حقوق الطبع حمفوظة
الطبعـ ــة األوىل 1995
رقم األيداع القانـوين 528/95
سحب مطبوعات األفق – الدار البيضاء
في االقتصاد
3
المقدمة
مقدمة
احلمد هلل والصالة والسالم على سيدنا حممد وآله وصحبه ومن وااله.
كنت كتبت فصول هذا الكتاب منذ أكثر من ثنيت عشرة سنة ،مل
نستطع نشره ملا عاقت عوائق السلطان .أبينا أن ننسلك يف نظام «دين
االنقياد» ،وأن نثلث شهادة أن ال إله إال اهلل رب العباد ،وأن حممدا رسول
اهلل صلى اهلل عليه وسلم سيدنا والعماد.
فرقد املخطوط يف درجه إىل أن رجعت إليه اليوم ألجد أن مضمونه ال
ي زال يقظا وإن تقادمت بعض اإلحصائيات ،وإن أصبح املذهب االش رتاكي
والعامل الشيوعي الذي شغل عند الكتابة حي زا من االهتمام يف خرب كان.
ألهل االختصاص أن يكتبوا عن االقتصاد من جانب األرقام والكم
والتحوالت واملوازنات ،وهم يف سعة ليزعموا أن علم االقتصاد علم
مضبوط أو يكاد .وتتقلب النظريات ،وخيضع الكم وختضع األرقام
لضرورات الوقت ،وأجواء املصاحل ،ورياح التغري ،وكبسات التجارة العاملية
ونكساهتا .ال سيما والظاهرة اليت ميزت العقد األخري من السنني هي
تسوق العامل وعاملية السوق .أصبح العامل وما يضطرب يف العامل حييي
حياة سوقية ويتحرك حركة طبعها طبع السوق ،وحساهبا حساب السوق،
في االقتصاد
4
المقدمة
وبواعثها بواعث السوق ،وضوابطها ضوابط السوق .إن كانت السوق
يوما تنضبط بشيء غري حساب املصاحل األنانية ،وفرصة يغتنمها األقوى
األدهى األغىن ليبتز حق األضعف األفقر.
ما كانت نييت أن أزاحم أهل االختصاص ،وأىن يل!
إن كتبت عن بواعث اإلميان وضوابط الشرع -فيما خيص االقتصاد-
فلست مغ رتا أن يتحول السوق عن طبعه يوما ،وال أن يصبح أهل السوق
وقد ختلقوا بأخالق اإليثار والرمحة وإيتاء الفقري واليتيم واملعذب يف األرض.
ال ينتظر من عامل السوق ،من العامل السوق ،أن تزوره خنوة الكرم أو تغشاه
املروءة أو يتحمله اإلميان وهو تقمصته روح اجلاهلية واقتعد يف سدته
الدوالر.
لكن احلكم اإلسالمي ،وهو حقيقة الغد يف حساب السياسة ،ووعد
الوحي ،ومطمح األمة ،البد أن يسهم املؤمنون يف إنارة طريقه كيال حييد
اقتصاد الدولة اإلسالمية عن سكة الشريعة ،أو تتبطنه الروح اخلبيثة روح
االستكبار واإلفساد يف األرض.
أعود بعد أكثر من ثنيت عشرة سنة ألضيف إىل الفصول ال راقدة خامتة
تتبصر يف أحوال الدنيا وأهلها بعد األحداث احلافلة اليت راجت وماجت.
ولتتأمل ما صنع اهلل يف خلق اهلل من خالل التأمل يف البالء النازل
بالعباد .ولتسأل عن مسلك املؤمنني ،وسياسة املؤمنني ،وتطلع املؤمنني،
وهم غدا حاملون األعباء ،وجائلون يف األرجاء.
عم يتمخض هذا االهت زاز الزل زايل املتسارع رأي العني؟ أستغفر اهلل! بل
كيف يستمطر املؤمنون رمحة اهلل ونصر اهلل واملقادير تعصف بالناس؟
في االقتصاد
5
المقدمة
على أي مستوى يتدافع املؤمنون يف معمعة السياسة واالقتصاد مع
قوى االستكبار واإلفساد يف األرض؟
ما هي رؤية اإلسالميني حلاضر متلبد الغيوم ،ومستقبل يتوجس منه
خيفة أعداء اإلسالم وخصومه ،ويستبشر به أهل اإلميان؟
واهلل غالب على أمره ،واحلمد هلل رب العاملني.
سال ،ليلة االثنني 7شعبان
1415
الفصل األول
التخلف
-ما هو التخلف؟
املخلفون من األع راب منو التخلف تعبئة وجهاد -منوذجهم أصل البالء
في االقتصاد
9
التخلف
ماهوالتخلف؟
أنت متخلف بالنسبة ملن تقدمك .فالتخلف صفة اعتبارية يتصف هبا
أحد طريف املقارنة .وتطلق الكلمة يف عص رنا على الشعوب والدول غري املصنعة
إذا قورنت بالدول والشعوب اليت سبقت إىل التصنيع .التخلف والتقدم مقياس
وضعه الغ ربيون ،فيعرفون أنفسهم بأهنم املتقدمون ومن سار على شاكلتهم،
وكأهنم ركب اإلنسانية املمثلون هلا ،ال حضارة إال حضارهتم ،وال جناة إال يف
اقتباس منوذجهم وتقليده ،والسري على آثارهم.
ومبا أن الدولة املصنعة غنية ،فغناها حجة يف مي زان املادية على أن الفقر
ختلف .مبا أهنا سيدة العلوم التج ريبية والتقنية ،فالدول اليت ال تتقن ذلك دول
متخلف ة.
مبا أهنا مصنعة تنتج األسلحة والص واريخ ،فالدول العزالء متخلفة.
مبا أهنا تتمتع باقتصاد منظم ،بضائعها رائجة مطل وبة ،وأس واق العامل أمامها
مفتوحة ،فالدول اليت ال تنتج وتغرق يف الديون ،وتبيع م وادها اخلام بالثمن البخس،
وتدفع الثمن الباهظ يف اقتناء حاجاهتا دول متخلفة.
مبا أهنا تتمتع بأنظمة سياسية مستقرة ،دميوق راطية ل ربالية أو عمالية أو
اش رتاكية أو شيوعية ،فالدول غري املستقرة اليت حتكمها العشائر التقليدية ،أو
االنقالبات العسك رية ،أو االستبداد الفردي دول متخلفة.
مبا أهنا جتمع أسباب القوة يف كل هذه االعتبارات ،فالشعوب الضعيفة من
هذه اجلوانب السياسية االقتصادية االجتماعية العلمية التقنية الصناعية
العسكرية شعوب متخلفة.
في االقتصاد
10
التخلف
هذه اعتبارات مادية واقعية ختضع لألرقام ،ويربزها احلساب ،وحيكم
بسدادها العقل .وال جدال يف أن هذا التقدم املادي التنظيمي العلمي معيار
صحيح صاحل لقياس الشعوب والدول من حيث قدرهتا على الوجود ،وأحقيتها
يف البقاء يف عامل مبين على التدافع بني اخللق ،فال مكان فيه للشعوب اجلاهلة
املريضة الفقرية الضعيفة املفككة.
املعيار املادي هذا صاحل ملعرفة األمم املؤهلة لقيادة العامل من األمم املؤهلة
لتبقى مهينة مغل وبة ،صاحل لتمييز األمم احلية من األمم امليتة كما مييز الطبيب
اجلسم السليم من اجلثة اهلامدة بقياس متاسك اهليكل العظمي ،وشدة العضالت،
وات زان األعصاب ،وحيوية املخ ،وسالمة القلب ،ونشاط الدورة الدموية ،وانتظام
وظائف األعضاء الداخلية والظاهرة ،وتناسق الكل وكفاءته.
هذا املعيار املادي ال بديل له ملقارنة جسمنا وجسمهم ،حسنا وحسهم،
عُ ددنا وعُ ددهم ،أموالنا وأمواهلم ،مدارسنا ومدارسهم ،نظامنا ونظامهم،
علومنا الكونية وعلومهم ،مهارتنا ومهارهتم ،منتوجاتنا ومنتوجاهتم،
اقتصادنا واقتصادهم ،أرقامنا وأرقامهم .كل ما هو مشرتك بني كافة البشر
من هذه املقومات املادية ال ميكن أن يقاس إال هبذا املعيار املشرتك.
الدول املفتون ةَ ،متخلفون جدا
فنحن
الشعوب املسلم ةَ ،األمة املسلمةَ ،
َ
على هذا السلم .ومن البؤس التارخيي أن ال نعرتف ألنفسنا بذلك ،وأن ال
نصرخ به ملء حناج رنا ،وأن ُن ِّوه على أنفسنا باملسليات القومية اليت تغين
األجماد املاضية احلقيقية ،أو األوهام احلاضرة لتنسي واقعنا املتخلف.
في االقتصاد
11
التخلف
نعم سيدي أعزك اهلل!
ويصبح املعيار املادي للتقدم والتخلف آلة تضليل إن زعم ال زاعم
استعماله لقياس ما ال يقع حتت عنوانه ،وال يستقيم بربهانه.
إمنا أتينا من تضليل الدعاية اجلاهلية اليت حتصر التقدم ،كل التقدم،
يف املظاهر املادية التنظيمية االخ رتاعية .أقصد بالدعاية الغزو احلضاري
الشامل مبا فيه من الغزو العسكري واالستعماري الفعلي واملسخ الثقايف.
مبعيار واحد تقاس كل املقومات :الشخصية اجلاهلية شخصية متقدمة
رغم كفرها وأنانيتها وقسوهتا واحتقارها لإلنسانية .الشخصية اإلسالمية
متخلفة رغم أهنا ،بل بسبب أهنا ،تنبين على اإلميان باهلل ورسوله وغيبه،
ورغم أهنا ،بل بسبب أهنا ،ترتكز على األخالق الفاضلة واألخوة اإلنسانية.
مبعيار واحد يقال للدين والفضيلة واألخوة ختلف ،ولكل ما يناقض ذلك
تقدم.
مجع التعريف حتت كلمة «ختلف» كل نواحي وجود اإلنسان املغلوب
حضاريا :منطه يف التفكري مع قلة خربته العلمية ،عقيدته مع عدم جدواه
يف االقتصاد ،أخالقه مع اهن زامه أمام االستعمار .وبكلمة «تقدم» ترتبط
معاين النفعية الفردية األنانية باخلربة الصانعة ،ومعاين الكفر باهلل باالزدهار
االقتصادي ،وش راسة االستعمار بالقوة .يؤخذ ذلك كله فتكون متقدما،
أو يرتك كله فذلك التخلف.
ال يكون النظام السياسي مستق را إال بعلمانية ،وال االقتصاد ناجحا
إال مب راباة واحتكار ،وال اجملتمع راقيا إال إن سادته قيم النموذج الغريب
الل ربايل واالش رتاكي.
يصور معيار التخلف والتقدم التطور التارخيي الذي أدى باألمم
األوربية إىل أن تتعلم الفنون ،وجتمع رأس املال ،وتتصنع ،وتستقر على
في االقتصاد
12
التخلف
النظام الدميق راطي ال رأمسايل ،مث الطبقي االش رتاكي ،على أنه التطور احلتمي
املرغوب فيه ،ويصور مستقبل اإلنسانية على صورة ماضي أوروبا ،ويزعم
أن منوذج ذلك التطور عاملي علمي ال بديل له ،فكل أمة تسعى لتتعلم
الفنون البد هلا من تبين عقالنية تؤله العقل وتكفر مبا عداه.
وكل أمة تريد أن جتمع رأس املال ال حميد هلا عن تكييف قوانينها مبا
يناسب حرية امللكية الفردية الل ربالية أو امللكية اجلماعية االش رتاكية .وكل
أمة تريد أن تتصنع ال بدهلا من أدوات إنتاج وقوى إنتاج وعالقات إنتاج
على غ رار ما سبقت إليه أوربا ال رائدة .وكل جمتمع يريد أن يرقى يف سلم
احلضارة ويتقدم يف حلبة املباراة البد أن يقتبس من احلضارة األستاذة نظام
احلكم والسلوك والعادات والرتبية والفنون ،والكفر باهلل وباليوم اآلخر أول
شيء.
ال ينفصل بعض ذلك عن بعض.
ال تسأل عن الغاية من هذه املسرية التارخيية والتطور احلتمي على درب
التنمية االقتصادية ،والتقدم الصناعي ،واالبتكار العلمي .فإن السؤال عن
الغاية ،وعن أس رار الوجود من عالمات التخلف والرجعية اليت تنم عن
عقلية غري صاحلة جملاراة العصر واللحاق بالركب احلضاري.
ركب إىل أين؟ تقدم حنو أية هاوية؟
على حافة حرب نووية تدمر العامل يقف الركب اإلنساين ،املستكربون
والضعفاء ،األغنياء والفق راء ،الدول املصنعة وغري املصنعة ،الشعوب املتطورة
والبدائية ،مستفهما عن مصري اإلنسان .يقف الركب اإلنساين متسائال أين
املفر؟ عقالء اإلنسانية يقفون ويستفهمون ويتساءلون .أما احلركة الدائبة،
يد اهلل اليت تدفع الكل إىل قدر يعلمه سبحانه ،فإهنا ال تقف.
في االقتصاد
13
التخلف
وال يليق بأمة اإلسالم ودولة القرآن أن تعاين التخلف مرضا يف جسمها،
وال أن تبحث عن التقدم الوارد من غريها ،معاناة العاجز وحبث البليد .بل
يليق هبا أهنا تقيس هي وال تقاس ،وأن تبسط على نفسها وعلى العاملني
معايري احلق والباطل ،معايري اإلميان والكفر ،لتضع عناصر التقدم والتخلف
مواضعها الشرعية ،وحتكم من خالل الشرع على كل شائنة خسيسة فينا
ويف غرينا أهنا باطل جيب أن ي زال ،وعلى كل مزية فينا ويف العامل أهنا حق
جيب أن يثبت.
المخلفون من األعراب
إن هذه الكلمات اجلديدة السارية يف لسان العصر ،املرتمجة إىل العربية،
مثل تقدم ،ختلف ،حضارة ،اقتصاد ،حرية اخل ،ألفاظ مشحونة بتيار جذاب.
إهنا تتجلى للفكر مبجلى األشياء واملعاين اإلجيابية .وال يزيدها الغموض
الذي يصحبها عندما تستعمل يف اجلدل والنقد واملطالبة إال قدرة على
اإلغ راء.
وإن من آكد ما جيب على املفكر املسلم أن يتميز بألفاظه يف هذا
اجملال الفكري املشرتك ،يف سوق اخلطاب السياسي احلضاري الفكري الذي
يعج هبذه املصطلحات املستحدثة اليت جتر من ورائها تاريخ بالد نشأهتا،
ونكهة تلك األرض ولوهنا وروحها.
كنا تركنا حتديد مفاهيم األلفاظ اليت نستعملها ليميزها السياق
وتؤدي الوظيفة الفكرية اليت خنتارها هلا حنن .ولن يتسع لنا املكان هنا
لنرجع إىل كل لفظة نتعقبها ،وحنلفها أن تبقى يف احلياد إن مل تشهد شهادة
اإلسالم .نرتك السياق واملقاصد العامة من كتابتنا حتدد هلا صالحياهتا اليت
نعطيها .لكن هذه الكلمة «التخلف» اليت متثل مفتاح الفهم ملوقعنا من
في االقتصاد
14
التخلف
اإلع راب ،ومتثل اسم املرض الكلي الذي أصاب جسمنا فهددت إصابته
كياننا حتتاج أن نزيدها توضيحا ،وأن نستفسر عن مفهومها الفكري وعن
مدلوهلا العملي.
كلمات التقدم ،والتنمية ،واحلضارة ،والثقافة ،واالقتصاد ،واحلرية
اخل تشكل أشباحا متألقة باألمل يف خميالت املستضعفني واملغلوبني
واملقهورين .تشكل ماهيات قائمة بذاهتا مستقلة بوجودها يف خطابات
اجلدل السياسي واملطالبة .تسيطر على الفكر املعاصر سيطرة هذا الفكر
على واقع العامل .تسري يف ظل بنود اإلجنازات املادية والقيم املواكبة هلا عند
املنجزين املسيطرين الغ زاة .ومن جييء يتكلم بقال اهلل وقال رسول اهلل يبدو
للناس غريبا رجعيا ...يبدو متخلفا.
أين صنعت تلك الدبابات اليت جتوس خالل الديار؟ يف بالد احلرية،
والتقدم ،واحلضارة ،والدميوق راطية واالش رتاكية! هذا هو اجلواب ،وذلك هو
السؤال!
من ميلك املصاريف العاملية واألموال ،ومن يتحكم يف بضائع الدنيا
وأسواقها وأمثاهنا؟ بالد احلرية واالش رتاكية والتقدم واحلضارة!
من يسري سياسة العامل ،وينصب الدول ويعزهلا ،ويوجه ق رارات احلرب
والسلم ،واختيارات الزمان واملكان واألحداث؟ بالد التقدم واحلرية
واالش رتاكية واحلضارة!
إمنا يسمع الناس كلمة املنتج الصانع العامل الغين القوي .وألم غريه
اهلبل!
بعبارة أوضح :لن تكون للكلمات القرآنية ،واملفاهيم اإلسالمية،
واملدلوالت اليت تشري إليها قيمة يف معايري العصر املادية إن مل يكن
في االقتصاد
15
التخلف
االقتصاد القوي ،والصناعة ذات البأس ،والوجود السياسي املوحد لألمة،
من وراء الكلمات واملفاهيم واملدلوالت.
وبعبارة أوضح ،يقول الصديق رضي اهلل عنه« :ما ترك قوم اجلهاد إال
ضرهبم اهلل بالذل» .وإن مقومات اجلهاد املادية ،اليت تدل كلمة «ختلف»
عن غياهبا ،مطالب ملحة ضرورية واجبة وجوب اجلهاد نفسه ،فما ال يتم
الواجب إال به فهو واجب.
يف انتظار أن ختفق بنود العز اإلسالمي على هامة الزمان ،نتخذ أسباب
القوة ابتداء من تأصيل املفاهيم اإلسالمية يف معينها :الوحي .وينبغي أن
يكون واضحا لدينا ،مستق را يف أذهاننا أن شأننا املصريي مرتبط بتمسكنا
متسكا كليا مبا هو احلق واهلدى واخلري واملعروف .فإذا كان شأننا الفكري
شتيتا ملفقا أعمى ،جنري هنا وراء «تقدم» ومن هناك نقتبس تكنولوجيا،
ومن مث نستورد نظاما على غري منهاج جامع ،وانقطاعا عن أصلنا ومناط
هدانا وعزنا ،فلن يكون شأننا املصريي إال شأن األدعياء اهلجناء ال زمناء.
تتجاور يف معجم األلفاظ القرآنية كلمة «االستخالف» يف األرض
الذي وعد اهلل به عباده املؤمنني وكلمة « التخلف» اليت تصف اجلبناء
القاعدين عن اجلهاد البخالء بأمواهلم وأنفسهم عنه .يف سورة التوبة وسورة
الفتح ذكر املتخلفني من األع راب ،يتجلى من آياهتما البينات أن األع رابية
املتخلفة عن اجلهاد تقرتن بأخالق النفاق ،والرتبص ،والشك يف نصر
اهلل ووعده ،والبخل يف النفقة ،وإيثار ال راحة ،واالشتغال باللذات واألهل
والولد عن األمر العام ،واخلوف من العدو ذي البأس الشديد ،والتويل عن
اهلل ورسوله وطاعة غريمها ،والتلهف على الغنيمة الباردة.
في االقتصاد
16
التخلف
قال اهلل عز وجل يف حق املخلفني املنافقني األنانيني اجلبناء البخالء
العاجزين« :رضوا بأن يكونوا مع اخلوالف ،وطبع اهلل على قلوهبم فهم ال
يعلمون».
َّ ِ
ين
وقال عز من قائل يف حق املوعودين بوراثة األرض َ
{و َع َد ال لَّ هُ ال ذ َ
ِ
الص الِ ح ِ
ِ
ات لَ يَ ْس تَ ْخ لِ َف ن ـَّ ُه م فِ ي ْالَ ْر ِ
ف
اس تَ ْخ لَ َ
ض َك َم ا ْ
آم نُ وا م ن ُك ْم َو َع م لُ وا َّ َ
َ
َّ ِ
ض ى لَ ُه ْم َولَ يُ بَ ِّدلَ ن ـَّ ُه م
ين ِم ن قـَ ْب لِ ِه ْم َولَ يُ َم ِّك نَ َّن لَ ُه ْم ِدينـَ ُه ُم الَّ ِذي ْارتَ َ
ال ذ َ
ِّم ن بـَ ْع ِد َخ ْوفِ ِه ْم أ َْم ن اً يـَ ْع بُ ُد ونَنِ ي َل يُ ْش ِر ُك و َن بِ ي َش ْي ئ اً}.
فكل صفة وعمل وخلق وفكر وموقف يلحقنا باخلوالف املطبوع على
قلوهبم باطل.
وكل إميان وصفة وعمل صاحل وخلق وفكر وموقف وحركة تؤهلنا
لالستخالف يف األرض حق.
هبذا املعيار نقيس ،وإليه نرد ،وعنه نصدر .وبه يكون للتخلف معىن
زائد على كونه سعيا ضعيفا يف األرض ،وللتقدم معىن زائد على كم
اإلنتاج ووفرة العلوم والصناعة وإحكام النظام السياسي .باملعيار القرآين
اإلمياين يكون للتخلف والتقدم مغزى مساوي يعلق احلكم على مبدئهما،
ومعادمها ،وكلياهتما ،وجزئياهتما ،بصالحياهتما الغائية.
نمو التخلف
هناك فجوة هائلة بني الدول املصنعة الغنية املتعلمة الغالبة وبني الدول
الفقرية اجلاهلة املغلوبة .وأسباب السباق ووسائله غري متكافئة بني دول
يطري هبا البحث العلمي والقدرة على حتقيق نتائجه واقعا متحركا وبني
أخرى ال متلك إال رصيدا يزداد إحلاحا من التطلعات اخلائبة واملطالبات
العاجزة ،فهي تزحف على األرض واهنة.
في االقتصاد
17
التخلف
وتزداد الفجوة انفتاحا واهلوة عمقا بني الفريق املهيمن والفريق املغلوب
مع األيام .وهذا ما يسمى بلسان العصر «منو التخلف» .من مصلحة
الفريق املصنع الغين القوي أن يبقى الفريق املتخلف يف إطار ختلفه لكيال
يفلت من اهليمنة اليت جتعل منه سوقا للبضائع االستهالكية ،وزبونا لش راء
األسلحة املرحبة صفقاهتا ،املدمرة قذائفها لألخضر واليابس .فتحتاج الدول
املتخلفة املتناحرة فيما بينها بالوكالة عن أط راف اهليمنة العاملية إىل إعادة
بناء ما هتدم ،فتعود إىل حاميها ومسلحها تشرتي منه وسائل إعادة بناء
ما هدمته القذائف.
هناك إىل جانب مصلحة الدول املتطورة عامل داخلي يف دول التخلف،
وهو قابليتها للبقاء يف ختلفها ،وعجزها عن التحرر من أسباب االستبداد،
واالضط راب ،والظلم االجتماعي ،والبالدة الفكرية ،والسلبية يف ميادين
العلوم ،والتنظيم ،واإلنتاج ،واحلكم ،واإلدارة.
ينبغي أن تكون نظرة دولة اإلسالم إىل التخلف والنمو وأسباهبما
نظرة متكاملة ،فال تشغلنا م راقبة اهليمنة االستكبارية اخلارجية ،وعدم
تكافئنا معهم يف ميادين املساومة ،عن م راقبة آليات التخلف الداخلية
يف جمتمعنا ،الكامنة يف نفوسنا وعقولنا ،الظاهرة يف مواقفنا واختياراتنا.
ال يشغلنا عتو رأس املال العاملي ،وعدوان الشركات املتعددة اجلنسية،
وإخسار مساسرة ال رأمسالية ومفاوضو الدول «الصديقة» االش رتاكية ملي زاننا
عند البيع والش راء ،والعقد السياسي واالقتصادي ،و«التعاون» التقين
والعسكري ،عن استفحال الداء الباطين فإنا إن نشتغل بالص راخ على
اللص والشكوى منه لن تنتهي آالمنا .إمنا تنتهي إن حصنا املكان وقمنا
عليه ح راسا أشداء.
إن لنمو التخلف آليات داخلية ال يفيد يف تغيريها الصياح على
املتلصص ،وال مساملته ،وال حماربته ،وال إصدار قوانني يف الداخل تأمر
هبذا وتعاقب على ذلك .إمنا يفيد تغري شامل يف موقفنا ،قومة عامة هبا
في االقتصاد
18
التخلف
نستعيد زمام أمرنا ،ونوجه مصرينا االقتصادي والعسكري والتارخيي وفق
إرادة مستقلة ،واعية ،منظمة ،يساندها الشعب ،ويليب نداءها.
سكن االستعمار بني ظه رانينا عاديا علينا خبيله ورجله ،ومجيع أسلحته،
حىت وطد بيننا للعش الذي فيه ولد ونشأ وترعرع التخلف .فلما انسحب
جبسمه خلف فينا آليات سلبية استمرت يف االشتغال من بعده ،مكتفيا
بإشارات من بعيد ،أو تدخالت مباشرة إن اقتضى احلال ،أو بقلب أنظمة
احلكم اليت ال حتتفظ على تلك اآلليات وعلى مقصدها .فلكي تقف
عجلة التخلف اليت تسحبنا إىل وراء وإىل حتت البد من إفساد خطة صانع
التخلف اخلارجي من وجهني :وجه االنقطاع عنه والتحرر منه ،ووجه
إعادة بناء آليات اجتماعية ،سياسية ،فكرية ،تنظيمية نفسية ،ال تعايش
للتخلف معها.
ليس التقدم الصناعي ،وال الرخاء االقتصادي ،وال الكفاءة الفكرية،
وال االستق رار السياسي ماهيات قائمة بذاهتا ،وأشياء تبتاع وتلصق بواقع
متخلف أو تلبسه كما يلبس الثوب .فمن احلكام على املسلمني من
يستورد اخل رباء واملصانع اجلاهزة واملديرين األكفاء يزرعهم يف البالد ،وينفق
كل مدخ رات املسلمني يف الصفقات اهلائلة اليت تتحلب هلا أفواه الشركات
الكربى واحلكومات الغربية .بذلك االست رياد وهذا اإلنفاق تنزرع يف بالدنا
م راكز المتصاص ما عندنا من أموال وتصديرها للخارج .تلك األموال
أصبحت لفساد وجوه إنفاقها سببا آخر لزيادة ختلفنا ،إذ فاتنا أن نركز
هبا جهدنا على حتويل اإلنسان ،وتعويده االعتماد على الذات ،وجتنيده
إلصالح الزراعة ،وتأسيس صناعة على مستوانا.
يدفع املعتوهون أموال األمة لشراء الصناعة والتقدم ممن يريدون لنا أن نبقى أبد
الدهر بقرة حلوبا هلم .وتتكدس املصانع اجلاهزة يف ديارنا .يظن بعضنا أهنا قواعد
لنهضتنا ،وما هي إال معاقل للعدو ،من قنواهتا يستعيد باليد اليسرى ،يد التاجر
احلاذق ،ما فاته انتهابة باليد األخرى يد االستعمار املباشر أو الوسيط.
في االقتصاد
19
التخلف
عجالت التخلف وآلياته اليت تنتج مزيدا من التخلف تسمى
يف اخلطاب االحتفايل الرمسي :عقلنة اجملتمع ،وعصرنة العالقات
اإلنتاجية ،واقتباس التكنولوجيا ،والتصنيع ،واإلصالح الزراعي،
والتعاون الدويل ،والقروض العاملية ،واخلرباء التقنيون ،وتراكم رأس
املال ،والنظام االقتصادي العاملي اجلديد ،والرأمسالية ،واالشرتاكية
إىل آخر قاموس االقتصاد .ويساهم املفرجنون من أبنائنا يف صياغة
نظريات النمو بنفس العقلية اليت يفكر هبا الرأمساليون واالشرتاكيون،
كل حسب انتمائه املذهيب .يصوغون نظريات خرجت من نفس
البوتقة الفكرية اليت متخضت عن آليات التخلف ،يزينوهنا بإضافات
«اخلصوصيات» القومية و«األصالة» احمللية .لكن البضاعة هي نفس
البضاعة ،يتعرف عليها أهل ذلك احلي فيصفقون لعباقرتنا يف تقليد
األسياد.
ماذا تعين عقلنة اجملتمع وعصرنة اإلنتاج والعالقات وسائر ذلك
املس َر ِد؟ إهنا إن تكن إرادة منا ،وقيادة منا ،وعقال مستنريا بنور اإلميان،
ْ
يتغري مفهومنا للعقلنة وباقي ألفاظ املسرد .أما إن جاءنا ذلك النظر
من خارج نفوسنا وعقولنا وأصولنا ،حائدا عن غاية أمتنا وأهدافها
احلالية واملستقبلة ،جاهال آالمها املاضية واملستوطنة ،فكل ما يفرغه
علينا إمنا هو ختطيط غريب عنا ،مرتبط بشركات الدراسات ،وأبناك
التمويل ،ومصاحل االحتكارات االستعمارية.
تعبئة وجهاد
مبنظار اإلميان يتجلى لنا أن القومة االقتصادية جزء ال يتجزأ من اجلهاد
الكلي ،وركيزة من ركائزه .وأن احلاجة إىل منهاج إسالمي للخروج من
ربقة التخلف ال تنفصل عن احلاجة إىل تطبيق املنهاج اإلسالمي للقومة يف
مشوليته .وأن حماربة التخلف واالنتصار يف معارك التنمية واالقتصاد قضيتان
أساسيتان للدعوة والدولة .قضيتا جهاد يقتضي أن تندمج الطليعة يف
في االقتصاد
20
التخلف
األمة ،وتتحرك األمة بكاملها ،كل يف خندق رصده للعدو ،أو ورش بنائه
للمستقبل .وإن حترك األمة يف هذا االجتاه باستقالل إرادة ،ووضوح رؤية،
ومضاء عزمية ،هلو الربهان القطعي على أن األمة بدأت زحفها اجلهادي
للخروج من ورطة املهانة واهلزمية ،والفقر واجلهل واملرض ،بقوة من ذاهتا،
ومبواهب من نفسها وجهدها.
يف مقود القافلة اإلسالمية الغادية حبول اهلل يف طريق القوة والكفاية
والعزة ،لن جتد متفرجنني مندجمني مع العدو فك را وعادة وعقيدة .لن جتد
صداقات وبطانات مع العدو .لن جتد «املسؤول» النظيف املظهر ،الكئيب
املخرب ،الذي يعيش على مواعد املؤمت رات االستع راضية ،واملآدب اليت تباع
فيها املعلومات عن فرص البلد وإمكانياته ملن يؤدي العمولة .لن جتد
زبناء اهللتون امل راقص واملفاسق ،وال رواد الندوات الوثيقة الصلة باملاسونية
والصهيونية وال رأمسالية واملخاب رات .إمنا جتد جند اهلل املعبأ خلدمة قضية
أمته املادية االقتصادية ،يعتربها عبادة جمزية عند اهلل .جند ملتحم مع األمة،
متفاعل مع مهومها ،مشارك ملعاشها آماال وآالما.
ما نسبك اإلمياين يا من تريد إخ راج شعبك من التخلف؟ إذا كنت
تنتسب فكريا وعاطفيا وعقيدة وعادة لغرينا ،فأىن لك أن حتوز ثقة األمة،
فباألحرى أن حتركها حبركتك!
نموذجهم أصل البالء
إن البالد املتخلفة ال خترج من طوق التخلف مهما ملكت من مواد
خام ،ومن أموال كسبتها من تصدير موادها ،ومن يد عاملة .ال خترج من
التخلف إن مل يتغري موقف الناس وذهنيتهم ومل يشاركوا يف صنع مصريهم.
وكل مظاهر النمو املستوردة إىل شعب مل ينهض لصنع مستقبله إمنا هي
زينة زائفة ،ورموز عن التخلف املزمن كاشفة.
في االقتصاد
21
التخلف
حتتاج دولة القرآن النموذج يف التنمية ،واإلس رتاتيجية لقيادة معارك
التنمية ،نابعني من تركيبنا اإلمياين اجلهادي املتجدد ،مستمدين من أصلنا،
واعيني بأهدافنا وغايتنا ،فطنني بالواقع العاملي وخصائص العصر ،ميكناننا
من اكتساب الوسائل العلمية ،واستعمال عوامل االقتصاد املادية واملعنوية
والبشرية بكيفية حترك الواقع لصاحلنا .ولن جند يف النموذج التائه بال غاية
من وراء مسلسل اإلنتاج واالستهالك ،وتلك اإلس رتاتيجيات القائمة على
حروب هنب الشعوب واستعباد العباد.
قال صاحبنا املهتدي رجاء جارودي« :إن أصل مشاكل العامل يف هذا
العصر ،من مشكل اجلوع إىل مشكل التسلح ومها وجهان لنفس املشكل،
إىل مشكل انعدام معىن وغاية احلياة يف الغرب ( )...إىل مشكل العنف
الفردي واجلماعي ،إىل مشكل القمع الداخلي ،إمنا هو النموذج الغريب
للنمو .مؤدى هذا النموذج أن ننتج أكثر فأكثر ،وبسرعة مت زايدة ،كل
األشياء ،بقطع النظر عن كوهنا مفيدة ،أو غري مفيدة ،أو ضارة ،أو قاتلة
مثل األسلحة النووية وغريها .وأن نفرض استهالك هذه األشياء على اجلميع
بواسطة اإلشهار والتسويق ،وباألخص بواسطة املنافسة اخلسيسة اليت يتولد
عنها التفاوت االجتماعي .يوهم هذا النموذج أن «السعادة» و»التنمية»
م رادفان «ملستوى املعيشة» ولكمية املنتوجات املستهلكة .يستغل هذا
النموذج بؤس اجلائعني وأحالمهم يف العامل ليقنعهم أن باستطاعتهم ،وأن
من واجبهم ،أن يسلكوا مسلكه ليخرجوا من بؤسهم ،ولريوا أحالمهم
تتحقق .واألرقام تدل على إفالس هذا النموذج «لسوء التنمية» ،وإفالس
«سوء إدارة الكرة األرضية» ،كما تدل على مدى الكارثة!
الفصل الثاني
التحرر من التبعية
أوربا تزحف على العامل فشل النموذج االش رتاكي استقالل اجلهاد والعمل قطع حبال اجلاهلية التعامل مع الكفار عمر بن اخلطاب واالكتفاء الذايت -املسخ الثقايف
في االقتصاد
25
التحرر من التبعية
أوربا تزحف على العالم
اكتشف األوربيون يف أواخر القرن اخلامس عشر من تارخيهم الطريق إىل
أمريكا ،وطافوا حول العامل ملتفني من خلف الكتلة اإلسالمية اليت كانت
واقفة سدا منيعا يف وجههم بقيادة دولة آل عثمان املرحومة .ونشطت
حركة األوربيني يف العامل ،فنشط اقتصادهم مبا هنبوه من أموال اهلند ،وذهب
أمريكا ،وخ ريات األرض املسلوبة.
حترك الربتغال ،واإلسبان ،واإلجنليز ،والفرنسيس ،والطليان واهلولنديون،
وبسطوا نفوذهم على مناطق شاسعة بالنار واحلديد والعساكر الغازية.
وفرض عليهم تنافسهم االستعماري على العامل أن يتقنوا فنون الصناعة
واحلرب والتجارة ،كما فرضتها عليهم املنافسة الداخلية بينهم .أما الشعوب
املسودة فقد قيدت كما تقاد األغنام ،بل كما يسوق األنعام سواق حطم،
ال يبقى وال يرحم .حدثان تارخييان يلخصان ج رائم االستعمار :قتل اهلنود
احلمر بأمريكا واستئصاهلم ،واستعباد األفارقة ليحرثوا أرضهم من بعدهم.
عش رات املاليني من سكان أمريكا األصليني املسلحني بالقوس والنشاب
حصدهتم املدافع ،وأبادهتم احلرب املنظمة ال زاحفة .ومات املاليني من األفارقة
السودان سلسلوا يف السفن القذرة ،وعذبوا ،وبيعوا ،وأهينوا ،واستعملوا
استعمال الدواب الرخيصة يف حقول القطن .على مدى مخسمائة سنة
استنزف اإلنسان األبيض املتحضر جدا ،العنصري الفاحش العنصرية،
قارات العامل من أمواهلا وخ رياهتا ورجاهلا.
وأهم ما استنزف من املستضعفني شخصيتهم ومعناهم ،فرتك هلم
وجودا مسخا بعد أن اضطرته لالنسحاب الصوري يقظة الشعوب ،وموازنة
الرعب النووي ،بعد معاهدة يالطا اليت قسمت مناطق النفوذ يف العامل بني
معسكري اجلاهلية.
في االقتصاد
26
التحرر من التبعية
ترك فينا االستعمار هذه الشخصية املسخ بعد خروج عساكره من
أرضنا .يبقى علينا أن خنرج حنن من سيطرته املعنوية املرتكزة على استم رار
نفوذه السياسي واالقتصادي واملايل والثقايف واحلضاري .الرفض اجلذري
للتبعية احلضارية والتقليد والوالء لألجنيب اجلاهلي مطلب عزيز .وأعز منه
نصر الشخصية اإلسالمية األصلية ،ونصبها مكان الصدارة يف ميادين
احلكم والتدبري ،واإلدارة واالقتصاد .رفض حضارهتم ،ومعايريها ،وأخالقها،
ونظرياهتا ،وأساليبها ،هدف شريف .وأشرف منه أن ال ننتقل من مذهب
جاهلي إىل مذهب جاهلي ،من رأمسالية إىل اش رتاكية ،بل أن نستقل بالنظر
والعمل ،باملنهاج والتطبيق ،بتحديد األهداف واستصالح الوسائل .وليس
سوى شرع اهلل القومي وص راطه املستقيم لنا مذهب.
فشل النموذج االشتراكي
إن من آفات العصر العظيم أن يغرت املستضعفون بنقد االش رتاكية
الغربية لل رأمسالية الغربية .تلك معركة داخلية بينهم ال اختالف بينهم
يف نية استعمار العامل ،إمنا االختالف على نصيب كل فريق من أسالب
العامل وعلى أسلوب استتباع الشعوب واستغالهلا .واآلفة العظمى أن يدفع
املستضعفني كره ال رأمسالية اجملرمة إىل االرمتاء يف أحضان االش رتاكية ،ظنا
أن صائغي الشعارات ومنتجي امليج هم من غري جنس جتار الكوكاكوال
ومنتجي الفانطوم.
اقرتحت االش رتاكية من لدن مولدها حىت اكتماهلا يف النظرية الشيوعية
أن حترر اإلنسان من العبودية الواقعة عليه من خالل العملية االقتصادية،
واستغالل رأس املال للعمل ،وامتصاص فائض القيمة من العامل ،وتسخري
عالقات اإلنتاج ال رأمسالية حلرمان الطبقة العاملة من وجودها ،إىل آخر ما
هنالك.
في االقتصاد
27
التحرر من التبعية
وعند التطبيق قال االش رتاكيون الشيوعيون :إنه البد يف مرحلة بناء
االش رتاكية من فرض السلطة على القوى العاملة ،ومن إخضاع العملية
االقتصادية للتخطيط ،ومن إل زام العمال بوسائل االنضباط ،واح رتام مواعيد
اخلطة ،ومعايري اإلنتاج.
ودخلت االش رتاكية خمترب التجربة التارخيي ،فماذا نتج عن تغيري منهج
ال رأمسالية احلرة يف استغالل العمال داخليا ،واستغالل الشعوب خارجيا،
مبنهج االش رتاكية اليت جاءت لتحرر العامل يف الداخل واملستعمر من
اضطهاد اخلارج؟
أمام قوانني املنافسة العاملية بني القوميات والدول القومية والشركات
الكربى ،منافسة جتارية وعسكرية ،سياسية واقتصادية ،وجدت االش رتاكية
نفسها مضطرة الستعمال نفس األسلحة اليت تستعملها ال رأمسالية .ومن
وراء ترتيب البيت داخليا الص راع على اهليمنة العاملية .وكانت االش رتاكية
الشيوعية مهيأة للص راع حبكم نشأهتا يف أحضان حزب مركز السلطة،
حمكم التنظيم ،منضبط انضباط اجليش يف ساحة القتال .فلما استوىل
احلزب على السلطة طبق على االقتصاد األساليب العسكرية ،فجند
العمال ،وعبأ التكنولوجيا كما تعبأ األسلحة ،وسرت يف الكيان االش رتاكي
الشيوعي روح اهليمنة ،مل تقف عند حدود البلد األصلي ،وال عند حدود
مناطق النفوذ يف أوربا الشرقية.
تفوقت الشيوعية على غرميتها وأختها ال رأمسالية بالرتكيز الفريد
يف التاريخ لسلطلة الدولة املطلقة الشاملة لالقتصاد ،واجليش ،واحلياة
املدنية ،والسياسية ،والقضائية ،والتشريعية .وذلك ما مكنها من تكديس
أعداد ضخمة من الصواريخ والرؤوس النووية باإلضافة لألسلحة التقليدية،
والفرق العسكرية .أعداد تفوق ما عند اخلصوم اإلخوة يف اجلانب اآلخر من
الكتلة اجلاهلية.
في االقتصاد
28
التحرر من التبعية
ليس املكان هنا للمقارنة بني النظامني ال رأمسايل واالش رتاكي ،أيهما
أكثر جدوى وفاعلية وإنتاجية يف االقتصاد ،وأيهما أنسب لسياسة
التنمية .وأيهما أضمن للرخاء .فقد سبق يف هذه الفصول التعبري عن
رفضنا املبدئي املنهاجي للنموذجني اجلاهليني معا ،والبيان ألسباب
الرفض .ويف هذا الفصل بعد حني إن شاء اهلل نبني أن حرمة تقليد الكفار
دين.
نريد هنا أن نعترب بفشل االش رتاكية يف الوفاء بوعودها النظرية فيما
يتعلق بتحرير اإلنسان والشعوب من طغيان ال رأمسالية البشعة .ونريد
لدولة القرآن بقيادة أهل القرآن أن التقسرهم الظروف الداخلية واخلارجية
على استعباد األجري ،وظلم الشعوب كما قسرت غرينا .نريد أن نتحرر
من التبعية للجاهلية حتررا يف الصورة والروح ،يف املبدإ واملنهاج ،لنقهر
األشياء بدل أن نقهر اإلنسان ،لنخضع االقتصاد لغاية حرية اإلنسان
والشعوب بدل أن خنضعه وإياها لضروراته.
ال نتصور الدولة اإلسالمية إال ومقود سفينتها يف األيدي املتوضئة.
لكن البحارة من عامة املتحركني على ظهرها ،واملشتغلني باآلالت احملركة
يف بطنها ،لكن األمواج من حواليها ،والعواصف يف أجوائها ،قد تؤثر
األثر السليب على عملية اإلقالع واملالحة يف املياه العميقة ،وقد حترف
االجتاه ال قدر اهلل ،وال حول وال قوة إال باهلل.
استقالل الجهاد والعمل
ال غىن لدولة القرآن أول عهدها عن اخلرباء ممن تربوا يف أحضان العهد
البائد ،وتغذوا باللبان املخلوطة .وأشد ما تكون دولة القرآن احتياجا
لرجال خملصني تلك اللحظات التارخيية ،حلظات التحول من مشاق
التبعية إىل االختيار املستقل.
في االقتصاد
29
التحرر من التبعية
هاهو املنهاج واضحا على الورق ،وهاهي اإلرادة الطليعية ومن خلفها
آمال األمة واستعدادها .فإن كان االختيار يف الشؤون األساسية من اختصاص
رجال هواهم مع غرينا ولو مبقدار شعرة فما يغين املنهاج النظري ،واإلرادة
احلائمة من فوق ،ومحاس العامة العاجز!
من أين تأيت برجال ختلصوا من كل الشوائب؟ إن وجدت منهم عشرة
فمن أين تأيت باملآت واآلالف من اخل رباء الضروريني لتسيري عجلة الدولة،
خاصة حمركات االقتصاد وتوازناته اليت على نشاطها وتوقفها وتعطلها
تتوقف حياة الدولة وموهتا؟
ال مناص من استعمال أهل اخلربة من أخالط الناس ال تعرف بالضبط
أين مقامهم يف مقاعد األع راب املخلفني .ال ترتكهم يرعون أنفسهم فإهنم
إىل ذاك املرعى الوبيل جتذهبم العادة ،والرتبية ،والصداقات القدمية .لكن
ضع كل واحد موضعه ،رفعه أو خفضه ،من حيث السلطة واالستقالل
بالق رار ،إميانه وسابقته يف اإلسالم وحظه من اهلل .ارفعه من حيث األجرة
والوظيفة التقنية حيث رفعته الكفاءة املهنية ،واملؤهل العلمي ،وإتقان
الشغل ،وإعطاء النتائج .ال تتجاوز بالناس أقدارهم فتعطي احلكمة غري
أهلها فتكون من اجلاهلني.
كتب األستاذ حسن البنا رمحه اهلل يصف عجز املتفرجنني عن الوفاء حبق
ال واجب اإلسالمي ،قال« :ولكن أىن حلكامنا هذا وهم مجيعا قد ت رب وا يف أحضان
األجانب ،ودان وا بفك رهتم ،على آثارهم يهرعون ،ويف مرضاهتم يتنافسون! ولعلنا ال
نكون مبالغني إذا قلنا إن الفكرة االستقاللية يف تص ريف الشؤون واألعمال ،لعلهم
مل ختطر بباهلم ،فضال عن أن تكون منهاج عملهم .لقد تقدمنا هبذه األمنية إىل
كثري من احلاكمني يف مصر ،وكان طبيعيا أن ال يكون هلذا التقدم أثر عملي .فإن
قوما فقدوا اإلسالم يف أنفسهم وبيوهتم وشؤوهنم اخلاصة والعامة ألعجز من أن
يفيضوه على غريهم ،ويتقدم وا بدعوة س واهم إليه ،وفاقد الشيء ال يعطيه .ليست
هذه مهمتهم أيها اإلخ وان ،فقد أثبتت التجارب عجزهم املطلق عن أدائها،
في االقتصاد
30
التحرر من التبعية
َّش ِء اجلديد ،فأحسنوا دعوته ،وجدوا يف تكوينه،
ولكنها مهمة هذا ال ن ْ
وعلموه استقالل النفس والقلب ،واستقالل الفكر والعقل ،واستقالل
اجلهاد والعمل ،وامألوا روحه الوثابة جبالل اإلسالم وروعة القرآن .وجندوه
حتت لواء حممد صلى اهلل عليه وسلم ورايته .وسرتون منه يف القريب احلاكم
املسلم الذي جياهد نفسه ،ويسعد غريه».
قطع حبال الجاهلية
إنه من غري املمكن أن حنسم بضربة سيف يف مادة التاريخ ،ونقول :هنا
ويف هذه اللحظة انتهى عهد الفتنة .ال ميكن أن نفك ونقطع كل ما يربطنا
مباضي الفتنة املوروثة وخملفات االستعمار ضربة الزب ،ألنه ال ميكن أن
نبدل الناس غري الناس ،والعالقات املرتتبة على مر األزمان غري العالقات،
مبجرد إعالن دولة اإلسالم .إن ربنا تبارك وتعاىل قادر على كل شيء ،ويف
قلوب األف راد ينزل سبحانه اهلداية يف حلظة تنقل الرجل من كفر إلميان،
ومن شك ليقني .لكن سنته تعاىل يف التاريخ أن ال يتم هذا االنقطاع إال
بتدرج .تأمل نشأة الدعوة احملمدية وكيف انسل اإلسالم من الكفر ،ومتيز
املؤمنون من الكافرين .وتأمل كيف بقيت فئات من الناس متأرجحني بني
كفر وإميان هم املنافقون.
وكذلك حتت الدولة اإلسالمية تشرق األيام البيضاء على جمتمعات
ألفت األع رابية املتخلفة ،وألف حكامها ،البائدون غدا بإذن اهلل ،السباحة
يف مياه النفاق ،وإالحلاد ،وعادات الكفار ،ومواصلة االستعمار ،والذنبية
ملصاحله .يأكلون كما تأكل تلك األنعام ،ويفكرون كما تفكر ،ويسلكون
يف حياهتم اخلاصة ،والعامة ،واملهنية ،والسياسية ،مثل ما تسلك.
فلو كانت التبعية اليت نريد أن نتحرر منها مادة تلمس لعاجلنا غلها
حىت نفكه من أعناقها ،لضربنا قيدها من أيدينا وأرجلنا حىت نكسره،
في االقتصاد
31
التحرر من التبعية
ولشددنا سالسلها شدا قويا حىت تنفك حلقاهتا .لكن التبعية معىن من
وراء احلضور املادي لالستعمار .من وراء كل عقل مغرب تبعية تربط صاحبه
مبدارس اجلاهلية ومذاهبها .من وراء كل طامح لبقاء سلطانه املستبد حبل
يربطه بسياسة االستعمار .من وراء هذه الطبقة املوالية ذوقا وفك را ومنط
حياة ومذهب سلوك للجاهلية تبعية تلحقها باألعداء .فيوم كانوا يف
احلكم كانوا يبيعون األمة مكتوفة األيدي للعدو ،ويوم تأخذ األمة خيارها
وطالئعها ،احلكم من تلك الطبقة اخلاسرة املخسرة فسيلجأون ملتبوعيهم،
وسيستنفرون من استطاعوا وما استطاعوا من حلفائهم ،ووسائل حلفائهم،
وأفكار حلفائهم ،ليثبتوا للناس أن التبعية هي طريق اخلالص.
سيستغلون مصاعب البدايات اليت تواجهها دولة اإلسالم لينفخوا
يف كل بوق أن مذهب اإلسالم يف االقتصاد جاء بالشدة بعد الرخاء،
وبالتقشف بعد التنعم ،وبالتشمري بعد ال راحة .وسيجدون اآلذان الصاغية
من خملفة األع راب ،العاجزين عن اجلهاد ،الكارهني للجهاد ،املرتبصني
بأهل اجلهاد.
ذلك أن قطع حبال اجلاهلية يقتضي تضحية وص ربا من جانبنا .ولن
يكون قطع تلك احلبال عملية رمزية ،كما يفعل املتفرجنون ،حيتفلون
بتدشني مشروع فيأتون مبقص للحاكم يقص به تلك الش رائط امللونة،
عالمة على تفاهة املقلدة املتفرجنني ،تفضحها مثل هذه الطقوس كما
تفضحها نكايتهم البليغة يف دماء األمة وأمواهلا ،وأع راضها وك رامتها.
إمنا قطع حبال اجلاهلية هجرة نفسية شاقة ،فطام عن الشهوات
واملألوفات ،حبيث ال نستورد بضاعة إال من الضروريات ،ال نأكل إال
ما حنرث ،ال نرهن مستقبلنا لقاء إرضاء احلاجات الرتفية اليت صنعتها
فينا معاشرة اجلاهلية .ودون هذا خرط القتاد ،دونه جهاد متدرج وصرب
في االقتصاد
32
التحرر من التبعية
طويل .قطع حبال اجلاهلية استقالل إرادي يف جتارتنا ،وماليتنا ،وصناعتنا،
وتعليمنا ،حبيث ال نلبس إال ما نسجت أيدينا ،وال نساوم على حريتنا
القتناء اجلهاز احلريب الالزم ،واجلهاز الصناعي األساسي الضروري إلقالع
اقتصادنا ،واألدوية الضرورية لصحتنا ،بل نتعامل مع غرينا ندا لند ،تعامل
أكفاء ال تابعني .تلك هجرة شاقة ،تتم يف النفوس أوال ،ويتبعها الفطام
التدرجيي عن رخاوة احلياة الطفيلية اليت تعيشها الشعوب املغلوبة اخلاملة
على مائدة الغرب .وهذا ال يعين االنع زال واالنكماش عن العامل.
من الصناعات والنشاطات االقتصادية ما هو مبين على التبعية من أول
يوم مثل السياحة .فلن يكون قطع حبال اجلاهلية إيقاف العجلة دفعة واحدة
بالنسبة لألقطار اإلسالمية اليت استثمرت فيها األموال الطائلة وحرم فيها
الشعب املستضعف من الضروري لتبىن النزل واملنتديات ويزين لل زائر األجنيب
منتوجها السياحي .وعلى هذا قس التعامل مع املؤسسات املالية العاملية،
والتبادل التجاري ،وحبل املواصالت السلكية والالسلكية واإلعالمية ،وهو
حبل غليظ ،واست رياد التكنولوجيا ،والعالقات الثنائية والدولية.
التعامل مع الكفار
سرد اإلمام ابن احلاج سبعة أسباب متنع من التعامل مع الكفار:
)1تعاملنا معهم باالجتار يعينهم على أمرهم.
)2تعاملنا معهم يضيع فرصة التعاون مع إخواننا املسلمني.
)3إهنم يستعملون املسلمني صناعا أج راء «ويف ذلك ذلة للمسلم وعزة
للكافر .فيؤمر املسلم أال يعمل عندهم».
)4إهنم ال يتحرون من النجاسات .قلت :وال من احل رام .واسأل مستوردي
اللحوم غري املذكاة.
« )5إهنم يتدينون بغش املسلمني».
في االقتصاد
33
التحرر من التبعية
« )6إهنم إذا شكروا سلعهم باحلسن واجلودة ال ميكن اإلطالع على صدقهم،
بل الغالب عكسه» .لو اطلعت سيدي على عصرنا مللئت رعبا من حروب
الدعاية ومحالت اإلشهار!
« )7ما يفعله بعضهم من رسم الصليب على باب الطاحون ويف أركاهنا».
قلت يعين رمحه اهلل أهنم يتخذون ترويج بضائعهم مطية لنشر مذهبهم.
وكتب رمحه اهلل« :وأشنع ما ارتكبه بعض الناس يف هذا الزمان معاجلة
الطبيب والكحال (طبيب العيون) الكافرين اللذين ال يرجى منهما نصح
وال خري ،بل يقطع بغشهما وأذيتهما ملن ظف را به من املسلمني ( .)...فإن
القاعدة عندهم أن من نصح منهم مسلما فقد خرج عن دينه ».
عمر بن الخطاب واالكتفاء الذاتي
«ورد أن أمري املؤمنني عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه دخل إىل السوق
يف خالفته ،فلم ير فيه يف الغالب إال النبط .فاغتم لذلك ،فلما أن اجتمع
الناس أخربهم بذلك ،وعذهلم (المهم) يف تركهم السوق .فقالوا له :إن اهلل
عز وجل قد أغنانا عن األسواق مبا فتح به علينا .فقال رضي اهلل عنه« :لئن
فعلتم ليحتاجن رجالكم إىل رجاهلم ونساؤكم إىل نسائهم!» وقد كان
بعض السلف إذا رأى النبط يقرؤون العلم يبكي إذ ذاك ،وما ذاك إال أن
العلم إذا وقع لغري أهله يدخله من املفاسد ما أنت ت راه».
تأمل رمحك اهلل غم عمر ،وبكاء السلف على ضياع العلم واخلربة من
األمة .وقم لتجاهد أسباب التبعية.
المسخ الثقافي
روى ابن ماجة يف سننه عن أيب واقد قال« :ملا قدم معاذ بن
جبل من الشام سجد لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم .فقال رسول
في االقتصاد
34
التحرر من التبعية
اهلل صلى اهلل عليه وسلم :ما هذا؟ فقال :يا رسول اهلل! قدمت الشام
فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأسقافهم ،فرأيت أنك أوىل بذلك.
فقال :ال تفعل! فإين لو أمرت أحدا يسجد ألحد ألمرت املرأة أن
تسجد لزوجها .ال تؤدى املرأة حق رهبا حىت تؤدي حق زوجها .حىت
لو سأهلا نفسها وهي على قتب (برذعة اجلمل) مل متنعه».
من مداخل الكفر والتبعية علينا تقليدنا هلم وتشبهنا هبم ،واهن زامنا
أمام إرهاهبم الفكري ،وليس عن امل رأة نتحدث هنا .عن امل رأة حتدثنا يف
كتاب غري هذا ،هو كتاب «تنوير املؤمنات».
قال ابن احلاج معلقا على هذا احلديث« :يؤخذ منها (من قصة معاذ)
من الفوائد النفيسة التحرر من خمالطة أهل الكتاب ،والبعد عنهم إذ
أن النفوس متيل غالبا إىل ما يكثر ترداده عليها .ومن هاهنا واهلل أعلم
كثر التخليط على بعض الناس يف هذا الزمان ،جملاورهتم وخمالطتهم لقبط
النصارى ،مع قلة العلم والتعلم يف الغالب .فأنست نفوسهم بعوائد من
خالطوه ،فنشأ من ذلك الفساد .وهو أهنم وضعوا تلك العوائد اليت أنست
هبا نفوسهم موضع السنن».
ينعي عالمتنا رمحه اهلل بدع التشبه اليت كانت تتناول أط راف السلوك،
وتناوش العقيدة من بعيد ،وتعطل سنة من هنا وسنة من هناك .أما املسخ
الثقايف الذي نعاين منه يف زماننا فهم تشرب يف األعماق لشخصية الكفار،
وأفكارهم ،وعقائدهم ،ومذاهبهم ،وعاداهتم ،نطعمها مع القمح املستورد،
والبضاعة الرتفية ،والكتب واجملالت ،ويف املدارس واجلامعات ،ويف األسر
وعلى قارعة الطريق .فإحياء سنة املصطفى صلى اهلل عليه وسلم يقتضي
إعالن حرب شعواء شاملة على القردية.
ذكر احلافظ ابن حجر أنه تتبع األحاديث الناهية عن التشبه
بالكفار ،فأحصى منها أزيد من ثالثني حديثا .وأفرد احملدثون تآليف يف
في االقتصاد
35
التحرر من التبعية
املوضوع ،منهم احلافظ أمحد بن الصديق رمحه اهلل .وبني يدي كتابه بعنوان
«كتاب االستنفار لغزو التشبه بالكفار» .كتاب يدل على مضمونه عنوانه
الذي يشبه نداء احلرب .أورد فيه رمحه اهلل نيفا ومائة حديث يف املوضوع.
بني استنادا على آيات وأحاديث نبوية كيف حيب الكفار أن خيرجونا عن
ديننا ،وكيف حيرم علينا اتباع أهوائهم ،ومواالهتم ،والركون إليهم ،واختاذ
البطانة والصداقة منهم .وجاء بأحاديث تثبت أن من تشبه بالكفار فهو
منهم ،وأخرى متنع تقليدهم يف العادات ،والعبادات ،والعقائد ،واألفكار،
واألعياد ،والشعارات ،واللباس ،واهليئة ،والزينة ،واآلداب االجتماعية.
الفصل الثالث
األموال
وال تؤتوا السفهاء أموالكم املال هلل شروط االنتفاع لو استقبلت من أمري... موارد الدولة اإلسالمية الزكاة والصدقة أخذ العفو مصارف املال -وظائف العبد يف ماله
في االقتصا د
39
وال تؤتوا السفهاء أموالكم
األموال
إن من أهم مسات هذا الزمان ،بل أهم مساته ،طغيان املادة ،وأسبقية
االقتصاد ،وأثره يف حياة األمم .واملال هو حمور كل ذلك .امتالكه وصرفه،
استثماره وتعبئته .هو وصمة العار يف يد الغين املستكرب بغناه ،وأداة ظلم
الفقري املنهوب ،والعامل املسلوب .ملكية املال تُ َك تِّ ل الطبقات :األقوياء
األغنياء من جانب ،واحملرومون احملكومون من جانب .ملكية املال حتدد
العالقات بني العامل الذي ال ميلك إال كدح هناره وبؤس لياليه ،واملالك
الذي يوفر له املال سعة احلال ،ويفتح عليه أبواب كل شيء.
ِسَ ةُ العصر اليت تطبع العالقات البشرية هي عالقة امللكية بالعمل.
وعلى حل مشاكل هذه العالقة يتوقف جناح اخلروج من التخلف والظلم
االجتماعي ،ومن مث متانة القواعد املادية اليت تبىن عليها الدول ،وتؤسس
عليها األجماد.
مادة التبعية لألجنيب ،ومدار الص راع بني املستعمرين ،ورهان مسابقتهم
إىل احتالل أرضنا وعقولنا وحياتنا ،وواسطة متركزهم يف اقتصادنا وسياستنا
هي متلك املال وما يثمنه املال من خ ريات األرض .فما يتأتى لنا االنفكاك
من التبعية ،واإلفالت من قبضة االستعمار ،وأبشع وجوهه امل راباة اليهودية
العاملية ،إال حبل مشاكل املال داخليا ،لنقوى على االستقالل اخلارجي.
كأن هذا املال يف عصرنا أصبح حية تسعى :نقدا متموجا ،قروضا
ختنق ،مدخ رات يف األبناك تتضخم وتنساب ،رأس مال يتصرف يف مصائر
الشعوب .جاء يف احلديث الشريف أن البخيل الذي يكنز ماله ،وال ينفقه
يف سبيل اهلل ،وال يؤيت زكاته ،يبعث ماله يوم القيامة على صورة شجاع
أقرع له زبيبتان يعذب به البخيل .تلك الروح الثعبانية تتجلى اليوم يف
رأس املال هنا يف الدنيا بعد أن أصبح املال كائنا نشيطا متحركا فتاكا.
في االقتصا د
40
األموال
فما وجه املعاملة مع هذا الثعبان يف دولة القرآن؟
إن تأصيل الفقه يف هذا امليدان ملن أهم ما نفتقر إليه .وإن قيام
الدولة اإلسالمية وبقاءها على قيد احلياة ،بعد القومة وإبطال الباطل ،رهن
بسالمة اقتصادها وقوته .وهذان رهن بسالمة وجوه التملك ،ومطابقة
التملك والتصرف يف األموال لروح الشريعة.
ملعرفة األصل الشرعي يف كل هذا نق رأ آية من كتاب اهلل عز وجل
جامعة تعطينا شطر اجلواب عن سؤال :ملن هذا املال؟ ويف عنوان بعد هذا
إن شاء اهلل نق رأ من كتاب اهلل الشطر الثاين للجواب.
الس َف َه اء أ َْم َوالَ ُك ُم الَّ تِ ي َج َع َل ال لّ هُ لَ ُك ْم
{والَ تـُ ْؤتُواْ ُّ
قال اهلل عز وجلَ :
قِ ي ام اً وار ُزقُ وه م فِ
وه ْم َوقُ ولُ واْ لَ ُه ْم قـَ ْوالً َّم ْع ُروف اً} (النساء)5 ،
ك
ا
و
ا
يه
ْ
س ُ
َ
َ َْ ُْ
َ
ُ
نزلت هذه اآلية الكرمية يف حق اليتامى حتت كفالة الوصي وحجره.
أمرنا أال ندفع إليهم أموالنا ماداموا سفهاء مل يبلغوا الرشد.
نبدأ بتأمل املدلوالت اللفظية لآلية ،مث ننظر بعدئذ يف املدى التشريعي
الذي تغطيه اآلية استنباطا .األمر يف اآلية موجه للذين آمنوا كما هو
الشأن دائما يف خطاب التكليف .ال تؤتوا يا أمة اإلسالم .فاخلطاب عام
على أصله .مث إن األموال نسبت إلينا عامة ال إىل السفهاء احملجورين .هي
أموالنا ،وهي لنا قيم ،جعلها اهلل لنا كذلك ،وقد قرئت «قيما» مجع قيمة،
كما قرئت «قياما» مصدر قام ،فاألموال قيمة حياتنا املادية وبه قيامنا أي
قوتنا ،والسفيه لغة اخلفيف.
بعد هذا نق رأ مع مفسرين معاين اآلية وأحكامها ،ونتطلع معهم إىل
اآلفاق التشريعية اليت تفتحها لنا .نق رأ مع فقيه من القرن السادس هو
في االقتصا د
41
األموال
القاضي ابن العريب ،ومع حمدث من القرن الثامن هو احلافظ عماد الدين
ابن كثري ،رمحهما اهلل تعاىل.
قال ابن العريب رمحه اهلل« :اختلف يف هذه اإلضافة (إضافة األموال إلينا
يف قوله تعاىل :أموالكم) على قولني :أحدمها أهنا حقيقة ،وامل راد هني الرجل
أو املكلف أن يؤيت ماله سفهاء أوالده فيضيعوه ويرجعوا عياال عليه .والثاين
أن امل راد هني األولياء عن إيتاء السفهاء من أمواهلم وإضافتها إىل األولياء.
ألن األموال مشرتكة بني اخللق ،تنتقل من يد إىل يد ،وخترج من ملك إىل
س ُك ْم} (النساء )29 ،معناه
ملك .وهذا كقوله تعاىلَ :
{والَ تـَ ْق تـُلُ واْ أَن ُف َ
ال يقتل بعضكم بعضا ،فيقتل القاتل ،فيكون قد قتل نفسه .وكذلك إذا
أعطى املال سفيها فأفسده رجع النقصان إىل الكل».
املقالة الثانية اليت رواها اإلمام القاضي يف إضافة األموال للجماعة
ومنع إعطائها السفهاء ،ال ختصص األيتام حتت احلجر باحلكم ،بل تعممه.
ال تقيد احلكم مبعاملة األيتام حسب شرط الرشد وارتفاع السفه ،بل تطلقه
على كل سفيه خفيف الذمة ،عاجز عن صيانة هذا املال الذي يرجع
تضييعه بالنقصان على الكل.
وقال احلافظ ابن كثري رمحه اهلل« :ينهى سبحانه وتعاىل عن متكني
السفهاء من التصرف يف األموال اليت جعلها اهلل للناس قياما ،أي تقوم هبا
معايشهم من التجارات وغريها .ومن هاهنا يؤخذ احلجر على السفهاء.
وهم أقسام :فتارة يكون احلجر للصغر ،فإن الصغري مسلوب العبارة .وتارة
يكون احلجر للجنون ،وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين .وتارة
للفلس وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها».
هنا يتضح لنا إىل أي حد ميكن أن نستنطق النصوص لتجيب عن
حاجاتنا التشريعية .فاألموال لنا وهبا قيامنا ،واحلجر ،أي املنع من التصرف،
يكون إما لصغر السفيه ،أو جلنونه ،أو لسوء تدبريه ،أو إلفالسه .فإذا
في االقتصا د
42
األموال
اجتمعت أكثر من علة بأن كان املالك مبذ را ،وكان رأس املال يف يد
األغنياء دولة به يستعبدون العامل ويستحوذون على األرزاق ،وكان سوء
التدبري وإفالس الرأي يدفع املالك ليقامر بأموال املسلمني ،وينفقها يف
وجوه ال ترجع على اخلري باملالك األرضي للمال ،وهي األمة ،فمنع هذا
السفيه ،ومجاعة السفهاء ،وطبقة السفهاء ،من التصرف واجب شرعي.
ويتضح لنا أن علة احلجر اليت حيكم هبا القاضي يف النوازل الشخصية
بأن هذا الصغري أو اجملنون أو سيء التدبري أو املفلس سفيه ميكن ،بل
جيب ،أن تعترب علة اجتماعية اقتصادية سياسية موجبة ملنع كل من
يبدو منه سفه من التصرف يف أموال املسلمني ،ولو كان العرف والقانون
حيكم بأهنا أمواله .وإال «رجع النقصان على الكل» كما قال القاضي
آنفا.
المال هلل
وه م ِّم ن َّم ِ
ال ال لَّ ِه الَّ ِذي آتَا ُك ْم} (النور،)33 ،
{وآتُ ُ
قال اهلل تعاىلَ :
فنسب املال إىل نفسه عز وجل .وقال عز من قائلِ :
{آم نُ وا بِ ال لَّ ِه
ورس ولِ ِه وأ ِ
َنف ُق وا ِم َّم ا ج ع لَ ُك م ُّم س تَ ْخ لَ ِف ين فِ ِ
يه} (احلديد ،)7 ،فجعل
َ
َ
ْ
ََُ َ
َ
سبحانه عالقتنا مبا حولنا من أموال عالقة استخالف ونيابة عن املالك
احلقيقي .وهو اهلل ال إله إال هو الغين احلميد.
هذا أصل عظيم يعطي للملكية يف اإلسالم مفهوما يناسب العبودية
هلل تعاىل ،عبودية اإلنسان الصائر إىل ربه ،العابر من دنياه آلخرته ،جعل
له املال زادا يتبلغ به إلح راز أسباب معاشه ،ومل جيعل هو للمال ،ميلكه
املال ويستحوذ فكره ونفسه.
في االقتصا د
43
األموال
واالستخالف اإلهلي لنا على املال يقيدنا بشرط املالك ،بأمره وهنيه.
فال وجود حلق مع اإلخالل بالشرط .وال حرمة شرعية مللكية ال تتقيد مبا
حده اهلل هبا من أحكام.
إن املذهب االقتصادي االجتماعي السياسي يتحدد مبوقفه من التناقض
بني املالك وغري املالك ،بني األجري وصاحب الشغل .يرتكز املذهب ال رأمسايل
على حرية التملك ،تلك احلرية اليت ال تعرف حدودا ،أوال تكاد تعرف ألن
ظروف االقتصاد املعقد فرضت على الل ربالية ال رأمسالية تقييد بعض حريات
رأس املال .ويرتكز املذهب االش رتاكي الشيوعي على امللكية اجلماعية اليت
يعتربها شرطا علميا حملو الطبقية وإخضاع االقتصاد للتخطيط املنظم.
تقييد هنا للملكية الفردية ،بل نفي هلا وإعدام .وتثبيت هلا هناك ،ومتكني
وطغيان .املذهب الشيوعي يسلط احلاكم على املال ،ويسلط مالك املال
على الدنيا املذهب اجلاهلي اآلخر.
وإن مها إال وجهان للطغيان نفسه :سياسة حتكم االقتصاد ،أو اقتصاد
حيكم السياسة.
ما أقام العدل بني الناس ال ذلك املذهب اجلاهلي وال هذا .والعدل هو
هدف تقنني امللكية ،فمن نتائج قوانينهم ترى فساد تلك املذاهب :طبقية
رأس املال ال يبزها شناعة إال الطبقية اجلديدة يف األنظمة االش رتاكية.
فساد حلقنا بالتنكري ملبدإ العدل ،وبتغيري طبيعة امللكية كما حدها
مالك امللك سبحانه .الشريعة عدل كلها ،فإذا فقد فينا العدل ،وطغى
املال ،وتكرب األغنياء ،واستضعفوا الناس ،فلفقدان األصل القرآين يف تشريعنا
املستحدث املوضوع بالعرف والقانون.
وبالرجوع إىل الشريعة ،وحماربة ما أحدثه العرف والقانون
الوضعي ،وغلبة األقوياء واملاكرين على املال ،نسرتد قوام العدل
في االقتصا د
44
األموال
وهو استقامة امللكية على شرط املستخلف ،يف حدود أمره وهنيه،
سبحانه ال إله إال هو .هذه احلدود اإلهلية ال تضع ومسا على جبهة
املال مييز امللكية الفردية عن امللكية اجلماعية .بل حتبس املال يف
نطاق االنتفاع الذي حتصله األمة منه .فهو مال اهلل أساسا ،ومال
األمة استخالفا ،ومال زيد أو عمرو انتفاعا مؤقتا مشروطا بأال يضر
امتالك الفرد مبنافع األمة.
عرف الشيخ أمحد ويل اهلل الدهلوي رمحه اهلل امللكية بقوله« :الكل مال
اهلل ،ليس فيه حق ألحد يف احلقيقة .لكن اهلل تعاىل ملا أباح هلم االنتفاع
باألرض وما فيها ،وقعت املشاحة (أي الن زاع) .فكان احلكم حينئذ أن ال
يهيج (يطرد) أحد مما سبق إليه من غري مضارة .فاألرض امليتة اليت ليست
يف البالد وال يف فنائها (أي اخلارجة عن القرية واملدينة السكنية) إذا عمرها
رجل فقد سبقت يده إليها من غري مضارة .فمن حكمه أال يهيج عنها.
واألرض كلها يف احلقيقة مبنزلة مسجد أو رباط جعل وقفا على أبناء السبيل
وهم شركاء فيه ،فيقدم األسبق فاألسبق .ومعىن امللك يف حق اآلدمي كونه
أحق باالنتفاع من غريه».
شروط االنتفاع
ختضع الشريعة سلوك الفرد واجلماعة والدولة يف ميدان املال والنشاط
االقتصادي لنفس الضوابط األخالقية اليت تفرضها عليهم يف سائر أوجه
احلياة .وحمور هذه الضوابط الشرعية العدل ،وامتداده وهو اإلحسان.
فتحصيل املنفعة ،وأداء هذه الوظيفة االجتماعية ،شرط مشروط على املالك
الفردي .والسعي لتعميم املنفعة والتعاون على أداء تلك الوظيفة شرط
مشروط على اجلماعة .وم راقبة العملية االقتصادية للتعريف مبا هو نافع،
وختطيط كيفية االنتفاع ،والسهر على أن تؤدى وظيفة املال االجتماعية،
شرط مشروط على الدولة.
في االقتصا د
45
األموال
من القيود اليت تضعها الشريعة على التملك والتصرف ،وختول
للجماعة حق وواجب قمع من حترر منها ،وختول للدولة حق وواجب
حجره ومنعه من التصرف وتعزيره وإقامة احلد عليه ،حترمي اخلمر ،والقمار،
والربا ،والفسق ،والتبذير ،واجملون ،والرشوة ،والرتف ،والسرقة ،والغش،
والفساد يف األرض ،والبخل ،وما إليها.
إن للمال يف النظام اإلسالمي أحكاما تعطي مذهبنا االقتصادي أصالته
واستقالله وذاتيته املتميزة عن النظم البشرية .متميز مذهبنا يف موارد املال
ومصارفه ،يف تقييده حلرية الفرد بشرط العدل االجتماعي ،يف تركيزه تداول
املال على التكافل والتعاون واإلنفاق والبذل ،ال على التكاثر والتفاخر
والكنز.
وبكل هذا يكسب النظام االقتصادي اإلسالمي مقومات أصلية تؤهله
ليخوض غمار املعركة املصريية ،جنبا إىل جنب مع النظم البشرية غري تابع
هلا ،وال تلميذ ،وال مندمج .ريثما يظهر املستقبل على حمك التجربة تفوق
شرع اهلل على قوانني البشر .أستغفر اهلل العظيم من مقارنة شرع اخلالق
باجتهاد املخلوقات.
أما بعد ،فهذا النظام اإلسالمي ،الواضح املعامل يف النصوص ملن حيسن
استنطاقها ،العلي األحكام ملن حيسن استنباطها ،ال ي زال مشروعا كامنا
يف قلوب املؤمنني وعقوهلم .وعلى دولة القرآن أن ترفعه إىل حيث رفعه اهلل،
وأن تسوي الوضع املعوج على نسقه ،وأن حتكم منطقه يف سياق احلركة
االقتصادية رجوعا هبا إىل املعىن من هتافت املادية ،وإىل غاية العدل واإلحسان
من هوس التكاثر ،وإىل أهداف القوة والكفاية وكفالة املستضعفني يف
األرض من أنانية االستكبار والطبقية واألثرة.
في االقتصا د
46
األموال
لو استقبلت من أمري...
ما هو عالج التفاوت الفاحش بني الطبقات؟ وما هي القوانني اليت
ميكن استنباطها من أصولنا إليقاف جنون النمو غري املتوازن الذي مبقتضاه
يزداد األغنياء غىن والفق راء فق را؟ هل هناك إج راء أخري هنائي ميكن لإلمام
أن يتخذه لضرب استغالل النفوذ وغريه من اجل رائم االقتصادية؟ هل جيوز
لإلمام ،أي للدولة اإلسالمية ،أن تأخذ من األغنياء وتعطي الفق راء إلقامة
مي زان العدل عندما ال تؤدي آليات توزيع الثروة األساسية وظيفتها مثل
آليات الزكاة ،والض رائب ،والصدقات ،والنفقات ،والنفقات اجلهادية
الواجبة عندما يدهم العدو؟
بعد آية سورة النساء اليت تعطينا حق احلجر على السفهاء ومنعهم
من التصرف يف أموالنا ،جند حديثا شريفا رواه اإلمام مسلم عن أيب سعيد
اخلدري قال« :بينما حنن يف سفر ،إذ جاء رجل على راحلة له ،فجعل
يصرف بصره ميينا ومشاال .فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم« :من كان
له فضل ظهر (أي دابة تركب زائدة على حاجته) فليعد به على من ال ظهر
له .ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من ال زاد له» ،فذكر من أصناف
املال ما ذكره ،حىت رأينا أنه ال حق ألحد يف فضل».
يف تلك الظروف ،ظروف السفر اجلهادي ،صدر األمر الشريف بالقسمة.
مل يكن هذا األمر من باب احلث على الصدقة بل كان تشريعا حلالة يكون
هلذا مال زائد عن احلاجة ويقلب ذاك بصره ميينا ومشاال من اخلصاصة .كان
الصحابة أبصر الناس مبقاصد الشريعة وبأساليب املصطفى صلى اهلل عليه
وسلم يف توجيه اخلطاب ،وقد ظنوا عند صدور األمر أن ال حق ألحد يف
فضل مع وجود حمتاج.
هذا احلديث الشريف يلتحق بآية إضافة األموال إىل األمة،
وينعطف على صورة قانون تطبيقي إىل حكمة التمليك األصلية
في االقتصا د
47
األموال
وهي استخالف اهلل عز وجل إيانا يف ماله لكي ننفقه« :وأ ِ
َنف ُق وا ِم َّم ا
َ
ج ع لَ ُك م ُّم س تَ ْخ لَ ِ
ين فِ يه» (الحديد.)7 ،
ف
ََ
ْ
َ
ال ينبغي لإلمام أن يقف مكتوف اليدين أمام تفاحش املي زان ،ال
ينبغي أن يكتفي جبمع األغنياء فيعظهم باآليات الواردة يف وعيد من
يكنز ويبخل وال ينفق ،وإن كان الوعظ من وظائفه بصفته رجل دعوة.
لديه أصل تشريعي يف إنفاق الفضول ثابت بالسنة ،وأصل تشريعي مقرر
يف القرآن يف شأن احلجر على السفهاء .عرب أبو سعيد رضي اهلل عنه
بشعوره أن األمر الشريف ببذل الفضول ملزم بقوله« :حىت ظننا أن ال
حق ألحد يف فضل» .وفهم أبو ذر رضي اهلل عنه الوعيد على االكتناز
فهما واسعا فجاهد رضي اهلل عنه ليخرج األغنياء أمواهلم إىل الفق راء ،غري
مكتف بالزكاة املفروضة.
أما عمر الفاروق رضي اهلل عنه ،وسننه من سنة املصطفى صلى اهلل
عليه وسلم ،فقد اختذ عزمة يف آخر أيامه تركها لنا وصية هبذا الصدد.
وهي تؤكد ظن أيب سعيد ،وفهم أيب ذر ،وتسري مع روح الشريعة وهي
عدل كلها .روى الطربي أن عمر رضي اهلل عنه قال« :لو استقبلت من
أمري ما استدبرت ألخذت فضول أموال األغنياء ،فقسمتها على فق راء
املهاجرين».
وروى أبو عبيد بن سالم عن عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه أنه كان
يف وصيته عند موته :أن يؤخذ من حواشي (فضول) أموال أغنياء األع راب
فريد على فق رائهم.
وكتاب األموال هذا كنز من اآلثار الصرحية يف قصد النيب صلى اهلل
عليه وسلم وقصد أصحابه إلقامة مي زان العدل بالقسط ،وقصد خلفائه
ال راشدين عليهم رضوان اهلل.
في االقتصا د
48
األموال
ال يعد نزع امللكية يف إطار بذل الفضول تعديا على امللكية الفردية،
وإمنا هو إرجاعها إىل شرط االستخالف ،وإىل كون األموال لنا معشر
األمة قبل أن تكون لفالن وفالن .فمن راعى شرط االستخالف وكانت
أمواله قياما لألمة ال سندا لطغيانه ،بأن ساهم يف رعاية ثروة األمة وحسن
قسمتها حىت ال يكون حمتاج ذو خصاصة يصرف بصره ميينا ومشاال يف
أصحاب الفضول والتخمة حوله ،فال سبيل عليه .بل تكرم دولة القرآن
كل متمول مستثمر ملاله وجهده وذكائه وحيلته وحوله إلمناء ثروة البالد
وتصنيعها وإغنائها.
روى ابن القيم من مذهب اإلمام أمحد« :أن قوما إذا اضطروا إىل السكن
يف بيت إنسان ،ال جيدون سواه ،أو النزول يف خان مملوك ،أو استعارة ثياب
يستدفئون هبا ،أو رحى للطحن ،أو دلو لنزع املاء ،أو قدر أو فأس أو غري
ذلك وجب على صاحبه بذله بال ن زاع».
نِ ْع َم االجتهاد هذا الذي جيعل ضروريات املعاش ووسائل اإلنتاج حقا
مشاعا لألمة استنادا إىل أصل بذل الفضول! نعم واهلل!
موارد الدولة اإلسالمية
قال اهلل تعاىل{ :والَّ ِذين فِ ي أَم والِ
للس ائِ
ِ
ِ
ٌّ
ْم ْح ُروم}
ل
ا
و
ل
وم
ل
ع
م
ق
ح
م
ه
ُ
َّ
َّ
ْ
ٌ
َ
َْ ْ
َ َ
َ َ
(املعارج .)25-24 ،احلق املعلوم املفروض باملقدار والوزن والكيل والتوقيت
هو الزكاة ،وسنرجع إليها إن شاء اهلل بعد قليل .لكن هنالك حقا غري الزكاة
يف األموال ،هنالك مصادر لتمويل حاجات الدولة اإلسالمية ،وتزويدها
بالوسائل املالئمة لطموحها .من احلاجات الضرورية إلنتاج ما به قوام احلياة
اليومية للمسلمني ،واإلنفاق على اجليش ،وصناعة السالح ،وسد الثغور.
ومن أهداف الطموح اإلسالمي التحرر من التبعية االقتصادية لألجانب،
في االقتصا د
49
األموال
واالستقالل املايل ،والتقين ،والعلمي ،وبسط يد املعاونة ملستضعفي األرض،
وبناء اقتصاد الكفاية والقوة ،والتوسعة على املسلمني يف معاشهم وصحتهم
وسكنهم .وكل ذلك يطلب أمواال قد ال تكفي فيها الزكاة ،وقد تكون
الدولة اإلسالمية القطرية السابقة للتحرر ال تتوفر على موارد منجمية
كالنفط أو زراعية ،وال مدخر لديها وال رصيد.
فلمواجهة الضرورات واقتناء وسائل الطموح املالية يضاف إىل احلق
املعلوم وهو الزكاة ،احلقوق األخرى يف املال ،املتفرعة عن قاعدة بذل
الفضول .وهي قاعدة صاغها فقهاؤنا يف قوهلم« :إذا احتاج املسلمون فال
مال ألحد».
يف كتب الفقه أحكام ختص موارد الدولة اإلسالمية كانت تعكس
حالة تارخيية ،السيادة فيها لإلسالم .وذكرها هنا إمنا هو من قبيل التاريخ
ألن حاضرنا املهزوم ال يعطينا تلك السيادة املنوط هبا استخالص أموال
مثل اخل راج واجلزية ،والفيء.
مصادر أخرى مثل العشور ،أي اجلمارك ،واملصادرات املشروعة مثل
تضعيف مقدار الزكاة على مانعها تعزي را له ،ومحى األرض اخلاصة وضمها
ملال الدولة ،والتعزي رات املالية اليت تبلغ أقصاها يف حالة حجر السفيه
باملعىن املوسع هلذا احلجر ،والركاز وهو مخس املعادن ،وريع املؤسسات
احلكومية من معامل ومصاحل عامة كاملاء والكهرباء.
فإذا احتاج املسلمون بعد الزكاة وبعد هذه املوارد ،فلإلمام أن يفرض
ض رائب على قدر احلاجة ،ولو استغرق ذلك كل الفضول اخلاصة .وإن
اعتبار قيام دولة اإلسالم وجناحها جهادا واجبا يلحق النفقة من أجل
قيامها وجناحها بالنفقة إذا داهم العدو وتعرضت ديار اإلسالم للخطر.
وما كنا ندندن يف هذه الفصول إال حول اخلطر احملدق بنا وحول وجوب
في االقتصا د
50
األموال
اجلهاد ،وقوامه املادي اجلهاد باملال .وإن محاية دولة اإلسالم مسألة حياة أو
موت بالنسبة لألمة.
قال اإلمام الشاطيب رمحه اهلل« :إذا قررنا إماما مطاعا مفتق راً إىل تكثري
اجلنود لسد الثغور ومحاية امللك املتسع األقطار ،وخال بيت املال ،وارتفعت
حاجات اجلند إىل ما ال يكفيهم ،فلإلمام إذا كان عدال أن يوظف على
األغنياء ما ي راه كافيا هلم يف احلال إىل أن يظهر مال بيت املال .مث إليه
النظر يف توظيف ذلك على الغالت والثمار وغري ذلك (هذا ما يسمى
بلسان العصر ض رائب ( )...وإمنا مل ينقل مثل هذا عن األولني التساع
مال بيت املال يف زماهنم .خبالف زماننا ،فإن القضية فيه أخرى ،ووجه
املصلحة هنا ظاهر .فإنه لو مل يفعل اإلمام ذلك النظام بطلت شوكة اإلمام
(نرتجم :إن مل يفعل أخفقت القومة وسقطت الدولة) ،وصارت ديارنا
عرضة الستيالء الكفار .وإمنا نظام ذلك كله شوكة اإلمام بعدله .فالذين
حيذرون من الدواهي ،لو تنقطع عنهم الشوكة ،يستحقرون باإلضافة إليها
أمواهلم كلها ،فضال عن اليسري منها .فإذا عورض هذا الضرر العظيم
(ضرر سقوط الدولة) بالضرر الالحق هلم بأخذ البعض من أمواهلم ،فال
يتمارى يف ترجيح الثاين عن األول .وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل
النظر يف الشواهد».
هلل دره من إمام! انظر كيف نفذ ببصره الثاقب إىل املصلحة احليوية
لألمة ومل يقف عند الفروع التشريعية املقيدة بالشواهد ،القاصرة ،بالتفافها
حول النوازل الشخصية ،عن رؤية النازلة العظمى اليت حتل باألمة ويكون
املال ،بذله بعضا أو كال ،هو احلل الوحيد .وتأمل كيف أشار إىل أن
املسلمني يعطون عن طيب خاطر بعض أمواهلم ،بل كلها ،إذا حتققوا أن
الدولة اإلسالمية تعدل وال تظلم ،وإذا حتققوا أن بقاءها خري هلم وأصلح
من زواهلا ،حىت ولو أخذت أمواهلم.
في االقتصا د
51
األموال
ونرتجم هذه الفكرة إىل لسان العصر فنقول واهلل املستعان :إن إقامة
دولة اإلسالم تقتضي تضحيات يشارك فيها اجلميع .فعلى اإلمام أن يوزع
التضحيات على كل أصناف األمة ،وأن يعدل يف األخذ كما يعدل يف
العطاء ،وأن يفتح لألمة باب األمل يف مستقبل العز ألمتهم ،وأن يرفع
مهمهم عن خسة احلسابات البخيلة إىل أوج التعامل مع اهلل والغرية على
دين اهلل.
قال الشاطيب رمحه اهلل بعدما سبق ،يعزز فريضة اجلهاد باملال بفريضة
اجلهاد بالنفس« :ولو وطئ الكفار أرض اإلسالم لوجب القيام بالنصرة ،وإذا
دعاهم اإلمام وجبت اإلجابة .وفيه إتعاب النفوس وتعريضها إىل اهللكة،
زيادة إىل إنفاق املال .وليس ذلك إال حلماية الدين ،ومصلحة املسلمني».
األرض موطوءة يا صاح ،بل مغصوبة ،والدين يستغيث ،ومصلحة
املسلمني ضائعة ،فيا إمام مىت نداؤك يلىب ،مىت تسمع األمة أنة املعذبني،
وهلفة املستضعفني ،مىت يكون شعار «اهلل أكرب» عزمة جهادية هتون معها
األنفس واألموال ،ال جمرد مجلة تالك!
الزكاة والصدقة
قال اهلل عز وجل{ :إِ َّن ال لّ هَ ي أْم ر بِ الْع ْد ِل وا ِإلح س ِ
ان َوإِيتَ اء ِذي الْ ُق ْربَ ى
َ ُُ َ َ ْ َ
ْم ن َك ِر َوالْبـَغْ ِي يَ ِع ظُ ُك ْم لَ َع لَّ ُك ْم تَ َذ َّك ُرون}(النحل،
َويـَنـْ َه ى َع ِن الْ َف ْح َ
ش اء َوال ُ
.)90يتبع اإلحسان العدل كما تتبع النافلة الفرض .وتتبع صدقة التطوع الزكاة
ال واجبة ،تكملها وتسد ح واشي احلاجة .فإذا كفت الزكاة إلقامة العدل ،وهو
في االقتصا د
52
األموال
احلد األدىن من قسمة األرزاق ،وإال تأكد اإلحسان ،واقرتبت درجة التطوع
من درجة اإلل زام.
ويعم لفظ «الصدقة» الزكاة الواجبة والتصدق التطوعي .قال اهلل تعاىل
ِ
ِ
ص َدقَ ةً
لنبيه صلى اهلل عليه وسلم ولويل األمر من بعدهُ { :خ ْذ م ْن أ َْم َوال ِه ْم َ
يع
ص الَتَ َ
ك َس َك ٌن لَّ ُه ْم َوال لّ هُ َس ِم ٌ
ص ِّل َع لَ ْي ِه ْم إِ َّن َ
تُطَ ِّه ُر ُه ْم َوتـُ َزِّك ي ِه م بِ َه ا َو َ
ِ
يم}(التوبة .)103 ،قال ال راغب اإلصفهاين رمحه اهلل« :الصدقة ما خيرجه
َع ل ٌ
اإلنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة .لكن الصدقة يف األصل تقال
للمتطوع به والزكاة للواجب .وقد يسمى الواجب صدقة إذا حترى صاحبها
الصدقة يف فعله».
الصدقة املأخذوة من أغنياء األمة ،املردودة على فق رائها ،وسيلة لتزكية
النفوس واألموال وتطهريها وتطييبها .تزكية وتطييب وتطهري للنفس اليت
صدقت يف فعلها حيث يقيها البذل يف سبيل اهلل شحها .وتزكية وتطييب
وتطهري للنفوس اليت رد عليها نصيب من املال تسد به احلاجة فتختفي
أسباب احلقد الطبقي .قال اهلل تعاىل لعبده النيب وعباده والة األمر من بعده:
ك َس َك ٌن لَّ ُه ْم} (التوبة .)103 ،فكان صلى اهلل
ص الَتَ َ
ص ِّل َع لَ ْي ِه ْم إِ َّن َ
{و َ
َ
عليه وسلم يدعو بالنماء والزكاء واخلري والربكة ملؤيت الزكاة فتزكو األموال
ويكثر اخلري والربكة.
إيتاء الزكاة وتوزيع محصولها ما هما عمليتان ماديتان حسابيتان
جامدتان في األرقام .بل هما وسيلتان تربويتان زيادة على ماديتهما
ووسيلتان يستمطر بهما العبد رضى الله عز وجل وصالة رسول الله،
وتستمطر بهما األمة بركة السماء .قال الله عز وجل{ :يَ ْم َح ُق ال لّ هُ
الص َدقَ ِ
ب ُك َّل َك َّف ا ٍر أَثِ ٍ
يم}(البقرة.)276 ،
ْربَا َو يـُ ْربِ ي َّ
ات َوال لّ هُ الَ يُ ِح ُّ
ال ِّ
فالزكاة عكس الربا .والمجتمع الزكاتي نقيض المجتمع الربوي.
واقتصاد العدل واإلحسان ترعاه عناية الله حيث تخذل اقتصاد الت رابي
والتظالم وحرمان المحتاج .ومن الخذالن غرق المتمولين في الترف
في االقتصا د
53
األموال
والمتاع واللذة والتبذير االستهالكي ،بعيدين عن ذكر الله وعن ذكر
اآلخرة واالستعداد لها .وهل فوق ذلك خذالن؟
إن من قوام كل اقتصاد جاد أن حيكمه احلساب واألرقام والتخطيط.
وهذا ما ال بد منه لدولة القرآن ،من باب قول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم
لألع رايب الذي ضلت ناقته ،فلما جاء إليه يشكو ذكر أنه تركها طليقة
اتكاال على اهلل« :اعقلها وتوكل!» .فاحلساب واألرقام والتخطيط اختاذ
لألسباب اليت وضعها اهلل عز وجل يف الكون ،وهي شرع م رتبط ارتباطا ال
فكاك له عن القدر إال مبعجزة نيب ،أو ك رامة ويل ،أو بركة يدرها اهلل الكرمي
الوهاب على عباده املؤمنني املتقني العادلني احملسنني املزكني .قال اهلل تعاىل:
َن أ َْه ل الْ ُق رى آم نُ واْ وات ـَّ َق واْ لَ َف تَ ْح نَ ا َع لَ ْي ِه م بـ رَك ٍ
الس َم ِاء
ات ِّم َن َّ
{ولَ ْو أ َّ َ َ َ َ
َ
ََ
ِ
ِ
َواألَْر ِ
اه م بِ َم ا َك انُواْ يَ ْك س بُ و َن} (األع راف.)96 ،
ض َولَ ـك ن َك َّذبُواْ فَ أَ َخ ْذنَ ُ
واجه هذه اآلية الكرمية بأختها املبينة ألس رار الزكاة ،الداعية رسول اهلل
صلى اهلل عليه وسلم ،وإمام األمة من بعده أن يصلي على مؤتى الزكاة،
ينفتح لك باب الفهم لشرع اهلل وقدره وبركته ،جلانيب الدعوة والدولة،
لواجبيهما ووظيفتهما يف االقتصاد اإلسالمي .ومن أعظم بركات الزكاة أهنا
تقهر حاسة التملك البهيمية.
اقتصاد الربا ملعون ،واقتصاد الزكاة مبارك .قال الشيخ أمحد ويل اهلل
الدهلوي رمحه اهلل« .اعلم أن عمدة ما روعي يف الزكاة مصلحتان :مصلحة
ترجع إىل هتذيب النفس ،وهي أهنا أحضرت الشح ،والشح أقبح األخالق،
ضارهبا يف املعاد ( )...السخاوة تعدهلا ال رباءة من اهليآت اخلسيسة الدنيوية.
وذلك ألن أصل السخاوة قهر امللكية البهيمية ،وأن تكون امللكية هي
الغالبة وتكون البهيمية منصبغة بصبغها ،آخذة هبا ( .)...وأيضا فامل زاج
السليم جمبول على رقة اجلنسية (رمحة بين جنسنا) .وهذه خصلة عليها
يتوقف أكثر األخالق ال راجعة إىل حسن املعاملة مع الناس.
في االقتصا د
54
األموال
فمن فقدها ففيه ثلمة جيب عليه سدها .وأيضا فإن الصدقات تكفر
اخلطيئات وتزيد يف الربكات كما بينا فيما سبق.
ومصلحة (وهي املصلحة الثانية للزكاة) ترجع إىل املدينة (أي اجملتمع)
وهي أهنا ال حمالة جتمع الضعفاء وذوي احلاجة .وتلك احلوادث تغدو على
قوم وتروح على آخرين (يعين أن الفقر واالحتياج يعرتى الناس بعد الغىن).
فلو مل تكن السنة بينهم مواساة الفق راء وأهل احلاجات هللكوا وماتوا
جوعا (أي أن التكافل االجتماعي الذي حتققه الزكاة ضرورة اجتماعية).
وأيضا فنظام املدينة يتوقف على مال يكون به قوام معيشة احلفظة
الذابني عنها واملديرين السائسني هلا!».
الزكاة أهم املؤسسات االجتماعية يف الدولة اإلسالمية .هي ركن من
أركان اإلسالم ،فال يستحق اسم دولة اإلسالم نظام ال يعطي الزكاة وظيفتها
االجتماعية االقتصادية ،وال يقرن تلك الوظيفة بالدعوة والرتبية والتطهري
والتزكية ،لتؤدي إىل النتائج التكافلية والودية بني املسلمني .فزيادة على
أن الزكاة عبادة فردية ،يعذب مانعها العذاب األليم يوم القيامة ،فهي متثل
مادة أساسية إلعادة قسمة الثروات ،ومتثل حاف زا اقتصاديا على اإلنتاج،
ألهنا تؤخذ من رأس املال ،فال يسع صاحب املال إال أن يسعى إىل تنميته
خمافة أن تنتقص منه الزكاة إن بقي مكنوزا ال يتداول وال يستثمر .ولعل
حساب مالك رأس املال اخلائف على متاعه أن تنتقص منه الزكاة فينشط
الستثماره سبب من األسباب الكونية اليت يـُْر يب اهلل عز وجل هبا الصدقات.
في االقتصا د
55
األموال
أخذ العفو
إن اإلسالم دين هداية ال دولة جباية .لذلك يعتمد على الباعث اإلمياين
يف نفوس املسلمني لينفقوا يف سبيل اهلل أكثر مما يعتمد على وازع السلطان
يف ذلك .نعم للدولة اإلسالمية احلق يف فرض غ رامة التضعيف على مانعي
الزكاة كما هو مفصل يف كتب الفقه ،لكن األصل هو قول اهلل عز وجل
لنبيه صلى اهلل عليه وسلم وألولياء األمرُ { :خ ِذ الْع ْف و وأْم ر بِ الْع ر ِ
ف
َ َ َ ُْ ُْ
ض َع ِن ال ِ ِ
ين} (األع راف .)199 ،أخرج ابن زجنويه عن رجل
َوأَ ْع ِر ْ
َ
ْج اه ل َ
من ثقيف قال« :استعملين علي بن أيب طالب رضي اهلل عنه على عك ربا،
فقال يل ،وأهل األرض عندي« :إن أهل السواد قوم خدع ،فال خيدعنك!
فاستوف ما عليهم» .مث قال يل« :رح إيل» .فلما رجعت قال يل« :إمنا قلت
لك الذي قلت ألمسعهم .ال تضربن رجال بسوط يف طلب درهم ،وال تقمه
قائما ،وال تأخذن منه شاة وال بقرة .إمنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو ،أتدري
ما العفو؟ الطاقة» .ويف رواية البيهقي« :وال تبيعن هلم رزقا وال كسوة شتاء
وال صيفا .وال دابة يعتملون عليها .وال تقم رجال قائما يف طلب درهم».
قال :قلت :يا أمري املؤمنني! إذن أرجع إليك كما ذهبت من عندك! قال:
أمرنا أن نأخذ منهم العفو!» يعين الفضل.
ال جمال إذن إلرهاق الضعفاء بالض رائب واجلبايات .وليس املكس
واملال املنهوب من موارد الدولة اإلسالمية ،وال تفقري الناس هدفا هلا .وقصة
عمر بن اخلطاب مع اليهودي الذي افتقر بعد غىن دليل على رفق اإلسالم
بالرعية .روى الواقدي وابن عساكر أن عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه
لقي شيخا من أهل الذمة يستطعم .فسأل عنه فقالوا :هذا رجل من أهل
الذمة كرب وضعف .فوضع عمر رضي اهلل عنه اجلزية اليت يف رقبته ،وقال:
«كلفتموه اجلزية ،حىت إذا ضعف تركتموه يستطعم!» فأجرى عليه من
بيت املال عشرة دراهم ،وكان له عيال.
في االقتصا د
56
األموال
عدل يقتضي إعفاء الضعيف وذي احلاجة وذي العيال.
مصارف المال
ات
عني اهلل عز وجل مصارف الزكاة يف قوله الكرمي{ :إِنَّ َم ا َّ
الص َدقَ ُ
لِ ْل ُف َق راء والْم س اكِ ي ِن وال ِ ِ
الرقَ ِ
اب
ْم َؤلَّ َف ِة قـُلُ وبـُ ُه ْم َوفِ ي ِّ
َ َ
ين َع لَ يـْ َه ا َوال ُ
ْع ام ل َ
َِ َ َ َ
ِ
ِ
الس بِ ِ
ين َوفِ ي َس بِ ِ
يم
يل ال لّ ِه َوابْ ِن َّ
يل فَ ِري َ
ض ةً ِّم َن ال لّ ه َوال لّ هُ َع ل ٌ
َوالْ غَ ا ِرم َ
حِ
يم} (التوبة.)60 ،
ك
َ ٌ
بالنظر يف اآلية الكرمية يتبني أن الزكاة ،وما يتبعها من صدقات
تطوع ،تصبح فرضا وتلحق بإل زامية الزكاة عند حاجة املسلمني ،ضريبة
اجتماعية هلا أهداف حمددة .وكلها أهداف حتقق محاية اجملتمع ،والدفاع
عن الدولة ،والتكافل بني املسلمني ،وضمان حقوق الضعفاء يف الرخاء
واألمن االجتماعيني .إهنا نظام كامل للضمان االجتماعي.
أما مصارف بيت املال األخرى فالواجب ،كما قال ابن تيمية رمحه
اهلل« :أن يبتدئ يف القسمة باألهم فاملهم من مصاحل املسلمني ،كعطاء من
حيصل للمسلمني به منفعة عامة» .معناه أن هناك أولويات تعترب يف وضع
املي زانية السنوية للدولة ،تعطى مبقتضاها األسبقية للنفقات الضرورية
على الكمالية ،وللتجهيز وتثبيت قواعد االقتصاد على نفقات التسيري
ال زائدة على حد الضرورة .وخيرج من دائرة األهم واملهم نفقات الفخفخة
والسمعة ،إال ما البد منه من رعاية ك رامة الدولة يف عامل تسوده املظاهر
والدبلوماسية والصورة اإلجيابية والسمعة.
فأهم املصارف «املقاتلة الذين هبم النصرة واجلهاد» .مث «ذوو الواليات
عليهم ،كالوالة والقضاة والعلماء والسعاة على املال مجعا وحفظا وقسمة،
وحنو ذلك ،حىت أئمة الصالة واملؤذنون» .مث اإلنفاق على «ما يعم نفعه من
في االقتصا د
57
األموال
سداد الثغور بالك راع (أي تعبئة اجليش يف وجه العدو باملركوب) والسالح،
وعمارة ما حيتاج إىل عمارته من طرقات الناس كاجلسور والقناطر ،وطرقات
املياه كاألهنار» .مث ذوو احلاجات الذين كان يقدمهم رسول اهلل صلى اهلل
عليه وسلم يف العطاء .وقد قال عمر رضي اهلل عنه« :ليس أحد أحق هبذا
املال من أحد :إمنا هو الرجل وسابقته ،والرجل وغناؤه ،والرجل وبالؤه،
والرجل وحاجته» .وقد كان أبو بكر رضي اهلل عنه يسوى يف القسمة ،فلما
ويل األمر عمر رضي اهلل عنه أعطى األسبقية هبذه املعايري األربعة اليت ذكرها.
مث رجع آخر عهده إىل حنو قسمة الصديق رضي اهلل عنهما».
وال جيوز لإلمام أن يعطي أحدا ماال يستحقه هلوى نفسه ،من ق رابة
بينهما ،أو مودة ألجل منفعة حمرمة».
البد من م راقبة صارمة ،وحماسبة دقيقة على كل مستويات اإلنفاق
لكيال ينال من أموال املسلمني إال املستحقون ،ولكيال تصرف أموال
املسلمني يف وجوه ال تناسب األهداف اإلسالمية وال ختدمها .يتوىل امل راقبة
واحملاسبة أجهزة الدولة املختصة واألمر باملعروف والنهي عن املنكر الشعبيان
املنظمان على يد مجاعة املسلمني.
وانظر يف كتاب اإلحياء لإلمام الغ زايل؛ اجلزء الثاين ،أبواب الكسب،
وموارد السلطان ،ومصارف املال ،وحدود احلالل واحل رام يف ذلك ،والورع
الالزم .ففيه كالم قيـم.
وظائف العبد في ماله
إن املال من املغريات الكربى للعبد ،واملفسدات للذمم واألمم ،إن كان
يف يد من ال تسمو مهته فوق شهواته .من موقف الناس من املال ،يف الرخاء
في االقتصا د
58
األموال
والشدة ،يف املالء واخلالء ،يف األخذ والعطاء ،يف حضرة الرقيب البشري ويف
غيابه ،يتبني القوي األمني من املنافق اخلائن .لذلك يقدم أهل الورع من
رجال الدعوة لوظائف األمانة ،فهم األقوى عليها ،األعف عن املال احل رام،
األشد ورعا ،يظن هبم ذلك حىت يتبني خالفه.
هذه صورة رائعة لعبد صاحل أدى حق اهلل يف ماله ومال املسلمني،
نضعها يف هناية هذا الفصل معلمة يهتدي به من يلي أمر املسلمني،
وموعظة وذكرى لقوم يؤمنون .قال اإلمام علي كرم اهلل وجهه« :واهلل ألن
أبيت على ح س ِ
سه دا ،وأجر يف األغالل مصفدا،
ك السعدان (شوك) ُم َّ
َ َ
أحب إيل من أن ألقى اهلل ورسوله يوم القيامة ظاملا لبعض العباد ،وغاصبا
لشيء من احلطام! وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إىل البلى قفوهلا ،ويطول
يف الثرى حلوهلا! واهلل لقد رأيت عقيال (أخوه اململق الفقري) ،وقد أملق
حىت استماحىن من بُركم (طلب من قمحكم) صاعا .ورأيت صبيانه شعث
الشعور ،غرب األلوان من فقرهم .كأمنا سودت وجوههم بالعظلم (صبغ).
وعاودين مؤكدا ،وكرر علي القول مرددا .فأصغيت إليه مسعي ،فظن أين
أبيعه ديين ،وأتبع قياده مفارقا طريقي! فأمحيت له حديدة ،مث أدنيتها من
جسمه ليعترب هبا .فضج ضجيج ذي دنف (مرض) من أملها .وكاد أن حيرتق
من ميسمها .فقلت له :ثكلتك الثواكل يا عقيل! أتئن من حديدة أمحاها
إنساهنا للعبه ،وجترين إىل نار سجرها جبارها لغضبه! أتئن من األذى وال
أئن من لظى!
وأعجب من ذلك طارق طرقنا مبلفوفة يف وعائها (جاءنا حبلوى يف
الليل) ،ومعجونة شنئتها (كرهتها) ،كأمنا عجنت بريق حية أو قيئها.
فقلت :أصلة رحم ،أم زكاة ،أم صدقة؟ فذلك حمرم علينا أهل البيت.
فقال :الذا وال ذاك! ولكنها هدية .فقلت هبلتك اهلبول (ثكلتك أمك)!
أعن دين اهلل أتيتين لتخدعين! أخمتبط أنت (خمتل العقل) أم ذو جنة أم
هتجر (هتذي)! واهلل لو أعطيت األقاليم السبعة مبا حتت أفالكها على أن
في االقتصا د
59
األموال
أعصي اهلل يف منلة أسلبها جلب شعرية ما فعلت! إن دنياكم عندي ألهون
من ورقة يف فم ج رادة تقضمها! ما لعلي ولنعيم يفىن ،ولذة ال تبقي! نعوذ
باهلل من سبات العقل وقبح الزلل .وبه نستعني!».
الفصل الرابع
إدارة المال
أموال النفط ترويض املال ألهدافنا املصرف اإلسالمي -النقد اإلسالمي
في االقتصا د
63
االقتصاد
أموال النفط
من باب الورع ،وعلى إش راقة هذه الذكرى من تاريخ إمام األمة فخر
اإلسالم سيدنا علي عليه السالم ،ندخل إىل هذا املطلب من مطالب دولة
القرآن ،وهو إدارة املال.
منعت يا ويل اهلل أخاك اململق صاع بر من قمح املسلمني! خفت اهلل
وعذاب اآلخرة ف رتاءى لك قيء األفاعي يف معجونة الرشوة! فلو اطلعت
على أم راء النفط وما فعلوا بأموال املسلمني!
أكتب هذا الفصل عاشر مجادى األوىل ،1403وقد أعلن العرب النفطيون
حرب األسعار على الدول املصدرة للنفط ،ومعظمها دول مستضعفة ،حرب
ترمي خلفض مثن الربميل حىت تنكسر السوق ،فريبح االستعمار ،وختسر
دول جماهدة مثل دولة اإلسالم يف إي ران .أكتب ومنذ شهور انكشفت يف
الكويت فضيحة ما يسمى بسوق املناخ ،وهي سوق تدليس وغش وقمار،
تباع فيها سهوم شركات ومهية ،ال وجود هلا .فضيحة هتدد دولة الكويت
الغنية ،وال ككنوز قارون ،باإلفالس ،ألهنا تدخلت لتفدي املقامرين الذين
بلغت ديون أحدهم عشرة آالف مليون دوالر .نعم آالف مليون .عشرة
ماليري ،عشرة ماليري!
منذ سنوات أعلنت وسائل اإلعالم الغربية أن شرذمة من عرب البرتول
قامرت يف ليلة واحدة وقمروها بأربعمائة مليون دوالر .والرجل الكوييت
يفتخر بأنه ضرب الرقم القياسي العاملي التارخيي يف املديونية .وما يفيد أن
نعدد األمثلة والعرب النفطيون يدفعون بال حساب ميولون احلرب العدوانية
على دولة اإلسالم يف إي ران فيقتل املسلمون بعضهم بعضا ،وتدمر املدن
وتشرد األسر ،وترمل النساء ،وييتم األطفال؟
على عرب النفط مسؤولية تارخيية مل يسبق هلا مثيل يف ثقلها
وخطورهتا .كان سالح النفط يكون أقوى رادع لالستعمار ،ووسيلة ال مثيل
في االقتصا د
64
االقتصاد
هلا ملساومة الغرب الذي ميثل النفط الدم الساري يف ش رايينه االقتصادية.
فلو أن عرب النفط استعملوا سالح النفط استعمال الرجال لفرضوا على
التاريخ املعاصر احنناءة حامسة خيدمهم من بعدها الناموس االقتصادي الذي
ميلكون لو عقلوا مادته احليوية اليت حتكم مصريه من هنا ملائة عام وأزيد.
وال يبعد اهلل غري السفهاء! فعلى دولة اإلسالم حني تأخذ زمام األمر،
وزمام النفط ،أن تواجه أسلحة الدمار والفناء النووية بسالح السالم
والرخاء ،والنفط ،يف وقت معا مع املواجهة اجلهادية الشاملة القائمة يف
وجه االستكبار العاملي ،تصده عن اإلفساد يف األرض.
مبال النفط إن أحسنا إدارته ،ومبادة النفط إن طوعنا السوق العاملية
إلرادتنا ،ميكن أن ندخل على العالقات العاملية تطورا لصاحل الشعوب
املستضعفة .فرصة تارخيية ،نرجو اهلل عز وجل أن تكون مدخرة لتساعد
اإلسالم على الظهور املوعود .حدث تارخيي فريد أن متلك أمة معظم خمزون
العامل من مادة يتوقف نشاط العامل وحركته عليها .فباستعمال سالح
النفط ميكننا غدا إن شاء اهلل أن نفرض إرادتنا على املستكربين بال عنف،
وأن نرعى مسؤوليتنا احلساسة جتاه املستضعفني ،وأن نستبدل بالسمعة
السيئة اليت استحقها عريب النفط حىت أصبح رم زا للفساد مسعة األمة
ال راشدة ذات الرسالة السامية ومعها الوسائل اهلائلة لتبليغ الرسالة.
إهنا مسؤوليات جسام تنتظرنا ،فبوسعنا أن نسيطر على صناديق
التمويل العاملية بأموال النفط ،وبوسعنا أن نؤسس صندوقا إسالميا بال
ربا يبيض وجهنا أمام اهلل عز وجل الذي استخلفنا يف األرض وزودنا هبذه
الثروة الكرمية.
العرب النفطيون مسخرة العامل أخالقا ،على هامش التاريخ وحتت
أقدام االستكبار العاملي وجودا لتفاهة األحالم ،ونفسية األزالم ،وذهنية
الظالم .وغدا إن شاء اهلل تعاىل مبؤهلنا املعنوي ،وهو روح كل شيء،
في االقتصا د
65
االقتصاد
ومبؤهلنا املادي ،وهو جسم كل شيء ،وبتوفيق اهلل يفتح علينا بركات كل
شيء ،نعود إىل قيادة العامل ،إىل هداية البشر ،إىل كفالة املستضعفني ،إىل
العزة باهلل رب العاملني .ال حول وال قوة إال به.
بنا إن شاء اهلل ،ويف يدنا مادة االقتصاد ،حيدث اهلل انقالبا يف تاريخ
البشرية .وقد بدأ بالفعل هذا االنقالب بثورة املسلمني يف إي ران ،ثورة
أدهشت العامل مبشاركة ماليني املؤمنني العزل يف إسقاط خامس أقوى دولة
يف العامل ،من ورائها طاغوت االستكبار األمريكي .ويقر العامل اليوم أن دولة
املسلمني يف إي ران ،بعد أن قطعت يد التلصص على أمواهلا النفطية اليت
كان الشاه املطرود يرعيها أولياءه الكفار ،أرشد إدارة يف أمواهلا من كل
ما حواليها من حطام .فبينما يصرخ البعثي الع راقي يستنجد ويقرتض
بغري حساب ،فبينما يدفع عرب النفط آالف املاليني بغري حساب ،يعرتف
ص رافو العامل أن خ زائن إي ران اإلسالمية متتلئ من اخلري ،وتدير احتياطاهتا إىل
اخلري.
ترويض المال ألهدافنا
مشكلة النظامني اجلاهليني ،ال رأمسالية واالش رتاكية ،األوىل ،ومصيبة
العصر األدهى واألمر ،هي أن املال ،ملكته األف راد وملكته الدولة ،يؤدي
وظيفة طاغوتية ألنه يناقض العمل ،ويهدر قيمته ،ويسجنه ،وخينقه .فاملال
سيد جبار ،ملكته الدولة أو ملكه األف راد .إنه أخطبوط ميتص مادة احلياة من
اجملتمع ،ويستعبد البشر ،ويقيد احلريات ،ويفرض على اجملتمع سلوك العبد.
رأس املال أخطبوط يف حد ذاته ،وحش كاسر أنيابه الربا .فمن يتحكم
يف رفع مقدار الربا وخفضه ،من يتصرف يف املال كما يتصرف احلاوي يف
ثعابينه ،ميكنه أن يتسلط ،ويتلصص ،ويتحكم .وإمنا هي اليهودية لعنها
اهلل ،ال رابضة يف حجر االستكبار ،متحفزة عادية ،تقتنص خ ريات األرض،
وتسلب الدم والروح من اإلنسانية.
في االقتصا د
66
االقتصاد
على دولة القرآن أن تروض املال حىت يصبح أليفا ،وأن تطوعه ليكون
خادما مطيعا ال جبارا يقصم ظهر املستضعفني .عليها أن تؤسس بيوت
التمويل اإلسالمية ،يكون التعامل معها على أساس الق راض الشرعي،
والش راكة املباحة ،ال على أساس الربا والغرر واملقامرة.
بإجلام املال وترويضه بالقوانني اإلسالمية يصبح من املمكن ربط مصاحل
العمل ب رأس املال ربطا ال جيحف بالعامل ،وال يعطى صاحب املال فرصة
لتجاوز حقه .وبتلك القوانني مينع صاحب املال من اإلض رار مبصاحل اجلماعة،
ومن السيطرة على السوق كما يسيطر رأس املال املنساب من كل قيود.
وهبا يلزم املالك أن يوظف املال ويستثمره فيما ينفعه وينفع الناس ،ال يف
اإلنتاج ،مطلق اإلنتاج ،للنافع والضار والقاتل.
بإجلام املال بالقوانني الشرعية ميكن أن يوضع حد لالحتكار ،فال جييء
املشروع الضخم ،بوسائل مالية ضخمة ،ليقضي على املشاريع الصغرية،
ويقذف هبا إىل اإلفالس.
ال يصح يف اإلسالم أن حتتكر الدولة املشاريع كما هو حل االش رتاكية،
كما ال يصح أن تسمح أن حيتكر األغنياء السوق .فإن من قواعد االقتصاد
يف اإلسالم أن ال يكون املال دولة بني األغنياء ،أي أن ال يسمح لألغنياء
بتضامن مايل على حساب املتوسطني والفق راء ،وال بتآمر احتكاري.
تطلق ال رأمسالية حرية املالك يف ماله حبيث ال مينع من أي حترك اقتصادي
منتج مادام ال يصطدم نشاطه حبرية باقي املنتجني .هذا يف املبدإ النظري.
لكن التطبيق يعري عن وجود إمكانيات للتلوي عن القوانني ال رأمسالية،
وممارسة االحتكار والكارتل والتكتل املسيطر ،يف شركات تكون دولة وسط
الدولة ،ويغلب قانوهنا قانون الدولة لوزهنا االقتصادي اهلائل.
في االقتصا د
67
االقتصاد
تطوق االش رتاكية رأس املال إذ جتعله وقفا على الدولة ،فتصبح الدولة
هي رأس االحتكار .ويف اإلسالم القاعدة النبوية «ال ضرر وال ض رار» .وهي
قاعدة تقضي أال يضار املالك وال العامل ،وأال يتضار املنتجون فيما
بينهم باملنافسة غري الشريفة .ومما يساعد على تطبيق هذه القاعدة وجود
وجهني للملكية يف اإلسالم :ملكية األف راد وملكية اجلماعة ،هذه توازن
تلك وتضبطها وحتد من غلوائها .وقد اضطر املذهبان املاديان ،ال رأمسالية
واالش رتاكية ،لالع رتاف بامللكية املزدوجة ،استثناء من قاعدة كل منهما.
فامللكية اجلماعية استثناء من امللكية الفردية يف املذهب ال رأمسايل ،وامللكية
الفردية استثناء من قاعدة التملك اجلماعي االش رتاكي .وهو اع رتاف فرضته
ضرورة اإلدارة املتوازنة للمال عليهم .ويف اإلسالم تكون امللكية املزدوجة
أصال ،والتوازن بني مصلحة الفرد ومصلحة اجلماعة فرعا عنها ،ناظ را إىل
قاعدة «ال ضرر وال ض رار» ،مطبقا هلا.
المصرف اإلسالمي
بلغت يف هذه الفرتة ديون املصارف الربوية العاملية على الدول املستضعفة
والقروض من دولة مصنعة غنية لدولة فقرية أزيد من ستمائة مليار دوالر.
والرقم وحده مع اعتبار اجلوائح والكوارث الطبيعية اليت يعاين منها عامل
الفق راء كاف للداللة على ظلم النظام املايل العاملي ،وإجحافه حبقوق
الشعوب احملتاجة .وتستغل املصارف الربوية العاملية احتياج املستضعفني
لتفرض عليهم شروطا مثل الزيادة يف اإلنتاج الصاحل للتصدير .وذلك مما
حيول النشاط االقتصادي إىل العمل على إرضاء اجملتمعات الغنية ال إرضاء
حاجات الشعب .تفرض عليهم شرط تسهيل االستثمارات األجنبية،
وذلك ما ميكن ال رأمسالية من سف األرباح حمليا وإخ راجها من البلد .تفرض
تقليص نفقات الدولة على حساب الرخاء االجتماعي .تفرض ختفيض
األجور وخفض قيمة العملة ،وذلك مما جيحف مبستوى معاش املاليني
في االقتصا د
68
االقتصاد
من العمال وذوي الدخل احملدود .وهلا بعد ذلك وسائل كبعض الوسائل
اليت يستعملها الذئب مع احلمل متكنها من ترسيخ سيط رهتا االقتصادية
والسياسية واملالية.
مشكلة الربنامج التنموي يف البالد املتخلفة هي مشكلة التمويل،
فترتك الدول الغنية املخططات التنموية تربز حىت يظن أهلها أهنم قادرون
عليها ،مث تنعطف عليهم بالقروض املشروطة ،وترفض كل طلب ،وكل
مشروع ،ال يتفق مع مصاحلها .فتمول مثال النشاط التجاري أكثر مما متول
املشاريع الصناعية اليت قد ت زامحها يف السوق .وتوضع يف رقبة الدول الفقرية
ربقة «التقومي اهليكلي» كما توضع السلسلة يف عنق السجني يف بالد
الظلم وعصور الظالم.
هلذا وجب على دولة اإلسالم أن تعتمد على التمويل الداخلي ،وأن
تعمل على التحرر من التبعية املالية ،بتأسيس نظام مصريف إسالمي يكون
مفتاح التنمية ،وتساير أهدافه أهداف الدولة اإلسالمية ،وتربط الن زاهة
واألخالقية فيه مببدإ اإلنتاجية واجلدوى .نظام نابع من واقعنا ،ناظر إىل
مستقبلنا ،مبناه التعاون على الرب والتقوى كما أمر ربنا الغين احلميد.
وقد جنحت مناذج من البنوك اإلسالمية بال فائدة جناحا ال بأس به.
على الدول اإلسالمية القطرية املتحررة أن تتعامل معها حىت ولو كانت يف
ملكية رؤوس ال تدين ملا ندين له .ال مفر من التعامل من دولة لدولة مع
األنظمة املتسلطة يف بالد املسلمني ،ضرورة مرحلية .مث هي أموال املسلمني
لنا فيها حق ،فإن مل حنرر األصل ورأس املال ،فال أقل من أن نستفيد من
التسهيالت حىت يقضي اهلل أم را كان مفعوال.
في االقتصا د
69
االقتصاد
النقد اإلسالمي
كان سلفنا الصاحل حيدون من يتالعب بالنقد ،يقطع الد راهم ،أو
ينقص وزن الفضة والذهب مثال ،أو يزور الفلوس .يعدون ذلك إفسادا
يف األرض كما جاء عن اإلمام سعيد بن املسيب .قال القاضي ابن العريب:
«كسر الد راهم والدنانري ذنب عظيم .ألهنا الواسطة يف تقدير قيم األشياء
والسبيل إىل معرفة كمية األموال ،وتنزيلها يف املعاوضات .حىت عرب عنها
بعض العلماء إىل أن يقولوا :إهنا القاضي )...( .وقد قال علماؤنا املالكية:
إن الد راهم والدنانري خواتيم اهلل ،عليها اسم اهلل .ولو قطع على قول أهل
التأويل من كسر خامتا هلل لكان أهال لذلك ،إذ من كسر خامت سلطان
عليه امسه أدب .وخامت اهلل تقضى به احلوائج ،فال يستويان يف العقوبة».
يقول ال رأمساليون إن النقد خمزن للقيمة ،هذا املعىن املادي نشرفه ونسلمه
فنعترب النقود خواتيم اهلل يف األرض .وال تكون كذلك إال إذا قضيت هبا
احلوائج كما عرب قاضينا .ال تكون هلا حرمة إن كان مدار قيمتها على
ارتفاع قيمة الربا ،واخنفاضها ،وال تكون هلا رجاحة القاضي وثباته إن
كانت تسرع هبا املطابع للظهور بال رصيد فتساهم يف التضخم املايل الذي
يستنزف أرزاق الضعفاء ويزيد األغنياء غىن .ال حرمة هلا إن اعتربناها سلعة
يف ذاهتا ال خادمة وواسطة لقضاء احلوائج.
ينبغي أن تكون إرادة الدولة اإلسالمية هي اليت متلي على النقد وظيفته
ال مصاحل االستعمار اليت جعلت من الدوالر يف زماننا سالحا احتكاريا
يتحكم يف مصائر الدول والشعوب .عندما تتحرر دولتان إسالميتان
قطريتان يكون من أهم مظاهر ووسائل التعاون والتوحيد بينها إصدار
عملة إسالمية.
في االقتصا د
70
االقتصاد
في االقتصا د
71
الفصل اخلامس
االقتصاد
مقدمتان املقدمة األوىل :املقاصد والعقبات املقدمة الثانية :حنن يف العامل -عم ران األرض
االقتصاد
في االقتصا د
72
االقتصاد
في االقتصا د
73
االقتصاد
مقدمتان
بعد أن مهدنا حبثنا يف االقتصاد بفصول عن التخلف ،وعن ضرورة
التحرر من التبعية ،وعن األموال يف التشريع اإلسالمي ،ندخل هنا يف
صميم املوضوع حبول اهلل ال رازق ذي الطول.
إن املذهب االقتصادي اإلسالمي طبق يف عهود خلت مل يكن فيها
مفهوم االقتصاد معروفا كما حيدده االصطالح العصري .كانت األمور
متشي عفويا إىل حد كبري ،ومل يكن للدولة أي أثر يذكر ،وال أي هم مقيم
مقعد فيما يتعلق حبالة أرزاق العباد .اللهم إال ما كان من ظلم احلكام
الذين طغوا يف البالد جيمعون األموال من غري حلها ،وينفقوهنا يف غري
مصارفها.
أما اليوم فاالقتصاد غول خميف يقض شبحه مضاجع احلكام ،على
جناحه يتوقف جناح كل نظام حاكم ،ومن خالله يتدخل االستعمار،
وبواسطته يتحكم األغنياء واألذكياء املاكرون واحملتكرون على الرقاب
واألرض وما عليها.
وحتتاج الدولة اإلسالمية لنظرية اقتصادية إسالمية متكاملة واضحة
املعامل تستند عليها يف االختيارات والق رارات .فإن السياسة هي اختاذ الق رار
باختيار هذا احلل على ذلك نظ را لألهداف اليت تفضلها على غريها ،ونظ را
للوسائل اليت معك ،ونظ را ملا تتوقعه من رضى الناس بق رارك ملا يأتيهم به
من خري .ولب االختيارات والق رارات اليت تتخذها الدولة احلديثة هلا مساس
مباشر وثيق باالقتصاد ،بل جلها اقتصادية ،بل كلها .فيحق القول أن
االقتصاد هو زمام السياسة وجسمها ،وحواسها.
في االقتصا د
74
االقتصاد
وردت كلمة «قصد» و«اقتصاد» يف الكتاب والسنة مبعىن االجتاه إىل
اهلدف املقصود ،ومبعىن التوسط يف األمر ،يف مثل قول اهلل عز وجل« :
{واقْ ِ
ك} (لقمان )19 ،حكاية عن لقمان يوصي ابنه ،ويف
ص ْد فِ ي َم ْش يِ َ
َ
ِ
ِ
{وم نـْ ُه م ُّم ْق تَ ص ٌد} (فاطر )32 ،وهو املتوسط .وجاء
مثل قوله عز وجلَ :
يف احلديث الشريف لفظ القصد واالقتصاد مبعىن التوسط واملداومة والسري.
حنتاج لنظرية اقتصادية واضحة املعامل لكي نبين منوذجنا طبقا لروح
ديننا ،استجابة وحتقيقا لعقيدتنا وطموحنا يف الكفالة الذاتية والرخاء
والقوة .شأن أمة هلا قصد ،قادرة على سلوك الطريق إىل أهدافها املعنوية
والتارخيية ،مبداومة واستم رار ،عرب عامل مليء بالعقبات.
إننا معشر املسلمني يعيش معظمنا يف ح زام حول األرض يتميز باملناخ
املداري احلار اجلدب ،فأرضنا حيتاج استصالحها إىل جهد خاص ،وأسلوب
خاص ،واقتصاد خاص .وإننا ننتمي إىل فئة من الشعوب احليوية يف
التناسل والتوالد ،يتكاثر عدد سكاهنا من املواليد أربعة أضعاف منو املنتوج
الزراعي .وإن لنا أمواال مبددة شذر مذر .طاقات بشرية هائلة لو جندت،
وأرض حتتاج جلهد خاص لتخصب ،وموارد مالية وطبيعية وافرة لوال النهب
اخلارجي والتبذير الداخلي ،ولوال الذهنيات املتخلفة ،واحلاجات التكاثرية
املصنوعة املت زايدة.
فاملطلوب مذهب اإلسالم يف االقتصاد لتتفاعل هذه املعطيات تفاعال
إجيابيا ،فنحصل على القوام املادي الضروري لبقائنا ووجودنا وطموحنا.
بني يدي هذه الصفحات العاجزة يف املوضوع غري املتخصصة أضع
مقدمتني.
في االقتصا د
75
االقتصاد
المقدمة األولى :المقاصد والعقبات
إن الغاية من خلق اهلل عز وجل هذا الكون ،هي أن يعطي خلقه من
اجلن واإلنس إطارا حياتيا يكون ظرفا لوجودهم ،ولكسبهم أسباب السعادة
أو الشقاء من األعمال ،ولنشرهم بعد املوت ،وحلشرهم إىل دار اجل زاء ،إىل
ت ال ِ
ْج َّن َو ِْ
نس إَِّل
ال
{و َم ا َخ لَ ْق ُ
جنة أو نار .يقول اهلل تبارك وتعاىلَ :
َ
لِ يـَ ْع بُ ُد ون} (الذاريات .)56 ،فاملقصود من اخللق هو الفرد من اجلن واإلنس
يريد له اهلل اخلالق ال رازق أن حيقق عبوديته خلالقه .واآليات اليت ختربنا أن
هذا الكون خلق من أجلنا ،وسخر لنا ،دنياه وآخرته ،مساؤه وأرضه ،كثرية.
فأنت إذن أيها العبد درة الوجود ،حولك يدور ،وأنت عروسه ومعناه
ومغ زاه .ما خلقت لتكون عجلة من عجالت االقتصاد ،وال دابة تأكل
وتتمتع بال هدف .فال جيوز أن يعترب الفرد يف اجملتمع اإلسالمي جمرد خادم
لالقتصاد ،وال عبدا للجماعة ،وال عامال أصم من عوامل اإلنتاج .ينبغي
أن توفر له الدولة ويوفر له االقتصاد حريته يف اختيار الدين الذي يدين
به ،وحريته يف ال رأي ،وحريته يف السعي إىل حتقيق غاية وجوده ،وبالتايل
الالزم ،حريته يف كسب معاشه .ألنه إن استعبد واضطهد وضيق عليه يف
معاشه فقد سائر احلريات ،وضل عن غايته .وحريته يف الكسب تعىن أن
يكدح ويتعب ويعمل ِب د ليأكل من عرق جبينه ،ال أن يعيش طفيليا .فإنه
إن عاش طفيليا على اجملتمع ،بالكسب احل رام من ظلم ،وابت زاز ،وغش،
وكسل ،وحيلة ،ودروشة ،وتواكل ،فقد خان قانون العبودية هلل عز وجل.
إنسان حر ،عبد باخللق خريه اهلل مبا أعطاه من حرية بني أن يكون
عبدا بااللت زام للشريعة قانون العبودية ،وبني أن يكون عبدا هلواه .فيناسبه
اقتصاد حر ،ونظام سياسي ميكنه من التشاور واختيار حكامه حبرية،
ويناسبه حترك يف اجملتمع ويف العامل حبرية.
في االقتصا د
76
االقتصاد
االقتصاد احلر نعين به اقتصاد العبد السائر على قانون ربه الذي حدد
احلالل واحل رام ،والواجب واحلق ،ونظام امللكية وامل رياث ،وحقوق األجري
والشريك ،وحق اهلل يف املال ،ومصرفه للبائس والسائل واحملروم ،وحث
على السعي والنشاط يف الكسب ،وحذر من االغ رتار باحلياة الدنيا واملتعة
الدوابية .فإذا اختار اإلنسان داخل اجملتمع اإلسالمي أال يدين باإلسالم،
فاإلسالم يضمن حريته الكاملة يف التصرف داخل حدود العبودية هلل ال
خارجها .وإن تبني للجماعة أن اإلنسان الفرد يف اجملتمع اإلسالمي سفيه
ال يستحق احلرية حجر عليه كما حيجر على الصيب غري املسؤول .وإن
كان اإلنسان الفرد يف اجملتمع اإلسالمي اختار أن يكون عبدا هلواه ،مسته رتا
بأحكام الرب جل وعال ،سلبت منه تلك احلرية االقتصادية والسياسية
وأقيم عليه احلد والتعزير.
االقتصاد احلر باملفهوم ال رأمسايل يعين حرية الغاب ،وأخالق املنافسة
الغابوية ،والربا ،واالحتكار ،وظلم الشعوب ،واستعباد العامل ،ودرجه يف
عداد آالت اإلنتاج ،وجعل اإلنسان دابة تكدح وتستهلك .وتعىن الكلمة
يف اإلسالم نقيض كل ذلك دون أن يكون يف ديننا ما يبيح للدولة أن حتتكر
النشاط االقتصادي ،وال ما يبيح السيطرة السياسية بغري حق.
ليكن هذا واضحا يف أذهاننا اليت ألفت أن ترى يف ال رأمسالية منوذج
النظام احلر ،ويف االش رتاكية نقيضا له .االقتصاد اإلسالمي حر مبعاين احلرية
الغائية املقيدة هنا يف الدنيا بقيود الشرع .وهبذا يكون النظام اإلسالمي
السياسي واالقتصادي واالجتماعي واحلضاري نقيضا للنظامني اجلاهليني،
ال من حيث التطبيقات العملية اجلزئية فقط ،بل من أساسه ومن غايته.
اجلاهلية ترى اإلنسان دابة ال معىن هلا ،واإلسالم ي راه آدميا مكرما بآدميته،
حمشورا إىل ربه بعد املوت ،سعيدا عنده ،أو شقيا يف دار اخللود.
في االقتصا د
77
االقتصاد
يبقى أن يتشخص النموذج االقتصادي اإلسالمي يف واقع متحرك،
جيمع تفاصيل األحكام الشرعية يف مذهبية ،وتنظيم ،وإدارة ،وإنتاج،
وتوزيع ،منصبة على اإلنسان ،على شكل زاد لسفره إىل اهلل ،وعلى شكل
جهاز مادي لضيافته يف الدنيا ،وعلى شكل قوة لألمة ،وبركة عليها وعلى
املستضعفني ،وهم أمة الدعوة ،ال يستثنون من اهتمامنا أبدا ،ولو كانوا
ال ي زالون على الفطرة احملرفة مل تبلغهم الدعوة ،أو شوهت مسعتها لديهم.
ما دون تشخيص النموذج اإلسالمي عقبات الختالفه يف الغاية واألهداف
عن مقاصد االستكبار العاملي ،وملشاكل التخلف الداخلية فينا .ونستعمل
كلمة التخلف باملفهوم الذي بيناه يف فصل سابق ،نعرتف بتقصرينا دون
أن نسحب الكلمة على ما عندنا حبمد اهلل من اإلجيابيات ،ورأسها إميان
األمة باهلل ورسوله واليوم اآلخر .وهو رأس األمر ،أعز ما هناك.
من العقبات ما حيول دون متليك اإلنسان املسلم واجملتمع املسلم
حريتهما ليصبحا فاعلني ال مفعولني سياسيا واقتصاديا .فالعقبات
السياسية والتخلف السياسي عائقان اقتصاديان ،والعكس صحيح.
واجملاالن م رتابطان ت رابطا صميما .ومن العقبات ما حيول دون ترويض املال
ليخدم اإلنسان بدل أن يكون قوة عمياء تتصرف يف مصري اإلنسان من
خلف مكامنها وأوكارها .من العقبات ما يقف حجر عثرة يف طريق
اإلنسان واجملتمع إىل التحكم يف فوضى متابعة الربح وإرضاء نزعات الشح
واألنانية .عقبات سياسية اقتصادية نفسية.
ال ميكن أن يستبدل بالنظام االقتصادي الذي ورثته الدولة
اإلسالمية عن ماضي الفتنة نظام إسالمي جاهز بني عشية وضحاها.
نظام الفتنة ،بل فوضاها ،مرتكز على االستبداد السياسي ،واالحتكار
االقتصادي ،واهلوى األناين .واجلهد املطلوب لكي حيول ويبدل إىل
في االقتصا د
78
االقتصاد
اقتصاد مركز على خدمة اإلنسان واجملتمع كبري .جهد لينهض اإلنسان
من كسله وعبوديته للبشر فيصبح منتجا حرا واعيا بوظيفته وشرفها.
جهد إلنصاف العامل من صاحب املال .جهد لتنظيم العمال وتنمية
التضامن النقايب .جهد لتحرير الشعب من استعالء احلاكم وصنائعه.
جهد لفك الطبقية املستغلة جلهود الناس .جهد للتنظيم االجتماعي
تنظيما غري تنظيم سوق األنعام ،بسوط الشرطي وتعسف اإلداري.
جهد لإلصالح الزراعي .جهد للتصنيع .جهد اجلهود إلقامة دولة
العدل واإلحسان جهاد يف جهاد يف جهاد.
المقدمة الثانية :نحن في العالم
أهم عائق للنمو االقتصادي داخل بالدنا هو الراجع إىل العالقة
املنكوسة اليت جتعل احملكوم عبدا للحاكم ،والعامل مملوكا لصاحب
املال ،والعاطل كما مهمال .وأهم العوائق اخلارجية عالقتنا املنكوسة
بالدولة املصنعة االستعمارية سابقا ،والحقا ،وطبعا.
ماذا تكون عالقة دولة اإلسالم بالعامل؟ أحنتاج إىل العامل ،ومن بني
العامل الدول املستكربة ،أم هو حيتاج إلينا؟ أنعامله أم نقاطعه؟ وعلى
أي أساس ،وبأي قانون ،ومن أي موقف؟
يسمون مبصطلحهم املقنع لقاء الذئاب باخل راف حوارا بني الشمال
واجلنوب .رهان هذا احلوار املوارد الطبيعية ،وأمهها النفط ،اليت حيتاج
إليها الغرب املصنع احتياجا كبريا ،بل احتياجا مأسويا فيما يتعلق
بالنفط .فأمنهم االقتصادي والعسكري متوقف على امتالك تلك
املوارد املدخرة يف أرضنا معشر املستضعفني املسمني جنوبا .وكثريا ما
تستدعي املصطلحات اجلغ رافية لتخفي حتت قناعها عيب الواقع ونية
في االقتصا د
79
االقتصاد
التضليل ،فيسمون مثال ،بالد املسلمني شرقا أوسط أو شرقا أدىن كما
مسوا املستضعفني جنوبا لينتقل اهتمام السامع من بين اإلنسان ،ومن
خصوصيات اإلنسان وشخصيته ،إىل األرض وجهاهتا.
حمتاجون هم إىل مواردنا احتياجا كب ريا ال يفي عوضا عنها األمثان
البخسة اليت يضطروننا إىل قبوهلا .وإمنا يبخسوننا ويستفيدون من فائض
الربح الكبري يف تبادهلم اجملحف معنا ،ألن احتياجنا خلربهتم وآالهتم ،خاصة
ل رأس املال ،ولقمحهم وسالحهم ،يستعبدنا هلم ،وحيلنا حمل التابع الذليل.
من الضروري هلم أن يتوسعوا يف بالدنا ،ألن منوهم االقتصادي الذي
ال يعرف حدودا حيتاج إىل جمال حيوي ،إىل مواد خام ،وإىل سوق لصرف
املنتوجات.
وليس من املمكن أن نقلد منوذجهم يف التنمية ،ألننا ال منلك قاعدة
صناعية ،وال اكتفاء فالحيا ،وال قوة عسكرية لكي جنعل العامل جمالنا احليوي
باملعىن االستعماري ،ولكي نتعامل معهم باملثل .حنن يف موقف ضعف،
وتقليدنا لنموذجهم يزيدنا ضعفا إذ يعرض حماوالتنا التنموية للفشل ،نظ را
النعدام الشروط اليت مسحت هلم يف ماضيهم وحاضرهم باهليمنة السياسية
واالقتصادية.
تتالشى فرص جناحنا كلما أخرجنا من حتت أيدينا موادنا اخلام اليت ال
تعوض حملدودية األرض وذخائرها .وقد قال أحد اقتصادييهم« :لو أن أوربا
يف القرن التاسع عشر صدرت جل فحمها إىل اخلارج لكانت اليوم بكل
تأكيد دوال متخلفة».
على الدولة اإلسالمية أن تضع حدا ألساليب التنمية احلمقاء اليت
تعتمد على است رياد تكنولوجيا متقدمة ،صنعت يف الغرب وللغرب املهيمن
على خ ريات األرض ،بينما تصدر املواد اخلام الضرورية لتغذية الصناعة.
في االقتصا د
80
االقتصاد
تناقض جيعل اجلائع العاري اجلاهل األعزل جيري وراء س راب القفزة اليت
حتمله إىل الكواكب على مركبة األحالم.
املصانع واآلالت اإلنتاجية املستوردة من الغرب تستعمل تكنولوجيا
متطورة ،فعندما يستوردها البلد املتخلف ،يستورده معها خ رباء ،ويبقى
تابعا سرمديا ،مفتق را ليدربوه ،وميولوه متويال مشروطا ،ويعطوه قطع الغيار.
وما من آلة من بالدهم إال وتأتينا بنصيب من تلك التبعية .ذلك باإلضافة
إىل أن اآللة اإلنتاجية املتطورة تلتهم العمل التهاما ،وتقضي على أهل
البلد بالبطالة ،السيما إن جاءت تلك اآللة لتحل حمل إنتاج حملي سابق.
إن اهتمام الدولة اإلسالمية جيب أن ينصرف عن أسلوب استخ راج
املعادن لتصديرها ،وعن أسلوب املصانع املستوردة ،لينصب على دعم
الصناعة الصغرية واملتوسطة والتقليدية .البد لنا من صناعة ثقيلة أيضا.
والبد قبل توطينها من االستعانة مبا تتيحه السوق العاملية .لكن االكتفاء
الذايت ،وهو هدف حترري له األسبقية ،ال يسمح حبال أن يكون كل اقتصادنا
تابعا حتكمه إرادة غرينا .ونرجع بعد حني إن شاء اهلل للصناعة والتصنيع.
إن اهتمام الدولة اإلسالمية جيب أن ينصرف عن املشروعات الزراعية
الواسعة ،املخططة املؤممة ،املوجهة للتصدير ،إىل املشروعات الفالحية احمللية
املسؤولة ،املوجهة إىل اإلنتاج الغذائي.
وإن استم رار التخلف ودوام التبعية راجعان إىل مجلة من العوامل
منها وجود اقتصاد عصري منفصل عن االقتصاد البلدي .وجود اقتصاد
ممكنن متطور ،قائم على التبادل التبعي للخارج ،معتمد على تكنولوجيا،
أي آالت وخربة ،غري مستوطنة يف بالدنا ،ومع التكنولوجيا تدخل إلينا
في االقتصا د
81
االقتصاد
وتستفحل فينا أفكار الغرب وأمناطه احلياتية .وهبذه الكيفية تعيش على
هامش الشعب وفوقه طبقة مديري االقتصاد العصري اليت ال يعنيها من
أمر الشعب صعوبات احلصول على الغذاء ،وال البطالة الناشئة عن املكننة
العاتية اليت ال ت راعي املصلحة العامة ،وإمنا تلتمس ارتفاع اإلنتاجية واألرباح
بأي مثن.
وتبقى كتلة االقتصاد البلدي مهملة ،ويبقى السواد األعظم من األمة
حمروما غري مكرتث إال هبمومه وآالمه ،وال مشارك يف عملية التنمية اليت ال
يفهم هلا معىن ألهنم مل خيصصوا له منها ناقة وال مجال ،وال فتحوا له رجاء
وأمال.
يقابل هذا التشطر بني االقتصاد العصري واالقتصاد البلدي التقليدي
يف الداخل تشطر يسمى «توزيع العمل» على املستوى العاملي .مبقتضى
هذا التوزيع املفروض على الشعوب املستضعفة حبكم ختلفها ،بل ختليفها،
يصنع الغرب موادنا اخلام ،يشرتيها منا ،ال بل يبتزها ابت زازا ،بثمن خبس،
مث يبيعنا املنتجاب بالثمن الباهض ،بعد أن أضاف إىل قيمتها املادية قيمة
فنية تعطيها جاذبية إن كانت سلعة استهالك ،وتعطيها الفعالية اجلهنمية
إن كانت سالحا ،وتعطيها على كل حال السمعة واهليبة ألهنا حتمل وسام
«صنع بالواليات املتحدة األمريكية».
توزيع العمل العاملي استعمار اقتصادي يساعد على إبقائنا يف التخلف،
والشطر العصري من االقتصاد يف بالدنا إمنا هو ذئب تابع للشركات
الكربى ،واسفنجة المتصاص دمائنا.
هنالك مفاوضات بني الشمال واجلنوب كما يقولون .هذه املفاوضات
ال تضع موضع التساؤل والنقد والرفض قسمة العمل اجملحفة ،ومبدأ هتريب
املواد اخلام من بالدنا ،ومبدأ احتكار التكنولوجيا اليت تضفي على هذه
في االقتصا د
82
االقتصاد
املواد هذه القيمة الفنية اليت تعطى رطل النحاس الذي اشرتي بثمن ال رتاب
مئات أضعاف قيمته األصلية بعد التصنيع .إمنا تدور هذه املفاوضات ،كما
يريد االستعمار ،حول حتسني قيمة التبادل ،وحول إنشاء صندوق موازنة
لدعم أمثان املواد األولية عند اهنيار السوق ،وحول التعاون التقين الذي ال
يتناول إال تقنيات املصانع املتطورة اجلاهزة ال التقنيات املتكيفة حباجاتنا،
وحول النسبة املائوية ِم ن َد ْخ ل الدول املصنعة اليت جيب أن ختصص (يا
للرمحة املتصدقة!) ملساعدة الدول الفقرية .مث ال تتمخض املفاوضات إال
عن كل ما يضمن مصلحة األقوياء األغنياء.
جيب أن تكون دولة اإلسالم سابقة إىل التيقظ ،جبانب املستضعفني،
ألصول اللعبة االقتصادية ،وأن تساوم من موقف القوة على مواد العامل
الضعيف ،مدركة أن العامل املصنع بفقره من املواد اخلام ،فق را نسبيا على
كل حال ،وباحلروب االقتصادية بني دولة ودولة ،وباملنافسات اليت يضغط
بعضهم هبا بعضا ،مل يبق يف مكانة يستطيع منها أن يسيطر على اقتصاد
العامل كما كان يفعل من قبل .يشكل وجود اليابان ذلك الوجود الساطع
يف مساء االقتصاد وبروز «التنينات األربع» يف جنوب شرق آسيا ،وبدايات
دول مثل ال ربازيل ،وأفق تصنيع الصني غري البعيد فجوة يف الكتلة املصنعة،
منها ندخل إن شاء اهلل إىل عامل تكنولوجيا مبسطة متكيفة حباجاتنا،
فجوة تشكل فرصة تارخيية لكسر احتكار الغرب ،وضرب استعماره .مث إن
للكتلة اإلسالمية بعد التحرير مؤهال ذاتيا بإسالمها وإمكاناهتا خلرق تلك
العقبات ،بإذن اهلل وحوله وقوته.
عمران األرض
عندما يزعم الغرب اجلاهلي والشرق اجلاهلي أن أسولبهما يف التنمية
هو األسلوب الوحيد املمكن ،أو مها األسلوبان اللذان ال ثالث هلما ،فإمنا
يستعمل سالح الغزو الفكري ليوطد به ويدمي استعماره االقتصادي
في االقتصا د
83
االقتصاد
واحلضاري .وإن الناطقني باسم «االش رتاكية القومية» ،أو باسم «الطريق
الثالثة» للتنمية ،أو باسم «االش رتاكية اإلسالمية» ،واإلسالم االش رتاكي ،وما
إىل هذا من اخلزعبالت ،ما يكثرون االحتجاج والصياح بتلك الشعارات
إال تغطية لفقدهم أصال منه يستمدون .فهم إىل أساليب الغرب يعودون،
أو إىل أساليب الشرق اجلاهليني .وكل نظام ملفق ما هو إال هجني وابن
غري شرعي مرفوض هنا وهناك .اهلجناء من جانب اإلسالم مرفوضون بتاتا،
وإن كان اجلانب اجلاهلي يصفق يف أعماقه للطرق الثالثة اهلجينة ملعرفته
مبا ختفي الشعارات من تنكر لألصل باسم األصالة ،ومن غ رام وجودي
باجلاهلية يكتمه اهلجناء مبساحيق ذر الرماد يف العيون.
إن أصلنا كتاب اهلل ،وإن عمارة األرض واجب فرضه اهلل على األمة
املستخلفة يف األرض .فالباعث اإلسالمي على النشاط االقتصادي باعث
ديين ،من صميم الدين .والقوانني اليت توجه هذا النشاط شرع منزل .قال
اهلل تعاىل حيكي رسالة عبده ورسوله صاحل عليه السالم إىل املسلمني:
ِ
ش أَ ُك م ِّم َن األَ ْر ِ
اس تـَغْ ِف ُروهُ ثُ َّم تُ وبُواْ إِلَ ْي ِه
{ه َو أَن َ
ُ
اس تـَ ْع َم َر ُك ْم ف َ
يه ا فَ ْ
ض َو ْ
ِ
يب} (هود.)61 ،
يب ُّم ج ٌ
إِ َّن َربِّ ي قَ ِر ٌ
استعمركم يف األرض :طلب إليكم أن تقوموا بعم راهنا ،فإن أطعتم فهي
عبادة .عبادة اقتصادية متفقة يف اللفظ واملعىن وإن كانت خمتلفة يف الشكل
والوسائل مع عم ران آخر ،هو عمارة املسجد .قال اهلل عز وجل{ :إِنَّ َم ا
ِ ِ
ِ
اج َد ال لّ ِ
يـ ْع م ر م س ِ
الص الَةَ َوآتَ ى
ن
م
ه
ام َّ
آم َن بِ ال لّ ه َوالْيـَ ْوم اآلخ ِر َوأَقَ َ
َْ َ
َ ُُ َ َ
ِ
ِ
ِ
الز َك اةَ َولَ ْم يَ ْخ َ ِ
َّ
ين}
س ى أ ُْولَ ـئ َ
ك أَن يَ ُك ونُواْ م َن ال ُ
ْم ْه تَ د َ
ش إالَّ ال لّ هَ فـَ َع َ
(التوبة .)18 ،عمارتان أختان ،كالمها عبادة ،لريزق اجلن واإلنس والبهيمة،
والوحش ،والطري ،وكل اخللق.
العمارة ضد اخل راب كما قال ال راغب االصفهاين رمحه اهلل .وكل ما من
شأنه أن يساعد على عم ران األرض لتصلح مأوى الئقا لبين آدم املكرمني،
في االقتصا د
84
االقتصاد
ووطن سالم وأخوة ودار بركة وخري ،فهو عبادة يؤجر عليها العبد وتؤجر
عليها األمة.
فإذا كنا نستعمل ألفاظ العصر للتعبري عن أشياء االقتصاد وحركياته ،فعن
العم ران املأمور به شرعا نتحدث .ومن وراء مجلنا وعباراتنا املوحية باملعاين املشرتكة
من ج راء احتكاكها املادي واستعماهلا العادي على لسان املاديني ،قصدنا أن
يق رأ ال ربانيون عامل االقتصاد من خالل منظار املفاهيم القرآنية اإلسالمية .أرزاق
العباد ،الربكات ،النعم ،اجلهاد ،اخلري ،الشكر ،البذل ،الزكاة ،الصدقة ،زينة اهلل
اليت أخرج لعباده ،الطيبات ،اخلبائث ،الرزق احلسن ،األنعام محولة وفرشا ،ش راب
خمتلف أل وانه فيه شفاء للناس ،الزرع ،ال زيتون ،النخيل ،األعناب والثم رات لعلنا
نشكر .هذه املفاهيم القرآنية يق رأها املسلمون اخلاملون ق راءة ناعسة ال يدرون
ور }
أن من وراء { ُك لُ وا ِم ن ِّر ْز ِق َربِّ ُك ْم َوا ْش ُك ُروا لَ هُ بـَ ْل َدةٌ طَ يِّ بَ ةٌ َو َر ٌّ
ب غَ ُف ٌ
(سبأ )15 ،وعيد {فَ أَع رض وا فَ أَرس لْن ا ع لَ ي ِه م س ي ل الْع ِرِ
َّ
اه م بِ َج نَّتـَ ْي ِه ْم
ْن
ل
د
ب
و
م
ْ َ ُ ْ َ َ َ ْ ْ َ ْ َ َ ََ َ ُ
ج نَّتـ ي ِن َذواتَ ى أُ ُك ٍل َخ م ٍط وأَثْ ٍل و َش ي ٍ
ِ
ِ
ِ
ٍ
ٍ
اه م بِ َم ا
ن
يـ
ز
ج
ك
ل
ذ
يل
ل
ق
ر
د
س
ن
م
ء
َ
ِّ
َ
ْ
َ
َ َ َْ ُ
َ َْ َ
ْ َ َ ْ
ور}( .سبأ)17-16 ،
َك َف ُروا َو َه ْل نُ َج ا ِزي إَِّل الْ َك ُف َ
أعرضت سبأ عن أمر رهبا فبدهلم اهلل باجلنتني الطيبتني جنيت شوك وجدب.
ولو مل نعرض عن أمر ربنا ملا أخذنا بالسنني ونقص من األموال واألنفس
والثم رات ،وبالتخلف االقتصادي ،واهل زمية العسكرية احلضارية .قال صاحل عليه
السالم مهددا قومه ألهنم مل يستعمروا األرض استعمار الصاحلني كما أمرهم
اهلل عز وجل{ :أَتـ تـ رُك و َن فِ ي م ا ه اه ن ا ِ
َّات وعُ ي ٍ
آم نِ ين فِ ي ج ن ٍ
وع
ون َو ُز ُر ٍ
َ َ َُ
َ ُ
َ
َ
ُ َْ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ ِ
ين} (الشع راء149- ،
َونَ ْخ ٍل طَلْعُ َه ا َه ض ٌ
يم َوتـَ ْن ح تُ و َن م َن الْج بَ ال بـُيُ وت اً فَ ا ِره َ
)136لكنهم عصوه وعقروا الناقة ،فدمدم عليهم رهبم بذنبهم فسواها،
فال خياف عقباها .وإننا لنرجو أن نتلقى أمر اهلل عز وجل من جديد بنية
الطاعة ونشمر عن ساعد اجلد ونستعمر األرض االستعمار الصاحل ،فيبارك اهلل
{ولَ نَ بـْلُ َونَّ ُك ْم
جهدنا ،وتبقى ذكرى التخلف موعظة من باب قوله تعاىلَ :
في االقتصا د
85
االقتصاد
شيٍ
س وال ثَّم ر ِ
ص ِّم ن األََم و ِ
ِ
ِ
ٍ
ْ
ات
ف
األن
و
ال
ق
نـ
و
وع
ْج
ل
ا
و
وف
خ
ل
ا
ن
م
ء
ِ
ْ
ِّ
ُ
َ
َ ُ ََ
َ َ
َ
بَْ َ
َ ََ
ش ِر َّ ِ
َوبَ ِّ
ين} (البقرة .)155 ،اخلوف واجلوع والنقص تكون مبجموعها
الص اب ِر َ
معادلة التخلف .عسى ذلك يكون لنا عربة .ومن اإلقبال على اهلل عز
وجل بتوبة اقتصادية أن حنارب ثالث موبقات :الربا ،والطغيان ال رأمسايل،
والتعسف الشيوعي.
جيب القضاء احلتمي يف دولة اإلسالم على القروض اليت جتر فائدة أو
نفعا ،كانت قروض استهالك أو قروض إنتاج ،كانت خاصة أو حكومية،
قليلة أو كثرية .ويقنن جملس الفتوى واالجتهاد حدود الضرورة اليت تؤدي
بالدولة إىل االق رتاض من اخلارج ،كما يقنن التعامل يف املصارف اإلسالمية
بشأن احلسابات اجلارية ،والودائع االستثمارية ،والكمبياالت ،والشيكات،
وخطابات االعتماد ،وعمولة املصرف يف كل هذه العمليات ،وما إىل ذلك.
جيب نبذ النموذج ال رأمسايل عدو اإلنسان ،ذلك الوحش الذي حيمل
يف طبيعته خطر العدوان على اجملتمع البشري مبا فيه من أنانية ال تعرف
إال مصلحة الفرد ،جتيز له اف رتاس اآلخرين بالناب واملخلب .ال نستطيع
بال رأمسالية أن نليب حاجة الشعب للتجهي زات األساسية ،والصحة،
والتعليم ،والرخاء ،وسائر مقومات احلياة الكرمية العامة .فال رأمساليون
يوجهون السوق ،ويتحكمون فيها ،وال يستثمرون إال يف املشاريع السريعة
الربح ،ال يأهبون بعمل العاطل ،وال حبق املسكني.
جيب نبذ النموذج اجلاهلي اآلخر ،الشيوعي ،ألنه عاجز عن إعادة
التوازن إىل العالقات االقتصادية يف العامل مع أن منطلقه كان حماربة
اإلمربيالية ،أي السيطرة ال رأمسالية .نرتجم بكلمة «السيطرة» مفهوم
اإلمربيالية الذي أسكن فيه لينني فلسفة كاملة عن طغيان ال رأمسالية
الصناعية .وذابت الفلسفة وبقي اللفظ .وبدا وجه اإلمربيالية ال رأمسالية
كاحلا كوجه شقيقته االش رتاكية العلمية يف زعمها .والتبعية ألي من
األمربياليتني تبقى تبعية مكره لعدوه ،فإذا اخرتنا منوذج إحدامها فقد دققنا
في االقتصا د
86
االقتصاد
هلا يف أرضنا أوتاد التخييم ،بل مهدنا هلا بني ظه رانينا مثوى الساكن
املقيم .جيب أن نبين ألنفسنا بنيانا اقتصاديا على أساس التقوى من أول
يوم .نضع حجرة األساس يوم نعلنها دولة قرآنية ال من غرب اجلاهلية وال
من شرقها.
الفصل السادس
اإلنتاج
عمر يعلم الناس علم الكسب احلث على الكسب طلب احلالل هل يكون اقتصادنا اقتصاد سوق؟ املبادرة احلرة التخطيط وعقلنة االقتصاد -أهداف التخطيط
في االقتصا د
89
عمر يعلم الناس علم الكسب
اإلنتاج
روي أن عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه كان يطوف بالسوق ،ويضرب
الناس بالدرة يعلمهم علم الكسب ويقول :ال يبيع يف سوقنا إال من يفقه،
وإال أكل الربا ،شاء أم أىب.
إن النشاط االقتصادي يف اإلسالم ليس عمال وثنيا ماديا مبعزل عن
الدين واألحكام الشرعية ،بل إطاره احلالل واحل رام ،الطيب واخلبيث .ال
طيب إال ما طيبه الشارع ،وال جيوز ممارسة شيء من أعمال اإلنتاج إال
بضوابط شرعية يفصلها علم العقود .وهي راجعة كلها إىل األبواب الستة
األصلية :البيع ،الربا ،السلم ،اإلجارة ،الشركة ،الق راض .ولكل من هذه
األبواب شروط وصور تطبيقية ،اجتهد فقهاؤنا السابقون يف مالءمة واقعهم
االقتصادي هلا ،ومواءمته هبا.
يلزم الدولة اإلسالمية هلذا العصر اجتهاد إلخ راج االقتصاد من فوضى
القانون ال رأمسايل إىل نظام اإلسالم ،ومعايري احلالل واحل رام .ويف أصولنا وفقهنا
املؤثل سعة الستيعاب وجوه الكسب واإلنتاج .فإن فقهاءنا استنبطوا من
األحكام ما مل يشعر معه املسلمون حبرج يف معامالهتم التجارية والصناعية
على طول هذه القرون اليت كان القانون اإلسالمي فيها سيدا يف السوق،
وإن كان يف نظام احلكم فساد .وفقهنا قادر حبول اهلل على استيعاب وجوه
املعامالت املستحدثة.
ففي الق راض استنبطوا أحكاما تلجم رأس املال بشروط ،وحتدد وجوه
تقاسم الربح ،كما حتدد عالقة العامل بصاحب املال.
ويف الشركة قيدوا شركة املفاوضة وشركة األبدان ،وشركة الوجوه (وهي
نوع من استغالل النفوذ) بقيود تبطلها لوقوع الغرر واإلجحاف بالشركاء.
وأطلقوا شركة العنان باإلباحة ،وبينوا كيفية دخول النقد والعروض يف
حساب الشركة ومعامالهتا.
في االقتصا د
90
اإلنتاج
مرد األحكام اإلسالمية يف فقه الكسب إىل منع الظلم ،واالحتكار،
وتزييف احلسابات ،وغش املعامل ،وترويج البضاعة بالكذب ،والربا،
وتطفيف املكيال واملي زان ،واللعب باألسعار ،والتغابن ،وسائر أنواع الفساد
اليت كان يضرب أمري املؤمنني عمر رضي اهلل عنه الناس بالدرة ينبههم إىل
فقهها.
كانت الدرة العمرية رمز وازع السلطان ،وعدة احلسبة ،وسلطة األمر
باملعروف والنهي عن املنكر .وكان وازع القرآن هو الباعث يف ذلك اجملتمع
الفاضل اخلري على طلب الفقه يف الدين ،ألن املنتج ،تاج را وصانعا ،كان
حريصا على دينه ،شحيحا بآخرته .فكان اإلنتاج عبادة يؤدي هبا العبد
فرض الكفاية عن األمة احملتاجة إىل صناعات وجتارات ،تصلح شأهنا ،وتؤمن
معاشها .وكان انتظام حياة اجملتمع هم التاجر والصانع الصاحل .وكانت
نية االستعفاف بطلب احلالل ،ونية اإلنفاق على العيال ،ونية اإلفاضة من
فضول الرزق على العباد حمرك تلك اهلمم .كانوا أمة ال تلهيهم جتارة وال
بيع عن ذكر اهلل.
لعل باملقارنة إىل ما آل إليه أمر املسلمني يف موقفهم الوثين إزاء الكسب،
تتبني لنا الشقة البعيدة اليت يلزم أن نقرب منها هذا االقتصاد اجلامح مع
اهلوى إىل معاين التعبد والتقرب إىل اهلل من خالل السعي يف األرض ،وابتغاء
فضل اهلل الدائم يف اآلخرة .من خالل حسن التصرف فيما يتفضل به هنا
على عباده الكاسبني .إن إنسان العصر الوثين يصف نفسه بأنه حيوان
سياسي ،وحيوان اقتصادي .وتنم عبارة الناس عن دخائلهم .وما ال رأمسايل
إال وحش كاسر يف غابة متجد الفردية األنانية ،وحترتم كل مهزة ملزة مجع ماال
وعدده .ويف اجلانب اآلخر من اجلاهلية دولة وحش كاسرة.
باملقارنة مع فقه املعامالت اإلسالمي ،وبرتكيب منظار احلالل واحل رام،
والطيب واخلبيث على أعيننا تتبني لنا جماري الظلم والظالم اللذان دخال
في االقتصا د
91
اإلنتاج
علينا حني خربت الضمائر وفسدت الذمم ،ومارس املسلمون الربا وسائر
أنواع اجل رائم االقتصادية ،فأعرضوا بكفر نعمة املوىل عز وجل عن عمارة
األرض اليت أمروا هبا كما أمروا بسائر العبادات.
فإصالح االقتصاد ،وتشجيع الكسب واإلنتاج ،مي ران من طريق الدعوة،
ويدخالن من باهبا .ولن خنرج من ختلف األع رابية القاعدة اخلائنة املنافقة
فنستحق اخلالفة يف األرض إال عندما تكون يف ضمائرنا ويف قوانيننا املعامالت
االقتصادية فيما بيننا جزءا ال يتجزأ من معاملتنا مع املوىل عز وجل .لن
خنرج من التخلف بذهنية الزهادة واهلروب من الكسب واخلمول والدروشة
ادعاءا للورع ،وخوف الوقوع يف الشبهات .فذلك دين املؤمن الضعيف.
وإمنا يصلح األمة جهاد اقتصادي يعم أصناف الناس ،ويغطي كل احلرف،
ويؤمن كل حاجات األمة .رادع اخلوف من احلساب يوم القيامة ،والتناهي
عن املنكر ،قيود تكف الشهوة واهلوى وحب الدنيا أن تصول وتعتو وتفتك
بقيم األمة املادية واملعنوية .فهي سوالب .لكن احلافز القوي ،حافز اعتبار
اإلنتاج اجليد ،احلالل ،النظيف ،يسبق يف النظر واالعتبار كما يسبق إعداد
الفرس إعداد اللجام.
الحث على الكسب
عقد اإلمام الغ زايل رمحه اهلل بابا يف احلث على الكسب قال :أما من
ار َم َع اش اً} (النبأ ،)11 ،فذكره
{و َج َع لْنَ ا الن ـَّ َه
الكتاب فقوله تعاىل:
َ
َ
ِ
ش قَ لِ ي الً َّم ا
{و َج َع لْنَ ا لَ ُك ْم ف َ
يه ا َم َع ايِ َ
يف معرض االمتنان .وقال تعاىلَ :
تَ ْش ُك ُرون} (األع راف ،)10 ،فجعلها ربك نعمة وطلب الشكر عليها .وقال
ض الً ِّم ن َّربِّ ُك ْم} (البقرة.)198 ،
تعاىل{ :لَ ْي
اح أَن تـَ ْب تـَغُ واْ فَ ْ
س َع لَ ْي ُك ْم ُج نَ ٌ
َ
ض ِربُو َن فِ ي ْالَْر ِ
ض ِل ال لَّ ِه}
وقال تعاىل:
ض يـَ ْب تـَغُ و َن ِم ن فَ ْ
{وآ َخ ُرو َن يَ ْ
َ
(املزمل .)20 ،وقال تعاىل{ :فَ انتَ ِش ُروا فِ ي ْالَْر ِ
ض ِل ال لَّ ِه}
ض َوابـْتـَغُ وا ِم ن فَ ْ
(اجلمعة .)10 ،وأما األخبار فقد قال صلى اهلل عليه وسلم« :من الذنوب
ذنوب ال يكفرها إال اهلم يف طلب املعيشة» .وقال عليه السالم« :التاجر
في االقتصا د
92
اإلنتاج
الصدوق حيشر يوم القيامة مع الصديقني والشهداء» (رواه الرتمذي وحسنه
واحلاكم من حديث أيب سعيد) )...( .وقال صلى اهلل عليه وسلم« :أحل ما
أكل الرجل من كسبه ،وكل بيع مربور» (رواه أمحد والب زار واحلاكم بنحوه
وصححه) .ويف خرب آخر« :أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح»
(رواه أمحد من حديث أيب هريرة وحسنه الع راقي) )...( .وقال عليه السالم:
«ألن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خري من أن يأيت رجال أعطاه
اهلل من فضله فيسأله ،أعطاه أو منعه» (متفق عليه من حديث أيب هريرة)».
طلب الحالل
جبل اإلنسان على حب الدنيا ،والتسابق مع أق رانه يف مجع متاعها،
والتكاثر .زين اهلل عز وجل له ذلك يف جبلته ،وأخربه بذلك ،وحذره منه.
{زيِّن لِ
الش َه و ِ
ات ِم ن ال نِّس اء والْب نِ
ِ
َّ
ين
ب
ح
َّاس
ن
ل
ُّ
ُ
َ َ َ َ َ
قال تبارك وتعاىلَ ُ :
َ
اط ي ِر الْم َق ن طَ رِة ِ
والْ َق نَ ِ
ب وال ِ
ضِ
َّ
ِ
ِ
َّ
ْ
س َّو َم ِة َواألَنـْ َع ِام
ْم
ل
ا
ل
ي
خ
ل
ا
و
ة
ْف
ه
الذ
ن
م
َ
َ
ْ
َ
َ
َ
ُ َ َ
ُ َ
ِ
ِ
ِ
ِ
ْم ِ
ْح يَ اة ُّ
آب} (آل
ْح ْرث َذل َ
ك َم تَ اعُ ال َ
َوال َ
الدنـْيَ ا َوال لّ هُ ع ن َدهُ ُح ْس ُن ال َ
ْم َق ابِ َر}
عم ران .)14 ،وقال عز من قائل{ :أَل َ
ْه ا ُك ُم ال تَّ َك اثـُ ُر َح تَّى ُز ْرتُ ُم ال َ
(التكاثر.)2-1 ،
ال سبيل إىل دفع تلك اجلبلة ومقاومتها إال ملن وقاه اهلل شح نفسه،
أو هذبه باإلميان ف زال منه احلرص وطول األمل اللذان أخرب عنهما الصادق
املصدوق صلى اهلل عليه وسلم بأهنما يشيبان مع املرء ويلزمانه.
لكن املمكن والواجب ألمة تريد احلياة ،وتريد استعادة عزها باإلسالم،
أن توجه طبيعة حب االمتالك ،من حيث هو امتالك إىل طلب احلالل،
وربط هذا الطلب الفردي باهلدف االجتماعي االقتصادي لألمة .وإن اهلل
عز وجل حني خلق آدم وبنيه ليعمروا األرض ،وحني أمر عباده بعم راهنا
باخلري ،زودهم سبحانه هبذه الغريزة لكيال تتعطل وظيفتهم هذه .والتنافس
في االقتصا د
93
اإلنتاج
على الدنيا من التدافع الذي أسس اهلل سبحانه وتعاىل عليه عمارة األرض،
تفسد األرض وخترب بغيابه .قال عز من قائل{ :ولَ والَ َدفْ ع ال لّ ِ
َّاس
ن
ال
ه
ُ
َ ْ
َ
ت األَرض ولَ ِ
ض لَّ َف س َد ِ
ْع الَ ِ
بـَ ْع َ ِ
ٍ
م
ل
ا
ى
ل
ع
ل
ض
ف
و
ذ
ه
ل
ال
ن
ـك
ين}
ّ
َ
َ
ُ
َّ
ْ
َ
َ
ُ
َ
ْ
َ
َ
ض ُه ْم ب بـَ ْع ٍ َ
(البقرة.)251 ،
فمن اخلري العميم ،والنعمة الشاملة ،أن تسخر غريزة التنافس يف
عمارة األرض بعد أن يهذهبا اإلميان ويوجهها ويسكبها يف قوالب القوانني
الشرعية .وكما يكون التنافس احليواين حمرك ال رأمسالية الفردية ،فإن التنافس
اآلدمي يكون حمرك العم ران اإلسالمي .وكما يتنافس اجلاهليون فيما بينهم
أيهم يستحوذ علينا ،ينبغي ألمة اإلسالم أن يصبح طلب احلالل وت را يف
قوس اقتصادها لرتمي بإنتاجها أهداف العدو وتكسر احتكاره ،وتغزو
سوقه .العامل كله اليوم سوق ،واملنافسة قانونه .منافسة بني الشركات
والدول الغربية .االقتصاد الغريب مهدد حبذق اليابانيني وجودة منتوجاهتم،
يشكو تلك املنافسة ،ويتخذ اإلج راءات اجلمركية حلماية أسواقه .وذلك
خرق ملبدإ احلرية ال رأمسالية الغابوية .منافسة بني روسيا وأمريكا .وكأن
ستالني وخرتشوف حني كانا يعلنان لدولتهما وللعامل أن روسيا ستنتج
مثل أمريكا وستفوهتا إمنا يدخالن يف سياق رأمسايل مع ال رأمسالية .كأهنما
اعرتفا أن رأمساليتهما ،وهي رأمسالية الدولة ،أجود من ال رأمسالية األخرى.
السعي على العيال من احلالل واجب يف حق الفرد ،والتنافس اجلهادي
واجب يف حق األمة مع اإلنتاج الذي يغزو أسواقنا .من احلالل ما هو مباح فهو
حالل رخاء وتوسع .ومنه ما هو واجب فتحصيله وإنتاجه والعناية به وإعداد
العدة له فرض مؤكد على كل مسلم ومسلمة ،وعلى الدولة اإلسالمية.
كتب اإلمام الغزايل رمحه اهلل هذه السطور النرية يف املوضوع« :احلمد
هلل الذي خلق اإلنسان من طني الزب وصلصال ،مث ركب صورته يف
أحسن تقومي وأمت اعتدال ،مث غذاه يف أول نشوئه بلنب استصفاه من
في االقتصا د
94
اإلنتاج
بني فرث ودم سائغا كاملاء الزالل ،مث محاه مبا آتاه من طيبات الرزق
عن دواعي الضعف واالحنالل ،مث قيد شهوته املعادية له عن السطوة
والصيال ،وقهرها مبا افرتضه عليه من طلب القوت احلالل ،وهزم
بكسرها جند الشيطان املشمر لإلضالل ،ولقد كان جيري من ابن
آدم جمرى الدم السيال ،فضيق عليه بعزة اجلالل اجملرى واجملال ،إذ كان
ال يبذرقه (ال يبلغه) إىل أعماق العروق إال الشهوة املائلة إىل الغلبة
واالسرتسال ،فبقي ملا زمت بزمام احلالل خائبا خاسرا ماله من ناصر
وال وال ،والصالة والسالم على حممد اهلادي من الضالل».
ها حنن نتحدث يف االقتصاد بلسان رباين ،ولغة قرآنية ،تصل العبد
مبواله ،وتربزه عروس اخلليقة ،أحسن اهلل سبحانه صورته واعتداله وغذاه
بالرزق الطيب ،وركب فيه الشهوة ليبلوه وخيتربه ،وسلط عليه العدو
املوسوس لعنه اهلل ،جيلب عليه خبيله ورجله ،وزم سبحانه وتعاىل حرية
العبد املؤمن بزمام احلالل واحل رام ،لكي يكون طلبه للرزق طلبا مجيال ،ال
ينفذ معه الشيطان إىل قلبه ،وال حتمله املنافسة فيه إىل السطوة على الناس.
وعقب اإلمام اجلليل رمحه اهلل هذه املقدمة بأبواب يف فضيلة احلالل
ومذمة احل رام ،ويف م راتب الشبهات ،ويف وجوب البحث والسؤال والتثبت
يف مسائل احلالل واحل رام ،ويف كيفية خروج التائب عن املظامل املالية ،ويف
إدرارات السلطان (عطائه) املالية وما حيل منها وما حيرم ،ويف الدخول على
السالطني.
عند أمثال الغ زايل تنشد ضالة الورعني ،ويف مدرسته غنيمة لكل تائب
يرعى حقوق رب العاملني .فالورع الذي كان زينة الصاحلني مكمل إحساين
لفقه األحكام واحلدود الذي ختصص الفقهاء األجماد رمحهم اهلل يف عرضه
وتقنينه وحفظه .وال يكفي لتهذيب الغ رائز اجلاحمة ،كالشهوة ،والتنافس،
في االقتصا د
95
اإلنتاج
والشح ،واالحتيال للدرهم ،فقه املفىت وسلطة احملتسب والقاضي .بل
الرتبية اإلميانية اإلحسانية وحدها كفيلة بالنفاذ إىل األعماق الداخلية
حيث منبع اخلري والشر يف الفرد ،منه خترج إىل اجملتمع صالحا أو فسادا،
عدال أو جورا ،عم رانا أو ختريبا.
فهاهي ذه أدوات معاجلة االقتصاد من وجهة إسالمية .معايري كمية
مادية ،وأخرى قانونية شرعية ،وأخرى نفسية تربوية .ومن تفاعل احلقائق
اليت تتناوهلا هذه املعايري ينتج املذهب اإلسالمي يف االقتصاد .فال ميكن
مقارنته باملذاهب البشرية لغياب العنصر النفسي األخالقي الرتبوي يف
تركيبها ،وخاصة لتنايف قانوهنا األرضي مع قانون السماء الشرعي.
هل يكون اقتصادنا اقتصاد سوق؟
إن منهاج اإلنتاج والكسب اإلسالمي يتميز عن أساليب ال رأمسالية
واالش رتاكية جبمعه بني الباعث احليوي الديناميكي ،معذرة عن كلمة
أخرى من بنيات العصر ،وبني ال رادع القانوين.
متتاز ال رأمسالية بقدرهتا الفائقة على اإلنتاج لوجود الغريزة التنافسية يف
البشر اليت تتخذها ال رأمسالية مطية ألغ راض الوفرة .ومبدأ الل ربالية هو أن
تدع الغريزة حرة والتنافس يتصارع يف فوضى ينتظر أن خيرج من تناقضها
نظام.
حيوية على كل حال شهدت هبا النتائج.
وتريد االشرتاكية أن ختضع عملية اإلنتاج للعقل ،والتخطيط
والضبط والنظام .فالنية جيدة ،ألن الفوضى ال يرجى منها خري .لكن
االشرتاكية ،خاصة يف صيغتها القصوى يف روسيا والصني حيث ال
ملكية تذكر إال ملكية الدولة ،تقتل احليوية وتضعف اإلنتاج بوضعها
في االقتصا د
96
اإلنتاج
الغريزة يف األغالل ،وقمعها املبادرة الفردية ،وإحالة وظيفة احلركة على
املكتبية اليت من طبيعتها أن متيل للتباطؤ واإلمهال والتطويل.
وإن حنن ذكرنا هنا املذهبني اجلاهليني يف اإلنتاج فلكي نبصر باملقارنة
أية استعدادات للتفوق ميلكه نظامنا احلنيف إن طبق تطبيقا كامال ،تربية
وقانونا ،دعوة ودولة ،باعثا إميانيا وورعا شرعيا ،تنافسا يف احلالل وسباقا
للواجب ،وورعا عن احملرم والشبهة.
ال ينكر اإلسالم غريزة التنافس ،وال يكبتها ،وال يقمعها .كما ال ينكر
غريزة التناسل وسائر الغ رائز .إمنا يوجهها إىل اخلري ،ويزمها بزمام الشرع،
لتنصرف الشهوة إىل البناء ال إىل اهلدم ،إىل العم ران ال إىل التخريب.
كيف ينكر الغ رائز خالق الغ رائز سبحانه وتعاىل! قال اهلل تعاىل خياطب
فينا غريزة املنافسة ويوجهها{ :وفِ ي َذلِ
س الْم تـ نَ افِ
ِ
س ون}
ف
ا
ن
تـ
ي
ل
فـ
ك
ْ
َ
َ
َ
َ
َ
َ
َ
َ
ٍُ ُ
ِ
ِ
{و َس ا ِرعُ واْ إلَ ى َم غْ ف َرة ِّم ن َّربِّ ُك ْم
(املطففني .)26 ،وقال عز من قائلَ :
وج ن ٍ
ض} (آل عم ران .)133 ،وقال سبحانه:
ض َه ا َّ
او ُ
َّة َع ْر ُ
ات َواألَ ْر ُ
ََ
الس َم َ
ٍ
ِ
ٍ
الس َم اء َو ْالَ ْر ِ
ض َه ا َك َع ْر ِ
ض
ض َّ
{س ابِ ُق وا إِلَ ى َم غْ ف َرة ِّم ن َّربِّ ُك ْم َو َج نَّة َع ْر ُ
َ
أِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
ِ
َّ
َّ
آم نُ وا ب ال لَّ ه َو ُر ُس ل ه} (احلديد .)21 ،تنافس يهيب به الوحي
ذ
ل
ل
ت
د
ُع
ْ
ين َ
َ
أن يصعد ويرقى ،ال يرذله إال تعلقه بالسفساف.
المبادرة الحرة
يكون املال واستثماره شؤما إن كان مع اجلمع والعد صد عن سبيل
اهلل ،وهوى متبع ،وشح مطاع .أما استثمار املال الصاحل يف األهداف
الصاحلة فهو نعم العمل .وقد ثبت بالكتاب والسنة قاعدة ال رتاضي يف
املعامالت باعتباره أساسا لألخذ والعطاء ،وأساسا للعقود ،وأساسا
للنشاط االقتصادي .كما وردت أحاديث يف اح رتام أسعار السوق .وكل
هذا يفيد أن صاحب املال الذي خياطر مباله يف التجارة أو الصناعة،
في االقتصا د
97
اإلنتاج
ويتحمل مسؤولية السهر على ماله ،ومشقة السعي والكد فيما يصلح
احلياة االجتماعية ،ويبذل وقته وقوته ،من حقه أن يشرتط رحبا يعوض جهوده.
ويفيد هذا ،على مستوى االقتصاد الكبري ،أن املبادرة احلرة مؤسسة
يعرتف هبا اإلسالم ،بل جيعلها أساسا منه تستثىن احلاالت اليت يقع فيها
الضرر على املصلحة العامة من سوء تصرف املالك .إذا طغت الغريزة
التملكية التنافسية وجتاوزت حدها احملدود صارت سفها ،ومسي مطاياها
سفهاء ،وحجر عليهم.
إن رفض ال رأمسالية ال يعين رفض وجود رؤوس أموال حرة ،بل يعين رفض
األم راض األنانية اليت تط رأ على الفطر فتجمح هبا .وإن رفض ال رأمسالية ال
يعين رفض املبادرة احلرة الشخصية أو اجلماعية يف شركات ،إمنا يعين إبعاد
التضامنات االحتكارية ،ورفع األسعار التعسفي ،وطلب الربح املادي على
حساب املصلحة االجتماعية ،واستعباد العامل األجري واستغالله.
إن إلغاء املبادرة احلرة يهدد االقتصاد بالشلل لتعطيل الغريزة اليت
جعلها اهلل فينا حمركا للتدافع الذي يكون به العم ران.
يف روسيا وإم رباطوريتها ركود اقتصادي دائم ،إال يف املعامل اليت ميكن
فيها التجنيد العسكري للعمال .ويف بالد اش رتاكيات أوربا مثل السويد
تعاين الدولة مشكلة عزوف الناس عن العمل منذ جاءهتم تلك االش رتاكية
من نوع خاص مبساواة يف األجور ،وأممت االقتصاد ،وقضت على كل مزية
اجتماعية ،إذ يستوي يف األجر واحلرمة البائع املتجول ،واملغين املاجن،
وأستاذ الرياضيات يف اجلامعة.
ملاذا يبذل العامل االش رتاكي جهدا ،وملاذا يسهر املكتيب االش رتاكي،
واملدبر االش رتاكي ،على إجناز الواجبات يف املواعيد ما دامت أج رهتما لن
في االقتصا د
98
اإلنتاج
تتأثر بنتائج أعماهلما؟ املالك للمعمل واحلقل واملؤسسة غائب أعمى
يسمى الدولة .فمن العبث أن يقتل املرء نفسه وعني الرقابة الشرطية
ملتفتة.
التخطيط وعقلنة االقتصاد
إن مما أصبح مقبوال يف عامل االقتصاد ،وأصبح ضرورة مفروغا منها،
التخطيط االقتصادي .حيب احلكام أن يروا على الورق مستقبل التطور
مكتوبا حمصيا مخس سنوات معدودات تبدأ بتاريخ كذا وتنتهي بتاريخ
كذا .وتصطف األرقام والتواريخ كأهنا جنود مطيعة لإلرادة احلاكمة.
هذه حماولة لعقلنة االقتصاد .وتعين عقلنته إخضاعه ملنطق العقل
الذي ال جمال فيه الحتماالت الرفض ،وتردد اإلرادة ،ونزوة العاطفة ،وحترك
الغريزة .العقلنة االقتصادية حماولة حملاربة الفوضى الناشئة عن التناقضات
بني نفس اإلنسان وعقله ،بني اجتاه الفرد واجتاه اجلماعة ،بني املطالب
االقتصادية املت زامحة على الباب كل منها يريد أن تعطاه األسبقية.
لكن التأميم املربمج ،وما يتبعه من تويل إدارة متناسلة ،متثاقلة ،مهملة،
بعيدة ،غري مكرتثة ،تؤول إىل برجمة الفوضى وتعميمها .قد تكون برجمة
التوزيع هلدف العدل يف القسمة إج راء معقوال يف النظر .لكن برجمة اإلنتاج
على نطاق الدولة ،وما يستلزم ذلك من التعامل باجلملة ،ومن بعيد،
وعن عمى بدقائق املكان والزمان والناس مما ال تبصره األرقام الصماء،
تغرير باالقتصاد .وحىت برجمة التوزيع ،بتأميم التجارة ،يفضي إىل ما أثبتته
التجربة من اختالس رغم احملاسبة ،ومن سوق سوداء ،ومن رشوة ،ومن
إضاعة البضائع واألموال نتيجة لإلمهال.
في االقتصا د
99
اإلنتاج
إذا طلبنا إىل احلكام السياسيني يف أنظمة الفتنة أن يـَ ْع ِق لُ وا شيئا يف
االقتصاد ،فأحرى أن خيططوا له ختطيطا معقوال قابال للتطبيق فإمنا نطلب
مستحيال .ومع ذلك ال تسمع إال ذكر اخلطة ،والتغين باخلطة ،ومتجيد
اخلطة.
يف دولة اإلسالم ينبغي ،بل يتعني واجبا ،أال يكون اإلمام رجل اخلطة
االقتصادية ،إن كانت له دراية باملوضوع والتقنية أصال ،لكيال يغرق يف
األرقام يف الوقت الذي تطلبه تربية الرجال ،وتوجيه سياسة الدولة ،ونشر
الدعوة يف العامل .من شأن املتخصصني والتقنيني يف احلكومة اإلسالمية أن
خيططوا مبصرين عيوب التخطيط ومساوئ املكتبية .على أن ال يكون
جمال التخطيط إال امل رافق العامة ومؤسسات اإلنتاج القاعدية.
املسلسل االقتصادي اإلسالمي هو أن تكون املبادرة احلرة هي األساس،
وتدخل الدولة طارئا ،ويكون التخطيط حمدودا .وكل ختطيط جيعل التأميم
هو القاعدة واملبادرة احلرة هي االستثناء فإمنا يعرض االقتصاد للخطر .فمن
خطط التوزيع االجتماعي ،مع خ راب آليات اإلنتاج وشلل حمركه الفطري
وهو املبادرة احلرة ،فإمنا خيطط لتوزيع البؤس والفاقة.
املسلسل االقتصادي اإلسالمي يشكل نظاما مستنبطا من األحكام
السماوية .ففي مصدره السماوي ضمان لنجاحه ،ال يدخله اخللل
إال من قلة فهمنا عن اهلل ،وقلة فقهنا لروح الشريعة ومقاصدها .فإن
اهلل عز وجل الذي ميسك السماوات واألرض أن تزوال وهو الضامن
النجاح والفالح ملن اتبع هداه ال هوى النفس ،واتبع الفهم عنه ال حتكم
العقالنية ،ووظف العقل فيما خلق له من استماع أمر اهلل وآياته املنزلة مث
تكييف الواقع هلا ال العكس ،ووظف الغريزة املهذبة املوجهة يف النشاط
العم راين ،ومل يرتكها تنزو عليه وتركبه .ما ترى يف خلق الرمحن من تفاوت
يف نظام الكون ،ودوران الكواكب ،ورتابة حركتها ،ولزوم كل منها
حدوده ،فال اصطدام وال فوضى .خالق ذلك النظام وضامن حركته هو
في االقتصا د
100
اإلنتاج
منزل الشريعة وضامن صالحها بشرط التقوى منا ،والفهم عنه ،والفقه
ألس رار أحكامه .وهذا ال يتناىف يف شيء مع استعمال العقل يف أقصى ما
يستطيعه لرتتيب العملية.
بإخضاع التخطيط هلذا النظام اإلهلي ميكن إصالح أخطائه وجتنب
حماذيره ،كما ميكن تفادي السخف الذي جيعل من ال رأمسالية املطلقة
الرسن جمنونا رهيبا يصطنع احلاجات باإلعالن ،ويزيف البضائع باألصباغ
واألشكال ،ويصنع من اإلنسان دابة ال هدف هلا إال اإلنتاج واالستهالك.
إن التخطيط العاقل عن اهلل ،املدرك لنواميس اهلل يف الكون ميكننا ،يف
حدود الشريعة ،من إصالح الوسائل املوجودة لدينا بتوفري اجلهد ،واالقتصاد
يف استعماهلا ،وتصويبها حنو أهدافنا االجتماعية والدفاعية واالستقاللية.
كما ميكننا من تنسيق اجلهود الفردية وإعطائها االنسجام الذي تفتقر إليه
لو بقيت تنافسا مفتوحا .ونعم الزمام ختطيط حيمى للفق راء واجلماعة محى
اقتصاديا لئال تطيش مبصلحة الفق راء واجلماعة نزعات األنانية ونزغات
الشيطان.
أهداف التخطيط
ما كان للدولة اإلسالمية أن تبقى حمايدة يف عملية اإلنتاج االقتصادي،
وإال لكان ذلك منها سفها .إذ األمر جهاد ،ومسألة بقاء األمة أو فنائها.
فبجانب حيوية املبادرة احلرة يسري املوجه السلطاين القرآين يهدي
الكسبة إىل أهداف األمة ،ويقوم االعوجاج ،ويرشد ،ويتابع ،وي راقب ،وميهد
العسري ،ويربط حبل االتصال ،وينسق األعمال.
في االقتصا د
101
اإلنتاج
هدفان أساسيان ترمي إىل حتقيقهما الدولة اإلسالمية :العدل االجتماعي
يف الداخل ،والقوة على جهاد العدوان اخلارجي .وعنهما تتفرع األهداف
األخرى.
فالعدل حد أدىن من تعميم الرخاء .وحسن القسمة يقتضي استخ راج
ثروات األرض ،واستثمار أموال األمة ،وتعبئة اليد العاملة ،والعقل املبتكر،
إلنتاج ما به تكون الكفاية .فإنه ال عدل هناك ممكنا إن مل يكن لدينا
ما نقسم ،وما نرضي به حاجة احملتاج .وبعد العدل الرخاء يف املطعم،
وامللبس ،واملسكن ،والتعليم ،والصحة .وكل ذلك يريد أن نقتصد يف
استعمال مواردنا ونصرفها تصريفا حكيما.
والقوة اجلهادية تقتضي أن نسخر كل طاقاتنا لنستقل ،ونصنع
السالم ،وجنهز اجلند ،بال تبذير ،وال إيثار للرتف على اخلشونة ،وال اعتماد
على غري جهودنا.
والبد أن نعلم كل هذا املبادرة احلرة ،ونوجهها إليه ،ون راقبها ونقسرها
عند احلاجة عليه.
الفصل السابع
التوزيع
م راتب احلاجة االحتكار التبذير -التكافل
في االقتصا د
105
التوزيع
مراتب الحاجة
عندما ينظر الفقيه واملريب املسلم يف حاجات اإلنسان ،ال خيص حاجاته
املادية املعاشية باالهتمام واالعتبار ،بل ينظر نظرة مشولية تعم حاجات
اإلنسان املعاشية واإلميانية ،الدنيوية واألخروية ،العبادية والتعاملية .فبذلك
تتخذ كلمة «اقتصاد» معىن فريدا ،إذ تدل على وجود قصد وقاصد ،غاية
ووسائل .إننا ننتقل نقلة بعيدة عندما نرفع أعيننا عن ق راءة ه راء املاديني
العصري يف إخبارهم عن احلاجات واالقتصاد لننظر يف حديث الربانيني
عن حاجات العبد ومقاصد الشريعة.
ننتقل من حيز تسوده الوسائل اليت ال غاية هلا إىل جو يسبق فيه
االهتمام بالغاية ذكر الوسائل.
نق رأ بتؤدة هذه الفق رات من كتاب املوافقات لإلمام الشاطيب رمحه اهلل
لننظر كيف تدخل احلاجات ،املادية املعاشية يف احلساب اإلمجايل حلياة
املسلمني جنبا إىل جنب ،بل تابعا ملتبوع ،ووسيلة لغاية ،مع حاجاته
األخالقية اإلميانية امل عادية.
َ
قال رمحه اهلل« :تكاليف الشريعة ترجع إىل حفظ مقاصدها يف اخللق.
وهذه املقاصد ال تعدو ثالثة أقسام .أحدها أن تكون ضرورية .والثاين أن
تكون حاجية .والثالث أن تكون حتسينية.
« )1فأما الضرورية فمعناها أنه البد منها يف قيام مصاحل الدين والدنيا.
حبيث إذا فقدت مل جتر مصاحل الدنيا على استقامة ،بل على فساد وهتارج
(فوضى) وفوت حياة .ويف األخرى فوت النجاة والنعيم ،والرجوع باخلس ران
املبني ( )...فأصول العبادات راجعة إىل حفظ الدين من جانب الوجود (أي
بأفعال إجيابية ال برتوك) كاإلميان ،والنطق بالشهادتني ،والصالة ،والزكاة،
والصيام ،واحلج ،وما أشبه ذلك.
في االقتصا د
106
التوزيع
والعادات راجعة إىل حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا،
كتناول املأكوالت ،واملشروبات ،وامللبوسات ،واملسكونات ،وما أشبه
ذلك .واملعامالت راجعة إىل حفظ النسل واملال من جانب الوجود ،وإىل
حفظ النفس والعقل معا لكن بواسطة العادات .واجلنايات وجيمعها األمر
باملعروف والنهي عن املنكر ترجع إىل حفظ اجلميع من جانب العدم (أي
مبنع لضرر)».
« )2وأما احلاجيات فمعناها أهنا مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع
الضيق املؤدي يف الغالب إىل احلرج واملشقة الالحقة بفوت املطلوب (.)...
ففي العبادات كالرخص املخففة بالنسبة إىل ختوف املشقة باملرض والسفر.
ويف العادات كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حالل مأكال ومشربا
وملبسا ومسكنا ومركبا وما أشبه ذلك .ويف املعامالت كالق راض واملساقات
والسلم (.»)...
« )3وأما التحسينيات فمعناها األخذ مبا يليق من حماسن العادات،
وجتنب األموال املدنسات اليت تأنفها العقول ال راجحات .وجيمع ذلك قسم
مكارم األخالق(.)...
ففي العبادات كإزالة النجاسة ،وباجلملة الطهارات كلها ،وسرت
العورة ،وأخذ الزينة )...( .ويف العادات كآداب األكل والشرب ،وجمانبة
املآكل النجسات ،واملشارب املستخبثات ،واإلس راف ،واإلقتار (التضييق)
يف املتناوالت».
هكذا يكون تقسيم أعمال اإلنسان وجماالته احلياتية واملعادية يف نظرة
ال تعزل الدين عن الدولة ،وال االقتصاد املادي عن االقتصاد مبعىن القصد
إىل غاية من وراء احلياة الدنيا ،وال الغذاء البدين عن الغذاء اإلمياين.
في االقتصا د
107
التوزيع
ويسري االعتبار الشرعي يف كل األحكام املتعلقة باملعايش أم را وهنيا،
إتيانا ومنعا ،من جانب الوجود ومن جانب العدم كما يعرب الشاطيب رمحه
اهلل.
االحتكار
االحتكار آفة اقتصادية على اجملتمع ،وآفة دينية على احملتكر .فمن
حارب األمة يف ضروريات معاشها وحاجياته وحمسناته كمن حارهبا يف
سائر شؤون دينها .واالحتكار جرمية اقتصادية بعرف القانون الوضعي،
لكنه يف اإلسالم إمث من اآلثام ،وذنب يوبق من رمحة اهلل كما يوبق ترك
الصالة ومنع الزكاة .ألن منع املسلمني من تناول حاجياهتم املعاشية،
وحجزها عنهم ،صد عن سبيل اهلل ،وتعطيل ملقصد من مقاصد الشريعة
وهو حفظ النفس والعقل .فمن منع توزيع األرزاق على العباد عرضهم
لضياع نفوسهم ،وشغل عقوهلم هبَ ِّم القوت وامللبس واملسكن عما خلقوا
من أجله وهو عبادة اهلل عز وجل ،وهو التهيؤ للقائه ،وهو التزود للدار
اآلخرة دار النعيم ملن آمن وعمل صاحلا فرمحه ربه الرحيم.
ويشتد نكري اإلسالم على حمتكر الضروريات .قال أبو طالب املكي
رمحه اهلل« :وجيتنب التاجر االحتكار ملا يؤكل ويقتات من القطنية وغريها.
وأشد ذلك احلنطة اليت هي قوت الكافة .فقد روي يف ك راهة االحتكار
والتشديد فيه أخبار كثرية .روى حذيفة عن رسول اهلل صلى اهلل عليه
وسلم« :من احتكر طعام املسلمني فليس منا» .ويف خرب آخر« :من احتكر
الطعام أربعني يوما مث تصدق به مل تكن صدقة ،بل كفارة الحتكاره»)...( .
ومن العلماء من كان جيعل االحتكار يف كل مأكول من احلبوب واإلدام،
مثل العدس والباقال والسمن والعسل والشريج (زيت السمسم) واجلنب
والتمر والزيت .ويكره احتكار مجيع ذلك .وروي حنو هذا عن ابن عباس
يف قوله عز وجل{ :وم ن ي ِر ْد فِ ِ
يه بِِإلْح ٍ
ْم نُ ِذقْ هُ ِم ْن َع َذ ٍ
اب أَلِ ٍ
اد بِ ظُل ٍ
يم}
َ
ََ ُ
(احلج )25 ،قيل :االحتكار من الظلم.
في االقتصا د
108
التوزيع
على أن االحتكار املنهي عنه ال يقتصر على احتكار املأكوالت
وادخارها .بل يعم كل منع للناس من الوصول إىل أرزاقهم ،واإلجحاف
حبقوقهم .فإذا كان االحتكار مؤامرة منظمة على أرزاق املسلمني ،كما
تتيح ذلك ال رأمسالية املعاصرة ،كان أشد نك را وأسوأ سبيال.
وعلى الدولة اإلسالمية أن تردع أنواع االحتكار :احتكار األرض واألموال،
والسلع ،واخلدمات ،والعلم عن طالبه ،واخلربة عن احملتاج إليها ،والعالج
عن املريض .أمر سيدنا علي بن أيب طالب رضي اهلل عنه عامله األشرت قال:
«واعلم مع ذلك أن يف كثري منهم (من التجار وأصحاب الصناعات) ضيقا
فاحشا ،وشحا قبيحا ،واحتكارا للمنافع ،وحتكما يف البياعات .وذلك
باب مضرة للعامة وعيب على الوالة .فامنع من االحتكار ،فإن رسول اهلل
صلى اهلل عليه وآله منع منه .وليكن البيع مسحا ،مبوازين عدل وأسعار ال
جتحف بالفريقني من البائع واملبتاع .فمن قارف حكره بعد هنيك إياه
فنكل به ،وعاقب يف غري إس راف».
التبذير
إن تبذير الثروات ،واإلس راف يف استهالكها لَ ِم ن أخبث ج رائم االقتصاد
اجلاهلي .ينهى اإلسالم عن اإلس راف والتبذير هنيا شديدا ،ويسرد اهلل عز
ين َك انُواْ
وجل املسرفنيِ واملبذرين مع الشياطني .قال تعاىل{ :إِ َّن ال ُ
ْم بَ ِّذ ِر َ
إِ ْخ َوا َن َّ
الش يَ اط ي ِن} (اإلس راء .)27 ،وقال عز من قائل{ :و ُك لُ واْ َوا ْش َربُواْ
ِ
ين} (األع راف)31 ،
َوالَ تُ ْس ِرفُ واْ إِنَّهُ الَ يُ ِح ُّ
ب ال ُ
ْم ْس ِرف َ
الصورة األشنع للتبذير هي اليت تتجاوز سلوك الفرد ،يأكل كث ريا،
وينفق يف غري منفعة ،إىل السلوك االجتماعي .وهي صورة التبذير
واإلس راف يف النفقات الرتفية .وذلك حني تدخل عادات اجملتمع يف
مرحلة االحنالل التارخيي كما وصفها ابن خلدون .وحني ال يكتفي
في االقتصا د
109
التوزيع
اجملتمع بالضروريات واحلاجيات ،بل يسرف يف التحسينات والكماليات
فتضيع قواعد االقتصاد وتستعلى الطبقة املرتفة ،ويفسد العم ران .قال
الشيخ احلكيم أمحد ويل اهلل الدهلوي رمحه اهلل« :إنه إذا اجتمع عشرة
آالف إنسان مثال يف بلدة ،فالسياسة املدنية تبحث عن مكاسبهم.
فإهنم إن كان أكثرهم مكتسبني بالصناعات ،وسياسة البلدة ،والقليل
منهم مكتسبني بالرعي والزراعة فسد حاهلم يف الدنيا( .قلت :ألن
تضخم العمالة يف ميدان الصناعة واخلدمات على حساب اإلنتاج األويل
يشوه بنية االقتصاد فتصبح تشييدا يف الفضاء).
قال رمحه اهلل« :وإن تكسبوا بعصارة اخلمر وصناعة األصنام كان ترغيبا
للناس يف استعماهلا على الوجه الذي شاع بينهم .فكان سببا هلالكهم يف
الدين .فإن وزعت املكاسب وأصحاهبا على الوجه املعروف الذي تعطيه
احلكمة ،وقبض على أيدي املتكسبني باألكساب القبيحة صلح حاهلم».
«وكذلك من مفاسد املدن أن ترغب عظماؤهم يف دقائق احللي واللباس
والبناء واملطاعم وغيد النساء وحنو ذلك ،زيادة على ما تعطيه االرتفاقات
(االحتياجات) الضرورية اليت البد للناس منها ،واجتمع عليها عرب الناس
وعجمهم .فيكتسب الناس بالتصرف يف األمور الطبيعية لتتأتى منها
شهواهتم (أترجم :يصرفون عوامل اإلنتاج عن توفري الضروريات إىل إرضاء
الشهوات وإشباع الغ رائز) .فينتصب قوم إىل تعليم اجلواري الغناء والرقص
واحلركات املتناسبة اللذيذة .وآخرون إىل املطربة يف الثياب ،وتصوير
صور احليوانات واألشجار العجيبة والتخاطيط الغريبة فيها .وآخرون إىل
الصناعات وآخرون إىل األبنية الشاخمة وختطيطها وتصويرها».
وبتعود الناس هلذا النمط الرتيف من املعيشة يصبح الرتف حاجة وضرورة
كما يقول ابن خلدون ،وبذلك يسرع اخل راب للدولة.
في االقتصا د
110
التوزيع
إن مهمة الدولة اإلسالمية شاقة يف حماربة التبذير واإلس راف ،ومها
السمتان البارزتان يف االقتصاد اجلاهلي الشيطاين .وكما جيب عليها حماربة
التفاوت يف األرزاق وإقامة العدل ،جيب عليها أن حتول جمرى االقتصاد
من مساره التبذيري إىل مسار اقتصاد التقلل الكفيل وحده بتوفري اخلري
للجميع .إن الشيطان اجلاهلي يبذر مدخ رات األرض هباء منثورا ،ال تفكر
أنانيته اجملرمة يف حاضر اإلنسانية البائسة وال يف مصريها .األمريكي الواحد
يف غرب الواليات املتحدة يستهلك من الطعام والطاقة وسائر املنتوجات
أربعمائة ضعف ما يستهلكه الفالح اهلندي .أي أن عشرة ماليني شيطان
من هذا النوع تستهلك ما يكفي ضرورات سكان األرض األربعة ماليري لو
أهنم اكتفوا مبا يقيم صلب الفالح اهلندي.
عندما يدعو اجلاهليون الشعوب الضعيفة مثلنا إىل حتديد النسل،
وخيوفون العامل باجملاعة ،فعن الذهنية الشيطانية التبذيرية يصدرون .خيافون
أن ي زامحهم املستضعفون على خ ريات األرض ،وحيرصون على أن يبقى
مستوى معيشتهم يف االرتفاع اجلنوين الذي يسمونه تنمية.
حملاربة هذه اجلنونية وحتويل االقتصاد من جم راه الرهيب جيب على
الدولة اإلسالمية أن حتول نظام الض رائب لتقمع الرتف وبضائعه ،وحتول
التكنولوجيا الشيطانية لتعوضها بتكنولوجيا مقتصدة ،وحتول اخلطة
االقتصادية مبا يكفل التوزيع العادل ،وحتسني مداخيل الفق راء ،ورفع أجور
العمال ،وضمان الطعام املغذي للشعب ،والرتبية اجملانية ،والصحة اجليدة،
وامل رافق السكنية ،والنقلية ،والعامة.
التكافل
إن يف إمكان الدولة ،ومن واجبها ،أن حتل العدل يف القسمة حمل
احتكار األغنياء ،وظلم احلكام ،وتبذير السفهاء ،والعدل يضمن احلد
في االقتصا د
111
التوزيع
األدىن الضروري ،يتناول جمال الضروريات واحلاجيات حسب التقسيم
الشاطيب .والزكاة عماد من أعمدة هذه القسمة العادلة.
أما املكمل احملسن للقسمة فهو اإلحسان بعد العدل ،الذي يغطي
جمال التحسينيات .واإلحسان ال تستطيع الدولة الوفاء به ،ألنه من دقائق
األرفاق ،يتعلق بذمم املؤمنني ،ويكون اللحمة املادية للوالية بني املسلمني.
أمر اهلل عز وجل بالعدل واإلحسان ،ليسد اإلحسان التطوعي ثغ رات العدل
اإلل زامي .فإن الدولة ال تستطيع أن تزور املريض ،وتواسي احلزين ،وهترع إىل
إغاثة امللهوف ،ومحل الكل ،واإلعانة على نوائب احلق .إمنا يستطيع ذلك
ذو القرىب ،واجلار ،والصديق ،والشفيق .روى اإلمام أمحد والط رباين واحلاكم
بسند صحيح أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال« :قال اهلل تعاىل:
وجبت حمبيت للمتحابني يف ،واملتجالسني يف ،واملت زاورين يف».
هنا أيضا ،يف امليدان االقتصادي من حيث التكافل ،تتعانق الدعوة
وازع السلطان يف توجيه سلوك األمة.
والدولة ويكمل وازعُ القرآن َ
الفصل الثامن
اقتصاد المركزي
حرية مسؤولة اقتصاد قريب رفيق تضخم السكان ختطيط ال يشل االقتصاد -ختطيط مرن
في االقتصاد
115
حرية مسؤولة
اقتصاد ال مركزي
يتعهد اإلسالم بإعطاء احلرية االقتصادية لألف راد داخل دائرتني ،ال يسمح
للفرد بتعديهما .الدائرة األوىل هي حدود اهلل املتمثلة يف أحكام الواجب
واحملرم ،يف البواعث احلافظة ملقاصد الشريعة من جانب الوجود ،كما
يعرب الشاطيب رمحه اهلل ،ويف الروادع احلافظة هلا من جانب العدم .الدائرة
األوىل اليت حتدد مسؤولية األف راد أمام الدولة هي دائرة األحكام الشرعية
اليت يسهر على تطبيقها احملتسب ،ويطالب هبا املسلمون بعضهم بعضا،
تآم را باملعروف وتناهيا عن املنكر ،ويفصل يف نوازل خرقها القاضي ،وتنفذ
أحكامه على اجلاين يد الدولة .هذه دائرة العدل.
أما الدائرة الثانية اليت ال ختنق احلرية لكن تصعدها لتستعلي على
األنانية ،فهي دائرة اإلحسان ،وهو أن يعبد املؤمن اهلل تعاىل كأنه ي راه .أي
أن ي راعي وجهه الكرمي يف كل ما يأيت وما يذر من أعمال ،ليكون سعيه يف
األرض ابتغاء لوجه اهلل عز وجل .وقد رأينا يف آخر فقرة من الفصل السابع
كيف ميكن للدولة أن تقيم صلب الكيان االجتماعي بواسطة القسمة
العادلة ،بينما تعجز عن التوسعة املادية واملعنوية اليت تريد أن يعيش
املسلمون بعضهم قريبا من بعض ،وبعضهم حانيا على بعض ،مستمعا
لشكواه ،مسرعا ملساعدته.
فهل يتأتى اإلحسان ،وهو تبادل وت زاور ووالية عاطفة ،مع التنظيم
ال رأمسايل املبين على احلرية الشخصية ،وهل يتأتى العدل؟ أم هل ننتظر
عدال وإحسانا من نظام اش رتاكي يكون املالك لوسائل اإلنتاج ،واملكلف
بالتوزيع ،آلة صماء ،عمياء ،متحجرة ،معدنية ،تسمى الدولة؟
إن حرية ال رأمسالية ال تقف عند حد رغم وجود قوانني .ولوال املنافسة
وحقائق السوق اليت حتد من غلوائها لربزت وحشا على حقيقته مكشر
األنياب على قارعة الطريق.
في االقتصاد
116
اقتصاد ال مركزي
إن تعسف الدولة يف اجلانب اآلخر من اجلاهلية خينق عواطف اإلنسان
حني حيرمه من حريته ويصادر كل مبادرة تأيت من جانبه.
اقتصاد قريب رفيق
نعين بالدولة اإلسالمية ،كلما ذكرناها ،دولة الوحدة اليت ميتد سلطاهنا
حول الكرة األرضية على مآت املاليني من اخللق ،وعلى املساحات الشاسعة،
والشعوب املنبثة يف السهول واجلبال ،واجلزر والقفار .ونستعمل كلمة
«الدولة اإلسالمية» للداللة على الدولة القطرية املرحلية اليت ال هدف هلا
أسبق من الوحدة وال أعلى .نطلق على اجلزء اسم الكل يف توجه مستقبلي.
فهل ميكن الوفاء بالعدل واإلحسان إن كان اقتصاد الدولة اإلسالمية
اقتصادا مركزيا؟ هل يستقيم إنتاج وافر ،وتوزيع عادل ،وتكافل إحساين
رحيم ،إن كانت الق رارات تتخذ بعيدا عن املنتج واحملتاج ،ومن فوق رؤوس
اجلميع ،وعن جهل حتمي بدقائق ما جيري يف الربوع ،وما تنتظره فئات
الشعوب ،وفصائل الناس ،من أرفاق وأرزاق؟
إن من خصائص االقتصاد العصري ،ومن ضرورياته ،احلجم الكبري،
الكفيل وحده بإعطاء مردودية اقتصادية .حجم التخصص الذي جيعل
من دولة ما املنتج األول للبضاعة الفالنية ،يعطيها احلجم الكبري مقومات
الصدارة يف حلبة املنافسة :حجم املعمل الذي يستورد املادة اخلام بأعداد
وأوزان كبرية فرتخص نفقات ش رائه ،وتتقلص نفقات تسيريه اإلداري
والتجاري ،فترتك العملية هامشا من الربح مهما .حجم السوق املفتوحة
أمام املنتجات يناسب حجم اإلنتاج ،ويكون بالنسبة إليه اهلواء الضروري
واجملال احليوي.
في االقتصاد
117
اقتصاد ال مركزي
اإلنتاج املسلسل الكمي يقتضي جتميع قوى اإلنتاج يف شركات رأمسالية
حرة أو رأمسالية دولية كبرية .ويف كال التجميعني يلحق العمال بالبضاعة
املنتجة واملادة املصنعة ،فيصبحون أرقاما متسلسلة تعيش يف عامل أصم
أعمى ال إنساين .حركة اآللة الضخمة تغطى شكوى اإلنسان ،ويكتم
ضجيجها أنينه .وميس اجملتمع مس اجلنون التضخمي فتحل عرى القرب
واملودة يف املدن الضخمة اليت تفقد فيها فرص اللقاء والتعارف واجلوار ،بله
التجالس والتباذل ،والتحاب وال رتاحم.
هكذا ينشأ تناقض بني حاجات اإلنسان وحاجات اآللة ،بني إرادته
ومنطق نظام اإلنتاج ،بني حريته والعبودية لآللة اليت تفرضها إيقاعات
اإلنتاج ،بني وقت اإلنسان وتوقيت االقتصاد ،بني اإلنسانية اآلدمية وبني
الوحشية الغالبة .ويف جمتمعاهتم ينجرف اإلنسان ،ويتبع اآللة ،ويكون أحد
خدماهتا .تدخل اآللية يف حركته ،ووقته ،وهتيمن اآلالت على ليله وهناره.
وباجتماع ِ
عام لَ ي املركزية والضخامة يتفتت اجملتمع تفتتا ال أمل يف
مجعه .تفتت األسرة ،واجلوار ،واملدينة ،والصداقة ،واإلرادة ،واحلرية ،والنفسية،
والفكر .هوس يضيع معه اإلنسان يف الكم :البضائع ،كم املعلومات ،كم
اإلشهار ،كم كل شيء ،أهلاكم التكاثر!
تضخم السكان
مهمة الدولة اإلسالمية شاقة يف حماربة التبذير ،ويف معاجلة نقيضه وهو
تكاثر النسل ،وتكاثر األفواه اجلائعة ،واألجسام احملتاجة لكساء ،وغطاء،
وسكن ،وعناية صحية ،والعقول احملتاجة لتعليم ،والشخصيات اآلدمية
احملتاجة لرتبية رفيقة ،تبلغها ك رامتها وترحيها من عناء احلرمان ،وكفر
الفقر ،لتتوجه ملا خلقها اهلل من أجله ،وهو معرفة رهبا ،والتهيؤ للرحلة
احلميدة إىل رحاب اآلخرة يف دار النعيم.
في االقتصاد
118
اقتصاد ال مركزي
إن تكاثر النسل بركة إهلية على الشعوب اليت ملا يصنع االقتصاد
املتطور املمكنن من أف رادها آالت أنانية ،تفضل امل رأة فيها أن ختدم اآللة
بدل خدمة األطفال ،وتعجز بعد يوم من الكدح خارج البيت جريا وراء
املواعيد العاتية ،ووراء وسائل النقل ،وانكبابا على مهنة شاقة ،عن السهر
ليلها مع الطفل املريض.
بركة هي هذه األعداد اهلائلة من خلق اهلل اليت تربزها قدرته سبحانه إىل
َي َذ ٍ
نب
ت بِ أ ِّ
ودةُ ُس ئِ لَ ْ
ْم ْو ُؤ َ
{وإِ َذا ال َ
الوجود .ويف طي هذه الربكة ابتالءَ .
ت} (التكوير .)9-8 ،قتلها االحتكار اجلاهلي خل ريات األرض ،وقتلتها
قُ تِ لَ ْ
احلضارة املادية اليت تردت باإلنسان إىل مرتبة الرقم احملايد ،وقتلتها أنانية
الرجل وامل رأة بعد أن أفسد جمتمع االستهالك ،وجتمعات اإلنتاج الضخمة،
فط رهتما.
لن ندخل هنا يف مباحث فقهية عن حتديد النسل وحرمة أن يكون
نظاما عاما .وال عن شروط العزل يف حاالت مرض امل رأة أو عذرها الشرعي.
إنه موضوع من األمهية مبكان كبري ،بل هو مشكل يوضع على الدولة
اإلسالمية أول ما يوضع عليها.
لن ندخل يف التفاصيل الفقهية فليس هذا الكتاب مكاهنا .لكن
اتصاهلا مبوضوع االقتصاد ،ومبوضوع العدل واإلحسان ،وبعمليات التوزيع
واإلنتاج ،تدرجها هنا يف هذا الفصل.
إن تضخم السكان إذا أضيف إىل تضخم آلة االقتصاد أو خ راب هذه
اآللة وانعدامها ،ومركزية الق رار السياسي واالقتصادي ،يتمم معادلة جمتمع
القطيع الذي يعامل فيه اإلنسان باجلملة ،وتغتال فيه احلرية ،ويتعطل
التآمر باملعروف والتناهي عن املنكر ،ويسود االستبداد ،وتعيث املكتبية يف
األرض فسادا.
في االقتصاد
119
اقتصاد ال مركزي
من كل هذا يتبني االقتصاد املركزي ينبين على ضخامة حجم االقتصاد
املواتية للمنافسة العاملية واملردودية ،وعلى مركزية الق رار املناسبة هليمنة
الدولة على العملية االقتصادية لئال تؤول إىل الفوضى ،وعلى ضرورة
تنظيم األعداد الضخمة من الناس.
هذه الضرورات السياسية االقتصادية أدت عندهم إىل اختيارات متناقضة
متام التناقض مع الغاية اإلحسانية واهلدف العديل .من يأمر باملعروف وينهى
عن املنكر اقتصادا عمالقا ال يسمع وال يبصر؟ كيف يكون أمر األمة
شورى بينها إن كانت قطيعا مرقما؟ كيف ال رتاحم ،والت زاور ،والتجالس،
والتباذل ،والتناصح ،بني خالئق مفتت وقتهم ،وسكنهم ،ومههم ،وفكرهم،
وعاطفتهم ،حىت بلغ التفتت والتفكك أخص حماضن الرمحة واحملبة وهي
األسرة ،وحىت مسخت فطرة الرجل وامل رأة فكرها الولد الذي جعل اهلل يف
نفوس البشر األسوياء حمبتهم من أوثق عرى نسيج الفطرة؟
أما مذهب حتديد النسل فال مكان لذكره ،حىت التلفظ به .وحرمته
{والَ تـَ ْق تـُلُ واْ
واضحة قبل الشاهد كما يعرب الشاطيب .قال اهلل عز وجلَ :
أَوال َد ُك م َخ ْش ي ةَ إِ ْم ٍ
الق نَّ ْح ُن نـَ ْر ُزقـُ ُه ْم َوإِيَّا ُك م َّ
إن قـَتـْلَ ُه ْم َك ا َن ِخ ْطءاً
َ
ْ ْ
َك بِ يراً} (اإلس راء .)31 ،وإمنا يدعو من يدعو لتحديد النسل خمافة أن ميوت
املخلوقات جوعا .وإنه البتالء من اهلل عز وجل لقدرتنا على الكسب ،وعلى
تطويع االقتصاد لئال ينتج مادة الرتف بل مادة احلياة األساسية .وامسعوا يا
مؤمنني منادي القدرة اإلهلية ينادي على رؤوسكم« :حنن نرزقهم وإياكم».
فاختذوا األسباب .أنتم مرزوقون مثلهم .فاجعلوا من رزقكم أن تكسبوا
وتنتجوا.
ال جمال يف اإلسالم أن يتخذ حتديد النسل مذهبا ،واالجتهاد لكسب
قوت العيال عبادة ،واهلل عز وجل يرزقنا وإياهم ،وهو الرزاق ذو القوة
املتني.
في االقتصاد
120
اقتصاد ال مركزي
بعد هذا ومعه ،تتقدم إىل دولة القرآن مسألة التضخم السكاين وما
يسري يف موكبه الرهيب من احنطاط يف العناية بالطفولة ،ومن تسيب يف
األخالق ،ومن بطالة لعجز الدولة عن تأمني العمل وتنظيم البشر ،ومن
تفشي األم راض من كل نوع .وكل هذا يدفع يف عجلة التخلف إىل الوراء.
وكل هذا يؤذن مبزيد من البؤس للجميع .وكل هذا يهدد األمة ،رأي العني
ويف حساب األسباب ،وهي سنة اهلل العليم احلكيم ،مبصري مأساوي .وأنت
تدافع عن مشروع تكثري النسل!!!
تسود يف كتابات اإلسالميني يف عصرنا فكرة الدفاع عن تكثري النسل
قبل الشاهد وبال مناقشة .وال يتساءل أحد عن األحاديث الصحيحة اليت
وردت عن عزل الصحابة رضي اهلل عنهم عن أزواجهم وسكوت رسول اهلل
صلى اهلل عليه وسلم عن ذلك .ولو كان العزل ،وهو الوسيلة الطبيعية ملنع
احلمل ،منك را لغريه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم .ومل يصلنا أنه صلى اهلل
عليه وسلم سأل أحدا عن سبب عزله .فإذن بقيت مسألة العزل أو عدمه
قضية شخصية متعلقة بذمة فاعله واختياره ،هو يقدر السبب ويتخذ
الق رار .كانت هذه األسباب راجعة ملرض الزوجة أو لشيء غري ذلك .هذا
مل يتدخل فيه الشرع.
وال يسأل أحد عن اجتهادات فقهائنا رضي اهلل عنهم الذين اجتهدوا
للرجل أن يعزل عن زوجته بشرط واحد هو موافقتها .واجتهدوا له أن يعزل
عن أمته إن خاف أن ينقص احلمل من قيمتها ،وقيمتها يف مجاهلا وختففها
من الولد.
فإذا كان العزل ،وهو منع احلمل ،مرتوكا يف الشرع لتقدير الزوجني،
ال يسأالن عن السبب ،فإن حتملهما ملسؤولية اإلجناب عن وعي كامل
بنتائج ق راراهتما على ذريتهما وعلى مستقبل األسرة ومستقبل األمة أحرى
باالعتبار الشرعي.
في االقتصاد
121
اقتصاد ال مركزي
إن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عاب الكثرة الغثائية يف حديثه الذي
رواه أبو داود واإلمام أمحد وغريمها بسند صحيح مبجموع طرقه عن ثوبان
رضي اهلل عنه قال :قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم« :يوشك األمم أن
تداعى عليكم كما تداعى األكلة على قصعتها» .فقال قائل :ومن قلة
حنن يومئذ؟ قال صلى اهلل عليه وسلم« :بل أنتم يومئذ كثري ،ولكنكم غثاء
كغثاء السيل .ولينزعن اهلل من صدور عدوكم املهابة منكم ،وليقذفن اهلل
الو ْه ن» .فقال قائل :يا رسول اهلل ،وما الوهن؟ قال صلى اهلل
يف قلوبكم َ
عليه وسلم« :حب الدنيا وك راهة املوت».
هبذا تكون الكثرة العددية مع الغثائية وقلة اجلدوى والوهن والضعف
واهلزمية والتخلف بكل معانيه اليت أوردناها يف فصل سابق أسبابا ومسببات
مرتبطة يف سلسلة واحدة.
ويكون العمل على تربية نشء صاحل قوي جماهد ناصر لدين اهلل يف
األرض ،قادر على محل رسالة اإلسالم ،مسامهة أساسية إلحياء األمة وانتشاهلا
من وهدة الغثائية.
وال ميكن حبال أن نوهم أنفسنا أنه ميكن للدولة اإلسالمية مهما كان
سلطاهنا ،وللدعوة ينري طريقها قرآهنا ،أن تقوما بشيء من ذلك واألبوان
يف راحة من كل مسؤولية ،قد فرغا من كل هم .وقيل هلما كالم الغلط
والكذب أن الدولة كافلة والدعوة كافية ،فهما يفرخان للشارع وحيمالن
غريمها كل البؤس الذي يعيشه املستضعفون يف أعشاش اهلوان.
ال ميكن حبال أن يتخذ حتديد النسل مذهبا ،لكنه ال ميكن للغثائية
أن تنفك عنا إن تركنا احلبل على الغارب ليتكاثر ذك ران الناس وإناثهم
كاألرانب.
في االقتصاد
122
اقتصاد ال مركزي
إيقاظ اآلباء واألمهات إىل مسؤوليتهم اجلسيمة مرتبطة مبسؤوليتهم
الرتبوية ،وهتذيب الناس وترفيع وعيهم إىل مصلحتهم ومصلحة ذريتهم اليت
هي مصلحة األمة ،واجب تربوي تعليمي يبسط أمام دولة القرآن والعدل
واإلحسان جماال فسيحا لبذل اجلهود الرتبوية مقرونة جبهود اإلنصاف والعدل
يف املعايش من توفري سكن ومدارس ومشايف ومشاغل ،توفري شروط الرخاء
وظروفه .كان اهلل يف عوننا إنه هو العلي القدير.
أما الوسائل األخرى لفك التناقضات بني منطق االقتصاد ،املتكلم بلغة
املركزية واحلجم واملردودية ،وبني أهداف العدل وغاية اإلحسان ،فمنها ما
هو سياسي نعود إليه إن شاء اهلل يف غري هذا املكان عن احلكم احمللي ،ومنها
ما هو حضاري اقتصادي تعرضنا لبعضه يف الفصول السابقة ونستمر إن
شاء اهلل يف عرضه هنا يف هذا الفصل.
تخطيط ال يشل االقتصاد
كنا نتحدث يف فصل سابق عن التخطيط من زاوية تعارضه مع غريزة
الكسب الفردية ،وقلنا كلمة عن أهداف التخطيط األساسية .فنرجع هنا
العتباره بني ضرورة تنظيم اإلنتاج الكمي والتوزيع على أعداد كثرية ،وبني
ضرورة احلفاظ على حيوية الغريزة ونشاط االقتصاد احلر املسؤول.
إن الل ربالية ال رأمسالية واالش رتاكية املاديتني ختتاران موقفا متطرفا إزاء
النوازع الفردية األنانية .الل ربالية ال رأمسالية تطلق العنان حلرية الفرد ،بينما
حتاول االش رتاكية القضاء اجلذري عليها .أما اإلسالم فيقف من النوازع
األنانية موقف القبول ،يعتربها قوة ال يصلح أن يرخى هلا احلبل على
الغارب ،وال ميكن استئصاهلا .فيعطيعها اإلسالم وجهة ال تعطلها وال متكنها
في االقتصاد
123
اقتصاد ال مركزي
من العدوان ،لكي حتقق مصاحل الفرد دون أن تضر مبصاحل اجلماعة .من هذا
التوجيه جتد توازهنا :كلما مالت إىل إرضاء اهلوى زجرها الوعيد ،وكلما
عافت العمل ومالت إىل الكسل نشطها الوعد مبا أعد اهلل للكاسبني من
الطيبات ،املنفقني يف سبيل ،اهلل ونشطها حب املال.
فيدخل املسلم إىل السوق وعليه رقابتان :رقابة ذكر اهلل عز وجل متنعه
من معصية اهلل يف األخذ والعطاء ،وحسبة األمر باملعروف والنهي عن املنكر
من خارج.
لكن هاتني الرقابتني ال تتدخالن يف اختيار الناس ما جيب إنتاجه،
وماله األسبقية على غريه .فمجال احلالل واسع ،الضروري منه واحلاجي
والتحسيين .بل حىت الكمايل منه يعتربه الواحد من املسلمني رزقا طيبا ،وال
سبيل للرقابة العامة عليه مادام يف حدود احللية ال يتعداها .بعبارة أخرى
خيتار املسلم الفرد ما ينتج وما يستهلك غري واع مبا ينبين على اختياره من
انعكاسات على احلياة االقتصادية لألمة .فبما أن آليات السوق تدور حول
العرض والطلب ،ومبا أن دائرة احلالل فيما يعرض ويطلب فضفاضة تعم
الضروري واحلاجي والتحسيين والكمايل ،فقد تشجع آليات السوق إنتاج
بضائع ترفية ،إذا اعتربت نسبة الناس بعضهم إىل بعض ،دون أن يستطيع
أحد لوم أحد على إخالله باملصلحة العامة .جييب امللوم بأنه مل يرتكب
ح راما ،ومل يبع أو يشرت مكروها يف الدين .بعبارة أخرى تتناقض رغبات
الفرد املشروعة يف اإلنتاج واالستهالك والربح مع حاجة األمة يف جمموعها
إذا كان معيار اختيار الفرد حلية البضاعة أو حرمتها بقطع النظر عن أي
اعتبار لظروف األمة.
هبذا املعيار الفضفاض اجملرد ميكن لساكن قطر خصب غين ،وميكن
ملتمول قاطن بني فق راء ،أن يتمتع بالكماليات ،بينما سكان قطر فقري،
واجلار اجلنب املسكني ،ال حيصلون على ما يسد الرمق .هذا ينايف العدل
وينايف اإلحسان .ولتقومي هذا االعوجاج يلزم التخطيط ،وهو سياسة
في االقتصاد
124
اقتصاد ال مركزي
شرعية ال تصطدم مبقاصد الشريعة ،بل تساعد على حتقيقها .يلزم ختطيط
ما ينبغي أن يعرض يف السوق عرضا سخيا لريخص مثنه ويكون يف متناول
الفقري ،وما ينبغي أن تضرب عليه الض رائب من األشياء املتامخة للرتف،
وما ينبغي أن يقل عرضه ،فريتفع مثنه ،فينصرف املنتجون واملستهلكون
عنه إىل الضروري.
هذه السياسة الشرعية ال يأيت هبا إال ختطيط تفرضه الدولة .ألن أقطار
اإلسالم متفاوتة يف إمكاناهتا االقتصادية تفاوتا كب ريا .وتوزيع الثروات
العادل بني كل املسلمني مطلب شرعي .فلو تركنا كل قطر خيتص بأمواله
وموارده ،ويزعم سكان القطر الغين أن هذه األموال املغدقة عليهم نعمة
من نعم اهلل ،هلم احلق أن يتصرفوا فيها ،ال لوم وال عتاب عليهم ،إذن لبقي
سكان بنغالدش وغريها من البالد الفقرية عرضة للجوع واهلالك ،بينما
تقتل التخمة ،من «احلالل» غريهم من املسلمني.
كيف يكون حالال أن ميوت بعض املسلمني جوعا ،وبعضهم ختمة!
هنا يكون الفقه اجملرد عن اعتبار وحدة األمة وظروف التفاوت من قطر
لقطر ،ومن طبقة لطبقة ،عماية ال علما .ويكون التخطيط املركزي لتوزيع
الثروات هو الفقه.
مث إن احلجم الكبري الضروري الزدهار االقتصاد يساير التوزيع العادل
للثروات على القاعدة الواسعة ليكون بوسع كل املسلمني اقتناء بضائع
إسالمية رخيصة الثمن .جيد يف ذلك منفعته كل من املنتج واملستهلك.
ذاك جيد سوقا واسعة ،وهذا يستفيد من سعتها مبا يتيحه اإلنتاج املسلسل
من خفض التكاليف ،فخفض األمثان.
مطلب العدل يساعد على بلوغه التخطيط إلنتاج مسلسل ،وتوزيع
على أعداد ضخمة مت زايدة من السكان.
في االقتصاد
125
اقتصاد ال مركزي
لكن مطلب احليوية األشد ضرورة الزدهار االقتصاد ال يساير التخطيط.
وإن فقدت احليوية ،اليت تضمنها فقط احلرية ،فقد الباعث الفطري على
السعي والكسب واالجتهاد ،فاهنار االقتصاد ،فحل الفقر العام ،فانتفى
العدل .وليس ملجأ العجزة والعاطلني جمتمع عدل.
إذا تدخل التخطيط املركزي يف كل صغرية وكبرية ،وزعم أنه ال تتحرك
متحركة إال عن إشارته ،وال يشرع يف عمل إال بتقديره وتقريره ،فهو الشلل.
فاملشكل هو اجلمع بني ضرورتني ،كلتامها يتوقف عليها االزدهار
والعدل :التخطيط املركزي ،واحلرية الالمركزية .ومها متناقضان رأي العني.
إنه التناقض الذي حتاول اآلن كل من ال رأمسالية واالش رتاكية عقد
الصلح بني طرفيه .فال رأمسالية تفرض عليها الظروف املعقدة لالقتصاد
داخل كل بلد ،ويف النطاق العاملي ،مزيدا من تدخل الدولة ،ومن ترتيب
السوق ،وحفظ التوازنات املالية والتجارية ،ومسك النقد أن ينفلت من
كل عقال .حىت حرية املنافسة اليت تعد حمرك السوق اضطرت ال رأمسالية
أن حتدها بتحديد األسعار ،وحصار البضائع األجنبية بالض رائب اجلمركية.
فبعد أن كانت املنافسة بني أف راد وشركات ،تدخلت احلكومات ،فشهرت
كل منها سالحها يف وجه الدول األخرى حلماية اقتصادها.
واضطرت االش رتاكية بعد فشلها النسيب أن تعيد إىل احلياة روح املنافسة،
فشجعت اإلنتاجية باملكافآت املادية بعد أن كانت تزعم أن ثورية العمال
جيب أن تظهر يف تعاليهم على املكافآت املادية ،وأن تكون حوافزهم ثورية
خالصة .ومن االش رتاكيات ما اخرتع نظام التسيري الذايت الذي حياول أن
في االقتصاد
126
اقتصاد ال مركزي
جيمع بني م زايا التخطيط وم زايا املنافسة ،بني م زايا التنسيق املركزي وم زايا
املبادرة الالمركزية.
يعرب أحد قادة الغرب ،اجلن رال دوكول الرئيس الفرنسي ،عن أمهية
التخطيط إذ يسميه «ضرورة ساخنة».
يف بيئة عاملية تستعر فيها حروب األسعار ،وتضطرب هبا األزمات كقطع
الليل املظلم ،واملنافسة التجارية ،وعدوان الشركات املتعددة اجلنسية،
وتصدي احلكومات حلماية اقتصادها ،البد لدولة اإلسالم أن تتدخل يف
االقتصاد .وهو حيثية أخرى ،زائدة على ما تقدم ،تؤيد التخطيط.
تخطيط مرن
ال يبصر صاحب املشروع االقتصادي احلر من موقعه احمللي حاجات
األمة ،فيحتاج إذا أراد أن يساهم يف اجلهاد االقتصادي أن يأتيه العلم
باحلاجة العامة من أعلى ،من الدولة املطلعة على الواقع .فإن كان ممن
ال حيب اجلهاد أرغمته اخلطة العامة على الت زام حدود املصلحة العامة ،مث
ترتك له حرية التنفيذ .وهكذا يلتقي ق رار الدولة مع ق رار صاحب املشروع
ورغبته يف أن تثمر جهوده ،فيأكل منها طيبا ،وخيدم أمته لريضي ربه .من
أعلى تأيت الق رارات اإلمجالية ،والتسهيالت ،والتوجيهات .ومن أدىن جيتهد
املنفذون ،حتثهم الفطرة ،وحيفظهم الوازع القرآين والسلطاين ،ليعبئوا املواد
األولية ،واليد العاملة ،واإلمكانات احمللية ،لتوفري رأس املال ،واستثماره،
والتالؤم مع معطياته.
ال ميكن أن يفرض من أعلى ومن خارج التفاين يف العمل ،واليقظة
واالبتكار .إمنا يأيت كل أولئك من حرص صاحب الشغل والعامل على
في االقتصاد
127
اقتصاد ال مركزي
كسب الربح واألجرة احلسنة هنا وكسب الثواب يف اآلخرة .وال ميكن صيانة
املنشآت وجتديد التكنولوجيا واختاذ الق رارات اليومية بأوامر من خارج ومن
بعيد .وال ميكن معرفة آراء املستهلك وتلقي نقده ومساعدته إال حمليا .إمنا
ميكن ذلك حبضور املالك ،وحرصه ،وعنايته.
بالالمركزية املالزمة للمبادرة احلرة ميكن تاليف بطء التخطيط ،ومجع
اجلهود واخل ربات ،ومواجهة تقلبات األحداث ومفاجآهتا اليت ال ميكن أن
يالحظها املخطط من بعيد وال أن يتنبأ هبا .وعلى التخطيط أن ينظم بني
قطاعات االقتصاد ،ويواصل بينها ،ويشيع املعلومات ،ويوزع املساعدات،
وي راقب وحياسب .هكذا تلتقي احلرية باملسؤولية.
الفصل التاسع
النطاق اإليماني
ولو أن أهل القرى... ذكر اهلل يف السوق آداب الـمـكـتـسـب اللقمة احلالل ورع الـتـاجـر الـغـش ح رام إتقان الصنعة التكسب بنشاط حماربة الرتف تسامح وصدقة معاشرة األغنياء والفق راء -الفقري الصابر
في االقتصاد
131
النطاق اإليماني
ولو أن أهل القرى...
كنا يف الفصول السابقة مع احلكومة وختطيطها ،والغريزة وبواعثها.
وكل حديث إسالمي عن الظواهر اخللقية واألسباب الكونية إمنا يكون
مبتدأ بال خرب ،وجسما بال معىن ،إن مل ينب على نبإ األسباب والظواهر خرب
الفاعل القادر وهو اهلل تبارك وتعاىل.
حاولنا أن نتحدث بلغة االقتصاد دون أن نتجرد عن لغة القلب
واإلميان .وهنا نود اإلنابة إىل اهلل عز وجل إنابة املؤمن بأن قدر اهلل عز وجل
سابق لشرعه سبق الروح للجسد ،وبأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثرية
بإذن اهلل ،إن كان اإلميان سالحها .وما املعارك االقتصادية اهلائلة اليت تنتظر
الدولة اإلسالمية إال قتال فئة قليلة احلول ،وإن كانت متكاثرة األعداد ،مع
فئة االقتصاد املتطور الشديدة البأس ،املستكربة يف األرض ،احملتكرة لألرض
واجلو ،والرب والبحر ،واملال والعلم ،واخلربة والد راية.
سبقونا إىل الصناعة فهم فرساهنا ،وحنن رجالة حفاة .وصنعوا السالح،
وحنن عزل .واكتفوا مث بشموا من الشبع ،وحنن غرثى عالة .فمن أين التباري
معهم والقوى غري متكافئة! بل أىن لنا الفكاك من قبضتهم ،واخلالص من
إسارهم ،إال بإذن من اهلل عز وجل وبركة وتوفيق!
أال وإن وعد اهلل حق ،وأعظم أسباب النمو االقتصادي والفالح
والنصر اللجأ إليه سبحانه .وليخسأ كل أفاك أثيم يسمع آيات اهلل
تتلى عليه مث يصر مستكربا كأن مل يسمعها ،كأن يف أذنيه وق را .وقر
العلمانية اليت فرغ أهلها من نفي كل فاعلية إال فاعلية األرقام ،وجحود
كل جدوى إال جدوى التنظيم البشري .وقر الثوريني الذين ال حديث
هلم إال عن النضال ،وتعبئة اجلماهري ،ووضع اخلطة االقتصادية .ومع وقر
أولئك وهؤالء يد ذليلة ممدودة إىل احلليف اجلاهلي .فما لنا إن اختذنا
في االقتصاد
132
النطاق اإليماني
أسباب احلساب والتنظيم ،وأسباب جتنيد األمة ورسم املنهاج ،ال مند
أيدي الض راعة لنصرينا وموالنا ليسدد ويوفق! األسباب شريعته ،وقدره من
ورائها.
{ولَ ْو أ َّ
آم نُ واْ َوات ـَّ َق واْ لَ َف تَ ْح نَ ا
َن أ َْه َل الْ ُق َرى َ
قال اهلل تبارك وتعاىلَ :
َع لَ ْي ِه م بـ ر َك ٍ
الس َم ِاء َواألَ ْر ِ
ض} (األع راف .)96 ،هاهو ذا مفتاح
ات ِّم َن َّ
ََ
التوفيق اإلهلي الذي ال حتسبه العدادات اإللكرتونية ،وال حيصيه املخطط.
فيكون مقدمة علم االقتصاد اإلسالمي ،ومداره ،وحموره ،علم التقوى
واإلميان الكفيلني بفتح بركات األرض والسماء.
كان األوىل أن نفتتح هذه الفصول يف االقتصاد هبذا ،لوال أننا ن راعي من
يفتح الكتاب ومعه مسبقات فكرية ،يصدمه وال يفيده أن يق رأ احلق الذي
ال م راء فيه ،وهو أن جناح االقتصاد اإلسالمي مضمون من رب العاملني إن وىف
املسلمون الشرطني :اإلميان والتقوى .ورمبا تكون صدمته أقل إن جاءه ،أول
لقائه هبذه الفصول ،حديث عن مألوفه يف التعلق باألسباب والوقوف معها.
ورب سائل يسأل :ما بال القوم الكافرين تغدق عليهم األرزاق ،ويرتعون
يف حلل العافية ،والغىن ،والرفاهية ،والقوة؟ بأي إميان وبأية تقوى استحقوا
{ولَ َق ْد أ َْر َس لنَ ا إِلَ ى
ذلك؟ واجلواب من الكتاب العزيز .قال اهلل عز وجلَ :
اه ْم بِ الْبَ أْ َس اء َو َّ
ض َّرعُ و َن فـَلَ ْوال
الض َّراء لَ َع لَّ ُه ْم يـَتَ َ
أ َُم ٍم ِّم ن قـَ ْب لِ َ
ك فَ أَ َخ ْذنَ ُ
ض َّرعُ واْ ولَ ِ
ت قـُلُ وبـُ ُه ْم َو َزيَّ َن لَ ُه ُم َّ
الش ْي طَا ُن
ق
ن
ـك
َ
س ْ
اءه ْم بَأْ ُس نَ ا تَ َ
إِ ْذ َج ُ
َ
َ
ِ
اب ُك ِّل
س واْ َم ا ذُ ِّك ُرواْ بِ ه فـَتَ ْح نَ ا َع لَ ْي ِه ْم أَبـْ َو َ
َم ا َك انُواْ يـَ ْع َم لُ و َن فـَلَ َّم ا نَ ُ
َش ي ٍء ح تَّى إِ َذا فَ ِرح واْ بِ م ا أُوتُ واْ أَ َخ ْذنَاه م بـ غْ ت ةً فَِإ َذا ه م ُّم ب لِ
س و َن فـَ ُق ِط َع
ُ َ َ
ْ َ
ُ َ
ُ ْ ُ
ِ
َدابِ ر الْ َق وم الَّ ِذين ظَلَ م واْ والْح م ُد لِ لّ ِ
ْع الَ ِ
م
ل
ا
ب
ر
ه
ين} (األنعام.)45-42،
ِّ
َ
َ ُ َ َْ
ُ ْ
َ
َ
بسط اهلل عز وجل هلم يف العلم واحلذق واألرزاق ابتالء بالنعماء ،فتح
عليهم أبواب كل شيء فكفروا املنعم ،ليقيم اهلل عليهم احلجة يف اآلخرة
في االقتصاد
133
النطاق اإليماني
والدنيا .وتتبع ذكر اهلل عز وجل القرى الظاملة من قوم عاد ومثود وغريمها،
كيف بسط اهلل عليهم النعم فكفروا وكذبوا الرسل فأخذهم أخذا أليما
شديدا .وما هي من الظاملني ببعيد.
وحنن ،األمة املرحومة ،مبتلون أيضا بالفقر والتخلف ،مبتلون هبذه
األموال النفطية املفاجئة .من كان يظن أن احلفاة الع راة رعاء الشاء ،سكان
اخليام والقفار ،سيشيدون ما ترى وتسمع من باذخ البناء ،وسريفلون يف
سيارات الذهب ،وسيحلقون يف طيارات صنعت خاصة هلم إىل ...أوكار
القمار والفساد يف أركان املعمور؟
شيٍ
ِ
وع َونـَ ْق ٍ
ْ
ص
ل
ا
و
وف
خ
ل
ا
ن
م
ء
ْ
ْج ِ
ِّ
َ
َ ُ
قال اهلل تعاىلَ :
{ولَ نَ بـْلُ َونَّ ُك ْم ب َ ْ َ
س وال ثَّم ر ِ
ِّم ن األََم و ِ
الص ابِ
ِ
ِ
ِ
ِّ
ر
ر
ش
ب
و
ات
ف
األن
و
ال
ين} (البقرة .)155 ،وقال
َّ
ُ
َ
َ ََ َ
َ َ َ
َ
ِ
ِ
ِ
ِ
عز من قائلُ { :ك ُّل نـَ ْف ٍ
ْم ْوت َونـَبـْلُ و ُك م ب َّ
الش ِّر َوالْ َخ ْي ِر ف تـْنَ ةً
س َذائ َق ةُ ال َ
َو إِلَ يـْنَ ا تـُ ْر َج عُ و َن } (األنبياء.)35 ،
وقد رتب اهلل عز وجل إنعامه على العباد باستقامتهم له .فمن أهم
ما نتخذ من أسباب للخروج من التخلف ،واستد رار الرزق ،أن نرجع
{اس تـَغْ ِف ُروا َربَّ ُك ْم إِنَّهُ َك ا َن غَ َّف اراً يـُ ْر ِس ِل
إىل اهلل ربنا .قال نوح لقومهْ :
الس م اء َع لَ ْي ُك م ِّم ْد راراً وي م ِد ْد ُك م بِ أ َْم و ٍال وب نِ ين وي ْج ع ل لَّ ُك م ج ن ٍ
َّات
ْ َ ََ َ َ َ َ
َ َُْ
ْ َ
َّ َ
َويَ ْج َع ل لَّ ُك ْم أَنـْ َه اراً} (نوح )12-10 ،التوبة واإلميان والتقوى عالج ختلفنا
وبؤسنا التارخيي .وشعب اإلميان بضع وسبعون ،احسب منها إن شئت
حسن تصريف األموال ،وجهاد العدو للتحرر من التبعية له ،واحلرص
على الكسب احلالل ،وإيتاء الزكاة بعد إقامة الصالة ،إىل غريها من العلم
واالبتكار وإصالح الزراعة وتوطني الصناعة ،وحماربة االحتكار والتبذير
الشيطاين.
نعطي األسباب حقها الشرعي بفطانة عقولنا ،ونشاط جوارحنا،
والطاعة يف ذلك كله ألمر ربنا .نتعرض باح رتام شرعه وانفتاح قلوبنا إليه
في االقتصاد
134
النطاق اإليماني
لقدر ينجينا .وما بوسائلنا وحيلتنا نفلح إن أخطأنا التوفيق ،وفاتتنا الربكة.
قال اهلل تعاىل يبصرنا مبواقع القدر السابق لكل األسباب{ :أَفـَ َرأَيـْتُ م َّم ا
تَ ْح ُرثُو َن أَأَنتُ ْم تـَ ْز َرعُ ونَهُ أ َْم نَ ْح ُن َّ
ش اء لَ َج َع لْنَ اهُ ُح طَام اً
الزا ِرعُ و َن لَ ْو نَ َ
ْم اء الَّ ِذي
فَ ظَلْتُ ْم تـَ َف َّك ُه و َن إِنَّا لَ ُم غْ َرُم و َن بَ ْل نَ ْح ُن َم ْح ُر ُ
وم و َن أَفـَ َرأَيـْتُ ُم ال َ
تَ ْش رب ون أَأَنتُ م أَنزلْتُ م وهُ ِم ن الْم ْز ِ
ل
ا
ن
ح
ن
َم
أ
ن
َ
ْم ن ِزلُ و َن لَ ْو نَ َ
ش اء َج َع لْنَ اهُ
ْ
ْ
َُ
ُ ُ
َ ُ
ْ َ ُ
أُج اج اً فـ لَ وَل تَ ْش ُك رو َن أَفـ رأَيـْتُ م ال ن َّ ِ
ش أْتُ ْم َش َج َرتـَ َه ا
ورو َن أَأَنتُ ْم أَن َ
َ
َ ْ
َّار ال ت ي تُ ُ
ََ ُ َ
ُ
ِ
أَم نَح ن ال ِ
اس ِم
ْم نش ُؤو َن نَ ْح ُن َج َع لْنَ َ
س بِّ ْح بِ ْ
اه ا تَذْك َرًة َو َم تَ اع اً لِّل ُ
ْ ُْ ُ
ْم ْق ِو َ
ين فَ َ
ْع ِظ ِ
يم} (الواقعة.)74-63 ،
َربِّ َ
ك ال َ
سبحان ربنا العظيم ،جعل لنا تاريخ األمم من حركة وسكون ،من
بسط وقبض ،من عطاء ومنع ،من ظهور وخفاء ،من نصر وهزمية ،من
رخاء وعسر ،من مناء ونقص ،تذكرة لكيال ننساه فينسينا أنفسنا .وإن
نسيناه ومشرنا تشمري املعتد حبوله ،املزهو بنفسه ،ال تشمري املتوكل ،فإمنا
حنن مهل من هذه السوائم البشرية.
نورد يف هذا الفصل إن شاء اهلل نبذة من األحكام واآلداب اإلسالمية
املتعلقة باالقتصاد ،ننقلها بألفاظها من كتابات علمائنا الذين سبقونا
بإميان .إن تغري شكل االقتصاد وتعقدت عالقاته ،فإن التوبة واإلميان
والتقوى وشيجة بيننا وبينهم رمحهم اهلل ال تبليها األيام .رهبم الرزاق ربنا،
فال وحشة بل أخوة .وما الزمان بيننا وبينهم إال ستار شفاف ملن كان
يرجو اهلل واليوم اآلخر وذكر اهلل كث ريا.
ذكر اهلل في السوق
أهلاكم التكاثر! والسوق مركز امللهاة ،وموطن الغفالت .لذلك سن
لنا أن نذكر اهلل فيه .وليس لكلمة «سوق» ،ملن يعترب العلة يف األحكام
وينفذ إىل املقاصد العليا ،مدلول املكان املعني خاصة .بل ذكر اهلل من
في االقتصاد
135
النطاق اإليماني
خالل كل العمليات االقتصادية مطلوب شرعا .صالة االستسقاء عبادة
تعرض فيها احلاجة االقتصادية يف املوقف املتضرع بني يدي املوىل عز وجل.
وصالة اإلمام على مؤيت الزكاة ،أي دعاؤه هلم ،سنة يقلد فيها املصطفى
صلى اهلل عليه وسلم .وكلمة «اللهم ارزقين» واردة يف األدعية النبوية .وشكر
النعم قربة .وال حيل لنا أكل ما مل يذكر اسم اهلل عليه .وهكذا تصبح كل
العمليات االقتصادية بالنية ،وطاعة اهلل ورسوله ،والذكر الدائم ،عبادة.
إن ذكر اهلل يف املكان املسمى سوقا سنة .قال أبو طالب املكي رمحه
اهلل« :كان ابن عمر رضي اهلل عنه إذا دخل السوق يقول« :اللهم إين أعوذ
بك من الكفر والفسوق ،ومن شر ما أحاطت به السوق .اللهم إين أعوذ
بك من ميني فاجرة ،وصفقة خاسرة» .قال :ولذكر اهلل يف السوق ما ال يوجد
يف سواه .فليعتمد ذكر اهلل تعاىل يف ساعات الغفلة ،وحني ت زاحم الناس
يف البيع والش راء .وكان احلسن (البصري) يقول :ذاكر اهلل يف السوق جييء
يوم القيامة وله ضوء كضوء القمر ،وبرهان كربهان الشمس .ومن استغفر
اهلل يف السوق غفر له بعدد أهله .ويف اخلرب العام« :ذاكر اهلل يف الغافلني
كاملقاتل عن الفارين ،وكاحلي بني األموات» .ويف اخلرب اخلاص« :من دخل
السوق فقال :ال إله إال اهلل وحده ال شريك له ،له امللك وله احلمد حييي
ومييت ،وهو حي ال ميوت ،بيده اخلري ،وهو على كل شيء قدير .كتب له
ألف ألف حسنة».
وكان ابن عمر وحممد بن واسع رضي اهلل عنهما يدخالن السوق
قاصدين ،يذك ران اهلل عز وجل طلبا للفضيلة« .يدخالن السوق ال قصد
هلما إال ذكر اهلل ليحصال على الفضيلة الواردة يف حديث :من دخل
السوق.»...
قال :فإذا دخلت سوقا أو كنت فيه فال يفوتنك التهليل والذكر ،فهو
عمل وقتك (ال إله إال اهلل :الكافر يقول :الوقت من ذهب ،واملؤمن يقول:
في االقتصاد
136
النطاق اإليماني
الوقت لذكر اهلل!) .وال تقعدن يف السوق لغري ذكر اهلل أو غري معاش ،فقد
كره ذلك .وإذا مسعت التأذين للصالة فلتأخذ يف أمر الصالة ،وال تؤخرها
عن اجلماعة ،وإال كنت فاسقا عند بعض العلماء.
قلت :ينبغي أن يوقت العمل يف احلقل واملصنع واملتجر واملكتب،
ال على أوقات األكل والشرب وال راحة ،بل على أوقات الصالة لتحرتم
مواعيدها .وإال كان اقتصادنا فاسقا ،وذهبت الربكة والنعمة ،وحل اخلسار
والنقمة .والعياذ باهلل.
قال رمحه اهلل :فإدراكه لتكبرية اإلح رام يف اجلماعة أحب إليه من مجيع
ما يربح من الدنيا إىل أن ميوت .وفوهتا أشد عليه من مجيع ما خيسر من
الدنيا )...( .وقد كان السلف من أهل األسواق إذا مسعوا األذان ابتدروا
املسجد يركعون إىل وقت اإلقامة .وكانت األسواق ختلو من التجار .وكان
يف أوقات الصالة معايش للصبيان وأهل الذمة .وكانوا يستأجروهنم التجار
بالق راريط والدوانق حيفظون احلوانيت إىل أوان انص رافهم من املساجد.
وهذه سنة قد عفت ،من عمل هبا فقد أنعشها.
قلت :اهلل! اهلل! لو أطلعت أخي على زماننا! ويرحم اهلل من أحىي تلك
السنة .يتأكد ترك التجارة وكل شغل إذا نودي للصالة من يوم اجلمعة،
كما جاء بذلك األمر املطاع .وعلى الدولة أن تسهر على تطبيق العطلة
عن كل شغل يوم اجلمعة ،وأن تستبدل بعطلة اليهود والنصارى عطلة
املؤمنني .ومن املعلوم عند علمائنا أن العقود باطلة إن أشهد عليها تلك
الساعة اخلاصة من اليوم املبارك .قال مالك رمحه اهلل :حيرم البيع حىت خيرج
اإلمام يوم اجلمعة.
قال رمحه اهلل :وجاء يف تفسري قوله عز وجلِ { :ر َج ٌ
ال َّل تـُ ْل ِه ي ِه ْم
ِ
الص َل ِة َوإِيتَ اء َّ
الز َك ِاةُ} (النور)37 ،
ارةٌ َوَل بـَ ْي ٌع َع ن ِذ ْك ِر ال لَّ ِه َوإِقَ ِام َّ
ت َج َ
في االقتصاد
137
النطاق اإليماني
قيل :كانوا حدادين وخ رازين .وكان أحدهم إذا رفع املطرقة أو غرز اإلشفا
فسمع اآلذان مل خيرج اإلشفا من الغرزة ،ومل يرفع املطرقة ،ورمى هبا ،وقاموا
إىل الصالة».
واحلديث الذي أورده أبو طالب رمحه اهلل ،جاء هكذا عند الرتمذي وابن
ماجة بسند حسن ،عن عمر رضي اهلل عنه ،أن رسول اهلل صلى اهلل عليه
وسلم قال« :من دخل السوق فقال :ال إله إال اهلل وحده ال شريك له ،له
امللك وله احلمد ،حييي ومييت ،وهو حي ال ميوت .بيده اخلري وهو على كل
شيء قدير ،كتب اهلل له ألف ألف حسنة ،وحما عنه ألف ألف سيئة ،ورفع
له ألف ألف درجة» ويف رواية عوض الثالثة :وبىن له بيتا يف اجلنة.
آداب المكتسب
ننقل عن أيب طالب املكي -نور اهلل مقامه -هذه اآلداب كما رتبها،
منها الواجب واحل رام واملستحب:
« )1وليجتنب هذا السوقي البيوع الفاسدة ،مثل :بيع الغرر واخلطر
واجملهول .ومثل :بيعتني يف بيعة ،إحدامها مصارفة ومشاطرة .وال يبيع ما
ليس عنده ،وال ما اش رتاه حىت يبدو صالحها ،ويؤمن عليها العاهة».
« )2وهنى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن النجش .وهو أن يعطي
بسلعة شيئا وهو ال يريد أن يشرتيها بشيء ليغر غريه»( .وقلت :هذه
حيلة املتظاهر باملساومة من رفقاء البائع .أصبحت اليوم فنا شيطانيا
يلعب به السماسرة بأسواق الناس وأمواهلم .فيا للحسبة!) قال رمحه
اهلل« :وال يبتاع شيئا من ذهب وخرز ،مثل :القالدة وحنوها ،حىت يفصل
في االقتصاد
138
النطاق اإليماني
كل واحد على حدته .كذلك السنة» .قلت :فن العرض وجتميل السعلة
وتغليفها للدعاية هلا خداع ال يقبله اإلسالم.
« )3وليتوق كل بيع وش راء أخرب العلم ببطالنه ،أو خروج من حكم
العلم به .فإن ذلك كله منقصة للدين ،خمبثة للكسب .فإن أشكل عليه
شيء من هذه األمور خبفائها سأل أهل العلم والفتيا ،فيأخذ منهم على
مذهب الورعني ورأي املتقني .وحيتفظ لدينه ،ولينظر لنفسه ،وال يغمض
يف أمر آخرته .فذلك خري له وأحسن توفيقا».
« )4وليجتنب الصنائع احملدثة من غري املعروفة ،واملعايش املبتدعة يف
زماننا هذا فإن ذلك بدعة ومكروه ،إذ مل يكن فيما مضى من السلف.
قلت :يعين رمحه اهلل بالصنائع احملدثة احلرف الرتفية اليت ط رأت على
األمة .وإال فتعلم الصنائع النافعة واجب كما سنرى ذلك يف فصل «بأس
احلديد» بعد حني إن شاء اهلل .والتطور السريع يف عصرنا ألساليب الصناعة
يوجب علينا أن نبذل جهدا خاصا يف تأسيس معاهد للبحث العلمي ،إذ
يف تلك امليادين تربح أو ختسر املعارك.
« )5وكل ما كان سببا للمعصية من آلة وأداة فهو معصية ،فال يصنعه
وال يبعه فإنه من املعاونة على اإلمث والعدوان .وكل ما أخذ من املال على
عمل بدعة ومنكر فهو بدعة ومنكر .وكل معني ملبتدع أو عاص فهو شريكه
يف بدعته ومعصيته .وأخذ املال على مجيع ذلك من أكل املال بالباطل».
« )6ومن أكل احل رام فقد قتل نفسه وقتل أخاه ،ألنه أطعمه إياه .قال
اهلل تعاىل{ :والَ تَأْ ُك لُ واْ أَم والَ ُك م بـ يـ نَ ُك م بِ الْب ِ
اط ِل} (البقرة.)188 ،
َْ
َ
َ
َْ
{والَ تـَ ْق تـُلُ واْ أَن ُف
س ُك ْم} (النساء .)29 ،وليس هذا من
وقال تعاىلَ :
َ
يل ال ِ ِ
ِ
ِ
ين نـُ َولِّ ِه
{ويـَتَّ ب ْع غَ يـْ َر َس ب ِ ُ
سبيل املؤمنني .وقد قال اهلل تعاىلَ :
ْم ْؤم ن َ
م ا تـ ولَّ ى ونُ ِ ِ
َّم} (النساء.)115 ،
َ ََ َ ْ
ص ل ه َج َه ن َ
في االقتصاد
139
النطاق اإليماني
« )7وال ينبغي للسوقي أن يشغله معاش الدنيا عن اآلخرة ،وال تقطعه
جتارة الدنيا عن جتارة اآلخرة ،وال مينعه سوق الدنيا عن سوق اآلخرة ،ألنه
من املوقنني .وبيوت اهلل عز وجل يف األرض هي أسواق اآلخرة .قال اهلل عز
{ل تـ ْل ِه ي ِه م تِ
الص َل ِة َوإِيتَ اء
ج
ارةٌ َوَل بـَ ْي ٌع َع ن ِذ ْك ِر ال لَّ ِه َو إِقَ ِام َّ
وجلُ َّ :
ْ َ َ
الز َك ِاةُ} (النور .)36 ،وقال اهلل عز وجل{ :فِ ي بـ ي ٍ
َّ
وت أ َِذ َن ال لَّ هُ أَن تـُ ْرفَ َع
ُُ
وي ْذ َك ر فِ يه ا اس م هُ ي س بِّ ح لَ هُ فِ
صِ
ِ
ْ
ال
و
و
د
غ
ل
ا
ب
ا
يه
ال ِر َج الٌ} (النور.)37 ،
ْ
ِّ
ُ
ُ
َ
َ َ
َُ َ َ ْ ُ ُ َ ُ
فليجعل العبد طريف النهار خلدمة سيده ،يذكره ويسبحه يف بيته صالة
وأورادا ،ويف السوق يذكره حبسن املعاملة .وقد كان عمر رضي اهلل عنه يأمر
التجار فيقول :اجعلوا أول هناركم هلل عز وجل ،وما سوى ذلك لنفوسكم».
قلت :ينبغي يف دولة اإلسالم أن يبكر الناس إىل العمل .فقد ورد يف
حديث نبوي رواه اإلمام أمحد والرتمذي وابن ماجة« :اللهم بارك ألميت يف
بكورها» .فإن املؤمن ال ينام كاجليفة حىت تفوته صالة الفجر .واجللسة
بعد الفجر لذكر اهلل وتالوة كتابه أفضل ما يفتتح به العبد يومه .فحبذا لو
تكون تلك السويعة املباركة موعدا يف مساجد املدينة ،ومساجد املعامل،
ومساجد اإلدارات ،للقاء املؤمنني ،وجتالسهم يف اهلل للذكر والعلم والتذكري.
إثرها مباشرة ،مع طلوع الشمس ،يبدأ النشاط اليومي لينتهي يف ساعات
مبكرة من املساء .وينبغي أن نتحرر من تقليد الكفار يف ترتيب هنارهم
وليلهم ،فنخرج يف الزمان العلماين ،والتوقيت العلماين لنساير مواقيت
الصالة والتسبيح والتكبري .مث لنخصص آخر اليوم لتبليغ الدعوة ،وللتطوع
يف اخل ريات ،وللتعليم والتعلم.
اللقمة الحالل
كتب العالمة ابن احلاج رمحه اهلل قال« :ومل يزل السلف املاضون رضي
اهلل عنهم يتحفظون على القوت الذي يدخل أجوافهم التحفظ الكلي.
في االقتصاد
140
النطاق اإليماني
وفيه كان تورعهم ،والوساوس اليت تدخل عليهم فيه يدفعوهنا عن أنفسهم
برتكه .قال ابن العريب رمحه اهلل :وقد ورد يف احلديث الصحيح عن عائشة
رضي اهلل عنها قالت :قلت يا رسول اهلل! من املؤمن؟ قال« :املؤمن إذا أصبح
سأل من أين قرصه (خبزه) ،وإذا أمسى سأل من أين قرصه» .قلت :يا
رسول اهلل! لو أن الناس كلفوا علم ذلك لتكلفوه .قال« :علموا ذلك ،لكن
غشموا (خلطوا) املعيشة غشما» .وقال عليه الصالة والسالم« :طلب
احلالل فريضة على كل مسلم بعد الفريضة» أي بعد فريضة اإلميان والصالة
( )...ويف الصحيح« :أحل ما أكل الرجل من كسب يده».
ورع التاجر
قال أبو طالب املكي رمحه اهلل« :وقد سئل بعض العلماء عن الورع يف
املبايعة فقال :ال يصح الورع يف البيع إال حبقيقة النصح .قال :وكيف ذلك
قال :إذا بعته شيئا بدرهم نظرت :فإن صلح لك أن تشرتيه بدرهم فقد
نصحته يف البيع .وإن كان يصلح لك خبمسة دوانق ،وقد بعته بدرهم،
فإنك إن مل ترض له ما ترضى لنفسك فقد ذهب النصح .قال :فإذا عدم
النصح ذهب الورع .ويقال :إن البائع يوقف يوم القيامة مع كل رجل
باعه شيئا وقفة ،وحياسب عن كل واحد حماسبة ،حىت عدد من عامله ومن
اشرتى منه يف الدنيا.
الغش حرام
وقال رمحه اهلل« :والغش يف البيوع والصنائع ح رام على املسلمني ،ومن
كثر ذلك منه فهو فاسق .ومن الغش أن ينشر على املشرتي أجود الطرفني
في االقتصاد
141
النطاق اإليماني
من املبيع ،أو يظهر من املبيع أجود الثوبني ،أو يكشف من الصنعة أحسن
الوجهني .روي أن النيب صلى اهلل عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما ،فأعجبه
ظاهره ،فأدخل يده ف رأى بلال .فقال ما هذا :فقال :أصابته السماء (أي
املطر) فقال :هال جعلته فوق الطعام حىت ي راه الناس؟ من غش فليس منا»
قلت :واحلديث يف الصحيح.
قال رمحه اهلل « :فينبغي للبائع والصانع أن يظه را من املبيع واملصنوع
أردأ ما فيه ،ليقف املشرتي والصانع على عيوبه ،ويكونا على بصرية من
باطنه» قلت :شتان بني من يتحرى آلخرته ،ومن يزين البضاعة ويشهد
شهادة الزور جبودهتا يف أبواق الدعاية وألوان العرض ليغري املشرتي.
قال رمحه اهلل« :وأستحب له أن يتوخى يف الش راء والبيع ،ويتحرى أهل
التقوى والدين ،ويسأل عمن يريد أن يبايعه ويشاريه .وأكره له معاملة
من ال يرغب عن احل رام ،أو من الغالب على ماله الشبهة» .قلت :إن
مقاطعة الغشاشني ،وذوي الدمم اخلربة ،ومساسرة الكفار ،وإخ راجهم من
دورة االقتصاد ،واجب مجاعة أهل كل سوق جتارية أو صناعية أو مالية.
قال رمحه اهلل« :وال ميدح إذا باع أو صنع صنعة ،وال يذم إذا اشرتى أو
استعمل صانعا .فإن هذا ال يزيد يف رزقه ،وال ينقص منه تركه .وهذا من
اليقني يف الرزق يف هذا الباب .وفعله يزيد يف الذنوب فينقص من الدين».
في االقتصاد
142
النطاق اإليماني
إتقان الصنعة
قال رمحه اهلل« :وعلى الصانع أن يبلغ غاية النصح يف صنعته ملستعمله،
ألنه أعرف بصالح صنعته وفسادها وبسرعة فناء الصنعة وكثرة بقائها.
فينبغي أن يتقن هناية علم الصنائع بصالح الصنعة وحسن بقائها ،مع هناية
بغية مستعمله من جتويدها وإحكامها .ويتقي من فساد يسرع إىل فنائها
ما ال يفطن له مستعمله .فإذا فعل الصانع والتاجر ذلك كانا قد عمال
بعلمهما ،وسلما من املطالبة واملساءلة عنه .وإال فهما يسأالن ،فيقال
هلما :ماذا عملتم فيما علمتم؟ إذا كانوا على علم من التجارة والصناعة،
وهبذه األشياء عمارة اململكة (يعين اململكة اإلهلية) .فالبد أن يسأال (يوم
القيامة) عن ذلك كما يسأل من كان على علم بالدين واإلميان .ألن هلم يف
علوم العقل والتمييز من أبواب الدنيا أج را أيضا ومقامات من حيث كان
عليهم يف ذلك تكليف وعبادات .ويقال :إذا أثىن على الرجل ج ريانه يف
احلضر ،وأصحابه يف السفر ،ومعاملوه يف األسواق ،فال تشكوا يف صالحه».
قلت :هذا كالم نفيس .فاملسؤولية االقتصادية مسؤولية دينية يرتتب
على رعايتها صالح الصانع والتاجر والعامل يف دنياه وأخ راه .وإتقان
الصنعة نصح للمسلمني .وانظر كيف أصبح اقتصاد االستهالك اجلاهلي
قائما على عدم جودة البضاعة ليسرع إليها الفناء فيسرع املستعمل إىل
تعويضها ،فرتوج وتستمر املعامل يف دوراهنا .روح الكفر سرت يف كل أوجه
حياهتم والعياذ باهلل.
التكسب بنشاط
ار َم َع اش اً} (النبأ)11 ،
{و َج َع لْنَ ا الن ـَّ َه َ
وقال رمحه اهلل« :قال اهلل تعاىلَ :
{ولَ َق ْد َم َّك نَّا ُك ْم فِ ي
فذكره فيما عدده من آياته ونعمته .وقال عز وجلَ :
في االقتصاد
143
النطاق اإليماني
ض وج ع لْنَ ا لَ ُك م فِ
ِ
ش قَ لِ ي الً َّم ا تَ ْش ُك ُرو َن} (األع راف.)10 ،
ي
ا
ع
م
ا
يه
َ
َ
األَ ْر ِ َ َ َ
َ َ
ْ
فجعل املعاش نعمة طالب بالشكر عليها .وروي عن النيب صلى اهلل عليه
وسلم أنه قال« :من الذنوب ذنوب ال يكفرها إال اهلم بطلب املعاش» .قال
صلى اهلل عليه وسلم« :أحل ما أكل املرء من كسب يده ،وكل عمل مربور».
ويف لفظ آخر« :أحل ما أكل العبد من كسب يد الصانع إذا نصح» .ويف
اخلرب« :التاجر الصدوق حيشر يوم القيامة مع الصديقني والشهداء» ,وقد
جاء يف احلديث« :من طلب الدنيا حالال ،تعففا عن املسألة ،وسعيا على
عياله ،وتعطفا على جاره ،لقي اهلل عز وجل ووجه كالقمر ليلة البدر».
وقد روي أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه ذات
غداة ،فنظروا إىل شاب ذي جلدة وقوة ،وقد بكر يسعى ،فقالوا :ويح هذا
لو كان شبابه وجلده يف سبيل اهلل عز وجل! فقال النيب صلى اهلل عليه
وسلم ال تقولوا هذا! فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن املسألة،
ويغنيها عن الناس فهو يف سبيل اهلل .وإن كان يسعى على أبوين ضعيفني
أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو يف سبيل اهلل .وإن كان يسعى
تفاخ را وتكاث را فهو يف سبيل الشيطان».
«وقال ابن مسعود :إين ألمقت الرجل أراه فارغا ،ال يف عمل دنيا وال يف
عمل آخرة .وقال إب راهيم النخعي رمحه اهلل :كان الصانع بيده أحب إليهم
من التاجر ،وكان التاجر أحب إليهم من البطالة».
قلت :هنا حكمة توافق فيها مصلحة األمة اختيار السلف الصاحل رضي
اهلل عنهم .فإن الصناعة من فالحة وحرف هي عمدة االقتصاد ،وتضخم
اجلهاز التجاري يؤدي إىل طفيلية اقتصادية تعطل عن العمل املنتج أمواال
وجهودا حنن يف حاجة أن تنشط فيما يزيد من فرص الشغل للعاطلني ،ال
فيما يساعد على املضاربة (باملعىن العصري للكلمة ال مبعناها الشرعي)
واجلري وراء الربح العاجل السهل ،والسمسرة.
في االقتصاد
144
النطاق اإليماني
محاربة الترف
قال رمحه اهلل« :حدثت عن أمحد بن عبد اخلالق قال :حدثنا أبو بكر
املروزي قال :سألت أبا عبد اهلل (أمحد بن حنبل) عن الرجل يدعى إىل
الوليمة ،من أي شيء خيرج (أي ما هي البدع اليت إن وجدها يف الوليمة
خرج منها هنيا عن املنكر)؟ فقال :خرج أبو أيوب حني دعاه ابن عمر ف رأى
البيت قد سرت (عليه ستور) .ودعي حذيفة فخرج ،وإمنا رأى شيئا من زي
األعاجم .قلت :فإن مل يكن البيت مستورا ورأى شيئا من فضة .فقال :ما
كان يستعمل! يعجبين أن خيرج! ومسعت أبا عبد اهلل يقول :دعانا رجل من
أصحابنا قبل احملنة (حمنته على يد املامون العباسي يف مسألة خلق القرآن)،
وكنا خنتلف إىل عفان ،فإذا فضة! فخرجت ،فاتبعين مجاعة .فنزل بصاحب
البيت أمر عظيم (تأمل لذلك) .قلت أليب عبد اهلل :فالرجل يدعى فريى
املكحلة رأسها مفضض .قال :هذا ال يستعمل فاخرج منه! (.)...
«سألت أبا عبد اهلل عن الرجل يدعى فريى فرش ديباج ،ترى أن يقعد
عليه ،أو يقعد يف بيت آخر؟ قال :خيرج! قد خرج أبو أيوب وحذيفة ،وقد
روي عن ابن مسعود .قلت :فرتى أن يأمرهم؟ قال :نعم ،فيقول :هذا ال
جيوز! ( )...قلت :الرجل يدعى فريى تصاوير؟ قال :ال ينظر إليه! قلت :فقد
نظرت إليه! قال :إن أمكنك خلعه خلعته».
تسامح وصدقة
قال رمحه اهلل« :فينبغي للتاجر أن يكثر من الصدقة ليكون فيها كفارة
خطاياه وأميانه وكذبه .فقد أمر النيب صلى اهلل عليه وسلم التاجر بالصدقة
لذلك».
في االقتصاد
145
النطاق اإليماني
«فينبغي للتاجر والصانع أن يكونا مستعملني هلذه اخلصال ،فإهنا
جامعة له ،تشتمل على مجل أعمال الرب .فليأخذوا أنفسهم هبا ،فإهنا
من أخالق املؤمنني ،وط رائق املتقدمني .وقد ندبوا إىل مجيعها .فمنها أن
يسمح إذا باع ،ويسمح إذا اشرتى ،وحيسن إذا قضى ،وحيسن إذا اقتضى.
وليمش الرجل بدين غرميه إليه ،وال حيوجه إىل اقتضائه فيشق عليه .وليصرب
صاحب الدين على أخيه ،وحيسن تقاضيه ،وحيسن له النظرة ،ويؤخر حقه
إىل ميسرة .وليغتنم دعاء رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم هلم على ذلك،
فيتنافسوا يف مدحه ملن فعل ذلك».
«فقد روي عن النيب صلى اهلل عليه وسلم أنه قال« :امسح يسمح لك»
وقال« :خري الناس أحسنهم قضاء» .وقال« :خذ حقك يف عفاف ،وافيا
كان أو غري واف ،حياسبك اهلل حسابا يس ريا» .وقال« :رحم اهلل عبدا مسح
البيع ،مسح الش راء ،حسن القضاء ،حسن االقتضاء» وقال« :من مشى إىل
غرميه حبقه أظلته املالئكة» .وقال« :من أنظر معس را أو ترك له حاسبه اهلل
حسابا يس ريا» .ويف خرب آخر« :أظله اهلل يف ظل عرشه يوم ال ظل إال ظله».
وذكر صلى اهلل عليه وسلم «رجال كان مسرفا على نفسه .حوسب
فلم جيد له حسنة فقيل له :هل عملت خ ريا قط؟ فقال :ال! إال أين كنت
رجال أداين الناس ،وأقول لغلماين :ساحموا املوسر ،وأنظروا املعسر» .ويف
لفظ آخر :وجتاوزوا عن املعسر .قال اهلل عز وجل :حنن أحق بذلك منك!
فغفر له».
ويف خرب آخر« :من أقرض دينا إىل أجل فله بكل يوم صدقة إىل أجله.
فإذا حل األجل فأنظره بعده ،فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة» .ويف
حديث« :من أدان دينا وهو ينوي قضاءه وكل به مالئكة حيفظونه ويدعون
له حىت يقضيه» .وكان مجاعة من السلف يدانون وهم واجدون ألجل هذا
اخلرب .وكان مجاعة ال حيبون أن يقضيهم غرماؤهم دينهم ألجل ذلك اخلرب
األول ،إذ له بكل يوم تأخر قضاؤه صدقة».
في االقتصاد
146
النطاق اإليماني
قلت :أولئك قوم ي تَّجرون مع اهلل عز وجل فطوىب هلم ،وقد نقلت
هذه األحاديث عن رجل من الصاحلني ليس من أهل احلديث ،ولعل فيها
ضعيفا .ومعلوم من كالم شيخ احملدثني اإلمام أمحد أنه يستشهد بالضعيف
يف فضائل األعمال .وكان الضعيف يف مصطلحه غري ما تعارف عليه
احملدثون من بعد .لكن هذه األحاديث هنا ال تتناىف مع روح التسامح
اإلسالمي .وتزكيها مجيعا آية{ :وإِن َك ا َن ذُو عُ س رٍة فـ نَ ِ
ِ
س َرٍة}
ي
م
ى
ل
إ
ة
ر
ظ
َ
ٌ
ْ
َ
َْ َ َ
َ َ
(البقرة.)280 ،
تطرق الشيخ رمحه اهلل يف هذه الصفحة إىل باب مهم من أبواب املعامالت،
أال وهو اإلحسان يف التداين والتقاضي والتبايع وتداول املصاحل .وهو فضيلة
زائدة على العدل الذي خيول الدائن أن يطلب حقه من القضاء ،والبائع
أن يشرتط ،واملشرتي أن يدقق يف فحص البضاعة .إن حضارة قائمة على
التسامح واإلحسان الذي كتبه اهلل على كل شيء هلي حضارة األخوة بني
الناس .نقيضها حضارة املشاحة والش راسة ويبس العاطفة ،وهي احلضارة
املادية اليت شدت أطناهبا على أرضنا.
نرجع إن شاء اهلل ملوضوع اخلصومات واملشاحة واملالجة أمام احملاكم يف
غري هذا املكان .لكن نشري هنا إىل أن التسامح األخوي ينبغي أن ال يكون
ثغرة منها يدخل علينا احملتالون ليحدثوا الفوضى يف املعامالت .ذلك أن
ارتباط الصانع والتاجر ،خاصة يف املشاريع املهمة ،مبواعيد وتكفالت ال
يسمح هلما أن جيعال للمماطل بالدين ذريعة لتعطيل عملهما .فإن تعطل
املشروع توقف العمل ،وقذف بالعمال والكسبة يف الشارع ،وضاعت
اخلالئق .وهو فساد اجتماعي جرت إليه العناية مبصلحة فردية .ودرء
املفاسد سابق على جلب املصاحل كما هو مقرر .ويبقى التخلق الفردي
والتسامح فضيلة أساسية بشرط أمري املؤمنني عمر رضي اهلل عنه القائل:
«لست باخلب وال اخلب خيدعين!».
يف حدود هذه املالحظة ،وعندما تستقيم الذمم ،وتذهب ك زازة األنفس
وقسوة القلوب ،وعندما يؤمن استغالل طيبوبة الناس ،حتتل األخالق
في االقتصاد
147
النطاق اإليماني
اإلسالمية مكانتها يف املعامالت االقتصادية ،فتميزنا يف السوق كما متيزنا
يف السياسة واحلياة اليومية.
معاشرة األغنياء والفقراء
إن هدف العدل ،وهدم احل واجز الطبقية ،وتق ريب الشقة بني األغنياء والفق راء
يف اجتاه أكرب قدر ممكن من املساواة يف القسمة ،أهم ما جيب أن تتصدى له الدولة
اإلسالمية .هذا اهلدف االجتماعي م رتبط ارتباطا وثيقا باالقتصاد وتنظيمه،
وازدهاره ،وتوزيع األرزاق ب واسطته.
أما اإلحسان ،وهو احملسن الالحق بالعدل ،املكمل له ،فهو من شأن الدعوة
وال رتبية ،وخمالقة املسلمني بعضهم بعضا باخللق احلسن ،وتعارفهم ،وتباذهلم،
وت واسيهم ،وتكافلهم .ولكل هذا السلوك آداب مستحبة ،ودقائق من الرعاية
والعناية ،متهد لتسود األلفة بني املسلمني عرب الفروق االجتماعية ،ولكي يصان
شرف الفقري فال جترح ع واطفه.
نسردها سياقا ألحد اخل رباء بال رتبية واآلداب اإلحسانية من رجال هذه األمة،
وهو الشيخ اإلمام عبد القادر اجليالين رمحه اهلل .قال« :أما الصحبة مع األغنياء
فالتعزز عليهم ،وترك الطمع فيهم ،وقطع األمل مما يف أيديهم ،وإخ راج مجيعهم
من قلبك .وحفظ دينك من التضعضع هلم لت واليهم كما جاء يف احلديث .وهو
قوله صلى اهلل عليه وسلم« :من تضعضع لغريه من أجل ما يف يده ذهب ثلثا
دينه» .فنعوذ باهلل من فعل ينقص به الدين ،وصحبة أق وام ينثلم هبم الدين ،وتنقطع
ع راه ،ويطفئ نور اإلميان شعاع أم واهلم وب ريق دنياهم كما جاء يف احلديث.
«غري أنك إذا ابتليت بصحبتهم يف سري أو سفر أو مسجد أو رباط
جممع ،فحسن اخللق أول ما يستعمل ،وهو حكم عام شامل يف صحبة
في االقتصاد
148
النطاق اإليماني
األغنياء والفق راء .فال ينبغي لك أن تعتقد لنفسك فضيلة عليهم .بل
تعتقد أن مجيع اخللق خري منك لتتخلص من الكرب .وال تطلب لنفسك
فضيلة الفقر .وال تعتقد هلا خط را (أمهية) يف الدنيا وال يف اآلخرة .وال تر
هلا قد را وال وزنا كما قيل :من جعل لنفسه قد را فال قدر له ،ومن جعل
هلا وزنا فال وزن له .فأدب الغين باإلحسان إىل الفقري ،وهو إخ راج املال من
كيسه إليه .ويكون فارغا من ماله مستخلفا فيه ،غري متهالك عليه .وأدب
الفقري إخ راج الغين من قلبه .ويكون قلبه فارغا من الغين وماله ،بل من
الدنيا واآلخرة أمجع».
قلت :يقصد الشيخ -رمحه اهلل -بف راغ القلب من اآلخرة التعلق خبالق
الدنيا واآلخرة ،فإمنا اآلخرة خلق .وهذا هو مقام اإلحسان .وال يعىن هذا،
معاذا اهلل! االستخفاف بأمر اآلخرة ،وال جحود أي حقيقة من حقائق بعث
األجسام والنعيم والعذاب احلسيني يف اجلنة والنار ،نستجري باهلل من عذاب
النار ونسأله الفردوس األعلى من اجلنة مبنه وكرمه .قال رمحه اهلل« :وال جيعل
لشيء من األشياء يف قلبه موطنا وحمال ومدخال ،بل يتصفى من ذلك كله
وخيلو منه .مث يرتقب امتالءه بربه عز وجل (امتالء القلب حببه سبحانه).
فال يكون لغريه يف قلبه وجود ،وال حول وال قوة .فيأتيه عند ذلك فضل اهلل
عز وجل .فحينئذ حيصل الغىن به عز وجل من غري تعب وال هم».
«وأما الصحبة مع الفق راء فبإيثارهم وتقدميهم على نفسك يف املأكول
واملشروب وامللبوس وامللذوذ واجملالس وكل شيء نفيس .وترى نفسك دوهنم،
وال ترى هلا عليهم فضال يف شيء من األشياء البتة».
قلت :هذه اآلداب الرفيعة ليست يف متناول عامة الناس ممن مل تتهذب
نفوسهم ،وإمنا ندرجها هنا ،حنكيها بلسان حكيم مرب ،ليجدها جند
اهلل اجملاهدين يف سبيل جتهيز األمة حباجاهتا االقتصادية ،فتذكرهم بواجبهم
الرتبوي الدعوي ،وترفعهم إىل آفاق اإلحسان ،فال تستويل عليهم مهوم
في االقتصاد
149
النطاق اإليماني
الدولة ،وعنف توايل األحداث ،وخمالطة ضجيج العامل ،تلك املخالطة اليت
ال مناص منها .فلعل تك رار ذكر الصاحلني واملتأدبني باآلداب النبوية يبدهلم
بعدوى تلك اخللطة بركة صحبة أهل اهلل.
قال رمحه اهلل« :عن أيب سعيد بن أمحد بن عيسى قال :صحبت الفق راء
ثالثني سنة ،ومل جير بيين وبينهم كالم قط تأذوا به .وال جرى بيين وبينهم
منافرة استوحشوا منها .قيل له :كيف ذلك؟ قال :ألين كنت معهم على
نفسي أبدا .وإذا دخلت عليهم أدخلت عليهم سرورا ورفقا ،واستعملت
معهم خلقا :هدية وأدبا أو سببا من األسباب».
قلت :الفق راء يف اصطالح الشيخ عبد القادر وأمثاله هم املتجردون
عن الدنيا ،املتفرغون للعبادة .وتلك كانت إحدى صور اعت زال الصاحلني
للفتنة .وليس الوقت اآلن لذلك ،فالقعود والدروشة واهلروب بالدين
للجبال ال يليق بالرجال واألمة حمتلة مهددة .والدرس األخالقي السلوكي
من تلك العهود وصية حية لنا مفيدة.
قال رمحه اهلل« :ومن آداب الصحبة مع الفق راء أن ال حتوجهم إىل
مسألتك .وإن اتفق فاستقرض الفقري منك شيئا فتقرضه يف الظاهر مث تربئه
منه يف الباطن ،وختربه عن قريب بذلك .وال تبدأه بالعطاء على وجه الصلة
لئال يتحشم حبمل املنة منك بذلك.
ومن األدب معهم م راعاة قلبه بتعجيل م راده ،دون تنغيص الوقت عليه
بطول االنتظار.
ألن الفقري ابن وقته كما ورد :ابن آدم ابن يومه ،وليس له وقت النتظار
املستقبل.
ومن األدب معهم أنك إذا علمت أنه ذو عيال وصبيان فال تفرده
باالرتفاق معه ،بل تتخلق معه بقدر ما يتسع له وملن يشتغل به قلبه».
في االقتصاد
150
النطاق اإليماني
قلت :ما أمجل أن تسود هذه األخالق األخوية اجملتمع ،وأن يكون
إدخال السرور على أخينا املسلم وعلى عياله خلقا نتخلق به! وقد وردت
أحاديث شريفة يف احلث على ذلك.
قال رمحه اهلل« :ومن األدب معهم الصرب على ما يذكر الفقري من حاله،
وأن تتلقاه يف حال ما خياطبك بوجه طلق مستبشر ،وال تلقاه بالعبوس،
وال بالنظر الشزر ،وال بالكالم الوحش .وإذا طالبك مبا ال حيضر يف الوقت،
فاصرفه بالوجه اجلميل إىل مساعدة اإلمكان ،وال توحشه بيأس الرد على
اجلزم ،لئال يعود حبشمة اإلخفاق وعدم اإلصابة حباجته عندك ،والندم على
إفشاء سره إليك حس ريا».
قلت :وهذا أدب نبوي من قوله صلى اهلل عليه وسلم يف احلديث
الصحيح« :والكلمة الطيبة صدقة» ،فالكلمة الطيبة تواسي هبا أخاك
احملتاج إن مل يكن معك وجد تسد أبواب التباغض .قال رمحه اهلل« :ورمبا
يغلب عليه طبعه ،وتستويل عليه نفسه ،فيظهر عليه اجلهل حباله والسخط
عليك ،واالع رتاض على الرب عز وجل فيما قسم له من الفاقة إىل اخللق
والتبذل هلم .فيعمى قلبه ،وينطفئ نور إميانه .فكنت أنت مؤاخذا بذلك
كله».
الفقير الصابر
يف الكتاب والسنة ذكر الصرب على البالء ،والشكر على النعماء.
ومازال الصاحلون من األمة يتدبرون أيهما أحب إىل اهلل عز وجل :الغين
الشاكر أم الفقري الصابر .ومازال األغنياء الظاملون ،والق راء املزورون ،والبله
اخلاملون ،خيلطون بني شرع اهلل الذي يأمر بإنصاف الفقري احملروم من الغين
البخيل وبني قدره سبحانه يف قسمة األرزاق .فيزينون للمحروم السكوت
عن حقه ،والتبلد السليب ،باسم الصرب.
في االقتصاد
151
النطاق اإليماني
بعد أداء حق اهلل وحق املستضعفني يف املال للفق راء ،يبقى الصرب
إحسانا يصل العبد بربه .صرب له معىن غري معىن السكوت عن احلق،
وباعث غري التبلد السليب.
قال الشيخ رمحه اهلل« :قال اهلل جل وعال{ :إِ َّن ال لّ هَ ا ْش تـَ َرى ِم َن
الْم ْؤِم نِ
س ُه ْم َوأ َْم َوالَ ُه م بِ أ َّ
ف
َن
أ
ين
الج نَّ ةَ} (التوبة .)111 ،صربوا
ُ
َن لَ ُه ُم َ
ُ
َ
َ
على اإلفالس يف الدنيا ،وردوا التصرف يف األنفس واألموال واألوالد إىل رهبم
عز وجل ،وسلموا الكل إليه جل جالله ،سوى األوامر والنواهي».
قلت :هذا هو العلم :التسليم للقدر بعد إقامة األوامر والنواهي
الشرعية.
قال رمحه اهلل« :وامتثلوا األوامر ،وانتهوا عن النواهي ،وسلموا يف املقدور،
وحترزوا من اخلليقة ،وجتوهروا عن اإلرادة واألماين واهلمم (مهوم الدنيا) يف
اجلملة (أي بالكلية) .فشغلهم مبا ال عني رأت وال أذن مسعت ،وال خطر
على قلب بشر .كما قال جل وعال{ :إِ َّن أَص ح اب الْج ن ِ
َّة الْيـَ ْو َم فِ ي
ْ َ َ َ
ُش غُ ٍل فَ اكِ ُه و َن} (ياسني .)36 ،فهكذا الفقري إذا فعل ذلك يف الدنيا وحتقق
بظاهر القرآن ،باع حينئذ اجلنة بربه عز وجل .وطلب اجلار قبل الدار ()...
كما قال اهلل عز وجل{ :يُ ِري ُد و َن َو ْج َه هُ} (الكهف.)28 ،
الفصل العاشر
القومة الزراعية
أرقام ناطقة استصالح األرض -األرض ملن يزرعها
في االقتصاد
155
القومة الزراعية
أرقام ناطقة
ناطقة مفصحة عن وضعنا املزري وعجزنا املخزي عن إنتاج طعامنا
وكفايتنا من املنتوجات الزراعية .إهنا أرقام تنذر بغد أكثر بؤسا وهزمية
وتبعية ،وتشكل بتصاعدها من سنة لسنة اخلط البياين الذي يقيس هبوطنا
يف سلم احلضارة ،وتدهورنا يف دركات التخلف والعوز ،كلما ارتفعت
حاجاتنا من ضرورات الغذاء وكماليات االستهالك الرتيف .أرقام تشري
باللسان البليغ ،لسان احلال األفصح من لسان املقال ،إىل كوننا عالة يف
كفالة الدول املنتجة ،حلما على وضم بني يدي الدول النشيطة اخلبرية.
يف سنة 1981من تاريخ النصارى استورد العرب من املوارد الغذائية
بثالثة عشر مليون دوالر .وأعلن «مسؤول» عريب عند إعالن أرقام اإلفالس
هذه بأن عجز العرب عن إنتاج غذائهم راجع إىل تدبري قوى خفية حتاول
أن تزيد العجز الغذائي العريب ،وتساهم بوسائل خمتلفة يف توجيه االقتصاد
العريب حنو احلاجة والتبعية.
قوى خفية من سوس االستعمار الداخلي واحتكار الكافل اجلاهلي.
البد أن تضع احلكومة اإلسالمية يف مقدمة واجباهتا حريتها لتغيري هذا
املنكر بإصالح زراعي ،أو ثورة زراعية .قومة يف أول األسبقيات ،مسها ما
شئت.
ميثل العرب 3,6باملائة من سكان العامل ،وميلكون األراضي الزراعية
عشرة باملائة من أراضي العامل .حصة كفيلة أن تضمن الكفاية الغذائية
ثالثة أضعاف لو استعملت األموال العربية الوافرة ،والطاقات البشرية،
ومصادر املياه ،وغريمها من املقومات اليت يف يد سفهاء العرب ،استعماال
حكيما منتجا.
في االقتصاد
156
القومة الزراعية
لكن العرب دخلوا يف حلبة االستهالك اجلنوين الذي مبقتضاه ميوت جماهد
أفغانستان والجئ املسلمني يف خميمات الفلسطينيني ،وفالح بنغالديش،
جوعا ليتأتى ملرتف البرتول إقامة مآدب برمكية مبناسبة «الزفاف» رقم.20
ومبقتضاه يصرف احلاكم موارد الدولة لتشييد مصانع لألهبة والسمعة،
تعمل بعشرة باملائة من طاقتها ،بينما هتمل األرض والفالحة ألهنا نشاط ال
يعرب عن «التقدم» مثلما تعرب املصانع املتألقة أب راجها املعدنية يف صح راء
العرب.
يف سنة 1970من تاريخ النصارى استورد العرب مبائة مليون دوالر من
املنتجات الزراعية .قفز الرقم يف سنة 1979إىل 11 800مليون دوالر :مائة
ضعف ومثانية عشر ضعفا يف عشرة أعوام! تصاعد فظيع ،إن وضعته يف أفق
العشر سنوات املقبلة أخربك عن مصرينا إىل اهلاوية.
استورد العرب ،حسب إحصاءات 1979وعلى أساس معدل الصادرات
الغذائية العاملية بني سنيت 1977و ،1979النسب التالية %17 :من القمح
املصدر يف العامل %15 ،من األرز %10 ،من السكر %40 ،من األغنام احلية،
%11من حلم الضأن %13 ،من األلبان %53 ،من زيت بذرة القطن%12 ،
من زيت دوار الشمس.
مل تأت اإلحصائية مبقدار ما استورده املرتفون من املخد رات واخلمور
وعظائم الفجور .األغنام حالل ،وال بأس يف فقه االسرتخاء والتبلد من
است رياد أغنام العامل لوالئم املبذرين إخوان الشياطني.
وهاك أرقاما أخرى منبئة عن تبذير اجلاهلني الذين يساهم
إفسادهم يف األرض مع إفساد مرتفينا يف جتويع العامل املستضعف.
قال رجاء كارودي« :إن طعام الفقراء تغذى به أنعام األغنياء .ميثل
سكان الدول املصنعة سدس سكان العامل .وهم ينتجون ويتصرفون يف
%60من حبوب العامل ،يعلفون تلثي هذه احلصة أنعامهم باإلضافة
في االقتصاد
157
القومة الزراعية
إىل الصوجا وعلف الفول السوداين ودقيق السمك .وبذلك يزيدون
جوع املستضعفني يف العامل فداحة )...( .كيلو واحد من الصوجا يعطي
اإلنسان من الربوتينات الغذائية مثل ما تعطيه ثالث كيلوات من حلم
البقر ،أو عشر ل رتات من اللنب ،أو ستون بيضة .ومع ذلك فثالثة باملائة
فقط من إنتاج الصوجا يف العامل يستعمل غذاء لإلنسان .الباقي يعطى
علفا لألنعام ،أو يستعمل الستخ راج األلياف الصناعية».
استصالح األرض
يكون جهاد عمارة األرض ،واستصالحها .وهتييئها لإلنتاج ،وحسن
توزيعها ،وتسيري العمل فيها ،من آكد أنواع اجلهاد .ألن بعمارة األرض
حتصل األمة اجملاهدة األزواد وتضمن األمن الغذائي .مث إن صالح الزراعة
قاعدة ضرورية لتأسيس اقتصاد صحي يأيت التصنع مكمال له .فإن
خربنا األرض لنبين طرق األسفلت ،وبنايات اإلمسنت ،وم زابل لنفايات
االستهالك ،مقابر للسيارات «اخلربانة» كما يقول سواق األمري عن
السيارة الكادالك بعد أول وأدىن عطب يصيب حمركها ،فستلفظنا األرض
كما تلفظ بعض احلش رات املؤذية .هات يا فالح دمك ليستبدل األمري
سيارته اخلربانة!
قال اإلمام علي كرم اهلل وجهه لعامله« :وليكن نظرك يف عمارة األرض
أبلغ من نظرك يف استجالب اخل راج ،ألن ذلك ال يدرك إال بالعمارة .ومن
طلب اخل راج بغري عمارة أخرب البالد ،وأهلك العباد ،ومل يستقم أمره إال
قليال .فإن اشتكوا ثقال (ثقل اخل راج املؤذي) ،أو علة ،أو انقطاع شرب
(انقطاع ماء السقي) ،أو بالة (رطوبة) أو إحالة أرض (إفسادها للبذور)
اغتمرها غرق ،أو أجحف هبا عطش ،خففت عنهم مبا ترجو أن يصلح
به أمرهم )...( .وإمنا يؤتى خ راب األرض من إعواز أهلها».
في االقتصاد
158
القومة الزراعية
هكذا كانت عنايتهم بالفالح ومشاكله وباستصالح األرض .وهكذا
كان فهمهم رضي اهلل عنهم لعمادية الفالحة يف االقتصاد.
إن القومة الزراعية تتطلب إعادة النظر يف ملكية األرض ،وتوزيع عوامل
اإلنتاج توزيعا متوازنا بني أنواع الصناعة وأنواع الزراعة ،والعدل يف أجور
اليد العاملة بني عمال احلواضر والبوادي ،ومحاية الفالح ،وضمان أمنه،
واستق راره ،وحاجاته ،حلبس اهلجرة من البادية حلاضرة مدن القصدير،
واختيار أنسب التقنيات لإلنتاج ،وتيسري اإلدارة ،ورفع وصاية احلكومة
عن الفالح ،وتشجيع التعاونيات الفالحية اإلنتاجية والتسويقية ،ودعم
اإلنتاج الزراعي بتيسري أمثان املخصبات ،واآلالت ،ودفع قروض سخية ألكثر
املنتجني نفعا ،وتوجيه الزراعة لإلنتاج املغذي بدل إنتاج التصدير ،وحبس
است رياد املواد الكمالية من اخلارج ،والتدرج يف إيقاف است رياد احلاجيات
لتشجيع السوق الداخلية اإلسالمية.
أقصد باخلارج البالد اليت يف يد غري املسلمني ،وإال فالتبادل التجاري
والزراعي ،خاصة بني البالد اإلسالمية ،ال يتناىف مع االعتماد على قوانا
اخلاصة حىت إن كان من أقطارنا ما ال ي زال حتت احلكم الغاصب اجلربي.
أما ش راء التجهي زات اآللية واخلربة الضرورية لتنمية زراعتنا فالبد فيه من
التوجه للبالد املصنعة ،خاصة البالد الصناعية اجلديدة اليت تناسب تقنياهتا
مستوى تطورنا.
ويعترب يف است رياد احلاجيات االستهالكية والتجهي زات ،ما يكفي بدون
سرف لتغطية احلاجات االستهالكية والتنموية ألمة تدخر من قوت يومها
لتؤسس كفاية غدها وقوته.
ويكون من األهداف األولية يف هذا اجملال الزراعي ،كما يكون يف كل
جماالت االقتصاد ،استعمال أمناط اإلنتاج اليت تقلل البطالة ،وتعتمد على
اليد العاملة أكثر مما تعتمد على تشغيل اآلالت اليت ندفع فيها أموالنا
في االقتصاد
159
القومة الزراعية
لتأيت إلينا تعطل اإلنسان عن العمل .وهذا ما يسمى بتصدير البطالة ،ألن
صانع اآللة عندهم يشتغل دواما ،فتأتينا آلته لتنشط عندنا عمر الزهور،
عمر السيارة «اخلربانة» املرمية يف الصح راء بعد أول زكام أصاب احملرك،
وليتعطل اإلنسان!
على أن معظم أرضنا جافة .وما يسقط فيها من مطر ،وما يأيت من
زرع ،يطلب السرعة يف احل راثة واحلصاد وسائر العناية .والسرعة تعين ضرورة
اآللة .وصالبة األرض تريد قوة اآللة ،وتعميق احلرث يريد اآللة فإصالح
التناقض بني اآللة واليد العاملة يقيم لنا إن شاء اهلل تقنية من نتاج أدمغتنا
وأيدينا .ومن فضله تبارك وتعاىل نطلب الربكة ونستسقي الغيث.
من أوليات القومة الزراعية نزع امللكية اجلائرة وحتديدها ،وتقسيم األرض
قسمة متنع من احتكارها يف يد املالك الغائب ،وجتميعها ملنع التشتت يف
بقع صغرية يضيع معها حيز مهم يف رسم احلدود وال تساعد على العمل
املنظم كما تساعد امللكية املتصلة.
وإن تربية الفالحني ملن أعز األهداف ،وتأطريهم مبرشدين يقنعوهنم
يف آن معا بواجبات العبادة وواجبات اإلنتاج وهو صورة أخرى للعبادة،
يقنعوهنم بتبين األساليب العلمية الرفيعة ،وبالتعاون والنظام .وعلى الدولة
اإلسالمية أن حتمي سوق املنتوجات الضرورية من الوسطاء ،وشركات
االحتكار ،ومن امل رابني.
إن األمة اإلسالمية حماصرة ،فما ظنك جبيش حاصره العدو ومنع عنه
الطعام! إما أن ميوت جوعا وإما أن يستسلم خنوعا .والثالثة أن حنقق
استقاللنا الغذائي باإلنتاج الوفري ،مث بالتقلل ،فإن املؤمن يأكل يف معي
واحد كما قال احلبيب صلى اهلل عليه وسلم .وليس من املمكن وال من
في االقتصاد
160
القومة الزراعية
الالئق مروءة وال من املباح شرعا أن يستهلك العرب وهم %3من سكان
العامل %40من الغنم املصدرة يف العامل .ال وال من املباح أن نباري الكفار
الذين يأكلون يف سبعة أمعاء ،يف التبذير ومستوى املعيشة املرتفة.
األرض لمن يزرعها
قال اإلمام ابن حزم رمحه اهلل ،وغفر لنا وله« :يأخذ السلطان الناس
بالعمارة وكثرة الغ راس ويقطعهم اإلقطاعات يف األرض املوات .وجيعل لكل
عم ره ،ويعينه على ذلك فيه .لرتخص األسعار ،ويعيش الناس
أحد ملك ما َّ
واحليوان ،ويعظم األجر ،ويكثر األغنياء وما جتب فيه الزكاة» .سبحان اهلل!
هم املؤمنني أن ترخص األسعار ،ويعيش اإلنسان واحليوان .يا من تعلفون
كالبكم طيبات األرض ،تكرمون احليوان بإفقار العامل وقتله جوعا! هم
املؤمنني أن يكثر األجر ج زاء لعمارة األرض اليت أمرنا هبا .فهل تعمر األرض
إن احتكرها من يعطلها ،أو يتاجر فيها ،أو يفسد فيها؟ قال العالمة ابن
حزم« :ال جيوز ك راء األرض بشيء أصال .ال بدنانري وال بدارهم ،وال بعرض،
وال بطعام مسمى ،وال بشيء أصال .وال حيل يف زرع األرض إال أحد ثالثة
أوجه:
)1إما أن يزرعها املرء بآلته وأعوانه وبذره وحيوانه( .قلت :فإن عطلها
ثالث سنوات اعتربت مواتا).
)2وإما أن يبيح لغريه زرعها ،وال يأخذ منه شيئا .فإن اشرتكا يف اآللة
واحليوان والبذر واألعوان دون أن يأخذ منه لألرض ك راء فحسن.
)3وإما أن يعطي ملن يزرعها ببذره وحيوانه وأعوانه وآلته جبزء .ويكون
لصاحب األرض مما خيرج اهلل تعاىل منها مسمى».
في االقتصاد
161
القومة الزراعية
ذكرنا يف غري هذا الكتاب كيف جيوز للسلطان نزع امللكية اخلاصة
األرض .واحلكم يف حتول األرض إىل
ملصلحة اجلماعة ،ومن هذه امللكية
ُ
موات إن عطلت ثالث سنوات معروف .فتتسع النصوص الستنباط قوانني
شرعية تربط ملكية األرض باإلنتاج ،وتعترب اإلمهال اجلزئي تعطيال لألرض،
فيكون ذلك رادعا يكمل حوافز اجلهاد الزراعي اإلجيابية .واهلل ويل الرشاد.
الفصل الحادي عشر
بأس الحديد
تصنيع خاسر قام اإلسالم بالقرآن واحلديد صناعة ثقيلة التكامل اإلسالمي تصنيع ذو أهداف -توطني التكنولوجيا
في االقتصاد
165
بأس الحديد
تصنيع خاسر
أمرنا اهلل تعاىل أن نعد القوة ،والقوة بأس احلديد يف عصرنا يعين
التصنيع الناجح .ولئن أحلحنا فيما سبق على ضرورة إعطاء األسبقية
للفالحة فما ذاك عن قلة إدراك للضرورة األخرى :الصناعة .ليس التصنيع
يف حد ذاته من أسباب تأخر الزراعة ،بل بالعكس .لكن املغرورين بالغرب
ومنطه االقتصادي يتبارون يف تقليد اآلخرين ،ويغطون فشلهم يف التصنيع
معا والفالحة بشعارات ونظريات استهلكت يف بالد غري بالدنا ،فهي مما
يستورد لالستهالك.
نريد تصنيعا يأيت كاللباس على جسم هو جسمنا ،على مقاساتنا،
خادما ألهدافنا ،من ترتيبنا وختطيطنا ،ومن بنات اخ رتاعاتنا يف خمت رباتنا،
وبأدمغتنا وأيدينا .إىل هذا يؤول جهدنا إن شاء اهلل بعد فرتة االقتباس .ال
عربة بكون الصناعة ثقيلة أو خفيفة بقدر ما هي العربة مبواءمة الصناعة
لنظامنا السياسي واالجتماعي ،مبواءمتها لطاقاتنا البشرية املوكول إليها
تشغيل اآللة الصناعية وصيانتها ،مبواءمتها حلاجاتنا احمللية واإلسالمية
مواءمة تكثر على سلعنا الطلب ،وتفتح هلا األبواب ،ويتسع هلا السوق،
وتتطور بذلك الصناعة ،وتتقوى ،وتتفرع ،وتتجدد ،وتتوطن!
إن التصنيع اخلاسر هو ذلك الذي ينبين على الربيق الكاذب للمعامل
العصرية الضخمة املش رتاة جاهزة ،اليت ال توائم اإلنسان وال املكان ،وال
تنتج حاجة الشعوب املستضعفة وإمنا تتعطل ،أو تشتغل إن اشتغلت
جبيش من اخل رباء األجانب ،ولسوق استعمارية ،بإدارة الشركات الكربى.
كأنك ما رأيت ومسعت احلكام املغربني ينتقلون من مكان ملكان «لوضع
احلجر األساسي» ،ملعامل ب راقة ،هياكل خيتفي وراءها سر الفشل واخلسار!
في االقتصاد
166
بأس الحديد
إننا حباجة لصناعة ثقيلة وخفيفة إلنتاج السالح ،واآلالت الفالحية،
والبضائع الضرورية .لكن التصنيع على النمط املغرب لن يعطينا شيئا من
ذلك .فإن االستق راض بال حدود ،وتبىن التكنولوجيا الغربية بال متييز ،حبال
تربطنا باجلاهلية ،بل سالسل يف أعناقنا تتبعنا هلم تبعية األسري والعبد.
وعجزنا عن التحكم يف سري عملية التصنيع يثبت دعائم التخلف ،وحيرك
ماكينته من فشل إىل فشل ،من درك إىل درك.
قام اإلسالم بالقرآن والحديد
ذلك خس ران تصنيع عائم ال أصل له يف نفوسنا وال يف عقيدتنا ،وال
قدرة له من مث على تلبية حاجاتنا .وتتغري النظرة عندما نعود إىل كتاب
اهلل عز وجل وسنة رسوله لنؤصل حوافز التصنيع ،ونوجهه حنو أهدافنا
اإلميانية.
إن اجلهاد قوامه الرشاش ،واملدفع ،والطيارة ،والدبابة ،والصاروخ
والتجهي زات اإللكرتونية املعلوماتية ،واالستقالل الغذائي والصناعي .هناك
القرآن وبينات اهلدى ،وهناك احلديد وسيلة لنصر القرآن .قال اهلل عز وجل:
ِ
ات وأَنزلْنَ ا م ع ه م ال ِ
{لَ َق ْد أَرس لْنَ ا رس لَ نَ ا بِ الْبـ ي ـِّنَ ِ
ْك تَ اب وال ِ
وم
ُ
ْم َ
َ
َ
يزا َن ل يـَ ُق َ
َ
َ
َ
َْ ُُ
َ
َ
ُ
ال نَّاس بِ ال ِْق س ِط وأَنزلْنَ ا الْح ِدي َد فِ ِ
س َش ِدي ٌد َو َم نَ افِ ُع لِ ل ن ِ
ْ
َّاس َولِ يـَ ْع لَ َم
أ
ب
يه
ْ َ َ
َ
َ
ٌ
ُ
نص ُرهُ َو ُر ُس لَ هُ بِ الْ غَ ْي ِ
يز} (احلديد.)25 ،
ب إِ َّن ال لَّ هَ قَ ِو ٌّ
ي َع ِز ٌ
ال لَّ هُ َم ن يَ ُ
القوة والعزة ونصر اهلل منوطة باجتماع املصحف والسيف ،وتالحم
الدعوة القرآنية والدولة احلديدية .مصحف بعكاز من خشب ،ذلك رمز
اإلسالم املنقاد للحاكم .ومصحف جبانب رشاش ،ذلك رمز إسالم اجملاهدين
املنيع العزيز .وما العزة إال باهلل العزيز احلميد.
في االقتصاد
167
بأس الحديد
قال اهلل تعاىل حيكي نعمته على عبده داود عليه وعلى نبينا وإخواهنما
ْح ِدي َد
أفضل الصالة وأزكى السالم ،وجيدد أمره للعباد الصاحلنيَ :
{أَلَ نَّا لَ هُ ال َ
ات وقَ دِّر فِ ي َّ ِ
ِ
ٍ
ص الِ ح اً إِنِّ ي بِ َم ا تـَ ْع َم لُ و َن
الس ْرد َوا ْع َم لُ وا َ
أَن ا ْع َم ْل َس ابِ غَ َ ْ
ب ِ
ير}(سبأ .)11-10 ،كان خليفة اهلل داود ونبيه حدادا يصنع من الزرد
ص
َ ٌ
دروعا .أمره اهلل عز وجل أن يصنعها سابغات ،أي وافيات .وأمره أن يقدر
يف السرد ،أي أن يتقن املقاييس والصنع .وأخربنا وإياه أنه سبحانه وتعاىل
بصري مبثل هذا العمل الصاحل ،جيزي به وحيبه .فعندما يصبح التصنيع عبادة،
واالشتغال واإلتقان عمال صاحلا يدخر ليوم احلساب ،وميارس مب راقبة الرب
البصري تبارك وتعاىل ،نقرتب من الفالح واالستقالل عن حوافز اجلاهلية
وهيمنتها.
ما بلغنا أنه كان للمسلمني على عهد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم
صناعة واسعة للحديد .لكن السنة والسرية العطرة خي ربان عن االستعمال
العتيد لبأس احلديد.
فقد كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم حريصا على اقتناء األسلحة.
وكان صلى اهلل عليه وسلم يلبس المته للحرب ،ويظاهر بني درعني .وكانت
كتيبة املهاجرين واألنصار تسمى الكتيبة اخلض راء ،أي السوداء ،لكثرة ما
عليها ومعها من حديد.
وقد أرسل صلى اهلل عليه وسلم عروة بن مسعود وغيالن بن سلمة إىل
جرش ،من أعمال دمشق ،ليتعلما صنعة الع رادات واملنجنيق والدبابات .وهي
أسلحة متطورة بالنسبة لذلك العصر .فاملنجيق آلة لرمي احلصون باحلجارة
الثقيلة ،والع رادة نوع منه ،والدبابة درع مجاعية يضعها املهامجون للحصون
على ظهورهم لتقيهم أسلحة العدو ون ريانه وقذائفه .وقد استخدم صلى اهلل
عليه وسلم هذه اآلالت يف حصار الطائف حىت طلب العدو الصلح.
في االقتصاد
168
بأس الحديد
أمجع الفقهاء على أن إقامة احلرف والصناعات فريضة على األمة،
يأمث اجلميع برتكها .وقد برع املسلمون بعد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم
يف فنون الصناعة ،وطوروها بعد اقتباسها .فصنعوا السفن وغزوا عليها.
وكانت دروعهم اخلفيفة اليت ال تثقل الفارس وال الفرس أدوات متطورة
بالنسبة للدروع الثقيلة اليت كانت وقاية الصليبيني ،تثقل حركتهم يف
ساحة املعركة .كما كانت سيوفهم الرشيقة وسهامهم الرقيقة أقدر على
بلوغ امل راد مما كان مع أعدائهم .كانوا دائما على رأس التطور الصناعي
حىت بزغ فجر العصور احلديثة ،عصور تصنع فيها اجلاهليون وتقننوا،
وقعدنا عن ذلك اجلهاد ملا ثقلنا عن كل جهاد.
صناعة ثقيلة
ال تستطيع الزراعة أن تتطور بدون صناعة تسعفها وتكملها ،وال
تكفي الزراعة وحدها ،على أمهيتها القصوى ،لتحقيق التنمية االقتصادية،
وبناء القوة الضرورية الستقالل األمة ،ورخائها ،وتقدمها.
الصناعة اخلفيفة تليب حاجات االستهالك ،وتناسب االقتصاد الالمركزي
الذي يقرب الشغل إىل القواعد احمللية ،ويساعد على توزيع الثروات،
ويشجع اإلنتاج مبا يتيح من مواءمة مستمرة بالسوق ،ومبا ينهض عليه من
مبادرات حرة يسهر عليها من قريب ،ويف حوار مباشر مع اليد العاملة،
رجال األعمال النشطون.
لكن الصناعة الثقيلة ،مثل صناعة الصلب واحلديد ،والصناعات
الكيماوية والكهربائية ،وصناعة آالت اإلنتاج هي املدخل الصحيح
للتصنيع الشامل .هي احملرك للعملية االقتصادية الصناعية ،جترها ج را،
وتدفعها إىل التوسع دفعا .مث إهنا ،قبل كل شيء ،ضرورية إلعداد القوة،
والتمكن من بأس احلديد املالزم الالزم للنصر يف آيات اهلدى والفرقان.
في االقتصاد
169
بأس الحديد
أنزل اهلل عز وجل احلديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ،فمن كونه فيه
بأس شديد تكون صناعاته الثقيلة احلربية أساسا أوال ،ومن كونه فيه منافع
للناس تكون تفرعاته أساسا ثانيا.
إن الصناعة اخلفيفة اليت تعتمد على آالت اإلنتاج املستوردة ،وعلى
حتويل املواد اخلام حمليا ،وعلى تقليد البضائع املستوردة املألوفة وتعويضها
حمليا ،تفتقر دائما إىل است رياد آالت اإلنتاج وقطع الغيار ،باإلضافة إىل
افتقارها للخربة املستوردة .وكل أولئك يربطوننا ربط التابعني ملصدري تلك
اآلالت والقطع واخل رباء كما تربطنا هبم حاجتنا للسالح .تبعية سياسية
واقتصادية لن تزداد إال فداحة إن مل ننب اقتصادا متكامال مستقال ،بأصوله
الصناعية الثقيلة ،وفروعه الصناعية اخلفيفة .أما أن نبتاع بنات صناعتهم،
وهن تلك اآلالت الواردة ومعها دفرت كيفية االستعمال ،فلن ميكننا توطني
الصناعة ببالدنا ألن البنات القاص رات دائمات احلنني إىل أمهاهتن ،جيفلن
ويرفضن احلركة .فإما ترمي بالسيارة اخلربانة إىل مقربة السيارات إن كنت
سفيها ،وإما تتوسل ،وتقبل الشروط اجملحفة ،وتتنازل عن سيادتك إن
كان توقف اآللة أو انعدام قطع الغيار مسألة إفالس اقتصادي أو هزمية
عسكرية.
ال مناص للدولة اإلسالمية من السعي لتحقيق االكتفاء الذايت الصناعي
كما حتقق االكتفاء الذايت الفالحي ،لكيال تكون يف قبضة االس رتاتيجيات
االستكبارية ،ولكيال تزدردها املصاحل االقتصادية املتصارعة.
التكامل اإلسالمي
ولئن كانوا أسبق منا ،مبا ال يقاس ،يف هذا امليدان ،وكانت قدرتنا اليوم
على منافسة بضائعهم أقل من قدرتنا على التنافس أيُّنا يكون خري زبون
هلم ،فإن القومة الصناعية اإلسالمية ،واندماج األقطار اإلسالمية احملررة يف
في االقتصاد
170
بأس الحديد
بعضها ،وانفتاحها التكاملي على بعضها ،واعتبار أسواقها سوقا واحدة،
وتفضيل البضاعة اإلسالمية على غريها ولو ارتفع الثمن ،كفيلة أن متهد
ذلك الطريق ،وتساعدنا على اقتحام تلك العقبة.
فباعتبار التجهيز الصناعي جهادا يعبئ طاقات األمة حبافز ال يقاوم،
وباندماج األسواق والطاقات القطرية بعضها يف بعض ،يتم توزيع املهمات
وتقاسم االختصاصات .وبتفضيل البضاعة اإلسالمية على غريها بقطع
النظر عن كلفة الش راء ميكن أن نشجع اقتصادنا على االزدهار ،وصناعتنا
على التقدم.
يطلب إلينا ذلك أن نقدم على حساب الربح العاجل أمل وحدة
املسلمني وعزهم .وأن ال نتخذ بطانة من دوننا ،وما الزبانة للكافر إال
نوع من اختاذه بطانة وصديقا .وما مصادقة الكفار رجاء ربح مادي عاجل
وتعريض املسلمني لإلفالس إال نوع من اخليانة ،من أكربها.
يطلب إلينا ذلك أن نقدم يف االعتبار درء املفاسد على جلب املصاحل.
ف رمبا تقتضي اخلطة االقتصادية الصناعية التكاملية بني بالد املسلمني أن
يتخصص قطر يف صناعة ما ،تكون أقل مردودية وأبطأ عطاء .فإن كان
توقف ذلك القطر يسبب مفسدة عامة لألمة ،فما التشبث باملصلحة
احمللية العجلى إال ضرب من اخليانة.
نكتب كل هذا ترمسا للخط املثايل والسلوك اإلمياين .نكتبه من جانب
الدعوة .أما الدولة ،وحىت الدولة اإلسالمية الشورية العادلة ال راشدة ،فتقع
حتت ضغوط وضرورات تقلص من قدرهتا على املسلك املثايل الذي ال
يكلف الكاتب إال استدعاء األفكار والكلمات من مساء الشعور الفاضل.
لكن البد من رسم املثل األعلى يف طريق أهل العدل واإلحسان ،وعلى اهلل
التكالن.
في االقتصاد
171
بأس الحديد
وال ننفك نوصي بأن تتعامل الدولة القطرية احملررة ،واحتاد الدول
القطرية احملررة ،مع سائر أقطار املسلمني الباقية حتت حكم اجلرب .ولتعترب
ذلك اجلماعة اإلسالمية احمللية مبثابة ضرورة قاهرة ،ومبثابة انبساط للمد
اإلسالمي التحرري يف أرض إسالمية ال ت زال يف م راحل القومة األوىل .قد
يستغل حكام اجلرب الصداقة االقتصادية مع دولة القرآن للتمويه على
الشعب املقهور ،فعلى الدعاة احملليني أن ال يسقطوا يف املقارنات السهلة،
وال يف االستنتاجات العجلى.
نعم ،قد يكون موقف الدولة اإلسالمية الوليدة من احل راجة والضيق
واخلطر حبيث تضطر ملصادقة حكام فاجرين كافرين جامثني على صدور
األمة .مثل هذا حدث للثورة اإلي رانية اإلسالمية يف حتالفها مع حزب البعث
النصريي الكافر .وهو خطأ فادح من وجهة نظرنا .دونه ما نشري إليه
هنا من التبادل التجاري والتكامل االقتصادي .ولعل احلرب اليت خيوضها
إخواننا هناك ،وصعوبات البدايات ،تنجلي إن شاء اهلل عما يكشف الغمة
ويصوب األخطاء.
تصنيع ذو أهداف
ينبغي أن تكون اخلطة التصنيعية يف دولة اإلسالم خطة ذات أهداف
إسالمية .هذه األهداف جمملة تتلخص يف هدفني:
)1البأس الشديد
)2املنافع للناس
حتتاج اخلطة بعد ذلك لد راسة تفصيلية توائم بني األهداف ،وامل راحل،
والوسائل ،والتخصصات القطرية واحمللية داخل القطر .وحتتاج للنظر
فيما هو قابل من كل ذلك للتنفيذ حاال ،وما يتوقف على إعداد عوامل
اقتصادية متهيدية من جتهي زات أساسية ،ويد عاملة ماهرة ،ومتويل وافر،
وتقنية مناسبة.
في االقتصاد
172
بأس الحديد
ويعترب التصنيع إسالميا وناجحا إن حقق التنفيذ بشروط املردودية
والتوازن ،بني هدف القوة والبأس وهدف املصاحل للناس .فإن التصنيع
الفاشل ماليا ،العاجز عن اإلنتاجية العالية واملردودية ،تصنيع إفالس.
وال يغطى اسم «اإلسالم» الفشل واإلفالس وال يقبلهما وإن اندسا حتت
ذيوله .وإن اقتصاد الرتف والتبذير اقتصاد جائر ،ألنه ال حيرتم أصول العدل
واإلحسان وخدمة املستضعفني.
من أسباب خس ران االقتصاد ،وفشله ،وإفالسه ،سوء تدبري العملية،
وسوء تنسيق سريها .فحذار أن نغرت حبماس ثوري أعشى يثور لإلنتاج من
أجل اإلنتاج .فإن مل تصحب احلكمة أم راء االقتصاد وساقة اجلند العاملني
يف حقوله ،فسرعان ما خيتنق االقتصاد ،وتضطرب حركته ،وتنقطع أوصاله.
إن اختاذ الق رار االقتصادي ،وزراعة املنشآت الصناعية ،السيما الكربى
منها ،يف أرض متخلفة يطلب من أم راء االقتصاد وجنده شبيه ما يطلبه
الق رار العسكري من أم راء احلرب وجنده من تبصر وحسن اختيار احلجم
والوقت .حساب احلاجات واملوارد من الطاقة ،واملواد األولية ،واملياه ،واليد
العاملة املاهرة وغري املاهرة ،والنقل ،والتسويق ،واإلدارة ،والتمويل اخل.
التصنيع اهلادف ال يدفع العجلة اإلنتاجية يف حركة عشوائية ليتمكن
املسؤولون من صف أرقام إحصائية على مائدة املباهاة .لكن يقتصد يف
الوسائل ،ويتخلى عن املباين املشيدة املرتفعة التكاليف ،ويستثمر املال يف
املشاريع املفيدة املتواضعة ،املتكيفة مع الظروف واملناخ.
توطين التكنولوجيا
من أهم العقبات أمامنا دون التصنيع الكفء املستقل فقرنا يف العلوم
الصناعية ،وقلة زادنا من اخلربة واأليدي املاهرة .ال يصح أن ننكر تفوق
في االقتصاد
173
بأس الحديد
اجلاهليني علينا يف هذا امليدان تفوقا ساحقا ،كما ال يصح أن تشل املقارنة
املعجزة حركتنا وأن نقف مسحورين مكتويف األيدي.
إهنا معركة حامسة ،معركة انت زاع العلوم واخلربة من خمالب قوم شحيحني
هبا ،غيورين عليها .ولن ميكننا بناء حضارة إسالمية ولو بلغ كم املواد
اخلام وعدد األيدي العاملة واملال املوفور ما بلغ بدون املواهب العلمية،
واملهارات العملية ،والتدبري اإلداري ،والتنظيم املتخصص .وإنه إخفاق
فظيع للقومة بدون صناعة ،وإنه حلم تافه أن ترفع أب راجا معدنية مستوردة
على ركام من بالدة األدمغة وبداوة احلس.
هناك فخ منصوب الصطياد أموالنا ومصادرة مستقلبنا يسمى «است رياد
التكنولوجيا» .صفقات تدفع فيها الدول املتخلفة عصارة جهدها وثروة
أرضها ليحصل هلا شرف استقبال اخل رباء األجانب ببالغ احلفاوة ،والتفرج
عليهم وهم يبنون يف عقر ديارنا معاقل ترسخ أقدام صناعتهم وشركاهتم
بني ظه رانينا .مث ال ختدم تلك «التكنولوجيا» إال أهدافهم ،وال تنطق إال
بلغتهم ،وال تأنس وتطرب إال بذكر حضارهتم.
إن أهدافنا خمالفة ألهداف املركب الصناعي احلريب ِ
لك ال طريف
اجلاهلية .وكما جيب أن حنارب تلك األهداف االستكبارية جيب أن منتحن
«التكنولوجيا» ونطوعها ألهدافنا حىت تستحق منا الثقة .وال يكون ذلك
إال بتقدمي رجالنا الفضالء املهرة يف البحث العلمي واالبتكار يف العناية
واالعتبار ،وتشجيع البحث العلمي املخرتع الصانع ال «البحث العلمي»
األكادميي الذي جناري به فلسفتهم وخ رافاهتم ،ونصرف عليه أموالنا على
شكل ترمجات «أدبية» إلف رازاهتم ،وعلى شكل «ق راءات» ال تنتهي لل رتاث
القدمي ،غثه قبل مسينه.
جعلنا ختلفنا العلمي وحاجتنا لصناعتهم عالة ضائعني ،بل فريسة
ممتازة مسينة بأموال النفط .فيا من يوطن يف بالدنا تلك العلوم ليحررنا من
الضياع!
الفصل الثاني عشر
العمل
جهاد البناء القاعد عن الكسب ساقط الشرف حقوق العمال -الـنـقـابـة
في االقتصا د
177
العمل
جهاد البناء
يا من يفك رقبة األمة! يا من يطعمها يف أيامها ذات املسغبة! يا من
خيرجها من يتمها وبؤسها ومرتبتها!
إن شياطني التبعية ،واجلوع ،واهلزمية التارخيية ،ال يفيد يف طردها
االستعاذة .تنهى الصالة عن الفحشاء واملنكر ،لكن املصلي يبقى عالة
على غريه إن مل يشمر عن ساعد اجلد ليكسب قوته ،ومل يتحفز للنشاط
الدائب وإعداد القوة ليدافع عن نفسه الشياطني اإلنسية اليت ال تردها
االستعاذة كما ترد شياطني اجلن.
إن الذي يفك رقابنا عمل منبعث من أعماق ديننا احلنيف الذي يأمر
بالسعي يف األرض ،واملشي يف مناكبها ،وعمارهتا ،واخلالفة فيها« .يا داود
إنا جعلناك خليفة يف األرض».
فهل قال له اهلل عز وجل :من وحنن نرزقك ونبطش بعدوك؟ كال بل قال
ِ
َن ا ْع م ل س ابِ غَ ٍ
َاح ُك م بـَ ْي َن ال ن ِ
ات
لهْ « :
َّاس بِ ال َ
ْح قِّ» .وقال له عز وجل{ :أ َ ْ َ
وقَ ِّد ر فِ ي َّ ِ
ص الِ ح اٌ} (سبأ.)11 ،
الس ْرد َوا ْع َم لُ وا َ
َ ْ
ورد عن املصطفى صلى اهلل عليه وسلم يف احلث على العمل سلسلة
طويلة من األحاديث يق رأها خطباؤنا األماجد من على منابر إسالم اخلمول،
واحلركة خارج املسجد تعج بنشاط ال ميت إىل اإلسالم بصلة ،إال من حيث
استم رار الناس باالعتقاد أنه ال إله إال اهلل وأن حممدا رسول اهلل صلى اهلل عليه
وسلم ،وما كان من عمل فردي خيتلط صالحه بفساد الغادين ال رائحني
على غري قصد سام ،وجهاد بان.
قوى العمل معطلة يف البطالة ،أو موجهة إلنتاج معاش متخلف .وال
شرف للعمل اجلاد ،إمنا الشرف ملن حيتال .والعامل عسيف مظلوم يف أدىن
درجات السلم االجتماعي .بقي يف كالم العرب أثر للمعامالت اجلاهلية،
في االقتصا د
178
العمل
فنجد يف احلديث قول األع رايب لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم« :إن ابين
كان عسيفا» .قال مالك رمحه اهلل :العسيف :األجري .فحمل االسم معاين
الظلم والتعسف الواقعني على األجري العامل.
يف معرض حديثنا عن جهاد البناء جيب أن ال نتصور هذا اجلهاد على
شكل تطوع شامل هتب األمة بكاملها مبقتضاه لتنجز األعمال الشاقة يف
جو املرح والنشاط واحلماس.
يلزم كثري من التطوع وكثري من االنبعاث اجلماعي ويلزم أن تسود روح
النشاط عبادة البناء بنية التقرب إىل اهلل عز وجل .لكن هذا اجلو اإلمياين
ما هو إال إطار نفسي حركي ،وجسم العمل وماهيته بذل العامل جهده
اليومي يف حدود واجب هو مسؤول عنه ،وحق هو مطالب به ،حق حيميه
القانون الشرعي.
اإلطار اإلمياين دعوة ،والدولة اإلسالمية مستندة إىل الدعوة ،متحركة
على هديها ،جيب أن تقنن للجهاد البنائي قوانني ختطط العمل ،وتعبئ
اجلهود ،وتصنف العامل لتنفي عنه التعسف ،وتعطي صاحب املال حقه
بالقسط.
وال حتسب أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه امليامني كانوا
رجال غدوة إىل املسجد وأخرى لساحة القتال ،واأليام بني ذلك فارغة ،بل
كان العمل الدائب ،والسعي الكاسب نشاطهم العادي اليومي.
قال احلافظ ابن القيم نور اهلل ضرحيه« :إن النيب صلى اهلل عليه
وسلم باع واشرتى ،وش راؤه أكثر ،وآجر واستأجر واستئجاره أكثر.
وضارب وشارك ،ووكل وتوكل ،وتوكيله أكثر ،وأهدى وأهدي له،
ووهب واستوهب ،واستدان واستعار ،وضمن عاما وخاصا ،ووقف
وشفع .فقبل تارة ورد أخرى ،فلم يغضب وال عتب ،وحلف واستحلف،
في االقتصا د
179
العمل
ومضى يف ميينه عدة ،وكفر أخرى .ومازح وورى ومل يقل إال حقا .وهو
صلى اهلل عليه وسلم القدوة واألسوة».
وقد بوب البخاري رمحه اهلل :باب كسب الرجل وعمله بيده .قال احلافظ
ابن حجر رمحه اهلل :اختلف العلماء يف أفضل املكاسب ،قال املاوردي:
أصول املكاسب الزراعة والتجارة والصنعة .وعند البخاري قول أيب بكر
الصديق بعد توليه اخلالفة« :كان أصحاب رسول صلى اهلل عليه وسلم
عمال أنفسهم» ،أي أهنم كانوا يباشرون أعماهلم بأيديهم ،مل يكونوا
طبقة طفيلية .وعنده قول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم« :ما أكل أحد
طعاما قط خ ريا من أن يأكل من عمل يده .وإن نيب اهلل داود كان يأكل من
عمل يده» .وقوله صلى اهلل عليه وسلم« :ألن حيتطب أحدكم حزمة على
ظهره خري له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو مينعه».
وعند البخاري يف كتاب احلرث وامل زارعة قول رسول صلى اهلل عليه
وسلم« :ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا ،فيأكل منه طري أو إنسان
أو هبيمة إال كان له به صدقة .وعنده رمحه اهلل هذا احلديث العجيب احلكمة،
عن أيب أمامة الباهلي أنه قال ،وقد رأى سكة وشيئا من آلة احلرث :مسعت
رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول« :ال يدخل هذا بيت قوم إال أدخله
اهلل الذل» .فهل هذا زجر عن اح رتاف الزراعة واختاذ عدهتا؟ كيف وفيه ،إن
فهمناه هذا الفهم ،تناقض سافر مع ما أمر اهلل به من احلرث والزرع وشكر
نعمة اهلل يف ذلك ،ومع احلديث السابق يف فضل الغ راس والزرع!
كان الصحابة رضي اهلل عنهم عمال أنفسهم يف كسب املعاش،
وكانوا عمال اهلل يف م رابطتهم املستمرة واستعدادهم الدائم للجهاد .فإن
دخلت اآللة الزراعية البيوت ،واحتلت حمل السالح ،واستحال جند اهلل
جمرد زراع خاملني ،فقد حل الذل باألمة .السكة واحمل راث ،وما يف حكمها
في االقتصا د
180
العمل
من آلة إنتاج املنافع االستهالكية ال تعوض السالح ومعامل صنعه .فإن
ت زاحم هدفا بأس احلديد ومنافع الناس على اهتمام املسلمني واختل التوازن
يف صاحل اإلنتاج االستهالكي الوديع املسامل فذلك هو الذل ،ألن أمة من
الفالحني امللتصقني باألرض ،وأمة من عمال البضائع املدنية بدون محاية
وشوكة أمة مفتوحة للغزو.
وقد بوب البخاري رمحه اهلل على حديث أيب أمامة هكذا« :باب ما
حيذر من عواقب االشتغال بآلة الزرع أو جماوزة احلد الذي أمر» .قال احلافظ
ابن حجر نفع اهلل به « :وقد أشار البخاري بالرتمجة (أي بعنوان الباب) إىل
اجلمع بني حديث أيب أمامة واحلديث املاضي يف فضل الزرع والغرس .وذلك
بأحد أمرين :إما أن حيمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك .وحمله ما إذا
اشتغل به فضيع بسببه ما أمر حبفظه (قلت :اجلهاد خاصة) ،وإما أن حيمل
على ما إذا مل يضيع ،إال أنه جاوز احلد فيه» .قلت :جتاوز احلد وتضييع ما
أمر حبفظه علة ونتيجة لإلخالل بتوازن العمل االقتصادي بني هديف :بأس
احلديد ومنافع الناس.
القاعد عن الكسب ساقط الشرف
بعد شهور قليلة من غزو اليهود للبنان ،وتدمريهم أحياء املسلمني
يف عاصمتها ،وذحبهم إياهم ،واحتالهلم األرض ،ظهر األثر العميق لذلك
الغزو يف اقتصاد لبنان ،إذ غزت بضائع اليهود سوق لبنان ،وغزت أسواق
العرب من خالل لبنان.
وكان اليهود حريصني يف عقد صلحهم مع حكام مصر على «تطبيع»
العالقات .وتعين الكلمة أول ما تعىن التبادل التجاري الذي بواسطته
يأكل األقوى األضعف ،يأكل االقتصاد اليهودي النشيط اقتصاد مصر
املتخلف.
في االقتصا د
181
العمل
اهلزمية االقتصادية مقرتنة ال تنفك عن اهلزمية العسكرية واحلضارية.
وبقياس العلل والنتائج بعضها على بعض ،جند هذا الدرس يف احلديث
الشريف الذي رواه اإلمام أمحد وأبو داود أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم
قال« :يوشك أن تداعى عليكم األمم من كل أفق كما تداعى األكلة على
قصعتها» .قال :قلنا يا رسول اهلل أمن قلة بنا يومئذ؟ قال« :أنتم يومئذ
كثري .ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل .تنتزع املهابة من قلوب عدوكم،
وجيعل يف قلوبكم الوهن» قال :قلنا :وما الوهن؟ قال« :حب احلياة وك راهية
املوت».
تداعى األكلة علينا يعين االستعمار واالحتالل االقتصادي .والوهن
الذي هو حب الدنيا وك راهية املوت ،سبب للهزمية العسكرية كما أن
حليفه حب ال راحة وك راهية العمل سبب للهزمية االقتصادية.
روى أبو داود بإسناد حسن عن أيب سعيد اخلدري أن رسول اهلل صلى
اهلل عليه وسلم دخل ذات يوم املسجد ،فإذا هو برجل من األنصار يقال له
أبو أمامة جالسا فيه .فقال« :يا أبا أمامة! مايل أراك جالسا يف املسجد يف
غري وقت الصالة؟» قال :مهوم لزمتين وديون يا رسول اهلل! قال« :أال أعلمك
كالما إذا قلته أذهب اهلل عز وجل مهك ،وقضي عنك دينك؟» فقال :بلى
يا رسول اهلل! قال« :قل إذا أصبحت وإذا أمسيت :اللهم إين أعوذ بك من
اهلم واحلزن ،وأعوذ بك من العجز والكسل ،وأعوذ بك من البخل واجلنب،
وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» .االستعاذة من الكسل ورفاقه
واردة يف الصحيح يف غري هذا احلديث.
الشك أن اللجأ إىل اهلل عز وجل بالدعاء املبارك سبب متني .لكن
اهلل عز وجل واضع األسباب ،يذهب اهلم ويقضى الدين بتيسري أسباب
الكسب ال بإمطار الذهب والفضة واملتاع من السماء .وجه النيب الكرمي
صلى اهلل عليه وسلم صاحبه املشتكي ليطلب من اهلل تعاىل رفع الكسل
في االقتصا د
182
العمل
ورفاقه ،مل يوجهه بذلك إال للتشمري وعقد العزم على إمساك األمر جبد
ونشاط وشرف.
أخرج ابن اجلوزي أن عمر رضي اهلل عنه كان إذا رأى غالما فأعجبه
سأل :هل له حرفة؟ فإن قيل ال ،قال :سقط من عيين! وذكر ابن اجلوزي
عنه رضي اهلل عنه أنه قال« :ألن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف
وجهي أحب إيل من أن أموت غازيا يف سبيل اهلل».
علمهم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن السعي على العيال عبادة،
وشرف للعامل ،وحث على الكسب .فلم يكن هناك عندهم متييز بني
اجلهادين ،جهاد الكسب وجهاد العدو .جاء يف ترمجة سعد بن معاذ يف
«اإلصابة» عن أنس أن النيب صلى اهلل عليه وسلم قال لسعد« :ما هذا
الذي أرى بيدك؟» فقال :أثر املسحاة ،أضرب وأنفق على عيايل فقبل النيب
صلى اهلل عليه وسلم يده ،وقال« :هذه يد ال متسها النار!».
يف دولة اإلسالم املتجددة جيب أن يشرف العامل ،وحيبب إىل النشء
العمل اليدوي املنتج ،جنبا إىل جنب مع املهارات الفكرية العلمية .بل
جيب أن حيارب امليل إىل العادات االسرتواحية اليت يفضل أصحاهبا املعاش
الرخو املرتفع عن الكد واملعاناة والصرب الطويل .ذلك أن االنتصار يف معارك
التصنيع والزراعة يطلب من اخلشونة وشدة امل راس نظري ما يطلبه االنتصار
العسكري.
جهاد البناء شقيق جهاد السيف ،يرضعان معا من خصال الشجاعة
اليت تذهب الوهن ،وحب الشهادة الذي يذهب اخلوف من املوت ،وشرف
اليد اليت تضرب باملسحاة تنفق على العيال فيموت الكسل.
دماء الشهداء ،حرب العلماء ،نفس الصاحلني ،زف رات الواعظني ،إرشاد
املربني ،عرق العاملني وأيديهم الشريفة ،نشاط املتاجرين والصانعني،
في االقتصا د
183
العمل
أمانة اإلداريني ،تدبري املسريين ،حكمة أم راء املسلمني .كل أولئك بناة.
نق رأ كث ريا يف السرية النبوية عن املغازي النبوية ،واإلجنازات القتالية.
لكن قليال ما نتسمع إىل ذلكم التاريخ اجمليد لنستطلع أخبار الغادي
وال رائح يف مهنته ،أخبار العمل االقتصادي.
أوردنا يف رأس هذا الفصل كلمة ابن القيم عن نشاط رسول اهلل صلى
اهلل عليه وسلم يف أمور معاشه .ونكمل هنا الصورة إن شاء اهلل.
كان أبو بكر رضي اهلل عنه تاج را ب زازا يسافر يف التجارة مثلما
كان يفعل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قبل البعثة .وكان عمر يتجر،
وعثمان ،وخدجية أم املؤمنني ،والزبري ،وعبد الرمحان بن عوف ،وما ال
حيصى غريهم .وكان يف املدينة أسواق تعج بالنشاط االقتصادي والتجاري.
فكانت متاجر احلبوب والتمر تسوق منتوجات البلد ،وكان الب زازون،
والعطارون والقائمون على املي زان ،والص رافون ،واحلدادون ،والرماحون،
وجتار األسلحة ،والعشابون وهم صيادلة الوقت ،واخل رازون ،والدباغون،
والنساجون ،والسماسرة ،واخلياطون ،والنجارون ،والصاغة صناع احللي،
وصناع األقداح من اخلشب ،وصناع الفخار ،والنقاشون ،وبائعوا الدهن
والسمن ،والبناؤون .وكان النساء يسامهن بنصيبهن الكامل يف ذلك
النشاط.
حقوق العمال
يف الدولة اإلسالمية املتجددة جيب أن توفر للعمال حقوقهم امللموسة
اليت حيدها الكم واإلحصاء والعد مضافة إىل حقهم يف التكرمة اليت
يستحقوهنا لشرف جهادهم .فتكون احلقوق املعدودة ،الكمية ،امللموسة،
عنوانا عن ذلك التكرمي وبرهانا .فيتاح لكل املسلمني احلصول على عمل
في االقتصا د
184
العمل
مثمر ،واحلصول على التدريب الالزم ،بإش راف احلكومة ،أو مببادرة أصحاب
املشاريع ،واحلصول على تعويض للمرض والبطالة القسرية ،واحلصول على
العالج واملأوى وتربية األوالد ،واحلصول على املعاش بعد التقاعد واحلصول
على ظروف إنسانية حال العمل.
يقتضي هذا أن ينظم الضمان االجتماعي ،وأن تفرض لتمويله ض رائب
على األغنياء ،إن مل تكف الزكاة تطبيقا لألصل الوارد يف الصحيح« :تؤخذ
من أغنيائهم وترد على فق رائهم».
إن التصنيع من شأنه أن حيدث يف اجملتمع تطورات هلا نتائج اقتصادية
سياسية تعرض العمال جلور املشغلني .فإن مل حتم الدولة حقوق العمال
اضطرب اجملتمع وانضر االقتصاد ،واستفحلت فرص االستغالل ال رأمسايل
املمقوت.
جيب أن تعطى للعمال حقوقهم الفردية فيما خيص األجرة العادلة،
وظروف العمل ،ومؤنة األسرة ،وصيانة الصحة ،وتربية املهارة ،وترقية املرتبة،
وتوقيت الشغل توقيتا يسمح للعامل بالتفرغ لعباداته وحاجاته .لكن هذه
احلقوق الفردية لن تضمن ولن يسخو أحد بإعطائها إن مل يكن قانون
الدولة ماسكا بزمام األمر ،وإن مل يكن هذا القانون راعيا يقظا للحقوق
اجلماعية للعمال ،معتمدا على يقظتهم وحرصهم على إقامة العدل واألمر
باملعروف والنهي عن املنكر يف حيز نشاطهم.
إن اقتصر القانون على تسمية احلقوق الفردية ،وترك التطبيق إلرادة
املشغلني فستؤول الن زاعات الفردية بني العامل ومشغله إىل احلل التعسفي
الذي يأكل القوي مبقتضاه الضعيف .كان العامل عسيفا ،ويكون حتت
كل نظام جاهلي .وتقاس إسالمية الدولة برفعها العسف عن العامل،
فكل تنظيم وتقنني يساعد على ذلك فهو من قبيل «ما ال حيصل الواجب
إال به فهو واجب».
في االقتصا د
185
العمل
النقابة
ال يقدر على استخالص احلق إال القوي .وال يستطيع القانون وحده
أن يعطي احلق ،السيما إن كان صاحبه صامتا خائفا ،أو كان طالب احلق
غري بصري بدقائق النصوص ،وأصول التعامل ،اليت يتقنها الغرمي ،فيحتال
على القانون ،أو ي راوغه .لذلك البد من دعم النقابة ومساندهتا لتدافع عن
احلقوق الفردية واجلماعية وتنتزعها .ال فرق يف ذلك بني أن يكون املشغل
هو الدولة أو هو صاحب االستثمار.
النقيب لغة :هو ممثل اجلماعة والناطق بلساهنا .وقد عقد القاضي
املارودي يف كتابه «األحكام السلطانية» فصال عن النقابة وعدها من أهم
خطط الدولة ،عىن بالنقابة نقابة األش راف .فقد كان آلل البيت ،وال ي زال
يف بعض البالد ،جتمع تعرتف به الدولة ،وممثل مدافع عن حقوق العرتة
الطاهرة .وإن عنايتنا حتت ظل الدولة اإلسالمية بالعمل والعمال وشرفهم
جيب أن ال تقل عن عنايتنا بذوي القرىب أعزهم اهلل وبأنساهبم ،بل تقبل
اليد املؤمنة اخلشنة من أثر املسحاة قبل اليد الناعمة املوفورة النعمة.
جيب أن تقوم النقابة حتت ظل دولة القرآن بغري املهام اليت تقوم هبا
نقابات الشيوعيني من كوهنا أداة من أدوات الدولة .وجيب أن تسلك
أسلوبا غري أسلوب اإلض راب والعنف الذي تسلكه نقابات ال رأمسالية .جيب
أن يستبدل باإلض راب تنسيق ثالثي بني ممثلي النقابة والدولة وأصحاب
الشغل .وجيب أن تكون النقابة أمسى من وكالة مهها الوحيد بيع قوة
العضالت بأغلى األمثان ،وأرفع من أن تسمح بالفوضى وتشيع احلقد.
في االقتصا د
186
العمل
نقابات تفاوض ،وضغط معنوي قانوين ،ال نقابات رفض وإض راب
وختريب .وعلى الدولة أن تقدر املصلحة ،وحتمي العسيف ،لتلتقي بواجبها
يف اجلمع بني مصلحة األمة كال ومصلحة املستضعفني عضوا حيويا يف
األمة ،تضيع األمة بضياعه .وظلم العسيف خ راب.
قال أبو عبد اهلل بن األزرق شارح ابن خلدون« :من أشد أنواعه (أي
الظلم) العائدة بفساد العم ران ،تكليف األعمال وتسخري الرعايا هبا .ألهنا
من قبيل التموالت اليت هبا املعاش .فإذا كلفوا عمال يف غري شأهنم ،واختذوا
سخريا يف غري معاشهم ،أبطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم ،وذهب
معاشهم باجلملة .وإن تكرر عليهم أفسد آماهلم يف العمارة ،وقعدوا عن
السعي فيها مجلة ،فتأدى إىل خ راهبا ال حمالة».
«من اخرتع نظرية فائض القيمة» وابت زاز العمل من العمال؟
الفصل الثالث عشر
العدل
العدل والقسط كونوا قوامني بالقسط العدل أساس األمن واالستق رار -الظلم مؤذن باخل راب
في االقتصا د
189
العدل
العدل والقسط
من اخرتع أن للعمل قيمة ،وأن تكليف األعمال وتسخري الرعايا هبا
اغتصاب هلذه القيمة؟
نعم عرف علماؤنا كيف يعربون عن هذا قبل أن يصوغه ماركس صياغته
االقتصادية «العلمية» .لكن كلمة اهلل الذي أمر بالعدل والقسط وقفت هلا
خماوف الفنت فلم يتحول ذلك العلم باالغتصاب ثورة على احلكم اجلائر.
ذكرت يف القرآن مادة «عدل» مبعىن العدل ضد اجلور يف مثل قوله
تعاىل{ :إِ َّن ال لّ هَ ي أْم ر بِ الْع ْد ِل وا ِإلح س ِ
ان َوإِيتَ اء ِذي الْ ُق ْربَى َويـَنـْ َه ى
َ ُُ َ َ ْ َ
ْم ن َك ِر َوالْبـَغْ ِي( }...النحل .)90 ،وقوله سبحانه{ :إ َّ
ِن
َع ِن الْ َف ْح َ
ش اء َوال ُ
ال لّ هَ ي أْم ر ُك م أَن تُؤدُّواْ األَم انَ ِ
ات إِلَ ى أ َْه لِ َه ا َوإِ َذا َح َك ْم تُ م بـَ ْي َن ال ن ِ
َّاس أَن
َ
َ ُُ ْ
ْع ْدل( }...النساء )58 ،وجاءت مبعىن امليالن عن اإلنصاف
تَ ْح ُك ُم واْ بِ ال َ
َّ ِ
ين َك َف ُرواْ
واالع رتاف باهلل إىل الشرك يف مثل قوله عز من قائل« :ثُ َّم ال ذ َ
بِ َربِّ ِه م يـَ ْع ِدلُ و َن( »...األنعام)1 ،
وتفيد كلمة «قسط» اإلنصاف يف احلكم والقسمة يف مثل قوله تعاىل:
ب ال ِ ِ
ِ ِ ِ
ِ
ين}
{وإِ ْن َح َك ْم َ
ت فَ ْ
اح ُك م بـَيـْنـَ ُه ْم ب الْق ْس ط إِ َّن ال لّ هَ يُح ُّ ُ
َ
ْم ْق س ط َ
وم واْ لِ ْل يَ تَ َام ى بِ ال ِْق ْس ِط}
{وأَن تـَ ُق ُ
(املائدة ،)42 ،وقوله تبارك وتعاىلَ :
(النساء ،)143 ،وقوله سبحانه{ :أَوفُ واْ الْ َك ْي ل وال ِ
يزا َن بِ ال ِْق ْس ِط}
ْم َ
ْ
َ َ
(األنعام.)152 ،
مها عدالن م رتابطان متالزمان .عدل القاضي واحلاكم ،يطبقان شرع
اهلل عز وجل يف إعطاء حقوق العباد وإنصاف بعضهم من بعض ،وعدل
القسمة االقتصادية االجتماعية .والظلم يف احلكم واجلور يف القسمة عديالن
ال يفرتقان.
في االقتصا د
190
العدل
ولوضع الكلمات القرآنية يف أوضاعها اللغوية خنصص كلمة «عدل»
للحكم والقضاء ،وكلمة «قسط» لإلنصاف يف القسمة ،لكيال خيتلط
حديثنا عن العدل احلكمي والعدل االجتماعي االقتصادي .قال ال راغب
االصفهاين رمحه اهلل« :العدل يستعمل فيما يدرك بالبصرية كاألحكام ()...
فالعدل هو التقسيط على سواء».
وقال« :القسط هو النصيب بالعدل كال ن ِ
َّص ـ َف ِة».
َّص ف وال ن َ
َ
كال الكلمتني تدل على التسوية بني طرفني .لكن خنصص لنلح على
أن القسمة العادلة للمال واألرزاق مطلب شرعي ال يقل أمهية عن مطلب
العدل احلكمي والقضائي .وما وظيفة احلاكم أول شيء إال السهر على أن
ال يأكل القوي الضعيف ليحصل األمن الداخلي .وال يتقاضى الناس غالبا
إىل القاضي إال لقسمة أسيئت أو ن زاع راجع لسوء قسمة.
إن إقامة العدل والقسط ركن ركني يف صرح الدولة اإلسالمية ،وعلى
إقامتهما مدار صالح احلكم ،واالقتصاد ،والشورى ،واإلدارة ،واألمر كله.
فإن جمتمعا تكون مقاليد الثروة فيه يف يد طائفة من الناس لن يلبث أن
تعكس قوانينه مصاحل هذه الطائفة وأن يستولوا بواسطة قوانني اجلور ،أو
حتريف الكلم عن مواضعه ،على السلطان .فإذا كان السلطان واملال ،ومن
شأهنما أن يتآلفا ،جمتمعني يف يد طبقة فإن أجهزة الدولة وحماكمها تدين
لقانون الغالب .فباختالل القسط خيتل العدل.
إن سيطرة االحتكار االقتصادي على مصري الشعوب اجملوعة البائسة
يتجلى يف جور طائفة أو طبقة ملكت أزمة املال واألقوات والوسائل املادية،
فأتاح هلا ذلك التحكم يف التوجيه ،والق رار ،واإلعالم ،والرتبية ،وسائر
مناحى النشاط السياسي واالجتماعي .فإن صعب على الطبقة االحتكارية
أن جتهر جبورها فإن ما لديها من وسائل مادية وثقافية وسياسية ميكنها
من تزوير دميق راطية تشرتى فيها األصوات من الناخبني وتزور هبا واجهة
قانونية ظاهرها احلرية والعدل والقسط وباطنها من قبله العذاب.
في االقتصا د
191
العدل
كونوا قوامين بالقسط
قال اهلل تبارك وتعاىل{ :ي ا أَي ـُّه ا الَّ ِذين آم ن واْ ُك ونُواْ قـ َّو ِ
ين بِ ال ِْق ْس ِط
ام
َ َُ
َ َ
َ َ
ُش ه َداء لِ لّ ِه ولَ و َع لَ ى أَن ُف ِس ُك م أَ ِو الْوالِ
ِ
ِ
َ
ب
ر
قـ
أل
ا
و
ن
ي
د
ين} (النساء.)135 ،
َ
َ
ْ
ْ
َ ْ
ْ
َ َ َ
َ
قال ابن عباس رضي اهلل عنهما« :أمر اهلل املؤمنني أن يقولوا باحلق ولو على
أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم ،ال حيابوا غنيا لغناه ،وال يرمحوا مسكينا
ملسكنته» .وأخرج ابن جرير عن السدي أهنا نزلت يف النيب صلى اهلل عليه
وسلم :اختصم إليه رجالن ،غين وفقري .فكان حلفه مع الفقري (أي ميله)
يرى أن الفقري ال يظلم الغين .فأىب اهلل إال أن يقوم بالقسط يف الغين والفقري.
قلت :كالم السدي يتضمن أن حكمة التشريع اقتضت إب راز هذا احلكم
هبذه الصورة .وإال فالنيب صلى اهلل عليه وسلم أبصر باألمر ،كيف وهو عبد
يوحى إليه ،منزه عن أن يكون له حلف مبين على الظن.
وقال اهلل عز وجل{ :ي ا أَي ـُّه ا الَّ ِذين آم ن واْ ُك ونُواْ قـ َّو ِ
ين لِ لّ ِه ُش َه َداء
ام
َ َُ
َ َ
َ َ
ٍ
بِ ال ِْق ْس ِط َوالَ يَ ْج ِرَم نَّ ُك ْم َش نَ آ ُن قـَ ْوم َع لَ ى أَالَّ تـَ ْع ِدلُ واْ ا ْع ِدلُ وا} (املائدة.)8 ،
قال السيوطي يف «الدر املنثور» :أخرج ابن جرير عن عبد اهلل بن كثري أهنا
نزلت يف يهود خيرب :ذهب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ليستعينهم يف
دية فهموا أن يقتلوه .فذلك قوله :وال جيرمنكم شنآن قوم على أال تعدلوا.
يتخلص لنا من كل هذا وجوب إقامة مي زان العدل والقسط بني
األغنياء والفق راء ،واألقارب واألباعد ،بال حلف ،وال هوى نفس ،وال رغبة
انتقام .وسواء يف وجوب ذلك العدل القضائي املتمثل يف أداء الشهادة أمام
القاضي ،والقسط يف القسمة .ويف اآليتني الكرميتني إسناد القيام هلل عز
وجل يف قوله« :قوامني هلل» وإسناد الشهادة له سبحانه يف قوله« :شهداء
هلل».
في االقتصا د
192
العدل
فمن هذا نأخذ أن عمدتنا ولسان مي زاننا يف إقامة العدل والقسط هو
إخالصنا الوجهة هلل عز وجل ،ذلك اإلخالص الذي يعصمنا من امليل مع
اهلوى ،ومن الظلم يف احلكم واجلور يف القسمة.
تزعم ال رأمسالية أن نظامها القائم على حرية الفرد ،وعلى الدميق راطية،
وعلى الباب املفتوح يف االقتصاد ،هو النظام الصاحل لتوطيد العدل السياسي
القضائي والقسط االقتصادي االجتماعي .وتزعم االش رتاكية أن ذلك ال
يتأتى إال يف ظل نظامها اجلماعي املرتكز على استبداد الربولتاريا.
ونشاهد عند القوم وعندنا أن باستم رار احلكم ال رأمسايل واالقتصاد
ال رأمسايل تزداد طبقة األغنياء غىن ،وال تنتزع الطبقة العاملة الناصبة حقوقها،
أو بعض حقوقها ،إال بالعنف النقايب أو حتت هتديد األح زاب االش رتاكية
االجتماعية .وهي خالف االش رتاكية الثورية.
ونشاهد أن باستم رار احلكم الشيوعي تتحول الطبقة احملرومة من قبل
إىل طبقة جديدة تستأثر بامللكية واملال والسلطان واملتاع.
الكفتان هنالك يف األنظمة اجلاهلية راجحتان لصاحل الطبقة األقوى
واألدهى .ويف دولة اإلسالم جيب أن يكون القيام هلل ،والشهادة هلل ،واملرجع
هلل ،والقانون شرعه املقدس الذي جيد فيه اجملتمع توازنه ،وجيد فيه كل ذي
حق حقه.
الص راع يف بالد ال رأمسالية مستمر بني الطبقات االجتماعية .ص راع
حيرك السياسة واالقتصاد ،يتحكم يف االنتخابات واإلض رابات والتحالفات.
وحتت اجلاهلية األخرى نسمع مجاعة من احملتجني ،مسوهم «متمردين»،
ينازعون مشروعية احلكم الربولتاري املستبد ،ويطلبون مشة من العدل،
ونسمة من القسط ،وهبة من احلرية.
في االقتصا د
193
العدل
العدل والقسط هنالك ،كما مها يف ظل أنظمة اجلور عندنا ،مطلبان
دائمان ،هبما وعليهما ويف أمل احلصول عليهما حتىي الشعوب .واخلالف على
معىن العدل ،وماهية القسط ،وقاعدهتما ،ومن الكفيل هبما ،واحلكم يف شأهنما،
خالف عجاج رجاج.
ويف دولة اإلسالم ،يقوم جند اهلل هلل ،ويشهدون هلل فيثبت املي زان يف أيديهم،
وينتهي اخلالف ،إن نشب إىل حكم اهلل الذي أنزل الكتاب واملي زان .قال عز من
ْم ِ
ِ
ِ
وم
اب َوال ِ َ
قائل{ :لَ َق ْد أ َْر َس لْنَ ا ُر ُس لَ نَ ا بِ الْبـَي ـِّنَ ات َوأ َ
يزا َن ل يـَ ُق َ
َنزلْنَ ا َم َع ُه ُم الْك تَ َ
ال نَّاس بِ ال ِْق س ِط} (احلديد .)25 ،وقال سبحانه{ :وم ا أَنزلْنَ ا َع لَ ي َ ِ
اب
ْ
ََ َ
ك الْك تَ َ
ْ
ُ
ٍ
ِ
ِ
ِ
ِ
َّ
ِّ
إِالَّلِ تُ بـَيِّ َن لَ ُه ُم ال ذي ا ْخ تـَلَ ُف واْ ف يه َو ُه ًدى َو َر ْح َم ةً ل َق ْوم يـُ ْؤم نُ و َن} (النحل.)64 ،
وقد بني صلى اهلل عليه وسلم ض وابط العدل وق وانينه ،وأصوله ،وفروعه،
وأنصباء القسط ،وقسمته ،وأمناءه ،فال جمال أن حييف حائف عن العدل ،وال أن
يتقول متقول يف وجوب القسط ،وكيفيات كل ذلك وق واعده .وما سكتت عنه
الش ريعة ومل يرد فيه نص من شؤون العدل والقسط ،مما يتلبس بالظروف الطارئة،
فاالجتهاد وفق الض وابط والق واعد واألصول شرع.
فاحلق الذي ال م راء فيه هو أن الش ريعة اإلسالمية كلها عدل ،وكلها قسط،
وكلها رمحة مبن أدى أمانته وحقوق اهلل والناس عليه ،وكلها جفاء وزجر ملن عطل
ذلك وحاف.
أورد اآليتني من سوريت النساء واملائدة اآلم رتني بالقيام والشهادة هلل بالقسط.
مث ضع الشطر األول من األوىل قبالة الشطر األول من األخرى ،واق رأ أن القيام
بالقسط يقابل القيام هلل ،وأن الشهادة هلل تقابل الشهادة بالقسط .معناه أن
القيام ال يكون هلل إال كان القسط يف حق الناس عديله .وأن الشهادة مبعناها
القضائي وبكل معىن حتتمله اللفظة ،ال تكون هلل إن مل يكن القسط بني الناس
م وازيا هلا.
في االقتصا د
194
العدل
كلمة «اش رتاكية» مشحونة باآلمال املتطلع إليها اإلنسان يف عدل
وقسط يرحيانه من ظلم الساعة وجور الواقع .ولشيوع الكلمة على لسان
احملرومني وال رافضني والسياسيني احملرتفني ،واغ رتارا هبم على لسان أصناف
املستضعفني ،جتد من اللصيقني باإلسالم من يتخذ الكلمة ملا هلا من بريق
حلنا يف القول ي راود به أفئدة املظلومني وعقوهلم ،مثلما يفعلون بالكلمات
األخرى الواردة علينا كالدميق راطية واحلرية وما شابه .وإن اإلسالم هلل،
والشهادة بوحدانيته تعاىل وحاكميته ،والشهادة له ،والقومة لنصرة دينه،
تتضمن يف جانب اإلنسان إنصافه ،والقسط والعدل يف حقه .فإذا قلنا
«القومة اإلسالمية» ،و«دولة القرآن» ،فقد نطقنا باألمرين متعانقني :حق
اهلل علينا أن نعبده وحده ال شريك له ،وحق العباد أن نؤتيهم ما هلم
بالقسط والعدل.
مالحظة :فعل «قسط» بالصيغة الثالثية معناه :ظلم ومل يوف
بالقسط .وأقسط بالصيغة الرباعية معناه :عدل ووىف بالقسط .قال اهلل
ِ
ِ
َّم َح طَ ب اً} (اجلن .)15 ،وقال جل
تعاىلَ :
{وأ ََِّم ا الْ َق اس طُو َن فَ َِك انُوا ل َج َه ِن َِ
ين} (احلج رات.)9 ،
{وأَقْ س طُوا إِ َّن ال لَّ هَ يُح ُّ
ب ال ُ
امسهَ :
ْم ْق س ط َ
العدل أساس األمن واالستقرار
ترث الدولة اإلسالمية عند قيامها إن شاء اهلل يف بالدنا قومتها اجلديدة
جمتمعات مكونة من مصاحل متضاربة .من جانب األغنياء ،ويف يدهم املال
والوسائل والنعمة ،حياهتم مليئة باألشياء النظيفة مظه را الغالية مثنا الوفرية
عددا .صحتهم مضمونة ،حيضر الطبيب عند كل أنة يئنها الطفل ،ويتجند
املستشفى اخلاص الستقبال كل سعال ط رأ على الثري .أوالدهم وبناهتم
يف أهبى اللباس ،يغدون إىل أرقى املدارس واجلامعات ،ليعودوا حكاما على
أعلى املستويات ،ومن اجلانب اآلخر فق راء حمرومون ،حياهتم مليئة باآلمال
يف عدل تأيت به قومة اإلسالم ودولة القرآن.
في االقتصا د
195
العدل
من جانب ،األغنياء الذين يودون أن تستمر فرص استعالئهم ،ومن
جانب ،املستضعفون الذين يودون أن ختف عنهم وطأة الفقر واجلهل
واملرض ،وأن تفتح هلم ولذريتهم نوافذ حنو النور والصحة والرخاء .سكان
البادية والعمال ،واملوظفون الصغار ،والفالحون بدون أرض ،والشباب
العاطل ،وكل من يكظم يف صدره غضب القرون ،سيهبون احتفاء بالوعد
اجلديد يوم يقال :هاؤم الدولة اإلسالمية.
فهل تعمد دولة القرآن إىل أساليب الص راع الطبقي ،تأيت بالعنف
لتقطع من جسم األمة األعضاء املريضة ،أم جتعلها إصالحية تسوق اآلمال
العريضة لسواد األمة إىل غد ال تطلع مشسه ،فيطول االنتظار؟
العدل والقسط مىت ،وكيف؟ العدل والقسط هبما االستق رار ،وهبما أمن
القومة ،وعليهما مدار حياهتا .فكيف ،ومىت؟
ال جواب هنالك ميكن سرده يف مجلتني .وما هذه الصفحات الطويلة
إال حماولة لرسم اإلطار الذي يسمح باجلواب العملي عن السؤالني يوم
تبيض أيامنا بانتصار جند اهلل على أنظمة اجلور بإذن اهلل .يكفي أن نضيف
هنا أن أسلوب الص راع الطبقي ،وبرت الكيان العضوي لألمة بتصفية طبقة
األغنياء ،ليس أسلوب اإلسالم .ويفسر فقه «رد املظامل» كيف ترد احلقوق
إىل أهلها ممن كان ظلم من أموال املسلمني شيئا ،فتاب ،أو تعنت حىت
أمسكت به يد السلطان اإلسالمي لتقيمه من كبوة وتقومه من عوج،
وتؤدبه من سفه .وما متسك تلك اليد عباد اهلل لتسفك دمائهم إال يف حد
من حدود اهلل ،بعد إقامة شرع اهلل ،يف جولة مستأنفة.
كيف ندفن ماضي اجلور؟ يا رمحة اهلل باملسلمني! ويا نقمته من كل
جبار عنيد! إن تطبيق شريعة اهلل كفيل بأن يرجع األمور إىل نصاهبا ،واملياه
إىل جماريها ،بعد طول احن رافها عن النصاب .وإن وازع القرآن هو قوام احلق،
برجوعه مع ذهاب الظلمة إىل غري معاد ،تستقيم األمور وتستقر إن شاء
في االقتصا د
196
العدل
اهلل .قال القاضي أبو بكر العريب« :قال مالك بن أنس :قال عثمان :ما يزع
الناس السلطان أكثر مما يزعهم القرآن .قال مالك :يعين :يكفهم .وقد
جهل قوم امل راد هبذا الكالم ،فظنوا أن املعىن فيه أن قدرة السلطان تردع
الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن .وهذا جهل باهلل وحكمه وحكمته
ووضعه خللقه .فإن اهلل ما وضع احلدود إال مصلحة عامة كافة قائمة بقوام
احلق ،ال زيادة عليها ،وال نقصان معها ،وال يصلح سواها .ولكن الظلمة
خاسوا هبا ،وقصروا عنها ،وأتوا ما أتوا بغرينية منها ،ومل يقصدوا وجه اهلل
يف القضاء هبا ،فلذلك مل يرتدع اخللق هبا ،ولو حكموا بالعدل ،وأخلصوا
النية ،الستقامت األمور ،وصلح اجلمهور».
إن رب العزة سبحانه اخلبري خبلقه ،وضع لنا شرعا فيه صالحنا،
فمهما كان نوع اجلاهلية اليت سبقت اإلسالم ،أو نوع الفتنة ،أو نوع
النظام السياسي ،أو نوع الفساد اخللقي ،أو نوع الظلم االجتماعي ،أو
نوع التخلف االقتصادي ،أو نوع القوانني اجلائرة ،فالصالح بإعادة تلك
األوضاع إىل االستقامة على الشرع ،واختبارها مبعياره ،وهتذيب أط رافها
بآدابه ،وإخضاع عتوها لسلطانه ،وتربية كبريها وناشئها على اح رتامه،
وتنظيم حركتها مبيقاته وإبانه ،ودمغ كل خمالف بربهانه.
الظلم لغة وضع الشيء يف غري موضعه .فيكون العدل والقسط إرجاع
األوضاع الظلمية إىل مكاهنا ومسارها الشرعيني.
والطريق املوصل من املدار الذي تدور فيه األمور زمان الظلم إىل املدار
اإلسالمي يرمسه أيضا املنهاج النبوي والنموذج املصطفوي .على حبيب اهلل
وحبيبنا أفضل الصالة وأزكى السالم.
القوة احملركة الضرورية إلزاحة األثقال واألوزار اجلورية ،وتنشيط الدورة
التجديدية ،يعلمها املنهاج النبوي ،وهي القوة املشخصة يف مجاعة جند
اهلل ،أهل اهلل ،أهل القرآن ،الشهداء هلل بالقسط.
في االقتصا د
197
العدل
إن األمن االقتصادي والعسكري ،واالستق رار السياسي واالجتماعي،
غائبان عزي زان يف حياة األمة حتت أنظمة اجلور .ولن حتتفل برجوعهما األمة
إال بعد اإلسالم ،عدل يبين ما خربه الظلم ،وحييي ما أماته ،وحيرك ما أمخده،
وينري ما أظلمه.
الظلم مؤذن بالخراب
قال اهلل العزيز اجلبار:
ت ظَالِ َم ةً
ص ْم نَ ا ِم ن قـَ ْريَ ٍة َك انَ ْ
{و َك ْم قَ َ
َ
ين} (األنبياء .)11 ،كان ظلم أهلها سبب
َوأَن َ
ش أْنَا بـَ ْع َد َه ا قـَ ْوم اً آ َخ ِر َ
خ راهبا .وأعظم الظلم الشرك باهلل ،عنه تتفرع أوجه الظلم .من ال يعرتف
باهلل ربا وال يدين بشريعته قانونا ،كيف يعدل فيما بينه وبني الناس.
قال اهلل عز وجل حكاية لقول لقمان احلكيم البنه{ :إِ َّن ِّ
ْم
الش ْر َك لَ ظُل ٌ
َع ِ
يم}(لقمان .)13 ،وفصل حكيمنا ابن خلدون آثار الظلم والتسلط
ظ
ٌ
على االقتصاد حيث قال« :الفصل الثالث واألربعون يف أن الظلم مؤذن
خب راب العم ران .اعلم أن العدوان على الناس يف أمواهلم ذاهب بآماهلم يف
حتصيلها واكتساهبا ،ملا يرونه حينئذ من أن غايتها ومصريها انتهاهبا من
أيديهم .وإذا ذهبت آماهلم يف اكتساهبا وحتصيلها انقبضت أيديهم عن
السعي يف ذلك .وعلى قدر االعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن
السعي يف االكتساب .فإذا كان االعتداء كث ريا عاما يف مجيع أبواب املعاش،
كان القعود عن الكسب كذلك ،لذهابه باآلمال مجلة ،بدخوله من مجيع
أبواهبا .وإن كان االعتداء يس ريا كان االنقباض عن الكسب على نسبته.
والعم ران ووفوره ونفاق أسواقه إمنا هو باألعمال ،وسعي الناس يف املصاحل
واملكاسب ،ذاهبني وجائني.
«فإذا قعد الناس عن املعاش ،وانقبضت أيديهم عن املكاسب ،كسدت
أسواق العم ران ،وانتقضت األحوال ،وابذعر الناس (تفرقوا) يف اآلفاق من
غري تلك اإليالة يف طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها .فخف ساكن القطر،
في االقتصا د
198
العدل
وخلت دياره ،وخربت أمصاره ،واختل باختالله حال الدولة والسلطان ،ملا
أهنا صورة للعم ران ،تفسد بفساده مادهتا ضرورة».
مجلته األخرية رمحه اهلل تعين أن الدولة ما هي إال صورة جسمها االقتصاد.
وخ راب العم ران (أي االقتصاد) بغياب العدل .وذكر رمحه اهلل هجرة الناس
من أرض الظلم .فيا من جياهد إلرجاع دولة العدل إىل فلسطني! أين هجرة
املشردين اهلاربني من رجس يهود من اهلج رات! إنا هلل وإنا إليه راجعون.
الفصل الرابع عشر
الرخاء
من أصبح آمنا يف سربه القومة والشدة نصيبك من الدنيا ينظم آخرتك مصائب قوم... -من شق على املسلمني...
في االقتصا د
201
الرخاء
من أصبح آمنا في سربه
روى احلافظ عبد الرؤوف املناوي يف كتاب «كنوز احلقائق» أن رسول
اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال« :من أصبح وهو ال يهم بظلم أحد غفر له
ما اجرتم».
وأخرج الرتمذي عن عبد اهلل بن حمصن أن رسول اهلل صلى اهلل عليه
وسلم قال« :من أصبح منكم آمنا يف سربه ،معاىف يف بدنه ،عنده قوت
يومه ،فكأمنا حيزت له الدنيا حبذافريها» احلديث رواه أيضا البخاري يف
«األدب املفرد» وابن ماجة وابن حبان .قال الرتمذي :حديث حسن غريب.
حبذافريها :بأسرها.
يف احلديثني الشريفني إصباح على نية أن ال يظلم أحد أحدا لينال
مغفرة اهلل ،وإصباح على األمن والعافية والكفاية وهي مجاع أمور الدنيا.
العدل والرخاء مقرتنان حكمة ،وق راهنما هنا اإلصباح ،وهو مظهر
االستق رار .فإنه ال صباح ملن ال أمن له من عذاب اهلل ،وال صباح ملن سهر
خوفا أو جوعا أو مرضا .العدل والرخاء توأما خري ،كما أن الظلم واخل راب
عديال شر.
يف احلديث الشريف مطالب ثالثة بتحصيلها حيل الرخاء بدل الشدة:
)1األمن يف السرب وهو االستق رار االجتماعي .وتأمل استعارة لفظة
«سرب» املوحية بانسجام اجملتمع كما ينسجم سرب الطيور يف حتليقها.
هدوء ونظام وحركة لطيفة.
)2العافية البدنية .وهي العناية الصحية ،بزيادة معىن السالمة من كل
املنغصات الشاغلة لإلنسان .فالعناية الصحية قد تكون عن مرض ،أما
العافية فهي سالمة أصلية.
في االقتصا د
202
الرخاء
)3قوت اليوم .وتأمل كلمة «قوت» فهي دالة على الكفاف من
الضروري واحلاجي ال زائد عليهما من التوسع والتبذير والرتف.
إىل هذه املطالب الثالثة تنتهي أساسيات الرخاء وإليها تعود مكمالته.
واحلديث الشريف يفصل منة اهلل عز وجل على عبادة ،ويرتجم عنها.
تلك املنة اليت كفر هبا الظلمة املشركون ،ودعي املؤمنون لعبادة اهلل شك را
عليها .قال اهلل عز وجل ذو الفضل العظيم والطول اجلسيم يف سورة قريش:
يل ِ
الص ْي ِ
ِِ
ف قـُ َريْ ٍ
يلفِ ِه ْم ِر ْح لَ ةَ ِّ
ب َه َذا
الش تَ اء َو َّ
ف فـَ ْل يـَ ْع بُ ُد وا َر َّ
ش إِ َ
{ل َ
وع وآم نـ ه م ِّم ن َخ و ٍ
ِ ِ
ف}(قريش.)4-1 ،
الْبـَ ْي ت الَّذي أَط َ
ْع َم ُه م ِّم ن ُج ٍ َ َ َ ُ ْ ْ
فجمع هلم سبحانه من اخلري أط رافه ،إذ يسر هلم أسباب الكسب،
وبسط أيديهم له ،وسرح طريق السعي إليه ،وبسط من الرزق بواسطته ما
يطعم اجلائع ويسلح املدافع ،ويعطى اهليبة واألمن لقوم معظمي اجلانب.
تبصر رمحنا اهلل وإياك كيف ذكرت م نَّتا اإلطعام من جوع واإلميان من
خوف بعد ذكر رحلة الشتاء والصيف ،وما يف ثنايا الرحلة من كسب،
وجتارة ،وتعب ،واختاذ أسباب ،لتعرف مواقع الكلم ،ومضارب احلكمة
واألمثال ،يف كالم رب العاملني .ذلك أنه ال رخاء يرجى إلطعام ،وال أمن ،وال
عافية بدن ،لقوم كساىل نائمني .إمنا بالسعي واحلركة والعم ران وغشيان
األسواق يأيت الرخاء .اقتصاد نشيط ،زراعة تطعم ،صناعة توفر السالح،
رجال تطب ،وتعلم ،وترىب.
القومة والشدة
تعرضنا يف فصول سبقت إىل ذكر ما يصحب كل تغيري ثوري من
أزمات بطبيعة املد واجلزر يف حركة االقتصاد ،وبطبيعة «ذهاب آمال»
الطبقة املستفيدة من احلكم البائد حسب تعبري ابن خلدون ،وبطبيعة
في االقتصا د
203
الرخاء
هتريبها لألموال ،وإمساكها عن الكسب ،وبطبيعة قلة جتربة احلكام
الثوريني ،وبطبيعة افتقادهم للثقة يف األوساط الغنية داخال وخارجا ،وهي
وحدها مصدر التمويل الطبيعي لكل جمهود اقتصادي .واألسباب ال تقف
عند هذا ،فمنها النفسي ،والسياسي االجتماعي ،واالقتصادي احلسايب.
وما يقر عني أعداء القومة مثل أن يروا اقتصادها خ رابا ،وصندوقها قاعا
صفصفا.
مس تهم الثورة يف مصاحلهم إال يعتربون ذلك
وما من فرد أو طبقة َّ
ظلما ،ويسعون يف إنقاذ متاعهم وأمواهلم على حساب الثورة ،وميسكون
عن اإلنفاق واالكتساب .ويؤول األمر إىل خ راب العم ران حسب حتليل ابن
خلدون ملسلسل اخل راب الناتج عن الظلم.
يف حساب املؤمنني ،ويف مي زان احلق ،ليس رد املظامل ،وإقامة القسط،
وإنصاف املغصوبة حقوقهم ،جورا .لكن شعور القوم بأن كل ذلك
يهددهم ،وما ينتج عن هذا الشعور من خيفة ،وقعود عن الكسب مجلة،
وكساد يف االقتصاد من ج راء ذلك ،يدخل على القومة اإلسالمية أسباب
الشدة من كل أبواهبا.
فإما يداهن رجال القومة يف احلق ،ويُسوفون اختاذ الق رارات الالزمة،
وإما يبادرون إىل ما ليس منه بد .واآلمال من القاعدة املنتظرة ِع راض يف
أن يفد عليهم الرخاء يف حلله ال زاهية ،واليد قصرية ،والضغوط من كل
جانب.
هنا حيتاج جند اهلل إىل خصلتني عظيمتني تلتقي هبما جهود األمة
لتقاوم جيوش خيبة اآلمال وفساد الثقة.
)1أوالمها وأمههما وجود كتلة قيادية جمندة واعية مبا تعنيه القومة من
صعاب .أال وهي اجلماعة اإلسالمية املتصدية أو رابطة اجلماعات املتحالفة،
في االقتصا د
204
الرخاء
ليؤم ن بعد
ومن حوهلا الشعب ملتفا واثقا باذال الثمن من تضحيات يومه ِّ
حمنة الشدة رخاء الغد .واألسلم أن تصارح دولة اإلسالم يف مهدها ،ولدى
أول خطواهتا ودائما األمة حبقائق ما جيري ،وحقائق ما يتوقع .وإن أساليب
اخلداع والوعود الكاذبة أخس خلقا وأفدح بالدة من أن تليق بالصادقني.
على أن التضحيات الالزمة جيب أن توزع توزيعا عادال ،ينال منها حظه من
هلم شحم وحلم قبل احلفاة الع راة .ورحم اهلل أمري املؤمنني عمر بن اخلطاب
الذي امتنع عن أكل السمن عام الرمادة ،وهو عام جماعة ،يواسي املسلمني
بنفسه ،ويتساءل عندما سألوه مل ال يأكل السمن مع جدته إياه« :أ ُك ُّل
املسلمني جيد؟».
يلزم األمة الواثقة بقيادهتا أن تنفق أيام التحول من م راتع الظلم إىل غد
العدل من كنوز الصرب .ويعطي جند اهلل املثال .فلو صدقوا اهلل لكان خ ريا
هلم.
)2اخلصلة الثانية تلحق باألوىل يف كوهنا من نعوت الصرب :أال وهي
التدرج إذا كانت األهداف واضحة أمام القيادة ،فإن عدم وضوح الطريق
إليها ،والوسائل ،وضرورة االستفادة من عامل الزمن ،قد يدفع القيادة
للتسرع ،وقد ينطق ناطق ثرثار مبا يهول املوقف على رجال االقتصاد
املتسمعني من وراء الباب ،وقد تصور هلم حساسيتهم البالغة كل إج راء
للدولة اعتداء عليهم فينقبضون.
ال مندوحة عن اختاذ اإلج راءات لتحويل جمرى األحداث من أول يوم.
لكن بني هذا وبني كسر اآللة االقتصادية فرق .البد من البداية يف إنصاف
احملرومني من أول يوم ،لكن وعد الناس بالرخاء العاجل تغرير .ولن يأيت
الرخاء بدون مثن ،كما أن القومة نفسها لن تربز من عامل اآلمال لعامل
األحداث بدون مثن .يف ركب واحد ،يف موكب الفضل ،يتحلى الشهداء
بدمائهم والصابرون يف البأساء والض راء وحني البأس بصدقهم .وإهنا ملعركة
شديدة حنو الرخاء البد لألمة مجيعا من خوضها.
في االقتصا د
205
الرخاء
إهنا لعقبة وعرة ،من مجلة أخطارها أن يستدرج التساهل وحب السالمة
احلكام املسلمني إىل إصالحية فاترة ،فإذا بقومتهم انتفاضة عاجزة ،وإذا
بتدرجهم إيثار إلبقاء ما كان على ما كان.
هل ميكن التحول من الظلم وخمازيه إىل العدل ورخائه بدون حرب
طبقية ،وبدون كسر آلة االقتصاد املوروثة ،وبدون قطع األعضاء املريضة من
األمة ،وبدون ال رتاجع عن هدف التغيري اجلذري اكتفاء بالطالء اإلصالحي؟
حكمة نرجو اهلل جلت عظمته أن يؤتيها أحبابه ،وتؤدة ال يعرفها الثوار
اجلاهليون نرجو من فضله أن يلهمها الصادقني ،وسنة نبوية ما يلقاها إال
الذين صربوا ،وما يلقاها إال ذو حظ عظيم.
نصيبك من الدنيا ينظم آخرتك
أت رانا نتعلق بأذيال الغيب لنفر من حقائق الشهادة الصلبة؟ أم حتسب
أن قدر اهلل وشرع اهلل يتناقضان؟ أم تنسى أن جمال فكر املؤمنني وحتسباهتم
واهتماماهتم ميتد بني الدنيا واآلخرة ،بني العقل والقلب ،بني إعداد القوة
والتفويض اإلمياين ،بني التخطيط اليقظ الواعي وطلب التوفيق من رب
العزة؟
حتدثنا قبل عن النطاق اإلمياين لالقتصاد يف فصل خاص ،ويف هذه
الفقرة نضع إن شاء اهلل الرخاء املطلوب ،وهو نصيبنا من الدنيا ،وهو األمن
يف السرب ،والعافية يف البدن ،وقوت اليوم ،يف موضعه الشرعي.
فإن وضعنا اآلمال يف غري موضعها الشرعي ،وأطلقنا العنان للشهوات
أو للطموح يف التوسع ال زائد عن الكفاية ،أو وجهنا االقتصاد وجهة التنمية
بال حدود واالستهالك بال ضابط ،فهو الظلم والبغي.
في االقتصا د
206
الرخاء
قال اهلل تبارك وتعاىل حيكي لنا خطاب قوم موسى لباغ معتد منهم:
{إِ َّن قَ ارون َك ان ِم ن قـ وِ
وس ى فـَبـَغَ ى َع لَ ْي ِه ْم َوآتـَيـْنَ اهُ ِم َن الْ ُك نُ و ِز َم ا
م
م
ُ َ َ
َْ ُ َ
ص بَ ِة أُولِ ي الْ ُق َّو ِة إِ ْذ قَ َ
ال لَ هُ قـَ ْو ُم هُ َل تـَ ْف َر ْح إِ َّن ال لَّ هَ
إِ َّن َم َف اتِ َح هُ لَ تـَنُ وءُ بِ الْعُ ْ
ب الْ َف ِر ِح ين وابـ تَ ِغ فِ
َل ي ِ
الدار ْال ِخ رَة وَل تَ نس نَ ِ
َّ
َّ
ك
ه
ل
ال
اك
ت
آ
ا
يم
ح
َ
ُّ
َ
ص يبَ َ
ُ
ْ
ُ
َ
َ
َ
َ
َ
َ
َ
ِ
ِ
ِ
َّ
ِ
اد ف ي ْالَ ْر ِ
ُّ
ْ
ض
ف
ل
ا
غ
ب
تـ
ل
و
ك
ي
ل
إ
ه
ل
ال
ن
س
َح
أ
ا
م
ك
ن
س
َح
أ
و
ا
ي
نـ
الد
ن
م
َ
ِ
َ
َ
َ
َ
س َ
ُ
ْ
ْ
ْ
ْ
ْ
َ َ
َ
َ َ
ََ
َ
َ
ِ
ِ
ِ
ين} (القصص)77-76 ،
إِ َّن ال لَّ هَ َل يُح ُّ
ب ال ُ
ْم ْف س د َ
وأي إفساد يف األرض أشد بغيا من أن تتكدس األموال والثروات يف
أيدي قلة من الناس ،ويبقى اجلمهور عائال جائعا فق ريا!
{وَل
يستشهد بعض عامة الفكر ،عامة العلم ،عامة اإلميان ،بآية َ
تَ نس نَ ِ
ك ِم َن ُّ
الدنـْيَ ا} (القصص )77 ،يف معرض التشجيع على املتعة
ص يبَ َ
َ
والشهوة ،خيرجون اجلملة من سياقها ،وقد وردت يف خطاب قوم مظلومني
إىل ظاملهم يناشدونه احلق أن ال يتعدى حقه ونصيبه فيستحوذ على حقهم
ونصيبهم.
قال العامل أبو طالب املكي يبني حدود النصيب الطيب للعبد من
الدنيا ومأخذه ومصرفه ووظيفته« :روي عن النيب صلى اهلل عليه وسلم عن
قوله تعاىل{ :الَّ ِ
آم نُ واْ ولَ م يـَ ْل بِ
ِ
يم انـَ ُه م بِ ظُل ٍ
ك لَ ُه ُم
إ
ا
و
س
ين
ذ
ْ
ْم أ ُْولَ ـئِ َ
َ
ْ
َ
َ
َ
ُ
األَْم ُن َو ُه م ُّم ْه تَ ُد و َن} (األنعام( )82 ,وقد سئل) من هؤالء؟ فقال« :من
برت ميينه ،وصدق لسانه ،واستقام قلبه ،وعف فرجه وبطنه».
قال« :مث ليـَْن ِو املتصرف يف معاشه كف نفسه عن املسألة ،واالستغناء
عن الناس ،وقطع الطمع فيهم ،والتشوف إليهم ،فذلك عبادة إذا نوى
نزعه .مث ليحتسب السعي على نفسه وأطعمة عياله فهو له صدقة ()...
ويكون أبدا م َق دِّما للدين والتقوى يف كل شيء .فإن انتظمت دنياه
بعد ذلك محد اهلل ،وكان ذلك رحبا ورجحانا .وإن تكدرت لذلك دنياه،
وتعذرت ألجل الدين والتقوى أحواله يف أمور الدنيا ،كان قد أحرز دينه
في االقتصا د
207
الرخاء
ورحبه ،وحفظ رأس ماله من تقواه ،وسلم له .فهو املعول عليه واحلاصل له.
إال أن من ربح من الدنيا مثل املال وخسر عشر الدين ،فما رحبت جتارته،
وال هدي سبيله ،وهو عند اهلل من اخلاسرين.
«وقال بعض السلف :أوىل األشياء بالعاقل أحوجه إليه يف العاجل،
وأحوج شيء إليه يف العاجل أمحده عاقبة يف اآلجل .وكذلك قال معاذ ابن
جبل رضي اهلل عنه يف وصيته« :إنه البد لك من نصيبك من الدنيا وأنت
إىل نصيبك من اآلخرة أحوج .فابدأ بنصيبك من اآلخرة فخذه ،فإنه سيمر
على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما ،ويزول معك حيثما زلت.
وقد قال اهلل تعاىل« :وال تنس نصيبك من الدنيا» :ال ترتك نصيبك يف الدنيا
من الدنيا لآلخرة ،ألنك من هاهنا تكتسب احلسنات فتكون هنالك من
احملسنني».
اآلخرة تنظم الدنيا .ومن يكدر آخرته لعاجل دنياه فنصيبه اخلس ران،
وإن كان يظن أن ما خيوض فيه من متاع الدنيا قسمة له مقسومة.
واالستقامة يف الدنيا تنظم اآلخرة .فإن من ال يأوي إىل ركن أمني ،وال
جيد من بدنه عافية متكنه من الكسب ،وال يرتك له هم القوت اليومي
فسحة لتدبري عاقبته بعد املوت لفي كبد ،يذهله تدبري دنياه املضطربة
عن تدبري آخرته.
ويف قوله تعاىل{ :الَّ ِ
آم نُ واْ ولَ م يـَ ْل بِ
ِ
يم انـَ ُه م بِ ظُل ٍ
ك
إ
ا
و
س
ين
ذ
ْ
ْم أ ُْولَ ـئِ َ
َ َ َ ْ
َ
ُ
لَ ُه ُم األَْم ُن َو ُه م ُّم ْه تَ ُد و َن} (األنعام )82 ,ربط بني األمن والعدل .ال أمن
مع الظلم ،وال أمن للظاملني حىت ولو كان ظلما متلبسا بإميان .فما بالك
بالظلم الص راح .واالهتداء يف السالمة من التظامل ،سالمة حتقق األمن يف
الدنيا من بطش العباد واألمن يف اآلخرة من سوء املنقلب واملعاد.
في االقتصا د
208
الرخاء
إن من مهمات دولة اإلسالم أن تعني املسلمني بتنظيم دنياهم على
تنظيم أخ راهم .وعلى الدعوة أن تعاجل األمر من جانب اآلخرة ،فتصرف
اهلمم والذمم إىل التقوى وبناء املعاد لكيال خيرب التسابق إىل املتاع أنصباء
الناس من الدنيا .فإن اعتداء هذا على نصيب هذا ،واعتداء طبقة على
نصيب طبقة ،واعتداء قوم على نصيب قوم حيل الفوضى االجتماعية حمل
األمن ،ويسبب البغي ،ويفسد العالقات السياسية ،ويؤذن خب راب العم ران.
وبذلك خيرب آخرة اجلميع .والعياذ باهلل.
مصائب قوم...
رخاء قوم مع الظلم شدة على قوم .والرخاء اإلسالمي املطلوب هو
الرخاء الذي ال حيرم زيدا من الضروريات ليتخم عمرو ويسمن ،وال خييف
أمة حتت هتديد اجلالدين لينعم املأل املرتفون ،وال يهمل اجلمهور ليرتفه
سكان القصور.
وإن ما يف اجملتمعات اإلنسانية ،يف داخلها ،من تفاوت خمل يف األنصباء
من الدنيا ،وما بني األقوام واألمم والدول من تفاوت فظيع يف القسمة لظلم
شنيع يأباه اإلسالم .ذلك رخاء قاروين ،وإفساد يف األرض.
أي أمن يف العامل ذلك األمن الذي تزعم السعي إليه دول االستكبار
حني تصنع الصواريخ النووية مبقادير تكفي لتخريب الكرة األرضية عشر
م رات؟ يف هذه السنة اليت نكتب فيها ،1403 ،ينفقون يف العامل على السالح
ستمائة مليار دوالر .ستمائة ألف مليون دوالر سنويا لصنع السالح وختزينه.
وشعوب املستضعفني تقدم قربانا لشيطان العنف .تسلح كل جهة من
جهات اجلاهلية زبائنها وصنائعه لتأمن دول االستكبار االنفجار النووي
بواسطة تنفيس العنف يف بالد املستضعفني .والثمن يدفعه املستضعفون
دما مه راقا وخوفا وبؤسا.
في االقتصا د
209
الرخاء
يف هذه السنة بلغت ديون الدول املستضعفة يف العامل ستمائة مليار
دوالر .حنسب بالدوالر قارون العصر وباغيه .ستمائة ألف مليون من الديون
امل رتاكمة .أقل مما ينفق على السالح سنويا.
فيا بعد ما بني التعليم النبوي يف شأن األمن والعافية وقسمة األرزاق
وبني الواقع املقيت!
كم بيننا وبني جمتمع السرب اآلمن املنسجم! كم بني اإلنسانية املهددة
بطفرة جاهلية يف م زاج الرئيس الفرعون يضغط على زر الصاعقة النووية
وبني العافية والسالم! كم بني حضارة م رابية ظاملة تضع أغالل التمويل
املشروط يف أعناق العاملني ،وبني الرخاء لبين اإلنسان لينظم نصيبهم من
الدنيا نصيبهم يف اآلخرة!
يف أمريكا ينتقل الناس يف السيارات اخلاصة بنسبة ،% 80وبالطيارة
بنسبة ،% 15والباقي -% 5 -لوسائل النقل العامة من قطارات وحافالت.
وما تستهلك السيارات اخلاصة من معادن ،ومواد أولية ،وجهود بشرية
لصنعها ،ومن نفط لتسيريها ،وأموال لإلنفاق عليها! ويف مقابل ذلك
فالحون يف مصر وبنغالديش وأفريقيا خيوضون ع راة حفاة يف املياه امللوثة
بديدان البلهارسيا وينشرون املرض اخلطري يف جمتمعاهتم.
رفاهية املستكربين مثنها بؤس العاملني .ويصدرون إلينا عقاقري من
أمريكا وأوربا وروسيا مكتوب عليها« :خاص للتصدير» .أثبتت الفحوص
أن معايري صنعها أردأ نوعا ،وأكثر مسا ،من األدوية اليت يصنعوهنا ألنفسهم
وأهليهم ،بل يصدرون إلينا أيضا أدوية جتاوزت ميقات استعماهلا فأصبحت
خط را حمققا على مستعملها.
في االقتصا د
210
الرخاء
يف أمريكا تستهلك اجلريدة الواحدة من الورق يوميا ما يساوي خشب
مخس هكتارات من الغابة .اضرب الرقم إن شئت ،أو ثلثه ،أو عشره ،يف
مآت اجل رائد اليومية ،واجملالت ،وورق التغليف ،واإلعالن واإلدارة ،واحسب
مساحة األشجار اليت تقطع وتطحن وتعجن ورقا.
ويف أفريقيا ،وغري أفريقيا بعد أن أحرق القحط الغابات يفتقد الناس
عودا يستعملونه لوقودهم ،لطبخ حبات األرز أو امليلت ،وهو طعام البؤساء.
كم قبيلة ،كم دولة ،كم خلق كان حيصل على خشب لقدره لو تفضلت
حضارة التبذير والبغي القاروين فاكتفت بعشر صفحات يف ج رائدها بدل
مائة صفحة؟ كم خلق يأمن يف سربه ،ويعاىف يف بدنه ،ويطمئن على قوت
يومه لو مل يكن رخاء قوم هو عني الشدة الباطشة على اخللق أمجعني؟
ال يسع الدولة اإلسالمية ،إن أرادت الرخاء للمسلمني داخل جمتمعاتنا،
إال أن حتارب الظلم أينما كان .فإن الظلم ملة واحدة ،وشبكة مشتبكة،
وشجرة خبيثة أصلها يف بالد االستكبار وفروعها الزقومية منتشرة يف كل
مكان.
سياسة اإلسالم نصرة املستضعفني ليأمنوا من خوف .حنن من دعاة
السالم ال من مساعري احلرب .وحنن من دعاة نزع السالح إن كان نزع
السالح ال يعين أن جنرد من قوتنا لنستسلم للقوى الغامشة.
حنن من أنصار وضع الديون الربوية عن الدول الفقرية املفقرة .أال ثورة
على امل رابني حمتكري أقوات اخلالئق!
من شق على المسلمين...
روى اإلمام مسلم عن عائشة رضي اهلل عنها ،أن رسول اهلل صلى اهلل
عليه وسلم قال« :اللهم من ويل من أمر أميت شيئا فشق عليهم فاشقق
في االقتصا د
211
الرخاء
عليه» ،وأخرج البخاري عن جندب أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم
قال« :من مسَّع مسَّع اهلل به يوم القيامة .قال ومن شاق شقق اهلل عليه يوم
القيامة» .قال احلافظ ابن حجر« :وامل راد باحلديث النهي عن القول القبيح
يف املؤمنني ،وكشف مساويهم وعيوهبم ،وترك خمالفة سبيل املؤمنني ،ولزوم
مجاعتهم ،والنهي عن إدخال املشقة عليهم واإلض رار هبم».
باجلمع بني احلديثني تتبني لنا الصلة بني الرخاء وبني استق رار احلكم.
فإن الشقاق وهو اخلالف ،وشق عصا الطاعة وهو التمرد ،وشق وايل األمر
على األمة وهو إض راره هبم وشدته عليهم ،بينها عالقة املسبب بالسبب.
وما وايل أمر األمة إال مبثابة ال راعي املسؤول عن رعيته أن ال يشق عليها،
بل أن حيسن إليها بأن ال يقبح وال خيوف وال جييع وال يؤذي يف عرض وال
يف بدن.
روي يف كتاب األموال عن سلمان الفارسي رضي اهلل عنه أنه قال« :إن
اخلليفة هو الذي يقضي بكتاب اهلل ويشفق على الرعية شفقة الرجل على
أهله».
وجاء يف رواية اخلطيب البغدادي حلديث رواه أيضا اإلمام أمحد والط رباين
عن عبد الرمحان بن معقل بن يسار قال :مسعت رسول اهلل صلى اهلل عليه
وسلم يقول« :أميا وال ويل شيئا من أمر أميت فلم ينصح هلم ،وجيتهد هلم
كنصيحته وجهده لنفسه كبه اهلل على وجهه يوم القيامة يف النار».
كان الرفق بالضعيف والسهر على راحته واحلدب على مصاحله ديدن
اخللفاء ال راشدين ،أسوة بالرؤوف الرحيم ،الذي أرسله اهلل رمحة للعاملني.
روى البخاري عن عمرو بن ميمون قال« :رأيت عمر بن اخلطاب قبل أن
يصاب بأيام باملدينة .وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف
في االقتصا د
212
الرخاء
فقال :كيف فعلتما؟ أختافان أن تكونا قد محلتما األرض ما ال تطيق
(أرهقتما الناس خب راج ثقيل)؟ قاال :محلناها أم را هي له مطيقة .وما فيها
كبري فضل .فقال :انظ را أن تكونا محلتما األرض ما ال تطيق! فقاال :ال!
فقال عمر :لئن سلمين اهلل تعاىل ألدعن أرامل أهل الع راق ال حيتجن إىل أحد
بعدي» احلديث.
خـ ــاتـ ـم ـ ــة
في االقتصا د
215
خاتمة
بداية ونهاية
ما أشبه التطورات اليت يشهدها العامل متسارعة حبركة جيولوجية ،تلك
اليت رفعت وخفضت وأرست جباال وغريت معامل وأعطت األرض سطحها
وأعماقها ،مسات دائمة! ما أشبه لوال أن الزف رات الربكانية اجليولوجية تقلب
مادة معدنية جامدة بينما تعصر الفورات التارخيية العنصر البشري ،تفرم
حلمه فرما ،وتقهره ،وحترمه ،وجتوعه ،وتعريه ،وتغطسه يف محامات دماء
ومحآت رذيلة ،وتذله ومتتهنه ،وتنبذ حياته يف هوامش البؤس.
األدهى واألمر أن الطوارق احلدثانية العظمى ،وما جتره يف ركاهبا من
مفازع ،وما تضرب به من مقارع ،تفسد آخرة اإلنسان بإفسادها دنياه.
املرتفون املستكربون يف األرض منعمون يف دوابيتهم يتقاذفهم اجلشع على
الدنيا ،ويستخفهم الفرح هبا ،ويلهيهم األمل يف مزيد من متاعها .فذلك
فسادهم وإفسادهم .واملستضعفون يف األرض يف شغل مبر احلياة ،ومالحقة
مادة احلياة ،والكدح البئيس سعيا وراء رزق اليوم ،ومأوى الليل ،وأمن
الوقت.
أستغفر اهلل ،فما تقلبات األرض يف أعصارها ،وال اضط راب اإلنسان
يف أرجائها خبط أعمى وسري بال اجتاه وال معىن .يتحدث الغافلون عن اهلل
بلغة االقتصاد والسياسة والكم والكيف عند حتليلهم جملريات الزمان.
واملؤمنون ي راقبون من وراء احلدث واملظهر قدرة اهلل وحكمته ودفاعه الناس
بعضهم ببعض ،وسنته يف الكون املعدين اجلامد يف أحشاء األرض السابح
يف مسافات الفضاء ،كسنته يف تاريخ اإلنسان على وجهها ،اليقظ منهم
والسادر ،املؤمن منهم والكافر.
كل جيري ألجل مسمى ،وبقدر معلوم .واآلخرة هي الق رار.
في االقتصا د
216
خاتمة
ي واحنطاط ،مظهره
يـَ ْه ِوي عهد من تاريخ املسلمني ،هو يف ُه ِو ٍّ
تفتت املسلمني ،وجتزئة أرضهم ،ومتزق كياهنم املعنوي ،وذهاب مقوماهتم
االقتصادية ،والغارة الشعواء على مبىن وجودهم ومعناه ،بوسائل الغزو
املدمر الطائر يف اجلو القاذف القاتل ،وبوسائل التدمري األخالقي املعنوي
مبا تبثه األقمار الصناعية من دعوة سافرة عاهرة للفحشاء واملنكر ،والبغي
والكفر والدوابية.
يهوي رويدا رويدا سدنة العهد املنهزم ،جيل من املسلمني وطين قومي
قاوم االستعمار االحتاليل وحصر مهه يف االستقالل .وكان ماجدا فاضال.
ومات رمحه اهلل ،مث خلف من بعده خلف أضاع الصالة ،واتبع الشهوات،
وتزىي بزي املستعمر املنحشر ،ونشأ على اإلعجاب احلداثي التقدمي
بأفكاره ،ورسخ رسوخا يف الوالء لقيمه ،وذاب ذوبانا يف خضم حضارته،
وتشرب بشغف وهلف رحيق ثقافته ،منهم من حساها حسوا ،ومنهم من
جترعها هتتكا وعفوا.
بل غرس املستعمر وتعهد يف مشاتل أنظمة التعليم .فشجرة الزقوم
أينعت إحلادا ،وأمثرت فسادا.
فئة هتوي إىل احلضيض ،وتأخذ فلوهلا املنهزمة جم راها إىل «م زابل التاريخ»
كما عرب اآلخر .وتلك طبقة جيولوجية بائدة.
وتربز طبقة من املسلمني ،من شباب املسلمني خاصة ،من الذرية
الساملة اليت مل تشارك يف األجماد الوطنية ،وال يكاد يكون هلا باملقاومة
املشكورة خرب.
وأجناها اهلل من البوار والصغار الذي مترغ فيه اخللف امللحد ويتمرغ.
في االقتصا د
217
خاتمة
أبرز اهلل ،خلق اهلل ،هدى اهلل ،أستغفر اهلل.
يهوي قوم ويربز قوم يف أعماق اجملتمع املسلم .نرى حنن صنع اهلل العلي
القدير ،وحيلل غرينا األوضاع حتليال ماديا فيزعم أن احلتمية االقتصادية،
والبؤس يف أحياء الصفيح ،والبطالة واكتظاظ السكان واليأس« ،واجلوع
الثقايف» تدفع اهلامشيني إىل أحضان اإلسالم حيث جيدون دفئا وعونا
وحمضنا أمينا هاربني من عامل مرعب ووسط متفكك ،وأسرة منحلة.
إن كان انس راب الغرس االستعماري يف جماري اهلوي السياسي ملحوظا،
فإن املسخ الفكري ال ي زال يستقوي باملد الثقايف الدوايب الوافد املتقاطر
على األطباق املقعرة .فالتحليل والفهم والد راية ما ت راقبه األجهزة األمهات
هناك ،وما تقرره األخماخ األستاذة ،وما تردده الببغاوات األنيسة يف بيت
احلضارة الغالبة ،خترج إلينا فتستنسر ،وتقاتل باملخلب والناب عن حوزهتا
املغتصبة املغتنمة من رصيد احلركة الوطنية رمحها اهلل.
ال يهدي اهلل ،وال يفعل اهلل ،وال يوجد اهلل ،تعاىل اهلل .األمر مقارعة
ومناقضة وص راع .األمر أن تكون حديثا معاص را تنصر ثقافة احلرية،
والدميق راطية ،والتقدم ،والعلم .أو تكون غيبيا متخلفا ظالميا.
يف مؤخرة الفلول اخللفية املهزومة بقايا مثقفة بالثقافة العاملية الدوابية
ملا تفهم ،أو ملا تقبل ،أو ملا يبلغها خرب أهنا بداية وهناية.
البداية إسالم متجدد ،وإميان ،وتوبة ،ومسجد ،وقرآن ،وعزة باهلل،
وفخر ينتعل الثريا باالنتماء إىل رسول اهلل ،وفرحة ال تضاهيها فرحة
باكتشاف حق أن اهلل خلق ،ويرزق ،ويهدي ،وحييي ،ومييت ،ويبعث،
وجيزي احملسن بإحسانه ،والكافر بكف رانه .فرحة عظمى يوم استقرت يف
أعماقي ،واشتدت حىت صارت يقينا ،حقيقة أنين لست قردا كما تزعم
في االقتصا د
218
خاتمة
الدروينية ،وال موارد بشرية كما تزعم املادية ،وال زبونا ممكنا كما تنظر
ال رأمسالية السلعية.
هذا الذي انتهى ،وهو بصدد االنق راض ولو طال أمد الضمور واحلضور،
هو اخللف املنهزم حضاريا ،املهزوم سياسيا ،املتقمم من موائد الغري فتات
ثقافة ،ومثالة ش راب ،وحثالة فكر.
وهذا الذي ابتدأ ،ويبتدئ ،ويربز برعما هتدده األعاصري ،وتعقد امل ؤمت رات
م ؤمت رات اخللف اخلاسر والعدو الكافر -لتبتسره وحتتقره وتقهقره .وهيهاتينال اخللق مما يغرسه اخلالق! هيهات تذبل نبتة الشجرة املباركة الكلمة الطيبة!
يكأل اهلل عز وجل بداياهتا وهو القادر ،ويلطف وهو اللطيف.
وما هوى باهلاوين إال ما اقرتفوا من آثام ،وما عبدوا ويعبدون من
أنصاب وأزالم{ .إِ َّن ال لّ هَ س ي ب ِط لُ هُ إِ َّن ال لّ هَ الَ ي ص لِ ح َع م ل ال ِ ِ
ين}
َ ُْ
ُ ْ ُ َ َ ُ
ْم ْف س د َ
(يونس)81 ،
يده القوية سبحانه ،وقدره احلكيم ،أقامت أمام الصحوة اإلسالمية بل
أمام اإلدارة البادئة املتجددة ،عقبات مما نرى ونسمع ونعيش من صخب
يف الدنيا ،وزعقات ،ورجات ،وزالزل ،وحروب على املسلمني.
اليهود الصهاينة بلغوا أوج علوهم يف األرض وفسادهم فيها ،وهو علو
موعود يف القرآن يف سورة اإلس راء .يعقبه مىت شاء اهلل الوعيد املنصب على
ك لَ يَ بـْ َع ثَ َّن َع لَ ْي ِه ْم إِلَ ى
{وإِ ْذ تَأَذَّ َن َربُّ َ
فسقة بين إس رائيل يف قوله تعاىلَ :
يـ وِم ال ِْق ي ام ِ
ْع َذ ِ
اب} (األع راف.)167 ،
ل
ا
وء
س
م
ه
وم
س
ي
ن
م
ة
َ َ َ َ ُ ُُ ْ ُ َ َ
َْ
يف انتظار نقمة اهلل ،نؤمن هبا وجنهل ميقاهتا وأسباهبا وظروفها ،هاهم
اخللف احلاكمون على رقاب املسلمني يعقدون صلح حمبة ومودة وتطبيع
في االقتصا د
219
خاتمة
مع الكفرة من بين إس رائيل.
تطبيع رسم بنار اهلوان واخلزي معامل العلو اليهودي الصهيوين ومهاوي
اخللف املنهزم املهزوم.
يف يوم من أيام اهلل يرتفع اإلسالميون مع رياح التاريخ إىل سدة احلكم.
أستغفر اهلل العظيم من لوثة اخلطاب املادي الفج الكافر ،بل يرفعهم اهلل،
وحيبوهم اهلل ،ويورثهم اهلل ،ويستخلفهم اهلل ،ما من رافعة خافضة إال بإذنه.
ماذا هم فاعلون النشء الصاحل غداة ميسكون بأزمة احلكم ،وهم واجدون
املعاهدات االستسالمية ،وسرطان التطبيع ينهك ،وتنني االقتصاد اليهودي
املدلل املرتف ،املدعوم بالدوالر ،املتقن صناعة ،املتفوق تكنولوجيا ،الناجح
سوقا وبضاعة وزبانة مبا أتقنت األدمغة اليهودية املتعلمة ،ومبا صنعت ،ومبا
سوقت؟
أستغفر اهلل ،بل مبا أمد اهلل سبحانه اإلس رائليني الفسقة من مال وبنني
ِ ٍ ِ
ين َو َج َع لْنَ ا ُك ْم أَ ْك ثـَ َر نَ ِف ي راً}
يف قوله عز من قائل{ :أ َْم َد ْدنَا ُك م ب أ َْم َوال َوبَن َ
(اإلس راء .)6 ،أمدهم العزيز اجلبار سبحانه ببنني ال كالبنني .هم خنبة
الفلسفة الغربية ،وناشرو الثقافة ،ومالكو الصحافة ،وعباقرة االخ رتاع،
واجلامثون حيث يصنع كل ق رار سياسي جتاري صناعي.
ماذا هم فاعلون النشء الصاحل مع املعاهدات الدولية ،ومع عقابيلها
وشروطها ومنها التطبيع مع الدولة الغاصبة؟
تسقط القيم يف عامل السوق ،ويربط رئيس الواليات املتحدة األمريكية
روابط راحبة مع االقتصاد الصيين املزدهر ،يتقدم يف ذلك بفلسفة برغماتية
مساها «الدبلوماسية االقتصادية».
في االقتصا د
220
خاتمة
ماذا هم فاعلون اإلسالميون مع األوضاع املوروثة غدا؟
إن كانت الضرورات كاحلة اليوم ،فالرجاء من بركات اهلل أن ختف غدا.
والواجب اإلمياين ال حتجبه ضرورة ،الواجب يف حدود الوسع ،ويف عمق
الرتبية ،وفيما ترضعه األم البنها وابنتها ،وفيما يلقنه األب ألبنائه وبناته،
وهو رفض الوالء لعدو غاصب ،ورفض االستسالم دينا يدين به املسلمون
مهما اضطرت القوانني الدولية واملعاهدات املمضاة دولة املسلمني إىل
تنكيس ال راية.
قد تنكس ال راية حزنا وهدنة ،لكن دولة القرآن ال ينبغي هلا أن تفعل
استسالما إىل أن يأذن اهلل بتحقيق أمره ذات زمان وذات جيل.
من ارتطامات االنقالب اجليولوجي الذي تشهده هناية عصر ،وهوي
عقلية ،وهزمية جيل يف بالد املسلمني ،وسقوط جدار ب رلني ،وهتافت
الشيوعية ،وتفكك اإلم رباطورية السوفييتية ،مث تطارح القوة العظمى،
كانت على موائد ال رأمسالية تستطعم وتشحذ دوالرا وشحنة قمح ومساعدة
لتنخرط تابعة يف ركاب ال رأمسالية.
منذ أربعة قرون عاشت روسيا وهي ال تعرف نفسها إال سيدة على
إم رباطورية شاسعة .فلما تفككت أكرب جتليات اهليمنة الروسية باستقالل
دول شرق أوربا ،وعم التململ الواليات احملتلة منذ عهد القياصرة ،بلغ
الشعور بالذلة واملهانة مداه.
فمن زف رات الربكان اجليولوجي ون ريانه انصباب احلمية السالفية نقمة
على املسلمني يف البوسنة واهلرتسك ،وجهالة اجليش الروسي على مسلمي
الشيشان.
في االقتصا د
221
خاتمة
محية قومية عرقية انتقامية من التاريخ .أستغفر اهلل.
ومحى اقتصادية استنفرت هبا أمريكا ثالثني دولة ،وأفتت األمم املتحدة
بكذا وكذا ق رارا لتحرق الع راق واملسلمني يف الع راق.
حرب اخلليج محم هي يف التاريخ اجليولوجي ،أم منعطف يف مسرية
العرب واملسلمني ،ليهلك من هلك عن بينة ،وحيىي من حيي عن بينة؟
وإن اهلل لسميع عليم.
وصحب االنفجارات واحلروب واجملازر يف املسلمني أزمات يف الفكر،
وذهول قومي وقتام يف األفق ودخان .بشر املثقفون بعضهم بعضا ملا آنسوا
من جانب العامل احلر نار الدميق راطية.
الدميق راطية قارب النجاة من طوفان يتهدد ،ومالذ من شر يتمدد.
الدميق راطية مفتاح املستقبل ،خشبة يتشبت هبا يتامى اإلديولوجية
كما يستمسك هبا الواعون باحلرب االس رتاتيجية املبيتة على املسلمني.
ولنا مع الفضالء الدميق راطيني حوار.
لنا حوار حول من وكيف ومل .لنا حوار هل تضمن الدميق راطية ،وحنن
ن راها تتخبط .جمنونة خائنة سارقة يف إيطاليا ،عدال ال ينفصل عن حرية.
لنا حوار هل تتضمن املواثيق الدميق راطية املؤسسة لألح زاب التعددية بنود
فضيلة وذمة وأمانة .ما بال الدميق راطية يف فرنسا أمنا العزيزة الالييكية
جدا هتزها عواصف الفضائح؟ ما باهلا يف أمريكا الصائلة القائلة تتحول
مسرحا ،ومعرضا ،ورباط عنق ،وهلجة خطاب ،وصناعة صورة على يد
خمتصني يتقاضون مآت ماليني الدوالر.
في االقتصا د
222
خاتمة
مال هي الدميق راطية ،واستغالل نفوذ ،وتزوير فواتري؟
أم نؤمن باهلل وباليوم اآلخر ،حنن والفضالء الدميق راطيون ،لنؤسسها
شورى قرآنية نبوية راشدية ،الفضيلة والصدق واألمانة والوفاء بالعهود
مادة ماهيتها؟
الكلمة الصارخة يف العامل السوق :دميق راطية تدين بدين حقوق اإلنسان.
والواقع تنازع بني أقوياء العامل على أسالب املستضعفني يف األرض .وما
شعار نظام الدميق راطية وشعار دين حقوق اإلنسان إال مصاحبة موسيقية
لتنومي الناس ،وهتومي الناس وتوهيم الناس .نعوذ باهلل من الوسواس اخلناس.
كان توازن الرعب بني القوتني العامليتني باألمس ينظم التجاذب
والتنازع على إيقاع دبلوماسية الشد واملد ،تتأرجح عليهما احلرب البادرة.
ويبحث أقوياء العامل بعد سقوط النجم األمحر عن نظام لعبة اس رتاتيجية
حلفظ استق رار العامل يف زعمها ،إلثبات الذات وفرض الوجود واالستئثار
باملغامن يف حقيقتها.
أوربا جسم يتمدد ،هوية تستجمع قواها ،تلم أط رافها لتستعيد أجماد
حقبة اجملد االستعماري ،مكتشفة ذاهتا يف املعارضة الفرنسية للغزو الثقايف
األمريكي ،ويف املاكينة الصناعية التكنولوجية يف أملانيا .تبوح مطالبة
فرنسا ب «االستثناء الثقايف» عن طموح إىل حرية .ويثبت اإلتقان األملاين
والقوة النقدية األملانية كل يوم أهنا األجدر ،واألقوى ،واألكثر مهارة.
ويف أفق الوحدة األوروبية ضم أوروبا الشرقية لتصبح أوروبا الكربى
ضعفي الواليات املتحدة حجم اقتصاد ،وقدرة صناعة ،وسعة سوق...
في االقتصا د
223
خاتمة
يف األفق قطبية جديدة متعددة تناوش منذ اآلن مهسا وتلوحيا وغمغمة
العمالق األمريكي.
وغدا! ما بدايات غد الغرب وهناياته غدا؟
كل وليد يشب ،ويقوى ،ويتحسس عضالته ليثبت ذاته يف الوجود.
كذلك الدول واألمم حتتاج لنقيض وخصم تضعه أمامها يف حساهبا ليُ جرب
الوعل أقرونه أقوى أم الصخرة.
فإذا كانت القرون نووية ،وكانت الصخرة مدججة مبا خترتعه وتكتنزه
حرب النجوم!
إن خارطة العامل ما بني ضفيت األطلنطي ،وما ميتد يف آسيا وشواطئها،
لفي حتول منزعج ،موجات باطنية جيولوجية ،وتكونات ال تنفك تتفاعل.
تتفاعل القارة اآلسيوية فينفط على ظهرها فقعات اقتصادية مسوها
تنينات .سنغافورة القزمة جغ رافيا وبشريا تتعملق جنبا إىل جنب مع
تايوان وسائر بنيات اليابان.
تتعملق اليابان وبناهتا يف صناعة الش رائح املوصلة ،وأشباه املوصالت،
والفتائل شبه الزجاجية ،والذاكرة املتطورة اخلازنة أضعافا مضاعفة.
وتتعملق هذه الصبيات يف تطوير احلاسوب ،وب رامج احلاسوب ،وتطويع
املسموع واملرئي لتنافس العمالق املتشايخ يف أمريكا والعجوز املستفيقة
إىل شباب متجدد يف أوروبا.
في االقتصا د
224
خاتمة
واألم اليابان تنظر يف حنان وعطف وتلهف واشتياق إىل أمها الصني.
وذلك قطب الغد .فما هي فاعلة احلضارة الغربية وقد امتصت آسيا إدامها
العلومي ،ومتثلت مهارهتا املؤثلة ،أضافت إليها وتضيف احلذق الياباين
والصرب الصيين واملثابرة اآلسيوية؟
بل ما هم فاعلون املسلمون غدا بقيادة األمناء األقوياء وهيمنة اجلبار
املارد األمريكي إىل مواجهة حتد متعدد األط راف ،حتد يفتح للمسلمني
واملستضعفني فجوة للم زامحة مبناكب التعلم والعمل واملدافعة والقوة
والرخاء؟
املسلمون غدا واليوم حمتاجون الستثمارات مستوردة ،وهي بكوهنا
استثمارا واست ريادا حبلى بالغنب وسوء الكيلة .ورؤوس األموال جوالة رحالة،
تنتقل من صقع يف العامل إىل صقع حيثما أغ رهتا اليد العاملة الرخيصة،
والض رائب املخفضة ،واجلوعى إىل رأس املال األجنيب كثرة يف الدنيا ،وامل رايب
يساوم لريبح .وهي سوق إن كانت يتأثر فيها االقتصاد بالعوامل السياسية،
والتكنولوجية ،فأثرها بإعالمها وعاداهتا االستهالكية على تربية املستورد
وصحته وبيئته وتنميته وحالته االجتماعية وأمنه وغذائه وبقائه أثر حاسم.
متوت احلرة وال تأكل بثديها .لكن الشعوب ال تستغين عن طعام اليوم،
وصحة البدن ،وإجياد السكن ،وتشغيل األيدي.
فإن مل ينحفظ لنا الربح يف األط راف فال نبع جوهر وجودنا :أال وهو
ديننا ،ومعنانا ،ورسالتنا يف العامل ،ورسالتنا إىل اإلنسان حنمل إليه بشرى
أنه إنسان مبعوث بعد املوت خالد ،ال ظل حيوان وسليل قرود.
كيف نتعامل مع عامل آلتنا االقتصادية منتشبة يف عجالته ،ال فكاك!
وال مناص! وليس كسر اآللة وتعنيفها مما حيل املشاكل .وإمنا الرفق
في االقتصا د
225
خاتمة
واملصانعة والتحرر النسيب املستقل نسبيا كلما اشتد ساعد االقتصاد
املسلم ،ومتاسكت وحدة املسلمني.
حترر نسيب ،واستقالل نسيب حلاجة الناس بعضهم لبعض على وجه
هذه األرض ،مث -وهذه أسبق يف االعتبار -ألننا أمة حتمل رسالة إىل العامل،
إىل اإلنسان .والعامل قرية صغرية منذ حني .واإلنسان البد لك من غشيان
السوق لتلتقي به ،وتكلمه ،وتبلغه بنموذجية حضورك يف الدنيا ،ومنوذجية
سلوكك اخللقي ،ومنوذج نظافتك إن اتسخ الناس ،وأمانتك إن خان الناس.
أين كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يلقى الناس يف بداية رسالته؟
يف السوق ،يف أسواق العرب جمنة وذي اجملاز وغريمها يعرتض القبائل يف
جتمعاهتا.
من نافذة المستقبل
منطق السوق القسوة ،واحلساب ،واجلشع ،والربح األناين ،ودوس حقوق
العامل ،واملنافسة ،واإلنتاجية ،واملردودية.
ومنطق الدعوة رمحة ،ورفق ،وعدل ،وهتمم باإلنسان وبكل ذي كبد
رطبة .الدعوة خطاب لإلنسان من جانب معناه ،ومعاده ،وآخرته.
حتدثه عن مصريه بعد املوت وحياته املادية اآلنية ال أمن له عليها،
وال أمل يف حتسينها .ال يسمع! ال تسمح له العاملية التجارية ،والقيمة
السلعية ،والضجيج السوقي ،والضغوط الكبرية.
في االقتصا د
226
خاتمة
كيف يسمع وحضارة اللحظة والسرعة جتري بسفينته التائهة إىل غري
وجهة!
ختاطب إنسانا فقد معناه فهو منجر يف ركاب حضارة جملجلة مصلصلة
ال معىن هلا وال غاية وال مثل أعلى من إنتاج بضائع أكثر إغ راء .استهالك!
إنتاج! بيع! إشهار!
فقد املعىن األمريكي صانع الصواريخ تاجر الكوكاكوال ،بائع اهلمربغر،
حضارته يف احنطاط« .منط احلياة األمريكي» كان حلما ومظه را ينكشف
مع األيام عن جوهر نفعي مادي كئيب .وراء احلضارة املعلبة ال رباقة الوهاجة
حقائق احنطاط اإلنسان ،وخوف اإلنسان يف شوارع اجلرمية ،وبؤس اإلنسان
وختدير اإلنسان.
كل شيء يباع بالدوالر ويقيم :ذمة القاضي ،وصوت الناخب ،ووالء
املوظف ،وإبداع الفنان ،وموعظة الكاهن يف التلفزيون حيتوش كذا وكذا
ألف دوالر يف كل «شو» .والكلمة أمريكية تعرب وحدها عن حقيقة أمريكية.
حضارة وسائل ،وإدارة للتصنيع واإلنتاج ،ودوالب ال رأمسالية اجلاحمة
أحيانا ،ال راكدة ،هلا نطاسيون ينعشوهنا مبعاجلة الفوائد الربوية ،وحقن
األموال ،والنفخ يف البورصة .فينتعش اقتصاد العامل أو يركد.
وفقد العامل املتهالك املنهار عامل الشيوعية معناه يوم استيقظ الروسي،
وقبله البولوين ،وقال :مل أعد شيوعيا! كفر مبثله العليا املعلنة املفلسفة
بعد أن ظهر فشله يف إدارة اقتصاد ،وتطوير صناعة استهالكية ،وحتسني
معيشة .مل ينجح إال يف إهالك طبقة ،وصناعة آلة جهنمية.
في االقتصا د
227
خاتمة
وتتمركن أوربا وترتوس طوعا وكرها ،إىل حني تقوى وتتنمر معتدة
باستثنائها الثقايف ،ونباهة املارك األملاين ،وسيادته يوم يستعري امسا أوربيا،
ويتقنع ليقود اقتصاد أوربا فيناطح الدوالر وحضارة الدوالر.
عامل فقد املعىن ،وإنسان تتأرجح به سفينة هائمة.
وحنن املسلمني محلة رسالة ،ومستودعو أمانة.
كنا نكون كذلك لوال ما حنن فيه من تفتت غثائي ،وضعف بنية،
وسقوط مرتبة يف املوازين اليت تعطي اإلنسان مصداقية ،واجملتمع فاعلية،
حىت يسمع منه القول ،وتلتفت إليه األنظار ،ويعتد ب رأيه ،ويهاب جانبه.
كنا نكون.
لوال.
املستمع إىل كالم اإلسالم الرمسي ،واخلطب الطقوسية ،قد تنفذ إىل أذنه
نغمة حنني ،ورنة حزن ،وبكاء على ماض مضى كان متألقا ،وعلى سنة
ضاعت ،وعلى عزة أهينت .والبكاء املاضوي مكتوم منغوم مغموم ،إىل
أن يدرك اخلطيب صباح يوقظ النوم إىل حقائق العصر واملصر .فيتحول
اخلطاب إىل قصيدة يف مدح «دين االنقياد» كما يسمي ابن خلدون رمحه
اهلل اخلنوع القروين للحاكم بأمره.
أنكون أساتذة العامل ،ومعلمي اإلنسان ،وحاملي رسالة ،ومؤدي أمانة
إذا كانت دعوتنا إىل خنوع وخضوع لغري اهلل ،وكانت مواقفنا منسجمة
راضية مصفقة مع من حاد اهلل ،وكانت داللتنا بالكلمة واملوقف العملي
على غري اهلل!
نداء ماضوي خمنوق مشنوق ،ال تشفع له عند اهلل والناس نربة حزن
وعربة حنني.
في االقتصا د
228
خاتمة
وللنشء الصاحل املستنري بنور الصحوة وصبح الدعوة طموح وزعم أن
يرفع النداء اإلسالمي ليبلغ القاصي والداين .بيد أن قصور اليد ،ومعاناة
االضطهاد ،واختالط الكلمة اليت ال ت زال تبحث عن صواب هلجتها ،ال
تؤهل اخلطاب اإلسالمي ليبلغ عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم البشارة
والنذارة والعلم باآلخرة ،وباملصري إىل اهلل وباجلنة اليت أعدت للمتقني والنار
اليت أعدت للكافرين.
أن نكون أساتذة العامل مطمح عرب عنه سيد قطب رمحه اهلل أبلغ تعبري.
مطمح ال ي زال .والتأهيل لتلك الوظيفة السامية العالية دونه عقبات،
ودون العقبات تفشل اإلرادات ،وترتبص بنا الدوائر عداة .إرهايب كل من
حاد عن مسلك قصائد املدح وخطب التزكية وجمالس اإلشادة .إرهايب من
ال يصفق للتطبيع مع فسقة بين إس رائيل .إرهايب وبدعي وكافر من فرح
للثورة اإلي رانية واهلبة السودانية.
التأهيل حلمل الرسالة وأداء األمانة يريد تربية ،ويريد ص ربا ومصابرة
حىت تنجلي -واهلل تعاىل الضامن -غمة االضطهاد .التأهيل يريد نضجا
حىت يربأ الشباب الطاهر من الظن الظنني أن العنف وتكفري الناس هو
البالغة والطريق املختصر لبلوغ امل رام.
وما امل رام يا صاح؟
احلكم ومشاكله وعويصاته آئل إليك ال حمالة يوما من أيام اهلل .الدولة
جاثية عند قدميك غدا .واالمتحان عسري ،واألعباء ثقيلة تنوء بالعصبة
أويل القوة.
فإن كان مرمى طرفك وم رام مهتك وغاية رغبتك ومبلغ علمك أن تأخذ
في االقتصا د
229
خاتمة
بأزمة احلكم لتفرض على الواقع «احلل اإلسالمي» وكأن احلل اإلسالمي شيء
جاهز ،وبرنامج منجد ،وطريق ممهد .إن كان مبلغ العلم وغاية الطلب
أن تضع مرهم « احلل اإلسالمي» على اجلروح ،وتقلب بكيمياء «احلل
اإلسالمي» العناصر ،وتسحر بإكسري «احلل اإلسالمي» املعدن اخلسيس
فلست هناك .ينقصك العلم مبا هو الواقع .ينقصك العلم مبا هو الع راك
مع معضالت صماء ،وما هو الصدام مع إرادات متعنتة.
تنفض يدك من دنس املوروث ورجس الفساد لتبقى األيدي املتوضئة
طاهرة يف مالئكية تنزهها؟ كال بل هو االقتحام بال هوادة ،واستغ راق
الوقت واجلهد فيما ال يسر من خوض جلج الباطل وعفونات البيئة البشرية.
أريد أن أغري اجملتمع .أريد أن أبين ألميت عاملا ومستقبال .واجيب أن
أجاهد جهاد تبليغ الدعوة للعامل األكرب ،واألقوام من أصفر وأمحر.
أفئن كان عامل قليب خ رابا ،وهوس وساوسي حب را عبابا ،وساحة مزرعيت
يبسا يبابا ،أغري الناس إىل رشاد ،وأبين وأنا رماد!
يف خاصة نفسي إمنا أتأهل حلمل الرسالة وأداء األمانة إن تعهدتين
تربية ،وأصابت قليب يقظة إميان ورمحة وتزكية ،وأنار عقلي علم أتعلمه،
وشحذ عزمييت هم باهلل وباآلخرة أحتمله.
ال يسمع ندائي األهل ،وال ينصت لندائي اإلنسان ،إن كنت أنا مغارة
خاوية ،وخ رابة هاوية .إن كان غري اهلل مهي ،وكانت الدنيا عندي عقيدة
ويف سلوكي اليومي مطلبا ،وعن اآلخرة منتجعا ومهربا ،فكيف يفهم
غريي كلميت إال رجع صدى ملا تتوجس به النفوس اهلائمة على منت السفن
اليت ال وجهة هلا وال معىن!
في االقتصا د
230
خاتمة
إن كان «الص راع السياسي» واحلوار مع األقرباء والبعداء خبز مائديت،
وطعام يومي ،وكوابيس ليلي ،فقد نزلت عن مستوى حامل الرسالة املؤمتن،
وترديت يف مضجع موبوء م رهتن.
إن كان شعاري أن اإلسالم بديل ملذهب ،وأين وسريب بديل حلزب ،وأن
حلي اإلسالمي مفتاح كما تدخل لسان علبة السردين يف مفتاح السردين
فتسحبه فإذا احلوت طعمة جاهزة .إن كان عاملي الباطين مرتاحا ال يؤرقه
هم اهلل ،وال يؤججه الشوق إىل اهلل ،وال يؤنسه حب اهلل ،وال يبكيين اخلوف
من اهلل ،وال تؤنبين التوبة اخلاشعة إشفاقا من يوم لقاء اهلل ،وخجال مما
ضيعت من عمري حتسبا ليوم العرض على اهلل.
مصري هو مرور األمم والقوميات والتكونات التارخيية من بدايات
لنهايات :تضمحل وتتآلف ،تنهزم وتعيد الكرة ،تنسى وتتذكر ،تطغى يف
األرض وتستكرب أو تضعف فتستعبد ،تتقوى أو تتالشى.
مصري هو مرور األمم واألقوام على مسرح التاريخ.
ومصري هو مرور عبور الفرد على مسرح احلياة .أبرزه اهلل عز وجل
إىل الوجود ،وكألته بعنايتها األم ،وغذاه األب ،واحتضنه اجملتمع ،وعلمته
التجارب .مث ميوت .مث ميوت.
العامل الذي فقد املعىن والوجهة أرسى اقتناعه على مسلمة دوابية
كذهبا الفالسفة واحلفارون ومؤرخو األجناس ونباشو القبور والرتسبات
األركيولوجية .وصدق اإلنسان ،إنسان ذلك العامل وبعض أناسي عاملنا
املسلم ،أنه سليل قرود ،وأهنا حياتنا الدنيا منوت وحنىي وما حنن مببعوثني.
صدق أعظم خ رافة يف الوجود ،وابتلعها ،وشهدت بصدقها وصدقيتها
ال رباهني الباهرة املشعة املعشية لألبصار والبصائر من هذه املخرتعات
في االقتصا د
231
خاتمة
العلومية والكشوفات والصنائع واملركبات الفضائية املعدة الستعمار
املريخ بعد أن أوطأت اإلنسان بسيط القمر ،وصورت جبال الزهرة وحلق
زحل.
إن استيقظت أنا من سبات الغفلة ،وسكنين هم اهلل وهم لقائه ،واطمأن
قليب باإلميان ،فتعبئة عاملي املسلم سبيلها وباعثها واعظ املسجد ،ولقاء
املسجد ،وروح املسجد .ال «الثقافة اإلسالمية» جارة الرسن حوارا وجوارا
ومماثلة بعد كما مياثل الضد ضده لطول املعاشرة واملنازعة واملوازاة.
إن وعيت نداء مستقبلي األخروي ،وعملت ملا بعد املوت إميانا يقينا
ومعي كتاب اهلل وسنة رسوله مستعصمني من الزيغ .وإن وعى عاملي
املسلم بوعيي األخروي ما وعد به املؤمنون من استخالف يف األرض ،ومن
أهنا خالفة على منهاج النبوة بعد عهود االحنطاط ،ومن أنه انتصاب من
فسقة بين إس رائيل حىت ينم عنهم مشمئ زا من نذالتهم ورذالتهم وفسادهم
يف األرض الشجر واحلجر.
إن وعيت ووعى عاملي ،إن أطللت على حاضري مع اهلل ،وأطلت األمة
على حاضرها من نافذة املستقبل كما وعد اهلل ورسوله ،وكما وصف اهلل
ورسوله ،فعسى يسمع مين العامل الذي صدق باخل رافة العظمى ،وعسى
يليب اإلنسان الذي أبلعوه الفرية الدهرية القردية نداء يبشره مبعناه ،ويدله
على سبيل الرشاد.
يدخل األوربيون وغريهم من الناس يف دين اهلل برغبة وعن تصديق
وإميان .معظم املهديني لبوا نداء رجال التبليغ ونداء الطرق الصوفية .قليل
جدا منهم من اهتدى يف مسجد اإلسالميني الداعني يف بالدهم إىل «احلل
اإلسالمي».
في االقتصا د
232
خاتمة
ملاذا؟ ملاذا؟
اهتدى املهتدون بتلبيس البدع الطرقية وطقوس الرقص والسماع؟ أم
اختص رجال الدعوة بالفكر الثاقب والعلم اجلم؟
كال! بل يسمع القلوب البائسة النافرة من فلسفة املسلمة الدوابية،
املتقززة املشمئزة من حياة بال معىن ،من حيدثها عن اهلل ،وعن اآلخرة وعن
معىن وجودها ،وعن عبادة رهبا.
وتغطس هذه املعاين عند اخلطاب اإلسالمي السياسي الثقايف يف ماهيات
خارجية ،ومقوالت عن الناس ،والعدو ،والظلم ،وإعداد القوة ،ومناجزة
العدو ،ومقاتلته .كل ذلك ونفس املخاطب ،ومصريه بعد املوت ،وقضيته
مع اهلل ،أحوال مسكوت عنها .رمبا ألن الداعي فرغ من محل نفسه على
االستقامة يف الدين ،أو ظن ذلك ،أو توهم ذلك ،فقاس الناس على نفسه.
رمبا ألن إعداد القوة يف نظر بعض املؤمنني يتوجه على القوة الظاهرة
من فكر ،وثقافة تصد الغزو الثقايف ،وبرنامج يباري بذكاء وكفاءة ب رامج
اآلخرين.
وعلى سالح يدفع عن النفس ويقاتل املعتدين.
لكن قوة اإلميان ،واطمئنان اإليقان ،واملعاملة مع اهلل ،والبكاء على
اهلل ،وقيام الليل ،وصحبة أهل املسجد ،وذكر اهلل الذي به تطمئن القلوب
أحوال وأعمال تنهك أوقاهتا ،وتصد عنها ش راسة العدو ،وجسامة اخلطوب،
وضخامة املسؤوليات التنظيمية ،والسعي اجلاد لضبط املواعد ،ورص
الصفوف.
في االقتصا د
233
خاتمة
اخرتق فسقة اليهود دويالت العرب واملسلمني ،واخرتق هوس العامل،
والفقه البدوي املتحجر احلريف أوقات ناس الدعوة اإلسالمية.
خروق باطنة يف تربييت .وخروق بادية يف أميت.
فإن ذهبت إىل ندي الناس ،وسوق الناس ،وجممعات األقوام أنادي
بإسالم هو يف قليب خرق ومزق فمن يسمع مين .أنادي إىل الصلح مع اهلل
وحبل إمياين خلق .أنادي إىل التوبة إليه وأنا سادر!
يا أهل السوق! هذه أمة مسلمة إسالمية طبقت «احلل اإلسالمي»
فتعالوا يا عطشى إىل الري ،تعالوا إىل االمتالء يا غرثى ،تعالوا إىل الشبع يا
جياع الروح ومفتوين الدنيا.
ما تركتين ضوضاء فكرك ،ومشوشات بثك ،ومهوم نضالك أمسع بأذن
القلب ما تقول.
حدثين عن نفسي ،عن مصريي ،عن معناي ،عن اهلل الذي قالت
الفلسفة الوضعية إنه مات .حدثين عن اآلخرة ودلين كيف أكسب اليقني
هبا وأنا معك! وأنا لك! أخربين مب تطمئن القلوب وتلني من قسوة الكفر
واجلحود .بالذكر؟ وما الذكر؟ أم ينسى قوم اهلل فينسيهم أنفسهم؟
ومن نسي اهلل فأنساه نفسه ال يذكر املصري ألنه ال يذكر اهلل ،ال يذكر
اآلخرة وال يذكر هبا ألن رب اآلخرة ومصري اآلخرة غطى عليهما يف القلب
وعمى عليهما يف اخلطاب غضبية املواجهة .فالعامل زحام واألنام طغام.
وقفت فردا داعيا ووقفت معي الدولة اإلسالمية ،واألمة
اإلسالمية ،واملشروع اإلسالمي ،والربنامج اإلسالمي على نادي
في االقتصا د
234
خاتمة
الدميقراطية يف بالد الدميقراطية أدافع عن اإلسالم ،وأدفع عنه هتمة
اإلرهاب ،و«أحسن صورته» بعد أن سودها املتطبعون املتزلفون
حكام أمس الغابر.
قال أهل الدميق راطية يف بالد الدميق راطية -وكان ال ي زال معهم بعض
ثقة ،شبح ثقة ،بالدميق راطية : -يا لكم أيها الظالميون الرجعيون من
بسطاء متخلفني! ماضيكم استبداد وحكم فردي ،وحاضركم يف هذه
التقلبات اجليولوجية غامض خلط .ختدمون الدميق راطية باللسان وال ندري
ما تعنون بكلمة «شورى» .ما أنتم إال عشائر وماض وموت!
نفر الدميق راطية يف ناديهم .ومل يسمع نداءنا اإلنسان.
وقفت فردا داعيا ووقفت معي الدولة اإلسالمية واملشروع اإلسالمي
على نادي األغنياء يف العامل ندعوهم إىل التفكري يف العدل واإلنصاف
وقسمة الثروة مع سكان العامل البئيس.
فسخر أهل نادي األغنياء ،وقالوا :ما فعلت ثرواتكم القارونية
النفطية؟ لعبتم هبا القمار وبذ رمتوها أنتم العرب يف اللهو والفسق فما
كنتم أتقياء .وال كنتم أذكياء حني هجم بعضكم القومي على بعضكم
العشائري ،فربهنتم على إفالس خطتكم التوحيدية ،وتكبدت عشائركم
اإلفالس املادي واملعنوي حني استغثتم بنا وقدمتم لنا على أطباق هنيئة
حصيلتكم من أموال النفط وفوائضه مثنا حلرب اخلليج.
ومل يسمع اإلنسان ،إذ ال نداء إىل اإلميان تنطق به عشائر نفطية أظلم
بوجودها وجه املسلمني .فقد الداعي الصادق صدقيته ملا ظهر للناس أنه
من جنس وقوم خائنني.
في االقتصا د
235
خاتمة
وقفنا على أصحاب العلوم والصناعة واالخ رتاع نناشدهم رحم احلضارة
البشرية اليت سامهنا يف بنائها ،ورحم العلوم اليت أورثناها الغرب وأسسنا
بعضها.
إن كنت كذلك فما أنا هنالك!
إن كانت األمم والقوميات يهيب هبا إىل النهوض واملمانعة واإلباء
والتضحية نداء األجماد السالفة ،ومداعبات الذاكرة اجلماعية املؤلفة ،فتتعبأ
وتتجند ،وتقوم من كبوة وتتوحد ،فإن اإلسالم كلمة اهلل إىل اإلنسان،
أتقزم وأهون وأنتكس إن قدمتها ،وخطبت هبا ،وكتبت هبا ،وبشرت هبا
على مستوى البدائل البشرية ،واملذاهب السياسية ،وال ربامج االنتخابية،
واالختيارات العملية.
قبل أن أنادي العامل إىل مأدبة اخلري ،قبل أن أصرخ باإلنسان حريصا
عليه رحيما به ،جيب أن أوقظ قومي من سبات ،وأمجعهم من شتات،
وأحييهم من رفات.
أستغفر اهلل! فإمنا يفعل ذلك ويهدي إليه اهلل .وأنا العبد السعيد إن
استعملين املوىل يف مهمة الرسل األصفياء عليهم السالم.
البد من تعبئة األمة.
وقبل أن أحدث نفسي بتعبئة غريي أكون خمتانا لنفسي إن مل أمحلها
على مكاره التوبة ،والعفة ،واخللق احلسن ،واالنضباط بالشريعة.
قبل أن أحدث الناس عن البواعث اإلميانية املعبئة ،أكتبها يف عناوين
املكتوبات ،آخذ خبناق نفسي ألسأهلا منذ مىت مل تفتح املصحف ،ومل ختشع
لتالوة ،ومل تتدبر آية .منذ مىت مل حتضر صالة اجلماعة يف املسجد.
في االقتصا د
236
خاتمة
منذ مىت مل تشمر أذياهلا لرتكع يف جوف الليل ركعات ،وتستغفر يف
األسحار.
إن كانت األمم والقوميات والتكونات البشرية هتبط هبا وتصعد
احلاجات والضروريات وغ رائز البقاء ونداء األجماد واألجداد ،فإن املؤمنني
مجاعة جماهدة ،واملؤمن واملؤمنة أف رادا ،ياتيهم النداء من املستقبل ،يطلون
على حاضرهم اجملتمعي االجتماعي االقتصادي السياسي الوجودي من
نافذة املستقبل.
فسخر من ختلفنا القوم ،وكان من بينهم أدمغة مهاجرة نافرة.
ومل يسمع اإلنسان النداء ،ومل يلب الدعوة .قال :مع قومنا علوم ومعكم
حنني إىل املاضي .وال أدري أتفعلون بكفاءاتكم وأدمغتكم غري ما فعل
سلفكم؟
وقفنا على نادي األقوياء ،فعجبوا من ه زالنا وحنن مليار ويزيد ،وعجبوا
من تشتتنا ومتزقنا وحنن أمة واحدة كما يأمر القرآن .كيف يسمع منا وحنن
غثاء كثرة أمم عزت وبزت بالوحدة والصناعة والعلوم!
ومل يسمع نداءنا اإلنسان ملكان اهل زال يف بنيتنا ،واحتشام الكلمة يف
حلوقنا أمام األقوياء .مل حيمل الداعي الصادق حممل اجلد النتمائه لقوم
عابثني.
وقفنا على نادي أهل االقتصاد فما وجدنا منهم إال كل اهتمام
واهتبال ،ظنوا أننا زبناء جاءوا يبتاعون ويتسوقون ويتسلحون أكداسا
من املدافع وأس رابا من الطائ رات والدبابات السعيدة املآل :يعلوها الصدأ
فيجددها احلكام ليفرح االقتصاديون يف عامل األقوياء بصفقات.
في االقتصا د
237
خاتمة
كان لنا مع نادي العمال ونقابات الشغل يف بالد العامل العامل
النشط حديث .سألونا عن جمتمعنا هل يسري بسرعتني كما يشكون هم
من السري املزدوج .فخجلنا أن نذكر احلال ،وإمنا إنصاف العامل وردم
الفجوات بني األغنياء والفق راء عندنا جمرد مشروع ونية .وسألونا عن
املرأة وبؤس املرأة هل وصلنا إىل تشغيل العاطالت ،وهل قدرنا يف ب راجمنا
ضرورة إعادة ترتيب أوقات عمل املرأة لنحرر هلا من يومها حصة لرتبية
أطفاهلا .كانوا هم قد أوشكوا على ترتيب وقت العامالت األمهات
ليشتغلن حصة تربوية.
سألونا مث سألونا .وأخجلونا ومل يسمع اإلنسان كلمة اهلل.
بؤرة االنحطاط
احنطاط القرون أبلى خرقة نسيج األمة ،وضحالة اإلميان يف قليب أنا
املنادي يف النوادي ال متلك عمقا فال تسمع الغارقني.
اخلروج من بؤرة االحنطاط مهمة أوىل وثانية وثالثة يف حق األمة ويف
واجب دولة القرآن.
وجتديد اإلميان البايل يف الصدور مهمة أوىل وثانية وثالثة يف حق املؤمنني
واملؤمنات .حق يف أنفسهم ،وواجب على أنفسهم ألنفسهم ،مث يسمع اهلل
من يشاء.
للخروج من بؤرة االحنطاط ،البد أن يتوحد اإلسالميون ويتحدوا يف
كل قطر ليكونوا القوة السياسية الكفيلة بإخ راج األمة من وهدة االهن زام
النفسي .مث لتعبئة األمة لتخرج من نفق التخلف .ومنه التخلف االقتصادي.
في االقتصا د
238
خاتمة
كادت ماليزيا خترج من نفق التخلف االقتصادي ،وهو مظهر مهم من
مظاهر االحنطاط والضعف والفقر واملرض .نصف سكاهنا الصينيني سادوا
جماالت املال والصناعة واألعمال وجبذوا نصف السكان من املسلمني إىل
مكانة اقتصادية تسامي كوريا اجلنوبية والعمالقة القزمة سنغافورة.
املسلمون هنالك تبع جمرورون ،مسحوبون يف ركاب رأس املال الذكي،
والتدبري الرشيد ،واملثابرة الصينية .تبع يتدربون .وعسى.
يف أندونيسيا ما يشبه ذلك منذ قضى العسكريون على أذناب الشيوعية
بالوحشية الفتاكة .فتاكة ووحشية ألن الثوار الشيوعيني كانوا يف سباق
من يفتك بصاحبه.
وسادت مع العساكر مذهبية سوكارنو اخلماسية (بانتاسيال) .وهي دين
الييكي فتح األبواب للمنصرين ،وغط حتت كابوس ثقيل حركة املسلمني
املؤمنني.
خلط ،جناح مادي بقيادة من حديد ،وعقيدة شيطان مريد.
فيا أهل اإلميان والدعوة والنداء والنموذجية الرتبوية على مستوى الفرد،
السياسية على مستوى الدولة ،كيف نعاجل االقتصاد املوروث ليكون لنا
به قوام وقوة .قوام جسم وقوة وجود تتقمصها روح اإلميان ومهة اإلحسان
لنكون للعاملني رمحة وهدى؟
هذا ما كنت حاولت الكتابة فيه منذ أكثر من ثنيت عشرة سنة.
أضيف آخر هذه اخلامتة مالحظات وجيزة .ختم اهلل لنا باحلسىن وزيادة،
ولكل من دعا لنا دعوة صاحلة تصلنا هدية معتربة بعد املوت .وختم بذلك
للمؤمنني واملؤمنات واملسلمني واملسلمات.
في االقتصا د
239
خاتمة
المالحظة األولى :إن أعباء التسلح ،وما يرتتب عليها وعلى أمثاهلا من
مديونية تثقل الكاهل ،ينبغي أن نتحرر منها ونطرحها بتصنيع سالحنا.
والتصنيع قوة .وال قوة إال بوحدة املسلمني عربا مث عربا وعجما وال بقاء يف
عامل التكتالت لكيان هزيل.
المالحظة الثانية :هي أن االندماج اإلسالمي ،والتوحد والوحدة على
صيغ تدرجيية حسب اإلمكان ،تريد ختطيا لعقبات الذهنيات والعادات
واألنانيات العرقية اجلهوية اللونية اللغوية مما تغذوه يف النفوس ذاكرة التاريخ،
ومما حييله خط را ساكنا حميقا قلة الرتبية ،وضحالة التعليم ،واالخن راط يف
«الثقافة» العاملية املاجنة اجلاهلية.
فاملطلوب :تربية ،مث تربية ،مث تربية ،وكيف يرتىب اإلميان ،كيف ترتىب
العقول ،كيف تدرب العقول ،كيف تكتسب املهارات؟
المالحظة الثالثة :اإلقالع االقتصادي ،والتنمية الناجحة يف عامل املنافسة
وعملقة الشركات عابرة القارات ،يريدان توظيف الذكاء واجلالدة والصرب،
وتوزيع التضحيات بني رأس املال واليد العاملة .ذلك لكيال ينام رأس املال
على ف راش وثري ويكدح العامل كدحا مهينا ،لكيال يقتطع من األجور
لتسمن حصة رأس املال.
المالحظة الرابعة :هي أن الرشوة ،والظلم ،وفساد الذمم ،وخيانة
القاضي ،وغش املوظف ،وفشو الفاحشة يف الناس ،وظهور املنكر ،إمنا
هي أع راض ملرض واحد هو فساد احلكم يتسلسل عنه شالالت منتنة من
احملسوبية واحملاباة وبيع اخلدمات واحلقوق من األقرب إىل األقرب.
فمع أسبقية الرتبية ،وإفشاء روح املسجد وأخالق املسجد وتعبئة
الواعظ املتقي يف املسجد ،يكون العدل والشورى معقد اآلمال.
في االقتصا د
240
خاتمة
معناه مجلة أن صالح اقتصاد املسلمني أمل خائب إن مل يسبق يف
العمل إقامة حكم إسالمي.
المالحظة الخامسة :إصالح التعليم والرتكيز على ربط اجلامعة
ومعاهد التدريب بالصناعة والبحث العلمي التطبيقي.
المالحظة السادسة :تبين أساليب حديثة يف اإلدارة مما تفتقت عنه
عبقريات األمم ،إذ حنن طالب حكمة :أىن وجدناها فنحن أحق هبا إن
أحسنا التعلم.
إن جلسنا جملس التلميذ أمام املعلمني املاهرين استعدادا أن نصبح
يوما أساتذة العامل .رحم اهلل سيد قطب ورمحنا.
المالحظة السابعة :التعامل مع التقوى العاملة بإنسانية ،وبأخوة
إميانية تكنس عار العجرفة واحليف واالحتقار مبنديل ال رتاحم بني الناس.
هذا يعين تربية ،ومسجد ،وتقوى ،وأخالق ،وفضيلة .يعين قبل كل شيء
العدل.
المالحظة الثامنة :إنشاء مؤسسات تنسيق بني اقتصادات األقطار
املسلمة ليتأتى هلا احلجم فتكون هلا الكلمة املسموعة والوزن الوازن يف
السوق العامل ،يف العامل السوق .وذلك متهيد ضروري بني يدي توحد األمة
املسلمة ،عرهبا وعجمها .وذلك أفق املستقبل.
ومالحظات غريها متت بصلة للمالحظات الرتبوية السياسية األخالقية
اإلنسانية اليت ربطناها ببواعث اإلميان وضوابط الشريعة.
منها ما يتعلق بالبيئة وإفساد ال رأمسالية املتوحشة هلا مثلما تتلف
معايش املستضعفني يف األرض .ومنها ما يتعلق بالسكان وحرص املرتفني
يف األرض املستكربين على حتديد نسل العامل الفقري كي ال ي زاحم قططهم
في االقتصا د
241
خاتمة
وكالهبم يف املطعم واملشرب م زاحم ميشي على رجلني .آخر صرخة عندهم
املاء املعدين للكالب!
ومنها ما يتعلق بضرورة ولوج املسلمني ،بل اقتحامهم معاقل العلوم
احلديثة السائرة باإلنسان يف متاهات مبيدة .مثل اهلندسة الوراثية ننتفع هبا،
ال نغري هبا خلق اهلل عدوانا وظلما على حرمة اإلنسان .ومثل االتصاليات
واملعلوميات حيتكرون بواسطتها املعلومات ليتداولوها بينهم من دون
الناس.
التعاون مع األمم الناهضة اجمللية يف ميادين البحث العلمي مثل
اليابان ،والصني غدا ،أمر حتمي ،وضرورة يصرفنا عنها اليوم كسلنا،
وسوء تدبرينا ،وقلة اهتبالنا باألدمغة النابغة يف عصر األدمغة فيه هي
القيمة االقتصادية العظمى.
إن توطني العلوم ،والتدرب على العمل ،واكتساب اخل ربات ،وتشجيع
العاملني املنتجني مفتاح للتنمية االقتصادية ،بل للتنمية على كل
الواجهات.
أما التوازنات االقتصادية ،واجلهاد الواجب لدحض مذهب الربوية
وتسويد املصرف اإلسالمي التعاوين ،مع ما يلزم ذلك من إدارة االقتصاد
وم راقبته ،ومترينه واحليلة اإلدارية له ،فذلك شأن أهل االختصاص من املؤمنني
واملؤمنات.
أختم كالمي بالصالة على حبيب اهلل صلى اهلل عليه وآله وصحبه ومن
وااله .اللهم صل على سيدنا حممد وعلى آل سيدنا حممد كما صليت على
سيدنا إب راهيم وعلى آل سيدنا إب راهيم .وبارك على سيدنا حممد وعلى آل
في االقتصا د
242
خاتمة
سيدنا حممد كما باركت على سيدنا إب راهيم وعلى آل سيدنا إب راهيم يف
العاملني إنك محد جميد.
وفرغ منه ليلة األربعاء تاسع شعبان سنة 1415واحلمد هلل رب العاملني.
فهرس الكتاب
مقدمة3............................................................
الفصل األول :التخلف7............................................
ما هو التخلف؟9................................................ املخلفون من األعراب13 ........................................... منو التخلف16 .................................................... تعبئة وجهاد19 ................................................... منوذجهم أصل البالء20 ............................................الفصل الثاني :التحرر من التبعية23 .................................
أوربا تزحف على العامل25 ......................................... فشل النموذج االشرتاكي26 ........................................ استقالل اجلهاد والعمل28 ......................................... قطع حبال اجلاهلية30 ............................................. التعامل مع الكفار32 .............................................. عمر بن اخلطاب واالكتفاء الذايت33 ................................ -املسخ الثقايف33 ...................................................
الفصل الثالث :األموال37 ..........................................
وال تؤتوا السفهاء أموالكم39 ....................................... املال هلل42 ........................................................ شروط االنتفاع44 ................................................. لو استقبلت من أمري46 ........................................... موارد الدولة اإلسالمية48 .......................................... الزكاة والصدقة51 ................................................. أخذ العفو55 ..................................................... مصارف املال56 .................................................. وظائف العبد يف ماله57 ...........................................الفصل الرابع :إدارة المال61 .......................................
أموال النفط63 .................................................... ترويض املال ألهدافنا65 ........................................... املصرف اإلسالمي67 .............................................. النقد اإلسالمي69 ................................................الفصل الخامس :االقتصاد71 ......................................
مقدمتان73 ....................................................... املقدمة األوىل :املقاصد والعقبات75 ................................ املقدمة الثانية :حنن يف العامل78 .................................... -عمران األرض82 ..................................................
الفصل السادس :اإلنتاج87 .........................................
عمر يعلم الناس علم الكسب89 ................................... احلث على الكسب91 ............................................. طلب احلالل92 ................................................... هل يكون اقتصادنا اقتصاد سوق؟95 ............................... املبادرة احلرة96 ................................................... التخطيط وعقلنة االقتصاد98 ....................................... أهداف التخطيط100 ..............................................الفصل السابع :التوزيع. .........................................
مراتب احلاجة................................................. االحتكار..................................................... التبذير........................................................ -التكافل.......................................................
103
105
107
108
110
الفصل الثامن :اقتصاد المركزي. .................................
حرية مسؤولة.................................................. اقتصاد قريب رفيق............................................. تضخم السكان............................................... ختطيط ال يشل االقتصاد....................................... -ختطيط مرن...................................................
113
115
116
117
122
126
الفصل التاسع :النطاق اإليماني129 ..................................
ولو أن أهل القرى131 .............................................. ذكر اهلل يف السوق134 ............................................. آداب الـمـكـتـسـب137 ............................................. اللقمة احلالل139 ................................................. ورع الـتـاجـر140 ................................................... الـغـش حرام140 ................................................... إتقان الصنعة142 .................................................. التكسب بنشاط142 ............................................... حماربة الرتف144 ................................................... تسامح وصدقة144 ................................................. معاشرة األغنياء والفقراء147 ......................................... الفقري الصابر150 ..................................................الفصل العاشر :القومة الزراعية153 ...................................
ـ أرقام ناطقة155 ......................................................
ـ استصالح األرض157 ................................................
ـ األرض ملن يزرعها160 ................................................
الفصل الحادي عشر :بأس الحديد163 ..............................
تصنيع خاسر165 .................................................. قام اإلسالم بالقرآن واحلديد166 ..................................... صناعة ثقيلة168 ................................................... التكامل اإلسالمي169 .............................................. تصنيع ذو أهداف171 .............................................. -توطني التكنولوجيا172 ..............................................
الفصل الثاني عشر :العمل175 ......................................
جهاد البناء177 ................................................... القاعد عن الكسب ساقط الشرف180 ............................... حقوق العمال183 .................................................. الـنـقـابـة185 ........................................................الفصل الثالث عشر :العدل187 .....................................
العدل والقسط189 ................................................. كونوا قوامني بالقسط191 ........................................... العدل أساس األمن واالستقرار194 ................................... الظلم مؤذن باخلراب197 ............................................الفصل الرابع عشر :الرخاء199 ......................................
من أصبح آمنا يف سربه 201 ........................................ القومة والشدة202 .................................................. نصيبك من الدنيا ينظم آخرتك205 .................................. مصائب قوم208 .................................................. من شق على املسلمني210 ...........................................خ ـ ـ ــات ـ ـمـ ــة213 .......................................................
© Copyright 2026 Paperzz