تحميل الملف المرفق

‫أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة في نظر الشريعة اإلسالمية‬
‫لفضيلة الشيخ محمد عبده عمر‬
‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬
‫أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة في نظر الشريعة اإلسالمية‬
‫المقدمة‬
‫اما َفْل َيأِْت ُك ْم ِب ِرْز ٍق ِم ْن ُه‬
‫ُّها أ َْزَكى َ‬
‫َح َد ُك ْم ِب َوِرِق ُك ْم َهِذ ِه ِإَلى اْل َمِد َين ِة َفْل َي ْن ُ‬
‫قال تعالى ‪َ { :‬ف ْاب َعثُوا أ َ‬
‫ط َع ً‬
‫ظ ْر أَي َ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َحًدا } [الكهف ‪.]19 :‬‬
‫َوْل َي َتَلط ْ‬
‫ف َوََل يُ ْشع َرَّن ِب ُك ْم أ َ‬
‫‪ -1‬لقد عبرت آيات كثيرة في القرآن الكريم عن البشرية جمعاء بأنها أمة واحدة في نشأتها األولى‬
‫وفي حقيقتها الذاتية ‪ ،‬انبثقت إلى الوجود من أصل واحد ‪ ،‬وأنها في حقيقة مصيرها تنتهي إلى نهاية‬
‫واحدة وهي لقاء هللا جل جالله الذي خلقها من العدم المحض بفيض فضل رحمته‪ .‬وان اختلفت‬
‫شر ‪ ،‬ومهما تنوعت أشكالها أو تعددت أجناسها أو اختلفت ألسنتها أو توزعت‬
‫خير أو ًا‬
‫موازين الجزاء ًا‬
‫ُّها َّ‬
‫اس اتَُّقوا‬
‫شعوبها وتباعدت أقطارها ؛ فإنهم‬
‫الن ُ‬
‫ً‬
‫جميعا ينتهون إلى نهاية واحدة‪ .‬قال تعالى ‪َ { :‬يا أَي َ‬
‫ٍ ِ ٍ‬
‫رب ُ َّ ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ير وِنس َّ‬
‫ِ‬
‫َّلل َّالِذي‬
‫َ‬
‫اء َواتُقوا َّ َ‬
‫َّك ُم الذي َخَلَق ُك ْم م ْن َنْفس َواح َدة َو َخَل َق م ْن َها َزْو َج َها َوَبث م ْن ُه َما ر َج ًاَل َكث ًا َ َ ً‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ان َعَل ْي ُك ْم َرِق ًيبا } [النساء ‪.]1 :‬‬
‫َّلل َك َ‬
‫اءُلو َن به َو ْاأل َْر َح َام إ َّن َّ َ‬
‫تَ َس َ‬
‫__________‬
‫(‪)1964/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫سوِ‬
‫ٍ‬
‫اح َد ٍة َو َج َع َل ِم ْن َها َزْو َج َها } [األعراف ‪.]189 :‬‬
‫وقال تعالى { ُه َو الذي َخَلَق ُك ْم م ْن َنْف َ‬
‫وقد صرح نبي اإلسالم بهذه الوحدة اإلنسانية الشاملة في سنته البيانية لما أنزل عليه بقوله ‪ (( :‬كلكم‬
‫آلدم وآدم خلق من تراب ‪َ ،‬ل فضل لعربي على أعجمي وَل ألبيض على أسود إَل بالتقوى )) ‪ .‬وقد‬
‫فردا كان أو‬
‫ألقى كافة المقاسات والموازين البشرية التي قد يستغلها بعضها ضد بعضها اآلخر ً‬
‫شعبا أو سلطة ‪ ،‬من فقر أو غنى ‪ ،‬أوجاه أو سلطان ‪ ،‬أو حسب أو نسب ‪ ،‬أو بياض‬
‫جماعة ‪ً ،‬‬
‫البشرة أو سوادها ‪ ،‬أو عربية اللسان أو عجمتها ‪ ،‬الكل سواء في ميزان الحق اإللهي الذي خلق الكل‬
‫نبيا إلى ذريته ‪ ،‬وخاطبه بكالمه ‪،‬‬
‫من تراب‬
‫ً‬
‫مجسدا في أصلها آدم ‪ ،‬الذي خلقه هللا بيده ‪ ،‬واصطفاه ً‬
‫وأسجد له مالئكته ‪ ،‬وجعله خليفته في أرضه ‪ ،‬وأتمنه باألمانة التي عجزت عن حملها السموات‬
‫واألرض والجبال ‪ ،‬وجعل خلق السموات واألرض واختالف األلسن واأللوان وتعاقب الليالي واأليام ‪،‬‬
‫آيات بالغات للتفكر واَلعتبار‪ .‬وأوضح القرآن الكريم بأن اختالف األلوان واألجناس واأللسن من‬
‫آيات عظمة الحكمة اإللهية وبديع صنعها ‪ ،‬وَل يصح أن تكون‬
‫معارضا ألصل الوحدة اإلنسانية ‪،‬‬
‫ً‬
‫سببا للنزاع أو الخصام ‪ ،‬أو للتعالي بالحسب والنسب ‪،‬‬
‫كما َل يصح بأي حال من األحوال أن تكون ً‬
‫سببا‬
‫أو التباهي بالجاه والمال وعزة السلطان ‪ ،‬أو للقهر والتسلط واَلستغالل‪ ،‬بل يجب أن نكون ً‬
‫ُّها َّ‬
‫اس ِإَّنا‬
‫الن ُ‬
‫إلرساء دعائم التعارف والتواد وغاية لترسيخ موازين العدل والمساواة قال تعالى ‪َ { :‬يا أَي َ‬
‫اك ْم } [الحجرات ‪:‬‬
‫َك َرَم ُك ْم ِع ْن َد َّ‬
‫وبا َوَق َب ِائ َل ِلتَ َع َارُفوا ِإ َّن أ ْ‬
‫َّللِ أ َْتَق ُ‬
‫اك ْم ِم ْن َذ َك ٍر َوأ ُْنثَى َو َج َعْل َن ُ‬
‫َخَلْق َن ُ‬
‫اك ْم ُش ُع ً‬
‫‪.]13‬‬
‫__________‬
‫(‪)1965/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هذا صريح القرآن بأن حكمة اَلختالف للتعارف َل للتناكر وَل لالستغالل والتظالم‪ .‬والتعارف‬
‫المقصود من اآلية الكريمة وغيرها من اآليات القرآنية ونصوص السنة النبوية البيانية ‪ ،‬ليس فقط‬
‫المعرفة المجردة التي َل تحقق الحكمة اإللهية من التعارف ‪ ،‬بل المقصود بالتعارف الذي يحقق‬
‫الحكمة اإللهية هي المعرفة المثمرة التي تتعاون وتتالقى فيها كل القوى اإلنسانية الخيرية لخير‬
‫اإلنسان ‪ ،‬ويتحقق خير األرض َلبن األرض‪ ،‬وبذلك تتبادل المنافع ‪ ،‬وينتفع ابن األرض بخير‬
‫األرض كلها‪ .‬وذلك هو التعارف الذي أشارت إليه النصوص القرآنية والنبوية‪ ،‬ويدخل في هذه‬
‫النصوص أسس العالقات الدولية التي مازالت تحكمها قوانين التمييز العنصري ‪ ،‬وطغيان جبروت‬
‫القوة الظالمة وتحكم الشعوب القوية بالشعوب الضعيفة ‪ ،‬والتي تتعارض صراحة مع مبادئ العالقات‬
‫اَلجتماعية الدولية في نصوص اإلسالم الصريحة وسنة بيانه الواضحة‪.‬‬
‫لقد وضع نبي اإلسالم اإلطار اإللهي الصحيح لحرية اإلنسان وحقوقه في إطار األسرة اإلنسانية‬
‫الشاملة وليس بمعزل عنها‪ ،‬فقال عليه الصالة والسالم ‪ (( :‬أحب ألخيك ما تحب لنفسك ‪ ،‬واكره له‬
‫نور من سناها‬
‫ما تكره لنفسك )) وتخرج مبادئ الحرية اإلنسانية وكرامة اإلنسان من فؤاده وفمه تشع ًا‬
‫الغامر ‪ ،‬فيقول لبعض من وقف أمام عظمة شخصه النبوية ‪ ،‬التي تهبط عليها مالئكة السماء‬
‫اجفا لجالل المهابة ‪ (( :‬هون على نفسك إنما أنا ابن امرأة من قريش‬
‫صباحا ومساء ‪،‬‬
‫خاشعا و ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كانت تأكل القديد بمكة )) ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1966/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هكذا كان محمد صلوات هللا وسالمه يقدر الحرية الحقيقية في غيره ‪ ،‬كما يقدرها في نفسه‪ ،‬فالحرية‬
‫الحقيقية في تعاليم اإلسالم وفي منهج محمد صلوات هللا وسالمه عليه ؛ هي أن تقدر الحرية في‬
‫غيرك كما تقدرها في نفسك ‪ ،‬وأول مظاهرها سيادة اإلنسان على نفسه ‪ ،‬والتي تقتضي كبح النفس‬
‫عن أهوائها وشهواتها ؛ ألن الحرية معنى اجتماعي ليست بمعزل عن بني البشر تظهر عالقة‬
‫اإلنسان بغيره ‪ ،‬ومراعاة حقوق غيره كما يراعي حقوق نفسه‪ .‬ومن هنا شددت نصوص اإلسالم من‬
‫الكتاب والسنة على محاربة الهوى واألنانية واألثرة‪ ،‬والحرية الحقيقية في نظر اإلسالم َل تجتمع مع‬
‫األنانية واألثرة والهوىن وأوضحت بأن الحرية الحقيقية َل يمكن أن تتحقق إَل بين متماثلين في‬
‫الحقوق والواجبات وَل يمكن أن تكون بين أدنى وأعلى ‪ ،‬وَل بين سيد وعبد ‪ ،‬وَل بين مسيطر‬
‫جمعا َل يمكن أن يتحقق إَل‬
‫ومقهور‪ .‬وأن التعارف الذي دعا إليه اإلسالم بين أبناء األسرة اإلنسانية ً‬
‫يتحقق الحرية التي دعا إليها اإلسالم ‪ ،‬والتي بها يحل التعارف والتعاون بدل التناكر ‪ ،‬واَلنسجام‬
‫والتآلف بدل النزاع والتناحر‪ ،‬والعدل والمساواة بدل اَلستغالل والتظالم‪ .‬وبالتالي عدم قيام الحروب‬
‫والمنازعات على ما رزق هللا الناس واخراج لهم من معادن األرض‪.‬‬
‫إلحاحا‬
‫لقد أثبت اإلسالم الوحدة اإلنسانية في عالم القرن العشرين ‪ ،‬والبشرية كلها في أشد الحاجة‬
‫ً‬
‫إلى هذه الوحدة التي نادى بها اإلسالم منذ أربعة عشر قرًنا خلت ونيفا‪ ،‬وكأنه يعبر عن مشاعر‬
‫اإلنسانية وأحاسيسها التي دمرتها الحروب وطحنتها مبادئ األثرة واإلنانية والتظالم ‪ ،‬ومزقتها‬
‫العنصرية وتمايز األجناس واأللوان واأللسن ‪ ،‬باإلضافة إلى سالح إبادة البشرية الذي يهدد حياتها‬
‫ُم ًة و ِ‬
‫اح َد ًة َوأ ََنا‬
‫في كل لحظة‪ .‬وهكذا يثبت اإلسالم معجزته الخالدة وخلودها األبدي ‪ِ { :‬إ َّن َهِذ ِه أ َّ‬
‫ُمتُ ُك ْم أ َّ َ‬
‫اع ُب ُدو ِن } [ األنبياء ‪.]92 :‬‬
‫َرب ُ‬
‫ُّك ْم َف ْ‬
‫إنها الوحدة اإلنسانية الشاملة التي تنطلق من وحدة األصل ‪ ،‬ووحدة التكوين ‪ ،‬ووحدة الغرائز ‪،‬‬
‫ووحدة اَلستعداد للخير والشر‪ ،‬فالغرائز كلها واحدة‪ ،‬فغرائز اإلنسان في أقصى الشرق هي غرائزه في‬
‫أقصى الغرب‪ .‬وكل نفس من نفوس بني آدم فيها نزوع إلى الخير والى الشر ‪ ،‬كما قال تعالى ‪{ :‬‬
‫الن ْج َد ْي ِن } [البلد ‪ ]10 :‬أي نجد الخير والشر‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وَنْف ٍ‬
‫َو َه َد ْي َناهُ َّ‬
‫اها (‪َ )7‬فأَْل َه َم َها‬
‫س َو َما َسَّو َ‬
‫َ‬
‫اها } [الشمس ‪.]8 ،7 :‬‬
‫ورَها َوتَْق َو َ‬
‫ُف ُج َ‬
‫__________‬
‫(‪)1967/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ومن هنا كان التعارف في اإلسالم غاية مقدسة في ذاته لتحقيق الحكمة اآللهية في اختالف األمم‬
‫كافيا لحل كل نزاع‪ ،‬أو محو‬
‫والشعوب في األلوان واأللسن وتوزيعهم في األرض‪ .‬وكان هذا التعارف ً‬
‫كل أثرة من استغالل أو ظلم في جماعاتهم وأفرادهم في ظل هداية اإلسالم وتشريعه العادل وتنظيمه‬
‫الشامل للعالقات الفردية واَلجتماعية والدولة؛ ذلك أن مبادئ اإلسالم العامة وقواعده الكلية تنطبق‬
‫على الدول والشعوب ‪ ،‬كما تنطبق على األفراد والجماعات سواء بسواء ‪ ،‬فال فرق وَل استثناء وَل‬
‫تمايز في قانون العدل والميزان اإللهي ‪ ،‬فما يطالب به الفرد يطالب به المجتمع ‪ ،‬وان اختلفت‬
‫وسائل تحقيق المطلوب فالغاية واحدة‪ ،‬وهي جعل اإلنسانية أمة واحدة متساوية في الحقوق والواجبات‬
‫‪َ ،‬ل فضل لفرد على آخر إَل بالتقوى‪ ،‬والتي َل تتحقق إَل بتقوى هللا في حقوق النفس الواحدة‪ ،‬والتي‬
‫َل ينالها أي فرد إَل بالقدر الذي يضحي فيه في سبيل إسعاد اآلخرين‪.‬‬
‫ويترجم مضامين اإلسالم في سبيل إسعاد أمته ومجتمعه‪ .‬فميزان التفاضل في اإلسالم َل يقبل في‬
‫سلطانا‪ ،‬وَل ثروة مالية‪ ،‬وَل ساللة حسبية أو نسبية‪ ،‬وَل‬
‫جنسا‪ ،‬وَل لغة وَل‬
‫ً‬
‫كفته العادلة ً‬
‫لونا وَل ً‬
‫جبروت قوة عاتية‪ ،‬وانما يقبل في ميزانية كرامة التقوى المكتسبة من صالح العمل وزكي النفس‬
‫وصفاء لفائف إشراق حناياها الذي يفيض بكل الخير على كل موجود في عالم الوجود‪ ،‬كرامة التقوى‬
‫المكتسبة من إيثار النفس غيرها عليها من األفراد والجماعات وحبها الخير والهداية إليه لكل نفس‬
‫خلقت أو تخلق من أفراد النفس الواحدة التي هي في حقيقتها الذاتية جزء من فصيلتها‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1968/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هذه هي ترجمة اإلسالم العملية لميزان التفاضل ‪ ،‬فليس هناك فضل لبعض األفراد أو الجماعات أو‬
‫الدول والشعوب على بعض اآلخر في ميزان التقوى‪ ،‬وفي ترجمة مفاهيم اإلسالم غير العمل الصالح‬
‫نموذجا يقتدى به في ميزان تفاضل التقوى وترجمة‬
‫التي تكسبه تلك النفس الفاضلة ‪ ،‬وليس هناك‬
‫ً‬
‫اإلسالم الصحيحة غير النموذج األوحد في عالم الكماَلت اإلنسانية وسمو معارج التقوى اإللهية‬
‫محمد صلوات هللا وسالمه عليه‪ ،‬الذي دخلت أعواد الحصير وتركت انطباعاتها الضاغطة في جسده‬
‫اما بين الناس ويحثيها حثى الحصاة بين يديه ‪ ،‬ويصعد المنبر‬
‫‪ ،‬وكنوز الذهب والفضة يوزعها أكو ً‬
‫وراياته تمأل األفق عزيزة ظافرة‪ ،‬فيقول ‪ (( :‬أيها الناس من كنت جلدت له ظه ار فهذا ظهري فليستقد‬
‫منه ‪ ،‬ومن كنت أخذت منه ماَلً فهذا مالي فليأخذ منه )) ‪ .‬ويسأله عمه العباس أن يوليه عمالً من‬
‫األعمال التي كان يعين عليها بعض المسلمين فيصرفه برفق ويقول له ‪ (( :‬وهللا يا عم إنا َل نولي‬
‫أحدا طلبه أو يحرص عليه )) ‪ ،‬ويضع لنفسه وألهل بيته مبدأ من مبادئ التفضيل في‬
‫هذا األمر ً‬
‫اإلسالم َل يحيدون عنه ‪ ،‬هو أن يكونوا أول من يجوع إذا جاع الناس وآخر من يشبع إذا شبع‬
‫الناس‪ .‬ودانت الدنيا ووقف أكثر ملوك األرض أمام رسالته واجفين ‪ ،‬فما استطاعت ذرة من لهو أو‬
‫كبر أن تمر بخاطره‪ .‬وألقى كل أعداء رسالته السالح ومدوا إليه أعناقهم ليحكم فيها بما يشاء ومعه‬
‫عشرة آَلف سيف تتوهج بأيدي المسلمين يوم فتح مكة ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1969/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وحيدا يدعو إلى توحيد هللا والى تحرير‬
‫فلم يزد على أن قال ‪ (( :‬اذهبوا فأنتم الطلقاء )) ‪ .‬ووقف ً‬
‫العبيد والمستضعفين‪ .‬وجعل الدين المعاملة والنصيحة‪ .‬وأعلن تحريم الربا والمفاضلة التي تؤدي إلى‬
‫الظلم واَلستغالل‪ .‬وجاء برسالته اإلنسانية العالمية الخالدة التي تتصدع من عظمتها القدسية الجبال‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َّللِ َوِتْل َك‬
‫صِد ًعا ِم ْن َخ ْش َي ِة َّ‬
‫الراسية قال تعالى ‪َ { :‬ل ْو أ َْن َ ْزل َنا َه َذا اْلُق ْآر َ‬
‫َن َعَلى َج َبل َل َأرَْيتَ ُه َخاش ًعا ُمتَ َ‬
‫ض ِربُها ِل َّلن ِ‬
‫اس َل َعَّل ُه ْم َيتََف َّك ُرو َن } [الحشر ‪.]21 :‬‬
‫ْاأل َْمثَ ُ‬
‫ال َن ْ َ‬
‫لقد جاءت الشريعة اإلسالمية بمبادئها وتوجيهاتها وأحكامها تحمل الصبغة اإلنسانية العالمية ؛ هداية‬
‫يعا لجنس دون جنس وَل َلقليم معين‬
‫للناس ورحمة وداعية إلى صراط الحق المستقيم‪ .‬ولم تكن تشر ً‬
‫عاما لإلنسان من حيث هو إنسان أبيض أسود ‪ ،‬عربي أو عجمي ‪،‬‬
‫من األرض‪ ،‬بل جاءت تشر ً‬
‫يعا ً‬
‫في الشرق أو في الغرب ‪ ،‬فال عنصرية وَل عصبية في شريعة من خلق اإلنسانية جمعاء من نفس‬
‫واحدة‪ .‬ولو كان واضعها فردا أو فئة من الناس لتعصبت بوعي أو بال وعي لجنسها أو وطنها أو‬
‫طبقتها أو مصالحها‪ ،‬ولكن الشارع هو رب الناس ملك الناس آله الناس وهم جمي ًعا عباده فليس بينه‬
‫وبين أحد من خلقه نسب ‪ ،‬وَل فضل لفرد منهم على آخر ‪ ،‬وَل لقوة على أخرى بحكم الخلق والنشأة‬
‫األولى ‪ ،‬والمصير إلى حساب الخالق جل جالله‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1970/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ولقد ثبت في ماضي اإلنسانية وحاضرها بأنها لم تثبت أقدامها على مبادئ العدل اإللهي المطلق‬
‫بين أبناء النفس الواحدة‪ ،‬بل سادها الظلم واَلستعباد والقهر وحب اَلمتالك والغلبة ‪ ،‬وحل التناكر‬
‫محل التعارف واَلستعباد محل الحرية ‪ ،‬والظلم والتعسف واَلستغالل محل العدل والمساواة ‪ ،‬واألثرة‬
‫واألنانية محل اإليثار والجشع‪ ،‬والظلم والعدوان محل البر والتقوى‪ ،‬وتخلى المسلمون عن مضامين‬
‫اإلسالم وتحلوا بأضدادها واحتفظوا بأسمائهم وانتسابهم إليه وأوهموا من َل يفهم اإلسالم بأن ما هم‬
‫اجا‪ ،‬وساد العالقات الدولية‬
‫عليه هو اإلسالم ‪ ،‬فكانت الكارثة الكبرى ‪ ،‬وكان الخروج من دين هللا أفو ً‬
‫الظلم واَلستبعاد إذ اشتغلت هي بتنظيم العالقات‪ .‬فال بد إذن من هداية السماء لتنظيم التعارف‬
‫الحقيقي والعالقات العادلة بين البشر‪ ،‬وتهدي للتي هي أقوم‪ ،‬وخاتمة رساَلت السماء ‪ ،‬وآخر لبنة‬
‫في صرح الرساَلت اإللهية بأصولها الخالدة التي تنظم قواعد العالقات اإلنسانية بين اآلحاد‬
‫والجماعات والدول ‪ ،‬بأصولها العامة النظرية التي تستطيع ‪ -‬واإلعجاز يتوجها ‪ -‬عالج الوقائع‬
‫والمشكالت المتطورة طوال مراحل عصور البشرية ‪ ،‬وعلى اختالف بيئاتها اَلجتماعية والحضارية‬
‫جميعا ‪ ،‬وتحقق اإللخاء بينهم وتصون وتحمي‬
‫وخصائصها الذاتية‪ ،‬وتقيم العدل المطلق بين الناس‬
‫ً‬
‫دماءهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم‪ .‬ومن هنا يتعاظم الواجب على علماء اإلسالم ‪ ،‬الذين يجب أن‬
‫يكون لهم حظ وافر وادراك واسع وفكر حر في علوم الشريعة اإلسالمية‪ .‬وخاصة ما تشير إليه‬
‫نصوص آيات وأحاديث العالقات اإلنسانية والدولية ‪ ،‬حتى تتحقق حكمة الوجود ويسود العدل ‪،‬‬
‫اجا‪.‬‬
‫ويظهر إعجاز الشريعة الخالدة بيقين‪ ،‬ويدخل الناس في دين هللا أفو ً‬
‫__________‬
‫(‪)1971/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫لمحة تاريخية‬
‫‪ -1‬لقد كانت العملة النقدية في التاريخ قوامها النقود الذهبية والفضية ‪ ،‬وكان األغنياء يحرصون‬
‫على صيانة ذهبهم وفضتهم من السرقة والضياع ‪ ،‬فكانوا يعهدون بحفظه إلى محترفي صياغة‬
‫الذهب والفضة ليودعوه في خزائنهم ويسترد المودعون منه بقدر ما يحتاجون إليه في معامالتهم ‪،‬‬
‫أجر على حفظ هذه الودائع ‪ ،‬واذا أراد أحدهم اَلنتقال من بلد إلى آخر‬
‫وكانوا يدفعون إلى الصيرفي ًا‬
‫أو إلى دولة غير دولته كان َل ينوء بحمل الذهب والفضة وتعريضها للضياع أو السرقة ‪ ،‬بل كان‬
‫أمر إلى زميل له في البلد اآلخر بتسليمه المبلغ المطلوب‪ .‬وكانت الفئة الغالبة‬
‫يأخذ من الصيرفي ًا‬
‫من محترفي صياغة الذهب والفضة وصيارفة الذهب وتجار النقود من اليهود الذين جبلت نفوسهم‬
‫على حب المادة إلى الحد الذي قصه هللا عنهم في كتابه‬
‫من انحدار بشريتهم إلى عبادة العجل الذي صنعوه بأيديهم من الذهب ‪ ،‬وعبدوه من دون هللا‪ ،‬كما‬
‫جبلت نفوسهم على الزنا وأكل أموال الناس بالباطل والسحت إلى الحد الذي قالوا فيه { َل ْي َس َعَل ْي َنا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يل } [ آل عمران ‪.]76 :‬‬
‫في ْاألُمِي َ‬
‫ين َسِب ٌ‬
‫ذهبا أو فضة سندات لها قيمة وديعته من الذهب أو الفضة‪ ،‬ثم‬
‫فكانوا يعطون كل من أودع عندهم ً‬
‫أخذ المودعون يتعاملون فيما بينهم بهذه السندات ؛ ألن تداولها أخف من تداول الذهب والفضة‪ ،‬فإذا‬
‫ذهبا عند الصيرفي وأردت أن أدفع لدائني هذا المبلغ فإنني أسلمه السند‬
‫كنت قد أودعت مائة دينار ً‬
‫الممثل لهذه القيمة ليسترد هو المبلغ من الصيرفي ‪ ،‬وهو بدوره قد يعطيه لدائنه سداد الدين عليه‬
‫وهلم جرا‪ .‬كل هذه العمليات أراحت المودعين في معامالتهم من نقل الذهب أو الفضة من يد إلى‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ثم وجدت هذه الفئة من الصيارفة والتي أغلبها من إليهود‪ ،‬بأن هذه السندات الممثلة لقيمة ذهبية أو‬
‫فضية ‪ ،‬قلما يأتي حامل السند ليطلب قيمته النقدية‪ ،‬وبالتالي يبقى الذهب أو الفضة المودع في‬
‫مددا طويلة ‪ ،‬واتضح بالتجربة والممارسة بأن حامل السند َل يأتي ليستلم قيمته‬
‫جاثما فيها ً‬
‫خزائنهم ً‬
‫محتاجا إليه بصفة استثنائية ‪ ،‬ومع ذلك فإن قيمة السندات النقدية‬
‫النقدية التي تسحب ‪ ،‬إَل إذا كان‬
‫ً‬
‫التي تسحب َل يتجاوز عشر الذهب والفضة المودعين في خزائنهم‪ ،‬ومن هنا واتتهم الفكرة لماذا َل‬
‫يستغلون هذه الكميات الهائلة من الذهب والفضة باإلقراض وبالفائدة التي يحددونها ‪ ،‬بناء على ما‬
‫يلمسون من حاجة المجتمع إليهم بغير حدود أو قيود تقدر الفائدة الربوية التي يفرضونها وبعد أخذ‬
‫الضمانات الوثيقة منهم كفالة لسداد القروض عند حلول األجل ‪ ،‬وعند سداد هذه القروض وفائدتها‬
‫المرتفعة يستغلونها مرة أخرى في اإلقراض الربوي ‪ ،‬وهكذا دواليك‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1972/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وعلى هذا النحو تضخمت ثرواتهم التي لم تكن في أصلها إَل مال المودعين‪ .‬وكلما تضخمت‬
‫ثرواتهم الخاصة من هذه المصادر استخدموها بالمثل في اإلقراض بالربا باإلضافة إلى أموال الودائع‬
‫‪ ،‬وكانت هذه الفئة طوال تاريخها موضع إزدراء الكافة ‪ ،‬وكان تواجدها في األحياء اليهودية المنعزلة‬
‫عن المجتمع‪ .‬ثم تطورت الصناعات بتطور المجتمع البشري واحتاج الناس إلى توسيع صناعاتهم‬
‫وانشاء صناعات جديدة ‪ ،‬واتسع نطاق التبادل التجاري بين الدول والشعوب‪ .‬وتطور بالمقابل نشاط‬
‫هؤَلء الصيارفة وتجار النقود ‪ ،‬فبعد أن كان النشاط المصرفي يقتصر على القروض اَلستهالكية‬
‫تطور إلى القروض اإلنتاجية ‪ ،‬وبعد أن كان الربا محارًبا من الديانات السماوية أحلته الشرائع‬
‫الوضعية‪ .‬وتطور مركز الصيرفي فأصبح صاحب بنك له احترامه عند الكافة ‪ ،‬ونشأت البنوك‬
‫الحديثة في صورة شركات مساهمة رأس مالها يقدمه المؤسسون والمساهمون ‪ ،‬ولكنه يكون رأس مال‬
‫ال عشرة ماليين‪.‬‬
‫ضئيل ‪ ،‬فليكن مث ً‬
‫إَل أن الودائع تنهال على البنك فيصبح رأس ماله مئات الماليين‪ ،‬وبالتالي تصبح مكانة كل بنك في‬
‫العالم مقياسها هذه الودائع‪ ،‬وصارت البنوك تقدم ألصحاب هذه الودائع فوائد ضئيلة إلغرائهم‬
‫باإليداع ‪ ،‬مصورين لهم أن الربح الضئيل الثابت خير لهم من المجازفة بتوظيف أموالهم في‬
‫مشروعات قد تفشل وتهلك فيها أموالهم ويبؤون بالخسران ‪ ،‬ثم يقرضون هذه الودائع بفوائد مرتفعة‬
‫ويستغلون الفرق بين الفائدتين‪ .‬هذا كان المصدر األكبر للقوة المالية التي أحرزتها البنوك الحديثة ‪،‬‬
‫هذه القوة المالية التي انتزعت السيطرة الكاملة على اقتصاديات عالمنا المعاصر‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1973/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هذا األخطبوط الذي يتألف أغلبه من إليهود‪ ،‬أنشب مخالبه في لحوم البشر ودمائهم ومصائرهم‪،‬‬
‫وأشعل العديد من الحروب المدمرة ‪ ،‬وأخذ بيد اَلستعمار في انتهابه لخيرات األرض‪ ،‬وأخذ يوجه‬
‫تمويله إلى مشاريع تهدف أكثر ما تهدف إلى هدم أخالق الشعوب ونشر الفساد في كل مجتمع ‪،‬‬
‫مادامت أرباحها أكبر من مشروعات تلبي للناس مطالبهم من ضروريات الحياة‪ .‬ولم يقف هذا‬
‫األخطبوط عند هذه المآسي ‪ ،‬بل امتدت سيطرته إلى تشويه أسلوب التفكير لدى الشعوب وحجب‬
‫الحقائق عنها ‪ ،‬بما أتيح له من سيطرة على أجهزة النشر ووسائل اإلعالم‪.‬‬
‫ومن هنا كانت هذه الفئة محاربة هلل ورسوله في شريعة اإلسالم َلمتصاصها الشريان الحيوي لدماء‬
‫المجتمع ونشر الفساد والرذيلة فيه‪ ،‬ولم تأتي آية في كتاب هللا تعلن الحرب على أي فرد أو فئة من‬
‫فئات المجتمع البشري ‪ -‬مهما كانت ذنوبها ومعاصيها‪ ،‬ومهما كان عنادها هلل ورسول ‪ -‬غير فئة‬
‫المرائيين ‪ ،‬وجرثومة المجتمع القاتلة قال تعالى ‪ { :‬يا أَي َّ ِ‬
‫َّ‬
‫َّلل َوَذ ُروا َما َبِقي ِم َن ا ِلرَبا‬
‫ُّها الذ َ‬
‫َم ُنوا اتُقوا َّ َ‬
‫ين آ َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِإن ُكنتم مؤ ِمِنين (‪َ )278‬فِإن َلم تْفعلُوا َف ْأ َذنوا ِبحر ٍب ِمن َّ ِ‬
‫َم َو ِال ُك ْم ََل‬
‫َ‬
‫ْ ْ ُْ ُ ْ َ‬
‫ُ َْ‬
‫َّلل َوَرُسوِله َوِا ْن تُْبتُ ْم َفَل ُك ْم ُرُء ُ‬
‫ْ ْ ََ‬
‫وس أ ْ‬
‫ِ‬
‫صَّدُقوا َخ ْيٌر َل ُك ْم ِإ ْن ُك ْنتُ ْم‬
‫ظِل ُمو َن َوََل تُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ان ُذو ُع ْس َ ٍرة َف َنظ َرةٌ ِإَلى َم ْي َس َ ٍرة َوأ ْ‬
‫ظَل ُمو َن (‪َ )279‬وِا ْن َك َ‬
‫َن تَ َ‬
‫تَ ْعَل ُمو َن } [البقرة ‪.]280- 278 :‬‬
‫__________‬
‫(‪)1974/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫طا يعجز عنه الوصف ‪ ،‬وتضخمت ثرواتهم في العالم من هذا‬
‫لقد نشط إليهود في هذا المجال نشا ً‬
‫المصدر الخبيث الذي استغلوا فيه التحكم في العملة النقدية من الذهب والفضة ‪ ،‬وعملوا على‬
‫اكتنازهما للتحكم العالمي في العمالت الورقية التي تصدرها دول العالم‪.‬‬
‫ومن هنا نفهم المدلول الفقهي العام األوسع لقول الحق تعالى ‪ { :‬يا أَي َّ ِ‬
‫ير ِم َن‬
‫َم ُنوا ِإ َّن َكِث ًا‬
‫ُّها الذ َ‬
‫ين آ َ‬
‫َ َ‬
‫يل َّ ِ‬
‫ِ‬
‫اس ِباْلب ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫اط ِل ويصُّدو َن َع ْن سِب ِ‬
‫الرْه َب ِ‬
‫ال َّ‬
‫ين َي ْكن ُزو َن الذ َه َب َواْلف َّ‬
‫ض َة‬
‫َح َب ِار َو ُّ‬
‫ان َل َيأ ُ‬
‫َّلل َوالذ َ‬
‫الن ِ َ‬
‫ْاأل ْ‬
‫َم َو َ‬
‫ْكلُو َن أ ْ‬
‫َ‬
‫ََ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّللِ َفب ِشرهم ِبع َذ ٍ ِ‬
‫ِ‬
‫اه ُه ْم‬
‫َوََل ُي ْنفُق َ‬
‫اب أَلي ٍم (‪َ )34‬ي ْوَم ُي ْح َمى َعَل ْي َها في َن ِار َج َهَّن َم َفتُ ْك َوى ِب َها ِج َب ُ‬
‫ون َها في َسِبيل َّ َ ْ ُ ْ َ‬
‫ورُه ْم َه َذا َما َك َن ْزتُ ْم ِأل َْنُف ِس ُك ْم َف ُذوُقوا َما ُك ْنتُ ْم تَ ْكِن ُزو َن } [ التوبة ‪.]35-34 :‬‬
‫َو ُج ُنوبُ ُه ْم َو ُ‬
‫ظ ُه ُ‬
‫هكذا يخاطب هللا جل جالله الماليين المتحكمين بمصير األمم والشعوب ويقودونها إلى الهاوية‪.‬‬
‫وهكذا يظهر اإلعجاز القرآني في عالم القرن العشرين بتهديده لفئة قليلة تكدست في يدها الثروات‬
‫الذهبية بأساليب فاجرة وتستغلها في سيطرة اقتصادية َل ضابط لها من دين وَل وازع من خلق‪،‬‬
‫سيطرة فئة قليلة تصول وتجول في ابتالع سبائك الذهب وخزنه ؛ ليجعلوا منه ميزًانا لحماية‬
‫استغاللهم والتحكم في العمالت الورقية للدول والشعوب التي َل تمتلك تلك الخزائن المكنوزة من‬
‫الذهب والفضة والتي هي في حقيقتها ليست أموالهم ‪ ،‬ولكنها أموال المودعين والفوائد الربوية التي‬
‫يفرضونها عليها ويديرونها ويتصرفون بها كما لو كانوا هم مالكها بالفعل‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1975/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫إنها لقوة هائلة تلك القوة التي يصل بها هؤَلء في سيطرتهم المطلقة على المال وعلى القروض التي‬
‫يوزعونها بمحض مشيئتهم المطلقة ‪ ،‬فكأنهم بذلك يوزعون الدم الالزم لحيوية الجهاز اَلقتصادي بكل‬
‫أوضاعه ‪ ،‬فإذا شاءوا حرموه دم الحياة فال يستطيع أن يتنفس ‪ ،‬واذا شاءوا قدروا مدى انسيابه في‬
‫جسم هذا الجهاز التقدير الذي يتفق مع مصالحهم الذاتية‪.‬‬
‫وبالتالي فإن تجمع هذه الثروات المالية الهائلة في أيديهم يؤدي في األخير إلى اَلستيالء على‬
‫السلطة السياسية في النهاية ‪ ،‬ويتحقق لهم ذلك على خطوات ثالث متدرجة متساندة ‪ :‬األولى ‪:‬‬
‫الكفاح في سبيل إحراز السيادة اَلقتصادية‪ ،‬ثم الكفاح في جمع مقاليد السيادة السياسية في أيديهم‪،‬‬
‫ومتى تحققت لهم بادروا إلى استغالل طاقاتها وسلطانها في تدعيم سيادتهم اَلقتصادية ‪ ،‬وفي النهاية‬
‫ينقلون المعركة إلى المجال الدولي العالمي‪ .‬وبالتالي فإن ولي األمر الذي كان المفروض فيه أن‬
‫يمثل مصالح المجتمع ‪ ،‬وأن يحكم من مكانه الرفيع في نزاهة وحياد وعدل وايثار لصالح المجتمع ‪،‬‬
‫قد سقط إلى درك الرقيق لهذه القوى الرأسمالية وأصبح أداة طيعة لتنفيذ أهوائها وشهواتها‪ .‬وأن الواجب‬
‫المقدس على المسلمين إعادة سلطان الدولة الذي انتزعته القوى المرابية والرأسمالية‪ .‬وعندما يعود‬
‫ولي األمر إلى كامل اختصاصه الذي ناطه به اإلسالم ‪ ،‬عندئذ تتحول ثروة نقود الذهب الهائلة من‬
‫مارد شرير إلى خادم طيب يبني المجتمع ويصون الحرمان ويسعد اإلنسان ‪ ،‬كما كان في عهد سلفنا‬
‫الصالح وطليعة اإلسالم األولى‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1976/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هاما من‬
‫وقبل الدخول في لب الموضوع‪ .‬فإنه يجدر بنا – في هذا الموضوع الهام الذي يمثل ً‬
‫جانبا ً‬
‫الدراسات الفقهية العملية التي تعني بمعالجة أحكام الوقائع والنوازل والحوادث المستجدة في ضوء‬
‫مقررات الفقه وقواعده ‪ ،‬وما اشتملت عليه أصوله النظرية من السعة والمرونة والخصوبة – أن‬
‫نتعرض باإلشارة إلى بعض أبعاد الموضوع المطروح للبحث والدراسة‪ ،‬وبالتالي بناء الحكم الشرعي‬
‫عليه من قبل مجمعنا الموقر وسادته العلماء األفاضل لربما تلك األبعاد أو بعضها قد تخفى على‬
‫البعض‪ .‬والقاعدة المشهورة عند فقهائنا تقول ‪ :‬الحكم على الشيء فرع عن تصوره‪ .‬وفي كثير من‬
‫المسائل الفقهية أومن أحكام القضايا المستجدة يظهر الخالف في استنباط الحكم الشرعي بين الفقهاء‬
‫‪ ،‬ويكون مرجع خالفهم في الغالب إلى عدم الوضوح عند بعضهم ‪ ،‬وليس إلى حقيقة الحكم الشرعي‪.‬‬
‫ومن هنا كان التصور الصحيح واإللمام الشامل لكل جوانب القضية المطروحة هو األصل في‬
‫النظر الصحيح إلى النص الشرعي من الكتاب أو السنة والى علة الحكم التي تكون صريحة أو‬
‫إيماء‪ ،‬والى النظر إلى مسالك العلة ومناط الحكم كما هو معروف لدى السادة العلماء في مظانه‪ ،‬ثم‬
‫يأتي الحكم الشرعي بعد ذلك كفرع لذلك التصور‪.‬‬
‫‪ -1‬أن أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة في نظر الشريعة اإلسالمية ‪ ،‬وهو نص الموضوع‬
‫المطروح للدراسة والبحث واإلفتاء أمام مجمعنا الموقر‪ ،‬ليس هو غاية في ذاته ؛ ألن النقود وتغير‬
‫العملة ليست غاية في ذاتها بقدر ما هي أداة لتأدية وظائف معينة ‪ ،‬وهذه الوظائف هي األخرى‬
‫تختلف من حيث المصدر وأولوية الهدف ونطاق التطبيق ‪ ،‬فهناك الوظائف التقليدية ذات الطابع‬
‫ال بالنشاط التاريخي للنقود ‪ ،‬وهناك الوظائف األكثر عمومية والمرتبطة‬
‫النقدي البحت والمرتبطة أص ً‬
‫بالنشاط اَلقتصادي وتطور اَلقتصاد المعاصرة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1977/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫إن النقود كمقياس للقيمة‪ ،‬وهنا تثار مشكلة تقييم الكميات اَلقتصادية بصفة عامة ‪ ،‬والسلع‬
‫والخدمات بصفة خاصة‪ ،‬فهل ينظر إلى النقود كمقياس طبيعي مجرد ؟ أو عن طريق محاولة تقييم‬
‫السلع والخدمات بأوزنانها المادية؟ كأن تستخدم ساعات العمل لقياس الخدمات ‪ ،‬والمتر أو الطن‬
‫لتقدير كميات المواد األولية ‪ ،‬وهو في الغالب قياس مطلق ألنه عند تقويمه للسلعة ينظر إلى‬
‫خصائصها المادية دون مراعاة لعالقاتها التبادلية مع السلع األخرى‪ .‬ومن الصعب وجود وحدات‬
‫نظر َلختالف األخيرة في أوصافها الطبيعية قياس سلعي‬
‫قياس طبيعية مشتركة لجميع السلع ًا‬
‫تبادلي‪ ،‬أي محاولة قياس قيمة كل سلعة بالنسبة للسلع األخرى وبطريقة مباشرة ‪ ،‬كأن يقال للعامل‬
‫أو الموظف ‪ :‬إن عشر ساعات عمل تساوي قيمة رطلين لحم من لحم الضأن البلدي أو قميص‬
‫نظر لتعدد السلع‬
‫جدا وخاصة في العصر الحديث ؛ ًا‬
‫قطن‪ ،‬وهذه الطريقة من الناحية العملية صعبة ً‬
‫تبعا لظروف الزمان والمكان‪.‬‬
‫واختالف قيمتها ً‬
‫مجردا عن تقييم السلع أو الخدمات أي استخدام‬
‫أما عند النظر إلى النقود كمقياس حقيقي للقيمة‬
‫ً‬
‫النقود كمقياس للقيمة النقدية ووحدة المحاسبة‪ ،‬فإن عدد الوحدات النقدية الالزمة للحصول على‬
‫ثمنا أو قيمة لهذه السلعة‪ ،‬وحيث إن النقود تعتبر وحدات‬
‫السلعة أو التي تستبدل بها السلعة تعتبر ً‬
‫قياس مشتركة لقياس قيم جميع السلع ‪ ،‬نستطيع إذن بالمقارنة بين القيم النسبية المختلفة للسلع عن‬
‫طريق تقدير عدد الوحدات النقدية الالزمة للحصول على كل سلعة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1978/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ومن هنا فإن النقود تسمح بترجمة التغيرات في قيمة السلع ‪ ،‬كما أنها تخضع لتقلبات ذاتية‪ ،‬أي‬
‫أيضا في‬
‫تبعا لتغير الظروف اَلقتصادية بالسلع‪ .‬ويتمثل ً‬
‫تصبح لها قوة شرائية مرتفعة أو منخفضة‪ً ،‬‬
‫أن القياس النقدي يجنبنا المشاكل التي تعترض التحليل اَلقتصادي الكلي نتيجة لعناصر اإلنتاج ‪:‬‬
‫العمل ‪ ،‬المواد األولية‪ ،‬اآلَلت ‪...‬إلخ غير متماثلة الخصائص‪ ،‬ومن هنا اقتضت الضرورة تحقيق‬
‫نوع التماثل الذي يستدعى إيجاد عنصر مشترك يتمثل في األثمان النقدية لهذه العناصر ‪ ،‬وبذلك‬
‫تتحول العملية اإلنتاجية في صورتها الحقيقية من صورتها الفنية إلى صورتها اَلقتصادية ‪ ،‬وبالتالي‬
‫تكون العالقة تكاملية بين نوعي القياس‪.‬‬
‫أما العالقة بين القياس السلعي والقياس النقدي أو القيمي ‪ ،‬فهي التفرقة بين األسعار النسبية‬
‫واألسعار المطلقة ‪ ،‬فالقياس السلعي نسبي‪ ،‬أي أنه يرتبط بالمقارنة الحقيقة بين كميات السلع‬
‫المتبادلة‪ ،‬وهو يعكس بذلك الثمن الحقيقي أو معدل المبادلة لسلعة معينة بالنسبة لسلعة أو السلع‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ولما كان من الصعب تحديد وتقدير قيمة كل سلعة بالنسبة للسلع األخرى بعالقات كمية ‪ ،‬مثالً كمية‬
‫القمح بكمية القطن‪ .‬فنحن نلجأ إلى استخدام وحدات مشتركة لها نفس القيمة في ذات اللحظة‬
‫بالنسبة للسلعتين المتبادلين يقيم من دور هذه المحالت في التأثير في نسب المبادلة ‪ ،‬وتعرف هذه‬
‫النسب باألسعار النسبية أو الحقيقية للمبادلة بين السلع‪ .‬وعلى العكس من ذلك األسعار المطلقة فهي‬
‫أسعار نقدية بحتة تعكس مدى تطور قيمة النقود ويمثلها المستوى العام لألسعار أو النظرة الشاملة‬
‫معبر عنها بالنقود ‪ ،‬وتصبح المشكلة الحقيقية أو األساسية هي كيفية تحقيق‬
‫لمجموع األسعار ًا‬
‫التوازن بين األسعار الحقيقية والنسبية واألسعار المطلقة أو النقدية‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1979/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫ولقد كانت العملة النقدية هي السائدة حتى القرن التاسع عشرة ‪ ،‬حيث كانت أغلب النقود المستخدمة‬
‫في التعامل تتكون من نقود معدنية وبصفة خاصة من النقود الذهبية ‪ ،‬ولم تكن تعرف العملة الورقية‬
‫أو األثمانية‪ .‬وكانت قيمة وحدة النقود المعدنية تستمد قيمتها من قيمة المعدن المتكونة منه أو الذي‬
‫تصنع منه‪ ،‬أو بمعنى آخر فإن قيمة النقود المعدنية تعتمد على األسعار النسبية أي قيمة مبادلة‬
‫المعدن بالسلع األخرى‪ .‬وفي فترات أخرى من القرن الثامن عشر والتاسع عشر ‪ ،‬ساعد هذا المعيار‬
‫ال بفعل قانون الندرة‬
‫على تمتع النقود بثبات في القيمة ‪ ،‬ولكن هذا الثبات في القيمة لم يستمر طوي ً‬
‫فقد زادت كميات الذهب والفضة المكتشفة في أستراليا وأجزاء أخرى من العالم ‪ ،‬وأدت وفرة هذه‬
‫المعادن إلى انخفاض قيمتها بالنسبة للسلع األخرى ‪ ،‬وبالتالي إلى انخفاض قيم النقود المصنوعة من‬
‫صالحا لتحديد قيمة النقود‪.‬‬
‫تلك المعادن في فترة تاريخية معينة ‪ ،‬اعتبر هذا المعيار‬
‫ً‬
‫أما في عصرنا الحاضر فلم يعد األمر كذلك‪ ،‬فقد هجرت قاعدة المعدن ‪ :‬الذهب والفضة‪ ،‬وفقدت‬
‫قاصر على‬
‫ًا‬
‫النقود محتوياتها من المعادن ‪ ،‬وحلت محلها قاعدة النقد الورقية ‪ ،‬وأصبح دور الذهب‬
‫اعتباره من ضمن مكونات غطاء اإلصدار وعملة احتياطية دولية ‪ ،‬كما أصبحت كافة النقود‬
‫المستخدمة في التداول أما ورقية أو ائتمانية وتمتعت النقود الورقية التي يصدرها البنك المركزي‬
‫ثانيا القيمة الخارجية للنقود ‪ ،‬أي‬
‫بخاصتي القبول اإلجباري في المعامالت والنهاية في التحويل‪ً .‬‬
‫نسبة مبادلة وحدات النقد الوطنية بوحدات النقد األجنبية عند تسوية المعامالت الخارجية ‪ :‬سعر‬
‫الصرف ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1980/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وهذه القيمة الخارجية تحدد مقدرة النقود الوطنية على شراء السلع األجنبية وأسعار الصرف ‪ ،‬سواء‬
‫كانت ثابتة أو متغيرة ‪ ،‬تعتبر مؤشرات للقوة الشرائية للنقود الوطنية في اَلقتصاد العالمي ‪ ،‬كما يؤثر‬
‫التغيير في القيمة الخارجية للنقود الوطنية على القوة الشرائية الداخلية لها‪ .‬فعندما ترفع دولة ما من‬
‫قيمة عملتها بالنسبة للعمالت األجنبية ‪ ،‬فإنها تعمل في نفس الوقت على زيادة القوة الشرائية للعملة‬
‫الوطنية بالنسبة للسلع األجنبية المعروضة في السوق الداخلية ‪ ،‬أو القيمة الخارجية للعملة الوطنية‬
‫تتوقف على القرار السياسي الذي تتخذه السلطات العامة تحت تأثير الكثير من العوامل اَلقتصادية‪،‬‬
‫وخاصة ما يتعلق منها بالعجز أو الفائض في ميزان المدفوعات أو بهدف مكافحة التضخم المستورد‬
‫‪ ،‬أو لتشجيع الصادرات أو الواردات‪ .‬وعلى أي حال فإن عالقة وثيقة بين قيمة العملة الداخلية‬
‫مذبذبا في أسواق‬
‫وقيمتها الخارجية فعالية اَلقتصاديات الوطنية ‪ ،‬والتي أصبح اليوم كثير منها‬
‫ً‬
‫اَلقتصاد العالمي من خالل التجارة الخارجية ‪ -‬حركة رؤوس األموال ‪ -‬ألن المقايضة بين السلع‬
‫محددا‪ ،‬ومن هنا كان ابتكار وحدة‬
‫بدائيا‬
‫والخدمات َل تناسب عصرنا الحديث ‪ ،‬وانما تناسب‬
‫ً‬
‫مجتمعا ً‬
‫ً‬
‫عملة النقود التي حلت محلها اآلن العملة الورقية‪ ،‬ولكن على الرغم من ابتكار هذه العملة الورقية ‪،‬‬
‫وما تحققه من إراحة للمجتمع البشري من سرعة تبادل العملة النقدية أو المقايضة بين السلع الذي َل‬
‫يساير تطور المجتمع البشري ‪ ،‬فقد اعترض العملة الورقية صعوبات يرجع بعضها إلى وزن العملة‬
‫الورقية المادي أو احتمال الضياع أو السرقة‪ ،‬فكان النظام اَلئتماني المصرفي هو الكفيل بتيسير‬
‫الصعوبات المشار إليها عن طريق مجرد وعد بدفع ثمن السلعة أو الخدمة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1981/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هذه الوعود بالدفع مكنت الناس من التأمل بينهم بدون حاجة إلى تداول النقود من يد إلى أخرى‪،‬‬
‫باإلضافة إلى بعض المعامالت التي تعارف عليها الناس ‪ ،‬فصارت أشبه بعملة غير رسمية يجري‬
‫ثمنا‬
‫وعدا بدفع مبلغ من النقود ً‬
‫سداد قيمتها في البنوك عن طريق المقايضة ‪ .‬فمثالً إذا أعطيتك ً‬
‫أجر عن‬
‫ثمنا لسلعة أو ًا‬
‫لسلعة أو ًا‬
‫وعدا بدفع مبلغ من النقود ً‬
‫أجر عن خدمة ‪ ،‬وأنت أعطيت ثالثًا ً‬
‫وعدا بالدفع عن سلعة أو خدمة أديتها إليه‪ .‬هذه الوعود الثالثة كلها‬
‫خدمة‪ ،‬وهذا الثالث أعطاني ً‬
‫تلتقي في البنك ‪ ،‬ويجري سدادها جميعها بالقيد في دفاتر البنك لحساب كل من الثالثة بغير انتقال‬
‫صور عدة ‪ :‬منها الشيك الذي يصدره‬
‫ًا‬
‫مادي للنقود من يد إلى أخرى‪ .‬والوعد بهذا الدفع قد يتخذ‬
‫العميل إلى مصرفه ‪ ،‬يأمره فيه بدفع مبلغ معين إلى شخص أو لحامل الشيك‪ ،‬والبنك من جانبه يدفع‬
‫قيمة الشيك إلى الشخص المسمى فيه أو لحامله من حساب ما أودعه العميل في خزائنه من قبل‪.‬‬
‫وقد يتخذ الوعد بدفع صورة فتح اعتماد من البنك إلى أحد عمالئه ‪ ،‬فيتعهد البنك يجعل مبلغ معين‬
‫تباعا ‪ ،‬فإنه يذهب إلى مصرفه وعلى أساس حساب‬
‫تحت تصرف عميل لمدة معينة يسحب منه ً‬
‫ودائعه فيه يأخذ منه خطاب اعتماد‪ ،‬يوجهه مصرفه إلى فرعه في الدولة األخرى أو إلى مصرف‬
‫آخر يأمره بدفع المبلغ المطلوب إلى العميل ‪ ،‬والمصرف في هذه الحالة َل يأخذ من عميله فائدة‬
‫ربوية على هذه الخدمة ‪ ،‬بل يكتفي بعملة بسيطة َل تتجاوز في كثير من األحوال ‪ 1/4‬أو واحد في‬
‫المائة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1982/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫أيضا أو التعهد بالدفع صورة السند اإلذني وهو التزام مكتوب يتعهد فيه‬
‫ومن صور هذا الوعد ً‬
‫شخص معين يسمى المحرر بدفع مبلغ معين في تاريخ معين لشخص معين آخر ‪ ،‬أو إلذنه يسمى‬
‫فور قبل‬
‫المستفيد ‪ ،‬ويصبح السند اإلذني أداة وفاء يستطيع المستفيد أن يصرف قيمة السند من البنك ًا‬
‫حلول تاريخ السداد ‪ ،‬مقابل فائدة ربوية يخصمها البنك من المستفيد مقابل األجل‪.‬‬
‫أيضا صور الكمبياَلت وهي أمر مكتوب يتوجه به شخص يسمى الساحب إلى شخص آخر‬
‫وهناك ً‬
‫طالبا منه دفع مبلغ معين إلذن شخص ثالث يسمى المستفيد ‪ ،‬فإذا قدم‬
‫يسمى المسحوب عليه ‪ً ،‬‬
‫المستفيد الكمبيالة إلى مصرفه بعد أن أظهرها المسحوب عليه ‪ ،‬دفع البنك قيمة الكمبيالة بعد خصم‬
‫الفائدة الربوية على المدة التي سوف تمضي قبل حلول أجل الوفاء المقدر في الكمبيالة‪ .‬هذه طائفة‬
‫من صورة العملة المصرفية التي تخضع اليوم لألحكام القانونية الدولية في عالمنا المعاصر ‪ ،‬والتي‬
‫تهدف إلى تحقيق تيسير التبادل بين الناس‪ .‬أما الشيك فصورته معروفة ‪ ،‬وهو أمر من العميل إلى‬
‫البنك ليدفع إلى شخص ثالث المبلغ المدون في الشيك من حسابه الجاري في البنك‪ .‬وتصويره‬
‫أيضا واضح‪ ،‬فالعميل مودع لمال مثلي في البنك المودع لديه‪.‬‬
‫الشرعي ً‬
‫والشيك ‪ :‬أمر بدفع جزء من المال إلى شخص ثالث ‪ ،‬هو في الحقيقة تنفيذ لعقد الوديعة بين البنك‬
‫والعميل‪ ،‬وهو في نظري تصرف شرعي َل إثم فيه وَل ربا ‪ ،‬بل إنه يؤدي خدمات جليلة وانسانية‬
‫للمجتمع اإلنساني بتيسير التعامل بين الناس‪ .‬فهذا الجانب من النشاط المصرفي والعملة الورقية أو‬
‫الشيك في نظري َل شبهة فيه على اإلطالق ؛ ألنه ليس فيه فائدة يؤديها البنك إلى المودعين في‬
‫الحسابات الجارية ‪ ،‬ولكن النظر الشرعي في هذا الجانب قد يدقق في المعامالت األخرى‪ ،‬والذي قد‬
‫يكون اطراد التعامل بالشيكات بين الناس وعلى أساس ودائعهم الجارية قد أدى بقوة مالية جديدة على‬
‫خلق النقود‪ .‬أما أوامر الدفع الموجهة إلى البنك من عمالئه ‪ ،‬إنما هو في حقيقته تصرف من الودائع‬
‫الجارية أي الودائع التي هي تحت الطلب ‪ ،‬وهو ما يسمى في اَلصطالح المصرفي بالحساب‬
‫الجاري ‪ ،‬وهو يختلف عن الودائع الثابتة في أنه جائز السحب في أي وقت‪.‬‬
‫وهناك صور أخرى كثيرة تدخل تحت عنوان البحث ‪" :‬أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة " ‪،‬‬
‫وان بحث هذه المسألة العالمية والمتشعبة الجوانب يفترض في نظرنا وضعها على بساط البحث في‬
‫صورتها الواضحة والمتكاملة ‪ ،‬واإللمام الدقيق بكل فروعها المختلفة وجزئياتها المتنوعة ‪ ،‬وبالتالي‬
‫التأصيل في التحليل والتعمق في البحث‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1983/2‬‬
‫‪--------------‬‬
‫واذا كانت العملة النقدية أو الورقية ليست غاية في ذاتها بقدر ما هي أداة لتأدية وظائف معينة‬
‫للمجتمع البشري ‪ ،‬فإن العدالة بالمقابل هي الغاية المنشودة لذاتها في الشريعة اإلسالمية‪ .‬وفي هذا‬
‫المجال تعصر عقول المجتهدين من علماء األمة اإلسالمية ‪ ،‬وينصب إنتاجها على بيان أحكام‬
‫الشريعة اإلسالمية من نصوصها الشرعية ‪ ،‬أو من قواعد أصولها اَلجتهادية‪ .‬ومن المعلوم أن‬
‫الشريعة اإلسالمية قد كفلت في مصادرها العامة وقواعدها الكلية النصوص الصريحة على منع‬
‫مجموعة من النشاطات اَلقتصادية المعيقة في نظر اإلسالم عن تحقيق العدل اَلجتماعي للبشرية‬
‫الذي ينشده اإلسالم‪.‬‬
‫كما كفلت الشريعة اإلسالمية حق مبدأ اإلشراف العام الممثل بالدولة ‪ ،‬األمر بالصالحيات العامة‬
‫على كافة المجاَلت اَلقتصادية ذات النشاط اَلجتماعي العام‪ .‬وبالتالي ضمنت حق تدخل الدولة ؛‬
‫لحماية مصالح المجتمع العامة ورعايتها ‪ ،‬وحراستها بالحد الشرعي من حريات المصالح الفردية ‪،‬‬
‫ومن حريات األفراد فيما يمارسونه من أعمال تتنافى ومصالح األفراد العامة في ذاتها وفي مجموعها‪.‬‬
‫ومن هنا كان وضع هذا المبدأ العام في الشريعة اإلسالمية ضرورًيا لكي تضمن الشريعة اإلسالمية‬
‫ذاتها تحقيق مثلها العليا ومفاهيمها السامية في العدالة اَلجتماعية على مر الزمن ‪ ،‬وتعاقب األجيال‬
‫‪ ،‬ومستجدات التطور ‪ ،‬انطالًقا من مبدأ خلود الشريعة المشتملة في مضامينها على متطلبات العدالة‬
‫اَلجتماعية التي يدعو إليها اإلسالم في مبادئه العامة وكلياته الشمولية ومنطلقاته األصولية الكفيلة‬
‫باستيعاب مضامين العدالة في كل زمان ومكان لكافة أبناء البشرية جمعاء‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1984/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وان قضية اآلثار واألحكام المترتبة على النقود الورقية وتغير قيمة العملة تدخل في صميم العدالة‬
‫العالمية التي تسود فيها هذه المعامالت ‪ ،‬والتي تشتمل على صور شتى يعرفها رجال اَلقتصاد‪،‬‬
‫واكتفيت بذكر بعضها لكوني َل أستطيع حصر الصور وَل الجواب عليها ‪ ،‬ولكن نوضح حكم الشرع‬
‫في نظرنا عن بعض صورها ‪ ،‬فإن يكن صو ًابا فمن هللا ‪ ،‬وان يكن باطالً فمني ‪ ،‬وهللا ورسوله‬
‫بريئان منه‪.‬‬
‫‪ -1‬الشطر األول من الموضوع ‪ :‬أحكام النقود الورقية‪ ،‬أي إحالل العملة الورقية محل العملة النقدية‬
‫في التعامل وتقييم السلع والخدمات بها ‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫لقد مرت البشرية خالل تاريخها الطويل بمراحل في ميدان ابتكار تبادل المنافع والخدمات‪ ،‬ولقد‬
‫ُّها َّ‬
‫اس ِإنَّا‬
‫الن ُ‬
‫أشرت في مقدمة الموضوع إلى أن القرآن العظيم قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى ‪َ { :‬يا أَي َ‬
‫اك ْم } [ الحجرات ‪:‬‬
‫وبا َوَق َب ِائ َل ِلتَ َع َارُفوا ِإ َّن أَ ْك َرَم ُك ْم ِع ْن َد َّ‬
‫َّللِ أ َْتَق ُ‬
‫اك ْم ِم ْن َذ َك ٍر َوأ ُْنثَى َو َج َعْل َن ُ‬
‫َخَلْق َن ُ‬
‫اك ْم ُش ُع ً‬
‫‪ .]13‬فكانت المرحلة األولى من مراحل التعارف تبادل السلع والمنافع والخدمات بين أبناء البشرية‬
‫على نطاق جماعاتها ومجتمعاتها المحدودة‪ .‬ولم يكن التعامل بالنقد من الذهب والفضة أو أي معدن‬
‫آخر معروًفا‪ ،‬وانما كانت المعاملة تتم بواسطة المقايضة بين السلع وتقييم أجرة المنافع والخدمات‬
‫بقيمة السلعة ‪ ،‬وكان هذا الوضع هو الوضع المناسب للمجتمع البدائي‪.‬‬
‫ثم تطور المجتمع البشري واتسع نطاق التعاون ‪ ،‬وزاد من حجم الخيرات والمنتجات وحاجة الناس‬
‫إلى الحصول على تلك الخيرات المتنوعة ‪ ،‬فكان ابتكار العملة النقد ‪ ،‬وعلى وجه الخصوص الذهب‬
‫والفضة‪ ،‬فسهلت على مجتمعات تلك المراحل التاريخية التعامل فيما بينها بواسطة قطع العملة‬
‫النقدية من الذهب والفضة‪ ،‬وبدَلً من تقييم قيمة سلعة بسلعة أخرى ‪ ،‬والتي كانت تحتاج إلى وقت ‪،‬‬
‫أو تقييم خدمة أو أجرة عمل بثمن تلك السلعة؛ أصبح المجتمع البشري يقيم كافة قيمة السلع‬
‫والخدمات وأجرة العمل بقيمة تلك العملة النقدية المتفق على قيمتها‪.‬‬
‫إَل أن تلك العملة كانت تكتنفها المخاطر وخاصة عند نقلها من بلد إلى بلد ‪ ،‬والتي تتمثل بالسرقة‬
‫أيضا إلى بطء التعامل الذي‬
‫أو الضياع‪ ،‬باإلضافة إلى صعوبة نقلها بسبب وزنها المادي ‪ ،‬إضافة ً‬
‫َل يناسب مجتمع تطور اإلنسانية ‪ ،‬وبناء الحضارة التي ينشدونها في شتى مجاَلت الحياة‪ .‬وبالتالي‬
‫فإن التعامل بالعملة النقدية لم يعد يناسب عصر السرعة وَل يلبي حاجة اإلنسان ‪ ،‬فكان ابتكار‬
‫العملة الورقية واحاللها محل العملة النقدية في القيمة المالية مساهمة كبرى في تطور الحضارة‬
‫اإلنسانية وتقدم اإلنسان ومازالت كذلك ‪ ،‬وَل نعلم ماذا يكون عليه الحال ‪ ،‬ولكن الذي يهمنا أن نعلمه‬
‫هو حكم هللا في هذا التعامل‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1985/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وَل شك في أن من أصول التشريع في الشريعة الخالدة التي أصلها القرآن الكريم والسنة المطهرة ‪،‬‬
‫كالتيسير ودفع الحرج عن الناس‪ ،‬وهذا األصل مقصود به دوام الشريعة واستمرار إقامة أحكامها ؛‬
‫ألن الشريعة الحاكمة على أفعال المكلفين ‪ ،‬والمشتملة على السعادة الحقة في العاجلة واآلجلة ‪،‬‬
‫ِ‬
‫الن ِ‬
‫ونوا ُش َه َداء َعَلى َّ‬
‫اس‬
‫اك ْم أ َّ‬
‫ُم ًة َو َس ً‬
‫ك َج َعْل َن ُ‬
‫طا لِتَ ُك ُ‬
‫وضعت أصولها على أساس العدل الوسط ‪َ { :‬وَك َذل َ‬
‫َ‬
‫} [البقرة ‪ .]143 :‬وقال تعالى ‪ { :‬وما جعل عَلي ُكم ِفي ِ‬
‫الد ِ‬
‫ين ِم ْن َح َرٍج } [الحج ‪ .]78 :‬وقال تعالى ‪:‬‬
‫ََ َََ َ ْ ْ‬
‫ِ‬
‫ف َع ْن ُك ْم‬
‫َّللُ ِب ُك ُم اْل ُي ْس َر َوََل ُي ِر ُيد ِب ُك ُم اْل ُع ْس َر } [البقرة ‪ .]185 :‬وقال تعالى ‪ُ { :‬ي ِر ُيد َّ‬
‫{ ُي ِر ُيد َّ‬
‫َّللُ أ ْ‬
‫َن يُ َخف َ‬
‫و ُخِل َق ِْ‬
‫ض ِع ًيفا } [النساء ‪ .]28 :‬وقد وصف هللا رسوله صلى هللا عليه وسلم‪ .‬بما أتى به من‬
‫ان َ‬
‫اإل ْن َس ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫َغ َال َل التي َك َان ْت َعَل ْي ِه ْم } [األعراف ‪ .]157 :‬وبذلك سمى‬
‫ص َرُه ْم َو ْاأل ْ‬
‫أحكام ألمته { َوَي َ‬
‫ض ُع َع ْن ُه ْم إ ْ‬
‫محمد صلى هللا عليه وسلم الشريع َة التي أُرسل بها بالشريعة السمحة‪ .‬ويجدر بنا في هذا المقام أن‬
‫نشير إلى ما أورده اإلمام ابن القيم رحمة هللا عليه في كتاب أعالم الموقعين ‪ 3/3 :‬وما بعدها‪ ،‬إذ‬
‫يقول تحت عنوان "بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد" " هذا فصل عظيم النفع‬
‫ط عظيم على الشريعة ‪ ،‬أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما َل‬
‫جدا ‪ ،‬وقع بسبب الجهل به غل ٌ‬
‫ً‬
‫سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي أعلى رتب المصالح َل تأتي به ‪ ،‬فإن الشريعة مبناها‬
‫وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد‪ ،‬وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها‬
‫وحكمة كلها‪ ،‬فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ‪ ،‬وعن الرحمة إلى ضدها ‪ ،‬وعن المصلحة‬
‫إلى المفسدة ‪ ،‬وعن الحكمة إلى العبث ‪ ،‬فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل‪ .‬فالشريعة‬
‫عدل هللا بين عباده‪ ،‬ورحمته بين خلقه‪ ،‬وظله في أرضه‪ ،‬وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله‬
‫صلى هللا عليه وسلم ‪...‬إلخ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1986/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫بهذا اَلستعراض أردنا أن نبين بأن قصد الشريعة اإلسالمية اليسر والسهولة ورفع الحرج والمشقة عن‬
‫الناس‪ ،‬فرفع الحرج والمشقة من شريعة هللا يعتبر أصالً من أصولها ويكشف سر اإلعجاز في‬
‫خلودها‪.‬‬
‫ولما كان القصد من إحالل العملة الورقية محل العملة النقدية هو اليسر والسهولة ‪ ،‬ورفع الحرج‬
‫والمشقة عن الناس ‪ ،‬وتلبية لقضاء حاجاتهم ‪ ،‬وتحقيًقا لضمان مصالحهم بأيسر السبل وأخفها مشقة‪،‬‬
‫عيا من‬
‫مانعا شر ً‬
‫وعمالً بأصل رفع الحرج والمشقة في شريعة هللا ؛ فإنني ‪ -‬وحسب علمي ‪َ -‬ل أجد ً‬
‫إحالل العملة الورقية محل العملة النقدية ‪ ،‬طالما كانت تلك العملة الورقية تخضع في أحكامها‬
‫أوضح ْتها سن ُة البيان النبوي على قواعد ضمان‬
‫ألحكام الشريعة النافذة على العملة النقدية ‪ ،‬والتي‬
‫َ‬
‫ميزان العدل بين الناس ‪ ،‬وتحديد قيمتها المالية على أصول التعامل الشرعي ‪ ،‬بقوله عليه الصالة‬
‫والسالم ‪ (( :‬الذهب بالذهب رباء إَل هاء وهاء ‪ ،‬والفضة بالفضة رباء إَل هاء وهاء )) إلى آخر‬
‫الحديث‪ .‬رواه مسلم ‪.‬‬
‫ومن خالل نص الحديث المشار إليه وغيره من األحاديث الخاصة بالنقدين الذهب والفضة ؛ فإننا‬
‫نرى جواز التعامل بالعملة الورقية ‪ ،‬واحاللها في األحكام الشرعية محل أحكام النقدين‪ ،‬وأن حكمها‬
‫حكم النقدين ‪ ،‬يجري عليها ما يجري على النقدين ‪ ،‬وألن البدل له حكم المبدل في عرف الفقهاء‪.‬‬
‫وباهلل التوفيق وهللا أعلم‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1987/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫أما الشطر اآلخر من الموضوع ‪ :‬تغير قيمة العملة ‪ ،‬فإن أساس بحث هذه المسألة العالمية ومناط‬
‫األشكال فيها يفترض في نظرنا وضعها في صورتها المتكاملة والواضحة ‪ ،‬واإللمام الدقيق بكل‬
‫أبعادها ‪ ،‬وأسباب مسبباتها كقضية عالمية عميقة الجذور متشعبة الجوانب ‪َ ،‬ل يقتصر تأثيرها على‬
‫نظر لترابط المجتمعات‬
‫شعب أو مجتمع بمعزل عما يدور بين األمم والشعوب في عالمنا المعاصر ‪ً ،‬ا‬
‫والشعوب في عالم اليوم الذي لم َي ُس ْد فيه ميزان العدالة الدولية ‪ ،‬حيث عمل اَلستعمار مباشرة ‪ -‬وما‬
‫زال يعمل ‪ -‬على نهب خيرات الشعوب ‪ ،‬وعلى زرع الفتن بينها ‪ ،‬حتى َل تتفر َلستثمار ما أودعه‬
‫هللا في خزائن األرض وأعماق البحار‪ ،‬كما جند في جانب آخر شركاته العالمية اَلحتكارية ‪ ،‬التي‬
‫تتحكم بمصير اقتصادية أكثر الشعوب في ميادين اَلقتصاد العالمي اليوم ‪ ،‬حيث منعت هذه‬
‫الشركات نقل التقنية الصناعية إلى الشعوب النامية والفقيرة وغيرها ‪ ،‬مما يعتبر في عالم اليوم من‬
‫األسس الضرورية لرفع مستوى حياة هذه الشعوب ‪ ،‬كما عملت من جانب آخر على رفع ثمن السلع‬
‫اَلستهالكية وطلب قيمتها بالعمالت الصعبة التي من خاللها يتم تحكمها على القيمة المالية‬
‫لالقتصاد العالمي من خالل بنوكها ومصارفها العالمية ‪ ،‬والذي يديرها اليوم كثير من يهود العالم بعد‬
‫مقياسا لقوة الشعوب‬
‫أن تمكنوا منذ قرون من جمع العملة النقدية من الذهب والفضة‪ ،‬وبالتالي جعلها‬
‫ً‬
‫اَلقتصادية ‪ ،‬والتي تملك منها الشعوب الفقيرة والنامية نسبة ضئيلة َل تفي بجعل عملتها الورقية ‪،‬‬
‫وَل حتى بقوة اقتصادها ‪ ،‬بأن تقف على قدم المساواة ‪ -‬فضالً عن ميزان العدالة ‪ -‬في تقييم السلع‬
‫المصدرة والمستوردة في القيمة المالية الحقيقية لما تصدره هذه الشعوب ‪ ،‬حتى َل تملك مستودعات‬
‫تبعا لميزان العدالة الدولية المختل‪.‬‬
‫الذهب ‪ ،‬ولما تستورد ً‬
‫أيضا ً‬
‫__________‬
‫(‪)1988/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫أضف إلى ذا وذاك امتصاص العملة الصعبة إذا ما قدر لها الدخول بكميات ضئيلة إلى الشعوب‬
‫النامية والفقيرة بأساليب رهيبة‪ ،‬منها بخس أثمان منتوجات هذه الشعوب‪ ،‬والتحيل عليها من عدم‬
‫الحصول على العملة الصعبة بخلق الفتن بين شعوبها وزعزعة األمن في شئونها الداخلية ‪ ،‬وبالتالي‬
‫تصدير األسلحة إلى هذه الشعوب التي لم تكن بحاجتها ‪ ،‬وبالتالي تتم المقايضة غير المتكافئة‪.‬‬
‫وهناك أساليب تكبل اليوم الكثير من شعوب العالم الثالث َل يجيدها إَل أقطاب اَلقتصاد العالمي‬
‫ومصاصو دماء الشعوب ‪...‬إلخ‪ .‬ولقد أطلت نفس القلم في صلب هذا البحث ‪ ،‬ونوهت في مقدمته‬
‫إلى تحكيم العالقات اإلنسانية بين األمم والشعوب إن لم تحكم شريعة السماء الخالدة‪.‬‬
‫هذه المسألة بحاجة ماسة إلى التأصيل والتحليل والتعمق في البحث ‪ ،‬لقناعتنا في أن موضوع تغير‬
‫العملة وبيان حكم الشريعة اإلسالمية َل يمكن أن يكون بمعزل عما يؤثر في انخفاض سعر العمالت‬
‫‪ ،‬وأن آثار األحكام المترتبة على تغيير العملة بالكامل واحالل عملة أخرى محلها‪ ،‬أو تغير سعرها‬
‫نقصانا ‪ ،‬وان لم تغير عين العملة ذاتها إلى عملة أخرى‪.‬‬
‫زيادة أو‬
‫ً‬
‫إنما يعبر في حقيقة األمر على عظمة قدرة الشريعة اإلسالمية على مواجهة كل جديد ‪ ،‬واتساعها‬
‫لمقتضيات كل عصر ‪ ،‬وتلبيتها لحاجاته على الوجه األرشد واألكمل ‪ ،‬والذي يكمن في تبصر‬
‫توجيهاتها ‪ ،‬وتدبر حكمها وأسرارها ‪ ،‬وفهم دقيق لمقاصدها وأهدافها‪ .‬وَل عجب في ذلك إذ أن‬
‫الشريعة اإلسالمية هي خاتمة الشرائع اإللهية التي أنعم هللا بها على اإلنسان‪ .‬وَل يتصور مؤمن‬
‫بكمال علم هللا وحكمته ورحمته وبره بخلقه ‪ ،‬أن هللا تعالى يغلق باب النبوة دونهم ويقطع وحيه عنهم‬
‫‪ ،‬ثم يتعبدهم بشريعة قاصرة تصلح لقوم وَل تصلح آلخرين ‪ ،‬وتصلح لزمان وَل تصلح آلخر ‪ ،‬بل‬
‫بنيانا‬
‫كانت أحكامها الكلية وقواعدها األصولية تستطيع بكل يسر وسهولة وقوة أن تشيد لإلنسانية ً‬
‫يقوم على أساس ثابت من العدل الشامل ‪ ،‬ومن الحق المبين الذي َل يأتيه الباطل من بين يديه وَل‬
‫من خلفه ؛ ألنه تنزيل من حكيم حميد‪.‬‬
‫وان تدبر توجيهاتها ‪ ،‬وسبر أغوارها ‪ ،‬وفهم أسرارها ومقاصدها ‪ ،‬والغوص في أعماق لججها‬
‫َلستخراج آللئها وأصدافها النورانية البهية من شأنه أن يصقل مواهب وعقول المجتهدين من جهابذة‬
‫العلماء العاملين ‪ ،‬وينور بصائرهم بأشعة جالل أنوارها‪ ،‬ويالقي بين ينابيع خواطرهم ومعين أفكارهم‪،‬‬
‫ويعبر عنهم بعقل مجمعهم ‪ ،‬ويبلور بين المفاهيم واألسرار التي تجيش بها نفحات خواطرهم ذات‬
‫المعين اإللهي الفياض ‪ ،‬والرحمة اإللهية الخاتمة التي َل تنضب‪ .‬وان الفهم الدقيق والصحيح لمبادئ‬
‫اإلسالم العامة وقواعده الكلية‪ ،‬هو األساس الفكري والدعامة األساسية لفكرة اَلجتهاد والتجديد والعودة‬
‫بأمتنا اإلسالمية إلى حقائق الشريعة اإلسالمية المقدمة‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1989/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫كما أنه الطريق الصحيح الذي يرسم لنا بيقين كيف نعالج األوضاع اَلقتصادية في ضوء الشريعة‬
‫الخالدة ‪ ،‬والتي أنزلها هللا بعلمه على محمد صلى هللا عليه وسلم ليقيم بها عدله في األرض ‪ ،‬ويحقق‬
‫بها مصالح العباد في المعاش والمعاد‪ .‬كما دلت على ذلك استقراء نصوص األحكام الشرعية‬
‫وقواعدها الكلية ‪ ،‬وأسس مبادئها األصولية العامة ‪ ،‬وتعليالت جزئياتها من الكتاب والسنة وأنه‬
‫سبحانه خص هذه الشريعة بالعموم واَلستمرار والخلود دون سائر الشرائع األخرى ‪ ،‬وأن أصولها‬
‫النظرية قد استوعبت عالج الوقائع والمشكالت بشهادة التاريخ لها‪ ،‬وما زالت قادرة ‪ -‬وبطريقة يتوجها‬
‫اإلعجاز ‪ -‬على عالج الوقائع والمشكالت المتجددة والمتطورة ‪ .‬وَل شك بأن من أهداف مقاصد‬
‫جميعا ‪ ،‬وتحقيق اإلخاء بينهم ‪ ،‬وحماية وصيانة دمائهم‬
‫الشريعة إقامة العدل المطلق بين الناس‬
‫ً‬
‫وأموالهم وعقولهم وأخالقهم ‪ ،‬وأنها َل تحقق مصلحة طبقة دون أخرى ‪ ،‬وَل مصلحة فرد خاصة دون‬
‫آخر ‪ ،‬وَل شعب دون شعب ‪ ،‬وَل مصلحة دنيوية دون النظر إلى المصالح األخروية ‪ ،‬كما هو‬
‫الحال في التشريعات الوضعية‪ .‬وأن السبيل األقوى واألقوم َلستيضاح حكم وأسرار الشريعة ميسر‬
‫بإذن هللا لترجمة الحكم الشرعي من دليله المعتبر‪ ،‬وبالتالي إظهار الحق واثباته من مصدره الشرعي‬
‫الذي يعطي المجتهد الوضوح والجالء الذي يعتبر األساس الصحيح للنهوض العلمي برسالة‬
‫أيضا يستوعب اجتهاد المجتهد منطلقات األدلة الشرعية ومفاهيم النصوص‬
‫المجمع‪ .‬وبالتالي ً‬
‫المتعارضة أو المتداخلة بالعموم والخصوص ‪ ،‬أو بتهذيب العلة وتحقيق المناط ‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1990/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫وان الهدف من هذا البحث المتواضع هو إيضاح حكم الشريعة اإلسالمية في العملة الورقية والنقدية‬
‫في هذا العصر الذي سيطرت فيه على جميع مجاَلت نشاطها‪ ،‬وبالتالي تغلغل الربا بكل أنواعه‬
‫تطور ينأى بها عن‬
‫ًا‬
‫وبكل شروره وآثامه في كل مجال منها ‪ ،‬وكيف تظهر هذه العملية ‪ ،‬وتطورها‬
‫كل اَلنحرافات ‪ ،‬وبالمقابل فإن النهوض برسالة المجمع َل يتم إَل بالتعبير عن المشاكل التي تحس‬
‫أيضا بالنسبة ألي قضية إسالمية‪ ،‬وخاصة في مجال العدالة‬
‫بها أمتنا اإلسالمية ‪ ،‬والتي تراها ً‬
‫العالمية واَلجتماعية التي َل تحمل جنسية غير جنسية اإلنسانية ‪ ،‬وَل حدود على األرض التي‬
‫يعيش فيها اإلنسان ‪ ،‬والتي هي الغاية من اجتهاد العلماء في بيان حكم هللا الذي هو عين العدل؛‬
‫ألننا نعلم بأن العملة ليست غاية في حد ذاتها لبيان حكم الشرع ‪ ،‬بل هي وسيلة لقضاء حاجات‬
‫اإلنسان‪ ،‬أما الغاية من بيان حكم هللا فيها من حرمة وحالل وصحة وبطالن ‪ ،‬إنما هو تحقيق العدل‬
‫بين الناس في هذه العملة والتعامل بها بين الناس‪ ،‬والعدل الحقيقي إنما يعرف من أحكام هللا العادلة‬
‫بين العباد‪ .‬وهذه القاعدة من أجل القواعد التي تعطي الصورة العالمية للمجمع والشمولية لشريعة‬
‫اإلسالم والخلود لمبادئه العادلة التي يحلم بها عالم البشرية اليوم ‪ ،‬والتي تجنى منها ثمار العقول‬
‫اليانعة واألفهام المستنيرة بنور الكتاب والسنة ‪.‬‬
‫وأن أساس القضية ومناط اإلشكال في الشق اآلخر من الموضوع المطروح ‪ :‬تغير قيمة العملة ‪،‬‬
‫والذي تدخل تحته من الصور والمستجدات ماَل يمكن حصره‪ .‬ولكن تصويرنا وحكمنا على بعضها‬
‫حكم منا على بعضها اآلخر ‪ ،‬إلحاًقا لها في تحقيق المناط ‪ ،‬فنقول وباهلل نستعين ‪:‬‬
‫‪ -1‬من المعلوم بأن الثمن في البيع ركن‪ ،‬ومعرفة قدره وصفته شرط لصحة البيع‪ ،‬أما إذا ذكر في‬
‫عقد البيع قدر الثمن دون صفته ‪ ،‬فإنه ينصرف في عرف الفقهاء إلى الغالب من نقد البلد الذي تم‬
‫فيها العقد ؛ ألنه المتعارف عليه عند اإلطالق ‪ ،‬ويكون في عرف الفقهاء من أفراد ترك الحقيقة‬
‫بدَللة العرف القولي ‪ ،‬فإن كان في البلد الذي تم فيه العقد نقود غيرها من جنسها واستوت في‬
‫المالية ‪ ،‬لكن بعضها يتداوله الناس في معامالتهم بصورة أكثر من البعض اآلخر ‪ ،‬فينصرف إلى‬
‫انتشار في معامالت الناس‪ .‬أما إن استوت في تداول الناس وفي معامالتهم‬
‫ًا‬
‫النقد الذي يكون أكثر‬
‫واتفقت في المالية ‪ ،‬فإن المشتري يخير ؛ ألن الجنس والقيمة متحدان‪ ،‬وان استوت في التداول‬
‫شيئا بثالثة دنانير دون أن يوضح نوعها يمني أو كويتي‪ ،‬فإن‬
‫واختلفت في المالية ‪ ،‬كما إذا باع ً‬
‫ال ‪ ،‬فإن العرف ينطلق‬
‫البيع يفسد لالختالف في المالية‪ ،‬ولكن إذا كان التعاقد بالدينار في الكويت مث ً‬
‫على الدينار الكويتي‪ ،‬وان كان التعاقد بالدينار باليمن فإن العرف ينطلق على الدينار اليمني‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1991/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫قرضا حسنا إلى أجل معلوم لدفع ذلك‬
‫ومن الصورة فيما لو أخذت من شخص مائة دينار يمني ً‬
‫المبلغ ‪ ،‬وكان سعر الدينار ثالثة دوَلرات أمريكي وقت استالم القرض ‪ ،‬وبعد أن حان أجل إعادة‬
‫ذلك القرض نزل سعر الدوَلر ‪ ،‬فكان الدينار ثالثة دوَلر ونصف ‪ ،‬أو العكس ‪ ،‬طلع سعر الدوَلر‬
‫وانخفضت قيمة الدينار ‪ ،‬بأن كانت قيمة الدينار ثالثة دوَلرات إَل ربع ‪ ،‬وقس على ذلك بقية‬
‫الحاَلت والصور التي تساويها في تحقيق المناط ‪ ،‬سواء أكانت تلك الصور والحاَلت من عقود‬
‫المعامالت بعوض ‪ ،‬أم كانت من العقود التي ليس فيها معاوضة كالقروض والمداينة‪ ،‬وسواء كان‬
‫انخفاضا أو زيادة ما تضمنته تلك العقود من ناحية انخفاض أو زيادة قيمة العملة المتفق عليها في‬
‫ً‬
‫صيغة العقد ‪ ،‬أو من ناحية تغير قيمتها بالكامل بأن حلت محلها عملة أخرى مثالً بدل الدينار‬
‫اليمني جنيه يمني أو أي اسم آخر للعملة الجديدة‪ ،‬فإن الحكم اَلجتهادي الشرعي في نظري ‪ -‬حيث‬
‫َل نص وَل إجماع ‪ -‬الذي ينطبق على الحاَلت المشار إليها أو ما يشابها ‪ ،‬أن للبائع أو لصاحب‬
‫الدين أو القرض المسمى في العقد من أنواع العملة ؛ ألنه األصل الذي تم التعاقد عليه َل على غيره‬
‫‪ ،‬وألنه هو الذي شغلت به ذمة المشتري أو المدين َل غيره ‪ ،‬ومن هنا قال الفقهاء ‪ :‬إذا جهل الثمن‬
‫محل العقد فسد البيع أو العقد‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1992/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫نهائيا بدون بديل لها فسد البيع ‪ ،‬أما إذا تغيرت العملة المتفق‬
‫وكذا إذا كسدت العملة المتفق عليها ً‬
‫عليها إلى عملة أخرى ‪ ،‬فإن الحكم ينصب على ما يعدل قيمة تلك العملة من العملة التي حلت‬
‫بديلها بسعرها وقت القبض وليس وقت العقد أو البيع ‪ ،‬دون تفرقة بين ما إذا كانت تلك العملة‬
‫متساوية في السعر أو متفاوتة في قيمتها المالية ؛ ذلك بأن الواجب شرًعا في ذمة المشتري أو‬
‫المدين ‪ ،‬والذي ينصب عليه الحكم الشرعي إنما هو المسمى والمتفق عليه في صيغة العقد َل غيره‪،‬‬
‫وليس للمشتري أو المدين بحساب الصرف من أي نوع كان بالسعر السائد ‪ ،‬إذا كان عين العملة‬
‫المذكورة في العقد قائمة وسائدة إَل برضى البائع أو الدائن ‪ ،‬وأنه لو أراد المشتري دفعها بالدوَلر‬
‫بدَلً من الدينار ‪ ،‬وبالسعر القائم والسائد وقت األداء ورفض البائع أو الدائن أو من له الحق في تلك‬
‫العملة المنصوص عليها في العقد ‪ ،‬فإنه َل يجبر على قبضها َلختالف المالية وان تساوت القيمة ؛‬
‫ألن األحكام الفقهية إنما تنظر إلى ما اشتملت عليه صيغة العقد َل إلى شيء آخر لم يذكر في‬
‫علما بأن سعر‬
‫العقد‪ ،‬واذا كان األمر كذلك فكيف يجبر من له الحق على أخذ حقه بالسعر القديم؟ ً‬
‫العمالت في عصرنا الحاضر ليست مستقرة في قيمتها المالية على حالة ثابتة ‪ ،‬فإذا لم نلزم من‬
‫عليه الحق بما يثبت في ذمته وقت التعاقد وبالسعر الذي تصل إليه تلك العملة وقت األداء سواء‬
‫طلعت تلك العملة أو انخفضت ‪َ ،‬لضطربت معامالت الناس‪ ،‬وبالتالي ُعدم الثبات القانوني ‪ ،‬وعدم‬
‫أيضا عدمت الضوابط القانونية والشرعية لتكييف هذه المعاملة بين‬
‫ثابت الحكم الشرعي‪ ،‬وبالتالي ً‬
‫الناس ‪ ،‬وبنفس الوقت تجاهل صيغة العقد وعدم احترام صيغ العقد الشرعية ‪ ،‬وهذا باطل َل يجوز‬
‫باتفاق الفقهاء‪ .‬وهذا في نظري يشمل كل صور التعامل التي تشابه هذه المسائل في تحقيق المناط‬
‫وتشتمل عليها نظرية العقد في هذا الباب‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1993/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ومن ناحية أخرى فإننا بحاجة إلى بحوث مستفيضة حول نظرية العقود ‪ ،‬وتصنيف الصور والمسائل‬
‫ال نظرية عقد البيع وما يلحق به من العقود ‪ ،‬نظرية عقد‬
‫التي تدخل تحت كل عقد على حدة ‪ ،‬مث ً‬
‫العملة وما يلحق بها من العقود ‪ ،‬حتى إننا في باب نظرية الوكالة نستطيع تكييف خطاب الضمان‬
‫الذي نظر فيه المجمع في دورته الثانية تحت نظرية عقد ثابتة ‪ .‬وبالتالي نستطيع أن نضمن الصور‬
‫والمسائل التي قد تتفرع عنه ‪ ،‬ونضمن في األخير الثبات القانوني ألحكامه الشرعية اَلجتهادية ‪،‬‬
‫وهكذا عقد الرهن والحوالة ‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫إن المجتهد أول ما ينظر في معامالت الناس وفي تصرفاتهم إلى صيغة تلك العقود من ناحية‬
‫الصحة أو البطالن ‪ ،‬انطالًقا من أن العقد ملزم للطرفين المتعاقدين عند توفر شروط العقد‬
‫الصحيحة وانتفاء موانعه‪ .‬وعندما ينظر المجتهد إلى النزاع بين طرفي العقد َل ينظر إلى زيادة سعر‬
‫َل إلى صيغة العقد والى ما اشتمل عليه ذلك العقد ‪،‬‬
‫العملة في السوق أو نقصانها ‪ ،‬إنما ينظر أو ً‬
‫فإذا وجد صيغة العقد سليمة من العيوب المبطلة أو المفسدة للعقد فإنه يحكم على الطرفين الوفاء بما‬
‫عيا ‪ ،‬فإذا كان العقد ينص على مبلغ مائة دينار يمني‬
‫التزم به ‪ ،‬حيث كان التزامهما‬
‫صحيحا شر ً‬
‫ً‬
‫على فالن من الناس آلخر ‪ ،‬وكان الدينار قائم اَلعتبار القانوني في التعامل به بين الناس‪ ،‬فإن من‬
‫عليه المبلغ المذكور عليه رد ذلك المبلغ المعين في العقد وقت حلول أجل األداء ‪ ،‬سواء طلع ذلك‬
‫المبلغ بعملة أخرى أو نزل ؛ ذلك ألن تحديده وتعينه في صيغة العقد قطع كل ما يؤدي إلى التنازع‬
‫بين الطرفين المتعاقدين‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1994/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫والقول هنا بدفع ما يعدل ذلك بالسعر الذي كان يوم البيع أو العقد ‪ -‬أي وقت الثبوت في الذمة ‪-‬‬
‫قول مخالف لما تم عليه التعاقد صراحة ‪ ،‬وكل ما أدى إلى إبطال العقد الشرعي الصحيح فهو‬
‫باطل‪ ،‬وَل يقف الحد عند بطالن ذلك العقد من حيث عدم احترام صيغة العقد ذاته ‪ ،‬بل ألنه يؤدي‬
‫إلى جهالة الثمن؛ ألن ذلك الثمن الذي قد يحسب بحسب صرف قيمة العملة التي اشتمل عليها العقد‬
‫مذكور في العقد‪ .‬وبالتالي يؤدي ذلك إلى النزاع المستمر ‪ ،‬والشريعة اإلسالمية‬
‫ًا‬
‫وقت األداء لم يكن‬
‫يالحظ في أحكامها قطع النزاع وسد أي ذريعة تؤدي إلى إثارة النزاع في معامالتهم ‪ ،‬وترك من عليه‬
‫كفيل بما يؤدي إلى النزاع والخالف‪ ،‬ومن هنا‬
‫التعاقد وجهل الثمن وعدم ثبات العملة في عالم اليوم ٌ‬
‫شدد الفقهاء عند وضعهم شروط معرفة قدره وصفته كل ذلك ؛ مخافة النزاع‪ ،‬فكيف يتجاهل المجتهد‬
‫كل تلك األركان والشروط التي يجب توافرها لصحة العقد ‪ ،‬ويجتهد في معرفة حكم سعر تلك العملة‬
‫في السوق ‪ ،‬والتي هي خارجة عن نطاق العقد وأركانه وشروطه ‪.‬‬
‫نعم نقول ‪ :‬إن رضي عن الحق فيما اشتمل عليه العقد صراحة فال مانع ‪ ،‬كما لو انقطع التعامل‬
‫بالدينار بأن حلت محله عملة أخرى ‪ ،‬مثالً بدل الدينار جنيه يمني ‪ ،‬فإن الحكم في هذه الحالة‬
‫يختلف ‪ ،‬إذ ليس لصاحب الحق إَل بما يعدل القيمة المالية للدينار بحسب الصرف من أي من‬
‫العملة بين الناس ‪ ،‬وبالسعر السائد بالسوق وقت األداء ‪ ،‬إذ ليس لصاحب الحق إَل أخذ المسمى‬
‫في العقد أو مثله برضاه ‪ ،‬ولكن إذا لم يوجد المسمى في العقد بسبب فساد العملة وانقطاعها ‪ ،‬فليس‬
‫لصاحب الحق إَل المثيل‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1995/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫هما‪ ،‬فلو‬
‫ومن الصور في ذلك ‪ :‬قيمة الدينار اليمني إلى عشرين قطعة نقدية تسمى كل قطعة در ً‬
‫صدر قرار من الجهة المختصة بعدم التعامل بالدينار واحالل عملة أخرى بدل الدينار تحمل نفس‬
‫القيمة المالية للدينار‪ ،‬وانما زادت وحدات القطع النقدية لهذه العملة الجديدة بأن كانت خمسة‬
‫هما بالعملة الملغاة ‪ ،‬أو كان العكس ‪ ،‬بأن نقصت وحدات العملة‬
‫هما بدَلً من عشرين در ً‬
‫وعشرين در ً‬
‫هما مع تساوي‬
‫الجديدة‪ ،‬فكانت قطع الوحدات النقدية خمسة عشر قطعة نقدية‪ ،‬أي خمسة عشر در ً‬
‫قيمة العملة المالية الجديدة بقيمة العملة المالية الملغاة ‪ ،‬والتي تم التعاقد بها‪،‬‬
‫فإن األداء يجب أن يكون بتلك العملة التي حلت محل الدينار في قيمته المالية ‪ ،‬سواء زادت قطعها‬
‫ردهما ‪ ،‬طالما كانت‬
‫هما ‪ ،‬أو نقصت بأن كانت خمسة عشر‬
‫ً‬
‫النقدية بأن كانت خمسة وعشرين در ً‬
‫القيمة المالية للعملة الجديدة تحمل نفس القيمة المالية للعملة الملغاة‪ .‬قس على ذلك كل عملة ألغيت‬
‫وحلت محلها عملة أخرى تحمل نفس قيمتها المالية‪ ،‬فإن لم توجد عملة أخرى تحمل قيمتها المالية‬
‫وتحل محل العملة الملغاة‪ ،‬فليس لصاحب الحق إَل ما يعادل قيمة العملة الملغاة قبل إلغائها من‬
‫أنواع العمالت السائدة في معامالت الناس وقت ثبوت هذا الحق في الذمة ‪ ،‬وبسعره وقت األداء من‬
‫الغالء يرخص‪ ،‬وليس من حق من وجب الحق بذمته أن يدفع وقت األداء السعر الذي كان يوم‬
‫العقد أو يوم ثبوته في ذمته ‪ ،‬وَل نعتقد قائالً به من الفقهاء؛ ألن الدينار اليمني الذي ضربنا به‬
‫هما‬
‫هما ‪ ،‬ثم زادت تلك القطع النقدية إلى خمسة وعشرين در ً‬
‫المثل إذا كانت وحداته النقدية عشرين در ً‬
‫هما ‪ ،‬وصار ذلك هو حقيقة قيمة الدينار المالية في البلد يتعامل به‬
‫‪ ،‬أو نقصت إلى خمسة عشر در ً‬
‫موجودا‬
‫هما ‪ ،‬ولو كان الدينار‬
‫ً‬
‫الناس كذلك ‪ ،‬فكيف يحسب بصرف يوم التعاقد ؟ أي بعشرين در ً‬
‫قائما بين الناس‪.‬‬
‫والتعامل به ً‬
‫__________‬
‫(‪)1996/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫فلو قائل قال بأن سعر الدينار كان يوم العقد أي يوم ثبوته في ذمة المشتري أو المدين عشرين‬
‫هما ‪ ،‬نقول ‪ :‬لقد قوي عليه اَللتباس ‪ ،‬وزاد حدا في القياس‪ ،‬إنما المعتبر شرًعا قيمة المسمى في‬
‫در ً‬
‫العقد وليس غيره‪ .‬ولم يقل أحد من الفقهاء ‪ -‬حسب علمي ‪ -‬باعتبار غير المسمى ‪ ،‬ولو قلنا بذلك‬
‫دائما يراعونه في أحكامهم وفتاويهم ‪ ،‬بل‬
‫للزمت الجهالة في الثمن وحصل النزاع الذي كان العلماء ً‬
‫وفي استنباطاتهم الفقهية ‪ ،‬جاعلين نصب أعينهم قاعدة الفقهاء المشهورة ‪ " :‬درء المفاسد مقدم على‬
‫جلب المصالح " ‪ ،‬وليس من حق المشتري أو المدين أن يكون‬
‫مخير في أداء ما وجب عليه من أي‬
‫ًا‬
‫نوع شاء من العملة ‪ ،‬بل الواجب عليه التقيد بنوع العملة الواردة في العقد إن كانت قائمة ‪ ،‬أو ما‬
‫َل‬
‫يعادل قيمتها وقت العقد أو وقت ثبوتها في الذمة ‪ ،‬وبسعرها وقت األداء‬
‫طلوعا كان سعرها أو نزو ً‬
‫ً‬
‫‪ ،‬إَل إذا رضي من له الحق ‪ ،‬وكانت العملة البديلة مستوية في قيمتها المالية مع قيمة العملة المبدل‬
‫منها وفي انتشارها في التعامل بين الناس ‪ ،‬إَل برضى من له الحق‪.‬‬
‫َل من الدينار اليمني بالسعر السائد بين وقت‬
‫فإن أراد المشتري أو المدين دفع الدينار الكويتي بد ً‬
‫األداء وأبى من له الحق ‪َ ،‬ل يجبر على القبض َلختالف العملة والجنس ‪ ،‬فكيف يجبر على قبضه‬
‫َل‬
‫َل من الفضة أو الدينار بد ً‬
‫بالسعر القديم؟ كما أنه ليس للمشتري جبر البائع على أخذ الذهب بد ً‬
‫من الدوَلر ‪ ،‬فلو باع بالدينار وكتب المشتري الثمن بالرياَلت بدون إذن البائع ‪ ،‬فإن من حق البائع‬
‫أن يطالب المشتري بدفع الثمن بالعملة التي تم عليها التعاقد‪ ،‬فإن لم يستجب المشتري فمن حق‬
‫أيضا أن يرفع القضية إلى القضاء ‪ ،‬فإذا لم يستطع البائع إقناع القضاء باألدلة المتوفرة لديه ‪،‬‬
‫البائع ً‬
‫فليس للقاضي إَل تحليف البائع على صحة دعواه ‪ ،‬ويحكم له بدفع الثمن بالدينار الذي عليه‬
‫التعاقد‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1997/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫ومن هنا يتضح بأن البائع إذا كان َل يجبر على قبض الريال بالدينار ‪ ،‬وَل الذهب بالفضة ‪ ،‬وَل‬
‫قبض غير المسمى في العقد مما اختلفت ماليته وان انتفت قيمته ‪ ،‬فكيف ينبغي القول بوجوب‬
‫إعطاء البائع النقود المتفق عليها بالسعر القديم ؟ وهل عند القائل بهذا نقل من كتاب أو سنة أو‬
‫إجماع أو قياس صحيح؟‬
‫فإذا احتج بمسألة رخص العملة المتقدمة التي تم عليها التعاقد ‪ ،‬فجوابه بأن مسألة الغالء والرخص‬
‫في المسمى في العقد َل في غيره من النقود ‪ ،،‬واذا باع في حالة غالء الذهب أو غالء الريال ‪ ،‬فهل‬
‫يتناوله لفظ الدينار ويكون من باب فرد من أفراده مع اختالف حقيقته ؟ كمن باع بالدينار ثم رخص‬
‫الذهب أو الريال ‪ ،‬ومن هنا نرى الواجب شرًعا واألسلم لذمة المشتري أو المدين أو من ثبت في‬
‫ذمته الحق في نظر الشرع الذي شدد في نصوص َل تحصى كثرة على تحقيق العدالة بين الناس في‬
‫معامالتهم‪ ،‬وبوجه أخص فيما تعود قيمته المالية من العمالت إلى ميزان النقد ‪ -‬الذهب والفضة ‪-‬‬
‫الذي حرم الشارع التفاضل والنسيئة فيه‪ ،‬إَل أن الواجب الشرعي الذي تطمئن إليه نفس المجتهد إنما‬
‫هو عين المسمى في العقد أو مثله أو قيمته كما تقدم وَل رابع لها‪ ،‬وبالتالي فال أجد أي تخريج لحكم‬
‫شرعي اجتهادي لدفع غير المسمى في العقد من النقود بأي وجه من وجوه تخريج األحكام اَلجتهادية‬
‫من ضوابط قواعد الفقه وأصوله حسب علمي‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1998/2‬‬
‫‪-------------‬‬‫شيئا بمائة دينار‪ ،‬فإن الناس قد تعارفوا على تأجيل دفع األجرة‬
‫ومثل عقد اإلجارة ‪ ،‬كما إذا أجد ً‬
‫المستحقة المنصوص عليها في عقد اإليجار إلى نهاية مدة التأجير ‪ ،‬فإن المؤجر يقبضها بالسعر‬
‫السائد وقت األداء َل وقت العقد ‪ ،‬سواء طلعت قيمة العملة المنصوص عليها في عقد اإلجارة أو‬
‫هبطت عن سعرها وقت العقد‪ ،‬فليس للمؤجر إَل العملة المنصوص عليها في العقد بسعرها وقت‬
‫حلول األجل ‪ ،‬سواء أكان السعر لصالحه أم لصالح المستأجر ؛ ألن زيادة سعر العملة أو نقصانها‬
‫منصب على العملة المسماة المتفق عليها في العقد َل في غيرها‪ .‬ولو قلنا ‪ :‬يأخذها المستأجر‬
‫بسعرها يوم اإلجارة ‪ ،‬فقد يكون سعرها طلع ثم انخفض عند األداء ‪ ،‬وباإلضافة إلى المحاذير التي‬
‫سبقت اإلشارة إليها‪ ،‬فإننا لو سمحنا ألحد طرفي العقد بأن يعطيها حسب تقلبات سعر تلك العملة في‬
‫يلزمنا التناقض في األحكام الشرعية وعدم ثباتها في القضية الواحدة ؛ فتارة نحكم‬
‫األسواق ‪ ،‬فإنه ً‬
‫للمستأجر إذا انخفض سعر العملة وقت العقد ‪ ،‬وتارة نحكم عليه إذا كان سعر العملة وقت العقد‬
‫تفعا ثم انخفض سعرها وقت األداء‪ .‬وهذا باب واسع للحيل وفتح الفتن والنزاع ‪ ،‬فإن الناس عامة‬
‫مر ً‬
‫يحرصون على مصالحهم ‪ ،‬والتي قد َل تكون هذه المصالح مشروعة في كثير األحيان من األوقات‪.‬‬
‫طمعا في طلوع سعر تلك‬
‫فقد يرفض المؤجر عن استالم أجرته إذا لم يكن لسدادها وقت محدد ؛ ً‬
‫مجددا بوقت معين طمعا في انخفاض سعر العملة‬
‫العملة ‪ ،‬وقد يؤخرها المستأجر إذا لم يكن دفعها‬
‫ً‬
‫التي اشتمل عليها عقد اإليجار ‪ ،‬وقس على ذلك البيوع والديون ‪ ...‬إلخ‪.‬‬
‫والذي جرى عليه عرف المسلمين بأن المائة الدينار المنصوص عليها في عقد اإليجار يدفع‬
‫المستأجر وقت األداء بسعرها السائد في السوق ‪ ،‬وبقيمتها المالية مائة دينار المنصوص عليها في‬
‫العقد ‪ ،‬فيدفعها بسعرها وقت األداء ‪ ،‬سواء زاد سعرها عن يوم العقد أو نقص؛ ألن زيادة السعر أو‬
‫نقصانه واردة على المسمى في العقد َل على غيره ‪ ،‬والمحذور شرًعا هو أن يزاد عن القيمة المالية‬
‫ال المؤجر على المائة الدينار خمسة‬
‫الحقيقية لتلك العملة التي اشتمل عليها العقد ‪ ،‬وبأن يزيد مث ً‬
‫دنانير ‪ ،‬فتصبح مائة وخمسة ‪ ،‬وهي التي نهى عنها الشرع‪ ،‬أما زيادة أو نقصان العملة ذاتها المتفق‬
‫عليها فإنها َل تدخل تحت أي باب من أبواب الربا على اإلطالق‪.‬‬
‫إجماعا‬
‫إجماعا منهم على صحته ‪ ،‬وان كان‬
‫وهذا ما عليه التعامل في البالد اإلسالمية ‪ ،‬فكان ذلك‬
‫ً‬
‫ً‬
‫سكوتيا إَل أنه في ميدان المعاملة من الضروريات التي َل يخفى على المسلمين حكمها ‪ ،‬فكان‬
‫إجماعهم السكوتي في قوة اإلجماع الصريح ‪ ،‬ونحن خلف لخير السلف َل نقول بغير هذا‪ .‬وباهلل‬
‫التوفيق وهللا أعلم‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪)1999/2‬‬
‫مراجع البحث‬
‫‪--------------‬‬
‫‪ -1‬الجامع ألحكام القرآن للقرطبي‬
‫‪ -2‬الجامع ألحكام القرآن محمد بن محمد األنصاري‬
‫‪ -3‬اإلحكام في أصول األحكام َلبن حزم‬
‫‪ -4‬تفسير ابن كثير إسماعيل ابن كثير‬
‫‪ -5‬ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض‬
‫‪ -6‬اإلمام الصادق والمذاهب األربعة‬
‫‪ -7‬فتح العالم لشرح بلو المرام أنور الحسين‬
‫‪ -8‬مختصر نيل األوطار د‪ .‬نقوي مبارك‬
‫‪ -9‬الفكر اإلسالمي الحديث محمد البهي‬
‫‪ -10‬اإلسالم والرأسمالية مكسيم رودنسون‬
‫‪ -11‬كتاب المعامالت السيد فكري‬
‫‪ -12‬فلسفة الفكر الديني لويس غريب‬
‫‪ -13‬المدونة الكبرى اإلمام مالك بن أنس‪.‬‬
‫‪ -14‬الفتاوى الكبرى َلبن تيمية‬
‫‪ -15‬أعالم الموقعين َلبن قيم الجوزية‬
‫‪ -16‬فقه القرآن والسنة على قراعة‬
‫‪ -17‬اَلقتصاد النقدي والمصرفي د‪ .‬مصطفى رشيدي‪.‬‬
‫‪ -18‬اقتصاديات النقود د‪ .‬عبد الرحمن يسري أحمد‬
‫‪ -19‬النظرية والسياسات النقدية د‪ .‬مصطفى رشيد‪.‬‬