
فالمعالجة يجب أن تكون بريئة كل البراءة من كل األوضاع
الفاسدة التي تلم بالمجتمع .ففي الوقت الذي تكون فيه الحركة
الواقعية ملتصقة بالواقع الفاسد تستمد تصوراتها ومعالجاتها منه
وال تملك الخروج من تأثيره ،تكون الحركة المبدئية قد حلّقت
فوق األجواء واألوضاع بما فيها من ظروف ومالبسات ،حلّقت
ّ
وأدق،
فوق الواقع لتدركه على حقيقته على نحو أشمل
ولتستشرف النهضة المنشودة والغاية المرسومة التي تريد
وضع األمة على طريقها ،ثم تعود بعد ذلك إلى المجتمع لتأخذ
بيده في طرق االرتقاء والنهوض.
وهكذا تبدأ الدعوة المبدئية بمواجهة المجتمع المتخلف
بدعوتها ،ويبدأ الصدام بين الفكر القديم البالي ،والفكر الجديد
الذي تحمله الدعوة المبدئية ،وبين سياسة األنظمة التي تحكم
المجتمع من جهة والمعالجات التي يطرحها َح َملَة الدعوة من
جهة أخرى .األمر الذي يجعل الحركة المبدئية تبدو ألول األمر
213
غريبة عن الواقع ،ويُخيّل للناس وكأنها قد أتت من عالم آخر ال
يمت إلى مجتمعهم بصلة .إال أن هذا الواقع يكون في الحقيقة
من البشائر التي تُطمئِن حملة الدعوة بأنهم على الطريق
السوي ،ألنهم يالقون ما القاه حملة الدعوة دائما ً عبر التاريخ
حين واجهوا الشعوب المتخلفة المنحطة.
إال أن هذا الواقع الذي تعيشه الحركات المبدئية بادىء
األمر ،ال يلبث أن يتغير ويتبدل .فالدعاة المبدئيون حين
ينطلقون بدعوتهم ،يعُدّون أنفسهم قد دخلوا إلى ساحة معركة
فكرية يجب أن يخرجوا منها منتصرين .ساحة المعركة هي هذا
المجتمع الغارق في ظالم التخلف واالنحطاط ،هذا الظالم الذي
يستر الحقائق عن أعين الناس ،فال يُدركون زيف الباطل وال
صدق الحق ،ال يستطيعون في هذا الظالم التمييز بين الصحيح
والخطأ ،أو بين الصالح والفاسد ،أو بين الصدق والكذب .ولكن
حملة الدعوة الذين يتمتعون بحدة البصر ويدركون األمور على
حقيقتها يبدأون بمصادمة األفكار والقناعات واألنظمة البالية.
فعندما يصطدم الفكر الصحيح بالفكر السقيم ،والمفاهيم الراقية
بالمفاهيم المنحطة ،ينقدح من جراء هذا االصطدام شرر يضيء
الساحة فينكشف للناس عوار الباطل ويلمع صدق الحق { كذلك
يضرب هللا الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع
الناس فيمكث في األرض }( .)1وهكذا تتكرر المصادمات
ويتكرر الشرر ،إلى أن يوجد الوعي العام على المبدأ الذي
حمله الدعاة ،ويتحول هذا الوعي إلى رأي عام ،ومن ث َ َّم إلى
-1سورة الرعد -اآلية (,)17
214
حركة إيجابية في المجتمع ،فتحتضن األمة دعوة المبدئيين
وتحمل قضيتهم وتسير وراءهم وتلبي نداءاتهم وتدافع عنهم،
حتى تصل معهم إلى إعادة بناء المجتمع اإلسالمي واستئناف
الحياة اإلسالمية.
وهذا ما حصل مع رسول هللا . rفهو عندما بدأ بالجهر
بالدعوة ،ومعه الصحابة القلة ،واجه مجابهة عنيفة من مجتمع
مكة الجاهلي .وواجه االستهزاء واإليذاء والحصار ،ووصل
عدّ المسلمون جسما ً غريبا ً
األمر إلى حد قتل بعض أتباعه .و ُ
عن المجتمع القائم .ولكن قوة الفكر الذي يحمله عليه الصالة
والسالم وشدة إيمانه به وصبره ومن معه على تحمل األهوال
من أجل نشره وإعالئه ،كل ذلك أدى إلى إيجاد الرأي العام على
اإلسالم ،وأصبحت األجواء مواتية إلقامة الدولة اإلسالمية في
المدينة وتطبيق اإلسالم عملياً.
إال أن َح َملَة الدعوة لن يحققوا التغيير المنشود إذا اتبعوا
الطرق الملتوية أو حاولوا مسايرة الواقع الفاسد ،أو جربوا تملق
الناس أو داهنوا حملة أفكار الكفر والضالل .فمن المتوقع -
عندما ينطلق الدعاة ليخوضوا غمرات الدعوة إلى فكرتهم
ويبدأون بالتفاعل مع المجتمع -أن يتعرضوا لإلغراءات التي
تدعوهم إلى مسايرة األوضاع ،أو مداهنة السوقة ،أو كسب
رضا الناس ،كما قد تثنيهم المصاعب واألهوال عن االستقامة
على الطريق المرسوم ،وتدفعهم إلى البحث عن وسائل
وأساليب قد تؤدي بالدعوة إلى االنكفاء والتقهقر .وقد لفت
القرآن الكريم النظر إلى هذه الحقيقة حين خاطب الرسول r
قائالً { :وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا
215
غيره وإذا ً التخذوك خليالً * ولوال أن ثبتناك لقد كدت تركن
وضعف الممات ثم
إليهم شيئا ً قليالً * إذا ً ألذقناك ِضعف الحياة ِ
ال تجد لك علينا نصيرا ً }(.)1
فعلى الدعاة المبدئيين أن يكونوا على حذر تام من هذه
االمتحانات التي يتعرضون لها ،وعليهم دائما ً أن يدركوا أن
طبيعة االحتكاك بين اإلسالم والكفر هي التصادم الكلي،
التصادم الذي يعلي الحق ويزهق الباطل { وقل جاء الحق
وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ً }( ،)2التصادم الذي يؤدي
إلى الهزيمة الشنعاء للكفر وأهله { بل نقذف بالحق على الباطل
فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون }( .)3فالفرق بين
اإلسالم والكفر هو الفرق بين الحق والباطل ،وبين النور
والظالم ،وبين الهدى والضالل ،وبين الخير والشر ،وبين
الجنة والنار ،فال مجال للتالقي ،وال مجال للمساومة ،وال
مجال للمفاوضة.
فها هو رسول هللا rمنذ أول يوم بدأ فيه بنشر دعوته نراه
يخاطب الناس بحزم وثقة ،ويواجه الكفر والكفار بقوة وجرأة
وصرامة تامة ،ويطرح دعوته متحدية سافرة واضحة المعالم،
محددة األلفاظ والمعاني،ال تبقي أي مجال للّبس أو الشك ،وليس
للتردد فيها أثر وال للخوف فيها تأثير .فبدأ القرآن ينزل مسفها ً
أحالم الكفار ،يعيب عليهم آلهتهم ويشين طريقة عيشهم البالية،
-1سورة اإلسراء -اآليات (.)75 - 73
-2سورة اإلسراء -اآلية (.)81
-3سورة األنبياء -اآلية (.)18
216
ويستهزىء بأعرافهم وتقاليدهم .فهو حين يتناول األصنام نراه
يقول { :إنكم وما تعبدون من دون هللا حصب جهنم أنتم لها
ّ
والعزى * ومناة الثالثة
واردون }( ،)1ويقول { :أفرأيتم الّالت
األخرى * ألكم الذكر وله األنثى * تلك إذا ً قسمة ضيزى * إن
هي إال أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل هللا بها من سلطان
* إن يتبعون إال الظن وما تهوى األنفس ولقد جاءهم من ربهم
الهدى }( ،)2وحين يتناول تقليدهم األعمى آلبائهم وتقديسهم لما
ورثوه عنهم تراه يقول { :وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل هللا قالوا
بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم ال يعقلون شيئا ً وال
يهتدون }( ،)3وحين يتناول الحكام الطغاة بالذم والنقد نراه
يقول { :تبت يدا أبي لهب وتبّ * ما أغنى عنه ماله وما كسب *
سيصلى نارا ً ذات لهب }( ،)4ويفضح الوليد بن المغيرة
ويتوعده بالعقاب حين يقول { :وال تطع كل حالف مهين * هماز
م ّ
شاء بنميم * مّناع للخير معتد أثيم * عت ّل بعد ذلك زنيم * أن
كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير األولين *
سنسمه على الخرطوم }( ،)5وحين يتناول العالقات الفاسدة
نراه يتكلم عن تطفيف الكيل مثالً فيقول { :ويل للمطففين *
الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم
يخسرون * أال يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم }(.)6
-1سورة األنبياء -اآلية (.)98
-2سورة النجم -اآليات (.)23 - 18
-3سورة البقرة -اآلية (.)8
-4سورة اللهب -اآليات (.)3 - 1
-5سورة القلم -اآليات (.)16 - 10
-6سورة المطففين -اآليات (.)5 - 1
217
وحين حاول الكفار مساومة رسول هللا ،rفعرضوا عليه أن
يعبد آلهتهم سنة على أن يعبدوا إلهه سنة ،جاء الرد من الوحي
حازما ً { قل يا أيها الكافرون * ال أعبد ما تعبدون * وال أنتم
عابدون ما أعبد * وال أنا عابد ما عبدتم * وال أنتم عابدون ما
دين }( ،)1فقررت هذه اآليات المفاصلة
أعبد * لكم دينكم ولي ِ
الكاملة بين اإلسالم وبين الكفر بكل أنواعه ،فليس بعد الحق
إال الضالل .وحين عرضوا العروض على نبي هللا عليه
الصالة والسالم من أجل أن يتخلى عن دعوته جاء الرد منه
حاسماً ":وهللا لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن
أترك هذا األمر حتى يظهره هللا أو أهلك فيه ما تركته"(.)2
وهذا هو منهج األنبياء أولي العزم من قبل .أنظر إلى قوله
تعالى { :قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ
قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون هللا كفرنا
بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ً حتى تؤمنوا باهلل
وحده }( ،)3ففي هذه اآلية الكريمة يظهر بوضوح الموقف
الصارم الذي يتخذه المؤمنون بالعقيدة الصحيحة إزاء كل ما
يخالف قناعاتهم ومفاهيمهم التي قطعوا بصحتها ووقفوا
حياتهم ألجلها .فقد أعلن سيدنا إبراهيم عليه السالم والذين معه
البراءة التامة من كل عقائد قومهم ومفاهيمهم وعاداتهم
-1سورة الكافرون.
-2سيرة ابن هشام -مبادأة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قومه ،وما كان
منهم.
-3سورة الممتحنة -اآلية (.)4
218
وتقاليدهم ،وأعلنوها حربا ً ضروسا ً بين الحق والباطل ،إلى أن
ينتصر الحق ويزهق الباطل.
إذا سلك الدعاة هذا الطريق وباعوا أنفسهم هلل ،ومن أجل
إعالء كلمته وتنفيذ شريعته ،ولم يحيدوا عن الطريقة الشرعية
التي رسمها لهم هللا تعالى القائل في كتابه العزيز { :قل هذه
سبيلي أدعو إلى هللا على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان هللا
وما أنا من المشركين }( ،)1إذا قام الدعاة بكل ذلك فإن هللا
سبحانه الشك سيحقق لهم وعده وسينجز نصره ،وهو القائل
سبحانه { :إن تنصروا هللا ينصركم ويثبت أقدامكم }(.)2
وبعد أن سلطنا األضواء على طبيعة كل من الدعوتين،
المبدئية والواقعية ،وبعد أن رسمنا الخطوط األساسية والصفات
التي يجب أن تتوفر في الدعوة المبدئية ،ننتقل إلى الواقع الذي
نقوم
عاشته األمة اإلسالمية في القرن األخير ،من أجل أن ّ
إنجاز ِكال الفريقين وما حقق كل منهما على أرض الواقع.
بعد أن هدمت الخالفة اإلسالمية عقب الحرب العالمية
األولى عاشت األمة اإلسالمية حالة من الضياع واالنحطاط
رهيبة ،أحس بها جميع الناس بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم.
-1سورة يوسف -اآلية (.)108
-2سورة محمد -اآلية (.)7
219
فلقد عاشت األمة اإلسالمية تحت االحتالل العسكري المباشر
ردحا ً من الزمن ،وبقيت تحت سلطة المستعمر الذي يحكم بالد
صب حكاما ً عمالء على الناس،
المسلمين بغير ما أنزل هللا ،وين ّ
وينهب خيرات البالد ،وينشر ثقافته وفكره وحضارته ،ويحاول
فرض نمط عيشه على األمة ،ويمضي في إفساد أخالق الناس
ليحول بينهم وبين التمسك بدينهم وشريعتهم.
وكردّ فعل على تلك األوضاع ،نشط دعاة مسلمون،
وقاموا بأعمال مرتجلة عفوية بقصد مواجهة الواقع الفاسد ،فلم
يكن لهؤالء الدعاة مفهوم واضح عن النهضة ،ولم تكن لديهم
دراسة وافية عن الفكرة التي يعملون للنهضة على أساسها ،وال
عن الطريقة التي ستسلكها ،لذلك وضعوا أهدافا ً صغيرة تافهة،
وسلكوا طرقا ً ملتوية ومرتجلة تتبدل كل يوم بتبدل الظروف.
فهم في طريقة عملهم كانوا متأثرين بالواقع الفاسد إلى حد بعيد،
بحيث إن هذا الواقع هو الذي حدد لهم أهدافهم وأطروحاتهم
وطريقة عملهم إنهم الواقعيون.
لنأخذ مثاالً على ذلك ،تعاطي هؤالء مع األفكار الوافدة
الغريبة عن اإلسالم وشريعته وأفكاره ،لنرى موقفهم منها .فبدل
أن يدرسوا تلك األفكار من أجل إدراك واقعها وفهمها على
حقيقتها ثم ليبيّنوا زيفها ومخالفتها لإلسالم ،بدل ذلك رأيناهم
يتلقفونها ويحملونها ويوفقون بينها وبين اإلسالم.
تشرع نظاما ً يتناقض كليا ً مع نظام اإلسالم،
فاالشتراكية ّ
أصبحت ،بنظر بعض هؤالء،من اإلسالم ،لدرجة أن بعض
220
الكتب حملت عنوان "اشتراكية اإلسالم" ،وحاولت أن تقول إن
اإلسالم هو أول من أتى باالشتراكية.
والديمقراطية التي تقوم على أساس عقيدة "فصل الدين
عن الحياة" ،والتي تجعل السيادة للشعب ،أي تعطي الشعب حق
تشريع األنظمة والقوانين للحياة ،هذه الديمقراطية أصبحت،
لدى الكثير من هؤالء ،من اإلسالم .فيصفون نظام الحكم
اإلسالمي بالديمقراطي ،ويصفون الرسول rوخلفاءه الراشدين
بالديمقراطيين ،ويعُدّون كلمة "الشورى" مرادفة لكلمة
الديمقراطية ،وهكذا ...فمن ذلك قول أحدهم":نحن محتاجون
إلى معرفة عصرنا وما يتطلبه ،ومن ذلك الديمقراطية ...،إن
الديمقراطية هي التعبير العصري عما نسميه بلغة الفقه والثقافة
اإلسالمية بالشورى ،والحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو
أحق بها ،...ونحن كمسلمين نرحب بها ونؤيدها ونرى أن
اإلسالم يعتبرها جزءا ً منه"( .)1ومما يقوله أحد العاملين
المسلمين ":نحن مع الديمقراطية بكل أبعادها وبمعناها الكامل
والشامل ،وال نعترض على تعدد األحزاب ،فالشعب الذي يحكم
على األفكار واألشخاص"(.)2
أما فكرة الحريات التي انبثقت عن عقيدة "فصل الدين
عن الحياة" أيضاً ،والتي تجعل اإلنسان في حل من أي قيد أو
ضابط وتعطيه حق التصرف كيفما شاء في حياته الشخصية
وحق االرتداد عن دينه واعتناق أي عقيدة ،وحق التفوه بأي
-1جريدة الشرق األوسط -حلقات في 5و 6و 7و 9شباط 1990م.
-2مجلة العالم -العدد 21 - 123حزيران .1986
221
كالم وحق تملك ما يريد وكيفما يريد دون قيد أو شرط،
أصبحت هذه الحريات بنظر هؤالء من أسس الشريعة
ومقاصدها وأهدافها فمن الكتب التي ألّفها أحد الحركيين
المسلمين كتاب يحمل عنوان "الحريات العامة في الدولة
اإلسالمية" .يحاول فيه تفصيل األحكام الشرعية على قياس
الدولة الديمقراطية المعاصرة .من ذلك ما يقوله من أنه يجوز
للمرأة أن تكون خليفة أو حاكما ً استنادا ً إلى "أن عمومات
اإلسالم تؤكد المساواة بين الذكر واألنثى"( ،)1مع أن حديث
رسول هللا rواضح في تحريم أن تكون المرأة ولي أمر
المسلمين " لن يفلح قوم َولّوا أمرهم امرأة"( .)2وكذلك ما قاله في
شأن تقرير "حرية االعتقاد" في اإلسالم حيث نفى أن يكون
القتل عقوبة للمرتد عن اإلسالم ،وادّعى أن قتل المرتد زمن
النبي كان عقوبة تعزيرية استدعتها الظروف السياسية
آنذاك( ،)3رغم وضوح قوله عليه الصالة والسالم "من بدل دينه
فاقتلوه"(.)4
هذه األمثلة التي هي غيض من فيض تكشف لنا مدى تأثر
الدعاة الواقعيين باألفكار الفاسدة السائدة في المجتمع والتي هي
في الغالب من لوثات الغزو الفكري الغربي.
-1راشد الغنوشي -الحريات العامة في الدولة اإلسالمية -ص .129
-2رواه البخاري -كتاب المغازي .4163 -
-3راشد الغنوشي -الحريات العامة في الدولة اإلسالمية -ص -49-48
.50
-4صحيح البخاري -رقم الحديث .3017
222
أما من حيث نظرتهم إلى الشريعة وكيفية فهمهم لها فقد
كانت متأثرة بمنهجهم الواقعي أيضا ً إلى حد بعيد.
فطريقة اإلسالم في الدرس والتطبيق ومعالجة المشاكل
هي كالتالي :أن يفهم الواقع على حقيقته فهما ً عميقا ً يؤدي إلى
معرفة المشكلة التي يراد معالجتها والتي هي مناط الحكم ،ثم
بعد ذلك تفهم النصوص الشرعية واألدلة المتعلقة بهذا الواقع
ألخذ الحكم الشرعي وتطبيقه علىالواقع ،وبذلك تكون المشكلة
قد عولجت بالشرع.
ولكن الواقعيين ،ال يتبعون هذه الطريقة ،وإنما يستمدون
معالجتهم للواقع من الواقع نفسه ،ومن ثم يعودون بعد ذلك إلى
النصوص الشرعية ليبحثوا عن دليل ليلصقوه بالمعالجة
الواقعية ،ولو أدى ذلك إلى أن تلوى أعناق األدلة واألحكام
الشرعية لتوافق معالجاتهم .وهذا ما دفعهم إلى توسيع مجال
مصادر التشريع ،بحيث تشمل جميع المصادر التي تكلم بها
األصوليون على اختالفهم ،دون النظر في مدى صحة تلك
المصادر .وذلك حتى يكون المجال واسعا ً أمامهم للعثور على
دليل على أي فكرة يحملونها أو أي معالجة يتبنونها أو أي
موقف يتخذونه .فباإلضافة إلى مصادر التشريع األربعة التي
اتفق عليها جمهور األصوليين ،وهي القرآن والسنة وإجماع
الصحابة والقياس ،نراهم يأخذون بالمصادر غير الثابتة.
فاالستحسان والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا والعرف
وفتوى الصحابي والعقل وسواها لم تثبت كأدلة للتشريع ،بل هي
مجرد شبهة ،ومع ذلك س ّخروها ألغراضهم.
223
الواقعية أيضا ً هي التي دفعتهم إلى استحداث القواعد
الجديدة ،والتمسك بالقواعد الضعيفة ،باإلضافة إلى القواعد التي
ح ّملوها ما ال تحتمل من معان .فقالوا بقاعدة "ال ينكر تغيّر
األحكام بتغير الزمان والمكان" وقالوا إن الشريعة مرنة
ومتطورة ،وتمسكوا بقاعدة "حيثما تكون المصلحة فثم شرع
هللا" فكل ما يرونه مصلحة "بنظرهم" يكون بحجة هذه القاعدة
من الشرع ،وع ّمموا قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"،
هذه القاعدة التي تتناول ضرورة الهالك ومحظورات الطعام،
ع ّمموها لتشمل غير المطعومات ،ولتشمل حتى الكماليات.
وبذلك تسنّىلهم أن يظهروا أي معالجة واقعية بالمظهر
الشرعي .واألمثلة على ذلك كثيرة ،نذكر منها على سبيل المثال
ما قام به بعض "الفقهاء" حين أرادوا إباحة المشاركة في
الحكم ،فقد وضعوا دراسة أتوا فيها بأدلة على جواز الحكم بغير
ما أنزل هللا تتلخص في االستدالل بشرع من قبلنا حيث ادعوا
أن يوسف عليه السالم حكم بغير ما أنزل هللا ،واستدلوا
بالمصالح حيث رأوا أن الحكم بغير ما أنزل هللا مشاركةً مع
الحكام يحقق مصلحة للمسلمين ،وعطلوا اآليات القطعية في
تحريم الحكم بغير ما أنزل هللا .ثم ادعوا أن وجود النجاشي على
رأس السلطة في الحبشة دليل على جواز الحكم بغير ما أنزل
هللا ،ونسوا أو تناسوا أن النجاشي كان يخفي إسالمه ألنه لم يكن
يجرؤ على إعالن إسالمه أمام قومه ،وكانت المدة بين إسالمه
وموته قصيرة جداً ،حتى إن رسول هللا rلم يعلم بإسالمه إال
224
يوم موته (عن طريق الوحي)( .)1وعندما أباح بعضهم التدرج
في تطبيق األحكام الشرعية ،استدل بنزول الوحي منجما ً على
رسول هللا .rمع أن المسألة بحث في كيفية تطبيق الشرع ال
في كيفية نزوله ،وتطبيق الشرع من أفعال العباد ونزول
الوحي من فعل هللا تعالى ،فكيف يقاس فعل العبد على فعل
هللا؟
وهكذا كان الدعاة الواقعيون مسايرين ألهواء الناس
موافقين ألفكارهم ممثلين ألهدافهم وتطلعاتهم في الوقت الذي
قام فيه دعاة مبدئيون يدركون قضية األمة ويعملون على
االنتقال بالناس من حالة االنحطاط واالنخفاض المتمثلة في
التخلف الفكري ،إلى حالة النهضة والرقي عن طريق بث
الثقافة اإلسالمية الصحيحة النقية الصافية.
بدأت المعركة بين الدعاة المبدئيين وأفكارهم من جهة
واألفكار السقيمة واألنظمة البالية من جهة أخرى ،حتى الح في
األفق انتصار الفكر الصحيح والعمل المبدئي.
تنفض من حول
مع بداية هذه المعركة بدأت الجماهير
ّ
أصحاب الواقعية ،وتحمل أفكار الدعاة المبدئيين ،التي أخذ
صدقها يظهر للعيان كل يوم أكثر فأكثر ،وأصبح المبدئيون
موضع آمال المسلمين ،في الوقت الذي يصبح فيه أصحاب
-1أنظر :أحمد المحمود -الدعوة إلى اإلسالم -من ص 308إلى ص
.315
225
األطروحات الواقعية محل اتهام بالرجعية ومسايرة الواقع
الفاسد بما فيه من أفكار وقناعات وثقافة وأنظمة.
قام الدعاة المبدئيون بعد دراسة عميقة لواقع المجتمع
الذي يعيش فيه المسلمون ،فدرسوا أفكاره ومشاعره وأنظمته
وأوضاعه السياسية ،وبعد دراسة عميقة للفكرة اإلسالمية
ألخذها صافية نقية مبلورة وفهم دقيق لطريقة حمل الدعوة،
وهي تتمثل في طريق الرسول .rوعزموا على خوض غمار
الصراع الفكري ألجل تحقيق نهضة األمة واستئناف الحياة
اإلسالمية .وخاض هؤالء غمار التفاعل مع المجتمع من أجل
أن تحمل األمة اإلسالم نظاما ً للحياة والمجتمع والدولة ،ولتكفر
بكل ما سواه من أنظمة وأفكار ومبادىء ،ومن أجل أن يصبح
استئناف الحياة اإلسالمية ،عن طريق عودة الحكم بما أنزل هللا
قضية يعمل ألجلها المسلمون ويناضلون في سبيلها.
وحصل التفاعل ،وواجه الرأي العام الدعاة المبدئيين
بادىء األمر مواجهة عنيفة ،شأنه في ذلك شأن كل المجتمعات
المتخلفة التي تتعرض لمن يخالفها في تقاليدها وعاداتها
وأعرافها وطريقة عيشها .إال أن هذه المواجهة هي دليل على
ترفّع الدعاة المبدئيين عن فساد الواقع بأفكاره ومشاعره
وأنظمته ،وهذا ما جعل الدعاة يصرون على دعوتهم ويثبتون
على قناعاتهم ،ألن عملهم هو أن يغيّروا المجتمع ال أن يغيّرهم
المجتمع.
قام هؤالء الدعاة ليواجهوا كل فكر دخيل ،وكل ثقافة
وافدة ،وكل تو ّج ٍه مغاير لإلسالم ،فهم يفهمون حق الفهم حديث
226
رسول هللا" : rمن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو
رد"( .)1ففي الوقت الذي يؤلف فيه المؤلفون الكتب لينسبوا
االشتراكية والديمقراطية والقومية والوطنية والحريات
لإلسالم ،قام المبدئيون ليثبتوا فساد االشتراكية وأنها كفر،
وليقفوا في وجه دعاتها وليسقطوا هيبتهم من أعين الناس،
وليبينّوا عفن الديمقراطية وأنها رجس وأنها تتناقض مع
اإلسالم من حيث األساس والتفاصيل ،وليكشفوا عوار القومية
وأنها انحطاط وارتكاس ونتانة ،وليظهروا تفاهة الوطنية
ومصطنعيها ،وليوضّحوا أن الحريات هي تفلّت من أحكام
الشرع وهي من الحضارة الغربية وليس من اإلسالم في
شيء ،وأنها عار على أمة تحمل عقيدة كالعقيدة اإلسالمية،
قاموا ليعلنوا البراءة الكاملة من أنظمة البشر الوضعية،
والمفاصلة الشاملة بين اإلسالم وغيره ،وليظهروا فساد
األنظمة والقوانين التي تُرعى بها شؤون األمة ،متمثلين قوله
" : rيحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ،ينفون عنه تحريف الغالين
وانتحال المبطلين ،وتأويل الجاهلين"(.)2
لقد حتم المبدأ على َح َملَة اإلسالم أن يتحروا النقاء
والصفاء في أفكارهم وثقافتهم التي يحملونها دعوة إلى الناس.
فكان لزاما ً على الدعاة المبدئيين ،وهم يحملون الدعوة إلى
-1رواه مسلم -كتاب األقضية .)17( -
-2رواه البيهقي -راجع أيضا ً :مشكاة المصابيح ،لمحمد التبريزي ،كتاب
العلم ،الحديث .248
227
اإلسالم وأنظمته وأحكامه ،أن ينقّوا عقائدهم من أي لوث أو
دخل علق بها منذ قديم التاريخ اإلسالمي وإلى عصرنا هذا.
وكان لزاما ً عليهم أن يبحثوا عن المصدر النقي الصافي لألحكام
الشرعية ،وهو القرآن والسنة وما أرشدا إليه "قطعاً" من أدلة
التشريع .وكان لزاما ً عليهم أن يعتمدوا القواعد التشريعية التي
دل عليها الدليل الشرعي باستدالل صحيح ،وأن يتحروا األحكام
المستندة إلى الدليل األقوى ،وأن تكون قوة الدليل هي المقياس
حين المفاضلة بين اجتهاد وآخر ،وبين رأي وآخر ،بصرف
النظر عما يوافق نظام العصر وواقع القرن العشرين وعالقات
المجتمع الرأسمالي .فليس الواقع مصدرا ً للمعالجات ،وليست
المصلحة دليالً على األحكام ،وليست حضارة القرن العشرين
"الحضارة الغربية" ح َكما ً على اإلسالم وأحكامه .وال يجوز
على المبدأ أن يتكيف مع الواقع الفاسد والمجتمع المنحط
والعالقات الرأسمالية .بل إن على الواقع أن يتغير ليوافق
المبدأ ،أي ليوافق اإلسالم ،وعلى الدعاة تقع مسؤولية تغيير
المجتمع ليصبح مجتمعا ً إسالمياً ،وذلك عن طريق توجيه
الضربات الفكرية واإلعالمية ضد عالقاته الفاسدة وما يتحكم
بها من أفكار خاطئة ومشاعر زائفة وأنظمة بالية .وهذا ال يتأتى
إال بالثبات على المبدأ بعقائده وأفكاره وأحكامه ومعالجاته ،دون
حيد قيد شعرة عنها ،ولنتذكر حديث رسول هللا " rأال إن َر َحا
اإلسالم دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار ،أال إن الكتاب والسلطان
سيفترقان ،فال تفارقوا الكتاب"(.)1
- 1رواه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ،وقال :رواه الطبري.
228
فحين يُسأل الدعاة عن نظام الحكم في اإلسالم ،فواجبهم
أن يقولوا هو نظام الخالفة الذي تو ِكل فيه األمة رعاية شؤونها
عن طريق البيعة ،رجالً تفوضه السلطة الكاملة ،ليحكمها بما
أنزل هللا ،وليكون مسؤوالً أمام هللا في اآلخرة ،وأمام الرعية في
صلوا
الدنيا عما يمارسه من رعاية الشؤون .وواجبهم أن يف ّ
شكل نظام الحكم كما دلت عليه األدلة الشرعية وكما مارسه
رسول هللا محمد rوالخلفاء الراشدون من بعده ،وكما وردت
أحكامه في الكتب الفقهية المعتبرة .ال أن يتوسلوا النظم
المعاصرة ليبحثوا عن أقربها إلى "روح اإلسالم" فيَسِموا بها
اإلسالم زورا ً وبهتاناً ،فيقولوا :نظام الحكم في اإلسالم
ديمقراطي أو جمهوري أو برلماني أو غير ذلك.
وعليهم حين يُسألون عن نظام االقتصاد في اإلسالم أن
يجيبوا بما دلت عليه مجموعة األحكام الشرعية المتعلقة
باالقتصاد والمال التي استقرت في كتب الفقه سواء أكانت من
أحكام المعامالت الفردية ،أم من األحكام المنوطة بالدولة .وال
ضير في ترتيب هذه األحكام وتبويبها على نحو يس ّهل الرجوع
إليها ويؤهلها لمواجهة األنظمة الوضعية المعاصرة .ولكن ال
يجوز أن يقال ،حين تروج أفكار االقتصاد الحر :إن اإلسالم
أقرب ما يكون في نظامه االقتصادي إلى النظام الحر .أو أن
يقال ،حين تروج الدعوة إلى األفكار االشتراكية :إن اإلسالم
ينزع في تشريعه االقتصادي نزعة اشتراكية .أو أن يقال :إن
اإلسالم جمع بين مزايا النظامين الحر واالشتراكي.
إن المبدأ يملي على َح َملَته ،أن يؤكدوا براءة اإلسالم من
كل نظام ،وأن يبرهنوا على تميزه عن كل ما سواه من المبادىء
229
والمذاهب واألنظمة ،سواء من حيث األساس الذي يقوم عليه،
أو من حيث مصدره الذي نجم عنه ،أو من حيث مضمونه الذي
تجلى نظاما ً للحياة والمجتمع والدولة.
أما من حيث األساس ،فأساس نظام اإلسالم هو العقيدة
اإلسالمية ،عقيدة "ال إله إال هللا محمد رسول هللا" .بينما أساس
النظام الرأسمالي عقيدة "فصل الدين عن الحياة" .وأساس
النظام االشتراكي الشيوعي عقيدة "ال إله والحياة مادة" .وأما
نزل
من حيث المصدر ،فمصدر نظام اإلسالم الوحي الذي أ ُ ِ
على رسول هللا محمد { rثم جعلناك على شريعة من األمر
فات ّ ِبعها وال تَت ّ ِبع أهواء الذين ال يعلمون }( ،)1بينما مصدر
األنظمة الوضعية عقول البشر وأهواؤهم وعبقرياتهم .وأما
من حيث المضمون ،فإن كتب الفقه اإلسالمي وتاريخ
المجتمع اإلسالمي والدولة اإلسالمية ،ألدلة حية دامغة على
أن لإلسالم كيانا ً حضاريا ً وتشريعيا ً ونمطا ً من العيش ال يمت
بصلة إلى أي حضارة من الحضارات وال أي تشريع من
التشريعات ،وأنه بريء من كل ما سواه براءة لم يعرف تاريخ
الحضارات لها مثيالً.
وهكذا ،على َح َملَة الدعوة أن يأخذوا بقوة ،بكل فكرة
إسالمية ،وبكل معالجة وكل حكم يعطيه اإلسالم .فليسوا
مطالبين بتبرير حكم "الجهاد" ،وليسوا مجبرين على تبرير
"تعدد الزوجات" ،وال حكم "الطالق" ،وال "قطع يد السارق"
-1سورة الجاثية -اآلية .18
230
وال غيرها ،بل عليهم االفتخار بأنهم يحملون أعظم نظام عرفه
البشر ،إنه شريعة هللا المهداة رحمة للعالمين.
وال يجوز للدعاة أن يبحثوا عما يوافق الواقع من أحكام
فيأخذونها ولو كانت اجتهادا ً ضعيفا ً أو كانت مستندة إلى أدلة
ضعيفة .وال يجوز أن يأولوا الحكام والنصوص الشرعية لتوافق
"روح العصر" الذي هو النمط الحضاري الغربي .وال يجوز
التنازل عن بعض األحكام وتعديلها أو إخفاؤها ،استرضاء
للسالطين واتقا ًء لشرهم وطمعا ً ببعض ما عندهم .بل الدعوة
موقف ثابت ،وكلمة حق ينال بها الدعاة شرف الدنيا واآلخرة
بإذن ربهم.
إن ثبات المبدئيين على ذلك النهج وتلك المواقف ،أدى
إلى اضطهادهم وظلمهم ومواجهتهم بالقتل والتشريد والسجن
وقطع األرزاق وترويج الدعاوات اإلعالمية لتشويه صورتهم
أمام أعين الناس ،مما جعل المجتمع يتجمد في وجههم بعض
األحيان ،وذلك إزاء اإلرهاب المادي واإلعالمي الذي يمارس
ضد الدعاة ومن يلتف حولهم ويؤيدهم.
إال أن كل ذلك لم يثن الذين يعتنقون أعظم عقيدة ويحلمون
بجنات عرضها السماوات واألرض عن دعوتهم التي نذروا
حياتهم لها ،وتحملوا األهوال ألجلها ،ورأوا أن القضية قضية
حياة أو موت واتخذوا إزاءها إجراء الحياة والموت .فهم
يتذكرون دائما ً قول هللا تعالى { :أم حسبتم أن تدخلوا الجنة
ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء
231
وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر هللا
أال إن نصر هللا قريب }(.)1
وما أشبه ذلك بما حصل مع رسول هللا rوأصحابه ومن
يؤيدهم ويحميهم .فقد حاصرت قريش آل هاشم ،ألجل أنهم
دافعوا عن رسول هللا rوحاربت كل من يعين أو ينصر دعوة
الحق أو يصغي إلى كلمة اإلسالم .فتجمد المجتمع في وجه
رسول هللا ،rووقف الناس موقف المراقب والمترقب الذي
ينتظر ما ستؤول إليه األمور .إال أن رسول هللا rصبر على
دعوته ودأب يبحث عن مجال آخر للدعوة ،حتى أكرمه هللا
سبحانه وتعالى بإيمان أهل المدينة وتحقق بذلك نصر هللا تعالى
لرسوله الكريم.
وها هم الدعاة المبدئيون في أيامنا هذه ،لما صبروا على
دعوتهم رأينا أبواب التوفيق تفتّح لهم من جديد ،وسرعان ما
عادت األمة لتحتضن أبناءها المخلصين الواعين الذين ثبتوا
على مبدئهم ودعوتهم .وهاهم يصبحون أمل الناس في التغيير،
وها هي الخالفة أصبحت على كل لسان ،وها هي بشائر النصر
تلوح في األفق وتبشر بمجد جديد تكون فيه كلمة هللا هي العليا
وكلمة الذين كفروا السفلى ،ويكون اإلسالم الصافي النقي هو
الذي يحكم حياة الناس ويعلي شأنها ،حيث ال وجود بإذن هللا
تعالى آلثار التخلف والظالم ،وال صوت يعلو لغير المخلصين
الواعين من أبناء هذه األمة.
-1سورة البقرة -اآلية (.)214
232
إن مزيدا ً من الجهود في طريق الدعوة ،وعلى الخط الذي
رسمه المبدأ من أجل استئناف الحياة اإلسالمية ،من شأنها أن
تبشر بوالدة نهضة راشدة جديدة تعيد للحضارة اإلسالمية
ّ
وعزها وللمجتمع هويته ولألرض
حياتها ولألمة كرامتها
منارتها.
إنه نداء لكم يا خير أمة أخرجت للناس ،نداء لكم يا من
ناداهم هللا بقوله { :يا أيها الذين آمنوا استجيبوا هلل وللرسول
إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن هللا يحول بين المرء وقلبه
وأنه إليه تحشرون }(.)1
-1سورة األنفال -اآلية (.)24
233
المصادر والمراجع
الواردة أسماؤها في هوامش الكتاب
اإلسالم كبديل -مراد هوفمان -ترجمة د .غريب محمد
غريب -الطبعة األولى -مجلة النور الكويتية ومؤسسة
بافاريا.
اإلسالم على مفترق الطرق -محمد أسد -ترجمة د .عمر
فروخ - 1987 -دار العلم للماليين ،بيروت.
اإلسالم والتحدي الحضاري -بأقالم عشرة من علماء
اإلسالم -دار الكاتب العربي ،بيروت 1992 -م 1412
هـ.
أعالم الفكر السياسي -إعداد موريس كرانستون -الطبعة
الثالثة - 1991دار النهار للنشر ،بيروت.
بهجة المعرفة -موسوعة علمية مصورة -الشركة العامة
للنشر والتوزيع واإلعالن.
التفسير اإلسالمي للتاريخ -عماد الدين خليل -الطبعة
الخامسة - 1991دار العلم للماليين.
تلبيس إبليس -الحافظ اإلمام أبو الفرج عبد الرحمن بن
الجوزي البغدادي ،المتوفى 597هـ -تحقيق عصام فارس
الحرستاني -المكتب اإلسالمي ،بيروت ،الطبعة األولى
1414هـ 1994 -م.
234
جامع بيان العلم وفضله -اإلمام أبو عمر يوسف بن عبد
البر القرطبي المتوفى سنة 462هـ -إدارة الطباعة
الجيزية ،مصر -د.ت.
الجامع ألحكام القرآن -أبو عبد هللا محمد بن أحمد
األنصاري القرطبي -دار الكتاب العربي ،بيروت -د.ت.
الحريات العامة في الدولة اإلسالمية -راشد الغنوشي -
مركز دراسات الوحدة العربية بيروت .1993 -
الدعوة إلى اإلسالم -أحمد المحمود -الطبعة األولى -
1415هـ1995 ،م -دار األمة ،بيروت.
الدولة اإلسالمية -تقي الدين النبهاني -الطبعة الخامسة
- 1994دار األمة ،بيروت.
سنن الدارمي -اإلمام عبد هللا بن عبد الرحمن الدارمي
السمرقندي (ت 255هـ).
السيرة النبوية -ابن هشام (المتوفى سنة 213أو 218هـ)
تعليق وتخريج :د .عمر عبد السالم تدمري -دار الكتابالعربي -الطبعة الرابعة .1993
الشخصية اإلسالمية ،الجزء األول -تقي الدين النبهاني -
الطبعة الرابعة 1994م -دار األمة ،بيروت.
صحيح البخاري -لإلمام الحافظ أبو عبد هللا محمد بن
إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256هـ.
صحيح مسلم -لإلمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج
القشيري النيسابوري المتوفى سنة 261هـ.
235
العقد االجتماعي -جان جاك روسو -ترجمة ذوقان قرقوط
دار القلم ،بيروت. قصة الحضارة -ول ديورانت -ترجمة مجموعة من
الكتّاب -دار الجيل ،بيروت.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد -للحافظ نور الدين علي بن
أبي بكر الهيثمي (المتوفى سنة 807هـ) مؤسسة
المعارف ،بيروت 1406هـ 1986 -م.
مختار الصحاح -محمد بن أبي بكر الرازي -مكتبة لبنان -
.1992
مسند اإلمام أحمد -اإلمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة
241هـ) -مراجعة صدقي العطار -دار الفكر ،بيروت
1994م.
الموسوعة الفلسفية -وضع لجنة من العلماء واألكاديميين
السوفياتيين ،بإشراف م .روزنتال و ب .يودين -ترجمة
سمير كرم -دار الطليعة ،بيروت .1987 -
النظام االقتصادي في اإلسالم -تقي الدين النبهاني -الطبعة
الرابعة - 1990دار األمة ،بيروت.
نهاية التاريخ واإلنسان األخير -تأليف فرانسيس فوكوياما -
مترجم بإشراف مطاع صفدي -مركز اإلنماء القومي،
بيروت .1993
الوعي (مجلة) -جامعية فكرية ثقافية -تصدر عن ثلة من
الشباب الجامعي المسلم في لبنان.
236
237
© Copyright 2026 Paperzz