تحميل الملف المرفق

‫‪ 40‬قاعدة‬
‫يف قراءة الكتب واالستفادة منها‪..‬‬
‫‪1‬‬
‫محاضرة ألقاها‬
‫فضيلة الشيخ‬
‫رضا أحمد صمدي‬
‫بسم هللا الرمحن الرحيم‬
‫الراغبني فيما ينفع حاهلم يف الدنيا واآلخرة‪:‬‬
‫إذا كان قد تقرر عندهم أن العلم هو أول وأوحد وأفضل طريق لصحة العمل فإننا نقول‪ :‬إن‬
‫أول وأوحد طريقة للعلم الصحيح هو االنتفاع ابلكتاب‪ ،‬وإمثار القراءة الصحيحة من هذا‬
‫الكتاب؛ ألن العلم يُتَلقَّى عن طريقني‪:‬‬
‫إما عن أفواه األشياخ؛ مبساكنة العلماء‪ ،‬والتَّلَ ِقي عند ُرَكبِ ِهم "ألفاظهم‪ ،‬وكلماهتم"‪.‬‬
‫وإما بقراءهتا وحفظها من بني ثنااي املتون والسطور عرب الكواغد والكتب‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫فهذه الطريقة الثانية تُ َع ُّد حبق نصف العلم‪ ،‬إن مل تكن أكثر من ذلك‪..‬‬
‫وعزت فيه األزمنة اليت‬
‫قل فيه الشيوخ‪ ،‬ونَ ُد َر فيه العلماء‪ ،‬بل َّ‬
‫وخاصة‪ :‬يف هذا العصر الذي َّ‬
‫نستطيع فيها أن نتلقى عن العلماء‪.‬‬
‫يف الزمان البعيد‪..‬‬
‫كانت وسيلة الطلبة واملتَ َعلِمني يف طلب العلم أهنم يزاملون‪ ،‬وجيالسون شيوخهم‪ ،‬وأئمتهم‪،‬‬
‫ُ‬
‫ومدرسيهم السنني الطَُّوال‪ ،‬ولرمبا الزم شيخا يف النحو مخس سنني‪ ،‬أو يف التفسري عشرا‪ ،‬أو‬
‫يف األصول عشرا‪..‬‬
‫كل ذلك حىت يتَلقَّى عنه رحيق كل هذه العلوم‪ ،‬ويرضع منه لُبَا َن العلم ارتضاعا‪.‬‬
‫ولكن‪:‬‬
‫اآلن مىت نوفِر ألنفسنا أوقاات كأوقات أولئك األقوام الذين كانوا جيلسون مع شيخهم من بعد‬
‫الفجر إىل الضحى‪ ،‬مث يرتيضون ببعض النوافل يف املسجد‪ ،‬مث يستأنفون القراءة والعلم حىت‬
‫الزوال‪ ،‬مث يصلون الظهر‪ ،‬مث يكملون القراءة واحلفظ على شيخهم من الظهر إىل العصر‪،‬‬
‫وهلم جرا‪ ..‬حىت أييت املغيب‪.‬‬
‫َّ‬
‫وجلَدا شديديني؟‬
‫َمن الذي يَفَرغ اآلن إىل هذا الوقت؟ أو إىل هذه اهلمة اليت تقتضي صربا َ‬
‫ي أن اإلمام مالك خاطت له أمه يف قميصه؛ أي‪:‬‬
‫حىت ُرِو َ‬
‫يف لِب ِ‬
‫اسه‪ ،‬خاطت له ََمَدَّة؛ لطول جلوسه أمام الشيوخ‪.‬‬
‫َ‬
‫وطبعا اإلنسان‪ ،‬يعين‪ :‬زمان طالب العلم كان ال جيلس كمجلسنا هذا ساعة‪ ،‬مث يذهب إىل‬
‫بيته‪ ،‬ال؛ كان يقعد اجمللس مثال يقرأ على شيخه كتااب‪ ،‬رمبا طال هذا اجمللس حىت استمر‬
‫ثالث ساعات‪ ،‬أو أربع ساعات‪ ،‬أو مخس ساعات‪.‬‬
‫ويُرَوى أن "احلافظ بن حجر" قرأ كتاب " ُمعجم الطرباين الصغري" على شيخه ما بني الظهر‬
‫والعصر‪ ،‬يعين‪ :‬قُرابة الثالث ساعات وهو يف قراءة مستمرة سريعة على شيخه حىت يفرغ من‬
‫قراءة هذا الكتاب عليه‪َ ،‬ونَ َو ِال السند وا ِإل َجازة منه‪.‬‬
‫فمن الذي يستطيع أن يوفِر لنفسه هذا الوقت؟‬
‫َ‬
‫‪3‬‬
‫ولو ُوِج َد الشيخ املتَ َف ِرغ ال يوجد التلميذ‪ ،‬ولو ُوِج َد التلميذ املتفرغ ال يوجد الشيخ املتفرغ؛‬
‫ُ‬
‫ألن الناس اآلن قد عافستهم احلياة واملدنية‪ ،‬وفرضت عليهم من أمور السعي‪ ،‬وطلب الرزق‬
‫والكدح ما حيول بينهم وبني التفرغ التام لطلب العلم‪ ،‬بل إنك جتد حىت أساتذة اجلامعات‬
‫الذين فُ ِرغوا للتعليم‪ ،‬أو املعيدين الذين فُ ِرغوا للتعلم ال جتد منهم من تعلو مهته‪ ،‬ويستطيع أن‬
‫ُ‬
‫جيلس الساعات ذوات العدد يف جمالس العلم‪ ،‬أو بني امل َد َّرجات‪.‬‬
‫ُ‬
‫الطالب اآلن جيلس يف امل َد ِرج يف احملاضرة‪ ،‬إذا امل ِ‬
‫حاضر أطال على "ساعة ونصف" يشتكي‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ويتذمر‪ ،‬ويوصف هذا املدرس ابلتطويل!‬
‫لذلك‪ :‬اآلن ال يوجد من املناهج‪ ،‬أو من املدرسني‪ ،‬أو من التالميذ من يستطيع أن يُنَ ِفذ‬
‫ويُطبِق منهج السلف الشاق يف طلب العلم‪.‬‬
‫إذن‪:‬‬
‫ستبقى قضية قراءة الكتاب هي الوسيلة الوحيدة الذاتية الشخصية اليت منها يستطيع اإلنسان‬
‫حتصيل العلم‪ ،‬وتوفري احلصيلة الثقافية والعلمية املطلوبة‪ ،‬فإذا كانت هذه الوسيلة وال تزال‬
‫وستزال هي الوسيلة الكبرية‪ ،‬أو الوحيدة يف حتصيل أكرب قدر ممكن من املعلومات ابلنسبة‬
‫لإلنسان فإننا البد أن نرتقى‪ ،‬وأن نتطور يف قراءة الكتاب‪ ،‬ويف تناول هذه القضية؛ حبيث‬
‫منارسها بطريقة علمية؛ نقرأ بطريقة علمية‪..‬‬
‫ومن هنا‪:‬‬
‫كانت حماضرتنا "أربعون قاعدة يف قراءة الكتب واالستفادة منها"‪.‬‬
‫تكلمنا قَب ُل يف "أربعون قاعدة يف استغالل األجازة الصيفية"‪..‬‬
‫أن الوقت الطويل الذي أمام كثري من الشباب والطلبة أعظم ما ُُيكن أن يُستَ غَل فيه قراءة‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫ولكن لألسف كثري منَّا َجَّرب قراءة الكتب‪ ،‬ولكنه ُِحيس مع طول األمد‪ ،‬وطول الزمان‪ ،‬أنه‬
‫مل حيصل شيئا‪ ،‬وما ذلك إال ألنه مل يضع لنفسه منهجا مستمرا صارما‪ ،‬ومل ي ِ‬
‫نب دراسته‬
‫وقراءته على طريقة علمية‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫وهذا األمر جربناه منذ زمان؛ عندما كان اإلنسان ال يقرأ بطريقة علمية‪ ،‬وال ُحي ِ‬
‫صل بطريقة‬
‫علمية‪.‬‬
‫بت أان وقرأت مرة يف خالل أسبوع‪ ،‬قرأت كتاب "اقتضاء الصراط املستقيم َمالفة‬
‫فمثال‪َّ :‬‬
‫جر ُ‬
‫بت أن أقرأه‪ ،‬وقرأته فعال‪ ،‬ولكن مل تكن قراءيت هلذا‬
‫أصحاب اجلحيم" لإلمام ابن تيمية‪َ ،‬جَّر ُ‬
‫ضوء القراءة السابقة ال‬
‫الكتاب بطريقة علمية‪ ،‬لذلك هذا الكتاب اآلن لو سألتين فيه على َ‬
‫حصل اإلنسان‬
‫بنيت قراءته على طريقة علمية َّ‬
‫ُيكن أن أجيبك بشيء عنه‪ ،‬ولكن ملَّا ُ‬
‫معلومات وفوائد أخرى سنتكلم عنها يف سياق كالمنا‪...‬‬
‫القاعدة األوىل‪:‬‬
‫أوىل هذه القواعد‪ ،‬قواعد االستفادة من قراءة الكتب‪:‬‬
‫أن تعلم أيها الرشيد النبيل األريب! أن قراءة الكتاب فوق كونه خري أنيس وجليس ‪-‬وهذا‬
‫وجمالَسة ملن غابوا عنك‪ ،‬ومل تستطع أن‬
‫البد أن يكون يف قرارة نفسك‪ -‬أن القراءة ُمؤانَسة ُ‬
‫تتقرب إليهم؛ أنت حتب "أمحد بن حنبل"‪ ،‬وحتب "احلافظ ابن حجر"‪َ ،‬وُوُّد َك لو رأيت "عبد‬
‫َّ‬
‫الوهاب بن واسع"‪ ،‬أو غريهم من أئمة السلف‪ ،‬وال تستطيع أن تنظر إليهم‪ ،‬أو أن تتكلَّم‬
‫معهم‪ ،‬فالوسيلة للمؤانسة معهم وجمالستهم هو‪:‬‬
‫أن تقرأ عنهم يف تَر ُِ‬
‫اُج ِهم‪ ،‬أو أن تقرأ كلماهتم وعباراهتم وألفاظهم‪.‬‬
‫َ‬
‫لذلك‪ :‬فوق َكو ِن الكتاب خري أنيس وجليس لطالب العلم‪ ،‬ولطالب املعرفة‪ ،‬فوق ذلك جيب‬
‫أن تعلم أن القراءة عبادة وطاعة وجماهدة‪..‬‬
‫وهذا هو امل َميِز أو الفارق بني من يطلب العلم للعلم‪ ،‬أو ألجل أي غرض آخر‪ ،‬أو بدون أي‬
‫ُ‬
‫غرض أصال‪ ،‬وبني من يقوم ابلقراءة ويتعلم ألجل أن يطيع هللا تبارك وتعاىل‪.‬‬
‫وهذه الشريعة اإلسالمية أشارت يف نصوصها إىل فضل القراءة والعلم والتعلم‪ ،‬بل ساق هللا‬
‫ساق املِنَّة على عباده؛ لينبههم إىل فضل هذه األمور؛‬
‫‪ ‬القراءة والكتابة والقلم َم َ‬
‫﴿ن َوال َقلَِم َوَما يَسطُُرو َن﴾ [القلم‪.]1 :‬‬
‫فأقسم ابلقلم‪ ،‬وأقسم مبا يُكتب به القلم‪ ،‬وهي السطور‪ ،‬أي‪ :‬العلوم‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫وقال ‪ ‬يف أول ما نزل من الوحي املطَ َّهر يف السماء الدنيا‪ ،‬وعلى األرض‪:‬‬
‫ُ‬
‫ك الَّ ِذي َخلَ َق﴾ [العلق‪.]1 :‬‬
‫﴿اق َرأ ِابس ِم َربِ َ‬
‫الرمحَ ُن ‪َ ‬علَّ َم ال ُقرآ َن ‪َ ‬خلَ َق ا ِإلن َسا َن‬
‫وام َ َّ‬
‫ت هللا على عباده أبن َعلَّ َم ُهم ما مل يعلموا‪َّ ﴿ :‬‬
‫‪َ ‬علَّ َمهُ البَ يَا َن﴾ [الرمحن‪.]4 :1 :‬‬
‫والبيان ال َحي ُسن إال ابلقراءة‪.‬‬
‫لذلك‪ :‬ملا جربيل قال للرسول ‪" :‬اقرأ"‪ ،‬قال‪ :‬ما أان بقارئ‪.‬‬
‫َّ‬
‫"ما أان بقارئ" ليس معناها‪ :‬أان ال أريد أقرأ‪ ،‬ال؛ "ما أان بقارئ" أي‪:‬‬
‫لست ممن جييد القراءة ؛ ألنين مل أتعلم‪.‬‬
‫َّعلُّم‪..‬‬
‫فمفهوم اللفظ من الرسول ‪ ‬أن البيان والقراءة ال َحت ُس ُن إال ابلت َ‬
‫ب كوهنا أمر ُُيدُّك مبدد وعون ِ‬
‫نفساين‬
‫لذلك‪ :‬البد أن يُد ِرك اإلنسان أن قضية القراءة َ‬
‫صو َ‬
‫يساعدك على َحت َّمل تَبِعات ومشاق هذه احلياة فوق ذلك‪:‬‬
‫هو أيضا عبادة‪ ،‬بل هو قبل ذلك ‪-‬إن صح التعبري‪ -‬عبادة وطاعة وجماهدة‪.‬‬
‫عبادة‪ :‬كما سيأيت تقتضي النية‪.‬‬
‫وطاعة‪ :‬ألنك تتقرب هبا إىل هللا ‪‬؛ لتناول األجر والثواب‪.‬‬
‫وجماهدة‪ :‬ألهنا حتتاج إىل صرب‪ ،‬وجمالدة كما سيأيت‪..‬‬
‫القاعدة الثانية‪:‬‬
‫االنتصاب لقراءة الكتاب‪ ،‬استحضار النية‪ ،‬وإنشاؤها‪ ،‬وإصالحها‪ ،‬ومراقبتها‪.‬‬
‫إنشاء النية‪ :‬إذا كانت معدومة عندك‪ ،‬فكثري من الناس يقرأ بدون نية؛ يقرأ مثال‪ :‬يفتح "نزهة‬
‫النظر"‪ ،‬مث يقرأ‪..‬‬
‫ماذا نويت أخي! أيها األريب! اي طالب العلم! اي من تريد النجاة يف هذه الدنيا واآلخرة!‬
‫ماذا نويت قبل أن تقرأ هذا الكتاب؟‬
‫وقِس على ذلك كل األفعال‪ ،‬لكن سياق كالمنا عن "القراءة"؛ أي كتاب تقرأه حىت ولو كان‬
‫صغريا؟ ماذا نويت؟ وماذا تريد وتنوي من قراءتك هلذا الكتاب؟‬
‫‪6‬‬
‫هذا يف حق عدمي النية‪ ،‬البد أن ينشئها؛ أي‪ :‬أن ِ‬
‫يوج َدها من العدم‪ ،‬ليس عنده نية البد أن‬
‫ينشئ نية‪.‬‬
‫وإذا كان عنده نية‪ ،‬لكن هذه النية مدخولة‪ ،‬فالبد عليه من إصالحها‪.‬‬
‫يقرأ الكتاب‪ ،‬لكنه لألسف ختتلط عليه نية الطاعة والعبادة واإلخالص‪ ،‬بنية حب الظهور‬
‫والتفاخر‪..‬‬
‫فالبد من إصالح هذه النية؛ أبن َُُلِصها من هذه الشوائب‪.‬‬
‫إذا‪ :‬أان قلت إنشاء النية يف حق عدمي النية‪ ،‬إنسان ليس عنده نيَّة أصال ينشئها من عدم‪.‬‬
‫طيب‪ :‬واحد عنده نيَّة‪ ،‬لكن نية مدخولة؛ توجد عنده نيَّة القراءة هلل‪ ،‬لكن جبانبها نية أخرى‪:‬‬
‫أنه يقرأ من أجل أن يفاخر مثال‪ ،‬فالبد أن يُصلِح النية هذه‪ ،‬البد من إصالح هذه النية؛‬
‫أبن يُنَ ِقيها من هذه الشوائب‪..‬‬
‫طيب‪ :‬إنسان َم َّن هللا عليه أبن أنشأ نية وأصلحها من تلك الدواخل ومن تلك الشوائب‪،‬‬
‫ولكنه تَ ِرُد عليه العوارض‪ ،‬فالبد من مراقبة هذه النية‪..‬‬
‫لذلك‪ :‬حنن قلنا‪:‬‬
‫إنشاء النية وإصالحها ومراقبتها؛ ألن أثناء القراءة‪ ،‬يقرأ الكتاب مثال بعد أن نوى نية صاحلة‪،‬‬
‫وأتيت عليه مسألة مثال صعبة‪ ،‬فَيَ ُم ُّن هللا عليه بفهمها‪ ،‬فيفتخر بنفسه‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫ضت على الشيخ "األلباين" نفسه كان سيظل يفكر فيها‪..‬‬
‫أنه فَ ِه َم مسألة لو عُ ِر َ‬
‫فانظر إىل النية‪ ،‬النية هنا دخل فيها شيء من الشوائب اليت تنال من صحتها‪ ،‬فالبد من‬
‫ض عليك أثناء القراءة‪.‬‬
‫مراقبة هذه النية‪ ،‬ومدافعة كل دواخل الشيطان اليت تَ ِرُد وتَع ِر ُ‬
‫لذلك نقول‪ :‬راقب النية أثناء قراءتك للجمل والعبارات‪.‬‬
‫تعلمت من عبارة‪ ،‬أو من ُجلة معىن من املعاين‪ ،‬أو فائدة من الفوائد تقول‪:‬‬
‫ماذا أنوي‪ ،‬وماذا سأستفيد من هذه اجلملة؟ من هذه العبارة؟‬
‫البد أن يكون لك موقف مع كل فائدة تستفيدها من الكتابة‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫طبعا هذه األمور قد تصعب عليك يف بداية الطلب‪ ،‬أو القراءة‪ ،‬لكن مع اجملاهدة ومع‬
‫استمرار استحضار النية َسيُيَ ِسر هللا ‪ ‬عليك هذا األمر‪.‬‬
‫القاعدة الثالثة‪:‬‬
‫َّه ُم يف قراءة الكتاب أو الكتب‪.‬‬
‫الن َ‬
‫ما معىن النهم؟ النهم يف قراءة الكتب؟‬
‫الشََّراهة‪ ،‬الشََّره‪.‬‬
‫النهم يف قراءة الكتب‪ :‬البد أن تُولِد يف نفسك هذه احلاجة‪ ،‬وهذا اجلوع حىت تستطيع أن‬
‫تستفيد من الكتاب؛ ألن الذي يرتك لنفسه عواهنها يف قراءة الكتاب فإنه سيتمادى مع‬
‫كسله‪ ،‬ومع فتوره‪ ،‬ولن ُحي ِ‬
‫اسب نفسه يف أي كتاب يقرأه‪ ،‬سواء قرأ الكتاب يف "شهر" يف‬
‫"شهرين" يف "سنة"‪.‬‬
‫هناك بعض اإلخوة أعطي له كتاب يقرأه مثال ُيكث معه "أسبوع‪ ،‬أسبوعني" أسأله‬
‫أأنتهيت؟‬
‫ال ليس بعد‪..‬‬
‫هذا دليل على إن نَ َهم القراءة عنده ضعيف‪ ،‬أو لِنَ ُقل‪:‬‬
‫أن عنده حالة تَ َشبُّع‪ ،‬أو لِنَ ُقل‪ :‬أنه ليس لديه أصال رغبة يف القراءة‪.‬‬
‫لكن يف حق طالب العلم‪ ،‬ويف حق من يريد االستفادة‪ ،‬وحتصيل املعلومة‪ ،‬البد أن يُولِد هذا‬
‫اجلوع‪ ،‬البد أن يولد هذا اجلوع يف حتصيل العلم‪ ،‬وإال فإنه لن يستطيع أن يتدارك األوقات يف‬
‫حتصيل القراءات والكتب‪.‬‬
‫كيف يُولِد هذا النهم؟‬
‫األصل أنك تُولد النهم والشره يف قراءة الكتاب أو الكتب‪ ،‬كيف تولد هذا النهم؟‬
‫تُولِد هذا النهم ابملنافسة؛ أبن تستحضر معىن املنافسة بينك وبني املؤمنني‪ ،‬بني القراء‪.‬‬
‫‪8‬‬
‫جتد أن فالن مثال‪ :‬قرأ هذا الكتاب يف "أسبوع" فتتنافس وتعمل على قراءته مثال يف‬
‫"يومني"‪ ،‬وهذه املنافسة بتصحيح النية فيها تكون من صميم العبادة‪ ،‬وهللا ‪ ‬قد ساق يف‬
‫القرآن ثالثة ألفاظ تدل على هذا املعىن فقال‪:‬‬
‫﴿ َو َسا ِرعُوا إِ َىل َمغ ِفَرة ِمن َّربِ ُكم﴾ [آل عمران‪.]132 :‬‬
‫وقال‪َ ﴿ :‬سابِ ُقوا إِ َىل َمغ ِفَرة ِمن َّربِ ُكم ﴾ [احلديد‪.]21 :‬‬
‫ِ‬
‫ك فَليَ تَ نَافَ ِ‬
‫س ال ُمتَ نَافِ ُسو َن ﴾ [املطففني‪.]26 :‬‬
‫وقال‪َ ﴿ :‬وِيف ذَل َ‬
‫للسبق‪ ،‬وحب للوصول إىل األمر‬
‫واملنافسة تقتضي أن اإلنسان البد أن يكون يف قلبه حب َ‬
‫قبل اآلخرين‪.‬‬
‫َّحسر على فوات املعلومة؛ تتحسر أنك بدون هنمك وجوعك‬
‫األمر الثاين لتوليد النهم‪ :‬الت ُّ‬
‫صل ما يعلمه اآلخرون‪..‬‬
‫وشرهك يف قراءة هذا الكتاب ال ُحت ُّ‬
‫رك على‬
‫تعلم أن فالن مثال قرأ هذا الكتاب‪ ،‬فعنده هذه املعلومة‪ ،‬وأنت ُخل ٌو منها‪َ ،‬حتَ ُّس َ‬
‫فوات هذه املعلومة منك‪..‬‬
‫ِ‬
‫ب مثال ابلعلوم الشرعية‪:‬‬
‫لنَض ِر َ‬
‫لِنَ ُقل‪ :‬أن فالن مثال َم َّن هللا ‪ ‬عليه‪ ،‬وقرأ تفسري "ابن كثري" كله‪ ،‬فأنت تتحسر على نفسك‬
‫أن فالن فَ ِه َم كالم هللا ‪ ‬بينما أنت حتفظ القرآن‪ ،‬وال تستطيع أن تفهم أي آية من‬
‫اآلايت‪..‬‬
‫فتتحسر على نفسك من فوات‬
‫لكن‪ :‬واحد قرأ تفسري كامل فاستطاع أن يفهم كالم هللا ‪‬‬
‫َّ‬
‫فَه ِم كالم هللا ‪ ‬عنك‪.‬‬
‫الوسيلة الثالثة يف توليد النهم‪َ :‬حل ِظ اهلدف ابستمرار‪:‬‬
‫أنت يف بداية طلب العلم‪ ،‬البد أن تضع لنفسك هدفا واضحا‪ ،‬أو غاايت واضحة صرحية‬
‫تسعى إليها‪.‬‬
‫أهم هذه الغاايت‪ :‬إرضاء هللا ‪ ‬والنجاة‪ ،‬ودخول اجلنة‪.‬‬
‫‪9‬‬
‫ومن هذه الغاايت‪ :‬كفاية املسلمني يف هذا العلم‪ ،‬أو يف هذا الباب‪.‬‬
‫فبالتايل لو قلنا مثال‪ :‬أنك وضعت لنفسك غاية عند قراءتك للتفسري أن تكون م ِ‬
‫فسرا يلجأ‬
‫ُ‬
‫إليك الناس يف شرح وبيان مراد هللا ‪ ،‬يَقبُ ُح بك أن يغيب عن ذهنك هذا اخلاطر؛ ألنك‬
‫إذا وضعت هذه الغاية‪ ،‬وهذا اهلدف يف عقلك وخاطرك ابستمرار فإنه سيظل يُلِ ُّح عليك‪،‬‬
‫ويُولِد يف قلبك الرغبة يف حتصيل أكرب قدر ممكن من املعلومات املتعلِقة ابهلدف لتصل إليه‪،‬‬
‫ُ‬
‫خبالف لو غاب هذا اهلدف عنك‪.‬‬
‫إنسان مثال يطلب العلم ليس ألنه يَ ُس ُّد فرض كفاية‪..‬‬
‫ومعىن أنه يسد فرض كفاية‪ :‬أن يسقط بطلبه للعلم هذا اإلمث عن اآلخرين‪ ،‬ومىت يسقط اإلمث‬
‫على اآلخرين؟‬
‫إذا َّ‬
‫سد َم َس َّد هذا الفرض‪ ،‬فنحن نقول مثال‪:‬‬
‫تَ َعلُّم العلوم الشرعية أو غري العلوم الشرعية فرض كفاية‪ ،‬إذا قام به البعض قياما كافيا سقط‬
‫اإلمث عن الباقني‪ ،‬فالن تصدر لدراسة الفقه إلفتاء الناس‪ ،‬فمىت يكفي الناس ويسقط اإلمث‬
‫عن اآلخرين؟‬
‫إذا وصل يف هذا العلم‪ ،‬يف "الفقه" مثال‪ ،‬أو يف التفسري إىل مقام يكفي فيه الناس‪ ،‬وال‬
‫حيتاجون فيه إىل غريه‪ ،‬ومىت يصل اإلنسان إىل هذا املستوى إال إذا أفىن أعمارا مديدة يف‬
‫حتصيل العلم‪ ،‬ومىت ُيكنه أن يصل إىل هذا املستوى ما مل يَلحظ هذا اهلدف‪ ،‬وجيعله مبثابة‬
‫الدافع الذي يدفعه‪ ،‬بل جيره جرا إىل التحصيل والقراءة‪.‬‬
‫لكن إنسان يقرأ بال هدف‪ ،‬اقرأ تفسري ابن كثري‪ ،‬اقرأ تفسري الظالل إىل آخره‪..‬‬
‫هو يقرأ‪ ،‬لكن ليس له هدف‪ ،‬فليست له مدة معينة يسعى إىل حتصيل معلومة فيها‪ ،‬ويتواىن‪،‬‬
‫مهل يف أمره‪.‬‬
‫ويَتَ َّ‬
‫وابلتايل ال ُيكن أن ُحي ِ‬
‫صل شيئا من املعلومات املعتَ َربة اليت تفيده‪ ،‬أو تصل به إىل املستوى‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫املطلوب‪.‬‬
‫الوسيلة الرابعة‪ :‬هذا يف حق ال َك َساىل‪:‬‬
‫‪10‬‬
‫الرايضة والتعود‪.‬‬
‫ما معىن الرايضة ؟ يعين مترينات رايضية؟‬
‫الرايضة ترويض النفس‪ ،‬وتعويدها وإدخاهلا يف معمعة هذا األمر؛ حىت تعتاده‪ ،‬ويصري ِجراها‬
‫ودي َدهنا‪ ،‬فتكون طبيعة يف اإلنسان‪ ،‬ال يلقى مشقة من فعلها‪..‬‬
‫َ‬
‫كثري من الناس أينف القراءة‪ ،‬أو ليس عنده صرب وجلد على القراءة‪ ،‬هذا أمر وارد‪ ،‬لكن‬
‫طالب العلم وطالب املعرفة ما دام قد وطَّن نفسه على هذا الغرض فالبد أن يسعى إىل تعويد‬
‫نفسه على هذا األمر‪ ،‬وكم رأينا من أُانس ما كانوا يطيقون رؤية الكتاب‪ ،‬وال القراءة فيه‪،‬‬
‫ولكن مع تعويد أنفسهم على القراءة‪ ،‬ومالزمة القراءة‪ ،‬والصرب عليها‪ ،‬صارت القراءة يف‬
‫حقهم كاملاء واهلواء؛ ال يستطيعون أن يعيشوا‪ ،‬أو أن يبقوا يوما دون أن يقرؤوا‪ ،‬وكان هناك‬
‫بعض طلبة العلم فرض على نفسه "مائيت" صفحة يقرأها يف اليوم‪ ،‬ال جييز لنفسه أن ينام إال‬
‫بعد أن يقرأها‪..‬‬
‫َّعود هبذه الطريقة سيستطيع ‪-‬ومبعونة من هللا ‪ -‬أن يستمر على هذا األمر‪،‬‬
‫واإلنسان مع الت ُّ‬
‫ولكن كما قال العلماء ‪« :‬على قدر املئونة أتيت املعونة»‪ ،‬املئونة اليت هي فعل العبد‪.‬‬
‫ي هللا من نفسه إرادة حىت يعينه هللا‪.‬‬
‫فالبد من العبد أن يُظهر؛ أن يُِر َ‬
‫« على قدر املئونة أتيت املعونة »‪(( ،‬إذا تقرب إيل شرباً تقربت إليه ذراعاً))‪.‬‬
‫إذا‪ :‬البد من بدء العبد ابلفعل‪.‬‬
‫الوسيلة اخلامسة‪ :‬املراوحة‪.‬‬
‫وهذا يف حق املثابرين واجملتهدين‪ ،‬فإن القراءة‪ ،‬والنهم فيها قد يُولِد يف اإلنسان َملَال وسئما‪،‬‬
‫وقد يقطع عليه الطريق؛ كما ورد يف احلديث‪:‬‬
‫((فإن املُْن َّ‬
‫بت ال أرضاً قطع وال ظهراً أبقى))‪.‬‬
‫فال جيوز إلنسان أن جيعل وقته كله يف القراءة‪ ،‬وهذا هنم صحيح وهذا مطلوب‪ ،‬ولكن النَّهم‬
‫الشديد قد حيول بينه وبني االستمرار يف املستقبل‪..‬‬
‫‪11‬‬
‫فالبد من املراوحة‪ ،‬يعين‪ :‬الت َُّرُّوح‪ ،‬يعين‪ :‬أن يَُرِوح عن نفسه؛ حىت يستمر يف املستقبل بنفس‬
‫الدرجة املطلوبة من النهم‪ ،‬والشره‪.‬‬
‫القاعدة الرابعة‪:‬‬
‫اختيار الكتب‪ :‬وهذا من أعظم األمور اليت تغيب عن أذهان املتَ َعلِمني والقارئني؛ ألنه ليس‬
‫ُ‬
‫كل كتاب يَصلُح لك‪ ،‬وقد يصلح لك كتاب بعد سنة ال يصلح لك اآلن‪ ،‬وقد يصلح لك‬
‫أن تقرأ يف الكتاب‪ ،‬وال يصلح لك كتاب آخر‪ ،‬وقد يصلح لك أن تقرأ ملؤلف بعينه؛ ألنه‬
‫سهل العبارة مثال‪ ،‬وال يصلح لك أن تقرأ لغريه‪..‬‬
‫فالبد إذا‪ :‬من اختيار الكتاب أو الكتب‪.‬‬
‫َّشهي؟‬
‫هذا االختيار مبين على أي شيء؟ مبين على الت َ‬
‫مثال مسعت مثال أن الشيخ األلباين وهو اسم ذائع الصيت يف أوساط املتَعلِمني‪ ،‬فتسمع أنه‬
‫ُ‬
‫مثال شرح كتااب من الكتب‪ ،‬أو ألَّف كتااب يف علم من العلوم‪ ،‬فتشرتي هذا الكتاب بناء على‬
‫االسم‪ ،‬مبين على التشهي‪ ،‬أو مبين على اشتهار الكتاب بني طلبة العلم‪ ،‬ال‪..‬‬
‫ُسس علمية‪ ،‬حنن نقول‪:‬‬
‫البد أن يكون مبين على أ ُ‬
‫نريد أن نقرأ بطريقة علمية‪ ،‬اختيار الكتب البد أن يكون مبنيا على ِوف َق منهج علمي تسري‬
‫عليه‪.‬‬
‫أنت اخرتت علم من العلوم‪ ،‬ما نتكلم فقط على العلوم الشرعية‪ ،‬بل كل العلوم‪ ،‬حىت‬
‫الدنيوية منها‪ ،‬ال جيوز‪ ،‬أو ال ينبغي لك أن تقرأ يف أي علم من العلوم ما مل تكن ُمستنريا‬
‫تخصص‪ِ ،‬‬
‫مبنهج علمي يضعه لك م ِ‬
‫عامل ببواطن أمرك وإبمكانياتك وقدراتك‪..‬‬
‫ُ‬
‫هذا املنهج العلمي‪ :‬البد أن يَل َحظ فيه نوعية الكتاب املناسب‪.‬‬
‫طبعا! يلحظ فيه أيضا نفسية القارئ وإمكانياته‪ ،‬ويَل َحظ فيه الفرتات الزمنية املرحلية اليت‬
‫ِ‬
‫سيوزع عليها هذا املنهج‪.‬‬
‫املنهج البد أن يكون مؤقتا‪ ،‬مثال‪:‬‬
‫‪12‬‬
‫وضع لك منهج مثال ابتدائي‪ُ ،‬مب تَدأ يعين‪،‬‬
‫تريد أن تدرس‪ ،‬أو أن تقرأ يف علم التفسري‪ ،‬فَيُ َ‬
‫منهج للمبتدئني يف علم التفسري ُمدَّتُه سنة‪ ،‬وتُ َقَّرُر لك عن طريق املتخصصني ُكتب معينة‬
‫وتؤمر بقراءة كل كتاب مثال يف فرتة زمنية معينة‪ ،‬وتُناقَش وُمتتَحن يف‬
‫تُوزَّع على هذه املرحلة‪َّ ،‬‬
‫هذا الكتاب‪ ،‬أبي طريقة كان هذا املنهج‪.‬‬
‫لكن‪ :‬البد من وجود منهج علمي تسري عليه‪ ،‬سواء كان هذا املنهج بطريق التحصيل الذايت‬
‫الشخصي‪ ،‬أو عن طريق القراءة على الشيوخ‪.‬‬
‫لكن البد من منهج علمي عند قراءة الكتب‪.‬‬
‫أيضا‪ :‬يكون اختيار الكتاب ابستشارة العلماء واملتخصصني؛ فاإلنسان قد يكون قد قضى‬
‫صل قِسطا عظيما من العلوم الشرعية‪ ،‬ولكنه مع‬
‫وح َّ‬
‫مثال َشوطا طويال يف املناهج العلمية‪َ ،‬‬
‫ذلك أثناء رغبته يف شراء الكتاب لقراءته‪ ،‬فإنه البد أن يسأل العلماء عند رغبته يف شراء‬
‫كتاب‪.‬‬
‫فمثال‪ :‬إنسان تَعلَّم "التفسري واحلديث واللغة" إىل آخره‪ ،‬ولكنه غري م ِ‬
‫تخصص يف التاريخ‪،‬‬
‫ُ‬
‫ويريد أن يشرتي كتااب يف التاريخ‪ ،‬فيقوم مثال عندما يسمع أن هذا الكتاب جيد جدا‬
‫فيذهب يشرتيه فورا؟ أم البد أن يذهب للعلماء ِ‬
‫املؤرخني يسأهلم؛ وهللا أان أريد‬
‫أقرأ يف "التاريخ" هبذا املستوى العلمي املعني‪ ،‬وأريد أن أح ِ‬
‫صل النتائج املعينة هذه‪ ،‬فما هو‬
‫َ‬
‫أصلح كتاب لتحصيل هذه األمور؟‬
‫فيقول لك مثال امل ِ‬
‫تخصص‪ :‬الكتاب الفالين تتوفر يف كل هذه املطلوابت اليت تريدها‪..‬‬
‫ُ‬
‫قِس على ذلك إذا أردت أن تتعلم أي علم شرعي‪ ،‬وتريد مثال أن تبدأ بكتاب َُمتَصر سهل‬
‫العبارة‪ ،‬فالبد أن تستشري العلماء ليوصوك ابلكتاب الذي تبدأ به‪.‬‬
‫وأيضا من وسائل اختيار الكتاب أو الكتب‪ :‬اختيار أفضل املؤلفني؛ أبن ختتار املؤلف‬
‫املتخصص الذي أفىن عمره يف هذا العلم‪ ،‬وطبعا أفضلية املؤلف ليست فقط يف عبقريته‬
‫وقدرته على أتصيل املعلومة بقدر ما يكون أيضا قدرته على إيصال هذه املعلومة‪.‬‬
‫‪13‬‬
‫يعين مثال‪ :‬اإلمام "ابن حجر" من أئمة احلديث‪ ،‬وممن كتبوا يف املصطلح واحلديث وغريه‪ ،‬هو‬
‫َّ‬
‫تناولة‪ ،‬وكذلك اإلمام‬
‫يَف ُ‬
‫ض ُل على كثري من األئمة والعلماء يف أنه ألف كتبا سهلة ُم َ‬
‫"السيوطي" وغريه من العلماء‪.‬‬
‫من العلماء املعاصرين مثال ممن ألَّفوا يف املصطلح‪ ،‬من أفضل العلماء الذين ألَّفوا الكتب يف‬
‫املصطلح للمبتدئني الشيخ الدكتور "حممود الطحان" ألَّف كتاب "تيسري مصطلح احلديث"‬
‫أصاغ هذا العلم بطريقة تُ َق ِربه ألي قارئ عادي يطلب‪ ،‬أو يَشدوا الثقافة العامة‪ ،‬فيستطيع‬
‫أي إنسان بدون أي خلفية أن يقرأ هذا الكتاب‪ ،‬ويفهم شيئا ما من هذا العلم العويص الذي‬
‫لو قرأت مثال أي كتاب آخر غري هذا الكتاب مثل"تدريب الراوي" أو "شرح ألفية العراقي"‬
‫ك حبال‪ ،‬ولكن اختيار املؤلف القادر على‬
‫فإنك ستجده عبارة عن طالسم‪ ،‬ال ُيكن أن تُ َف َّ‬
‫إيصال املعلومة‪ ،‬والقادر على ُجع َشتَ ِ‬
‫ات املعلومات يف هذا العلم أمر ضروري عند اختيارك‬
‫للكتاب‪.‬‬
‫أيضا‪ :‬ختتار أفضل املؤلفات يف هذا العلم‪ ،‬فال جيزيك أبدا وال ينبغي أن جتنح إىل الكتب‬
‫هملة‪ ،‬أو البعيدة غري املعتملة يف التدريس‪.‬‬
‫املُ َ‬
‫ففي الفقه مثال‪ :‬يعتمد العلماء كتب معينة للتدريس‪ ،‬وللقراءة‪.‬‬
‫يعين مثال‪ :‬واحد أييت يريد أن يدرس فقه َحن بَلي‪ ،‬فيقوم مثال يقول‪ :‬أان أعرف أن "املغين"‬
‫كتاب ُجيل مشهور‪ ،‬فيأيت ب "املغين" ويفتح "املغين"‪ ،‬يقرأ فيه ال يفهم شيئا‪ ،‬هذا دليل على‬
‫أنه مل ُرت املؤلف املناسب يف حقه ليبدأ به هذا العلم‪.‬‬
‫الشاهد‪ :‬أن أي علم وأي جمال البد فيه من مؤلَّف‪ ،‬يعين‪ُ :‬مصنَّف مناسب‪ ،‬ومؤلِف‬
‫مناسب‪ ،‬ومنهج مناسب يتناسب مع مستوى طالب العلم‪.‬‬
‫الفوائد املهمة أيضا وهذه تغيب عن كثري من اإلخوة‪:‬‬
‫اختيار الطبعة والورق املناسب‪ ،‬وهذه يعرفها املتخصصون بشراء الكتب‪ ،‬وهذه مسألة يعاين‬
‫منها َمن يشرتي بدون استشارة‪ ،‬يشرتي الكتاب بدون أن يستشري املتخصصني أو حىت‬
‫اخلرباء يف الكتب‪ ،‬فيستشري مثال طبعة قدُية‪ ،‬بينما صدرت طبعة جديدة ُحمَقَّقة‪ُ ،‬منَ َقحة‪،‬‬
‫‪14‬‬
‫ذات أسلوب جيد يف العرض‪ ،‬وقد يشرتي مثال طبعة ذات ورق رديء‪ ،‬بينما تتوفر يف‬
‫املكتبات طبعة ذات ورق جيد يَصلُح‪ ،‬أو مفيد للعني أثناء القراءة‪.‬‬
‫يعين على وجه العموم‪ :‬ابلنسبة للكتاب الذي تريد أن تشرتيه‪ ،‬تستشري فيه أوال امل ِ‬
‫تخصص‬
‫ُ‬
‫الذي يدلك على الكتاب املناسب‪ ،‬فإذا قال لك‪ :‬اش ِرت الكتاب الفالين‪ ،‬تذهب ملتخصص‬
‫يف الكتب‪ ،‬اتجر كتب‪ ،‬وتسأله عن هذا الكتاب وطبعاته‪ ،‬مث إذا اتسع لك الوقت أن تبحث‬
‫وترى وتنظر إىل هذه الطبعات‪ ،‬وتنظر يف أمرها‪..‬‬
‫أهم شيء ُييز الكتاب اجليد‪ :‬البد أن يكون ُحمَقَّقا ؛ ألن التحقيق خدمة جيدة للكتاب يُوفِر‬
‫عليك كثري من البحث واملطالعة‪ ،‬كتشكيل وضبط األعالم والكلمات وختريج األحاديث‪،‬‬
‫وعزو املعلومات والفوائد إىل غري ذلك‪..‬‬
‫إضافة إىل ذلك انتقي الورق املناسب‪ ،‬وأفضل ورق مناسب للنظر؛ يعين‪ :‬سهل أثناء القراءة‪،‬‬
‫ستعمل قدُيا يف "دار املعارف" والذي‬
‫ال يُتعب النظر "الورق األصفر النبايت" الذي كان يُ َ‬
‫صار اآلن شبه معدوم‪.‬‬
‫لكن هذا الورق "األصفر" أريَّح ورق للقراءة ابلنسبة للعني‪.‬‬
‫لو مل يتوفر لك ذلك‪ :‬تبحث عن أي ورق يناسب هذا األمر‪.‬‬
‫طبعا أحياان اإلنسان ال ُيلك إال أن يشرتي هذا الكتاب؛ ألنه هذا هو املوجود‪ ،‬ال يوجد إال‬
‫طبعة هذا الكتاب‪.‬‬
‫مث تنتقي أيضا الكتاب الذي تطبعه املكتبات املعروفة إبتقاهنا يف الطبع‪ ،‬هناك مكتبات‬
‫ص من بينها مكتبة "دار الكتب العلمية"‪،‬‬
‫معروفة أبهنا مكتبات ُم َش ِوهة للعلم والكتب‪َ ،‬‬
‫ونُ ُّ‬
‫هذه املكتبة يعين نَ َه ُمها أن تطبع الكتاب َو َحسب‪ ،‬فيمكن كتاب مثال ُح ِقق يف "سبع"‬
‫صفُّونه صفا جديدا مثال يف طبعة جديدة‪ ،‬ولكن بطريقة‬
‫جملدات "مثانية" جملدات فيأتوا يَ ُ‬
‫"مهيونية" ال ُيكن أن يستزيد منها أي طالب علم‪ ،‬قد يلجأ اإلنسان أحياان إىل طبعات‬
‫هؤالء القوم؛ ألهنا قد تكون هي الوحيدة‪ ،‬ولكن تعمل جاهدا على أن تتحرى املكتبات‬
‫احملرتمة املرموقة‪ ،‬ومن هذه املكتبات "مؤسسة الرسالة" من أعرق املكتبات اليت تعتين خبدمة‬
‫الكتاب وطَبعِ ِه‪.‬‬
‫‪15‬‬
‫ومن الفوائد املهمة عند شرائك للكتاب‪ :‬تقييد االسم‪ ،‬والتاريخ‪ ،‬وبعض املعلومات على طَُّرةِ‬
‫الكتاب‪ ،‬يعين على صفحة الكتاب األول‪ ،‬الورق األبيض األول‪ ،‬الورقة األوىل تُ ِ‬
‫سجل فيه‬
‫بعض املعلومات‪..‬‬
‫مثال‪ :‬مثن الكتاب الذي اشرتيته‪ ،‬امسك على الكتاب‪ ،‬املكتبة اليت اشرتيت منها لو مل يكن‬
‫ذلك مكتواب على الكتاب‪ ،‬قد يكون هذا الكتاب ُمهدى لك من أخ حبيب‪ ،‬أو له مناسبة‬
‫طريفة ظريفة حصلت هبا على الكتاب‪ ،‬فت ِ‬
‫سجل ذلك؛ حىت يُ َذكِرك يف يوم من األايم فيكون‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫كالذكرى‪.‬‬
‫وهذه من بعض الفوائد املتعلِقة بشراء الكتب‪.‬‬
‫ُ‬
‫القاعدة اخلامسة‪:‬‬
‫النهم يف شراء الكتب‪.‬‬
‫وهذه من مسات ِ‬
‫طالب العلم واملعرفة‪ ،‬أهنم يوفُِّرون من أقواهتم‪ ،‬بل ومن مالبسهم‪ ،‬وأحذيتهم‪،‬‬
‫ومن طعامهم‪ ،‬بل رمبا من طعام أوالدهم؛ ليشرتوا الكتب والعلم‪ ،‬وليس ذلك يعين دعوة ِألَن‬
‫ضيِع من يقوت‪ ،‬ومن يعول ليشرتي الكتب‪ ،‬ال‪..‬‬
‫يُه ِمل اإلنسان ويُ َ‬
‫لكن نقول‪ :‬إن دليل حرصك على القراءة‪ ،‬ورغبتك يف القراءة وحتصيل املعلومة أن حترص‬
‫على شراء كل جديد من الكتب‪ ،‬بل وكل قدمي‪ ،‬حترص على أن تنال كل ما تستطيع من‬
‫عرض أمامك‪.‬‬
‫الكتب اليت تُ َ‬
‫وهناك طبعا مسألة تُلِ ُّح على كثري من اإلخوة‪:‬‬
‫أن كثريا من اإلخوة يكون عنده القدرة املالية على شراء الكتب‪ ،‬لكنه يقول‪ :‬أشرتي وال‬
‫أقرأ‪..‬‬
‫يشرتي كتب كثري وال يقرأ! نقول له‪:‬‬
‫اش ِرت وإن مل تقرأ‪ ،‬ولكن تشرتي بِنِيَّة القراءة‪ ،‬وبنية خدمة اآلخرين؛ إعارة هذه الكتب‬
‫لآلخرين‪ ،‬تشرتي بنية أن جتعل هذه املكتبة اليت تؤسسها مثال ميداان وجماال للباحثني؛ حىت‬
‫ينتفعوا منها‪ ،‬فبهذا تستطيع بوسيلة من الوسائل أن ينتفع اخللق هبذه الكتب اليت تشرتيها‪.‬‬
‫لكن‪ :‬إايك إايك أن تزهد يف شراء الكتب يف وقت من أوقات حياتك؛ ألن أحياان بعض‬
‫‪16‬‬
‫الكتب تصدر يف طبعة من الطبعات‪ ،‬وال تُطبع اثنية إال بعد "ستني‪ ،‬سبعني" سنة‪ ،‬فيضيع‬
‫عليك أمر هذا الكتاب‪ ،‬وال تستطيع أن حتصله إال ابلتصوير‪ ،‬فاحرص على هذه الفائدة‪.‬‬
‫القاعدة السادسة‪:‬‬
‫يف ذكر وسائل توفري املال لشراء وحتصيل الكتب‪.‬‬
‫طبعا من ي َّسر هللا عليه فليست مشكلة يف ِ‬
‫حقه أن يشرتي الكتب‪ ،‬ولكن يف حق من يعاين‬
‫َ‬
‫ضيقا ماليا معينا‪ ،‬كيف ُيكن أن يسري يف مسريته العلمية اليت تقتضي وتُل ِزُمهُ أن يشرتي‬
‫كتب‪ ،‬وقدُيا قالوا‪َ « :‬من طلب العلم أفلس»؛ ألنه سوف يصرف أمواله يف العلم‪ ،‬لن جيد‬
‫من املال شيئا إال وقد صرفه وأنفقه يف سبيل العلم‪.‬‬
‫فالبد من إجياد الطرق املناسبة لتحصيل الكتب‪.‬‬
‫من هذه الوسائل‪ :‬االدخار العادي؛ أن ِ‬
‫تدخر املال يوما بعد يوم‪ ،‬شهرا بعد شهر؛ لشراء‬
‫الكتب‪.‬‬
‫وهذا االدخار يتفاوت؛ بعض الناس‪ ،‬بعض اإلخوة قد يدخروا من األمور الرتفيهية‪ ،‬ال يشرتي‬
‫مثال "شيكوالتة"‪ ،‬ال يشرب "مياه غازية"؛ يف سبيل أن يشرتي مثال كتاب‪.‬‬
‫بعض الناس قد يدخروا من أصل أقواهتم‪ ،‬من أصول أقواهتم يف سبيل شراء الكتاب‪.‬‬
‫«وعلى قدر أهل العزم أتيت العزائم»‪.‬‬
‫لكن‪ :‬البد أن يكون هذا أم ُرَك يف كل أحوال حياتك‪ ،‬لك مبلغ كل شهر‪ ،‬أو كل سنة‬
‫ِ‬
‫تدخر مبلغ‪ ،‬وتذهب إىل معرض الكتاب‪ ،‬أو أي معرض من املعارض لتشرتي الكتب؛ لتتزود‬
‫روحك هبذه املعلومات‪ ،‬أو هذه احلصيلة املعرفية‪.‬‬
‫من وسائل توفري املال أيضا‪ :‬اجلمعيات‪ ،‬وإن كان يعين حصل فيها بعض اخلالف الفقهي‪،‬‬
‫لكن استقرت الفتوى عند كثري من علماء العصر على جوازها‪.‬‬
‫اجلمعيات‪ :‬يعين التعاون بني الناس يف توفري املال‪ ،‬وهذه يعين مفيدة وسهلة ابلنسبة لكثري من‬
‫الناس‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫الوسيلة الثالثة‪ :‬البحث عن املكتبات اليت تبيع الكتب ابلتقسيط‪ ،‬هذه وسيلة مرحية أيضا‬
‫لتحصيل الكتب‪.‬‬
‫الوسيلة الرابعة‪ :‬البحث وإن جاز التعبري‪ :‬الشم عن املسابقات اليت تُ َوزَّعُ فيها الكتب‪ ،‬وهذا‬
‫أمر كنا نفعله قبل ذلك‪ ،‬نبحث عن املسابقات‪ ،‬يف أي مسجد‪ ،‬نذهب جنيب عن املسابقة‪،‬‬
‫ونكسب الكتب‪.‬‬
‫وهذه وسيلة فعال مفيدة؛ ألن شعور‪ ،‬أو الطعم الذي جتده عند حصولك على الكتاب يفوق‬
‫ِ‬
‫اللذة اليت ُحت ِ‬
‫ك مباشرة‪.‬‬
‫صلُها عند شراء الكتاب ِمبَال َ‬
‫َ‬
‫أيضا من الوسائل‪ :‬مراسلة اجلهات املاحنة‪ ،‬كاجلامعات‪ ،‬واملعاهد‪ ،‬أو بعض أهل اخلري الذين‬
‫يرعون طلبة العلم‪ ،‬تراسلهم وتطلب منهم املعونة يف شراء الكتب‪ ،‬وليس يف ذلك أي حرج‬
‫شرعي‪.‬‬
‫أيضا من الوسائل اليت ُحت ِ‬
‫صل هبا الكتب ‪-‬كما سنتكلم أيضا يف قاعدة خاصة‪ -‬الذهاب إىل‬
‫َ‬
‫املكتبات العامة واخلاصة‪.‬‬
‫القاعدة السابعة‪:‬‬
‫ارتياد املكتبات العامة واخلاصة يف حق من مل جيد مثال املبلغ املناسب لشراء الكتب‪ ،‬املال‬
‫املناسب‪ ،‬أو الكايف لشراء الكتب‪ ،‬فإن أمامه فرصة‪ ،‬أو قدرة على ارتياد املكتبات العامة‬
‫واخلاصة‪.‬‬
‫املكتبات العامة‪ :‬ملك الدولة‪ ،‬أو اهليئات العامة اليت تُعىن إبنشاء املكتبات اليت يراتدها عامة‬
‫الناس‪.‬‬
‫املكتبات اخلاصة‪ :‬مكتبات األصدقاء القادرين‪ ،‬تراتدها وتطلب من أصحاهبا أن يعينوك على‬
‫القراءة منها وفيها‪.‬‬
‫والبد أن يُال ِزم ذلك آداب عامة تلتزمها أثناء ارتيادك هلذه املكتبات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أن حترص على احملافظة على الكتاب‪ ،‬وعلى نظافته‪ ،‬وعدم تشويهه وعدم توسيخه‪ ،‬وأن‬
‫حترص أيضا على عدم إهانة الكتاب؛ أبن تتعامل معه معاملة غري الئقة‪ ،‬يعين الكتاب البد‬
‫‪18‬‬
‫أن يُ َعظَّم وحيرتم ويُبَ َّجل ويعامل معاملة جيدة حسنة؛ حىت يبقى على َم ِر األايم‪ ،‬إىل آخر‬
‫هذه اآلداب اليت قد تستفيدها على َم ِر تَرَد ِاد َك على هذه املكتبات‪.‬‬
‫القاعدة الثامنة‪:‬‬
‫من وسائل حتصيل الكتاب‪" :‬االستعارة" سواء من املكتبات العامة‪ ،‬أو املكتبات اخلاصة‪.‬‬
‫هذه االستعارة هلا آداب وهي‪ :‬أن تتلطف‪ ،‬وأن تتجمل إىل صاحب املكتبة‪ ،‬سواء كانت‬
‫عامة أو خاصة حىت يعينك بعد ذلك على االستمرار يف االستعارة‪.‬‬
‫خاصة‪ :‬يف املكتبات العامة؛ ألن املوظفني فيها إذا وجدوا ُجيل اخلُلُق من املستعري فإهنم بعد‬
‫ذلك يرحيونه كثريا يف مسألة االستعارة‪.‬‬
‫وخاصة‪:‬االستعارة من املكتبات اخلاصة؛ ألن يف كتاب "اجلامع آلداب الراوي والسامع"‬
‫تقريبا‪ ،‬للخطيب البغدادي تكلَّم عن هذه املسألة‪ ،‬مسألة استعارة الكتب‪ ،‬أو يف كتاب‬
‫"تقييد العلم" له أيضا‪ ،‬ال أذكر ابلضبط‪ ،‬لكن هو يف أحد هذين الكتابني تكلَّم على‬
‫مذاهب السلف يف إعارة الكتب‪ ،‬السلف اختلفوا فيها على أمرين‪ ،‬أو على قولني‪:‬‬
‫فكان بعض السلف ال يُعِريُ أحدا أبدا أي كتاب من مكتبته؛ وذلك بسبب ما كان يعاين من‬
‫املستعريين؛ يستعري مثال منه كتاب ويرده بعد عام‪ ،‬أو يرده وقد تقطع‪ ،‬وقد متزق وقد أ ُِهني‪.‬‬
‫وبعض السلف كان يُعريُ كتبه حىت وإن عاىن من هذه األمور‪.‬‬
‫وعلى ذلك‪ :‬أنت إذا أردت أن تستمر يف أن يعينك صاحب املكتبة على االستعارة فإنك‬
‫البد أن يظهر منك ُحس ُن تصرف يف الكتاب الذي تستعريه‪ ،‬وحسن مالطفة لدى صاحب‬
‫املكتبة حىت يستمر يف إعارتك للكتب‪.‬‬
‫القاعدة التاسعة‪:‬‬
‫من وسائل حتصيل املعلومة من الكتب أيضا‪ :‬االستنساخ والتصوير‪.‬‬
‫"االستنساخ" يعين‪ :‬أنك تنسخ هذه الكتب‪ ،‬وختيل أن االستنساخ كانت وسيلة السلف‬
‫ُجيعا يف حتصيل الكتب‪.‬‬
‫يعين مثال‪ :‬كان طالب العلم فيهم إذا أراد أن ُحي ِ‬
‫صل "سري أعالم النبالء" وال ُيلك أموال‬
‫َ‬
‫ليشرتي الكتاب‪ ،‬أو "فتح الباري" ماذا كان يفعل؟‬
‫‪19‬‬
‫كان أييت ابلكتاب وينسخه جزء جزء‪ ،‬وكان هذا حال اإلمام ابن تيمية‪ ،‬وابن حجر وغريهم‬
‫من العلماء‪ ،‬كان معظم حتصيلهم للكتب عن طريق االستنساخ؛ عن طريق نسخ الكتاب‪.‬‬
‫وهذا يدلك على أن هؤالء العلماء انلوا العلم بتعب حقيقي‪.‬‬
‫فتخيل واحد مثال قرأ "فتح الباري" كله ليس عن طريق التحصيل العادي أنه اشرتى الكتاب‬
‫وقرأه‪ ،‬ال‪ ،‬عن طريق نسخ هذا الكتاب؛ حىت ُحي ِ‬
‫صل هذه النسخة!‬
‫بل إن بعضهم ممن كان يشرتي الكتاب‪ ،‬وهذا يُروى عن اإلمام "ابن دقيق العيد"‪ ،‬قيل‪ :‬أنه‬
‫ملا اشرتى كتاب "شرح الرافعي على الوسيط" للغزايل‪ ،‬قيل‪ :‬إنه كان يكتفي من الصلوات‬
‫َّ‬
‫ابلفرائض‪ ،‬وال يتفرغ بني الصالة والصالة إال لقراءة هذا الكتاب‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إنه فرغ من قراءته يف مخسة أايم‪ ،‬كان يصلي وبعد أن يقول "السالم عليكم ورمحة هللا"‬
‫يذهب فورا إىل بيته من أجل أن يقرأ الكتاب‪ ،‬يُؤذَّ ُن للصالة أييت إىل املسجد يصلي‬
‫الفريضة‪ ،‬هذا من نَ َه ِم ِه‪..‬‬
‫لكن لألسف‪ :‬حنن نشرتي الكتاب‪ ،‬وُيكث عندان سنني ودهور طويلة‪ ،‬وال نفتح فيه‬
‫َّه ِم احلقيقي الذي كان عليه سلف هذه األمة يف حتصيل‬
‫صفحة‪ ،‬هذا هو الفارق بني الن َ‬
‫العلم‪ ،‬ويف قراءة الكتب‪.‬‬
‫التصوير‪ :‬وهذا األمر متاح يف هذه العصور‪ ،‬ولكن البد يف حق م ِ‬
‫ستخدم هذه الطريقة أن‬
‫ُ‬
‫يراعي هللا ‪ ‬يف هذا األمر؛ يعين‪ :‬ال جيوز له أبدا أن ي ِ‬
‫هد َر حقوق املؤلفني والعلماء الذين‬
‫ُ‬
‫صنَّ ُفوا الكتب؛ حبيث يتاجر يف التصوير‪.‬‬
‫تصوير الكتب وعدم شراء الكتب‪ ،‬واالستعاضة(‪ )1‬عن شراءها بتصويرها ال حيل‪ ،‬وال جيوز‬
‫إال يف حق العاجز عن شراء الكتاب‪.‬‬
‫َوقِس على ذلك أيضا مذكرات املدرسني‪ ،‬وأساتذة اجلامعات وكتبهم اليت تُباع أبسعار غالية؛‬
‫ألن بعض اإلخوة كان يسأل عن تصوير املذكرات والكتب‪ ،‬فبعض املدرسني أو األساتذة ال‬
‫ُِحي ُّل ألحد من الطلبة أن يُ ِ‬
‫صور‪..‬‬
‫‪ -1‬أي‪ :‬أن تُ َع ِوضه‪" ،‬من العِ َوض"‪.‬‬
‫‪20‬‬
‫لكن هذا األمر ليس بصحيح‪ ،‬جيوز التصوير واالستنساخ‪ ،‬ولكن بشرط أن تكون عاجزا عن‬
‫شراء الكتاب؛ ألن العلم يف أصل أمره َمشاع‪ ،‬وليس ملكا حمتكرا‪.‬‬
‫القاعدة العاشرة‪:‬‬
‫تقسيم الكتاب‪ ،‬ولتوزيع الكتاب وفق مرحلة زمنية معينة‪.‬‬
‫وهذا املنهج البد أن يكون واضعه من املتخصصني‪ ،‬وأن تكون ُمتابَعا ومراقبا ممن يعينك‬
‫ويساعدك على حتصيل املعلومة من الكتاب‪.‬‬
‫فمثال‪ :‬إذا أردت أن تدرس علما من العلوم الشرعية‪ ،‬وليكن مثال "حفظ القرآن"‪ ،‬حفظ‬
‫القرآن البد له من منهج تسري عليه؛ لتستمر وتدوم يف حتصيل هذا احلزب‪..‬‬
‫قسم على مراحل معينة‪ ،‬وكل مرحلة فيها متابعة وامتحان ومراقبة؛‬
‫البد أن يكون املنهج ُم َّ‬
‫حىت تدوم وتستمر هبذه الطريقة‪.‬‬
‫طبعا وجود املنهج يف حد ذاته ليس مشكلة‪ ،‬ولكن املشكلة يف التزامك هبذا املنهج‪..‬‬
‫َّهم‪ ،‬واإلرادة‪ ،‬والعزُية‪ ،‬إىل‬
‫لذلك نقول‪ :‬قبل هذا املنهج البد من وجود الرغبة‪ ،‬والنية‪ ،‬والن َ‬
‫آخر هذه العناصر اليت تدفع اإلنسان إىل االلتزام هبذا املنهج‪..‬‬
‫ويضبط ذلك كله وجود املراقِب واملتابِع لتنفيذ املنهج‪.‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫يعين حنن هناك بعض املناهج طُبِ َعت يف "التكفري‪ ،‬والعقيدة‪ ،‬واملصطلح‪ ،‬واحلديث" وحنو‬
‫ذلك ملن أراد أن أيخذها أو ينسخها‪.‬‬
‫أنيت إىل بعض الفوائد املتعلِقة بكيفية القراءة العلمية‪ ،‬وكيفية إجياد الوسيلة املناسبة العلمية‬
‫ُ‬
‫املتطورة لتحصيل أكرب قدر ممكن من املعلومات أثناء قراءة الكتاب‪:‬‬
‫القاعدة احلادية عشرة‪:‬‬
‫التأمل‪.‬‬
‫وهي يف ضرورة معرفة نوعيات الكتب من حيث احتياجها للتدبر و ُّ‬
‫البد أن تُصنِف الكتاب الذي تشرتيه‪ ،‬أو يرد عليك‪.‬‬
‫‪21‬‬
‫هناك كتب م ِ‬
‫تعمق وتدبر وإىل َرِويَّة‪ ،‬وإىل بُطء شديد أثناء القراءة‪ ،‬وهناك‬
‫تخصصة حتتاج إىل ُّ‬
‫ُ‬
‫كتب ال حتتاج إىل ذلك‪ ،‬فَ ِمن الكتب اليت ال حتتاج إىل تدبر وأتمل كثريين كتب "التاريخ"‬
‫مثال‪ ،‬مثل"البداية والنهاية"‪" ،‬سري أعالم النبالء"‪..‬‬
‫فاإلنسان قد جيد نفسه يفرغ من قراءة جملد يف ليلة واحدة؛ ألن قراءة األخبار و ِ‬
‫الس َري ال‬
‫ضد على َمتصر ابن‬
‫الع ُ‬
‫حتتاج إىل عميق أتمل‪ ،‬خبالف ما لو أتيت لكتاب مثال مثل‪ " :‬شرح َ‬
‫احلاجب"(‪ )2‬يف أصول الفقه‪ ،‬هذا الكتاب السطر الواحد فيه رمبا حيتاج إىل نصف ساعة‬
‫لتأمله وتدبره وفَه ِم ِه‪ ،‬وهذا ليس ببعيد؛ يعين‪ :‬عندان يف الدراسات العليا يف "األزهر" يف شعبة‬
‫أصول الفقه‪ ،‬هناك دكتور امسه الدكتور "القرنشاوي"‪ ،‬هذا الدكتور كان يشرح لنا اخلمسة‬
‫ك لنا عبارات "ابن‬
‫أسطر من "َمتصر ابن احلاجب" يف ساعة أو ساعتني‪ ،‬يشرح لنا‪ ،‬يَ ُف ُ‬
‫احلاجب" اليت وضعها يف كتابه "املختصر" وهو َمتصر للمختصر‪ ،‬يعين أصل كتاب املختصر‬
‫ابن احلاجب كتاب "إحكام األحكام" لآلمدي‪ ،‬اختصره ابن احلاجب يف كتاب مساه‪:‬‬
‫السول واألمل يف علمي األصول واجلدل" (‪ )3‬مث اختصر هذا املختصر يف كتاب مساه‬
‫"منتهى ُّ‬
‫"املختصر" وهو املشهور بني األصوليني ب "َمتصر ابن احلاجب"‪.‬‬
‫فهناك كتب حتتاج إىل تَ َع ُّمق وتدبُّر‪.‬‬
‫فلذلك الكتب اليت حتتاج إىل تعمق وتدبر يوضع هلا منهج خاص‪ ،‬وجدول خاص للقراءة‪،‬‬
‫والكتب اليت ال حتتاج إىل التعمق يوضع هلا أيضا منهج خاص ووسيلة خاصة لقراءهتا‪ ..‬كل‬
‫ذلك‪ :‬حىت توطن نفسك على الوسيلة املناسبة للكتاب الذي تشرتيه‪.‬‬
‫إنسان مثال ممكن ينزل مكتبة يشرتي مخس كتب‪ُ ،‬مطالَب أن يقرأ هذه الكتب يف فرتة زمنية‬
‫قوامها شهران مثال‪ ،‬فالبد أن يُصنِف هذه الكتب‪.‬‬
‫مثال‪ :‬هذا الكتاب سهل القراءة ‪ ،‬يعين ال حيتاج إىل تدبر‪ ،‬جيعله يف أولوايت اهتمامه؛ ألنه‬
‫يتفرغ بعد ذلك للصعب والعسري‪ ،‬ينتهي أوال من السهل‪،‬وبعد ذلك‬
‫يفرغ من السهل‪ ،‬مث َّ‬
‫‪2‬‬
‫ضد الدين عبد الرمحن بن أمحد اإلجيي‪ ،‬املتوىف سنة ‪ 756‬ه ‪.‬‬
‫ للقاضي َع ُ‬‫ُ‬
‫طبعة دار الكتب العلمية‪ ،‬وعليها حاشية الشنتزاين‪ ،‬والشريف اجلرجاين‪.‬‬
‫‪ -3‬أتى اسم هذا الكتاب يف طبعات أخرى "منتهى األصول واألمل يف علمي األصول واجلدل"‪.‬‬
‫‪22‬‬
‫يتفرغ للصعب والعسري‪ ،‬فإذا ما استطاع أن يُصنِف الكتب اليت تَ ِرُد عليه هبذه الطريقة فإنه‬
‫يستطيع بعد ذلك أن يتصرف بطريقة علمية يف حتصيل قراءة هذه الكتب يف فرتة زمنية‬
‫مناسبة‪.‬‬
‫لكن‪ :‬لو تبعثر وتشتت يف قراءة الكتب بدون أن يتعامل معها هذه املعاملة العلمية‪ ،‬فإنه قد‬
‫التأمل‪ ،‬أو أن‬
‫يعطي للكتاب حق أكثر مما يستحق‪ ،‬كأن يتدبر يف كتاب ال يستحق التدبر و ُّ‬
‫يقرأ كما يفعل كثري من اإلخوة يقول‪ :‬أان قرأت يف كتاب "اإلحكام" لآلمدي‪ ،‬قرأته يف َكم‬
‫ِمن الوقت؟ يف شهر‪..‬‬
‫ماذا فهمت منه؟ فهمته كله‪.‬‬
‫فهم حىت يف شهرين أو ثالثة‬
‫مستحيل‪ ،‬مستحيل أن يُقرأ كتاب "اإلحكام" يف شهر‪ ،‬أو أن يُ َ‬
‫أو أربعة‪.‬‬
‫تعامل معه معاملة‬
‫الشاهد‪ :‬أنه البد لكل كتاب من تصنيفه التصنيف املناسب؛ حىت يُ َ‬
‫مناسبه‪.‬‬
‫القاعدة الثانية عشرة‪:‬‬
‫إجياد اجلو الصحي للقراءة‪ :‬يف حالة االختيار؛ ألن طالب العلم يقرأ يف حالة االختيار‬
‫واالفرتاض‪ ،‬كل أحواله يقرأ؛ "يف الطريق يقرأ‪ ،‬يف ركوب املواصالت يقرأ‪ ،‬أثناء مكوثه يف‬
‫املسجد يقرأ‪ ،‬أثناء حصة أي مكان َِحي ُّل فيه أن يرحتل جتد الكتاب معه يقرأ فيه"‪.‬‬
‫لكن‪ :‬نتكلم عن حالة االختيار‪ ،‬احلالة العادية اليت هبا يستطيع أن ُحي ِ‬
‫صل أكرب قدر ممكن من‬
‫املعلومة بطريقة مماثلة‪ ،‬ونُ َس ِميها حبالة االختيار‪:‬‬
‫البد أوال‪ :‬من وجود جو صحي مناسب؛ فال يليق أن تقرأ يف مكان شديد احلرارة‪ ،‬أو مكان‬
‫ك للمرض أو حنو ذلك‪.‬‬
‫ضَ‬
‫شديد الربودة‪ ،‬أو أن تقرأ يف مكان يُ َع ِر ُ‬
‫ك على القراءة بدون تعب‪ ،‬والنظر بدون تعب‪ ،‬وكذلك "اإلضاءة‬
‫اثنيا‪ :‬إضاءة مناسبة تُعينُ َ‬
‫املباشرة!" قالوا‪ :‬أفضل إضاءة هي اإلضاءة غري املباشرة‪ ،‬اإلضاءة غري املباشرة هي أفضل‬
‫إضاءة ابلنسبة للعني؛ حىت تستطيع أن تقرأ بدون تعب‪.‬‬
‫‪23‬‬
‫الو َخم‪ ،‬وعدم القدرة على االستمرار يف‬
‫اثلثا‪ :‬عدم امتالء املعدة؛ ألن امتالء املعدة يؤدي إىل َ‬
‫القراءة‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬الوضع املناسب من اجللوس وحنو ذلك أثناء القراءة‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن أفضل أو أقوم وأصح مسافة تكون بني العني‪ ،‬وبني القراءة هي مقدار "شرب" أو‬
‫أكثر قليال‪ ،‬يعين الكتاب يكون على بُعد من عينك مبقدار "شرب" أو أكثر قليال‪ ،‬لكن ال‬
‫تبعده أكثر من "شربين" مثال ؛ ألنه قد يؤدي إىل تعب العني‪.‬‬
‫وكذلك‪ :‬وضع اجللوس‪ ،‬فأفضل وضع للجلوس هو هذا الوضع‪ ،‬مع إرخاء كل املفاصل حىت‬
‫ال يتعرض اإلنسان إىل وضع فقرة يف غري مكاهنا‪.‬‬
‫ص ِم َمت كراسي خاصة للموظفني أو القارئني الذين يستدُيون اجللوس على املكاتب‬
‫لذلك‪ُ :‬‬
‫وعلى الكراسي؛ حىت ال يؤدي ذلك إىل تعبهم صحيا ‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬من الضروري عدم وجود ضوضاء‪ ،‬أو إزعاج من أي نوع من األنواع‪.‬‬
‫يعين‪ :‬ال يليق إنك مثال جتد يف املكان الذي تقرأ فيه فرح مثال‪ ،‬وضوضاء وتستمر يف القراءة؛‬
‫ألنك لن تستطيع أن تركز‪ ،‬أو ُحت ِ‬
‫صل املعلومة اليت تريدها‪.‬‬
‫َ‬
‫القاعدة الثالثة عشرة‪:‬‬
‫عُ َّدةُ القارئ‪ :‬القارئ أثناء القراءة ما الذي جيب أن يكون معه من العُ َدد حىت يستطيع أن‬
‫يستفيد من القراءة؟‬
‫أوال‪ :‬استحضار الذهن‪ ،‬هذا أمر نفسي معنوي‪.‬‬
‫شحذ اهلمة والعزُية لقراءة الكتاب‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬وجود الورقة والقلم لتقييد املعلومات والفوائد والعناوين وحنو ذلك‪.‬‬
‫اثلثا‪ :‬وجود املعاجم اللغوية اليت تُعينُه على البحث عن معاين الكلمات‪ ،‬سواء كانت هذه‬
‫عىن بلغات أجنبية أو بنفس اللغة العربية؛ ألن اإلنسان قد يقرأ يف نفس كتب اللغة‬
‫املعاجم تُ َ‬
‫العربية‪ ،‬ولكن قد ال يفهم بعض ألفاظ العلماء‪.‬‬
‫‪24‬‬
‫رابعا‪ :‬وجود الكتب اخلادمة‪ ،‬الكتب اخلادمة سنتكلم عنها بعد ذلك‪....‬‬
‫أمهية الكتب اخلادمة سنتكلم عنها بعد ذلك‪ ،‬وهي الكتب اليت ختدم الكتاب الذي تقرأه؛‬
‫ألنه مثال كتاب مثل "منار السبيل" عبارة عن كتاب يف الفقه احلنبلي مبين على إيراد الدليل‪،‬‬
‫ومعظم األدلة الواردة يف األحاديث‪ ،‬من الكتب اخلادمة هلذا الكتاب كتاب "إرواء الغليل"‬
‫وماذا نعين ب "خادمة" ؟ أنه ُُ ِرج أحاديث هذا الكتاب‪.‬‬
‫تعرض لتفسري‬
‫من الكتب اخلادمة مثال للفقه الشافعي كتاب "املصباح املنري" للفيومي؛ ألنه َّ‬
‫وتعريف الكلمات اللغوية العسرية الواردة إُجاال يف كتب الفقه الشافعي‪.‬‬
‫تعرض فيه لتعريف وتفسري غرائب الكلمات الواردة‬
‫وكذلك كتاب "املقنع" لإلمام ابن مفلح‪َّ ،‬‬
‫يف الفقه احلنبلي ويف كتاب "املقنع" ابلذات‪.‬‬
‫الشاهد‪ :‬أن الكتب اخلادمة هي الكتب اليت تُعينك على فهم املادة العلمية يف الكتاب الذي‬
‫تقرأه؛ البد أن يكون جبانبك هذه الكتب اخلادمة حىت تطلِع عليها عند احتياجها‪.‬‬
‫القاعدة الرابعة عشرة‪:‬‬
‫أنواع القراءة‪ :‬أنواع القراءة ابعتبارين‪:‬‬
‫اعتبار ال َكيف‪ ،‬وابعتبار ال َكم‪.‬‬
‫ابعتبار حتصيل الكيف وهو املعلومة املناسبة اليت تريدها‪.‬‬
‫ابعتبار الكم‪ :‬ابعتبار كم املعلومة اليت تريد حتصيلها‪.‬‬
‫أما ابعتبار الكيف‪ :‬فهي تنقسم إىل ثالثة أنواع‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صها‬
‫أوال‪ :‬قراءة التحقيق‪ ،‬وهي القراءة املُتَ َعمقة الباحثة اليت تقف فيها عند كل لفظة ُمتَح ُ‬
‫وتتأمل فيها وتتدبرها؛ ال تفوتك معاين املعاين‪ ،‬وال يفوتك املراد من وراء األلفاظ‪.‬‬
‫ُ‬
‫وهذه القراءة هي قراءة املتخصصني املتَ َع ِمقني‪ ،‬وهي قراءة خاصة لبعض الكتب اخلاصة‪ ،‬يعين‬
‫ُ‬
‫هذه القراءة "قراءة التحقيق" ليست لكل الكتب‪ ،‬بعض الكتب فقط هي اليت حتتاج ملثل‬
‫هذه القراءة‪.‬‬
‫‪25‬‬
‫قراءة التحقيق ما يفوتك لفظة إال بعد أن تبحث فيها‪ ،‬ويف صحتها‪ ،‬ال يفوتك حديث أثناء‬
‫قراءتك لكتاب مثال إال بعد أن تعلم مدى صحته‪ ،‬وأن تعلم فعال هل هو هبذا اللفظ كما‬
‫أورده املؤلف أو بلفظ آخر‪..‬‬
‫الشاهد‪ :‬أنك حتقق كل حرف يَِرُد على عينك أثناء قراءتك هلذا الكتاب بقراءة التحقيق‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬قراءة اجلرد‪.‬‬
‫وما املقصود ب "اجلرد" ؟‬
‫اجلرد‪ :‬يعين التحصيل السريع‪ ،‬أو التحصيل البارق الذي ُحي ِ‬
‫صل اإلنسان فيه أكرب قدر ممكن‬
‫َ‬
‫من املعلومات‪ ،‬وهذا اجلرد نوعان‪:‬‬
‫جرد استيعايب‪ ،‬وجرد انتقائي‪.‬‬
‫قراءة اجلرد سنتكلم عنها يف قاعدة خاصة يف فائدهتا؛ أن اإلنسان قد يتعرض لشراء كتاب‪،‬‬
‫ولكن ليس لديه الوقت لقراءته كله‪ ،‬ولكنه يف حاجة إىل أخذ فكرة عن الكتاب‪..‬‬
‫إذا‪ :‬هو حمتاج أن يقرأ الكتاب كله بطريقة معينة‪ ،‬فيلجأ إىل قراءة اجلرد‪ ،‬أو َّ‬
‫أن هناك كتب ال‬
‫ُيكن أبدا‪ ،‬أو هي مل تُصنَّف أصال لقراءة التحقيق‪ ،‬إمنا هي مراجع أصيلة‪ ،‬ومصادر أصيلة‬
‫صنِفت لالحتياج إليها عند االحتياج‪ ،‬مثال "هتذيب الكمال"‪" ،‬فتح الباري" إىل آخر هذه‬
‫ُ‬
‫الكتب املطََّولة العظيمة‪ ،‬ال ُيكن إلنسان أن يشرتيها ليقرأها كلها ولكن َجي ُردها‪ ،‬فمثال "فتح‬
‫ُ‬
‫الباري" اشرتاه‪ ،‬يريد أن يقرأ كتاب "فتح الباري" كله‪ ،‬لو أراد أن يقرأه قراءة حتقيق تفىن‬
‫األعمار وال يقرأه‪ ،‬ولكن يستعيض عن قراءة التحقيق بقراءة اجلرد‪.‬‬
‫وكيف قراءة اجلرد؟ أسلوبني‪:‬‬
‫جرد انتقائي وجرد استيعايب‪.‬‬
‫اجلرد االستيعايب‪ :‬أن يقرأ قراءة سريعة ال يقف فيها على كل املعاين‪ ،‬يعين يقرأ الصفحة كلها‪،‬‬
‫يعين مثال كتاب "فتح الباري" الصفحة فيه حوايل أكثر من ثالثني سطر‪ ،‬ورمبا أكثر‪ ،‬فيمر‬
‫على كل سطر مرورا سريعا عابرا‪ ،‬حبيث أن الصفحة الواحدة ال أتخذ منه أكثر من دقيقة‪،‬‬
‫هذا "اجلرد االستيعايب" أنه يستوعب قراءة كل سطر بدون أن يقف عند كل عبارة أو ُجلة‪،‬‬
‫‪26‬‬
‫ُيكن أن يفهم عبارة‪ ،‬وال يفهم عشرة‪ ،‬ليس ابلضرورة أن يفهم كل العبارات؛ ألهنا ليست‬
‫قراءة حتقيق‪.‬‬
‫نال بشيء من الت ََّد ُّرب‬
‫اجلرد االنتقائي‪ :‬وهو أن يقرأ أعلى الصفحة وأوسطها وأدانها‪ ،‬وهذه تُ ُ‬
‫والتعلم‪ ،‬يعين يف الغرب صنَّفوا كتب يف كيفية القراءة واالستفادة من القراءة‪ ،‬لدرجة أهنم‬
‫فتحوا معاهد لتعليم سرعة القراءة‪ ،‬وبعضهم يعين وصل يف ُدربته وقدرته على القراءة أنه ُيكن‬
‫أن يقرأ كتاب يف حوايل ساعة‪ ،‬كتاب واحد يكون طويل مثال يقرأه يف حوايل ساعة‪ ،‬هذا مع‬
‫َّدرب‪ ،‬ألنه يدربوهم على وسيلة ُمعيَّنة للقراءة وهذه من وسائلها‪ ،‬أن يقرأ سطرين مثال‪ ،‬هو‬
‫الت ُّ‬
‫ليس شرطا أن يكون سطرين‪ ،‬وليس شرطا أن يكون أول سطرين‪ ،‬أو السطرين اللذين‬
‫بعدمها‪ ،‬لكن مع التدرب يستطيع من خالل النظر إىل الصفحة أن ينتقي بعض السطور‬
‫يقرأها؛ ليأخذ املعىن أو اإلُجال من املعلومات الواردة يف هذه الصفحة‪ ،‬وهذه اليت نسميها‬
‫طريقة اجلرد االنتقائي‪.‬‬
‫الوسيلة الثالثة‪ :‬قراءة االستطالع‪.‬‬
‫ذهبت مثال إىل معرض الكتاب اشرتيت عشر كتب أو مائة كتاب‪ ،‬وغدا سوف أذهب إىل‬
‫العمل‪ ،‬لن تستطيع أن تقرأ أي كتاب‪ ،‬لكن لن تستطيع أن تنام إال بعد أن أتخذ فكرة عن‬
‫كل كتاب؛ الكتاب الذي اشرتيته تريد أن أتخذ فكرة عنه‪.‬‬
‫النوع الثالث من أنواع القراءة‪ :‬قراءة االستطالع‪:‬‬
‫تستطلع الكتاب وتعلم مراد الكتاب‪ ،‬وعلى ماذا تدور مادته العلمية‪ ،‬وماذا يريد الكتاب‬
‫إيصاله ابلنسبة للقارئ‪..‬‬
‫قراءة االستطالع مبنية على قراءة املقدمة واخلامتة‪ ،‬وبعض املؤلفني قد حيرص على اختصار‬
‫بعض الفوائد يف ختام كل فصل‪ ،‬أو ابب من األبواب‪ ،‬فإذا كان هذا َدي َدن املؤلف فإنك‬
‫تستطيع أن تفهم الكتاب ككل بقراءتك هلذه املختصرات أثناء األبواب‪ ،‬ففي اخلتام كل ابب‬
‫مثال ُتصر الفوائد يف نقاط حمددة‪ ،‬فتمر أنت‪ ،‬تقرأ طبعا مقدمة الكتاب‪ ،‬وتعلم مراد‬
‫املصنِف من الكتاب‪ ،‬ومن التأليف‪ ،‬واصطالحه يف الكتاب‪ ،‬ومنهجه يف الكتاب‪ ،‬إىل آخر‬
‫ُ‬
‫هذه املعلومات الواردة يف املقدمة‪ ،‬واليت غالبا ما يعتين إبيرادها املؤلفون أثناء كتابتهم‬
‫‪27‬‬
‫للمقدمة‪ ،‬مث قراءة اخلامتة؛ ألنه يف الغالب يُلَ ِخص املصنف األهداف والغاايت والفوائد العامة‬
‫للكتاب يف هذه اخلامتة‪ ،‬وإذا كان هناك بعض املصنفني ممن يعتين بتلخيص الفوائد أثناء‬
‫األبواب والفصول‪ ،‬فإنك متر على هذه الفوائد وبذلك تستطيع أن تفهم الكتاب ُجلة بدون‬
‫أن تتعرض لقراءته كله‪.‬‬
‫إذا‪ :‬عندان ثالث أنواع للقراءة‪ :‬قراءة التحقيق‪ ،‬قراءة اجلرد "استيعايب وانتقائي"‪ ،‬وقراءة‬
‫االستطالع‪.‬‬
‫كل هذا من حيث ال َكيف‪.‬‬
‫من حيث الكم‪ :‬تنقسم إىل قراءة سريعة وبطيئة‪.‬‬
‫الدربة والقدرة؛ ألن هناك أانس يستطيعون قراءة التحقيق بطريقة‬
‫وهذه تكون على حسب ُ‬
‫سريعة‪ ،‬أن يقرأ العبارة بطريقة سريعة ويفهمها‪ ،‬وهذا أمر يرزقه هللا ‪َ ‬من شاء من عباده‪،‬‬
‫ودرب نفسه على ذلك‪.‬‬
‫وملن أراد ذلك ومن فعله سعيا حثيثا‪َّ ،‬‬
‫الشاهد‪ :‬هناك أيضا أانس ال يستطيعون هذه القراءة السريعة؛ لضعف يف الفهم أو الرتكيز أو‬
‫حنو ذلك‪ ،‬فمن حيث الكم أنت وقدراتك يف كيفية هذه القراءة "قراءة السرعة" أو "البطء"‬
‫لتُ ِ‬
‫حصل الكم املعني املطلوب من القراءة‪.‬‬
‫لكن قيل‪ :‬أن اإلنسان القارئ العادي املتوسط يستطيع أن ُحي ِ‬
‫صل يف الدقيقة الواحدة قرابة‬
‫املائة ومخسني كلمة‪..‬‬
‫لذلك‪ :‬حنن نقول‪ :‬لو الصفحة الواحدة فيها حوايل مخسمائة كلمة أو أقل من ذلك‪،‬‬
‫فالصفحة الواحدة يف حق القارئ املتوسط‪ ،‬ال جيوز ‪-‬ابلنسبة للقراءة العادية‪ ،‬ال هي السريعة‬
‫وال بطيئة‪ -‬يف حق القارئ املتوسط أن يقرأها يف أكثر من دقيقة أو دقيقتني؛ حىت تستطيع‬
‫أن تنجز قراءة الكتاب بطريقة سريعة‪.‬‬
‫القاعدة اخلامسة عشرة‪:‬‬
‫تقييد القراءات‪:‬‬
‫أي‪ :‬ما تقرأه كيف تُ َقيِده‪ ،‬وماذا تقيده‪..‬‬
‫‪28‬‬
‫أوال‪ :‬تُقيِد املعلومات والفوائد اهلامة اليت تقرأها يف الكتاب؛ إما على صفحات الكتاب‪،‬‬
‫يعين‪ :‬تُ َقيِد الفائدة يف اهلامش األبيض املوجود يف نفس الصفحة‪ ،‬أو أن تقيد تلك الفوائد‬
‫يف أول طُرة الكتاب‪ ،‬يف أول ثالث صفحات بيضاء يف الكتاب تُقيد فيها الفوائد الواردة يف‬
‫الكتاب مع ذكر الصفحة اليت انتقيت منها هذه الفائدة‪ ،‬أو أن تُقيِد الفوائد واملعلومات يف‬
‫ُكنَاش خاص‪" ،‬كناش" يعين‪ :‬دفرت خاص تُقيِد فيه الفوائد واملعلومات‪.‬‬
‫ماذا تُ َقيِد يف هذه األوراق؟‬
‫تقيد القواعد العامة‪ ،‬اليت جتمع شتات الفروع‪ ،‬هذه القواعد العامة تَ ِرُد بني ثنااي العبارات قد‬
‫ال يضعها املصنف يف عنوان خاص م ِ‬
‫ستقل‪ ،‬ولكن ترد أثناء العبارات‪ ،‬فهذه أتخذها من بني‬
‫ُ‬
‫ثنااي السطور وتقيدها يف ُكناشك‪ ،‬أو يف أوراقك‪.‬‬
‫تقييد النوادر والعجائب‪ :‬قد تقرأ يف بعض الكتب اندرة من النوادر ال ُيكن أبدا أن جتدها يف‬
‫َم ِظنَّتِها‪ ،‬أن جتدها يف املكان املعتاد هلا‪ ،‬فهذه تقيدها حىت تستفيد منها‪.‬‬
‫كذلك‪ :‬تقييد االستدالالت النادرة‪ ،‬استدالالت يعين فَهم العلماء‪ ،‬فَهم ِ‬
‫عامل من نَص‪ ،‬فَه ُم‬
‫العبارة‪..‬‬
‫هذه أيضا ترد يف ثنااي الكالم‪ ،‬وال ترد يف مظاهنا‪ ،‬فإنك تقيدها حىت تستفيد منها يف وقت‬
‫الحق‪.‬‬
‫أيضا‪ :‬من هذا السياق تقييد اخلاطر واملعلومات اليت ترد على عقل اإلنسان أثناء قراءته ألي‬
‫الكتاب‪ ،‬ومن جنس هذا كتاب "صيد اخلاطر" لإلمام ابن اجلوزي‪ ،‬مسَّاه "صيد اخلاطر" ملاذا؟‬
‫ألهنا خواطر كانت ترد عليه أثناء أتمله وعبادته وتفكره وقراءته للكتب‪ ،‬فكان يُقيِد هذه‬
‫اخلواطر يف أوراق حىت ظهرت لنا يف كتابه اجلليل املشهور "صيد اخلاطر"‪.‬‬
‫القاعدة السادسة عشرة‪:‬‬
‫إدمان قراءة ومطالعة الفهارس‪ :‬وهذه الفائدة تُ َع ُّد من أهم الفوائد‪.‬‬
‫مىت تقرأ الفهرس؟‬
‫طبعا ُجيعا يعرف ما هو الفهرس‪..‬‬
‫‪29‬‬
‫الفهرس‪ :‬العناوين‪ ،‬وهي كلمة فارسية‪ ،‬أصلها فارسي‪ ،‬مث استعملها العرب‪ ،‬أصلها "فهرس"‬
‫عند الفرس‪ ،‬مث َد َر َج العرب على إطالق لفظ الفهرس‪ ،‬ويُطلق على العناوين أو التقييدات‬
‫العامة اليت جتمع شتات املعلومات امل ِ‬
‫فباب يتكلم فيه عن "الطالق"‬
‫تفرقة يف ابب معني‪ٌ ،‬‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫يضع له عنوان مثال‪ ،‬وهذا العنوان يوضع يف فهرس‪ ،‬هذا الفهرس ُدر ُج يف العصور املتأخرة‬
‫على سطرها وطبعها يف مؤخرة الكتاب‪ ،‬وبعض املكتبات أو بعض املطابع تطبعها يف أول‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫الشاهد‪ :‬أن مطالعة الفهرس مهمة جدا قبل شراء الكتاب‪ ،‬أثناء شرائك للكتاب‪ ،‬البد أن‬
‫تطالع هذا الفهرس؛ لتتأمل يف موضوعات الكتاب‪ ،‬تعرف عن أي شيء يتكلم؟‬
‫تعرف كيف يتكلم هذا الكتاب عن هذه املوضوعات املعينة اليت تريدها‪ ،‬تفتح الفهرس‬
‫وتطالع املوضوعات امل َد َّونة يف الفهرس؛ لتتأمل يف مراد الكاتب من تصنيفه‪.‬‬
‫ُ‬
‫مث أثناء أو قبل قراءتك للكتاب تطالع الفهرس مطالعة عامة؛ لِتَ ل ِقي نظرة إُجالية على‬
‫موضوعات الكتاب‪ ،‬وأثناء قراءتك ألبواب وفصول الكتاب تُد ِمن أيضا مطالعة الفهرس‪،‬‬
‫وبعد انتهاءك من قراءة الكتاب أيضا تطالع وحتفظ الفهرس‪.‬‬
‫هذه الوسيلة أيضا من أعظم الوسائل يف حق طلبة املدارس‪ ،‬حىت يستوعبوا املنهج استيعااب‬
‫دقيقا جيدا‪.‬‬
‫وهنا القاعدة السابعة عشرة‪:‬‬
‫ملاذا نقول أمهية مطالعة الفهارس؟‬
‫طريقة ختزين املعلومة من أهم الوسائل اليت جيب حتصيلها لالستفادة من القراءة‪ ،‬كيف أُ َخ ِزن‬
‫املعلومة‪ ،‬كيف أستطيع أن املعلومات تتوارد على هذا العقل دون أن ختتنق وأن يدخل بعضها‬
‫يف بعض؟‬
‫املسألة مسألة نفسية حبتة‪ ،‬حمضة‪ ،‬وهي أن عقل اإلنسان ابلضبط مثل الكمبيوتر‪ ،‬أو لنقل‬
‫وُ ِزهنا‬
‫أن الكمبيوتر نفسه ابلضبط مثل عقل اإلنسان؛ اإلنسان أصال ترد عليه املعلومات ُ‬
‫بطريقة مرحلية زمنية؛ مبعىن‪ :‬أن اإلنسان أول ما يولد يكون طفل‪ ،‬أول املفردات اليت يتلقاها‬
‫‪30‬‬
‫ما هي؟ "اباب‪ ،‬ماما‪ ،‬هللا‪ ،‬كتاب‪ ،‬مشس‪ ،‬قمر"‪...‬‬
‫ذكر يف ثنااي وتالفيف َمه‪ ،‬هذه هي نفس طريقة‬
‫كل هذه األمور تتوارد عليه مرحليا زمنيا‪ ،‬وتُ ُ‬
‫الكمبيوتر يف ختزين املعلومات‪ ،‬وهي إدخال البياانت على األدراج أو على اخلزاانت املوجودة‬
‫يف الشرحية‪..‬‬
‫أنت تتخيل عقلك هذا مبثابة الدواليب‪ ،‬ستقرأ كتاب فتخيل يف نفسك‪ ،‬وقل‪ :‬أن هذه‬
‫مسألة نفسية حمضة‪ ،‬تتخيل أنك ستقرأ كتاب فتفتح الكتاب هذا كأنه "دوالب"‪ ،‬والدوالب‬
‫هذا له أدراج‪ ،‬كما أن الكتاب عبارة عن موضوعات وأبواب وفصول‪ ،‬فتقرأ الباب من أبواب‬
‫قسم إىل مخسة أبواب!‬
‫الكتاب تفتح له ُدرجا‪ ،‬فتخيل هكذا يف دماغك أن الكتاب مثال ُم َّ‬
‫إذا‪ :‬هذا الدوالب ستفتح له كم درج؟‬
‫مخسة أدراج‪ ،‬كل ابب له درج‪ ،‬تفتح الدرج األول يف دماغك‪ ،‬بعد ما تفتح الدرج تقرأ هذا‬
‫الدرج تقسموا ألقسام‪..‬‬
‫الباب‪ ،‬الباب قد يكون فيه فصول‪ ،‬إذا‪ :‬البد أن ُ‬
‫طبعا‪ :‬صورة "الدوالب‪ ،‬والدرج" وهذه األشياء صورة تقريبية‪ ،‬من املمكن أن تكون شيء‬
‫آخر "مكتب" إىل آخره‪..‬‬
‫لكن‪ُ :‬متثِل لنفسك صورة معينة إلدخال وتوريد وختزين املعلومة؛ تقرأ الباب‪ ،‬تورد معلومات‬
‫الدرج‪ ،‬وبعد ذلك بعد فراغك من قراءة الباب تستحضر املعلومات اليت‬
‫هذا الباب يف هذا ُ‬
‫وردت‪..‬‬
‫صماء أو‬
‫طبعا أثناء القراءة ‪-‬كما سيأيت‪-‬تُ َق ِسم الباب عن طريق العناوين‪ ،‬عناوين َّ‬
‫استفهامية‪ ،‬فرتد هذه املعلومة وتسرتجعها بعد فراغك من قراءة ومذاكرة الباب تسرتجعها يف‬
‫دماغك‪..‬‬
‫الدرج‪.‬‬
‫الدرج‪ ،‬وتُغلق ُ‬
‫بعد ما تنتهي من فهم الباب فهما جيدا تقوم إبدخال املعلومات يف ُ‬
‫التدرب ومع االستمرار على ختزين املعلومات وعدم اخللط‬
‫هذه الطريقة النفسية ستُعينك مع ُّ‬
‫فيها‪ ،‬حبيث إنك تعرف مثال أو تُسأل‪:‬‬
‫‪31‬‬
‫كتاب "الرحيق املختوم"نعم! يف الدوالب الفالين‪ ،‬هات الدوالب‪َ ،‬مطوط فيه كم ابب؟ فيه‬
‫درجني‪" ،‬العهد املكي" و"العهد املدين"‪.‬‬
‫العهد املكي‪ :‬افتح الدرج األول‪.‬‬
‫العهد املكي‪ :‬ينقسم إىل ما قبل البعثة وأثناء البعثة والدعوة ِ‬
‫الس ِرية والدعوة اجلهرية‪ ،‬فيكون‬
‫أربع مراحل‪ ،‬وتُ َق ِسم هذه املراحل مع ختزين املعلومة تباعا هبذه الطريقة‪ ،‬وقِس على ذلك أي‬
‫كتاب تقرأه‪...‬‬
‫هذه الطريقة النفسية ‪-‬كما قلنا‪ -‬تُ ِ‬
‫سهل عليك ختزين املعلومة‪ ،‬وتصونك من عدم اختالطها‬
‫فيما بعض‪.‬‬
‫أخ يسأل عن طلب منهج عن التعلم والقراءة؟‬
‫نفيده علما أن عندان مناهج للمبتدئني ومناهج ختصصية حلوايل مثانية علوم‪،‬وهذه الوسائل‬
‫والفوائد ُم َد َّونة مكتوبة ملن أراد أن يناهلا أو أن يصورها‪..‬‬
‫نسأل هللا ‪ ‬أن ينفع مبا مسعنا وجيعله حجة لنا ال علينا‪..‬‬
‫أكتفي هبذا القدر‪ ،‬أقول قويل هذا وأستغفر هللا العظيم يل ولكم‪...‬‬