تحميل الملف المرفق

‫قانون االقتصاد الدولي‬
‫اإلرسال الثاني‬
‫الجزء الثالث‪:‬‬
‫اتفاقية الجات وتحولها إلي منظمة التجارة العالمية‬
‫كانت المفاوضات التجارية بين المجموعة األوربية و الواليات المتحدة األمريكية‬
‫و اليابان يوم ‪ 15‬ديسمبر ‪ 1963‬م ‪ ،‬قد اشتملت على عدد كبير من القضايا‬
‫الخالفية ‪ ،‬إال أنها حققت اتفاقا حول الكثير من القضايا األخرى لذلك جاء إعالن‬
‫نجاح الدورة لتثير العديد من التساؤالت ؟‬
‫فما أهمية تلك الدورة بالنسبة لالقتصاد العالمي و البالد النامية على وجه‬
‫الخصوص ؟‬
‫و بصرف النظر عما تحقق و ما لم يتحقق من االتفاقية فإن البالد النامية تشعر‬
‫بنوع من القلق أمام إدراج موضوع الخدمات و الملكية األدبية و الفنية و الصناعية‬
‫و قوانين االستثمار ذات األثر السلبي على التجارة الدولية ‪.‬‬
‫في دورتي األورجواي بـهافانا و المغرب ‪ .‬و إلعطاء المزيد على ذلك سنتعرض‬
‫إلى هذه االتفاقية و تحولها إلى منظمة دولية في التالي ‪:‬‬
‫‪ – 1‬نشأة الجات ‪.‬‬
‫‪ – 2‬اإلطار العام التفاقية الجات ‪.‬‬
‫‪ – 3‬الدول النامية و الجات ‪.‬‬
‫‪ – 4‬جوالت مفاوضات الجات ‪.‬‬
‫* نشأة الجات التاريخية ‪:‬‬
‫كان مطلع سنة ‪ 1946‬م نقطة البداية لنشأة اتفاقية الجات حيث المجلس االقتصادي‬
‫و االجتماعي التابع لمنظمة األمم المتحدة قرارا بعقد مؤتمر دولي لبحث تشكيالت‬
‫التجارة الدولية ‪ .‬و في عاصمة بريطانيا عقدت الدورة األولى للجنة التحضيرية‬
‫للمؤتمر الذي عقد في أكتوبر من عام ‪ 1946‬م ‪ .‬أما الدورة الثانية لهذه اللجنة فقد‬
‫عقدت في جنيف في شهر أفريل إلى أكتوبر من عام ‪ 1947‬م ‪ ،‬و انتهت إلى إعداد‬
‫مشروع ميثاق للتجارة الدولية يتضمن إنشاء منظمة دولية للتجارة ‪.‬‬
‫و لقد أسفرت هذه المفاوضات عن مولد ما يعرف باتفاقية العامة للتعريفات و‬
‫التجارة ( الجات ) و التي أبرمت في ‪ 1947‬م و بدأ العمل بها ابتداء من يناير عام‬
‫‪ 1948‬م ‪ ،‬و كان عدد الدول التي وقفت عليها في البداية ‪ 23‬دولة من بينها ‪:‬‬
‫الواليات المتحدة األمريكية ‪ ،‬فرنسا ‪ ،‬إنجلترا ‪ ،‬هذه االتفاقية التي حل محلها اآلن "‬
‫منظمة التجارة الدولية " ‪.‬‬
‫مرت هذه االتفاقية بعد جوالت منها ‪:‬‬
‫و قد ّ‬
‫‪ – 1‬ميثاق هافانا ‪:‬‬
‫إلزالة ويالت الحرب العالمية الثانية و ما خلفته من خراب في معظم دول العالم ‪،‬‬
‫عمدت الدول الرأسمالية عقب الحرب مباشرة إلى بداية بناء عالم جديد ‪ ،‬هذا العالم‬
‫يهتم بتعمير الدول و تنشيط األداء االقتصادي العالمي ‪ .‬و قد تمخضت هذه الجهود‬
‫عن مولد كل من صندوق النقد الدولي و البنك الدولي لإلنشاء و التعمير ‪.‬‬
‫أما بالنسبة للتجارة العالمية ‪ ،‬فقد اقترحت الدول الرأسمالية عقد مؤتمر دولي‬
‫للتجارة و انعقد في هافانا في الفترة من ‪ 21‬نوفمبر إلى ‪ 24‬مارس ‪ 1948‬م و قد‬
‫سبقته سلسلة من اللقاءات لإلعداد له ‪ ،‬و ما هو جدير باإلشارة إليه أن ميثاق هافانا‬
‫الذي اشتركت ‪ 55‬دولة و لم يحضره االتحاد السوفياتي آنذاك ‪ ،‬فقد أبرز اتجاهات‬
‫السياسات التجارية للدول األعضاء حيث تميزت المساواة في المعاملة الجمركية و‬
‫التركي على تخفيضها سنويا عن طريق المفاوضات ‪ ،‬و سمح هذا الوضع بإنشاء‬
‫االتحادات الجمركية و مناطق التجارة الحرة ‪ ،‬و أن يكون هذا الميثاق اإلطار‬
‫العالمي الثالث المعين بالتجارة ‪ ،‬باإلضافة إلى صندوق النقد الدولي و البنك الدولي‬
‫‪.‬‬
‫و جدير بالذكر أن ميثاق هافانا قد استثنى في مواده بعض الدول األعضاء من‬
‫تخفيض القيود الجمركية في حاالت ثالث ‪ ،‬هذه الحاالت هي ‪:‬‬
‫ المنتجات الزراعية ‪.‬‬‫ إنشاء صناعات جديدة ‪.‬‬‫ عجز ميزان المدفوعات ‪.‬‬‫و تعزب هذه االستثناءات إلى نظرة المجتمع الدولي في ذلك الحين و المبرر هو‬
‫المشاكل االقتصادية التي تواجهها الدول النامية و تقديرا منها لعدم تفاقم هذه‬
‫المشاكل االقتصادية إذا ما أجبرت هذه الدول على تخفيضات جمركية تعارض‬
‫خطط التنمية فيها ‪.‬‬
‫كذلك أعطى ميثاق هافانا عناية بزيادة المنح و اإلعالنات التي تمنحها الدول الغنية‬
‫لقطاعات اإلنتاج منها ‪ ،‬كما أجاز للدول األعضاء مكافحة اإلغراق بفرض رسوم‬
‫جمركية إذا لحق اإلغراق بصناعة محلية أو أثّر على صناعة ناشئة ‪ ،‬و لما كان‬
‫العالم النامي في ذلك الوقت تتنازعه كل من الكتلة من االشتراكية و كتلة الدول‬
‫الرأسمالية ‪ ،‬فقد قرر ميثاق هافانا عدم وضع الحواجز من طرف الدلو المتقدمة‬
‫على صادراتها ‪ ،‬و أوصى بتثبيت أسعار الصادرات من السلع األساسية للدول‬
‫النامية ‪.‬‬
‫و هكذا قدّم ميثاق هافانا منهجيا طموحا في صالح الدول النامية عن طريق انتهاج‬
‫الدول الغنية لسياسات تجارية تخدم مصالح جميع دول العالم ‪ .‬و من ث ّم فقد عدلت‬
‫الدول الغنية عن تطبيق ما جاء به من أحكام ‪ ،‬و من هنا كانت االتفاقية العامة‬
‫للتعريفات التجارية تمثل جزءا فقط من ميثاق هافانا ‪ .‬أما األجزاء األخرى فهي‬
‫التي اصطدمت باعتراض الكونغرس األمريكي ‪ ،‬و من ذلك تثبيت أسعار المواد‬
‫األولية و منع الممارسات االحتكارية في التجارة الدولية ‪ ،‬و تنظيم انتقال‬
‫التكنولوجيا ‪ ،‬و تأمين و تمويل الصادرات و قد دخلت هذه المسائل فيما بعد في‬
‫اختصاص مؤتمر األمم المتحدة للتجارة و التنمية أو ما يسمى اختصارا االنتكاد‬
‫الذي أنشأ سنة ‪ 1964‬م ‪.‬‬
‫* اإلطار العام التفاقية الجات ‪:‬‬
‫تقوم االتفاقية العامة للتعريفات الجمركية و التجارة " الجات " و التي تتضمن‬
‫نظاما شامال للقواعد العامة التي تحكم العالقات التجارية بين األطراف تقع في ‪35‬‬
‫مادة أضيفت لها في عام ‪ 1965‬م ثالثة مواد لتلبية مطالب الدول النامية على ثالثة‬
‫مبادئ رئيسية هي ‪:‬‬
‫ تحرير التجارة ‪.‬‬‫ عدم التمييز بين الدول المختلفة في المعامالت التجارية ‪.‬‬‫ الحماية من خالل التعريفة الجمركية ‪.‬‬‫و هكذا فإن الغرض األساسي من إنشاء الجات هو توسيع التجارة الدولية و تمكين‬
‫الدولة العضو من النفوذ إلى أسواق باقي الدول األعضاء في االتفاقية و ما يتحقق‬
‫التوازن بين الحماية المناسبة للمنتجات الوطنية و بين تدفق و استقرار التجارة‬
‫الدولية ‪ ،‬و لتحقيق هذا الهدف يلتزم األعضاء بنوعين من االلتزامات ‪:‬‬
‫األول ‪ :‬التزامات عامة بالمبادئ العامة لالتفاقية و التي تطبق على كافة األعضاء ‪،‬‬
‫عدا بعض المرونة الممنوحة للدول األولى بالرعاية ‪ ،‬و المعاملة الوطنية و‬
‫الشفافية ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬التزامات محددة و يقصد بها قيام الدولة بتثبيت ( ربط ) كل أو بعض بنود‬
‫تعريفتها الجمركية إلى حدود مقبولة من باقي األطراف المتعاقدة باالتفاقية بحيث ال‬
‫يتم تغيير هذا المستوى المربوط من التعريفة الجمركية إال بعد الرجوع إلى‬
‫األطراف المتعاقدة األخرى و تعويض المتضررين منهم نتيجة التغيير و ذلك وفقا‬
‫لنصوص االتفاقية ‪ .‬و هذه االتفاقية تختلف من دولة ألخرى و ترفق ببروتوكول‬
‫انضمام كل دولة إلى االتفاقية ‪.‬‬
‫* الدول النامية و االتفاقية ‪:‬‬
‫لم تكن تلك المبادئ التي تحكم نظام الجات متفقة و المبادئ األساسية التي قامت‬
‫عليها استراتيجيات الدول المتخلفة للتنمية ‪ ،‬كما أنها لم تأخذ بعين االعتبار ظروفها‬
‫الخاصة ‪ ،‬و من ثم انصرفت الدول النامية إلى إنشاء منظمة أخرى أكثر استجابة‬
‫لمتطلبات التنمية بهدف تنظيم التجارة الدولية على أساس و مبادئ مختلفة تماما‬
‫عن تلك التي قامت عليها الجات و أدى ذلك إلى إنشاء مؤتمر األمم المتحدة للتجارة‬
‫و التنمية المعروف" باالنتكاد "‬
‫مؤتمر األمم المتحدة للتجارة و التنمية " االنتكاد "‬
‫تأسس هذا المؤتمر باعتباره جهازا داعا من أجهزة الجمعية العامة لألمم المتحدة‬
‫في ‪ 1964 / 12 / 20‬م على أساس توجيهات المؤتمر األول للتجارة و التنمية‬
‫الذي عقد في جنيف عام ‪ 1964‬م بهدف تنظيم التجارة الدولية على أساس مختلف‬
‫تماما عن تلك التي قام عليها الجات ‪ .‬و قد جاء االنتكاد انتكاسا الستراتيجيات‬
‫التنمية التي سادت خالل الستينات كرد فعل لمطالب الجنوب في مواجهة الشمال ‪.‬‬
‫و هكذا لم يعلق هذا المؤتمر أهمية كبيرة على تحرير التجارة الخارجية للبالد‬
‫النامية و لم يبدأ التميز و طالب بوجوب قيام النظام التجاري الدولي على أساس‬
‫إعطاء مزايا خاصة للبالد النامية دون غيرها ‪.‬‬
‫و يضم المؤتمر كل الدول األعضاء في األمم المتحدة و كذلك التي ال تنتمي إليها و‬
‫لكنها عضو الواحدة أو أكثر من الوكاالت المتخصصة ظل يعقد دورته كل أربع‬
‫سنوات من تاريخ انعقاده األول في جنيف عام ‪ 1964‬م و المالحظ حتى اآلن أن‬
‫موقف الدول الصناعية المتقدمة منه ال يزال جامدا فضال عن قصوره ألسباب‬
‫عديدة من أهمها ‪:‬‬
‫* تعتبر نتائج المؤتمر من قبل التوصيات ‪ ،‬فال تأخذ شكل االلتزام للدول األعضاء‬
‫فيه ‪.‬‬
‫* موقف مجموعة الدول المتقدمة المتشدد لعدم زعزعة منظمة الجات في توليها‬
‫مهام تنظيم التبادل التجاري الدولي ‪.‬‬
‫* عدم موافقة الدول االشتراكية وقتذاك على بعض مشاكل التجارة في مجموعة‬
‫الدول النامية بحجة عدم اتفاق األحكام التي تنظم سوقها مع آليات السوق‬
‫الرأسمالية ‪.‬‬
‫* تعديل االتفاقية ‪:‬‬
‫أمام الظروف السالفة الذكر و التطورات الحاصلة في التبادالت الدولية لم يكن‬
‫التفاقية الجات حفرا من تعديل االتفاقية األصلية ‪ ،‬و تم إضافة ما يعرف بالقسم‬
‫الرابع الذي أصبح نافذ المفعول منذ عام ‪ 1966‬م ‪.‬‬
‫و بعد إضافة هذا القسم أصبح المظهر العام للجات متعاطفا مع الدول النامية و قد‬
‫نص هذا القسم صراحة أن البالد النامية تتمتع من قبل االتفاقية معاملة خاصة و‬
‫تفضيلية ‪.‬‬
‫و قد شهدت الفترة التي أعقبت ‪ 1966‬م انضمام عدد كبير من البالد النامية إلى‬
‫الجات بعد ما أصبحت االتفاقية توفر لها نوعا من الحماية فضال عن المعاملة‬
‫التفضيلية التي تتيحها عملية التنمية ‪.‬‬
‫و يشمل القسم الجديد ثالثة مواد هي ‪ . 38 ، 37 ، 36 :‬و أهم ما يخدم البالد‬
‫النامية ما جاء في المادة ‪ 37‬و منها ‪:‬‬
‫* التزام الدول المتقدمة ‪:‬‬
‫‪ – 1‬إعطاء األولوية لتخفيض أو إلغاء الحواجز الجمركية على السلع التي‬
‫تتضمن أهمية خاصة بالنسبة للدول النامية سواء كانت مواد أولية أو مصنعة ‪.‬‬
‫‪ -2‬االمتناع عن فرض رسوم أو زيادة عبء الرسوم و الحواجز القائمة‬
‫على منتجات الدول النامية أطراف االتفاقية ‪.‬‬
‫‪ -3‬االمتناع عن فرض إجراءات مالية جديدة ‪ ،‬و عند تعديل السياسة المالية‬
‫تعطى األولية لتخفيض اإلجراءات المالية أو تخفيفها حتى ال تعيق تجارة منتجات‬
‫الدول النامية ‪.‬‬
‫* التزام الدول النامية األخرى ‪:‬‬
‫تلتزم الدول النامية خارج االتفاقية بااللتزامات المنصوص عليها في القسم‬
‫الرابع لمصلحة الدول النامية ‪ ،‬مادامت تتفق مع نموها في الحاضر و المستقبل و‬
‫حاجتها المالية و التجارية ‪.‬‬
‫* جوالت مفاوضات الجات ‪:‬‬
‫كان الهدف األساسي من إنشاء الجات هو تحرير التجارة الدولية ‪ ،‬و قد بذلت‬
‫خالل السنوات األولى من إنشائها مجهودات شتى لتحقيق هذا الغرض و انصب‬
‫االهتمام في البداية على تخفيض الرسوم الجمركية أو تثبيتها على األقل ‪ ،‬لذلك‬
‫أجريت عدة جوالت للمفاوضات بين األطراف المتعاقدة في نطاق الجات للتوصل‬
‫إلى تحقيق هذا الغرض ‪.‬‬
‫فخالل الفترة ‪ 1967 – 1947‬م تم عقد سبع دورات للمفاوضات التجارية مع‬
‫الدول األعضاء و أتبعت بالدورة الثامنة في أورجواي ‪ ،‬و قد تمخض عن كل‬
‫دورة من الدورات تخفيض الحواجز الجمركية خصوصا في مجال السلع‬
‫الصناعية ‪ ،‬و كان من أهم هذه الدورات دورة " كيندي " في النصف األول من‬
‫عقد الستينات و هي التي انتهت بتخفيض الرسوم الجمركية على التجارة الدولية‬
‫فيما بين الدول الصناعية بما يعادل ‪ % 50‬في المتوسط من مستوى التعريفات‬
‫التي كانت سائدة وقت بدء الدورة ‪ .‬و جاءت بعدها دورة " طوكيو " التي انتهت‬
‫بتخفيض الرسوم الجمركية بما يعادل ‪ % 30‬في المتوسط من مستوى التعريفات‬
‫التي كانت سنة ‪ 1947‬م ‪.‬‬
‫و رغم أهمية اإلنجازات التي تمت في إطار الجات خالل الفترة التي سبقت دورة‬
‫أورجواي ‪ ،‬فإن عملية التحرير ظلت قاصرة في ثالث مجاالت أساسية هي ‪:‬‬
‫المجال األول ‪ :‬يتضمن التجارة الدولية بين الدول النامية من ناحية الدول الصناعية‬
‫ذلك أن تحرير انصب على السلع ذات األهمية الخاصة في التجارة بين البلدان‬
‫الصناعية ‪ ،‬و لم تحظى السلع ذات األهمية الخاصة في التجارة بين البلدان النامية‬
‫و الصناعية بنفس األهمية ‪.‬‬
‫و هكذا ظلت الرسوم الجمركية في البلدان الصناعية مرتفعة على صادرات الدول‬
‫النامية ‪ ،‬فباستثناء عمليات التفضيل التي خطيت بها صادرات الدول النامية في‬
‫عقد السبعينات ‪ ،‬إال أن القيود غير التعريفية بقيت عقبة في وجه صادرات عدد‬
‫كبير من السلع الصناعية ذات األهمية الخاصة للبالد النامية‪.‬‬
‫المجال الثاني ‪ :‬يتعلق هذا المجال بسلعة المنتوجات منذ عام ‪ 1962‬م أخرجت هذه‬
‫السلعة تماما من نظام الجات و أخضعت التجارة الدولية فيها التفاقية خاصة هي‬
‫اتفاقية المنتوجات التي اقتصرت في البداية على المنتوجات القطنية ‪ ،‬و اتسعت منذ‬
‫عام ‪ 1974‬م لكي كل المنتوجات و الماليين من القطن أو غيره من األلياف‬
‫الطبيعية أو المصنعة ‪ .‬و هكذا حرمت البالد النامية من االستفادة من تحرير‬
‫التجارة في أهم صناعة تتمتع بها بميزات تنافسية ‪ .‬و بقي الحال هكذا إلى دورة‬
‫األورجواي التي أسفرت عن اتفاق في هذا المجال ‪.‬‬
‫المجال الثالث ‪ :‬يتعلق األمر هنا بعالج مشكلة القيود التعريفية و غير التعريفية‬
‫التي تعيق التجارة الدولية في السلع الزراعية ‪ .‬فعلى الرغم من أن االتفاقية العامة‬
‫للتعريفات و التجارة تشكل كل من السلع الزراعية و السلع الصناعية ‪ ،‬فقد بقيت‬
‫الزراعة خارج نطاق المفاوضات التجارية إلى أن نجحت دورة أورجواي في‬
‫إخضاعها ألول مرة للقواعد التي تحكم التجارة الدولية في السلع الصناعية ‪.‬‬
‫غير أن التراجع الكبير الذي طرأ على عملية تحرير التجارة و على دور الجات‬
‫بصفة عامة ‪ ،‬جاء مع االضطرابات التي عرفها االقتصاد العالمي منذ عقد‬
‫السبعينات و التي بلغت دورتها في النصف األول من عقد الثمانينات ‪.‬‬
‫دورة أورجواي للمفاوضات المتعددة األطراف‬
‫منذ أوائل عقد السبعينات دخل االقتصاد العالمي مرحلة من االضطرابات الشديدة ‪،‬‬
‫و كان لذلك آثار بارزة نذكر منها ‪:‬‬
‫‪ – 1‬انهيار نظام بريتون وودز ألسعار الصرف الثابتة و األخذ بنظام أسعار‬
‫الصرف العائمة ‪ ،‬و قد اقترن ذلك بارتفاع شديد في أسعار الطاقة و تقلبات حادة‬
‫في أسعار العمالت الرئيسية و بصفة خاصة الدوالر ‪ ،‬و ليّن و المارك ‪.‬‬
‫‪ – 2‬انتشار موجة الكساد التضخمي في معظم الدول الصناعية و النامية ‪ ،‬و بروز‬
‫مشكلة المديونية الخارجية عام ‪ 1982‬م مع ظهور اختالالت شديدة في موازين‬
‫المدفوعات ‪ ،‬الشيء الذي أحدث نكسة شديدة المفعول في النظام التجاري العالمي ‪.‬‬
‫‪ – 3‬تراجع القدرة التنافسية للواليات المتحدة األمريكية على الصعيد الدولي في‬
‫مختلف مجاالت التصنيع ‪ ،‬حيث شهد عقد السبعينات و الثمانينات تعاظم مكانة‬
‫اليابان في المجال االقتصادي و تراجع الواليات المتحدة ‪ ،‬و تفوق اإلنتاج‬
‫الصناعي حتى في األسواق األمريكية ‪ ،‬و زاد من مشاكل االقتصاد األمريكي‬
‫ظهور ما يعرف بالنمور األربعة و هي ‪ :‬كوريا الجنوبية ‪ ،‬هونكونغ ‪ ،‬تايوان ‪،‬‬
‫سنغافورة ‪ .‬حيث أصبحت تزاحم الواليات المتحدة األمريكية في أسواقها الدولية و‬
‫سوقها الوطنية ‪ ،‬بينما ظلت أسواق هذه البلدان مغلقة أمام المنتوجات األمريكية ‪ .‬و‬
‫يصدق هذا الكالم أيضا على دول المجموعة األوربية من حيث تراجع قدرتها‬
‫التنافسية أمام منتوجات اليابان و النمور األربعة ‪.‬‬
‫‪ – 4‬تصاعد درجة الحماية التجارية في البالد الصناعية و استحداث أدوات حماية‬
‫جديدة ضد صادرات اليابان و بالد شرق آسيا و بعض البلدان النامية األخرى ‪ .‬و‬
‫تعرف هذه اإلجراءات باسم " اإلجراءات الرمادية " ضد منافسة السلع األجنبية‬
‫لصالح البلدان الصناعية و هذا باستخدام ثالثة أنواع هي ‪:‬‬
‫النوع األول ‪ :‬يعرف بالتقيد االدخاري للصادرات ‪.‬‬
‫النوع الثاني ‪ :‬هو التنوع االختياري في الواردات ‪.‬‬
‫النوع الثالث ‪ :‬و هو يشمل ترتيبات التسويق المنظم ‪.‬‬
‫و رغم أن الواليات المتحدة األمريكية و المجموعة األوربية نجحت في احتواء‬
‫المنافسة اليابانية و بالد شرق آسيا عن طريق تلك اإلجراءات ‪ ،‬إال أنه بات‬
‫واضحا أن مثل تلك السياسة البد أن تفضي إلى حرب تجارية ‪ ،‬حيث تنتشر‬
‫النزعة الحمائية في كل بالد العالم و هذا وحده يكفي لتهديد النظام التجاري الدولي‬
‫‪.‬‬
‫‪ – 5‬عدم قدرة بعض الدول الغنية االستمرار في دعم بعض الصناعات و األنشطة‬
‫االقتصادية ‪ ،‬و خاصة الزراعية منها ذات القدرة التنافسية المنخفضة في السوق‬
‫الدولية ‪ .‬األمر الذي أدى إلى حدوث عجز في موازين المدفوعات لكثير من البلدان‬
‫‪.‬‬
‫‪ – 6‬تعاظم أهمية الخدمات في العالقات االقتصادية الدولية و في الهيكل اإلنتاجي‬
‫لعدد كبير من الدول الصناعية ‪.‬‬
‫‪ – 7‬سيادة نظام السوق الحر في االقتصاد العالمي خاصة بعد انهيار الكتلة‬
‫االشتراكية ‪ .‬فلم يعد هناك إال سوق الدول الغنية التي تنتهج الرأسمالية و ال مناص‬
‫للدول النامية إال االندماج ‪.‬‬
‫لكل ما سبق أصبح من غير الممكن االستمرار في معالم االقتصاد العالمي القديم‬
‫الذي بنيت معالمه غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية ‪ .‬و عليه بات من الضروري‬
‫إعادة النظر في األداء االقتصادي عالميا على ضوء المعطيات الجديدة ‪.‬‬
‫المنظمة العالمية للتجارة‬
‫لم تكن اتفاقية الجات في صورتها األصلية منظمة دولية بالمعنى المتعارف عليه‬
‫لهذا االصطالح ‪ ،‬حيث كانت الجات تفتقد لألجهزة الدائمة التي تتميز بها‬
‫المنظمات الدولية ‪ .‬و كل ما هنالك هو وجود بعض اللجان الحكومية المؤقتة التي‬
‫تقوم بأداء المهام المحددة و ينتهي وجودها بانتهاء مهمتها ‪ ،‬قد كان لدورة‬
‫أورجواي أثر كبير في إنشاء منظمة التجارة العالمية تحت إشراف الجات بعد مدة‬
‫زمنية معينة ‪.‬‬
‫و تضم المنظمة الجديدة تلك األجهزة التي كانت غائبة في تنظيم الجات ‪ ،‬و يعتبر‬
‫المجلس الوزاري الذي يتكون من وزراء التجارة في الدول األعضاء للمنظمة‬
‫أعلى مجلس في هيكلها المؤسسي ‪ .‬و ينعقد هذا المجلس مدة كل سنتين في دورة‬
‫للنظر في األعمال التي يقوم بها المجلس العام الذي يلي المجلس الوزاري في‬
‫األهمية ‪.‬‬
‫و يتفرع عن المجلس الوزاري ثالث لجان هي ‪:‬‬
‫ اللجنة األولى ‪ :‬لجنة التجارة و التنمية ‪.‬‬‫ اللجنة الثانية ‪ :‬لجنة ميزان المدفوعات ‪.‬‬‫ اللجنة الثالثة ‪ :‬لجنة الميزانية و المالية و اإلدارة ‪.‬‬‫في حين يتولى المجلس العام للمنظمة إدارة شؤون المنظمة خالل الفترة التي ال‬
‫ينعقد فيها المؤتمر الوزاري ‪ ،‬و هو ذو حق اجتماع بصفة دورية لإلشراف على‬
‫تنفيذ االتفاقيات و القرارات اإلدارية و تتبعه عدة مجالس تختص بالمجاالت الثالثة‬
‫الرئيسية لعمل المنظمة و هم ‪:‬‬
‫‪ – 1‬مجلس التجارة في السلع ‪ :‬حيث تذوب فيه اتفاقية الجات الحالية باإلضافة إلى‬
‫ما ت ّم التوصل إليه في هذا المجال ‪ ،‬خاصة في مجال الزراعة و المنتوجات‬
‫باإلضافة إلى التعديالت في الموضوعات المؤسسية في اتفاقية الجات ‪ 1947‬م ‪ ،‬و‬
‫يهدف إلى تحسين و تنظيم التجارة في مجال السلع ‪.‬‬
‫‪ – 2‬مجلس التجارة في الخدمات ‪ :‬و يمثل الجهاز التنفيذي إلدارة االتفاقية الجديدة‬
‫المتعددة األطراف للتجارة في الخدمات ( اإلطار العام ) و تنفيذها من خالل‬
‫االلتزامات الموحدة للدول األعضاء في االتفاقية الجديدة ‪.‬‬
‫‪ – 3‬مجلس تجارة الحقوق و الملكية الفكرية ‪ :‬و هو اإلدارة التنفيذية التفاقات‬
‫الملكية الفكرية التي تم التوصل إليها المفاوضات و مفاوضات جولة أورجواي في‬
‫هذا المجال الجديد ‪.‬‬
‫‪ – 4‬يضاف إلى المجالس الثالث السابقة أمانة المنظمة و النظام المتكامل لتسوية‬
‫النزاعات التي تنشأ بين الدول األعضاء في منظمة التجارة العالمية عند تطبيق‬
‫االلتزامات و ممارسات الحقوق الواردة بها ‪.‬‬
‫و هكذا و بقيام األركان المؤسسية لالتفاقية تصبح منظمة التجارة العالمية أحد‬
‫المرتكزات الثالثة التي يقوم عليها االقتصاد العالمي ‪ ،‬إلى جانب صندوق النقد‬
‫الدولي و البنك الدولي لإلنشاء و التعمير ‪ ،‬و بهذا تكتمل المؤسسات التي تشرف‬
‫على االقتصاد العالمي في المجاالت النقدية و المصرفية و المجاالت المالية و‬
‫المجاالت التجارية ‪.‬‬
‫و ما يمكن قوله ‪ ،‬لقد جاءت دورة أورجواي مختلفة كل االختالف عن كل‬
‫الدورات السابقة سواء من حيث اتساع الرقعة التي حاولت تغطيتها أو من حيث‬
‫تصديها لقضايا جديدة ‪ ،‬لذلك لم يكن ثمة مفر من إنشاء منظمة جديدة يمكن أن‬
‫تعالج موضوع الخدمات كما تعالج موضوعات السلع ‪ ،‬و يمكن أن تتعرض‬
‫لتحرير القوانين و اللوائح الداخلية كما تتعرض للقيود التعريفية و غير التعريفية ‪،‬‬
‫و من هنا كان العمل على تحويل الجات إلى منظمة التجارة العالمية ‪.‬‬
‫االتفاقية العامة حول تحرير و تجارة الخدمات " جاتز "‬
‫لقد تمت هذه االتفاقية و تحققت تحت ضغط الواليات المتحدة األمريكية و بصفة‬
‫خاصة و الدلو األوربية الصناعية بصفة عامة ‪ ،‬كتسوية بين اعتبارات تحرير‬
‫التجارة العالمية في السلع مقابل تحرير التجارة العالمية في الخدمات و حماية‬
‫حقوق الملكية الفكرية التي تسيطر عليها هذه الدول بصفة خاصة و لبناء هذه‬
‫االتفاقية تؤكد الدورة على ركيزتين كبيرتين ‪ ،‬كل ركيزة تتضمن مجموعة من‬
‫االلتزامات أهمها ‪:‬‬
‫* المبادئ العامة و القواعد التي ترتب عناصر االلتزام التي تلقي على عاتق الدولة‬
‫التي تنضم لالتفاقية تخص تلك العوامل التي تؤثر في تجارة الخدمات ‪.‬‬
‫* االلتزامات المحددة للتفاوض في مجال الخدمات و قطاعات إنتاج الخدمة‬
‫فاالتفاقية تحتوي على بعض المالحق و التي تراعي خصوصية بعض القطاعات‬
‫و مذكرات التفاهم ‪ .‬و قد عرفت الخدمات في االتفاقية بأنها تعني كافة الخدمات‬
‫ذات الطابع التجاري التي تفقدها جميع القطاعات باستثناء الخدمات المتعلقة‬
‫بوظائف الدولة الرئيسية بالمفهوم التقليدي‪. 1‬‬
‫و قد صنفت الخدمات التي تشملها االتفاقية في أربعة أنواع رئيسية ‪:‬‬
‫‪ – 1‬الخدمات المتفعلة فيما بينها فيما بين الحدود و التي ال تتطلب االنتقال الطبيعي‬
‫للمنتج ( العارض ) أو المستهلك ‪.‬‬
‫‪ - 1‬و أهمها ‪ :‬الخدمات المالية ( البنوك – التأمين – سوق المال ) خدمات النقل ( بري – بحري – جوي ) االتصاالت‬
‫السلكية و الالسلكية ‪ ،‬الخدمات االستشارية ‪ ،‬المقاوالت و االستثناء و التعمير ‪ ،‬السياحة بكل أشكالها ‪ ،‬الخدمات المهنية و‬
‫التعليم ‪ ،‬الطب ‪ ،‬المحاماة ‪ ،‬المحاسبة و المراجعة ‪... ،‬الخ ‪.‬‬
‫‪ – 2‬الخدمات التي تباع أو تقدم في إقليم أحد األعضاء بواسطة وحدة شرعية تقيم‬
‫و لها وجود في هذا اإلقليم أو في إقليم عضو آخر ( الوجود التجاري – االستثمار‬
‫المباشر ) ‪.‬‬
‫‪ – 3‬الخدمات التي تحتاج إلى انتقال المستهلك إلى مكان المنتج ‪.‬‬
‫‪ – 4‬الخدمات التي تحتاج إلى انتقال مؤقت لألشخاص الطبيعية و الخدمات المقدمة‬
‫أو األشخاص المستخدمة لدى المنتج الذي هو من مواطني دولة عضو في االتفاقية‬
‫‪.‬‬
‫أما العوائق التي تعترض هذه االتفاقية حيث تحول دون حركة الخدمات بالشكل‬
‫المطلوب ‪ ،‬و التي تسعى االتفاقية إلى إلغائها أو تقليل أثر عوامل اإلعاقة ‪.‬‬
‫و من العوائق األكثر اتساعا تلك النصوص المتفق عليها في اتفاقية الجات بالنسبة‬
‫للسلع ‪ ،‬فباإلضافة إلى التعريفات و الحصص تضاف أيضا السياسات المعقدة و‬
‫المقيدة لالستثمار األجنبي المباشر و النظم الرقابية المصححة ‪ ،‬و عموما فإن‬
‫اتفاقية الجاتز تعتر االتفاقية المتعددة األطراف األولى التي تعترف بعدم شرعية‬
‫نظم الرقابة التجارية و إجراءات التمييز التي تؤثر على حرية التجارة أو دخول‬
‫الخدمات فيما وراء الحدود الوطنية‬
‫و نخلص ف النهاية إلى أهم العوائق التي تعترض حرية التجارة في الخدمات على‬
‫أساس تجميع هذه العوائق إلى عوائق طبيعية و عوائق صناعية أو إنسانية أو من‬
‫وضع الحكومات و الدول ‪:‬‬
‫* العوائق الطبيعية ‪ :‬هذه العوائق تعود إلى طبيعة الخدمات ‪ ،‬فأحيانا تكون بعض‬
‫الخدمات غير قابلة للتخزين ‪ ،‬و تحتاج المواجهة المباشرة بين المنتج و المستهلك‬
‫في نفس المكان إلتمام المعاملة ‪ ،‬و يكون صعبا على المستهلك التحقق من جودة‬
‫الخدمة أو صالحها ‪ ،‬و هذا ما يستدعي عالقة وثيقة بين المنتج و المستهلك ‪ ،‬و من‬
‫أهم العوائق الطبيعية الفروق الثقافية و اللغوية مقارنة مع السلع ‪ .‬فاالستثمار‬
‫األجنبي المباشر غالبا ما يعاني من هذا العائق الطبيعي و مطلوب منه أن يتغلب‬
‫عليه ‪.‬‬
‫* العوائق الصناعية ‪ :‬فهي تنقسم إلى جانبين بحسب ما تثيره في تمييز تجاه‬
‫الموردين األجانب ‪ ،‬فالعوائق و القيود على التجارة في الخدمات قد تكون مماثلة‬
‫للعوائق على التجارة في السلع من حيث فرض الضرائب و الحصص و التعريفات‬
‫على المنتجات من السلع األجنبية ‪.‬‬
‫و هناك عوائق أخرى يصعب تطبيقها على السلع و يمكن تطبيقها على الخدمات‬
‫مثل ‪:‬‬
‫‪-‬‬
‫العوائق المانعة أو المحرمة ‪ :‬فهي ببساطة منع األجانب من ممارسة‬
‫بعض الخدمات أو خضوعهم لقواعد خاصة ‪ :‬كالتأمين الذي يمارس فيه‬
‫الممانعة ‪ ،‬و اإلذاعات التي عادة تخضع لنظام الحصص ( أي البرامج‬
‫المقيدة )‬
‫ العوائق المنظمة ‪ :‬فهي تخضع لمجموعة شروط كاالستثمار حيث يسبب‬‫التغيرات التكنولوجية يخضع لقيود هامة مثل التشدد الذي تضعه الحكومات‬
‫أو فرض إجراءات تميزية لدخول بعض الخدمات و عليه فمن أهم أهداف‬
‫جاتز هو وضع حدود لهذه القيود على االستثمار المباشر و وضعت لذلك‬
‫بعض القواعد نستعرض أهمها مقارنة باتفاقية الجات هذه القواعد هي ‪:‬‬
‫أوال ‪ :‬مبدأ الدولة األولى بالرعاية ‪:‬‬
‫و يعني هذا المبدأ أن أية ميزة تتعلق بتجارة الخدمات التي يمنحها طرف لطرف‬
‫آخر في االتفاق أو لدولة خارج االتفاق ‪ ،‬تطبق فورا و دون شروط على كافة‬
‫األطراف في االتفاق مع عدم التمييز بين موردي الخدمات األجانب من حيث‬
‫الدخول إلى األسواق و شروط التشغيل و هذا مطابق للشروط في االتفاقية الخاصة‬
‫بالجات و الفارق الوحيد أنه في ظل اتفاقية الجاتز يمكن منح إعفاء زمني محدد‬
‫لبعض الصناعات من مبدأ الدولة األولى بالرعاية عند توقيع االتفاقية و هذا‬
‫االختبار غير وارد و غير مطبق في اتفاقية الجات ‪ ،‬و يطبق مبدأ الدولة األولى‬
‫بالرعاية بالنسبة للتجارة في كل من الخدمات كما تعرفها المادة ( ‪ ) 1‬من االتفاقية‬
‫‪.‬‬
‫و نظرا الختالف الدول فيما يتعلق بدرجة انفتاح السوق أمام الخدمات بين مختلف‬
‫الدول أعطيت استثناءات من تطبيق هذا المبدأ لمدة معينة ال تتجاوز عشرة سنوات‬
‫تخضع لمراجعة دورية ‪ .‬ث ّم أضيف ملحق يتعلق بالخدمات المالية نص فيه على أن‬
‫مفاوضات سوق تجري خالل ستة أشهر من توقيع االتفاقية أو إنشاء منظمة‬
‫التجارة إلنهاء االتفاق حول هذا الموضوع ‪ ،‬كذلك اتخذ قرار بالنسبة لقطاعي‬
‫االتصاالت و النقل البحري لكي تستثني من مبدأ الدولة األولى بالرعاية ‪ ،‬على أن‬
‫يعمل األعضاء إلى الوصول إلى اتفاق حولها ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬مبدأ المعاملة الوطنية ‪:‬‬
‫هذا الشرط الذي يكمل شرط الدولة األولى بالرعاية ‪ ،‬يقضي بأن تعامل الخدمات‬
‫األجنبية طالما دخلت حدود الدولة المعنية ‪ ،‬مهما كانت اإلجراءات المتخذة معها ‪،‬‬
‫و بعد تأدية الرسوم الجمركية أو اإلعفاء منها ‪ ،‬معاملة السلع و الخدمات الوطنية‬
‫من حيث الضرائب المفروضة و اإلجراءات التي تخضع ال في تسويقها ( في‬
‫اتفاقية الجاتز ) أن هذا االلتزام يطبق فقط على قطاع الخدمات ‪ ،‬و القطاعات‬
‫التابعة لها و التي تقرر الدولة وضعها على قائمة التزاماتها بالرغم من أن هذا‬
‫الشرط قد ال يحقق المنافسة الحقيقية بين الخدمات الوطنية و األجنبية ‪ .‬و هذا‬
‫الشرط يتسع أيضا ليشمل تعهد الدولة بعدم التوسع في السياسات التي تخالف مبدأ‬
‫المعاملة بالمثل ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬مبدأ حرية الدخول إلى األسواق دون عوائق ‪:‬‬
‫لم تحدد االتفاقية ماذا يقصد بحرية الدخول لألسواق و مع ذلك اتفق على منع ستة‬
‫إجراءات تجاه الخدمات األجنبية الواردة في جدول التزامات كل دولة و المعلن‬
‫عنها و تتمثل هذه القاعدة في منع وضع أي قيود أو حدود على ‪:‬‬
‫‪-‬‬
‫عدد الموردين األجانب إلى الدولة المضيفة ‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫قيمة المعامالت و األصول المتعلقة بالخدمة ‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫حجم الناتج من الخدمات ‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫عدد األشخاص الطبيعيين األجانب القائمين بتقديم الخدمة ‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫الشكل القانوني للوحدة التي تقدم من خاللها الخدمة ( فروع أو وكالء‬
‫‪....‬الخ )‬
‫قيمة مساهمة رؤوس األموال سواء تعلق األمر بالحد األقصى للقيمة‬
‫‪-‬‬
‫المطلقة لالستثمار أو من حيث القيمة النسبية للمشاركة ‪.‬‬
‫و نالحظ أن التعهدات الخاصة بهذه االتفاقية تفترض أن االلتزامات السابقة تطبق‬
‫فقط على القطاعات و القطاعات الفرعية من قطاع الخدمات التي ستقبل الدولة فتح‬
‫أسواقها بالنسبة لها أو ما يعرف بالمنافسة األجنبية و تضعها على جدول التزاماتها‬
‫‪.‬‬
‫و هنا تختلف اتفاقية الجات مع اتفاقية الجاتز من حيث أنه في األولى يجب على كل‬
‫دولة أن تقدم قائمة بتعريفاتها الجمركية إليها و أن تلتزم بأن تمثل تلك التعريفات‬
‫الحدود القصوى ‪ ،‬أي ال تستطيع أن تزيد حدود هذه التعريفات عما هو معلن و إال‬
‫تعرضت للعقوبات ‪ ،‬أما بالنسبة للجاتز فكل دولة أن تقدم قائمة بالقطاعات التي‬
‫تنطبق بالنسبة لها حرية دخول األسواق و المعاملة الوطنية أيا كانت هذه‬
‫اإلجراءات ‪ ،‬و سواء استهدفت المحافظة على هذا المبدأ أو مخالفته ‪.‬‬
‫و هكذا فإن هيكل االتفاقية الخاصة بالخدمات ( الجاتز ) يقوم على التدرج و‬
‫المفاوضة على تحرير التجارة قطاعـيا أي قطاع بقطاع و دولة بدولة حيث أن مبدأ‬
‫عدم التمييز في المعاملة الوطنية و حرية الدخول إلى األسواق و إلغاء كافة أشكال‬
‫التفرقة في المعاملة بين الخدمات الوطنية و الخدمات األجنبية ال يجب أن يتم مرة‬
‫واحدة ‪ ،‬و بالنسبة لكافة الخدمات بمعنى آخر فإن انضمام أية دولة لالتفاقية يعني‬
‫االلتزام الفردي بتحرير التجارة في الخدمات في القطاعات الرئيسية و الفرعية‬
‫التي تقبل فيها الدولة ذلك وفقا لحدود و الشروط التي تضعها في هذا الشأن و‬
‫الموعد المحدد للجدول لقبول االلتزام و بالطبع فإن ذلك يكون وفقا لظروف كل‬
‫دولة على حدة ‪ ،‬و في هذا تختلف الجاتز عن الجات ‪ ،‬و ربما يكون هذا ضروريا‬
‫ألن الخدمات تخضع لنظم متعددة في الرقابة و التنظيم على مستوى كل دولة و‬
‫ذلك بعكس السلع التي قد يكون فيها اتفاق عام بين الدول ‪.‬‬
‫حرمت بعض الممارسات الرقابية إال‬
‫و إذا كانت اإلجراءات في اتفاقية الجاتز قد ّ‬
‫أن هناك كثير من النظم الزالت باقية على إقرار بعض التصرفات غير المرغوب‬
‫فيها و التي يمكن أن تعوق التجارة في الخدمات و خاصة فيما يتعلق باالستثمار‬
‫المباشر و تنقصها الشفافية و الكثير من اإلجراءات التي أقرتها الجاتز أو قد‬
‫تستخدمها الحكومات تحقق أغراض داخلية أخرى على المستوى المحلي مثل عدم‬
‫تحديد عدد المشروعات التي تستخدمها الدولة لمنع االحتكار و على أي حال فإن‬
‫المنازعات في هذا االتجاه سوف تترتب على تطبيق هذه االتفاقية و التي سوف‬
‫تقوم بحلها منظمة التجارة العالمية في اآلجال الالحقة من خالل آليات و قواعدها ‪.‬‬
‫إذ من الممكن مثال أن يستخدم مشروع أجنبي المادة ( ‪ ) 16‬من االتفاقية ضد‬
‫الدولة المعنية معارضا تنظيم السوق بطريقة تخفي معها تميزا أو قيودا على حرية‬
‫الدخول ‪ ،‬و سوف يعتمد في نظام حل المنازعات على التحكيم ‪ ،‬و هنا تختلف‬
‫الجاتز عن االتفاقيات اإلقليمية التكاملية حول حرية التجارة في الخدمات فالجاتز‬
‫تسمح ألعضائها بمواصلة التحرير التفضيلي المتدرج األمر الذي يقلل من تأثير‬
‫إجراءات طرف ضد طرف آخر في حين أن االتفاقات اإلقليمية تسعى إلى إزالة‬
‫كل أنواع التمييز األساسية بين األعضاء سواء من حيث إلغاء كل اإلجراءات‬
‫التمييزية أو منع إجراءات جديدة بين األعضاء فقط ‪ .‬فاالنضمام لمنطقة تجارة‬
‫حرة قد يعني أن تزيد الدولة من العوائق ضد الدول غير األعضاء في المنظمة‬
‫حتى و لو لم تتبع الدول األعضاء األخرى نفس اإلجراء ‪.‬‬
‫و عموما فإن الحكم على كفاءة االتفاقية ( الجاتز ) فيما يتعلق بصناعة الخدمات و‬
‫تحرير األسواق يتوقف على النتائج اآلتية ‪:‬‬
‫‪ – 1‬من المالحظ أن االنضمام على االتفاقية المتعددة حول الخدمات يفترض اتباع‬
‫نظام معين و الخضوع لقيود و مجبرات متعددة تؤثر في السياسة الوطنية لكل‬
‫دولة و تساعد الدولة على إجراء التغييرات الداخلية و أن تقاوم تأثير جماعات‬
‫الضغط التي تسعى لحماية مصالحها من خالل تقييد حركة التجارة في الخدمات ‪،‬‬
‫و هذا يعود إلى أنها تمثل تكلفة يتحملها االقتصاد ككل عندما يرغب االرتداد عن‬
‫تعهداته ‪.‬‬
‫‪ – 2‬الجات يلتزم بالتحكيم إذا رغب عضو في االنسحاب بعد التعهد و هذا ال يتم‬
‫إال عن طريق التحكيم ‪.‬‬
‫‪ – 3‬من المحتمل الوصول إلى حلول توفيقية فيما يتعلق بالخدمات المالية و‬
‫االتصاالت في القريب العاجل دون التحكيم ‪ ،‬حتى تكتمل االتفاقية ‪.‬‬
‫‪ – 4‬بالنسبة للدول النامية فإن المشكلة تتمثل في أن الكثير من هذه الدول تحوز‬
‫على مزايا نسبية في بعض قطاعات الخدمات و لكنها ترتبط غالبا بحركة العمالة و‬
‫هذا هو األسلوب األخير النسياب الخدمات الذي ترك جانبا و لم يحدث أي تحرك‬
‫فيه من جانب الدول الصناعية لصالح الدول النامية و يبدو األمر غامضا في هذه‬
‫االتفاقية و سوف يتوقف مستقبل المفاوضات على كفاءة الدول النامية و قدرتها‬
‫على إدخال موضوع انتقال األشخاص الذين يقدمون الخدمات في إطار هذه‬
‫االتفاقية باعتبارها تحوز على موارد هامة في هذا المجال ‪.‬‬
‫و الدول النامية تحتاج إلى تحرير أسواقها و سهولة الدخول إليها بالنسبة للخدمات‬
‫‪ ،‬ألن هذا يعني رفع الكفاءة االقتصادية سواء بالنسبة للمستهلك أو بالنسبة‬
‫للمشروعات الوطنية المنافسة و ذلك للحصول على خدمة أفضل و بسعر أقل و في‬
‫أسرع وقت و المشكلة هنا هل تستطيع الجاتز أن تحقق ذلك للدول النامية أمام نفوذ‬
‫و قوى الضغط الداخلية لذوي المصالح ؟ ‪.‬‬
‫و بصفة عامة فقد حددت االتفاقية أسلوب زيادة مساهمة الدول النامية في هذا‬
‫المجال و ذلك بتقديم بعض االلتزامات المحددة من أطراف االتفاق في االتجاهات‬
‫التالية ‪:‬‬
‫‪-‬‬
‫تقوية إمكانيات قطاع الخدمات في الدول النامية عن طريق نقل‬
‫التكنولوجيا على أسس تجارية ‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫تحسين نفاذ خدمات الدول النامية عن طريق قنوات التوزيع و شبكات‬
‫المعلومات للدول المتطورة ‪.‬‬
‫‪-‬‬
‫تحرير قطاعات الخدمات التي تهم الدول النامية في مجال التصدير‬
‫مع تسهيل عملية النفاذ إلى األسواق الدولية ‪.‬‬
‫‪ – 5‬من المالحظ أخيرا أن الجاتز تفرض بعض القيود على السياسات المتبعة و‬
‫السيادة الوطنية فهي تتطلب عدم التمييز بين مختلف المصادر التي تقدم الخدمات و‬
‫هي تسمح للدول باتباع سياسات تحقق الكفاءة االقتصادية و المنافسة و تعطي‬
‫الكثير من المبررات لحماية االقتصاد القومي ‪ ،‬مثال ذلك ‪ :‬اإلجراءات الواجب‬
‫اتباعها الستخدام مبدأ ضمان السالمة في توازن ميزان المدفوعات و كذلك الجاتز‬
‫ال تطلب مساهمة الدولة لتغيير نظام الرقابة على صناعة الخدمات و أن تتبع‬
‫سياسة فعلية لمواجهة االحتكار فإذا كانت الحرية تعادل ببساطة زيادة منافذ الدخول‬
‫فإنه ببساطة أخرى لن يترتب عليها سوى إعادة توزيع العائد بين المشروعات‬
‫المختلفة ‪.‬‬
‫االتفاقية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية " تريبس "‬
‫تمثل هذه االتفاقية ‪ 73‬مادة وضعت بهدف تحرير التجارة العالمية مع أخذ االعتبار‬
‫في أمرين أساسيين هما ‪:‬‬
‫‪ – 1‬ضرورة تشجيع الحماية الفعلية و المالئمة لحماية حقوق الملكية الفكرية ‪.‬‬
‫‪ – 2‬ضمان اإلجراءات المتخذة إلنفاذ حقوق الملكية الفكرية في التجارة المشروعة‬
‫‪.‬‬
‫لم يكن الطريق معبدا أمام هذين األمرين حيث كان واجبا الموازنة بينهما بعناية و‬
‫وعي ‪ ،‬و بعد ‪ 7‬سنوات من التفاوض ت ّم التوصل إلى نص هذه االتفاقية الذي يتميز‬
‫بميزة مهمة هي أنها ال تتعامل إال مع الجوانب المتصلة بالتجارة في مجال حقوق‬
‫الملكية الفكرية ال غير مع اإلبقاء على االتفاقية الدولية القائمة دون منح أية دولة‬
‫عضو الحق في أي فترات زمنية السماح باالنتقال في هذا النطاق مبدأ معاملة‬
‫الدولة الوطنية و معاملة الدولة األولى بالرعاية و قد استدعى تنظيم هذه العالقة‬
‫المتداخلة بين اتفاقية تريبس و سائر االتفاقيات حتمية إيجاد نوع من التعاون بين‬
‫المنظمة التي تسهر على تطبيق اتفاقية تريبس و هي منظمة التجارة العالمية و‬
‫المنظمة العالمية للملكية الفكرية ‪ .‬فقد اتفقتا في ‪ – 22‬ديسمبر – ‪ 1995‬م على بدء‬
‫العمل بـ ‪ " :‬اتفاقية تريبس " اعتبارا من ‪ – 1‬يناير – ‪ 1996‬م و بوسع كل منظمة‬
‫وضع نهاية لذا االتفاق بعد مرور سنة ميالدية كاملة على تسليمها إخطار إلى‬
‫المنظمة األخرى و مع ذلك لم يكن األمر بهذه السهولة ليحسم بمجرد االتفاق حيث‬
‫تضمنت اتفاقية تريبس نصوصا موضوعية صيغت صياغة أكثر مرونة و أحيانا‬
‫أكثر سعة مما ورد في عدد من االتفاقيات الدولية القائمة و الحاكمة لحماية الملكية‬
‫الفكرية و هي اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية ( ‪ 1967‬م ) و اتفاقية بيرن‬
‫لحماية المصنفات األدبية و الفنية‬
‫( ‪ 1971‬م ) و اتفاقية روما لحماية فناني‬
‫األداء و منتجي التسجيالت الصوتية و هيئات اإلذاعة ( ‪ 1961‬م ) و اتفاقية‬
‫واشنطن لحماية الملكية الفكرية للدوائر المتكاملة ( ‪ 1989‬م ) و قد أثار هذا‬
‫المسلك تساؤالت عن مدى جواز اعتبار النصوص الجديدة الواردة في االتفاقية‬
‫األخيرة ‪ :‬تريبس معدلة لهذه االتفاقيات ؟ ‪.‬‬
‫و قد وردت اإلجابة على هذه التساؤالت في معاهدة فيينا الصادرة سنة ‪ 1969‬م‬
‫بشأن المعاهدات حيث تنص صراحة في مادتها ( ‪ ) 30‬على أن تكون نصوص‬
‫االتفاقية األحدث وحدها واجبة التطبيق كلما كانت هناك وحدة للموضوع و وحدة‬
‫لألطراف و هنا تبرز فرضيتان ‪،‬‬
‫األولى ‪ :‬انطباق اتفاقية تريبس وحدها و يكون ذلك في حالتين هما ‪:‬‬
‫أ – أن تكون الدولة المعنية عضو في اتفاقية تريبس وحدها ‪.‬‬
‫ب – أن تكون الدولة المعنية بالفعل في اتفاقية أو أكثر من االتفاقيات سالفة الذكر ‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬عدم انطباق اتفاقية تريبس و يكون ذلك إذا أبدت الدولة رغبة في‬
‫االنضمام إلى االتفاقية سواء كانت عضو في اتفاقية دولية أو أكثر ‪ ،‬أو لم تكن‬
‫منظمة على اإلطالق ‪.‬‬
‫ففي جميع الحاالت السابقة تبقى االتفاقية حسب معاهدة فيينا أن اتفاقية تريبس هي‬
‫واجبة التطبيق ‪.‬‬
‫و جدير بالذكر أن هذه االتفاقية قد قسمت دول العالم إلى طوائف ثالثة ‪ ،‬و ترتب‬
‫على ذلك وضعا قانونيا مختلفا لكل طائفة من الدول التي تدخل في عضوية اتفاقية‬
‫إنشاء منظمة التجارة العالمية على النحو اآلتي ‪:‬‬
‫ الطائفة األولى ‪ :‬دول العالم المتقدم ‪ ،‬و تلتزم بتطبيق اتفاقية " تريبس " منذ‬‫اليوم األول من شهر يناير ‪ 1996‬م ‪.‬‬
‫ الطائفة الثانية ‪ :‬دول العالم النامية و تتمتع بحق فترة السماح ألحكام التفاقية‬‫تريبس فيما عدا النصوص الخاصة بالدولة األولى بالرعاية و المعاملة الوطنية ‪،‬‬
‫مدتها أربع سنوات تنتهي في بداية شهر يناير سنة ‪ 2000‬م ‪.‬‬
‫و يأخذ حكم هذه الدول كل من الدول السائرة في طريق التحول من االقتصاد‬
‫المركزي المخطط إلى نظام اقتصاد السوق الحر – أنظر المادة ‪ 35251/65‬من‬
‫االتفاقية الخاصة بالملكية الفكرية حيث ألزمت هذه االتفاقية مجموعة هذه الدول‬
‫بأن التغيير في منظومة قوانينها و اللوائح التنظيمية و تطبيقاتها خالل فترة السماح‬
‫يتوافق مع االتجاه العام ألهداف االتفاقية و أن ال تتعارض مع محتويات المادة (‬
‫‪ 65‬من االتفاقية ) ‪.‬‬
‫و يجوز الحصول على مدة سماح إضافية تنتهي في األول من شهر يناير سنة‬
‫‪ 2005‬م بالنسبة لبعض المنتجات المستفيدة من الحماية ببراءات االختراع في‬
‫حدود معينة من المادة ( ‪. ) 4 / 65‬‬
‫ الطائفة الثالثة ‪:‬‬‫دول العالم األقل نموا ‪ ،‬و تتمتع بالحق في فترة سماح فيما عدا النصوص الخاصة‬
‫بالمعاملة الوطنية و مبدأ الدول األولى بالرعاية ‪ ،‬مدتها عشر سنوات تنتهي في‬
‫األول من يناير سنة ‪ 2006‬م ‪.‬‬
‫مع جواز تمديد هذه المدة بقرار من المجلس الخاص بالمعامالت التجارية في‬
‫اتفاقية حقوق الملكية الفكرية التابع لمنظمة التجارة الدولية ‪ ،‬استجابة لطلب وجيه‬
‫يقدم من هذه الدول مجتمعة أو منفردة حسب ما تتضمنه المادة ( ‪ ) 1 / 66‬من‬
‫االتفاقية ‪.‬‬
‫و يلتزم المجلس التجاري في اتفاقية حقوق الملكية الفكرية بمراجعة تنفيذ اتفاقية‬
‫تريبس بعد مرور الفترة االنتقالية الممنوحة للدول النامية طبقا للمادة ( ‪، ) 2 / 65‬‬
‫أي أربع سنوات اعتبارا من األول يناير سنة ‪ 1996‬م ‪ ،‬و تتم هذه المراجعة في‬
‫ضوء الخبرة العلمية و العملية المكتسبة في تنفيذه بعد مضي سنتين على انقضاء‬
‫هذه الفترة االنتقالية و على فترات مماثلة بعد ذلك ‪ ،‬كما يجوز لهذا المجلس دراسة‬
‫أي تطورات جديدة تستوجب تعديل هذا االتفاق أو تنقيحه ( مادة ‪ – 1 / 71‬تريبس‬
‫)‪.‬‬
‫الجزء الرابع ‪:‬‬
‫فكرة السوق األوربية المشتركة و الشراكة األورومتوسطية‬
‫من الناحية التاريخية ‪ ،‬يعتبر ( االتحاد النقدي الالتيني ) من أولى المحاوالت في‬
‫مجال بناء تكتل اقتصادي في القارة األوربية في مواجهة المنافسة الحادة‬
‫لالقتصاديات األخرى ‪ ،‬و الذي يعود أساسه إلى عام ‪ 1865‬حيث حاول هذا‬
‫االتحاد إصالح النظام النقدي األوربي الذي كان ينبع نظام المعدنين ‪.‬‬
‫أما التعاون االقتصادي األوربي بشكله الحديث فقد ظهر بعد الحرب العالمية‬
‫الثانية مع مساهمة الواليات المتحدة األمريكية ‪ ،‬كما ظهرت خالل الحربيين‬
‫العالميتين محاوالت جدية و هامة لدعم التعاون النقدي و االقتصادي ‪ ،‬و كان‬
‫الهدف من ذلك إعادة بناء ما خربته الحرب العالمية الثانية و األولى ‪ ،‬خاصة بعد‬
‫اجتماع جنوة ‪ 1922‬م و لندن ‪ 1933‬م ‪ ،‬لكن هذين االجتماعين لم يكتب لهما‬
‫النجاح مما أدى إلى عقد االتفاق الثالثي عام ‪ 1936‬م بين الواليات المتحدة و‬
‫بريطانيا و فرنسا و الذي امتد بعد ذلك إلى عددا آخر من الدول األوربية ‪ ،‬و هذا‬
‫بهدف تحقيق بعض التنسيق بين أهم الوفرات االقتصادية ‪ ،‬لكن قيام الحرب‬
‫العالمية الثانية وضع حدّا لهذه المحاولة ‪.‬‬
‫و كما هو معلوم كانت الدول األوربية التي تعاني من عجز في موازين مدفوعاتها‬
‫‪ ،‬الشي الذي أدى إلى تبني مشروع مارشال و قد شكلت لجنة الدول األعضاء في‬
‫المنظمة األوربية للتعاون االقتصادي من أجل تنظيم عملية إجراء المدفوعات و‬
‫التسويات بين الدول األوربية مع تحديد طريق تمويلها ‪ ،‬و هكذا ظهر االتحاد‬
‫األوربي للمدفوعات ‪ ،‬لكن استمرار االتفاقية الثنائية التي تخضع لها المبادالت‬
‫التجارية و ما يترتب عليها من مدفوعات كانت تضع الكثير من الصعوبات و‬
‫العراقيل أمام تطور سبل و مجاالت التعاون االقتصادي و النقدي األوربي ‪،‬‬
‫فالدولة األوربية التي يتوافر لديها فائض في مبادالتها مع دولة أوربية أخرى لم‬
‫تكن تستطيع استعمال هذا الفائض في تسوية عجز ميزان مدفوعاتها مع دولة‬
‫أخرى ‪.‬‬
‫و في هذا نوع من التناقض في العالقات االقتصادية و النقدية لذلك تم االتفاق بين‬
‫عدد من الدول األوربية األعضاء في عام ‪ 1947‬م على وضع خطة لتسوية‬
‫المدفوعات بين الدول األوربية األعضاء في المنظمة األوربية للتعاون االقتصادي‬
‫و إنشاء ما يسمى بـ " آلية التسوية " بهدف التخلص نهائيا من االتفاقات الثنائية و‬
‫تأثيرها السلبي على مسار التعاون األوربي ‪.‬‬
‫أما المؤسسات التي ألقي على عاتقها مهمة وضع االتفاقيات بين الدول األوربية‬
‫موضع التنفيذ هو " بنك التسويات الدولية " و هكذا استدعت الضرورة إقامة (‬
‫االتحاد األوربي للمدفوعات ) في عام ‪ 1950‬م الذي يعمل بالتنسيق مع بنك‬
‫التسويات الدولية ‪.‬‬
‫و يتألف هذا االتحاد من الدول األوربية األعضاء في المنظمة األوربية للتعاون‬
‫االقتصادي و الذي يتولى النشاطات التالية ‪:‬‬
‫‪ – 1‬يقوم بفتح حساب لكل بلد عضو من أجل تقديم القروض لهذا البلد ضمن سقف‬
‫محدد يمكن تغييره عند الحاجة ‪ ،‬و يقرر لكل عضو على حدة ‪.‬‬
‫‪ – 2‬تحديد أسلوب تسوية ميزان المدفوعات ( العجز و الفائض ) بحيث توضع‬
‫نسب معينة من العجوز و الفوائض ستوجب تسويتها بالذهب و العمالت األخرى ‪.‬‬
‫‪ – 3‬يعتبر هذا االتحاد مركز استشاري دائم فيما يتعلق بالعالقات االقتصادية و‬
‫النقدية ‪.‬‬
‫لقد تمكن االتحاد األوربي خالل السنوات األولى من نشاطه أن يقوم بإنجازات‬
‫هامة تمثلت في ‪:‬‬
‫‪ – 1‬تطبيق نظام التسويات متعددة األطراف ‪.‬‬
‫‪ – 2‬القضاء تدريجيا على نظام تحديد حصص االستيراد الذي كان يعرقل اتساع و‬
‫تطور المبادالت بين الدول األوربية ‪.‬‬
‫‪ – 3‬تحرير المبادالت و المدفوعات بين لدول األوربية من القيود التي كانت‬
‫مفروضة عليها ‪.‬‬
‫إن مساهمة االتحاد األوربي للمدفوعات قد تجاوزت تقديم التسهيالت المالية‬
‫لتسوية عجز ميزان المدفوعات للبلد العضو إلى مجال إجراءات االتصاالت‬
‫الالزمة مع كافة الدول األعضاء لمناقشة األوضاع االقتصادية لمثل ذلك البلد مع‬
‫تقديم التوصيات حول الحلول المقترحة لمعالجة ذلك العجز ‪ ،‬لذلك كان دور هذا‬
‫االتحاد فعاال في معالجة عجز موازين مدفوعات ألمانيا و إنجلترا في بداية‬
‫الخمسينيات و يمكن القول أن إنشاء هذا االتحاد كان بديال أو استمرارا لمشروع‬
‫مارشال األمريكي بعد انتهاء أجل هذا المشروع ‪.‬‬
‫أما الموارد األولى المالية لالتحاد األوربي فقد تم اقتطاعها بالدوالرات من أصل‬
‫الموارد المالية الخاصة بمشروع مارشال ‪.‬‬
‫إن الواليات المتحدة األمريكية لم تكن طبعا عضوا في هذا االتحاد ‪ ،‬لكنها كانت‬
‫على صلة وثيقة بنشاطه كمراقب في لجنة إدارته ‪ ،‬لكن بعد أن استطاعت الدول‬
‫األوربية إعادة بناء اقتصادها و تمكنت بنوكها المركزية من إعادة تشكيل‬
‫االحتياطات النقدية أخذت الواليات المتحدة األمريكية تعارض استيراد الدول‬
‫األوربية في تطبيق القيود التمييزية تجاه السلع األمريكية و الدوالر ‪.‬‬
‫إذا كان قيام االتحاد األوربي للمدفوعات قد فرضته الظروف التي خلقتها الحرب‬
‫العالمية الثانية و ساعد في قيامه لتسهيل مبادالت و مدفوعات الدول األعضاء ‪،‬‬
‫فقد أصبح من غير المعقول بالنسبة لإلدارة األمريكية االستمرار في اعتبار‬
‫المنظمة األوربية للتعاون االقتصادي خاصة عند استعماله القيود التمييزية حيال‬
‫الدوالر ‪ .‬و لكن إزالة القيود على المبادالت و المدفوعات بين الدول األوربية‬
‫أعضاء االتحاد أخذت باالمتداد تدريجيا لتشمل عالقات الدول األوربية مع منطقة‬
‫الدوالر ‪ ،‬و ابتداء من هذه المرحلة أصبح موضوع االستمرار في هذا النشاط يثير‬
‫التساؤل الذي مفاده أن هذا االتحاد قد فقد مبررات وجوده بعد تحقيقه لألهداف التي‬
‫أنيطت به و تحت تأثير الكثير من العوامل تم إيقاف نشاط االتحاد األوربي‬
‫للمدفوعات ‪.‬‬
‫و في عام ‪ 1964‬م و مع بداية تطبيق السياسة الزراعية المشتركة للدول األوربية‬
‫ظهر نوع من التضامن بين األعضاء حيث شرع في إنشاء وحدة زراعية حسابية‬
‫محددة القيمة بالذهب و قد أضيف لذلك عام ‪ 1968‬م بعض القواعد التي تنظم سعر‬
‫تكافؤ العملة لكل بلد عضو في السوق األوربية المشتركة مقابل هذه الوحدة‬
‫الحسابية ‪.‬‬
‫و في عام ‪ 1969‬م خالل مؤتمر الهاي اتخذت الدول األوربية بعض التوصيات‬
‫حول إقرار خطة تمت على عدة مراحل و تنص على إنشاء وحدة اقتصادية و‬
‫نقدية بين الدول األوربية ‪.‬‬
‫و منذ بداية ‪ 1970‬م اتفقت البنوك المركزية األوربية على مساعدات نقدية قصيرة‬
‫األجل تستغل بين الدول األعضاء بموجب مبلغ إجمالي قدره مليون واحد من‬
‫حقوق السحب الخاصة ‪ ،‬و قد تمت زيادة هذا المبلغ عام ‪ 1973‬م إلى عدة مليارات‬
‫‪.‬‬
‫و قد ت ّم بعد ذلك اتخاذ قرارات لضمان تطبيق قرارات الهاي و من هذه القرارات‬
‫ما يلي ‪:‬‬
‫‪ – 1‬إقرار آلية للدعم المتوسط األجل بمبلغ ‪ 2‬مليار وحدة من حقوق السحب‬
‫الخاصة ‪.‬‬
‫‪ – 2‬تحسين التنسيق بين الدول األوربية حول السياسات النقدية القصيرة و‬
‫المتوسطة األجل ‪.‬‬
‫‪ – 3‬إنشاء صندوق أوربي للتعاون النقدي ‪.‬‬
‫‪ – 4‬تحديد هوامش ضيقة للتقلبات في أسعار صرف العمالت األوربية تجاه‬
‫بعضها و ذلك حتى منتصف عام ‪ 1971‬م ‪.‬‬
‫و قد أقر المجلس األوربي تقرير " فيرنر " في بداية عام ‪ 1971‬م و الذي كان‬
‫يحتوي على خطة ترمي إلى إقامة اتحاد نقدي أوربي على ‪ 7‬مراحل ‪ ،‬بحيث أنه‬
‫مع حلول عام ‪ 1980‬م تكون أسعار صرف العمالت األوربية قد أصبحت ثابتة‬
‫كما نص هذا التقرير على إنشاء احتياطي نقدي أوربي ‪.‬‬
‫إن اتفاق واشنطن عام ‪ 1971‬م قد نص على أن أسعار صرف عمالت مختلف‬
‫الدول يمكن أن تتغير ضمن حدود ( ‪2.25‬‬
‫‪+‬‬
‫‪-‬‬
‫) من حيث تكافؤها بالدوالر ‪ ،‬أي‬
‫بحد أقصى قدره ‪ % 4.5‬أو ‪ % 9‬من الناحية الفعلية ‪.‬‬
‫و بهدف الحد من هذه المرونة الواسعة ( التي هي أقرب إلى التعويم منها إلى ثبات‬
‫أسعار الصرف ) اتفقت الدول األوربية األعضاء في " المنظمة األوربية للتعاون‬
‫االقتصادي " على أن يكون هامش التقلب بين عمالتها كحد أقصى ( ‪) % 2.25‬‬
‫عوضا عن ( ‪ ، ) % 4.5‬و قد تم العمل بهذا النظام ابتداء من أبريل ‪ 1972‬م ‪ .‬و‬
‫بافتراض أن المارك يمثل العملة األقوى في النظام و أن الفرنك هو العملة‬
‫األضعف فإن الفرق بين العملتين ( هامش التقلب ) سيكون ‪ % 4.5‬بدال من ‪% 9‬‬
‫الناتجة عن اتفاقية واشنطن عام ‪ 1971‬م ‪.‬‬
‫و لقد اشتهر هذا النظام باسم ( األفعى في النفق ) حيث أن هامش التقلب بين‬
‫العمالت يمثل سعة هذا النفق ‪ ،‬أما أسعار الصرف الفعلية فتمثل األفعى ‪ ..‬و بذلك‬
‫فإن سعة هذا النفق ستكون في أقصاها عندما تكون هناك عملة قوية جدا ( ‪2.25 -‬‬
‫‪ ) %‬عن سعر التعادل ‪ ،‬و عملة ضعيفة جدا ( ‪ ) % 2.25 +‬عن سعر التعادل (‬
‫إن هذا النظام ينص على إبقاء األفعى في النفق باستمرار ) و سعة هذا النفق سوف‬
‫تضيق بانخفاض الهامش الذي تتقلب حوله العمالت و عندما تكون تقلبات أسعار‬
‫الصرف بين العمالت ضعيفة جدا فإن هذا النفق يتقلص حتى يتالشى ‪ ،‬بعبارة‬
‫أخرى – عندما تتصف أسعار الصرف بدرجة كبيرة من الثبات فإن هذا النفق‬
‫يكون ضيقا للغاية ‪ ،‬و في حالة ثبات أسعار الصرف ثباتا مطلقا ( من الناحية‬
‫النظرية ) فلن يكون هناك أي نفق و إنما نجد النفق على شكل خط مستقيم ليس له‬
‫أي سعة أما قياس أو تحديد تقلبات العمالت تجاه بعضها فقد كان ينطلق أساسا من‬
‫سعر تكافئها بالنسبة للدوالر األمريكي ‪.‬‬
‫إن المحافظة على تقلبات أسعار صرف العمالت ضمن الحدود المتفق عليها (‬
‫إبقاء األفعى داخل النفق ) كان يقتضي فرض التزامات على الدول األعضاء كيفية‬
‫التدخل و أساليبه للتأثير على أسعار الصرف ‪ ...‬و أيضا أشكال الدعم المالي و‬
‫طرق استعمال الذهب و حقوق السحب الخاصة و العمالت الوطنية في إجراء‬
‫التسويات بين التزامات الدول األعضاء المترتبة تجاه بعضها و الناتجة عن‬
‫التدخالت المشتركة في أسواق العمالت بهدف التأثير على أسعار صرف العمالت‬
‫و العمل باستمرار على إبقائها ضمن الحدود المنصوص عليها ‪.‬‬
‫في بداية عام ‪ 1973‬م ‪ ،‬و كنتيجة لتوقع قيام ألمانيا الغربية بإعادة تقويم المارك‬
‫حصل انتقال لرؤوس أموال هامة باتجاه ألمانيا ( زيادة عرض الدوالرات مقابل‬
‫الماركات ) مما نتج عنه انخفاض محسوس في قيمة الدوالر بشكل اضطر معه‬
‫البنك المركزي األلماني للتدخل في أسواق صرف العمالت بشراء عدة مليارات‬
‫من الدوالرات بهدف دعم العملة األمريكية ‪ ،‬و ذلك حسب ما اتفق عليه في‬
‫واشنطن عام ‪ 1971‬م ‪.‬‬
‫لكن الضغط على الدوالر كان قويا لدرجة لم تنفع معها تدخالت البنك المركزي‬
‫األلماني مما اضطر الدول األوربية و الواليات المتحدة لعقد اجتماع في باريس‬
‫الختيار أحد الحلين التاليين ‪:‬‬
‫‪ – 1‬تعويم العمالت األوربية ‪...‬‬
‫‪ -2‬تخفيض قيمة الدوالر ‪..‬‬
‫و لقد تم اختيار الحل الثاني ‪ ،‬و كان من نتائج تخفيض قيمة الدوالر بنسبة ( ‪10‬‬
‫‪ ) %‬أن استمرت االسترليني و الفرنك السويسري و اللير اإليطالي تعوم ‪ ،‬أما بقية‬
‫العمالت األوربية فقد حافظت على أسعار تكافئها مقابل لدوالر ‪ ،‬لكن هذه الدول‬
‫كانت مضطرة للتدخل بكثافة في أسواق العمالت لدعم السعر الجديد للدوالر ‪.‬‬
‫و لذلك فإن بعض الدول األوربية خرجت من االتفاق النقدي األوربي عام ‪ 1972‬م‬
‫و البعض اآلخر عام ‪ 1973‬م حيث لجأت معظم الدول األوربية إلى تعويم عمالتها‬
‫بسبب عدم قدرتها على إبقاء تقلبات أسعار الصرف ضمن الحدود المنصوص‬
‫عليها سابقا ‪.‬‬
‫إن االختالل الكبير في موازين المدفوعات و التقلبات الحادة في أسعار صرف‬
‫العمالت و أيضا االختالفات الهامة في معدالت التضخم في الدول األوربية ‪ ..‬قد‬
‫أدت إلى استحالة االستمرار في االتجاه التكاملي في مجال العالقات االقتصادية‬
‫األوربية ‪.‬‬
‫لقد تم تقديم عدد من الدراسات و اقتراح بعض الحلول للمشاكل النقدية األوربية ‪،‬‬
‫منها ‪:‬‬
‫تقرير رئيس وزراء بلجيكا في عام ‪ 1975‬م و خطة وزير مالية هولندا في عام‬
‫‪ 1976‬م ‪ ،‬لكن تطبيقها كان غير ممكن ‪.....‬‬
‫و خالل الفترة ( ‪ ) 1978 – 1977‬اتفقت ألمانيا و فرنسا على تحقيق انطالق‬
‫عملية التكامل النقدي األوربي ‪.‬‬
‫و أكدت قرارات المجلس األوربي في ( بريمن ) و ( بروكسل ) خالل عام ‪1978‬‬
‫م على ضرورة وضع مخطط إلقامة تعاون نقدي وثيق بين الدول األوربية بما‬
‫يحقق االستقرار النقدي في المنطقة بشكل عام ‪.‬‬
‫و اتخذت هذه القرارات ثالثة اتجاهات ‪:‬‬
‫‪ – 1‬تحديد أسعار الصرف ‪.‬‬
‫‪ – 2‬التسهيالت االئتمانية المتبادلة ‪.‬‬
‫‪ – 3‬تقديم الدعم المالي للدول األقل تطورا ‪.‬‬
‫فيما يتعلق بأسعار صرف العمالت تمت مناقشة اقتراحين يمثالن نموذجين‬
‫مختلفين آللية أسعار الصرف في النظام النقدي األوربي ‪ ،‬أولهما نموذج سلة‬
‫العمالت المقدم من قبل فرنسا ‪ ،‬و نموذج األفعى في النفق المقترح من قبل ألمانيا (‬
‫و الذي أشرنا إليه سابقا ) ‪.‬‬
‫الخاتمة ‪:‬‬
‫و هكذا فإن ظهور المؤسسات الدولية ال سيما منها المؤسسات المالية و النقدية له‬
‫انعكاسات على اقتصاديات العالم الثالث ال تكمن في الهيمنة فقط بل تتعدى ذلك إلى‬
‫تقلبات أسعار الصرف و مستويات التشغيل و االستهالك و اإلنتاج ‪ ،‬حيث أصبح‬
‫النظام االقتصادي الدولي غير عادل ‪ ،‬هذا النظام الذي استطاعت الدول الصناعية‬
‫تكييفه لصالحها بالشكل الذي يؤمن استمرار استنزاف ثروات البلدان النامية و‬
‫إعادة توزيع دخولها لحساب تلك القلة من الدول بقيادة الواليات المتحدة األمريكية‬
‫‪.‬‬
‫إن هذا الواقع و ما نتج عنه من مؤشرات يفرض على البلدان تحديات صعبة‬
‫تستلزم مواجهتها و انتهاج سياسة تكتل و توحيد الجهود في مجال التعاون في شكل‬
‫مجموعات اقتصادية أو التعاون جنوب جنوب و دعم نشاط المؤسسات اإلقليمية ‪،‬‬
‫و تنسيق المرافق في األسواق الدولية للدفاع عن مصالحها و الحد من االحتكارات‬
‫الدولية في أسعار صادراتها و االستفادة من العوائد التحقيقية لهذه الصادرات ‪.‬‬
‫و عليه فقد ظهرت التكتالت المختلفة ككتل لدول أوربا و تكتل جنوب دول آسيا و‬
‫تكتل دول أمريكا الجنوبية و الشمالية و تكتل الدول العربية في المغرب العربي و‬
‫دول الخليج ‪ ،‬و ذلك من أجل توسيع آفاق و مجاالت نشاط مؤسساتها االقتصادية‬
‫اإلقليمية بشكل خاص ‪ ،‬و توحيد مواقفها داخل المنظمات االقتصادية و المالية و‬
‫النقدية الدولية ‪.‬‬
‫إن زيادة كفاءة و فعالية استخدام الموارد الذاتية بمختلف أشكالها يمكنها إلى حد‬
‫بعيد أن تحد من التبعية االقتصادية و بالتالي التخفيف من اآلثار السلبية على‬
‫اقتصاداتها ‪ ،‬فاألزمات التي فرضها النظام االقتصادي الدولي غير العادل على‬
‫الدول العربية كان له األثر الواضح على ما تعانيه هذه االقتصادات و للتخلص من‬
‫هيمنة رأس المال الدولي يجب تركيز الجهود في المجاالت التالية ‪:‬‬
‫ التنسيق بين السياسات النقدية و المالية لهذه الدول و توحيدها مستقبال ‪.‬‬‫ إقامة و إنشاء شركات مالية مشتركة ‪.‬‬‫ تطوير و توسيع األسواق النقدية و المالية في العالم الثالث ‪.‬‬‫ إيجاد وسائل و أدوات االدخار و االستثمار كفوءة من أجل تلبية حاجات التنمية ‪.‬‬‫ تسهيل انتقال رؤوس األموال بين األقطار التنافسية ‪.‬‬‫ إقامة المؤسسات المالية المشتركة كصندوق النقد العربي ‪ ،‬البنك اإلفريقي و‬‫البنك اإلسالمي للتنمية ‪...‬الخ‬
‫ال شك أن تحقيق كل ذلك يتطلب جهودا شاقة و طويلة األمد ‪ ،‬و أمام تزايد‬
‫التحديات االقتصادية يجب تفعيل دور هذه التكتالت و استكمال المراحل التالية من‬
‫ما ت ّم إقراره من الخطط و الدراسات حول تدعيم التعاون االقتصادي و تحقيق‬
‫الوحدة على مستوى هذه التكتالت لمواجهة الهيمنة الدولية ‪.‬‬