تحميل الملف المرفق

‫حقوق الطبع حمفوظة‬
‫الطبعـ ــة األوىل ‪1995‬‬
‫رقم األيداع القانـوين ‪528/95‬‬
‫سحب مطبوعات األفق – الدار البيضاء‬
‫في االقتصاد‬
‫‪3‬‬
‫المقدمة‬
‫مقدمة‬
‫احلمد هلل والصالة والسالم على سيدنا حممد وآله وصحبه ومن وااله‪.‬‬
‫كنت كتبت فصول هذا الكتاب منذ أكثر من ثنيت عشرة سنة‪ ،‬مل‬
‫نستطع نشره ملا عاقت عوائق السلطان‪ .‬أبينا أن ننسلك يف نظام «دين‬
‫االنقياد»‪ ،‬وأن نثلث شهادة أن ال إله إال اهلل رب العباد‪ ،‬وأن حممدا رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم سيدنا والعماد‪.‬‬
‫فرقد املخطوط يف درجه إىل أن رجعت إليه اليوم ألجد أن مضمونه ال‬
‫ي زال يقظا وإن تقادمت بعض اإلحصائيات‪ ،‬وإن أصبح املذهب االش رتاكي‬
‫والعامل الشيوعي الذي شغل عند الكتابة حي زا من االهتمام يف خرب كان‪.‬‬
‫ألهل االختصاص أن يكتبوا عن االقتصاد من جانب األرقام والكم‬
‫والتحوالت واملوازنات‪ ،‬وهم يف سعة ليزعموا أن علم االقتصاد علم‬
‫مضبوط أو يكاد‪ .‬وتتقلب النظريات‪ ،‬وخيضع الكم وختضع األرقام‬
‫لضرورات الوقت‪ ،‬وأجواء املصاحل‪ ،‬ورياح التغري‪ ،‬وكبسات التجارة العاملية‬
‫ونكساهتا‪ .‬ال سيما والظاهرة اليت ميزت العقد األخري من السنني هي‬
‫تسوق العامل وعاملية السوق‪ .‬أصبح العامل وما يضطرب يف العامل حييي‬
‫حياة سوقية ويتحرك حركة طبعها طبع السوق‪ ،‬وحساهبا حساب السوق‪،‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪4‬‬
‫المقدمة‬
‫وبواعثها بواعث السوق‪ ،‬وضوابطها ضوابط السوق‪ .‬إن كانت السوق‬
‫يوما تنضبط بشيء غري حساب املصاحل األنانية‪ ،‬وفرصة يغتنمها األقوى‬
‫األدهى األغىن ليبتز حق األضعف األفقر‪.‬‬
‫ما كانت نييت أن أزاحم أهل االختصاص‪ ،‬وأىن يل!‬
‫إن كتبت عن بواعث اإلميان وضوابط الشرع ‪-‬فيما خيص االقتصاد‪-‬‬
‫فلست مغ رتا أن يتحول السوق عن طبعه يوما‪ ،‬وال أن يصبح أهل السوق‬
‫وقد ختلقوا بأخالق اإليثار والرمحة وإيتاء الفقري واليتيم واملعذب يف األرض‪.‬‬
‫ال ينتظر من عامل السوق‪ ،‬من العامل السوق‪ ،‬أن تزوره خنوة الكرم أو تغشاه‬
‫املروءة أو يتحمله اإلميان وهو تقمصته روح اجلاهلية واقتعد يف سدته‬
‫الدوالر‪.‬‬
‫لكن احلكم اإلسالمي‪ ،‬وهو حقيقة الغد يف حساب السياسة‪ ،‬ووعد‬
‫الوحي‪ ،‬ومطمح األمة‪ ،‬البد أن يسهم املؤمنون يف إنارة طريقه كيال حييد‬
‫اقتصاد الدولة اإلسالمية عن سكة الشريعة‪ ،‬أو تتبطنه الروح اخلبيثة روح‬
‫االستكبار واإلفساد يف األرض‪.‬‬
‫أعود بعد أكثر من ثنيت عشرة سنة ألضيف إىل الفصول ال راقدة خامتة‬
‫تتبصر يف أحوال الدنيا وأهلها بعد األحداث احلافلة اليت راجت وماجت‪.‬‬
‫ولتتأمل ما صنع اهلل يف خلق اهلل من خالل التأمل يف البالء النازل‬
‫بالعباد‪ .‬ولتسأل عن مسلك املؤمنني‪ ،‬وسياسة املؤمنني‪ ،‬وتطلع املؤمنني‪،‬‬
‫وهم غدا حاملون األعباء‪ ،‬وجائلون يف األرجاء‪.‬‬
‫عم يتمخض هذا االهت زاز الزل زايل املتسارع رأي العني؟ أستغفر اهلل! بل‬
‫كيف يستمطر املؤمنون رمحة اهلل ونصر اهلل واملقادير تعصف بالناس؟‬
‫في االقتصاد‬
‫‪5‬‬
‫المقدمة‬
‫على أي مستوى يتدافع املؤمنون يف معمعة السياسة واالقتصاد مع‬
‫قوى االستكبار واإلفساد يف األرض؟‬
‫ما هي رؤية اإلسالميني حلاضر متلبد الغيوم‪ ،‬ومستقبل يتوجس منه‬
‫خيفة أعداء اإلسالم وخصومه‪ ،‬ويستبشر به أهل اإلميان؟‬
‫واهلل غالب على أمره‪ ،‬واحلمد هلل رب العاملني‪.‬‬
‫سال‪ ،‬ليلة االثنني ‪ 7‬شعبان‬
‫ ‬
‫‪1415‬‬
‫الفصل األول‬
‫التخلف‬
‫‪ -‬ما هو التخلف؟‬
‫ املخلفون من األع راب‬‫ منو التخلف‬‫ تعبئة وجهاد‬‫‪ -‬منوذجهم أصل البالء‬
‫في االقتصاد‬
‫‪9‬‬
‫التخلف‬
‫ماهوالتخلف؟‬
‫أنت متخلف بالنسبة ملن تقدمك‪ .‬فالتخلف صفة اعتبارية يتصف هبا‬
‫أحد طريف املقارنة‪ .‬وتطلق الكلمة يف عص رنا على الشعوب والدول غري املصنعة‬
‫إذا قورنت بالدول والشعوب اليت سبقت إىل التصنيع‪ .‬التخلف والتقدم مقياس‬
‫وضعه الغ ربيون‪ ،‬فيعرفون أنفسهم بأهنم املتقدمون ومن سار على شاكلتهم‪،‬‬
‫وكأهنم ركب اإلنسانية املمثلون هلا‪ ،‬ال حضارة إال حضارهتم‪ ،‬وال جناة إال يف‬
‫اقتباس منوذجهم وتقليده‪ ،‬والسري على آثارهم‪.‬‬
‫ومبا أن الدولة املصنعة غنية‪ ،‬فغناها حجة يف مي زان املادية على أن الفقر‬
‫ختلف‪ .‬مبا أهنا سيدة العلوم التج ريبية والتقنية‪ ،‬فالدول اليت ال تتقن ذلك دول‬
‫متخلف ة‪.‬‬
‫مبا أهنا مصنعة تنتج األسلحة والص واريخ‪ ،‬فالدول العزالء متخلفة‪.‬‬
‫مبا أهنا تتمتع باقتصاد منظم‪ ،‬بضائعها رائجة مطل وبة‪ ،‬وأس واق العامل أمامها‬
‫مفتوحة‪ ،‬فالدول اليت ال تنتج وتغرق يف الديون‪ ،‬وتبيع م وادها اخلام بالثمن البخس‪،‬‬
‫وتدفع الثمن الباهظ يف اقتناء حاجاهتا دول متخلفة‪.‬‬
‫مبا أهنا تتمتع بأنظمة سياسية مستقرة‪ ،‬دميوق راطية ل ربالية أو عمالية أو‬
‫اش رتاكية أو شيوعية‪ ،‬فالدول غري املستقرة اليت حتكمها العشائر التقليدية‪ ،‬أو‬
‫االنقالبات العسك رية‪ ،‬أو االستبداد الفردي دول متخلفة‪.‬‬
‫مبا أهنا جتمع أسباب القوة يف كل هذه االعتبارات‪ ،‬فالشعوب الضعيفة من‬
‫هذه اجلوانب السياسية االقتصادية االجتماعية العلمية التقنية الصناعية‬
‫العسكرية شعوب متخلفة‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪10‬‬
‫التخلف‬
‫هذه اعتبارات مادية واقعية ختضع لألرقام‪ ،‬ويربزها احلساب‪ ،‬وحيكم‬
‫بسدادها العقل‪ .‬وال جدال يف أن هذا التقدم املادي التنظيمي العلمي معيار‬
‫صحيح صاحل لقياس الشعوب والدول من حيث قدرهتا على الوجود‪ ،‬وأحقيتها‬
‫يف البقاء يف عامل مبين على التدافع بني اخللق‪ ،‬فال مكان فيه للشعوب اجلاهلة‬
‫املريضة الفقرية الضعيفة املفككة‪.‬‬
‫املعيار املادي هذا صاحل ملعرفة األمم املؤهلة لقيادة العامل من األمم املؤهلة‬
‫لتبقى مهينة مغل وبة‪ ،‬صاحل لتمييز األمم احلية من األمم امليتة كما مييز الطبيب‬
‫اجلسم السليم من اجلثة اهلامدة بقياس متاسك اهليكل العظمي‪ ،‬وشدة العضالت‪،‬‬
‫وات زان األعصاب‪ ،‬وحيوية املخ‪ ،‬وسالمة القلب‪ ،‬ونشاط الدورة الدموية‪ ،‬وانتظام‬
‫وظائف األعضاء الداخلية والظاهرة‪ ،‬وتناسق الكل وكفاءته‪.‬‬
‫هذا املعيار املادي ال بديل له ملقارنة جسمنا وجسمهم‪ ،‬حسنا وحسهم‪،‬‬
‫عُ ددنا وعُ ددهم‪ ،‬أموالنا وأمواهلم‪ ،‬مدارسنا ومدارسهم‪ ،‬نظامنا ونظامهم‪،‬‬
‫علومنا الكونية وعلومهم‪ ،‬مهارتنا ومهارهتم‪ ،‬منتوجاتنا ومنتوجاهتم‪،‬‬
‫اقتصادنا واقتصادهم‪ ،‬أرقامنا وأرقامهم‪ .‬كل ما هو مشرتك بني كافة البشر‬
‫من هذه املقومات املادية ال ميكن أن يقاس إال هبذا املعيار املشرتك‪.‬‬
‫الدول املفتون ةَ‪ ،‬متخلفون جدا‬
‫فنحن‬
‫الشعوب املسلم ةَ‪ ،‬األمة املسلمة‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫على هذا السلم‪ .‬ومن البؤس التارخيي أن ال نعرتف ألنفسنا بذلك‪ ،‬وأن ال‬
‫نصرخ به ملء حناج رنا‪ ،‬وأن ُن ِّوه على أنفسنا باملسليات القومية اليت تغين‬
‫األجماد املاضية احلقيقية‪ ،‬أو األوهام احلاضرة لتنسي واقعنا املتخلف‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪11‬‬
‫التخلف‬
‫نعم سيدي أعزك اهلل!‬
‫ويصبح املعيار املادي للتقدم والتخلف آلة تضليل إن زعم ال زاعم‬
‫استعماله لقياس ما ال يقع حتت عنوانه‪ ،‬وال يستقيم بربهانه‪.‬‬
‫إمنا أتينا من تضليل الدعاية اجلاهلية اليت حتصر التقدم‪ ،‬كل التقدم‪،‬‬
‫يف املظاهر املادية التنظيمية االخ رتاعية‪ .‬أقصد بالدعاية الغزو احلضاري‬
‫الشامل مبا فيه من الغزو العسكري واالستعماري الفعلي واملسخ الثقايف‪.‬‬
‫مبعيار واحد تقاس كل املقومات‪ :‬الشخصية اجلاهلية شخصية متقدمة‬
‫رغم كفرها وأنانيتها وقسوهتا واحتقارها لإلنسانية‪ .‬الشخصية اإلسالمية‬
‫متخلفة رغم أهنا‪ ،‬بل بسبب أهنا‪ ،‬تنبين على اإلميان باهلل ورسوله وغيبه‪،‬‬
‫ورغم أهنا‪ ،‬بل بسبب أهنا‪ ،‬ترتكز على األخالق الفاضلة واألخوة اإلنسانية‪.‬‬
‫مبعيار واحد يقال للدين والفضيلة واألخوة ختلف‪ ،‬ولكل ما يناقض ذلك‬
‫تقدم‪.‬‬
‫مجع التعريف حتت كلمة «ختلف» كل نواحي وجود اإلنسان املغلوب‬
‫حضاريا‪ :‬منطه يف التفكري مع قلة خربته العلمية‪ ،‬عقيدته مع عدم جدواه‬
‫يف االقتصاد‪ ،‬أخالقه مع اهن زامه أمام االستعمار‪ .‬وبكلمة «تقدم» ترتبط‬
‫معاين النفعية الفردية األنانية باخلربة الصانعة‪ ،‬ومعاين الكفر باهلل باالزدهار‬
‫االقتصادي‪ ،‬وش راسة االستعمار بالقوة‪ .‬يؤخذ ذلك كله فتكون متقدما‪،‬‬
‫أو يرتك كله فذلك التخلف‪.‬‬
‫ال يكون النظام السياسي مستق را إال بعلمانية‪ ،‬وال االقتصاد ناجحا‬
‫إال مب راباة واحتكار‪ ،‬وال اجملتمع راقيا إال إن سادته قيم النموذج الغريب‬
‫الل ربايل واالش رتاكي‪.‬‬
‫يصور معيار التخلف والتقدم التطور التارخيي الذي أدى باألمم‬
‫األوربية إىل أن تتعلم الفنون‪ ،‬وجتمع رأس املال‪ ،‬وتتصنع‪ ،‬وتستقر على‬
‫في االقتصاد‬
‫‪12‬‬
‫التخلف‬
‫النظام الدميق راطي ال رأمسايل‪ ،‬مث الطبقي االش رتاكي‪ ،‬على أنه التطور احلتمي‬
‫املرغوب فيه‪ ،‬ويصور مستقبل اإلنسانية على صورة ماضي أوروبا‪ ،‬ويزعم‬
‫أن منوذج ذلك التطور عاملي علمي ال بديل له‪ ،‬فكل أمة تسعى لتتعلم‬
‫الفنون البد هلا من تبين عقالنية تؤله العقل وتكفر مبا عداه‪.‬‬
‫وكل أمة تريد أن جتمع رأس املال ال حميد هلا عن تكييف قوانينها مبا‬
‫يناسب حرية امللكية الفردية الل ربالية أو امللكية اجلماعية االش رتاكية‪ .‬وكل‬
‫أمة تريد أن تتصنع ال بدهلا من أدوات إنتاج وقوى إنتاج وعالقات إنتاج‬
‫على غ رار ما سبقت إليه أوربا ال رائدة‪ .‬وكل جمتمع يريد أن يرقى يف سلم‬
‫احلضارة ويتقدم يف حلبة املباراة البد أن يقتبس من احلضارة األستاذة نظام‬
‫احلكم والسلوك والعادات والرتبية والفنون‪ ،‬والكفر باهلل وباليوم اآلخر أول‬
‫شيء‪.‬‬
‫ال ينفصل بعض ذلك عن بعض‪.‬‬
‫ال تسأل عن الغاية من هذه املسرية التارخيية والتطور احلتمي على درب‬
‫التنمية االقتصادية‪ ،‬والتقدم الصناعي‪ ،‬واالبتكار العلمي‪ .‬فإن السؤال عن‬
‫الغاية‪ ،‬وعن أس رار الوجود من عالمات التخلف والرجعية اليت تنم عن‬
‫عقلية غري صاحلة جملاراة العصر واللحاق بالركب احلضاري‪.‬‬
‫ركب إىل أين؟ تقدم حنو أية هاوية؟‬
‫على حافة حرب نووية تدمر العامل يقف الركب اإلنساين‪ ،‬املستكربون‬
‫والضعفاء‪ ،‬األغنياء والفق راء‪ ،‬الدول املصنعة وغري املصنعة‪ ،‬الشعوب املتطورة‬
‫والبدائية‪ ،‬مستفهما عن مصري اإلنسان‪ .‬يقف الركب اإلنساين متسائال أين‬
‫املفر؟ عقالء اإلنسانية يقفون ويستفهمون ويتساءلون‪ .‬أما احلركة الدائبة‪،‬‬
‫يد اهلل اليت تدفع الكل إىل قدر يعلمه سبحانه‪ ،‬فإهنا ال تقف‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪13‬‬
‫التخلف‬
‫وال يليق بأمة اإلسالم ودولة القرآن أن تعاين التخلف مرضا يف جسمها‪،‬‬
‫وال أن تبحث عن التقدم الوارد من غريها‪ ،‬معاناة العاجز وحبث البليد‪ .‬بل‬
‫يليق هبا أهنا تقيس هي وال تقاس‪ ،‬وأن تبسط على نفسها وعلى العاملني‬
‫معايري احلق والباطل‪ ،‬معايري اإلميان والكفر‪ ،‬لتضع عناصر التقدم والتخلف‬
‫مواضعها الشرعية‪ ،‬وحتكم من خالل الشرع على كل شائنة خسيسة فينا‬
‫ويف غرينا أهنا باطل جيب أن ي زال‪ ،‬وعلى كل مزية فينا ويف العامل أهنا حق‬
‫جيب أن يثبت‪.‬‬
‫المخلفون من األعراب‬
‫إن هذه الكلمات اجلديدة السارية يف لسان العصر‪ ،‬املرتمجة إىل العربية‪،‬‬
‫مثل تقدم‪ ،‬ختلف‪ ،‬حضارة‪ ،‬اقتصاد‪ ،‬حرية اخل‪ ،‬ألفاظ مشحونة بتيار جذاب‪.‬‬
‫إهنا تتجلى للفكر مبجلى األشياء واملعاين اإلجيابية‪ .‬وال يزيدها الغموض‬
‫الذي يصحبها عندما تستعمل يف اجلدل والنقد واملطالبة إال قدرة على‬
‫اإلغ راء‪.‬‬
‫وإن من آكد ما جيب على املفكر املسلم أن يتميز بألفاظه يف هذا‬
‫اجملال الفكري املشرتك‪ ،‬يف سوق اخلطاب السياسي احلضاري الفكري الذي‬
‫يعج هبذه املصطلحات املستحدثة اليت جتر من ورائها تاريخ بالد نشأهتا‪،‬‬
‫ونكهة تلك األرض ولوهنا وروحها‪.‬‬
‫كنا تركنا حتديد مفاهيم األلفاظ اليت نستعملها ليميزها السياق‬
‫وتؤدي الوظيفة الفكرية اليت خنتارها هلا حنن‪ .‬ولن يتسع لنا املكان هنا‬
‫لنرجع إىل كل لفظة نتعقبها‪ ،‬وحنلفها أن تبقى يف احلياد إن مل تشهد شهادة‬
‫اإلسالم‪ .‬نرتك السياق واملقاصد العامة من كتابتنا حتدد هلا صالحياهتا اليت‬
‫نعطيها‪ .‬لكن هذه الكلمة «التخلف» اليت متثل مفتاح الفهم ملوقعنا من‬
‫في االقتصاد‬
‫‪14‬‬
‫التخلف‬
‫اإلع راب‪ ،‬ومتثل اسم املرض الكلي الذي أصاب جسمنا فهددت إصابته‬
‫كياننا حتتاج أن نزيدها توضيحا‪ ،‬وأن نستفسر عن مفهومها الفكري وعن‬
‫مدلوهلا العملي‪.‬‬
‫كلمات التقدم‪ ،‬والتنمية‪ ،‬واحلضارة‪ ،‬والثقافة‪ ،‬واالقتصاد‪ ،‬واحلرية‬
‫اخل تشكل أشباحا متألقة باألمل يف خميالت املستضعفني واملغلوبني‬
‫واملقهورين‪ .‬تشكل ماهيات قائمة بذاهتا مستقلة بوجودها يف خطابات‬
‫اجلدل السياسي واملطالبة‪ .‬تسيطر على الفكر املعاصر سيطرة هذا الفكر‬
‫على واقع العامل‪ .‬تسري يف ظل بنود اإلجنازات املادية والقيم املواكبة هلا عند‬
‫املنجزين املسيطرين الغ زاة‪ .‬ومن جييء يتكلم بقال اهلل وقال رسول اهلل يبدو‬
‫للناس غريبا رجعيا‪ ...‬يبدو متخلفا‪.‬‬
‫أين صنعت تلك الدبابات اليت جتوس خالل الديار؟ يف بالد احلرية‪،‬‬
‫والتقدم‪ ،‬واحلضارة‪ ،‬والدميوق راطية واالش رتاكية! هذا هو اجلواب‪ ،‬وذلك هو‬
‫السؤال!‬
‫من ميلك املصاريف العاملية واألموال‪ ،‬ومن يتحكم يف بضائع الدنيا‬
‫وأسواقها وأمثاهنا؟ بالد احلرية واالش رتاكية والتقدم واحلضارة!‬
‫من يسري سياسة العامل‪ ،‬وينصب الدول ويعزهلا‪ ،‬ويوجه ق رارات احلرب‬
‫والسلم‪ ،‬واختيارات الزمان واملكان واألحداث؟ بالد التقدم واحلرية‬
‫واالش رتاكية واحلضارة!‬
‫إمنا يسمع الناس كلمة املنتج الصانع العامل الغين القوي‪ .‬وألم غريه‬
‫اهلبل!‬
‫بعبارة أوضح‪ :‬لن تكون للكلمات القرآنية‪ ،‬واملفاهيم اإلسالمية‪،‬‬
‫واملدلوالت اليت تشري إليها قيمة يف معايري العصر املادية إن مل يكن‬
‫في االقتصاد‬
‫‪15‬‬
‫التخلف‬
‫االقتصاد القوي‪ ،‬والصناعة ذات البأس‪ ،‬والوجود السياسي املوحد لألمة‪،‬‬
‫من وراء الكلمات واملفاهيم واملدلوالت‪.‬‬
‫وبعبارة أوضح‪ ،‬يقول الصديق رضي اهلل عنه‪« :‬ما ترك قوم اجلهاد إال‬
‫ضرهبم اهلل بالذل»‪ .‬وإن مقومات اجلهاد املادية‪ ،‬اليت تدل كلمة «ختلف»‬
‫عن غياهبا‪ ،‬مطالب ملحة ضرورية واجبة وجوب اجلهاد نفسه‪ ،‬فما ال يتم‬
‫الواجب إال به فهو واجب‪.‬‬
‫يف انتظار أن ختفق بنود العز اإلسالمي على هامة الزمان‪ ،‬نتخذ أسباب‬
‫القوة ابتداء من تأصيل املفاهيم اإلسالمية يف معينها‪ :‬الوحي‪ .‬وينبغي أن‬
‫يكون واضحا لدينا‪ ،‬مستق را يف أذهاننا أن شأننا املصريي مرتبط بتمسكنا‬
‫متسكا كليا مبا هو احلق واهلدى واخلري واملعروف‪ .‬فإذا كان شأننا الفكري‬
‫شتيتا ملفقا أعمى‪ ،‬جنري هنا وراء «تقدم» ومن هناك نقتبس تكنولوجيا‪،‬‬
‫ومن مث نستورد نظاما على غري منهاج جامع‪ ،‬وانقطاعا عن أصلنا ومناط‬
‫هدانا وعزنا‪ ،‬فلن يكون شأننا املصريي إال شأن األدعياء اهلجناء ال زمناء‪.‬‬
‫تتجاور يف معجم األلفاظ القرآنية كلمة «االستخالف» يف األرض‬
‫الذي وعد اهلل به عباده املؤمنني وكلمة « التخلف» اليت تصف اجلبناء‬
‫القاعدين عن اجلهاد البخالء بأمواهلم وأنفسهم عنه‪ .‬يف سورة التوبة وسورة‬
‫الفتح ذكر املتخلفني من األع راب‪ ،‬يتجلى من آياهتما البينات أن األع رابية‬
‫املتخلفة عن اجلهاد تقرتن بأخالق النفاق‪ ،‬والرتبص‪ ،‬والشك يف نصر‬
‫اهلل ووعده‪ ،‬والبخل يف النفقة‪ ،‬وإيثار ال راحة‪ ،‬واالشتغال باللذات واألهل‬
‫والولد عن األمر العام‪ ،‬واخلوف من العدو ذي البأس الشديد‪ ،‬والتويل عن‬
‫اهلل ورسوله وطاعة غريمها‪ ،‬والتلهف على الغنيمة الباردة‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪16‬‬
‫التخلف‬
‫قال اهلل عز وجل يف حق املخلفني املنافقني األنانيني اجلبناء البخالء‬
‫العاجزين‪« :‬رضوا بأن يكونوا مع اخلوالف‪ ،‬وطبع اهلل على قلوهبم فهم ال‬
‫يعلمون»‪.‬‬
‫َّ ِ‬
‫ين‬
‫وقال عز من قائل يف حق املوعودين بوراثة األرض َ‬
‫{و َع َد ال لَّ هُ ال ذ َ‬
‫ِ‬
‫الص الِ ح ِ‬
‫ِ‬
‫ات لَ يَ ْس تَ ْخ لِ َف ن ـَّ ُه م فِ ي ْالَ ْر ِ‬
‫ف‬
‫اس تَ ْخ لَ َ‬
‫ض َك َم ا ْ‬
‫آم نُ وا م ن ُك ْم َو َع م لُ وا َّ َ‬
‫َ‬
‫َّ ِ‬
‫ض ى لَ ُه ْم َولَ يُ بَ ِّدلَ ن ـَّ ُه م‬
‫ين ِم ن قـَ ْب لِ ِه ْم َولَ يُ َم ِّك نَ َّن لَ ُه ْم ِدينـَ ُه ُم الَّ ِذي ْارتَ َ‬
‫ال ذ َ‬
‫ِّم ن بـَ ْع ِد َخ ْوفِ ِه ْم أ َْم ن اً يـَ ْع بُ ُد ونَنِ ي َل يُ ْش ِر ُك و َن بِ ي َش ْي ئ اً}‪.‬‬
‫فكل صفة وعمل وخلق وفكر وموقف يلحقنا باخلوالف املطبوع على‬
‫قلوهبم باطل‪.‬‬
‫وكل إميان وصفة وعمل صاحل وخلق وفكر وموقف وحركة تؤهلنا‬
‫لالستخالف يف األرض حق‪.‬‬
‫هبذا املعيار نقيس‪ ،‬وإليه نرد‪ ،‬وعنه نصدر‪ .‬وبه يكون للتخلف معىن‬
‫زائد على كونه سعيا ضعيفا يف األرض‪ ،‬وللتقدم معىن زائد على كم‬
‫اإلنتاج ووفرة العلوم والصناعة وإحكام النظام السياسي‪ .‬باملعيار القرآين‬
‫اإلمياين يكون للتخلف والتقدم مغزى مساوي يعلق احلكم على مبدئهما‪،‬‬
‫ومعادمها‪ ،‬وكلياهتما‪ ،‬وجزئياهتما‪ ،‬بصالحياهتما الغائية‪.‬‬
‫نمو التخلف‬
‫هناك فجوة هائلة بني الدول املصنعة الغنية املتعلمة الغالبة وبني الدول‬
‫الفقرية اجلاهلة املغلوبة‪ .‬وأسباب السباق ووسائله غري متكافئة بني دول‬
‫يطري هبا البحث العلمي والقدرة على حتقيق نتائجه واقعا متحركا وبني‬
‫أخرى ال متلك إال رصيدا يزداد إحلاحا من التطلعات اخلائبة واملطالبات‬
‫العاجزة‪ ،‬فهي تزحف على األرض واهنة‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪17‬‬
‫التخلف‬
‫وتزداد الفجوة انفتاحا واهلوة عمقا بني الفريق املهيمن والفريق املغلوب‬
‫مع األيام‪ .‬وهذا ما يسمى بلسان العصر «منو التخلف»‪ .‬من مصلحة‬
‫الفريق املصنع الغين القوي أن يبقى الفريق املتخلف يف إطار ختلفه لكيال‬
‫يفلت من اهليمنة اليت جتعل منه سوقا للبضائع االستهالكية‪ ،‬وزبونا لش راء‬
‫األسلحة املرحبة صفقاهتا‪ ،‬املدمرة قذائفها لألخضر واليابس‪ .‬فتحتاج الدول‬
‫املتخلفة املتناحرة فيما بينها بالوكالة عن أط راف اهليمنة العاملية إىل إعادة‬
‫بناء ما هتدم‪ ،‬فتعود إىل حاميها ومسلحها تشرتي منه وسائل إعادة بناء‬
‫ما هدمته القذائف‪.‬‬
‫هناك إىل جانب مصلحة الدول املتطورة عامل داخلي يف دول التخلف‪،‬‬
‫وهو قابليتها للبقاء يف ختلفها‪ ،‬وعجزها عن التحرر من أسباب االستبداد‪،‬‬
‫واالضط راب‪ ،‬والظلم االجتماعي‪ ،‬والبالدة الفكرية‪ ،‬والسلبية يف ميادين‬
‫العلوم‪ ،‬والتنظيم‪ ،‬واإلنتاج‪ ،‬واحلكم‪ ،‬واإلدارة‪.‬‬
‫ينبغي أن تكون نظرة دولة اإلسالم إىل التخلف والنمو وأسباهبما‬
‫نظرة متكاملة‪ ،‬فال تشغلنا م راقبة اهليمنة االستكبارية اخلارجية‪ ،‬وعدم‬
‫تكافئنا معهم يف ميادين املساومة‪ ،‬عن م راقبة آليات التخلف الداخلية‬
‫يف جمتمعنا‪ ،‬الكامنة يف نفوسنا وعقولنا‪ ،‬الظاهرة يف مواقفنا واختياراتنا‪.‬‬
‫ال يشغلنا عتو رأس املال العاملي‪ ،‬وعدوان الشركات املتعددة اجلنسية‪،‬‬
‫وإخسار مساسرة ال رأمسالية ومفاوضو الدول «الصديقة» االش رتاكية ملي زاننا‬
‫عند البيع والش راء‪ ،‬والعقد السياسي واالقتصادي‪ ،‬و«التعاون» التقين‬
‫والعسكري‪ ،‬عن استفحال الداء الباطين فإنا إن نشتغل بالص راخ على‬
‫اللص والشكوى منه لن تنتهي آالمنا‪ .‬إمنا تنتهي إن حصنا املكان وقمنا‬
‫عليه ح راسا أشداء‪.‬‬
‫إن لنمو التخلف آليات داخلية ال يفيد يف تغيريها الصياح على‬
‫املتلصص‪ ،‬وال مساملته‪ ،‬وال حماربته‪ ،‬وال إصدار قوانني يف الداخل تأمر‬
‫هبذا وتعاقب على ذلك‪ .‬إمنا يفيد تغري شامل يف موقفنا‪ ،‬قومة عامة هبا‬
‫في االقتصاد‬
‫‪18‬‬
‫التخلف‬
‫نستعيد زمام أمرنا‪ ،‬ونوجه مصرينا االقتصادي والعسكري والتارخيي وفق‬
‫إرادة مستقلة‪ ،‬واعية‪ ،‬منظمة‪ ،‬يساندها الشعب‪ ،‬ويليب نداءها‪.‬‬
‫سكن االستعمار بني ظه رانينا عاديا علينا خبيله ورجله‪ ،‬ومجيع أسلحته‪،‬‬
‫حىت وطد بيننا للعش الذي فيه ولد ونشأ وترعرع التخلف‪ .‬فلما انسحب‬
‫جبسمه خلف فينا آليات سلبية استمرت يف االشتغال من بعده‪ ،‬مكتفيا‬
‫بإشارات من بعيد‪ ،‬أو تدخالت مباشرة إن اقتضى احلال‪ ،‬أو بقلب أنظمة‬
‫احلكم اليت ال حتتفظ على تلك اآلليات وعلى مقصدها‪ .‬فلكي تقف‬
‫عجلة التخلف اليت تسحبنا إىل وراء وإىل حتت البد من إفساد خطة صانع‬
‫التخلف اخلارجي من وجهني‪ :‬وجه االنقطاع عنه والتحرر منه‪ ،‬ووجه‬
‫إعادة بناء آليات اجتماعية‪ ،‬سياسية‪ ،‬فكرية‪ ،‬تنظيمية نفسية‪ ،‬ال تعايش‬
‫للتخلف معها‪.‬‬
‫ليس التقدم الصناعي‪ ،‬وال الرخاء االقتصادي‪ ،‬وال الكفاءة الفكرية‪،‬‬
‫وال االستق رار السياسي ماهيات قائمة بذاهتا‪ ،‬وأشياء تبتاع وتلصق بواقع‬
‫متخلف أو تلبسه كما يلبس الثوب‪ .‬فمن احلكام على املسلمني من‬
‫يستورد اخل رباء واملصانع اجلاهزة واملديرين األكفاء يزرعهم يف البالد‪ ،‬وينفق‬
‫كل مدخ رات املسلمني يف الصفقات اهلائلة اليت تتحلب هلا أفواه الشركات‬
‫الكربى واحلكومات الغربية‪ .‬بذلك االست رياد وهذا اإلنفاق تنزرع يف بالدنا‬
‫م راكز المتصاص ما عندنا من أموال وتصديرها للخارج‪ .‬تلك األموال‬
‫أصبحت لفساد وجوه إنفاقها سببا آخر لزيادة ختلفنا‪ ،‬إذ فاتنا أن نركز‬
‫هبا جهدنا على حتويل اإلنسان‪ ،‬وتعويده االعتماد على الذات‪ ،‬وجتنيده‬
‫إلصالح الزراعة‪ ،‬وتأسيس صناعة على مستوانا‪.‬‬
‫يدفع املعتوهون أموال األمة لشراء الصناعة والتقدم ممن يريدون لنا أن نبقى أبد‬
‫الدهر بقرة حلوبا هلم‪ .‬وتتكدس املصانع اجلاهزة يف ديارنا‪ .‬يظن بعضنا أهنا قواعد‬
‫لنهضتنا‪ ،‬وما هي إال معاقل للعدو‪ ،‬من قنواهتا يستعيد باليد اليسرى‪ ،‬يد التاجر‬
‫احلاذق‪ ،‬ما فاته انتهابة باليد األخرى يد االستعمار املباشر أو الوسيط‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪19‬‬
‫التخلف‬
‫عجالت التخلف وآلياته اليت تنتج مزيدا من التخلف تسمى‬
‫يف اخلطاب االحتفايل الرمسي‪ :‬عقلنة اجملتمع‪ ،‬وعصرنة العالقات‬
‫اإلنتاجية‪ ،‬واقتباس التكنولوجيا‪ ،‬والتصنيع‪ ،‬واإلصالح الزراعي‪،‬‬
‫والتعاون الدويل‪ ،‬والقروض العاملية‪ ،‬واخلرباء التقنيون‪ ،‬وتراكم رأس‬
‫املال‪ ،‬والنظام االقتصادي العاملي اجلديد‪ ،‬والرأمسالية‪ ،‬واالشرتاكية‬
‫إىل آخر قاموس االقتصاد‪ .‬ويساهم املفرجنون من أبنائنا يف صياغة‬
‫نظريات النمو بنفس العقلية اليت يفكر هبا الرأمساليون واالشرتاكيون‪،‬‬
‫كل حسب انتمائه املذهيب‪ .‬يصوغون نظريات خرجت من نفس‬
‫البوتقة الفكرية اليت متخضت عن آليات التخلف‪ ،‬يزينوهنا بإضافات‬
‫«اخلصوصيات» القومية و«األصالة» احمللية‪ .‬لكن البضاعة هي نفس‬
‫البضاعة‪ ،‬يتعرف عليها أهل ذلك احلي فيصفقون لعباقرتنا يف تقليد‬
‫األسياد‪.‬‬
‫ماذا تعين عقلنة اجملتمع وعصرنة اإلنتاج والعالقات وسائر ذلك‬
‫املس َر ِد؟ إهنا إن تكن إرادة منا‪ ،‬وقيادة منا‪ ،‬وعقال مستنريا بنور اإلميان‪،‬‬
‫ْ‬
‫يتغري مفهومنا للعقلنة وباقي ألفاظ املسرد‪ .‬أما إن جاءنا ذلك النظر‬
‫من خارج نفوسنا وعقولنا وأصولنا‪ ،‬حائدا عن غاية أمتنا وأهدافها‬
‫احلالية واملستقبلة‪ ،‬جاهال آالمها املاضية واملستوطنة‪ ،‬فكل ما يفرغه‬
‫علينا إمنا هو ختطيط غريب عنا‪ ،‬مرتبط بشركات الدراسات‪ ،‬وأبناك‬
‫التمويل‪ ،‬ومصاحل االحتكارات االستعمارية‪.‬‬
‫تعبئة وجهاد‬
‫مبنظار اإلميان يتجلى لنا أن القومة االقتصادية جزء ال يتجزأ من اجلهاد‬
‫الكلي‪ ،‬وركيزة من ركائزه‪ .‬وأن احلاجة إىل منهاج إسالمي للخروج من‬
‫ربقة التخلف ال تنفصل عن احلاجة إىل تطبيق املنهاج اإلسالمي للقومة يف‬
‫مشوليته‪ .‬وأن حماربة التخلف واالنتصار يف معارك التنمية واالقتصاد قضيتان‬
‫أساسيتان للدعوة والدولة‪ .‬قضيتا جهاد يقتضي أن تندمج الطليعة يف‬
‫في االقتصاد‬
‫‪20‬‬
‫التخلف‬
‫األمة‪ ،‬وتتحرك األمة بكاملها‪ ،‬كل يف خندق رصده للعدو‪ ،‬أو ورش بنائه‬
‫للمستقبل‪ .‬وإن حترك األمة يف هذا االجتاه باستقالل إرادة‪ ،‬ووضوح رؤية‪،‬‬
‫ومضاء عزمية‪ ،‬هلو الربهان القطعي على أن األمة بدأت زحفها اجلهادي‬
‫للخروج من ورطة املهانة واهلزمية‪ ،‬والفقر واجلهل واملرض‪ ،‬بقوة من ذاهتا‪،‬‬
‫ومبواهب من نفسها وجهدها‪.‬‬
‫يف مقود القافلة اإلسالمية الغادية حبول اهلل يف طريق القوة والكفاية‬
‫والعزة‪ ،‬لن جتد متفرجنني مندجمني مع العدو فك را وعادة وعقيدة‪ .‬لن جتد‬
‫صداقات وبطانات مع العدو‪ .‬لن جتد «املسؤول» النظيف املظهر‪ ،‬الكئيب‬
‫املخرب‪ ،‬الذي يعيش على مواعد املؤمت رات االستع راضية‪ ،‬واملآدب اليت تباع‬
‫فيها املعلومات عن فرص البلد وإمكانياته ملن يؤدي العمولة‪ .‬لن جتد‬
‫زبناء اهللتون امل راقص واملفاسق‪ ،‬وال رواد الندوات الوثيقة الصلة باملاسونية‬
‫والصهيونية وال رأمسالية واملخاب رات‪ .‬إمنا جتد جند اهلل املعبأ خلدمة قضية‬
‫أمته املادية االقتصادية‪ ،‬يعتربها عبادة جمزية عند اهلل‪ .‬جند ملتحم مع األمة‪،‬‬
‫متفاعل مع مهومها‪ ،‬مشارك ملعاشها آماال وآالما‪.‬‬
‫ما نسبك اإلمياين يا من تريد إخ راج شعبك من التخلف؟ إذا كنت‬
‫تنتسب فكريا وعاطفيا وعقيدة وعادة لغرينا‪ ،‬فأىن لك أن حتوز ثقة األمة‪،‬‬
‫فباألحرى أن حتركها حبركتك!‬
‫نموذجهم أصل البالء‬
‫إن البالد املتخلفة ال خترج من طوق التخلف مهما ملكت من مواد‬
‫خام‪ ،‬ومن أموال كسبتها من تصدير موادها‪ ،‬ومن يد عاملة‪ .‬ال خترج من‬
‫التخلف إن مل يتغري موقف الناس وذهنيتهم ومل يشاركوا يف صنع مصريهم‪.‬‬
‫وكل مظاهر النمو املستوردة إىل شعب مل ينهض لصنع مستقبله إمنا هي‬
‫زينة زائفة‪ ،‬ورموز عن التخلف املزمن كاشفة‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪21‬‬
‫التخلف‬
‫حتتاج دولة القرآن النموذج يف التنمية‪ ،‬واإلس رتاتيجية لقيادة معارك‬
‫التنمية‪ ،‬نابعني من تركيبنا اإلمياين اجلهادي املتجدد‪ ،‬مستمدين من أصلنا‪،‬‬
‫واعيني بأهدافنا وغايتنا‪ ،‬فطنني بالواقع العاملي وخصائص العصر‪ ،‬ميكناننا‬
‫من اكتساب الوسائل العلمية‪ ،‬واستعمال عوامل االقتصاد املادية واملعنوية‬
‫والبشرية بكيفية حترك الواقع لصاحلنا‪ .‬ولن جند يف النموذج التائه بال غاية‬
‫من وراء مسلسل اإلنتاج واالستهالك‪ ،‬وتلك اإلس رتاتيجيات القائمة على‬
‫حروب هنب الشعوب واستعباد العباد‪.‬‬
‫قال صاحبنا املهتدي رجاء جارودي‪« :‬إن أصل مشاكل العامل يف هذا‬
‫العصر‪ ،‬من مشكل اجلوع إىل مشكل التسلح ومها وجهان لنفس املشكل‪،‬‬
‫إىل مشكل انعدام معىن وغاية احلياة يف الغرب (‪ )...‬إىل مشكل العنف‬
‫الفردي واجلماعي‪ ،‬إىل مشكل القمع الداخلي‪ ،‬إمنا هو النموذج الغريب‬
‫للنمو‪ .‬مؤدى هذا النموذج أن ننتج أكثر فأكثر‪ ،‬وبسرعة مت زايدة‪ ،‬كل‬
‫األشياء‪ ،‬بقطع النظر عن كوهنا مفيدة‪ ،‬أو غري مفيدة‪ ،‬أو ضارة‪ ،‬أو قاتلة‬
‫مثل األسلحة النووية وغريها‪ .‬وأن نفرض استهالك هذه األشياء على اجلميع‬
‫بواسطة اإلشهار والتسويق‪ ،‬وباألخص بواسطة املنافسة اخلسيسة اليت يتولد‬
‫عنها التفاوت االجتماعي‪ .‬يوهم هذا النموذج أن «السعادة» و»التنمية»‬
‫م رادفان «ملستوى املعيشة» ولكمية املنتوجات املستهلكة‪ .‬يستغل هذا‬
‫النموذج بؤس اجلائعني وأحالمهم يف العامل ليقنعهم أن باستطاعتهم‪ ،‬وأن‬
‫من واجبهم‪ ،‬أن يسلكوا مسلكه ليخرجوا من بؤسهم‪ ،‬ولريوا أحالمهم‬
‫تتحقق‪ .‬واألرقام تدل على إفالس هذا النموذج «لسوء التنمية»‪ ،‬وإفالس‬
‫«سوء إدارة الكرة األرضية»‪ ،‬كما تدل على مدى الكارثة!‬
‫ ‬
‫الفصل الثاني‬
‫التحرر من التبعية‬
‫ أوربا تزحف على العامل‬‫ فشل النموذج االش رتاكي‬‫ استقالل اجلهاد والعمل‬‫ قطع حبال اجلاهلية‬‫ التعامل مع الكفار‬‫ عمر بن اخلطاب واالكتفاء الذايت‬‫‪ -‬املسخ الثقايف‬
‫في االقتصاد‬
‫‪25‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫أوربا تزحف على العالم‬
‫اكتشف األوربيون يف أواخر القرن اخلامس عشر من تارخيهم الطريق إىل‬
‫أمريكا‪ ،‬وطافوا حول العامل ملتفني من خلف الكتلة اإلسالمية اليت كانت‬
‫واقفة سدا منيعا يف وجههم بقيادة دولة آل عثمان املرحومة‪ .‬ونشطت‬
‫حركة األوربيني يف العامل‪ ،‬فنشط اقتصادهم مبا هنبوه من أموال اهلند‪ ،‬وذهب‬
‫أمريكا‪ ،‬وخ ريات األرض املسلوبة‪.‬‬
‫حترك الربتغال‪ ،‬واإلسبان‪ ،‬واإلجنليز‪ ،‬والفرنسيس‪ ،‬والطليان واهلولنديون‪،‬‬
‫وبسطوا نفوذهم على مناطق شاسعة بالنار واحلديد والعساكر الغازية‪.‬‬
‫وفرض عليهم تنافسهم االستعماري على العامل أن يتقنوا فنون الصناعة‬
‫واحلرب والتجارة‪ ،‬كما فرضتها عليهم املنافسة الداخلية بينهم‪ .‬أما الشعوب‬
‫املسودة فقد قيدت كما تقاد األغنام‪ ،‬بل كما يسوق األنعام سواق حطم‪،‬‬
‫ال يبقى وال يرحم‪ .‬حدثان تارخييان يلخصان ج رائم االستعمار‪ :‬قتل اهلنود‬
‫احلمر بأمريكا واستئصاهلم‪ ،‬واستعباد األفارقة ليحرثوا أرضهم من بعدهم‪.‬‬
‫عش رات املاليني من سكان أمريكا األصليني املسلحني بالقوس والنشاب‬
‫حصدهتم املدافع‪ ،‬وأبادهتم احلرب املنظمة ال زاحفة‪ .‬ومات املاليني من األفارقة‬
‫السودان سلسلوا يف السفن القذرة‪ ،‬وعذبوا‪ ،‬وبيعوا‪ ،‬وأهينوا‪ ،‬واستعملوا‬
‫استعمال الدواب الرخيصة يف حقول القطن‪ .‬على مدى مخسمائة سنة‬
‫استنزف اإلنسان األبيض املتحضر جدا‪ ،‬العنصري الفاحش العنصرية‪،‬‬
‫قارات العامل من أمواهلا وخ رياهتا ورجاهلا‪.‬‬
‫وأهم ما استنزف من املستضعفني شخصيتهم ومعناهم‪ ،‬فرتك هلم‬
‫وجودا مسخا بعد أن اضطرته لالنسحاب الصوري يقظة الشعوب‪ ،‬وموازنة‬
‫الرعب النووي‪ ،‬بعد معاهدة يالطا اليت قسمت مناطق النفوذ يف العامل بني‬
‫معسكري اجلاهلية‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪26‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫ترك فينا االستعمار هذه الشخصية املسخ بعد خروج عساكره من‬
‫أرضنا‪ .‬يبقى علينا أن خنرج حنن من سيطرته املعنوية املرتكزة على استم رار‬
‫نفوذه السياسي واالقتصادي واملايل والثقايف واحلضاري‪ .‬الرفض اجلذري‬
‫للتبعية احلضارية والتقليد والوالء لألجنيب اجلاهلي مطلب عزيز‪ .‬وأعز منه‬
‫نصر الشخصية اإلسالمية األصلية‪ ،‬ونصبها مكان الصدارة يف ميادين‬
‫احلكم والتدبري‪ ،‬واإلدارة واالقتصاد‪ .‬رفض حضارهتم‪ ،‬ومعايريها‪ ،‬وأخالقها‪،‬‬
‫ونظرياهتا‪ ،‬وأساليبها‪ ،‬هدف شريف‪ .‬وأشرف منه أن ال ننتقل من مذهب‬
‫جاهلي إىل مذهب جاهلي‪ ،‬من رأمسالية إىل اش رتاكية‪ ،‬بل أن نستقل بالنظر‬
‫والعمل‪ ،‬باملنهاج والتطبيق‪ ،‬بتحديد األهداف واستصالح الوسائل‪ .‬وليس‬
‫سوى شرع اهلل القومي وص راطه املستقيم لنا مذهب‪.‬‬
‫فشل النموذج االشتراكي‬
‫إن من آفات العصر العظيم أن يغرت املستضعفون بنقد االش رتاكية‬
‫الغربية لل رأمسالية الغربية‪ .‬تلك معركة داخلية بينهم ال اختالف بينهم‬
‫يف نية استعمار العامل‪ ،‬إمنا االختالف على نصيب كل فريق من أسالب‬
‫العامل وعلى أسلوب استتباع الشعوب واستغالهلا‪ .‬واآلفة العظمى أن يدفع‬
‫املستضعفني كره ال رأمسالية اجملرمة إىل االرمتاء يف أحضان االش رتاكية‪ ،‬ظنا‬
‫أن صائغي الشعارات ومنتجي امليج هم من غري جنس جتار الكوكاكوال‬
‫ومنتجي الفانطوم‪.‬‬
‫اقرتحت االش رتاكية من لدن مولدها حىت اكتماهلا يف النظرية الشيوعية‬
‫أن حترر اإلنسان من العبودية الواقعة عليه من خالل العملية االقتصادية‪،‬‬
‫واستغالل رأس املال للعمل‪ ،‬وامتصاص فائض القيمة من العامل‪ ،‬وتسخري‬
‫عالقات اإلنتاج ال رأمسالية حلرمان الطبقة العاملة من وجودها‪ ،‬إىل آخر ما‬
‫هنالك‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪27‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫وعند التطبيق قال االش رتاكيون الشيوعيون‪ :‬إنه البد يف مرحلة بناء‬
‫االش رتاكية من فرض السلطة على القوى العاملة‪ ،‬ومن إخضاع العملية‬
‫االقتصادية للتخطيط‪ ،‬ومن إل زام العمال بوسائل االنضباط‪ ،‬واح رتام مواعيد‬
‫اخلطة‪ ،‬ومعايري اإلنتاج‪.‬‬
‫ودخلت االش رتاكية خمترب التجربة التارخيي‪ ،‬فماذا نتج عن تغيري منهج‬
‫ال رأمسالية احلرة يف استغالل العمال داخليا‪ ،‬واستغالل الشعوب خارجيا‪،‬‬
‫مبنهج االش رتاكية اليت جاءت لتحرر العامل يف الداخل واملستعمر من‬
‫اضطهاد اخلارج؟‬
‫أمام قوانني املنافسة العاملية بني القوميات والدول القومية والشركات‬
‫الكربى‪ ،‬منافسة جتارية وعسكرية‪ ،‬سياسية واقتصادية‪ ،‬وجدت االش رتاكية‬
‫نفسها مضطرة الستعمال نفس األسلحة اليت تستعملها ال رأمسالية‪ .‬ومن‬
‫وراء ترتيب البيت داخليا الص راع على اهليمنة العاملية‪ .‬وكانت االش رتاكية‬
‫الشيوعية مهيأة للص راع حبكم نشأهتا يف أحضان حزب مركز السلطة‪،‬‬
‫حمكم التنظيم‪ ،‬منضبط انضباط اجليش يف ساحة القتال‪ .‬فلما استوىل‬
‫احلزب على السلطة طبق على االقتصاد األساليب العسكرية‪ ،‬فجند‬
‫العمال‪ ،‬وعبأ التكنولوجيا كما تعبأ األسلحة‪ ،‬وسرت يف الكيان االش رتاكي‬
‫الشيوعي روح اهليمنة‪ ،‬مل تقف عند حدود البلد األصلي‪ ،‬وال عند حدود‬
‫مناطق النفوذ يف أوربا الشرقية‪.‬‬
‫تفوقت الشيوعية على غرميتها وأختها ال رأمسالية بالرتكيز الفريد‬
‫يف التاريخ لسلطلة الدولة املطلقة الشاملة لالقتصاد‪ ،‬واجليش‪ ،‬واحلياة‬
‫املدنية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬والقضائية‪ ،‬والتشريعية‪ .‬وذلك ما مكنها من تكديس‬
‫أعداد ضخمة من الصواريخ والرؤوس النووية باإلضافة لألسلحة التقليدية‪،‬‬
‫والفرق العسكرية‪ .‬أعداد تفوق ما عند اخلصوم اإلخوة يف اجلانب اآلخر من‬
‫الكتلة اجلاهلية‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪28‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫ليس املكان هنا للمقارنة بني النظامني ال رأمسايل واالش رتاكي‪ ،‬أيهما‬
‫أكثر جدوى وفاعلية وإنتاجية يف االقتصاد‪ ،‬وأيهما أنسب لسياسة‬
‫التنمية‪ .‬وأيهما أضمن للرخاء‪ .‬فقد سبق يف هذه الفصول التعبري عن‬
‫رفضنا املبدئي املنهاجي للنموذجني اجلاهليني معا‪ ،‬والبيان ألسباب‬
‫الرفض‪ .‬ويف هذا الفصل بعد حني إن شاء اهلل نبني أن حرمة تقليد الكفار‬
‫دين‪.‬‬
‫نريد هنا أن نعترب بفشل االش رتاكية يف الوفاء بوعودها النظرية فيما‬
‫يتعلق بتحرير اإلنسان والشعوب من طغيان ال رأمسالية البشعة‪ .‬ونريد‬
‫لدولة القرآن بقيادة أهل القرآن أن التقسرهم الظروف الداخلية واخلارجية‬
‫على استعباد األجري‪ ،‬وظلم الشعوب كما قسرت غرينا‪ .‬نريد أن نتحرر‬
‫من التبعية للجاهلية حتررا يف الصورة والروح‪ ،‬يف املبدإ واملنهاج‪ ،‬لنقهر‬
‫األشياء بدل أن نقهر اإلنسان‪ ،‬لنخضع االقتصاد لغاية حرية اإلنسان‬
‫والشعوب بدل أن خنضعه وإياها لضروراته‪.‬‬
‫ال نتصور الدولة اإلسالمية إال ومقود سفينتها يف األيدي املتوضئة‪.‬‬
‫لكن البحارة من عامة املتحركني على ظهرها‪ ،‬واملشتغلني باآلالت احملركة‬
‫يف بطنها‪ ،‬لكن األمواج من حواليها‪ ،‬والعواصف يف أجوائها‪ ،‬قد تؤثر‬
‫األثر السليب على عملية اإلقالع واملالحة يف املياه العميقة‪ ،‬وقد حترف‬
‫االجتاه ال قدر اهلل‪ ،‬وال حول وال قوة إال باهلل‪.‬‬
‫استقالل الجهاد والعمل‬
‫ال غىن لدولة القرآن أول عهدها عن اخلرباء ممن تربوا يف أحضان العهد‬
‫البائد‪ ،‬وتغذوا باللبان املخلوطة‪ .‬وأشد ما تكون دولة القرآن احتياجا‬
‫لرجال خملصني تلك اللحظات التارخيية‪ ،‬حلظات التحول من مشاق‬
‫التبعية إىل االختيار املستقل‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪29‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫هاهو املنهاج واضحا على الورق‪ ،‬وهاهي اإلرادة الطليعية ومن خلفها‬
‫آمال األمة واستعدادها‪ .‬فإن كان االختيار يف الشؤون األساسية من اختصاص‬
‫رجال هواهم مع غرينا ولو مبقدار شعرة فما يغين املنهاج النظري‪ ،‬واإلرادة‬
‫احلائمة من فوق‪ ،‬ومحاس العامة العاجز!‬
‫من أين تأيت برجال ختلصوا من كل الشوائب؟ إن وجدت منهم عشرة‬
‫فمن أين تأيت باملآت واآلالف من اخل رباء الضروريني لتسيري عجلة الدولة‪،‬‬
‫خاصة حمركات االقتصاد وتوازناته اليت على نشاطها وتوقفها وتعطلها‬
‫تتوقف حياة الدولة وموهتا؟‬
‫ال مناص من استعمال أهل اخلربة من أخالط الناس ال تعرف بالضبط‬
‫أين مقامهم يف مقاعد األع راب املخلفني‪ .‬ال ترتكهم يرعون أنفسهم فإهنم‬
‫إىل ذاك املرعى الوبيل جتذهبم العادة‪ ،‬والرتبية‪ ،‬والصداقات القدمية‪ .‬لكن‬
‫ضع كل واحد موضعه‪ ،‬رفعه أو خفضه‪ ،‬من حيث السلطة واالستقالل‬
‫بالق رار‪ ،‬إميانه وسابقته يف اإلسالم وحظه من اهلل‪ .‬ارفعه من حيث األجرة‬
‫والوظيفة التقنية حيث رفعته الكفاءة املهنية‪ ،‬واملؤهل العلمي‪ ،‬وإتقان‬
‫الشغل‪ ،‬وإعطاء النتائج‪ .‬ال تتجاوز بالناس أقدارهم فتعطي احلكمة غري‬
‫أهلها فتكون من اجلاهلني‪.‬‬
‫كتب األستاذ حسن البنا رمحه اهلل يصف عجز املتفرجنني عن الوفاء حبق‬
‫ال واجب اإلسالمي‪ ،‬قال‪« :‬ولكن أىن حلكامنا هذا وهم مجيعا قد ت رب وا يف أحضان‬
‫األجانب‪ ،‬ودان وا بفك رهتم‪ ،‬على آثارهم يهرعون‪ ،‬ويف مرضاهتم يتنافسون! ولعلنا ال‬
‫نكون مبالغني إذا قلنا إن الفكرة االستقاللية يف تص ريف الشؤون واألعمال‪ ،‬لعلهم‬
‫مل ختطر بباهلم‪ ،‬فضال عن أن تكون منهاج عملهم‪ .‬لقد تقدمنا هبذه األمنية إىل‬
‫كثري من احلاكمني يف مصر‪ ،‬وكان طبيعيا أن ال يكون هلذا التقدم أثر عملي‪ .‬فإن‬
‫قوما فقدوا اإلسالم يف أنفسهم وبيوهتم وشؤوهنم اخلاصة والعامة ألعجز من أن‬
‫يفيضوه على غريهم‪ ،‬ويتقدم وا بدعوة س واهم إليه‪ ،‬وفاقد الشيء ال يعطيه‪ .‬ليست‬
‫هذه مهمتهم أيها اإلخ وان‪ ،‬فقد أثبتت التجارب عجزهم املطلق عن أدائها‪،‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪30‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫َّش ِء اجلديد‪ ،‬فأحسنوا دعوته‪ ،‬وجدوا يف تكوينه‪،‬‬
‫ولكنها مهمة هذا ال ن ْ‬
‫وعلموه استقالل النفس والقلب‪ ،‬واستقالل الفكر والعقل‪ ،‬واستقالل‬
‫اجلهاد والعمل‪ ،‬وامألوا روحه الوثابة جبالل اإلسالم وروعة القرآن‪ .‬وجندوه‬
‫حتت لواء حممد صلى اهلل عليه وسلم ورايته‪ .‬وسرتون منه يف القريب احلاكم‬
‫املسلم الذي جياهد نفسه‪ ،‬ويسعد غريه»‪.‬‬
‫قطع حبال الجاهلية‬
‫إنه من غري املمكن أن حنسم بضربة سيف يف مادة التاريخ‪ ،‬ونقول‪ :‬هنا‬
‫ويف هذه اللحظة انتهى عهد الفتنة‪ .‬ال ميكن أن نفك ونقطع كل ما يربطنا‬
‫مباضي الفتنة املوروثة وخملفات االستعمار ضربة الزب‪ ،‬ألنه ال ميكن أن‬
‫نبدل الناس غري الناس‪ ،‬والعالقات املرتتبة على مر األزمان غري العالقات‪،‬‬
‫مبجرد إعالن دولة اإلسالم‪ .‬إن ربنا تبارك وتعاىل قادر على كل شيء‪ ،‬ويف‬
‫قلوب األف راد ينزل سبحانه اهلداية يف حلظة تنقل الرجل من كفر إلميان‪،‬‬
‫ومن شك ليقني‪ .‬لكن سنته تعاىل يف التاريخ أن ال يتم هذا االنقطاع إال‬
‫بتدرج‪ .‬تأمل نشأة الدعوة احملمدية وكيف انسل اإلسالم من الكفر‪ ،‬ومتيز‬
‫املؤمنون من الكافرين‪ .‬وتأمل كيف بقيت فئات من الناس متأرجحني بني‬
‫كفر وإميان هم املنافقون‪.‬‬
‫وكذلك حتت الدولة اإلسالمية تشرق األيام البيضاء على جمتمعات‬
‫ألفت األع رابية املتخلفة‪ ،‬وألف حكامها‪ ،‬البائدون غدا بإذن اهلل‪ ،‬السباحة‬
‫يف مياه النفاق‪ ،‬وإالحلاد‪ ،‬وعادات الكفار‪ ،‬ومواصلة االستعمار‪ ،‬والذنبية‬
‫ملصاحله‪ .‬يأكلون كما تأكل تلك األنعام‪ ،‬ويفكرون كما تفكر‪ ،‬ويسلكون‬
‫يف حياهتم اخلاصة‪ ،‬والعامة‪ ،‬واملهنية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬مثل ما تسلك‪.‬‬
‫فلو كانت التبعية اليت نريد أن نتحرر منها مادة تلمس لعاجلنا غلها‬
‫حىت نفكه من أعناقها‪ ،‬لضربنا قيدها من أيدينا وأرجلنا حىت نكسره‪،‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪31‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫ولشددنا سالسلها شدا قويا حىت تنفك حلقاهتا‪ .‬لكن التبعية معىن من‬
‫وراء احلضور املادي لالستعمار‪ .‬من وراء كل عقل مغرب تبعية تربط صاحبه‬
‫مبدارس اجلاهلية ومذاهبها‪ .‬من وراء كل طامح لبقاء سلطانه املستبد حبل‬
‫يربطه بسياسة االستعمار‪ .‬من وراء هذه الطبقة املوالية ذوقا وفك را ومنط‬
‫حياة ومذهب سلوك للجاهلية تبعية تلحقها باألعداء‪ .‬فيوم كانوا يف‬
‫احلكم كانوا يبيعون األمة مكتوفة األيدي للعدو‪ ،‬ويوم تأخذ األمة خيارها‬
‫وطالئعها‪ ،‬احلكم من تلك الطبقة اخلاسرة املخسرة فسيلجأون ملتبوعيهم‪،‬‬
‫وسيستنفرون من استطاعوا وما استطاعوا من حلفائهم‪ ،‬ووسائل حلفائهم‪،‬‬
‫وأفكار حلفائهم‪ ،‬ليثبتوا للناس أن التبعية هي طريق اخلالص‪.‬‬
‫سيستغلون مصاعب البدايات اليت تواجهها دولة اإلسالم لينفخوا‬
‫يف كل بوق أن مذهب اإلسالم يف االقتصاد جاء بالشدة بعد الرخاء‪،‬‬
‫وبالتقشف بعد التنعم‪ ،‬وبالتشمري بعد ال راحة‪ .‬وسيجدون اآلذان الصاغية‬
‫من خملفة األع راب‪ ،‬العاجزين عن اجلهاد‪ ،‬الكارهني للجهاد‪ ،‬املرتبصني‬
‫بأهل اجلهاد‪.‬‬
‫ذلك أن قطع حبال اجلاهلية يقتضي تضحية وص ربا من جانبنا‪ .‬ولن‬
‫يكون قطع تلك احلبال عملية رمزية‪ ،‬كما يفعل املتفرجنون‪ ،‬حيتفلون‬
‫بتدشني مشروع فيأتون مبقص للحاكم يقص به تلك الش رائط امللونة‪،‬‬
‫عالمة على تفاهة املقلدة املتفرجنني‪ ،‬تفضحها مثل هذه الطقوس كما‬
‫تفضحها نكايتهم البليغة يف دماء األمة وأمواهلا‪ ،‬وأع راضها وك رامتها‪.‬‬
‫إمنا قطع حبال اجلاهلية هجرة نفسية شاقة‪ ،‬فطام عن الشهوات‬
‫واملألوفات‪ ،‬حبيث ال نستورد بضاعة إال من الضروريات‪ ،‬ال نأكل إال‬
‫ما حنرث‪ ،‬ال نرهن مستقبلنا لقاء إرضاء احلاجات الرتفية اليت صنعتها‬
‫فينا معاشرة اجلاهلية‪ .‬ودون هذا خرط القتاد‪ ،‬دونه جهاد متدرج وصرب‬
‫في االقتصاد‬
‫‪32‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫طويل‪ .‬قطع حبال اجلاهلية استقالل إرادي يف جتارتنا‪ ،‬وماليتنا‪ ،‬وصناعتنا‪،‬‬
‫وتعليمنا‪ ،‬حبيث ال نلبس إال ما نسجت أيدينا‪ ،‬وال نساوم على حريتنا‬
‫القتناء اجلهاز احلريب الالزم‪ ،‬واجلهاز الصناعي األساسي الضروري إلقالع‬
‫اقتصادنا‪ ،‬واألدوية الضرورية لصحتنا‪ ،‬بل نتعامل مع غرينا ندا لند‪ ،‬تعامل‬
‫أكفاء ال تابعني‪ .‬تلك هجرة شاقة‪ ،‬تتم يف النفوس أوال‪ ،‬ويتبعها الفطام‬
‫التدرجيي عن رخاوة احلياة الطفيلية اليت تعيشها الشعوب املغلوبة اخلاملة‬
‫على مائدة الغرب‪ .‬وهذا ال يعين االنع زال واالنكماش عن العامل‪.‬‬
‫من الصناعات والنشاطات االقتصادية ما هو مبين على التبعية من أول‬
‫يوم مثل السياحة‪ .‬فلن يكون قطع حبال اجلاهلية إيقاف العجلة دفعة واحدة‬
‫بالنسبة لألقطار اإلسالمية اليت استثمرت فيها األموال الطائلة وحرم فيها‬
‫الشعب املستضعف من الضروري لتبىن النزل واملنتديات ويزين لل زائر األجنيب‬
‫منتوجها السياحي‪ .‬وعلى هذا قس التعامل مع املؤسسات املالية العاملية‪،‬‬
‫والتبادل التجاري‪ ،‬وحبل املواصالت السلكية والالسلكية واإلعالمية‪ ،‬وهو‬
‫حبل غليظ‪ ،‬واست رياد التكنولوجيا‪ ،‬والعالقات الثنائية والدولية‪.‬‬
‫التعامل مع الكفار‬
‫سرد اإلمام ابن احلاج سبعة أسباب متنع من التعامل مع الكفار‪:‬‬
‫‪ )1‬تعاملنا معهم باالجتار يعينهم على أمرهم‪.‬‬
‫‪ )2‬تعاملنا معهم يضيع فرصة التعاون مع إخواننا املسلمني‪.‬‬
‫‪ )3‬إهنم يستعملون املسلمني صناعا أج راء «ويف ذلك ذلة للمسلم وعزة‬
‫للكافر‪ .‬فيؤمر املسلم أال يعمل عندهم»‪.‬‬
‫‪ )4‬إهنم ال يتحرون من النجاسات‪ .‬قلت‪ :‬وال من احل رام‪ .‬واسأل مستوردي‬
‫اللحوم غري املذكاة‪.‬‬
‫‪« )5‬إهنم يتدينون بغش املسلمني»‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪33‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫‪« )6‬إهنم إذا شكروا سلعهم باحلسن واجلودة ال ميكن اإلطالع على صدقهم‪،‬‬
‫بل الغالب عكسه»‪ .‬لو اطلعت سيدي على عصرنا مللئت رعبا من حروب‬
‫الدعاية ومحالت اإلشهار!‬
‫‪« )7‬ما يفعله بعضهم من رسم الصليب على باب الطاحون ويف أركاهنا»‪.‬‬
‫قلت يعين رمحه اهلل أهنم يتخذون ترويج بضائعهم مطية لنشر مذهبهم‪.‬‬
‫وكتب رمحه اهلل‪« :‬وأشنع ما ارتكبه بعض الناس يف هذا الزمان معاجلة‬
‫الطبيب والكحال (طبيب العيون) الكافرين اللذين ال يرجى منهما نصح‬
‫وال خري‪ ،‬بل يقطع بغشهما وأذيتهما ملن ظف را به من املسلمني (‪ .)...‬فإن‬
‫القاعدة عندهم أن من نصح منهم مسلما فقد خرج عن دينه »‪.‬‬
‫عمر بن الخطاب واالكتفاء الذاتي‬
‫«ورد أن أمري املؤمنني عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه دخل إىل السوق‬
‫يف خالفته‪ ،‬فلم ير فيه يف الغالب إال النبط‪ .‬فاغتم لذلك‪ ،‬فلما أن اجتمع‬
‫الناس أخربهم بذلك‪ ،‬وعذهلم (المهم) يف تركهم السوق‪ .‬فقالوا له‪ :‬إن اهلل‬
‫عز وجل قد أغنانا عن األسواق مبا فتح به علينا‪ .‬فقال رضي اهلل عنه‪« :‬لئن‬
‫فعلتم ليحتاجن رجالكم إىل رجاهلم ونساؤكم إىل نسائهم!» وقد كان‬
‫بعض السلف إذا رأى النبط يقرؤون العلم يبكي إذ ذاك‪ ،‬وما ذاك إال أن‬
‫العلم إذا وقع لغري أهله يدخله من املفاسد ما أنت ت راه»‪.‬‬
‫تأمل رمحك اهلل غم عمر‪ ،‬وبكاء السلف على ضياع العلم واخلربة من‬
‫األمة‪ .‬وقم لتجاهد أسباب التبعية‪.‬‬
‫المسخ الثقافي‬
‫روى ابن ماجة يف سننه عن أيب واقد قال‪« :‬ملا قدم معاذ بن‬
‫جبل من الشام سجد لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬فقال رسول‬
‫في االقتصاد‬
‫‪34‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ :‬ما هذا؟ فقال‪ :‬يا رسول اهلل! قدمت الشام‬
‫فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأسقافهم‪ ،‬فرأيت أنك أوىل بذلك‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ال تفعل! فإين لو أمرت أحدا يسجد ألحد ألمرت املرأة أن‬
‫تسجد لزوجها‪ .‬ال تؤدى املرأة حق رهبا حىت تؤدي حق زوجها‪ .‬حىت‬
‫لو سأهلا نفسها وهي على قتب (برذعة اجلمل) مل متنعه»‪.‬‬
‫من مداخل الكفر والتبعية علينا تقليدنا هلم وتشبهنا هبم‪ ،‬واهن زامنا‬
‫أمام إرهاهبم الفكري‪ ،‬وليس عن امل رأة نتحدث هنا‪ .‬عن امل رأة حتدثنا يف‬
‫كتاب غري هذا‪ ،‬هو كتاب «تنوير املؤمنات»‪.‬‬
‫قال ابن احلاج معلقا على هذا احلديث‪« :‬يؤخذ منها (من قصة معاذ)‬
‫من الفوائد النفيسة التحرر من خمالطة أهل الكتاب‪ ،‬والبعد عنهم إذ‬
‫أن النفوس متيل غالبا إىل ما يكثر ترداده عليها‪ .‬ومن هاهنا واهلل أعلم‬
‫كثر التخليط على بعض الناس يف هذا الزمان‪ ،‬جملاورهتم وخمالطتهم لقبط‬
‫النصارى‪ ،‬مع قلة العلم والتعلم يف الغالب‪ .‬فأنست نفوسهم بعوائد من‬
‫خالطوه‪ ،‬فنشأ من ذلك الفساد‪ .‬وهو أهنم وضعوا تلك العوائد اليت أنست‬
‫هبا نفوسهم موضع السنن»‪.‬‬
‫ينعي عالمتنا رمحه اهلل بدع التشبه اليت كانت تتناول أط راف السلوك‪،‬‬
‫وتناوش العقيدة من بعيد‪ ،‬وتعطل سنة من هنا وسنة من هناك‪ .‬أما املسخ‬
‫الثقايف الذي نعاين منه يف زماننا فهم تشرب يف األعماق لشخصية الكفار‪،‬‬
‫وأفكارهم‪ ،‬وعقائدهم‪ ،‬ومذاهبهم‪ ،‬وعاداهتم‪ ،‬نطعمها مع القمح املستورد‪،‬‬
‫والبضاعة الرتفية‪ ،‬والكتب واجملالت‪ ،‬ويف املدارس واجلامعات‪ ،‬ويف األسر‬
‫وعلى قارعة الطريق‪ .‬فإحياء سنة املصطفى صلى اهلل عليه وسلم يقتضي‬
‫إعالن حرب شعواء شاملة على القردية‪.‬‬
‫ذكر احلافظ ابن حجر أنه تتبع األحاديث الناهية عن التشبه‬
‫بالكفار‪ ،‬فأحصى منها أزيد من ثالثني حديثا‪ .‬وأفرد احملدثون تآليف يف‬
‫في االقتصاد‬
‫‪35‬‬
‫‬
‫التحرر من التبعية‬
‫املوضوع‪ ،‬منهم احلافظ أمحد بن الصديق رمحه اهلل‪ .‬وبني يدي كتابه بعنوان‬
‫«كتاب االستنفار لغزو التشبه بالكفار»‪ .‬كتاب يدل على مضمونه عنوانه‬
‫الذي يشبه نداء احلرب‪ .‬أورد فيه رمحه اهلل نيفا ومائة حديث يف املوضوع‪.‬‬
‫بني استنادا على آيات وأحاديث نبوية كيف حيب الكفار أن خيرجونا عن‬
‫ديننا‪ ،‬وكيف حيرم علينا اتباع أهوائهم‪ ،‬ومواالهتم‪ ،‬والركون إليهم‪ ،‬واختاذ‬
‫البطانة والصداقة منهم‪ .‬وجاء بأحاديث تثبت أن من تشبه بالكفار فهو‬
‫منهم‪ ،‬وأخرى متنع تقليدهم يف العادات‪ ،‬والعبادات‪ ،‬والعقائد‪ ،‬واألفكار‪،‬‬
‫واألعياد‪ ،‬والشعارات‪ ،‬واللباس‪ ،‬واهليئة‪ ،‬والزينة‪ ،‬واآلداب االجتماعية‪.‬‬
‫ ‬
‫الفصل الثالث‬
‫األموال‬
‫ وال تؤتوا السفهاء أموالكم‬‫ املال هلل‬‫ شروط االنتفاع‬‫ لو استقبلت من أمري‪...‬‬‫ موارد الدولة اإلسالمية‬‫ الزكاة والصدقة‬‫ أخذ العفو‬‫ مصارف املال‬‫‪ -‬وظائف العبد يف ماله‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪39‬‬
‫‬
‫‬
‫وال تؤتوا السفهاء أموالكم‬
‫األموال‬
‫إن من أهم مسات هذا الزمان‪ ،‬بل أهم مساته‪ ،‬طغيان املادة‪ ،‬وأسبقية‬
‫االقتصاد‪ ،‬وأثره يف حياة األمم‪ .‬واملال هو حمور كل ذلك‪ .‬امتالكه وصرفه‪،‬‬
‫استثماره وتعبئته‪ .‬هو وصمة العار يف يد الغين املستكرب بغناه‪ ،‬وأداة ظلم‬
‫الفقري املنهوب‪ ،‬والعامل املسلوب‪ .‬ملكية املال تُ َك تِّ ل الطبقات‪ :‬األقوياء‬
‫األغنياء من جانب‪ ،‬واحملرومون احملكومون من جانب‪ .‬ملكية املال حتدد‬
‫العالقات بني العامل الذي ال ميلك إال كدح هناره وبؤس لياليه‪ ،‬واملالك‬
‫الذي يوفر له املال سعة احلال‪ ،‬ويفتح عليه أبواب كل شيء‪.‬‬
‫ِسَ ةُ العصر اليت تطبع العالقات البشرية هي عالقة امللكية بالعمل‪.‬‬
‫وعلى حل مشاكل هذه العالقة يتوقف جناح اخلروج من التخلف والظلم‬
‫االجتماعي‪ ،‬ومن مث متانة القواعد املادية اليت تبىن عليها الدول‪ ،‬وتؤسس‬
‫عليها األجماد‪.‬‬
‫مادة التبعية لألجنيب‪ ،‬ومدار الص راع بني املستعمرين‪ ،‬ورهان مسابقتهم‬
‫إىل احتالل أرضنا وعقولنا وحياتنا‪ ،‬وواسطة متركزهم يف اقتصادنا وسياستنا‬
‫هي متلك املال وما يثمنه املال من خ ريات األرض‪ .‬فما يتأتى لنا االنفكاك‬
‫من التبعية‪ ،‬واإلفالت من قبضة االستعمار‪ ،‬وأبشع وجوهه امل راباة اليهودية‬
‫العاملية‪ ،‬إال حبل مشاكل املال داخليا‪ ،‬لنقوى على االستقالل اخلارجي‪.‬‬
‫كأن هذا املال يف عصرنا أصبح حية تسعى‪ :‬نقدا متموجا‪ ،‬قروضا‬
‫ختنق‪ ،‬مدخ رات يف األبناك تتضخم وتنساب‪ ،‬رأس مال يتصرف يف مصائر‬
‫الشعوب‪ .‬جاء يف احلديث الشريف أن البخيل الذي يكنز ماله‪ ،‬وال ينفقه‬
‫يف سبيل اهلل‪ ،‬وال يؤيت زكاته‪ ،‬يبعث ماله يوم القيامة على صورة شجاع‬
‫أقرع له زبيبتان يعذب به البخيل‪ .‬تلك الروح الثعبانية تتجلى اليوم يف‬
‫رأس املال هنا يف الدنيا بعد أن أصبح املال كائنا نشيطا متحركا فتاكا‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪40‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫فما وجه املعاملة مع هذا الثعبان يف دولة القرآن؟‬
‫إن تأصيل الفقه يف هذا امليدان ملن أهم ما نفتقر إليه‪ .‬وإن قيام‬
‫الدولة اإلسالمية وبقاءها على قيد احلياة‪ ،‬بعد القومة وإبطال الباطل‪ ،‬رهن‬
‫بسالمة اقتصادها وقوته‪ .‬وهذان رهن بسالمة وجوه التملك‪ ،‬ومطابقة‬
‫التملك والتصرف يف األموال لروح الشريعة‪.‬‬
‫ملعرفة األصل الشرعي يف كل هذا نق رأ آية من كتاب اهلل عز وجل‬
‫جامعة تعطينا شطر اجلواب عن سؤال‪ :‬ملن هذا املال؟ ويف عنوان بعد هذا‬
‫إن شاء اهلل نق رأ من كتاب اهلل الشطر الثاين للجواب‪.‬‬
‫الس َف َه اء أ َْم َوالَ ُك ُم الَّ تِ ي َج َع َل ال لّ هُ لَ ُك ْم‬
‫{والَ تـُ ْؤتُواْ ُّ‬
‫قال اهلل عز وجل‪َ :‬‬
‫قِ ي ام اً وار ُزقُ وه م فِ‬
‫وه ْم َوقُ ولُ واْ لَ ُه ْم قـَ ْوالً َّم ْع ُروف اً} (النساء‪)5 ،‬‬
‫ك‬
‫ا‬
‫و‬
‫ا‬
‫يه‬
‫ْ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫َ َْ ُْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫نزلت هذه اآلية الكرمية يف حق اليتامى حتت كفالة الوصي وحجره‪.‬‬
‫أمرنا أال ندفع إليهم أموالنا ماداموا سفهاء مل يبلغوا الرشد‪.‬‬
‫نبدأ بتأمل املدلوالت اللفظية لآلية‪ ،‬مث ننظر بعدئذ يف املدى التشريعي‬
‫الذي تغطيه اآلية استنباطا‪ .‬األمر يف اآلية موجه للذين آمنوا كما هو‬
‫الشأن دائما يف خطاب التكليف‪ .‬ال تؤتوا يا أمة اإلسالم‪ .‬فاخلطاب عام‬
‫على أصله‪ .‬مث إن األموال نسبت إلينا عامة ال إىل السفهاء احملجورين‪ .‬هي‬
‫أموالنا‪ ،‬وهي لنا قيم‪ ،‬جعلها اهلل لنا كذلك‪ ،‬وقد قرئت «قيما» مجع قيمة‪،‬‬
‫كما قرئت «قياما» مصدر قام‪ ،‬فاألموال قيمة حياتنا املادية وبه قيامنا أي‬
‫قوتنا‪ ،‬والسفيه لغة اخلفيف‪.‬‬
‫بعد هذا نق رأ مع مفسرين معاين اآلية وأحكامها‪ ،‬ونتطلع معهم إىل‬
‫اآلفاق التشريعية اليت تفتحها لنا‪ .‬نق رأ مع فقيه من القرن السادس هو‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪41‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫القاضي ابن العريب‪ ،‬ومع حمدث من القرن الثامن هو احلافظ عماد الدين‬
‫ابن كثري‪ ،‬رمحهما اهلل تعاىل‪.‬‬
‫قال ابن العريب رمحه اهلل‪« :‬اختلف يف هذه اإلضافة (إضافة األموال إلينا‬
‫يف قوله تعاىل‪ :‬أموالكم) على قولني‪ :‬أحدمها أهنا حقيقة‪ ،‬وامل راد هني الرجل‬
‫أو املكلف أن يؤيت ماله سفهاء أوالده فيضيعوه ويرجعوا عياال عليه‪ .‬والثاين‬
‫أن امل راد هني األولياء عن إيتاء السفهاء من أمواهلم وإضافتها إىل األولياء‪.‬‬
‫ألن األموال مشرتكة بني اخللق‪ ،‬تنتقل من يد إىل يد‪ ،‬وخترج من ملك إىل‬
‫س ُك ْم} (النساء‪ )29 ،‬معناه‬
‫ملك‪ .‬وهذا كقوله تعاىل‪َ :‬‬
‫{والَ تـَ ْق تـُلُ واْ أَن ُف َ‬
‫ال يقتل بعضكم بعضا‪ ،‬فيقتل القاتل‪ ،‬فيكون قد قتل نفسه‪ .‬وكذلك إذا‬
‫أعطى املال سفيها فأفسده رجع النقصان إىل الكل»‪.‬‬
‫املقالة الثانية اليت رواها اإلمام القاضي يف إضافة األموال للجماعة‬
‫ومنع إعطائها السفهاء‪ ،‬ال ختصص األيتام حتت احلجر باحلكم‪ ،‬بل تعممه‪.‬‬
‫ال تقيد احلكم مبعاملة األيتام حسب شرط الرشد وارتفاع السفه‪ ،‬بل تطلقه‬
‫على كل سفيه خفيف الذمة‪ ،‬عاجز عن صيانة هذا املال الذي يرجع‬
‫تضييعه بالنقصان على الكل‪.‬‬
‫وقال احلافظ ابن كثري رمحه اهلل‪« :‬ينهى سبحانه وتعاىل عن متكني‬
‫السفهاء من التصرف يف األموال اليت جعلها اهلل للناس قياما‪ ،‬أي تقوم هبا‬
‫معايشهم من التجارات وغريها‪ .‬ومن هاهنا يؤخذ احلجر على السفهاء‪.‬‬
‫وهم أقسام‪ :‬فتارة يكون احلجر للصغر‪ ،‬فإن الصغري مسلوب العبارة‪ .‬وتارة‬
‫يكون احلجر للجنون‪ ،‬وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين‪ .‬وتارة‬
‫للفلس وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها»‪.‬‬
‫هنا يتضح لنا إىل أي حد ميكن أن نستنطق النصوص لتجيب عن‬
‫حاجاتنا التشريعية‪ .‬فاألموال لنا وهبا قيامنا‪ ،‬واحلجر‪ ،‬أي املنع من التصرف‪،‬‬
‫يكون إما لصغر السفيه‪ ،‬أو جلنونه‪ ،‬أو لسوء تدبريه‪ ،‬أو إلفالسه‪ .‬فإذا‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪42‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫اجتمعت أكثر من علة بأن كان املالك مبذ را‪ ،‬وكان رأس املال يف يد‬
‫األغنياء دولة به يستعبدون العامل ويستحوذون على األرزاق‪ ،‬وكان سوء‬
‫التدبري وإفالس الرأي يدفع املالك ليقامر بأموال املسلمني‪ ،‬وينفقها يف‬
‫وجوه ال ترجع على اخلري باملالك األرضي للمال‪ ،‬وهي األمة‪ ،‬فمنع هذا‬
‫السفيه‪ ،‬ومجاعة السفهاء‪ ،‬وطبقة السفهاء‪ ،‬من التصرف واجب شرعي‪.‬‬
‫ويتضح لنا أن علة احلجر اليت حيكم هبا القاضي يف النوازل الشخصية‬
‫بأن هذا الصغري أو اجملنون أو سيء التدبري أو املفلس سفيه ميكن‪ ،‬بل‬
‫جيب‪ ،‬أن تعترب علة اجتماعية اقتصادية سياسية موجبة ملنع كل من‬
‫يبدو منه سفه من التصرف يف أموال املسلمني‪ ،‬ولو كان العرف والقانون‬
‫حيكم بأهنا أمواله‪ .‬وإال «رجع النقصان على الكل» كما قال القاضي‬
‫آنفا‪.‬‬
‫المال هلل‬
‫وه م ِّم ن َّم ِ‬
‫ال ال لَّ ِه الَّ ِذي آتَا ُك ْم} (النور‪،)33 ،‬‬
‫{وآتُ ُ‬
‫قال اهلل تعاىل‪َ :‬‬
‫فنسب املال إىل نفسه عز وجل‪ .‬وقال عز من قائل‪ِ :‬‬
‫{آم نُ وا بِ ال لَّ ِه‬
‫ورس ولِ ِه وأ ِ‬
‫َنف ُق وا ِم َّم ا ج ع لَ ُك م ُّم س تَ ْخ لَ ِف ين فِ ِ‬
‫يه} (احلديد‪ ،)7 ،‬فجعل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ََُ َ‬
‫َ‬
‫سبحانه عالقتنا مبا حولنا من أموال عالقة استخالف ونيابة عن املالك‬
‫احلقيقي‪ .‬وهو اهلل ال إله إال هو الغين احلميد‪.‬‬
‫هذا أصل عظيم يعطي للملكية يف اإلسالم مفهوما يناسب العبودية‬
‫هلل تعاىل‪ ،‬عبودية اإلنسان الصائر إىل ربه‪ ،‬العابر من دنياه آلخرته‪ ،‬جعل‬
‫له املال زادا يتبلغ به إلح راز أسباب معاشه‪ ،‬ومل جيعل هو للمال‪ ،‬ميلكه‬
‫املال ويستحوذ فكره ونفسه‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪43‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫واالستخالف اإلهلي لنا على املال يقيدنا بشرط املالك‪ ،‬بأمره وهنيه‪.‬‬
‫فال وجود حلق مع اإلخالل بالشرط‪ .‬وال حرمة شرعية مللكية ال تتقيد مبا‬
‫حده اهلل هبا من أحكام‪.‬‬
‫إن املذهب االقتصادي االجتماعي السياسي يتحدد مبوقفه من التناقض‬
‫بني املالك وغري املالك‪ ،‬بني األجري وصاحب الشغل‪ .‬يرتكز املذهب ال رأمسايل‬
‫على حرية التملك‪ ،‬تلك احلرية اليت ال تعرف حدودا‪ ،‬أوال تكاد تعرف ألن‬
‫ظروف االقتصاد املعقد فرضت على الل ربالية ال رأمسالية تقييد بعض حريات‬
‫رأس املال‪ .‬ويرتكز املذهب االش رتاكي الشيوعي على امللكية اجلماعية اليت‬
‫يعتربها شرطا علميا حملو الطبقية وإخضاع االقتصاد للتخطيط املنظم‪.‬‬
‫تقييد هنا للملكية الفردية‪ ،‬بل نفي هلا وإعدام‪ .‬وتثبيت هلا هناك‪ ،‬ومتكني‬
‫وطغيان‪ .‬املذهب الشيوعي يسلط احلاكم على املال‪ ،‬ويسلط مالك املال‬
‫على الدنيا املذهب اجلاهلي اآلخر‪.‬‬
‫وإن مها إال وجهان للطغيان نفسه‪ :‬سياسة حتكم االقتصاد‪ ،‬أو اقتصاد‬
‫حيكم السياسة‪.‬‬
‫ما أقام العدل بني الناس ال ذلك املذهب اجلاهلي وال هذا‪ .‬والعدل هو‬
‫هدف تقنني امللكية‪ ،‬فمن نتائج قوانينهم ترى فساد تلك املذاهب‪ :‬طبقية‬
‫رأس املال ال يبزها شناعة إال الطبقية اجلديدة يف األنظمة االش رتاكية‪.‬‬
‫فساد حلقنا بالتنكري ملبدإ العدل‪ ،‬وبتغيري طبيعة امللكية كما حدها‬
‫مالك امللك سبحانه‪ .‬الشريعة عدل كلها‪ ،‬فإذا فقد فينا العدل‪ ،‬وطغى‬
‫املال‪ ،‬وتكرب األغنياء‪ ،‬واستضعفوا الناس‪ ،‬فلفقدان األصل القرآين يف تشريعنا‬
‫املستحدث املوضوع بالعرف والقانون‪.‬‬
‫وبالرجوع إىل الشريعة‪ ،‬وحماربة ما أحدثه العرف والقانون‬
‫الوضعي‪ ،‬وغلبة األقوياء واملاكرين على املال‪ ،‬نسرتد قوام العدل‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪44‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫وهو استقامة امللكية على شرط املستخلف‪ ،‬يف حدود أمره وهنيه‪،‬‬
‫سبحانه ال إله إال هو‪ .‬هذه احلدود اإلهلية ال تضع ومسا على جبهة‬
‫املال مييز امللكية الفردية عن امللكية اجلماعية‪ .‬بل حتبس املال يف‬
‫نطاق االنتفاع الذي حتصله األمة منه‪ .‬فهو مال اهلل أساسا‪ ،‬ومال‬
‫األمة استخالفا‪ ،‬ومال زيد أو عمرو انتفاعا مؤقتا مشروطا بأال يضر‬
‫امتالك الفرد مبنافع األمة‪.‬‬
‫عرف الشيخ أمحد ويل اهلل الدهلوي رمحه اهلل امللكية بقوله‪« :‬الكل مال‬
‫اهلل‪ ،‬ليس فيه حق ألحد يف احلقيقة‪ .‬لكن اهلل تعاىل ملا أباح هلم االنتفاع‬
‫باألرض وما فيها‪ ،‬وقعت املشاحة (أي الن زاع)‪ .‬فكان احلكم حينئذ أن ال‬
‫يهيج (يطرد) أحد مما سبق إليه من غري مضارة‪ .‬فاألرض امليتة اليت ليست‬
‫يف البالد وال يف فنائها (أي اخلارجة عن القرية واملدينة السكنية) إذا عمرها‬
‫رجل فقد سبقت يده إليها من غري مضارة‪ .‬فمن حكمه أال يهيج عنها‪.‬‬
‫واألرض كلها يف احلقيقة مبنزلة مسجد أو رباط جعل وقفا على أبناء السبيل‬
‫وهم شركاء فيه‪ ،‬فيقدم األسبق فاألسبق‪ .‬ومعىن امللك يف حق اآلدمي كونه‬
‫أحق باالنتفاع من غريه»‪.‬‬
‫شروط االنتفاع‬
‫ختضع الشريعة سلوك الفرد واجلماعة والدولة يف ميدان املال والنشاط‬
‫االقتصادي لنفس الضوابط األخالقية اليت تفرضها عليهم يف سائر أوجه‬
‫احلياة‪ .‬وحمور هذه الضوابط الشرعية العدل‪ ،‬وامتداده وهو اإلحسان‪.‬‬
‫فتحصيل املنفعة‪ ،‬وأداء هذه الوظيفة االجتماعية‪ ،‬شرط مشروط على املالك‬
‫الفردي‪ .‬والسعي لتعميم املنفعة والتعاون على أداء تلك الوظيفة شرط‬
‫مشروط على اجلماعة‪ .‬وم راقبة العملية االقتصادية للتعريف مبا هو نافع‪،‬‬
‫وختطيط كيفية االنتفاع‪ ،‬والسهر على أن تؤدى وظيفة املال االجتماعية‪،‬‬
‫شرط مشروط على الدولة‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪45‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫من القيود اليت تضعها الشريعة على التملك والتصرف‪ ،‬وختول‬
‫للجماعة حق وواجب قمع من حترر منها‪ ،‬وختول للدولة حق وواجب‬
‫حجره ومنعه من التصرف وتعزيره وإقامة احلد عليه‪ ،‬حترمي اخلمر‪ ،‬والقمار‪،‬‬
‫والربا‪ ،‬والفسق‪ ،‬والتبذير‪ ،‬واجملون‪ ،‬والرشوة‪ ،‬والرتف‪ ،‬والسرقة‪ ،‬والغش‪،‬‬
‫والفساد يف األرض‪ ،‬والبخل‪ ،‬وما إليها‪.‬‬
‫إن للمال يف النظام اإلسالمي أحكاما تعطي مذهبنا االقتصادي أصالته‬
‫واستقالله وذاتيته املتميزة عن النظم البشرية‪ .‬متميز مذهبنا يف موارد املال‬
‫ومصارفه‪ ،‬يف تقييده حلرية الفرد بشرط العدل االجتماعي‪ ،‬يف تركيزه تداول‬
‫املال على التكافل والتعاون واإلنفاق والبذل‪ ،‬ال على التكاثر والتفاخر‬
‫والكنز‪.‬‬
‫وبكل هذا يكسب النظام االقتصادي اإلسالمي مقومات أصلية تؤهله‬
‫ليخوض غمار املعركة املصريية‪ ،‬جنبا إىل جنب مع النظم البشرية غري تابع‬
‫هلا‪ ،‬وال تلميذ‪ ،‬وال مندمج‪ .‬ريثما يظهر املستقبل على حمك التجربة تفوق‬
‫شرع اهلل على قوانني البشر‪ .‬أستغفر اهلل العظيم من مقارنة شرع اخلالق‬
‫باجتهاد املخلوقات‪.‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فهذا النظام اإلسالمي‪ ،‬الواضح املعامل يف النصوص ملن حيسن‬
‫استنطاقها‪ ،‬العلي األحكام ملن حيسن استنباطها‪ ،‬ال ي زال مشروعا كامنا‬
‫يف قلوب املؤمنني وعقوهلم‪ .‬وعلى دولة القرآن أن ترفعه إىل حيث رفعه اهلل‪،‬‬
‫وأن تسوي الوضع املعوج على نسقه‪ ،‬وأن حتكم منطقه يف سياق احلركة‬
‫االقتصادية رجوعا هبا إىل املعىن من هتافت املادية‪ ،‬وإىل غاية العدل واإلحسان‬
‫من هوس التكاثر‪ ،‬وإىل أهداف القوة والكفاية وكفالة املستضعفني يف‬
‫األرض من أنانية االستكبار والطبقية واألثرة‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪46‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫لو استقبلت من أمري‪...‬‬
‫ما هو عالج التفاوت الفاحش بني الطبقات؟ وما هي القوانني اليت‬
‫ميكن استنباطها من أصولنا إليقاف جنون النمو غري املتوازن الذي مبقتضاه‬
‫يزداد األغنياء غىن والفق راء فق را؟ هل هناك إج راء أخري هنائي ميكن لإلمام‬
‫أن يتخذه لضرب استغالل النفوذ وغريه من اجل رائم االقتصادية؟ هل جيوز‬
‫لإلمام‪ ،‬أي للدولة اإلسالمية‪ ،‬أن تأخذ من األغنياء وتعطي الفق راء إلقامة‬
‫مي زان العدل عندما ال تؤدي آليات توزيع الثروة األساسية وظيفتها مثل‬
‫آليات الزكاة‪ ،‬والض رائب‪ ،‬والصدقات‪ ،‬والنفقات‪ ،‬والنفقات اجلهادية‬
‫الواجبة عندما يدهم العدو؟‬
‫بعد آية سورة النساء اليت تعطينا حق احلجر على السفهاء ومنعهم‬
‫من التصرف يف أموالنا‪ ،‬جند حديثا شريفا رواه اإلمام مسلم عن أيب سعيد‬
‫اخلدري قال‪« :‬بينما حنن يف سفر‪ ،‬إذ جاء رجل على راحلة له‪ ،‬فجعل‬
‫يصرف بصره ميينا ومشاال‪ .‬فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬من كان‬
‫له فضل ظهر (أي دابة تركب زائدة على حاجته) فليعد به على من ال ظهر‬
‫له‪ .‬ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من ال زاد له»‪ ،‬فذكر من أصناف‬
‫املال ما ذكره‪ ،‬حىت رأينا أنه ال حق ألحد يف فضل»‪.‬‬
‫يف تلك الظروف‪ ،‬ظروف السفر اجلهادي‪ ،‬صدر األمر الشريف بالقسمة‪.‬‬
‫مل يكن هذا األمر من باب احلث على الصدقة بل كان تشريعا حلالة يكون‬
‫هلذا مال زائد عن احلاجة ويقلب ذاك بصره ميينا ومشاال من اخلصاصة‪ .‬كان‬
‫الصحابة أبصر الناس مبقاصد الشريعة وبأساليب املصطفى صلى اهلل عليه‬
‫وسلم يف توجيه اخلطاب‪ ،‬وقد ظنوا عند صدور األمر أن ال حق ألحد يف‬
‫فضل مع وجود حمتاج‪.‬‬
‫هذا احلديث الشريف يلتحق بآية إضافة األموال إىل األمة‪،‬‬
‫وينعطف على صورة قانون تطبيقي إىل حكمة التمليك األصلية‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪47‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫وهي استخالف اهلل عز وجل إيانا يف ماله لكي ننفقه‪« :‬وأ ِ‬
‫َنف ُق وا ِم َّم ا‬
‫َ‬
‫ج ع لَ ُك م ُّم س تَ ْخ لَ ِ‬
‫ين فِ يه» (الحديد‪.)7 ،‬‬
‫ف‬
‫ََ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ال ينبغي لإلمام أن يقف مكتوف اليدين أمام تفاحش املي زان‪ ،‬ال‬
‫ينبغي أن يكتفي جبمع األغنياء فيعظهم باآليات الواردة يف وعيد من‬
‫يكنز ويبخل وال ينفق‪ ،‬وإن كان الوعظ من وظائفه بصفته رجل دعوة‪.‬‬
‫لديه أصل تشريعي يف إنفاق الفضول ثابت بالسنة‪ ،‬وأصل تشريعي مقرر‬
‫يف القرآن يف شأن احلجر على السفهاء‪ .‬عرب أبو سعيد رضي اهلل عنه‬
‫بشعوره أن األمر الشريف ببذل الفضول ملزم بقوله‪« :‬حىت ظننا أن ال‬
‫حق ألحد يف فضل»‪ .‬وفهم أبو ذر رضي اهلل عنه الوعيد على االكتناز‬
‫فهما واسعا فجاهد رضي اهلل عنه ليخرج األغنياء أمواهلم إىل الفق راء‪ ،‬غري‬
‫مكتف بالزكاة املفروضة‪.‬‬
‫أما عمر الفاروق رضي اهلل عنه‪ ،‬وسننه من سنة املصطفى صلى اهلل‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقد اختذ عزمة يف آخر أيامه تركها لنا وصية هبذا الصدد‪.‬‬
‫وهي تؤكد ظن أيب سعيد‪ ،‬وفهم أيب ذر‪ ،‬وتسري مع روح الشريعة وهي‬
‫عدل كلها‪ .‬روى الطربي أن عمر رضي اهلل عنه قال‪« :‬لو استقبلت من‬
‫أمري ما استدبرت ألخذت فضول أموال األغنياء‪ ،‬فقسمتها على فق راء‬
‫املهاجرين»‪.‬‬
‫وروى أبو عبيد بن سالم عن عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه أنه كان‬
‫يف وصيته عند موته‪ :‬أن يؤخذ من حواشي (فضول) أموال أغنياء األع راب‬
‫فريد على فق رائهم‪.‬‬
‫وكتاب األموال هذا كنز من اآلثار الصرحية يف قصد النيب صلى اهلل‬
‫عليه وسلم وقصد أصحابه إلقامة مي زان العدل بالقسط‪ ،‬وقصد خلفائه‬
‫ال راشدين عليهم رضوان اهلل‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪48‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫ال يعد نزع امللكية يف إطار بذل الفضول تعديا على امللكية الفردية‪،‬‬
‫وإمنا هو إرجاعها إىل شرط االستخالف‪ ،‬وإىل كون األموال لنا معشر‬
‫األمة قبل أن تكون لفالن وفالن‪ .‬فمن راعى شرط االستخالف وكانت‬
‫أمواله قياما لألمة ال سندا لطغيانه‪ ،‬بأن ساهم يف رعاية ثروة األمة وحسن‬
‫قسمتها حىت ال يكون حمتاج ذو خصاصة يصرف بصره ميينا ومشاال يف‬
‫أصحاب الفضول والتخمة حوله‪ ،‬فال سبيل عليه‪ .‬بل تكرم دولة القرآن‬
‫كل متمول مستثمر ملاله وجهده وذكائه وحيلته وحوله إلمناء ثروة البالد‬
‫وتصنيعها وإغنائها‪.‬‬
‫روى ابن القيم من مذهب اإلمام أمحد‪« :‬أن قوما إذا اضطروا إىل السكن‬
‫يف بيت إنسان‪ ،‬ال جيدون سواه‪ ،‬أو النزول يف خان مملوك‪ ،‬أو استعارة ثياب‬
‫يستدفئون هبا‪ ،‬أو رحى للطحن‪ ،‬أو دلو لنزع املاء‪ ،‬أو قدر أو فأس أو غري‬
‫ذلك وجب على صاحبه بذله بال ن زاع»‪.‬‬
‫نِ ْع َم االجتهاد هذا الذي جيعل ضروريات املعاش ووسائل اإلنتاج حقا‬
‫مشاعا لألمة استنادا إىل أصل بذل الفضول! نعم واهلل!‬
‫موارد الدولة اإلسالمية‬
‫قال اهلل تعاىل‪{ :‬والَّ ِذين فِ ي أَم والِ‬
‫للس ائِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٌّ‬
‫ْم ْح ُروم}‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ل‬
‫وم‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ق‬
‫ح‬
‫م‬
‫ه‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫ْ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫َْ ْ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫(املعارج‪ .)25-24 ،‬احلق املعلوم املفروض باملقدار والوزن والكيل والتوقيت‬
‫هو الزكاة‪ ،‬وسنرجع إليها إن شاء اهلل بعد قليل‪ .‬لكن هنالك حقا غري الزكاة‬
‫يف األموال‪ ،‬هنالك مصادر لتمويل حاجات الدولة اإلسالمية‪ ،‬وتزويدها‬
‫بالوسائل املالئمة لطموحها‪ .‬من احلاجات الضرورية إلنتاج ما به قوام احلياة‬
‫اليومية للمسلمني‪ ،‬واإلنفاق على اجليش‪ ،‬وصناعة السالح‪ ،‬وسد الثغور‪.‬‬
‫ومن أهداف الطموح اإلسالمي التحرر من التبعية االقتصادية لألجانب‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪49‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫واالستقالل املايل‪ ،‬والتقين‪ ،‬والعلمي‪ ،‬وبسط يد املعاونة ملستضعفي األرض‪،‬‬
‫وبناء اقتصاد الكفاية والقوة‪ ،‬والتوسعة على املسلمني يف معاشهم وصحتهم‬
‫وسكنهم‪ .‬وكل ذلك يطلب أمواال قد ال تكفي فيها الزكاة‪ ،‬وقد تكون‬
‫الدولة اإلسالمية القطرية السابقة للتحرر ال تتوفر على موارد منجمية‬
‫كالنفط أو زراعية‪ ،‬وال مدخر لديها وال رصيد‪.‬‬
‫فلمواجهة الضرورات واقتناء وسائل الطموح املالية يضاف إىل احلق‬
‫املعلوم وهو الزكاة‪ ،‬احلقوق األخرى يف املال‪ ،‬املتفرعة عن قاعدة بذل‬
‫الفضول‪ .‬وهي قاعدة صاغها فقهاؤنا يف قوهلم‪« :‬إذا احتاج املسلمون فال‬
‫مال ألحد»‪.‬‬
‫يف كتب الفقه أحكام ختص موارد الدولة اإلسالمية كانت تعكس‬
‫حالة تارخيية‪ ،‬السيادة فيها لإلسالم‪ .‬وذكرها هنا إمنا هو من قبيل التاريخ‬
‫ألن حاضرنا املهزوم ال يعطينا تلك السيادة املنوط هبا استخالص أموال‬
‫مثل اخل راج واجلزية‪ ،‬والفيء‪.‬‬
‫مصادر أخرى مثل العشور‪ ،‬أي اجلمارك‪ ،‬واملصادرات املشروعة مثل‬
‫تضعيف مقدار الزكاة على مانعها تعزي را له‪ ،‬ومحى األرض اخلاصة وضمها‬
‫ملال الدولة‪ ،‬والتعزي رات املالية اليت تبلغ أقصاها يف حالة حجر السفيه‬
‫باملعىن املوسع هلذا احلجر‪ ،‬والركاز وهو مخس املعادن‪ ،‬وريع املؤسسات‬
‫احلكومية من معامل ومصاحل عامة كاملاء والكهرباء‪.‬‬
‫فإذا احتاج املسلمون بعد الزكاة وبعد هذه املوارد‪ ،‬فلإلمام أن يفرض‬
‫ض رائب على قدر احلاجة‪ ،‬ولو استغرق ذلك كل الفضول اخلاصة‪ .‬وإن‬
‫اعتبار قيام دولة اإلسالم وجناحها جهادا واجبا يلحق النفقة من أجل‬
‫قيامها وجناحها بالنفقة إذا داهم العدو وتعرضت ديار اإلسالم للخطر‪.‬‬
‫وما كنا ندندن يف هذه الفصول إال حول اخلطر احملدق بنا وحول وجوب‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪50‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫اجلهاد‪ ،‬وقوامه املادي اجلهاد باملال‪ .‬وإن محاية دولة اإلسالم مسألة حياة أو‬
‫موت بالنسبة لألمة‪.‬‬
‫قال اإلمام الشاطيب رمحه اهلل‪« :‬إذا قررنا إماما مطاعا مفتق راً إىل تكثري‬
‫اجلنود لسد الثغور ومحاية امللك املتسع األقطار‪ ،‬وخال بيت املال‪ ،‬وارتفعت‬
‫حاجات اجلند إىل ما ال يكفيهم‪ ،‬فلإلمام إذا كان عدال أن يوظف على‬
‫األغنياء ما ي راه كافيا هلم يف احلال إىل أن يظهر مال بيت املال‪ .‬مث إليه‬
‫النظر يف توظيف ذلك على الغالت والثمار وغري ذلك (هذا ما يسمى‬
‫بلسان العصر ض رائب (‪ )...‬وإمنا مل ينقل مثل هذا عن األولني التساع‬
‫مال بيت املال يف زماهنم‪ .‬خبالف زماننا‪ ،‬فإن القضية فيه أخرى‪ ،‬ووجه‬
‫املصلحة هنا ظاهر‪ .‬فإنه لو مل يفعل اإلمام ذلك النظام بطلت شوكة اإلمام‬
‫(نرتجم‪ :‬إن مل يفعل أخفقت القومة وسقطت الدولة)‪ ،‬وصارت ديارنا‬
‫عرضة الستيالء الكفار‪ .‬وإمنا نظام ذلك كله شوكة اإلمام بعدله‪ .‬فالذين‬
‫حيذرون من الدواهي‪ ،‬لو تنقطع عنهم الشوكة‪ ،‬يستحقرون باإلضافة إليها‬
‫أمواهلم كلها‪ ،‬فضال عن اليسري منها‪ .‬فإذا عورض هذا الضرر العظيم‬
‫(ضرر سقوط الدولة) بالضرر الالحق هلم بأخذ البعض من أمواهلم‪ ،‬فال‬
‫يتمارى يف ترجيح الثاين عن األول‪ .‬وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل‬
‫النظر يف الشواهد»‪.‬‬
‫هلل دره من إمام! انظر كيف نفذ ببصره الثاقب إىل املصلحة احليوية‬
‫لألمة ومل يقف عند الفروع التشريعية املقيدة بالشواهد‪ ،‬القاصرة‪ ،‬بالتفافها‬
‫حول النوازل الشخصية‪ ،‬عن رؤية النازلة العظمى اليت حتل باألمة ويكون‬
‫املال‪ ،‬بذله بعضا أو كال‪ ،‬هو احلل الوحيد‪ .‬وتأمل كيف أشار إىل أن‬
‫املسلمني يعطون عن طيب خاطر بعض أمواهلم‪ ،‬بل كلها‪ ،‬إذا حتققوا أن‬
‫الدولة اإلسالمية تعدل وال تظلم‪ ،‬وإذا حتققوا أن بقاءها خري هلم وأصلح‬
‫من زواهلا‪ ،‬حىت ولو أخذت أمواهلم‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪51‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫ونرتجم هذه الفكرة إىل لسان العصر فنقول واهلل املستعان‪ :‬إن إقامة‬
‫دولة اإلسالم تقتضي تضحيات يشارك فيها اجلميع‪ .‬فعلى اإلمام أن يوزع‬
‫التضحيات على كل أصناف األمة‪ ،‬وأن يعدل يف األخذ كما يعدل يف‬
‫العطاء‪ ،‬وأن يفتح لألمة باب األمل يف مستقبل العز ألمتهم‪ ،‬وأن يرفع‬
‫مهمهم عن خسة احلسابات البخيلة إىل أوج التعامل مع اهلل والغرية على‬
‫دين اهلل‪.‬‬
‫قال الشاطيب رمحه اهلل بعدما سبق‪ ،‬يعزز فريضة اجلهاد باملال بفريضة‬
‫اجلهاد بالنفس‪« :‬ولو وطئ الكفار أرض اإلسالم لوجب القيام بالنصرة‪ ،‬وإذا‬
‫دعاهم اإلمام وجبت اإلجابة‪ .‬وفيه إتعاب النفوس وتعريضها إىل اهللكة‪،‬‬
‫زيادة إىل إنفاق املال‪ .‬وليس ذلك إال حلماية الدين‪ ،‬ومصلحة املسلمني»‪.‬‬
‫األرض موطوءة يا صاح‪ ،‬بل مغصوبة‪ ،‬والدين يستغيث‪ ،‬ومصلحة‬
‫املسلمني ضائعة‪ ،‬فيا إمام مىت نداؤك يلىب‪ ،‬مىت تسمع األمة أنة املعذبني‪،‬‬
‫وهلفة املستضعفني‪ ،‬مىت يكون شعار «اهلل أكرب» عزمة جهادية هتون معها‬
‫األنفس واألموال‪ ،‬ال جمرد مجلة تالك!‬
‫الزكاة والصدقة‬
‫قال اهلل عز وجل‪{ :‬إِ َّن ال لّ هَ ي أْم ر بِ الْع ْد ِل وا ِإلح س ِ‬
‫ان َوإِيتَ اء ِذي الْ ُق ْربَ ى‬
‫َ ُُ َ َ ْ َ‬
‫ْم ن َك ِر َوالْبـَغْ ِي يَ ِع ظُ ُك ْم لَ َع لَّ ُك ْم تَ َذ َّك ُرون}(النحل‪،‬‬
‫َويـَنـْ َه ى َع ِن الْ َف ْح َ‬
‫ش اء َوال ُ‬
‫‪ .)90‬يتبع اإلحسان العدل كما تتبع النافلة الفرض‪ .‬وتتبع صدقة التطوع الزكاة‬
‫ال واجبة‪ ،‬تكملها وتسد ح واشي احلاجة‪ .‬فإذا كفت الزكاة إلقامة العدل‪ ،‬وهو‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪52‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫احلد األدىن من قسمة األرزاق‪ ،‬وإال تأكد اإلحسان‪ ،‬واقرتبت درجة التطوع‬
‫من درجة اإلل زام‪.‬‬
‫ويعم لفظ «الصدقة» الزكاة الواجبة والتصدق التطوعي‪ .‬قال اهلل تعاىل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ص َدقَ ةً‬
‫لنبيه صلى اهلل عليه وسلم ولويل األمر من بعده‪ُ { :‬خ ْذ م ْن أ َْم َوال ِه ْم َ‬
‫يع‬
‫ص الَتَ َ‬
‫ك َس َك ٌن لَّ ُه ْم َوال لّ هُ َس ِم ٌ‬
‫ص ِّل َع لَ ْي ِه ْم إِ َّن َ‬
‫تُطَ ِّه ُر ُه ْم َوتـُ َزِّك ي ِه م بِ َه ا َو َ‬
‫ِ‬
‫يم}(التوبة‪ .)103 ،‬قال ال راغب اإلصفهاين رمحه اهلل‪« :‬الصدقة ما خيرجه‬
‫َع ل ٌ‬
‫اإلنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة‪ .‬لكن الصدقة يف األصل تقال‬
‫للمتطوع به والزكاة للواجب‪ .‬وقد يسمى الواجب صدقة إذا حترى صاحبها‬
‫الصدقة يف فعله»‪.‬‬
‫الصدقة املأخذوة من أغنياء األمة‪ ،‬املردودة على فق رائها‪ ،‬وسيلة لتزكية‬
‫النفوس واألموال وتطهريها وتطييبها‪ .‬تزكية وتطييب وتطهري للنفس اليت‬
‫صدقت يف فعلها حيث يقيها البذل يف سبيل اهلل شحها‪ .‬وتزكية وتطييب‬
‫وتطهري للنفوس اليت رد عليها نصيب من املال تسد به احلاجة فتختفي‬
‫أسباب احلقد الطبقي‪ .‬قال اهلل تعاىل لعبده النيب وعباده والة األمر من بعده‪:‬‬
‫ك َس َك ٌن لَّ ُه ْم} (التوبة‪ .)103 ،‬فكان صلى اهلل‬
‫ص الَتَ َ‬
‫ص ِّل َع لَ ْي ِه ْم إِ َّن َ‬
‫{و َ‬
‫َ‬
‫عليه وسلم يدعو بالنماء والزكاء واخلري والربكة ملؤيت الزكاة فتزكو األموال‬
‫ويكثر اخلري والربكة‪.‬‬
‫إيتاء الزكاة وتوزيع محصولها ما هما عمليتان ماديتان حسابيتان‬
‫جامدتان في األرقام‪ .‬بل هما وسيلتان تربويتان زيادة على ماديتهما‬
‫ووسيلتان يستمطر بهما العبد رضى الله عز وجل وصالة رسول الله‪،‬‬
‫وتستمطر بهما األمة بركة السماء‪ .‬قال الله عز وجل‪{ :‬يَ ْم َح ُق ال لّ هُ‬
‫الص َدقَ ِ‬
‫ب ُك َّل َك َّف ا ٍر أَثِ ٍ‬
‫يم}(البقرة‪.)276 ،‬‬
‫ْربَا َو يـُ ْربِ ي َّ‬
‫ات َوال لّ هُ الَ يُ ِح ُّ‬
‫ال ِّ‬
‫فالزكاة عكس الربا‪ .‬والمجتمع الزكاتي نقيض المجتمع الربوي‪.‬‬
‫واقتصاد العدل واإلحسان ترعاه عناية الله حيث تخذل اقتصاد الت رابي‬
‫والتظالم وحرمان المحتاج‪ .‬ومن الخذالن غرق المتمولين في الترف‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪53‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫والمتاع واللذة والتبذير االستهالكي‪ ،‬بعيدين عن ذكر الله وعن ذكر‬
‫اآلخرة واالستعداد لها‪ .‬وهل فوق ذلك خذالن؟‬
‫إن من قوام كل اقتصاد جاد أن حيكمه احلساب واألرقام والتخطيط‪.‬‬
‫وهذا ما ال بد منه لدولة القرآن‪ ،‬من باب قول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫لألع رايب الذي ضلت ناقته‪ ،‬فلما جاء إليه يشكو ذكر أنه تركها طليقة‬
‫اتكاال على اهلل‪« :‬اعقلها وتوكل!»‪ .‬فاحلساب واألرقام والتخطيط اختاذ‬
‫لألسباب اليت وضعها اهلل عز وجل يف الكون‪ ،‬وهي شرع م رتبط ارتباطا ال‬
‫فكاك له عن القدر إال مبعجزة نيب‪ ،‬أو ك رامة ويل‪ ،‬أو بركة يدرها اهلل الكرمي‬
‫الوهاب على عباده املؤمنني املتقني العادلني احملسنني املزكني‪ .‬قال اهلل تعاىل‪:‬‬
‫َن أ َْه ل الْ ُق رى آم نُ واْ وات ـَّ َق واْ لَ َف تَ ْح نَ ا َع لَ ْي ِه م بـ رَك ٍ‬
‫الس َم ِاء‬
‫ات ِّم َن َّ‬
‫{ولَ ْو أ َّ َ َ َ َ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َواألَْر ِ‬
‫اه م بِ َم ا َك انُواْ يَ ْك س بُ و َن} (األع راف‪.)96 ،‬‬
‫ض َولَ ـك ن َك َّذبُواْ فَ أَ َخ ْذنَ ُ‬
‫واجه هذه اآلية الكرمية بأختها املبينة ألس رار الزكاة‪ ،‬الداعية رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم‪ ،‬وإمام األمة من بعده أن يصلي على مؤتى الزكاة‪،‬‬
‫ينفتح لك باب الفهم لشرع اهلل وقدره وبركته‪ ،‬جلانيب الدعوة والدولة‪،‬‬
‫لواجبيهما ووظيفتهما يف االقتصاد اإلسالمي‪ .‬ومن أعظم بركات الزكاة أهنا‬
‫تقهر حاسة التملك البهيمية‪.‬‬
‫اقتصاد الربا ملعون‪ ،‬واقتصاد الزكاة مبارك‪ .‬قال الشيخ أمحد ويل اهلل‬
‫الدهلوي رمحه اهلل‪« .‬اعلم أن عمدة ما روعي يف الزكاة مصلحتان‪ :‬مصلحة‬
‫ترجع إىل هتذيب النفس‪ ،‬وهي أهنا أحضرت الشح‪ ،‬والشح أقبح األخالق‪،‬‬
‫ضارهبا يف املعاد (‪ )...‬السخاوة تعدهلا ال رباءة من اهليآت اخلسيسة الدنيوية‪.‬‬
‫وذلك ألن أصل السخاوة قهر امللكية البهيمية‪ ،‬وأن تكون امللكية هي‬
‫الغالبة وتكون البهيمية منصبغة بصبغها‪ ،‬آخذة هبا (‪ .)...‬وأيضا فامل زاج‬
‫السليم جمبول على رقة اجلنسية (رمحة بين جنسنا)‪ .‬وهذه خصلة عليها‬
‫يتوقف أكثر األخالق ال راجعة إىل حسن املعاملة مع الناس‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪54‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫فمن فقدها ففيه ثلمة جيب عليه سدها‪ .‬وأيضا فإن الصدقات تكفر‬
‫اخلطيئات وتزيد يف الربكات كما بينا فيما سبق‪.‬‬
‫ومصلحة (وهي املصلحة الثانية للزكاة) ترجع إىل املدينة (أي اجملتمع)‬
‫وهي أهنا ال حمالة جتمع الضعفاء وذوي احلاجة‪ .‬وتلك احلوادث تغدو على‬
‫قوم وتروح على آخرين (يعين أن الفقر واالحتياج يعرتى الناس بعد الغىن)‪.‬‬
‫فلو مل تكن السنة بينهم مواساة الفق راء وأهل احلاجات هللكوا وماتوا‬
‫جوعا (أي أن التكافل االجتماعي الذي حتققه الزكاة ضرورة اجتماعية)‪.‬‬
‫وأيضا فنظام املدينة يتوقف على مال يكون به قوام معيشة احلفظة‬
‫الذابني عنها واملديرين السائسني هلا!»‪.‬‬
‫الزكاة أهم املؤسسات االجتماعية يف الدولة اإلسالمية‪ .‬هي ركن من‬
‫أركان اإلسالم‪ ،‬فال يستحق اسم دولة اإلسالم نظام ال يعطي الزكاة وظيفتها‬
‫االجتماعية االقتصادية‪ ،‬وال يقرن تلك الوظيفة بالدعوة والرتبية والتطهري‬
‫والتزكية‪ ،‬لتؤدي إىل النتائج التكافلية والودية بني املسلمني‪ .‬فزيادة على‬
‫أن الزكاة عبادة فردية‪ ،‬يعذب مانعها العذاب األليم يوم القيامة‪ ،‬فهي متثل‬
‫مادة أساسية إلعادة قسمة الثروات‪ ،‬ومتثل حاف زا اقتصاديا على اإلنتاج‪،‬‬
‫ألهنا تؤخذ من رأس املال‪ ،‬فال يسع صاحب املال إال أن يسعى إىل تنميته‬
‫خمافة أن تنتقص منه الزكاة إن بقي مكنوزا ال يتداول وال يستثمر‪ .‬ولعل‬
‫حساب مالك رأس املال اخلائف على متاعه أن تنتقص منه الزكاة فينشط‬
‫الستثماره سبب من األسباب الكونية اليت يـُْر يب اهلل عز وجل هبا الصدقات‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪55‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫أخذ العفو‬
‫إن اإلسالم دين هداية ال دولة جباية‪ .‬لذلك يعتمد على الباعث اإلمياين‬
‫يف نفوس املسلمني لينفقوا يف سبيل اهلل أكثر مما يعتمد على وازع السلطان‬
‫يف ذلك‪ .‬نعم للدولة اإلسالمية احلق يف فرض غ رامة التضعيف على مانعي‬
‫الزكاة كما هو مفصل يف كتب الفقه‪ ،‬لكن األصل هو قول اهلل عز وجل‬
‫لنبيه صلى اهلل عليه وسلم وألولياء األمر‪ُ { :‬خ ِذ الْع ْف و وأْم ر بِ الْع ر ِ‬
‫ف‬
‫َ َ َ ُْ ُْ‬
‫ض َع ِن ال ِ ِ‬
‫ين} (األع راف‪ .)199 ،‬أخرج ابن زجنويه عن رجل‬
‫َوأَ ْع ِر ْ‬
‫َ‬
‫ْج اه ل َ‬
‫من ثقيف قال‪« :‬استعملين علي بن أيب طالب رضي اهلل عنه على عك ربا‪،‬‬
‫فقال يل‪ ،‬وأهل األرض عندي‪« :‬إن أهل السواد قوم خدع‪ ،‬فال خيدعنك!‬
‫فاستوف ما عليهم»‪ .‬مث قال يل‪« :‬رح إيل»‪ .‬فلما رجعت قال يل‪« :‬إمنا قلت‬
‫لك الذي قلت ألمسعهم‪ .‬ال تضربن رجال بسوط يف طلب درهم‪ ،‬وال تقمه‬
‫قائما‪ ،‬وال تأخذن منه شاة وال بقرة‪ .‬إمنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو‪ ،‬أتدري‬
‫ما العفو؟ الطاقة»‪ .‬ويف رواية البيهقي‪« :‬وال تبيعن هلم رزقا وال كسوة شتاء‬
‫وال صيفا‪ .‬وال دابة يعتملون عليها‪ .‬وال تقم رجال قائما يف طلب درهم»‪.‬‬
‫قال‪ :‬قلت‪ :‬يا أمري املؤمنني! إذن أرجع إليك كما ذهبت من عندك! قال‪:‬‬
‫أمرنا أن نأخذ منهم العفو!» يعين الفضل‪.‬‬
‫ال جمال إذن إلرهاق الضعفاء بالض رائب واجلبايات‪ .‬وليس املكس‬
‫واملال املنهوب من موارد الدولة اإلسالمية‪ ،‬وال تفقري الناس هدفا هلا‪ .‬وقصة‬
‫عمر بن اخلطاب مع اليهودي الذي افتقر بعد غىن دليل على رفق اإلسالم‬
‫بالرعية‪ .‬روى الواقدي وابن عساكر أن عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه‬
‫لقي شيخا من أهل الذمة يستطعم‪ .‬فسأل عنه فقالوا‪ :‬هذا رجل من أهل‬
‫الذمة كرب وضعف‪ .‬فوضع عمر رضي اهلل عنه اجلزية اليت يف رقبته‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫«كلفتموه اجلزية‪ ،‬حىت إذا ضعف تركتموه يستطعم!» فأجرى عليه من‬
‫بيت املال عشرة دراهم‪ ،‬وكان له عيال‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪56‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫عدل يقتضي إعفاء الضعيف وذي احلاجة وذي العيال‪.‬‬
‫مصارف المال‬
‫ات‬
‫عني اهلل عز وجل مصارف الزكاة يف قوله الكرمي‪{ :‬إِنَّ َم ا َّ‬
‫الص َدقَ ُ‬
‫لِ ْل ُف َق راء والْم س اكِ ي ِن وال ِ ِ‬
‫الرقَ ِ‬
‫اب‬
‫ْم َؤلَّ َف ِة قـُلُ وبـُ ُه ْم َوفِ ي ِّ‬
‫َ َ‬
‫ين َع لَ يـْ َه ا َوال ُ‬
‫ْع ام ل َ‬
‫َِ َ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الس بِ ِ‬
‫ين َوفِ ي َس بِ ِ‬
‫يم‬
‫يل ال لّ ِه َوابْ ِن َّ‬
‫يل فَ ِري َ‬
‫ض ةً ِّم َن ال لّ ه َوال لّ هُ َع ل ٌ‬
‫َوالْ غَ ا ِرم َ‬
‫حِ‬
‫يم} (التوبة‪.)60 ،‬‬
‫ك‬
‫َ ٌ‬
‫بالنظر يف اآلية الكرمية يتبني أن الزكاة‪ ،‬وما يتبعها من صدقات‬
‫تطوع‪ ،‬تصبح فرضا وتلحق بإل زامية الزكاة عند حاجة املسلمني‪ ،‬ضريبة‬
‫اجتماعية هلا أهداف حمددة‪ .‬وكلها أهداف حتقق محاية اجملتمع‪ ،‬والدفاع‬
‫عن الدولة‪ ،‬والتكافل بني املسلمني‪ ،‬وضمان حقوق الضعفاء يف الرخاء‬
‫واألمن االجتماعيني‪ .‬إهنا نظام كامل للضمان االجتماعي‪.‬‬
‫أما مصارف بيت املال األخرى فالواجب‪ ،‬كما قال ابن تيمية رمحه‬
‫اهلل‪« :‬أن يبتدئ يف القسمة باألهم فاملهم من مصاحل املسلمني‪ ،‬كعطاء من‬
‫حيصل للمسلمني به منفعة عامة»‪ .‬معناه أن هناك أولويات تعترب يف وضع‬
‫املي زانية السنوية للدولة‪ ،‬تعطى مبقتضاها األسبقية للنفقات الضرورية‬
‫على الكمالية‪ ،‬وللتجهيز وتثبيت قواعد االقتصاد على نفقات التسيري‬
‫ال زائدة على حد الضرورة‪ .‬وخيرج من دائرة األهم واملهم نفقات الفخفخة‬
‫والسمعة‪ ،‬إال ما البد منه من رعاية ك رامة الدولة يف عامل تسوده املظاهر‬
‫والدبلوماسية والصورة اإلجيابية والسمعة‪.‬‬
‫فأهم املصارف «املقاتلة الذين هبم النصرة واجلهاد»‪ .‬مث «ذوو الواليات‬
‫عليهم‪ ،‬كالوالة والقضاة والعلماء والسعاة على املال مجعا وحفظا وقسمة‪،‬‬
‫وحنو ذلك‪ ،‬حىت أئمة الصالة واملؤذنون»‪ .‬مث اإلنفاق على «ما يعم نفعه من‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪57‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫سداد الثغور بالك راع (أي تعبئة اجليش يف وجه العدو باملركوب) والسالح‪،‬‬
‫وعمارة ما حيتاج إىل عمارته من طرقات الناس كاجلسور والقناطر‪ ،‬وطرقات‬
‫املياه كاألهنار»‪ .‬مث ذوو احلاجات الذين كان يقدمهم رسول اهلل صلى اهلل‬
‫عليه وسلم يف العطاء‪ .‬وقد قال عمر رضي اهلل عنه‪« :‬ليس أحد أحق هبذا‬
‫املال من أحد‪ :‬إمنا هو الرجل وسابقته‪ ،‬والرجل وغناؤه‪ ،‬والرجل وبالؤه‪،‬‬
‫والرجل وحاجته»‪ .‬وقد كان أبو بكر رضي اهلل عنه يسوى يف القسمة‪ ،‬فلما‬
‫ويل األمر عمر رضي اهلل عنه أعطى األسبقية هبذه املعايري األربعة اليت ذكرها‪.‬‬
‫مث رجع آخر عهده إىل حنو قسمة الصديق رضي اهلل عنهما»‪.‬‬
‫وال جيوز لإلمام أن يعطي أحدا ماال يستحقه هلوى نفسه‪ ،‬من ق رابة‬
‫بينهما‪ ،‬أو مودة ألجل منفعة حمرمة»‪.‬‬
‫البد من م راقبة صارمة‪ ،‬وحماسبة دقيقة على كل مستويات اإلنفاق‬
‫لكيال ينال من أموال املسلمني إال املستحقون‪ ،‬ولكيال تصرف أموال‬
‫املسلمني يف وجوه ال تناسب األهداف ا‏‏إلسالمية وال ختدمها‪ .‬يتوىل امل راقبة‬
‫واحملاسبة أجهزة الدولة املختصة واألمر باملعروف والنهي عن املنكر الشعبيان‬
‫املنظمان على يد مجاعة املسلمني‪.‬‬
‫وانظر يف كتاب اإلحياء لإلمام الغ زايل؛ اجلزء الثاين‪ ،‬أبواب الكسب‪،‬‬
‫وموارد السلطان‪ ،‬ومصارف املال‪ ،‬وحدود احلالل واحل رام يف ذلك‪ ،‬والورع‬
‫الالزم‪ .‬ففيه كالم قيـم‪.‬‬
‫وظائف العبد في ماله‬
‫إن املال من املغريات الكربى للعبد‪ ،‬واملفسدات للذمم واألمم‪ ،‬إن كان‬
‫يف يد من ال تسمو مهته فوق شهواته‪ .‬من موقف الناس من املال‪ ،‬يف الرخاء‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪58‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫والشدة‪ ،‬يف املالء واخلالء‪ ،‬يف األخذ والعطاء‪ ،‬يف حضرة الرقيب البشري ويف‬
‫غيابه‪ ،‬يتبني القوي األمني من املنافق اخلائن‪ .‬لذلك يقدم أهل الورع من‬
‫رجال الدعوة لوظائف األمانة‪ ،‬فهم األقوى عليها‪ ،‬األعف عن املال احل رام‪،‬‬
‫األشد ورعا‪ ،‬يظن هبم ذلك حىت يتبني خالفه‪.‬‬
‫هذه صورة رائعة لعبد صاحل أدى حق اهلل يف ماله ومال املسلمني‪،‬‬
‫نضعها يف هناية هذا الفصل معلمة يهتدي به من يلي أمر املسلمني‪،‬‬
‫وموعظة وذكرى لقوم يؤمنون‪ .‬قال اإلمام علي كرم اهلل وجهه‪« :‬واهلل ألن‬
‫أبيت على ح س ِ‬
‫سه دا‪ ،‬وأجر يف األغالل مصفدا‪،‬‬
‫ك السعدان (شوك) ُم َّ‬
‫َ َ‬
‫أحب إيل من أن ألقى اهلل ورسوله يوم القيامة ظاملا لبعض العباد‪ ،‬وغاصبا‬
‫لشيء من احلطام! وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إىل البلى قفوهلا‪ ،‬ويطول‬
‫يف الثرى حلوهلا! واهلل لقد رأيت عقيال (أخوه اململق الفقري)‪ ،‬وقد أملق‬
‫حىت استماحىن من بُركم (طلب من قمحكم) صاعا‪ .‬ورأيت صبيانه شعث‬
‫الشعور‪ ،‬غرب األلوان من فقرهم‪ .‬كأمنا سودت وجوههم بالعظلم (صبغ)‪.‬‬
‫وعاودين مؤكدا‪ ،‬وكرر علي القول مرددا‪ .‬فأصغيت إليه مسعي‪ ،‬فظن أين‬
‫أبيعه ديين‪ ،‬وأتبع قياده مفارقا طريقي! فأمحيت له حديدة‪ ،‬مث أدنيتها من‬
‫جسمه ليعترب هبا‪ .‬فضج ضجيج ذي دنف (مرض) من أملها‪ .‬وكاد أن حيرتق‬
‫من ميسمها‪ .‬فقلت له‪ :‬ثكلتك الثواكل يا عقيل! أتئن من حديدة أمحاها‬
‫إنساهنا للعبه‪ ،‬وجترين إىل نار سجرها جبارها لغضبه! أتئن من األذى وال‬
‫أئن من لظى!‬
‫وأعجب من ذلك طارق طرقنا مبلفوفة يف وعائها (جاءنا حبلوى يف‬
‫الليل)‪ ،‬ومعجونة شنئتها (كرهتها)‪ ،‬كأمنا عجنت بريق حية أو قيئها‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬أصلة رحم‪ ،‬أم زكاة‪ ،‬أم صدقة؟ فذلك حمرم علينا أهل البيت‪.‬‬
‫فقال‪ :‬الذا وال ذاك! ولكنها هدية‪ .‬فقلت هبلتك اهلبول (ثكلتك أمك)!‬
‫أعن دين اهلل أتيتين لتخدعين! أخمتبط أنت (خمتل العقل) أم ذو جنة أم‬
‫هتجر (هتذي)! واهلل لو أعطيت األقاليم السبعة مبا حتت أفالكها على أن‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪59‬‬
‫‬
‫‬
‫األموال‬
‫أعصي اهلل يف منلة أسلبها جلب شعرية ما فعلت! إن دنياكم عندي ألهون‬
‫من ورقة يف فم ج رادة تقضمها! ما لعلي ولنعيم يفىن‪ ،‬ولذة ال تبقي! نعوذ‬
‫باهلل من سبات العقل وقبح الزلل‪ .‬وبه نستعني!»‪.‬‬
‫ ‬
‫الفصل الرابع‬
‫إدارة المال‬
‫ أموال النفط‬‫ ترويض املال ألهدافنا‬‫ املصرف اإلسالمي‬‫‪ -‬النقد اإلسالمي‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪63‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫أموال النفط‬
‫من باب الورع‪ ،‬وعلى إش راقة هذه الذكرى من تاريخ إمام األمة فخر‬
‫اإلسالم سيدنا علي عليه السالم‪ ،‬ندخل إىل هذا املطلب من مطالب دولة‬
‫القرآن‪ ،‬وهو إدارة املال‪.‬‬
‫منعت يا ويل اهلل أخاك اململق صاع بر من قمح املسلمني! خفت اهلل‬
‫وعذاب اآلخرة ف رتاءى لك قيء األفاعي يف معجونة الرشوة! فلو اطلعت‬
‫على أم راء النفط وما فعلوا بأموال املسلمني!‬
‫أكتب هذا الفصل عاشر مجادى األوىل ‪ ،1403‬وقد أعلن العرب النفطيون‬
‫حرب األسعار على الدول املصدرة للنفط‪ ،‬ومعظمها دول مستضعفة‪ ،‬حرب‬
‫ترمي خلفض مثن الربميل حىت تنكسر السوق‪ ،‬فريبح االستعمار‪ ،‬وختسر‬
‫دول جماهدة مثل دولة اإلسالم يف إي ران‪ .‬أكتب ومنذ شهور انكشفت يف‬
‫الكويت فضيحة ما يسمى بسوق املناخ‪ ،‬وهي سوق تدليس وغش وقمار‪،‬‬
‫تباع فيها سهوم شركات ومهية‪ ،‬ال وجود هلا‪ .‬فضيحة هتدد دولة الكويت‬
‫الغنية‪ ،‬وال ككنوز قارون‪ ،‬باإلفالس‪ ،‬ألهنا تدخلت لتفدي املقامرين الذين‬
‫بلغت ديون أحدهم عشرة آالف مليون دوالر‪ .‬نعم آالف مليون‪ .‬عشرة‬
‫ماليري‪ ،‬عشرة ماليري!‬
‫منذ سنوات أعلنت وسائل اإلعالم الغربية أن شرذمة من عرب البرتول‬
‫قامرت يف ليلة واحدة وقمروها بأربعمائة مليون دوالر‪ .‬والرجل الكوييت‬
‫يفتخر بأنه ضرب الرقم القياسي العاملي التارخيي يف املديونية‪ .‬وما يفيد أن‬
‫نعدد األمثلة والعرب النفطيون يدفعون بال حساب ميولون احلرب العدوانية‬
‫على دولة اإلسالم يف إي ران فيقتل املسلمون بعضهم بعضا‪ ،‬وتدمر املدن‬
‫وتشرد األسر‪ ،‬وترمل النساء‪ ،‬وييتم األطفال؟‬
‫على عرب النفط مسؤولية تارخيية مل يسبق هلا مثيل يف ثقلها‬
‫وخطورهتا‪ .‬كان سالح النفط يكون أقوى رادع لالستعمار‪ ،‬ووسيلة ال مثيل‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪64‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫هلا ملساومة الغرب الذي ميثل النفط الدم الساري يف ش رايينه االقتصادية‪.‬‬
‫فلو أن عرب النفط استعملوا سالح النفط استعمال الرجال لفرضوا على‬
‫التاريخ املعاصر احنناءة حامسة خيدمهم من بعدها الناموس االقتصادي الذي‬
‫ميلكون لو عقلوا مادته احليوية اليت حتكم مصريه من هنا ملائة عام وأزيد‪.‬‬
‫وال يبعد اهلل غري السفهاء! فعلى دولة اإلسالم حني تأخذ زمام األمر‪،‬‬
‫وزمام النفط‪ ،‬أن تواجه أسلحة الدمار والفناء النووية بسالح السالم‬
‫والرخاء‪ ،‬والنفط‪ ،‬يف وقت معا مع املواجهة اجلهادية الشاملة القائمة يف‬
‫وجه االستكبار العاملي‪ ،‬تصده عن اإلفساد يف األرض‪.‬‬
‫مبال النفط إن أحسنا إدارته‪ ،‬ومبادة النفط إن طوعنا السوق العاملية‬
‫إلرادتنا‪ ،‬ميكن أن ندخل على العالقات العاملية تطورا لصاحل الشعوب‬
‫املستضعفة‪ .‬فرصة تارخيية‪ ،‬نرجو اهلل عز وجل أن تكون مدخرة لتساعد‬
‫اإلسالم على الظهور املوعود‪ .‬حدث تارخيي فريد أن متلك أمة معظم خمزون‬
‫العامل من مادة يتوقف نشاط العامل وحركته عليها‪ .‬فباستعمال سالح‬
‫النفط ميكننا غدا إن شاء اهلل أن نفرض إرادتنا على املستكربين بال عنف‪،‬‬
‫وأن نرعى مسؤوليتنا احلساسة جتاه املستضعفني‪ ،‬وأن نستبدل بالسمعة‬
‫السيئة اليت استحقها عريب النفط حىت أصبح رم زا للفساد مسعة األمة‬
‫ال راشدة ذات الرسالة السامية ومعها الوسائل اهلائلة لتبليغ الرسالة‪.‬‬
‫إهنا مسؤوليات جسام تنتظرنا‪ ،‬فبوسعنا أن نسيطر على صناديق‬
‫التمويل العاملية بأموال النفط‪ ،‬وبوسعنا أن نؤسس صندوقا إسالميا بال‬
‫ربا يبيض وجهنا أمام اهلل عز وجل الذي استخلفنا يف األرض وزودنا هبذه‬
‫الثروة الكرمية‪.‬‬
‫العرب النفطيون مسخرة العامل أخالقا‪ ،‬على هامش التاريخ وحتت‬
‫أقدام االستكبار العاملي وجودا لتفاهة األحالم‪ ،‬ونفسية األزالم‪ ،‬وذهنية‬
‫الظالم‪ .‬وغدا إن شاء اهلل تعاىل مبؤهلنا املعنوي‪ ،‬وهو روح كل شيء‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪65‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫ومبؤهلنا املادي‪ ،‬وهو جسم كل شيء‪ ،‬وبتوفيق اهلل يفتح علينا بركات كل‬
‫شيء‪ ،‬نعود إىل قيادة العامل‪ ،‬إىل هداية البشر‪ ،‬إىل كفالة املستضعفني‪ ،‬إىل‬
‫العزة باهلل رب العاملني‪ .‬ال حول وال قوة إال به‪.‬‬
‫بنا إن شاء اهلل‪ ،‬ويف يدنا مادة االقتصاد‪ ،‬حيدث اهلل انقالبا يف تاريخ‬
‫البشرية‪ .‬وقد بدأ بالفعل هذا االنقالب بثورة املسلمني يف إي ران‪ ،‬ثورة‬
‫أدهشت العامل مبشاركة ماليني املؤمنني العزل يف إسقاط خامس أقوى دولة‬
‫يف العامل‪ ،‬من ورائها طاغوت االستكبار األمريكي‪ .‬ويقر العامل اليوم أن دولة‬
‫املسلمني يف إي ران‪ ،‬بعد أن قطعت يد التلصص على أمواهلا النفطية اليت‬
‫كان الشاه املطرود يرعيها أولياءه الكفار‪ ،‬أرشد إدارة يف أمواهلا من كل‬
‫ما حواليها من حطام‪ .‬فبينما يصرخ البعثي الع راقي يستنجد ويقرتض‬
‫بغري حساب‪ ،‬فبينما يدفع عرب النفط آالف املاليني بغري حساب‪ ،‬يعرتف‬
‫ص رافو العامل أن خ زائن إي ران اإلسالمية متتلئ من اخلري‪ ،‬وتدير احتياطاهتا إىل‬
‫اخلري‪.‬‬
‫ترويض المال ألهدافنا‬
‫مشكلة النظامني اجلاهليني‪ ،‬ال رأمسالية واالش رتاكية‪ ،‬األوىل‪ ،‬ومصيبة‬
‫العصر األدهى واألمر‪ ،‬هي أن املال‪ ،‬ملكته األف راد وملكته الدولة‪ ،‬يؤدي‬
‫وظيفة طاغوتية ألنه يناقض العمل‪ ،‬ويهدر قيمته‪ ،‬ويسجنه‪ ،‬وخينقه‪ .‬فاملال‬
‫سيد جبار‪ ،‬ملكته الدولة أو ملكه األف راد‪ .‬إنه أخطبوط ميتص مادة احلياة من‬
‫اجملتمع‪ ،‬ويستعبد البشر‪ ،‬ويقيد احلريات‪ ،‬ويفرض على اجملتمع سلوك العبد‪.‬‬
‫رأس املال أخطبوط يف حد ذاته‪ ،‬وحش كاسر أنيابه الربا‪ .‬فمن يتحكم‬
‫يف رفع مقدار الربا وخفضه‪ ،‬من يتصرف يف املال كما يتصرف احلاوي يف‬
‫ثعابينه‪ ،‬ميكنه أن يتسلط‪ ،‬ويتلصص‪ ،‬ويتحكم‪ .‬وإمنا هي اليهودية لعنها‬
‫اهلل‪ ،‬ال رابضة يف حجر االستكبار‪ ،‬متحفزة عادية‪ ،‬تقتنص خ ريات األرض‪،‬‬
‫وتسلب الدم والروح من اإلنسانية‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪66‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫على دولة القرآن أن تروض املال حىت يصبح أليفا‪ ،‬وأن تطوعه ليكون‬
‫خادما مطيعا ال جبارا يقصم ظهر املستضعفني‪ .‬عليها أن تؤسس بيوت‬
‫التمويل اإلسالمية‪ ،‬يكون التعامل معها على أساس الق راض الشرعي‪،‬‬
‫والش راكة املباحة‪ ،‬ال على أساس الربا والغرر واملقامرة‪.‬‬
‫بإجلام املال وترويضه بالقوانني اإلسالمية يصبح من املمكن ربط مصاحل‬
‫العمل ب رأس املال ربطا ال جيحف بالعامل‪ ،‬وال يعطى صاحب املال فرصة‬
‫لتجاوز حقه‪ .‬وبتلك القوانني مينع صاحب املال من اإلض رار مبصاحل اجلماعة‪،‬‬
‫ومن السيطرة على السوق كما يسيطر رأس املال املنساب من كل قيود‪.‬‬
‫وهبا يلزم املالك أن يوظف املال ويستثمره فيما ينفعه وينفع الناس‪ ،‬ال يف‬
‫اإلنتاج‪ ،‬مطلق اإلنتاج‪ ،‬للنافع والضار والقاتل‪.‬‬
‫بإجلام املال بالقوانني الشرعية ميكن أن يوضع حد لالحتكار‪ ،‬فال جييء‬
‫املشروع الضخم‪ ،‬بوسائل مالية ضخمة‪ ،‬ليقضي على املشاريع الصغرية‪،‬‬
‫ويقذف هبا إىل اإلفالس‪.‬‬
‫ال يصح يف اإلسالم أن حتتكر الدولة املشاريع كما هو حل االش رتاكية‪،‬‬
‫كما ال يصح أن تسمح أن حيتكر األغنياء السوق‪ .‬فإن من قواعد االقتصاد‬
‫يف اإلسالم أن ال يكون املال دولة بني األغنياء‪ ،‬أي أن ال يسمح لألغنياء‬
‫بتضامن مايل على حساب املتوسطني والفق راء‪ ،‬وال بتآمر احتكاري‪.‬‬
‫تطلق ال رأمسالية حرية املالك يف ماله حبيث ال مينع من أي حترك اقتصادي‬
‫منتج مادام ال يصطدم نشاطه حبرية باقي املنتجني‪ .‬هذا يف املبدإ النظري‪.‬‬
‫لكن التطبيق يعري عن وجود إمكانيات للتلوي عن القوانني ال رأمسالية‪،‬‬
‫وممارسة االحتكار والكارتل والتكتل املسيطر‪ ،‬يف شركات تكون دولة وسط‬
‫الدولة‪ ،‬ويغلب قانوهنا قانون الدولة لوزهنا االقتصادي اهلائل‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪67‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫تطوق االش رتاكية رأس املال إذ جتعله وقفا على الدولة‪ ،‬فتصبح الدولة‬
‫هي رأس االحتكار‪ .‬ويف اإلسالم القاعدة النبوية «ال ضرر وال ض رار»‪ .‬وهي‬
‫قاعدة تقضي أال يضار املالك وال العامل‪ ،‬وأال يتضار املنتجون فيما‬
‫بينهم باملنافسة غري الشريفة‪ .‬ومما يساعد على تطبيق هذه القاعدة وجود‬
‫وجهني للملكية يف اإلسالم‪ :‬ملكية األف راد وملكية اجلماعة‪ ،‬هذه توازن‬
‫تلك وتضبطها وحتد من غلوائها‪ .‬وقد اضطر املذهبان املاديان‪ ،‬ال رأمسالية‬
‫واالش رتاكية‪ ،‬لالع رتاف بامللكية املزدوجة‪ ،‬استثناء من قاعدة كل منهما‪.‬‬
‫فامللكية اجلماعية استثناء من امللكية الفردية يف املذهب ال رأمسايل‪ ،‬وامللكية‬
‫الفردية استثناء من قاعدة التملك اجلماعي االش رتاكي‪ .‬وهو اع رتاف فرضته‬
‫ضرورة اإلدارة املتوازنة للمال عليهم‪ .‬ويف اإلسالم تكون امللكية املزدوجة‬
‫أصال‪ ،‬والتوازن بني مصلحة الفرد ومصلحة اجلماعة فرعا عنها‪ ،‬ناظ را إىل‬
‫قاعدة «ال ضرر وال ض رار»‪ ،‬مطبقا هلا‪.‬‬
‫المصرف اإلسالمي‬
‫بلغت يف هذه الفرتة ديون املصارف الربوية العاملية على الدول املستضعفة‬
‫والقروض من دولة مصنعة غنية لدولة فقرية أزيد من ستمائة مليار دوالر‪.‬‬
‫والرقم وحده مع اعتبار اجلوائح والكوارث الطبيعية اليت يعاين منها عامل‬
‫الفق راء كاف للداللة على ظلم النظام املايل العاملي‪ ،‬وإجحافه حبقوق‬
‫الشعوب احملتاجة‪ .‬وتستغل املصارف الربوية العاملية احتياج املستضعفني‬
‫لتفرض عليهم شروطا مثل الزيادة يف اإلنتاج الصاحل للتصدير‪ .‬وذلك مما‬
‫حيول النشاط االقتصادي إىل العمل على إرضاء اجملتمعات الغنية ال إرضاء‬
‫حاجات الشعب‪ .‬تفرض عليهم شرط تسهيل االستثمارات األجنبية‪،‬‬
‫وذلك ما ميكن ال رأمسالية من سف األرباح حمليا وإخ راجها من البلد‪ .‬تفرض‬
‫تقليص نفقات الدولة على حساب الرخاء االجتماعي‪ .‬تفرض ختفيض‬
‫األجور وخفض قيمة العملة‪ ،‬وذلك مما جيحف مبستوى معاش املاليني‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪68‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫من العمال وذوي الدخل احملدود‪ .‬وهلا بعد ذلك وسائل كبعض الوسائل‬
‫اليت يستعملها الذئب مع احلمل متكنها من ترسيخ سيط رهتا االقتصادية‬
‫والسياسية واملالية‪.‬‬
‫مشكلة الربنامج التنموي يف البالد املتخلفة هي مشكلة التمويل‪،‬‬
‫فترتك الدول الغنية املخططات التنموية تربز حىت يظن أهلها أهنم قادرون‬
‫عليها‪ ،‬مث تنعطف عليهم بالقروض املشروطة‪ ،‬وترفض كل طلب‪ ،‬وكل‬
‫مشروع‪ ،‬ال يتفق مع مصاحلها‪ .‬فتمول مثال النشاط التجاري أكثر مما متول‬
‫املشاريع الصناعية اليت قد ت زامحها يف السوق‪ .‬وتوضع يف رقبة الدول الفقرية‬
‫ربقة «التقومي اهليكلي» كما توضع السلسلة يف عنق السجني يف بالد‬
‫الظلم وعصور الظالم‪.‬‬
‫هلذا وجب على دولة اإلسالم أن تعتمد على التمويل الداخلي‪ ،‬وأن‬
‫تعمل على التحرر من التبعية املالية‪ ،‬بتأسيس نظام مصريف إسالمي يكون‬
‫مفتاح التنمية‪ ،‬وتساير أهدافه أهداف الدولة اإلسالمية‪ ،‬وتربط الن زاهة‬
‫واألخالقية فيه مببدإ اإلنتاجية واجلدوى‪ .‬نظام نابع من واقعنا‪ ،‬ناظر إىل‬
‫مستقبلنا‪ ،‬مبناه التعاون على الرب والتقوى كما أمر ربنا الغين احلميد‪.‬‬
‫وقد جنحت مناذج من البنوك اإلسالمية بال فائدة جناحا ال بأس به‪.‬‬
‫على الدول اإلسالمية القطرية املتحررة أن تتعامل معها حىت ولو كانت يف‬
‫ملكية رؤوس ال تدين ملا ندين له‪ .‬ال مفر من التعامل من دولة لدولة مع‬
‫األنظمة املتسلطة يف بالد املسلمني‪ ،‬ضرورة مرحلية‪ .‬مث هي أموال املسلمني‬
‫لنا فيها حق‪ ،‬فإن مل حنرر األصل ورأس املال‪ ،‬فال أقل من أن نستفيد من‬
‫التسهيالت حىت يقضي اهلل أم را كان مفعوال‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪69‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫النقد اإلسالمي‬
‫كان سلفنا الصاحل حيدون من يتالعب بالنقد‪ ،‬يقطع الد راهم‪ ،‬أو‬
‫ينقص وزن الفضة والذهب مثال‪ ،‬أو يزور الفلوس‪ .‬يعدون ذلك إفسادا‬
‫يف األرض كما جاء عن اإلمام سعيد بن املسيب‪ .‬قال القاضي ابن العريب‪:‬‬
‫«كسر الد راهم والدنانري ذنب عظيم‪ .‬ألهنا الواسطة يف تقدير قيم األشياء‬
‫والسبيل إىل معرفة كمية األموال‪ ،‬وتنزيلها يف املعاوضات‪ .‬حىت عرب عنها‬
‫بعض العلماء إىل أن يقولوا‪ :‬إهنا القاضي‪ )...( .‬وقد قال علماؤنا املالكية‪:‬‬
‫إن الد راهم والدنانري خواتيم اهلل‪ ،‬عليها اسم اهلل‪ .‬ولو قطع على قول أهل‬
‫التأويل من كسر خامتا هلل لكان أهال لذلك‪ ،‬إذ من كسر خامت سلطان‬
‫عليه امسه أدب‪ .‬وخامت اهلل تقضى به احلوائج‪ ،‬فال يستويان يف العقوبة»‪.‬‬
‫يقول ال رأمساليون إن النقد خمزن للقيمة‪ ،‬هذا املعىن املادي نشرفه ونسلمه‬
‫فنعترب النقود خواتيم اهلل يف األرض‪ .‬وال تكون كذلك إال إذا قضيت هبا‬
‫احلوائج كما عرب قاضينا‪ .‬ال تكون هلا حرمة إن كان مدار قيمتها على‬
‫ارتفاع قيمة الربا‪ ،‬واخنفاضها‪ ،‬وال تكون هلا رجاحة القاضي وثباته إن‬
‫كانت تسرع هبا املطابع للظهور بال رصيد فتساهم يف التضخم املايل الذي‬
‫يستنزف أرزاق الضعفاء ويزيد األغنياء غىن‪ .‬ال حرمة هلا إن اعتربناها سلعة‬
‫يف ذاهتا ال خادمة وواسطة لقضاء احلوائج‪.‬‬
‫ينبغي أن تكون إرادة الدولة اإلسالمية هي اليت متلي على النقد وظيفته‬
‫ال مصاحل االستعمار اليت جعلت من الدوالر يف زماننا سالحا احتكاريا‬
‫يتحكم يف مصائر الدول والشعوب‪ .‬عندما تتحرر دولتان إسالميتان‬
‫قطريتان يكون من أهم مظاهر ووسائل التعاون والتوحيد بينها إصدار‬
‫عملة إسالمية‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫ ‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪70‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪71‬‬
‫‬
‫‬
‫الفصل اخلامس‬
‫االقتصاد‬
‫ مقدمتان‬‫ املقدمة األوىل‪ :‬املقاصد والعقبات‬‫ املقدمة الثانية‪ :‬حنن يف العامل‬‫‪ -‬عم ران األرض‬
‫االقتصاد‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪72‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪73‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫مقدمتان‬
‫بعد أن مهدنا حبثنا يف االقتصاد بفصول عن التخلف‪ ،‬وعن ضرورة‬
‫التحرر من التبعية‪ ،‬وعن األموال يف التشريع اإلسالمي‪ ،‬ندخل هنا يف‬
‫صميم املوضوع حبول اهلل ال رازق ذي الطول‪.‬‬
‫إن املذهب االقتصادي اإلسالمي طبق يف عهود خلت مل يكن فيها‬
‫مفهوم االقتصاد معروفا كما حيدده االصطالح العصري‪ .‬كانت األمور‬
‫متشي عفويا إىل حد كبري‪ ،‬ومل يكن للدولة أي أثر يذكر‪ ،‬وال أي هم مقيم‬
‫مقعد فيما يتعلق حبالة أرزاق العباد‪ .‬اللهم إال ما كان من ظلم احلكام‬
‫الذين طغوا يف البالد جيمعون األموال من غري حلها‪ ،‬وينفقوهنا يف غري‬
‫مصارفها‪.‬‬
‫أما اليوم فاالقتصاد غول خميف يقض شبحه مضاجع احلكام‪ ،‬على‬
‫جناحه يتوقف جناح كل نظام حاكم‪ ،‬ومن خالله يتدخل االستعمار‪،‬‬
‫وبواسطته يتحكم األغنياء واألذكياء املاكرون واحملتكرون على الرقاب‬
‫واألرض وما عليها‪.‬‬
‫وحتتاج الدولة اإلسالمية لنظرية اقتصادية إسالمية متكاملة واضحة‬
‫املعامل تستند عليها يف االختيارات والق رارات‪ .‬فإن السياسة هي اختاذ الق رار‬
‫باختيار هذا احلل على ذلك نظ را لألهداف اليت تفضلها على غريها‪ ،‬ونظ را‬
‫للوسائل اليت معك‪ ،‬ونظ را ملا تتوقعه من رضى الناس بق رارك ملا يأتيهم به‬
‫من خري‪ .‬ولب االختيارات والق رارات اليت تتخذها الدولة احلديثة هلا مساس‬
‫مباشر وثيق باالقتصاد‪ ،‬بل جلها اقتصادية‪ ،‬بل كلها‪ .‬فيحق القول أن‬
‫االقتصاد هو زمام السياسة وجسمها‪ ،‬وحواسها‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪74‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫وردت كلمة «قصد» و«اقتصاد» يف الكتاب والسنة مبعىن االجتاه إىل‬
‫اهلدف املقصود‪ ،‬ومبعىن التوسط يف األمر‪ ،‬يف مثل قول اهلل عز وجل‪« :‬‬
‫{واقْ ِ‬
‫ك} (لقمان‪ )19 ،‬حكاية عن لقمان يوصي ابنه‪ ،‬ويف‬
‫ص ْد فِ ي َم ْش يِ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫{وم نـْ ُه م ُّم ْق تَ ص ٌد} (فاطر‪ )32 ،‬وهو املتوسط‪ .‬وجاء‬
‫مثل قوله عز وجل‪َ :‬‬
‫يف احلديث الشريف لفظ القصد واالقتصاد مبعىن التوسط واملداومة والسري‪.‬‬
‫حنتاج لنظرية اقتصادية واضحة املعامل لكي نبين منوذجنا طبقا لروح‬
‫ديننا‪ ،‬استجابة وحتقيقا لعقيدتنا وطموحنا يف الكفالة الذاتية والرخاء‬
‫والقوة‪ .‬شأن أمة هلا قصد‪ ،‬قادرة على سلوك الطريق إىل أهدافها املعنوية‬
‫والتارخيية‪ ،‬مبداومة واستم رار‪ ،‬عرب عامل مليء بالعقبات‪.‬‬
‫إننا معشر املسلمني يعيش معظمنا يف ح زام حول األرض يتميز باملناخ‬
‫املداري احلار اجلدب‪ ،‬فأرضنا حيتاج استصالحها إىل جهد خاص‪ ،‬وأسلوب‬
‫خاص‪ ،‬واقتصاد خاص‪ .‬وإننا ننتمي إىل فئة من الشعوب احليوية يف‬
‫التناسل والتوالد‪ ،‬يتكاثر عدد سكاهنا من املواليد أربعة أضعاف منو املنتوج‬
‫الزراعي‪ .‬وإن لنا أمواال مبددة شذر مذر‪ .‬طاقات بشرية هائلة لو جندت‪،‬‬
‫وأرض حتتاج جلهد خاص لتخصب‪ ،‬وموارد مالية وطبيعية وافرة لوال النهب‬
‫اخلارجي والتبذير الداخلي‪ ،‬ولوال الذهنيات املتخلفة‪ ،‬واحلاجات التكاثرية‬
‫املصنوعة املت زايدة‪.‬‬
‫فاملطلوب مذهب اإلسالم يف االقتصاد لتتفاعل هذه املعطيات تفاعال‬
‫إجيابيا‪ ،‬فنحصل على القوام املادي الضروري لبقائنا ووجودنا وطموحنا‪.‬‬
‫بني يدي هذه الصفحات العاجزة يف املوضوع غري املتخصصة أضع‬
‫مقدمتني‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪75‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫المقدمة األولى‪ :‬المقاصد والعقبات‬
‫إن الغاية من خلق اهلل عز وجل هذا الكون‪ ،‬هي أن يعطي خلقه من‬
‫اجلن واإلنس إطارا حياتيا يكون ظرفا لوجودهم‪ ،‬ولكسبهم أسباب السعادة‬
‫أو الشقاء من األعمال‪ ،‬ولنشرهم بعد املوت‪ ،‬وحلشرهم إىل دار اجل زاء‪ ،‬إىل‬
‫ت ال ِ‬
‫ْج َّن َو ِْ‬
‫نس إَِّل‬
‫ال‬
‫{و َم ا َخ لَ ْق ُ‬
‫جنة أو نار‪ .‬يقول اهلل تبارك وتعاىل‪َ :‬‬
‫َ‬
‫لِ يـَ ْع بُ ُد ون} (الذاريات‪ .)56 ،‬فاملقصود من اخللق هو الفرد من اجلن واإلنس‬
‫يريد له اهلل اخلالق ال رازق أن حيقق عبوديته خلالقه‪ .‬واآليات اليت ختربنا أن‬
‫هذا الكون خلق من أجلنا‪ ،‬وسخر لنا‪ ،‬دنياه وآخرته‪ ،‬مساؤه وأرضه‪ ،‬كثرية‪.‬‬
‫فأنت إذن أيها العبد درة الوجود‪ ،‬حولك يدور‪ ،‬وأنت عروسه ومعناه‬
‫ومغ زاه‪ .‬ما خلقت لتكون عجلة من عجالت االقتصاد‪ ،‬وال دابة تأكل‬
‫وتتمتع بال هدف‪ .‬فال جيوز أن يعترب الفرد يف اجملتمع اإلسالمي جمرد خادم‬
‫لالقتصاد‪ ،‬وال عبدا للجماعة‪ ،‬وال عامال أصم من عوامل اإلنتاج‪ .‬ينبغي‬
‫أن توفر له الدولة ويوفر له االقتصاد حريته يف اختيار الدين الذي يدين‬
‫به‪ ،‬وحريته يف ال رأي‪ ،‬وحريته يف السعي إىل حتقيق غاية وجوده‪ ،‬وبالتايل‬
‫الالزم‪ ،‬حريته يف كسب معاشه‪ .‬ألنه إن استعبد واضطهد وضيق عليه يف‬
‫معاشه فقد سائر احلريات‪ ،‬وضل عن غايته‪ .‬وحريته يف الكسب تعىن أن‬
‫يكدح ويتعب ويعمل ِب د ليأكل من عرق جبينه‪ ،‬ال أن يعيش طفيليا‪ .‬فإنه‬
‫إن عاش طفيليا على اجملتمع‪ ،‬بالكسب احل رام من ظلم‪ ،‬وابت زاز‪ ،‬وغش‪،‬‬
‫وكسل‪ ،‬وحيلة‪ ،‬ودروشة‪ ،‬وتواكل‪ ،‬فقد خان قانون العبودية هلل عز وجل‪.‬‬
‫إنسان حر‪ ،‬عبد باخللق خريه اهلل مبا أعطاه من حرية بني أن يكون‬
‫عبدا بااللت زام للشريعة قانون العبودية‪ ،‬وبني أن يكون عبدا هلواه‪ .‬فيناسبه‬
‫اقتصاد حر‪ ،‬ونظام سياسي ميكنه من التشاور واختيار حكامه حبرية‪،‬‬
‫ويناسبه حترك يف اجملتمع ويف العامل حبرية‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪76‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫االقتصاد احلر نعين به اقتصاد العبد السائر على قانون ربه الذي حدد‬
‫احلالل واحل رام‪ ،‬والواجب واحلق‪ ،‬ونظام امللكية وامل رياث‪ ،‬وحقوق األجري‬
‫والشريك‪ ،‬وحق اهلل يف املال‪ ،‬ومصرفه للبائس والسائل واحملروم‪ ،‬وحث‬
‫على السعي والنشاط يف الكسب‪ ،‬وحذر من االغ رتار باحلياة الدنيا واملتعة‬
‫الدوابية‪ .‬فإذا اختار اإلنسان داخل اجملتمع اإلسالمي أال يدين باإلسالم‪،‬‬
‫فاإلسالم يضمن حريته الكاملة يف التصرف داخل حدود العبودية هلل ال‬
‫خارجها‪ .‬وإن تبني للجماعة أن اإلنسان الفرد يف اجملتمع اإلسالمي سفيه‬
‫ال يستحق احلرية حجر عليه كما حيجر على الصيب غري املسؤول‪ .‬وإن‬
‫كان اإلنسان الفرد يف اجملتمع اإلسالمي اختار أن يكون عبدا هلواه‪ ،‬مسته رتا‬
‫بأحكام الرب جل وعال‪ ،‬سلبت منه تلك احلرية االقتصادية والسياسية‬
‫وأقيم عليه احلد والتعزير‪.‬‬
‫االقتصاد احلر باملفهوم ال رأمسايل يعين حرية الغاب‪ ،‬وأخالق املنافسة‬
‫الغابوية‪ ،‬والربا‪ ،‬واالحتكار‪ ،‬وظلم الشعوب‪ ،‬واستعباد العامل‪ ،‬ودرجه يف‬
‫عداد آالت اإلنتاج‪ ،‬وجعل اإلنسان دابة تكدح وتستهلك‪ .‬وتعىن الكلمة‬
‫يف اإلسالم نقيض كل ذلك دون أن يكون يف ديننا ما يبيح للدولة أن حتتكر‬
‫النشاط االقتصادي‪ ،‬وال ما يبيح السيطرة السياسية بغري حق‪.‬‬
‫ليكن هذا واضحا يف أذهاننا اليت ألفت أن ترى يف ال رأمسالية منوذج‬
‫النظام احلر‪ ،‬ويف االش رتاكية نقيضا له‪ .‬االقتصاد اإلسالمي حر مبعاين احلرية‬
‫الغائية املقيدة هنا يف الدنيا بقيود الشرع‪ .‬وهبذا يكون النظام اإلسالمي‬
‫السياسي واالقتصادي واالجتماعي واحلضاري نقيضا للنظامني اجلاهليني‪،‬‬
‫ال من حيث التطبيقات العملية اجلزئية فقط‪ ،‬بل من أساسه ومن غايته‪.‬‬
‫اجلاهلية ترى اإلنسان دابة ال معىن هلا‪ ،‬واإلسالم ي راه آدميا مكرما بآدميته‪،‬‬
‫حمشورا إىل ربه بعد املوت‪ ،‬سعيدا عنده‪ ،‬أو شقيا يف دار اخللود‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪77‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫يبقى أن يتشخص النموذج االقتصادي اإلسالمي يف واقع متحرك‪،‬‬
‫جيمع تفاصيل األحكام الشرعية يف مذهبية‪ ،‬وتنظيم‪ ،‬وإدارة‪ ،‬وإنتاج‪،‬‬
‫وتوزيع‪ ،‬منصبة على اإلنسان‪ ،‬على شكل زاد لسفره إىل اهلل‪ ،‬وعلى شكل‬
‫جهاز مادي لضيافته يف الدنيا‪ ،‬وعلى شكل قوة لألمة‪ ،‬وبركة عليها وعلى‬
‫املستضعفني‪ ،‬وهم أمة الدعوة‪ ،‬ال يستثنون من اهتمامنا أبدا‪ ،‬ولو كانوا‬
‫ال ي زالون على الفطرة احملرفة مل تبلغهم الدعوة‪ ،‬أو شوهت مسعتها لديهم‪.‬‬
‫ما دون تشخيص النموذج اإلسالمي عقبات الختالفه يف الغاية واألهداف‬
‫عن مقاصد االستكبار العاملي‪ ،‬وملشاكل التخلف الداخلية فينا‪ .‬ونستعمل‬
‫كلمة التخلف باملفهوم الذي بيناه يف فصل سابق‪ ،‬نعرتف بتقصرينا دون‬
‫أن نسحب الكلمة على ما عندنا حبمد اهلل من اإلجيابيات‪ ،‬ورأسها إميان‬
‫األمة باهلل ورسوله واليوم اآلخر‪ .‬وهو رأس األمر‪ ،‬أعز ما هناك‪.‬‬
‫من العقبات ما حيول دون متليك اإلنسان املسلم واجملتمع املسلم‬
‫حريتهما ليصبحا فاعلني ال مفعولني سياسيا واقتصاديا‪ .‬فالعقبات‬
‫السياسية والتخلف السياسي عائقان اقتصاديان‪ ،‬والعكس صحيح‪.‬‬
‫واجملاالن م رتابطان ت رابطا صميما‪ .‬ومن العقبات ما حيول دون ترويض املال‬
‫ليخدم اإلنسان بدل أن يكون قوة عمياء تتصرف يف مصري اإلنسان من‬
‫خلف مكامنها وأوكارها‪ .‬من العقبات ما يقف حجر عثرة يف طريق‬
‫اإلنسان واجملتمع إىل التحكم يف فوضى متابعة الربح وإرضاء نزعات الشح‬
‫واألنانية‪ .‬عقبات سياسية اقتصادية نفسية‪.‬‬
‫ال ميكن أن يستبدل بالنظام االقتصادي الذي ورثته الدولة‬
‫اإلسالمية عن ماضي الفتنة نظام إسالمي جاهز بني عشية وضحاها‪.‬‬
‫نظام الفتنة‪ ،‬بل فوضاها‪ ،‬مرتكز على االستبداد السياسي‪ ،‬واالحتكار‬
‫االقتصادي‪ ،‬واهلوى األناين‪ .‬واجلهد املطلوب لكي حيول ويبدل إىل‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪78‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫اقتصاد مركز على خدمة اإلنسان واجملتمع كبري‪ .‬جهد لينهض اإلنسان‬
‫من كسله وعبوديته للبشر فيصبح منتجا حرا واعيا بوظيفته وشرفها‪.‬‬
‫جهد إلنصاف العامل من صاحب املال‪ .‬جهد لتنظيم العمال وتنمية‬
‫التضامن النقايب‪ .‬جهد لتحرير الشعب من استعالء احلاكم وصنائعه‪.‬‬
‫جهد لفك الطبقية املستغلة جلهود الناس‪ .‬جهد للتنظيم االجتماعي‬
‫تنظيما غري تنظيم سوق األنعام‪ ،‬بسوط الشرطي وتعسف اإلداري‪.‬‬
‫جهد لإلصالح الزراعي‪ .‬جهد للتصنيع‪ .‬جهد اجلهود إلقامة دولة‬
‫العدل واإلحسان جهاد يف جهاد يف جهاد‪.‬‬
‫المقدمة الثانية‪ :‬نحن في العالم‬
‫أهم عائق للنمو االقتصادي داخل بالدنا هو الراجع إىل العالقة‬
‫املنكوسة اليت جتعل احملكوم عبدا للحاكم‪ ،‬والعامل مملوكا لصاحب‬
‫املال‪ ،‬والعاطل كما مهمال‪ .‬وأهم العوائق اخلارجية عالقتنا املنكوسة‬
‫بالدولة املصنعة االستعمارية سابقا‪ ،‬والحقا‪ ،‬وطبعا‪.‬‬
‫ماذا تكون عالقة دولة اإلسالم بالعامل؟ أحنتاج إىل العامل‪ ،‬ومن بني‬
‫العامل الدول املستكربة‪ ،‬أم هو حيتاج إلينا؟ أنعامله أم نقاطعه؟ وعلى‬
‫أي أساس‪ ،‬وبأي قانون‪ ،‬ومن أي موقف؟‬
‫يسمون مبصطلحهم املقنع لقاء الذئاب باخل راف حوارا بني الشمال‬
‫واجلنوب‪ .‬رهان هذا احلوار املوارد الطبيعية‪ ،‬وأمهها النفط‪ ،‬اليت حيتاج‬
‫إليها الغرب املصنع احتياجا كبريا‪ ،‬بل احتياجا مأسويا فيما يتعلق‬
‫بالنفط‪ .‬فأمنهم االقتصادي والعسكري متوقف على امتالك تلك‬
‫املوارد املدخرة يف أرضنا معشر املستضعفني املسمني جنوبا‪ .‬وكثريا ما‬
‫تستدعي املصطلحات اجلغ رافية لتخفي حتت قناعها عيب الواقع ونية‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪79‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫التضليل‪ ،‬فيسمون مثال‪ ،‬بالد املسلمني شرقا أوسط أو شرقا أدىن كما‬
‫مسوا املستضعفني جنوبا لينتقل اهتمام السامع من بين اإلنسان‪ ،‬ومن‬
‫خصوصيات اإلنسان وشخصيته‪ ،‬إىل األرض وجهاهتا‪.‬‬
‫حمتاجون هم إىل مواردنا احتياجا كب ريا ال يفي عوضا عنها األمثان‬
‫البخسة اليت يضطروننا إىل قبوهلا‪ .‬وإمنا يبخسوننا ويستفيدون من فائض‬
‫الربح الكبري يف تبادهلم اجملحف معنا‪ ،‬ألن احتياجنا خلربهتم وآالهتم‪ ،‬خاصة‬
‫ل رأس املال‪ ،‬ولقمحهم وسالحهم‪ ،‬يستعبدنا هلم‪ ،‬وحيلنا حمل التابع الذليل‪.‬‬
‫من الضروري هلم أن يتوسعوا يف بالدنا‪ ،‬ألن منوهم االقتصادي الذي‬
‫ال يعرف حدودا حيتاج إىل جمال حيوي‪ ،‬إىل مواد خام‪ ،‬وإىل سوق لصرف‬
‫املنتوجات‪.‬‬
‫وليس من املمكن أن نقلد منوذجهم يف التنمية‪ ،‬ألننا ال منلك قاعدة‬
‫صناعية‪ ،‬وال اكتفاء فالحيا‪ ،‬وال قوة عسكرية لكي جنعل العامل جمالنا احليوي‬
‫باملعىن االستعماري‪ ،‬ولكي نتعامل معهم باملثل‪ .‬حنن يف موقف ضعف‪،‬‬
‫وتقليدنا لنموذجهم يزيدنا ضعفا إذ يعرض حماوالتنا التنموية للفشل‪ ،‬نظ را‬
‫النعدام الشروط اليت مسحت هلم يف ماضيهم وحاضرهم باهليمنة السياسية‬
‫واالقتصادية‪.‬‬
‫تتالشى فرص جناحنا كلما أخرجنا من حتت أيدينا موادنا اخلام اليت ال‬
‫تعوض حملدودية األرض وذخائرها‪ .‬وقد قال أحد اقتصادييهم‪« :‬لو أن أوربا‬
‫يف القرن التاسع عشر صدرت جل فحمها إىل اخلارج لكانت اليوم بكل‬
‫تأكيد دوال متخلفة»‪.‬‬
‫على الدولة اإلسالمية أن تضع حدا ألساليب التنمية احلمقاء اليت‬
‫تعتمد على است رياد تكنولوجيا متقدمة‪ ،‬صنعت يف الغرب وللغرب املهيمن‬
‫على خ ريات األرض‪ ،‬بينما تصدر املواد اخلام الضرورية لتغذية الصناعة‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪80‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫تناقض جيعل اجلائع العاري اجلاهل األعزل جيري وراء س راب القفزة اليت‬
‫حتمله إىل الكواكب على مركبة األحالم‪.‬‬
‫املصانع واآلالت اإلنتاجية املستوردة من الغرب تستعمل تكنولوجيا‬
‫متطورة‪ ،‬فعندما يستوردها البلد املتخلف‪ ،‬يستورده معها خ رباء‪ ،‬ويبقى‬
‫تابعا سرمديا‪ ،‬مفتق را ليدربوه‪ ،‬وميولوه متويال مشروطا‪ ،‬ويعطوه قطع الغيار‪.‬‬
‫وما من آلة من بالدهم إال وتأتينا بنصيب من تلك التبعية‪ .‬ذلك باإلضافة‬
‫إىل أن اآللة اإلنتاجية املتطورة تلتهم العمل التهاما‪ ،‬وتقضي على أهل‬
‫البلد بالبطالة‪ ،‬السيما إن جاءت تلك اآللة لتحل حمل إنتاج حملي سابق‪.‬‬
‫إن اهتمام الدولة اإلسالمية جيب أن ينصرف عن أسلوب استخ راج‬
‫املعادن لتصديرها‪ ،‬وعن أسلوب املصانع املستوردة‪ ،‬لينصب على دعم‬
‫الصناعة الصغرية واملتوسطة والتقليدية‪ .‬البد لنا من صناعة ثقيلة أيضا‪.‬‬
‫والبد قبل توطينها من االستعانة مبا تتيحه السوق العاملية‪ .‬لكن االكتفاء‬
‫الذايت‪ ،‬وهو هدف حترري له األسبقية‪ ،‬ال يسمح حبال أن يكون كل اقتصادنا‬
‫تابعا حتكمه إرادة غرينا‪ .‬ونرجع بعد حني إن شاء اهلل للصناعة والتصنيع‪.‬‬
‫إن اهتمام الدولة اإلسالمية جيب أن ينصرف عن املشروعات الزراعية‬
‫الواسعة‪ ،‬املخططة املؤممة‪ ،‬املوجهة للتصدير‪ ،‬إىل املشروعات الفالحية احمللية‬
‫املسؤولة‪ ،‬املوجهة إىل اإلنتاج الغذائي‪.‬‬
‫وإن استم رار التخلف ودوام التبعية راجعان إىل مجلة من العوامل‬
‫منها وجود اقتصاد عصري منفصل عن االقتصاد البلدي‪ .‬وجود اقتصاد‬
‫ممكنن متطور‪ ،‬قائم على التبادل التبعي للخارج‪ ،‬معتمد على تكنولوجيا‪،‬‬
‫أي آالت وخربة‪ ،‬غري مستوطنة يف بالدنا‪ ،‬ومع التكنولوجيا تدخل إلينا‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪81‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫وتستفحل فينا أفكار الغرب وأمناطه احلياتية‪ .‬وهبذه الكيفية تعيش على‬
‫هامش الشعب وفوقه طبقة مديري االقتصاد العصري اليت ال يعنيها من‬
‫أمر الشعب صعوبات احلصول على الغذاء‪ ،‬وال البطالة الناشئة عن املكننة‬
‫العاتية اليت ال ت راعي املصلحة العامة‪ ،‬وإمنا تلتمس ارتفاع اإلنتاجية واألرباح‬
‫بأي مثن‪.‬‬
‫وتبقى كتلة االقتصاد البلدي مهملة‪ ،‬ويبقى السواد األعظم من األمة‬
‫حمروما غري مكرتث إال هبمومه وآالمه‪ ،‬وال مشارك يف عملية التنمية اليت ال‬
‫يفهم هلا معىن ألهنم مل خيصصوا له منها ناقة وال مجال‪ ،‬وال فتحوا له رجاء‬
‫وأمال‪.‬‬
‫يقابل هذا التشطر بني االقتصاد العصري واالقتصاد البلدي التقليدي‬
‫يف الداخل تشطر يسمى «توزيع العمل» على املستوى العاملي‪ .‬مبقتضى‬
‫هذا التوزيع املفروض على الشعوب املستضعفة حبكم ختلفها‪ ،‬بل ختليفها‪،‬‬
‫يصنع الغرب موادنا اخلام‪ ،‬يشرتيها منا‪ ،‬ال بل يبتزها ابت زازا‪ ،‬بثمن خبس‪،‬‬
‫مث يبيعنا املنتجاب بالثمن الباهض‪ ،‬بعد أن أضاف إىل قيمتها املادية قيمة‬
‫فنية تعطيها جاذبية إن كانت سلعة استهالك‪ ،‬وتعطيها الفعالية اجلهنمية‬
‫إن كانت سالحا‪ ،‬وتعطيها على كل حال السمعة واهليبة ألهنا حتمل وسام‬
‫«صنع بالواليات املتحدة األمريكية»‪.‬‬
‫توزيع العمل العاملي استعمار اقتصادي يساعد على إبقائنا يف التخلف‪،‬‬
‫والشطر العصري من االقتصاد يف بالدنا إمنا هو ذئب تابع للشركات‬
‫الكربى‪ ،‬واسفنجة المتصاص دمائنا‪.‬‬
‫هنالك مفاوضات بني الشمال واجلنوب كما يقولون‪ .‬هذه املفاوضات‬
‫ال تضع موضع التساؤل والنقد والرفض قسمة العمل اجملحفة‪ ،‬ومبدأ هتريب‬
‫املواد اخلام من بالدنا‪ ،‬ومبدأ احتكار التكنولوجيا اليت تضفي على هذه‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪82‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫املواد هذه القيمة الفنية اليت تعطى رطل النحاس الذي اشرتي بثمن ال رتاب‬
‫مئات أضعاف قيمته األصلية بعد التصنيع‪ .‬إمنا تدور هذه املفاوضات‪ ،‬كما‬
‫يريد االستعمار‪ ،‬حول حتسني قيمة التبادل‪ ،‬وحول إنشاء صندوق موازنة‬
‫لدعم أمثان املواد األولية عند اهنيار السوق‪ ،‬وحول التعاون التقين الذي ال‬
‫يتناول إال تقنيات املصانع املتطورة اجلاهزة ال التقنيات املتكيفة حباجاتنا‪،‬‬
‫وحول النسبة املائوية ِم ن َد ْخ ل الدول املصنعة اليت جيب أن ختصص (يا‬
‫للرمحة املتصدقة!) ملساعدة الدول الفقرية‪ .‬مث ال تتمخض املفاوضات إال‬
‫عن كل ما يضمن مصلحة األقوياء األغنياء‪.‬‬
‫جيب أن تكون دولة اإلسالم سابقة إىل التيقظ‪ ،‬جبانب املستضعفني‪،‬‬
‫ألصول اللعبة االقتصادية‪ ،‬وأن تساوم من موقف القوة على مواد العامل‬
‫الضعيف‪ ،‬مدركة أن العامل املصنع بفقره من املواد اخلام‪ ،‬فق را نسبيا على‬
‫كل حال‪ ،‬وباحلروب االقتصادية بني دولة ودولة‪ ،‬وباملنافسات اليت يضغط‬
‫بعضهم هبا بعضا‪ ،‬مل يبق يف مكانة يستطيع منها أن يسيطر على اقتصاد‬
‫العامل كما كان يفعل من قبل‪ .‬يشكل وجود اليابان ذلك الوجود الساطع‬
‫يف مساء االقتصاد وبروز «التنينات األربع» يف جنوب شرق آسيا‪ ،‬وبدايات‬
‫دول مثل ال ربازيل‪ ،‬وأفق تصنيع الصني غري البعيد فجوة يف الكتلة املصنعة‪،‬‬
‫منها ندخل إن شاء اهلل إىل عامل تكنولوجيا مبسطة متكيفة حباجاتنا‪،‬‬
‫فجوة تشكل فرصة تارخيية لكسر احتكار الغرب‪ ،‬وضرب استعماره‪ .‬مث إن‬
‫للكتلة اإلسالمية بعد التحرير مؤهال ذاتيا بإسالمها وإمكاناهتا خلرق تلك‬
‫العقبات‪ ،‬بإذن اهلل وحوله وقوته‪.‬‬
‫عمران األرض‬
‫عندما يزعم الغرب اجلاهلي والشرق اجلاهلي أن أسولبهما يف التنمية‬
‫هو األسلوب الوحيد املمكن‪ ،‬أو مها األسلوبان اللذان ال ثالث هلما‪ ،‬فإمنا‬
‫يستعمل سالح الغزو الفكري ليوطد به ويدمي استعماره االقتصادي‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪83‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫واحلضاري‪ .‬وإن الناطقني باسم «االش رتاكية القومية»‪ ،‬أو باسم «الطريق‬
‫الثالثة» للتنمية‪ ،‬أو باسم «االش رتاكية اإلسالمية»‪ ،‬واإلسالم االش رتاكي‪ ،‬وما‬
‫إىل هذا من اخلزعبالت‪ ،‬ما يكثرون االحتجاج والصياح بتلك الشعارات‬
‫إال تغطية لفقدهم أصال منه يستمدون‪ .‬فهم إىل أساليب الغرب يعودون‪،‬‬
‫أو إىل أساليب الشرق اجلاهليني‪ .‬وكل نظام ملفق ما هو إال هجني وابن‬
‫غري شرعي مرفوض هنا وهناك‪ .‬اهلجناء من جانب اإلسالم مرفوضون بتاتا‪،‬‬
‫وإن كان اجلانب اجلاهلي يصفق يف أعماقه للطرق الثالثة اهلجينة ملعرفته‬
‫مبا ختفي الشعارات من تنكر لألصل باسم األصالة‪ ،‬ومن غ رام وجودي‬
‫باجلاهلية يكتمه اهلجناء مبساحيق ذر الرماد يف العيون‪.‬‬
‫إن أصلنا كتاب اهلل‪ ،‬وإن عمارة األرض واجب فرضه اهلل على األمة‬
‫املستخلفة يف األرض‪ .‬فالباعث اإلسالمي على النشاط االقتصادي باعث‬
‫ديين‪ ،‬من صميم الدين‪ .‬والقوانني اليت توجه هذا النشاط شرع منزل‪ .‬قال‬
‫اهلل تعاىل حيكي رسالة عبده ورسوله صاحل عليه السالم إىل املسلمني‪:‬‬
‫ِ‬
‫ش أَ ُك م ِّم َن األَ ْر ِ‬
‫اس تـَغْ ِف ُروهُ ثُ َّم تُ وبُواْ إِلَ ْي ِه‬
‫{ه َو أَن َ‬
‫ُ‬
‫اس تـَ ْع َم َر ُك ْم ف َ‬
‫يه ا فَ ْ‬
‫ض َو ْ‬
‫ِ‬
‫يب} (هود‪.)61 ،‬‬
‫يب ُّم ج ٌ‬
‫إِ َّن َربِّ ي قَ ِر ٌ‬
‫استعمركم يف األرض‪ :‬طلب إليكم أن تقوموا بعم راهنا‪ ،‬فإن أطعتم فهي‬
‫عبادة‪ .‬عبادة اقتصادية متفقة يف اللفظ واملعىن وإن كانت خمتلفة يف الشكل‬
‫والوسائل مع عم ران آخر‪ ،‬هو عمارة املسجد‪ .‬قال اهلل عز وجل‪{ :‬إِنَّ َم ا‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫اج َد ال لّ ِ‬
‫يـ ْع م ر م س ِ‬
‫الص الَةَ َوآتَ ى‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ام َّ‬
‫آم َن بِ ال لّ ه َوالْيـَ ْوم اآلخ ِر َوأَقَ َ‬
‫َْ َ‬
‫َ ُُ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الز َك اةَ َولَ ْم يَ ْخ َ ِ‬
‫َّ‬
‫ين}‬
‫س ى أ ُْولَ ـئ َ‬
‫ك أَن يَ ُك ونُواْ م َن ال ُ‬
‫ْم ْه تَ د َ‬
‫ش إالَّ ال لّ هَ فـَ َع َ‬
‫(التوبة‪ .)18 ،‬عمارتان أختان‪ ،‬كالمها عبادة‪ ،‬لريزق اجلن واإلنس والبهيمة‪،‬‬
‫والوحش‪ ،‬والطري‪ ،‬وكل اخللق‪.‬‬
‫العمارة ضد اخل راب كما قال ال راغب االصفهاين رمحه اهلل‪ .‬وكل ما من‬
‫شأنه أن يساعد على عم ران األرض لتصلح مأوى الئقا لبين آدم املكرمني‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪84‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫ووطن سالم وأخوة ودار بركة وخري‪ ،‬فهو عبادة يؤجر عليها العبد وتؤجر‬
‫عليها األمة‪.‬‬
‫فإذا كنا نستعمل ألفاظ العصر للتعبري عن أشياء االقتصاد وحركياته‪ ،‬فعن‬
‫العم ران املأمور به شرعا نتحدث‪ .‬ومن وراء مجلنا وعباراتنا املوحية باملعاين املشرتكة‬
‫من ج راء احتكاكها املادي واستعماهلا العادي على لسان املاديني‪ ،‬قصدنا أن‬
‫يق رأ ال ربانيون عامل االقتصاد من خالل منظار املفاهيم القرآنية اإلسالمية‪ .‬أرزاق‬
‫العباد‪ ،‬الربكات‪ ،‬النعم‪ ،‬اجلهاد‪ ،‬اخلري‪ ،‬الشكر‪ ،‬البذل‪ ،‬الزكاة‪ ،‬الصدقة‪ ،‬زينة اهلل‬
‫اليت أخرج لعباده‪ ،‬الطيبات‪ ،‬اخلبائث‪ ،‬الرزق احلسن‪ ،‬األنعام محولة وفرشا‪ ،‬ش راب‬
‫خمتلف أل وانه فيه شفاء للناس‪ ،‬الزرع‪ ،‬ال زيتون‪ ،‬النخيل‪ ،‬األعناب والثم رات لعلنا‬
‫نشكر‪ .‬هذه املفاهيم القرآنية يق رأها املسلمون اخلاملون ق راءة ناعسة ال يدرون‬
‫ور }‬
‫أن من وراء { ُك لُ وا ِم ن ِّر ْز ِق َربِّ ُك ْم َوا ْش ُك ُروا لَ هُ بـَ ْل َدةٌ طَ يِّ بَ ةٌ َو َر ٌّ‬
‫ب غَ ُف ٌ‬
‫(سبأ‪ )15 ،‬وعيد {فَ أَع رض وا فَ أَرس لْن ا ع لَ ي ِه م س ي ل الْع ِرِ‬
‫َّ‬
‫اه م بِ َج نَّتـَ ْي ِه ْم‬
‫ْن‬
‫ل‬
‫د‬
‫ب‬
‫و‬
‫م‬
‫ْ َ ُ ْ َ َ َ ْ ْ َ ْ َ َ ََ َ ُ‬
‫ج نَّتـ ي ِن َذواتَ ى أُ ُك ٍل َخ م ٍط وأَثْ ٍل و َش ي ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫اه م بِ َم ا‬
‫ن‬
‫يـ‬
‫ز‬
‫ج‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫يل‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ر‬
‫د‬
‫س‬
‫ن‬
‫م‬
‫ء‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ َ َْ ُ‬
‫َ َْ َ‬
‫ْ َ َ ْ‬
‫ور}‪( .‬سبأ‪)17-16 ،‬‬
‫َك َف ُروا َو َه ْل نُ َج ا ِزي إَِّل الْ َك ُف َ‬
‫أعرضت سبأ عن أمر رهبا فبدهلم اهلل باجلنتني الطيبتني جنيت شوك وجدب‪.‬‬
‫ولو مل نعرض عن أمر ربنا ملا أخذنا بالسنني ونقص من األموال واألنفس‬
‫والثم رات‪ ،‬وبالتخلف االقتصادي‪ ،‬واهل زمية العسكرية احلضارية‪ .‬قال صاحل عليه‬
‫السالم مهددا قومه ألهنم مل يستعمروا األرض استعمار الصاحلني كما أمرهم‬
‫اهلل عز وجل‪{ :‬أَتـ تـ رُك و َن فِ ي م ا ه اه ن ا ِ‬
‫َّات وعُ ي ٍ‬
‫آم نِ ين فِ ي ج ن ٍ‬
‫وع‬
‫ون َو ُز ُر ٍ‬
‫َ َ َُ‬
‫َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين} (الشع راء‪149- ،‬‬
‫َونَ ْخ ٍل طَلْعُ َه ا َه ض ٌ‬
‫يم َوتـَ ْن ح تُ و َن م َن الْج بَ ال بـُيُ وت اً فَ ا ِره َ‬
‫‪ )136‬لكنهم عصوه وعقروا الناقة‪ ،‬فدمدم عليهم رهبم بذنبهم فسواها‪،‬‬
‫فال خياف عقباها‪ .‬وإننا لنرجو أن نتلقى أمر اهلل عز وجل من جديد بنية‬
‫الطاعة ونشمر عن ساعد اجلد ونستعمر األرض االستعمار الصاحل‪ ،‬فيبارك اهلل‬
‫{ولَ نَ بـْلُ َونَّ ُك ْم‬
‫جهدنا‪ ،‬وتبقى ذكرى التخلف موعظة من باب قوله تعاىل‪َ :‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪85‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫شيٍ‬
‫س وال ثَّم ر ِ‬
‫ص ِّم ن األََم و ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫ات‬
‫ف‬
‫األن‬
‫و‬
‫ال‬
‫ق‬
‫نـ‬
‫و‬
‫وع‬
‫ْج‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫وف‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ء‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ُ ََ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫بَْ َ‬
‫َ ََ‬
‫ش ِر َّ ِ‬
‫َوبَ ِّ‬
‫ين} (البقرة‪ .)155 ،‬اخلوف واجلوع والنقص تكون مبجموعها‬
‫الص اب ِر َ‬
‫معادلة التخلف‪ .‬عسى ذلك يكون لنا عربة‪ .‬ومن اإلقبال على اهلل عز‬
‫وجل بتوبة اقتصادية أن حنارب ثالث موبقات‪ :‬الربا‪ ،‬والطغيان ال رأمسايل‪،‬‬
‫والتعسف الشيوعي‪.‬‬
‫جيب القضاء احلتمي يف دولة اإلسالم على القروض اليت جتر فائدة أو‬
‫نفعا‪ ،‬كانت قروض استهالك أو قروض إنتاج‪ ،‬كانت خاصة أو حكومية‪،‬‬
‫قليلة أو كثرية‪ .‬ويقنن جملس الفتوى واالجتهاد حدود الضرورة اليت تؤدي‬
‫بالدولة إىل االق رتاض من اخلارج‪ ،‬كما يقنن التعامل يف املصارف اإلسالمية‬
‫بشأن احلسابات اجلارية‪ ،‬والودائع االستثمارية‪ ،‬والكمبياالت‪ ،‬والشيكات‪،‬‬
‫وخطابات االعتماد‪ ،‬وعمولة املصرف يف كل هذه العمليات‪ ،‬وما إىل ذلك‪.‬‬
‫جيب نبذ النموذج ال رأمسايل عدو اإلنسان‪ ،‬ذلك الوحش الذي حيمل‬
‫يف طبيعته خطر العدوان على اجملتمع البشري مبا فيه من أنانية ال تعرف‬
‫إال مصلحة الفرد‪ ،‬جتيز له اف رتاس اآلخرين بالناب واملخلب‪ .‬ال نستطيع‬
‫بال رأمسالية أن نليب حاجة الشعب للتجهي زات األساسية‪ ،‬والصحة‪،‬‬
‫والتعليم‪ ،‬والرخاء‪ ،‬وسائر مقومات احلياة الكرمية العامة‪ .‬فال رأمساليون‬
‫يوجهون السوق‪ ،‬ويتحكمون فيها‪ ،‬وال يستثمرون إال يف املشاريع السريعة‬
‫الربح‪ ،‬ال يأهبون بعمل العاطل‪ ،‬وال حبق املسكني‪.‬‬
‫جيب نبذ النموذج اجلاهلي اآلخر‪ ،‬الشيوعي‪ ،‬ألنه عاجز عن إعادة‬
‫التوازن إىل العالقات االقتصادية يف العامل مع أن منطلقه كان حماربة‬
‫اإلمربيالية‪ ،‬أي السيطرة ال رأمسالية‪ .‬نرتجم بكلمة «السيطرة» مفهوم‬
‫اإلمربيالية الذي أسكن فيه لينني فلسفة كاملة عن طغيان ال رأمسالية‬
‫الصناعية‪ .‬وذابت الفلسفة وبقي اللفظ‪ .‬وبدا وجه اإلمربيالية ال رأمسالية‬
‫كاحلا كوجه شقيقته االش رتاكية العلمية يف زعمها‪ .‬والتبعية ألي من‬
‫األمربياليتني تبقى تبعية مكره لعدوه‪ ،‬فإذا اخرتنا منوذج إحدامها فقد دققنا‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪86‬‬
‫‬
‫‬
‫االقتصاد‬
‫هلا يف أرضنا أوتاد التخييم‪ ،‬بل مهدنا هلا بني ظه رانينا مثوى الساكن‬
‫املقيم‪ .‬جيب أن نبين ألنفسنا بنيانا اقتصاديا على أساس التقوى من أول‬
‫يوم‪ .‬نضع حجرة األساس يوم نعلنها دولة قرآنية ال من غرب اجلاهلية وال‬
‫من شرقها‪.‬‬
‫ ‬
‫الفصل السادس‬
‫اإلنتاج‬
‫ عمر يعلم الناس علم الكسب‬‫ احلث على الكسب‬‫ طلب احلالل‬‫ هل يكون اقتصادنا اقتصاد سوق؟‬‫ املبادرة احلرة‬‫ التخطيط وعقلنة االقتصاد‬‫‪ -‬أهداف التخطيط‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪89‬‬
‫‬
‫‬
‫عمر يعلم الناس علم الكسب‬
‫اإلنتاج‬
‫روي أن عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه كان يطوف بالسوق‪ ،‬ويضرب‬
‫الناس بالدرة يعلمهم علم الكسب ويقول‪ :‬ال يبيع يف سوقنا إال من يفقه‪،‬‬
‫وإال أكل الربا‪ ،‬شاء أم أىب‪.‬‬
‫إن النشاط االقتصادي يف اإلسالم ليس عمال وثنيا ماديا مبعزل عن‬
‫الدين واألحكام الشرعية‪ ،‬بل إطاره احلالل واحل رام‪ ،‬الطيب واخلبيث‪ .‬ال‬
‫طيب إال ما طيبه الشارع‪ ،‬وال جيوز ممارسة شيء من أعمال اإلنتاج إال‬
‫بضوابط شرعية يفصلها علم العقود‪ .‬وهي راجعة كلها إىل األبواب الستة‬
‫األصلية‪ :‬البيع‪ ،‬الربا‪ ،‬السلم‪ ،‬اإلجارة‪ ،‬الشركة‪ ،‬الق راض‪ .‬ولكل من هذه‬
‫األبواب شروط وصور تطبيقية‪ ،‬اجتهد فقهاؤنا السابقون يف مالءمة واقعهم‬
‫االقتصادي هلا‪ ،‬ومواءمته هبا‪.‬‬
‫يلزم الدولة اإلسالمية هلذا العصر اجتهاد إلخ راج االقتصاد من فوضى‬
‫القانون ال رأمسايل إىل نظام اإلسالم‪ ،‬ومعايري احلالل واحل رام‪ .‬ويف أصولنا وفقهنا‬
‫املؤثل سعة الستيعاب وجوه الكسب واإلنتاج‪ .‬فإن فقهاءنا استنبطوا من‬
‫األحكام ما مل يشعر معه املسلمون حبرج يف معامالهتم التجارية والصناعية‬
‫على طول هذه القرون اليت كان القانون اإلسالمي فيها سيدا يف السوق‪،‬‬
‫وإن كان يف نظام احلكم فساد‪ .‬وفقهنا قادر حبول اهلل على استيعاب وجوه‬
‫املعامالت املستحدثة‪.‬‬
‫ففي الق راض استنبطوا أحكاما تلجم رأس املال بشروط‪ ،‬وحتدد وجوه‬
‫تقاسم الربح‪ ،‬كما حتدد عالقة العامل بصاحب املال‪.‬‬
‫ويف الشركة قيدوا شركة املفاوضة وشركة األبدان‪ ،‬وشركة الوجوه (وهي‬
‫نوع من استغالل النفوذ) بقيود تبطلها لوقوع الغرر واإلجحاف بالشركاء‪.‬‬
‫وأطلقوا شركة العنان باإلباحة‪ ،‬وبينوا كيفية دخول النقد والعروض يف‬
‫حساب الشركة ومعامالهتا‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪90‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫مرد األحكام اإلسالمية يف فقه الكسب إىل منع الظلم‪ ،‬واالحتكار‪،‬‬
‫وتزييف احلسابات‪ ،‬وغش املعامل‪ ،‬وترويج البضاعة بالكذب‪ ،‬والربا‪،‬‬
‫وتطفيف املكيال واملي زان‪ ،‬واللعب باألسعار‪ ،‬والتغابن‪ ،‬وسائر أنواع الفساد‬
‫اليت كان يضرب أمري املؤمنني عمر رضي اهلل عنه الناس بالدرة ينبههم إىل‬
‫فقهها‪.‬‬
‫كانت الدرة العمرية رمز وازع السلطان‪ ،‬وعدة احلسبة‪ ،‬وسلطة األمر‬
‫باملعروف والنهي عن املنكر‪ .‬وكان وازع القرآن هو الباعث يف ذلك اجملتمع‬
‫الفاضل اخلري على طلب الفقه يف الدين‪ ،‬ألن املنتج‪ ،‬تاج را وصانعا‪ ،‬كان‬
‫حريصا على دينه‪ ،‬شحيحا بآخرته‪ .‬فكان اإلنتاج عبادة يؤدي هبا العبد‬
‫فرض الكفاية عن األمة احملتاجة إىل صناعات وجتارات‪ ،‬تصلح شأهنا‪ ،‬وتؤمن‬
‫معاشها‪ .‬وكان انتظام حياة اجملتمع هم التاجر والصانع الصاحل‪ .‬وكانت‬
‫نية االستعفاف بطلب احلالل‪ ،‬ونية اإلنفاق على العيال‪ ،‬ونية اإلفاضة من‬
‫فضول الرزق على العباد حمرك تلك اهلمم‪ .‬كانوا أمة ال تلهيهم جتارة وال‬
‫بيع عن ذكر اهلل‪.‬‬
‫لعل باملقارنة إىل ما آل إليه أمر املسلمني يف موقفهم الوثين إزاء الكسب‪،‬‬
‫تتبني لنا الشقة البعيدة اليت يلزم أن نقرب منها هذا االقتصاد اجلامح مع‬
‫اهلوى إىل معاين التعبد والتقرب إىل اهلل من خالل السعي يف األرض‪ ،‬وابتغاء‬
‫فضل اهلل الدائم يف اآلخرة‪ .‬من خالل حسن التصرف فيما يتفضل به هنا‬
‫على عباده الكاسبني‪ .‬إن إنسان العصر الوثين يصف نفسه بأنه حيوان‬
‫سياسي‪ ،‬وحيوان اقتصادي‪ .‬وتنم عبارة الناس عن دخائلهم‪ .‬وما ال رأمسايل‬
‫إال وحش كاسر يف غابة متجد الفردية األنانية‪ ،‬وحترتم كل مهزة ملزة مجع ماال‬
‫وعدده‪ .‬ويف اجلانب اآلخر من اجلاهلية دولة وحش كاسرة‪.‬‬
‫باملقارنة مع فقه املعامالت اإلسالمي‪ ،‬وبرتكيب منظار احلالل واحل رام‪،‬‬
‫والطيب واخلبيث على أعيننا تتبني لنا جماري الظلم والظالم اللذان دخال‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪91‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫علينا حني خربت الضمائر وفسدت الذمم‪ ،‬ومارس املسلمون الربا وسائر‬
‫أنواع اجل رائم االقتصادية‪ ،‬فأعرضوا بكفر نعمة املوىل عز وجل عن عمارة‬
‫األرض اليت أمروا هبا كما أمروا بسائر العبادات‪.‬‬
‫فإصالح االقتصاد‪ ،‬وتشجيع الكسب واإلنتاج‪ ،‬مي ران من طريق الدعوة‪،‬‬
‫ويدخالن من باهبا‪ .‬ولن خنرج من ختلف األع رابية القاعدة اخلائنة املنافقة‬
‫فنستحق اخلالفة يف األرض إال عندما تكون يف ضمائرنا ويف قوانيننا املعامالت‬
‫االقتصادية فيما بيننا جزءا ال يتجزأ من معاملتنا مع املوىل عز وجل‪ .‬لن‬
‫خنرج من التخلف بذهنية الزهادة واهلروب من الكسب واخلمول والدروشة‬
‫ادعاءا للورع‪ ،‬وخوف الوقوع يف الشبهات‪ .‬فذلك دين املؤمن الضعيف‪.‬‬
‫وإمنا يصلح األمة جهاد اقتصادي يعم أصناف الناس‪ ،‬ويغطي كل احلرف‪،‬‬
‫ويؤمن كل حاجات األمة‪ .‬رادع اخلوف من احلساب يوم القيامة‪ ،‬والتناهي‬
‫عن املنكر‪ ،‬قيود تكف الشهوة واهلوى وحب الدنيا أن تصول وتعتو وتفتك‬
‫بقيم األمة املادية واملعنوية‪ .‬فهي سوالب‪ .‬لكن احلافز القوي‪ ،‬حافز اعتبار‬
‫اإلنتاج اجليد‪ ،‬احلالل‪ ،‬النظيف‪ ،‬يسبق يف النظر واالعتبار كما يسبق إعداد‬
‫الفرس إعداد اللجام‪.‬‬
‫الحث على الكسب‬
‫عقد اإلمام الغ زايل رمحه اهلل بابا يف احلث على الكسب قال‪ :‬أما من‬
‫ار َم َع اش اً} (النبأ‪ ،)11 ،‬فذكره‬
‫{و َج َع لْنَ ا الن ـَّ َه‬
‫الكتاب فقوله تعاىل‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ش قَ لِ ي الً َّم ا‬
‫{و َج َع لْنَ ا لَ ُك ْم ف َ‬
‫يه ا َم َع ايِ َ‬
‫يف معرض االمتنان‪ .‬وقال تعاىل‪َ :‬‬
‫تَ ْش ُك ُرون} (األع راف‪ ،)10 ،‬فجعلها ربك نعمة وطلب الشكر عليها‪ .‬وقال‬
‫ض الً ِّم ن َّربِّ ُك ْم} (البقرة‪.)198 ،‬‬
‫تعاىل‪{ :‬لَ ْي‬
‫اح أَن تـَ ْب تـَغُ واْ فَ ْ‬
‫س َع لَ ْي ُك ْم ُج نَ ٌ‬
‫َ‬
‫ض ِربُو َن فِ ي ْالَْر ِ‬
‫ض ِل ال لَّ ِه}‬
‫وقال تعاىل‪:‬‬
‫ض يـَ ْب تـَغُ و َن ِم ن فَ ْ‬
‫{وآ َخ ُرو َن يَ ْ‬
‫َ‬
‫(املزمل‪ .)20 ،‬وقال تعاىل‪{ :‬فَ انتَ ِش ُروا فِ ي ْالَْر ِ‬
‫ض ِل ال لَّ ِه}‬
‫ض َوابـْتـَغُ وا ِم ن فَ ْ‬
‫(اجلمعة‪ .)10 ،‬وأما األخبار فقد قال صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬من الذنوب‬
‫ذنوب ال يكفرها إال اهلم يف طلب املعيشة»‪ .‬وقال عليه السالم‪« :‬التاجر‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪92‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫الصدوق حيشر يوم القيامة مع الصديقني والشهداء» (رواه الرتمذي وحسنه‬
‫واحلاكم من حديث أيب سعيد)‪ )...( .‬وقال صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬أحل ما‬
‫أكل الرجل من كسبه‪ ،‬وكل بيع مربور» (رواه أمحد والب زار واحلاكم بنحوه‬
‫وصححه)‪ .‬ويف خرب آخر‪« :‬أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح»‬
‫(رواه أمحد من حديث أيب هريرة وحسنه الع راقي)‪ )...( .‬وقال عليه السالم‪:‬‬
‫«ألن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خري من أن يأيت رجال أعطاه‬
‫اهلل من فضله فيسأله‪ ،‬أعطاه أو منعه» (متفق عليه من حديث أيب هريرة)»‪.‬‬
‫طلب الحالل‬
‫جبل اإلنسان على حب الدنيا‪ ،‬والتسابق مع أق رانه يف مجع متاعها‪،‬‬
‫والتكاثر‪ .‬زين اهلل عز وجل له ذلك يف جبلته‪ ،‬وأخربه بذلك‪ ،‬وحذره منه‪.‬‬
‫{زيِّن لِ‬
‫الش َه و ِ‬
‫ات ِم ن ال نِّس اء والْب نِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ين‬
‫ب‬
‫ح‬
‫َّاس‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫َ َ َ َ َ‬
‫قال تبارك وتعاىل‪َ ُ :‬‬
‫َ‬
‫اط ي ِر الْم َق ن طَ رِة ِ‬
‫والْ َق نَ ِ‬
‫ب وال ِ‬
‫ضِ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ْ‬
‫س َّو َم ِة َواألَنـْ َع ِام‬
‫ْم‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫ي‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ة‬
‫ْف‬
‫ه‬
‫الذ‬
‫ن‬
‫م‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َ َ‬
‫ُ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْم ِ‬
‫ْح يَ اة ُّ‬
‫آب} (آل‬
‫ْح ْرث َذل َ‬
‫ك َم تَ اعُ ال َ‬
‫َوال َ‬
‫الدنـْيَ ا َوال لّ هُ ع ن َدهُ ُح ْس ُن ال َ‬
‫ْم َق ابِ َر}‬
‫عم ران‪ .)14 ،‬وقال عز من قائل‪{ :‬أَل َ‬
‫ْه ا ُك ُم ال تَّ َك اثـُ ُر َح تَّى ُز ْرتُ ُم ال َ‬
‫(التكاثر‪.)2-1 ،‬‬
‫ال سبيل إىل دفع تلك اجلبلة ومقاومتها إال ملن وقاه اهلل شح نفسه‪،‬‬
‫أو هذبه باإلميان ف زال منه احلرص وطول األمل اللذان أخرب عنهما الصادق‬
‫املصدوق صلى اهلل عليه وسلم بأهنما يشيبان مع املرء ويلزمانه‪.‬‬
‫لكن املمكن والواجب ألمة تريد احلياة‪ ،‬وتريد استعادة عزها باإلسالم‪،‬‬
‫أن توجه طبيعة حب االمتالك‪ ،‬من حيث هو امتالك إىل طلب احلالل‪،‬‬
‫وربط هذا الطلب الفردي باهلدف االجتماعي االقتصادي لألمة‪ .‬وإن اهلل‬
‫عز وجل حني خلق آدم وبنيه ليعمروا األرض‪ ،‬وحني أمر عباده بعم راهنا‬
‫باخلري‪ ،‬زودهم سبحانه هبذه الغريزة لكيال تتعطل وظيفتهم هذه‪ .‬والتنافس‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪93‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫على الدنيا من التدافع الذي أسس اهلل سبحانه وتعاىل عليه عمارة األرض‪،‬‬
‫تفسد األرض وخترب بغيابه‪ .‬قال عز من قائل‪{ :‬ولَ والَ َدفْ ع ال لّ ِ‬
‫َّاس‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ُ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ت األَرض ولَ ِ‬
‫ض لَّ َف س َد ِ‬
‫ْع الَ ِ‬
‫بـَ ْع َ ِ‬
‫ٍ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ى‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ض‬
‫ف‬
‫و‬
‫ذ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫ـك‬
‫ين}‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض ُه ْم ب بـَ ْع ٍ َ‬
‫(البقرة‪.)251 ،‬‬
‫فمن اخلري العميم‪ ،‬والنعمة الشاملة‪ ،‬أن تسخر غريزة التنافس يف‬
‫عمارة األرض بعد أن يهذهبا اإلميان ويوجهها ويسكبها يف قوالب القوانني‬
‫الشرعية‪ .‬وكما يكون التنافس احليواين حمرك ال رأمسالية الفردية‪ ،‬فإن التنافس‬
‫اآلدمي يكون حمرك العم ران اإلسالمي‪ .‬وكما يتنافس اجلاهليون فيما بينهم‬
‫أيهم يستحوذ علينا‪ ،‬ينبغي ألمة اإلسالم أن يصبح طلب احلالل وت را يف‬
‫قوس اقتصادها لرتمي بإنتاجها أهداف العدو وتكسر احتكاره‪ ،‬وتغزو‬
‫سوقه‪ .‬العامل كله اليوم سوق‪ ،‬واملنافسة قانونه‪ .‬منافسة بني الشركات‬
‫والدول الغربية‪ .‬االقتصاد الغريب مهدد حبذق اليابانيني وجودة منتوجاهتم‪،‬‬
‫يشكو تلك املنافسة‪ ،‬ويتخذ اإلج راءات اجلمركية حلماية أسواقه‪ .‬وذلك‬
‫خرق ملبدإ احلرية ال رأمسالية الغابوية‪ .‬منافسة بني روسيا وأمريكا‪ .‬وكأن‬
‫ستالني وخرتشوف حني كانا يعلنان لدولتهما وللعامل أن روسيا ستنتج‬
‫مثل أمريكا وستفوهتا إمنا يدخالن يف سياق رأمسايل مع ال رأمسالية‪ .‬كأهنما‬
‫اعرتفا أن رأمساليتهما‪ ،‬وهي رأمسالية الدولة‪ ،‬أجود من ال رأمسالية األخرى‪.‬‬
‫السعي على العيال من احلالل واجب يف حق الفرد‪ ،‬والتنافس اجلهادي‬
‫واجب يف حق األمة مع اإلنتاج الذي يغزو أسواقنا‪ .‬من احلالل ما هو مباح فهو‬
‫حالل رخاء وتوسع‪ .‬ومنه ما هو واجب فتحصيله وإنتاجه والعناية به وإعداد‬
‫العدة له فرض مؤكد على كل مسلم ومسلمة‪ ،‬وعلى الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫كتب اإلمام الغزايل رمحه اهلل هذه السطور النرية يف املوضوع‪« :‬احلمد‬
‫هلل الذي خلق اإلنسان من طني الزب وصلصال‪ ،‬مث ركب صورته يف‬
‫أحسن تقومي وأمت اعتدال‪ ،‬مث غذاه يف أول نشوئه بلنب استصفاه من‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪94‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫بني فرث ودم سائغا كاملاء الزالل‪ ،‬مث محاه مبا آتاه من طيبات الرزق‬
‫عن دواعي الضعف واالحنالل‪ ،‬مث قيد شهوته املعادية له عن السطوة‬
‫والصيال‪ ،‬وقهرها مبا افرتضه عليه من طلب القوت احلالل‪ ،‬وهزم‬
‫بكسرها جند الشيطان املشمر لإلضالل‪ ،‬ولقد كان جيري من ابن‬
‫آدم جمرى الدم السيال‪ ،‬فضيق عليه بعزة اجلالل اجملرى واجملال‪ ،‬إذ كان‬
‫ال يبذرقه (ال يبلغه) إىل أعماق العروق إال الشهوة املائلة إىل الغلبة‬
‫واالسرتسال‪ ،‬فبقي ملا زمت بزمام احلالل خائبا خاسرا ماله من ناصر‬
‫وال وال‪ ،‬والصالة والسالم على حممد اهلادي من الضالل»‪.‬‬
‫ها حنن نتحدث يف االقتصاد بلسان رباين‪ ،‬ولغة قرآنية‪ ،‬تصل العبد‬
‫مبواله‪ ،‬وتربزه عروس اخلليقة‪ ،‬أحسن اهلل سبحانه صورته واعتداله وغذاه‬
‫بالرزق الطيب‪ ،‬وركب فيه الشهوة ليبلوه وخيتربه‪ ،‬وسلط عليه العدو‬
‫املوسوس لعنه اهلل‪ ،‬جيلب عليه خبيله ورجله‪ ،‬وزم سبحانه وتعاىل حرية‬
‫العبد املؤمن بزمام احلالل واحل رام‪ ،‬لكي يكون طلبه للرزق طلبا مجيال‪ ،‬ال‬
‫ينفذ معه الشيطان إىل قلبه‪ ،‬وال حتمله املنافسة فيه إىل السطوة على الناس‪.‬‬
‫وعقب اإلمام اجلليل رمحه اهلل هذه املقدمة بأبواب يف فضيلة احلالل‬
‫ومذمة احل رام‪ ،‬ويف م راتب الشبهات‪ ،‬ويف وجوب البحث والسؤال والتثبت‬
‫يف مسائل احلالل واحل رام‪ ،‬ويف كيفية خروج التائب عن املظامل املالية‪ ،‬ويف‬
‫إدرارات السلطان (عطائه) املالية وما حيل منها وما حيرم‪ ،‬ويف الدخول على‬
‫السالطني‪.‬‬
‫عند أمثال الغ زايل تنشد ضالة الورعني‪ ،‬ويف مدرسته غنيمة لكل تائب‬
‫يرعى حقوق رب العاملني‪ .‬فالورع الذي كان زينة الصاحلني مكمل إحساين‬
‫لفقه األحكام واحلدود الذي ختصص الفقهاء األجماد رمحهم اهلل يف عرضه‬
‫وتقنينه وحفظه‪ .‬وال يكفي لتهذيب الغ رائز اجلاحمة‪ ،‬كالشهوة‪ ،‬والتنافس‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪95‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫والشح‪ ،‬واالحتيال للدرهم‪ ،‬فقه املفىت وسلطة احملتسب والقاضي‪ .‬بل‬
‫الرتبية اإلميانية اإلحسانية وحدها كفيلة بالنفاذ إىل األعماق الداخلية‬
‫حيث منبع اخلري والشر يف الفرد‪ ،‬منه خترج إىل اجملتمع صالحا أو فسادا‪،‬‬
‫عدال أو جورا‪ ،‬عم رانا أو ختريبا‪.‬‬
‫فهاهي ذه أدوات معاجلة االقتصاد من وجهة إسالمية‪ .‬معايري كمية‬
‫مادية‪ ،‬وأخرى قانونية شرعية‪ ،‬وأخرى نفسية تربوية‪ .‬ومن تفاعل احلقائق‬
‫اليت تتناوهلا هذه املعايري ينتج املذهب اإلسالمي يف االقتصاد‪ .‬فال ميكن‬
‫مقارنته باملذاهب البشرية لغياب العنصر النفسي األخالقي الرتبوي يف‬
‫تركيبها‪ ،‬وخاصة لتنايف قانوهنا األرضي مع قانون السماء الشرعي‪.‬‬
‫هل يكون اقتصادنا اقتصاد سوق؟‬
‫إن منهاج اإلنتاج والكسب اإلسالمي يتميز عن أساليب ال رأمسالية‬
‫واالش رتاكية جبمعه بني الباعث احليوي الديناميكي‪ ،‬معذرة عن كلمة‬
‫أخرى من بنيات العصر‪ ،‬وبني ال رادع القانوين‪.‬‬
‫متتاز ال رأمسالية بقدرهتا الفائقة على اإلنتاج لوجود الغريزة التنافسية يف‬
‫البشر اليت تتخذها ال رأمسالية مطية ألغ راض الوفرة‪ .‬ومبدأ الل ربالية هو أن‬
‫تدع الغريزة حرة والتنافس يتصارع يف فوضى ينتظر أن خيرج من تناقضها‬
‫نظام‪.‬‬
‫حيوية على كل حال شهدت هبا النتائج‪.‬‬
‫وتريد االشرتاكية أن ختضع عملية اإلنتاج للعقل‪ ،‬والتخطيط‬
‫والضبط والنظام‪ .‬فالنية جيدة‪ ،‬ألن الفوضى ال يرجى منها خري‪ .‬لكن‬
‫االشرتاكية‪ ،‬خاصة يف صيغتها القصوى يف روسيا والصني حيث ال‬
‫ملكية تذكر إال ملكية الدولة‪ ،‬تقتل احليوية وتضعف اإلنتاج بوضعها‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪96‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫الغريزة يف األغالل‪ ،‬وقمعها املبادرة الفردية‪ ،‬وإحالة وظيفة احلركة على‬
‫املكتبية اليت من طبيعتها أن متيل للتباطؤ واإلمهال والتطويل‪.‬‬
‫وإن حنن ذكرنا هنا املذهبني اجلاهليني يف اإلنتاج فلكي نبصر باملقارنة‬
‫أية استعدادات للتفوق ميلكه نظامنا احلنيف إن طبق تطبيقا كامال‪ ،‬تربية‬
‫وقانونا‪ ،‬دعوة ودولة‪ ،‬باعثا إميانيا وورعا شرعيا‪ ،‬تنافسا يف احلالل وسباقا‬
‫للواجب‪ ،‬وورعا عن احملرم والشبهة‪.‬‬
‫ال ينكر اإلسالم غريزة التنافس‪ ،‬وال يكبتها‪ ،‬وال يقمعها‪ .‬كما ال ينكر‬
‫غريزة التناسل وسائر الغ رائز‪ .‬إمنا يوجهها إىل اخلري‪ ،‬ويزمها بزمام الشرع‪،‬‬
‫لتنصرف الشهوة إىل البناء ال إىل اهلدم‪ ،‬إىل العم ران ال إىل التخريب‪.‬‬
‫كيف ينكر الغ رائز خالق الغ رائز سبحانه وتعاىل! قال اهلل تعاىل خياطب‬
‫فينا غريزة املنافسة ويوجهها‪{ :‬وفِ ي َذلِ‬
‫س الْم تـ نَ افِ‬
‫ِ‬
‫س ون}‬
‫ف‬
‫ا‬
‫ن‬
‫تـ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫فـ‬
‫ك‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٍُ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫{و َس ا ِرعُ واْ إلَ ى َم غْ ف َرة ِّم ن َّربِّ ُك ْم‬
‫(املطففني‪ .)26 ،‬وقال عز من قائل‪َ :‬‬
‫وج ن ٍ‬
‫ض} (آل عم ران‪ .)133 ،‬وقال سبحانه‪:‬‬
‫ض َه ا َّ‬
‫او ُ‬
‫َّة َع ْر ُ‬
‫ات َواألَ ْر ُ‬
‫ََ‬
‫الس َم َ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫الس َم اء َو ْالَ ْر ِ‬
‫ض َه ا َك َع ْر ِ‬
‫ض‬
‫ض َّ‬
‫{س ابِ ُق وا إِلَ ى َم غْ ف َرة ِّم ن َّربِّ ُك ْم َو َج نَّة َع ْر ُ‬
‫َ‬
‫أِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫آم نُ وا ب ال لَّ ه َو ُر ُس ل ه} (احلديد‪ .)21 ،‬تنافس يهيب به الوحي‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ت‬
‫د‬
‫ُع‬
‫ْ‬
‫ين َ‬
‫َ‬
‫أن يصعد ويرقى‪ ،‬ال يرذله إال تعلقه بالسفساف‪.‬‬
‫المبادرة الحرة‬
‫يكون املال واستثماره شؤما إن كان مع اجلمع والعد صد عن سبيل‬
‫اهلل‪ ،‬وهوى متبع‪ ،‬وشح مطاع‪ .‬أما استثمار املال الصاحل يف األهداف‬
‫الصاحلة فهو نعم العمل‪ .‬وقد ثبت بالكتاب والسنة قاعدة ال رتاضي يف‬
‫املعامالت باعتباره أساسا لألخذ والعطاء‪ ،‬وأساسا للعقود‪ ،‬وأساسا‬
‫للنشاط االقتصادي‪ .‬كما وردت أحاديث يف اح رتام أسعار السوق‪ .‬وكل‬
‫هذا يفيد أن صاحب املال الذي خياطر مباله يف التجارة أو الصناعة‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪97‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫ويتحمل مسؤولية السهر على ماله‪ ،‬ومشقة السعي والكد فيما يصلح‬
‫احلياة االجتماعية‪ ،‬ويبذل وقته وقوته‪ ،‬من حقه أن يشرتط رحبا يعوض جهوده‪.‬‬
‫ويفيد هذا‪ ،‬على مستوى االقتصاد الكبري‪ ،‬أن املبادرة احلرة مؤسسة‬
‫يعرتف هبا اإلسالم‪ ،‬بل جيعلها أساسا منه تستثىن احلاالت اليت يقع فيها‬
‫الضرر على املصلحة العامة من سوء تصرف املالك‪ .‬إذا طغت الغريزة‬
‫التملكية التنافسية وجتاوزت حدها احملدود صارت سفها‪ ،‬ومسي مطاياها‬
‫سفهاء‪ ،‬وحجر عليهم‪.‬‬
‫إن رفض ال رأمسالية ال يعين رفض وجود رؤوس أموال حرة‪ ،‬بل يعين رفض‬
‫األم راض األنانية اليت تط رأ على الفطر فتجمح هبا‪ .‬وإن رفض ال رأمسالية ال‬
‫يعين رفض املبادرة احلرة الشخصية أو اجلماعية يف شركات‪ ،‬إمنا يعين إبعاد‬
‫التضامنات االحتكارية‪ ،‬ورفع األسعار التعسفي‪ ،‬وطلب الربح املادي على‬
‫حساب املصلحة االجتماعية‪ ،‬واستعباد العامل األجري واستغالله‪.‬‬
‫إن إلغاء املبادرة احلرة يهدد االقتصاد بالشلل لتعطيل الغريزة اليت‬
‫جعلها اهلل فينا حمركا للتدافع الذي يكون به العم ران‪.‬‬
‫يف روسيا وإم رباطوريتها ركود اقتصادي دائم‪ ،‬إال يف املعامل اليت ميكن‬
‫فيها التجنيد العسكري للعمال‪ .‬ويف بالد اش رتاكيات أوربا مثل السويد‬
‫تعاين الدولة مشكلة عزوف الناس عن العمل منذ جاءهتم تلك االش رتاكية‬
‫من نوع خاص مبساواة يف األجور‪ ،‬وأممت االقتصاد‪ ،‬وقضت على كل مزية‬
‫اجتماعية‪ ،‬إذ يستوي يف األجر واحلرمة البائع املتجول‪ ،‬واملغين املاجن‪،‬‬
‫وأستاذ الرياضيات يف اجلامعة‪.‬‬
‫ملاذا يبذل العامل االش رتاكي جهدا‪ ،‬وملاذا يسهر املكتيب االش رتاكي‪،‬‬
‫واملدبر االش رتاكي‪ ،‬على إجناز الواجبات يف املواعيد ما دامت أج رهتما لن‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪98‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫تتأثر بنتائج أعماهلما؟ املالك للمعمل واحلقل واملؤسسة غائب أعمى‬
‫يسمى الدولة‪ .‬فمن العبث أن يقتل املرء نفسه وعني الرقابة الشرطية‬
‫ملتفتة‪.‬‬
‫التخطيط وعقلنة االقتصاد‬
‫إن مما أصبح مقبوال يف عامل االقتصاد‪ ،‬وأصبح ضرورة مفروغا منها‪،‬‬
‫التخطيط االقتصادي‪ .‬حيب احلكام أن يروا على الورق مستقبل التطور‬
‫مكتوبا حمصيا مخس سنوات معدودات تبدأ بتاريخ كذا وتنتهي بتاريخ‬
‫كذا‪ .‬وتصطف األرقام والتواريخ كأهنا جنود مطيعة لإلرادة احلاكمة‪.‬‬
‫هذه حماولة لعقلنة االقتصاد‪ .‬وتعين عقلنته إخضاعه ملنطق العقل‬
‫الذي ال جمال فيه الحتماالت الرفض‪ ،‬وتردد اإلرادة‪ ،‬ونزوة العاطفة‪ ،‬وحترك‬
‫الغريزة‪ .‬العقلنة االقتصادية حماولة حملاربة الفوضى الناشئة عن التناقضات‬
‫بني نفس اإلنسان وعقله‪ ،‬بني اجتاه الفرد واجتاه اجلماعة‪ ،‬بني املطالب‬
‫االقتصادية املت زامحة على الباب كل منها يريد أن تعطاه األسبقية‪.‬‬
‫لكن التأميم املربمج‪ ،‬وما يتبعه من تويل إدارة متناسلة‪ ،‬متثاقلة‪ ،‬مهملة‪،‬‬
‫بعيدة‪ ،‬غري مكرتثة‪ ،‬تؤول إىل برجمة الفوضى وتعميمها‪ .‬قد تكون برجمة‬
‫التوزيع هلدف العدل يف القسمة إج راء معقوال يف النظر‪ .‬لكن برجمة اإلنتاج‬
‫على نطاق الدولة‪ ،‬وما يستلزم ذلك من التعامل باجلملة‪ ،‬ومن بعيد‪،‬‬
‫وعن عمى بدقائق املكان والزمان والناس مما ال تبصره األرقام الصماء‪،‬‬
‫تغرير باالقتصاد‪ .‬وحىت برجمة التوزيع‪ ،‬بتأميم التجارة‪ ،‬يفضي إىل ما أثبتته‬
‫التجربة من اختالس رغم احملاسبة‪ ،‬ومن سوق سوداء‪ ،‬ومن رشوة‪ ،‬ومن‬
‫إضاعة البضائع واألموال نتيجة لإلمهال‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪99‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫إذا طلبنا إىل احلكام السياسيني يف أنظمة الفتنة أن يـَ ْع ِق لُ وا شيئا يف‬
‫االقتصاد‪ ،‬فأحرى أن خيططوا له ختطيطا معقوال قابال للتطبيق فإمنا نطلب‬
‫مستحيال‪ .‬ومع ذلك ال تسمع إال ذكر اخلطة‪ ،‬والتغين باخلطة‪ ،‬ومتجيد‬
‫اخلطة‪.‬‬
‫يف دولة اإلسالم ينبغي‪ ،‬بل يتعني واجبا‪ ،‬أال يكون اإلمام رجل اخلطة‬
‫االقتصادية‪ ،‬إن كانت له دراية باملوضوع والتقنية أصال‪ ،‬لكيال يغرق يف‬
‫األرقام يف الوقت الذي تطلبه تربية الرجال‪ ،‬وتوجيه سياسة الدولة‪ ،‬ونشر‬
‫الدعوة يف العامل‪ .‬من شأن املتخصصني والتقنيني يف احلكومة اإلسالمية أن‬
‫خيططوا مبصرين عيوب التخطيط ومساوئ املكتبية‪ .‬على أن ال يكون‬
‫جمال التخطيط إال امل رافق العامة ومؤسسات اإلنتاج القاعدية‪.‬‬
‫املسلسل االقتصادي اإلسالمي هو أن تكون املبادرة احلرة هي األساس‪،‬‬
‫وتدخل الدولة طارئا‪ ،‬ويكون التخطيط حمدودا‪ .‬وكل ختطيط جيعل التأميم‬
‫هو القاعدة واملبادرة احلرة هي االستثناء فإمنا يعرض االقتصاد للخطر‪ .‬فمن‬
‫خطط التوزيع االجتماعي‪ ،‬مع خ راب آليات اإلنتاج وشلل حمركه الفطري‬
‫وهو املبادرة احلرة‪ ،‬فإمنا خيطط لتوزيع البؤس والفاقة‪.‬‬
‫املسلسل االقتصادي اإلسالمي يشكل نظاما مستنبطا من األحكام‬
‫السماوية‪ .‬ففي مصدره السماوي ضمان لنجاحه‪ ،‬ال يدخله اخللل‬
‫إال من قلة فهمنا عن اهلل‪ ،‬وقلة فقهنا لروح الشريعة ومقاصدها‪ .‬فإن‬
‫اهلل عز وجل الذي ميسك السماوات واألرض أن تزوال وهو الضامن‬
‫النجاح والفالح ملن اتبع هداه ال هوى النفس‪ ،‬واتبع الفهم عنه ال حتكم‬
‫العقالنية‪ ،‬ووظف العقل فيما خلق له من استماع أمر اهلل وآياته املنزلة مث‬
‫تكييف الواقع هلا ال العكس‪ ،‬ووظف الغريزة املهذبة املوجهة يف النشاط‬
‫العم راين‪ ،‬ومل يرتكها تنزو عليه وتركبه‪ .‬ما ترى يف خلق الرمحن من تفاوت‬
‫يف نظام الكون‪ ،‬ودوران الكواكب‪ ،‬ورتابة حركتها‪ ،‬ولزوم كل منها‬
‫حدوده‪ ،‬فال اصطدام وال فوضى‪ .‬خالق ذلك النظام وضامن حركته هو‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪100‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫منزل الشريعة وضامن صالحها بشرط التقوى منا‪ ،‬والفهم عنه‪ ،‬والفقه‬
‫ألس رار أحكامه‪ .‬وهذا ال يتناىف يف شيء مع استعمال العقل يف أقصى ما‬
‫يستطيعه لرتتيب العملية‪.‬‬
‫بإخضاع التخطيط هلذا النظام اإلهلي ميكن إصالح أخطائه وجتنب‬
‫حماذيره‪ ،‬كما ميكن تفادي السخف الذي جيعل من ال رأمسالية املطلقة‬
‫الرسن جمنونا رهيبا يصطنع احلاجات باإلعالن‪ ،‬ويزيف البضائع باألصباغ‬
‫واألشكال‪ ،‬ويصنع من اإلنسان دابة ال هدف هلا إال اإلنتاج واالستهالك‪.‬‬
‫إن التخطيط العاقل عن اهلل‪ ،‬املدرك لنواميس اهلل يف الكون ميكننا‪ ،‬يف‬
‫حدود الشريعة‪ ،‬من إصالح الوسائل املوجودة لدينا بتوفري اجلهد‪ ،‬واالقتصاد‬
‫يف استعماهلا‪ ،‬وتصويبها حنو أهدافنا االجتماعية والدفاعية واالستقاللية‪.‬‬
‫كما ميكننا من تنسيق اجلهود الفردية وإعطائها االنسجام الذي تفتقر إليه‬
‫لو بقيت تنافسا مفتوحا‪ .‬ونعم الزمام ختطيط حيمى للفق راء واجلماعة محى‬
‫اقتصاديا لئال تطيش مبصلحة الفق راء واجلماعة نزعات األنانية ونزغات‬
‫الشيطان‪.‬‬
‫أهداف التخطيط‬
‫ما كان للدولة اإلسالمية أن تبقى حمايدة يف عملية اإلنتاج االقتصادي‪،‬‬
‫وإال لكان ذلك منها سفها‪ .‬إذ األمر جهاد‪ ،‬ومسألة بقاء األمة أو فنائها‪.‬‬
‫فبجانب حيوية املبادرة احلرة يسري املوجه السلطاين القرآين يهدي‬
‫الكسبة إىل أهداف األمة‪ ،‬ويقوم االعوجاج‪ ،‬ويرشد‪ ،‬ويتابع‪ ،‬وي راقب‪ ،‬وميهد‬
‫العسري‪ ،‬ويربط حبل االتصال‪ ،‬وينسق األعمال‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪101‬‬
‫‬
‫‬
‫اإلنتاج‬
‫هدفان أساسيان ترمي إىل حتقيقهما الدولة اإلسالمية‪ :‬العدل االجتماعي‬
‫يف الداخل‪ ،‬والقوة على جهاد العدوان اخلارجي‪ .‬وعنهما تتفرع األهداف‬
‫األخرى‪.‬‬
‫فالعدل حد أدىن من تعميم الرخاء‪ .‬وحسن القسمة يقتضي استخ راج‬
‫ثروات األرض‪ ،‬واستثمار أموال األمة‪ ،‬وتعبئة اليد العاملة‪ ،‬والعقل املبتكر‪،‬‬
‫إلنتاج ما به تكون الكفاية‪ .‬فإنه ال عدل هناك ممكنا إن مل يكن لدينا‬
‫ما نقسم‪ ،‬وما نرضي به حاجة احملتاج‪ .‬وبعد العدل الرخاء يف املطعم‪،‬‬
‫وامللبس‪ ،‬واملسكن‪ ،‬والتعليم‪ ،‬والصحة‪ .‬وكل ذلك يريد أن نقتصد يف‬
‫استعمال مواردنا ونصرفها تصريفا حكيما‪.‬‬
‫والقوة اجلهادية تقتضي أن نسخر كل طاقاتنا لنستقل‪ ،‬ونصنع‬
‫السالم‪ ،‬وجنهز اجلند‪ ،‬بال تبذير‪ ،‬وال إيثار للرتف على اخلشونة‪ ،‬وال اعتماد‬
‫على غري جهودنا‪.‬‬
‫والبد أن نعلم كل هذا املبادرة احلرة‪ ،‬ونوجهها إليه‪ ،‬ون راقبها ونقسرها‬
‫عند احلاجة عليه‪.‬‬
‫ ‬
‫الفصل السابع‬
‫التوزيع‬
‫ م راتب احلاجة‬‫ االحتكار‬‫ التبذير‬‫‪ -‬التكافل‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪105‬‬
‫‬
‫‬
‫التوزيع‬
‫مراتب الحاجة‬
‫عندما ينظر الفقيه واملريب املسلم يف حاجات اإلنسان‪ ،‬ال خيص حاجاته‬
‫املادية املعاشية باالهتمام واالعتبار‪ ،‬بل ينظر نظرة مشولية تعم حاجات‬
‫اإلنسان املعاشية واإلميانية‪ ،‬الدنيوية واألخروية‪ ،‬العبادية والتعاملية‪ .‬فبذلك‬
‫تتخذ كلمة «اقتصاد» معىن فريدا‪ ،‬إذ تدل على وجود قصد وقاصد‪ ،‬غاية‬
‫ووسائل‪ .‬إننا ننتقل نقلة بعيدة عندما نرفع أعيننا عن ق راءة ه راء املاديني‬
‫العصري يف إخبارهم عن احلاجات واالقتصاد لننظر يف حديث الربانيني‬
‫عن حاجات العبد ومقاصد الشريعة‪.‬‬
‫ننتقل من حيز تسوده الوسائل اليت ال غاية هلا إىل جو يسبق فيه‬
‫االهتمام بالغاية ذكر الوسائل‪.‬‬
‫نق رأ بتؤدة هذه الفق رات من كتاب املوافقات لإلمام الشاطيب رمحه اهلل‬
‫لننظر كيف تدخل احلاجات‪ ،‬املادية املعاشية يف احلساب اإلمجايل حلياة‬
‫املسلمني جنبا إىل جنب‪ ،‬بل تابعا ملتبوع‪ ،‬ووسيلة لغاية‪ ،‬مع حاجاته‬
‫األخالقية اإلميانية امل عادية‪.‬‬
‫َ‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬تكاليف الشريعة ترجع إىل حفظ مقاصدها يف اخللق‪.‬‬
‫وهذه املقاصد ال تعدو ثالثة أقسام‪ .‬أحدها أن تكون ضرورية‪ .‬والثاين أن‬
‫تكون حاجية‪ .‬والثالث أن تكون حتسينية‪.‬‬
‫‪« )1‬فأما الضرورية فمعناها أنه البد منها يف قيام مصاحل الدين والدنيا‪.‬‬
‫حبيث إذا فقدت مل جتر مصاحل الدنيا على استقامة‪ ،‬بل على فساد وهتارج‬
‫(فوضى) وفوت حياة‪ .‬ويف األخرى فوت النجاة والنعيم‪ ،‬والرجوع باخلس ران‬
‫املبني (‪ )...‬فأصول العبادات راجعة إىل حفظ الدين من جانب الوجود (أي‬
‫بأفعال إجيابية ال برتوك) كاإلميان‪ ،‬والنطق بالشهادتني‪ ،‬والصالة‪ ،‬والزكاة‪،‬‬
‫والصيام‪ ،‬واحلج‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪106‬‬
‫‬
‫‬
‫التوزيع‬
‫والعادات راجعة إىل حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا‪،‬‬
‫كتناول املأكوالت‪ ،‬واملشروبات‪ ،‬وامللبوسات‪ ،‬واملسكونات‪ ،‬وما أشبه‬
‫ذلك‪ .‬واملعامالت راجعة إىل حفظ النسل واملال من جانب الوجود‪ ،‬وإىل‬
‫حفظ النفس والعقل معا لكن بواسطة العادات‪ .‬واجلنايات وجيمعها األمر‬
‫باملعروف والنهي عن املنكر ترجع إىل حفظ اجلميع من جانب العدم (أي‬
‫مبنع لضرر)»‪.‬‬
‫‪« )2‬وأما احلاجيات فمعناها أهنا مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع‬
‫الضيق املؤدي يف الغالب إىل احلرج واملشقة الالحقة بفوت املطلوب (‪.)...‬‬
‫ففي العبادات كالرخص املخففة بالنسبة إىل ختوف املشقة باملرض والسفر‪.‬‬
‫ويف العادات كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حالل مأكال ومشربا‬
‫وملبسا ومسكنا ومركبا وما أشبه ذلك‪ .‬ويف املعامالت كالق راض واملساقات‬
‫والسلم (‪.»)...‬‬
‫‪« )3‬وأما التحسينيات فمعناها األخذ مبا يليق من حماسن العادات‪،‬‬
‫وجتنب األموال املدنسات اليت تأنفها العقول ال راجحات‪ .‬وجيمع ذلك قسم‬
‫مكارم األخالق(‪.)...‬‬
‫ففي العبادات كإزالة النجاسة‪ ،‬وباجلملة الطهارات كلها‪ ،‬وسرت‬
‫العورة‪ ،‬وأخذ الزينة‪ )...( .‬ويف العادات كآداب األكل والشرب‪ ،‬وجمانبة‬
‫املآكل النجسات‪ ،‬واملشارب املستخبثات‪ ،‬واإلس راف‪ ،‬واإلقتار (التضييق)‬
‫يف املتناوالت»‪.‬‬
‫هكذا يكون تقسيم أعمال اإلنسان وجماالته احلياتية واملعادية يف نظرة‬
‫ال تعزل الدين عن الدولة‪ ،‬وال االقتصاد املادي عن االقتصاد مبعىن القصد‬
‫إىل غاية من وراء احلياة الدنيا‪ ،‬وال الغذاء البدين عن الغذاء اإلمياين‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪107‬‬
‫‬
‫‬
‫التوزيع‬
‫ويسري االعتبار الشرعي يف كل األحكام املتعلقة باملعايش أم را وهنيا‪،‬‬
‫إتيانا ومنعا‪ ،‬من جانب الوجود ومن جانب العدم كما يعرب الشاطيب رمحه‬
‫اهلل‪.‬‬
‫االحتكار‬
‫االحتكار آفة اقتصادية على اجملتمع‪ ،‬وآفة دينية على احملتكر‪ .‬فمن‬
‫حارب األمة يف ضروريات معاشها وحاجياته وحمسناته كمن حارهبا يف‬
‫سائر شؤون دينها‪ .‬واالحتكار جرمية اقتصادية بعرف القانون الوضعي‪،‬‬
‫لكنه يف اإلسالم إمث من اآلثام‪ ،‬وذنب يوبق من رمحة اهلل كما يوبق ترك‬
‫الصالة ومنع الزكاة‪ .‬ألن منع املسلمني من تناول حاجياهتم املعاشية‪،‬‬
‫وحجزها عنهم‪ ،‬صد عن سبيل اهلل‪ ،‬وتعطيل ملقصد من مقاصد الشريعة‬
‫وهو حفظ النفس والعقل‪ .‬فمن منع توزيع األرزاق على العباد عرضهم‬
‫لضياع نفوسهم‪ ،‬وشغل عقوهلم هبَ ِّم القوت وامللبس واملسكن عما خلقوا‬
‫من أجله وهو عبادة اهلل عز وجل‪ ،‬وهو التهيؤ للقائه‪ ،‬وهو التزود للدار‬
‫اآلخرة دار النعيم ملن آمن وعمل صاحلا فرمحه ربه الرحيم‪.‬‬
‫ويشتد نكري اإلسالم على حمتكر الضروريات‪ .‬قال أبو طالب املكي‬
‫رمحه اهلل‪« :‬وجيتنب التاجر االحتكار ملا يؤكل ويقتات من القطنية وغريها‪.‬‬
‫وأشد ذلك احلنطة اليت هي قوت الكافة‪ .‬فقد روي يف ك راهة االحتكار‬
‫والتشديد فيه أخبار كثرية‪ .‬روى حذيفة عن رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم‪« :‬من احتكر طعام املسلمني فليس منا»‪ .‬ويف خرب آخر‪« :‬من احتكر‬
‫الطعام أربعني يوما مث تصدق به مل تكن صدقة‪ ،‬بل كفارة الحتكاره»‪)...( .‬‬
‫ومن العلماء من كان جيعل االحتكار يف كل مأكول من احلبوب واإلدام‪،‬‬
‫مثل العدس والباقال والسمن والعسل والشريج (زيت السمسم) واجلنب‬
‫والتمر والزيت‪ .‬ويكره احتكار مجيع ذلك‪ .‬وروي حنو هذا عن ابن عباس‬
‫يف قوله عز وجل‪{ :‬وم ن ي ِر ْد فِ ِ‬
‫يه بِِإلْح ٍ‬
‫ْم نُ ِذقْ هُ ِم ْن َع َذ ٍ‬
‫اب أَلِ ٍ‬
‫اد بِ ظُل ٍ‬
‫يم}‬
‫َ‬
‫ََ ُ‬
‫(احلج‪ )25 ،‬قيل‪ :‬االحتكار من الظلم‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪108‬‬
‫‬
‫‬
‫التوزيع‬
‫على أن االحتكار املنهي عنه ال يقتصر على احتكار املأكوالت‬
‫وادخارها‪ .‬بل يعم كل منع للناس من الوصول إىل أرزاقهم‪ ،‬واإلجحاف‬
‫حبقوقهم‪ .‬فإذا كان االحتكار مؤامرة منظمة على أرزاق املسلمني‪ ،‬كما‬
‫تتيح ذلك ال رأمسالية املعاصرة‪ ،‬كان أشد نك را وأسوأ سبيال‪.‬‬
‫وعلى الدولة اإلسالمية أن تردع أنواع االحتكار‪ :‬احتكار األرض واألموال‪،‬‬
‫والسلع‪ ،‬واخلدمات‪ ،‬والعلم عن طالبه‪ ،‬واخلربة عن احملتاج إليها‪ ،‬والعالج‬
‫عن املريض‪ .‬أمر سيدنا علي بن أيب طالب رضي اهلل عنه عامله األشرت قال‪:‬‬
‫«واعلم مع ذلك أن يف كثري منهم (من التجار وأصحاب الصناعات) ضيقا‬
‫فاحشا‪ ،‬وشحا قبيحا‪ ،‬واحتكارا للمنافع‪ ،‬وحتكما يف البياعات‪ .‬وذلك‬
‫باب مضرة للعامة وعيب على الوالة‪ .‬فامنع من االحتكار‪ ،‬فإن رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وآله منع منه‪ .‬وليكن البيع مسحا‪ ،‬مبوازين عدل وأسعار ال‬
‫جتحف بالفريقني من البائع واملبتاع‪ .‬فمن قارف حكره بعد هنيك إياه‬
‫فنكل به‪ ،‬وعاقب يف غري إس راف»‪.‬‬
‫التبذير‬
‫إن تبذير الثروات‪ ،‬واإلس راف يف استهالكها لَ ِم ن أخبث ج رائم االقتصاد‬
‫اجلاهلي‪ .‬ينهى اإلسالم عن اإلس راف والتبذير هنيا شديدا‪ ،‬ويسرد اهلل عز‬
‫ين َك انُواْ‬
‫وجل املسرفنيِ واملبذرين مع الشياطني‪ .‬قال تعاىل‪{ :‬إِ َّن ال ُ‬
‫ْم بَ ِّذ ِر َ‬
‫إِ ْخ َوا َن َّ‬
‫الش يَ اط ي ِن} (اإلس راء‪ .)27 ،‬وقال عز من قائل‪{ :‬و ُك لُ واْ َوا ْش َربُواْ‬
‫ِ‬
‫ين} (األع راف‪)31 ،‬‬
‫َوالَ تُ ْس ِرفُ واْ إِنَّهُ الَ يُ ِح ُّ‬
‫ب ال ُ‬
‫ْم ْس ِرف َ‬
‫الصورة األشنع للتبذير هي اليت تتجاوز سلوك الفرد‪ ،‬يأكل كث ريا‪،‬‬
‫وينفق يف غري منفعة‪ ،‬إىل السلوك االجتماعي‪ .‬وهي صورة التبذير‬
‫واإلس راف يف النفقات الرتفية‪ .‬وذلك حني تدخل عادات اجملتمع يف‬
‫مرحلة االحنالل التارخيي كما وصفها ابن خلدون‪ .‬وحني ال يكتفي‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪109‬‬
‫‬
‫‬
‫التوزيع‬
‫اجملتمع بالضروريات واحلاجيات‪ ،‬بل يسرف يف التحسينات والكماليات‬
‫فتضيع قواعد االقتصاد وتستعلى الطبقة املرتفة‪ ،‬ويفسد العم ران‪ .‬قال‬
‫الشيخ احلكيم أمحد ويل اهلل الدهلوي رمحه اهلل‪« :‬إنه إذا اجتمع عشرة‬
‫آالف إنسان مثال يف بلدة‪ ،‬فالسياسة املدنية تبحث عن مكاسبهم‪.‬‬
‫فإهنم إن كان أكثرهم مكتسبني بالصناعات‪ ،‬وسياسة البلدة‪ ،‬والقليل‬
‫منهم مكتسبني بالرعي والزراعة فسد حاهلم يف الدنيا‪( .‬قلت‪ :‬ألن‬
‫تضخم العمالة يف ميدان الصناعة واخلدمات على حساب اإلنتاج األويل‬
‫يشوه بنية االقتصاد فتصبح تشييدا يف الفضاء)‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬وإن تكسبوا بعصارة اخلمر وصناعة األصنام كان ترغيبا‬
‫للناس يف استعماهلا على الوجه الذي شاع بينهم‪ .‬فكان سببا هلالكهم يف‬
‫الدين‪ .‬فإن وزعت املكاسب وأصحاهبا على الوجه املعروف الذي تعطيه‬
‫احلكمة‪ ،‬وقبض على أيدي املتكسبني باألكساب القبيحة صلح حاهلم»‪.‬‬
‫«وكذلك من مفاسد املدن أن ترغب عظماؤهم يف دقائق احللي واللباس‬
‫والبناء واملطاعم وغيد النساء وحنو ذلك‪ ،‬زيادة على ما تعطيه االرتفاقات‬
‫(االحتياجات) الضرورية اليت البد للناس منها‪ ،‬واجتمع عليها عرب الناس‬
‫وعجمهم‪ .‬فيكتسب الناس بالتصرف يف األمور الطبيعية لتتأتى منها‬
‫شهواهتم (أترجم‪ :‬يصرفون عوامل اإلنتاج عن توفري الضروريات إىل إرضاء‬
‫الشهوات وإشباع الغ رائز)‪ .‬فينتصب قوم إىل تعليم اجلواري الغناء والرقص‬
‫واحلركات املتناسبة اللذيذة‪ .‬وآخرون إىل املطربة يف الثياب‪ ،‬وتصوير‬
‫صور احليوانات واألشجار العجيبة والتخاطيط الغريبة فيها‪ .‬وآخرون إىل‬
‫الصناعات وآخرون إىل األبنية الشاخمة وختطيطها وتصويرها»‪.‬‬
‫وبتعود الناس هلذا النمط الرتيف من املعيشة يصبح الرتف حاجة وضرورة‬
‫كما يقول ابن خلدون‪ ،‬وبذلك يسرع اخل راب للدولة‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪110‬‬
‫‬
‫‬
‫التوزيع‬
‫إن مهمة الدولة اإلسالمية شاقة يف حماربة التبذير واإلس راف‪ ،‬ومها‬
‫السمتان البارزتان يف االقتصاد اجلاهلي الشيطاين‪ .‬وكما جيب عليها حماربة‬
‫التفاوت يف األرزاق وإقامة العدل‪ ،‬جيب عليها أن حتول جمرى االقتصاد‬
‫من مساره التبذيري إىل مسار اقتصاد التقلل الكفيل وحده بتوفري اخلري‬
‫للجميع‪ .‬إن الشيطان اجلاهلي يبذر مدخ رات األرض هباء منثورا‪ ،‬ال تفكر‬
‫أنانيته اجملرمة يف حاضر اإلنسانية البائسة وال يف مصريها‪ .‬األمريكي الواحد‬
‫يف غرب الواليات املتحدة يستهلك من الطعام والطاقة وسائر املنتوجات‬
‫أربعمائة ضعف ما يستهلكه الفالح اهلندي‪ .‬أي أن عشرة ماليني شيطان‬
‫من هذا النوع تستهلك ما يكفي ضرورات سكان األرض األربعة ماليري لو‬
‫أهنم اكتفوا مبا يقيم صلب الفالح اهلندي‪.‬‬
‫عندما يدعو اجلاهليون الشعوب الضعيفة مثلنا إىل حتديد النسل‪،‬‬
‫وخيوفون العامل باجملاعة‪ ،‬فعن الذهنية الشيطانية التبذيرية يصدرون‪ .‬خيافون‬
‫أن ي زامحهم املستضعفون على خ ريات األرض‪ ،‬وحيرصون على أن يبقى‬
‫مستوى معيشتهم يف االرتفاع اجلنوين الذي يسمونه تنمية‪.‬‬
‫حملاربة هذه اجلنونية وحتويل االقتصاد من جم راه الرهيب جيب على‬
‫الدولة اإلسالمية أن حتول نظام الض رائب لتقمع الرتف وبضائعه‪ ،‬وحتول‬
‫التكنولوجيا الشيطانية لتعوضها بتكنولوجيا مقتصدة‪ ،‬وحتول اخلطة‬
‫االقتصادية مبا يكفل التوزيع العادل‪ ،‬وحتسني مداخيل الفق راء‪ ،‬ورفع أجور‬
‫العمال‪ ،‬وضمان الطعام املغذي للشعب‪ ،‬والرتبية اجملانية‪ ،‬والصحة اجليدة‪،‬‬
‫وامل رافق السكنية‪ ،‬والنقلية‪ ،‬والعامة‪.‬‬
‫التكافل‬
‫إن يف إمكان الدولة‪ ،‬ومن واجبها‪ ،‬أن حتل العدل يف القسمة حمل‬
‫احتكار األغنياء‪ ،‬وظلم احلكام‪ ،‬وتبذير السفهاء‪ ،‬والعدل يضمن احلد‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪111‬‬
‫‬
‫‬
‫التوزيع‬
‫األدىن الضروري‪ ،‬يتناول جمال الضروريات واحلاجيات حسب التقسيم‬
‫الشاطيب‪ .‬والزكاة عماد من أعمدة هذه القسمة العادلة‪.‬‬
‫أما املكمل احملسن للقسمة فهو اإلحسان بعد العدل‪ ،‬الذي يغطي‬
‫جمال التحسينيات‪ .‬واإلحسان ال تستطيع الدولة الوفاء به‪ ،‬ألنه من دقائق‬
‫األرفاق‪ ،‬يتعلق بذمم املؤمنني‪ ،‬ويكون اللحمة املادية للوالية بني املسلمني‪.‬‬
‫أمر اهلل عز وجل بالعدل واإلحسان‪ ،‬ليسد اإلحسان التطوعي ثغ رات العدل‬
‫اإلل زامي‪ .‬فإن الدولة ال تستطيع أن تزور املريض‪ ،‬وتواسي احلزين‪ ،‬وهترع إىل‬
‫إغاثة امللهوف‪ ،‬ومحل الكل‪ ،‬واإلعانة على نوائب احلق‪ .‬إمنا يستطيع ذلك‬
‫ذو القرىب‪ ،‬واجلار‪ ،‬والصديق‪ ،‬والشفيق‪ .‬روى اإلمام أمحد والط رباين واحلاكم‬
‫بسند صحيح أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال‪« :‬قال اهلل تعاىل‪:‬‬
‫وجبت حمبيت للمتحابني يف‪ ،‬واملتجالسني يف‪ ،‬واملت زاورين يف»‪.‬‬
‫هنا أيضا‪ ،‬يف امليدان االقتصادي من حيث التكافل‪ ،‬تتعانق الدعوة‬
‫وازع السلطان يف توجيه سلوك األمة‪.‬‬
‫والدولة ويكمل وازعُ القرآن َ‬
‫ ‬
‫الفصل الثامن‬
‫اقتصاد المركزي‬
‫ حرية مسؤولة‬‫ اقتصاد قريب رفيق‬‫ تضخم السكان‬‫ ختطيط ال يشل االقتصاد‬‫‪ -‬ختطيط مرن‬
‫في االقتصاد‬
‫‪115‬‬
‫‬
‫حرية مسؤولة‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫يتعهد اإلسالم بإعطاء احلرية االقتصادية لألف راد داخل دائرتني‪ ،‬ال يسمح‬
‫للفرد بتعديهما‪ .‬الدائرة األوىل هي حدود اهلل املتمثلة يف أحكام الواجب‬
‫واحملرم‪ ،‬يف البواعث احلافظة ملقاصد الشريعة من جانب الوجود‪ ،‬كما‬
‫يعرب الشاطيب رمحه اهلل‪ ،‬ويف الروادع احلافظة هلا من جانب العدم‪ .‬الدائرة‬
‫األوىل اليت حتدد مسؤولية األف راد أمام الدولة هي دائرة األحكام الشرعية‬
‫اليت يسهر على تطبيقها احملتسب‪ ،‬ويطالب هبا املسلمون بعضهم بعضا‪،‬‬
‫تآم را باملعروف وتناهيا عن املنكر‪ ،‬ويفصل يف نوازل خرقها القاضي‪ ،‬وتنفذ‬
‫أحكامه على اجلاين يد الدولة‪ .‬هذه دائرة العدل‪.‬‬
‫أما الدائرة الثانية اليت ال ختنق احلرية لكن تصعدها لتستعلي على‬
‫األنانية‪ ،‬فهي دائرة اإلحسان‪ ،‬وهو أن يعبد املؤمن اهلل تعاىل كأنه ي راه‪ .‬أي‬
‫أن ي راعي وجهه الكرمي يف كل ما يأيت وما يذر من أعمال‪ ،‬ليكون سعيه يف‬
‫األرض ابتغاء لوجه اهلل عز وجل‪ .‬وقد رأينا يف آخر فقرة من الفصل السابع‬
‫كيف ميكن للدولة أن تقيم صلب الكيان االجتماعي بواسطة القسمة‬
‫العادلة‪ ،‬بينما تعجز عن التوسعة املادية واملعنوية اليت تريد أن يعيش‬
‫املسلمون بعضهم قريبا من بعض‪ ،‬وبعضهم حانيا على بعض‪ ،‬مستمعا‬
‫لشكواه‪ ،‬مسرعا ملساعدته‪.‬‬
‫فهل يتأتى اإلحسان‪ ،‬وهو تبادل وت زاور ووالية عاطفة‪ ،‬مع التنظيم‬
‫ال رأمسايل املبين على احلرية الشخصية‪ ،‬وهل يتأتى العدل؟ أم هل ننتظر‬
‫عدال وإحسانا من نظام اش رتاكي يكون املالك لوسائل اإلنتاج‪ ،‬واملكلف‬
‫بالتوزيع‪ ،‬آلة صماء‪ ،‬عمياء‪ ،‬متحجرة‪ ،‬معدنية‪ ،‬تسمى الدولة؟‬
‫إن حرية ال رأمسالية ال تقف عند حد رغم وجود قوانني‪ .‬ولوال املنافسة‬
‫وحقائق السوق اليت حتد من غلوائها لربزت وحشا على حقيقته مكشر‬
‫األنياب على قارعة الطريق‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪116‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫إن تعسف الدولة يف اجلانب اآلخر من اجلاهلية خينق عواطف اإلنسان‬
‫حني حيرمه من حريته ويصادر كل مبادرة تأيت من جانبه‪.‬‬
‫اقتصاد قريب رفيق‬
‫نعين بالدولة اإلسالمية‪ ،‬كلما ذكرناها‪ ،‬دولة الوحدة اليت ميتد سلطاهنا‬
‫حول الكرة األرضية على مآت املاليني من اخللق‪ ،‬وعلى املساحات الشاسعة‪،‬‬
‫والشعوب املنبثة يف السهول واجلبال‪ ،‬واجلزر والقفار‪ .‬ونستعمل كلمة‬
‫«الدولة اإلسالمية» للداللة على الدولة القطرية املرحلية اليت ال هدف هلا‬
‫أسبق من الوحدة وال أعلى‪ .‬نطلق على اجلزء اسم الكل يف توجه مستقبلي‪.‬‬
‫فهل ميكن الوفاء بالعدل واإلحسان إن كان اقتصاد الدولة اإلسالمية‬
‫اقتصادا مركزيا؟ هل يستقيم إنتاج وافر‪ ،‬وتوزيع عادل‪ ،‬وتكافل إحساين‬
‫رحيم‪ ،‬إن كانت الق رارات تتخذ بعيدا عن املنتج واحملتاج‪ ،‬ومن فوق رؤوس‬
‫اجلميع‪ ،‬وعن جهل حتمي بدقائق ما جيري يف الربوع‪ ،‬وما تنتظره فئات‬
‫الشعوب‪ ،‬وفصائل الناس‪ ،‬من أرفاق وأرزاق؟‬
‫إن من خصائص االقتصاد العصري‪ ،‬ومن ضرورياته‪ ،‬احلجم الكبري‪،‬‬
‫الكفيل وحده بإعطاء مردودية اقتصادية‪ .‬حجم التخصص الذي جيعل‬
‫من دولة ما املنتج األول للبضاعة الفالنية‪ ،‬يعطيها احلجم الكبري مقومات‬
‫الصدارة يف حلبة املنافسة‪ :‬حجم املعمل الذي يستورد املادة اخلام بأعداد‬
‫وأوزان كبرية فرتخص نفقات ش رائه‪ ،‬وتتقلص نفقات تسيريه اإلداري‬
‫والتجاري‪ ،‬فترتك العملية هامشا من الربح مهما‪ .‬حجم السوق املفتوحة‬
‫أمام املنتجات يناسب حجم اإلنتاج‪ ،‬ويكون بالنسبة إليه اهلواء الضروري‬
‫واجملال احليوي‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪117‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫اإلنتاج املسلسل الكمي يقتضي جتميع قوى اإلنتاج يف شركات رأمسالية‬
‫حرة أو رأمسالية دولية كبرية‪ .‬ويف كال التجميعني يلحق العمال بالبضاعة‬
‫املنتجة واملادة املصنعة‪ ،‬فيصبحون أرقاما متسلسلة تعيش يف عامل أصم‬
‫أعمى ال إنساين‪ .‬حركة اآللة الضخمة تغطى شكوى اإلنسان‪ ،‬ويكتم‬
‫ضجيجها أنينه‪ .‬وميس اجملتمع مس اجلنون التضخمي فتحل عرى القرب‬
‫واملودة يف املدن الضخمة اليت تفقد فيها فرص اللقاء والتعارف واجلوار‪ ،‬بله‬
‫التجالس والتباذل‪ ،‬والتحاب وال رتاحم‪.‬‬
‫هكذا ينشأ تناقض بني حاجات اإلنسان وحاجات اآللة‪ ،‬بني إرادته‬
‫ومنطق نظام اإلنتاج‪ ،‬بني حريته والعبودية لآللة اليت تفرضها إيقاعات‬
‫اإلنتاج‪ ،‬بني وقت اإلنسان وتوقيت االقتصاد‪ ،‬بني اإلنسانية اآلدمية وبني‬
‫الوحشية الغالبة‪ .‬ويف جمتمعاهتم ينجرف اإلنسان‪ ،‬ويتبع اآللة‪ ،‬ويكون أحد‬
‫خدماهتا‪ .‬تدخل اآللية يف حركته‪ ،‬ووقته‪ ،‬وهتيمن اآلالت على ليله وهناره‪.‬‬
‫وباجتماع ِ‬
‫عام لَ ي املركزية والضخامة يتفتت اجملتمع تفتتا ال أمل يف‬
‫مجعه‪ .‬تفتت األسرة‪ ،‬واجلوار‪ ،‬واملدينة‪ ،‬والصداقة‪ ،‬واإلرادة‪ ،‬واحلرية‪ ،‬والنفسية‪،‬‬
‫والفكر‪ .‬هوس يضيع معه اإلنسان يف الكم‪ :‬البضائع‪ ،‬كم املعلومات‪ ،‬كم‬
‫اإلشهار‪ ،‬كم كل شيء‪ ،‬أهلاكم التكاثر!‬
‫تضخم السكان‬
‫مهمة الدولة اإلسالمية شاقة يف حماربة التبذير‪ ،‬ويف معاجلة نقيضه وهو‬
‫تكاثر النسل‪ ،‬وتكاثر األفواه اجلائعة‪ ،‬واألجسام احملتاجة لكساء‪ ،‬وغطاء‪،‬‬
‫وسكن‪ ،‬وعناية صحية‪ ،‬والعقول احملتاجة لتعليم‪ ،‬والشخصيات اآلدمية‬
‫احملتاجة لرتبية رفيقة‪ ،‬تبلغها ك رامتها وترحيها من عناء احلرمان‪ ،‬وكفر‬
‫الفقر‪ ،‬لتتوجه ملا خلقها اهلل من أجله‪ ،‬وهو معرفة رهبا‪ ،‬والتهيؤ للرحلة‬
‫احلميدة إىل رحاب اآلخرة يف دار النعيم‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪118‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫إن تكاثر النسل بركة إهلية على الشعوب اليت ملا يصنع االقتصاد‬
‫املتطور املمكنن من أف رادها آالت أنانية‪ ،‬تفضل امل رأة فيها أن ختدم اآللة‬
‫بدل خدمة األطفال‪ ،‬وتعجز بعد يوم من الكدح خارج البيت جريا وراء‬
‫املواعيد العاتية‪ ،‬ووراء وسائل النقل‪ ،‬وانكبابا على مهنة شاقة‪ ،‬عن السهر‬
‫ليلها مع الطفل املريض‪.‬‬
‫بركة هي هذه األعداد اهلائلة من خلق اهلل اليت تربزها قدرته سبحانه إىل‬
‫َي َذ ٍ‬
‫نب‬
‫ت بِ أ ِّ‬
‫ودةُ ُس ئِ لَ ْ‬
‫ْم ْو ُؤ َ‬
‫{وإِ َذا ال َ‬
‫الوجود‪ .‬ويف طي هذه الربكة ابتالء‪َ .‬‬
‫ت} (التكوير‪ .)9-8 ،‬قتلها االحتكار اجلاهلي خل ريات األرض‪ ،‬وقتلتها‬
‫قُ تِ لَ ْ‬
‫احلضارة املادية اليت تردت باإلنسان إىل مرتبة الرقم احملايد‪ ،‬وقتلتها أنانية‬
‫الرجل وامل رأة بعد أن أفسد جمتمع االستهالك‪ ،‬وجتمعات اإلنتاج الضخمة‪،‬‬
‫فط رهتما‪.‬‬
‫لن ندخل هنا يف مباحث فقهية عن حتديد النسل وحرمة أن يكون‬
‫نظاما عاما‪ .‬وال عن شروط العزل يف حاالت مرض امل رأة أو عذرها الشرعي‪.‬‬
‫إنه موضوع من األمهية مبكان كبري‪ ،‬بل هو مشكل يوضع على الدولة‬
‫اإلسالمية أول ما يوضع عليها‪.‬‬
‫لن ندخل يف التفاصيل الفقهية فليس هذا الكتاب مكاهنا‪ .‬لكن‬
‫اتصاهلا مبوضوع االقتصاد‪ ،‬ومبوضوع العدل واإلحسان‪ ،‬وبعمليات التوزيع‬
‫واإلنتاج‪ ،‬تدرجها هنا يف هذا الفصل‪.‬‬
‫إن تضخم السكان إذا أضيف إىل تضخم آلة االقتصاد أو خ راب هذه‬
‫اآللة وانعدامها‪ ،‬ومركزية الق رار السياسي واالقتصادي‪ ،‬يتمم معادلة جمتمع‬
‫القطيع الذي يعامل فيه اإلنسان باجلملة‪ ،‬وتغتال فيه احلرية‪ ،‬ويتعطل‬
‫التآمر باملعروف والتناهي عن املنكر‪ ،‬ويسود االستبداد‪ ،‬وتعيث املكتبية يف‬
‫األرض فسادا‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪119‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫من كل هذا يتبني االقتصاد املركزي ينبين على ضخامة حجم االقتصاد‬
‫املواتية للمنافسة العاملية واملردودية‪ ،‬وعلى مركزية الق رار املناسبة هليمنة‬
‫الدولة على العملية االقتصادية لئال تؤول إىل الفوضى‪ ،‬وعلى ضرورة‬
‫تنظيم األعداد الضخمة من الناس‪.‬‬
‫هذه الضرورات السياسية االقتصادية أدت عندهم إىل اختيارات متناقضة‬
‫متام التناقض مع الغاية اإلحسانية واهلدف العديل‪ .‬من يأمر باملعروف وينهى‬
‫عن املنكر اقتصادا عمالقا ال يسمع وال يبصر؟ كيف يكون أمر األمة‬
‫شورى بينها إن كانت قطيعا مرقما؟ كيف ال رتاحم‪ ،‬والت زاور‪ ،‬والتجالس‪،‬‬
‫والتباذل‪ ،‬والتناصح‪ ،‬بني خالئق مفتت وقتهم‪ ،‬وسكنهم‪ ،‬ومههم‪ ،‬وفكرهم‪،‬‬
‫وعاطفتهم‪ ،‬حىت بلغ التفتت والتفكك أخص حماضن الرمحة واحملبة وهي‬
‫األسرة‪ ،‬وحىت مسخت فطرة الرجل وامل رأة فكرها الولد الذي جعل اهلل يف‬
‫نفوس البشر األسوياء حمبتهم من أوثق عرى نسيج الفطرة؟‬
‫أما مذهب حتديد النسل فال مكان لذكره‪ ،‬حىت التلفظ به‪ .‬وحرمته‬
‫{والَ تـَ ْق تـُلُ واْ‬
‫واضحة قبل الشاهد كما يعرب الشاطيب‪ .‬قال اهلل عز وجل‪َ :‬‬
‫أَوال َد ُك م َخ ْش ي ةَ إِ ْم ٍ‬
‫الق نَّ ْح ُن نـَ ْر ُزقـُ ُه ْم َوإِيَّا ُك م َّ‬
‫إن قـَتـْلَ ُه ْم َك ا َن ِخ ْطءاً‬
‫َ‬
‫ْ ْ‬
‫َك بِ يراً} (اإلس راء‪ .)31 ،‬وإمنا يدعو من يدعو لتحديد النسل خمافة أن ميوت‬
‫املخلوقات جوعا‪ .‬وإنه البتالء من اهلل عز وجل لقدرتنا على الكسب‪ ،‬وعلى‬
‫تطويع االقتصاد لئال ينتج مادة الرتف بل مادة احلياة األساسية‪ .‬وامسعوا يا‬
‫مؤمنني منادي القدرة اإلهلية ينادي على رؤوسكم‪« :‬حنن نرزقهم وإياكم»‪.‬‬
‫فاختذوا األسباب‪ .‬أنتم مرزوقون مثلهم‪ .‬فاجعلوا من رزقكم أن تكسبوا‬
‫وتنتجوا‪.‬‬
‫ال جمال يف اإلسالم أن يتخذ حتديد النسل مذهبا‪ ،‬واالجتهاد لكسب‬
‫قوت العيال عبادة‪ ،‬واهلل عز وجل يرزقنا وإياهم‪ ،‬وهو الرزاق ذو القوة‬
‫املتني‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪120‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫بعد هذا ومعه‪ ،‬تتقدم إىل دولة القرآن مسألة التضخم السكاين وما‬
‫يسري يف موكبه الرهيب من احنطاط يف العناية بالطفولة‪ ،‬ومن تسيب يف‬
‫األخالق‪ ،‬ومن بطالة لعجز الدولة عن تأمني العمل وتنظيم البشر‪ ،‬ومن‬
‫تفشي األم راض من كل نوع‪ .‬وكل هذا يدفع يف عجلة التخلف إىل الوراء‪.‬‬
‫وكل هذا يؤذن مبزيد من البؤس للجميع‪ .‬وكل هذا يهدد األمة‪ ،‬رأي العني‬
‫ويف حساب األسباب‪ ،‬وهي سنة اهلل العليم احلكيم‪ ،‬مبصري مأساوي‪ .‬وأنت‬
‫تدافع عن مشروع تكثري النسل!!!‬
‫تسود يف كتابات اإلسالميني يف عصرنا فكرة الدفاع عن تكثري النسل‬
‫قبل الشاهد وبال مناقشة‪ .‬وال يتساءل أحد عن األحاديث الصحيحة اليت‬
‫وردت عن عزل الصحابة رضي اهلل عنهم عن أزواجهم وسكوت رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم عن ذلك‪ .‬ولو كان العزل‪ ،‬وهو الوسيلة الطبيعية ملنع‬
‫احلمل‪ ،‬منك را لغريه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬ومل يصلنا أنه صلى اهلل‬
‫عليه وسلم سأل أحدا عن سبب عزله‪ .‬فإذن بقيت مسألة العزل أو عدمه‬
‫قضية شخصية متعلقة بذمة فاعله واختياره‪ ،‬هو يقدر السبب ويتخذ‬
‫الق رار‪ .‬كانت هذه األسباب راجعة ملرض الزوجة أو لشيء غري ذلك‪ .‬هذا‬
‫مل يتدخل فيه الشرع‪.‬‬
‫وال يسأل أحد عن اجتهادات فقهائنا رضي اهلل عنهم الذين اجتهدوا‬
‫للرجل أن يعزل عن زوجته بشرط واحد هو موافقتها‪ .‬واجتهدوا له أن يعزل‬
‫عن أمته إن خاف أن ينقص احلمل من قيمتها‪ ،‬وقيمتها يف مجاهلا وختففها‬
‫من الولد‪.‬‬
‫فإذا كان العزل‪ ،‬وهو منع احلمل‪ ،‬مرتوكا يف الشرع لتقدير الزوجني‪،‬‬
‫ال يسأالن عن السبب‪ ،‬فإن حتملهما ملسؤولية اإلجناب عن وعي كامل‬
‫بنتائج ق راراهتما على ذريتهما وعلى مستقبل األسرة ومستقبل األمة أحرى‬
‫باالعتبار الشرعي‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪121‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫إن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عاب الكثرة الغثائية يف حديثه الذي‬
‫رواه أبو داود واإلمام أمحد وغريمها بسند صحيح مبجموع طرقه عن ثوبان‬
‫رضي اهلل عنه قال‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬يوشك األمم أن‬
‫تداعى عليكم كما تداعى األكلة على قصعتها»‪ .‬فقال قائل‪ :‬ومن قلة‬
‫حنن يومئذ؟ قال صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬بل أنتم يومئذ كثري‪ ،‬ولكنكم غثاء‬
‫كغثاء السيل‪ .‬ولينزعن اهلل من صدور عدوكم املهابة منكم‪ ،‬وليقذفن اهلل‬
‫الو ْه ن»‪ .‬فقال قائل‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬وما الوهن؟ قال صلى اهلل‬
‫يف قلوبكم َ‬
‫عليه وسلم‪« :‬حب الدنيا وك راهة املوت»‪.‬‬
‫هبذا تكون الكثرة العددية مع الغثائية وقلة اجلدوى والوهن والضعف‬
‫واهلزمية والتخلف بكل معانيه اليت أوردناها يف فصل سابق أسبابا ومسببات‬
‫مرتبطة يف سلسلة واحدة‪.‬‬
‫ويكون العمل على تربية نشء صاحل قوي جماهد ناصر لدين اهلل يف‬
‫األرض‪ ،‬قادر على محل رسالة اإلسالم‪ ،‬مسامهة أساسية إلحياء األمة وانتشاهلا‬
‫من وهدة الغثائية‪.‬‬
‫وال ميكن حبال أن نوهم أنفسنا أنه ميكن للدولة اإلسالمية مهما كان‬
‫سلطاهنا‪ ،‬وللدعوة ينري طريقها قرآهنا‪ ،‬أن تقوما بشيء من ذلك واألبوان‬
‫يف راحة من كل مسؤولية‪ ،‬قد فرغا من كل هم‪ .‬وقيل هلما كالم الغلط‬
‫والكذب أن الدولة كافلة والدعوة كافية‪ ،‬فهما يفرخان للشارع وحيمالن‬
‫غريمها كل البؤس الذي يعيشه املستضعفون يف أعشاش اهلوان‪.‬‬
‫ال ميكن حبال أن يتخذ حتديد النسل مذهبا‪ ،‬لكنه ال ميكن للغثائية‬
‫أن تنفك عنا إن تركنا احلبل على الغارب ليتكاثر ذك ران الناس وإناثهم‬
‫كاألرانب‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪122‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫إيقاظ اآلباء واألمهات إىل مسؤوليتهم اجلسيمة مرتبطة مبسؤوليتهم‬
‫الرتبوية‪ ،‬وهتذيب الناس وترفيع وعيهم إىل مصلحتهم ومصلحة ذريتهم اليت‬
‫هي مصلحة األمة‪ ،‬واجب تربوي تعليمي يبسط أمام دولة القرآن والعدل‬
‫واإلحسان جماال فسيحا لبذل اجلهود الرتبوية مقرونة جبهود اإلنصاف والعدل‬
‫يف املعايش من توفري سكن ومدارس ومشايف ومشاغل‪ ،‬توفري شروط الرخاء‬
‫وظروفه‪ .‬كان اهلل يف عوننا إنه هو العلي القدير‪.‬‬
‫أما الوسائل األخرى لفك التناقضات بني منطق االقتصاد‪ ،‬املتكلم بلغة‬
‫املركزية واحلجم واملردودية‪ ،‬وبني أهداف العدل وغاية اإلحسان‪ ،‬فمنها ما‬
‫هو سياسي نعود إليه إن شاء اهلل يف غري هذا املكان عن احلكم احمللي‪ ،‬ومنها‬
‫ما هو حضاري اقتصادي تعرضنا لبعضه يف الفصول السابقة ونستمر إن‬
‫شاء اهلل يف عرضه هنا يف هذا الفصل‪.‬‬
‫تخطيط ال يشل االقتصاد‬
‫كنا نتحدث يف فصل سابق عن التخطيط من زاوية تعارضه مع غريزة‬
‫الكسب الفردية‪ ،‬وقلنا كلمة عن أهداف التخطيط األساسية‪ .‬فنرجع هنا‬
‫العتباره بني ضرورة تنظيم اإلنتاج الكمي والتوزيع على أعداد كثرية‪ ،‬وبني‬
‫ضرورة احلفاظ على حيوية الغريزة ونشاط االقتصاد احلر املسؤول‪.‬‬
‫إن الل ربالية ال رأمسالية واالش رتاكية املاديتني ختتاران موقفا متطرفا إزاء‬
‫النوازع الفردية األنانية‪ .‬الل ربالية ال رأمسالية تطلق العنان حلرية الفرد‪ ،‬بينما‬
‫حتاول االش رتاكية القضاء اجلذري عليها‪ .‬أما اإلسالم فيقف من النوازع‬
‫األنانية موقف القبول‪ ،‬يعتربها قوة ال يصلح أن يرخى هلا احلبل على‬
‫الغارب‪ ،‬وال ميكن استئصاهلا‪ .‬فيعطيعها اإلسالم وجهة ال تعطلها وال متكنها‬
‫في االقتصاد‬
‫‪123‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫من العدوان‪ ،‬لكي حتقق مصاحل الفرد دون أن تضر مبصاحل اجلماعة‪ .‬من هذا‬
‫التوجيه جتد توازهنا‪ :‬كلما مالت إىل إرضاء اهلوى زجرها الوعيد‪ ،‬وكلما‬
‫عافت العمل ومالت إىل الكسل نشطها الوعد مبا أعد اهلل للكاسبني من‬
‫الطيبات‪ ،‬املنفقني يف سبيل‪ ،‬اهلل ونشطها حب املال‪.‬‬
‫فيدخل املسلم إىل السوق وعليه رقابتان‪ :‬رقابة ذكر اهلل عز وجل متنعه‬
‫من معصية اهلل يف األخذ والعطاء‪ ،‬وحسبة األمر باملعروف والنهي عن املنكر‬
‫من خارج‪.‬‬
‫لكن هاتني الرقابتني ال تتدخالن يف اختيار الناس ما جيب إنتاجه‪،‬‬
‫وماله األسبقية على غريه‪ .‬فمجال احلالل واسع‪ ،‬الضروري منه واحلاجي‬
‫والتحسيين‪ .‬بل حىت الكمايل منه يعتربه الواحد من املسلمني رزقا طيبا‪ ،‬وال‬
‫سبيل للرقابة العامة عليه مادام يف حدود احللية ال يتعداها‪ .‬بعبارة أخرى‬
‫خيتار املسلم الفرد ما ينتج وما يستهلك غري واع مبا ينبين على اختياره من‬
‫انعكاسات على احلياة االقتصادية لألمة‪ .‬فبما أن آليات السوق تدور حول‬
‫العرض والطلب‪ ،‬ومبا أن دائرة احلالل فيما يعرض ويطلب فضفاضة تعم‬
‫الضروري واحلاجي والتحسيين والكمايل‪ ،‬فقد تشجع آليات السوق إنتاج‬
‫بضائع ترفية‪ ،‬إذا اعتربت نسبة الناس بعضهم إىل بعض‪ ،‬دون أن يستطيع‬
‫أحد لوم أحد على إخالله باملصلحة العامة‪ .‬جييب امللوم بأنه مل يرتكب‬
‫ح راما‪ ،‬ومل يبع أو يشرت مكروها يف الدين‪ .‬بعبارة أخرى تتناقض رغبات‬
‫الفرد املشروعة يف اإلنتاج واالستهالك والربح مع حاجة األمة يف جمموعها‬
‫إذا كان معيار اختيار الفرد حلية البضاعة أو حرمتها بقطع النظر عن أي‬
‫اعتبار لظروف األمة‪.‬‬
‫هبذا املعيار الفضفاض اجملرد ميكن لساكن قطر خصب غين‪ ،‬وميكن‬
‫ملتمول قاطن بني فق راء‪ ،‬أن يتمتع بالكماليات‪ ،‬بينما سكان قطر فقري‪،‬‬
‫واجلار اجلنب املسكني‪ ،‬ال حيصلون على ما يسد الرمق‪ .‬هذا ينايف العدل‬
‫وينايف اإلحسان‪ .‬ولتقومي هذا االعوجاج يلزم التخطيط‪ ،‬وهو سياسة‬
‫في االقتصاد‬
‫‪124‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫شرعية ال تصطدم مبقاصد الشريعة‪ ،‬بل تساعد على حتقيقها‪ .‬يلزم ختطيط‬
‫ما ينبغي أن يعرض يف السوق عرضا سخيا لريخص مثنه ويكون يف متناول‬
‫الفقري‪ ،‬وما ينبغي أن تضرب عليه الض رائب من األشياء املتامخة للرتف‪،‬‬
‫وما ينبغي أن يقل عرضه‪ ،‬فريتفع مثنه‪ ،‬فينصرف املنتجون واملستهلكون‬
‫عنه إىل الضروري‪.‬‬
‫هذه السياسة الشرعية ال يأيت هبا إال ختطيط تفرضه الدولة‪ .‬ألن أقطار‬
‫اإلسالم متفاوتة يف إمكاناهتا االقتصادية تفاوتا كب ريا‪ .‬وتوزيع الثروات‬
‫العادل بني كل املسلمني مطلب شرعي‪ .‬فلو تركنا كل قطر خيتص بأمواله‬
‫وموارده‪ ،‬ويزعم سكان القطر الغين أن هذه األموال املغدقة عليهم نعمة‬
‫من نعم اهلل‪ ،‬هلم احلق أن يتصرفوا فيها‪ ،‬ال لوم وال عتاب عليهم‪ ،‬إذن لبقي‬
‫سكان بنغالدش وغريها من البالد الفقرية عرضة للجوع واهلالك‪ ،‬بينما‬
‫تقتل التخمة‪ ،‬من «احلالل» غريهم من املسلمني‪.‬‬
‫كيف يكون حالال أن ميوت بعض املسلمني جوعا‪ ،‬وبعضهم ختمة!‬
‫هنا يكون الفقه اجملرد عن اعتبار وحدة األمة وظروف التفاوت من قطر‬
‫لقطر‪ ،‬ومن طبقة لطبقة‪ ،‬عماية ال علما‪ .‬ويكون التخطيط املركزي لتوزيع‬
‫الثروات هو الفقه‪.‬‬
‫مث إن احلجم الكبري الضروري الزدهار االقتصاد يساير التوزيع العادل‬
‫للثروات على القاعدة الواسعة ليكون بوسع كل املسلمني اقتناء بضائع‬
‫إسالمية رخيصة الثمن‪ .‬جيد يف ذلك منفعته كل من املنتج واملستهلك‪.‬‬
‫ذاك جيد سوقا واسعة‪ ،‬وهذا يستفيد من سعتها مبا يتيحه اإلنتاج املسلسل‬
‫من خفض التكاليف‪ ،‬فخفض األمثان‪.‬‬
‫مطلب العدل يساعد على بلوغه التخطيط إلنتاج مسلسل‪ ،‬وتوزيع‬
‫على أعداد ضخمة مت زايدة من السكان‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪125‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫لكن مطلب احليوية األشد ضرورة الزدهار االقتصاد ال يساير التخطيط‪.‬‬
‫وإن فقدت احليوية‪ ،‬اليت تضمنها فقط احلرية‪ ،‬فقد الباعث الفطري على‬
‫السعي والكسب واالجتهاد‪ ،‬فاهنار االقتصاد‪ ،‬فحل الفقر العام‪ ،‬فانتفى‬
‫العدل‪ .‬وليس ملجأ العجزة والعاطلني جمتمع عدل‪.‬‬
‫إذا تدخل التخطيط املركزي يف كل صغرية وكبرية‪ ،‬وزعم أنه ال تتحرك‬
‫متحركة إال عن إشارته‪ ،‬وال يشرع يف عمل إال بتقديره وتقريره‪ ،‬فهو الشلل‪.‬‬
‫فاملشكل هو اجلمع بني ضرورتني‪ ،‬كلتامها يتوقف عليها االزدهار‬
‫والعدل‪ :‬التخطيط املركزي‪ ،‬واحلرية الالمركزية‪ .‬ومها متناقضان رأي العني‪.‬‬
‫إنه التناقض الذي حتاول اآلن كل من ال رأمسالية واالش رتاكية عقد‬
‫الصلح بني طرفيه‪ .‬فال رأمسالية تفرض عليها الظروف املعقدة لالقتصاد‬
‫داخل كل بلد‪ ،‬ويف النطاق العاملي‪ ،‬مزيدا من تدخل الدولة‪ ،‬ومن ترتيب‬
‫السوق‪ ،‬وحفظ التوازنات املالية والتجارية‪ ،‬ومسك النقد أن ينفلت من‬
‫كل عقال‪ .‬حىت حرية املنافسة اليت تعد حمرك السوق اضطرت ال رأمسالية‬
‫أن حتدها بتحديد األسعار‪ ،‬وحصار البضائع األجنبية بالض رائب اجلمركية‪.‬‬
‫فبعد أن كانت املنافسة بني أف راد وشركات‪ ،‬تدخلت احلكومات‪ ،‬فشهرت‬
‫كل منها سالحها يف وجه الدول األخرى حلماية اقتصادها‪.‬‬
‫واضطرت االش رتاكية بعد فشلها النسيب أن تعيد إىل احلياة روح املنافسة‪،‬‬
‫فشجعت اإلنتاجية باملكافآت املادية بعد أن كانت تزعم أن ثورية العمال‬
‫جيب أن تظهر يف تعاليهم على املكافآت املادية‪ ،‬وأن تكون حوافزهم ثورية‬
‫خالصة‪ .‬ومن االش رتاكيات ما اخرتع نظام التسيري الذايت الذي حياول أن‬
‫في االقتصاد‬
‫‪126‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫جيمع بني م زايا التخطيط وم زايا املنافسة‪ ،‬بني م زايا التنسيق املركزي وم زايا‬
‫املبادرة الالمركزية‪.‬‬
‫يعرب أحد قادة الغرب‪ ،‬اجلن رال دوكول الرئيس الفرنسي‪ ،‬عن أمهية‬
‫التخطيط إذ يسميه «ضرورة ساخنة»‪.‬‬
‫يف بيئة عاملية تستعر فيها حروب األسعار‪ ،‬وتضطرب هبا األزمات كقطع‬
‫الليل املظلم‪ ،‬واملنافسة التجارية‪ ،‬وعدوان الشركات املتعددة اجلنسية‪،‬‬
‫وتصدي احلكومات حلماية اقتصادها‪ ،‬البد لدولة اإلسالم أن تتدخل يف‬
‫االقتصاد‪ .‬وهو حيثية أخرى‪ ،‬زائدة على ما تقدم‪ ،‬تؤيد التخطيط‪.‬‬
‫تخطيط مرن‬
‫ال يبصر صاحب املشروع االقتصادي احلر من موقعه احمللي حاجات‬
‫األمة‪ ،‬فيحتاج إذا أراد أن يساهم يف اجلهاد االقتصادي أن يأتيه العلم‬
‫باحلاجة العامة من أعلى‪ ،‬من الدولة املطلعة على الواقع‪ .‬فإن كان ممن‬
‫ال حيب اجلهاد أرغمته اخلطة العامة على الت زام حدود املصلحة العامة‪ ،‬مث‬
‫ترتك له حرية التنفيذ‪ .‬وهكذا يلتقي ق رار الدولة مع ق رار صاحب املشروع‬
‫ورغبته يف أن تثمر جهوده‪ ،‬فيأكل منها طيبا‪ ،‬وخيدم أمته لريضي ربه‪ .‬من‬
‫أعلى تأيت الق رارات اإلمجالية‪ ،‬والتسهيالت‪ ،‬والتوجيهات‪ .‬ومن أدىن جيتهد‬
‫املنفذون‪ ،‬حتثهم الفطرة‪ ،‬وحيفظهم الوازع القرآين والسلطاين‪ ،‬ليعبئوا املواد‬
‫األولية‪ ،‬واليد العاملة‪ ،‬واإلمكانات احمللية‪ ،‬لتوفري رأس املال‪ ،‬واستثماره‪،‬‬
‫والتالؤم مع معطياته‪.‬‬
‫ال ميكن أن يفرض من أعلى ومن خارج التفاين يف العمل‪ ،‬واليقظة‬
‫واالبتكار‪ .‬إمنا يأيت كل أولئك من حرص صاحب الشغل والعامل على‬
‫في االقتصاد‬
‫‪127‬‬
‫‬
‫اقتصاد ال مركزي‬
‫كسب الربح واألجرة احلسنة هنا وكسب الثواب يف اآلخرة‪ .‬وال ميكن صيانة‬
‫املنشآت وجتديد التكنولوجيا واختاذ الق رارات اليومية بأوامر من خارج ومن‬
‫بعيد‪ .‬وال ميكن معرفة آراء املستهلك وتلقي نقده ومساعدته إال حمليا‪ .‬إمنا‬
‫ميكن ذلك حبضور املالك‪ ،‬وحرصه‪ ،‬وعنايته‪.‬‬
‫بالالمركزية املالزمة للمبادرة احلرة ميكن تاليف بطء التخطيط‪ ،‬ومجع‬
‫اجلهود واخل ربات‪ ،‬ومواجهة تقلبات األحداث ومفاجآهتا اليت ال ميكن أن‬
‫يالحظها املخطط من بعيد وال أن يتنبأ هبا‪ .‬وعلى التخطيط أن ينظم بني‬
‫قطاعات االقتصاد‪ ،‬ويواصل بينها‪ ،‬ويشيع املعلومات‪ ،‬ويوزع املساعدات‪،‬‬
‫وي راقب وحياسب‪ .‬هكذا تلتقي احلرية باملسؤولية‪.‬‬
‫الفصل التاسع‬
‫النطاق اإليماني‬
‫ ولو أن أهل القرى‪...‬‬‫ ذكر اهلل يف السوق‬‫ آداب الـمـكـتـسـب‬‫ اللقمة احلالل‬‫ ورع الـتـاجـر‬‫ الـغـش ح رام‬‫ إتقان الصنعة‬‫ التكسب بنشاط‬‫ حماربة الرتف‬‫ تسامح وصدقة‬‫ معاشرة األغنياء والفق راء‬‫‪ -‬الفقري الصابر‬
‫في االقتصاد‬
‫‪131‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫ولو أن أهل القرى‪...‬‬
‫كنا يف الفصول السابقة مع احلكومة وختطيطها‪ ،‬والغريزة وبواعثها‪.‬‬
‫وكل حديث إسالمي عن الظواهر اخللقية واألسباب الكونية إمنا يكون‬
‫مبتدأ بال خرب‪ ،‬وجسما بال معىن‪ ،‬إن مل ينب على نبإ األسباب والظواهر خرب‬
‫الفاعل القادر وهو اهلل تبارك وتعاىل‪.‬‬
‫حاولنا أن نتحدث بلغة االقتصاد دون أن نتجرد عن لغة القلب‬
‫واإلميان‪ .‬وهنا نود اإلنابة إىل اهلل عز وجل إنابة املؤمن بأن قدر اهلل عز وجل‬
‫سابق لشرعه سبق الروح للجسد‪ ،‬وبأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثرية‬
‫بإذن اهلل‪ ،‬إن كان اإلميان سالحها‪ .‬وما املعارك االقتصادية اهلائلة اليت تنتظر‬
‫الدولة اإلسالمية إال قتال فئة قليلة احلول‪ ،‬وإن كانت متكاثرة األعداد‪ ،‬مع‬
‫فئة االقتصاد املتطور الشديدة البأس‪ ،‬املستكربة يف األرض‪ ،‬احملتكرة لألرض‬
‫واجلو‪ ،‬والرب والبحر‪ ،‬واملال والعلم‪ ،‬واخلربة والد راية‪.‬‬
‫سبقونا إىل الصناعة فهم فرساهنا‪ ،‬وحنن رجالة حفاة‪ .‬وصنعوا السالح‪،‬‬
‫وحنن عزل‪ .‬واكتفوا مث بشموا من الشبع‪ ،‬وحنن غرثى عالة‪ .‬فمن أين التباري‬
‫معهم والقوى غري متكافئة! بل أىن لنا الفكاك من قبضتهم‪ ،‬واخلالص من‬
‫إسارهم‪ ،‬إال بإذن من اهلل عز وجل وبركة وتوفيق!‬
‫أال وإن وعد اهلل حق‪ ،‬وأعظم أسباب النمو االقتصادي والفالح‬
‫والنصر اللجأ إليه سبحانه‪ .‬وليخسأ كل أفاك أثيم يسمع آيات اهلل‬
‫تتلى عليه مث يصر مستكربا كأن مل يسمعها‪ ،‬كأن يف أذنيه وق را‪ .‬وقر‬
‫العلمانية اليت فرغ أهلها من نفي كل فاعلية إال فاعلية األرقام‪ ،‬وجحود‬
‫كل جدوى إال جدوى التنظيم البشري‪ .‬وقر الثوريني الذين ال حديث‬
‫هلم إال عن النضال‪ ،‬وتعبئة اجلماهري‪ ،‬ووضع اخلطة االقتصادية‪ .‬ومع وقر‬
‫أولئك وهؤالء يد ذليلة ممدودة إىل احلليف اجلاهلي‪ .‬فما لنا إن اختذنا‬
‫في االقتصاد‬
‫‪132‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫أسباب احلساب والتنظيم‪ ،‬وأسباب جتنيد األمة ورسم املنهاج‪ ،‬ال مند‬
‫أيدي الض راعة لنصرينا وموالنا ليسدد ويوفق! األسباب شريعته‪ ،‬وقدره من‬
‫ورائها‪.‬‬
‫{ولَ ْو أ َّ‬
‫آم نُ واْ َوات ـَّ َق واْ لَ َف تَ ْح نَ ا‬
‫َن أ َْه َل الْ ُق َرى َ‬
‫قال اهلل تبارك وتعاىل‪َ :‬‬
‫َع لَ ْي ِه م بـ ر َك ٍ‬
‫الس َم ِاء َواألَ ْر ِ‬
‫ض} (األع راف‪ .)96 ،‬هاهو ذا مفتاح‬
‫ات ِّم َن َّ‬
‫ََ‬
‫التوفيق اإلهلي الذي ال حتسبه العدادات اإللكرتونية‪ ،‬وال حيصيه املخطط‪.‬‬
‫فيكون مقدمة علم االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬ومداره‪ ،‬وحموره‪ ،‬علم التقوى‬
‫واإلميان الكفيلني بفتح بركات األرض والسماء‪.‬‬
‫كان األوىل أن نفتتح هذه الفصول يف االقتصاد هبذا‪ ،‬لوال أننا ن راعي من‬
‫يفتح الكتاب ومعه مسبقات فكرية‪ ،‬يصدمه وال يفيده أن يق رأ احلق الذي‬
‫ال م راء فيه‪ ،‬وهو أن جناح االقتصاد اإلسالمي مضمون من رب العاملني إن وىف‬
‫املسلمون الشرطني‪ :‬اإلميان والتقوى‪ .‬ورمبا تكون صدمته أقل إن جاءه‪ ،‬أول‬
‫لقائه هبذه الفصول‪ ،‬حديث عن مألوفه يف التعلق باألسباب والوقوف معها‪.‬‬
‫ورب سائل يسأل‪ :‬ما بال القوم الكافرين تغدق عليهم األرزاق‪ ،‬ويرتعون‬
‫يف حلل العافية‪ ،‬والغىن‪ ،‬والرفاهية‪ ،‬والقوة؟ بأي إميان وبأية تقوى استحقوا‬
‫{ولَ َق ْد أ َْر َس لنَ ا إِلَ ى‬
‫ذلك؟ واجلواب من الكتاب العزيز‪ .‬قال اهلل عز وجل‪َ :‬‬
‫اه ْم بِ الْبَ أْ َس اء َو َّ‬
‫ض َّرعُ و َن فـَلَ ْوال‬
‫الض َّراء لَ َع لَّ ُه ْم يـَتَ َ‬
‫أ َُم ٍم ِّم ن قـَ ْب لِ َ‬
‫ك فَ أَ َخ ْذنَ ُ‬
‫ض َّرعُ واْ ولَ ِ‬
‫ت قـُلُ وبـُ ُه ْم َو َزيَّ َن لَ ُه ُم َّ‬
‫الش ْي طَا ُن‬
‫ق‬
‫ن‬
‫ـك‬
‫َ‬
‫س ْ‬
‫اءه ْم بَأْ ُس نَ ا تَ َ‬
‫إِ ْذ َج ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫اب ُك ِّل‬
‫س واْ َم ا ذُ ِّك ُرواْ بِ ه فـَتَ ْح نَ ا َع لَ ْي ِه ْم أَبـْ َو َ‬
‫َم ا َك انُواْ يـَ ْع َم لُ و َن فـَلَ َّم ا نَ ُ‬
‫َش ي ٍء ح تَّى إِ َذا فَ ِرح واْ بِ م ا أُوتُ واْ أَ َخ ْذنَاه م بـ غْ ت ةً فَِإ َذا ه م ُّم ب لِ‬
‫س و َن فـَ ُق ِط َع‬
‫ُ َ َ‬
‫ْ َ‬
‫ُ َ‬
‫ُ ْ ُ‬
‫ِ‬
‫َدابِ ر الْ َق وم الَّ ِذين ظَلَ م واْ والْح م ُد لِ لّ ِ‬
‫ْع الَ ِ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ه‬
‫ين} (األنعام‪.)45-42،‬‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ ُ َ َْ‬
‫ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بسط اهلل عز وجل هلم يف العلم واحلذق واألرزاق ابتالء بالنعماء‪ ،‬فتح‬
‫عليهم أبواب كل شيء فكفروا املنعم‪ ،‬ليقيم اهلل عليهم احلجة يف اآلخرة‬
‫في االقتصاد‬
‫‪133‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫والدنيا‪ .‬وتتبع ذكر اهلل عز وجل القرى الظاملة من قوم عاد ومثود وغريمها‪،‬‬
‫كيف بسط اهلل عليهم النعم فكفروا وكذبوا الرسل فأخذهم أخذا أليما‬
‫شديدا‪ .‬وما هي من الظاملني ببعيد‪.‬‬
‫وحنن‪ ،‬األمة املرحومة‪ ،‬مبتلون أيضا بالفقر والتخلف‪ ،‬مبتلون هبذه‬
‫األموال النفطية املفاجئة‪ .‬من كان يظن أن احلفاة الع راة رعاء الشاء‪ ،‬سكان‬
‫اخليام والقفار‪ ،‬سيشيدون ما ترى وتسمع من باذخ البناء‪ ،‬وسريفلون يف‬
‫سيارات الذهب‪ ،‬وسيحلقون يف طيارات صنعت خاصة هلم إىل‪ ...‬أوكار‬
‫القمار والفساد يف أركان املعمور؟‬
‫شيٍ‬
‫ِ‬
‫وع َونـَ ْق ٍ‬
‫ْ‬
‫ص‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫وف‬
‫خ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫ء‬
‫ْ‬
‫ْج ِ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ ُ‬
‫قال اهلل تعاىل‪َ :‬‬
‫{ولَ نَ بـْلُ َونَّ ُك ْم ب َ ْ َ‬
‫س وال ثَّم ر ِ‬
‫ِّم ن األََم و ِ‬
‫الص ابِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫ر‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ب‬
‫و‬
‫ات‬
‫ف‬
‫األن‬
‫و‬
‫ال‬
‫ين} (البقرة‪ .)155 ،‬وقال‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ ََ َ‬
‫َ َ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫عز من قائل‪ُ { :‬ك ُّل نـَ ْف ٍ‬
‫ْم ْوت َونـَبـْلُ و ُك م ب َّ‬
‫الش ِّر َوالْ َخ ْي ِر ف تـْنَ ةً‬
‫س َذائ َق ةُ ال َ‬
‫َو إِلَ يـْنَ ا تـُ ْر َج عُ و َن } (األنبياء‪.)35 ،‬‬
‫وقد رتب اهلل عز وجل إنعامه على العباد باستقامتهم له‪ .‬فمن أهم‬
‫ما نتخذ من أسباب للخروج من التخلف‪ ،‬واستد رار الرزق‪ ،‬أن نرجع‬
‫{اس تـَغْ ِف ُروا َربَّ ُك ْم إِنَّهُ َك ا َن غَ َّف اراً يـُ ْر ِس ِل‬
‫إىل اهلل ربنا‪ .‬قال نوح لقومه‪ْ :‬‬
‫الس م اء َع لَ ْي ُك م ِّم ْد راراً وي م ِد ْد ُك م بِ أ َْم و ٍال وب نِ ين وي ْج ع ل لَّ ُك م ج ن ٍ‬
‫َّات‬
‫ْ َ ََ َ َ َ َ‬
‫َ َُْ‬
‫ْ َ‬
‫َّ َ‬
‫َويَ ْج َع ل لَّ ُك ْم أَنـْ َه اراً} (نوح‪ )12-10 ،‬التوبة واإلميان والتقوى عالج ختلفنا‬
‫وبؤسنا التارخيي‪ .‬وشعب اإلميان بضع وسبعون‪ ،‬احسب منها إن شئت‬
‫حسن تصريف األموال‪ ،‬وجهاد العدو للتحرر من التبعية له‪ ،‬واحلرص‬
‫على الكسب احلالل‪ ،‬وإيتاء الزكاة بعد إقامة الصالة‪ ،‬إىل غريها من العلم‬
‫واالبتكار وإصالح الزراعة وتوطني الصناعة‪ ،‬وحماربة االحتكار والتبذير‬
‫الشيطاين‪.‬‬
‫نعطي األسباب حقها الشرعي بفطانة عقولنا‪ ،‬ونشاط جوارحنا‪،‬‬
‫والطاعة يف ذلك كله ألمر ربنا‪ .‬نتعرض باح رتام شرعه وانفتاح قلوبنا إليه‬
‫في االقتصاد‬
‫‪134‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫لقدر ينجينا‪ .‬وما بوسائلنا وحيلتنا نفلح إن أخطأنا التوفيق‪ ،‬وفاتتنا الربكة‪.‬‬
‫قال اهلل تعاىل يبصرنا مبواقع القدر السابق لكل األسباب‪{ :‬أَفـَ َرأَيـْتُ م َّم ا‬
‫تَ ْح ُرثُو َن أَأَنتُ ْم تـَ ْز َرعُ ونَهُ أ َْم نَ ْح ُن َّ‬
‫ش اء لَ َج َع لْنَ اهُ ُح طَام اً‬
‫الزا ِرعُ و َن لَ ْو نَ َ‬
‫ْم اء الَّ ِذي‬
‫فَ ظَلْتُ ْم تـَ َف َّك ُه و َن إِنَّا لَ ُم غْ َرُم و َن بَ ْل نَ ْح ُن َم ْح ُر ُ‬
‫وم و َن أَفـَ َرأَيـْتُ ُم ال َ‬
‫تَ ْش رب ون أَأَنتُ م أَنزلْتُ م وهُ ِم ن الْم ْز ِ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ن‬
‫َم‬
‫أ‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ْم ن ِزلُ و َن لَ ْو نَ َ‬
‫ش اء َج َع لْنَ اهُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َُ‬
‫ُ ُ‬
‫َ ُ‬
‫ْ َ ُ‬
‫أُج اج اً فـ لَ وَل تَ ْش ُك رو َن أَفـ رأَيـْتُ م ال ن َّ ِ‬
‫ش أْتُ ْم َش َج َرتـَ َه ا‬
‫ورو َن أَأَنتُ ْم أَن َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫َّار ال ت ي تُ ُ‬
‫ََ ُ َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫أَم نَح ن ال ِ‬
‫اس ِم‬
‫ْم نش ُؤو َن نَ ْح ُن َج َع لْنَ َ‬
‫س بِّ ْح بِ ْ‬
‫اه ا تَذْك َرًة َو َم تَ اع اً لِّل ُ‬
‫ْ ُْ ُ‬
‫ْم ْق ِو َ‬
‫ين فَ َ‬
‫ْع ِظ ِ‬
‫يم} (الواقعة‪.)74-63 ،‬‬
‫َربِّ َ‬
‫ك ال َ‬
‫سبحان ربنا العظيم‪ ،‬جعل لنا تاريخ األمم من حركة وسكون‪ ،‬من‬
‫بسط وقبض‪ ،‬من عطاء ومنع‪ ،‬من ظهور وخفاء‪ ،‬من نصر وهزمية‪ ،‬من‬
‫رخاء وعسر‪ ،‬من مناء ونقص‪ ،‬تذكرة لكيال ننساه فينسينا أنفسنا‪ .‬وإن‬
‫نسيناه ومشرنا تشمري املعتد حبوله‪ ،‬املزهو بنفسه‪ ،‬ال تشمري املتوكل‪ ،‬فإمنا‬
‫حنن مهل من هذه السوائم البشرية‪.‬‬
‫نورد يف هذا الفصل إن شاء اهلل نبذة من األحكام واآلداب اإلسالمية‬
‫املتعلقة باالقتصاد‪ ،‬ننقلها بألفاظها من كتابات علمائنا الذين سبقونا‬
‫بإميان‪ .‬إن تغري شكل االقتصاد وتعقدت عالقاته‪ ،‬فإن التوبة واإلميان‬
‫والتقوى وشيجة بيننا وبينهم رمحهم اهلل ال تبليها األيام‪ .‬رهبم الرزاق ربنا‪،‬‬
‫فال وحشة بل أخوة‪ .‬وما الزمان بيننا وبينهم إال ستار شفاف ملن كان‬
‫يرجو اهلل واليوم اآلخر وذكر اهلل كث ريا‪.‬‬
‫ذكر اهلل في السوق‬
‫أهلاكم التكاثر! والسوق مركز امللهاة‪ ،‬وموطن الغفالت‪ .‬لذلك سن‬
‫لنا أن نذكر اهلل فيه‪ .‬وليس لكلمة «سوق»‪ ،‬ملن يعترب العلة يف األحكام‬
‫وينفذ إىل املقاصد العليا‪ ،‬مدلول املكان املعني خاصة‪ .‬بل ذكر اهلل من‬
‫في االقتصاد‬
‫‪135‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫خالل كل العمليات االقتصادية مطلوب شرعا‪ .‬صالة االستسقاء عبادة‬
‫تعرض فيها احلاجة االقتصادية يف املوقف املتضرع بني يدي املوىل عز وجل‪.‬‬
‫وصالة اإلمام على مؤيت الزكاة‪ ،‬أي دعاؤه هلم‪ ،‬سنة يقلد فيها املصطفى‬
‫صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وكلمة «اللهم ارزقين» واردة يف األدعية النبوية‪ .‬وشكر‬
‫النعم قربة‪ .‬وال حيل لنا أكل ما مل يذكر اسم اهلل عليه‪ .‬وهكذا تصبح كل‬
‫العمليات االقتصادية بالنية‪ ،‬وطاعة اهلل ورسوله‪ ،‬والذكر الدائم‪ ،‬عبادة‪.‬‬
‫إن ذكر اهلل يف املكان املسمى سوقا سنة‪ .‬قال أبو طالب املكي رمحه‬
‫اهلل‪« :‬كان ابن عمر رضي اهلل عنه إذا دخل السوق يقول‪« :‬اللهم إين أعوذ‬
‫بك من الكفر والفسوق‪ ،‬ومن شر ما أحاطت به السوق‪ .‬اللهم إين أعوذ‬
‫بك من ميني فاجرة‪ ،‬وصفقة خاسرة»‪ .‬قال‪ :‬ولذكر اهلل يف السوق ما ال يوجد‬
‫يف سواه‪ .‬فليعتمد ذكر اهلل تعاىل يف ساعات الغفلة‪ ،‬وحني ت زاحم الناس‬
‫يف البيع والش راء‪ .‬وكان احلسن (البصري) يقول‪ :‬ذاكر اهلل يف السوق جييء‬
‫يوم القيامة وله ضوء كضوء القمر‪ ،‬وبرهان كربهان الشمس‪ .‬ومن استغفر‬
‫اهلل يف السوق غفر له بعدد أهله‪ .‬ويف اخلرب العام‪« :‬ذاكر اهلل يف الغافلني‬
‫كاملقاتل عن الفارين‪ ،‬وكاحلي بني األموات»‪ .‬ويف اخلرب اخلاص‪« :‬من دخل‬
‫السوق فقال‪ :‬ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‪ ،‬له امللك وله احلمد حييي‬
‫ومييت‪ ،‬وهو حي ال ميوت‪ ،‬بيده اخلري‪ ،‬وهو على كل شيء قدير‪ .‬كتب له‬
‫ألف ألف حسنة»‪.‬‬
‫وكان ابن عمر وحممد بن واسع رضي اهلل عنهما يدخالن السوق‬
‫قاصدين‪ ،‬يذك ران اهلل عز وجل طلبا للفضيلة‪« .‬يدخالن السوق ال قصد‬
‫هلما إال ذكر اهلل ليحصال على الفضيلة الواردة يف حديث‪ :‬من دخل‬
‫السوق‪.»...‬‬
‫قال‪ :‬فإذا دخلت سوقا أو كنت فيه فال يفوتنك التهليل والذكر‪ ،‬فهو‬
‫عمل وقتك (ال إله إال اهلل‪ :‬الكافر يقول‪ :‬الوقت من ذهب‪ ،‬واملؤمن يقول‪:‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪136‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫الوقت لذكر اهلل!)‪ .‬وال تقعدن يف السوق لغري ذكر اهلل أو غري معاش‪ ،‬فقد‬
‫كره ذلك‪ .‬وإذا مسعت التأذين للصالة فلتأخذ يف أمر الصالة‪ ،‬وال تؤخرها‬
‫عن اجلماعة‪ ،‬وإال كنت فاسقا عند بعض العلماء‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ينبغي أن يوقت العمل يف احلقل واملصنع واملتجر واملكتب‪،‬‬
‫ال على أوقات األكل والشرب وال راحة‪ ،‬بل على أوقات الصالة لتحرتم‬
‫مواعيدها‪ .‬وإال كان اقتصادنا فاسقا‪ ،‬وذهبت الربكة والنعمة‪ ،‬وحل اخلسار‬
‫والنقمة‪ .‬والعياذ باهلل‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪ :‬فإدراكه لتكبرية اإلح رام يف اجلماعة أحب إليه من مجيع‬
‫ما يربح من الدنيا إىل أن ميوت‪ .‬وفوهتا أشد عليه من مجيع ما خيسر من‬
‫الدنيا‪ )...( .‬وقد كان السلف من أهل األسواق إذا مسعوا األذان ابتدروا‬
‫املسجد يركعون إىل وقت اإلقامة‪ .‬وكانت األسواق ختلو من التجار‪ .‬وكان‬
‫يف أوقات الصالة معايش للصبيان وأهل الذمة‪ .‬وكانوا يستأجروهنم التجار‬
‫بالق راريط والدوانق حيفظون احلوانيت إىل أوان انص رافهم من املساجد‪.‬‬
‫وهذه سنة قد عفت‪ ،‬من عمل هبا فقد أنعشها‪.‬‬
‫قلت‪ :‬اهلل! اهلل! لو أطلعت أخي على زماننا! ويرحم اهلل من أحىي تلك‬
‫السنة‪ .‬يتأكد ترك التجارة وكل شغل إذا نودي للصالة من يوم اجلمعة‪،‬‬
‫كما جاء بذلك األمر املطاع‪ .‬وعلى الدولة أن تسهر على تطبيق العطلة‬
‫عن كل شغل يوم اجلمعة‪ ،‬وأن تستبدل بعطلة اليهود والنصارى عطلة‬
‫املؤمنني‪ .‬ومن املعلوم عند علمائنا أن العقود باطلة إن أشهد عليها تلك‬
‫الساعة اخلاصة من اليوم املبارك‪ .‬قال مالك رمحه اهلل‪ :‬حيرم البيع حىت خيرج‬
‫اإلمام يوم اجلمعة‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪ :‬وجاء يف تفسري قوله عز وجل‪ِ { :‬ر َج ٌ‬
‫ال َّل تـُ ْل ِه ي ِه ْم‬
‫ِ‬
‫الص َل ِة َوإِيتَ اء َّ‬
‫الز َك ِاةُ} (النور‪)37 ،‬‬
‫ارةٌ َوَل بـَ ْي ٌع َع ن ِذ ْك ِر ال لَّ ِه َوإِقَ ِام َّ‬
‫ت َج َ‬
‫في االقتصاد‬
‫‪137‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫قيل‪ :‬كانوا حدادين وخ رازين‪ .‬وكان أحدهم إذا رفع املطرقة أو غرز اإلشفا‬
‫فسمع اآلذان مل خيرج اإلشفا من الغرزة‪ ،‬ومل يرفع املطرقة‪ ،‬ورمى هبا‪ ،‬وقاموا‬
‫إىل الصالة»‪.‬‬
‫واحلديث الذي أورده أبو طالب رمحه اهلل‪ ،‬جاء هكذا عند الرتمذي وابن‬
‫ماجة بسند حسن‪ ،‬عن عمر رضي اهلل عنه‪ ،‬أن رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم قال‪« :‬من دخل السوق فقال‪ :‬ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‪ ،‬له‬
‫امللك وله احلمد‪ ،‬حييي ومييت‪ ،‬وهو حي ال ميوت‪ .‬بيده اخلري وهو على كل‬
‫شيء قدير‪ ،‬كتب اهلل له ألف ألف حسنة‪ ،‬وحما عنه ألف ألف سيئة‪ ،‬ورفع‬
‫له ألف ألف درجة» ويف رواية عوض الثالثة‪ :‬وبىن له بيتا يف اجلنة‪.‬‬
‫آداب المكتسب‬
‫ننقل عن أيب طالب املكي ‪-‬نور اهلل مقامه‪ -‬هذه اآلداب كما رتبها‪،‬‬
‫منها الواجب واحل رام واملستحب‪:‬‬
‫‪« )1‬وليجتنب هذا السوقي البيوع الفاسدة‪ ،‬مثل‪ :‬بيع الغرر واخلطر‬
‫واجملهول‪ .‬ومثل‪ :‬بيعتني يف بيعة‪ ،‬إحدامها مصارفة ومشاطرة‪ .‬وال يبيع ما‬
‫ليس عنده‪ ،‬وال ما اش رتاه حىت يبدو صالحها‪ ،‬ويؤمن عليها العاهة»‪.‬‬
‫‪« )2‬وهنى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن النجش‪ .‬وهو أن يعطي‬
‫بسلعة شيئا وهو ال يريد أن يشرتيها بشيء ليغر غريه»‪( .‬وقلت‪ :‬هذه‬
‫حيلة املتظاهر باملساومة من رفقاء البائع‪ .‬أصبحت اليوم فنا شيطانيا‬
‫يلعب به السماسرة بأسواق الناس وأمواهلم‪ .‬فيا للحسبة!) قال رمحه‬
‫اهلل‪« :‬وال يبتاع شيئا من ذهب وخرز‪ ،‬مثل‪ :‬القالدة وحنوها‪ ،‬حىت يفصل‬
‫في االقتصاد‬
‫‪138‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫كل واحد على حدته‪ .‬كذلك السنة»‪ .‬قلت‪ :‬فن العرض وجتميل السعلة‬
‫وتغليفها للدعاية هلا خداع ال يقبله اإلسالم‪.‬‬
‫‪« )3‬وليتوق كل بيع وش راء أخرب العلم ببطالنه‪ ،‬أو خروج من حكم‬
‫العلم به‪ .‬فإن ذلك كله منقصة للدين‪ ،‬خمبثة للكسب‪ .‬فإن أشكل عليه‬
‫شيء من هذه األمور خبفائها سأل أهل العلم والفتيا‪ ،‬فيأخذ منهم على‬
‫مذهب الورعني ورأي املتقني‪ .‬وحيتفظ لدينه‪ ،‬ولينظر لنفسه‪ ،‬وال يغمض‬
‫يف أمر آخرته‪ .‬فذلك خري له وأحسن توفيقا»‪.‬‬
‫‪« )4‬وليجتنب الصنائع احملدثة من غري املعروفة‪ ،‬واملعايش املبتدعة يف‬
‫زماننا هذا فإن ذلك بدعة ومكروه‪ ،‬إذ مل يكن فيما مضى من السلف‪.‬‬
‫قلت‪ :‬يعين رمحه اهلل بالصنائع احملدثة احلرف الرتفية اليت ط رأت على‬
‫األمة‪ .‬وإال فتعلم الصنائع النافعة واجب كما سنرى ذلك يف فصل «بأس‬
‫احلديد» بعد حني إن شاء اهلل‪ .‬والتطور السريع يف عصرنا ألساليب الصناعة‬
‫يوجب علينا أن نبذل جهدا خاصا يف تأسيس معاهد للبحث العلمي‪ ،‬إذ‬
‫يف تلك امليادين تربح أو ختسر املعارك‪.‬‬
‫‪« )5‬وكل ما كان سببا للمعصية من آلة وأداة فهو معصية‪ ،‬فال يصنعه‬
‫وال يبعه فإنه من املعاونة على اإلمث والعدوان‪ .‬وكل ما أخذ من املال على‬
‫عمل بدعة ومنكر فهو بدعة ومنكر‪ .‬وكل معني ملبتدع أو عاص فهو شريكه‬
‫يف بدعته ومعصيته‪ .‬وأخذ املال على مجيع ذلك من أكل املال بالباطل»‪.‬‬
‫‪« )6‬ومن أكل احل رام فقد قتل نفسه وقتل أخاه‪ ،‬ألنه أطعمه إياه‪ .‬قال‬
‫اهلل تعاىل‪{ :‬والَ تَأْ ُك لُ واْ أَم والَ ُك م بـ يـ نَ ُك م بِ الْب ِ‬
‫اط ِل} (البقرة‪.)188 ،‬‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫{والَ تـَ ْق تـُلُ واْ أَن ُف‬
‫س ُك ْم} (النساء‪ .)29 ،‬وليس هذا من‬
‫وقال تعاىل‪َ :‬‬
‫َ‬
‫يل ال ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين نـُ َولِّ ِه‬
‫{ويـَتَّ ب ْع غَ يـْ َر َس ب ِ ُ‬
‫سبيل املؤمنني‪ .‬وقد قال اهلل تعاىل‪َ :‬‬
‫ْم ْؤم ن َ‬
‫م ا تـ ولَّ ى ونُ ِ ِ‬
‫َّم} (النساء‪.)115 ،‬‬
‫َ ََ َ ْ‬
‫ص ل ه َج َه ن َ‬
‫في االقتصاد‬
‫‪139‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫‪« )7‬وال ينبغي للسوقي أن يشغله معاش الدنيا عن اآلخرة‪ ،‬وال تقطعه‬
‫جتارة الدنيا عن جتارة اآلخرة‪ ،‬وال مينعه سوق الدنيا عن سوق اآلخرة‪ ،‬ألنه‬
‫من املوقنني‪ .‬وبيوت اهلل عز وجل يف األرض هي أسواق اآلخرة‪ .‬قال اهلل عز‬
‫{ل تـ ْل ِه ي ِه م تِ‬
‫الص َل ِة َوإِيتَ اء‬
‫ج‬
‫ارةٌ َوَل بـَ ْي ٌع َع ن ِذ ْك ِر ال لَّ ِه َو إِقَ ِام َّ‬
‫وجل‪ُ َّ :‬‬
‫ْ َ َ‬
‫الز َك ِاةُ} (النور‪ .)36 ،‬وقال اهلل عز وجل‪{ :‬فِ ي بـ ي ٍ‬
‫َّ‬
‫وت أ َِذ َن ال لَّ هُ أَن تـُ ْرفَ َع‬
‫ُُ‬
‫وي ْذ َك ر فِ يه ا اس م هُ ي س بِّ ح لَ هُ فِ‬
‫صِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ال‬
‫و‬
‫و‬
‫د‬
‫غ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ا‬
‫يه‬
‫ال ِر َج الٌ} (النور‪.)37 ،‬‬
‫ْ‬
‫ِّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َُ َ َ ْ ُ ُ َ ُ‬
‫فليجعل العبد طريف النهار خلدمة سيده‪ ،‬يذكره ويسبحه يف بيته صالة‬
‫وأورادا‪ ،‬ويف السوق يذكره حبسن املعاملة‪ .‬وقد كان عمر رضي اهلل عنه يأمر‬
‫التجار فيقول‪ :‬اجعلوا أول هناركم هلل عز وجل‪ ،‬وما سوى ذلك لنفوسكم»‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ينبغي يف دولة اإلسالم أن يبكر الناس إىل العمل‪ .‬فقد ورد يف‬
‫حديث نبوي رواه اإلمام أمحد والرتمذي وابن ماجة‪« :‬اللهم بارك ألميت يف‬
‫بكورها»‪ .‬فإن املؤمن ال ينام كاجليفة حىت تفوته صالة الفجر‪ .‬واجللسة‬
‫بعد الفجر لذكر اهلل وتالوة كتابه أفضل ما يفتتح به العبد يومه‪ .‬فحبذا لو‬
‫تكون تلك السويعة املباركة موعدا يف مساجد املدينة‪ ،‬ومساجد املعامل‪،‬‬
‫ومساجد اإلدارات‪ ،‬للقاء املؤمنني‪ ،‬وجتالسهم يف اهلل للذكر والعلم والتذكري‪.‬‬
‫إثرها مباشرة‪ ،‬مع طلوع الشمس‪ ،‬يبدأ النشاط اليومي لينتهي يف ساعات‬
‫مبكرة من املساء‪ .‬وينبغي أن نتحرر من تقليد الكفار يف ترتيب هنارهم‬
‫وليلهم‪ ،‬فنخرج يف الزمان العلماين‪ ،‬والتوقيت العلماين لنساير مواقيت‬
‫الصالة والتسبيح والتكبري‪ .‬مث لنخصص آخر اليوم لتبليغ الدعوة‪ ،‬وللتطوع‬
‫يف اخل ريات‪ ،‬وللتعليم والتعلم‪.‬‬
‫اللقمة الحالل‬
‫كتب العالمة ابن احلاج رمحه اهلل قال‪« :‬ومل يزل السلف املاضون رضي‬
‫اهلل عنهم يتحفظون على القوت الذي يدخل أجوافهم التحفظ الكلي‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪140‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫وفيه كان تورعهم‪ ،‬والوساوس اليت تدخل عليهم فيه يدفعوهنا عن أنفسهم‬
‫برتكه‪ .‬قال ابن العريب رمحه اهلل‪ :‬وقد ورد يف احلديث الصحيح عن عائشة‬
‫رضي اهلل عنها قالت‪ :‬قلت يا رسول اهلل! من املؤمن؟ قال‪« :‬املؤمن إذا أصبح‬
‫سأل من أين قرصه (خبزه)‪ ،‬وإذا أمسى سأل من أين قرصه»‪ .‬قلت‪ :‬يا‬
‫رسول اهلل! لو أن الناس كلفوا علم ذلك لتكلفوه‪ .‬قال‪« :‬علموا ذلك‪ ،‬لكن‬
‫غشموا (خلطوا) املعيشة غشما»‪ .‬وقال عليه الصالة والسالم‪« :‬طلب‬
‫احلالل فريضة على كل مسلم بعد الفريضة» أي بعد فريضة اإلميان والصالة‬
‫(‪ )...‬ويف الصحيح‪« :‬أحل ما أكل الرجل من كسب يده»‪.‬‬
‫ورع التاجر‬
‫قال أبو طالب املكي رمحه اهلل‪« :‬وقد سئل بعض العلماء عن الورع يف‬
‫املبايعة فقال‪ :‬ال يصح الورع يف البيع إال حبقيقة النصح‪ .‬قال‪ :‬وكيف ذلك‬
‫قال‪ :‬إذا بعته شيئا بدرهم نظرت‪ :‬فإن صلح لك أن تشرتيه بدرهم فقد‬
‫نصحته يف البيع‪ .‬وإن كان يصلح لك خبمسة دوانق‪ ،‬وقد بعته بدرهم‪،‬‬
‫فإنك إن مل ترض له ما ترضى لنفسك فقد ذهب النصح‪ .‬قال‪ :‬فإذا عدم‬
‫النصح ذهب الورع‪ .‬ويقال‪ :‬إن البائع يوقف يوم القيامة مع كل رجل‬
‫باعه شيئا وقفة‪ ،‬وحياسب عن كل واحد حماسبة‪ ،‬حىت عدد من عامله ومن‬
‫اشرتى منه يف الدنيا‪.‬‬
‫الغش حرام‬
‫وقال رمحه اهلل‪« :‬والغش يف البيوع والصنائع ح رام على املسلمني‪ ،‬ومن‬
‫كثر ذلك منه فهو فاسق‪ .‬ومن الغش أن ينشر على املشرتي أجود الطرفني‬
‫في االقتصاد‬
‫‪141‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫من املبيع‪ ،‬أو يظهر من املبيع أجود الثوبني‪ ،‬أو يكشف من الصنعة أحسن‬
‫الوجهني‪ .‬روي أن النيب صلى اهلل عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما‪ ،‬فأعجبه‬
‫ظاهره‪ ،‬فأدخل يده ف رأى بلال‪ .‬فقال ما هذا‪ :‬فقال‪ :‬أصابته السماء (أي‬
‫املطر) فقال‪ :‬هال جعلته فوق الطعام حىت ي راه الناس؟ من غش فليس منا»‬
‫قلت‪ :‬واحلديث يف الصحيح‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪ « :‬فينبغي للبائع والصانع أن يظه را من املبيع واملصنوع‬
‫أردأ ما فيه‪ ،‬ليقف املشرتي والصانع على عيوبه‪ ،‬ويكونا على بصرية من‬
‫باطنه» قلت‪ :‬شتان بني من يتحرى آلخرته‪ ،‬ومن يزين البضاعة ويشهد‬
‫شهادة الزور جبودهتا يف أبواق الدعاية وألوان العرض ليغري املشرتي‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬وأستحب له أن يتوخى يف الش راء والبيع‪ ،‬ويتحرى أهل‬
‫التقوى والدين‪ ،‬ويسأل عمن يريد أن يبايعه ويشاريه‪ .‬وأكره له معاملة‬
‫من ال يرغب عن احل رام‪ ،‬أو من الغالب على ماله الشبهة»‪ .‬قلت‪ :‬إن‬
‫مقاطعة الغشاشني‪ ،‬وذوي الدمم اخلربة‪ ،‬ومساسرة الكفار‪ ،‬وإخ راجهم من‬
‫دورة االقتصاد‪ ،‬واجب مجاعة أهل كل سوق جتارية أو صناعية أو مالية‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬وال ميدح إذا باع أو صنع صنعة‪ ،‬وال يذم إذا اشرتى أو‬
‫استعمل صانعا‪ .‬فإن هذا ال يزيد يف رزقه‪ ،‬وال ينقص منه تركه‪ .‬وهذا من‬
‫اليقني يف الرزق يف هذا الباب‪ .‬وفعله يزيد يف الذنوب فينقص من الدين»‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪142‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫إتقان الصنعة‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬وعلى الصانع أن يبلغ غاية النصح يف صنعته ملستعمله‪،‬‬
‫ألنه أعرف بصالح صنعته وفسادها وبسرعة فناء الصنعة وكثرة بقائها‪.‬‬
‫فينبغي أن يتقن هناية علم الصنائع بصالح الصنعة وحسن بقائها‪ ،‬مع هناية‬
‫بغية مستعمله من جتويدها وإحكامها‪ .‬ويتقي من فساد يسرع إىل فنائها‬
‫ما ال يفطن له مستعمله‪ .‬فإذا فعل الصانع والتاجر ذلك كانا قد عمال‬
‫بعلمهما‪ ،‬وسلما من املطالبة واملساءلة عنه‪ .‬وإال فهما يسأالن‪ ،‬فيقال‬
‫هلما‪ :‬ماذا عملتم فيما علمتم؟ إذا كانوا على علم من التجارة والصناعة‪،‬‬
‫وهبذه األشياء عمارة اململكة (يعين اململكة اإلهلية)‪ .‬فالبد أن يسأال (يوم‬
‫القيامة) عن ذلك كما يسأل من كان على علم بالدين واإلميان‪ .‬ألن هلم يف‬
‫علوم العقل والتمييز من أبواب الدنيا أج را أيضا ومقامات من حيث كان‬
‫عليهم يف ذلك تكليف وعبادات‪ .‬ويقال‪ :‬إذا أثىن على الرجل ج ريانه يف‬
‫احلضر‪ ،‬وأصحابه يف السفر‪ ،‬ومعاملوه يف األسواق‪ ،‬فال تشكوا يف صالحه»‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا كالم نفيس‪ .‬فاملسؤولية االقتصادية مسؤولية دينية يرتتب‬
‫على رعايتها صالح الصانع والتاجر والعامل يف دنياه وأخ راه‪ .‬وإتقان‬
‫الصنعة نصح للمسلمني‪ .‬وانظر كيف أصبح اقتصاد االستهالك اجلاهلي‬
‫قائما على عدم جودة البضاعة ليسرع إليها الفناء فيسرع املستعمل إىل‬
‫تعويضها‪ ،‬فرتوج وتستمر املعامل يف دوراهنا‪ .‬روح الكفر سرت يف كل أوجه‬
‫حياهتم والعياذ باهلل‪.‬‬
‫التكسب بنشاط‬
‫ار َم َع اش اً} (النبأ‪)11 ،‬‬
‫{و َج َع لْنَ ا الن ـَّ َه َ‬
‫وقال رمحه اهلل‪« :‬قال اهلل تعاىل‪َ :‬‬
‫{ولَ َق ْد َم َّك نَّا ُك ْم فِ ي‬
‫فذكره فيما عدده من آياته ونعمته‪ .‬وقال عز وجل‪َ :‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪143‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫ض وج ع لْنَ ا لَ ُك م فِ‬
‫ِ‬
‫ش قَ لِ ي الً َّم ا تَ ْش ُك ُرو َن} (األع راف‪.)10 ،‬‬
‫ي‬
‫ا‬
‫ع‬
‫م‬
‫ا‬
‫يه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫األَ ْر ِ َ َ َ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫فجعل املعاش نعمة طالب بالشكر عليها‪ .‬وروي عن النيب صلى اهلل عليه‬
‫وسلم أنه قال‪« :‬من الذنوب ذنوب ال يكفرها إال اهلم بطلب املعاش»‪ .‬قال‬
‫صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬أحل ما أكل املرء من كسب يده‪ ،‬وكل عمل مربور»‪.‬‬
‫ويف لفظ آخر‪« :‬أحل ما أكل العبد من كسب يد الصانع إذا نصح»‪ .‬ويف‬
‫اخلرب‪« :‬التاجر الصدوق حيشر يوم القيامة مع الصديقني والشهداء»‪ ,‬وقد‬
‫جاء يف احلديث‪« :‬من طلب الدنيا حالال‪ ،‬تعففا عن املسألة‪ ،‬وسعيا على‬
‫عياله‪ ،‬وتعطفا على جاره‪ ،‬لقي اهلل عز وجل ووجه كالقمر ليلة البدر»‪.‬‬
‫وقد روي أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه ذات‬
‫غداة‪ ،‬فنظروا إىل شاب ذي جلدة وقوة‪ ،‬وقد بكر يسعى‪ ،‬فقالوا‪ :‬ويح هذا‬
‫لو كان شبابه وجلده يف سبيل اهلل عز وجل! فقال النيب صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ال تقولوا هذا! فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن املسألة‪،‬‬
‫ويغنيها عن الناس فهو يف سبيل اهلل‪ .‬وإن كان يسعى على أبوين ضعيفني‬
‫أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو يف سبيل اهلل‪ .‬وإن كان يسعى‬
‫تفاخ را وتكاث را فهو يف سبيل الشيطان»‪.‬‬
‫«وقال ابن مسعود‪ :‬إين ألمقت الرجل أراه فارغا‪ ،‬ال يف عمل دنيا وال يف‬
‫عمل آخرة‪ .‬وقال إب راهيم النخعي رمحه اهلل‪ :‬كان الصانع بيده أحب إليهم‬
‫من التاجر‪ ،‬وكان التاجر أحب إليهم من البطالة»‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هنا حكمة توافق فيها مصلحة األمة اختيار السلف الصاحل رضي‬
‫اهلل عنهم‪ .‬فإن الصناعة من فالحة وحرف هي عمدة االقتصاد‪ ،‬وتضخم‬
‫اجلهاز التجاري يؤدي إىل طفيلية اقتصادية تعطل عن العمل املنتج أمواال‬
‫وجهودا حنن يف حاجة أن تنشط فيما يزيد من فرص الشغل للعاطلني‪ ،‬ال‬
‫فيما يساعد على املضاربة (باملعىن العصري للكلمة ال مبعناها الشرعي)‬
‫واجلري وراء الربح العاجل السهل‪ ،‬والسمسرة‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪144‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫محاربة الترف‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬حدثت عن أمحد بن عبد اخلالق قال‪ :‬حدثنا أبو بكر‬
‫املروزي قال‪ :‬سألت أبا عبد اهلل (أمحد بن حنبل) عن الرجل يدعى إىل‬
‫الوليمة‪ ،‬من أي شيء خيرج (أي ما هي البدع اليت إن وجدها يف الوليمة‬
‫خرج منها هنيا عن املنكر)؟ فقال‪ :‬خرج أبو أيوب حني دعاه ابن عمر ف رأى‬
‫البيت قد سرت (عليه ستور)‪ .‬ودعي حذيفة فخرج‪ ،‬وإمنا رأى شيئا من زي‬
‫األعاجم‪ .‬قلت‪ :‬فإن مل يكن البيت مستورا ورأى شيئا من فضة‪ .‬فقال‪ :‬ما‬
‫كان يستعمل! يعجبين أن خيرج! ومسعت أبا عبد اهلل يقول‪ :‬دعانا رجل من‬
‫أصحابنا قبل احملنة (حمنته على يد املامون العباسي يف مسألة خلق القرآن)‪،‬‬
‫وكنا خنتلف إىل عفان‪ ،‬فإذا فضة! فخرجت‪ ،‬فاتبعين مجاعة‪ .‬فنزل بصاحب‬
‫البيت أمر عظيم (تأمل لذلك)‪ .‬قلت أليب عبد اهلل‪ :‬فالرجل يدعى فريى‬
‫املكحلة رأسها مفضض‪ .‬قال‪ :‬هذا ال يستعمل فاخرج منه! (‪.)...‬‬
‫«سألت أبا عبد اهلل عن الرجل يدعى فريى فرش ديباج‪ ،‬ترى أن يقعد‬
‫عليه‪ ،‬أو يقعد يف بيت آخر؟ قال‪ :‬خيرج! قد خرج أبو أيوب وحذيفة‪ ،‬وقد‬
‫روي عن ابن مسعود‪ .‬قلت‪ :‬فرتى أن يأمرهم؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فيقول‪ :‬هذا ال‬
‫جيوز! (‪ )...‬قلت‪ :‬الرجل يدعى فريى تصاوير؟ قال‪ :‬ال ينظر إليه! قلت‪ :‬فقد‬
‫نظرت إليه! قال‪ :‬إن أمكنك خلعه خلعته»‪.‬‬
‫تسامح وصدقة‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬فينبغي للتاجر أن يكثر من الصدقة ليكون فيها كفارة‬
‫خطاياه وأميانه وكذبه‪ .‬فقد أمر النيب صلى اهلل عليه وسلم التاجر بالصدقة‬
‫لذلك»‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪145‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫«فينبغي للتاجر والصانع أن يكونا مستعملني هلذه اخلصال‪ ،‬فإهنا‬
‫جامعة له‪ ،‬تشتمل على مجل أعمال الرب‪ .‬فليأخذوا أنفسهم هبا‪ ،‬فإهنا‬
‫من أخالق املؤمنني‪ ،‬وط رائق املتقدمني‪ .‬وقد ندبوا إىل مجيعها‪ .‬فمنها أن‬
‫يسمح إذا باع‪ ،‬ويسمح إذا اشرتى‪ ،‬وحيسن إذا قضى‪ ،‬وحيسن إذا اقتضى‪.‬‬
‫وليمش الرجل بدين غرميه إليه‪ ،‬وال حيوجه إىل اقتضائه فيشق عليه‪ .‬وليصرب‬
‫صاحب الدين على أخيه‪ ،‬وحيسن تقاضيه‪ ،‬وحيسن له النظرة‪ ،‬ويؤخر حقه‬
‫إىل ميسرة‪ .‬وليغتنم دعاء رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم هلم على ذلك‪،‬‬
‫فيتنافسوا يف مدحه ملن فعل ذلك»‪.‬‬
‫«فقد روي عن النيب صلى اهلل عليه وسلم أنه قال‪« :‬امسح يسمح لك»‬
‫وقال‪« :‬خري الناس أحسنهم قضاء»‪ .‬وقال‪« :‬خذ حقك يف عفاف‪ ،‬وافيا‬
‫كان أو غري واف‪ ،‬حياسبك اهلل حسابا يس ريا»‪ .‬وقال‪« :‬رحم اهلل عبدا مسح‬
‫البيع‪ ،‬مسح الش راء‪ ،‬حسن القضاء‪ ،‬حسن االقتضاء» وقال‪« :‬من مشى إىل‬
‫غرميه حبقه أظلته املالئكة»‪ .‬وقال‪« :‬من أنظر معس را أو ترك له حاسبه اهلل‬
‫حسابا يس ريا»‪ .‬ويف خرب آخر‪« :‬أظله اهلل يف ظل عرشه يوم ال ظل إال ظله»‪.‬‬
‫وذكر صلى اهلل عليه وسلم «رجال كان مسرفا على نفسه‪ .‬حوسب‬
‫فلم جيد له حسنة فقيل له‪ :‬هل عملت خ ريا قط؟ فقال‪ :‬ال! إال أين كنت‬
‫رجال أداين الناس‪ ،‬وأقول لغلماين‪ :‬ساحموا املوسر‪ ،‬وأنظروا املعسر»‪ .‬ويف‬
‫لفظ آخر‪ :‬وجتاوزوا عن املعسر‪ .‬قال اهلل عز وجل‪ :‬حنن أحق بذلك منك!‬
‫فغفر له»‪.‬‬
‫ويف خرب آخر‪« :‬من أقرض دينا إىل أجل فله بكل يوم صدقة إىل أجله‪.‬‬
‫فإذا حل األجل فأنظره بعده‪ ،‬فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة»‪ .‬ويف‬
‫حديث‪« :‬من أدان دينا وهو ينوي قضاءه وكل به مالئكة حيفظونه ويدعون‬
‫له حىت يقضيه»‪ .‬وكان مجاعة من السلف يدانون وهم واجدون ألجل هذا‬
‫اخلرب‪ .‬وكان مجاعة ال حيبون أن يقضيهم غرماؤهم دينهم ألجل ذلك اخلرب‬
‫األول‪ ،‬إذ له بكل يوم تأخر قضاؤه صدقة»‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪146‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫قلت‪ :‬أولئك قوم ي تَّجرون مع اهلل عز وجل فطوىب هلم‪ ،‬وقد نقلت‬
‫هذه األحاديث عن رجل من الصاحلني ليس من أهل احلديث‪ ،‬ولعل فيها‬
‫ضعيفا‪ .‬ومعلوم من كالم شيخ احملدثني اإلمام أمحد أنه يستشهد بالضعيف‬
‫يف فضائل األعمال‪ .‬وكان الضعيف يف مصطلحه غري ما تعارف عليه‬
‫احملدثون من بعد‪ .‬لكن هذه األحاديث هنا ال تتناىف مع روح التسامح‬
‫اإلسالمي‪ .‬وتزكيها مجيعا آية‪{ :‬وإِن َك ا َن ذُو عُ س رٍة فـ نَ ِ‬
‫ِ‬
‫س َرٍة}‬
‫ي‬
‫م‬
‫ى‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ظ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َْ َ َ‬
‫َ َ‬
‫(البقرة‪.)280 ،‬‬
‫تطرق الشيخ رمحه اهلل يف هذه الصفحة إىل باب مهم من أبواب املعامالت‪،‬‬
‫أال وهو اإلحسان يف التداين والتقاضي والتبايع وتداول املصاحل‪ .‬وهو فضيلة‬
‫زائدة على العدل الذي خيول الدائن أن يطلب حقه من القضاء‪ ،‬والبائع‬
‫أن يشرتط‪ ،‬واملشرتي أن يدقق يف فحص البضاعة‪ .‬إن حضارة قائمة على‬
‫التسامح واإلحسان الذي كتبه اهلل على كل شيء هلي حضارة األخوة بني‬
‫الناس‪ .‬نقيضها حضارة املشاحة والش راسة ويبس العاطفة‪ ،‬وهي احلضارة‬
‫املادية اليت شدت أطناهبا على أرضنا‪.‬‬
‫نرجع إن شاء اهلل ملوضوع اخلصومات واملشاحة واملالجة أمام احملاكم يف‬
‫غري هذا املكان‪ .‬لكن نشري هنا إىل أن التسامح األخوي ينبغي أن ال يكون‬
‫ثغرة منها يدخل علينا احملتالون ليحدثوا الفوضى يف املعامالت‪ .‬ذلك أن‬
‫ارتباط الصانع والتاجر‪ ،‬خاصة يف املشاريع املهمة‪ ،‬مبواعيد وتكفالت ال‬
‫يسمح هلما أن جيعال للمماطل بالدين ذريعة لتعطيل عملهما‪ .‬فإن تعطل‬
‫املشروع توقف العمل‪ ،‬وقذف بالعمال والكسبة يف الشارع‪ ،‬وضاعت‬
‫اخلالئق‪ .‬وهو فساد اجتماعي جرت إليه العناية مبصلحة فردية‪ .‬ودرء‬
‫املفاسد سابق على جلب املصاحل كما هو مقرر‪ .‬ويبقى التخلق الفردي‬
‫والتسامح فضيلة أساسية بشرط أمري املؤمنني عمر رضي اهلل عنه القائل‪:‬‬
‫«لست باخلب وال اخلب خيدعين!»‪.‬‬
‫يف حدود هذه املالحظة‪ ،‬وعندما تستقيم الذمم‪ ،‬وتذهب ك زازة األنفس‬
‫وقسوة القلوب‪ ،‬وعندما يؤمن استغالل طيبوبة الناس‪ ،‬حتتل األخالق‬
‫في االقتصاد‬
‫‪147‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫اإلسالمية مكانتها يف املعامالت االقتصادية‪ ،‬فتميزنا يف السوق كما متيزنا‬
‫يف السياسة واحلياة اليومية‪.‬‬
‫معاشرة األغنياء والفقراء‬
‫إن هدف العدل‪ ،‬وهدم احل واجز الطبقية‪ ،‬وتق ريب الشقة بني األغنياء والفق راء‬
‫يف اجتاه أكرب قدر ممكن من املساواة يف القسمة‪ ،‬أهم ما جيب أن تتصدى له الدولة‬
‫اإلسالمية‪ .‬هذا اهلدف االجتماعي م رتبط ارتباطا وثيقا باالقتصاد وتنظيمه‪،‬‬
‫وازدهاره‪ ،‬وتوزيع األرزاق ب واسطته‪.‬‬
‫أما اإلحسان‪ ،‬وهو احملسن الالحق بالعدل‪ ،‬املكمل له‪ ،‬فهو من شأن الدعوة‬
‫وال رتبية‪ ،‬وخمالقة املسلمني بعضهم بعضا باخللق احلسن‪ ،‬وتعارفهم‪ ،‬وتباذهلم‪،‬‬
‫وت واسيهم‪ ،‬وتكافلهم‪ .‬ولكل هذا السلوك آداب مستحبة‪ ،‬ودقائق من الرعاية‬
‫والعناية‪ ،‬متهد لتسود األلفة بني املسلمني عرب الفروق االجتماعية‪ ،‬ولكي يصان‬
‫شرف الفقري فال جترح ع واطفه‪.‬‬
‫نسردها سياقا ألحد اخل رباء بال رتبية واآلداب اإلحسانية من رجال هذه األمة‪،‬‬
‫وهو الشيخ اإلمام عبد القادر اجليالين رمحه اهلل‪ .‬قال‪« :‬أما الصحبة مع األغنياء‬
‫فالتعزز عليهم‪ ،‬وترك الطمع فيهم‪ ،‬وقطع األمل مما يف أيديهم‪ ،‬وإخ راج مجيعهم‬
‫من قلبك‪ .‬وحفظ دينك من التضعضع هلم لت واليهم كما جاء يف احلديث‪ .‬وهو‬
‫قوله صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬من تضعضع لغريه من أجل ما يف يده ذهب ثلثا‬
‫دينه»‪ .‬فنعوذ باهلل من فعل ينقص به الدين‪ ،‬وصحبة أق وام ينثلم هبم الدين‪ ،‬وتنقطع‬
‫ع راه‪ ،‬ويطفئ نور اإلميان شعاع أم واهلم وب ريق دنياهم كما جاء يف احلديث‪.‬‬
‫«غري أنك إذا ابتليت بصحبتهم يف سري أو سفر أو مسجد أو رباط‬
‫جممع‪ ،‬فحسن اخللق أول ما يستعمل‪ ،‬وهو حكم عام شامل يف صحبة‬
‫في االقتصاد‬
‫‪148‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫األغنياء والفق راء‪ .‬فال ينبغي لك أن تعتقد لنفسك فضيلة عليهم‪ .‬بل‬
‫تعتقد أن مجيع اخللق خري منك لتتخلص من الكرب‪ .‬وال تطلب لنفسك‬
‫فضيلة الفقر‪ .‬وال تعتقد هلا خط را (أمهية) يف الدنيا وال يف اآلخرة‪ .‬وال تر‬
‫هلا قد را وال وزنا كما قيل‪ :‬من جعل لنفسه قد را فال قدر له‪ ،‬ومن جعل‬
‫هلا وزنا فال وزن له‪ .‬فأدب الغين باإلحسان إىل الفقري‪ ،‬وهو إخ راج املال من‬
‫كيسه إليه‪ .‬ويكون فارغا من ماله مستخلفا فيه‪ ،‬غري متهالك عليه‪ .‬وأدب‬
‫الفقري إخ راج الغين من قلبه‪ .‬ويكون قلبه فارغا من الغين وماله‪ ،‬بل من‬
‫الدنيا واآلخرة أمجع»‪.‬‬
‫قلت‪ :‬يقصد الشيخ ‪-‬رمحه اهلل‪ -‬بف راغ القلب من اآلخرة التعلق خبالق‬
‫الدنيا واآلخرة‪ ،‬فإمنا اآلخرة خلق‪ .‬وهذا هو مقام اإلحسان‪ .‬وال يعىن هذا‪،‬‬
‫معاذا اهلل! االستخفاف بأمر اآلخرة‪ ،‬وال جحود أي حقيقة من حقائق بعث‬
‫األجسام والنعيم والعذاب احلسيني يف اجلنة والنار‪ ،‬نستجري باهلل من عذاب‬
‫النار ونسأله الفردوس األعلى من اجلنة مبنه وكرمه‪ .‬قال رمحه اهلل‪« :‬وال جيعل‬
‫لشيء من األشياء يف قلبه موطنا وحمال ومدخال‪ ،‬بل يتصفى من ذلك كله‬
‫وخيلو منه‪ .‬مث يرتقب امتالءه بربه عز وجل (امتالء القلب حببه سبحانه)‪.‬‬
‫فال يكون لغريه يف قلبه وجود‪ ،‬وال حول وال قوة‪ .‬فيأتيه عند ذلك فضل اهلل‬
‫عز وجل‪ .‬فحينئذ حيصل الغىن به عز وجل من غري تعب وال هم»‪.‬‬
‫«وأما الصحبة مع الفق راء فبإيثارهم وتقدميهم على نفسك يف املأكول‬
‫واملشروب وامللبوس وامللذوذ واجملالس وكل شيء نفيس‪ .‬وترى نفسك دوهنم‪،‬‬
‫وال ترى هلا عليهم فضال يف شيء من األشياء البتة»‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذه اآلداب الرفيعة ليست يف متناول عامة الناس ممن مل تتهذب‬
‫نفوسهم‪ ،‬وإمنا ندرجها هنا‪ ،‬حنكيها بلسان حكيم مرب‪ ،‬ليجدها جند‬
‫اهلل اجملاهدين يف سبيل جتهيز األمة حباجاهتا االقتصادية‪ ،‬فتذكرهم بواجبهم‬
‫الرتبوي الدعوي‪ ،‬وترفعهم إىل آفاق اإلحسان‪ ،‬فال تستويل عليهم مهوم‬
‫في االقتصاد‬
‫‪149‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫الدولة‪ ،‬وعنف توايل األحداث‪ ،‬وخمالطة ضجيج العامل‪ ،‬تلك املخالطة اليت‬
‫ال مناص منها‪ .‬فلعل تك رار ذكر الصاحلني واملتأدبني باآلداب النبوية يبدهلم‬
‫بعدوى تلك اخللطة بركة صحبة أهل اهلل‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬عن أيب سعيد بن أمحد بن عيسى قال‪ :‬صحبت الفق راء‬
‫ثالثني سنة‪ ،‬ومل جير بيين وبينهم كالم قط تأذوا به‪ .‬وال جرى بيين وبينهم‬
‫منافرة استوحشوا منها‪ .‬قيل له‪ :‬كيف ذلك؟ قال‪ :‬ألين كنت معهم على‬
‫نفسي أبدا‪ .‬وإذا دخلت عليهم أدخلت عليهم سرورا ورفقا‪ ،‬واستعملت‬
‫معهم خلقا‪ :‬هدية وأدبا أو سببا من األسباب»‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الفق راء يف اصطالح الشيخ عبد القادر وأمثاله هم املتجردون‬
‫عن الدنيا‪ ،‬املتفرغون للعبادة‪ .‬وتلك كانت إحدى صور اعت زال الصاحلني‬
‫للفتنة‪ .‬وليس الوقت اآلن لذلك‪ ،‬فالقعود والدروشة واهلروب بالدين‬
‫للجبال ال يليق بالرجال واألمة حمتلة مهددة‪ .‬والدرس األخالقي السلوكي‬
‫من تلك العهود وصية حية لنا مفيدة‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬ومن آداب الصحبة مع الفق راء أن ال حتوجهم إىل‬
‫مسألتك‪ .‬وإن اتفق فاستقرض الفقري منك شيئا فتقرضه يف الظاهر مث تربئه‬
‫منه يف الباطن‪ ،‬وختربه عن قريب بذلك‪ .‬وال تبدأه بالعطاء على وجه الصلة‬
‫لئال يتحشم حبمل املنة منك بذلك‪.‬‬
‫ومن األدب معهم م راعاة قلبه بتعجيل م راده‪ ،‬دون تنغيص الوقت عليه‬
‫بطول االنتظار‪.‬‬
‫ألن الفقري ابن وقته كما ورد‪ :‬ابن آدم ابن يومه‪ ،‬وليس له وقت النتظار‬
‫املستقبل‪.‬‬
‫ومن األدب معهم أنك إذا علمت أنه ذو عيال وصبيان فال تفرده‬
‫باالرتفاق معه‪ ،‬بل تتخلق معه بقدر ما يتسع له وملن يشتغل به قلبه»‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪150‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫قلت‪ :‬ما أمجل أن تسود هذه األخالق األخوية اجملتمع‪ ،‬وأن يكون‬
‫إدخال السرور على أخينا املسلم وعلى عياله خلقا نتخلق به! وقد وردت‬
‫أحاديث شريفة يف احلث على ذلك‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬ومن األدب معهم الصرب على ما يذكر الفقري من حاله‪،‬‬
‫وأن تتلقاه يف حال ما خياطبك بوجه طلق مستبشر‪ ،‬وال تلقاه بالعبوس‪،‬‬
‫وال بالنظر الشزر‪ ،‬وال بالكالم الوحش‪ .‬وإذا طالبك مبا ال حيضر يف الوقت‪،‬‬
‫فاصرفه بالوجه اجلميل إىل مساعدة اإلمكان‪ ،‬وال توحشه بيأس الرد على‬
‫اجلزم‪ ،‬لئال يعود حبشمة اإلخفاق وعدم اإلصابة حباجته عندك‪ ،‬والندم على‬
‫إفشاء سره إليك حس ريا»‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا أدب نبوي من قوله صلى اهلل عليه وسلم يف احلديث‬
‫الصحيح‪« :‬والكلمة الطيبة صدقة»‪ ،‬فالكلمة الطيبة تواسي هبا أخاك‬
‫احملتاج إن مل يكن معك وجد تسد أبواب التباغض‪ .‬قال رمحه اهلل‪« :‬ورمبا‬
‫يغلب عليه طبعه‪ ،‬وتستويل عليه نفسه‪ ،‬فيظهر عليه اجلهل حباله والسخط‬
‫عليك‪ ،‬واالع رتاض على الرب عز وجل فيما قسم له من الفاقة إىل اخللق‬
‫والتبذل هلم‪ .‬فيعمى قلبه‪ ،‬وينطفئ نور إميانه‪ .‬فكنت أنت مؤاخذا بذلك‬
‫كله»‪.‬‬
‫الفقير الصابر‬
‫يف الكتاب والسنة ذكر الصرب على البالء‪ ،‬والشكر على النعماء‪.‬‬
‫ومازال الصاحلون من األمة يتدبرون أيهما أحب إىل اهلل عز وجل‪ :‬الغين‬
‫الشاكر أم الفقري الصابر‪ .‬ومازال األغنياء الظاملون‪ ،‬والق راء املزورون‪ ،‬والبله‬
‫اخلاملون‪ ،‬خيلطون بني شرع اهلل الذي يأمر بإنصاف الفقري احملروم من الغين‬
‫البخيل وبني قدره سبحانه يف قسمة األرزاق‪ .‬فيزينون للمحروم السكوت‬
‫عن حقه‪ ،‬والتبلد السليب‪ ،‬باسم الصرب‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪151‬‬
‫‬
‫النطاق اإليماني‬
‫بعد أداء حق اهلل وحق املستضعفني يف املال للفق راء‪ ،‬يبقى الصرب‬
‫إحسانا يصل العبد بربه‪ .‬صرب له معىن غري معىن السكوت عن احلق‪،‬‬
‫وباعث غري التبلد السليب‪.‬‬
‫قال الشيخ رمحه اهلل‪« :‬قال اهلل جل وعال‪{ :‬إِ َّن ال لّ هَ ا ْش تـَ َرى ِم َن‬
‫الْم ْؤِم نِ‬
‫س ُه ْم َوأ َْم َوالَ ُه م بِ أ َّ‬
‫ف‬
‫َن‬
‫أ‬
‫ين‬
‫الج نَّ ةَ} (التوبة‪ .)111 ،‬صربوا‬
‫ُ‬
‫َن لَ ُه ُم َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫على اإلفالس يف الدنيا‪ ،‬وردوا التصرف يف األنفس واألموال واألوالد إىل رهبم‬
‫عز وجل‪ ،‬وسلموا الكل إليه جل جالله‪ ،‬سوى األوامر والنواهي»‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هذا هو العلم‪ :‬التسليم للقدر بعد إقامة األوامر والنواهي‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫قال رمحه اهلل‪« :‬وامتثلوا األوامر‪ ،‬وانتهوا عن النواهي‪ ،‬وسلموا يف املقدور‪،‬‬
‫وحترزوا من اخلليقة‪ ،‬وجتوهروا عن اإلرادة واألماين واهلمم (مهوم الدنيا) يف‬
‫اجلملة (أي بالكلية)‪ .‬فشغلهم مبا ال عني رأت وال أذن مسعت‪ ،‬وال خطر‬
‫على قلب بشر‪ .‬كما قال جل وعال‪{ :‬إِ َّن أَص ح اب الْج ن ِ‬
‫َّة الْيـَ ْو َم فِ ي‬
‫ْ َ َ َ‬
‫ُش غُ ٍل فَ اكِ ُه و َن} (ياسني‪ .)36 ،‬فهكذا الفقري إذا فعل ذلك يف الدنيا وحتقق‬
‫بظاهر القرآن‪ ،‬باع حينئذ اجلنة بربه عز وجل‪ .‬وطلب اجلار قبل الدار (‪)...‬‬
‫كما قال اهلل عز وجل‪{ :‬يُ ِري ُد و َن َو ْج َه هُ} (الكهف‪.)28 ،‬‬
‫ ‬
‫الفصل العاشر‬
‫القومة الزراعية‬
‫ أرقام ناطقة‬‫ استصالح األرض‬‫‪ -‬األرض ملن يزرعها‬
‫في االقتصاد‬
‫‪155‬‬
‫‬
‫القومة الزراعية‬
‫أرقام ناطقة‬
‫ناطقة مفصحة عن وضعنا املزري وعجزنا املخزي عن إنتاج طعامنا‬
‫وكفايتنا من املنتوجات الزراعية‪ .‬إهنا أرقام تنذر بغد أكثر بؤسا وهزمية‬
‫وتبعية‪ ،‬وتشكل بتصاعدها من سنة لسنة اخلط البياين الذي يقيس هبوطنا‬
‫يف سلم احلضارة‪ ،‬وتدهورنا يف دركات التخلف والعوز‪ ،‬كلما ارتفعت‬
‫حاجاتنا من ضرورات الغذاء وكماليات االستهالك الرتيف‪ .‬أرقام تشري‬
‫باللسان البليغ‪ ،‬لسان احلال األفصح من لسان املقال‪ ،‬إىل كوننا عالة يف‬
‫كفالة الدول املنتجة‪ ،‬حلما على وضم بني يدي الدول النشيطة اخلبرية‪.‬‬
‫يف سنة ‪ 1981‬من تاريخ النصارى استورد العرب من املوارد الغذائية‬
‫بثالثة عشر مليون دوالر‪ .‬وأعلن «مسؤول» عريب عند إعالن أرقام اإلفالس‬
‫هذه بأن عجز العرب عن إنتاج غذائهم راجع إىل تدبري قوى خفية حتاول‬
‫أن تزيد العجز الغذائي العريب‪ ،‬وتساهم بوسائل خمتلفة يف توجيه االقتصاد‬
‫العريب حنو احلاجة والتبعية‪.‬‬
‫قوى خفية من سوس االستعمار الداخلي واحتكار الكافل اجلاهلي‪.‬‬
‫البد أن تضع احلكومة اإلسالمية يف مقدمة واجباهتا حريتها لتغيري هذا‬
‫املنكر بإصالح زراعي‪ ،‬أو ثورة زراعية‪ .‬قومة يف أول األسبقيات‪ ،‬مسها ما‬
‫شئت‪.‬‬
‫ميثل العرب ‪ 3,6‬باملائة من سكان العامل‪ ،‬وميلكون األراضي الزراعية‬
‫عشرة باملائة من أراضي العامل‪ .‬حصة كفيلة أن تضمن الكفاية الغذائية‬
‫ثالثة أضعاف لو استعملت األموال العربية الوافرة‪ ،‬والطاقات البشرية‪،‬‬
‫ومصادر املياه‪ ،‬وغريمها من املقومات اليت يف يد سفهاء العرب‪ ،‬استعماال‬
‫حكيما منتجا‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪156‬‬
‫‬
‫القومة الزراعية‬
‫لكن العرب دخلوا يف حلبة االستهالك اجلنوين الذي مبقتضاه ميوت جماهد‬
‫أفغانستان والجئ املسلمني يف خميمات الفلسطينيني‪ ،‬وفالح بنغالديش‪،‬‬
‫جوعا ليتأتى ملرتف البرتول إقامة مآدب برمكية مبناسبة «الزفاف» رقم‪.20‬‬
‫ومبقتضاه يصرف احلاكم موارد الدولة لتشييد مصانع لألهبة والسمعة‪،‬‬
‫تعمل بعشرة باملائة من طاقتها‪ ،‬بينما هتمل األرض والفالحة ألهنا نشاط ال‬
‫يعرب عن «التقدم» مثلما تعرب املصانع املتألقة أب راجها املعدنية يف صح راء‬
‫العرب‪.‬‬
‫يف سنة ‪ 1970‬من تاريخ النصارى استورد العرب مبائة مليون دوالر من‬
‫املنتجات الزراعية‪ .‬قفز الرقم يف سنة ‪ 1979‬إىل ‪ 11 800‬مليون دوالر‪ :‬مائة‬
‫ضعف ومثانية عشر ضعفا يف عشرة أعوام! تصاعد فظيع‪ ،‬إن وضعته يف أفق‬
‫العشر سنوات املقبلة أخربك عن مصرينا إىل اهلاوية‪.‬‬
‫استورد العرب‪ ،‬حسب إحصاءات ‪ 1979‬وعلى أساس معدل الصادرات‬
‫الغذائية العاملية بني سنيت ‪ 1977‬و‪ ،1979‬النسب التالية‪ %17 :‬من القمح‬
‫املصدر يف العامل‪ %15 ،‬من األرز‪ %10 ،‬من السكر‪ %40 ،‬من األغنام احلية‪،‬‬
‫‪ %11‬من حلم الضأن‪ %13 ،‬من األلبان‪ %53 ،‬من زيت بذرة القطن‪%12 ،‬‬
‫من زيت دوار الشمس‪.‬‬
‫مل تأت اإلحصائية مبقدار ما استورده املرتفون من املخد رات واخلمور‬
‫وعظائم الفجور‪ .‬األغنام حالل‪ ،‬وال بأس يف فقه االسرتخاء والتبلد من‬
‫است رياد أغنام العامل لوالئم املبذرين إخوان الشياطني‪.‬‬
‫وهاك أرقاما أخرى منبئة عن تبذير اجلاهلني الذين يساهم‬
‫إفسادهم يف األرض مع إفساد مرتفينا يف جتويع العامل املستضعف‪.‬‬
‫قال رجاء كارودي‪« :‬إن طعام الفقراء تغذى به أنعام األغنياء‪ .‬ميثل‬
‫سكان الدول املصنعة سدس سكان العامل‪ .‬وهم ينتجون ويتصرفون يف‬
‫‪ %60‬من حبوب العامل‪ ،‬يعلفون تلثي هذه احلصة أنعامهم باإلضافة‬
‫في االقتصاد‬
‫‪157‬‬
‫‬
‫القومة الزراعية‬
‫إىل الصوجا وعلف الفول السوداين ودقيق السمك‪ .‬وبذلك يزيدون‬
‫جوع املستضعفني يف العامل فداحة‪ )...( .‬كيلو واحد من الصوجا يعطي‬
‫اإلنسان من الربوتينات الغذائية مثل ما تعطيه ثالث كيلوات من حلم‬
‫البقر‪ ،‬أو عشر ل رتات من اللنب‪ ،‬أو ستون بيضة‪ .‬ومع ذلك فثالثة باملائة‬
‫فقط من إنتاج الصوجا يف العامل يستعمل غذاء لإلنسان‪ .‬الباقي يعطى‬
‫علفا لألنعام‪ ،‬أو يستعمل الستخ راج األلياف الصناعية»‪.‬‬
‫استصالح األرض‬
‫يكون جهاد عمارة األرض‪ ،‬واستصالحها‪ .‬وهتييئها لإلنتاج‪ ،‬وحسن‬
‫توزيعها‪ ،‬وتسيري العمل فيها‪ ،‬من آكد أنواع اجلهاد‪ .‬ألن بعمارة األرض‬
‫حتصل األمة اجملاهدة األزواد وتضمن األمن الغذائي‪ .‬مث إن صالح الزراعة‬
‫قاعدة ضرورية لتأسيس اقتصاد صحي يأيت التصنع مكمال له‪ .‬فإن‬
‫خربنا األرض لنبين طرق األسفلت‪ ،‬وبنايات اإلمسنت‪ ،‬وم زابل لنفايات‬
‫االستهالك‪ ،‬مقابر للسيارات «اخلربانة» كما يقول سواق األمري عن‬
‫السيارة الكادالك بعد أول وأدىن عطب يصيب حمركها‪ ،‬فستلفظنا األرض‬
‫كما تلفظ بعض احلش رات املؤذية‪ .‬هات يا فالح دمك ليستبدل األمري‬
‫سيارته اخلربانة!‬
‫قال اإلمام علي كرم اهلل وجهه لعامله‪« :‬وليكن نظرك يف عمارة األرض‬
‫أبلغ من نظرك يف استجالب اخل راج‪ ،‬ألن ذلك ال يدرك إال بالعمارة‪ .‬ومن‬
‫طلب اخل راج بغري عمارة أخرب البالد‪ ،‬وأهلك العباد‪ ،‬ومل يستقم أمره إال‬
‫قليال‪ .‬فإن اشتكوا ثقال (ثقل اخل راج املؤذي)‪ ،‬أو علة‪ ،‬أو انقطاع شرب‬
‫(انقطاع ماء السقي)‪ ،‬أو بالة (رطوبة) أو إحالة أرض (إفسادها للبذور)‬
‫اغتمرها غرق‪ ،‬أو أجحف هبا عطش‪ ،‬خففت عنهم مبا ترجو أن يصلح‬
‫به أمرهم‪ )...( .‬وإمنا يؤتى خ راب األرض من إعواز أهلها»‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪158‬‬
‫‬
‫القومة الزراعية‬
‫هكذا كانت عنايتهم بالفالح ومشاكله وباستصالح األرض‪ .‬وهكذا‬
‫كان فهمهم رضي اهلل عنهم لعمادية الفالحة يف االقتصاد‪.‬‬
‫إن القومة الزراعية تتطلب إعادة النظر يف ملكية األرض‪ ،‬وتوزيع عوامل‬
‫اإلنتاج توزيعا متوازنا بني أنواع الصناعة وأنواع الزراعة‪ ،‬والعدل يف أجور‬
‫اليد العاملة بني عمال احلواضر والبوادي‪ ،‬ومحاية الفالح‪ ،‬وضمان أمنه‪،‬‬
‫واستق راره‪ ،‬وحاجاته‪ ،‬حلبس اهلجرة من البادية حلاضرة مدن القصدير‪،‬‬
‫واختيار أنسب التقنيات لإلنتاج‪ ،‬وتيسري اإلدارة‪ ،‬ورفع وصاية احلكومة‬
‫عن الفالح‪ ،‬وتشجيع التعاونيات الفالحية اإلنتاجية والتسويقية‪ ،‬ودعم‬
‫اإلنتاج الزراعي بتيسري أمثان املخصبات‪ ،‬واآلالت‪ ،‬ودفع قروض سخية ألكثر‬
‫املنتجني نفعا‪ ،‬وتوجيه الزراعة لإلنتاج املغذي بدل إنتاج التصدير‪ ،‬وحبس‬
‫است رياد املواد الكمالية من اخلارج‪ ،‬والتدرج يف إيقاف است رياد احلاجيات‬
‫لتشجيع السوق الداخلية اإلسالمية‪.‬‬
‫أقصد باخلارج البالد اليت يف يد غري املسلمني‪ ،‬وإال فالتبادل التجاري‬
‫والزراعي‪ ،‬خاصة بني البالد اإلسالمية‪ ،‬ال يتناىف مع االعتماد على قوانا‬
‫اخلاصة حىت إن كان من أقطارنا ما ال ي زال حتت احلكم الغاصب اجلربي‪.‬‬
‫أما ش راء التجهي زات اآللية واخلربة الضرورية لتنمية زراعتنا فالبد فيه من‬
‫التوجه للبالد املصنعة‪ ،‬خاصة البالد الصناعية اجلديدة اليت تناسب تقنياهتا‬
‫مستوى تطورنا‪.‬‬
‫ويعترب يف است رياد احلاجيات االستهالكية والتجهي زات‪ ،‬ما يكفي بدون‬
‫سرف لتغطية احلاجات االستهالكية والتنموية ألمة تدخر من قوت يومها‬
‫لتؤسس كفاية غدها وقوته‪.‬‬
‫ويكون من األهداف األولية يف هذا اجملال الزراعي‪ ،‬كما يكون يف كل‬
‫جماالت االقتصاد‪ ،‬استعمال أمناط اإلنتاج اليت تقلل البطالة‪ ،‬وتعتمد على‬
‫اليد العاملة أكثر مما تعتمد على تشغيل اآلالت اليت ندفع فيها أموالنا‬
‫في االقتصاد‬
‫‪159‬‬
‫‬
‫القومة الزراعية‬
‫لتأيت إلينا تعطل اإلنسان عن العمل‪ .‬وهذا ما يسمى بتصدير البطالة‪ ،‬ألن‬
‫صانع اآللة عندهم يشتغل دواما‪ ،‬فتأتينا آلته لتنشط عندنا عمر الزهور‪،‬‬
‫عمر السيارة «اخلربانة» املرمية يف الصح راء بعد أول زكام أصاب احملرك‪،‬‬
‫وليتعطل اإلنسان!‬
‫على أن معظم أرضنا جافة‪ .‬وما يسقط فيها من مطر‪ ،‬وما يأيت من‬
‫زرع‪ ،‬يطلب السرعة يف احل راثة واحلصاد وسائر العناية‪ .‬والسرعة تعين ضرورة‬
‫اآللة‪ .‬وصالبة األرض تريد قوة اآللة‪ ،‬وتعميق احلرث يريد اآللة فإصالح‬
‫التناقض بني اآللة واليد العاملة يقيم لنا إن شاء اهلل تقنية من نتاج أدمغتنا‬
‫وأيدينا‪ .‬ومن فضله تبارك وتعاىل نطلب الربكة ونستسقي الغيث‪.‬‬
‫من أوليات القومة الزراعية نزع امللكية اجلائرة وحتديدها‪ ،‬وتقسيم األرض‬
‫قسمة متنع من احتكارها يف يد املالك الغائب‪ ،‬وجتميعها ملنع التشتت يف‬
‫بقع صغرية يضيع معها حيز مهم يف رسم احلدود وال تساعد على العمل‬
‫املنظم كما تساعد امللكية املتصلة‪.‬‬
‫وإن تربية الفالحني ملن أعز األهداف‪ ،‬وتأطريهم مبرشدين يقنعوهنم‬
‫يف آن معا بواجبات العبادة وواجبات اإلنتاج وهو صورة أخرى للعبادة‪،‬‬
‫يقنعوهنم بتبين األساليب العلمية الرفيعة‪ ،‬وبالتعاون والنظام‪ .‬وعلى الدولة‬
‫اإلسالمية أن حتمي سوق املنتوجات الضرورية من الوسطاء‪ ،‬وشركات‬
‫االحتكار‪ ،‬ومن امل رابني‪.‬‬
‫إن األمة اإلسالمية حماصرة‪ ،‬فما ظنك جبيش حاصره العدو ومنع عنه‬
‫الطعام! إما أن ميوت جوعا وإما أن يستسلم خنوعا‪ .‬والثالثة أن حنقق‬
‫استقاللنا الغذائي باإلنتاج الوفري‪ ،‬مث بالتقلل‪ ،‬فإن املؤمن يأكل يف معي‬
‫واحد كما قال احلبيب صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وليس من املمكن وال من‬
‫في االقتصاد‬
‫‪160‬‬
‫‬
‫القومة الزراعية‬
‫الالئق مروءة وال من املباح شرعا أن يستهلك العرب وهم ‪ %3‬من سكان‬
‫العامل ‪ %40‬من الغنم املصدرة يف العامل‪ .‬ال وال من املباح أن نباري الكفار‬
‫الذين يأكلون يف سبعة أمعاء‪ ،‬يف التبذير ومستوى املعيشة املرتفة‪.‬‬
‫األرض لمن يزرعها‬
‫قال اإلمام ابن حزم رمحه اهلل‪ ،‬وغفر لنا وله‪« :‬يأخذ السلطان الناس‬
‫بالعمارة وكثرة الغ راس ويقطعهم اإلقطاعات يف األرض املوات‪ .‬وجيعل لكل‬
‫عم ره‪ ،‬ويعينه على ذلك فيه‪ .‬لرتخص األسعار‪ ،‬ويعيش الناس‬
‫أحد ملك ما َّ‬
‫واحليوان‪ ،‬ويعظم األجر‪ ،‬ويكثر األغنياء وما جتب فيه الزكاة»‪ .‬سبحان اهلل!‬
‫هم املؤمنني أن ترخص األسعار‪ ،‬ويعيش اإلنسان واحليوان‪ .‬يا من تعلفون‬
‫كالبكم طيبات األرض‪ ،‬تكرمون احليوان بإفقار العامل وقتله جوعا! هم‬
‫املؤمنني أن يكثر األجر ج زاء لعمارة األرض اليت أمرنا هبا‪ .‬فهل تعمر األرض‬
‫إن احتكرها من يعطلها‪ ،‬أو يتاجر فيها‪ ،‬أو يفسد فيها؟ قال العالمة ابن‬
‫حزم‪« :‬ال جيوز ك راء األرض بشيء أصال‪ .‬ال بدنانري وال بدارهم‪ ،‬وال بعرض‪،‬‬
‫وال بطعام مسمى‪ ،‬وال بشيء أصال‪ .‬وال حيل يف زرع األرض إال أحد ثالثة‬
‫أوجه‪:‬‬
‫‪ )1‬إما أن يزرعها املرء بآلته وأعوانه وبذره وحيوانه‪( .‬قلت‪ :‬فإن عطلها‬
‫ثالث سنوات اعتربت مواتا)‪.‬‬
‫‪ )2‬وإما أن يبيح لغريه زرعها‪ ،‬وال يأخذ منه شيئا‪ .‬فإن اشرتكا يف اآللة‬
‫واحليوان والبذر واألعوان دون أن يأخذ منه لألرض ك راء فحسن‪.‬‬
‫‪ )3‬وإما أن يعطي ملن يزرعها ببذره وحيوانه وأعوانه وآلته جبزء‪ .‬ويكون‬
‫لصاحب األرض مما خيرج اهلل تعاىل منها مسمى»‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪161‬‬
‫‬
‫القومة الزراعية‬
‫ذكرنا يف غري هذا الكتاب كيف جيوز للسلطان نزع امللكية اخلاصة‬
‫األرض‪ .‬واحلكم يف حتول األرض إىل‬
‫ملصلحة اجلماعة‪ ،‬ومن هذه امللكية‬
‫ُ‬
‫موات إن عطلت ثالث سنوات معروف‪ .‬فتتسع النصوص الستنباط قوانني‬
‫شرعية تربط ملكية األرض باإلنتاج‪ ،‬وتعترب اإلمهال اجلزئي تعطيال لألرض‪،‬‬
‫فيكون ذلك رادعا يكمل حوافز اجلهاد الزراعي اإلجيابية‪ .‬واهلل ويل الرشاد‪.‬‬
‫ ‬
‫الفصل الحادي عشر‬
‫بأس الحديد‬
‫ تصنيع خاسر‬‫ قام اإلسالم بالقرآن واحلديد‬‫ صناعة ثقيلة‬‫ التكامل اإلسالمي‬‫ تصنيع ذو أهداف‬‫‪ -‬توطني التكنولوجيا‬
‫في االقتصاد‬
‫‪165‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫تصنيع خاسر‬
‫أمرنا اهلل تعاىل أن نعد القوة‪ ،‬والقوة بأس احلديد يف عصرنا يعين‬
‫التصنيع الناجح‪ .‬ولئن أحلحنا فيما سبق على ضرورة إعطاء األسبقية‬
‫للفالحة فما ذاك عن قلة إدراك للضرورة األخرى‪ :‬الصناعة‪ .‬ليس التصنيع‬
‫يف حد ذاته من أسباب تأخر الزراعة‪ ،‬بل بالعكس‪ .‬لكن املغرورين بالغرب‬
‫ومنطه االقتصادي يتبارون يف تقليد اآلخرين‪ ،‬ويغطون فشلهم يف التصنيع‬
‫معا والفالحة بشعارات ونظريات استهلكت يف بالد غري بالدنا‪ ،‬فهي مما‬
‫يستورد لالستهالك‪.‬‬
‫نريد تصنيعا يأيت كاللباس على جسم هو جسمنا‪ ،‬على مقاساتنا‪،‬‬
‫خادما ألهدافنا‪ ،‬من ترتيبنا وختطيطنا‪ ،‬ومن بنات اخ رتاعاتنا يف خمت رباتنا‪،‬‬
‫وبأدمغتنا وأيدينا‪ .‬إىل هذا يؤول جهدنا إن شاء اهلل بعد فرتة االقتباس‪ .‬ال‬
‫عربة بكون الصناعة ثقيلة أو خفيفة بقدر ما هي العربة مبواءمة الصناعة‬
‫لنظامنا السياسي واالجتماعي‪ ،‬مبواءمتها لطاقاتنا البشرية املوكول إليها‬
‫تشغيل اآللة الصناعية وصيانتها‪ ،‬مبواءمتها حلاجاتنا احمللية واإلسالمية‬
‫مواءمة تكثر على سلعنا الطلب‪ ،‬وتفتح هلا األبواب‪ ،‬ويتسع هلا السوق‪،‬‬
‫وتتطور بذلك الصناعة‪ ،‬وتتقوى‪ ،‬وتتفرع‪ ،‬وتتجدد‪ ،‬وتتوطن!‬
‫إن التصنيع اخلاسر هو ذلك الذي ينبين على الربيق الكاذب للمعامل‬
‫العصرية الضخمة املش رتاة جاهزة‪ ،‬اليت ال توائم اإلنسان وال املكان‪ ،‬وال‬
‫تنتج حاجة الشعوب املستضعفة وإمنا تتعطل‪ ،‬أو تشتغل إن اشتغلت‬
‫جبيش من اخل رباء األجانب‪ ،‬ولسوق استعمارية‪ ،‬بإدارة الشركات الكربى‪.‬‬
‫كأنك ما رأيت ومسعت احلكام املغربني ينتقلون من مكان ملكان «لوضع‬
‫احلجر األساسي»‪ ،‬ملعامل ب راقة‪ ،‬هياكل خيتفي وراءها سر الفشل واخلسار!‬
‫في االقتصاد‬
‫‪166‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫إننا حباجة لصناعة ثقيلة وخفيفة إلنتاج السالح‪ ،‬واآلالت الفالحية‪،‬‬
‫والبضائع الضرورية‪ .‬لكن التصنيع على النمط املغرب لن يعطينا شيئا من‬
‫ذلك‪ .‬فإن االستق راض بال حدود‪ ،‬وتبىن التكنولوجيا الغربية بال متييز‪ ،‬حبال‬
‫تربطنا باجلاهلية‪ ،‬بل سالسل يف أعناقنا تتبعنا هلم تبعية األسري والعبد‪.‬‬
‫وعجزنا عن التحكم يف سري عملية التصنيع يثبت دعائم التخلف‪ ،‬وحيرك‬
‫ماكينته من فشل إىل فشل‪ ،‬من درك إىل درك‪.‬‬
‫قام اإلسالم بالقرآن والحديد‬
‫ذلك خس ران تصنيع عائم ال أصل له يف نفوسنا وال يف عقيدتنا‪ ،‬وال‬
‫قدرة له من مث على تلبية حاجاتنا‪ .‬وتتغري النظرة عندما نعود إىل كتاب‬
‫اهلل عز وجل وسنة رسوله لنؤصل حوافز التصنيع‪ ،‬ونوجهه حنو أهدافنا‬
‫اإلميانية‪.‬‬
‫إن اجلهاد قوامه الرشاش‪ ،‬واملدفع‪ ،‬والطيارة‪ ،‬والدبابة‪ ،‬والصاروخ‬
‫والتجهي زات اإللكرتونية املعلوماتية‪ ،‬واالستقالل الغذائي والصناعي‪ .‬هناك‬
‫القرآن وبينات اهلدى‪ ،‬وهناك احلديد وسيلة لنصر القرآن‪ .‬قال اهلل عز وجل‪:‬‬
‫ِ‬
‫ات وأَنزلْنَ ا م ع ه م ال ِ‬
‫{لَ َق ْد أَرس لْنَ ا رس لَ نَ ا بِ الْبـ ي ـِّنَ ِ‬
‫ْك تَ اب وال ِ‬
‫وم‬
‫ُ‬
‫ْم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يزا َن ل يـَ ُق َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َْ ُُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ال نَّاس بِ ال ِْق س ِط وأَنزلْنَ ا الْح ِدي َد فِ ِ‬
‫س َش ِدي ٌد َو َم نَ افِ ُع لِ ل ن ِ‬
‫ْ‬
‫َّاس َولِ يـَ ْع لَ َم‬
‫أ‬
‫ب‬
‫يه‬
‫ْ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫نص ُرهُ َو ُر ُس لَ هُ بِ الْ غَ ْي ِ‬
‫يز} (احلديد‪.)25 ،‬‬
‫ب إِ َّن ال لَّ هَ قَ ِو ٌّ‬
‫ي َع ِز ٌ‬
‫ال لَّ هُ َم ن يَ ُ‬
‫القوة والعزة ونصر اهلل منوطة باجتماع املصحف والسيف‪ ،‬وتالحم‬
‫الدعوة القرآنية والدولة احلديدية‪ .‬مصحف بعكاز من خشب‪ ،‬ذلك رمز‬
‫اإلسالم املنقاد للحاكم‪ .‬ومصحف جبانب رشاش‪ ،‬ذلك رمز إسالم اجملاهدين‬
‫املنيع العزيز‪ .‬وما العزة إال باهلل العزيز احلميد‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪167‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫قال اهلل تعاىل حيكي نعمته على عبده داود عليه وعلى نبينا وإخواهنما‬
‫ْح ِدي َد‬
‫أفضل الصالة وأزكى السالم‪ ،‬وجيدد أمره للعباد الصاحلني‪َ :‬‬
‫{أَلَ نَّا لَ هُ ال َ‬
‫ات وقَ دِّر فِ ي َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ص الِ ح اً إِنِّ ي بِ َم ا تـَ ْع َم لُ و َن‬
‫الس ْرد َوا ْع َم لُ وا َ‬
‫أَن ا ْع َم ْل َس ابِ غَ َ ْ‬
‫ب ِ‬
‫ير}(سبأ‪ .)11-10 ،‬كان خليفة اهلل داود ونبيه حدادا يصنع من الزرد‬
‫ص‬
‫َ ٌ‬
‫دروعا‪ .‬أمره اهلل عز وجل أن يصنعها سابغات‪ ،‬أي وافيات‪ .‬وأمره أن يقدر‬
‫يف السرد‪ ،‬أي أن يتقن املقاييس والصنع‪ .‬وأخربنا وإياه أنه سبحانه وتعاىل‬
‫بصري مبثل هذا العمل الصاحل‪ ،‬جيزي به وحيبه‪ .‬فعندما يصبح التصنيع عبادة‪،‬‬
‫واالشتغال واإلتقان عمال صاحلا يدخر ليوم احلساب‪ ،‬وميارس مب راقبة الرب‬
‫البصري تبارك وتعاىل‪ ،‬نقرتب من الفالح واالستقالل عن حوافز اجلاهلية‬
‫وهيمنتها‪.‬‬
‫ما بلغنا أنه كان للمسلمني على عهد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫صناعة واسعة للحديد‪ .‬لكن السنة والسرية العطرة خي ربان عن االستعمال‬
‫العتيد لبأس احلديد‪.‬‬
‫فقد كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم حريصا على اقتناء األسلحة‪.‬‬
‫وكان صلى اهلل عليه وسلم يلبس المته للحرب‪ ،‬ويظاهر بني درعني‪ .‬وكانت‬
‫كتيبة املهاجرين واألنصار تسمى الكتيبة اخلض راء‪ ،‬أي السوداء‪ ،‬لكثرة ما‬
‫عليها ومعها من حديد‪.‬‬
‫وقد أرسل صلى اهلل عليه وسلم عروة بن مسعود وغيالن بن سلمة إىل‬
‫جرش‪ ،‬من أعمال دمشق‪ ،‬ليتعلما صنعة الع رادات واملنجنيق والدبابات‪ .‬وهي‬
‫أسلحة متطورة بالنسبة لذلك العصر‪ .‬فاملنجيق آلة لرمي احلصون باحلجارة‬
‫الثقيلة‪ ،‬والع رادة نوع منه‪ ،‬والدبابة درع مجاعية يضعها املهامجون للحصون‬
‫على ظهورهم لتقيهم أسلحة العدو ون ريانه وقذائفه‪ .‬وقد استخدم صلى اهلل‬
‫عليه وسلم هذه اآلالت يف حصار الطائف حىت طلب العدو الصلح‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪168‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫أمجع الفقهاء على أن إقامة احلرف والصناعات فريضة على األمة‪،‬‬
‫يأمث اجلميع برتكها‪ .‬وقد برع املسلمون بعد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫يف فنون الصناعة‪ ،‬وطوروها بعد اقتباسها‪ .‬فصنعوا السفن وغزوا عليها‪.‬‬
‫وكانت دروعهم اخلفيفة اليت ال تثقل الفارس وال الفرس أدوات متطورة‬
‫بالنسبة للدروع الثقيلة اليت كانت وقاية الصليبيني‪ ،‬تثقل حركتهم يف‬
‫ساحة املعركة‪ .‬كما كانت سيوفهم الرشيقة وسهامهم الرقيقة أقدر على‬
‫بلوغ امل راد مما كان مع أعدائهم‪ .‬كانوا دائما على رأس التطور الصناعي‬
‫حىت بزغ فجر العصور احلديثة‪ ،‬عصور تصنع فيها اجلاهليون وتقننوا‪،‬‬
‫وقعدنا عن ذلك اجلهاد ملا ثقلنا عن كل جهاد‪.‬‬
‫صناعة ثقيلة‬
‫ال تستطيع الزراعة أن تتطور بدون صناعة تسعفها وتكملها‪ ،‬وال‬
‫تكفي الزراعة وحدها‪ ،‬على أمهيتها القصوى‪ ،‬لتحقيق التنمية االقتصادية‪،‬‬
‫وبناء القوة الضرورية الستقالل األمة‪ ،‬ورخائها‪ ،‬وتقدمها‪.‬‬
‫الصناعة اخلفيفة تليب حاجات االستهالك‪ ،‬وتناسب االقتصاد الالمركزي‬
‫الذي يقرب الشغل إىل القواعد احمللية‪ ،‬ويساعد على توزيع الثروات‪،‬‬
‫ويشجع اإلنتاج مبا يتيح من مواءمة مستمرة بالسوق‪ ،‬ومبا ينهض عليه من‬
‫مبادرات حرة يسهر عليها من قريب‪ ،‬ويف حوار مباشر مع اليد العاملة‪،‬‬
‫رجال األعمال النشطون‪.‬‬
‫لكن الصناعة الثقيلة‪ ،‬مثل صناعة الصلب واحلديد‪ ،‬والصناعات‬
‫الكيماوية والكهربائية‪ ،‬وصناعة آالت اإلنتاج هي املدخل الصحيح‬
‫للتصنيع الشامل‪ .‬هي احملرك للعملية االقتصادية الصناعية‪ ،‬جترها ج را‪،‬‬
‫وتدفعها إىل التوسع دفعا‪ .‬مث إهنا‪ ،‬قبل كل شيء‪ ،‬ضرورية إلعداد القوة‪،‬‬
‫والتمكن من بأس احلديد املالزم الالزم للنصر يف آيات اهلدى والفرقان‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪169‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫أنزل اهلل عز وجل احلديد فيه بأس شديد ومنافع للناس‪ ،‬فمن كونه فيه‬
‫بأس شديد تكون صناعاته الثقيلة احلربية أساسا أوال‪ ،‬ومن كونه فيه منافع‬
‫للناس تكون تفرعاته أساسا ثانيا‪.‬‬
‫إن الصناعة اخلفيفة اليت تعتمد على آالت اإلنتاج املستوردة‪ ،‬وعلى‬
‫حتويل املواد اخلام حمليا‪ ،‬وعلى تقليد البضائع املستوردة املألوفة وتعويضها‬
‫حمليا‪ ،‬تفتقر دائما إىل است رياد آالت اإلنتاج وقطع الغيار‪ ،‬باإلضافة إىل‬
‫افتقارها للخربة املستوردة‪ .‬وكل أولئك يربطوننا ربط التابعني ملصدري تلك‬
‫اآلالت والقطع واخل رباء كما تربطنا هبم حاجتنا للسالح‪ .‬تبعية سياسية‬
‫واقتصادية لن تزداد إال فداحة إن مل ننب اقتصادا متكامال مستقال‪ ،‬بأصوله‬
‫الصناعية الثقيلة‪ ،‬وفروعه الصناعية اخلفيفة‪ .‬أما أن نبتاع بنات صناعتهم‪،‬‬
‫وهن تلك اآلالت الواردة ومعها دفرت كيفية االستعمال‪ ،‬فلن ميكننا توطني‬
‫الصناعة ببالدنا ألن البنات القاص رات دائمات احلنني إىل أمهاهتن‪ ،‬جيفلن‬
‫ويرفضن احلركة‪ .‬فإما ترمي بالسيارة اخلربانة إىل مقربة السيارات إن كنت‬
‫سفيها‪ ،‬وإما تتوسل‪ ،‬وتقبل الشروط اجملحفة‪ ،‬وتتنازل عن سيادتك إن‬
‫كان توقف اآللة أو انعدام قطع الغيار مسألة إفالس اقتصادي أو هزمية‬
‫عسكرية‪.‬‬
‫ال مناص للدولة اإلسالمية من السعي لتحقيق االكتفاء الذايت الصناعي‬
‫كما حتقق االكتفاء الذايت الفالحي‪ ،‬لكيال تكون يف قبضة االس رتاتيجيات‬
‫االستكبارية‪ ،‬ولكيال تزدردها املصاحل االقتصادية املتصارعة‪.‬‬
‫التكامل اإلسالمي‬
‫ولئن كانوا أسبق منا‪ ،‬مبا ال يقاس‪ ،‬يف هذا امليدان‪ ،‬وكانت قدرتنا اليوم‬
‫على منافسة بضائعهم أقل من قدرتنا على التنافس أيُّنا يكون خري زبون‬
‫هلم‪ ،‬فإن القومة الصناعية اإلسالمية‪ ،‬واندماج األقطار اإلسالمية احملررة يف‬
‫في االقتصاد‬
‫‪170‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫بعضها‪ ،‬وانفتاحها التكاملي على بعضها‪ ،‬واعتبار أسواقها سوقا واحدة‪،‬‬
‫وتفضيل البضاعة اإلسالمية على غريها ولو ارتفع الثمن‪ ،‬كفيلة أن متهد‬
‫ذلك الطريق‪ ،‬وتساعدنا على اقتحام تلك العقبة‪.‬‬
‫فباعتبار التجهيز الصناعي جهادا يعبئ طاقات األمة حبافز ال يقاوم‪،‬‬
‫وباندماج األسواق والطاقات القطرية بعضها يف بعض‪ ،‬يتم توزيع املهمات‬
‫وتقاسم االختصاصات‪ .‬وبتفضيل البضاعة اإلسالمية على غريها بقطع‬
‫النظر عن كلفة الش راء ميكن أن نشجع اقتصادنا على االزدهار‪ ،‬وصناعتنا‬
‫على التقدم‪.‬‬
‫يطلب إلينا ذلك أن نقدم على حساب الربح العاجل أمل وحدة‬
‫املسلمني وعزهم‪ .‬وأن ال نتخذ بطانة من دوننا‪ ،‬وما الزبانة للكافر إال‬
‫نوع من اختاذه بطانة وصديقا‪ .‬وما مصادقة الكفار رجاء ربح مادي عاجل‬
‫وتعريض املسلمني لإلفالس إال نوع من اخليانة‪ ،‬من أكربها‪.‬‬
‫يطلب إلينا ذلك أن نقدم يف االعتبار درء املفاسد على جلب املصاحل‪.‬‬
‫ف رمبا تقتضي اخلطة االقتصادية الصناعية التكاملية بني بالد املسلمني أن‬
‫يتخصص قطر يف صناعة ما‪ ،‬تكون أقل مردودية وأبطأ عطاء‪ .‬فإن كان‬
‫توقف ذلك القطر يسبب مفسدة عامة لألمة‪ ،‬فما التشبث باملصلحة‬
‫احمللية العجلى إال ضرب من اخليانة‪.‬‬
‫نكتب كل هذا ترمسا للخط املثايل والسلوك اإلمياين‪ .‬نكتبه من جانب‬
‫الدعوة‪ .‬أما الدولة‪ ،‬وحىت الدولة اإلسالمية الشورية العادلة ال راشدة‪ ،‬فتقع‬
‫حتت ضغوط وضرورات تقلص من قدرهتا على املسلك املثايل الذي ال‬
‫يكلف الكاتب إال استدعاء األفكار والكلمات من مساء الشعور الفاضل‪.‬‬
‫لكن البد من رسم املثل األعلى يف طريق أهل العدل واإلحسان‪ ،‬وعلى اهلل‬
‫التكالن‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪171‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫وال ننفك نوصي بأن تتعامل الدولة القطرية احملررة‪ ،‬واحتاد الدول‬
‫القطرية احملررة‪ ،‬مع سائر أقطار املسلمني الباقية حتت حكم اجلرب‪ .‬ولتعترب‬
‫ذلك اجلماعة اإلسالمية احمللية مبثابة ضرورة قاهرة‪ ،‬ومبثابة انبساط للمد‬
‫اإلسالمي التحرري يف أرض إسالمية ال ت زال يف م راحل القومة األوىل‪ .‬قد‬
‫يستغل حكام اجلرب الصداقة االقتصادية مع دولة القرآن للتمويه على‬
‫الشعب املقهور‪ ،‬فعلى الدعاة احملليني أن ال يسقطوا يف املقارنات السهلة‪،‬‬
‫وال يف االستنتاجات العجلى‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬قد يكون موقف الدولة اإلسالمية الوليدة من احل راجة والضيق‬
‫واخلطر حبيث تضطر ملصادقة حكام فاجرين كافرين جامثني على صدور‬
‫األمة‪ .‬مثل هذا حدث للثورة اإلي رانية اإلسالمية يف حتالفها مع حزب البعث‬
‫النصريي الكافر‪ .‬وهو خطأ فادح من وجهة نظرنا‪ .‬دونه ما نشري إليه‬
‫هنا من التبادل التجاري والتكامل االقتصادي‪ .‬ولعل احلرب اليت خيوضها‬
‫إخواننا هناك‪ ،‬وصعوبات البدايات‪ ،‬تنجلي إن شاء اهلل عما يكشف الغمة‬
‫ويصوب األخطاء‪.‬‬
‫تصنيع ذو أهداف‬
‫ينبغي أن تكون اخلطة التصنيعية يف دولة اإلسالم خطة ذات أهداف‬
‫إسالمية‪ .‬هذه األهداف جمملة تتلخص يف هدفني‪:‬‬
‫‪ )1‬البأس الشديد‬
‫‪ )2‬املنافع للناس‬
‫حتتاج اخلطة بعد ذلك لد راسة تفصيلية توائم بني األهداف‪ ،‬وامل راحل‪،‬‬
‫والوسائل‪ ،‬والتخصصات القطرية واحمللية داخل القطر‪ .‬وحتتاج للنظر‬
‫فيما هو قابل من كل ذلك للتنفيذ حاال‪ ،‬وما يتوقف على إعداد عوامل‬
‫اقتصادية متهيدية من جتهي زات أساسية‪ ،‬ويد عاملة ماهرة‪ ،‬ومتويل وافر‪،‬‬
‫وتقنية مناسبة‪.‬‬
‫في االقتصاد‬
‫‪172‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫ويعترب التصنيع إسالميا وناجحا إن حقق التنفيذ بشروط املردودية‬
‫والتوازن‪ ،‬بني هدف القوة والبأس وهدف املصاحل للناس‪ .‬فإن التصنيع‬
‫الفاشل ماليا‪ ،‬العاجز عن اإلنتاجية العالية واملردودية‪ ،‬تصنيع إفالس‪.‬‬
‫وال يغطى اسم «اإلسالم» الفشل واإلفالس وال يقبلهما وإن اندسا حتت‬
‫ذيوله‪ .‬وإن اقتصاد الرتف والتبذير اقتصاد جائر‪ ،‬ألنه ال حيرتم أصول العدل‬
‫واإلحسان وخدمة املستضعفني‪.‬‬
‫من أسباب خس ران االقتصاد‪ ،‬وفشله‪ ،‬وإفالسه‪ ،‬سوء تدبري العملية‪،‬‬
‫وسوء تنسيق سريها‪ .‬فحذار أن نغرت حبماس ثوري أعشى يثور لإلنتاج من‬
‫أجل اإلنتاج‪ .‬فإن مل تصحب احلكمة أم راء االقتصاد وساقة اجلند العاملني‬
‫يف حقوله‪ ،‬فسرعان ما خيتنق االقتصاد‪ ،‬وتضطرب حركته‪ ،‬وتنقطع أوصاله‪.‬‬
‫إن اختاذ الق رار االقتصادي‪ ،‬وزراعة املنشآت الصناعية‪ ،‬السيما الكربى‬
‫منها‪ ،‬يف أرض متخلفة يطلب من أم راء االقتصاد وجنده شبيه ما يطلبه‬
‫الق رار العسكري من أم راء احلرب وجنده من تبصر وحسن اختيار احلجم‬
‫والوقت‪ .‬حساب احلاجات واملوارد من الطاقة‪ ،‬واملواد األولية‪ ،‬واملياه‪ ،‬واليد‬
‫العاملة املاهرة وغري املاهرة‪ ،‬والنقل‪ ،‬والتسويق‪ ،‬واإلدارة‪ ،‬والتمويل اخل‪.‬‬
‫التصنيع اهلادف ال يدفع العجلة اإلنتاجية يف حركة عشوائية ليتمكن‬
‫املسؤولون من صف أرقام إحصائية على مائدة املباهاة‪ .‬لكن يقتصد يف‬
‫الوسائل‪ ،‬ويتخلى عن املباين املشيدة املرتفعة التكاليف‪ ،‬ويستثمر املال يف‬
‫املشاريع املفيدة املتواضعة‪ ،‬املتكيفة مع الظروف واملناخ‪.‬‬
‫توطين التكنولوجيا‬
‫من أهم العقبات أمامنا دون التصنيع الكفء املستقل فقرنا يف العلوم‬
‫الصناعية‪ ،‬وقلة زادنا من اخلربة واأليدي املاهرة‪ .‬ال يصح أن ننكر تفوق‬
‫في االقتصاد‬
‫‪173‬‬
‫‬
‫بأس الحديد‬
‫اجلاهليني علينا يف هذا امليدان تفوقا ساحقا‪ ،‬كما ال يصح أن تشل املقارنة‬
‫املعجزة حركتنا وأن نقف مسحورين مكتويف األيدي‪.‬‬
‫إهنا معركة حامسة‪ ،‬معركة انت زاع العلوم واخلربة من خمالب قوم شحيحني‬
‫هبا‪ ،‬غيورين عليها‪ .‬ولن ميكننا بناء حضارة إسالمية ولو بلغ كم املواد‬
‫اخلام وعدد األيدي العاملة واملال املوفور ما بلغ بدون املواهب العلمية‪،‬‬
‫واملهارات العملية‪ ،‬والتدبري اإلداري‪ ،‬والتنظيم املتخصص‪ .‬وإنه إخفاق‬
‫فظيع للقومة بدون صناعة‪ ،‬وإنه حلم تافه أن ترفع أب راجا معدنية مستوردة‬
‫على ركام من بالدة األدمغة وبداوة احلس‪.‬‬
‫هناك فخ منصوب الصطياد أموالنا ومصادرة مستقلبنا يسمى «است رياد‬
‫التكنولوجيا»‪ .‬صفقات تدفع فيها الدول املتخلفة عصارة جهدها وثروة‬
‫أرضها ليحصل هلا شرف استقبال اخل رباء األجانب ببالغ احلفاوة‪ ،‬والتفرج‬
‫عليهم وهم يبنون يف عقر ديارنا معاقل ترسخ أقدام صناعتهم وشركاهتم‬
‫بني ظه رانينا‪ .‬مث ال ختدم تلك «التكنولوجيا» إال أهدافهم‪ ،‬وال تنطق إال‬
‫بلغتهم‪ ،‬وال تأنس وتطرب إال بذكر حضارهتم‪.‬‬
‫إن أهدافنا خمالفة ألهداف املركب الصناعي احلريب ِ‬
‫لك ال طريف‬
‫اجلاهلية‪ .‬وكما جيب أن حنارب تلك األهداف االستكبارية جيب أن منتحن‬
‫«التكنولوجيا» ونطوعها ألهدافنا حىت تستحق منا الثقة‪ .‬وال يكون ذلك‬
‫إال بتقدمي رجالنا الفضالء املهرة يف البحث العلمي واالبتكار يف العناية‬
‫واالعتبار‪ ،‬وتشجيع البحث العلمي املخرتع الصانع ال «البحث العلمي»‬
‫األكادميي الذي جناري به فلسفتهم وخ رافاهتم‪ ،‬ونصرف عليه أموالنا على‬
‫شكل ترمجات «أدبية» إلف رازاهتم‪ ،‬وعلى شكل «ق راءات» ال تنتهي لل رتاث‬
‫القدمي‪ ،‬غثه قبل مسينه‪.‬‬
‫جعلنا ختلفنا العلمي وحاجتنا لصناعتهم عالة ضائعني‪ ،‬بل فريسة‬
‫ممتازة مسينة بأموال النفط‪ .‬فيا من يوطن يف بالدنا تلك العلوم ليحررنا من‬
‫الضياع!‬
‫الفصل الثاني عشر‬
‫العمل‬
‫ جهاد البناء‬‫ القاعد عن الكسب ساقط الشرف‬‫ حقوق العمال‬‫‪ -‬الـنـقـابـة‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪177‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫جهاد البناء‬
‫يا من يفك رقبة األمة! يا من يطعمها يف أيامها ذات املسغبة! يا من‬
‫خيرجها من يتمها وبؤسها ومرتبتها!‬
‫إن شياطني التبعية‪ ،‬واجلوع‪ ،‬واهلزمية التارخيية‪ ،‬ال يفيد يف طردها‬
‫االستعاذة‪ .‬تنهى الصالة عن الفحشاء واملنكر‪ ،‬لكن املصلي يبقى عالة‬
‫على غريه إن مل يشمر عن ساعد اجلد ليكسب قوته‪ ،‬ومل يتحفز للنشاط‬
‫الدائب وإعداد القوة ليدافع عن نفسه الشياطني اإلنسية اليت ال تردها‬
‫االستعاذة كما ترد شياطني اجلن‪.‬‬
‫إن الذي يفك رقابنا عمل منبعث من أعماق ديننا احلنيف الذي يأمر‬
‫بالسعي يف األرض‪ ،‬واملشي يف مناكبها‪ ،‬وعمارهتا‪ ،‬واخلالفة فيها‪« .‬يا داود‬
‫إنا جعلناك خليفة يف األرض»‪.‬‬
‫فهل قال له اهلل عز وجل‪ :‬من وحنن نرزقك ونبطش بعدوك؟ كال بل قال‬
‫ِ‬
‫َن ا ْع م ل س ابِ غَ ٍ‬
‫َاح ُك م بـَ ْي َن ال ن ِ‬
‫ات‬
‫له‪ْ « :‬‬
‫َّاس بِ ال َ‬
‫ْح قِّ»‪ .‬وقال له عز وجل‪{ :‬أ َ ْ َ‬
‫وقَ ِّد ر فِ ي َّ ِ‬
‫ص الِ ح اٌ} (سبأ‪.)11 ،‬‬
‫الس ْرد َوا ْع َم لُ وا َ‬
‫َ ْ‬
‫ورد عن املصطفى صلى اهلل عليه وسلم يف احلث على العمل سلسلة‬
‫طويلة من األحاديث يق رأها خطباؤنا األماجد من على منابر إسالم اخلمول‪،‬‬
‫واحلركة خارج املسجد تعج بنشاط ال ميت إىل اإلسالم بصلة‪ ،‬إال من حيث‬
‫استم رار الناس باالعتقاد أنه ال إله إال اهلل وأن حممدا رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وما كان من عمل فردي خيتلط صالحه بفساد الغادين ال رائحني‬
‫على غري قصد سام‪ ،‬وجهاد بان‪.‬‬
‫قوى العمل معطلة يف البطالة‪ ،‬أو موجهة إلنتاج معاش متخلف‪ .‬وال‬
‫شرف للعمل اجلاد‪ ،‬إمنا الشرف ملن حيتال‪ .‬والعامل عسيف مظلوم يف أدىن‬
‫درجات السلم االجتماعي‪ .‬بقي يف كالم العرب أثر للمعامالت اجلاهلية‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪178‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫فنجد يف احلديث قول األع رايب لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬إن ابين‬
‫كان عسيفا»‪ .‬قال مالك رمحه اهلل‪ :‬العسيف‪ :‬األجري‪ .‬فحمل االسم معاين‬
‫الظلم والتعسف الواقعني على األجري العامل‪.‬‬
‫يف معرض حديثنا عن جهاد البناء جيب أن ال نتصور هذا اجلهاد على‬
‫شكل تطوع شامل هتب األمة بكاملها مبقتضاه لتنجز األعمال الشاقة يف‬
‫جو املرح والنشاط واحلماس‪.‬‬
‫يلزم كثري من التطوع وكثري من االنبعاث اجلماعي ويلزم أن تسود روح‬
‫النشاط عبادة البناء بنية التقرب إىل اهلل عز وجل‪ .‬لكن هذا اجلو اإلمياين‬
‫ما هو إال إطار نفسي حركي‪ ،‬وجسم العمل وماهيته بذل العامل جهده‬
‫اليومي يف حدود واجب هو مسؤول عنه‪ ،‬وحق هو مطالب به‪ ،‬حق حيميه‬
‫القانون الشرعي‪.‬‬
‫اإلطار اإلمياين دعوة‪ ،‬والدولة اإلسالمية مستندة إىل الدعوة‪ ،‬متحركة‬
‫على هديها‪ ،‬جيب أن تقنن للجهاد البنائي قوانني ختطط العمل‪ ،‬وتعبئ‬
‫اجلهود‪ ،‬وتصنف العامل لتنفي عنه التعسف‪ ،‬وتعطي صاحب املال حقه‬
‫بالقسط‪.‬‬
‫وال حتسب أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه امليامني كانوا‬
‫رجال غدوة إىل املسجد وأخرى لساحة القتال‪ ،‬واأليام بني ذلك فارغة‪ ،‬بل‬
‫كان العمل الدائب‪ ،‬والسعي الكاسب نشاطهم العادي اليومي‪.‬‬
‫قال احلافظ ابن القيم نور اهلل ضرحيه‪« :‬إن النيب صلى اهلل عليه‬
‫وسلم باع واشرتى‪ ،‬وش راؤه أكثر‪ ،‬وآجر واستأجر واستئجاره أكثر‪.‬‬
‫وضارب وشارك‪ ،‬ووكل وتوكل‪ ،‬وتوكيله أكثر‪ ،‬وأهدى وأهدي له‪،‬‬
‫ووهب واستوهب‪ ،‬واستدان واستعار‪ ،‬وضمن عاما وخاصا‪ ،‬ووقف‬
‫وشفع‪ .‬فقبل تارة ورد أخرى‪ ،‬فلم يغضب وال عتب‪ ،‬وحلف واستحلف‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪179‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫ومضى يف ميينه عدة‪ ،‬وكفر أخرى‪ .‬ومازح وورى ومل يقل إال حقا‪ .‬وهو‬
‫صلى اهلل عليه وسلم القدوة واألسوة»‪.‬‬
‫وقد بوب البخاري رمحه اهلل‪ :‬باب كسب الرجل وعمله بيده‪ .‬قال احلافظ‬
‫ابن حجر رمحه اهلل‪ :‬اختلف العلماء يف أفضل املكاسب‪ ،‬قال املاوردي‪:‬‬
‫أصول املكاسب الزراعة والتجارة والصنعة‪ .‬وعند البخاري قول أيب بكر‬
‫الصديق بعد توليه اخلالفة‪« :‬كان أصحاب رسول صلى اهلل عليه وسلم‬
‫عمال أنفسهم»‪ ،‬أي أهنم كانوا يباشرون أعماهلم بأيديهم‪ ،‬مل يكونوا‬
‫طبقة طفيلية‪ .‬وعنده قول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬ما أكل أحد‬
‫طعاما قط خ ريا من أن يأكل من عمل يده‪ .‬وإن نيب اهلل داود كان يأكل من‬
‫عمل يده»‪ .‬وقوله صلى اهلل عليه وسلم‪« :‬ألن حيتطب أحدكم حزمة على‬
‫ظهره خري له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو مينعه»‪.‬‬
‫وعند البخاري يف كتاب احلرث وامل زارعة قول رسول صلى اهلل عليه‬
‫وسلم‪« :‬ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا‪ ،‬فيأكل منه طري أو إنسان‬
‫أو هبيمة إال كان له به صدقة‪ .‬وعنده رمحه اهلل هذا احلديث العجيب احلكمة‪،‬‬
‫عن أيب أمامة الباهلي أنه قال‪ ،‬وقد رأى سكة وشيئا من آلة احلرث‪ :‬مسعت‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول‪« :‬ال يدخل هذا بيت قوم إال أدخله‬
‫اهلل الذل»‪ .‬فهل هذا زجر عن اح رتاف الزراعة واختاذ عدهتا؟ كيف وفيه‪ ،‬إن‬
‫فهمناه هذا الفهم‪ ،‬تناقض سافر مع ما أمر اهلل به من احلرث والزرع وشكر‬
‫نعمة اهلل يف ذلك‪ ،‬ومع احلديث السابق يف فضل الغ راس والزرع!‬
‫كان الصحابة رضي اهلل عنهم عمال أنفسهم يف كسب املعاش‪،‬‬
‫وكانوا عمال اهلل يف م رابطتهم املستمرة واستعدادهم الدائم للجهاد‪ .‬فإن‬
‫دخلت اآللة الزراعية البيوت‪ ،‬واحتلت حمل السالح‪ ،‬واستحال جند اهلل‬
‫جمرد زراع خاملني‪ ،‬فقد حل الذل باألمة‪ .‬السكة واحمل راث‪ ،‬وما يف حكمها‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪180‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫من آلة إنتاج املنافع االستهالكية ال تعوض السالح ومعامل صنعه‪ .‬فإن‬
‫ت زاحم هدفا بأس احلديد ومنافع الناس على اهتمام املسلمني واختل التوازن‬
‫يف صاحل اإلنتاج االستهالكي الوديع املسامل فذلك هو الذل‪ ،‬ألن أمة من‬
‫الفالحني امللتصقني باألرض‪ ،‬وأمة من عمال البضائع املدنية بدون محاية‬
‫وشوكة أمة مفتوحة للغزو‪.‬‬
‫وقد بوب البخاري رمحه اهلل على حديث أيب أمامة هكذا‪« :‬باب ما‬
‫حيذر من عواقب االشتغال بآلة الزرع أو جماوزة احلد الذي أمر»‪ .‬قال احلافظ‬
‫ابن حجر نفع اهلل به‪ « :‬وقد أشار البخاري بالرتمجة (أي بعنوان الباب) إىل‬
‫اجلمع بني حديث أيب أمامة واحلديث املاضي يف فضل الزرع والغرس‪ .‬وذلك‬
‫بأحد أمرين‪ :‬إما أن حيمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك‪ .‬وحمله ما إذا‬
‫اشتغل به فضيع بسببه ما أمر حبفظه (قلت‪ :‬اجلهاد خاصة)‪ ،‬وإما أن حيمل‬
‫على ما إذا مل يضيع‪ ،‬إال أنه جاوز احلد فيه»‪ .‬قلت‪ :‬جتاوز احلد وتضييع ما‬
‫أمر حبفظه علة ونتيجة لإلخالل بتوازن العمل االقتصادي بني هديف‪ :‬بأس‬
‫احلديد ومنافع الناس‪.‬‬
‫القاعد عن الكسب ساقط الشرف‬
‫بعد شهور قليلة من غزو اليهود للبنان‪ ،‬وتدمريهم أحياء املسلمني‬
‫يف عاصمتها‪ ،‬وذحبهم إياهم‪ ،‬واحتالهلم األرض‪ ،‬ظهر األثر العميق لذلك‬
‫الغزو يف اقتصاد لبنان‪ ،‬إذ غزت بضائع اليهود سوق لبنان‪ ،‬وغزت أسواق‬
‫العرب من خالل لبنان‪.‬‬
‫وكان اليهود حريصني يف عقد صلحهم مع حكام مصر على «تطبيع»‬
‫العالقات‪ .‬وتعين الكلمة أول ما تعىن التبادل التجاري الذي بواسطته‬
‫يأكل األقوى األضعف‪ ،‬يأكل االقتصاد اليهودي النشيط اقتصاد مصر‬
‫املتخلف‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪181‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫اهلزمية االقتصادية مقرتنة ال تنفك عن اهلزمية العسكرية واحلضارية‪.‬‬
‫وبقياس العلل والنتائج بعضها على بعض‪ ،‬جند هذا الدرس يف احلديث‬
‫الشريف الذي رواه اإلمام أمحد وأبو داود أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫قال‪« :‬يوشك أن تداعى عليكم األمم من كل أفق كما تداعى األكلة على‬
‫قصعتها»‪ .‬قال‪ :‬قلنا يا رسول اهلل أمن قلة بنا يومئذ؟ قال‪« :‬أنتم يومئذ‬
‫كثري‪ .‬ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل‪ .‬تنتزع املهابة من قلوب عدوكم‪،‬‬
‫وجيعل يف قلوبكم الوهن» قال‪ :‬قلنا‪ :‬وما الوهن؟ قال‪« :‬حب احلياة وك راهية‬
‫املوت»‪.‬‬
‫تداعى األكلة علينا يعين االستعمار واالحتالل االقتصادي‪ .‬والوهن‬
‫الذي هو حب الدنيا وك راهية املوت‪ ،‬سبب للهزمية العسكرية كما أن‬
‫حليفه حب ال راحة وك راهية العمل سبب للهزمية االقتصادية‪.‬‬
‫روى أبو داود بإسناد حسن عن أيب سعيد اخلدري أن رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم دخل ذات يوم املسجد‪ ،‬فإذا هو برجل من األنصار يقال له‬
‫أبو أمامة جالسا فيه‪ .‬فقال‪« :‬يا أبا أمامة! مايل أراك جالسا يف املسجد يف‬
‫غري وقت الصالة؟» قال‪ :‬مهوم لزمتين وديون يا رسول اهلل! قال‪« :‬أال أعلمك‬
‫كالما إذا قلته أذهب اهلل عز وجل مهك‪ ،‬وقضي عنك دينك؟» فقال‪ :‬بلى‬
‫يا رسول اهلل! قال‪« :‬قل إذا أصبحت وإذا أمسيت‪ :‬اللهم إين أعوذ بك من‬
‫اهلم واحلزن‪ ،‬وأعوذ بك من العجز والكسل‪ ،‬وأعوذ بك من البخل واجلنب‪،‬‬
‫وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال»‪ .‬االستعاذة من الكسل ورفاقه‬
‫واردة يف الصحيح يف غري هذا احلديث‪.‬‬
‫الشك أن اللجأ إىل اهلل عز وجل بالدعاء املبارك سبب متني‪ .‬لكن‬
‫اهلل عز وجل واضع األسباب‪ ،‬يذهب اهلم ويقضى الدين بتيسري أسباب‬
‫الكسب ال بإمطار الذهب والفضة واملتاع من السماء‪ .‬وجه النيب الكرمي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم صاحبه املشتكي ليطلب من اهلل تعاىل رفع الكسل‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪182‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫ورفاقه‪ ،‬مل يوجهه بذلك إال للتشمري وعقد العزم على إمساك األمر جبد‬
‫ونشاط وشرف‪.‬‬
‫أخرج ابن اجلوزي أن عمر رضي اهلل عنه كان إذا رأى غالما فأعجبه‬
‫سأل‪ :‬هل له حرفة؟ فإن قيل ال‪ ،‬قال‪ :‬سقط من عيين! وذكر ابن اجلوزي‬
‫عنه رضي اهلل عنه أنه قال‪« :‬ألن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف‬
‫وجهي أحب إيل من أن أموت غازيا يف سبيل اهلل»‪.‬‬
‫علمهم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن السعي على العيال عبادة‪،‬‬
‫وشرف للعامل‪ ،‬وحث على الكسب‪ .‬فلم يكن هناك عندهم متييز بني‬
‫اجلهادين‪ ،‬جهاد الكسب وجهاد العدو‪ .‬جاء يف ترمجة سعد بن معاذ يف‬
‫«اإلصابة» عن أنس أن النيب صلى اهلل عليه وسلم قال لسعد‪« :‬ما هذا‬
‫الذي أرى بيدك؟» فقال‪ :‬أثر املسحاة‪ ،‬أضرب وأنفق على عيايل فقبل النيب‬
‫صلى اهلل عليه وسلم يده‪ ،‬وقال‪« :‬هذه يد ال متسها النار!»‪.‬‬
‫يف دولة اإلسالم املتجددة جيب أن يشرف العامل‪ ،‬وحيبب إىل النشء‬
‫العمل اليدوي املنتج‪ ،‬جنبا إىل جنب مع املهارات الفكرية العلمية‪ .‬بل‬
‫جيب أن حيارب امليل إىل العادات االسرتواحية اليت يفضل أصحاهبا املعاش‬
‫الرخو املرتفع عن الكد واملعاناة والصرب الطويل‪ .‬ذلك أن االنتصار يف معارك‬
‫التصنيع والزراعة يطلب من اخلشونة وشدة امل راس نظري ما يطلبه االنتصار‬
‫العسكري‪.‬‬
‫جهاد البناء شقيق جهاد السيف‪ ،‬يرضعان معا من خصال الشجاعة‬
‫اليت تذهب الوهن‪ ،‬وحب الشهادة الذي يذهب اخلوف من املوت‪ ،‬وشرف‬
‫اليد اليت تضرب باملسحاة تنفق على العيال فيموت الكسل‪.‬‬
‫دماء الشهداء‪ ،‬حرب العلماء‪ ،‬نفس الصاحلني‪ ،‬زف رات الواعظني‪ ،‬إرشاد‬
‫املربني‪ ،‬عرق العاملني وأيديهم الشريفة‪ ،‬نشاط املتاجرين والصانعني‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪183‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫أمانة اإلداريني‪ ،‬تدبري املسريين‪ ،‬حكمة أم راء املسلمني‪ .‬كل أولئك بناة‪.‬‬
‫نق رأ كث ريا يف السرية النبوية عن املغازي النبوية‪ ،‬واإلجنازات القتالية‪.‬‬
‫لكن قليال ما نتسمع إىل ذلكم التاريخ اجمليد لنستطلع أخبار الغادي‬
‫وال رائح يف مهنته‪ ،‬أخبار العمل االقتصادي‪.‬‬
‫أوردنا يف رأس هذا الفصل كلمة ابن القيم عن نشاط رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم يف أمور معاشه‪ .‬ونكمل هنا الصورة إن شاء اهلل‪.‬‬
‫كان أبو بكر رضي اهلل عنه تاج را ب زازا يسافر يف التجارة مثلما‬
‫كان يفعل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قبل البعثة‪ .‬وكان عمر يتجر‪،‬‬
‫وعثمان‪ ،‬وخدجية أم املؤمنني‪ ،‬والزبري‪ ،‬وعبد الرمحان بن عوف‪ ،‬وما ال‬
‫حيصى غريهم‪ .‬وكان يف املدينة أسواق تعج بالنشاط االقتصادي والتجاري‪.‬‬
‫فكانت متاجر احلبوب والتمر تسوق منتوجات البلد‪ ،‬وكان الب زازون‪،‬‬
‫والعطارون والقائمون على املي زان‪ ،‬والص رافون‪ ،‬واحلدادون‪ ،‬والرماحون‪،‬‬
‫وجتار األسلحة‪ ،‬والعشابون وهم صيادلة الوقت‪ ،‬واخل رازون‪ ،‬والدباغون‪،‬‬
‫والنساجون‪ ،‬والسماسرة‪ ،‬واخلياطون‪ ،‬والنجارون‪ ،‬والصاغة صناع احللي‪،‬‬
‫وصناع األقداح من اخلشب‪ ،‬وصناع الفخار‪ ،‬والنقاشون‪ ،‬وبائعوا الدهن‬
‫والسمن‪ ،‬والبناؤون‪ .‬وكان النساء يسامهن بنصيبهن الكامل يف ذلك‬
‫النشاط‪.‬‬
‫حقوق العمال‬
‫يف الدولة اإلسالمية املتجددة جيب أن توفر للعمال حقوقهم امللموسة‬
‫اليت حيدها الكم واإلحصاء والعد مضافة إىل حقهم يف التكرمة اليت‬
‫يستحقوهنا لشرف جهادهم‪ .‬فتكون احلقوق املعدودة‪ ،‬الكمية‪ ،‬امللموسة‪،‬‬
‫عنوانا عن ذلك التكرمي وبرهانا‪ .‬فيتاح لكل املسلمني احلصول على عمل‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪184‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫مثمر‪ ،‬واحلصول على التدريب الالزم‪ ،‬بإش راف احلكومة‪ ،‬أو مببادرة أصحاب‬
‫املشاريع‪ ،‬واحلصول على تعويض للمرض والبطالة القسرية‪ ،‬واحلصول على‬
‫العالج واملأوى وتربية األوالد‪ ،‬واحلصول على املعاش بعد التقاعد واحلصول‬
‫على ظروف إنسانية حال العمل‪.‬‬
‫يقتضي هذا أن ينظم الضمان االجتماعي‪ ،‬وأن تفرض لتمويله ض رائب‬
‫على األغنياء‪ ،‬إن مل تكف الزكاة تطبيقا لألصل الوارد يف الصحيح‪« :‬تؤخذ‬
‫من أغنيائهم وترد على فق رائهم»‪.‬‬
‫إن التصنيع من شأنه أن حيدث يف اجملتمع تطورات هلا نتائج اقتصادية‬
‫سياسية تعرض العمال جلور املشغلني‪ .‬فإن مل حتم الدولة حقوق العمال‬
‫اضطرب اجملتمع وانضر االقتصاد‪ ،‬واستفحلت فرص االستغالل ال رأمسايل‬
‫املمقوت‪.‬‬
‫جيب أن تعطى للعمال حقوقهم الفردية فيما خيص األجرة العادلة‪،‬‬
‫وظروف العمل‪ ،‬ومؤنة األسرة‪ ،‬وصيانة الصحة‪ ،‬وتربية املهارة‪ ،‬وترقية املرتبة‪،‬‬
‫وتوقيت الشغل توقيتا يسمح للعامل بالتفرغ لعباداته وحاجاته‪ .‬لكن هذه‬
‫احلقوق الفردية لن تضمن ولن يسخو أحد بإعطائها إن مل يكن قانون‬
‫الدولة ماسكا بزمام األمر‪ ،‬وإن مل يكن هذا القانون راعيا يقظا للحقوق‬
‫اجلماعية للعمال‪ ،‬معتمدا على يقظتهم وحرصهم على إقامة العدل واألمر‬
‫باملعروف والنهي عن املنكر يف حيز نشاطهم‪.‬‬
‫إن اقتصر القانون على تسمية احلقوق الفردية‪ ،‬وترك التطبيق إلرادة‬
‫املشغلني فستؤول الن زاعات الفردية بني العامل ومشغله إىل احلل التعسفي‬
‫الذي يأكل القوي مبقتضاه الضعيف‪ .‬كان العامل عسيفا‪ ،‬ويكون حتت‬
‫كل نظام جاهلي‪ .‬وتقاس إسالمية الدولة برفعها العسف عن العامل‪،‬‬
‫فكل تنظيم وتقنني يساعد على ذلك فهو من قبيل «ما ال حيصل الواجب‬
‫إال به فهو واجب»‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪185‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫النقابة‬
‫ال يقدر على استخالص احلق إال القوي‪ .‬وال يستطيع القانون وحده‬
‫أن يعطي احلق‪ ،‬السيما إن كان صاحبه صامتا خائفا‪ ،‬أو كان طالب احلق‬
‫غري بصري بدقائق النصوص‪ ،‬وأصول التعامل‪ ،‬اليت يتقنها الغرمي‪ ،‬فيحتال‬
‫على القانون‪ ،‬أو ي راوغه‪ .‬لذلك البد من دعم النقابة ومساندهتا لتدافع عن‬
‫احلقوق الفردية واجلماعية وتنتزعها‪ .‬ال فرق يف ذلك بني أن يكون املشغل‬
‫هو الدولة أو هو صاحب االستثمار‪.‬‬
‫النقيب لغة‪ :‬هو ممثل اجلماعة والناطق بلساهنا‪ .‬وقد عقد القاضي‬
‫املارودي يف كتابه «األحكام السلطانية» فصال عن النقابة وعدها من أهم‬
‫خطط الدولة‪ ،‬عىن بالنقابة نقابة األش راف‪ .‬فقد كان آلل البيت‪ ،‬وال ي زال‬
‫يف بعض البالد‪ ،‬جتمع تعرتف به الدولة‪ ،‬وممثل مدافع عن حقوق العرتة‬
‫الطاهرة‪ .‬وإن عنايتنا حتت ظل الدولة اإلسالمية بالعمل والعمال وشرفهم‬
‫جيب أن ال تقل عن عنايتنا بذوي القرىب أعزهم اهلل وبأنساهبم‪ ،‬بل تقبل‬
‫اليد املؤمنة اخلشنة من أثر املسحاة قبل اليد الناعمة املوفورة النعمة‪.‬‬
‫جيب أن تقوم النقابة حتت ظل دولة القرآن بغري املهام اليت تقوم هبا‬
‫نقابات الشيوعيني من كوهنا أداة من أدوات الدولة‪ .‬وجيب أن تسلك‬
‫أسلوبا غري أسلوب اإلض راب والعنف الذي تسلكه نقابات ال رأمسالية‪ .‬جيب‬
‫أن يستبدل باإلض راب تنسيق ثالثي بني ممثلي النقابة والدولة وأصحاب‬
‫الشغل‪ .‬وجيب أن تكون النقابة أمسى من وكالة مهها الوحيد بيع قوة‬
‫العضالت بأغلى األمثان‪ ،‬وأرفع من أن تسمح بالفوضى وتشيع احلقد‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪186‬‬
‫‬
‫‬
‫العمل‬
‫نقابات تفاوض‪ ،‬وضغط معنوي قانوين‪ ،‬ال نقابات رفض وإض راب‬
‫وختريب‪ .‬وعلى الدولة أن تقدر املصلحة‪ ،‬وحتمي العسيف‪ ،‬لتلتقي بواجبها‬
‫يف اجلمع بني مصلحة األمة كال ومصلحة املستضعفني عضوا حيويا يف‬
‫األمة‪ ،‬تضيع األمة بضياعه‪ .‬وظلم العسيف خ راب‪.‬‬
‫قال أبو عبد اهلل بن األزرق شارح ابن خلدون‪« :‬من أشد أنواعه (أي‬
‫الظلم) العائدة بفساد العم ران‪ ،‬تكليف األعمال وتسخري الرعايا هبا‪ .‬ألهنا‬
‫من قبيل التموالت اليت هبا املعاش‪ .‬فإذا كلفوا عمال يف غري شأهنم‪ ،‬واختذوا‬
‫سخريا يف غري معاشهم‪ ،‬أبطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم‪ ،‬وذهب‬
‫معاشهم باجلملة‪ .‬وإن تكرر عليهم أفسد آماهلم يف العمارة‪ ،‬وقعدوا عن‬
‫السعي فيها مجلة‪ ،‬فتأدى إىل خ راهبا ال حمالة»‪.‬‬
‫«من اخرتع نظرية فائض القيمة» وابت زاز العمل من العمال؟‬
‫ ‬
‫الفصل الثالث عشر‬
‫العدل‬
‫ العدل والقسط‬‫ كونوا قوامني بالقسط‬‫ العدل أساس األمن واالستق رار‬‫‪ -‬الظلم مؤذن باخل راب‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪189‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫العدل والقسط‬
‫من اخرتع أن للعمل قيمة‪ ،‬وأن تكليف األعمال وتسخري الرعايا هبا‬
‫اغتصاب هلذه القيمة؟‬
‫نعم عرف علماؤنا كيف يعربون عن هذا قبل أن يصوغه ماركس صياغته‬
‫االقتصادية «العلمية»‪ .‬لكن كلمة اهلل الذي أمر بالعدل والقسط وقفت هلا‬
‫خماوف الفنت فلم يتحول ذلك العلم باالغتصاب ثورة على احلكم اجلائر‪.‬‬
‫ذكرت يف القرآن مادة «عدل» مبعىن العدل ضد اجلور يف مثل قوله‬
‫تعاىل‪{ :‬إِ َّن ال لّ هَ ي أْم ر بِ الْع ْد ِل وا ِإلح س ِ‬
‫ان َوإِيتَ اء ِذي الْ ُق ْربَى َويـَنـْ َه ى‬
‫َ ُُ َ َ ْ َ‬
‫ْم ن َك ِر َوالْبـَغْ ِي‪( }...‬النحل‪ .)90 ،‬وقوله سبحانه‪{ :‬إ َّ‬
‫ِن‬
‫َع ِن الْ َف ْح َ‬
‫ش اء َوال ُ‬
‫ال لّ هَ ي أْم ر ُك م أَن تُؤدُّواْ األَم انَ ِ‬
‫ات إِلَ ى أ َْه لِ َه ا َوإِ َذا َح َك ْم تُ م بـَ ْي َن ال ن ِ‬
‫َّاس أَن‬
‫َ‬
‫َ ُُ ْ‬
‫ْع ْدل‪( }...‬النساء‪ )58 ،‬وجاءت مبعىن امليالن عن اإلنصاف‬
‫تَ ْح ُك ُم واْ بِ ال َ‬
‫َّ ِ‬
‫ين َك َف ُرواْ‬
‫واالع رتاف باهلل إىل الشرك يف مثل قوله عز من قائل‪« :‬ثُ َّم ال ذ َ‬
‫بِ َربِّ ِه م يـَ ْع ِدلُ و َن‪( »...‬األنعام‪)1 ،‬‬
‫وتفيد كلمة «قسط» اإلنصاف يف احلكم والقسمة يف مثل قوله تعاىل‪:‬‬
‫ب ال ِ ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين}‬
‫{وإِ ْن َح َك ْم َ‬
‫ت فَ ْ‬
‫اح ُك م بـَيـْنـَ ُه ْم ب الْق ْس ط إِ َّن ال لّ هَ يُح ُّ ُ‬
‫َ‬
‫ْم ْق س ط َ‬
‫وم واْ لِ ْل يَ تَ َام ى بِ ال ِْق ْس ِط}‬
‫{وأَن تـَ ُق ُ‬
‫(املائدة‪ ،)42 ،‬وقوله تبارك وتعاىل‪َ :‬‬
‫(النساء‪ ،)143 ،‬وقوله سبحانه‪{ :‬أَوفُ واْ الْ َك ْي ل وال ِ‬
‫يزا َن بِ ال ِْق ْس ِط}‬
‫ْم َ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫(األنعام‪.)152 ،‬‬
‫مها عدالن م رتابطان متالزمان‪ .‬عدل القاضي واحلاكم‪ ،‬يطبقان شرع‬
‫اهلل عز وجل يف إعطاء حقوق العباد وإنصاف بعضهم من بعض‪ ،‬وعدل‬
‫القسمة االقتصادية االجتماعية‪ .‬والظلم يف احلكم واجلور يف القسمة عديالن‬
‫ال يفرتقان‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪190‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫ولوضع الكلمات القرآنية يف أوضاعها اللغوية خنصص كلمة «عدل»‬
‫للحكم والقضاء‪ ،‬وكلمة «قسط» لإلنصاف يف القسمة‪ ،‬لكيال خيتلط‬
‫حديثنا عن العدل احلكمي والعدل االجتماعي االقتصادي‪ .‬قال ال راغب‬
‫االصفهاين رمحه اهلل‪« :‬العدل يستعمل فيما يدرك بالبصرية كاألحكام (‪)...‬‬
‫فالعدل هو التقسيط على سواء»‪.‬‬
‫وقال‪« :‬القسط هو النصيب بالعدل كال ن ِ‬
‫َّص ـ َف ِة»‪.‬‬
‫َّص ف وال ن َ‬
‫َ‬
‫كال الكلمتني تدل على التسوية بني طرفني‪ .‬لكن خنصص لنلح على‬
‫أن القسمة العادلة للمال واألرزاق مطلب شرعي ال يقل أمهية عن مطلب‬
‫العدل احلكمي والقضائي‪ .‬وما وظيفة احلاكم أول شيء إال السهر على أن‬
‫ال يأكل القوي الضعيف ليحصل األمن الداخلي‪ .‬وال يتقاضى الناس غالبا‬
‫إىل القاضي إال لقسمة أسيئت أو ن زاع راجع لسوء قسمة‪.‬‬
‫إن إقامة العدل والقسط ركن ركني يف صرح الدولة اإلسالمية‪ ،‬وعلى‬
‫إقامتهما مدار صالح احلكم‪ ،‬واالقتصاد‪ ،‬والشورى‪ ،‬واإلدارة‪ ،‬واألمر كله‪.‬‬
‫فإن جمتمعا تكون مقاليد الثروة فيه يف يد طائفة من الناس لن يلبث أن‬
‫تعكس قوانينه مصاحل هذه الطائفة وأن يستولوا بواسطة قوانني اجلور‪ ،‬أو‬
‫حتريف الكلم عن مواضعه‪ ،‬على السلطان‪ .‬فإذا كان السلطان واملال‪ ،‬ومن‬
‫شأهنما أن يتآلفا‪ ،‬جمتمعني يف يد طبقة فإن أجهزة الدولة وحماكمها تدين‬
‫لقانون الغالب‪ .‬فباختالل القسط خيتل العدل‪.‬‬
‫إن سيطرة االحتكار االقتصادي على مصري الشعوب اجملوعة البائسة‬
‫يتجلى يف جور طائفة أو طبقة ملكت أزمة املال واألقوات والوسائل املادية‪،‬‬
‫فأتاح هلا ذلك التحكم يف التوجيه‪ ،‬والق رار‪ ،‬واإلعالم‪ ،‬والرتبية‪ ،‬وسائر‬
‫مناحى النشاط السياسي واالجتماعي‪ .‬فإن صعب على الطبقة االحتكارية‬
‫أن جتهر جبورها فإن ما لديها من وسائل مادية وثقافية وسياسية ميكنها‬
‫من تزوير دميق راطية تشرتى فيها األصوات من الناخبني وتزور هبا واجهة‬
‫قانونية ظاهرها احلرية والعدل والقسط وباطنها من قبله العذاب‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪191‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫كونوا قوامين بالقسط‬
‫قال اهلل تبارك وتعاىل‪{ :‬ي ا أَي ـُّه ا الَّ ِذين آم ن واْ ُك ونُواْ قـ َّو ِ‬
‫ين بِ ال ِْق ْس ِط‬
‫ام‬
‫َ َُ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫ُش ه َداء لِ لّ ِه ولَ و َع لَ ى أَن ُف ِس ُك م أَ ِو الْوالِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ر‬
‫قـ‬
‫أل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ن‬
‫ي‬
‫د‬
‫ين} (النساء‪.)135 ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ َ‬
‫َ‬
‫قال ابن عباس رضي اهلل عنهما‪« :‬أمر اهلل املؤمنني أن يقولوا باحلق ولو على‬
‫أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم‪ ،‬ال حيابوا غنيا لغناه‪ ،‬وال يرمحوا مسكينا‬
‫ملسكنته»‪ .‬وأخرج ابن جرير عن السدي أهنا نزلت يف النيب صلى اهلل عليه‬
‫وسلم‪ :‬اختصم إليه رجالن‪ ،‬غين وفقري‪ .‬فكان حلفه مع الفقري (أي ميله)‬
‫يرى أن الفقري ال يظلم الغين‪ .‬فأىب اهلل إال أن يقوم بالقسط يف الغين والفقري‪.‬‬
‫قلت‪ :‬كالم السدي يتضمن أن حكمة التشريع اقتضت إب راز هذا احلكم‬
‫هبذه الصورة‪ .‬وإال فالنيب صلى اهلل عليه وسلم أبصر باألمر‪ ،‬كيف وهو عبد‬
‫يوحى إليه‪ ،‬منزه عن أن يكون له حلف مبين على الظن‪.‬‬
‫وقال اهلل عز وجل‪{ :‬ي ا أَي ـُّه ا الَّ ِذين آم ن واْ ُك ونُواْ قـ َّو ِ‬
‫ين لِ لّ ِه ُش َه َداء‬
‫ام‬
‫َ َُ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫ٍ‬
‫بِ ال ِْق ْس ِط َوالَ يَ ْج ِرَم نَّ ُك ْم َش نَ آ ُن قـَ ْوم َع لَ ى أَالَّ تـَ ْع ِدلُ واْ ا ْع ِدلُ وا} (املائدة‪.)8 ،‬‬
‫قال السيوطي يف «الدر املنثور»‪ :‬أخرج ابن جرير عن عبد اهلل بن كثري أهنا‬
‫نزلت يف يهود خيرب‪ :‬ذهب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ليستعينهم يف‬
‫دية فهموا أن يقتلوه‪ .‬فذلك قوله‪ :‬وال جيرمنكم شنآن قوم على أال تعدلوا‪.‬‬
‫يتخلص لنا من كل هذا وجوب إقامة مي زان العدل والقسط بني‬
‫األغنياء والفق راء‪ ،‬واألقارب واألباعد‪ ،‬بال حلف‪ ،‬وال هوى نفس‪ ،‬وال رغبة‬
‫انتقام‪ .‬وسواء يف وجوب ذلك العدل القضائي املتمثل يف أداء الشهادة أمام‬
‫القاضي‪ ،‬والقسط يف القسمة‪ .‬ويف اآليتني الكرميتني إسناد القيام هلل عز‬
‫وجل يف قوله‪« :‬قوامني هلل» وإسناد الشهادة له سبحانه يف قوله‪« :‬شهداء‬
‫هلل»‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪192‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫فمن هذا نأخذ أن عمدتنا ولسان مي زاننا يف إقامة العدل والقسط هو‬
‫إخالصنا الوجهة هلل عز وجل‪ ،‬ذلك اإلخالص الذي يعصمنا من امليل مع‬
‫اهلوى‪ ،‬ومن الظلم يف احلكم واجلور يف القسمة‪.‬‬
‫تزعم ال رأمسالية أن نظامها القائم على حرية الفرد‪ ،‬وعلى الدميق راطية‪،‬‬
‫وعلى الباب املفتوح يف االقتصاد‪ ،‬هو النظام الصاحل لتوطيد العدل السياسي‬
‫القضائي والقسط االقتصادي االجتماعي‪ .‬وتزعم االش رتاكية أن ذلك ال‬
‫يتأتى إال يف ظل نظامها اجلماعي املرتكز على استبداد الربولتاريا‪.‬‬
‫ونشاهد عند القوم وعندنا أن باستم رار احلكم ال رأمسايل واالقتصاد‬
‫ال رأمسايل تزداد طبقة األغنياء غىن‪ ،‬وال تنتزع الطبقة العاملة الناصبة حقوقها‪،‬‬
‫أو بعض حقوقها‪ ،‬إال بالعنف النقايب أو حتت هتديد األح زاب االش رتاكية‬
‫االجتماعية‪ .‬وهي خالف االش رتاكية الثورية‪.‬‬
‫ونشاهد أن باستم رار احلكم الشيوعي تتحول الطبقة احملرومة من قبل‬
‫إىل طبقة جديدة تستأثر بامللكية واملال والسلطان واملتاع‪.‬‬
‫الكفتان هنالك يف األنظمة اجلاهلية راجحتان لصاحل الطبقة األقوى‬
‫واألدهى‪ .‬ويف دولة اإلسالم جيب أن يكون القيام هلل‪ ،‬والشهادة هلل‪ ،‬واملرجع‬
‫هلل‪ ،‬والقانون شرعه املقدس الذي جيد فيه اجملتمع توازنه‪ ،‬وجيد فيه كل ذي‬
‫حق حقه‪.‬‬
‫الص راع يف بالد ال رأمسالية مستمر بني الطبقات االجتماعية‪ .‬ص راع‬
‫حيرك السياسة واالقتصاد‪ ،‬يتحكم يف االنتخابات واإلض رابات والتحالفات‪.‬‬
‫وحتت اجلاهلية األخرى نسمع مجاعة من احملتجني‪ ،‬مسوهم «متمردين»‪،‬‬
‫ينازعون مشروعية احلكم الربولتاري املستبد‪ ،‬ويطلبون مشة من العدل‪،‬‬
‫ونسمة من القسط‪ ،‬وهبة من احلرية‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪193‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫العدل والقسط هنالك‪ ،‬كما مها يف ظل أنظمة اجلور عندنا‪ ،‬مطلبان‬
‫دائمان‪ ،‬هبما وعليهما ويف أمل احلصول عليهما حتىي الشعوب‪ .‬واخلالف على‬
‫معىن العدل‪ ،‬وماهية القسط‪ ،‬وقاعدهتما‪ ،‬ومن الكفيل هبما‪ ،‬واحلكم يف شأهنما‪،‬‬
‫خالف عجاج رجاج‪.‬‬
‫ويف دولة اإلسالم‪ ،‬يقوم جند اهلل هلل‪ ،‬ويشهدون هلل فيثبت املي زان يف أيديهم‪،‬‬
‫وينتهي اخلالف‪ ،‬إن نشب إىل حكم اهلل الذي أنزل الكتاب واملي زان‪ .‬قال عز من‬
‫ْم ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وم‬
‫اب َوال ِ َ‬
‫قائل‪{ :‬لَ َق ْد أ َْر َس لْنَ ا ُر ُس لَ نَ ا بِ الْبـَي ـِّنَ ات َوأ َ‬
‫يزا َن ل يـَ ُق َ‬
‫َنزلْنَ ا َم َع ُه ُم الْك تَ َ‬
‫ال نَّاس بِ ال ِْق س ِط} (احلديد‪ .)25 ،‬وقال سبحانه‪{ :‬وم ا أَنزلْنَ ا َع لَ ي َ ِ‬
‫اب‬
‫ْ‬
‫ََ َ‬
‫ك الْك تَ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ِّ‬
‫إِالَّلِ تُ بـَيِّ َن لَ ُه ُم ال ذي ا ْخ تـَلَ ُف واْ ف يه َو ُه ًدى َو َر ْح َم ةً ل َق ْوم يـُ ْؤم نُ و َن} (النحل‪.)64 ،‬‬
‫وقد بني صلى اهلل عليه وسلم ض وابط العدل وق وانينه‪ ،‬وأصوله‪ ،‬وفروعه‪،‬‬
‫وأنصباء القسط‪ ،‬وقسمته‪ ،‬وأمناءه‪ ،‬فال جمال أن حييف حائف عن العدل‪ ،‬وال أن‬
‫يتقول متقول يف وجوب القسط‪ ،‬وكيفيات كل ذلك وق واعده‪ .‬وما سكتت عنه‬
‫الش ريعة ومل يرد فيه نص من شؤون العدل والقسط‪ ،‬مما يتلبس بالظروف الطارئة‪،‬‬
‫فاالجتهاد وفق الض وابط والق واعد واألصول شرع‪.‬‬
‫فاحلق الذي ال م راء فيه هو أن الش ريعة اإلسالمية كلها عدل‪ ،‬وكلها قسط‪،‬‬
‫وكلها رمحة مبن أدى أمانته وحقوق اهلل والناس عليه‪ ،‬وكلها جفاء وزجر ملن عطل‬
‫ذلك وحاف‪.‬‬
‫أورد اآليتني من سوريت النساء واملائدة اآلم رتني بالقيام والشهادة هلل بالقسط‪.‬‬
‫مث ضع الشطر األول من األوىل قبالة الشطر األول من األخرى‪ ،‬واق رأ أن القيام‬
‫بالقسط يقابل القيام هلل‪ ،‬وأن الشهادة هلل تقابل الشهادة بالقسط‪ .‬معناه أن‬
‫القيام ال يكون هلل إال كان القسط يف حق الناس عديله‪ .‬وأن الشهادة مبعناها‬
‫القضائي وبكل معىن حتتمله اللفظة‪ ،‬ال تكون هلل إن مل يكن القسط بني الناس‬
‫م وازيا هلا‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪194‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫كلمة «اش رتاكية» مشحونة باآلمال املتطلع إليها اإلنسان يف عدل‬
‫وقسط يرحيانه من ظلم الساعة وجور الواقع‪ .‬ولشيوع الكلمة على لسان‬
‫احملرومني وال رافضني والسياسيني احملرتفني‪ ،‬واغ رتارا هبم على لسان أصناف‬
‫املستضعفني‪ ،‬جتد من اللصيقني باإلسالم من يتخذ الكلمة ملا هلا من بريق‬
‫حلنا يف القول ي راود به أفئدة املظلومني وعقوهلم‪ ،‬مثلما يفعلون بالكلمات‬
‫األخرى الواردة علينا كالدميق راطية واحلرية وما شابه‪ .‬وإن اإلسالم هلل‪،‬‬
‫والشهادة بوحدانيته تعاىل وحاكميته‪ ،‬والشهادة له‪ ،‬والقومة لنصرة دينه‪،‬‬
‫تتضمن يف جانب اإلنسان إنصافه‪ ،‬والقسط والعدل يف حقه‪ .‬فإذا قلنا‬
‫«القومة اإلسالمية»‪ ،‬و«دولة القرآن»‪ ،‬فقد نطقنا باألمرين متعانقني‪ :‬حق‬
‫اهلل علينا أن نعبده وحده ال شريك له‪ ،‬وحق العباد أن نؤتيهم ما هلم‬
‫بالقسط والعدل‪.‬‬
‫مالحظة‪ :‬فعل «قسط» بالصيغة الثالثية معناه‪ :‬ظلم ومل يوف‬
‫بالقسط‪ .‬وأقسط بالصيغة الرباعية معناه‪ :‬عدل ووىف بالقسط‪ .‬قال اهلل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّم َح طَ ب اً} (اجلن‪ .)15 ،‬وقال جل‬
‫تعاىل‪َ :‬‬
‫{وأ ََِّم ا الْ َق اس طُو َن فَ َِك انُوا ل َج َه ِن َِ‬
‫ين} (احلج رات‪.)9 ،‬‬
‫{وأَقْ س طُوا إِ َّن ال لَّ هَ يُح ُّ‬
‫ب ال ُ‬
‫امسه‪َ :‬‬
‫ْم ْق س ط َ‬
‫العدل أساس األمن واالستقرار‬
‫ترث الدولة اإلسالمية عند قيامها إن شاء اهلل يف بالدنا قومتها اجلديدة‬
‫جمتمعات مكونة من مصاحل متضاربة‪ .‬من جانب األغنياء‪ ،‬ويف يدهم املال‬
‫والوسائل والنعمة‪ ،‬حياهتم مليئة باألشياء النظيفة مظه را الغالية مثنا الوفرية‬
‫عددا‪ .‬صحتهم مضمونة‪ ،‬حيضر الطبيب عند كل أنة يئنها الطفل‪ ،‬ويتجند‬
‫املستشفى اخلاص الستقبال كل سعال ط رأ على الثري‪ .‬أوالدهم وبناهتم‬
‫يف أهبى اللباس‪ ،‬يغدون إىل أرقى املدارس واجلامعات‪ ،‬ليعودوا حكاما على‬
‫أعلى املستويات‪ ،‬ومن اجلانب اآلخر فق راء حمرومون‪ ،‬حياهتم مليئة باآلمال‬
‫يف عدل تأيت به قومة اإلسالم ودولة القرآن‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪195‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫من جانب‪ ،‬األغنياء الذين يودون أن تستمر فرص استعالئهم‪ ،‬ومن‬
‫جانب‪ ،‬املستضعفون الذين يودون أن ختف عنهم وطأة الفقر واجلهل‬
‫واملرض‪ ،‬وأن تفتح هلم ولذريتهم نوافذ حنو النور والصحة والرخاء‪ .‬سكان‬
‫البادية والعمال‪ ،‬واملوظفون الصغار‪ ،‬والفالحون بدون أرض‪ ،‬والشباب‬
‫العاطل‪ ،‬وكل من يكظم يف صدره غضب القرون‪ ،‬سيهبون احتفاء بالوعد‬
‫اجلديد يوم يقال‪ :‬هاؤم الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫فهل تعمد دولة القرآن إىل أساليب الص راع الطبقي‪ ،‬تأيت بالعنف‬
‫لتقطع من جسم األمة األعضاء املريضة‪ ،‬أم جتعلها إصالحية تسوق اآلمال‬
‫العريضة لسواد األمة إىل غد ال تطلع مشسه‪ ،‬فيطول االنتظار؟‬
‫العدل والقسط مىت‪ ،‬وكيف؟ العدل والقسط هبما االستق رار‪ ،‬وهبما أمن‬
‫القومة‪ ،‬وعليهما مدار حياهتا‪ .‬فكيف‪ ،‬ومىت؟‬
‫ال جواب هنالك ميكن سرده يف مجلتني‪ .‬وما هذه الصفحات الطويلة‬
‫إال حماولة لرسم اإلطار الذي يسمح باجلواب العملي عن السؤالني يوم‬
‫تبيض أيامنا بانتصار جند اهلل على أنظمة اجلور بإذن اهلل‪ .‬يكفي أن نضيف‬
‫هنا أن أسلوب الص راع الطبقي‪ ،‬وبرت الكيان العضوي لألمة بتصفية طبقة‬
‫األغنياء‪ ،‬ليس أسلوب اإلسالم‪ .‬ويفسر فقه «رد املظامل» كيف ترد احلقوق‬
‫إىل أهلها ممن كان ظلم من أموال املسلمني شيئا‪ ،‬فتاب‪ ،‬أو تعنت حىت‬
‫أمسكت به يد السلطان اإلسالمي لتقيمه من كبوة وتقومه من عوج‪،‬‬
‫وتؤدبه من سفه‪ .‬وما متسك تلك اليد عباد اهلل لتسفك دمائهم إال يف حد‬
‫من حدود اهلل‪ ،‬بعد إقامة شرع اهلل‪ ،‬يف جولة مستأنفة‪.‬‬
‫كيف ندفن ماضي اجلور؟ يا رمحة اهلل باملسلمني! ويا نقمته من كل‬
‫جبار عنيد! إن تطبيق شريعة اهلل كفيل بأن يرجع األمور إىل نصاهبا‪ ،‬واملياه‬
‫إىل جماريها‪ ،‬بعد طول احن رافها عن النصاب‪ .‬وإن وازع القرآن هو قوام احلق‪،‬‬
‫برجوعه مع ذهاب الظلمة إىل غري معاد‪ ،‬تستقيم األمور وتستقر إن شاء‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪196‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫اهلل‪ .‬قال القاضي أبو بكر العريب‪« :‬قال مالك بن أنس‪ :‬قال عثمان‪ :‬ما يزع‬
‫الناس السلطان أكثر مما يزعهم القرآن‪ .‬قال مالك‪ :‬يعين‪ :‬يكفهم‪ .‬وقد‬
‫جهل قوم امل راد هبذا الكالم‪ ،‬فظنوا أن املعىن فيه أن قدرة السلطان تردع‬
‫الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن‪ .‬وهذا جهل باهلل وحكمه وحكمته‬
‫ووضعه خللقه‪ .‬فإن اهلل ما وضع احلدود إال مصلحة عامة كافة قائمة بقوام‬
‫احلق‪ ،‬ال زيادة عليها‪ ،‬وال نقصان معها‪ ،‬وال يصلح سواها‪ .‬ولكن الظلمة‬
‫خاسوا هبا‪ ،‬وقصروا عنها‪ ،‬وأتوا ما أتوا بغرينية منها‪ ،‬ومل يقصدوا وجه اهلل‬
‫يف القضاء هبا‪ ،‬فلذلك مل يرتدع اخللق هبا‪ ،‬ولو حكموا بالعدل‪ ،‬وأخلصوا‬
‫النية‪ ،‬الستقامت األمور‪ ،‬وصلح اجلمهور»‪.‬‬
‫إن رب العزة سبحانه اخلبري خبلقه‪ ،‬وضع لنا شرعا فيه صالحنا‪،‬‬
‫فمهما كان نوع اجلاهلية اليت سبقت اإلسالم‪ ،‬أو نوع الفتنة‪ ،‬أو نوع‬
‫النظام السياسي‪ ،‬أو نوع الفساد اخللقي‪ ،‬أو نوع الظلم االجتماعي‪ ،‬أو‬
‫نوع التخلف االقتصادي‪ ،‬أو نوع القوانني اجلائرة‪ ،‬فالصالح بإعادة تلك‬
‫األوضاع إىل االستقامة على الشرع‪ ،‬واختبارها مبعياره‪ ،‬وهتذيب أط رافها‬
‫بآدابه‪ ،‬وإخضاع عتوها لسلطانه‪ ،‬وتربية كبريها وناشئها على اح رتامه‪،‬‬
‫وتنظيم حركتها مبيقاته وإبانه‪ ،‬ودمغ كل خمالف بربهانه‪.‬‬
‫الظلم لغة وضع الشيء يف غري موضعه‪ .‬فيكون العدل والقسط إرجاع‬
‫األوضاع الظلمية إىل مكاهنا ومسارها الشرعيني‪.‬‬
‫والطريق املوصل من املدار الذي تدور فيه األمور زمان الظلم إىل املدار‬
‫اإلسالمي يرمسه أيضا املنهاج النبوي والنموذج املصطفوي‪ .‬على حبيب اهلل‬
‫وحبيبنا أفضل الصالة وأزكى السالم‪.‬‬
‫القوة احملركة الضرورية إلزاحة األثقال واألوزار اجلورية‪ ،‬وتنشيط الدورة‬
‫التجديدية‪ ،‬يعلمها املنهاج النبوي‪ ،‬وهي القوة املشخصة يف مجاعة جند‬
‫اهلل‪ ،‬أهل اهلل‪ ،‬أهل القرآن‪ ،‬الشهداء هلل بالقسط‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪197‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫إن األمن االقتصادي والعسكري‪ ،‬واالستق رار السياسي واالجتماعي‪،‬‬
‫غائبان عزي زان يف حياة األمة حتت أنظمة اجلور‪ .‬ولن حتتفل برجوعهما األمة‬
‫إال بعد اإلسالم‪ ،‬عدل يبين ما خربه الظلم‪ ،‬وحييي ما أماته‪ ،‬وحيرك ما أمخده‪،‬‬
‫وينري ما أظلمه‪.‬‬
‫الظلم مؤذن بالخراب‬
‫قال اهلل العزيز اجلبار‪:‬‬
‫ت ظَالِ َم ةً‬
‫ص ْم نَ ا ِم ن قـَ ْريَ ٍة َك انَ ْ‬
‫{و َك ْم قَ َ‬
‫َ‬
‫ين} (األنبياء‪ .)11 ،‬كان ظلم أهلها سبب‬
‫َوأَن َ‬
‫ش أْنَا بـَ ْع َد َه ا قـَ ْوم اً آ َخ ِر َ‬
‫خ راهبا‪ .‬وأعظم الظلم الشرك باهلل‪ ،‬عنه تتفرع أوجه الظلم‪ .‬من ال يعرتف‬
‫باهلل ربا وال يدين بشريعته قانونا‪ ،‬كيف يعدل فيما بينه وبني الناس‪.‬‬
‫قال اهلل عز وجل حكاية لقول لقمان احلكيم البنه‪{ :‬إِ َّن ِّ‬
‫ْم‬
‫الش ْر َك لَ ظُل ٌ‬
‫َع ِ‬
‫يم}(لقمان‪ .)13 ،‬وفصل حكيمنا ابن خلدون آثار الظلم والتسلط‬
‫ظ‬
‫ٌ‬
‫على االقتصاد حيث قال‪« :‬الفصل الثالث واألربعون يف أن الظلم مؤذن‬
‫خب راب العم ران‪ .‬اعلم أن العدوان على الناس يف أمواهلم ذاهب بآماهلم يف‬
‫حتصيلها واكتساهبا‪ ،‬ملا يرونه حينئذ من أن غايتها ومصريها انتهاهبا من‬
‫أيديهم‪ .‬وإذا ذهبت آماهلم يف اكتساهبا وحتصيلها انقبضت أيديهم عن‬
‫السعي يف ذلك‪ .‬وعلى قدر االعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن‬
‫السعي يف االكتساب‪ .‬فإذا كان االعتداء كث ريا عاما يف مجيع أبواب املعاش‪،‬‬
‫كان القعود عن الكسب كذلك‪ ،‬لذهابه باآلمال مجلة‪ ،‬بدخوله من مجيع‬
‫أبواهبا‪ .‬وإن كان االعتداء يس ريا كان االنقباض عن الكسب على نسبته‪.‬‬
‫والعم ران ووفوره ونفاق أسواقه إمنا هو باألعمال‪ ،‬وسعي الناس يف املصاحل‬
‫واملكاسب‪ ،‬ذاهبني وجائني‪.‬‬
‫«فإذا قعد الناس عن املعاش‪ ،‬وانقبضت أيديهم عن املكاسب‪ ،‬كسدت‬
‫أسواق العم ران‪ ،‬وانتقضت األحوال‪ ،‬وابذعر الناس (تفرقوا) يف اآلفاق من‬
‫غري تلك اإليالة يف طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها‪ .‬فخف ساكن القطر‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪198‬‬
‫‬
‫‬
‫العدل‬
‫وخلت دياره‪ ،‬وخربت أمصاره‪ ،‬واختل باختالله حال الدولة والسلطان‪ ،‬ملا‬
‫أهنا صورة للعم ران‪ ،‬تفسد بفساده مادهتا ضرورة»‪.‬‬
‫مجلته األخرية رمحه اهلل تعين أن الدولة ما هي إال صورة جسمها االقتصاد‪.‬‬
‫وخ راب العم ران (أي االقتصاد) بغياب العدل‪ .‬وذكر رمحه اهلل هجرة الناس‬
‫من أرض الظلم‪ .‬فيا من جياهد إلرجاع دولة العدل إىل فلسطني! أين هجرة‬
‫املشردين اهلاربني من رجس يهود من اهلج رات! إنا هلل وإنا إليه راجعون‪.‬‬
‫الفصل الرابع عشر‬
‫الرخاء‬
‫ من أصبح آمنا يف سربه‬‫ القومة والشدة‬‫ نصيبك من الدنيا ينظم آخرتك‬‫ مصائب قوم‪...‬‬‫‪ -‬من شق على املسلمني‪...‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪201‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫من أصبح آمنا في سربه‬
‫روى احلافظ عبد الرؤوف املناوي يف كتاب «كنوز احلقائق» أن رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال‪« :‬من أصبح وهو ال يهم بظلم أحد غفر له‬
‫ما اجرتم»‪.‬‬
‫وأخرج الرتمذي عن عبد اهلل بن حمصن أن رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم قال‪« :‬من أصبح منكم آمنا يف سربه‪ ،‬معاىف يف بدنه‪ ،‬عنده قوت‬
‫يومه‪ ،‬فكأمنا حيزت له الدنيا حبذافريها» احلديث رواه أيضا البخاري يف‬
‫«األدب املفرد» وابن ماجة وابن حبان‪ .‬قال الرتمذي‪ :‬حديث حسن غريب‪.‬‬
‫حبذافريها‪ :‬بأسرها‪.‬‬
‫يف احلديثني الشريفني إصباح على نية أن ال يظلم أحد أحدا لينال‬
‫مغفرة اهلل‪ ،‬وإصباح على األمن والعافية والكفاية وهي مجاع أمور الدنيا‪.‬‬
‫العدل والرخاء مقرتنان حكمة‪ ،‬وق راهنما هنا اإلصباح‪ ،‬وهو مظهر‬
‫االستق رار‪ .‬فإنه ال صباح ملن ال أمن له من عذاب اهلل‪ ،‬وال صباح ملن سهر‬
‫خوفا أو جوعا أو مرضا‪ .‬العدل والرخاء توأما خري‪ ،‬كما أن الظلم واخل راب‬
‫عديال شر‪.‬‬
‫يف احلديث الشريف مطالب ثالثة بتحصيلها حيل الرخاء بدل الشدة‪:‬‬
‫‪ )1‬األمن يف السرب وهو االستق رار االجتماعي‪ .‬وتأمل استعارة لفظة‬
‫«سرب» املوحية بانسجام اجملتمع كما ينسجم سرب الطيور يف حتليقها‪.‬‬
‫هدوء ونظام وحركة لطيفة‪.‬‬
‫‪ )2‬العافية البدنية‪ .‬وهي العناية الصحية‪ ،‬بزيادة معىن السالمة من كل‬
‫املنغصات الشاغلة لإلنسان‪ .‬فالعناية الصحية قد تكون عن مرض‪ ،‬أما‬
‫العافية فهي سالمة أصلية‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪202‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫‪ )3‬قوت اليوم‪ .‬وتأمل كلمة «قوت» فهي دالة على الكفاف من‬
‫الضروري واحلاجي ال زائد عليهما من التوسع والتبذير والرتف‪.‬‬
‫إىل هذه املطالب الثالثة تنتهي أساسيات الرخاء وإليها تعود مكمالته‪.‬‬
‫واحلديث الشريف يفصل منة اهلل عز وجل على عبادة‪ ،‬ويرتجم عنها‪.‬‬
‫تلك املنة اليت كفر هبا الظلمة املشركون‪ ،‬ودعي املؤمنون لعبادة اهلل شك را‬
‫عليها‪ .‬قال اهلل عز وجل ذو الفضل العظيم والطول اجلسيم يف سورة قريش‪:‬‬
‫يل ِ‬
‫الص ْي ِ‬
‫ِِ‬
‫ف قـُ َريْ ٍ‬
‫يلفِ ِه ْم ِر ْح لَ ةَ ِّ‬
‫ب َه َذا‬
‫الش تَ اء َو َّ‬
‫ف فـَ ْل يـَ ْع بُ ُد وا َر َّ‬
‫ش إِ َ‬
‫{ل َ‬
‫وع وآم نـ ه م ِّم ن َخ و ٍ‬
‫ِ ِ‬
‫ف}(قريش‪.)4-1 ،‬‬
‫الْبـَ ْي ت الَّذي أَط َ‬
‫ْع َم ُه م ِّم ن ُج ٍ َ َ َ ُ ْ ْ‬
‫فجمع هلم سبحانه من اخلري أط رافه‪ ،‬إذ يسر هلم أسباب الكسب‪،‬‬
‫وبسط أيديهم له‪ ،‬وسرح طريق السعي إليه‪ ،‬وبسط من الرزق بواسطته ما‬
‫يطعم اجلائع ويسلح املدافع‪ ،‬ويعطى اهليبة واألمن لقوم معظمي اجلانب‪.‬‬
‫تبصر رمحنا اهلل وإياك كيف ذكرت م نَّتا اإلطعام من جوع واإلميان من‬
‫خوف بعد ذكر رحلة الشتاء والصيف‪ ،‬وما يف ثنايا الرحلة من كسب‪،‬‬
‫وجتارة‪ ،‬وتعب‪ ،‬واختاذ أسباب‪ ،‬لتعرف مواقع الكلم‪ ،‬ومضارب احلكمة‬
‫واألمثال‪ ،‬يف كالم رب العاملني‪ .‬ذلك أنه ال رخاء يرجى إلطعام‪ ،‬وال أمن‪ ،‬وال‬
‫عافية بدن‪ ،‬لقوم كساىل نائمني‪ .‬إمنا بالسعي واحلركة والعم ران وغشيان‬
‫األسواق يأيت الرخاء‪ .‬اقتصاد نشيط‪ ،‬زراعة تطعم‪ ،‬صناعة توفر السالح‪،‬‬
‫رجال تطب‪ ،‬وتعلم‪ ،‬وترىب‪.‬‬
‫القومة والشدة‬
‫تعرضنا يف فصول سبقت إىل ذكر ما يصحب كل تغيري ثوري من‬
‫أزمات بطبيعة املد واجلزر يف حركة االقتصاد‪ ،‬وبطبيعة «ذهاب آمال»‬
‫الطبقة املستفيدة من احلكم البائد حسب تعبري ابن خلدون‪ ،‬وبطبيعة‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪203‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫هتريبها لألموال‪ ،‬وإمساكها عن الكسب‪ ،‬وبطبيعة قلة جتربة احلكام‬
‫الثوريني‪ ،‬وبطبيعة افتقادهم للثقة يف األوساط الغنية داخال وخارجا‪ ،‬وهي‬
‫وحدها مصدر التمويل الطبيعي لكل جمهود اقتصادي‪ .‬واألسباب ال تقف‬
‫عند هذا‪ ،‬فمنها النفسي‪ ،‬والسياسي االجتماعي‪ ،‬واالقتصادي احلسايب‪.‬‬
‫وما يقر عني أعداء القومة مثل أن يروا اقتصادها خ رابا‪ ،‬وصندوقها قاعا‬
‫صفصفا‪.‬‬
‫مس تهم الثورة يف مصاحلهم إال يعتربون ذلك‬
‫وما من فرد أو طبقة َّ‬
‫ظلما‪ ،‬ويسعون يف إنقاذ متاعهم وأمواهلم على حساب الثورة‪ ،‬وميسكون‬
‫عن اإلنفاق واالكتساب‪ .‬ويؤول األمر إىل خ راب العم ران حسب حتليل ابن‬
‫خلدون ملسلسل اخل راب الناتج عن الظلم‪.‬‬
‫يف حساب املؤمنني‪ ،‬ويف مي زان احلق‪ ،‬ليس رد املظامل‪ ،‬وإقامة القسط‪،‬‬
‫وإنصاف املغصوبة حقوقهم‪ ،‬جورا‪ .‬لكن شعور القوم بأن كل ذلك‬
‫يهددهم‪ ،‬وما ينتج عن هذا الشعور من خيفة‪ ،‬وقعود عن الكسب مجلة‪،‬‬
‫وكساد يف االقتصاد من ج راء ذلك‪ ،‬يدخل على القومة اإلسالمية أسباب‬
‫الشدة من كل أبواهبا‪.‬‬
‫فإما يداهن رجال القومة يف احلق‪ ،‬ويُسوفون اختاذ الق رارات الالزمة‪،‬‬
‫وإما يبادرون إىل ما ليس منه بد‪ .‬واآلمال من القاعدة املنتظرة ِع راض يف‬
‫أن يفد عليهم الرخاء يف حلله ال زاهية‪ ،‬واليد قصرية‪ ،‬والضغوط من كل‬
‫جانب‪.‬‬
‫هنا حيتاج جند اهلل إىل خصلتني عظيمتني تلتقي هبما جهود األمة‬
‫لتقاوم جيوش خيبة اآلمال وفساد الثقة‪.‬‬
‫‪ )1‬أوالمها وأمههما وجود كتلة قيادية جمندة واعية مبا تعنيه القومة من‬
‫صعاب‪ .‬أال وهي اجلماعة اإلسالمية املتصدية أو رابطة اجلماعات املتحالفة‪،‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪204‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫ليؤم ن بعد‬
‫ومن حوهلا الشعب ملتفا واثقا باذال الثمن من تضحيات يومه ِّ‬
‫حمنة الشدة رخاء الغد‪ .‬واألسلم أن تصارح دولة اإلسالم يف مهدها‪ ،‬ولدى‬
‫أول خطواهتا ودائما األمة حبقائق ما جيري‪ ،‬وحقائق ما يتوقع‪ .‬وإن أساليب‬
‫اخلداع والوعود الكاذبة أخس خلقا وأفدح بالدة من أن تليق بالصادقني‪.‬‬
‫على أن التضحيات الالزمة جيب أن توزع توزيعا عادال‪ ،‬ينال منها حظه من‬
‫هلم شحم وحلم قبل احلفاة الع راة‪ .‬ورحم اهلل أمري املؤمنني عمر بن اخلطاب‬
‫الذي امتنع عن أكل السمن عام الرمادة‪ ،‬وهو عام جماعة‪ ،‬يواسي املسلمني‬
‫بنفسه‪ ،‬ويتساءل عندما سألوه مل ال يأكل السمن مع جدته إياه‪« :‬أ ُك ُّل‬
‫املسلمني جيد؟»‪.‬‬
‫يلزم األمة الواثقة بقيادهتا أن تنفق أيام التحول من م راتع الظلم إىل غد‬
‫العدل من كنوز الصرب‪ .‬ويعطي جند اهلل املثال‪ .‬فلو صدقوا اهلل لكان خ ريا‬
‫هلم‪.‬‬
‫‪ )2‬اخلصلة الثانية تلحق باألوىل يف كوهنا من نعوت الصرب‪ :‬أال وهي‬
‫التدرج إذا كانت األهداف واضحة أمام القيادة‪ ،‬فإن عدم وضوح الطريق‬
‫إليها‪ ،‬والوسائل‪ ،‬وضرورة االستفادة من عامل الزمن‪ ،‬قد يدفع القيادة‬
‫للتسرع‪ ،‬وقد ينطق ناطق ثرثار مبا يهول املوقف على رجال االقتصاد‬
‫املتسمعني من وراء الباب‪ ،‬وقد تصور هلم حساسيتهم البالغة كل إج راء‬
‫للدولة اعتداء عليهم فينقبضون‪.‬‬
‫ال مندوحة عن اختاذ اإلج راءات لتحويل جمرى األحداث من أول يوم‪.‬‬
‫لكن بني هذا وبني كسر اآللة االقتصادية فرق‪ .‬البد من البداية يف إنصاف‬
‫احملرومني من أول يوم‪ ،‬لكن وعد الناس بالرخاء العاجل تغرير‪ .‬ولن يأيت‬
‫الرخاء بدون مثن‪ ،‬كما أن القومة نفسها لن تربز من عامل اآلمال لعامل‬
‫األحداث بدون مثن‪ .‬يف ركب واحد‪ ،‬يف موكب الفضل‪ ،‬يتحلى الشهداء‬
‫بدمائهم والصابرون يف البأساء والض راء وحني البأس بصدقهم‪ .‬وإهنا ملعركة‬
‫شديدة حنو الرخاء البد لألمة مجيعا من خوضها‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪205‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫إهنا لعقبة وعرة‪ ،‬من مجلة أخطارها أن يستدرج التساهل وحب السالمة‬
‫احلكام املسلمني إىل إصالحية فاترة‪ ،‬فإذا بقومتهم انتفاضة عاجزة‪ ،‬وإذا‬
‫بتدرجهم إيثار إلبقاء ما كان على ما كان‪.‬‬
‫هل ميكن التحول من الظلم وخمازيه إىل العدل ورخائه بدون حرب‬
‫طبقية‪ ،‬وبدون كسر آلة االقتصاد املوروثة‪ ،‬وبدون قطع األعضاء املريضة من‬
‫األمة‪ ،‬وبدون ال رتاجع عن هدف التغيري اجلذري اكتفاء بالطالء اإلصالحي؟‬
‫حكمة نرجو اهلل جلت عظمته أن يؤتيها أحبابه‪ ،‬وتؤدة ال يعرفها الثوار‬
‫اجلاهليون نرجو من فضله أن يلهمها الصادقني‪ ،‬وسنة نبوية ما يلقاها إال‬
‫الذين صربوا‪ ،‬وما يلقاها إال ذو حظ عظيم‪.‬‬
‫نصيبك من الدنيا ينظم آخرتك‬
‫أت رانا نتعلق بأذيال الغيب لنفر من حقائق الشهادة الصلبة؟ أم حتسب‬
‫أن قدر اهلل وشرع اهلل يتناقضان؟ أم تنسى أن جمال فكر املؤمنني وحتسباهتم‬
‫واهتماماهتم ميتد بني الدنيا واآلخرة‪ ،‬بني العقل والقلب‪ ،‬بني إعداد القوة‬
‫والتفويض اإلمياين‪ ،‬بني التخطيط اليقظ الواعي وطلب التوفيق من رب‬
‫العزة؟‬
‫حتدثنا قبل عن النطاق اإلمياين لالقتصاد يف فصل خاص‪ ،‬ويف هذه‬
‫الفقرة نضع إن شاء اهلل الرخاء املطلوب‪ ،‬وهو نصيبنا من الدنيا‪ ،‬وهو األمن‬
‫يف السرب‪ ،‬والعافية يف البدن‪ ،‬وقوت اليوم‪ ،‬يف موضعه الشرعي‪.‬‬
‫فإن وضعنا اآلمال يف غري موضعها الشرعي‪ ،‬وأطلقنا العنان للشهوات‬
‫أو للطموح يف التوسع ال زائد عن الكفاية‪ ،‬أو وجهنا االقتصاد وجهة التنمية‬
‫بال حدود واالستهالك بال ضابط‪ ،‬فهو الظلم والبغي‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪206‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫قال اهلل تبارك وتعاىل حيكي لنا خطاب قوم موسى لباغ معتد منهم‪:‬‬
‫{إِ َّن قَ ارون َك ان ِم ن قـ وِ‬
‫وس ى فـَبـَغَ ى َع لَ ْي ِه ْم َوآتـَيـْنَ اهُ ِم َن الْ ُك نُ و ِز َم ا‬
‫م‬
‫م‬
‫ُ َ َ‬
‫َْ ُ َ‬
‫ص بَ ِة أُولِ ي الْ ُق َّو ِة إِ ْذ قَ َ‬
‫ال لَ هُ قـَ ْو ُم هُ َل تـَ ْف َر ْح إِ َّن ال لَّ هَ‬
‫إِ َّن َم َف اتِ َح هُ لَ تـَنُ وءُ بِ الْعُ ْ‬
‫ب الْ َف ِر ِح ين وابـ تَ ِغ فِ‬
‫َل ي ِ‬
‫الدار ْال ِخ رَة وَل تَ نس نَ ِ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫ك‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫اك‬
‫ت‬
‫آ‬
‫ا‬
‫يم‬
‫ح‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫ص يبَ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫اد ف ي ْالَ ْر ِ‬
‫ُّ‬
‫ْ‬
‫ض‬
‫ف‬
‫ل‬
‫ا‬
‫غ‬
‫ب‬
‫تـ‬
‫ل‬
‫و‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫س‬
‫َح‬
‫أ‬
‫ا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫س‬
‫َح‬
‫أ‬
‫و‬
‫ا‬
‫ي‬
‫نـ‬
‫الد‬
‫ن‬
‫م‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} (القصص‪)77-76 ،‬‬
‫إِ َّن ال لَّ هَ َل يُح ُّ‬
‫ب ال ُ‬
‫ْم ْف س د َ‬
‫وأي إفساد يف األرض أشد بغيا من أن تتكدس األموال والثروات يف‬
‫أيدي قلة من الناس‪ ،‬ويبقى اجلمهور عائال جائعا فق ريا!‬
‫{وَل‬
‫يستشهد بعض عامة الفكر‪ ،‬عامة العلم‪ ،‬عامة اإلميان‪ ،‬بآية َ‬
‫تَ نس نَ ِ‬
‫ك ِم َن ُّ‬
‫الدنـْيَ ا} (القصص‪ )77 ،‬يف معرض التشجيع على املتعة‬
‫ص يبَ َ‬
‫َ‬
‫والشهوة‪ ،‬خيرجون اجلملة من سياقها‪ ،‬وقد وردت يف خطاب قوم مظلومني‬
‫إىل ظاملهم يناشدونه احلق أن ال يتعدى حقه ونصيبه فيستحوذ على حقهم‬
‫ونصيبهم‪.‬‬
‫قال العامل أبو طالب املكي يبني حدود النصيب الطيب للعبد من‬
‫الدنيا ومأخذه ومصرفه ووظيفته‪« :‬روي عن النيب صلى اهلل عليه وسلم عن‬
‫قوله تعاىل‪{ :‬الَّ ِ‬
‫آم نُ واْ ولَ م يـَ ْل بِ‬
‫ِ‬
‫يم انـَ ُه م بِ ظُل ٍ‬
‫ك لَ ُه ُم‬
‫إ‬
‫ا‬
‫و‬
‫س‬
‫ين‬
‫ذ‬
‫ْ‬
‫ْم أ ُْولَ ـئِ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫األَْم ُن َو ُه م ُّم ْه تَ ُد و َن} (األنعام‪( )82 ,‬وقد سئل) من هؤالء؟ فقال‪« :‬من‬
‫برت ميينه‪ ،‬وصدق لسانه‪ ،‬واستقام قلبه‪ ،‬وعف فرجه وبطنه»‪.‬‬
‫قال‪« :‬مث ليـَْن ِو املتصرف يف معاشه كف نفسه عن املسألة‪ ،‬واالستغناء‬
‫عن الناس‪ ،‬وقطع الطمع فيهم‪ ،‬والتشوف إليهم‪ ،‬فذلك عبادة إذا نوى‬
‫نزعه‪ .‬مث ليحتسب السعي على نفسه وأطعمة عياله فهو له صدقة (‪)...‬‬
‫ويكون أبدا م َق دِّما للدين والتقوى يف كل شيء‪ .‬فإن انتظمت دنياه‬
‫بعد ذلك محد اهلل‪ ،‬وكان ذلك رحبا ورجحانا‪ .‬وإن تكدرت لذلك دنياه‪،‬‬
‫وتعذرت ألجل الدين والتقوى أحواله يف أمور الدنيا‪ ،‬كان قد أحرز دينه‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪207‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫ورحبه‪ ،‬وحفظ رأس ماله من تقواه‪ ،‬وسلم له‪ .‬فهو املعول عليه واحلاصل له‪.‬‬
‫إال أن من ربح من الدنيا مثل املال وخسر عشر الدين‪ ،‬فما رحبت جتارته‪،‬‬
‫وال هدي سبيله‪ ،‬وهو عند اهلل من اخلاسرين‪.‬‬
‫«وقال بعض السلف‪ :‬أوىل األشياء بالعاقل أحوجه إليه يف العاجل‪،‬‬
‫وأحوج شيء إليه يف العاجل أمحده عاقبة يف اآلجل‪ .‬وكذلك قال معاذ ابن‬
‫جبل رضي اهلل عنه يف وصيته‪« :‬إنه البد لك من نصيبك من الدنيا وأنت‬
‫إىل نصيبك من اآلخرة أحوج‪ .‬فابدأ بنصيبك من اآلخرة فخذه‪ ،‬فإنه سيمر‬
‫على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما‪ ،‬ويزول معك حيثما زلت‪.‬‬
‫وقد قال اهلل تعاىل‪« :‬وال تنس نصيبك من الدنيا»‪ :‬ال ترتك نصيبك يف الدنيا‬
‫من الدنيا لآلخرة‪ ،‬ألنك من هاهنا تكتسب احلسنات فتكون هنالك من‬
‫احملسنني»‪.‬‬
‫اآلخرة تنظم الدنيا‪ .‬ومن يكدر آخرته لعاجل دنياه فنصيبه اخلس ران‪،‬‬
‫وإن كان يظن أن ما خيوض فيه من متاع الدنيا قسمة له مقسومة‪.‬‬
‫واالستقامة يف الدنيا تنظم اآلخرة‪ .‬فإن من ال يأوي إىل ركن أمني‪ ،‬وال‬
‫جيد من بدنه عافية متكنه من الكسب‪ ،‬وال يرتك له هم القوت اليومي‬
‫فسحة لتدبري عاقبته بعد املوت لفي كبد‪ ،‬يذهله تدبري دنياه املضطربة‬
‫عن تدبري آخرته‪.‬‬
‫ويف قوله تعاىل‪{ :‬الَّ ِ‬
‫آم نُ واْ ولَ م يـَ ْل بِ‬
‫ِ‬
‫يم انـَ ُه م بِ ظُل ٍ‬
‫ك‬
‫إ‬
‫ا‬
‫و‬
‫س‬
‫ين‬
‫ذ‬
‫ْ‬
‫ْم أ ُْولَ ـئِ َ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫لَ ُه ُم األَْم ُن َو ُه م ُّم ْه تَ ُد و َن} (األنعام‪ )82 ,‬ربط بني األمن والعدل‪ .‬ال أمن‬
‫مع الظلم‪ ،‬وال أمن للظاملني حىت ولو كان ظلما متلبسا بإميان‪ .‬فما بالك‬
‫بالظلم الص راح‪ .‬واالهتداء يف السالمة من التظامل‪ ،‬سالمة حتقق األمن يف‬
‫الدنيا من بطش العباد واألمن يف اآلخرة من سوء املنقلب واملعاد‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪208‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫إن من مهمات دولة اإلسالم أن تعني املسلمني بتنظيم دنياهم على‬
‫تنظيم أخ راهم‪ .‬وعلى الدعوة أن تعاجل األمر من جانب اآلخرة‪ ،‬فتصرف‬
‫اهلمم والذمم إىل التقوى وبناء املعاد لكيال خيرب التسابق إىل املتاع أنصباء‬
‫الناس من الدنيا‪ .‬فإن اعتداء هذا على نصيب هذا‪ ،‬واعتداء طبقة على‬
‫نصيب طبقة‪ ،‬واعتداء قوم على نصيب قوم حيل الفوضى االجتماعية حمل‬
‫األمن‪ ،‬ويسبب البغي‪ ،‬ويفسد العالقات السياسية‪ ،‬ويؤذن خب راب العم ران‪.‬‬
‫وبذلك خيرب آخرة اجلميع‪ .‬والعياذ باهلل‪.‬‬
‫مصائب قوم‪...‬‬
‫رخاء قوم مع الظلم شدة على قوم‪ .‬والرخاء اإلسالمي املطلوب هو‬
‫الرخاء الذي ال حيرم زيدا من الضروريات ليتخم عمرو ويسمن‪ ،‬وال خييف‬
‫أمة حتت هتديد اجلالدين لينعم املأل املرتفون‪ ،‬وال يهمل اجلمهور ليرتفه‬
‫سكان القصور‪.‬‬
‫وإن ما يف اجملتمعات اإلنسانية‪ ،‬يف داخلها‪ ،‬من تفاوت خمل يف األنصباء‬
‫من الدنيا‪ ،‬وما بني األقوام واألمم والدول من تفاوت فظيع يف القسمة لظلم‬
‫شنيع يأباه اإلسالم‪ .‬ذلك رخاء قاروين‪ ،‬وإفساد يف األرض‪.‬‬
‫أي أمن يف العامل ذلك األمن الذي تزعم السعي إليه دول االستكبار‬
‫حني تصنع الصواريخ النووية مبقادير تكفي لتخريب الكرة األرضية عشر‬
‫م رات؟ يف هذه السنة اليت نكتب فيها‪ ،1403 ،‬ينفقون يف العامل على السالح‬
‫ستمائة مليار دوالر‪ .‬ستمائة ألف مليون دوالر سنويا لصنع السالح وختزينه‪.‬‬
‫وشعوب املستضعفني تقدم قربانا لشيطان العنف‪ .‬تسلح كل جهة من‬
‫جهات اجلاهلية زبائنها وصنائعه لتأمن دول االستكبار االنفجار النووي‬
‫بواسطة تنفيس العنف يف بالد املستضعفني‪ .‬والثمن يدفعه املستضعفون‬
‫دما مه راقا وخوفا وبؤسا‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪209‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫يف هذه السنة بلغت ديون الدول املستضعفة يف العامل ستمائة مليار‬
‫دوالر‪ .‬حنسب بالدوالر قارون العصر وباغيه‪ .‬ستمائة ألف مليون من الديون‬
‫امل رتاكمة‪ .‬أقل مما ينفق على السالح سنويا‪.‬‬
‫فيا بعد ما بني التعليم النبوي يف شأن األمن والعافية وقسمة األرزاق‬
‫وبني الواقع املقيت!‬
‫كم بيننا وبني جمتمع السرب اآلمن املنسجم! كم بني اإلنسانية املهددة‬
‫بطفرة جاهلية يف م زاج الرئيس الفرعون يضغط على زر الصاعقة النووية‬
‫وبني العافية والسالم! كم بني حضارة م رابية ظاملة تضع أغالل التمويل‬
‫املشروط يف أعناق العاملني‪ ،‬وبني الرخاء لبين اإلنسان لينظم نصيبهم من‬
‫الدنيا نصيبهم يف اآلخرة!‬
‫يف أمريكا ينتقل الناس يف السيارات اخلاصة بنسبة ‪ ،% 80‬وبالطيارة‬
‫بنسبة ‪ ،% 15‬والباقي ‪ -% 5 -‬لوسائل النقل العامة من قطارات وحافالت‪.‬‬
‫وما تستهلك السيارات اخلاصة من معادن‪ ،‬ومواد أولية‪ ،‬وجهود بشرية‬
‫لصنعها‪ ،‬ومن نفط لتسيريها‪ ،‬وأموال لإلنفاق عليها! ويف مقابل ذلك‬
‫فالحون يف مصر وبنغالديش وأفريقيا خيوضون ع راة حفاة يف املياه امللوثة‬
‫بديدان البلهارسيا وينشرون املرض اخلطري يف جمتمعاهتم‪.‬‬
‫رفاهية املستكربين مثنها بؤس العاملني‪ .‬ويصدرون إلينا عقاقري من‬
‫أمريكا وأوربا وروسيا مكتوب عليها‪« :‬خاص للتصدير»‪ .‬أثبتت الفحوص‬
‫أن معايري صنعها أردأ نوعا‪ ،‬وأكثر مسا‪ ،‬من األدوية اليت يصنعوهنا ألنفسهم‬
‫وأهليهم‪ ،‬بل يصدرون إلينا أيضا أدوية جتاوزت ميقات استعماهلا فأصبحت‬
‫خط را حمققا على مستعملها‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪210‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫يف أمريكا تستهلك اجلريدة الواحدة من الورق يوميا ما يساوي خشب‬
‫مخس هكتارات من الغابة‪ .‬اضرب الرقم إن شئت‪ ،‬أو ثلثه‪ ،‬أو عشره‪ ،‬يف‬
‫مآت اجل رائد اليومية‪ ،‬واجملالت‪ ،‬وورق التغليف‪ ،‬واإلعالن واإلدارة‪ ،‬واحسب‬
‫مساحة األشجار اليت تقطع وتطحن وتعجن ورقا‪.‬‬
‫ويف أفريقيا‪ ،‬وغري أفريقيا بعد أن أحرق القحط الغابات يفتقد الناس‬
‫عودا يستعملونه لوقودهم‪ ،‬لطبخ حبات األرز أو امليلت‪ ،‬وهو طعام البؤساء‪.‬‬
‫كم قبيلة‪ ،‬كم دولة‪ ،‬كم خلق كان حيصل على خشب لقدره لو تفضلت‬
‫حضارة التبذير والبغي القاروين فاكتفت بعشر صفحات يف ج رائدها بدل‬
‫مائة صفحة؟ كم خلق يأمن يف سربه‪ ،‬ويعاىف يف بدنه‪ ،‬ويطمئن على قوت‬
‫يومه لو مل يكن رخاء قوم هو عني الشدة الباطشة على اخللق أمجعني؟‬
‫ال يسع الدولة اإلسالمية‪ ،‬إن أرادت الرخاء للمسلمني داخل جمتمعاتنا‪،‬‬
‫إال أن حتارب الظلم أينما كان‪ .‬فإن الظلم ملة واحدة‪ ،‬وشبكة مشتبكة‪،‬‬
‫وشجرة خبيثة أصلها يف بالد االستكبار وفروعها الزقومية منتشرة يف كل‬
‫مكان‪.‬‬
‫سياسة اإلسالم نصرة املستضعفني ليأمنوا من خوف‪ .‬حنن من دعاة‬
‫السالم ال من مساعري احلرب‪ .‬وحنن من دعاة نزع السالح إن كان نزع‬
‫السالح ال يعين أن جنرد من قوتنا لنستسلم للقوى الغامشة‪.‬‬
‫حنن من أنصار وضع الديون الربوية عن الدول الفقرية املفقرة‪ .‬أال ثورة‬
‫على امل رابني حمتكري أقوات اخلالئق!‬
‫من شق على المسلمين‪...‬‬
‫روى اإلمام مسلم عن عائشة رضي اهلل عنها‪ ،‬أن رسول اهلل صلى اهلل‬
‫عليه وسلم قال‪« :‬اللهم من ويل من أمر أميت شيئا فشق عليهم فاشقق‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪211‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫عليه»‪ ،‬وأخرج البخاري عن جندب أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫قال‪« :‬من مسَّع مسَّع اهلل به يوم القيامة‪ .‬قال ومن شاق شقق اهلل عليه يوم‬
‫القيامة»‪ .‬قال احلافظ ابن حجر‪« :‬وامل راد باحلديث النهي عن القول القبيح‬
‫يف املؤمنني‪ ،‬وكشف مساويهم وعيوهبم‪ ،‬وترك خمالفة سبيل املؤمنني‪ ،‬ولزوم‬
‫مجاعتهم‪ ،‬والنهي عن إدخال املشقة عليهم واإلض رار هبم»‪.‬‬
‫باجلمع بني احلديثني تتبني لنا الصلة بني الرخاء وبني استق رار احلكم‪.‬‬
‫فإن الشقاق وهو اخلالف‪ ،‬وشق عصا الطاعة وهو التمرد‪ ،‬وشق وايل األمر‬
‫على األمة وهو إض راره هبم وشدته عليهم‪ ،‬بينها عالقة املسبب بالسبب‪.‬‬
‫وما وايل أمر األمة إال مبثابة ال راعي املسؤول عن رعيته أن ال يشق عليها‪،‬‬
‫بل أن حيسن إليها بأن ال يقبح وال خيوف وال جييع وال يؤذي يف عرض وال‬
‫يف بدن‪.‬‬
‫روي يف كتاب األموال عن سلمان الفارسي رضي اهلل عنه أنه قال‪« :‬إن‬
‫اخلليفة هو الذي يقضي بكتاب اهلل ويشفق على الرعية شفقة الرجل على‬
‫أهله»‪.‬‬
‫وجاء يف رواية اخلطيب البغدادي حلديث رواه أيضا اإلمام أمحد والط رباين‬
‫عن عبد الرمحان بن معقل بن يسار قال‪ :‬مسعت رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم يقول‪« :‬أميا وال ويل شيئا من أمر أميت فلم ينصح هلم‪ ،‬وجيتهد هلم‬
‫كنصيحته وجهده لنفسه كبه اهلل على وجهه يوم القيامة يف النار»‪.‬‬
‫كان الرفق بالضعيف والسهر على راحته واحلدب على مصاحله ديدن‬
‫اخللفاء ال راشدين‪ ،‬أسوة بالرؤوف الرحيم‪ ،‬الذي أرسله اهلل رمحة للعاملني‪.‬‬
‫روى البخاري عن عمرو بن ميمون قال‪« :‬رأيت عمر بن اخلطاب قبل أن‬
‫يصاب بأيام باملدينة‪ .‬وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪212‬‬
‫‬
‫‬
‫الرخاء‬
‫فقال‪ :‬كيف فعلتما؟ أختافان أن تكونا قد محلتما األرض ما ال تطيق‬
‫(أرهقتما الناس خب راج ثقيل)؟ قاال‪ :‬محلناها أم را هي له مطيقة‪ .‬وما فيها‬
‫كبري فضل‪ .‬فقال‪ :‬انظ را أن تكونا محلتما األرض ما ال تطيق! فقاال‪ :‬ال!‬
‫فقال عمر‪ :‬لئن سلمين اهلل تعاىل ألدعن أرامل أهل الع راق ال حيتجن إىل أحد‬
‫بعدي» احلديث‪.‬‬
‫ ‬
‫خـ ــاتـ ـم ـ ــة‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪215‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫بداية ونهاية‬
‫ما أشبه التطورات اليت يشهدها العامل متسارعة حبركة جيولوجية‪ ،‬تلك‬
‫اليت رفعت وخفضت وأرست جباال وغريت معامل وأعطت األرض سطحها‬
‫وأعماقها‪ ،‬مسات دائمة! ما أشبه لوال أن الزف رات الربكانية اجليولوجية تقلب‬
‫مادة معدنية جامدة بينما تعصر الفورات التارخيية العنصر البشري‪ ،‬تفرم‬
‫حلمه فرما‪ ،‬وتقهره‪ ،‬وحترمه‪ ،‬وجتوعه‪ ،‬وتعريه‪ ،‬وتغطسه يف محامات دماء‬
‫ومحآت رذيلة‪ ،‬وتذله ومتتهنه‪ ،‬وتنبذ حياته يف هوامش البؤس‪.‬‬
‫األدهى واألمر أن الطوارق احلدثانية العظمى‪ ،‬وما جتره يف ركاهبا من‬
‫مفازع‪ ،‬وما تضرب به من مقارع‪ ،‬تفسد آخرة اإلنسان بإفسادها دنياه‪.‬‬
‫املرتفون املستكربون يف األرض منعمون يف دوابيتهم يتقاذفهم اجلشع على‬
‫الدنيا‪ ،‬ويستخفهم الفرح هبا‪ ،‬ويلهيهم األمل يف مزيد من متاعها‪ .‬فذلك‬
‫فسادهم وإفسادهم‪ .‬واملستضعفون يف األرض يف شغل مبر احلياة‪ ،‬ومالحقة‬
‫مادة احلياة‪ ،‬والكدح البئيس سعيا وراء رزق اليوم‪ ،‬ومأوى الليل‪ ،‬وأمن‬
‫الوقت‪.‬‬
‫أستغفر اهلل‪ ،‬فما تقلبات األرض يف أعصارها‪ ،‬وال اضط راب اإلنسان‬
‫يف أرجائها خبط أعمى وسري بال اجتاه وال معىن‪ .‬يتحدث الغافلون عن اهلل‬
‫بلغة االقتصاد والسياسة والكم والكيف عند حتليلهم جملريات الزمان‪.‬‬
‫واملؤمنون ي راقبون من وراء احلدث واملظهر قدرة اهلل وحكمته ودفاعه الناس‬
‫بعضهم ببعض‪ ،‬وسنته يف الكون املعدين اجلامد يف أحشاء األرض السابح‬
‫يف مسافات الفضاء‪ ،‬كسنته يف تاريخ اإلنسان على وجهها‪ ،‬اليقظ منهم‬
‫والسادر‪ ،‬املؤمن منهم والكافر‪.‬‬
‫كل جيري ألجل مسمى‪ ،‬وبقدر معلوم‪ .‬واآلخرة هي الق رار‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪216‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫ي واحنطاط‪ ،‬مظهره‬
‫يـَ ْه ِوي عهد من تاريخ املسلمني‪ ،‬هو يف ُه ِو ٍّ‬
‫تفتت املسلمني‪ ،‬وجتزئة أرضهم‪ ،‬ومتزق كياهنم املعنوي‪ ،‬وذهاب مقوماهتم‬
‫االقتصادية‪ ،‬والغارة الشعواء على مبىن وجودهم ومعناه‪ ،‬بوسائل الغزو‬
‫املدمر الطائر يف اجلو القاذف القاتل‪ ،‬وبوسائل التدمري األخالقي املعنوي‬
‫مبا تبثه األقمار الصناعية من دعوة سافرة عاهرة للفحشاء واملنكر‪ ،‬والبغي‬
‫والكفر والدوابية‪.‬‬
‫يهوي رويدا رويدا سدنة العهد املنهزم‪ ،‬جيل من املسلمني وطين قومي‬
‫قاوم االستعمار االحتاليل وحصر مهه يف االستقالل‪ .‬وكان ماجدا فاضال‪.‬‬
‫ومات رمحه اهلل‪ ،‬مث خلف من بعده خلف أضاع الصالة‪ ،‬واتبع الشهوات‪،‬‬
‫وتزىي بزي املستعمر املنحشر‪ ،‬ونشأ على اإلعجاب احلداثي التقدمي‬
‫بأفكاره‪ ،‬ورسخ رسوخا يف الوالء لقيمه‪ ،‬وذاب ذوبانا يف خضم حضارته‪،‬‬
‫وتشرب بشغف وهلف رحيق ثقافته‪ ،‬منهم من حساها حسوا‪ ،‬ومنهم من‬
‫جترعها هتتكا وعفوا‪.‬‬
‫بل غرس املستعمر وتعهد يف مشاتل أنظمة التعليم‪ .‬فشجرة الزقوم‬
‫أينعت إحلادا‪ ،‬وأمثرت فسادا‪.‬‬
‫فئة هتوي إىل احلضيض‪ ،‬وتأخذ فلوهلا املنهزمة جم راها إىل «م زابل التاريخ»‬
‫كما عرب اآلخر‪ .‬وتلك طبقة جيولوجية بائدة‪.‬‬
‫وتربز طبقة من املسلمني‪ ،‬من شباب املسلمني خاصة‪ ،‬من الذرية‬
‫الساملة اليت مل تشارك يف األجماد الوطنية‪ ،‬وال يكاد يكون هلا باملقاومة‬
‫املشكورة خرب‪.‬‬
‫وأجناها اهلل من البوار والصغار الذي مترغ فيه اخللف امللحد ويتمرغ‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪217‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫أبرز اهلل‪ ،‬خلق اهلل‪ ،‬هدى اهلل‪ ،‬أستغفر اهلل‪.‬‬
‫يهوي قوم ويربز قوم يف أعماق اجملتمع املسلم‪ .‬نرى حنن صنع اهلل العلي‬
‫القدير‪ ،‬وحيلل غرينا األوضاع حتليال ماديا فيزعم أن احلتمية االقتصادية‪،‬‬
‫والبؤس يف أحياء الصفيح‪ ،‬والبطالة واكتظاظ السكان واليأس‪« ،‬واجلوع‬
‫الثقايف» تدفع اهلامشيني إىل أحضان اإلسالم حيث جيدون دفئا وعونا‬
‫وحمضنا أمينا هاربني من عامل مرعب ووسط متفكك‪ ،‬وأسرة منحلة‪.‬‬
‫إن كان انس راب الغرس االستعماري يف جماري اهلوي السياسي ملحوظا‪،‬‬
‫فإن املسخ الفكري ال ي زال يستقوي باملد الثقايف الدوايب الوافد املتقاطر‬
‫على األطباق املقعرة‪ .‬فالتحليل والفهم والد راية ما ت راقبه األجهزة األمهات‬
‫هناك‪ ،‬وما تقرره األخماخ األستاذة‪ ،‬وما تردده الببغاوات األنيسة يف بيت‬
‫احلضارة الغالبة‪ ،‬خترج إلينا فتستنسر‪ ،‬وتقاتل باملخلب والناب عن حوزهتا‬
‫املغتصبة املغتنمة من رصيد احلركة الوطنية رمحها اهلل‪.‬‬
‫ال يهدي اهلل‪ ،‬وال يفعل اهلل‪ ،‬وال يوجد اهلل‪ ،‬تعاىل اهلل‪ .‬األمر مقارعة‬
‫ومناقضة وص راع‪ .‬األمر أن تكون حديثا معاص را تنصر ثقافة احلرية‪،‬‬
‫والدميق راطية‪ ،‬والتقدم‪ ،‬والعلم‪ .‬أو تكون غيبيا متخلفا ظالميا‪.‬‬
‫يف مؤخرة الفلول اخللفية املهزومة بقايا مثقفة بالثقافة العاملية الدوابية‬
‫ملا تفهم‪ ،‬أو ملا تقبل‪ ،‬أو ملا يبلغها خرب أهنا بداية وهناية‪.‬‬
‫البداية إسالم متجدد‪ ،‬وإميان‪ ،‬وتوبة‪ ،‬ومسجد‪ ،‬وقرآن‪ ،‬وعزة باهلل‪،‬‬
‫وفخر ينتعل الثريا باالنتماء إىل رسول اهلل‪ ،‬وفرحة ال تضاهيها فرحة‬
‫باكتشاف حق أن اهلل خلق‪ ،‬ويرزق‪ ،‬ويهدي‪ ،‬وحييي‪ ،‬ومييت‪ ،‬ويبعث‪،‬‬
‫وجيزي احملسن بإحسانه‪ ،‬والكافر بكف رانه‪ .‬فرحة عظمى يوم استقرت يف‬
‫أعماقي‪ ،‬واشتدت حىت صارت يقينا‪ ،‬حقيقة أنين لست قردا كما تزعم‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪218‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫الدروينية‪ ،‬وال موارد بشرية كما تزعم املادية‪ ،‬وال زبونا ممكنا كما تنظر‬
‫ال رأمسالية السلعية‪.‬‬
‫هذا الذي انتهى‪ ،‬وهو بصدد االنق راض ولو طال أمد الضمور واحلضور‪،‬‬
‫هو اخللف املنهزم حضاريا‪ ،‬املهزوم سياسيا‪ ،‬املتقمم من موائد الغري فتات‬
‫ثقافة‪ ،‬ومثالة ش راب‪ ،‬وحثالة فكر‪.‬‬
‫وهذا الذي ابتدأ‪ ،‬ويبتدئ‪ ،‬ويربز برعما هتدده األعاصري‪ ،‬وتعقد امل ؤمت رات‬
‫م ؤمت رات اخللف اخلاسر والعدو الكافر‪ -‬لتبتسره وحتتقره وتقهقره‪ .‬وهيهات‬‫ينال اخللق مما يغرسه اخلالق! هيهات تذبل نبتة الشجرة املباركة الكلمة الطيبة!‬
‫يكأل اهلل عز وجل بداياهتا وهو القادر‪ ،‬ويلطف وهو اللطيف‪.‬‬
‫وما هوى باهلاوين إال ما اقرتفوا من آثام‪ ،‬وما عبدوا ويعبدون من‬
‫أنصاب وأزالم‪{ .‬إِ َّن ال لّ هَ س ي ب ِط لُ هُ إِ َّن ال لّ هَ الَ ي ص لِ ح َع م ل ال ِ ِ‬
‫ين}‬
‫َ ُْ‬
‫ُ ْ ُ َ َ ُ‬
‫ْم ْف س د َ‬
‫(يونس‪)81 ،‬‬
‫يده القوية سبحانه‪ ،‬وقدره احلكيم‪ ،‬أقامت أمام الصحوة اإلسالمية بل‬
‫أمام اإلدارة البادئة املتجددة‪ ،‬عقبات مما نرى ونسمع ونعيش من صخب‬
‫يف الدنيا‪ ،‬وزعقات‪ ،‬ورجات‪ ،‬وزالزل‪ ،‬وحروب على املسلمني‪.‬‬
‫اليهود الصهاينة بلغوا أوج علوهم يف األرض وفسادهم فيها‪ ،‬وهو علو‬
‫موعود يف القرآن يف سورة اإلس راء‪ .‬يعقبه مىت شاء اهلل الوعيد املنصب على‬
‫ك لَ يَ بـْ َع ثَ َّن َع لَ ْي ِه ْم إِلَ ى‬
‫{وإِ ْذ تَأَذَّ َن َربُّ َ‬
‫فسقة بين إس رائيل يف قوله تعاىل‪َ :‬‬
‫يـ وِم ال ِْق ي ام ِ‬
‫ْع َذ ِ‬
‫اب} (األع راف‪.)167 ،‬‬
‫ل‬
‫ا‬
‫وء‬
‫س‬
‫م‬
‫ه‬
‫وم‬
‫س‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫ة‬
‫َ َ َ َ ُ ُُ ْ ُ َ َ‬
‫َْ‬
‫يف انتظار نقمة اهلل‪ ،‬نؤمن هبا وجنهل ميقاهتا وأسباهبا وظروفها‪ ،‬هاهم‬
‫اخللف احلاكمون على رقاب املسلمني يعقدون صلح حمبة ومودة وتطبيع‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪219‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫مع الكفرة من بين إس رائيل‪.‬‬
‫تطبيع رسم بنار اهلوان واخلزي معامل العلو اليهودي الصهيوين ومهاوي‬
‫اخللف املنهزم املهزوم‪.‬‬
‫يف يوم من أيام اهلل يرتفع اإلسالميون مع رياح التاريخ إىل سدة احلكم‪.‬‬
‫أستغفر اهلل العظيم من لوثة اخلطاب املادي الفج الكافر‪ ،‬بل يرفعهم اهلل‪،‬‬
‫وحيبوهم اهلل‪ ،‬ويورثهم اهلل‪ ،‬ويستخلفهم اهلل‪ ،‬ما من رافعة خافضة إال بإذنه‪.‬‬
‫ماذا هم فاعلون النشء الصاحل غداة ميسكون بأزمة احلكم‪ ،‬وهم واجدون‬
‫املعاهدات االستسالمية‪ ،‬وسرطان التطبيع ينهك‪ ،‬وتنني االقتصاد اليهودي‬
‫املدلل املرتف‪ ،‬املدعوم بالدوالر‪ ،‬املتقن صناعة‪ ،‬املتفوق تكنولوجيا‪ ،‬الناجح‬
‫سوقا وبضاعة وزبانة مبا أتقنت األدمغة اليهودية املتعلمة‪ ،‬ومبا صنعت‪ ،‬ومبا‬
‫سوقت؟‬
‫أستغفر اهلل‪ ،‬بل مبا أمد اهلل سبحانه اإلس رائليني الفسقة من مال وبنني‬
‫ِ ٍ ِ‬
‫ين َو َج َع لْنَ ا ُك ْم أَ ْك ثـَ َر نَ ِف ي راً}‬
‫يف قوله عز من قائل‪{ :‬أ َْم َد ْدنَا ُك م ب أ َْم َوال َوبَن َ‬
‫(اإلس راء‪ .)6 ،‬أمدهم العزيز اجلبار سبحانه ببنني ال كالبنني‪ .‬هم خنبة‬
‫الفلسفة الغربية‪ ،‬وناشرو الثقافة‪ ،‬ومالكو الصحافة‪ ،‬وعباقرة االخ رتاع‪،‬‬
‫واجلامثون حيث يصنع كل ق رار سياسي جتاري صناعي‪.‬‬
‫ماذا هم فاعلون النشء الصاحل مع املعاهدات الدولية‪ ،‬ومع عقابيلها‬
‫وشروطها ومنها التطبيع مع الدولة الغاصبة؟‬
‫تسقط القيم يف عامل السوق‪ ،‬ويربط رئيس الواليات املتحدة األمريكية‬
‫روابط راحبة مع االقتصاد الصيين املزدهر‪ ،‬يتقدم يف ذلك بفلسفة برغماتية‬
‫مساها «الدبلوماسية االقتصادية»‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪220‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫ماذا هم فاعلون اإلسالميون مع األوضاع املوروثة غدا؟‬
‫إن كانت الضرورات كاحلة اليوم‪ ،‬فالرجاء من بركات اهلل أن ختف غدا‪.‬‬
‫والواجب اإلمياين ال حتجبه ضرورة‪ ،‬الواجب يف حدود الوسع‪ ،‬ويف عمق‬
‫الرتبية‪ ،‬وفيما ترضعه األم البنها وابنتها‪ ،‬وفيما يلقنه األب ألبنائه وبناته‪،‬‬
‫وهو رفض الوالء لعدو غاصب‪ ،‬ورفض االستسالم دينا يدين به املسلمون‬
‫مهما اضطرت القوانني الدولية واملعاهدات املمضاة دولة املسلمني إىل‬
‫تنكيس ال راية‪.‬‬
‫قد تنكس ال راية حزنا وهدنة‪ ،‬لكن دولة القرآن ال ينبغي هلا أن تفعل‬
‫استسالما إىل أن يأذن اهلل بتحقيق أمره ذات زمان وذات جيل‪.‬‬
‫من ارتطامات االنقالب اجليولوجي الذي تشهده هناية عصر‪ ،‬وهوي‬
‫عقلية‪ ،‬وهزمية جيل يف بالد املسلمني‪ ،‬وسقوط جدار ب رلني‪ ،‬وهتافت‬
‫الشيوعية‪ ،‬وتفكك اإلم رباطورية السوفييتية‪ ،‬مث تطارح القوة العظمى‪،‬‬
‫كانت على موائد ال رأمسالية تستطعم وتشحذ دوالرا وشحنة قمح ومساعدة‬
‫لتنخرط تابعة يف ركاب ال رأمسالية‪.‬‬
‫منذ أربعة قرون عاشت روسيا وهي ال تعرف نفسها إال سيدة على‬
‫إم رباطورية شاسعة‪ .‬فلما تفككت أكرب جتليات اهليمنة الروسية باستقالل‬
‫دول شرق أوربا‪ ،‬وعم التململ الواليات احملتلة منذ عهد القياصرة‪ ،‬بلغ‬
‫الشعور بالذلة واملهانة مداه‪.‬‬
‫فمن زف رات الربكان اجليولوجي ون ريانه انصباب احلمية السالفية نقمة‬
‫على املسلمني يف البوسنة واهلرتسك‪ ،‬وجهالة اجليش الروسي على مسلمي‬
‫الشيشان‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪221‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫محية قومية عرقية انتقامية من التاريخ‪ .‬أستغفر اهلل‪.‬‬
‫ومحى اقتصادية استنفرت هبا أمريكا ثالثني دولة‪ ،‬وأفتت األمم املتحدة‬
‫بكذا وكذا ق رارا لتحرق الع راق واملسلمني يف الع راق‪.‬‬
‫حرب اخلليج محم هي يف التاريخ اجليولوجي‪ ،‬أم منعطف يف مسرية‬
‫العرب واملسلمني‪ ،‬ليهلك من هلك عن بينة‪ ،‬وحيىي من حيي عن بينة؟‬
‫وإن اهلل لسميع عليم‪.‬‬
‫وصحب االنفجارات واحلروب واجملازر يف املسلمني أزمات يف الفكر‪،‬‬
‫وذهول قومي وقتام يف األفق ودخان‪ .‬بشر املثقفون بعضهم بعضا ملا آنسوا‬
‫من جانب العامل احلر نار الدميق راطية‪.‬‬
‫الدميق راطية قارب النجاة من طوفان يتهدد‪ ،‬ومالذ من شر يتمدد‪.‬‬
‫الدميق راطية مفتاح املستقبل‪ ،‬خشبة يتشبت هبا يتامى اإلديولوجية‬
‫كما يستمسك هبا الواعون باحلرب االس رتاتيجية املبيتة على املسلمني‪.‬‬
‫ولنا مع الفضالء الدميق راطيني حوار‪.‬‬
‫لنا حوار حول من وكيف ومل‪ .‬لنا حوار هل تضمن الدميق راطية‪ ،‬وحنن‬
‫ن راها تتخبط‪ .‬جمنونة خائنة سارقة يف إيطاليا‪ ،‬عدال ال ينفصل عن حرية‪.‬‬
‫لنا حوار هل تتضمن املواثيق الدميق راطية املؤسسة لألح زاب التعددية بنود‬
‫فضيلة وذمة وأمانة‪ .‬ما بال الدميق راطية يف فرنسا أمنا العزيزة الالييكية‬
‫جدا هتزها عواصف الفضائح؟ ما باهلا يف أمريكا الصائلة القائلة تتحول‬
‫مسرحا‪ ،‬ومعرضا‪ ،‬ورباط عنق‪ ،‬وهلجة خطاب‪ ،‬وصناعة صورة على يد‬
‫خمتصني يتقاضون مآت ماليني الدوالر‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪222‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫مال هي الدميق راطية‪ ،‬واستغالل نفوذ‪ ،‬وتزوير فواتري؟‬
‫أم نؤمن باهلل وباليوم اآلخر‪ ،‬حنن والفضالء الدميق راطيون‪ ،‬لنؤسسها‬
‫شورى قرآنية نبوية راشدية‪ ،‬الفضيلة والصدق واألمانة والوفاء بالعهود‬
‫مادة ماهيتها؟‬
‫الكلمة الصارخة يف العامل السوق‪ :‬دميق راطية تدين بدين حقوق اإلنسان‪.‬‬
‫والواقع تنازع بني أقوياء العامل على أسالب املستضعفني يف األرض‪ .‬وما‬
‫شعار نظام الدميق راطية وشعار دين حقوق اإلنسان إال مصاحبة موسيقية‬
‫لتنومي الناس‪ ،‬وهتومي الناس وتوهيم الناس‪ .‬نعوذ باهلل من الوسواس اخلناس‪.‬‬
‫كان توازن الرعب بني القوتني العامليتني باألمس ينظم التجاذب‬
‫والتنازع على إيقاع دبلوماسية الشد واملد‪ ،‬تتأرجح عليهما احلرب البادرة‪.‬‬
‫ويبحث أقوياء العامل بعد سقوط النجم األمحر عن نظام لعبة اس رتاتيجية‬
‫حلفظ استق رار العامل يف زعمها‪ ،‬إلثبات الذات وفرض الوجود واالستئثار‬
‫باملغامن يف حقيقتها‪.‬‬
‫أوربا جسم يتمدد‪ ،‬هوية تستجمع قواها‪ ،‬تلم أط رافها لتستعيد أجماد‬
‫حقبة اجملد االستعماري‪ ،‬مكتشفة ذاهتا يف املعارضة الفرنسية للغزو الثقايف‬
‫األمريكي‪ ،‬ويف املاكينة الصناعية التكنولوجية يف أملانيا‪ .‬تبوح مطالبة‬
‫فرنسا ب «االستثناء الثقايف» عن طموح إىل حرية‪ .‬ويثبت اإلتقان األملاين‬
‫والقوة النقدية األملانية كل يوم أهنا األجدر‪ ،‬واألقوى‪ ،‬واألكثر مهارة‪.‬‬
‫ويف أفق الوحدة األوروبية ضم أوروبا الشرقية لتصبح أوروبا الكربى‬
‫ضعفي الواليات املتحدة حجم اقتصاد‪ ،‬وقدرة صناعة‪ ،‬وسعة سوق‪...‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪223‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫يف األفق قطبية جديدة متعددة تناوش منذ اآلن مهسا وتلوحيا وغمغمة‬
‫العمالق األمريكي‪.‬‬
‫وغدا! ما بدايات غد الغرب وهناياته غدا؟‬
‫كل وليد يشب‪ ،‬ويقوى‪ ،‬ويتحسس عضالته ليثبت ذاته يف الوجود‪.‬‬
‫كذلك الدول واألمم حتتاج لنقيض وخصم تضعه أمامها يف حساهبا ليُ جرب‬
‫الوعل أقرونه أقوى أم الصخرة‪.‬‬
‫فإذا كانت القرون نووية‪ ،‬وكانت الصخرة مدججة مبا خترتعه وتكتنزه‬
‫حرب النجوم!‬
‫إن خارطة العامل ما بني ضفيت األطلنطي‪ ،‬وما ميتد يف آسيا وشواطئها‪،‬‬
‫لفي حتول منزعج‪ ،‬موجات باطنية جيولوجية‪ ،‬وتكونات ال تنفك تتفاعل‪.‬‬
‫تتفاعل القارة اآلسيوية فينفط على ظهرها فقعات اقتصادية مسوها‬
‫تنينات‪ .‬سنغافورة القزمة جغ رافيا وبشريا تتعملق جنبا إىل جنب مع‬
‫تايوان وسائر بنيات اليابان‪.‬‬
‫تتعملق اليابان وبناهتا يف صناعة الش رائح املوصلة‪ ،‬وأشباه املوصالت‪،‬‬
‫والفتائل شبه الزجاجية‪ ،‬والذاكرة املتطورة اخلازنة أضعافا مضاعفة‪.‬‬
‫وتتعملق هذه الصبيات يف تطوير احلاسوب‪ ،‬وب رامج احلاسوب‪ ،‬وتطويع‬
‫املسموع واملرئي لتنافس العمالق املتشايخ يف أمريكا والعجوز املستفيقة‬
‫إىل شباب متجدد يف أوروبا‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪224‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫واألم اليابان تنظر يف حنان وعطف وتلهف واشتياق إىل أمها الصني‪.‬‬
‫وذلك قطب الغد‪ .‬فما هي فاعلة احلضارة الغربية وقد امتصت آسيا إدامها‬
‫العلومي‪ ،‬ومتثلت مهارهتا املؤثلة‪ ،‬أضافت إليها وتضيف احلذق الياباين‬
‫والصرب الصيين واملثابرة اآلسيوية؟‬
‫بل ما هم فاعلون املسلمون غدا بقيادة األمناء األقوياء وهيمنة اجلبار‬
‫املارد األمريكي إىل مواجهة حتد متعدد األط راف‪ ،‬حتد يفتح للمسلمني‬
‫واملستضعفني فجوة للم زامحة مبناكب التعلم والعمل واملدافعة والقوة‬
‫والرخاء؟‬
‫املسلمون غدا واليوم حمتاجون الستثمارات مستوردة‪ ،‬وهي بكوهنا‬
‫استثمارا واست ريادا حبلى بالغنب وسوء الكيلة‪ .‬ورؤوس األموال جوالة رحالة‪،‬‬
‫تنتقل من صقع يف العامل إىل صقع حيثما أغ رهتا اليد العاملة الرخيصة‪،‬‬
‫والض رائب املخفضة‪ ،‬واجلوعى إىل رأس املال األجنيب كثرة يف الدنيا‪ ،‬وامل رايب‬
‫يساوم لريبح‪ .‬وهي سوق إن كانت يتأثر فيها االقتصاد بالعوامل السياسية‪،‬‬
‫والتكنولوجية‪ ،‬فأثرها بإعالمها وعاداهتا االستهالكية على تربية املستورد‬
‫وصحته وبيئته وتنميته وحالته االجتماعية وأمنه وغذائه وبقائه أثر حاسم‪.‬‬
‫متوت احلرة وال تأكل بثديها‪ .‬لكن الشعوب ال تستغين عن طعام اليوم‪،‬‬
‫وصحة البدن‪ ،‬وإجياد السكن‪ ،‬وتشغيل األيدي‪.‬‬
‫فإن مل ينحفظ لنا الربح يف األط راف فال نبع جوهر وجودنا‪ :‬أال وهو‬
‫ديننا‪ ،‬ومعنانا‪ ،‬ورسالتنا يف العامل‪ ،‬ورسالتنا إىل اإلنسان حنمل إليه بشرى‬
‫أنه إنسان مبعوث بعد املوت خالد‪ ،‬ال ظل حيوان وسليل قرود‪.‬‬
‫كيف نتعامل مع عامل آلتنا االقتصادية منتشبة يف عجالته‪ ،‬ال فكاك!‬
‫وال مناص! وليس كسر اآللة وتعنيفها مما حيل املشاكل‪ .‬وإمنا الرفق‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪225‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫واملصانعة والتحرر النسيب املستقل نسبيا كلما اشتد ساعد االقتصاد‬
‫املسلم‪ ،‬ومتاسكت وحدة املسلمني‪.‬‬
‫حترر نسيب‪ ،‬واستقالل نسيب حلاجة الناس بعضهم لبعض على وجه‬
‫هذه األرض‪ ،‬مث ‪-‬وهذه أسبق يف االعتبار‪ -‬ألننا أمة حتمل رسالة إىل العامل‪،‬‬
‫إىل اإلنسان‪ .‬والعامل قرية صغرية منذ حني‪ .‬واإلنسان البد لك من غشيان‬
‫السوق لتلتقي به‪ ،‬وتكلمه‪ ،‬وتبلغه بنموذجية حضورك يف الدنيا‪ ،‬ومنوذجية‬
‫سلوكك اخللقي‪ ،‬ومنوذج نظافتك إن اتسخ الناس‪ ،‬وأمانتك إن خان الناس‪.‬‬
‫أين كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يلقى الناس يف بداية رسالته؟‬
‫يف السوق‪ ،‬يف أسواق العرب جمنة وذي اجملاز وغريمها يعرتض القبائل يف‬
‫جتمعاهتا‪.‬‬
‫من نافذة المستقبل‬
‫منطق السوق القسوة‪ ،‬واحلساب‪ ،‬واجلشع‪ ،‬والربح األناين‪ ،‬ودوس حقوق‬
‫العامل‪ ،‬واملنافسة‪ ،‬واإلنتاجية‪ ،‬واملردودية‪.‬‬
‫ومنطق الدعوة رمحة‪ ،‬ورفق‪ ،‬وعدل‪ ،‬وهتمم باإلنسان وبكل ذي كبد‬
‫رطبة‪ .‬الدعوة خطاب لإلنسان من جانب معناه‪ ،‬ومعاده‪ ،‬وآخرته‪.‬‬
‫حتدثه عن مصريه بعد املوت وحياته املادية اآلنية ال أمن له عليها‪،‬‬
‫وال أمل يف حتسينها‪ .‬ال يسمع! ال تسمح له العاملية التجارية‪ ،‬والقيمة‬
‫السلعية‪ ،‬والضجيج السوقي‪ ،‬والضغوط الكبرية‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪226‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫كيف يسمع وحضارة اللحظة والسرعة جتري بسفينته التائهة إىل غري‬
‫وجهة!‬
‫ختاطب إنسانا فقد معناه فهو منجر يف ركاب حضارة جملجلة مصلصلة‬
‫ال معىن هلا وال غاية وال مثل أعلى من إنتاج بضائع أكثر إغ راء‪ .‬استهالك!‬
‫إنتاج! بيع! إشهار!‬
‫فقد املعىن األمريكي صانع الصواريخ تاجر الكوكاكوال‪ ،‬بائع اهلمربغر‪،‬‬
‫حضارته يف احنطاط‪« .‬منط احلياة األمريكي» كان حلما ومظه را ينكشف‬
‫مع األيام عن جوهر نفعي مادي كئيب‪ .‬وراء احلضارة املعلبة ال رباقة الوهاجة‬
‫حقائق احنطاط اإلنسان‪ ،‬وخوف اإلنسان يف شوارع اجلرمية‪ ،‬وبؤس اإلنسان‬
‫وختدير اإلنسان‪.‬‬
‫كل شيء يباع بالدوالر ويقيم‪ :‬ذمة القاضي‪ ،‬وصوت الناخب‪ ،‬ووالء‬
‫املوظف‪ ،‬وإبداع الفنان‪ ،‬وموعظة الكاهن يف التلفزيون حيتوش كذا وكذا‬
‫ألف دوالر يف كل «شو»‪ .‬والكلمة أمريكية تعرب وحدها عن حقيقة أمريكية‪.‬‬
‫حضارة وسائل‪ ،‬وإدارة للتصنيع واإلنتاج‪ ،‬ودوالب ال رأمسالية اجلاحمة‬
‫أحيانا‪ ،‬ال راكدة‪ ،‬هلا نطاسيون ينعشوهنا مبعاجلة الفوائد الربوية‪ ،‬وحقن‬
‫األموال‪ ،‬والنفخ يف البورصة‪ .‬فينتعش اقتصاد العامل أو يركد‪.‬‬
‫وفقد العامل املتهالك املنهار عامل الشيوعية معناه يوم استيقظ الروسي‪،‬‬
‫وقبله البولوين‪ ،‬وقال‪ :‬مل أعد شيوعيا! كفر مبثله العليا املعلنة املفلسفة‬
‫بعد أن ظهر فشله يف إدارة اقتصاد‪ ،‬وتطوير صناعة استهالكية‪ ،‬وحتسني‬
‫معيشة‪ .‬مل ينجح إال يف إهالك طبقة‪ ،‬وصناعة آلة جهنمية‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪227‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫وتتمركن أوربا وترتوس طوعا وكرها‪ ،‬إىل حني تقوى وتتنمر معتدة‬
‫باستثنائها الثقايف‪ ،‬ونباهة املارك األملاين‪ ،‬وسيادته يوم يستعري امسا أوربيا‪،‬‬
‫ويتقنع ليقود اقتصاد أوربا فيناطح الدوالر وحضارة الدوالر‪.‬‬
‫عامل فقد املعىن‪ ،‬وإنسان تتأرجح به سفينة هائمة‪.‬‬
‫وحنن املسلمني محلة رسالة‪ ،‬ومستودعو أمانة‪.‬‬
‫كنا نكون كذلك لوال ما حنن فيه من تفتت غثائي‪ ،‬وضعف بنية‪،‬‬
‫وسقوط مرتبة يف املوازين اليت تعطي اإلنسان مصداقية‪ ،‬واجملتمع فاعلية‪،‬‬
‫حىت يسمع منه القول‪ ،‬وتلتفت إليه األنظار‪ ،‬ويعتد ب رأيه‪ ،‬ويهاب جانبه‪.‬‬
‫كنا نكون‪.‬‬
‫لوال‪.‬‬
‫املستمع إىل كالم اإلسالم الرمسي‪ ،‬واخلطب الطقوسية‪ ،‬قد تنفذ إىل أذنه‬
‫نغمة حنني‪ ،‬ورنة حزن‪ ،‬وبكاء على ماض مضى كان متألقا‪ ،‬وعلى سنة‬
‫ضاعت‪ ،‬وعلى عزة أهينت‪ .‬والبكاء املاضوي مكتوم منغوم مغموم‪ ،‬إىل‬
‫أن يدرك اخلطيب صباح يوقظ النوم إىل حقائق العصر واملصر‪ .‬فيتحول‬
‫اخلطاب إىل قصيدة يف مدح «دين االنقياد» كما يسمي ابن خلدون رمحه‬
‫اهلل اخلنوع القروين للحاكم بأمره‪.‬‬
‫أنكون أساتذة العامل‪ ،‬ومعلمي اإلنسان‪ ،‬وحاملي رسالة‪ ،‬ومؤدي أمانة‬
‫إذا كانت دعوتنا إىل خنوع وخضوع لغري اهلل‪ ،‬وكانت مواقفنا منسجمة‬
‫راضية مصفقة مع من حاد اهلل‪ ،‬وكانت داللتنا بالكلمة واملوقف العملي‬
‫على غري اهلل!‬
‫نداء ماضوي خمنوق مشنوق‪ ،‬ال تشفع له عند اهلل والناس نربة حزن‬
‫وعربة حنني‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪228‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫وللنشء الصاحل املستنري بنور الصحوة وصبح الدعوة طموح وزعم أن‬
‫يرفع النداء اإلسالمي ليبلغ القاصي والداين‪ .‬بيد أن قصور اليد‪ ،‬ومعاناة‬
‫االضطهاد‪ ،‬واختالط الكلمة اليت ال ت زال تبحث عن صواب هلجتها‪ ،‬ال‬
‫تؤهل اخلطاب اإلسالمي ليبلغ عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم البشارة‬
‫والنذارة والعلم باآلخرة‪ ،‬وباملصري إىل اهلل وباجلنة اليت أعدت للمتقني والنار‬
‫اليت أعدت للكافرين‪.‬‬
‫أن نكون أساتذة العامل مطمح عرب عنه سيد قطب رمحه اهلل أبلغ تعبري‪.‬‬
‫مطمح ال ي زال‪ .‬والتأهيل لتلك الوظيفة السامية العالية دونه عقبات‪،‬‬
‫ودون العقبات تفشل اإلرادات‪ ،‬وترتبص بنا الدوائر عداة‪ .‬إرهايب كل من‬
‫حاد عن مسلك قصائد املدح وخطب التزكية وجمالس اإلشادة‪ .‬إرهايب من‬
‫ال يصفق للتطبيع مع فسقة بين إس رائيل‪ .‬إرهايب وبدعي وكافر من فرح‬
‫للثورة اإلي رانية واهلبة السودانية‪.‬‬
‫التأهيل حلمل الرسالة وأداء األمانة يريد تربية‪ ،‬ويريد ص ربا ومصابرة‬
‫حىت تنجلي‪ -‬واهلل تعاىل الضامن‪ -‬غمة االضطهاد‪ .‬التأهيل يريد نضجا‬
‫حىت يربأ الشباب الطاهر من الظن الظنني أن العنف وتكفري الناس هو‬
‫البالغة والطريق املختصر لبلوغ امل رام‪.‬‬
‫وما امل رام يا صاح؟‬
‫احلكم ومشاكله وعويصاته آئل إليك ال حمالة يوما من أيام اهلل‪ .‬الدولة‬
‫جاثية عند قدميك غدا‪ .‬واالمتحان عسري‪ ،‬واألعباء ثقيلة تنوء بالعصبة‬
‫أويل القوة‪.‬‬
‫فإن كان مرمى طرفك وم رام مهتك وغاية رغبتك ومبلغ علمك أن تأخذ‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪229‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫بأزمة احلكم لتفرض على الواقع «احلل اإلسالمي» وكأن احلل اإلسالمي شيء‬
‫جاهز‪ ،‬وبرنامج منجد‪ ،‬وطريق ممهد‪ .‬إن كان مبلغ العلم وغاية الطلب‬
‫أن تضع مرهم « احلل اإلسالمي» على اجلروح‪ ،‬وتقلب بكيمياء «احلل‬
‫اإلسالمي» العناصر‪ ،‬وتسحر بإكسري «احلل اإلسالمي» املعدن اخلسيس‬
‫فلست هناك‪ .‬ينقصك العلم مبا هو الواقع‪ .‬ينقصك العلم مبا هو الع راك‬
‫مع معضالت صماء‪ ،‬وما هو الصدام مع إرادات متعنتة‪.‬‬
‫تنفض يدك من دنس املوروث ورجس الفساد لتبقى األيدي املتوضئة‬
‫طاهرة يف مالئكية تنزهها؟ كال بل هو االقتحام بال هوادة‪ ،‬واستغ راق‬
‫الوقت واجلهد فيما ال يسر من خوض جلج الباطل وعفونات البيئة البشرية‪.‬‬
‫أريد أن أغري اجملتمع‪ .‬أريد أن أبين ألميت عاملا ومستقبال‪ .‬واجيب أن‬
‫أجاهد جهاد تبليغ الدعوة للعامل األكرب‪ ،‬واألقوام من أصفر وأمحر‪.‬‬
‫أفئن كان عامل قليب خ رابا‪ ،‬وهوس وساوسي حب را عبابا‪ ،‬وساحة مزرعيت‬
‫يبسا يبابا‪ ،‬أغري الناس إىل رشاد‪ ،‬وأبين وأنا رماد!‬
‫يف خاصة نفسي إمنا أتأهل حلمل الرسالة وأداء األمانة إن تعهدتين‬
‫تربية‪ ،‬وأصابت قليب يقظة إميان ورمحة وتزكية‪ ،‬وأنار عقلي علم أتعلمه‪،‬‬
‫وشحذ عزمييت هم باهلل وباآلخرة أحتمله‪.‬‬
‫ال يسمع ندائي األهل‪ ،‬وال ينصت لندائي اإلنسان‪ ،‬إن كنت أنا مغارة‬
‫خاوية‪ ،‬وخ رابة هاوية‪ .‬إن كان غري اهلل مهي‪ ،‬وكانت الدنيا عندي عقيدة‬
‫ويف سلوكي اليومي مطلبا‪ ،‬وعن اآلخرة منتجعا ومهربا‪ ،‬فكيف يفهم‬
‫غريي كلميت إال رجع صدى ملا تتوجس به النفوس اهلائمة على منت السفن‬
‫اليت ال وجهة هلا وال معىن!‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪230‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫إن كان «الص راع السياسي» واحلوار مع األقرباء والبعداء خبز مائديت‪،‬‬
‫وطعام يومي‪ ،‬وكوابيس ليلي‪ ،‬فقد نزلت عن مستوى حامل الرسالة املؤمتن‪،‬‬
‫وترديت يف مضجع موبوء م رهتن‪.‬‬
‫إن كان شعاري أن اإلسالم بديل ملذهب‪ ،‬وأين وسريب بديل حلزب‪ ،‬وأن‬
‫حلي اإلسالمي مفتاح كما تدخل لسان علبة السردين يف مفتاح السردين‬
‫فتسحبه فإذا احلوت طعمة جاهزة‪ .‬إن كان عاملي الباطين مرتاحا ال يؤرقه‬
‫هم اهلل‪ ،‬وال يؤججه الشوق إىل اهلل‪ ،‬وال يؤنسه حب اهلل‪ ،‬وال يبكيين اخلوف‬
‫من اهلل‪ ،‬وال تؤنبين التوبة اخلاشعة إشفاقا من يوم لقاء اهلل‪ ،‬وخجال مما‬
‫ضيعت من عمري حتسبا ليوم العرض على اهلل‪.‬‬
‫مصري هو مرور األمم والقوميات والتكونات التارخيية من بدايات‬
‫لنهايات‪ :‬تضمحل وتتآلف‪ ،‬تنهزم وتعيد الكرة‪ ،‬تنسى وتتذكر‪ ،‬تطغى يف‬
‫األرض وتستكرب أو تضعف فتستعبد‪ ،‬تتقوى أو تتالشى‪.‬‬
‫مصري هو مرور األمم واألقوام على مسرح التاريخ‪.‬‬
‫ومصري هو مرور عبور الفرد على مسرح احلياة‪ .‬أبرزه اهلل عز وجل‬
‫إىل الوجود‪ ،‬وكألته بعنايتها األم‪ ،‬وغذاه األب‪ ،‬واحتضنه اجملتمع‪ ،‬وعلمته‬
‫التجارب‪ .‬مث ميوت‪ .‬مث ميوت‪.‬‬
‫العامل الذي فقد املعىن والوجهة أرسى اقتناعه على مسلمة دوابية‬
‫كذهبا الفالسفة واحلفارون ومؤرخو األجناس ونباشو القبور والرتسبات‬
‫األركيولوجية‪ .‬وصدق اإلنسان‪ ،‬إنسان ذلك العامل وبعض أناسي عاملنا‬
‫املسلم‪ ،‬أنه سليل قرود‪ ،‬وأهنا حياتنا الدنيا منوت وحنىي وما حنن مببعوثني‪.‬‬
‫صدق أعظم خ رافة يف الوجود‪ ،‬وابتلعها‪ ،‬وشهدت بصدقها وصدقيتها‬
‫ال رباهني الباهرة املشعة املعشية لألبصار والبصائر من هذه املخرتعات‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪231‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫العلومية والكشوفات والصنائع واملركبات الفضائية املعدة الستعمار‬
‫املريخ بعد أن أوطأت اإلنسان بسيط القمر‪ ،‬وصورت جبال الزهرة وحلق‬
‫زحل‪.‬‬
‫إن استيقظت أنا من سبات الغفلة‪ ،‬وسكنين هم اهلل وهم لقائه‪ ،‬واطمأن‬
‫قليب باإلميان‪ ،‬فتعبئة عاملي املسلم سبيلها وباعثها واعظ املسجد‪ ،‬ولقاء‬
‫املسجد‪ ،‬وروح املسجد‪ .‬ال «الثقافة اإلسالمية» جارة الرسن حوارا وجوارا‬
‫ومماثلة بعد كما مياثل الضد ضده لطول املعاشرة واملنازعة واملوازاة‪.‬‬
‫إن وعيت نداء مستقبلي األخروي‪ ،‬وعملت ملا بعد املوت إميانا يقينا‬
‫ومعي كتاب اهلل وسنة رسوله مستعصمني من الزيغ‪ .‬وإن وعى عاملي‬
‫املسلم بوعيي األخروي ما وعد به املؤمنون من استخالف يف األرض‪ ،‬ومن‬
‫أهنا خالفة على منهاج النبوة بعد عهود االحنطاط‪ ،‬ومن أنه انتصاب من‬
‫فسقة بين إس رائيل حىت ينم عنهم مشمئ زا من نذالتهم ورذالتهم وفسادهم‬
‫يف األرض الشجر واحلجر‪.‬‬
‫إن وعيت ووعى عاملي‪ ،‬إن أطللت على حاضري مع اهلل‪ ،‬وأطلت األمة‬
‫على حاضرها من نافذة املستقبل كما وعد اهلل ورسوله‪ ،‬وكما وصف اهلل‬
‫ورسوله‪ ،‬فعسى يسمع مين العامل الذي صدق باخل رافة العظمى‪ ،‬وعسى‬
‫يليب اإلنسان الذي أبلعوه الفرية الدهرية القردية نداء يبشره مبعناه‪ ،‬ويدله‬
‫على سبيل الرشاد‪.‬‬
‫يدخل األوربيون وغريهم من الناس يف دين اهلل برغبة وعن تصديق‬
‫وإميان‪ .‬معظم املهديني لبوا نداء رجال التبليغ ونداء الطرق الصوفية‪ .‬قليل‬
‫جدا منهم من اهتدى يف مسجد اإلسالميني الداعني يف بالدهم إىل «احلل‬
‫اإلسالمي»‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪232‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫ملاذا؟ ملاذا؟‬
‫اهتدى املهتدون بتلبيس البدع الطرقية وطقوس الرقص والسماع؟ أم‬
‫اختص رجال الدعوة بالفكر الثاقب والعلم اجلم؟‬
‫كال! بل يسمع القلوب البائسة النافرة من فلسفة املسلمة الدوابية‪،‬‬
‫املتقززة املشمئزة من حياة بال معىن‪ ،‬من حيدثها عن اهلل‪ ،‬وعن اآلخرة وعن‬
‫معىن وجودها‪ ،‬وعن عبادة رهبا‪.‬‬
‫وتغطس هذه املعاين عند اخلطاب اإلسالمي السياسي الثقايف يف ماهيات‬
‫خارجية‪ ،‬ومقوالت عن الناس‪ ،‬والعدو‪ ،‬والظلم‪ ،‬وإعداد القوة‪ ،‬ومناجزة‬
‫العدو‪ ،‬ومقاتلته‪ .‬كل ذلك ونفس املخاطب‪ ،‬ومصريه بعد املوت‪ ،‬وقضيته‬
‫مع اهلل‪ ،‬أحوال مسكوت عنها‪ .‬رمبا ألن الداعي فرغ من محل نفسه على‬
‫االستقامة يف الدين‪ ،‬أو ظن ذلك‪ ،‬أو توهم ذلك‪ ،‬فقاس الناس على نفسه‪.‬‬
‫رمبا ألن إعداد القوة يف نظر بعض املؤمنني يتوجه على القوة الظاهرة‬
‫من فكر‪ ،‬وثقافة تصد الغزو الثقايف‪ ،‬وبرنامج يباري بذكاء وكفاءة ب رامج‬
‫اآلخرين‪.‬‬
‫وعلى سالح يدفع عن النفس ويقاتل املعتدين‪.‬‬
‫لكن قوة اإلميان‪ ،‬واطمئنان اإليقان‪ ،‬واملعاملة مع اهلل‪ ،‬والبكاء على‬
‫اهلل‪ ،‬وقيام الليل‪ ،‬وصحبة أهل املسجد‪ ،‬وذكر اهلل الذي به تطمئن القلوب‬
‫أحوال وأعمال تنهك أوقاهتا‪ ،‬وتصد عنها ش راسة العدو‪ ،‬وجسامة اخلطوب‪،‬‬
‫وضخامة املسؤوليات التنظيمية‪ ،‬والسعي اجلاد لضبط املواعد‪ ،‬ورص‬
‫الصفوف‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪233‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫اخرتق فسقة اليهود دويالت العرب واملسلمني‪ ،‬واخرتق هوس العامل‪،‬‬
‫والفقه البدوي املتحجر احلريف أوقات ناس الدعوة اإلسالمية‪.‬‬
‫خروق باطنة يف تربييت‪ .‬وخروق بادية يف أميت‪.‬‬
‫فإن ذهبت إىل ندي الناس‪ ،‬وسوق الناس‪ ،‬وجممعات األقوام أنادي‬
‫بإسالم هو يف قليب خرق ومزق فمن يسمع مين‪ .‬أنادي إىل الصلح مع اهلل‬
‫وحبل إمياين خلق‪ .‬أنادي إىل التوبة إليه وأنا سادر!‬
‫يا أهل السوق! هذه أمة مسلمة إسالمية طبقت «احلل اإلسالمي»‬
‫فتعالوا يا عطشى إىل الري‪ ،‬تعالوا إىل االمتالء يا غرثى‪ ،‬تعالوا إىل الشبع يا‬
‫جياع الروح ومفتوين الدنيا‪.‬‬
‫ما تركتين ضوضاء فكرك‪ ،‬ومشوشات بثك‪ ،‬ومهوم نضالك أمسع بأذن‬
‫القلب ما تقول‪.‬‬
‫حدثين عن نفسي‪ ،‬عن مصريي‪ ،‬عن معناي‪ ،‬عن اهلل الذي قالت‬
‫الفلسفة الوضعية إنه مات‪ .‬حدثين عن اآلخرة ودلين كيف أكسب اليقني‬
‫هبا وأنا معك! وأنا لك! أخربين مب تطمئن القلوب وتلني من قسوة الكفر‬
‫واجلحود‪ .‬بالذكر؟ وما الذكر؟ أم ينسى قوم اهلل فينسيهم أنفسهم؟‬
‫ومن نسي اهلل فأنساه نفسه ال يذكر املصري ألنه ال يذكر اهلل‪ ،‬ال يذكر‬
‫اآلخرة وال يذكر هبا ألن رب اآلخرة ومصري اآلخرة غطى عليهما يف القلب‬
‫وعمى عليهما يف اخلطاب غضبية املواجهة‪ .‬فالعامل زحام واألنام طغام‪.‬‬
‫وقفت فردا داعيا ووقفت معي الدولة اإلسالمية‪ ،‬واألمة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬واملشروع اإلسالمي‪ ،‬والربنامج اإلسالمي على نادي‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪234‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫الدميقراطية يف بالد الدميقراطية أدافع عن اإلسالم‪ ،‬وأدفع عنه هتمة‬
‫اإلرهاب‪ ،‬و«أحسن صورته» بعد أن سودها املتطبعون املتزلفون‬
‫حكام أمس الغابر‪.‬‬
‫قال أهل الدميق راطية يف بالد الدميق راطية ‪-‬وكان ال ي زال معهم بعض‬
‫ثقة‪ ،‬شبح ثقة‪ ،‬بالدميق راطية‪ : -‬يا لكم أيها الظالميون الرجعيون من‬
‫بسطاء متخلفني! ماضيكم استبداد وحكم فردي‪ ،‬وحاضركم يف هذه‬
‫التقلبات اجليولوجية غامض خلط‪ .‬ختدمون الدميق راطية باللسان وال ندري‬
‫ما تعنون بكلمة «شورى»‪ .‬ما أنتم إال عشائر وماض وموت!‬
‫نفر الدميق راطية يف ناديهم‪ .‬ومل يسمع نداءنا اإلنسان‪.‬‬
‫وقفت فردا داعيا ووقفت معي الدولة اإلسالمية واملشروع اإلسالمي‬
‫على نادي األغنياء يف العامل ندعوهم إىل التفكري يف العدل واإلنصاف‬
‫وقسمة الثروة مع سكان العامل البئيس‪.‬‬
‫فسخر أهل نادي األغنياء‪ ،‬وقالوا‪ :‬ما فعلت ثرواتكم القارونية‬
‫النفطية؟ لعبتم هبا القمار وبذ رمتوها أنتم العرب يف اللهو والفسق فما‬
‫كنتم أتقياء‪ .‬وال كنتم أذكياء حني هجم بعضكم القومي على بعضكم‬
‫العشائري‪ ،‬فربهنتم على إفالس خطتكم التوحيدية‪ ،‬وتكبدت عشائركم‬
‫اإلفالس املادي واملعنوي حني استغثتم بنا وقدمتم لنا على أطباق هنيئة‬
‫حصيلتكم من أموال النفط وفوائضه مثنا حلرب اخلليج‪.‬‬
‫ومل يسمع اإلنسان‪ ،‬إذ ال نداء إىل اإلميان تنطق به عشائر نفطية أظلم‬
‫بوجودها وجه املسلمني‪ .‬فقد الداعي الصادق صدقيته ملا ظهر للناس أنه‬
‫من جنس وقوم خائنني‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪235‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫وقفنا على أصحاب العلوم والصناعة واالخ رتاع نناشدهم رحم احلضارة‬
‫البشرية اليت سامهنا يف بنائها‪ ،‬ورحم العلوم اليت أورثناها الغرب وأسسنا‬
‫بعضها‪.‬‬
‫إن كنت كذلك فما أنا هنالك!‬
‫إن كانت األمم والقوميات يهيب هبا إىل النهوض واملمانعة واإلباء‬
‫والتضحية نداء األجماد السالفة‪ ،‬ومداعبات الذاكرة اجلماعية املؤلفة‪ ،‬فتتعبأ‬
‫وتتجند‪ ،‬وتقوم من كبوة وتتوحد‪ ،‬فإن اإلسالم كلمة اهلل إىل اإلنسان‪،‬‬
‫أتقزم وأهون وأنتكس إن قدمتها‪ ،‬وخطبت هبا‪ ،‬وكتبت هبا‪ ،‬وبشرت هبا‬
‫على مستوى البدائل البشرية‪ ،‬واملذاهب السياسية‪ ،‬وال ربامج االنتخابية‪،‬‬
‫واالختيارات العملية‪.‬‬
‫قبل أن أنادي العامل إىل مأدبة اخلري‪ ،‬قبل أن أصرخ باإلنسان حريصا‬
‫عليه رحيما به‪ ،‬جيب أن أوقظ قومي من سبات‪ ،‬وأمجعهم من شتات‪،‬‬
‫وأحييهم من رفات‪.‬‬
‫أستغفر اهلل! فإمنا يفعل ذلك ويهدي إليه اهلل‪ .‬وأنا العبد السعيد إن‬
‫استعملين املوىل يف مهمة الرسل األصفياء عليهم السالم‪.‬‬
‫البد من تعبئة األمة‪.‬‬
‫وقبل أن أحدث نفسي بتعبئة غريي أكون خمتانا لنفسي إن مل أمحلها‬
‫على مكاره التوبة‪ ،‬والعفة‪ ،‬واخللق احلسن‪ ،‬واالنضباط بالشريعة‪.‬‬
‫قبل أن أحدث الناس عن البواعث اإلميانية املعبئة‪ ،‬أكتبها يف عناوين‬
‫املكتوبات‪ ،‬آخذ خبناق نفسي ألسأهلا منذ مىت مل تفتح املصحف‪ ،‬ومل ختشع‬
‫لتالوة‪ ،‬ومل تتدبر آية‪ .‬منذ مىت مل حتضر صالة اجلماعة يف املسجد‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪236‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫منذ مىت مل تشمر أذياهلا لرتكع يف جوف الليل ركعات‪ ،‬وتستغفر يف‬
‫األسحار‪.‬‬
‫إن كانت األمم والقوميات والتكونات البشرية هتبط هبا وتصعد‬
‫احلاجات والضروريات وغ رائز البقاء ونداء األجماد واألجداد‪ ،‬فإن املؤمنني‬
‫مجاعة جماهدة‪ ،‬واملؤمن واملؤمنة أف رادا‪ ،‬ياتيهم النداء من املستقبل‪ ،‬يطلون‬
‫على حاضرهم اجملتمعي االجتماعي االقتصادي السياسي الوجودي من‬
‫نافذة املستقبل‪.‬‬
‫فسخر من ختلفنا القوم‪ ،‬وكان من بينهم أدمغة مهاجرة نافرة‪.‬‬
‫ومل يسمع اإلنسان النداء‪ ،‬ومل يلب الدعوة‪ .‬قال‪ :‬مع قومنا علوم ومعكم‬
‫حنني إىل املاضي‪ .‬وال أدري أتفعلون بكفاءاتكم وأدمغتكم غري ما فعل‬
‫سلفكم؟‬
‫وقفنا على نادي األقوياء‪ ،‬فعجبوا من ه زالنا وحنن مليار ويزيد‪ ،‬وعجبوا‬
‫من تشتتنا ومتزقنا وحنن أمة واحدة كما يأمر القرآن‪ .‬كيف يسمع منا وحنن‬
‫غثاء كثرة أمم عزت وبزت بالوحدة والصناعة والعلوم!‬
‫ومل يسمع نداءنا اإلنسان ملكان اهل زال يف بنيتنا‪ ،‬واحتشام الكلمة يف‬
‫حلوقنا أمام األقوياء‪ .‬مل حيمل الداعي الصادق حممل اجلد النتمائه لقوم‬
‫عابثني‪.‬‬
‫وقفنا على نادي أهل االقتصاد فما وجدنا منهم إال كل اهتمام‬
‫واهتبال‪ ،‬ظنوا أننا زبناء جاءوا يبتاعون ويتسوقون ويتسلحون أكداسا‬
‫من املدافع وأس رابا من الطائ رات والدبابات السعيدة املآل‪ :‬يعلوها الصدأ‬
‫فيجددها احلكام ليفرح االقتصاديون يف عامل األقوياء بصفقات‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪237‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫كان لنا مع نادي العمال ونقابات الشغل يف بالد العامل العامل‬
‫النشط حديث‪ .‬سألونا عن جمتمعنا هل يسري بسرعتني كما يشكون هم‬
‫من السري املزدوج‪ .‬فخجلنا أن نذكر احلال‪ ،‬وإمنا إنصاف العامل وردم‬
‫الفجوات بني األغنياء والفق راء عندنا جمرد مشروع ونية‪ .‬وسألونا عن‬
‫املرأة وبؤس املرأة هل وصلنا إىل تشغيل العاطالت‪ ،‬وهل قدرنا يف ب راجمنا‬
‫ضرورة إعادة ترتيب أوقات عمل املرأة لنحرر هلا من يومها حصة لرتبية‬
‫أطفاهلا‪ .‬كانوا هم قد أوشكوا على ترتيب وقت العامالت األمهات‬
‫ليشتغلن حصة تربوية‪.‬‬
‫سألونا مث سألونا‪ .‬وأخجلونا ومل يسمع اإلنسان كلمة اهلل‪.‬‬
‫بؤرة االنحطاط‬
‫احنطاط القرون أبلى خرقة نسيج األمة‪ ،‬وضحالة اإلميان يف قليب أنا‬
‫املنادي يف النوادي ال متلك عمقا فال تسمع الغارقني‪.‬‬
‫اخلروج من بؤرة االحنطاط مهمة أوىل وثانية وثالثة يف حق األمة ويف‬
‫واجب دولة القرآن‪.‬‬
‫وجتديد اإلميان البايل يف الصدور مهمة أوىل وثانية وثالثة يف حق املؤمنني‬
‫واملؤمنات‪ .‬حق يف أنفسهم‪ ،‬وواجب على أنفسهم ألنفسهم‪ ،‬مث يسمع اهلل‬
‫من يشاء‪.‬‬
‫للخروج من بؤرة االحنطاط‪ ،‬البد أن يتوحد اإلسالميون ويتحدوا يف‬
‫كل قطر ليكونوا القوة السياسية الكفيلة بإخ راج األمة من وهدة االهن زام‬
‫النفسي‪ .‬مث لتعبئة األمة لتخرج من نفق التخلف‪ .‬ومنه التخلف االقتصادي‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪238‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫كادت ماليزيا خترج من نفق التخلف االقتصادي‪ ،‬وهو مظهر مهم من‬
‫مظاهر االحنطاط والضعف والفقر واملرض‪ .‬نصف سكاهنا الصينيني سادوا‬
‫جماالت املال والصناعة واألعمال وجبذوا نصف السكان من املسلمني إىل‬
‫مكانة اقتصادية تسامي كوريا اجلنوبية والعمالقة القزمة سنغافورة‪.‬‬
‫املسلمون هنالك تبع جمرورون‪ ،‬مسحوبون يف ركاب رأس املال الذكي‪،‬‬
‫والتدبري الرشيد‪ ،‬واملثابرة الصينية‪ .‬تبع يتدربون‪ .‬وعسى‪.‬‬
‫يف أندونيسيا ما يشبه ذلك منذ قضى العسكريون على أذناب الشيوعية‬
‫بالوحشية الفتاكة‪ .‬فتاكة ووحشية ألن الثوار الشيوعيني كانوا يف سباق‬
‫من يفتك بصاحبه‪.‬‬
‫وسادت مع العساكر مذهبية سوكارنو اخلماسية (بانتاسيال)‪ .‬وهي دين‬
‫الييكي فتح األبواب للمنصرين‪ ،‬وغط حتت كابوس ثقيل حركة املسلمني‬
‫املؤمنني‪.‬‬
‫خلط‪ ،‬جناح مادي بقيادة من حديد‪ ،‬وعقيدة شيطان مريد‪.‬‬
‫فيا أهل اإلميان والدعوة والنداء والنموذجية الرتبوية على مستوى الفرد‪،‬‬
‫السياسية على مستوى الدولة‪ ،‬كيف نعاجل االقتصاد املوروث ليكون لنا‬
‫به قوام وقوة‪ .‬قوام جسم وقوة وجود تتقمصها روح اإلميان ومهة اإلحسان‬
‫لنكون للعاملني رمحة وهدى؟‬
‫هذا ما كنت حاولت الكتابة فيه منذ أكثر من ثنيت عشرة سنة‪.‬‬
‫أضيف آخر هذه اخلامتة مالحظات وجيزة‪ .‬ختم اهلل لنا باحلسىن وزيادة‪،‬‬
‫ولكل من دعا لنا دعوة صاحلة تصلنا هدية معتربة بعد املوت‪ .‬وختم بذلك‬
‫للمؤمنني واملؤمنات واملسلمني واملسلمات‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪239‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫المالحظة األولى‪ :‬إن أعباء التسلح‪ ،‬وما يرتتب عليها وعلى أمثاهلا من‬
‫مديونية تثقل الكاهل‪ ،‬ينبغي أن نتحرر منها ونطرحها بتصنيع سالحنا‪.‬‬
‫والتصنيع قوة‪ .‬وال قوة إال بوحدة املسلمني عربا مث عربا وعجما وال بقاء يف‬
‫عامل التكتالت لكيان هزيل‪.‬‬
‫المالحظة الثانية‪ :‬هي أن االندماج اإلسالمي‪ ،‬والتوحد والوحدة على‬
‫صيغ تدرجيية حسب اإلمكان‪ ،‬تريد ختطيا لعقبات الذهنيات والعادات‬
‫واألنانيات العرقية اجلهوية اللونية اللغوية مما تغذوه يف النفوس ذاكرة التاريخ‪،‬‬
‫ومما حييله خط را ساكنا حميقا قلة الرتبية‪ ،‬وضحالة التعليم‪ ،‬واالخن راط يف‬
‫«الثقافة» العاملية املاجنة اجلاهلية‪.‬‬
‫فاملطلوب‪ :‬تربية‪ ،‬مث تربية‪ ،‬مث تربية‪ ،‬وكيف يرتىب اإلميان‪ ،‬كيف ترتىب‬
‫العقول‪ ،‬كيف تدرب العقول‪ ،‬كيف تكتسب املهارات؟‬
‫المالحظة الثالثة‪ :‬اإلقالع االقتصادي‪ ،‬والتنمية الناجحة يف عامل املنافسة‬
‫وعملقة الشركات عابرة القارات‪ ،‬يريدان توظيف الذكاء واجلالدة والصرب‪،‬‬
‫وتوزيع التضحيات بني رأس املال واليد العاملة‪ .‬ذلك لكيال ينام رأس املال‬
‫على ف راش وثري ويكدح العامل كدحا مهينا‪ ،‬لكيال يقتطع من األجور‬
‫لتسمن حصة رأس املال‪.‬‬
‫المالحظة الرابعة‪ :‬هي أن الرشوة‪ ،‬والظلم‪ ،‬وفساد الذمم‪ ،‬وخيانة‬
‫القاضي‪ ،‬وغش املوظف‪ ،‬وفشو الفاحشة يف الناس‪ ،‬وظهور املنكر‪ ،‬إمنا‬
‫هي أع راض ملرض واحد هو فساد احلكم يتسلسل عنه شالالت منتنة من‬
‫احملسوبية واحملاباة وبيع اخلدمات واحلقوق من األقرب إىل األقرب‪.‬‬
‫فمع أسبقية الرتبية‪ ،‬وإفشاء روح املسجد وأخالق املسجد وتعبئة‬
‫الواعظ املتقي يف املسجد‪ ،‬يكون العدل والشورى معقد اآلمال‪.‬‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪240‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫معناه مجلة أن صالح اقتصاد املسلمني أمل خائب إن مل يسبق يف‬
‫العمل إقامة حكم إسالمي‪.‬‬
‫المالحظة الخامسة‪ :‬إصالح التعليم والرتكيز على ربط اجلامعة‬
‫ومعاهد التدريب بالصناعة والبحث العلمي التطبيقي‪.‬‬
‫المالحظة السادسة‪ :‬تبين أساليب حديثة يف اإلدارة مما تفتقت عنه‬
‫عبقريات األمم‪ ،‬إذ حنن طالب حكمة‪ :‬أىن وجدناها فنحن أحق هبا إن‬
‫أحسنا التعلم‪.‬‬
‫إن جلسنا جملس التلميذ أمام املعلمني املاهرين استعدادا أن نصبح‬
‫يوما أساتذة العامل‪ .‬رحم اهلل سيد قطب ورمحنا‪.‬‬
‫المالحظة السابعة‪ :‬التعامل مع التقوى العاملة بإنسانية‪ ،‬وبأخوة‬
‫إميانية تكنس عار العجرفة واحليف واالحتقار مبنديل ال رتاحم بني الناس‪.‬‬
‫هذا يعين تربية‪ ،‬ومسجد‪ ،‬وتقوى‪ ،‬وأخالق‪ ،‬وفضيلة‪ .‬يعين قبل كل شيء‬
‫العدل‪.‬‬
‫المالحظة الثامنة‪ :‬إنشاء مؤسسات تنسيق بني اقتصادات األقطار‬
‫املسلمة ليتأتى هلا احلجم فتكون هلا الكلمة املسموعة والوزن الوازن يف‬
‫السوق العامل‪ ،‬يف العامل السوق‪ .‬وذلك متهيد ضروري بني يدي توحد األمة‬
‫املسلمة‪ ،‬عرهبا وعجمها‪ .‬وذلك أفق املستقبل‪.‬‬
‫ومالحظات غريها متت بصلة للمالحظات الرتبوية السياسية األخالقية‬
‫اإلنسانية اليت ربطناها ببواعث اإلميان وضوابط الشريعة‪.‬‬
‫منها ما يتعلق بالبيئة وإفساد ال رأمسالية املتوحشة هلا مثلما تتلف‬
‫معايش املستضعفني يف األرض‪ .‬ومنها ما يتعلق بالسكان وحرص املرتفني‬
‫يف األرض املستكربين على حتديد نسل العامل الفقري كي ال ي زاحم قططهم‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪241‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫وكالهبم يف املطعم واملشرب م زاحم ميشي على رجلني‪ .‬آخر صرخة عندهم‬
‫املاء املعدين للكالب!‬
‫ومنها ما يتعلق بضرورة ولوج املسلمني‪ ،‬بل اقتحامهم معاقل العلوم‬
‫احلديثة السائرة باإلنسان يف متاهات مبيدة‪ .‬مثل اهلندسة الوراثية ننتفع هبا‪،‬‬
‫ال نغري هبا خلق اهلل عدوانا وظلما على حرمة اإلنسان‪ .‬ومثل االتصاليات‬
‫واملعلوميات حيتكرون بواسطتها املعلومات ليتداولوها بينهم من دون‬
‫الناس‪.‬‬
‫التعاون مع األمم الناهضة اجمللية يف ميادين البحث العلمي مثل‬
‫اليابان‪ ،‬والصني غدا‪ ،‬أمر حتمي‪ ،‬وضرورة يصرفنا عنها اليوم كسلنا‪،‬‬
‫وسوء تدبرينا‪ ،‬وقلة اهتبالنا باألدمغة النابغة يف عصر األدمغة فيه هي‬
‫القيمة االقتصادية العظمى‪.‬‬
‫إن توطني العلوم‪ ،‬والتدرب على العمل‪ ،‬واكتساب اخل ربات‪ ،‬وتشجيع‬
‫العاملني املنتجني مفتاح للتنمية االقتصادية‪ ،‬بل للتنمية على كل‬
‫الواجهات‪.‬‬
‫أما التوازنات االقتصادية‪ ،‬واجلهاد الواجب لدحض مذهب الربوية‬
‫وتسويد املصرف اإلسالمي التعاوين‪ ،‬مع ما يلزم ذلك من إدارة االقتصاد‬
‫وم راقبته‪ ،‬ومترينه واحليلة اإلدارية له‪ ،‬فذلك شأن أهل االختصاص من املؤمنني‬
‫واملؤمنات‪.‬‬
‫أختم كالمي بالصالة على حبيب اهلل صلى اهلل عليه وآله وصحبه ومن‬
‫وااله‪ .‬اللهم صل على سيدنا حممد وعلى آل سيدنا حممد كما صليت على‬
‫سيدنا إب راهيم وعلى آل سيدنا إب راهيم‪ .‬وبارك على سيدنا حممد وعلى آل‬
‫في االقتصا د‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‬
‫‪242‬‬
‫‬
‫خاتمة‬
‫سيدنا حممد كما باركت على سيدنا إب راهيم وعلى آل سيدنا إب راهيم يف‬
‫العاملني إنك محد جميد‪.‬‬
‫وفرغ منه ليلة األربعاء تاسع شعبان سنة ‪ 1415‬واحلمد هلل رب العاملني‪.‬‬
‫فهرس الكتاب‬
‫مقدمة‪3............................................................‬‬
‫الفصل األول‪ :‬التخلف‪7............................................‬‬
‫ ما هو التخلف؟‪9................................................‬‬‫ املخلفون من األعراب‪13 ...........................................‬‬‫ منو التخلف‪16 ....................................................‬‬‫ تعبئة وجهاد‪19 ...................................................‬‬‫ منوذجهم أصل البالء‪20 ............................................‬‬‫الفصل الثاني‪ :‬التحرر من التبعية‪23 .................................‬‬
‫ أوربا تزحف على العامل‪25 .........................................‬‬‫ فشل النموذج االشرتاكي‪26 ........................................‬‬‫ استقالل اجلهاد والعمل‪28 .........................................‬‬‫ قطع حبال اجلاهلية‪30 .............................................‬‬‫ التعامل مع الكفار‪32 ..............................................‬‬‫ عمر بن اخلطاب واالكتفاء الذايت‪33 ................................‬‬‫‪ -‬املسخ الثقايف‪33 ...................................................‬‬
‫الفصل الثالث‪ :‬األموال‪37 ..........................................‬‬
‫ وال تؤتوا السفهاء أموالكم‪39 .......................................‬‬‫ املال هلل‪42 ........................................................‬‬‫ شروط االنتفاع‪44 .................................................‬‬‫ لو استقبلت من أمري‪46 ...........................................‬‬‫ موارد الدولة اإلسالمية‪48 ..........................................‬‬‫ الزكاة والصدقة‪51 .................................................‬‬‫ أخذ العفو‪55 .....................................................‬‬‫ مصارف املال‪56 ..................................................‬‬‫ وظائف العبد يف ماله‪57 ...........................................‬‬‫الفصل الرابع‪ :‬إدارة المال‪61 .......................................‬‬
‫ أموال النفط‪63 ....................................................‬‬‫ ترويض املال ألهدافنا‪65 ...........................................‬‬‫ املصرف اإلسالمي‪67 ..............................................‬‬‫ النقد اإلسالمي‪69 ................................................‬‬‫الفصل الخامس‪ :‬االقتصاد‪71 ......................................‬‬
‫ مقدمتان‪73 .......................................................‬‬‫ املقدمة األوىل‪ :‬املقاصد والعقبات‪75 ................................‬‬‫ املقدمة الثانية‪ :‬حنن يف العامل‪78 ....................................‬‬‫‪ -‬عمران األرض‪82 ..................................................‬‬
‫الفصل السادس‪ :‬اإلنتاج‪87 .........................................‬‬
‫ عمر يعلم الناس علم الكسب‪89 ...................................‬‬‫ احلث على الكسب‪91 .............................................‬‬‫ طلب احلالل‪92 ...................................................‬‬‫ هل يكون اقتصادنا اقتصاد سوق؟‪95 ...............................‬‬‫ املبادرة احلرة‪96 ...................................................‬‬‫ التخطيط وعقلنة االقتصاد‪98 .......................................‬‬‫ أهداف التخطيط‪100 ..............................................‬‬‫الفصل السابع‪ :‬التوزيع‪. .........................................‬‬
‫ مراتب احلاجة‪.................................................‬‬‫ االحتكار‪.....................................................‬‬‫ التبذير‪........................................................‬‬‫‪ -‬التكافل‪.......................................................‬‬
‫‪103‬‬
‫‪105‬‬
‫‪107‬‬
‫‪108‬‬
‫‪110‬‬
‫الفصل الثامن‪ :‬اقتصاد المركزي‪. .................................‬‬
‫ حرية مسؤولة‪..................................................‬‬‫ اقتصاد قريب رفيق‪.............................................‬‬‫ تضخم السكان‪...............................................‬‬‫ ختطيط ال يشل االقتصاد‪.......................................‬‬‫‪ -‬ختطيط مرن‪...................................................‬‬
‫‪113‬‬
‫‪115‬‬
‫‪116‬‬
‫‪117‬‬
‫‪122‬‬
‫‪126‬‬
‫الفصل التاسع‪ :‬النطاق اإليماني‪129 ..................................‬‬
‫ ولو أن أهل القرى‪131 ..............................................‬‬‫ ذكر اهلل يف السوق‪134 .............................................‬‬‫ آداب الـمـكـتـسـب‪137 .............................................‬‬‫ اللقمة احلالل‪139 .................................................‬‬‫ ورع الـتـاجـر‪140 ...................................................‬‬‫ الـغـش حرام‪140 ...................................................‬‬‫ إتقان الصنعة‪142 ..................................................‬‬‫ التكسب بنشاط‪142 ...............................................‬‬‫ حماربة الرتف‪144 ...................................................‬‬‫ تسامح وصدقة‪144 .................................................‬‬‫ معاشرة األغنياء والفقراء‪147 .........................................‬‬‫ الفقري الصابر‪150 ..................................................‬‬‫الفصل العاشر‪ :‬القومة الزراعية‪153 ...................................‬‬
‫ـ أرقام ناطقة‪155 ......................................................‬‬
‫ـ استصالح األرض‪157 ................................................‬‬
‫ـ األرض ملن يزرعها‪160 ................................................‬‬
‫الفصل الحادي عشر‪ :‬بأس الحديد‪163 ..............................‬‬
‫ تصنيع خاسر‪165 ..................................................‬‬‫ قام اإلسالم بالقرآن واحلديد‪166 .....................................‬‬‫ صناعة ثقيلة‪168 ...................................................‬‬‫ التكامل اإلسالمي‪169 ..............................................‬‬‫ تصنيع ذو أهداف‪171 ..............................................‬‬‫‪ -‬توطني التكنولوجيا‪172 ..............................................‬‬
‫الفصل الثاني عشر‪ :‬العمل‪175 ......................................‬‬
‫ جهاد البناء‪177 ...................................................‬‬‫ القاعد عن الكسب ساقط الشرف‪180 ...............................‬‬‫ حقوق العمال‪183 ..................................................‬‬‫ الـنـقـابـة‪185 ........................................................‬‬‫الفصل الثالث عشر‪ :‬العدل‪187 .....................................‬‬
‫ العدل والقسط‪189 .................................................‬‬‫ كونوا قوامني بالقسط‪191 ...........................................‬‬‫ العدل أساس األمن واالستقرار‪194 ...................................‬‬‫ الظلم مؤذن باخلراب‪197 ............................................‬‬‫الفصل الرابع عشر‪ :‬الرخاء‪199 ......................................‬‬
‫ من أصبح آمنا يف سربه ‪201 ........................................‬‬‫ القومة والشدة‪202 ..................................................‬‬‫ نصيبك من الدنيا ينظم آخرتك‪205 ..................................‬‬‫ مصائب قوم‪208 ..................................................‬‬‫ من شق على املسلمني‪210 ...........................................‬‬‫خ ـ ـ ــات ـ ـمـ ــة‪213 .......................................................‬‬