أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة في نظر الشريعة اإلسالمية
لفضيلة الشيخ محمد عبده عمر
بسم هللا الرحمن الرحيم
أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة في نظر الشريعة اإلسالمية
المقدمة
اما َفْل َيأِْت ُك ْم ِب ِرْز ٍق ِم ْن ُه
ُّها أ َْزَكى َ
َح َد ُك ْم ِب َوِرِق ُك ْم َهِذ ِه ِإَلى اْل َمِد َين ِة َفْل َي ْن ُ
قال تعالى َ { :ف ْاب َعثُوا أ َ
ط َع ً
ظ ْر أَي َ
ِ
َّ
َحًدا } [الكهف .]19 :
َوْل َي َتَلط ْ
ف َوََل يُ ْشع َرَّن ِب ُك ْم أ َ
-1لقد عبرت آيات كثيرة في القرآن الكريم عن البشرية جمعاء بأنها أمة واحدة في نشأتها األولى
وفي حقيقتها الذاتية ،انبثقت إلى الوجود من أصل واحد ،وأنها في حقيقة مصيرها تنتهي إلى نهاية
واحدة وهي لقاء هللا جل جالله الذي خلقها من العدم المحض بفيض فضل رحمته .وان اختلفت
شر ،ومهما تنوعت أشكالها أو تعددت أجناسها أو اختلفت ألسنتها أو توزعت
خير أو ًا
موازين الجزاء ًا
ُّها َّ
اس اتَُّقوا
شعوبها وتباعدت أقطارها ؛ فإنهم
الن ُ
ً
جميعا ينتهون إلى نهاية واحدة .قال تعالى َ { :يا أَي َ
ٍ ِ ٍ
رب ُ َّ ِ
ِ
َّ ِ
ِ
ِ
ير وِنس َّ
ِ
َّلل َّالِذي
َ
اء َواتُقوا َّ َ
َّك ُم الذي َخَلَق ُك ْم م ْن َنْفس َواح َدة َو َخَل َق م ْن َها َزْو َج َها َوَبث م ْن ُه َما ر َج ًاَل َكث ًا َ َ ً
ِ
ِ
ِ
ان َعَل ْي ُك ْم َرِق ًيبا } [النساء .]1 :
َّلل َك َ
اءُلو َن به َو ْاأل َْر َح َام إ َّن َّ َ
تَ َس َ
__________
()1964/2
-------------َّ ِ
ِ
سوِ
ٍ
اح َد ٍة َو َج َع َل ِم ْن َها َزْو َج َها } [األعراف .]189 :
وقال تعالى { ُه َو الذي َخَلَق ُك ْم م ْن َنْف َ
وقد صرح نبي اإلسالم بهذه الوحدة اإلنسانية الشاملة في سنته البيانية لما أنزل عليه بقوله (( :كلكم
آلدم وآدم خلق من تراب َ ،ل فضل لعربي على أعجمي وَل ألبيض على أسود إَل بالتقوى )) .وقد
فردا كان أو
ألقى كافة المقاسات والموازين البشرية التي قد يستغلها بعضها ضد بعضها اآلخر ً
شعبا أو سلطة ،من فقر أو غنى ،أوجاه أو سلطان ،أو حسب أو نسب ،أو بياض
جماعة ً ،
البشرة أو سوادها ،أو عربية اللسان أو عجمتها ،الكل سواء في ميزان الحق اإللهي الذي خلق الكل
نبيا إلى ذريته ،وخاطبه بكالمه ،
من تراب
ً
مجسدا في أصلها آدم ،الذي خلقه هللا بيده ،واصطفاه ً
وأسجد له مالئكته ،وجعله خليفته في أرضه ،وأتمنه باألمانة التي عجزت عن حملها السموات
واألرض والجبال ،وجعل خلق السموات واألرض واختالف األلسن واأللوان وتعاقب الليالي واأليام ،
آيات بالغات للتفكر واَلعتبار .وأوضح القرآن الكريم بأن اختالف األلوان واألجناس واأللسن من
آيات عظمة الحكمة اإللهية وبديع صنعها ،وَل يصح أن تكون
معارضا ألصل الوحدة اإلنسانية ،
ً
سببا للنزاع أو الخصام ،أو للتعالي بالحسب والنسب ،
كما َل يصح بأي حال من األحوال أن تكون ً
سببا
أو التباهي بالجاه والمال وعزة السلطان ،أو للقهر والتسلط واَلستغالل ،بل يجب أن نكون ً
ُّها َّ
اس ِإَّنا
الن ُ
إلرساء دعائم التعارف والتواد وغاية لترسيخ موازين العدل والمساواة قال تعالى َ { :يا أَي َ
اك ْم } [الحجرات :
َك َرَم ُك ْم ِع ْن َد َّ
وبا َوَق َب ِائ َل ِلتَ َع َارُفوا ِإ َّن أ ْ
َّللِ أ َْتَق ُ
اك ْم ِم ْن َذ َك ٍر َوأ ُْنثَى َو َج َعْل َن ُ
َخَلْق َن ُ
اك ْم ُش ُع ً
.]13
__________
()1965/2
-------------هذا صريح القرآن بأن حكمة اَلختالف للتعارف َل للتناكر وَل لالستغالل والتظالم .والتعارف
المقصود من اآلية الكريمة وغيرها من اآليات القرآنية ونصوص السنة النبوية البيانية ،ليس فقط
المعرفة المجردة التي َل تحقق الحكمة اإللهية من التعارف ،بل المقصود بالتعارف الذي يحقق
الحكمة اإللهية هي المعرفة المثمرة التي تتعاون وتتالقى فيها كل القوى اإلنسانية الخيرية لخير
اإلنسان ،ويتحقق خير األرض َلبن األرض ،وبذلك تتبادل المنافع ،وينتفع ابن األرض بخير
األرض كلها .وذلك هو التعارف الذي أشارت إليه النصوص القرآنية والنبوية ،ويدخل في هذه
النصوص أسس العالقات الدولية التي مازالت تحكمها قوانين التمييز العنصري ،وطغيان جبروت
القوة الظالمة وتحكم الشعوب القوية بالشعوب الضعيفة ،والتي تتعارض صراحة مع مبادئ العالقات
اَلجتماعية الدولية في نصوص اإلسالم الصريحة وسنة بيانه الواضحة.
لقد وضع نبي اإلسالم اإلطار اإللهي الصحيح لحرية اإلنسان وحقوقه في إطار األسرة اإلنسانية
الشاملة وليس بمعزل عنها ،فقال عليه الصالة والسالم (( :أحب ألخيك ما تحب لنفسك ،واكره له
نور من سناها
ما تكره لنفسك )) وتخرج مبادئ الحرية اإلنسانية وكرامة اإلنسان من فؤاده وفمه تشع ًا
الغامر ،فيقول لبعض من وقف أمام عظمة شخصه النبوية ،التي تهبط عليها مالئكة السماء
اجفا لجالل المهابة (( :هون على نفسك إنما أنا ابن امرأة من قريش
صباحا ومساء ،
خاشعا و ً
ً
ً
كانت تأكل القديد بمكة )) .
__________
()1966/2
-------------هكذا كان محمد صلوات هللا وسالمه يقدر الحرية الحقيقية في غيره ،كما يقدرها في نفسه ،فالحرية
الحقيقية في تعاليم اإلسالم وفي منهج محمد صلوات هللا وسالمه عليه ؛ هي أن تقدر الحرية في
غيرك كما تقدرها في نفسك ،وأول مظاهرها سيادة اإلنسان على نفسه ،والتي تقتضي كبح النفس
عن أهوائها وشهواتها ؛ ألن الحرية معنى اجتماعي ليست بمعزل عن بني البشر تظهر عالقة
اإلنسان بغيره ،ومراعاة حقوق غيره كما يراعي حقوق نفسه .ومن هنا شددت نصوص اإلسالم من
الكتاب والسنة على محاربة الهوى واألنانية واألثرة ،والحرية الحقيقية في نظر اإلسالم َل تجتمع مع
األنانية واألثرة والهوىن وأوضحت بأن الحرية الحقيقية َل يمكن أن تتحقق إَل بين متماثلين في
الحقوق والواجبات وَل يمكن أن تكون بين أدنى وأعلى ،وَل بين سيد وعبد ،وَل بين مسيطر
جمعا َل يمكن أن يتحقق إَل
ومقهور .وأن التعارف الذي دعا إليه اإلسالم بين أبناء األسرة اإلنسانية ً
يتحقق الحرية التي دعا إليها اإلسالم ،والتي بها يحل التعارف والتعاون بدل التناكر ،واَلنسجام
والتآلف بدل النزاع والتناحر ،والعدل والمساواة بدل اَلستغالل والتظالم .وبالتالي عدم قيام الحروب
والمنازعات على ما رزق هللا الناس واخراج لهم من معادن األرض.
إلحاحا
لقد أثبت اإلسالم الوحدة اإلنسانية في عالم القرن العشرين ،والبشرية كلها في أشد الحاجة
ً
إلى هذه الوحدة التي نادى بها اإلسالم منذ أربعة عشر قرًنا خلت ونيفا ،وكأنه يعبر عن مشاعر
اإلنسانية وأحاسيسها التي دمرتها الحروب وطحنتها مبادئ األثرة واإلنانية والتظالم ،ومزقتها
العنصرية وتمايز األجناس واأللوان واأللسن ،باإلضافة إلى سالح إبادة البشرية الذي يهدد حياتها
ُم ًة و ِ
اح َد ًة َوأ ََنا
في كل لحظة .وهكذا يثبت اإلسالم معجزته الخالدة وخلودها األبدي ِ { :إ َّن َهِذ ِه أ َّ
ُمتُ ُك ْم أ َّ َ
اع ُب ُدو ِن } [ األنبياء .]92 :
َرب ُ
ُّك ْم َف ْ
إنها الوحدة اإلنسانية الشاملة التي تنطلق من وحدة األصل ،ووحدة التكوين ،ووحدة الغرائز ،
ووحدة اَلستعداد للخير والشر ،فالغرائز كلها واحدة ،فغرائز اإلنسان في أقصى الشرق هي غرائزه في
أقصى الغرب .وكل نفس من نفوس بني آدم فيها نزوع إلى الخير والى الشر ،كما قال تعالى { :
الن ْج َد ْي ِن } [البلد ]10 :أي نجد الخير والشر ،قال تعالى { :وَنْف ٍ
َو َه َد ْي َناهُ َّ
اها (َ )7فأَْل َه َم َها
س َو َما َسَّو َ
َ
اها } [الشمس .]8 ،7 :
ورَها َوتَْق َو َ
ُف ُج َ
__________
()1967/2
-------------ومن هنا كان التعارف في اإلسالم غاية مقدسة في ذاته لتحقيق الحكمة اآللهية في اختالف األمم
كافيا لحل كل نزاع ،أو محو
والشعوب في األلوان واأللسن وتوزيعهم في األرض .وكان هذا التعارف ً
كل أثرة من استغالل أو ظلم في جماعاتهم وأفرادهم في ظل هداية اإلسالم وتشريعه العادل وتنظيمه
الشامل للعالقات الفردية واَلجتماعية والدولة؛ ذلك أن مبادئ اإلسالم العامة وقواعده الكلية تنطبق
على الدول والشعوب ،كما تنطبق على األفراد والجماعات سواء بسواء ،فال فرق وَل استثناء وَل
تمايز في قانون العدل والميزان اإللهي ،فما يطالب به الفرد يطالب به المجتمع ،وان اختلفت
وسائل تحقيق المطلوب فالغاية واحدة ،وهي جعل اإلنسانية أمة واحدة متساوية في الحقوق والواجبات
َ ،ل فضل لفرد على آخر إَل بالتقوى ،والتي َل تتحقق إَل بتقوى هللا في حقوق النفس الواحدة ،والتي
َل ينالها أي فرد إَل بالقدر الذي يضحي فيه في سبيل إسعاد اآلخرين.
ويترجم مضامين اإلسالم في سبيل إسعاد أمته ومجتمعه .فميزان التفاضل في اإلسالم َل يقبل في
سلطانا ،وَل ثروة مالية ،وَل ساللة حسبية أو نسبية ،وَل
جنسا ،وَل لغة وَل
ً
كفته العادلة ً
لونا وَل ً
جبروت قوة عاتية ،وانما يقبل في ميزانية كرامة التقوى المكتسبة من صالح العمل وزكي النفس
وصفاء لفائف إشراق حناياها الذي يفيض بكل الخير على كل موجود في عالم الوجود ،كرامة التقوى
المكتسبة من إيثار النفس غيرها عليها من األفراد والجماعات وحبها الخير والهداية إليه لكل نفس
خلقت أو تخلق من أفراد النفس الواحدة التي هي في حقيقتها الذاتية جزء من فصيلتها.
__________
()1968/2
-------------هذه هي ترجمة اإلسالم العملية لميزان التفاضل ،فليس هناك فضل لبعض األفراد أو الجماعات أو
الدول والشعوب على بعض اآلخر في ميزان التقوى ،وفي ترجمة مفاهيم اإلسالم غير العمل الصالح
نموذجا يقتدى به في ميزان تفاضل التقوى وترجمة
التي تكسبه تلك النفس الفاضلة ،وليس هناك
ً
اإلسالم الصحيحة غير النموذج األوحد في عالم الكماَلت اإلنسانية وسمو معارج التقوى اإللهية
محمد صلوات هللا وسالمه عليه ،الذي دخلت أعواد الحصير وتركت انطباعاتها الضاغطة في جسده
اما بين الناس ويحثيها حثى الحصاة بين يديه ،ويصعد المنبر
،وكنوز الذهب والفضة يوزعها أكو ً
وراياته تمأل األفق عزيزة ظافرة ،فيقول (( :أيها الناس من كنت جلدت له ظه ار فهذا ظهري فليستقد
منه ،ومن كنت أخذت منه ماَلً فهذا مالي فليأخذ منه )) .ويسأله عمه العباس أن يوليه عمالً من
األعمال التي كان يعين عليها بعض المسلمين فيصرفه برفق ويقول له (( :وهللا يا عم إنا َل نولي
أحدا طلبه أو يحرص عليه )) ،ويضع لنفسه وألهل بيته مبدأ من مبادئ التفضيل في
هذا األمر ً
اإلسالم َل يحيدون عنه ،هو أن يكونوا أول من يجوع إذا جاع الناس وآخر من يشبع إذا شبع
الناس .ودانت الدنيا ووقف أكثر ملوك األرض أمام رسالته واجفين ،فما استطاعت ذرة من لهو أو
كبر أن تمر بخاطره .وألقى كل أعداء رسالته السالح ومدوا إليه أعناقهم ليحكم فيها بما يشاء ومعه
عشرة آَلف سيف تتوهج بأيدي المسلمين يوم فتح مكة .
__________
()1969/2
-------------وحيدا يدعو إلى توحيد هللا والى تحرير
فلم يزد على أن قال (( :اذهبوا فأنتم الطلقاء )) .ووقف ً
العبيد والمستضعفين .وجعل الدين المعاملة والنصيحة .وأعلن تحريم الربا والمفاضلة التي تؤدي إلى
الظلم واَلستغالل .وجاء برسالته اإلنسانية العالمية الخالدة التي تتصدع من عظمتها القدسية الجبال
ِ
ٍ
َّللِ َوِتْل َك
صِد ًعا ِم ْن َخ ْش َي ِة َّ
الراسية قال تعالى َ { :ل ْو أ َْن َ ْزل َنا َه َذا اْلُق ْآر َ
َن َعَلى َج َبل َل َأرَْيتَ ُه َخاش ًعا ُمتَ َ
ض ِربُها ِل َّلن ِ
اس َل َعَّل ُه ْم َيتََف َّك ُرو َن } [الحشر .]21 :
ْاأل َْمثَ ُ
ال َن ْ َ
لقد جاءت الشريعة اإلسالمية بمبادئها وتوجيهاتها وأحكامها تحمل الصبغة اإلنسانية العالمية ؛ هداية
يعا لجنس دون جنس وَل َلقليم معين
للناس ورحمة وداعية إلى صراط الحق المستقيم .ولم تكن تشر ً
عاما لإلنسان من حيث هو إنسان أبيض أسود ،عربي أو عجمي ،
من األرض ،بل جاءت تشر ً
يعا ً
في الشرق أو في الغرب ،فال عنصرية وَل عصبية في شريعة من خلق اإلنسانية جمعاء من نفس
واحدة .ولو كان واضعها فردا أو فئة من الناس لتعصبت بوعي أو بال وعي لجنسها أو وطنها أو
طبقتها أو مصالحها ،ولكن الشارع هو رب الناس ملك الناس آله الناس وهم جمي ًعا عباده فليس بينه
وبين أحد من خلقه نسب ،وَل فضل لفرد منهم على آخر ،وَل لقوة على أخرى بحكم الخلق والنشأة
األولى ،والمصير إلى حساب الخالق جل جالله.
__________
()1970/2
-------------ولقد ثبت في ماضي اإلنسانية وحاضرها بأنها لم تثبت أقدامها على مبادئ العدل اإللهي المطلق
بين أبناء النفس الواحدة ،بل سادها الظلم واَلستعباد والقهر وحب اَلمتالك والغلبة ،وحل التناكر
محل التعارف واَلستعباد محل الحرية ،والظلم والتعسف واَلستغالل محل العدل والمساواة ،واألثرة
واألنانية محل اإليثار والجشع ،والظلم والعدوان محل البر والتقوى ،وتخلى المسلمون عن مضامين
اإلسالم وتحلوا بأضدادها واحتفظوا بأسمائهم وانتسابهم إليه وأوهموا من َل يفهم اإلسالم بأن ما هم
اجا ،وساد العالقات الدولية
عليه هو اإلسالم ،فكانت الكارثة الكبرى ،وكان الخروج من دين هللا أفو ً
الظلم واَلستبعاد إذ اشتغلت هي بتنظيم العالقات .فال بد إذن من هداية السماء لتنظيم التعارف
الحقيقي والعالقات العادلة بين البشر ،وتهدي للتي هي أقوم ،وخاتمة رساَلت السماء ،وآخر لبنة
في صرح الرساَلت اإللهية بأصولها الخالدة التي تنظم قواعد العالقات اإلنسانية بين اآلحاد
والجماعات والدول ،بأصولها العامة النظرية التي تستطيع -واإلعجاز يتوجها -عالج الوقائع
والمشكالت المتطورة طوال مراحل عصور البشرية ،وعلى اختالف بيئاتها اَلجتماعية والحضارية
جميعا ،وتحقق اإللخاء بينهم وتصون وتحمي
وخصائصها الذاتية ،وتقيم العدل المطلق بين الناس
ً
دماءهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم .ومن هنا يتعاظم الواجب على علماء اإلسالم ،الذين يجب أن
يكون لهم حظ وافر وادراك واسع وفكر حر في علوم الشريعة اإلسالمية .وخاصة ما تشير إليه
نصوص آيات وأحاديث العالقات اإلنسانية والدولية ،حتى تتحقق حكمة الوجود ويسود العدل ،
اجا.
ويظهر إعجاز الشريعة الخالدة بيقين ،ويدخل الناس في دين هللا أفو ً
__________
()1971/2
-------------لمحة تاريخية
-1لقد كانت العملة النقدية في التاريخ قوامها النقود الذهبية والفضية ،وكان األغنياء يحرصون
على صيانة ذهبهم وفضتهم من السرقة والضياع ،فكانوا يعهدون بحفظه إلى محترفي صياغة
الذهب والفضة ليودعوه في خزائنهم ويسترد المودعون منه بقدر ما يحتاجون إليه في معامالتهم ،
أجر على حفظ هذه الودائع ،واذا أراد أحدهم اَلنتقال من بلد إلى آخر
وكانوا يدفعون إلى الصيرفي ًا
أو إلى دولة غير دولته كان َل ينوء بحمل الذهب والفضة وتعريضها للضياع أو السرقة ،بل كان
أمر إلى زميل له في البلد اآلخر بتسليمه المبلغ المطلوب .وكانت الفئة الغالبة
يأخذ من الصيرفي ًا
من محترفي صياغة الذهب والفضة وصيارفة الذهب وتجار النقود من اليهود الذين جبلت نفوسهم
على حب المادة إلى الحد الذي قصه هللا عنهم في كتابه
من انحدار بشريتهم إلى عبادة العجل الذي صنعوه بأيديهم من الذهب ،وعبدوه من دون هللا ،كما
جبلت نفوسهم على الزنا وأكل أموال الناس بالباطل والسحت إلى الحد الذي قالوا فيه { َل ْي َس َعَل ْي َنا
ِ
ِ
يل } [ آل عمران .]76 :
في ْاألُمِي َ
ين َسِب ٌ
ذهبا أو فضة سندات لها قيمة وديعته من الذهب أو الفضة ،ثم
فكانوا يعطون كل من أودع عندهم ً
أخذ المودعون يتعاملون فيما بينهم بهذه السندات ؛ ألن تداولها أخف من تداول الذهب والفضة ،فإذا
ذهبا عند الصيرفي وأردت أن أدفع لدائني هذا المبلغ فإنني أسلمه السند
كنت قد أودعت مائة دينار ً
الممثل لهذه القيمة ليسترد هو المبلغ من الصيرفي ،وهو بدوره قد يعطيه لدائنه سداد الدين عليه
وهلم جرا .كل هذه العمليات أراحت المودعين في معامالتهم من نقل الذهب أو الفضة من يد إلى
أخرى.
ثم وجدت هذه الفئة من الصيارفة والتي أغلبها من إليهود ،بأن هذه السندات الممثلة لقيمة ذهبية أو
فضية ،قلما يأتي حامل السند ليطلب قيمته النقدية ،وبالتالي يبقى الذهب أو الفضة المودع في
مددا طويلة ،واتضح بالتجربة والممارسة بأن حامل السند َل يأتي ليستلم قيمته
جاثما فيها ً
خزائنهم ً
محتاجا إليه بصفة استثنائية ،ومع ذلك فإن قيمة السندات النقدية
النقدية التي تسحب ،إَل إذا كان
ً
التي تسحب َل يتجاوز عشر الذهب والفضة المودعين في خزائنهم ،ومن هنا واتتهم الفكرة لماذا َل
يستغلون هذه الكميات الهائلة من الذهب والفضة باإلقراض وبالفائدة التي يحددونها ،بناء على ما
يلمسون من حاجة المجتمع إليهم بغير حدود أو قيود تقدر الفائدة الربوية التي يفرضونها وبعد أخذ
الضمانات الوثيقة منهم كفالة لسداد القروض عند حلول األجل ،وعند سداد هذه القروض وفائدتها
المرتفعة يستغلونها مرة أخرى في اإلقراض الربوي ،وهكذا دواليك.
__________
()1972/2
-------------وعلى هذا النحو تضخمت ثرواتهم التي لم تكن في أصلها إَل مال المودعين .وكلما تضخمت
ثرواتهم الخاصة من هذه المصادر استخدموها بالمثل في اإلقراض بالربا باإلضافة إلى أموال الودائع
،وكانت هذه الفئة طوال تاريخها موضع إزدراء الكافة ،وكان تواجدها في األحياء اليهودية المنعزلة
عن المجتمع .ثم تطورت الصناعات بتطور المجتمع البشري واحتاج الناس إلى توسيع صناعاتهم
وانشاء صناعات جديدة ،واتسع نطاق التبادل التجاري بين الدول والشعوب .وتطور بالمقابل نشاط
هؤَلء الصيارفة وتجار النقود ،فبعد أن كان النشاط المصرفي يقتصر على القروض اَلستهالكية
تطور إلى القروض اإلنتاجية ،وبعد أن كان الربا محارًبا من الديانات السماوية أحلته الشرائع
الوضعية .وتطور مركز الصيرفي فأصبح صاحب بنك له احترامه عند الكافة ،ونشأت البنوك
الحديثة في صورة شركات مساهمة رأس مالها يقدمه المؤسسون والمساهمون ،ولكنه يكون رأس مال
ال عشرة ماليين.
ضئيل ،فليكن مث ً
إَل أن الودائع تنهال على البنك فيصبح رأس ماله مئات الماليين ،وبالتالي تصبح مكانة كل بنك في
العالم مقياسها هذه الودائع ،وصارت البنوك تقدم ألصحاب هذه الودائع فوائد ضئيلة إلغرائهم
باإليداع ،مصورين لهم أن الربح الضئيل الثابت خير لهم من المجازفة بتوظيف أموالهم في
مشروعات قد تفشل وتهلك فيها أموالهم ويبؤون بالخسران ،ثم يقرضون هذه الودائع بفوائد مرتفعة
ويستغلون الفرق بين الفائدتين .هذا كان المصدر األكبر للقوة المالية التي أحرزتها البنوك الحديثة ،
هذه القوة المالية التي انتزعت السيطرة الكاملة على اقتصاديات عالمنا المعاصر.
__________
()1973/2
-------------هذا األخطبوط الذي يتألف أغلبه من إليهود ،أنشب مخالبه في لحوم البشر ودمائهم ومصائرهم،
وأشعل العديد من الحروب المدمرة ،وأخذ بيد اَلستعمار في انتهابه لخيرات األرض ،وأخذ يوجه
تمويله إلى مشاريع تهدف أكثر ما تهدف إلى هدم أخالق الشعوب ونشر الفساد في كل مجتمع ،
مادامت أرباحها أكبر من مشروعات تلبي للناس مطالبهم من ضروريات الحياة .ولم يقف هذا
األخطبوط عند هذه المآسي ،بل امتدت سيطرته إلى تشويه أسلوب التفكير لدى الشعوب وحجب
الحقائق عنها ،بما أتيح له من سيطرة على أجهزة النشر ووسائل اإلعالم.
ومن هنا كانت هذه الفئة محاربة هلل ورسوله في شريعة اإلسالم َلمتصاصها الشريان الحيوي لدماء
المجتمع ونشر الفساد والرذيلة فيه ،ولم تأتي آية في كتاب هللا تعلن الحرب على أي فرد أو فئة من
فئات المجتمع البشري -مهما كانت ذنوبها ومعاصيها ،ومهما كان عنادها هلل ورسول -غير فئة
المرائيين ،وجرثومة المجتمع القاتلة قال تعالى { :يا أَي َّ ِ
َّ
َّلل َوَذ ُروا َما َبِقي ِم َن ا ِلرَبا
ُّها الذ َ
َم ُنوا اتُقوا َّ َ
ين آ َ
َ َ
َ
ِ
ِإن ُكنتم مؤ ِمِنين (َ )278فِإن َلم تْفعلُوا َف ْأ َذنوا ِبحر ٍب ِمن َّ ِ
َم َو ِال ُك ْم ََل
َ
ْ ْ ُْ ُ ْ َ
ُ َْ
َّلل َوَرُسوِله َوِا ْن تُْبتُ ْم َفَل ُك ْم ُرُء ُ
ْ ْ ََ
وس أ ْ
ِ
صَّدُقوا َخ ْيٌر َل ُك ْم ِإ ْن ُك ْنتُ ْم
ظِل ُمو َن َوََل تُ ْ
تَ ْ
ان ُذو ُع ْس َ ٍرة َف َنظ َرةٌ ِإَلى َم ْي َس َ ٍرة َوأ ْ
ظَل ُمو َن (َ )279وِا ْن َك َ
َن تَ َ
تَ ْعَل ُمو َن } [البقرة .]280- 278 :
__________
()1974/2
-------------طا يعجز عنه الوصف ،وتضخمت ثرواتهم في العالم من هذا
لقد نشط إليهود في هذا المجال نشا ً
المصدر الخبيث الذي استغلوا فيه التحكم في العملة النقدية من الذهب والفضة ،وعملوا على
اكتنازهما للتحكم العالمي في العمالت الورقية التي تصدرها دول العالم.
ومن هنا نفهم المدلول الفقهي العام األوسع لقول الحق تعالى { :يا أَي َّ ِ
ير ِم َن
َم ُنوا ِإ َّن َكِث ًا
ُّها الذ َ
ين آ َ
َ َ
يل َّ ِ
ِ
اس ِباْلب ِ
ِ
ِ
َّ
َّ
اط ِل ويصُّدو َن َع ْن سِب ِ
الرْه َب ِ
ال َّ
ين َي ْكن ُزو َن الذ َه َب َواْلف َّ
ض َة
َح َب ِار َو ُّ
ان َل َيأ ُ
َّلل َوالذ َ
الن ِ َ
ْاأل ْ
َم َو َ
ْكلُو َن أ ْ
َ
ََ ُ
ِ
ِ
ِ
َّللِ َفب ِشرهم ِبع َذ ٍ ِ
ِ
اه ُه ْم
َوََل ُي ْنفُق َ
اب أَلي ٍم (َ )34ي ْوَم ُي ْح َمى َعَل ْي َها في َن ِار َج َهَّن َم َفتُ ْك َوى ِب َها ِج َب ُ
ون َها في َسِبيل َّ َ ْ ُ ْ َ
ورُه ْم َه َذا َما َك َن ْزتُ ْم ِأل َْنُف ِس ُك ْم َف ُذوُقوا َما ُك ْنتُ ْم تَ ْكِن ُزو َن } [ التوبة .]35-34 :
َو ُج ُنوبُ ُه ْم َو ُ
ظ ُه ُ
هكذا يخاطب هللا جل جالله الماليين المتحكمين بمصير األمم والشعوب ويقودونها إلى الهاوية.
وهكذا يظهر اإلعجاز القرآني في عالم القرن العشرين بتهديده لفئة قليلة تكدست في يدها الثروات
الذهبية بأساليب فاجرة وتستغلها في سيطرة اقتصادية َل ضابط لها من دين وَل وازع من خلق،
سيطرة فئة قليلة تصول وتجول في ابتالع سبائك الذهب وخزنه ؛ ليجعلوا منه ميزًانا لحماية
استغاللهم والتحكم في العمالت الورقية للدول والشعوب التي َل تمتلك تلك الخزائن المكنوزة من
الذهب والفضة والتي هي في حقيقتها ليست أموالهم ،ولكنها أموال المودعين والفوائد الربوية التي
يفرضونها عليها ويديرونها ويتصرفون بها كما لو كانوا هم مالكها بالفعل.
__________
()1975/2
-------------إنها لقوة هائلة تلك القوة التي يصل بها هؤَلء في سيطرتهم المطلقة على المال وعلى القروض التي
يوزعونها بمحض مشيئتهم المطلقة ،فكأنهم بذلك يوزعون الدم الالزم لحيوية الجهاز اَلقتصادي بكل
أوضاعه ،فإذا شاءوا حرموه دم الحياة فال يستطيع أن يتنفس ،واذا شاءوا قدروا مدى انسيابه في
جسم هذا الجهاز التقدير الذي يتفق مع مصالحهم الذاتية.
وبالتالي فإن تجمع هذه الثروات المالية الهائلة في أيديهم يؤدي في األخير إلى اَلستيالء على
السلطة السياسية في النهاية ،ويتحقق لهم ذلك على خطوات ثالث متدرجة متساندة :األولى :
الكفاح في سبيل إحراز السيادة اَلقتصادية ،ثم الكفاح في جمع مقاليد السيادة السياسية في أيديهم،
ومتى تحققت لهم بادروا إلى استغالل طاقاتها وسلطانها في تدعيم سيادتهم اَلقتصادية ،وفي النهاية
ينقلون المعركة إلى المجال الدولي العالمي .وبالتالي فإن ولي األمر الذي كان المفروض فيه أن
يمثل مصالح المجتمع ،وأن يحكم من مكانه الرفيع في نزاهة وحياد وعدل وايثار لصالح المجتمع ،
قد سقط إلى درك الرقيق لهذه القوى الرأسمالية وأصبح أداة طيعة لتنفيذ أهوائها وشهواتها .وأن الواجب
المقدس على المسلمين إعادة سلطان الدولة الذي انتزعته القوى المرابية والرأسمالية .وعندما يعود
ولي األمر إلى كامل اختصاصه الذي ناطه به اإلسالم ،عندئذ تتحول ثروة نقود الذهب الهائلة من
مارد شرير إلى خادم طيب يبني المجتمع ويصون الحرمان ويسعد اإلنسان ،كما كان في عهد سلفنا
الصالح وطليعة اإلسالم األولى.
__________
()1976/2
-------------هاما من
وقبل الدخول في لب الموضوع .فإنه يجدر بنا – في هذا الموضوع الهام الذي يمثل ً
جانبا ً
الدراسات الفقهية العملية التي تعني بمعالجة أحكام الوقائع والنوازل والحوادث المستجدة في ضوء
مقررات الفقه وقواعده ،وما اشتملت عليه أصوله النظرية من السعة والمرونة والخصوبة – أن
نتعرض باإلشارة إلى بعض أبعاد الموضوع المطروح للبحث والدراسة ،وبالتالي بناء الحكم الشرعي
عليه من قبل مجمعنا الموقر وسادته العلماء األفاضل لربما تلك األبعاد أو بعضها قد تخفى على
البعض .والقاعدة المشهورة عند فقهائنا تقول :الحكم على الشيء فرع عن تصوره .وفي كثير من
المسائل الفقهية أومن أحكام القضايا المستجدة يظهر الخالف في استنباط الحكم الشرعي بين الفقهاء
،ويكون مرجع خالفهم في الغالب إلى عدم الوضوح عند بعضهم ،وليس إلى حقيقة الحكم الشرعي.
ومن هنا كان التصور الصحيح واإللمام الشامل لكل جوانب القضية المطروحة هو األصل في
النظر الصحيح إلى النص الشرعي من الكتاب أو السنة والى علة الحكم التي تكون صريحة أو
إيماء ،والى النظر إلى مسالك العلة ومناط الحكم كما هو معروف لدى السادة العلماء في مظانه ،ثم
يأتي الحكم الشرعي بعد ذلك كفرع لذلك التصور.
-1أن أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة في نظر الشريعة اإلسالمية ،وهو نص الموضوع
المطروح للدراسة والبحث واإلفتاء أمام مجمعنا الموقر ،ليس هو غاية في ذاته ؛ ألن النقود وتغير
العملة ليست غاية في ذاتها بقدر ما هي أداة لتأدية وظائف معينة ،وهذه الوظائف هي األخرى
تختلف من حيث المصدر وأولوية الهدف ونطاق التطبيق ،فهناك الوظائف التقليدية ذات الطابع
ال بالنشاط التاريخي للنقود ،وهناك الوظائف األكثر عمومية والمرتبطة
النقدي البحت والمرتبطة أص ً
بالنشاط اَلقتصادي وتطور اَلقتصاد المعاصرة.
__________
()1977/2
-------------إن النقود كمقياس للقيمة ،وهنا تثار مشكلة تقييم الكميات اَلقتصادية بصفة عامة ،والسلع
والخدمات بصفة خاصة ،فهل ينظر إلى النقود كمقياس طبيعي مجرد ؟ أو عن طريق محاولة تقييم
السلع والخدمات بأوزنانها المادية؟ كأن تستخدم ساعات العمل لقياس الخدمات ،والمتر أو الطن
لتقدير كميات المواد األولية ،وهو في الغالب قياس مطلق ألنه عند تقويمه للسلعة ينظر إلى
خصائصها المادية دون مراعاة لعالقاتها التبادلية مع السلع األخرى .ومن الصعب وجود وحدات
نظر َلختالف األخيرة في أوصافها الطبيعية قياس سلعي
قياس طبيعية مشتركة لجميع السلع ًا
تبادلي ،أي محاولة قياس قيمة كل سلعة بالنسبة للسلع األخرى وبطريقة مباشرة ،كأن يقال للعامل
أو الموظف :إن عشر ساعات عمل تساوي قيمة رطلين لحم من لحم الضأن البلدي أو قميص
نظر لتعدد السلع
جدا وخاصة في العصر الحديث ؛ ًا
قطن ،وهذه الطريقة من الناحية العملية صعبة ً
تبعا لظروف الزمان والمكان.
واختالف قيمتها ً
مجردا عن تقييم السلع أو الخدمات أي استخدام
أما عند النظر إلى النقود كمقياس حقيقي للقيمة
ً
النقود كمقياس للقيمة النقدية ووحدة المحاسبة ،فإن عدد الوحدات النقدية الالزمة للحصول على
ثمنا أو قيمة لهذه السلعة ،وحيث إن النقود تعتبر وحدات
السلعة أو التي تستبدل بها السلعة تعتبر ً
قياس مشتركة لقياس قيم جميع السلع ،نستطيع إذن بالمقارنة بين القيم النسبية المختلفة للسلع عن
طريق تقدير عدد الوحدات النقدية الالزمة للحصول على كل سلعة.
__________
()1978/2
-------------ومن هنا فإن النقود تسمح بترجمة التغيرات في قيمة السلع ،كما أنها تخضع لتقلبات ذاتية ،أي
أيضا في
تبعا لتغير الظروف اَلقتصادية بالسلع .ويتمثل ً
تصبح لها قوة شرائية مرتفعة أو منخفضةً ،
أن القياس النقدي يجنبنا المشاكل التي تعترض التحليل اَلقتصادي الكلي نتيجة لعناصر اإلنتاج :
العمل ،المواد األولية ،اآلَلت ...إلخ غير متماثلة الخصائص ،ومن هنا اقتضت الضرورة تحقيق
نوع التماثل الذي يستدعى إيجاد عنصر مشترك يتمثل في األثمان النقدية لهذه العناصر ،وبذلك
تتحول العملية اإلنتاجية في صورتها الحقيقية من صورتها الفنية إلى صورتها اَلقتصادية ،وبالتالي
تكون العالقة تكاملية بين نوعي القياس.
أما العالقة بين القياس السلعي والقياس النقدي أو القيمي ،فهي التفرقة بين األسعار النسبية
واألسعار المطلقة ،فالقياس السلعي نسبي ،أي أنه يرتبط بالمقارنة الحقيقة بين كميات السلع
المتبادلة ،وهو يعكس بذلك الثمن الحقيقي أو معدل المبادلة لسلعة معينة بالنسبة لسلعة أو السلع
أخرى.
ولما كان من الصعب تحديد وتقدير قيمة كل سلعة بالنسبة للسلع األخرى بعالقات كمية ،مثالً كمية
القمح بكمية القطن .فنحن نلجأ إلى استخدام وحدات مشتركة لها نفس القيمة في ذات اللحظة
بالنسبة للسلعتين المتبادلين يقيم من دور هذه المحالت في التأثير في نسب المبادلة ،وتعرف هذه
النسب باألسعار النسبية أو الحقيقية للمبادلة بين السلع .وعلى العكس من ذلك األسعار المطلقة فهي
أسعار نقدية بحتة تعكس مدى تطور قيمة النقود ويمثلها المستوى العام لألسعار أو النظرة الشاملة
معبر عنها بالنقود ،وتصبح المشكلة الحقيقية أو األساسية هي كيفية تحقيق
لمجموع األسعار ًا
التوازن بين األسعار الحقيقية والنسبية واألسعار المطلقة أو النقدية.
__________
()1979/2
--------------
ولقد كانت العملة النقدية هي السائدة حتى القرن التاسع عشرة ،حيث كانت أغلب النقود المستخدمة
في التعامل تتكون من نقود معدنية وبصفة خاصة من النقود الذهبية ،ولم تكن تعرف العملة الورقية
أو األثمانية .وكانت قيمة وحدة النقود المعدنية تستمد قيمتها من قيمة المعدن المتكونة منه أو الذي
تصنع منه ،أو بمعنى آخر فإن قيمة النقود المعدنية تعتمد على األسعار النسبية أي قيمة مبادلة
المعدن بالسلع األخرى .وفي فترات أخرى من القرن الثامن عشر والتاسع عشر ،ساعد هذا المعيار
ال بفعل قانون الندرة
على تمتع النقود بثبات في القيمة ،ولكن هذا الثبات في القيمة لم يستمر طوي ً
فقد زادت كميات الذهب والفضة المكتشفة في أستراليا وأجزاء أخرى من العالم ،وأدت وفرة هذه
المعادن إلى انخفاض قيمتها بالنسبة للسلع األخرى ،وبالتالي إلى انخفاض قيم النقود المصنوعة من
صالحا لتحديد قيمة النقود.
تلك المعادن في فترة تاريخية معينة ،اعتبر هذا المعيار
ً
أما في عصرنا الحاضر فلم يعد األمر كذلك ،فقد هجرت قاعدة المعدن :الذهب والفضة ،وفقدت
قاصر على
ًا
النقود محتوياتها من المعادن ،وحلت محلها قاعدة النقد الورقية ،وأصبح دور الذهب
اعتباره من ضمن مكونات غطاء اإلصدار وعملة احتياطية دولية ،كما أصبحت كافة النقود
المستخدمة في التداول أما ورقية أو ائتمانية وتمتعت النقود الورقية التي يصدرها البنك المركزي
ثانيا القيمة الخارجية للنقود ،أي
بخاصتي القبول اإلجباري في المعامالت والنهاية في التحويلً .
نسبة مبادلة وحدات النقد الوطنية بوحدات النقد األجنبية عند تسوية المعامالت الخارجية :سعر
الصرف .
__________
()1980/2
-------------وهذه القيمة الخارجية تحدد مقدرة النقود الوطنية على شراء السلع األجنبية وأسعار الصرف ،سواء
كانت ثابتة أو متغيرة ،تعتبر مؤشرات للقوة الشرائية للنقود الوطنية في اَلقتصاد العالمي ،كما يؤثر
التغيير في القيمة الخارجية للنقود الوطنية على القوة الشرائية الداخلية لها .فعندما ترفع دولة ما من
قيمة عملتها بالنسبة للعمالت األجنبية ،فإنها تعمل في نفس الوقت على زيادة القوة الشرائية للعملة
الوطنية بالنسبة للسلع األجنبية المعروضة في السوق الداخلية ،أو القيمة الخارجية للعملة الوطنية
تتوقف على القرار السياسي الذي تتخذه السلطات العامة تحت تأثير الكثير من العوامل اَلقتصادية،
وخاصة ما يتعلق منها بالعجز أو الفائض في ميزان المدفوعات أو بهدف مكافحة التضخم المستورد
،أو لتشجيع الصادرات أو الواردات .وعلى أي حال فإن عالقة وثيقة بين قيمة العملة الداخلية
مذبذبا في أسواق
وقيمتها الخارجية فعالية اَلقتصاديات الوطنية ،والتي أصبح اليوم كثير منها
ً
اَلقتصاد العالمي من خالل التجارة الخارجية -حركة رؤوس األموال -ألن المقايضة بين السلع
محددا ،ومن هنا كان ابتكار وحدة
بدائيا
والخدمات َل تناسب عصرنا الحديث ،وانما تناسب
ً
مجتمعا ً
ً
عملة النقود التي حلت محلها اآلن العملة الورقية ،ولكن على الرغم من ابتكار هذه العملة الورقية ،
وما تحققه من إراحة للمجتمع البشري من سرعة تبادل العملة النقدية أو المقايضة بين السلع الذي َل
يساير تطور المجتمع البشري ،فقد اعترض العملة الورقية صعوبات يرجع بعضها إلى وزن العملة
الورقية المادي أو احتمال الضياع أو السرقة ،فكان النظام اَلئتماني المصرفي هو الكفيل بتيسير
الصعوبات المشار إليها عن طريق مجرد وعد بدفع ثمن السلعة أو الخدمة.
__________
()1981/2
-------------هذه الوعود بالدفع مكنت الناس من التأمل بينهم بدون حاجة إلى تداول النقود من يد إلى أخرى،
باإلضافة إلى بعض المعامالت التي تعارف عليها الناس ،فصارت أشبه بعملة غير رسمية يجري
ثمنا
وعدا بدفع مبلغ من النقود ً
سداد قيمتها في البنوك عن طريق المقايضة .فمثالً إذا أعطيتك ً
أجر عن
ثمنا لسلعة أو ًا
لسلعة أو ًا
وعدا بدفع مبلغ من النقود ً
أجر عن خدمة ،وأنت أعطيت ثالثًا ً
وعدا بالدفع عن سلعة أو خدمة أديتها إليه .هذه الوعود الثالثة كلها
خدمة ،وهذا الثالث أعطاني ً
تلتقي في البنك ،ويجري سدادها جميعها بالقيد في دفاتر البنك لحساب كل من الثالثة بغير انتقال
صور عدة :منها الشيك الذي يصدره
ًا
مادي للنقود من يد إلى أخرى .والوعد بهذا الدفع قد يتخذ
العميل إلى مصرفه ،يأمره فيه بدفع مبلغ معين إلى شخص أو لحامل الشيك ،والبنك من جانبه يدفع
قيمة الشيك إلى الشخص المسمى فيه أو لحامله من حساب ما أودعه العميل في خزائنه من قبل.
وقد يتخذ الوعد بدفع صورة فتح اعتماد من البنك إلى أحد عمالئه ،فيتعهد البنك يجعل مبلغ معين
تباعا ،فإنه يذهب إلى مصرفه وعلى أساس حساب
تحت تصرف عميل لمدة معينة يسحب منه ً
ودائعه فيه يأخذ منه خطاب اعتماد ،يوجهه مصرفه إلى فرعه في الدولة األخرى أو إلى مصرف
آخر يأمره بدفع المبلغ المطلوب إلى العميل ،والمصرف في هذه الحالة َل يأخذ من عميله فائدة
ربوية على هذه الخدمة ،بل يكتفي بعملة بسيطة َل تتجاوز في كثير من األحوال 1/4أو واحد في
المائة.
__________
()1982/2
--------------
أيضا أو التعهد بالدفع صورة السند اإلذني وهو التزام مكتوب يتعهد فيه
ومن صور هذا الوعد ً
شخص معين يسمى المحرر بدفع مبلغ معين في تاريخ معين لشخص معين آخر ،أو إلذنه يسمى
فور قبل
المستفيد ،ويصبح السند اإلذني أداة وفاء يستطيع المستفيد أن يصرف قيمة السند من البنك ًا
حلول تاريخ السداد ،مقابل فائدة ربوية يخصمها البنك من المستفيد مقابل األجل.
أيضا صور الكمبياَلت وهي أمر مكتوب يتوجه به شخص يسمى الساحب إلى شخص آخر
وهناك ً
طالبا منه دفع مبلغ معين إلذن شخص ثالث يسمى المستفيد ،فإذا قدم
يسمى المسحوب عليه ً ،
المستفيد الكمبيالة إلى مصرفه بعد أن أظهرها المسحوب عليه ،دفع البنك قيمة الكمبيالة بعد خصم
الفائدة الربوية على المدة التي سوف تمضي قبل حلول أجل الوفاء المقدر في الكمبيالة .هذه طائفة
من صورة العملة المصرفية التي تخضع اليوم لألحكام القانونية الدولية في عالمنا المعاصر ،والتي
تهدف إلى تحقيق تيسير التبادل بين الناس .أما الشيك فصورته معروفة ،وهو أمر من العميل إلى
البنك ليدفع إلى شخص ثالث المبلغ المدون في الشيك من حسابه الجاري في البنك .وتصويره
أيضا واضح ،فالعميل مودع لمال مثلي في البنك المودع لديه.
الشرعي ً
والشيك :أمر بدفع جزء من المال إلى شخص ثالث ،هو في الحقيقة تنفيذ لعقد الوديعة بين البنك
والعميل ،وهو في نظري تصرف شرعي َل إثم فيه وَل ربا ،بل إنه يؤدي خدمات جليلة وانسانية
للمجتمع اإلنساني بتيسير التعامل بين الناس .فهذا الجانب من النشاط المصرفي والعملة الورقية أو
الشيك في نظري َل شبهة فيه على اإلطالق ؛ ألنه ليس فيه فائدة يؤديها البنك إلى المودعين في
الحسابات الجارية ،ولكن النظر الشرعي في هذا الجانب قد يدقق في المعامالت األخرى ،والذي قد
يكون اطراد التعامل بالشيكات بين الناس وعلى أساس ودائعهم الجارية قد أدى بقوة مالية جديدة على
خلق النقود .أما أوامر الدفع الموجهة إلى البنك من عمالئه ،إنما هو في حقيقته تصرف من الودائع
الجارية أي الودائع التي هي تحت الطلب ،وهو ما يسمى في اَلصطالح المصرفي بالحساب
الجاري ،وهو يختلف عن الودائع الثابتة في أنه جائز السحب في أي وقت.
وهناك صور أخرى كثيرة تدخل تحت عنوان البحث " :أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة " ،
وان بحث هذه المسألة العالمية والمتشعبة الجوانب يفترض في نظرنا وضعها على بساط البحث في
صورتها الواضحة والمتكاملة ،واإللمام الدقيق بكل فروعها المختلفة وجزئياتها المتنوعة ،وبالتالي
التأصيل في التحليل والتعمق في البحث.
__________
()1983/2
--------------
واذا كانت العملة النقدية أو الورقية ليست غاية في ذاتها بقدر ما هي أداة لتأدية وظائف معينة
للمجتمع البشري ،فإن العدالة بالمقابل هي الغاية المنشودة لذاتها في الشريعة اإلسالمية .وفي هذا
المجال تعصر عقول المجتهدين من علماء األمة اإلسالمية ،وينصب إنتاجها على بيان أحكام
الشريعة اإلسالمية من نصوصها الشرعية ،أو من قواعد أصولها اَلجتهادية .ومن المعلوم أن
الشريعة اإلسالمية قد كفلت في مصادرها العامة وقواعدها الكلية النصوص الصريحة على منع
مجموعة من النشاطات اَلقتصادية المعيقة في نظر اإلسالم عن تحقيق العدل اَلجتماعي للبشرية
الذي ينشده اإلسالم.
كما كفلت الشريعة اإلسالمية حق مبدأ اإلشراف العام الممثل بالدولة ،األمر بالصالحيات العامة
على كافة المجاَلت اَلقتصادية ذات النشاط اَلجتماعي العام .وبالتالي ضمنت حق تدخل الدولة ؛
لحماية مصالح المجتمع العامة ورعايتها ،وحراستها بالحد الشرعي من حريات المصالح الفردية ،
ومن حريات األفراد فيما يمارسونه من أعمال تتنافى ومصالح األفراد العامة في ذاتها وفي مجموعها.
ومن هنا كان وضع هذا المبدأ العام في الشريعة اإلسالمية ضرورًيا لكي تضمن الشريعة اإلسالمية
ذاتها تحقيق مثلها العليا ومفاهيمها السامية في العدالة اَلجتماعية على مر الزمن ،وتعاقب األجيال
،ومستجدات التطور ،انطالًقا من مبدأ خلود الشريعة المشتملة في مضامينها على متطلبات العدالة
اَلجتماعية التي يدعو إليها اإلسالم في مبادئه العامة وكلياته الشمولية ومنطلقاته األصولية الكفيلة
باستيعاب مضامين العدالة في كل زمان ومكان لكافة أبناء البشرية جمعاء.
__________
()1984/2
-------------وان قضية اآلثار واألحكام المترتبة على النقود الورقية وتغير قيمة العملة تدخل في صميم العدالة
العالمية التي تسود فيها هذه المعامالت ،والتي تشتمل على صور شتى يعرفها رجال اَلقتصاد،
واكتفيت بذكر بعضها لكوني َل أستطيع حصر الصور وَل الجواب عليها ،ولكن نوضح حكم الشرع
في نظرنا عن بعض صورها ،فإن يكن صو ًابا فمن هللا ،وان يكن باطالً فمني ،وهللا ورسوله
بريئان منه.
-1الشطر األول من الموضوع :أحكام النقود الورقية ،أي إحالل العملة الورقية محل العملة النقدية
في التعامل وتقييم السلع والخدمات بها ...إلخ.
لقد مرت البشرية خالل تاريخها الطويل بمراحل في ميدان ابتكار تبادل المنافع والخدمات ،ولقد
ُّها َّ
اس ِإنَّا
الن ُ
أشرت في مقدمة الموضوع إلى أن القرآن العظيم قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى َ { :يا أَي َ
اك ْم } [ الحجرات :
وبا َوَق َب ِائ َل ِلتَ َع َارُفوا ِإ َّن أَ ْك َرَم ُك ْم ِع ْن َد َّ
َّللِ أ َْتَق ُ
اك ْم ِم ْن َذ َك ٍر َوأ ُْنثَى َو َج َعْل َن ُ
َخَلْق َن ُ
اك ْم ُش ُع ً
.]13فكانت المرحلة األولى من مراحل التعارف تبادل السلع والمنافع والخدمات بين أبناء البشرية
على نطاق جماعاتها ومجتمعاتها المحدودة .ولم يكن التعامل بالنقد من الذهب والفضة أو أي معدن
آخر معروًفا ،وانما كانت المعاملة تتم بواسطة المقايضة بين السلع وتقييم أجرة المنافع والخدمات
بقيمة السلعة ،وكان هذا الوضع هو الوضع المناسب للمجتمع البدائي.
ثم تطور المجتمع البشري واتسع نطاق التعاون ،وزاد من حجم الخيرات والمنتجات وحاجة الناس
إلى الحصول على تلك الخيرات المتنوعة ،فكان ابتكار العملة النقد ،وعلى وجه الخصوص الذهب
والفضة ،فسهلت على مجتمعات تلك المراحل التاريخية التعامل فيما بينها بواسطة قطع العملة
النقدية من الذهب والفضة ،وبدَلً من تقييم قيمة سلعة بسلعة أخرى ،والتي كانت تحتاج إلى وقت ،
أو تقييم خدمة أو أجرة عمل بثمن تلك السلعة؛ أصبح المجتمع البشري يقيم كافة قيمة السلع
والخدمات وأجرة العمل بقيمة تلك العملة النقدية المتفق على قيمتها.
إَل أن تلك العملة كانت تكتنفها المخاطر وخاصة عند نقلها من بلد إلى بلد ،والتي تتمثل بالسرقة
أيضا إلى بطء التعامل الذي
أو الضياع ،باإلضافة إلى صعوبة نقلها بسبب وزنها المادي ،إضافة ً
َل يناسب مجتمع تطور اإلنسانية ،وبناء الحضارة التي ينشدونها في شتى مجاَلت الحياة .وبالتالي
فإن التعامل بالعملة النقدية لم يعد يناسب عصر السرعة وَل يلبي حاجة اإلنسان ،فكان ابتكار
العملة الورقية واحاللها محل العملة النقدية في القيمة المالية مساهمة كبرى في تطور الحضارة
اإلنسانية وتقدم اإلنسان ومازالت كذلك ،وَل نعلم ماذا يكون عليه الحال ،ولكن الذي يهمنا أن نعلمه
هو حكم هللا في هذا التعامل.
__________
()1985/2
-------------وَل شك في أن من أصول التشريع في الشريعة الخالدة التي أصلها القرآن الكريم والسنة المطهرة ،
كالتيسير ودفع الحرج عن الناس ،وهذا األصل مقصود به دوام الشريعة واستمرار إقامة أحكامها ؛
ألن الشريعة الحاكمة على أفعال المكلفين ،والمشتملة على السعادة الحقة في العاجلة واآلجلة ،
ِ
الن ِ
ونوا ُش َه َداء َعَلى َّ
اس
اك ْم أ َّ
ُم ًة َو َس ً
ك َج َعْل َن ُ
طا لِتَ ُك ُ
وضعت أصولها على أساس العدل الوسط َ { :وَك َذل َ
َ
} [البقرة .]143 :وقال تعالى { :وما جعل عَلي ُكم ِفي ِ
الد ِ
ين ِم ْن َح َرٍج } [الحج .]78 :وقال تعالى :
ََ َََ َ ْ ْ
ِ
ف َع ْن ُك ْم
َّللُ ِب ُك ُم اْل ُي ْس َر َوََل ُي ِر ُيد ِب ُك ُم اْل ُع ْس َر } [البقرة .]185 :وقال تعالى ُ { :ي ِر ُيد َّ
{ ُي ِر ُيد َّ
َّللُ أ ْ
َن يُ َخف َ
و ُخِل َق ِْ
ض ِع ًيفا } [النساء .]28 :وقد وصف هللا رسوله صلى هللا عليه وسلم .بما أتى به من
ان َ
اإل ْن َس ُ
َ
ِ
َّ
ِ
َغ َال َل التي َك َان ْت َعَل ْي ِه ْم } [األعراف .]157 :وبذلك سمى
ص َرُه ْم َو ْاأل ْ
أحكام ألمته { َوَي َ
ض ُع َع ْن ُه ْم إ ْ
محمد صلى هللا عليه وسلم الشريع َة التي أُرسل بها بالشريعة السمحة .ويجدر بنا في هذا المقام أن
نشير إلى ما أورده اإلمام ابن القيم رحمة هللا عليه في كتاب أعالم الموقعين 3/3 :وما بعدها ،إذ
يقول تحت عنوان "بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد" " هذا فصل عظيم النفع
ط عظيم على الشريعة ،أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما َل
جدا ،وقع بسبب الجهل به غل ٌ
ً
سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي أعلى رتب المصالح َل تأتي به ،فإن الشريعة مبناها
وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ،وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها
وحكمة كلها ،فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ،وعن الرحمة إلى ضدها ،وعن المصلحة
إلى المفسدة ،وعن الحكمة إلى العبث ،فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل .فالشريعة
عدل هللا بين عباده ،ورحمته بين خلقه ،وظله في أرضه ،وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله
صلى هللا عليه وسلم ...إلخ.
__________
()1986/2
-------------بهذا اَلستعراض أردنا أن نبين بأن قصد الشريعة اإلسالمية اليسر والسهولة ورفع الحرج والمشقة عن
الناس ،فرفع الحرج والمشقة من شريعة هللا يعتبر أصالً من أصولها ويكشف سر اإلعجاز في
خلودها.
ولما كان القصد من إحالل العملة الورقية محل العملة النقدية هو اليسر والسهولة ،ورفع الحرج
والمشقة عن الناس ،وتلبية لقضاء حاجاتهم ،وتحقيًقا لضمان مصالحهم بأيسر السبل وأخفها مشقة،
عيا من
مانعا شر ً
وعمالً بأصل رفع الحرج والمشقة في شريعة هللا ؛ فإنني -وحسب علمي َ -ل أجد ً
إحالل العملة الورقية محل العملة النقدية ،طالما كانت تلك العملة الورقية تخضع في أحكامها
أوضح ْتها سن ُة البيان النبوي على قواعد ضمان
ألحكام الشريعة النافذة على العملة النقدية ،والتي
َ
ميزان العدل بين الناس ،وتحديد قيمتها المالية على أصول التعامل الشرعي ،بقوله عليه الصالة
والسالم (( :الذهب بالذهب رباء إَل هاء وهاء ،والفضة بالفضة رباء إَل هاء وهاء )) إلى آخر
الحديث .رواه مسلم .
ومن خالل نص الحديث المشار إليه وغيره من األحاديث الخاصة بالنقدين الذهب والفضة ؛ فإننا
نرى جواز التعامل بالعملة الورقية ،واحاللها في األحكام الشرعية محل أحكام النقدين ،وأن حكمها
حكم النقدين ،يجري عليها ما يجري على النقدين ،وألن البدل له حكم المبدل في عرف الفقهاء.
وباهلل التوفيق وهللا أعلم.
__________
()1987/2
-------------أما الشطر اآلخر من الموضوع :تغير قيمة العملة ،فإن أساس بحث هذه المسألة العالمية ومناط
األشكال فيها يفترض في نظرنا وضعها في صورتها المتكاملة والواضحة ،واإللمام الدقيق بكل
أبعادها ،وأسباب مسبباتها كقضية عالمية عميقة الجذور متشعبة الجوانب َ ،ل يقتصر تأثيرها على
نظر لترابط المجتمعات
شعب أو مجتمع بمعزل عما يدور بين األمم والشعوب في عالمنا المعاصر ً ،ا
والشعوب في عالم اليوم الذي لم َي ُس ْد فيه ميزان العدالة الدولية ،حيث عمل اَلستعمار مباشرة -وما
زال يعمل -على نهب خيرات الشعوب ،وعلى زرع الفتن بينها ،حتى َل تتفر َلستثمار ما أودعه
هللا في خزائن األرض وأعماق البحار ،كما جند في جانب آخر شركاته العالمية اَلحتكارية ،التي
تتحكم بمصير اقتصادية أكثر الشعوب في ميادين اَلقتصاد العالمي اليوم ،حيث منعت هذه
الشركات نقل التقنية الصناعية إلى الشعوب النامية والفقيرة وغيرها ،مما يعتبر في عالم اليوم من
األسس الضرورية لرفع مستوى حياة هذه الشعوب ،كما عملت من جانب آخر على رفع ثمن السلع
اَلستهالكية وطلب قيمتها بالعمالت الصعبة التي من خاللها يتم تحكمها على القيمة المالية
لالقتصاد العالمي من خالل بنوكها ومصارفها العالمية ،والذي يديرها اليوم كثير من يهود العالم بعد
مقياسا لقوة الشعوب
أن تمكنوا منذ قرون من جمع العملة النقدية من الذهب والفضة ،وبالتالي جعلها
ً
اَلقتصادية ،والتي تملك منها الشعوب الفقيرة والنامية نسبة ضئيلة َل تفي بجعل عملتها الورقية ،
وَل حتى بقوة اقتصادها ،بأن تقف على قدم المساواة -فضالً عن ميزان العدالة -في تقييم السلع
المصدرة والمستوردة في القيمة المالية الحقيقية لما تصدره هذه الشعوب ،حتى َل تملك مستودعات
تبعا لميزان العدالة الدولية المختل.
الذهب ،ولما تستورد ً
أيضا ً
__________
()1988/2
-------------أضف إلى ذا وذاك امتصاص العملة الصعبة إذا ما قدر لها الدخول بكميات ضئيلة إلى الشعوب
النامية والفقيرة بأساليب رهيبة ،منها بخس أثمان منتوجات هذه الشعوب ،والتحيل عليها من عدم
الحصول على العملة الصعبة بخلق الفتن بين شعوبها وزعزعة األمن في شئونها الداخلية ،وبالتالي
تصدير األسلحة إلى هذه الشعوب التي لم تكن بحاجتها ،وبالتالي تتم المقايضة غير المتكافئة.
وهناك أساليب تكبل اليوم الكثير من شعوب العالم الثالث َل يجيدها إَل أقطاب اَلقتصاد العالمي
ومصاصو دماء الشعوب ...إلخ .ولقد أطلت نفس القلم في صلب هذا البحث ،ونوهت في مقدمته
إلى تحكيم العالقات اإلنسانية بين األمم والشعوب إن لم تحكم شريعة السماء الخالدة.
هذه المسألة بحاجة ماسة إلى التأصيل والتحليل والتعمق في البحث ،لقناعتنا في أن موضوع تغير
العملة وبيان حكم الشريعة اإلسالمية َل يمكن أن يكون بمعزل عما يؤثر في انخفاض سعر العمالت
،وأن آثار األحكام المترتبة على تغيير العملة بالكامل واحالل عملة أخرى محلها ،أو تغير سعرها
نقصانا ،وان لم تغير عين العملة ذاتها إلى عملة أخرى.
زيادة أو
ً
إنما يعبر في حقيقة األمر على عظمة قدرة الشريعة اإلسالمية على مواجهة كل جديد ،واتساعها
لمقتضيات كل عصر ،وتلبيتها لحاجاته على الوجه األرشد واألكمل ،والذي يكمن في تبصر
توجيهاتها ،وتدبر حكمها وأسرارها ،وفهم دقيق لمقاصدها وأهدافها .وَل عجب في ذلك إذ أن
الشريعة اإلسالمية هي خاتمة الشرائع اإللهية التي أنعم هللا بها على اإلنسان .وَل يتصور مؤمن
بكمال علم هللا وحكمته ورحمته وبره بخلقه ،أن هللا تعالى يغلق باب النبوة دونهم ويقطع وحيه عنهم
،ثم يتعبدهم بشريعة قاصرة تصلح لقوم وَل تصلح آلخرين ،وتصلح لزمان وَل تصلح آلخر ،بل
بنيانا
كانت أحكامها الكلية وقواعدها األصولية تستطيع بكل يسر وسهولة وقوة أن تشيد لإلنسانية ً
يقوم على أساس ثابت من العدل الشامل ،ومن الحق المبين الذي َل يأتيه الباطل من بين يديه وَل
من خلفه ؛ ألنه تنزيل من حكيم حميد.
وان تدبر توجيهاتها ،وسبر أغوارها ،وفهم أسرارها ومقاصدها ،والغوص في أعماق لججها
َلستخراج آللئها وأصدافها النورانية البهية من شأنه أن يصقل مواهب وعقول المجتهدين من جهابذة
العلماء العاملين ،وينور بصائرهم بأشعة جالل أنوارها ،ويالقي بين ينابيع خواطرهم ومعين أفكارهم،
ويعبر عنهم بعقل مجمعهم ،ويبلور بين المفاهيم واألسرار التي تجيش بها نفحات خواطرهم ذات
المعين اإللهي الفياض ،والرحمة اإللهية الخاتمة التي َل تنضب .وان الفهم الدقيق والصحيح لمبادئ
اإلسالم العامة وقواعده الكلية ،هو األساس الفكري والدعامة األساسية لفكرة اَلجتهاد والتجديد والعودة
بأمتنا اإلسالمية إلى حقائق الشريعة اإلسالمية المقدمة.
__________
()1989/2
-------------كما أنه الطريق الصحيح الذي يرسم لنا بيقين كيف نعالج األوضاع اَلقتصادية في ضوء الشريعة
الخالدة ،والتي أنزلها هللا بعلمه على محمد صلى هللا عليه وسلم ليقيم بها عدله في األرض ،ويحقق
بها مصالح العباد في المعاش والمعاد .كما دلت على ذلك استقراء نصوص األحكام الشرعية
وقواعدها الكلية ،وأسس مبادئها األصولية العامة ،وتعليالت جزئياتها من الكتاب والسنة وأنه
سبحانه خص هذه الشريعة بالعموم واَلستمرار والخلود دون سائر الشرائع األخرى ،وأن أصولها
النظرية قد استوعبت عالج الوقائع والمشكالت بشهادة التاريخ لها ،وما زالت قادرة -وبطريقة يتوجها
اإلعجاز -على عالج الوقائع والمشكالت المتجددة والمتطورة .وَل شك بأن من أهداف مقاصد
جميعا ،وتحقيق اإلخاء بينهم ،وحماية وصيانة دمائهم
الشريعة إقامة العدل المطلق بين الناس
ً
وأموالهم وعقولهم وأخالقهم ،وأنها َل تحقق مصلحة طبقة دون أخرى ،وَل مصلحة فرد خاصة دون
آخر ،وَل شعب دون شعب ،وَل مصلحة دنيوية دون النظر إلى المصالح األخروية ،كما هو
الحال في التشريعات الوضعية .وأن السبيل األقوى واألقوم َلستيضاح حكم وأسرار الشريعة ميسر
بإذن هللا لترجمة الحكم الشرعي من دليله المعتبر ،وبالتالي إظهار الحق واثباته من مصدره الشرعي
الذي يعطي المجتهد الوضوح والجالء الذي يعتبر األساس الصحيح للنهوض العلمي برسالة
أيضا يستوعب اجتهاد المجتهد منطلقات األدلة الشرعية ومفاهيم النصوص
المجمع .وبالتالي ً
المتعارضة أو المتداخلة بالعموم والخصوص ،أو بتهذيب العلة وتحقيق المناط ...إلخ.
__________
()1990/2
-------------وان الهدف من هذا البحث المتواضع هو إيضاح حكم الشريعة اإلسالمية في العملة الورقية والنقدية
في هذا العصر الذي سيطرت فيه على جميع مجاَلت نشاطها ،وبالتالي تغلغل الربا بكل أنواعه
تطور ينأى بها عن
ًا
وبكل شروره وآثامه في كل مجال منها ،وكيف تظهر هذه العملية ،وتطورها
كل اَلنحرافات ،وبالمقابل فإن النهوض برسالة المجمع َل يتم إَل بالتعبير عن المشاكل التي تحس
أيضا بالنسبة ألي قضية إسالمية ،وخاصة في مجال العدالة
بها أمتنا اإلسالمية ،والتي تراها ً
العالمية واَلجتماعية التي َل تحمل جنسية غير جنسية اإلنسانية ،وَل حدود على األرض التي
يعيش فيها اإلنسان ،والتي هي الغاية من اجتهاد العلماء في بيان حكم هللا الذي هو عين العدل؛
ألننا نعلم بأن العملة ليست غاية في حد ذاتها لبيان حكم الشرع ،بل هي وسيلة لقضاء حاجات
اإلنسان ،أما الغاية من بيان حكم هللا فيها من حرمة وحالل وصحة وبطالن ،إنما هو تحقيق العدل
بين الناس في هذه العملة والتعامل بها بين الناس ،والعدل الحقيقي إنما يعرف من أحكام هللا العادلة
بين العباد .وهذه القاعدة من أجل القواعد التي تعطي الصورة العالمية للمجمع والشمولية لشريعة
اإلسالم والخلود لمبادئه العادلة التي يحلم بها عالم البشرية اليوم ،والتي تجنى منها ثمار العقول
اليانعة واألفهام المستنيرة بنور الكتاب والسنة .
وأن أساس القضية ومناط اإلشكال في الشق اآلخر من الموضوع المطروح :تغير قيمة العملة ،
والذي تدخل تحته من الصور والمستجدات ماَل يمكن حصره .ولكن تصويرنا وحكمنا على بعضها
حكم منا على بعضها اآلخر ،إلحاًقا لها في تحقيق المناط ،فنقول وباهلل نستعين :
-1من المعلوم بأن الثمن في البيع ركن ،ومعرفة قدره وصفته شرط لصحة البيع ،أما إذا ذكر في
عقد البيع قدر الثمن دون صفته ،فإنه ينصرف في عرف الفقهاء إلى الغالب من نقد البلد الذي تم
فيها العقد ؛ ألنه المتعارف عليه عند اإلطالق ،ويكون في عرف الفقهاء من أفراد ترك الحقيقة
بدَللة العرف القولي ،فإن كان في البلد الذي تم فيه العقد نقود غيرها من جنسها واستوت في
المالية ،لكن بعضها يتداوله الناس في معامالتهم بصورة أكثر من البعض اآلخر ،فينصرف إلى
انتشار في معامالت الناس .أما إن استوت في تداول الناس وفي معامالتهم
ًا
النقد الذي يكون أكثر
واتفقت في المالية ،فإن المشتري يخير ؛ ألن الجنس والقيمة متحدان ،وان استوت في التداول
شيئا بثالثة دنانير دون أن يوضح نوعها يمني أو كويتي ،فإن
واختلفت في المالية ،كما إذا باع ً
ال ،فإن العرف ينطلق
البيع يفسد لالختالف في المالية ،ولكن إذا كان التعاقد بالدينار في الكويت مث ً
على الدينار الكويتي ،وان كان التعاقد بالدينار باليمن فإن العرف ينطلق على الدينار اليمني.
__________
()1991/2
-------------قرضا حسنا إلى أجل معلوم لدفع ذلك
ومن الصورة فيما لو أخذت من شخص مائة دينار يمني ً
المبلغ ،وكان سعر الدينار ثالثة دوَلرات أمريكي وقت استالم القرض ،وبعد أن حان أجل إعادة
ذلك القرض نزل سعر الدوَلر ،فكان الدينار ثالثة دوَلر ونصف ،أو العكس ،طلع سعر الدوَلر
وانخفضت قيمة الدينار ،بأن كانت قيمة الدينار ثالثة دوَلرات إَل ربع ،وقس على ذلك بقية
الحاَلت والصور التي تساويها في تحقيق المناط ،سواء أكانت تلك الصور والحاَلت من عقود
المعامالت بعوض ،أم كانت من العقود التي ليس فيها معاوضة كالقروض والمداينة ،وسواء كان
انخفاضا أو زيادة ما تضمنته تلك العقود من ناحية انخفاض أو زيادة قيمة العملة المتفق عليها في
ً
صيغة العقد ،أو من ناحية تغير قيمتها بالكامل بأن حلت محلها عملة أخرى مثالً بدل الدينار
اليمني جنيه يمني أو أي اسم آخر للعملة الجديدة ،فإن الحكم اَلجتهادي الشرعي في نظري -حيث
َل نص وَل إجماع -الذي ينطبق على الحاَلت المشار إليها أو ما يشابها ،أن للبائع أو لصاحب
الدين أو القرض المسمى في العقد من أنواع العملة ؛ ألنه األصل الذي تم التعاقد عليه َل على غيره
،وألنه هو الذي شغلت به ذمة المشتري أو المدين َل غيره ،ومن هنا قال الفقهاء :إذا جهل الثمن
محل العقد فسد البيع أو العقد.
__________
()1992/2
-------------نهائيا بدون بديل لها فسد البيع ،أما إذا تغيرت العملة المتفق
وكذا إذا كسدت العملة المتفق عليها ً
عليها إلى عملة أخرى ،فإن الحكم ينصب على ما يعدل قيمة تلك العملة من العملة التي حلت
بديلها بسعرها وقت القبض وليس وقت العقد أو البيع ،دون تفرقة بين ما إذا كانت تلك العملة
متساوية في السعر أو متفاوتة في قيمتها المالية ؛ ذلك بأن الواجب شرًعا في ذمة المشتري أو
المدين ،والذي ينصب عليه الحكم الشرعي إنما هو المسمى والمتفق عليه في صيغة العقد َل غيره،
وليس للمشتري أو المدين بحساب الصرف من أي نوع كان بالسعر السائد ،إذا كان عين العملة
المذكورة في العقد قائمة وسائدة إَل برضى البائع أو الدائن ،وأنه لو أراد المشتري دفعها بالدوَلر
بدَلً من الدينار ،وبالسعر القائم والسائد وقت األداء ورفض البائع أو الدائن أو من له الحق في تلك
العملة المنصوص عليها في العقد ،فإنه َل يجبر على قبضها َلختالف المالية وان تساوت القيمة ؛
ألن األحكام الفقهية إنما تنظر إلى ما اشتملت عليه صيغة العقد َل إلى شيء آخر لم يذكر في
علما بأن سعر
العقد ،واذا كان األمر كذلك فكيف يجبر من له الحق على أخذ حقه بالسعر القديم؟ ً
العمالت في عصرنا الحاضر ليست مستقرة في قيمتها المالية على حالة ثابتة ،فإذا لم نلزم من
عليه الحق بما يثبت في ذمته وقت التعاقد وبالسعر الذي تصل إليه تلك العملة وقت األداء سواء
طلعت تلك العملة أو انخفضت َ ،لضطربت معامالت الناس ،وبالتالي ُعدم الثبات القانوني ،وعدم
أيضا عدمت الضوابط القانونية والشرعية لتكييف هذه المعاملة بين
ثابت الحكم الشرعي ،وبالتالي ً
الناس ،وبنفس الوقت تجاهل صيغة العقد وعدم احترام صيغ العقد الشرعية ،وهذا باطل َل يجوز
باتفاق الفقهاء .وهذا في نظري يشمل كل صور التعامل التي تشابه هذه المسائل في تحقيق المناط
وتشتمل عليها نظرية العقد في هذا الباب.
__________
()1993/2
-------------ومن ناحية أخرى فإننا بحاجة إلى بحوث مستفيضة حول نظرية العقود ،وتصنيف الصور والمسائل
ال نظرية عقد البيع وما يلحق به من العقود ،نظرية عقد
التي تدخل تحت كل عقد على حدة ،مث ً
العملة وما يلحق بها من العقود ،حتى إننا في باب نظرية الوكالة نستطيع تكييف خطاب الضمان
الذي نظر فيه المجمع في دورته الثانية تحت نظرية عقد ثابتة .وبالتالي نستطيع أن نضمن الصور
والمسائل التي قد تتفرع عنه ،ونضمن في األخير الثبات القانوني ألحكامه الشرعية اَلجتهادية ،
وهكذا عقد الرهن والحوالة ...إلخ.
إن المجتهد أول ما ينظر في معامالت الناس وفي تصرفاتهم إلى صيغة تلك العقود من ناحية
الصحة أو البطالن ،انطالًقا من أن العقد ملزم للطرفين المتعاقدين عند توفر شروط العقد
الصحيحة وانتفاء موانعه .وعندما ينظر المجتهد إلى النزاع بين طرفي العقد َل ينظر إلى زيادة سعر
َل إلى صيغة العقد والى ما اشتمل عليه ذلك العقد ،
العملة في السوق أو نقصانها ،إنما ينظر أو ً
فإذا وجد صيغة العقد سليمة من العيوب المبطلة أو المفسدة للعقد فإنه يحكم على الطرفين الوفاء بما
عيا ،فإذا كان العقد ينص على مبلغ مائة دينار يمني
التزم به ،حيث كان التزامهما
صحيحا شر ً
ً
على فالن من الناس آلخر ،وكان الدينار قائم اَلعتبار القانوني في التعامل به بين الناس ،فإن من
عليه المبلغ المذكور عليه رد ذلك المبلغ المعين في العقد وقت حلول أجل األداء ،سواء طلع ذلك
المبلغ بعملة أخرى أو نزل ؛ ذلك ألن تحديده وتعينه في صيغة العقد قطع كل ما يؤدي إلى التنازع
بين الطرفين المتعاقدين.
__________
()1994/2
-------------والقول هنا بدفع ما يعدل ذلك بالسعر الذي كان يوم البيع أو العقد -أي وقت الثبوت في الذمة -
قول مخالف لما تم عليه التعاقد صراحة ،وكل ما أدى إلى إبطال العقد الشرعي الصحيح فهو
باطل ،وَل يقف الحد عند بطالن ذلك العقد من حيث عدم احترام صيغة العقد ذاته ،بل ألنه يؤدي
إلى جهالة الثمن؛ ألن ذلك الثمن الذي قد يحسب بحسب صرف قيمة العملة التي اشتمل عليها العقد
مذكور في العقد .وبالتالي يؤدي ذلك إلى النزاع المستمر ،والشريعة اإلسالمية
ًا
وقت األداء لم يكن
يالحظ في أحكامها قطع النزاع وسد أي ذريعة تؤدي إلى إثارة النزاع في معامالتهم ،وترك من عليه
كفيل بما يؤدي إلى النزاع والخالف ،ومن هنا
التعاقد وجهل الثمن وعدم ثبات العملة في عالم اليوم ٌ
شدد الفقهاء عند وضعهم شروط معرفة قدره وصفته كل ذلك ؛ مخافة النزاع ،فكيف يتجاهل المجتهد
كل تلك األركان والشروط التي يجب توافرها لصحة العقد ،ويجتهد في معرفة حكم سعر تلك العملة
في السوق ،والتي هي خارجة عن نطاق العقد وأركانه وشروطه .
نعم نقول :إن رضي عن الحق فيما اشتمل عليه العقد صراحة فال مانع ،كما لو انقطع التعامل
بالدينار بأن حلت محله عملة أخرى ،مثالً بدل الدينار جنيه يمني ،فإن الحكم في هذه الحالة
يختلف ،إذ ليس لصاحب الحق إَل بما يعدل القيمة المالية للدينار بحسب الصرف من أي من
العملة بين الناس ،وبالسعر السائد بالسوق وقت األداء ،إذ ليس لصاحب الحق إَل أخذ المسمى
في العقد أو مثله برضاه ،ولكن إذا لم يوجد المسمى في العقد بسبب فساد العملة وانقطاعها ،فليس
لصاحب الحق إَل المثيل.
__________
()1995/2
-------------هما ،فلو
ومن الصور في ذلك :قيمة الدينار اليمني إلى عشرين قطعة نقدية تسمى كل قطعة در ً
صدر قرار من الجهة المختصة بعدم التعامل بالدينار واحالل عملة أخرى بدل الدينار تحمل نفس
القيمة المالية للدينار ،وانما زادت وحدات القطع النقدية لهذه العملة الجديدة بأن كانت خمسة
هما بالعملة الملغاة ،أو كان العكس ،بأن نقصت وحدات العملة
هما بدَلً من عشرين در ً
وعشرين در ً
هما مع تساوي
الجديدة ،فكانت قطع الوحدات النقدية خمسة عشر قطعة نقدية ،أي خمسة عشر در ً
قيمة العملة المالية الجديدة بقيمة العملة المالية الملغاة ،والتي تم التعاقد بها،
فإن األداء يجب أن يكون بتلك العملة التي حلت محل الدينار في قيمته المالية ،سواء زادت قطعها
ردهما ،طالما كانت
هما ،أو نقصت بأن كانت خمسة عشر
ً
النقدية بأن كانت خمسة وعشرين در ً
القيمة المالية للعملة الجديدة تحمل نفس القيمة المالية للعملة الملغاة .قس على ذلك كل عملة ألغيت
وحلت محلها عملة أخرى تحمل نفس قيمتها المالية ،فإن لم توجد عملة أخرى تحمل قيمتها المالية
وتحل محل العملة الملغاة ،فليس لصاحب الحق إَل ما يعادل قيمة العملة الملغاة قبل إلغائها من
أنواع العمالت السائدة في معامالت الناس وقت ثبوت هذا الحق في الذمة ،وبسعره وقت األداء من
الغالء يرخص ،وليس من حق من وجب الحق بذمته أن يدفع وقت األداء السعر الذي كان يوم
العقد أو يوم ثبوته في ذمته ،وَل نعتقد قائالً به من الفقهاء؛ ألن الدينار اليمني الذي ضربنا به
هما
هما ،ثم زادت تلك القطع النقدية إلى خمسة وعشرين در ً
المثل إذا كانت وحداته النقدية عشرين در ً
هما ،وصار ذلك هو حقيقة قيمة الدينار المالية في البلد يتعامل به
،أو نقصت إلى خمسة عشر در ً
موجودا
هما ،ولو كان الدينار
ً
الناس كذلك ،فكيف يحسب بصرف يوم التعاقد ؟ أي بعشرين در ً
قائما بين الناس.
والتعامل به ً
__________
()1996/2
-------------فلو قائل قال بأن سعر الدينار كان يوم العقد أي يوم ثبوته في ذمة المشتري أو المدين عشرين
هما ،نقول :لقد قوي عليه اَللتباس ،وزاد حدا في القياس ،إنما المعتبر شرًعا قيمة المسمى في
در ً
العقد وليس غيره .ولم يقل أحد من الفقهاء -حسب علمي -باعتبار غير المسمى ،ولو قلنا بذلك
دائما يراعونه في أحكامهم وفتاويهم ،بل
للزمت الجهالة في الثمن وحصل النزاع الذي كان العلماء ً
وفي استنباطاتهم الفقهية ،جاعلين نصب أعينهم قاعدة الفقهاء المشهورة " :درء المفاسد مقدم على
جلب المصالح " ،وليس من حق المشتري أو المدين أن يكون
مخير في أداء ما وجب عليه من أي
ًا
نوع شاء من العملة ،بل الواجب عليه التقيد بنوع العملة الواردة في العقد إن كانت قائمة ،أو ما
َل
يعادل قيمتها وقت العقد أو وقت ثبوتها في الذمة ،وبسعرها وقت األداء
طلوعا كان سعرها أو نزو ً
ً
،إَل إذا رضي من له الحق ،وكانت العملة البديلة مستوية في قيمتها المالية مع قيمة العملة المبدل
منها وفي انتشارها في التعامل بين الناس ،إَل برضى من له الحق.
َل من الدينار اليمني بالسعر السائد بين وقت
فإن أراد المشتري أو المدين دفع الدينار الكويتي بد ً
األداء وأبى من له الحق َ ،ل يجبر على القبض َلختالف العملة والجنس ،فكيف يجبر على قبضه
َل
َل من الفضة أو الدينار بد ً
بالسعر القديم؟ كما أنه ليس للمشتري جبر البائع على أخذ الذهب بد ً
من الدوَلر ،فلو باع بالدينار وكتب المشتري الثمن بالرياَلت بدون إذن البائع ،فإن من حق البائع
أن يطالب المشتري بدفع الثمن بالعملة التي تم عليها التعاقد ،فإن لم يستجب المشتري فمن حق
أيضا أن يرفع القضية إلى القضاء ،فإذا لم يستطع البائع إقناع القضاء باألدلة المتوفرة لديه ،
البائع ً
فليس للقاضي إَل تحليف البائع على صحة دعواه ،ويحكم له بدفع الثمن بالدينار الذي عليه
التعاقد.
__________
()1997/2
-------------ومن هنا يتضح بأن البائع إذا كان َل يجبر على قبض الريال بالدينار ،وَل الذهب بالفضة ،وَل
قبض غير المسمى في العقد مما اختلفت ماليته وان انتفت قيمته ،فكيف ينبغي القول بوجوب
إعطاء البائع النقود المتفق عليها بالسعر القديم ؟ وهل عند القائل بهذا نقل من كتاب أو سنة أو
إجماع أو قياس صحيح؟
فإذا احتج بمسألة رخص العملة المتقدمة التي تم عليها التعاقد ،فجوابه بأن مسألة الغالء والرخص
في المسمى في العقد َل في غيره من النقود ،،واذا باع في حالة غالء الذهب أو غالء الريال ،فهل
يتناوله لفظ الدينار ويكون من باب فرد من أفراده مع اختالف حقيقته ؟ كمن باع بالدينار ثم رخص
الذهب أو الريال ،ومن هنا نرى الواجب شرًعا واألسلم لذمة المشتري أو المدين أو من ثبت في
ذمته الحق في نظر الشرع الذي شدد في نصوص َل تحصى كثرة على تحقيق العدالة بين الناس في
معامالتهم ،وبوجه أخص فيما تعود قيمته المالية من العمالت إلى ميزان النقد -الذهب والفضة -
الذي حرم الشارع التفاضل والنسيئة فيه ،إَل أن الواجب الشرعي الذي تطمئن إليه نفس المجتهد إنما
هو عين المسمى في العقد أو مثله أو قيمته كما تقدم وَل رابع لها ،وبالتالي فال أجد أي تخريج لحكم
شرعي اجتهادي لدفع غير المسمى في العقد من النقود بأي وجه من وجوه تخريج األحكام اَلجتهادية
من ضوابط قواعد الفقه وأصوله حسب علمي.
__________
()1998/2
-------------شيئا بمائة دينار ،فإن الناس قد تعارفوا على تأجيل دفع األجرة
ومثل عقد اإلجارة ،كما إذا أجد ً
المستحقة المنصوص عليها في عقد اإليجار إلى نهاية مدة التأجير ،فإن المؤجر يقبضها بالسعر
السائد وقت األداء َل وقت العقد ،سواء طلعت قيمة العملة المنصوص عليها في عقد اإلجارة أو
هبطت عن سعرها وقت العقد ،فليس للمؤجر إَل العملة المنصوص عليها في العقد بسعرها وقت
حلول األجل ،سواء أكان السعر لصالحه أم لصالح المستأجر ؛ ألن زيادة سعر العملة أو نقصانها
منصب على العملة المسماة المتفق عليها في العقد َل في غيرها .ولو قلنا :يأخذها المستأجر
بسعرها يوم اإلجارة ،فقد يكون سعرها طلع ثم انخفض عند األداء ،وباإلضافة إلى المحاذير التي
سبقت اإلشارة إليها ،فإننا لو سمحنا ألحد طرفي العقد بأن يعطيها حسب تقلبات سعر تلك العملة في
يلزمنا التناقض في األحكام الشرعية وعدم ثباتها في القضية الواحدة ؛ فتارة نحكم
األسواق ،فإنه ً
للمستأجر إذا انخفض سعر العملة وقت العقد ،وتارة نحكم عليه إذا كان سعر العملة وقت العقد
تفعا ثم انخفض سعرها وقت األداء .وهذا باب واسع للحيل وفتح الفتن والنزاع ،فإن الناس عامة
مر ً
يحرصون على مصالحهم ،والتي قد َل تكون هذه المصالح مشروعة في كثير األحيان من األوقات.
طمعا في طلوع سعر تلك
فقد يرفض المؤجر عن استالم أجرته إذا لم يكن لسدادها وقت محدد ؛ ً
مجددا بوقت معين طمعا في انخفاض سعر العملة
العملة ،وقد يؤخرها المستأجر إذا لم يكن دفعها
ً
التي اشتمل عليها عقد اإليجار ،وقس على ذلك البيوع والديون ...إلخ.
والذي جرى عليه عرف المسلمين بأن المائة الدينار المنصوص عليها في عقد اإليجار يدفع
المستأجر وقت األداء بسعرها السائد في السوق ،وبقيمتها المالية مائة دينار المنصوص عليها في
العقد ،فيدفعها بسعرها وقت األداء ،سواء زاد سعرها عن يوم العقد أو نقص؛ ألن زيادة السعر أو
نقصانه واردة على المسمى في العقد َل على غيره ،والمحذور شرًعا هو أن يزاد عن القيمة المالية
ال المؤجر على المائة الدينار خمسة
الحقيقية لتلك العملة التي اشتمل عليها العقد ،وبأن يزيد مث ً
دنانير ،فتصبح مائة وخمسة ،وهي التي نهى عنها الشرع ،أما زيادة أو نقصان العملة ذاتها المتفق
عليها فإنها َل تدخل تحت أي باب من أبواب الربا على اإلطالق.
إجماعا
إجماعا منهم على صحته ،وان كان
وهذا ما عليه التعامل في البالد اإلسالمية ،فكان ذلك
ً
ً
سكوتيا إَل أنه في ميدان المعاملة من الضروريات التي َل يخفى على المسلمين حكمها ،فكان
إجماعهم السكوتي في قوة اإلجماع الصريح ،ونحن خلف لخير السلف َل نقول بغير هذا .وباهلل
التوفيق وهللا أعلم.
__________
()1999/2
مراجع البحث
--------------
-1الجامع ألحكام القرآن للقرطبي
-2الجامع ألحكام القرآن محمد بن محمد األنصاري
-3اإلحكام في أصول األحكام َلبن حزم
-4تفسير ابن كثير إسماعيل ابن كثير
-5ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض
-6اإلمام الصادق والمذاهب األربعة
-7فتح العالم لشرح بلو المرام أنور الحسين
-8مختصر نيل األوطار د .نقوي مبارك
-9الفكر اإلسالمي الحديث محمد البهي
-10اإلسالم والرأسمالية مكسيم رودنسون
-11كتاب المعامالت السيد فكري
-12فلسفة الفكر الديني لويس غريب
-13المدونة الكبرى اإلمام مالك بن أنس.
-14الفتاوى الكبرى َلبن تيمية
-15أعالم الموقعين َلبن قيم الجوزية
-16فقه القرآن والسنة على قراعة
-17اَلقتصاد النقدي والمصرفي د .مصطفى رشيدي.
-18اقتصاديات النقود د .عبد الرحمن يسري أحمد
-19النظرية والسياسات النقدية د .مصطفى رشيد.
© Copyright 2026 Paperzz