بسم هللا الرحمن الرحيم
علم االقتصاد واالقتصاد االسالمي :تأصيل إشكاالت المعاني
مقاالت منشورة في الصحافة ،غالبها خالل الشهور الماضية
د .صالح السلطان
1430/10/25الموافق 2009/10/14
لبس داللة الكلمات بين الفقهاء واالقتصاديين
االحتكار مثال
في إحدى سنوات دراستي في كلية الشريعة في الرياض قبل سنين طويلة ،اخترت الكتابة عن االحتكار
وأحكامه في الفقه .كان مطلوبا من الطالب كتابة بحث (أو باألحرى شبه بحث) قصير كل عام دراسي.
المشرف أستاذ فقه ،والمراجع فقهية ،وكتابتي كلها كانت وفق المنهجية الفقهية :البدء بالتعريفات اللغوية
والفقهية ،ثم ذكر اآلراء الفقهية مع أدلتها ثم المناقشة والترجيح.
ثم شاء هللا لي أن أدرس علم االقتصاد .كان من ضمن ما درست في النظرية االقتصادية الجزئية أنواع
األسواق ،ومنها االحتكارية.
لفت انتباهي أمران:
األول أن موضوع ومنهجية البحث في كل علم من العلمين مختلفة عن اآلخر اختالفا كليا ،تفوق ما توقعته
كثيرا.
وفقا للدكتور يعقوب أبا حسين ،أستاذ أصول الفقه في كلية الشرعية بالرياض ،في كتابه أصول الفقه الحد
والموضوع والغاية ،1408 ،مع بعض االختصار"الفقه في اصطالح الفقهاء ،أطلق للداللة على أحد المعنيين.
األول حفظ طائفة من مسائل األحكام الشرعية العملية الواردة في الكتاب والسنة ،وما استنبط منها .والثاني
مجموع اإلحكام والمسائل الشرعية التي نزل بها الوحي ،والتي استنبطها المجتهدون أو اهتدى إليها أهل
التخريج ،أو أفتى بها أهل الفتوى.عند الفقهاء" ،ص.56
أما عند األصوليين فالتعريف الشائع (وفقا للمصدر السابق) هو "العلم باألحكام الشرعية العملية من أدلتها
التفصيلية" ،ص.68
أما علم االقتصاد فال يعلم أحكاما (ال فقهية وال قانونية) ،وال شأن له بذلك ،بل يحاول فهم السلوك االقتصادي
بلغة السببية ،استنادا على مجموعة من المسلمات ،رغبة في التعرف على كيفية استخدام الموارد ،في ظل
وجود رغبات ال تنتهي ،وموارد لها مقادير ،وليست متاحة كما نشتهي .وتجري المحاولة بالشرح اللفظي
بكالوريوس في الشريعة و دكتوراه في االقتصاد
مع التوضيح بالرسم البياني البسيط ،للمبتدئين ،ثم التركيز على استخدام رياضيات وطرق كمية متقدمة نسبيا
في الدراسات العليا .وفي هذا يجنح علم االقتصاد إلى ترك أو تقليل االهتمام بدراسة السلوكيات االقتصادية
التي ال تقبل أو يصعب أن يعبر عنها كميا (هذه السلوكيات قد تدرس لهدف آخر في علوم أخرى كعلم النفس
واالجتماع والتسويق).
وفقا للمنهجية السابقة ،يحاول علم االقتصاد فهم كيفية تكون وعمل األسواق االحتكارية ،وخصائصها من
حيث األنواع والسعر والعرض (اإلنتاج) والفعالية (أو الكفاءة) والربح .ويبين ،تبعا لهذا الفهم ،تأثير كل
سياسة حكومية للتعامل مع كل نوع من أنواع االحتكار.
ثانيا :معنى االحتكار في علم االقتصاد يختلف عن معناه في علم الفقه .ورغم ذلك وجدت من كتبوا عن
االحتكار ،في نطاق الفقه ،أو االقتصاد اإلسالمي ،وجدتهم كتبوا مقارنين بين أحكام االحتكار في الفقه وعالم
االقتصاد المعاصر ،مشيرين إلى أسبقية اإلسالم في النهي عن االحتكار ،جاهلين باختالف المعنى أو غافلين
عنه .ويقع اإلنسان في حرج حين يسمع أن االحتكار حرام ،وفي الوقت نفسه يعرف أن بعض الخدمات
محتكرة (بفتح الراء ،وحسب المعنى الشائع لكلمة احتكار) ،بتأييد من االقتصاديين ،وبقرار من السلطة.
والمشكلة ،إذن ،ليست مجرد مشاحة في االصطالح.
من المعروف أن داللة كثير من الكلمات تتعرض عرفيا للتغير الكلي أو الجزئي مع مرور السنين .والمعاني
التي نقرأها في معاجم اللغة المشهورة القديمة كلسان العرب ،تعني المعاني والدالالت اللغوية لدى العرب
قبيل وعند ظهور اإلسالم.
ثم جاء اإلسالم وجعل لبعض الكلمات العربية معان شرعية (مثل اإليمان والكفر والصالة والصيام والحج)،
كما أعطى الفقهاء خالل القرون األولى من ظهور اإلسالم بعض الكلمات دالالت ومعان محددة اصطالحية،
وهناك مناسبة قوية بين األصل اللغوي والمعنى الشرعي والمعنى االصطالحي .ال يعني ذلك بالضرورة أن
الفقهاء متفقون على التعريفات والدالالت ،ولكن المعاني اللغوية للكلمات ،معروفة بينهم ،كما أنهم متفقون
على مبادئ جامعة ،وإن اختلفوا في تفاصيل.
مقابل الصورة السابقة ،شاعت ترجمات لمصطلحات وتعبيرات وأفكار ذات معان محددة في عوالم القانون
(الوضعي) واالقتصاد والمال المعاصر ،وقد نبتت هذه المعاني في الغرب .بعض هذه الترجمات الشائعة
المعاصرة جاءت اختيارا لكلمات معروفة لدى الفقهاء ،لها معان ودالالت فقهية منذ القرن األول الهجري.
وهنا وقعت مشكلة اختالط المفاهيم.
أن يستعمل بعض المتخصصين في الفقه تعبيرات معاصرة شائعة االنتشار في القانون واالقتصاد والمال
(وعلوم أخرى) ،ويقصد بها أولئك المتخصصون معان ليست هي بالضبط المعاني المقصودة لدى
االقتصاديين ،والمهتمين بالشأن االقتصادي (من غير علماء الدين) من رجال أعمال وصانعي قرار ونحوهم.
وحدوث العكس واقع ،وأقصد أن يستعمل المتخصصون في االقتصاد كلمات متداولة في اللغة والفقه
ويقصدون بها معان حديثة ،استفيدت من الغرب ليست هي بالضبط المتبادرة ٍإلى فهم الفقهاء عبر مئات
السنين.
وترتب على اختالط المفاهيم أن أصدرت أحكام شرعية أو آراء فقهية على تصرفات تحمل مسميات واحدة
لدى الفقهاء ولدى االقتصاديين ،ولكنها مختلفة من حيث المعنى اختالفا كليا أو جزئيا ،والسبب صعوبة
الترجمة المطابقة .وصار الوضع أن "العبرة باأللفاظ ال بالمعاني" ،عكس ما كان يفترض.
وزاد الطين بلة كما يقولون كون بضاعة الفقهاء (المقصود عامتهم ،ووجود استثناءات أو أقلية ال يخل بهذا
العموم) بلغات ما يسمى بالعلوم العصرية (غالبا ما تكون اإلنجليزية) ضعيفة إلى معدومة ،وبضاعة عامة
االقتصاديين بالكتب الفقهية (باألخص القديمة) ومصطلحات الفقه ضعيفة إلى معدومة.
معنى االحتكار ولبس الترجمة
كلمة احتكار في اللغة العربية مأخوذة من الحكر ،الذي يفيد معنى الحبس وادخار الطعام انتظارا للغالء.
كار جمع الطعام ونحوه مما
ِّخار الطعام للتربص وصاحبُه ُمحْ ت َ ِّك ٌر ...االحْ تِّ ُ
جاء في لسان العرب" :ال َح ْك ُر اد ُ
ظار وقت الغَالء ِّبه ...وفي الحديث من احْ ت َ َك َر طعاما ً فهو كذا أَي اشتراه وحبسه ليَ ِّق َّل فَ َي ْغلُ َو
يؤكل واحتبا ُ
سه ا ْنتِّ ِّ
وال ُح ْك ُر وال ُح ْك َرة ُ االسم منه ومنه الحديث أَنه نهى عن ال ُح ْك َرةِّ."...
وقد دارت التعريفات الفقهية حول المعنى اللغوي ،مع خالفات في تفاصيل.
يفهم من المعنى اللغوي والفقهي أن الطعام موجود ،ومن ثم ال يدخل في االحتكار ما كان باإلمكان إنتاجه ،ولم
ينتج ،كمزارع ينتج أقل من طاقة مزرعته ،وكان بإمكانه إنتاج المزيد ،ولكنه ال يفعل عمدا.
أما في العصر الحاضر ،فقد شاع استخدام هذه الكلمة "احتكار" ترجمة للكلمة األعجمية "مونوبولي
."monopolyولكن مونوبولي مشتقة جزئيا من ،monoوالتي تعني مفردا وأحاديا.
جاء في قاموس اكسفورد المتقدم المشهور ،Oxford Advanced Learner's Dictionaryالطبعة السابعة
(:)2005
mono- (also mon-) combining form (in nouns and adjectives) one; single: monorail,
monogamy
وكلمة مونوبولي في العلوم االقتصادية تعني االنفراد (ويلحق بذلك تكتل قلة) في توفير سلعة ما .وهذا االنفراد
بطبيعته يعطي المنتج أو البائع قدرة على التحكم في الكميات المنتجة أو األسعار (وليس االثنين معا) .أما حبس
سلعة موجودة أصال فغالبا ال يطبق ،نظرا لتكاليف التخزين الباهظة.
ولذا نفهم أن كلمة مونوبولي ال تطلق على حبس سلع (موجودة أصال) انتظارا لغالئها ،كأن يقوم بائعون بحبس
تمر أو طعام آخر (قد يعدل حجم حمولة سيارة شحن صغيرة) انتظارا لشحه أو نفاده من السوق بعد أيام أو
أسابيع قليلة ،ومن ثم تكون الفرصة الرتفاع سعره .وليس من الالزم أن يكون أولئك الحابسون منفردين في بيع
السلعة ،أو مهيمنين على السوق.
السلوك السابق يتناسب أكثر مع المجتمعات القديمة البسيطة ،حيث لم توجد وسائل المواصالت وال االتصاالت
الحديثة ،بل يعتمد فيه على البهائم في نقل السلع ،وال توجد ثالجات لتخزين الطعام.
جدت أمثلة مختلفة في عصرنا الحاضر ،فمثال ،يمتنع أكثر الناس عن بيع ما بحوزتهم من أراض أو أسهم إذا
توقعوا ارتفاعا قريبا في أسعارها .هل يعد هؤالء محتكرين بالمعنى الفقهي؟ وهل هو عمل محرم؟ أسئلة
للنقاش.
كيف نشأ االحتكار بالمعنى الحديث الشائع؟
طبيعة التوسع والتطور الصناعي والتقني في الغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر الميالدي حفزت منشآت
إلى تكوين تكتل trustلتسهيل أعمالها وزيادة أرباحها تحت سلطة رقابية على األصول assetsتسمى
مجالس األمناء .وقد جنحت هذه التكتالت إلى التضييق على دخول المنافسين بهدف إبقاء األسعار أعلى من
األسعار التنافسية ،وهي عملية تسمى تقنيا "الممارسات السعرية غير العادلة" .وقد تلجأ هذه التكتالت إلى
خفض األسعار دون التكلفة لفترة مققتة بغرض اإلضرار بالمنافسين الصغار ومحاولة إجبارهم على الخروج
من السوق.
األحداث السابقة دفعت المشرعين في دول غربية إلى إصدار قوانين سميت antitrustوالتي تعني مكافحة
التكتل واالحتكار .وبصفة أعم ،طورت مجموعة واسعة جدا من التشريعات التي يعمل تطبيقها على حماية
المستهلكين ،وتصحيح تشوهات السوق ،ومكافحة الممارسات المعطلة لقواه ،وتناولت هذه التشريعات حتى
حاالت خفض السعر دون التكلفة ،ويحدث هذا غالبا من الشركات الكبرى بهدف اإلضرار بالمنشآت الصغيرة
المنافسة للخروج من السوق .تسمى هذه القوانين أحيانا بقوانين مكافحة االحتكار ،من باب الخاص الذي
يراد به العام ،وقد أصبحت هذه القوانين ،من كثرتها وتشعبها وتعقيدها ،مثل البستان الضخم الذي نمى من
بذور بحجم قبضة اليد.
وهنا أود التنويه على أمر .حملت عاطفة بعض الكاتبين في االقتصاد اإلسالمي على القول بوجود حرية
اقتصادية واسعة للفرد والمنشآت في االقتصادات المسماة بالرأسماليات الغربية ،ويصور الوضع على أن دور
السلطات ينحصر في اإلشراف والرقابة ،والتشريعات المتصلة بها ،دون تدخل في آلية عمل العرض والطلب.
ولكن الحقيقة المرة أن السياسات والتنظيمات المتعلقة بحماية المنافسة ومحاربة الممارسات السعرية غير
العادلة في تلك الدول المسماة بالرأسمالية أقوى في حماية المستهلكين وعامة الناس مما هو مطبق في دول
أخرى ،ومنها بالدنا.
ومع ذلك فإن مكافحة االحتكار ليست خالية من العيوب ،فقد يرى أن االحتكار أو التكتل يجلب ،في حاالت،
تحسينا في الكفاءة االقتصادية .وهناك أنشطة يرغب في كونها احتكارية ،ويطلق على هذا النوع من
االحتكار في كتب االقتصاد "االحتكار الطبيعي .natural monopolyهذا االحتكار يتميز -1إما بانخفاض
تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة عند إسناد اإلنتاج إلى منشأة واحدة ،وأشهر مثال شركة الكهرباء -2 .وإما بكون
طبيعة إنتاج عدد من المنتجات تجعل إنتاجها عن طريق منشأة واحدة أكثر كفاءة من إنتاجها بواسطة عدة
منشآت ،مثل خدمات النقل العام في إطار عمراني محدد.
فشل السوق وتشوهات السوق وكبح قوى السوق والتكتالت االحتكارية ،والسياسات التنظيمية للتعامل مع
هذه الحاالت ،تدرس من وجهة التحليل االقتصادي في الحقل التخصصي االقتصاد الحكومي وتحليل السياسات
العامة ،وتدرس باستفاضة أكثر في الحقل التخصصي التنظيم األعمالي .industrial organizationهذا
وباهلل التوفيق،،،
سبل عالج التضخم :لبس المعنى
يستخدم بعض المتخصصين في الفقه تعبيرات حديثة االنتشار في عالم االقتصاد والمال ،ويقصد بها أولئك
المتخصصون معان ليست هي المعاني المقصودة لدى االقتصاديين ،والمهتمين بالشأن االقتصادي (من غير
علماء الدين) من رجال أعمال وصانعي قرار ونحوهم .ومن ثم فقد كانت مصدر لبس بين الفريقين .وحدوث
العكس واقع ،وأقصد استخدام المتخصصين في االقتصاد كلمات متداولة في اللغة والفقه ويقصدون بها معان
حديثة ليست هي المتبادرة إٍلى فهم الفقهاء عبر قرون.
سأمثل بعدة أمثلة على استخدام علماء فقه عبارات تدول حول عالج التضخم:
-1نقال من كتاب التوزيع والنقود في االقتصاد اإلسالمي واالقتصاد الوضعي ( )2004إسماعيل إبراهيم
البدوي (دكتور) ،مجلس النشر العلمي ،جامعة الكويت:
ولقد أرشد الرسول صلى هللا عليه وسلم إلى عالج التضخم حين رغب في اإلنفاق ،فقد قال
عليه الصالة والسالم( :ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يأتي علي ثالث يوم وعندي منه دينار إال
دينارا أرصده لدين علي) .ص ،429-428
وقد قرر علماء االقتصاد الوضعي في أوائل العقد الثالث من القرن العشرين الميالدي أن
التوسع في اإلنفاق ال يؤدي إلى التضخم ،وإنما يؤدي إلى االنتعاش االقتصادي ،وزيادة
اإلنتاج القومي ،وال يصاحبه أي ارتفاع في األسعار ،سواء أكان قليال أم كثيرا .وقد كانوا من
قبل يظنون أن سياسة التوسع النقدي تؤدي على التضخم ،ولذا كانوا يعارضون إتباعها للتغلب
على البطالة ،ولكنهم أدركوا أن عالج االنكماش إنما يكون بإيجاد إنفاق إضافي يكفي لتعويض
الفجوة االنكماشية ،أي بإنقاص االدخار وزيادة اإلنفاق االستهالكي ،وهذا ما أرشد إليه رسول
هللا صلى هللا عليه وسلم منذ خمسة عشر قرنا من الزمان .انتهى النقل ،الصفحات .431-430
ما يسميه المؤلف (وآخرون) "االقتصاد الوضعي" ،لي عليه تحفظ ،ولكن هذا ليس موضوع نقاشنا .وقول
المؤلف "وقد قرر علماء االقتصاد الوضعي ...الخ" ،يبدو أنه يقصد به بعض أفكار كينز (ويعد لدى الكثيرين
أشهر عالم اقتصاد في القرن الماضي) ،التي ظهرت إبان الكساد الكبير الذي أصاب دوال كثيرة ،وعلى رأسها
أمريكا ،في ثالثينات القرن الميالدي الماضي ،وهذا الكساد تجلى بصورة انخفاض عظيم في اإلنفاق
االستثماري واالستهالكي ،وارتفاع معدل البطالة إلى أرقام عالية غير مسبوقة ،وإفالس أو إغالق نسبة كبيرة
جدا من المنشآت التجارية ،وانخفضت األجور واالسعار إلى حد الربع تقريبا.
للخروج من حلقة الكساد المفرغة ،دعا كينز الحكومات إلى المبادرة بواسطة زيادة اإلنفاق الحكومي بصورة
ملموسة ،بغرض إيجاد طلب فعال ،وهو ما سماه المؤلف البدوي إيجاد إنفاق إضافي .والذي بدوره يوجد
انتعاشا اقتصاديا ،يجلب التفاؤل إلى المستثمرين ،ويبدأ في انتشال االقتصاد من حالة الكساد .وهو ما سماه
المؤلف البدوي "تعويض الفجوة االنكماشية" ،وهو تعبير ال أعرف أنه يستخدم في علم االقتصاد ،بل المستخدم
من قبيل "فجوة االنتاج" .output gap
وجاء تركيز كينز على الحكومات ألنه ال سبيل لحمل الناس على زيادة االنفاق االستثماري أو االستهالكي وقت
الكساد .ولذا فإن عبارة المؤلف " أي بإنقاص االدخار وزيادة اإلنفاق االستهالكي" ليست دقيقة.
من جهة أخرى ،ما قاله وفعله الرسول صلى هللا عليه وسلم دليل على زهده صلى هللا عليه وسلم بالدنيا
وزخرفها ،وقوة توكله على هللا سبحانه ،وهو يفعله سواء كان هناك انكماش أو ال ،وأجد صعوبة في قبول ما
قاله المؤلف "وهذا ما أرشد إليه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم."...
-2تحت عنوان "عالج التضخم في النقود الورقية من منظور إسالمي" ،ص ،17في كتاب "بحوث في
االقتصاد اإلسالمي" ( ،)2006علي محي الدين علي القره داغي ،دار البشائر اإلسالمية .قال المؤلف "نذكر
كل الحلول الفقهية الممكنة لعالج آثار التضخم على األفراد...الخ" ص .72
وعندما تصفحت الكتاب وجدت أن المقصود بعبارة "عالج التضخم" طرح الحلول والمخارج الفقهية لمعالجة
االلتزامات في حاالت التضخم ،ومن أوضح األمثلة التي ذكرها المؤلف مسألة الوفاء بالديون ،وإمكان تعويض
المقرض جراء انخفاض القوة الشرائية للعملة انخفاضا شديدا.
أما عند االقتصاديين ،فالمقصود بعالج التضخم ،الذي يعبر عنه كذلك بوسائل مكافحته ،كيفية خفض نسبة
التضخم في االقتصاد إلى حدود دنيا ،فهي من قبيل الرأي ،ولكنه رأي مهني .وأما عالج آثار التضخم فيشترك
فيه فئات كثيرة من المجتمع ومنهم االقتصاديون ،والمقصود عادة سبل تحسين مستوى المعيشة للناس جراء
تضررها من ارتفاع األسعار.
-3اقترح مقترحون الرجوع إلى الماضي ،بجعل النقود من الذهب والفضة فقط .هذا االقتراح الهادف إلى
معالجة التضخم (كما يرون) غير ممكن التطبيق ،وأظن أنه يخفى على أصحابه أن النقود ليست محصورة في
النقود الورقية ،فالودائع البنكية نقود أيضا.
ولذا نعرف أن استخدام عبارات من قبيل "عالج آثار التضخم" يسبب لبسا في الفهم بين الفقهاء واالقتصاديين.
ربما كان مصدر اإلشكال أن بعضا ظنوا أن األحكام الشرعية (الطلبية) يمكن أن تنسحب على مفاهيم ونظريات
علم االقتصاد في التضخم ،وتبعا لذلك جرت محاوالت عقد مقارنات بين أحكام شرعية طبيعتها طلبية (أمر
ونهي ونحوهما) ،وبين نظريات اقتصادية طبيعتها تفسيرية ،مما تسبب في لبس وسوء فهم في تناول الحلول
المطروحة.
التحليل االقتصادي للقانون
القااانون يعنااي مجموعااة القواعااد االجتم اعيااة الملزمااة المنظمااة لعالقااات األفااراد داخاال الجماعااة ،والتااي تسااتتبع
مخالفتها توقيع الجزاء (الوسيط فاي دراساة األنظماة لعادد مان أعضااء هيئاة التادريس فاي قسام القاانون ،جامعاة
الملك عبد العزيز) .أما علم االقتصاد economicsفهو ال يعنى أساسا بوضع قواعد للسالوك ،ولاو فعال لكاان
لغوا ألنه تكرار للقانون بمسمى آخر .ويتلخص معنى ومغزى علم االقتصاد في دراسة كيفية اساتخدام الماوارد
المتاحااة النتاااج الساالع والخاادمات ،وقااد يعباار عاان هااذه الكيفيااة بتعبياار آخاار :دراسااة االسااتخدام األمثاال للمااوارد
المتاحة.
ماذا نفهم من مقارنة المعنيين السابقين؟
هناااك قااانو ن وهناااك اسااتخدام أمثاال لمااوارد ذات قاادر محاادد ،ولاايس بالضاارورة أن يتفااق القااانون مااع االسااتخدام
األمثل ،وهنا دور علم االقتصاد ،وبعبارة أدق التحليل االقتصادي.
قبل عقد الثمانينات من القارن المايالدي الساابق ،كاان التحليال االقتصاادي (فاي الادول الصاناعية الرئيساية علاى
األقاال) ،ي تركااز علااى قضااايا التكااتالت واالحتكااارات ،وعلااى التنظيمااات الحكوميااة لالقتصاااد ،ولكاان التحلياال
االقتصادي والتفاعل بين االقتصاديين والقانونيين توسع بعد ذلك.
بصفة عامة ،يدخل التحليل االقتصادي للقانون ثالثة جوانب مختلفة.
الجانب األول استخدام علم االقتصاد لدراسة اآلثار المتوقع حدوثها في المساتقبل نتيجاة تطبياق قاوانين (أنظماة)
بعينها .والجانب الثاني يختص باستعمال علام االقتصااد لمعرفاة أي القاوانين أكثار كفااءة مان وجهاة اقتصاادية،
والتي تعني بعبارة تقريبياة ومفهوماة مان غيار االقتصااديين الحصاول أو محاولاة الحصاول علاى أقصاى منفعاة
مادية أو أقل خسارة مادية ممكنة صافية (أي بعد خصم التكاليف) من الموارد المتاحة (المستعملة كارأس الماال
واليااد العاملااة) .وأمااا الجانااب األخياار فهااو اسااتعمال علاام االقتصاااد لتوقااع كيااف س اتكون األحكااام القانونيااة فااي
المستقبل.
لوحظ في الجانب األول أن التحليل االقتصادي يبين نتائج أو آثارا للقوانين ماكان فاي حسابان واضاعي القاوانين
حدوثها ،ومن أمثلة ذلك بيان اآلثار غيار المرغاوب بهاا التاي يجهال واضاعو القاوانين إمكاان حادوثها عناد مانح
بعض اإلعانات أو اإلعفاءات ،أو عند عمل رقابة ساعرية علاى بعاض السالع أو الخادمات ،أو عناد فارض قياود
على بعض األنشطة االق تصادية .ولذلك فانه عند تقييم األنظمة أو سنها فانه ينبغي عادم النظار فقاط إلاى جاناب
تحقيقها للعدل ،ولكن أيضا إلى مدى آثارها على األهداف األخرى غير العدل كتحقيق النمو االقتصادي ،وتقليال
البطالة ،وكونها تؤثر على سلوكيات الناس االقتصادية بطريقة مقبولة.
بالنسبة للجانب الثاني وهو الكفاءة االقتصادية ،السابق شرح معناها ،فهو مبني على فكرة أن األنظمة تهدف إلى
تحقيق الكفاءة االقتصادية .المشكلة في هذا الجانب هو أن واضعي القاوانين قاد ال يقصادون بالضارورة إعطااء
الكفااءة االقتصاادية أولوياة .مشاكلة أخارى هاو أن هنااك خالفااات باين أفاراد المجتماع فاي تقادير أهمياة المنفعااة
المحققة .لكن بالرغم من هذه المشكالت فان الكفاءة االقتصادية على األقل تساعد على حسن االختيار عند وضع
القوانين.
مناقشة الكفاءة االقتصادية لقوانين يظن أنها مستندة على ومبنية على اعتبار العدالة .من األمثلة البسيطة قوانين
معاق بة النشل .في البداية يبدو عند بعض الناس أنه ال شأن للكفااءة ،فبقادر ماا يساتفيد الناشال ،يخسار المنشاول.
أي أن عملية النشل تخل بالعدالة وليس الكفاءة.
هذا االستنتاج السريع عليه اعتراض .فرصة الكسب بواسطة النشل توجه الموارد تجااه هاذا الناوع مان النشااط
(النهب والسلب) ،وفاي هاذا خساارة اضاافية .توازنياا ،صاافي ماا اكتسابه الناشال (صاافي المخااطرة ،حياث أن
الناشل يأخذ بعين الحسبان احتمال السجن ،كما عليه أن يتحمل تكلفاة االساتعدادات لفعال النشال ..الاخ) يقال عان
المبلغ المنشول (أي أن ما تحصل عليه الناشل أقل مما خسره المنشول) ،بمعنى أن النشل مرفوض من جهة أنه
أيضا أقل كفاءة اقتصادية ،حتى لو لم ندخل اعتبار العدل في النقاش.
الجانب األخير وهو توقع ما سيكون عليه القانون .التحليل االقتصادي سواء للقانون أو غيره ،يمكن النظر إلياه
على أنه محاولة لتعلم ما ينبغي أن يكون ،أو محاولة لشرح ما هو كائن ،وما يتوقع أن يكون.
في الوقت الحاضر هناك اهتمام متزاياد مان عادة جامعاات (فاي الغارب) لتادريس مقارر تطبيقاي يعناى بالتحليال
االقتصادي للقانون ،غالبا تحت مسامى "قاانون وعلام اقتصااد ."law and economicsويادرس هاذا المقارر
في العادة في أقسام ومادارس القاانون ،بعاد دراساة مقارر عان مبااد االقتصااد ،وأحياناا يحاوي مقارر القاانون
واالقتصااد فاي بدايتاه قساما كاامال عان مباااد االقتصااد .مقارر القاانون واالقتصااد يناساب القاانونيين الااذين ال
يهوون الموضوعات الكمية .ذلك ألن علم االقتصاد ،وخاصة في مرحلة الدراسات العليا ،يعتمد على اإلحصاء
والرياضيات بقوة .لكن فهم مباد االقتصاد ال تتطلب توفر مهارات رياضاية متقدماة ،وال حتاى متوساطة ،بال
يكفي توفر المعرفة بالرياضيات التي درسها الطالب في المرحلة المتوسطة ،كما ال بد من توفر القدرة على فهم
الرسوم البيانية جيدا .ونرجو أن تتمكن بعض جامعاتنا من طرح مقرر مشابه ،وباهلل التوفيق.
اإليضاح في غلط تسمية فقه المعامالت التجارية والمالية باالقتصاد اإلسالمي
الحلقة األولى
علوم أو تخصصات االقتصاد economicsوالمحاسبة والمالية financeونحوها تصنف أحيانا على أنها
تخصصات اقتصادية ،economic disciplinesحيث يرتكز كل واحد منها على دراسة المال money
واالقتصاد economyفي جانب من الجوانب ضمن عالقة تكاملية ،أي يكمل بعضها بعضا .لكن الدراسة
تستند إلى أصول وتقوم على منهجية وأهداف وماهية ومنحى ومنهجية خاصة بكل منها بما يخدم الجانب الذي
تدرسه .وطبيعة هذه الدراسة تحتم االعتماد على التعبيرات الكمية ،ومن ثم فالرياضيات واإلحصاء (في
االقتصاد خاصة) هي أداة أساسية في النقاش والتحليل ،ولكنها تتفاوت كثيرا في عمق وصعوبة الرياضيات
المستخدمة.
هناك علوم الفقه والقانون ،وتهتم بعض فروعها أو أقسامها بالمعامالت والتصرفات التجارية والمالية
واالقتصادية سواء لألفراد أو التجار أو الحكومات ،من حيث الوصول إلى أو التعرف على األحكام الضابطة
للتصرف او السلوك ،والنقاش فيها بطبيعته يقوم على التعبير اللفظي ال الكمي .وال شك أن العلم باألحكام
الشرعية (أو القانونية) للتصرفات يجب أن يسبقه وجود تصور وفهم للتصرفات ،ولكن ذلك ال يجعل الفقيه أو
القانوني خبيرا بتلك التصرفات من وجهة علم االقتصاد (أو المحاسبة مثال) .والطائفة األولى ليس من طبيعتها
وال شأنها معرفة أو وضع األحكام والتشريعات كما هو الحال في الطائفة الثانية الفقه والقانون .ولذا فإن أصول
وأهداف وماهية ومنحى ومنهجية الفقه والقانون تختلف عما هو موجود في الطائفة األولى من العلوم
والتخصصات .وهذا الخالف ال يعني وجود تعارض بينها.
وقد شاع في العقود األربعة األخيرة مسمى االقتصاد اإلسالمي .ويلحظ جيدا أن عامة البحوث والمناقشات
والمسائل التي تورد تحت هذا المسمى تجعلنا نفهمه على أنه فقه بمسميات عصرية .وتوضيحا ،نجد أن أكثر
المصنفات والمناقشات التي تحمل اسم "االقتصاد اإلسالمي" ،هي من حيث حقيقة المحتوى فقهية في فقه
مخصوص ،كفقه الزكاة وفقه المعامالت المالية والتجارية ونحوها ،كأحكام البيع واإلجارة والتقسيط والتمويل
عامة والمزارعة والتأمين والضمان والملكية واإلنفاق وأنواع البيع المنهي عنها والغش واالحتكار والرشوة
وغيرها كثير .وكان المفترض أن تدرج ضمن الفقه ،ألن العبرة بالحقائق والمعاني.
هل تسمية فقه المال والمعامالت االقتصادية باالقتصاد اإلسالمي مناسبة؟ ال .ال يخفى على الذين ناقشوا قضايا
فقهية باسم االقتصاد اإلسالمي أن الفقه ليس مخصصا بنوع محدد من التصرفات العملية .ومن ثم فأحكام
المعامالت المالية والتجارية والتصرفات المالية لألفراد وأحكام البيع واإلجارة والضرائب والسوق والتأمين
وتمويل البنوك داخلة قطعا في اختصاص الفقه ،ويفتي فيها الفقهاء ومجامع الفقه والهيئات الفقهية .وما كتب
قديما في كتب مستقلة حول أحكام موضوعات تعد في التعبير المعاصر اقتصادية من أمثال أحكام وآداب الكسب
واإلنفاق وأحكام المالية العامة والتصرف بالمال العام والخراج وأحكام السوق هي في الحقيقة فقه ،وهذا أمر
واضح صريح ،وليس محل اجتهاد واختالف رأي ،رغم إهمالها أو قلة بحثها في كتب الفقه الشاملة كالمغني
والمجموع ،وكان المفترض أن تتضمن هذه الكتب تلك الموضوعات .ومن ثم لنا أن نتعجب من إعطاء أبحاث
هذا الفقه مصطلحا شقه األول عبارة عن ترجمة لكلمة (وربما كلمتين )economy & economicsنبتت
معانيها في الغرب.
وخالف االعتراض الجوهري السابق ،هناك اعتراض آخر .إضافة أو زيادة كلمة إسالمي في سياق الحديث
عن تخصص أو علم ،ال تقلب التخصص أو العلم إلى علم آخر موجود من قبل ،وله اسمه المعروف به ،بل
تعني أن ذلك التخصص أو العلم المعهود في الذهن موصوف بأنه إسالمي ،فمثال ،قولنا طب إسالمي تعني أن
الطب بالمفهوم الذي نعرفه أو تعهده أذهاننا (وهو باختصار عالج الجسم والنفس ،انظر مثال لسان العرب)،
لكن بمنهج أو طريقة عالج مصدرها الوحي وليس الكون ،وال يصلح بتاتا أن نبدأ بتعريف الطب اإلسالمي
بوضع تعريف وفهم آخر لما تدل عليه كلمة طب ،كأن نقول بأنه المقصود هو األحكام الشرعية التي تتناول
أوضاعا متعلقة بالصحة والمرض .بمعنى ال يستسيغ أن يؤلف فقيه كتابا باسم الطب اإلسالمي ،ويكون تركيز
الكتاب على األحكام الشرعية في حاالت المرض واإلعاقة والعجز البدني ،أو األوضاع البدنية التي لها أحكامها
الشرعية الخاصة بها كالحيض أو التبرع باألعضاء ونقل الدم أو مسؤوليات الطبيب الشرعية ونحو ذلك.
وبالمثل ،إذا جاءت عبارة اقتصاد إسالمي في سياق الحديث عن علم أو تخصص ،فالمفروض أن يكون المعنى
علم أو تخصص االقتصاد المعهود بالذهن موصوفا بأنه إسالمي .وهذا المعهود في الذهن ،أعني علم االقتصاد
ليس من شأنه أصال دراسة األحكام ،بغض النظر عن مصدرها ،وموافقتها أو مخالفتها للشريعة .ولذا إذا قلنا
اقتصاد إسالمي وقصدنا أحكام المعامالت التي تدخل في دائرة النشاط االقتصادي ،فهذا يسبب التباس األمر
على بعض الناس ،بين طبيعة كال العلمين الفقه واالقتصاد( ،وهذا قد وقع حقيقة) وهذا يخالف الهدف من وجود
المصطلحات .طالما أن عندنا فقها ،فلماذا نضع تسميه أخرى تسبب لبسا وإشكاال؟
الحلقة الثانية
انتقدت في الحلقة األولى تسمية فقه المعامالت التجارية والمالية باالقتصاد االسالمي .وقد يرد علي بأنه ال
مشاحة في االصطالح .ولكن هذه العبارة الشائعة ليست على إطالقها .فحيث انتشر استعمال مصطلح،
واستقرت داللته في األذهان (هذا ال ينفي وجود خالفات في التفاصيل) ،فإن صرفه إلى غير هذا يسبب لبسا
وتشويشا في األذهان .مثال ،ال يستساغ أن يطلق أحدهم مسمى تفسير على كتاب يشرح الحديث ،ألنه استقر
في األذهان أن كلمة تفسير تطلق على تفسير كتاب هللا ،وليس الحديث النبوي .كما ال يستساغ أن يعتبر
المتخصص في اقتصاد المالية العامة نفسه متخصصا في القانون المالي ،والعكس كذلك.
ومن جهة أخرى ،إننا ال نضيف كلمة إسالمي إلى فقه ،ولذا فجوهر التسمية في اقتصاد إسالمي ينصب على
كلمة اقتصاد ،وليس على كلمة إسالمي .ولكن كلمة "اقتصاد" ليس لها معنى أو معاني اصطالحية في
المجتمعات العربية طيلة القرون التي سبقت عصر الثورة الصناعية وتطور العلوم الحديثة .وأئمة األمة
السابقون لم يسموا القضايا الفقهية المتعلقة باالقتصاد (حسب التعبير المعاصر) الموجودة في عهدهم ،لم يسموها
االقتصاد (أو االقتصاد اإلسالمي) .ولذا فإنه ينبغي فهم المعنى االصطالحي لكلمة "اقتصاد" من البيئة التي
نبت فيها المصطلح ،وهذه قضية غفل عنها أكثرية الكاتبين في االقتصاد اإلسالمي ،رغم أنها جوهرية .وهذه
قضية سأتحدث عنها بشيء من التفصيل في مقاالت مستقبلية إن شاء هللا.
والذين يرون أن علم االقتصاد يهتم ببحث أحكام المعامالت االقتصادية أي أحكام ما ينظم كسب المال وإنفاقه
وأوجه تنميته ،مخطئون خطأ صريحا ،ألن أحكام المعامالت االقتصادية (في التشريعات الوضعية) ال تبحث
في علم االقتصاد ولكن في القانون ،فيما للسلطة عالقة به ،كالقانون المدني والقانون التجاري وقانون العمل
وغيرها ،بغض النظر عن كونها تسن بمعزل عن الشريعة أو ال .وأما المسائل التي لها عالقة بآداب السلوك
الفردي وأحكامه فهي ال تدرس أصال في علم االقتصاد ،ويمكن بحثها في الفقه ويمكن إدراجها ضمن علم
مستقل يعنى باآلداب واألخالق ،بحيث تدخل فيه آداب أعمال متنوعة كتناول الطعام والسفر والنوم واللباس
والتوسط في اإلنفاق وما إلى ذلك.
ولو كان علم االقتصاد يبحث في أحكام وتشريعات المعامالت المتعلقة بالمال واالقتصاد ،فإنه حينئذ لغو ال فائدة
منه أصال ،لوجود الفقه و/أو القانون وكالهما أسبق من علم االقتصاد.
من أسباب الوقوع في تسميتها بتسمية غير موفقة (االقتصاد اإلسالمي) ضعف اهتمام الكتب الفقهية العامة
المؤلفة في القرون السابقة (كالمغني والروض المربع وبدائع الصنائع) ببعض المباحث المتعلقة بالمال ،كأحكام
الكسب واإلنفاق والحسبة والمال العام.
ومن األسباب التي أراها ،اقتصار بعض أساتذة الفقه في كليات الشريعة على تدريس ما في الكتب القديمة.
وزيادة في اإليضاح ،أذكر المثال التالي من دراستي في كلية الشريعة في الرياض قبل سنين .كان فقه البيع
(وما يلحق به) يدرس في السنة الثانية ،وكان المنهج ينص على أنه ينبغي على أستاذ المادة أن يتعرض إلى
أحكام القضايا المستجدة في عالم التجارة والمال ،ولكن هذا لم يحدث ،فقد قصر األستاذ تدريسه على
الموضوعات الواردة في كتاب الروض المربع ،وهو كتاب مؤلف منذ مئات السنين .كما أنه لم يتعرض إلى
أحكام موضوعات اقتصادية تناولتها كتب قديمة ،ولكنها لم تدرج في هذا الكتاب وغيره من كتب الفقه العامة.
ويبدو لي أن السبب ضعف حصيلة األستاذ في هذه المسائل .ومن باب الموضوعية ،لم يكن كل األساتذة هكذا،
فعلى سبيل المثال ،حضرت السنة التمهيدية للماجستير في الفقه واألصول ،في كلية الشريعة بالرياض قبل
سنين ،وقد درسنا فيها الشيخ عبد هللا بن غديان ،عضو هيئة كبار العلماء ،فقه المعامالت ،ومن بينها أحكام
العمليات البنكية ،وكان يستند في شرح ماهية هذه العمليات إلى كتب قانونية في القانون التجاري.
يمكننا أن نفهم االعتراض على التسمية بطريقة أخرى .لو استمر زمام الحضارة والتقدم االقتصادي بيد
المسلمين (بدال من الضعف والتخلف الحضاري الذي أصاب المسلمين بعد بضعة قرون من ظهور اإلسالم)
مما يعني بالتبع ،استمرار االجتهاد مفتوحا في الفقه لمواكبة المستجدات والتطورات الحضارية والمادية ،أو ما
سماه أسالفنا بالنوازل ،لكانت البحوث والمناقشات التي أطلق عليها بعض الفقهاء المعاصرين مسمى االقتصاد
اإلسالمي من ضمن مؤلفات الفقه ،ولما وضعت تسمية االقتصاد اإلسالمي أصال لهذا النوع .وهذه النتيجة البد
منها ،طالما أننا نؤمن بأن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان .وإذا قال قائل بأن التسمية نتيجة أن ذلك لم يقع،
أعني استمرار زمام الحضارة بيد المسلمين ،قلنا له ،ال اعتبار لهذا ،وإال لكانت صالحية الشريعة تلك متوقفة
على ريادة المسلمين الحضارية ،وهذا غير صحيح ،بل القصور من أساتذة الشريعة فيما ألفوه ودرسوه في
كليات الشريعة .ومن جهة أخرى ،من الممكن أن تضاف كلمة إسالمي إلى الفقه ال االقتصاد.
ومما يبين طرفا من ذلك القصور ،أن الفقه تأثر بالمناقشات ذات الطبيعة الفقهية ،والتي أنتجها ثلة من المؤلفين
فيما سمي باالقتصاد اإلسالمي ،كما تأثر بالمناقشات التي أثارها القانون في الفرع التجاري خاصة ،ودفعت تلك
المناقشات فقهاء وطالب علم في التخصص الفقهي لدراسة قضايا مالية واقتصادية معاصرة فقهيا ،بدال من
التوقف عند مناقشة المسائل التي كتب عنها أسالفنا رحمهم هللا كثيرا .وقد اضطرتهم تلك الدراسة إلى التعرف
على كثير مما يجري في عالم المال واالقتصاد ،ألن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
الحلقة الثالثة واألخيرة
هناك فتاوى ومناقشات وبحوث ذات طبيعة فقهية في أمور مالية صادرة ليست من فقهاء ،بل من اقتصاديين ،أو
قانونيين أو محاسبين أو ممن يسمون بالمتخصصين في االقتصاد االسالمي ،ويجمع بين كل هذه الفتاوى
والدراسات مسمى اقتصاد إسالمي .وقد يفهم من ذلك أن شروط ومتطلبات اإلفتاء في المعامالت المالية تختلف
بعض االختالف عما هو مطلوب لالجتهاد واإلفتاء العام .كما أنه يمكن تعميم المنهج ،فيتاح لألطباء اإلفتاء في
المسائل الفقهية ذات الطبيعة الطبية أو الصحية ،وللمتخصصين في األمن واإلجرام األفتاء في قضايا الجنايات
والقصاص ،وهكذا .وهذا منهج ليس له أساس شرعي.
وبالمقابل ،مؤلفو كثير من البحوث والمناقشات التي تحمل اسم االقتصاد اإلسالمي فقهاء .وأولئك الفقهاء لم
يجمعوا مع الفقه تعمقا في علم االقتصاد ،وعادة ال يعرفون شيئا ذا بال في أدوات التحليل االقتصادي ،وأحيانا
تحوى مؤلفاتهم أخطاء (وليس وجهات نظر) أو لبسا في مفاهيم من جهة علمية اقتصادية ،ويسهم سوء الترجمة
في الوقوع في الخطأ أو اللبس.
وقد كتبت أول رسالة دكتوراه بما يسمى االقتصاد االسالمي ،وفقا لهذا الفهم الذي يخلط بين فقه المعامالت
التجارية والمالية واالقتصاد ،وهي رسالة الشيخ الدكتور حمد الجنيدل في كلية الشريعة بالرياض مطلع هذا
القرن الهجري وعنوانها "مناهج الباحثين في االقتصاد االسالمي" .وقد أطلعت على الرسالة ،ووجدت أن
األحرى أن تسمى "مناهج الباحثين في فقه المعامالت التجارية والمالية" ،ألن جوهرها كان أصول فقه مع
التطبيق على المعامالت التجارية والمالية ،وقد بذلك فيها المؤلف جهدا مضنيا.
ومن أوضح المؤلفات التي تنطبق عليها اإلشكاالت السابقة أيضا كتاب الدكتور علي محي الدين القره داغي
بعنوان "بحوث في االقتصاد اإلسالمي" ( .)2006الكتاب فقهي ،يبحث بشي من التفصيل في حكم التورق،
والحلول والمخارج الفقهية لمعالجة االلتزامات في حاالت التضخم (سماها عالج التضخم ،وهي تسمية لها
معنى مختلف كليا في علم االقتصاد) ،وفي جملة أحكام لألسواق المالية واألسهم ونحوها .وقد حوى غالف
الكتاب تعريفا بالمؤلف" :أستاذ ورئيس قسم الفقه واألصول بكلية الشريعة والقانون ،جامعة قطر ،وخبير الفقه
واالقتصاد اإلسالمي بمجمع الفقه اإلسالمي"
المؤلف فقيه ،ولم يجمع إلى الفقه التخصص في علم االقتصاد ،ولذا كان األجدر أن يسمى الكتاب باسم من قبيل
"بحوث في فقه المعامالت المالية المعاصرة" ،كما من األجدر أن يعرف المؤلف بأنه "خبير الفقه ،وفقه
المعامالت المالية" ،أو نحو ذلك ،وهذا من باب عطف الخاص على العام.
ومن المؤلفات الفقهية أيضا كتاب الشيخ عبد هللا بن منيع "بحوث في االقتصاد اإلسالمي"" ،وينطبق النقد
السابق على كتاب الشيخ ابن منيع .وهنا أدعو الشيخ أن يغير العنوان إلى "بحوث في فقه المعامالت التجارية
والمالية" أو نحو ذلك ،وبتبع ذلك بتغيير التعبيرات في الكتاب التي تثير اللبس ،كما سبق إيضاحه.
ومن المؤلفات أيضا كتاب الدكتور عبد هللا الطريقي ،األستاذ بقسم الدراسات اإلسالمية في كلية المعلمين في
الرياض "االقتصاد اإلسالمي أسس ومبادئ وأهداف" ( 1426الموافق .)2005الكتاب في مجمله فقهي ،فهو
يركز على التعرض لألحكام الشرعية للملكية واإلنتاج (كالمزارعة واالحتكار) وأحكام تخص وظائف الدولة
االقتصادية واإلنفاق ،وجملة من المعامالت التجارية والمالية .وقد جاء تعريف االقتصاد اإلسالمي في الكتاب
تعريفا فقهيا" :العلم باألحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية فيما ينظم كسب المال وإنفاقه وأوجه تنميته".
وقال"( :فيما ينظم كسب المال...الخ" يخرج األحكام الفقهية األخرى ،والتي ال عالقة لها بالجوانب االقتصادية
كالصالة والطهارة) .من الواضح جدا أن هذا الكتاب وأمثاله من كتب الفقه أو الثقافة اإلسالمية.
الخالصة أن من الخطأ الصريح التعبير عن الفقه المالي وفقه المعامالت (االقتصادية) بعلم االقتصاد أو
االقتصاد اإلسالمي ،ومن الواجب التنبيه على هذا الخطأ وتصحيحه .ومن ثم فالنقاش ينبغي أن يكون عما إذا
كان هناك علم اقتصاد إسالمي ،وفق معنى وماهية علم االقتصاد وليس علم الفقه (أو القانون) ،وهذا موضع
حديث مستقبلي إن شاء هللا .وباهلل التوفيق،،،
بين السببية والغيب في تفسير الحوادث االقتصادية
ترى طائفة من الكتاب والمفكرين اإلسالميين أن علم االقتصاد ، economicsغير مقبول إسالميا ،من منطلق
أنه ال يأخذ بالتفسيرات التي مصدرها الوحي .خذوا المثل التالي :جاء في صحيح البخاري أن لصلة الرحم تأثيرا
حسنا على الرزق (الدخل بالتعبير الشائع) .هذا التأثير ال مجال ألن ندركه بالرجوع إلى الكون ،وإنما عرفناه من
الوحي ،ولكن علم االقتصاد (أعني كما يدرس في جامعات العالم) يقوم على السببية والتعليل استنادا إلى الكون،
بينما ال يعطي اعتبارا للوحي .ولهذا يرى أولئك الكتاب أن علم االقتصاد (الذي يسميه بعضهم االقتصاد
الوضعي) ،غير مقبول إسالميا .فما مدى دقة ما يقولونه؟
االنتقاد السابق ينطبق حقيقة على كل العلوم التي تدرس في جامعات العالم كالفيزياء ،الكيمياء ،علم النفس ،علوم
الطب ،التغذية ،الزراعة ،الهندسة ،والتربية ...إلخ .فعلى سبيل المثال ،طالب الطب ال يدرس في مدرسة الطب
أن لصلة الرحم تأثيرا على العمر .
أخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك ـ رضي هللا عنه ـ قال :سمعت رسول هللا ـ صلى هللا عليه وسلم ـ يقول:
"من سره أن يبسط له في رزقه ،أو ينسأ له في أثره ،فليصل رحمه" .ينسأ بضم أوله أي يؤخر ،وقوله في أثره
أي في أجله .
التعبير بمن أحب البسط في الرزق والتأخير في األجل فليصل رحمه ،تعبير نبوي ،ال يجوز نفيه ،ولكن في
الوقت نفسه ،يجب أن نعرف أن هذا ال ينافي فعل األسباب المادية المؤدية بتوفيق هللا إلى بسط الرزق وإطالة
العمر .
وهناك نصوص أخرى كثيرة وردت في حصول الشفاء والعالج ،ولكن طالب الطب ال يدرسونها .وكونها كذلك
ال يعني بالضرورة خطأ ما يدرسونه ،أو أنه غير مقبول إسالميا .
ولذا فإنه ال يقبل تعميم القول بعدم القبول اإلسالمي لتأسيس علم االقتصاد على أن مصدر المعرفة هو الكون .فقد
يفهم تخطئة المعرفة التي مصدرها الكون ،وهذا غير صحيح ،ولو كان صحيحا لحق لنا أن نعمم القاعدة ،ونعتبر
كل العلوم غير مقبولة إسالميا ،ألنها تأسست على مصدر يعطي نتائج خاطئة .ذلك ألن ما تتوصل إليه العلوم
الطبيعية أو االجتماعية ـ التي شهد لها الحس أو العقل شهادة قـاطـعــة أو قام عليه دليل راجح هي مما يعد ـ
بميزان الشرع ـ علما ً يعمل به .واإليمان بما تتوصل إليه هذه العلوم أمر مشترك بين البشر ،بغض النظر عن
الديانة .
وقد قضى الشرع أن كـل المعارف ـ ديـنـيـة كـانــت أم دنيوية ـ إنما يكتسبها اإلنـســان بحسه وعقله .ومن ذلك
"واَّللُ أ ْخرج ُكم ِّم ْن بُ ُ
ه
س ْمع واألبْصار واأل ْفئِّدة لعله ُك ْم
قوله سبحانه:
ون أ ُ همهاتِّ ُك ْم ال ت ْعل ُمون شيْئا ً وجعل ل ُك ُم ال ه
ط ِّ
ت ْش ُك ُرون "النحل. 78 ،
لكن لو قيل أنه ال يكفي الركون إلى الكون وحده لكان أوضح وأصوب .ذلك ألنه يجب التسليم أيضا أن هللا على
كل شيء قدير ،وأن هناك مؤثرات تدرك بالوحي وليس الكون .ولكن اإليمان بالغيب ال يعني إنكار تأثير
المؤثرات االقتصادية (وغيرها) .قد ال نكون محيطين إحاطة تامة بكنه وطبيعة كل المؤثرات (ولو األساسية على
األقل) ،وكيف تعمل وتتفاعل ،ومن ثم قد يصعب أحيانا التنبؤ الجيد بحجم وقوة أزمات ومشكالت متوقعة .وفي
هذا اإلطار ،قد يعطي الوحي إشارات إلى نتائج ،ال ندرك بعد أسبابها (تفسيرها المادي) جيدا .إال أن ذلك ال
يعوقنا عن محاولة فهم األسباب واألخذ بها ،والنصوص أرشدت إلى ذلك ،كقوله سبحانه (وأعدوا لهم ما استطعتم
من قوة ومن رباط الخيل) ،وقوله (وأن ليس لإلنسان إال ما سعى وأن سعيه سوف يُرى) .واألخذ باألسباب هو
هدي سيد المتوكلين على هللا .
وهنا أشير إلى حديث اشتهر على ألسنة الناس ،وهو ما رواه أنس بن مالك ـ رضي هللا عنه ـ قال :قال رجل :يا
رسول هللا أعقلها وأتوكل ،أو أطلقها وأتوكل؟ قال ـ صلى هللا عليه وسلم ـ" :اعقلها وتوكل" رواه الترمذي وحسنه
األلباني .ومعنى الحديث واضح وصحيح ،فمن علم أحدا كيف يعقلها ،فقد علمه شيئا صحيحا مفيدا ،ومن ثم فهو
مقبول إسالميا ،ولكنه لم يعلمه كل المطلوب ،إذ هناك الجزء الغيبي القدري ،وقد قرر علماء اإلسالم ـ رحمهم هللا
تعالى ـ أنه ال تعارض بين السببية والقدر ،وأال تعارض بين العقل والنقل .
نفي األسباب قدح في العقل ،وينطبق ذلك على تفسير أحداث االقتصاد ،ولكن الركون إلى األسباب وحدها قدح
في النقل أي الوحي .وفي هذا اإلطار نفهم النصوص الدالة على محق الربا .وباهلل التوفيق،،،
أنتم أعلم بأمور دنياكم :فهمان متطرفان
أخرج اإلمام مسلم عن طلحة بن عبيد هللا يحدث عن أبيه قال :مررت مع النبي صلى هللا عليه وسلم بقوم
على رؤوس النخل ،فقال "ما يصنع هؤالء؟ قالوا :يلقحونه يجعلون الذكر في األنثى فيلقح ،قال :ما أظن يغني
ذلك شيئاً" فأخبروا بذلك ،فتركوه ،فأخبر الرسول صلى هللا عليه وسلم بذلك ،فقال" :إن كان ينفعهم؛
فليصنعوه؛ فإني إنما ظننتُ ظناً؛ فال تؤاخذوني بالظن ،ولكن إذا حدثتكم عن هللا شيئاً؛ فخذوه؛ فإني لن أكذب
على هللا -عز وجل".
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم" :قال العلماء :ولم يكن هذا القول خبرا ً وإنما كان ظناً؛ كما بينه في
هذه الروايات ،قالوا :ورأيه صلى هللا عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره فال يمتنع وقوع مثل هذا،
وال نقص في ذلك ."...ورسول هللا لم ينههم عما كانوا يصنعون ،لكنهم توهموا ذلك.
لدينا فهمان متطرفان للحديث .أصحاب الفهم األول حاولوا حصر الدين في العبادات ،ولكنا نعر أن
الشريعة تناولت حياة الناس من عبادات ومعامالت وغيرها ،قال هللا –تعالى" :-فَال َو َربِّكَ ال يُ ْؤ ِّمنُونَ َحتَّى
س ِّه ْم َح َرجا ً ِّم َّما قَ َ
س ِّليما ً" ،وقال تعالى" :إِّنَّا أ َ ْن َز ْلنَا
يُ َح ِّك ُموكَ فِّي َما َ
س ِّل ُموا ت َ ْ
ش َج َر بَ ْينَ ُه ْم ث ُ َّم ال يَ ِّجدُوا فِّي أ َ ْنفُ ِّ
ضيْتَ َويُ َ
اَّللُ" اآلية.
اس ِّب َما أ َ َراكَ َّ
ق ِّلتَحْ ُك َم بَ ْينَ النَّ ِّ
ِّإلَ ْيكَ ا ْل ِّكت َ َ
اب ِّبا ْل َح ِّ
مقابل الفريق األول نسمع ونقرأ لبعض الناس عبارات من قبيل في شريعتنا االسالمية حل كل مشاكلنا
االقتصادية ،وإال لما كان دينا كامال ،صالحا لكل زمان ومكان.
ما قاله الفريق الثاني من المجمل الذي يحتاج إلى توضيح وبيان بالمفصود ،ومن يقولها بإطالق يسيء فهم
طبيعة تلك المشكالت وتعقيداتها ،ويقحم الشريعة في تفاصيل من أمور الدنيا التي ترك الخالق بحثها للبشر.
نحن نعرف أن الدين كامل ،ولكننا في الوقت نفسه نعرف معرفة قطعية أن الشريعة لم تأت لتعلمنا كيف ترتفع
األسعار وكيف نقيس هذا االرتفاع؟ وكيف نفهم العالقة بين كمية النقود ومستوى األسعار؟ وكيف يؤثر ارتفاع
الدخل على األسعار؟ وكيف نقيس هذا التأثير؟ كيف يتغير االستهالك جراء ارتفاع سعر سلعة ما؟ لم تأت
لتعلمنا أنواع أسعار الصرف ،وكيف تقاس ،وما الذي يؤثر فيها ،وكيف يؤثر؟ وأيها أصلح وأنفع للبالد :اتباع
نظام سعر صرف ثابت إزاء عمله واحدة أو مجموعة عمالت أو ترك العملة حرة؟ لم تأت الشريعة لتعلمنا
كيف ينمو االقتصاد ،وكيف نوزع/نخصص allocateالموارد بين بدائل استخدام كثيرة ،مثال ،كيف توزع
األموال العامة (الميزانية) على أوجه االنفاق من رواتب وصيانة وبنية تحتية وغيرها؟ ما أنسب المعايير التي
تحكم التوزيع ،على أن تكون معايير محددة ،وليس مجرد تعبيرات عامة مجملة؟ وعالم اختيرت تلك المعايير؟
لم تأت الشريعة لتعلمنا طبيعة العالقة بين مستوى األجور والتضخم والبطالة .لم تعلمنا كيف نتعرف وندرس
هذه العالقة باستخدام األدوات الكمية .لم تعلمنا أيهما أنسب للمجتمع وكيف :أن تقوم الحكومة مباشرة بتوفير
الخدمة الصحية ،أم تتركها للناس (القطاع الخاص) ،ومقابل ذلك توزع عليهم ما كانت تنوي إنفاقه على الرعاية
الصحية ،وما تأثير كل اختيار على الناس على المدى القصير وعلى المدى البعيد ووفقا العتبارات كثيرة؟ هذه
أمثلة من المشكالت والقضايا االقتصادية التي ترك المولى سبحانه أمر بحثها للعباد ،وهي أكثر من أن تحصى.
وما قلته ال يتنافى مع إيماننا بأن المصائب ومنها المشكالت االقتصادية إنما هي من الناس ،يقول المولى
سبحانه" :وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" اآلية 30من سورة الشورى .ورغم اإليمان بما سبق ،إال
أنه ال يمنع من البحث في األسباب المادية ،مثلما أننا نؤمن بأن المرض والشفاء من هللا ،وأن المرض مصيبة
من المصائب المشمولة باآلية ،وما كان ذلك مانعا من البحث في أسباب المرض وطلب العالج.
وأختم بنقل قول نفيس للعالمة ابن باز رحمه هللا..." :فقد أجمع المسلمون قاطبة على أن األنبياء-عليهم
الصالة والسالم-والسيما خاتمهم محمد -صلى هللا عليه وسلم -معصومون من الخطأ لما يبلغونه عن هللا-عز
وجل-من األحكام... ,أما في أمور الدنيا فقد يقع الخطأ ثم ينبه على ذلك ,كما وقع له -صلى هللا عليه وسلم -
لما مر على جماعة يلقحون قال( :ما أظنه يضره لو تركتموه) فلما تركوه صار شيصا ً فأخبروه فقال-عليه
الصالة والسالم( -:إنما قلت ظنا ً وأنتم أعلم بأمر دنياكم أما ما أخبركم به عن هللا فإني لن أكذب على هللا),
فبين-عليه الصالة والسالم-أن الناس أعلم بأمور دنياهم كي يلقحون ,كي يغرسون ,كي يبذرون ,كي
يحصدون إلى غير ذلك من أمور دنياهم ,كي يعمرون مساكنهم إلى غير ذلك ,وهذا الحديث رواه مسلم في
الصحيح ،أما ما يبلغه عن هللا من أمور الدين من العبادات واألحكام هذا حالل وهذا حرام ،إن هللا أمر بكذا أو
نهى عن كذا ,أو أن هذا فيه كذا من النفع وهذا من فيه الضرر كذا هذا كله حق ,وال ينطق عن الهوى-عليه
الصالة والسالم-بل هو معصوم في ذلك-عليه الصالة والسالم...,-
http://www.binbaz.org.sa/mat/20142
من الموقع الرسمي البن باز ،وهو منقول من البرنامج اإلذاعي "نور على الدرب".
االقتصاد :المعنى والمصدر
رغم شيوع كلمة ''اقتصاد'' في عصرنا ،إال أنه لم يكن لهذه الكلمة معنى أو معان اصطالحية في المجتمعات
العربية طيلة القرون التي سبقت عصر الثورة الصناعية وتطور العلوم الحديثة ،ومن باب أولى أنه لم تكن لعبارة
''اقتصاد إسالمي'' من معنى اصطالحي .ولذا فإنه ينبغي أن نبدأ النقاش بالبحث عن مصدر المعاني الشائعة اآلن
لكلمة ''اقتصاد'' ،وهذه قضية جوهرية .
المعاني الشائعة اآلن ال نعرفها من معاجم اللغة وكتب الفقه ،ولكنها ترجع إلى التطور العلمي (بمعنى الساينسي
)scientificوالتقدم الصناعي الحديث ،الذي بدأ في أوروبا قبل قرون قليلة ،بينما كان العالم العربي واإلسالمي
يغط في تخلف مادي عميق .هذه األحداث والتطورات ليست وجهة نظر ،بل هي من الوقائع التاريخية المسلم بها.
وقد أدى االتصال والتأثر بالغرب المتقدم ماديا خالل القرون الثالثة األخيرة إلى التعرف على ونقل مصطلحات
وأفكار وكلمات كثيرة شائعة لدى الغربيين ،مستعملة في التجارة والمال والثروة والكسب واإلنفاق ونحو ذلك،
ولهذه الكلمات دالالتها ومعانيها االصطالحية في األوساط الغربية .ومن هذه الكلمات، economy
و economics.
قد يكون من بين هذه الكلمات ما أخذ من اللغة العربية إبان ازدهار الحضارة اإلسالمية .لكنها في الغالب اكتسبت
مع مرور القرون معاني غير مطابقة للمعاني الموجودة في اللغة األصل المتأثر بها ،أعني العربية ،وقد تكون
اللغة العربية أخذته أصال من لغات أخرى إبان الدولة العباسية مثال .
الترجمة هي األداة األولى لنقل المعرفة بين المجتمعات .الكلمة األولى economyترجمت إلى ''اقتصاد'' ،أما
الثانية economicsفترجمت إلى ''علم االقتصاد'' أو الدراسة المنهجية لالقتصاد .
بما أن اللغات تتفاوت في تركيبها وقواعدها ومعاني ودالالت كلماتها ،فإن الترجمة تأتي بسلسلة من المشكالت.
أول مشكلة أننا نقرأ الكلمة ''اقتصاد'' ،وال نعرف هل المقصود علم االقتصاد economicsأم المعنى اآلخر
الذي تدل عليه الكلمة economy.ويتبع ذلك أننا نسمع عبارة ''اقتصاد إسالمي'' ،ويلتبس علينا المعنى أحيانا:
هل المقصود علم اقتصاد economicsموصوف بأنه إسالمي ،أم هو شيء آخر غير العلم؟ وإذا كانت األولى،
فما المقصود؟
قد تبدو القضايا التي تثيرها تلك األسئلة للوهلة األولى غير مهمة كثيرا عند البعض ،ولكنها ليست كذلك ،فمثال
كلمة علم في عبارة ''علم االقتصاد ''ال تعطي نفس مدلول كلمة علم في عبارة ''علم الفقه'' .ومثال آخر أن البعض
عد كتبا من قبيل كتاب ''الخراج'' ألبي يوسف وكتاب ''األموال'' ألبي عبيد وكتاب ''الحسبة'' البن تيمية من كتب
االقتصاد ،ولنا أن نسأل هذا البعض :ماذا تقصدون بقولكم ''اقتصاد'' ،طالما أن الكلمة لم يكن لها معنى
اصطالحي عند أئمة األمة عبر قرون طويلة؟ المعاني أو المفاهيم المعاصرة الشائعة عن االقتصاد وعلم
االقتصاد مصدرها الغرب ،وسيأتي مزيد بيان عن هذا الحقا .وحسب هذه المعاني ،هي ليست كتبا في علم
االقتصاد ،وإن كان هذا ال يلغي احتواءها على أحكام مسائل وموضوعات تدخل في مسمى اقتصاد، economy
ومناقشات تعد بطبيعتها من علم االقتصاد ، economicsمثلما أنه يمكن لكتب التسويق أو إدارة األعمال أو
المحاسبة أو القانون أو الفقه أو الجغرافيا أو االجتماع أو التاريخ ...إلخ أن تحتوي على مناقشات من صميم علم
االقتصاد ،ولكن هذا ال يحولها إلى كتب علم اقتصاد .وهذا مطرد في كل العلوم والمصنفات ،فأبواب القضاء في
كتب الفقه تحوي تنظيمات إدارية ،وهذا ال يجعلها أبواب إدارة ،وتحوي كتب الفقه لفتات طبية وهذا ال يجعلها
كتب طب ،وكتب الفرائض (علم المواريث) تحوي عمليات حسابية ،وهذا ال يجعلها كتب حساب أو رياضيات،
وهكذا .البحث والنقاش العلمي يحتاج إلى ضبط وتدقيق ،وفهم ألهمية تلك القضايا .
ثم ندخل في مشكلة أخرى أكبر .غالبا ما تقوم ترجمة المفردات على تقريب المعنى ،ذلك أنه في الغالب يصعب
وأحيانا يتعذر الوصول إلى لفظ عربي يطابق المعنى الذي تدل عليه اللفظة األعجمية ،وأحيانا يحدث األسوأ ،بأن
تختار ترجمة تسبب اللبس في الفهم .وهنا تنشأ غالبا مشكلة في التصور والفهم بالغة األثر والتأثير .
واستطرادا ،أشير إلى أن للتراجمة طريقين :
أحدهما أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات المراد ترجمتها ،و ما تدل عليه من المعنى فيأتي بلفظة مفردة
من الكلمات العربية ترادفها في الداللة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى األخرى كذلك حتى يأتي على جملة ما
يريد تعريبه ،وهذه الطريقة هي الشائعة ،ولكنها رديئة لوجهين :أحدهما أنه ال يوجد في أي لغة كلمات تقابل
جميع كلمات اللغة المراد الترجمة منها .والثاني أن خواص التركيب والنسب اإلسنادية ال تطابق نظيرها من لغة
أخرى دائماً ،وأيضا ً يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثيرة في جميع اللغات .
الطريق الثاني :أن يأتي الكلمة والجملة فيحصل معناها في ذهنه ويعبر عنها من اللغة األخرى بكلمات تطابق
المعنى قدر اإلمكان سواء ساوت األلفاظ أم خالفتها ،وهذا الطريق أجود ،ولكن من النادر أن يستخدم لصعوبته
وطوله ،وندرة الموارد البشرية الالزمة له.
المعاني اللغوية
لغة ،اقتصاد مشتقة من قصد .ولها عدة معان ،ولكن يهمنا منها ماله صلة بالمال واإلنفاق ونحوهما .
جاء في لسان العرب (باختصار ):
اإلسراف والتقتير ،والقصد في المعيشة أن ال يُس ِّْرف وال يُق ِّتر،
صد في الشيء
اإل ِّ
الق ْ
ُ
فراط ،وهو ما بين ِّ
خالف ِّ
صدٌ بين الظالم
يقال فالن مقتصد في النفقة ،وقد اقتصد ،واقتصد فالن في أمره أي استقام ،وقوله ومنهم ُم ْقت ِّ
والسابق .
كما جاء في المعجم الوسيط (باختصار ):
قصد في الحكم عدل ،وقصد في النفقة لم يسرف ولم يقتر ،واقتصد في أمره توسط .
المعاني حسب الكلمتين اإلنجليزيتين
أوال : economy
جاء في قاموس أكسفورد المشهور ، Oxford Advanced Learner's Dictionaryالطبعة السابعة
( )2005التفسيرات التالية
1- the relationship between production, trade and the supply of money in a particular
country or region
1العالقة بين اإلنتاج والتجارة وعرض النقود في دولة أو إقليم محدد2- a country, when you are thinking about its economic system
2دولة عندما تفكر بنظامها االقتصادي3- the use of the time, money, etc. that is available in a way that avoids waste
3استعمال الوقت والنقود ...إلخ ،بطريقة تحسن تتالفى التضييع أي فيها توفير (ومنه سميت الدرجةاالقتصادية ،في خطوط الطيران مثال ).
وتضيف قواميس أخرى تعبيرات ذات عالقة بالمعنيين األول والثاني ،مثل :
Management and use resourcesإدارة واستعمال الموارد .
بين المعاني اللغوية والشائعة والمعاني في اللغة اإلنجليزية .
المعاني الشائعة اآلن في المجتمعات العربية لكلمة ''اقتصاد'' تغلب عليها المعاني التي تدل عليها الكلمة
اإلنجليزية ، economyوالتي أوضحت سابقا ،وهذه نقطة جوهرية .أما المعنى اللغوي الذي له صلة بالسلوك
االقتصادي بالمعنى الشائع فيدور حول القصد واالعتدال ،وباألخص في اإلنفاق .ومن ثم يتبين أن المعنى الثالث
في اللغة اإلنجليزية لوحده هو ما يتالءم مع هذا المعنى اللغوي ،ورغم هذا التالؤم ،فإنه ال يمكن القول بأنه
يتطابق (أقصد مع المعنى اإلنجليزي الثالث) .هناك تقارب بين المعنيين ولكن ال يمكن القول بوجود تطابق .وأما
المعنيان األول والثاني (في اللغة اإلنجليزية )فبعيدان بعدا كبيرا عن المعنى اللغوي ،ورغم ذلك هما معنيان
شائعان لدى الناس .وكونهما مأخوذين من الغرب حديثا نقطة تخفى على البعض .
ثانيا : economics
بعض الكلمات في اللغة اإلنجليزية تنتهي باللفظة الالحقة icsلتعني علم أو دراسة أو معرفة كذا .ومن هذه
الكلمات economicsالتي ترجمت إلى علم أو دراسة كيف يعمل االقتصاد وكيف تتفاعل األطراف أو الالعبون
(مثل المستهلك والمنتج والبائع والشركة والحكومة ...إلخ) في االقتصاد .ومن األمثلة األخرىphysics ،وتعني
علم أو دراسة الطبيعة و statisticsوتعني علم أو دراسة اإلحصاء .ولذا ينبغي أال ننسى أننا أحيانا نقول – باللغة
العربية -اقتصاد ونقصد علم االقتصاد ،ولكن المقابل اإلنجليزي لكلمة اقتصاد economyغير المقابل
اإلنجليزي لعبارة علم االقتصاد economics.كما ينبغي االنتباه إلى أن كلمة علم هنا ال تطابق معنى كلمة علم
في عبارة مثال علم الفقه .
الشائع اعتبار كتاب آدم سميث ''ثروة األمم'' المنشور عام ،1776البداية الفعلية لوضع االقتصاد (أو الوقائع
االقتصادية) تحت الدراسة والتحليل القائمة على وضع الفرضيات والسببية والتعليل واختبار الفرضيات ،أي
بحث االقتصاد بمنهج البحث الساينسي( scientificالتي ترجمت إلى علمي) ،وظهور علم االقتصاد (الحديث)
فنا قائما بذاته .من المؤكد أن آدم سميث لم يكن أول من يكتب عن االقتصاد بالمنهج الساينسي ،حيث سبقته
كتابات في الغرب نفسه ،وفي حضارات أخرى ،ومنها ما كتبه عدد من األعالم المسلمين ،ولكن جمهرة
المؤرخين االقتصاديين يرون أن كتاب آدم سميث ''ثروة األمم'' هو أول كتاب في العصر الحديث يتصف
باألوصاف السابقة .وسواء كان األول أو لم يكن ،فليس لهذا تأثير على العلم نفسه ،الذي كانت تسميته الشائعة في
القرنين الثامن عشر والتاسع عشر االقتصاد السياسي ، political economyوكانت التحليالت الرامية إلى فهم
كيف يعمل االقتصاد ،آنذاك ،مثال عالقة عدد السكان باإلنتاج و عالقة عدد اليد العاملة برأس المال (غير
البشري) ،وتأثير زيادة كل عامل على تكلفة الوحدة الواحدة أو اإلنتاج (الكلي أو الحدي) ،أو الربح من كل وحدة
منتجة ،كانت التحليالت يشوبها مناقشات ذات طبيعة سياسية و/أو قانونية و/أو فلسفية ،وهذا ليس بغريب ،فكل
علم من العلوم الحديثة شابت بداياته شوائب ،ومن جهة أخرى ،استند تأسيسه إلى تصورات وأفكار مأخوذة من
علوم أخرى كالفلسفة .وباهلل التوفيق.
التســـــعير
من يطلع على ما كتب في كتب فقهية عن التسعير ،يجد أن األصل منع التسعير .ولكن تسعير ماذا؟
التسعير في فهم أسالفنا يتناول عادة ما يسمى في علم االقتصاد بالسلع الخاصة المحضة .ولإليضاح كلمة سلع
هنا تشمل أيضا الخدمات .وتبسيطا للفهم ،يخرج من هذا النوع تلك السلع التي :
*يبيعها طرف حكومي (بما في ذلك شركات الحكومة ).
*أو يبيعها القطاع الخاص ولكنها مدعومة حكوميا .
*أو يحصر القانون إنتاجها في شركة أو شركات بعينها ألسباب موضوعية مردها طبيعة السلعة ،كانخفاض
تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة دون إضرار بالجودة (أو عكسها ارتفاع الجودة دون ارتفاع تكلفة الوحدة الواحدة ).
*أو واقعة تحت ما يسمى في علم االقتصاد بفشل السوق (فشل المعاوضة أن تعمل) ،مثل حالة السلع المتعدية
األثر ،أو التي يصعب حصر استهالكها بالذي تحصل عليها .
من جهة أخرى ،بعض الشركات ملكيتها موزعة بين الحكومة والقطاع الخاص بمعناه الضيق .
وأصل منع التسعير (في السلع الخاصة المحضة) ألن للمال حرمة ،واألصل في المعاوضات توافر الرضا بين
الطرفين المتعاقدين .ويرى كثير أو ربما جمهور الفقهاء جواز أو مشروعية التسعير عند الحاجة .ولكن كيف
نتعرف على هذه الحاجة؟ هذا شأن عام ،ليس خاصا بالفقهاء أو االقتصاديين أو المسؤولين الحكوميين .
ومن أحسن من كتب في التسعير من المتقدمين اإلمام العالمة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم .ومن يرغب التوسع فله
الرجوع إلى كتاب "الحسبة" البن تيمية ،وكتاب "الطرق الحكمية" البن القيم .وعامة أو جمهور الفقهاء
المعاصرين (حسب علمي) ال يخالفون في ذلك .ومدار اإلفتاء بأن التسعير جائز عند الحاجة قائم على أن هللا
سبحانه يأمر بالعدل وينهى عن البغي والظلم .
سئل اإلمام ابن تيمية عن الغالء والرخص هل هما من هللا تعالى أم ال؟ وكان مما أجاب به "...أن الغالء بارتفاع
األسعار ،والرخص بانخفاضها ،هما من جملة الحوادث التي ال خالق لها إال هللا وحده .والغالء والرخص ال
تنحصر أسبابه في ظلم بعض ،بل قد يكون سببه قلة ما يخلق ،أو يجلب من ذلك المال المطلوب ،فإذا كثرت
الرغبات في الشيء ،وقل المرغوب فيه ،ارتفع سعره ،فإذا كثر وقلت الرغبات فيه انخفض سعره ...".
وقال في كتاب الحسبة" :فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم ،وقد ارتفع
السعر ،إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق فهذا إلى هللا ،فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق ...وإذا
تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ،ومنعهم مما يحرم عليهم من
أخذ زيادة على عوض المثل :فهو جائز ،بل واجب ".
قوله "الوجه المعروف ...عوض المثل ":ليس لها حدود مقدرة ،ومعايير محددة شرعا .ولم يرد في الوحي تحديد
للحاجة وكيفية التسعير وما تأثيراته ،بل تركت اإلجابات إلى العرف والخبرة والمعرفة الفنية والبحث والنظر
العقلي الكوني .
وقوله "ارتفع السعر لقلة الشيء ،ارتفع لكثرة الخلق" ،واضح أنها تفسيرات من اإلمام ابن تيمية ـ رحمه هللا ـ
ألسباب ارتفاع السعر .ومثل هذه التفسيرات مصدرها الكون والوسائل والخبرة والبحث والنظر والدرس
باستخدام عقولنا .
ومن ثم فتفسيرات المؤلف ـ رحمه هللا ـ خاضعة للتطورات في فهم آلية السوق ،وما قاله هو اجتهاد منه في فهم
عمل األسواق ،وهو اجتهاد يدل على سعة فهم وذكاء ،مأخوذا بعين االعتبار بساطة الحياة ،وبساطة الفهم لعمل
قوى السوق آنذاك ،خالف أن ابن تيمية لم يكتب أصال بغرض شرح كيف تعمل السوق .
وقوله ـ رحمه هللا ـ "كثرة الخلق" المعول (في علم االقتصاد) على زيادة الطلب ،وزيادته غالبا وليس دائما بسبب
زيادة الدخل ،وقد يحدث هذا بدون زيادة عدد الناس ،مثال بسبب ما نسميه في علم االقتصاد بزيادة متوسط
إنتاجية العامل الواحد .النمو السكاني يجلب غالبا زيادة دخل .وفي هذه الحالة قد تكون الزيادة في الدخل أعلى أو
في الناس (نمو السكان) أعلى .وقد ال يزيد الدخل (الحقيقي) إال قليال ،بينما يزيد السكان كثيرا ،ومن ثم يقل
المستوى المعيشي لغالبية السكان ،ويحدث غالبا تغيير في نمط االستهالك ،بما يزيد الطلب على سلع وغالبا يرفع
أسعارها ،وبالمقابل ،يقللها على سلع أخرى وقد يخفض أسعارها .
وقد يرتفع السعر لعامل خارجي مثل انخفاض سعر الصرف ،أو رفع السعر من قبل المصدر في حاالت
االستيراد .وهناك عامل تضخم العرض النقدي ،الذي جلبه التحول إلى استعمال النقود االسمية كالنقود الورقية
بدال من الذهب والفضة .ومن خصائص هذه النقود أنه ال قيمة (تقريبا) لها لذاتها ،وأن باإلمكان توليد كميات
كبيرة منها ،سواء عن طريق السلطة أو عن طريق البنوك ،دون لزوم أن يقابل ذاك زيادة المعروض من السلع
والخدمات ،وهذا ما يحدث في الواقع ،ومن نتائجه انخفاض قيمة النقود (التضخم) .ولن ينجح التسعير في خفض
األسعار مع بقاء أصل اإلشكال ،بل سيعمل على جلب المشكالت التي تضر أول المستهدفين من التسعير (ذوي
الدخول األقل) أكثر من غيرهم ،ولعل هذا مما يفسر ما بدأت فيه هذه المقالة ،وهو أن األصل منع التسعير ،وباهلل
التوفيق .
ذكر بعض الفقهاء المعاصرين شروطا في جواز التسعير ،ولكن من المهم هنا التنبيه على أن الفقهاء يركزون
على المبادئ العامة مثل أن هللا سبحانه يأمر بالعدل وأن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح ،أما التفاصيل فتتعدى
حدود الفقه ،كالتعرف على خصائص السلع ومكان الحاجة وأسباب الغالء وكيف يسعر .
والحكم على الحاجة أو أن األسعار أصبحت غير معقولة قد يكون نسبيا ،ولذا فإن األمر بحاجة إلى معايير يستند
إليها .
لنأخذ المثال التالي :
لو قال قائل من مواطني إندونيسيا "أغلب الناس في بلدي ال يقدرون على تملك سيارة ،نظرا ألن أسعار
السيارات غير معقولة" .ما مدى قوة منطقه بأن أسعار السيارات في إندونيسيا غير معقولة؟
طالما أن أسعار كثير أو أكثر السلع في إندونيسيا غالية في نظر الشعب اإلندونيسي ،وفوق طاقته ،مقارنة
بالشعوب الخليجية ،فلماذا ال تسعر الحكومة اإلندونيسية؟ لماذا ال تجبر التجار على بيع معظم السلع مثال بنصف
أو ثلث أسعارها اآلن؟ بحيث تتوافر للشعب اإلندونيسي مستويات معيشة مشابهة للمستويات في دول مجلس
التعاون الخليجي؟ األمر ليس بهذا التبسيط .
وهناك نوعان من التسعير :تسعير سقفي أي وضع حد أعلى لألسعار وتسعير أدنى ،أي وضع حد أدنى لألسعار،
وأشهر مثال وضع حد أدنى لألجور .وربما وضع سعر ثابت ،ال يحق تجاوزه زيادة أو نقصا .
تتدخل الحكومات بالتسعير بصورة مستمرة أو مؤقتة .التدخل المستمر عادة في حالتين :
1خفض أسعار سلع منتجات أساسية عن أسعار التكلفة أو السعر التوازني ،عبر تقديم دعم (تحمل بعضالتكلفة) مباشرة ،أو عبر دعم المنتجين (غالبا المزارعين ).
2عبر تنظيم السوق للحد من رفع األسعار عن األسعار التوازنية أو التكاليف الحدية .أشهر أمثلة التسعير فيحالة االحتكار الطبيعي natural monopolyوتسعير الدواء .
كما تتدخل الحكومات أحيانا في بعض األسواق لمنع األسعار من االرتفاع إلى السعر التوازني ،ويحدث هذا
التدخل بصورة مؤقتة ،عادة في ظرفين -1 :إما خالل األزمات ،من خالل تسعير سلع يحتاج إليها عامة الناس،
ويقترن بالتسعير عادة تقنين الكميات المباعة ،ووجود شكل من أشكال الدعم الحكومي -2 .وإما بوضع حد أعلى
لزيادة اإليجارات أو األجور ،في ظروف وجود اختالل كبير بين العرض والطلب .والهدف في كلتا الحالتين
مكافحة التضخم .
وقد بين التحليل االقتصادي النظري وبينت المشاهدة في مختلف أنحاء العالم وعلى مدى عشرات السنين أن
التسعير كثيرا ما يتسبب في جعل الطلب أعلى من العرض .
هل يعني ذلك الدعوة إلى االرتكان إلى قانون العرض والطلب وعدم تدخل الحكومات؟
ليس األمر بهذا التبسيط .
قد يحدث أن ترتفع األسعار ارتفاعا كبيرا في إطار تالعب ،وقد يحدث بسبب اختالل بين عرض وطلب سلعة أو
مجموعة من السلع ،دون وجود تكتالت أو تعمد سلوكيات لإلضرار بقوى السوق .
من المهم التعرف على خصائص السلع ،وأن تحلل إنتاجا وتكلفة وبيعا وطلبا ،وأن تدرس جيدا آثار ومحاسن
وعيوب التدخل ،كما أن من المهم أن تدرس أسباب االختالل بين العرض والطلب ،وأن يعمل على حلها ،حتى ال
يتحول التسعير المؤقت إلى دائم .
باستثناء حاالت خاصة ،من الصعب جدا تنفيذ التسعير الخالي من سوء التطبيق واالختالل في توزيع الموارد،
على المدى البعيد خاصة .
وخير من التسعير حماية المنافسة في حالة تعمد اإلضرار بقوى السوق .وأصبحت عملية حماية المنافسة
ومكافحة التكتالت تدخل ضمن أعمال الحكومة في تنظيم regulateاألنشطة ذات الطبيعة التجارية .وتدخل
الحكومة لتنظيم األنشطة التجارية يأتي في أطر منع استخدام النفوذ لتعطيل قوة السوق ،كما تأتي في أطر
تصحيح التشوهات التي تصيب السوق ،وليس في أطر إجبار الناس على البيع بغير رضاهم .خالف االحتكار
الفردي أو احتكار القلة (أي تكتل أو تواطؤ القلة) ،هناك مصادر أخرى لتشوهات السوق وأهمها وجود صعوبات
في الحصول على المعلومات (أو االستفادة منها) ووجود تأثيرات خارجية .
شراء الدواء يعد من أشهر أمثلة مشكلة نقص المعلومات التي تتطلب تدخل الحكومة بالتسعير .معلوماتنا عن
كثير من األدوية وما نحتاج إليه منها ليست بالقدر الذي يسمح لنا بالتصرف من تلقاء أنفسنا ،بل وفق وصفة
طبية ،ولكن األطباء يتعرضون إلى مغريات قوية من وكالء شركات األدوية لوصف أدوية شركات بعينها
للمرضى ،لها بدائل مماثلة أقل ثمنا ،ولكنها لشركات أقل شهرة ،وأقل مصروفات وخاصة على التطوير .تنظيم
سوق األدوية التي يفترض أن تشترى بالوصفة مبرر ،إذ بدون هذا التنظيم يحتمل جدا أن تقرر شركات أدوية
أسعارا أعلى ،اعتمادا على طلب غير مرن بسبب التواطؤ مع أطباء ،أو بسبب االحتكار (األدوية المحتكرة تعد
ضرورية في الغالب ،ال يصلح معها تطبيق مقولة "دواء الغالي تركه ").
ومع ذلك فإن مكافحة االحتكار ليست خالية من العيوب ،فقد يرى أن االحتكار أو التكتل يجلب ،في حاالت،
تحسينا في الكفاءة االقتصادية ،أو خفضا لتكلفة إنتاج الوحدة الواحدة .وفي هذه الحالة ،فإن الحكومات تتدخل بسن
تنظيمات تسعيرية في حال السلع األساسية كالكهرباء ،خوفا من رفع األسعار عن األسعار التوازنية أو التكاليف
الحدية .
التسعير في عصرنا أصبح موضوعا شائكا ،بالنظر إلى التطورات في أنماط وخصائص السلع وإنتاجها وآثار
تسعيرها ،وهذه قضايا يدرسها االقتصاديون بالتفصيل ،وال بد للفقهاء من الرجوع إليهم لفهم الظروف المحيطة
بالتسعير وآثاره ،وباهلل التوفيق،،،
أوهام حول المصرفية اإلسالمية
يتوهم كثيرون أن المصارف اإلسالمية لن تنظر إلى تعظيم األرباح كما تنظر البنوك التقليدية وغيرها من
المنشآت التجارية .ويتوهمون أنها ستعطي العمل الخيري والنفعي غير الربحي اهتماما أكثر من غيرها .
كتب كثيرون موصين البنوك اإلسالمية بإعطاء اهتمام كبير لصندوق الزكاة ،وتشجيع المشاركين والمتعاملين مع
البنوك على إخراج زكاتهم وإنفاقها في مصارفها الشرعية .وأوصى آخرون تلك البنوك بدعم إقامة المستشفيات
ودور األيتام والمساجد وغيرها من أوجه النفع العام للمسلمين واالستعانة في ذلك بأموال الزكاة والخيرات والنفع
العام .
وكتب فريق ثالث متحدثا عن المطلوب من البنوك اإلسالمية .ومما قيل إنه ينتظر منها تعويد الناس كيف ينفقون
أموالهم ،وأن تساعد على توفير وسائل اإلنتاج للقادرين ،حتى ال يكون هناك بطالة حقيقية أو بطالة مقنعة ،وأن
تعطي قروضا حسنة ،وأن تمنح تمويال بشروط ميسرة .
من يطلب منها هذه األشياء فهو يعيش في أوهام .
المصارف اإلسالمية مثلها مثل المصارف التقليدية تهدف إلى الربح ،وال يصلح أن نفترض أنها لن تخضع
للمعايير التي تحكم سلوك المنشآت التجارية .
لماذا؟ لنرجع إلى األصول .
ما الذي تفيده زيادة أو إضافة كلمة إسالمي إلى كلمة مصرفية أو مصارف؟
إضافة أو زيادة كلمة إسالمي إلى كلمة أخرى ال تقلب معنى الكلمة األخرى إلى معنى آخر ،بل تعني المعنى
المعهود في الذهن للكلمة األخرى موصوفا بأنه إسالمي .وتبعا لذلك ،المصارف في كلمة مصارف إسالمية ال
تعني نشاطا بنكيا مختلفا في جوهره عن المعهود ،بل تعني أن هذا النشاط أو القطاع المعهود في الذهن موصوف
بأنه إسالمي .والقطاع المصرفي المعهود في الذهن قطاع تجاري يقدم خدمات بعينها بغرض تحقيق الربح.
وإضافة كلمة إسالمي تعطي قيدا بأنه يقدم تلك الخدمات مأخوذا بعين النظر أال تخالف الشريعة .ولكنها ال تعني
أن ممارسة هذه األعمال تحمل بعدا غير تجاري .
وللتوضيح أضرب مثاال .المنشآت التجارية األخرى كالمطاعم والفنادق (في غالبية الدول) تقدم خدمات كثيرة،
أكثرها مباح ،وقلة منها تحرمه الشريعة .وحين يمتنع بعضها عن تقديم الخمر مثال ،فإنه ينبغي أال نستنبط من
ذلك أن هذا االمتناع يعني تحولها بصورة تلقائية ولو بصورة جزئية إلى منشآت يغلب عليها الطابع الخيري
واالجتماعي ،لمجرد أنها امتنعت عن تقديم الحرام .ومن يقول بذلك فهو يتوهم أن تجنب الحرام يعني بالضرورة
الزهد في الدنيا .
نشرت لي هذه الجريدة مقالة بعنوان "عالمية علم االقتصاد" ،في العاشر من أيار (مايو) .2009وسردت في
المقالة بعض ما أراه أهم معايير وأصول علم االقتصاد :حب االستزادة من متاع الدنيا وكون الموارد لها حدود
ومقادير واالختيار وحق الملكية الخاصة وأهمية التنظيمات والقوانين والنظم ودور الحوافز واالستفادة من
التبادل .وعلقت على ذلك بأن المعايير أو األصول السابقة تعبر عن صفات بشرية ،بغض النظر عن الدين أو
الموقع الجغرافي ،ولكن تظهر أحيانا خالفات في تفاصيل ،تلك المعايير كما أنها تحكم سلوك األفراد ،فهي تحكم
سلوك المنشآت التجارية ،إسالمية أو غير إسالمية .
عندما بدأت البنوك اإلسالمية في الظهور ،كانت الفكرة لدى المهتمين بالمصرفية اإلسالمية آنذاك هو أن هذه
البنوك ينبغي أن تهتم باالستثمار طويل األجل وأن تسهم في تنمية البالد اإلسالمية بصورة أفضل من البنوك
التقليدية .هذا لم يحصل .ذلك ألن البنوك -إسالمية كانت أو غير إسالمية -تبحث في الغالب عن أعلى ربحية،
مثلها مثل أي منشأة تجارية ،واالستثمار قصير األجل يوفرها بصورة أفضل من االستثمار طويل األجل .وكان
من نتيجة ذلك أن أصبحت المرابحة هي الصورة السائدة ،مما جعل التمويل المحض هو السائد ،وليس االستثمار
بتحمل المخاطر .أي سيادة الطلب على العرض .وهذا التفضيل للمرابحة يتفق في روحه مع النمط السائد في
البنوك التقليدية وخاصة أن غالبية المصرفيين العاملين في حقل المصارف اإلسالمية أتوها من بنوك تقليدية ،أو
أن المصرفية اإلسالمية تشكل جزءا من بنوك تقليدية تتعامل بالفائدة ففضلوا المرابحة على غيرها من الصيغ .
طبعا معروف أن المال جبان ،ولذا يفضل أصحاب األموال عامل الضمان ألموالهم ،على المشاركة في الربح
والخسارة ،مثلهم في ذلك مثل أصحاب العقارات يفضلون التأجير على المشاركة ألسباب ال تخفى على القارئ.
وهذا حقيقة ينسجم مع معايير ومبادئ السلوك االقتصادي التي سبق أن ذكرتها ،وهي معايير تفترض أن الناس
يعظمون مصالحهم بما يرونه األنسب .خالف أن المودعين أصحاب األموال يفضلون سهولة السحب من أموالهم
على مساعدة البنك في القيام بدور استثماري ،وهذا كله يتفق تماما مع المعايير والمبادئ التي يقوم عليها علم
االقتصاد .
قد يرى البعض بأن البنوك اإلسالمية أسوأ من التقليدية ألنها تحصل على أرباح أعلى من التقليدية نظير
خدماتها ،وهذا – في نظري -متعلق بمدى قوة المنافسة في سوق المصرفية اإلسالمية .
وباختصار ،أنشئت المصارف اإلسالمية لتؤمن للمسلم الخدمات نفسها التي تقدمها المصارف التقليدية ،مع تفادي
التعامل بالحرام حسبما يفتي به الفقهاء ،وينتظر منها المسلم في الوقت نفسه أن يتقاضى عائدات مجزية لمدخراته
كباقي المؤسسات المالية .ومن ثم ال يمكنها العمل على تحقيق هدفين ال يسيران معا :تحقيق األهداف السابقة وفي
الوقت نفسه التوسع في العمل الخيري أو مراعاة النفع العام أكثر مما تفعله المؤسسات المالية التقليدية ,وباهلل
التوفيق.
بيت المال في الدولة اإلسالمية األولى
بيت المال مصطلح يقصد به المؤسسة التي قامت باإلشراف على ما يرد من األموال ،وما يخرج منها في أوجه
النفقات المختلفة ،ويسمى أحيانا بيت مال المسلمين .استحدثت تسمية في عصور متأخرة ،وهي عبارة بيت مال
العامة ،للتفريق بين بيت المال وبيت مال الخاصة الذي استحدث في العهد العباسي .
الباعث على تأسيس بيت المال كان الفتوحات اإلسالمية التي تبعها تدفق األموال على الدولة اإلسالمية الناشئة.
هذا النمو السريع والكبير حمل الخلفاء الراشدين على إنشاء بيت المال ،فهو بهذا يشبه وزارة المالية في عصرنا
هذا .وعلى هذا فهم علماء المسلمين أن كل مال لم يتعين مالكه يصبح حقا من حقوق بيت المال ،وكل حق وجب
صرفه في مصالح المسلمين فهو حق عليه .في كل الدول تعد وزارة المالية من أهم الوزارات ،وهذه النظرة
للجهة المسؤولة عن حفظ وصرف األموال –أيا كان اسم الجهة -ليس بالشيء الجديد ،فابن خلدون –مثال -أكد
أن الوظيفة المالية من أهم وظائف الدولة ،وبيت المال مهمته حفظ حقوق الدولة "وهي كلها مسطورة في كتاب
شاهد بتفاصيل ذلك في الدخل والخرج ،مبني على جزء كبير من الحسبان ال يقوم به إال المهرة من أهل تلك
األعمال ،ويسمى ذلك الكتاب بالديوان" (ابن خلدون ).
مصادر األموال في الدولة اإلسالمية (خالل القرون الهجرية األولى) تركزت في الفيء والخمس من الغنيمة،
والجزية والزكاة .
فرارا وخوفًا من لقاء المسلمين وقبل أن
الفيء ما حازه المسلمون من أموال الكفار دون قتال بأن تركه العدو
ً
يوجف عليهم بخيل أو ركاب .قال تعالى ?:ما أفاء هللا على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل كي ال يكون دُولة بين األغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا واتقوا هللا إن هللا شديد العقاب .للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضالً من هللا
ورضوانا وينصرون هللا ورسوله أولئك هم الصادقون .والذين تبوأوا الدار واإليمان من قبلهم يحبون من هاجر
إليهم ? الحشر .9 -7قال عمر :ليس أحد إال له في هذا المال حق .
الغنيمة هي المال المأخوذ من غير المسلمين وتشمل األرض واألموال المنقولة واألسرى .وقد وضح هللا سبحانه
تقسيمها في قوله تعالى" :واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن هلل خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين
وابن السبيل" .وخمس الغنيمة قسم ثالثة أقسام :قسم هو سهم النبي صلى هللا عليه وسلم ،الذي يصرف في
المصالح العامة ،بحسب اجتهاد ولي أو والة األمر ،والذي تمثل عبر معظم عصور التاريخ (اإلسالمي أو غير
اإلسالمي) في اإلمام (أي رئيس الدولة ،أيا كان لقبه) أو من ينوب عنه .وينبغي أن يعرف أن هذا ال يعني
الحصر في اإلمام ،فإن ارتقاء األنظمة السياسية وتطور األحوال وتغيرها في العصر الحديث غير في معنى ولي
األمر .فعلى سبيل المثال وجدت ما يسمى بالسلطات التشريعية (البرلمانات) ،المستقلة في مجيئها وفي قرارها
عن اإلمام أي رئيس الدولة ،وهذه السلطات التشريعية تعد من والة األمر .والقسم الثاني وهو سهم ذي القربى،
وهو مستحق لهم ،وبذلك خرج عن حقوق بيت المال ،وعن سلطة الحاكم .أما القسم الثالث فإن بيت المال يكون
حافظا له ،وهو سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل .
أما الجزية فما يؤخذ من النصارى واليهود والمجوس وأشباههم من مال مقابل أمنهم والدفاع عنهم ،في بالد
يحرمون ما حرم هللا
اإلسالم .واألصل فيها قوله تعالى? :قاتلوا الذين ال يؤمنون باهلل وال باليوم اآلخر وال ِّ
ورسوله وال يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون? التوبة. 29 :
ميز الفقهاء نوعين من الزكاة :المال الباطن ،أي الخفي ،وال يترتب عليه لبيت المال حقوق ألن أصحابه يقومون
بإخراج زكاته ،والنوع الثاني صدقة المال الظاهر كزكاة الزروع والمواشي ،وهي التي تجبيها السلطة.
المستحق على بيت المال من االلتزامات ضربان :
1األموال المودعة فيه ال المتالكها ولكن لحفظها ،واإليداع يحدث عادة بأمر من قاضي المسلمين .2األموال التي يترتب على بيت المال صرفها .االلتزامات المالية الواجبة الدفع ،كأرزاق الجند ،وأثمان السالح ،واإلنفاق على مصالح األمة بصفة عامة ،ألنها
من الحقوق العامة لألمة أي بالتعبير المعاصر من حقوق المواطنين على الدولة .إذا كان المال ال يكفي لسداد هذه
االلتزامات ،فإن فتح باب الصدقات أو التبرعات ،كان خيارا أساسيا .ويدخل من الصدقة تبرع الجند بكل أو
بعض أرزاقهم ،أو إمهالهم لتصبح مثل دين المعسر .
هذه االلتزامات هي بعض أمثلة ما يسمى في أدبيات اقتصاد القطاع العام أي االقتصاد الحكومي بالسلع العامة،
وهي السلع التي تتصف بعموم االنتفاع بها ( non-rivalاستهالك سلعة بعينها من قبل فرد ال يقلل أو يؤثر سلبا
في استهالك آخرين منها في الوقت نفسه) ،وال تقبل االستبعاد( non-excludableال يمكن منع اآلخرين من
المشاركة ).
كانت هناك نقطة ضعف وهي أنه لم تكن هناك قوانين واضحة وملزمة في حدود صالحيات الخليفة ونوابه في
الصرف وأوجه الصرف .ولم تشهد الجزيرة العربية قبل قيام الدولة اإلسالمية في المدينة المنورة تنظيمات مالية
توصف بأنها حكومية أو عليها سلطة دولة ،بسبب غياب الدولة ،وحلول العرف القبلي محل القانون .
الوضع تغير بعد أن استقر الرسول -صلى هللا عليه وسلم -في المدينة ،حيث عمل على تنظيم الشؤون اإلدارية
والمالية للدولة الجديدة .أهم أو من أهم الخطوات التي اتخذت وضع ما يمكن أن نسميه وثيقة تنظم العالقات بين
المسلمين وبين المسلمين واليهود .هذه الوثيقة حوت نصوصا فيها تنظيمات لنواح مالية في حياة المسلمين .
هل كان هناك بيت للمال في عهد الرسول والخلفاء الراشدين؟
لم يوجد في عهد الرسول -صلى هللا عليه وسلم -بشكل منظم لقلة األموال ،وقد كان توزيع المال في الغالب
فوريا .
عقب الفتوح اإلسالمية في عهد الخلفاء الراشدين تغيرت األحوال ،فقد تدفقت األموال ،ويمكن القول إن نواة
تأسيس بيت المال تكونت في عهد الخليفة أبي بكر الصديق -رضي هللا عنه ،-فقد خرج المسلمون خارج شبه
الجزيرة العربية ،وفتحوا أقاليم ،وازدادت مقادير األموال الموردة للمدينة ،ويروي جالل الدين السيوطي في
تاريخ الخلفاء أن أبا بكر -رضي هللا عنه -كان له بيت مال في طرف من أطراف المدينة ،ليس يحرسه أحد،
فقيل له :أال تجعل عليه من يحرسه؟ قال :عليه قفل .وكان يعطي ما فيه حتى يفرغ ،فلما انتقل إلى المدينة حوله
فجعله في داره .
ازدادت حركة الفتوح في عهد الخليفة عمر -رضي هللا عنه ،-وازداد تبعا لذلك تدفق الثروة من الواليات على
حاضرة الخالفة المدينة ،وكان من الطبيعي أن يحتك العرب بشعوب األقاليم المفتوحة ،ويتأثروا بتنظيماتها
الحضرية ،وقد وجد الخليفة نفسه مضطرا إلى االهتمام باإلصالحات اإلدارية ووضع القوانين اإلدارية .
منذ البداية واجه عمر بن الخطاب وضعا صعبا ،أال وهو وضع األراضي المفتوحة :هل يقسمها على المسلمين
باعتبارها فيئا ،أم يجعلها ملكا للدولة تبقى بيد أصحابها يزرعونها ويدفعون عنها الخراج يكون أجرة لها يؤدى
كل عام؟ كان من رأي بعض المسلمين تقسيمها إال أن عمر رفض هذا الرأي باعتبار أن ملكية األرض ستنحصر
في فئة محددة ،وألح كثيرون على عمر باالستشارة ،فاستشار عشرة من المسلمين ،وقال لهم قد رأيت أن أحبس
األرضين بعلوجها وأضع عليهم الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فيئا للمسلمين ،والمقاتلة والذرية ولمن يأتي
بعدهم .أرأيتم هذه الثغور ال بد لها من رجال يلزمونها أرأيتم هذه المدن العظام –كالكوفة والبصرة -ال بد لها من
أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم .فمن أين يعطى هؤالء إذا قسمت األرضون والعلوج؟ فكان أن وافقوه
على رأيه ،عندها كتب عمر إلى قادته يأمرهم بقسمة األموال والسالح على المقاتلة وترك األرض لتكون فيئا
للمسلمين ألنها لو قسمت عليهم ال يبقى لمن يأتي شيء .
ثم كانت خطوة عمر المهمة األخرى وهي تدوين الديوان لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطة من األعمال واألموال
ومن يقوم بها من الجيوش والعمال .كثرة الفتوحات وحيازة العرب لكنوز األكاسرة وتدفق األموال عليهم ,إضافة
إلى احتكاكهم بالمجتمعات المفتوحة األكثر حضارة مادية منهم ،كل ذلك دفع إلى التوسيع على المسلمين ،وتفرقة
األموال بينهم ،ولكنه لم يكن يعرف كيف يصنع ذلك ويضبط .تأثر المسلمون وجلهم من العرب في تنظيم
دواوينهم بما كان سائدا لدى الفرس والروم .ولهذا بقي ديوان العراق بالفارسية ،وديوان الشام بالرومية ،حتى
مجيء عبد الملك بن مروان وظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحساب ،فعربت الدواوين .وباهلل
التوفيق،،،
توزيع الموارد ودور الترجمة في صناعة مشكلة
تعريف علم االقتصاد يدور حول الكيفية والكفاءة في استخدام الموارد المحدودة إلنتاج السلع والخدمات،
وتوزيعها بين مختلف الناس .وقد ناقشني أحدهم في هذا التعريف ،بأن اإلسالم قد وضع ضوابط وأحكاما في
توزيع الموارد ،ومن ثم يفترض أن تغنينا عما عند اآلخرين .
لقد التبس على قائل الكالم السابق المعنى المقصود بتوزيع /تخصيص الموارد في علم االقتصاد ،وهناك أكثر من
سبب في وجود هذا االلتباس ،والترجمة واحد منها .لفهم ما يقصد في علم االقتصاد بكفاءة استخدام و/أو توزيع
الموارد ،يجدر بنا النظر أوال في مشكلة أو دقة الترجمة .ذلك ألنه لم يكن للتعبير "توزيع الموارد" معنى أو
معان اصطالحية في المجتمعات العربية طيلة القرون التي سبقت عصر الثورة الصناعية وتطور العلوم الحديثة،
وإنما جاء التعبير ترجمة لتعبير أعجمي .
الكلمة التي أخذناها من مراجع علم االقتصاد األجنبية (اإلنجليزية) ،والتي ترجمت إلى توزيع هي allocation.
ولكن هناك كلمة أخرى ال تستعمل (في كتب علم االقتصاد اإلنجليزية) للتعريف بعلم االقتصاد ،وهي
،distributionولكنها تترجم أيضا إلى الكلمة نفسها توزيع .
فسرت في قاموس أكسفورد المشهور ، Oxford Advanced Learner's Dictionaryالطبعة السابعة
( )2005كلمة allocationبأنها إعطاء مورد كالمال لغرض ما .بينما تعطي كلمة distributionمعنى له
عالقة بالعدالة .
وربما كان مصدر اإلشكال أن التعريف ال يفيد شيئا في تعريف القارئ بمنهجية البحث االقتصادي ،وال في
طريقة علم االقتصاد في تناول المسألة ومناقشتها وتحليلها ،أو ما يسمى باإلنجليزية economic approach.
وفهم المقصود بالتوزيع allocationمتعلق بفهم منهج البحث في علم االقتصاد .
يهتم علم االقتصاد economicsبتوصيف وفهم وتفسير السلوك االقتصادي لإلنسان ،وطبيعة وتركيب األمور
والوقائع االقتصادية (الناشئة من التعامالت بين الناس) والتوصل إلى النظريات المفسرة لذلك السلوك ،أو كيفية
حدوث تلك المسائل واألحداث .والمنهج المستخدم فيه هو المنهج العلمي أو التقريري (أقصد ) scientificقدر
اإلمكان ،وهناك الجانب اآلخر ويعنى بالسياسات االقتصادية ،والتي تبنى ليس فقط على الجانب التقريري ،بل
أيضا على اعتبارات أخرى كثقافة المجتمع ورغباته وتفضيالت من يحكمونه ونحو ذلك .
فهم كيف يعمل االقتصاد خطوة أساسية للتعرف على وتفسير توزيع الموارد .وهناك عدد ال نهائي من كيفيات
وأنماط وأشكال توزيع الموارد ،ويهتم علم االقتصاد بالتعرف على المعايير التي ينبغي األخذ بها للحصول على
أفضل توزيع بين توزيعات ال نهائية العدد ،وحتى لو كانت كلها مقبولة لذاتها شرعا و/أو قانونا .وتبعا لهذا
الهدف ،طور علماء االقتصاد عددا كبيرا من أدوات التحليل االقتصادي .
ولذا من المهم جدا أن يعرف أن ذلك التعريف أو المغزى الجامع لعلم االقتصاد ال يقصد وال يعني أساسا األحكام
الشرعية (أو القانونية) في الشؤون المالية واالقتصادية ،كأحكام الزكاة والخراج والبيع والتجارة ونفقة الزوجة
وأحكام التملك والميراث ومسؤولية الحكومات في حصول الناس على حاجاتهم األساسية في حدود قدرات الدولة
وغيرها كثير جدا .وال شك أن لألحكام الشرعية (أو القانونية أو القيم السائدة) تأثيرا على توزيع الموارد بالمعنى
المقصود في علم االقتصاد ،ولكنه أوال ليس القضية األساسية ،وثانيا ال يتطلب عادة عمقا فقهيا (أو قانونيا) ،بل
تكفي معرفة مبادئ بسيطة ،مثل تحريم الغش عند مناقشة كفاءة تخصيص أو توزيع مورد ما (بالمعنى
االقتصادي) ،أو عدد ساعات العمل األسبوعية المحددة بالقانون عند مناقشة وتحليل سوق العمل أو تأثير توزيع
موارد العمل ورأس المال على اإلنتاج .ونهج معرفة المبادئ الفقهية (والقانونية) ذات الصلة بالتخصص ليس
مقصورا على علم االقتصاد ،فالطبيب مثال ،ينبغي له أن يعرف أبسط المبادئ الشرعية (والقانونية) ذات العالقة
بمهنته ،وهكذا .
ولعل في مشورة يوسف عليه السالم لملك مصر في توزيع /تخصيص الموارد بعض التوضيح للمقصود من
توزيع /تخصيص الموارد في علم االقتصاد .
فقد فسر يوسف الرؤيا ،وأسند إليه الملك التنفيذ ،وذكر السبب "إني حفيظ عليم" ،وقد لفت انتباهي استخدام
العالمة الشيخ السعدي ـ رحمه هللا ـ في تفسيره تيسير الكريم الرحمن الكلمات الثالث "عليم بكيفية التدبير" .هذه
الكيفية ال تكتسب من دراسة الفقه أو القانون .
هناك تفصيالت يبنى عليها توزيع الموارد ،لم تذكر في سورة يوسف ،فمثال لم تذكر المعايير واالعتبارات
المؤثرة في التوزيع ،وكيفيته ،آخذا في الحسبان قضايا كثيرة جدا تعكس تنوع الظروف واألحوال واالحتياجات
بين الناس ،وتقدير حاجة كل دورة زراعية من البذور ،وكيفية تقدير ما ينبغي توزيعه حاضرا من القوت ،وما
ينبغي ادخاره ،وما تأثير ذلك في الناس ،وتأثرهم ،كما لم تذكر السورة معالجة يوسف عليه السالم للمسائل
المتعلقة بالتكاليف ،وغيرها من المتعلقات التي تظهر مع التخطيط أو التنفيذ .
وقد أصبحت األوضاع االقتصادية للمجتمعات واألفراد في العصر الحاضر أعقد كثيرا من األحوال االقتصادية
للمجتمعات وتضارب مصالحها قديما ،بل حتى قبل عشرات السنين ،وأصبح توزيع الموارد في العصر الحاضر
خاضعا لمعايير كثيرة تكتسب بالتعلم الذي مصدره الكون ،وأما الفقه (والقانون) فيعطي مبادئ مجملة (كالعدل)،
مفروض مراعاتها في شؤون الحياة كلها من اقتصادية وتعليمية وصحية وبلدية ...إلخ .وباهلل التوفيق،،،
عالميـة علم االقتصـاد
يرى بعض الكتاب أن علم االقتصاد معبر عن قيم الغرب وثقافته ،وكانت هذه النقطة من أسس االدعاء بوجود
بديل مغن عن علم االقتصاد باسم االقتصاد اإلسالمي .القول بأن علم االقتصاد معبر عن قيم الغرب وثقافته كالم
غير دقيق ،بل هو غير صحيح ،هكذا على إطالقه .وكثيرا ما يكون مصدر الغلط أن أولئك الكتاب استندوا إلى
نظريات اقتصادية قيلت في ظروف بعينها (وخاصة نظريات لعلماء اقتصاد في القرن التاسع عشر) ،وتوهموا
أن هذه النظريات تمثل منهجية ومنحى العلم ،أي أنها تمثل أصول وماهية العلم وطبيعته ،أو أنها تكتسب الدوام
الزمني والدوام المكاني .
لنفرق بين ماهية ومنهجية علم االقتصاد ،ومعاييره وأصوله ،ونظريات قيلت في العلم نفسه .
العلم من حيث المنهجية والمنحى وأدوات التحليل عالمي ،غير مختص بالغرب .مثال ،أسس تحليل حركة
األسعار أو العرض والطلب على سلعة في علم االقتصاد (باستخدام الكالم والرسوم البيانية والرياضيات) ال
تتغير بسبب تغير عادة أو ثقافة بعينها ،والذي يتغير بسبب تغير الثقافات هو قوة كل مؤثر في حركة األسعار ،فقد
يضاف عامل ،ويهمل عامل في التحليل النظري ،ثم يؤيد ذلك أو ال يؤيده العمل التطبيقي القياسي ،مما يتطلب
إعادة البناء والتحليل النظري ،وهذا ما يسار عليه في البحث العلمي االقتصادي .وينشأ من ذلك أن استخدام
أدوات التحليل االقتصادي والمنحى في استخدامها لدراسة العوامل االقتصادية المؤثرة والعالقات األصل فيها
العالمية ،أي أنها ليست مختصة ببيئة دون بيئة ،أو حضارة دون حضارة ،أو ديانة دون ديانة .ولذا ليس بصحيح
تعميم القول بأن علم االقتصاد ال يراعي البيئات .
القول السابق يخلط بين منحى ومنهجية التحليل النظري والتطبيقي ،التي تصلح لكل بيئة ،وهي معتمدة على
السببية والتعليل في تفسير التصرفات والوقائع االقتصادية ،باستخدام األلفاظ والرياضيات واإلحصاء ،وبناء
نظري بعينه ،كتطوير نموذج اقتصادي قياسي econometric modelبعينه لشرح النمو االقتصادي ،أو
اختيار عوامل بعينها لتفسير تأثير اإلنفاق الحكومي في بلد بعينه ،وكالقول بأن سبب ارتفاع سلعة ما هو كذا من
العوامل ،أو سبب البطالة (قد يكون تعميما أو في دولة ما) هو كذا من العوامل .قد يبين التمحيص النظري و/أو
التطبيقي وجود خلل في أصل البناء النظري أو التفسير المعطى ،ومن ثم حاجته إلى التعديل .وعمل التعديل
يتطلب إعادة نظر في طبيعة األسباب والمؤثرات وكيفية تفاعلها مع بعض .وكل هذا معروف ،ويدركه جيدا
المتمكنون من علم االقتصاد .
المشكلة السابقة ال تظهر فقط عند تغير البيئات ،بل حتى في البيئة الواحدة ،فكل متخصص في علم االقتصاد
يعرف وجود خالفات بين علماء االقتصاد في تفسير بعض الوقائع االقتصادية ،حتى لواقعة بعينها وفي بلد بعينه،
استنادا إلى خالفات في فهم العوامل واألسباب وتقدير قوة تأثيرها .وعندما كنت أعمل باحثا ومستشارا اقتصاديا
في إحدى الوزارات ،وأسندت إلي تشغيل نموذج اقتصادي كلي قياسي، macro-econometric model
والذي سبق أن عمله فريق أمريكي متعاقد مع الوزارة ،وجدت فيه عيوبا ،وبعض العيوب راجع إلى عدم إدراك
الفريق األمريكي اإلدراك الجيد بعض العوامل المحلية المؤثرة ،وقد قمت وزميل آخر بإعادة بنائه وتطويره من
جديد .
بل لقد ظهرت حقول وفروع تخصصية من علم االقتصاد تقوم على مراعاة الفروق بين البيئات ،فمن األمثلة
وجود االقتصاد النفطي واالقتصاد الزراعي واالقتصاد البيئي واالقتصاد المؤسسي التحكمي institutional
economicsواقتصاد المعرفة .وبصفة عامة تسمح منهجية ووسائل وطرق البحث االقتصادي بتطور فروع
وحقول تخصص لبيئات بعينها ،وهذه قضية جوهرية معروفة في علم االقتصاد .
وأختم هذه المقالة بسرد بعض ما أراه أهم معايير وأصول علم االقتصاد :
ـ حب االستزادة :زين للجنس البشري حب الدنيا ،ولذا يسعى اإلنسان إلى تحقيق أقصى إشباع أو منفعة من الدنيا .
ـ المحدودية :الموارد اإلنتاجية محدودة ،ولذلك ال يمكن الحصول على كل ما تشتهيه األنفس ،فهذا في الجنة فقط.
وليس لقانون العرض والطلب من معنى لوال وجود المعيارين األول وهذا الثاني .
ـ االختيار :يمكن استعمال نفس الموارد للحصول على عدة بدائل من السلع والخدمات ،كما يمكن توزيعها على
أكثر من فترة زمنية ،ولذا البد من االختيار ،ولكل اختيار محاسن وعيوب .
ـ حق الملكية الخاصة :هذا هو األصل ،وال يمنع ذلك من وجود استثناءات .
ـ التنظيمات والقوانين والنظم :لتنظيمات السوق والنظم االقتصادية دور في االختيار ومراقبة وتنظيم األمور
وتحقيق المستويات المعيشية .من األمثلة األحكام الشرعية والقانونية والمحاكم ...إلخ .
ـ دور الحوافز :الناس تستجيب إلى الحوافز اإليجابية والحوافز السلبية .
ـ االستفادة من التبادل :ال يحدث التبادل الطوعي إال عندما تتوقع األطراف المشاركة اكتساب فائدة .
المعايير أو األصول السابقة تعبر عن صفات بشرية ،بغض النظر عن الدين أو الموقع الجغرافي ،ولكن تظهر
أحيانا خالفات في تفاصيل ،مثل حدود الملكية الخاصة والملكية العامة ،ومدى الرغبة في فعل الخير أو بذل سلع
وخدمات دون استناد إلى حساب الربح والخسارة المادية .ولكن من المهم التنبيه إلى أن تلك المعايير أو األصول
ليست هي علم االقتصاد ،ولكنه يستند إليها في التحليل .وباهلل التوفيق،،،
عالمية علم االقتصاد مرة أخرى
نشرت لي "االقتصادية" مقالة بعنوان "عالمية علم االقتصاد" ،في العاشر من أيار (مايو) .2009وكان الباعث،
كما ذكرت في بداية المقال ،أن بعض الكتاب يرون أن علم االقتصاد معبر عن قيم وثقافة الغرب .وقلت إن هذا
الكالم غير دقيق ،بل هو غير صحيح ،هكذا على إطالقه .
وأنهيت المقالة بسرد سبعة معايير يبنى عليها علم االقتصاد ،وهي ليست على سبيل الحصر :حب االستزادة من
متاع الدنيا ،وكون الموارد لها حدود ومقادير ،ووجود خاصية االختيار ،وحق الملكية الخاصة ،ودور التنظيمات
والقوانين والنظم في قيام األنشطة االقتصادية ،وأهمية الحوافز ،وأن التبادل يجلب فائدة لكال الطرفين .
وعلقت على ذلك أن المعايير أو األصول السابقة تعبر عن صفات بشرية ،بغض النظر عن الدين أو الموقع
الجغرافي ،ولكن تظهر خالفات في تفاصيل .
انتقد البعض وصفي معايير علم االقتصاد بأنها عالمية .ومن الذين انتقدوا القارئ الفاضل محمد عبد الهادي ومما
قاله في معرض تعليقه " ...فما قد يوصف بأصول علم معين ،لم أجد في كتب المنهج العلمي والتفكير العلمي
المعاصر ما يفيد بأنها مطلقة ال تحتمل التغيير أو التعديل" .وقال "النسبية والبعد عن اإلطالق والتعميم هو ديدن
العلماء المعاصرين "...وقال "فهم ما لعلم ما يعتمد على فهم فئة معينة وال يستلزم ذلك تعميما ."...وقال "ولكن
أشعر بأن وصفها أصول بأنها عالمية ربما يكون مبالغا فيه ...".
أشكر له نقده ،لكنه يبدو لي أن جزءا كبيرا من الخالف لفظي ال حقيقي ،أو أنه راجع إلى سوء فهم لما يقصده
علماء االقتصاد بعالمية علم االقتصاد .إذ إن عبارات من قبيل "مطلقة" و"النسبية" و"البعد عن التعميم" عبارات
مسلم بها في المنهج والتفكير العلمي بالمعنى المعاصر .وليس في مقالتي ما يشير إلى أنني أنظر إلى أن أصول
أو معايير علم االقتصاد مطلقة ،ولم يقل بذلك أي عالم اقتصاد أو متخصص فيه يفهم معنى البحث العلمي حق
الفهم .كلمة عالمية تعطي معنى غير ما تعطيه كلمة مطلقة .واألمر بحاجة إلى إيضاح .
المدخل لإليضاح هو أن وصف الجنس كطائفة أو جماعة بوصف ال تعني االنطباق الحرفي للوصف على كل
فرد من أفراد الجنس .وهذه قضية لغوية ،ولها بعد ديني ،ولذا ناقشها علماء اللغة العربية وعلماء الدين .مثال
وردت أحاديث تفيد العموم مثل قوله ـ صلى هللا عليه وسلم ـ "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ،ثم الذين
يلونهم( "...الصحيحان) ،ولم يقل أحد من علماء الدين بأن كل فرد من قرن الرسول ـ صلى هللا عليه وسلم ـ خير
من كل فرد من القرون التالية أو أن كل فرد من الذين يلون قرن الرسول خير من كل امرئ جاء بعدهم ،وإنما
قالوا هذا من حيث الطبقة العامة ال من حيث كل فرد بذاته .
هناك فرق بين قانون ينطبق على األفراد من حيث المتوسط أو بتعبير آخر المجتمع باعتباره وحدة واحدة،
وقانون ينطبق على كل فرد ،فمثال نقول (في علم االقتصاد) يزداد االستهالك بزيادة الدخل ،ونقول تزداد الكمية
المطلوبة مع انخفاض السعر .هذان القانونان يتناوالن جنس األفراد وجنس السلع ،وال يعني أن كل السلع وكل
األفراد متماثلة في انطباق القانونين .فإن قيل إنهما في هذه الحالة ال يصلحان أن يسميا قاعدة أو قانونا ،قلنا أصبح
الخالف لفظيا ال حقيقيا .
وبهذا المعنى من الصعب أن نقبل بوصف معايير علم االقتصاد غامضة ،ألجل أنها ال تنطبق على كل آحاد
الناس ،وتبعا لذلك ،ال أتفق مع وصف الفيلسوف الشهير هوسرل (صاحب مقدمة في المنطق المحض) لقواعد أو
قوانين علم ما (كان تركيزه على علم النفس) بأنها غامضة ،ألنها قواعد مبنية على تعميم التجربة ،أو تعميم
االستقراء .وعند هوسرل أنه نظرا ألن العلوم الكونية نسبية احتمالية تقوم على السببية ،فإنه ال يصلح التعميم.
وربما يتحول الخالف في األخير إلى لفظي .
هل لنا أن نقول بإمكان وجود مجتمع ال يزيد استهالكه مع زيادة دخله؟ هل يمكن أن يقع ذلك ،مع أننا نعرف أن
االحتياجات والرغبات البشرية ال حصر لها ،مقابل موارد في هذه الدنيا لها حدود ومقادير .الوقت واألرض
موردان من موارد اإلنتاج ،ولو قال قائل إننا ال نملك إثباتا على محدودية األعمار ،أو ال نملك إثباتا على أن
الكرة األرضية ليست ذات مساحة ال تنتهي بحدود ،فإن مثل هذه المناقشات تتحول إلى جدل ال طائل عملي أو
تطبيقي من ورائه .
نحن نستخدم في علم االقتصاد تعبير عالمية وال نستخدم تعبير مطلقة .وأرغب ممن يشكك في عالمية تلك
المعايير ،أن يدلني على سبيل المثال ،على مجتمع عندما يزيد دخله ال يزيد استهالكه ،أو مجتمع ال ينطبق عليه
قوله سبحانه "زين للناس حب الشهوات" أو مجتمع يتصف أفراده بعدم تأثرهم بالحوافز ...،إلخ المعايير.
والمقصود ،طبعا كما أسلفت ،طبقة المجتمع باعتباره وحدة أو كتلة واحدة ،ال من حيث كل فرد فيه .وباهلل
التوفيق،،،
منحى علم االقتصاد
وأعني بالمنحى طريقة التناول في النقاش والتحليل .ويعبر عن باالنجليزية بالتعبير .approach
ما الذي يميز منحى علم االقتصاد economicsعن منحى علم الفقه أو القانون أو االجتماع أو علم النفس
أو إدارة األعمال؟
قد يتوهم البعض أن تعريف علم االقتصاد يجيب على السؤال .فهل األمر كذلك؟ أعطي علم االقتصاد
تعريفات كثيرة ،ولكنها تدور في إطار المعنى التالي :كيف للمجتمعات أن تستخدم مواردها المحدودة إلنتاج
سلع ذات قيمة ،وتوزيعها بين مختلف الناس.
في دراسة الكيفية السابقة ،يحاول علم االقتصاد تفسير السلوك االقتصادي ،وهذا المعنى يحدد النطاق
،scopeولكنه ال يفيدنا شيئا عن منحى وطريقة أو كيفية دراسة هذا النطاق ،وال يوضح تميز علم االقتصاد
عن غيره من العلوم التي تدرس على نحو ما سلوك البشر .وال شك أن سلوكيات البشر االقتصادية جزء من
السلوك .أما الفقه والقانون فهما يبحثان في سلوك البشر ،ال من حيث تفسير هذا السلوك ،ولكن من حيث األمر
والنهي وما ينبغي وما ال ينبغي والحقوق وااللتزامات .وللمقارنة نطاق علم الفقه هو التصرفات العملية.
القول بأن معنى علم االقتصاد بأنه محاولة تفسير السلوك االقتصادي ،غير كافية ،فالتسويق –وهو تخصص من
تخصصات األعمال -يهتم بتفسير السلوك االقتصادي للمستهلك .معرفة هذا السلوك وسيلة مهمة لتحقيق الهدف
من التسويق الذي قد يكون مثال رفع المبيعات .تفسير السلوك االقتصادي في االقتصاد يتسم بالحياد ،أي أنه
مقصود فهمه لذاته ،هذا فرق جوهري أول .ولتحقيق الحياد قدر اإلمكان فإن منهج ومنحى البحث في االقتصاد
يختلف عن منهج ومنحى البحث في تخصص التسويق.
طالما أن علم االقتصاد يدرس ويحلل السوق وتوزيع/تخصيص الموارد المحدودة ،فلنا أن نسأل عن منحى علم
االقتصاد في الدراسة والتحليل؟
كلمة القصوى أو األقصى هي المدخل لفهم منحى علم االقتصاد .كل من درس االقتصاد دراسة عميقة يعرف
أن فكرة التعظيم maximisationتميز الدراسة العلمية االقتصادية .يستند المنحى االقتصادي على
افتراض سلوك تعظيمي أي جنوح للحصول على القدر األعظم أو األقصى ،سواء كان ذلك منفعة أو ثروة أو
ربح أو ...الخ .وفي هذا ،ال يسهم االقتصاديون في فهم تفضيالت البشر التي يعظم السلوك في إطار وجودها،
ولكن يفترض بصفة عامة أنها بحكم الثابتة ،وإذا تغيرت فتغيرها بطيء جدا مع السنين .ومن الصعب جدا فهم
السلوك االقتصادي للبشر في إطار زمني لو كانت التفضيالت سريعة التغير.
وفي إطار وجود تفضيالت بعينها ،تقوم ميكانيكية أو آلية األسعار في التأثير على توزيع/تخصيص الموارد،
وهذا يدفع لتحقيق التوازن .طبعا قد ال يتحقق التوازن ،ولكن االتجاه إلى تحقيقه.
يسعى اإلنسان لتعظيم مصالحه ،وينحى السوق إلى التوازن ،وتميل التفضيالت إلى االستقرار .ويشكل هذا
الثالثي التعظيم والتوازن واالستقرار ربما العمود الفقري للمنحى االقتصادي.
ويكون هذا الثالثي أساسا لفهم القوانين والمباد االقتصادية ،على سبيل المثال ،قانون العرض والطلب :تزيد
الكمية المرغوب في عرضها وتقل الكمية المرغوب في طلبها مع ارتفاع األسعار ،بافتراض ثبات العوامل
األخرى كالدخل .هذا القانون ما كان له أن يكون كذلك بدون وجود الثالثي السابق.
فهم الكالم قبل نقده
عنوان هذه المقالة (أو نحوه) مما تعلمته من الشيخ عبد هللا الغديان ،عضو هيئة كبار العلماء ،في السنة التمهيدية
لماجستير الفقه وأصوله في كلية الشريعة بالرياض في أواسط العقد األول من هذا القرن الهجري .
خفي على أبي عبيدة معمر بن المثنى (من العهد العباسي ،وكان من أعلم الناس بالشعر والبالغة واألخبار
واألنساب) الفرق بين ألف التأنيث وألف اإللحاق ،فقال في مواجهة المازني (من كبار علماء النحو في العصر
العباسي ):ما أكذب النحويين ،يقولون إن هاء التأنيث ال تدخل على ألف التأنيث ،وهم يقولون علقاة ،فقيل ألبي
عثمان المازني ِّلم (بكسر الالم وفتح الميم) لم تفسر له؟ فقال :لم أفسر له ألنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا
(الخصائص البن جني ،الجزء األول ،ص ). 272
ما أكثر الذين ينتقدون أقواال يبدو أنهم لم يفهموها جيدا .وهاكم مثالين ،األول من كتاب الدكتور عيسى عبده،
رحمه هللا" ،االقتصاد في القرآن والسنة" ( .)1982والثاني من كتاب الدكتور محمد الجمال "موسوعة االقتصاد
اإلسالمي ( .)1980 -1400والمؤلفان ليسا من المتخصصين في علم االقتصاد ،ولكنهما كتبا كثيرا تحت اسم
االقتصاد اإلسالمي .
طلب وعرض العمل
ذكر عيسى عبده في كتابه "االقتصاد في القرآن والسنة" ( )1982أن االقتصاد اإلسالمي يرى عكس ما تراه
النظرية االقتصادية أو ما سماه كتاب المادة االقتصادية في تحليل العمل .
يقول "اإلجماع منعقد عند كتاب المادة االقتصادية على أن عرض العمل يجيء من العامل ..أما الطلب على
العمل فيجيء من صاحب العمل ..فأما في االقتصاد اإلسالمي يرى عكس ذلك ،إنه يجعل طلب العمل صادرا من
الكادحين المنتجين أيا كان المستوى ..والكل يطلب العمل ..ويجيء العرض من جانب المجتمع بإشراف ولي
األمر وتحت مسؤوليته ..،إلخ ".
المتخصصون في علم االقتصاد يعرفون ،كما تعرف ذلك كل فئات المجتمع ،أن العمال أو العاطلين يطلبون
أعماال ووظائف .ولكن البحث العلمي االقتصادي يتطلب تقسيما يفيد في التحليل االقتصادي ،ويتفق مع طريقة
التحليل االقتصادي للعوامل اإلنتاجية األخرى غير العمل كرأس المال ،وينسجم أيضا مع التسجيل المحاسبي،
ومع الطريقة التي تعد بها التحليالت المالية وحسابات الميزانيات واألرباح والخسائر للمنشآت والمؤسسات .
التعبير الذي يستخدمه المتخصصون في االقتصاد ،عرض العمل ،يقصدون به قوة العمل المتاحة لإلنتاج .مثلما
نقول إن عرض أي سلعة وخدمة أخرى تعني القدر المتاح للبيع .ومن جهة ثالثة ،البائع أو من يملك السلعة أو
الخدمة عارض والمشتري أو دافع النقود أو من يحتاج إلى السلعة أو الخدمة طالب ,هذه قاعدة .
كما أن قوله "طلب العمل" يمكن أن يفسر باتجاهين متعاكسين :طلب العامل أن يعمل وطلب صاحب العمل أن
يعمل العامل عنده .وغير ما سبق ،من الممكن تعميم ما قاله " ..ويجيء العرض (بالعمل) من جانب المجتمع"،
إذ يمكن أن يقال أيضا " ..ويجيء العرض بشراء السلع والخدمات من جانب المجتمع" ،ويمكن أن يقال إن البائع
طالب ،ألنه يطلب رزقا .ومن ثم ال يصبح لالصطالح والتسميات وقانون العرض والطلب معنى .كل هذه النقاط
لم يناقشها الدكتور عيسى عبده ،ليتبين له أن نقده في غير محله .
المشكلة االقتصادية :موارد بمقادير
يقول الدكتور محمد الجمال في كتابه "موسوعة االقتصاد اإلسالمي " )(1400-1980المشكلة االقتصادية ،وهي
مشكلة الفقر ،ليست كما تصورها الرأي التقليدي السائد ،بأنها مشكلة تعدد الحاجات وندرة الموارد ،وإنما هي
مشكلة سوء توزيع الثروة والدخول .ص. 36
غلط الجمال ومن نحا نحوه ،في فهمهم للمشكلة االقتصادية (أو ما يسمى كذلك) كما تشرحها كتب مبادئ علم
االقتصاد ،التي سمتها أحيانا بالندرة النسبية أو وجود حدود للموارد .إن الفقر وغيره من األمور األخرى التي
ذكروها في معنى المشكلة االقتصادية كالكسل واإلسراف وسوء التوزيع ،ال تنكر ،بل هي من أوضح
الواضحات ،ولكنها تزيد من القناعة بوجود المحدودية .إذ ليس من المتصور أصال إمكان وجود تلك المشكالت
من دون وجود موارد بمقادير وحدود ،أي لو أن الموارد كانت متاحة من دون حدود وكما يشتهي كل واحد ،لما
كان للفقر وتفاوت األرزاق والثروات واإلسراف والسرقة والكد والبيع والشراء واألسعار واألجور والتوظيف...
إلخ معنى .هل نتصور وجود الفقر في الجنة؟ كال .ربما كان لبعض الناس إشكال في استعمال كلمة "مشكلة"،
ولكن الشرح المعطى لها ينبغي أن يرفع اإلشكال .
وقد أورد كتاب ساملسون ووردهاوس "االقتصاد" الذي يعد (أو كان يعد) أشهر كتاب على مستوى العالم في
مبادئ علم االقتصاد ،الذي طبع نحو 20طبعة ،وبيعت منه ماليين النسخ ،وترجم إلى أكثر من 40لغة ،منها
العربية توضيحا لما تعنيه كلمة ندرة .وحقيقة ،ال أرى استخدام كلمة ندرة استخداما موفقا ،ألن الكلمة ال تنسجم
مع الشرح المعطى لها في كتب مبادئ علم االقتصاد .
يقول" :فإذا كان في اإلمكان إنتاج كميات غير محددة من كل سلعة ،أو إذا أشبعت كل الحاجات البشرية بالكامل،
فماذا ستكون النتيجة؟ لن يقلق الناس على وضع ميزانية لدخلهم ،ألن في وسعهم الحصول على كل ما يريدون،
..فطالما كان في وسع الجميع الحصول على كل ما يرغبون ،فلن يهتم أحد بمسألة توزيع الدخل بين مختلف
الناس أو الطبقات ...ولن يكون هناك صلة ما بين األسواق واألسعار ،ولن يكون لعلم االقتصاد أهمية أو فائدة".
ص .30أقول :مثل هذا ال يوجد إال في جنات النعيم ،جعلنا هللا سبحانه جميعا من أهلها .
قبل النقد علينا أوال أن نفهم القول الذي ننوي أن ننتقده ،وباهلل التوفيق .
من االقتصاد السياسي إلى علم االقتصاد
فه ُم السابقين من القرون األولى للدين وآرائهم في العقيدة والتفسير والفقه تفوق في األهمية والقيمة آراء من جاء
بعدهم .هذا الوضع ال ينطبق على العلوم واألفكار والنظم التي مصدرها الكون وليس الوحي ،فهذه العلوم في
تطور مستمر ،وأبحاثها المنشورة في المجالت العلمية تقل في الغالب أهميتها وقيمتها مع مضي الوقت .ولذا فإنه
ينبغي – عند تقييم العلوم الكونية كاالقتصاد -أن يستشهد بالمعايير واألصول واآلراء والنظريات التي تعبر عن
التفكير السائد فيها اآلن ،وليس القرن التاسع عشر ،مثال .
كان علم االقتصاد في بدايات نشوئه يسمى االقتصاد السياسي ،وقد كانت الكتابات فيه عبارة عن خليط بين
مناقشات عقلية سببية تحاول في المقام األول فهم كيف يعمل االقتصاد ،ومناقشات ذات طابع فلسفي فكري
ممزوجة بطابع حقوقي قانوني .ومع الوقت طغى الجانب األول (فهم كيف يعمل االقتصاد) ،بما ميز علم
االقتصاد عن علوم أخرى .ويظهر هذا التميز جليا بمنهج وفعل عدد من كبار علماء االقتصاد في القرن الماضي
(وعلى رأسهم كينز) ،عندما انتقدوا نظريات آدم سميث وغيره من المنسوبين إلى المدرسة الكالسيكية التي كانت
هي السائدة إلى نحو عقد الثالثينيات من ثلث القرن الماضي ،فإن لب انتقادات كينز (مثال) آلراء اقتصاديي القرن
التاسع عشر انصبت على مناقشة التعليل والسببية وما يراه (كينز) من سوء فهم الكالسيكيين لكيفية عمل
االقتصاد .
وهذا مثال مختصر وبسيط يشير إلى خالف في فهم كيفية عمل االقتصاد :مر بالغرب الكساد الكبير في نهاية
الثلث األول من القرن العشرين الميالدي ،وشاع وقتها أن ذلك الكساد نتيجة انهيار سوق األسهم في تشرين األول
(أكتوبر) ،1929من جراء الفقاعة التي صنعها المضاربون .ثم جاء االقتصاديان فريدمان وشوارتز ،وقاما
بدراسة التاريخ النقدي للواليات المتحدة خالل الفترة ،1960 -1867وركزا على الفترة ،1933- 1929
وتوصال إلى أن الكساد الكبير لم يحدث بالضرورة نتيجة مباشرة النهيار سوق األسهم في أكتوبر . 1929
االختبار الدقيق بين أن عرض النقود قد انخفض حقيقة بنسبة 27في المائة خالل الفترة ،1933-1929وهذا
االنخفاض بدوره تسبب في انخفاض حاد في الطلب الكلي (على السلع والخدمات) في االقتصاد األمريكي.
انهارت نسبة كبيرة من البنوك وضاع جزء كبير من مدخرات الناس ،وتسبب ذلك في موجه ذعر وجنوح لمزيد
من االدخار ،ما زاد من تدني الطلب الكلي .وكان ذلك عامال أساسيا في انخفاض الناتج المحلي اإلجمالي
األمريكي بنسبة 29في المائة في عام 1933مقارنة بعام .1929كما وصل معدل البطالة إلى قرابة 25في
المائة .
بالمقارنة ،يلحظ أن انتقادات كثرة من المصنفين في االقتصاد اإلسالمي ،وخاصة من الرعيل األول ،تدور حول
القضايا ذات الطابع القانوني والفكري في كتابات االقتصاديين ،وخاصة الكالسيكيين ،وهي جوانب ليست من
صميم اهتمامات علم االقتصاد ،بغض النظر عن الرأي فيها .
لو أردنا التعرف على علوم كثيرة الزمة للحضارة والمدنية المعاصرة من خالل االستناد إلى أفكار ونظريات
قيلت في الماضي لصرنا في مشكلة .بل لوصل بنا األمر إلى تحريم بعض هذه العلوم والتخصصات ،ألنها
خلطت في الماضي بين حق وباطل ،وبين تعليم المشروع وتعليم غير المشروع ،أو بدأ تطورها على تعليم ما هو
غير مشروع ،وربما كانت الكيمياء أوضح مثال ،وهو علم ال تقوم العلوم والتخصصات التجريبية التطبيقية
كالطب والصيدلة والصناعات المعاصرة بدونه .فكيف كانت حالته في الماضي؟ نجد الجواب عند اإلمام ابن
تيمية ـ رحمه هللا ـ .
يقول ابن تيمية في فتاواه تحت باب الحسبة ،أثناء حديثه عن الغش" :ومن هؤالء [الكيماوية] الذين يغشون النقود
عنبرا أو مس ًكا أو جواهر أو زعفرانًا أو ماء ورد أو
والجواهر والعطر وغير ذلك فيصنعون ذهبًا أو فضة أو
ً
غير ذلك ،يضاهون به خلق هللا :ولم يخلق هللا شيئا فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه بل قال هللا ،عز وجل ،فيما حكى
عنه رسوله( :ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا بعوضة) ولهذا كانت المصنوعات مثل
األطبخة والمالبس والمساكن غير مخلوقة إال بتوسط الناس قال تعالى{ :وآيةٌ له ُه ْم أنها حم ْلنا ذُ ِّريهت ُه ْم فِّي ْالفُ ْل ِّك
ون} [يس{ ]41 :وخل ْقنا ل ُهم ِّمن ِّمثْ ِّل ِّه ما ي ْركبُون} [يس .]42 :وقال تعالى{ :أت ْعبُدُون ما ت ْن ِّحتُون}
ْالم ْش ُح ِّ
[الصافات{ ]95 :و ه
اَّللُ خلق ُك ْم وما ت ْعملُون} [الصافات .]96 :وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب
غير مقدورة لبني آدم أن يصنعوها ،لكنهم يشبهون على سبيل الغش ".
هل نأخذ بما قاله ابن تيمية ونطبقه على الكيمياء اآلن؟ من يقول بذلك فهو جاهل ،لم يفهم كالم ابن تيمية على
حقيقته ،ولم يفهم حقيقة الكيمياء في العصر الحديث .وتعنى الكيمياء كمصطلح :العلم الذي يدرس طبيعة المادة
ومكوناتها وكيفية تفاعالت المواد بعضها مع بعض ،وعالقاتها بالطاقة .وعلى هذا تكون وظيفة العالم الكيميائي
األساسية هي معرفة أكبر قدر ممكن من المعلومات عن طبيعة المادة التي أوجدها هللا في هذا الكون .
وكانت الكيمياء في العصور السابقة تستخدم ألهداف ربما على رأسها إحالة المعادن العادية إلى معادن ثمينة،
وتزامن مع ظهور الكيمياء القديمة ظهور التنجيم واختلط بها السحر كما سيطرت الرمزية على هذه الكيمياء مما
أغرقها في الغموض .
كانت النظرة للكيمياء التي شاعت عند كثير من المسلمين ،سلبية ،ألنها ركزت على الجوانب والتطبيقات غير
المشروعة ،دون التعمق في فهمها ،والعمل على تغيير المسار إلى مسار آخر نافع (وهذا ما فعله األوروبيون)،
وكان ذلك من أسباب تأخر المسلمين في الحضارة والمدنية .وباهلل التوفيق،،،
© Copyright 2026 Paperzz