تحميل الملف المرفق

‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬
‫علم االقتصاد واالقتصاد االسالمي‪ :‬تأصيل إشكاالت المعاني‬
‫مقاالت منشورة في الصحافة‪ ،‬غالبها خالل الشهور الماضية‬
‫‪‬‬
‫د‪ .‬صالح السلطان‬
‫‪ 1430/10/25‬الموافق ‪2009/10/14‬‬
‫لبس داللة الكلمات بين الفقهاء واالقتصاديين‬
‫االحتكار مثال‬
‫في إحدى سنوات دراستي في كلية الشريعة في الرياض قبل سنين طويلة‪ ،‬اخترت الكتابة عن االحتكار‬
‫وأحكامه في الفقه‪ .‬كان مطلوبا من الطالب كتابة بحث (أو باألحرى شبه بحث) قصير كل عام دراسي‪.‬‬
‫المشرف أستاذ فقه‪ ،‬والمراجع فقهية‪ ،‬وكتابتي كلها كانت وفق المنهجية الفقهية‪ :‬البدء بالتعريفات اللغوية‬
‫والفقهية‪ ،‬ثم ذكر اآلراء الفقهية مع أدلتها ثم المناقشة والترجيح‪.‬‬
‫ثم شاء هللا لي أن أدرس علم االقتصاد‪ .‬كان من ضمن ما درست في النظرية االقتصادية الجزئية أنواع‬
‫األسواق‪ ،‬ومنها االحتكارية‪.‬‬
‫لفت انتباهي أمران‪:‬‬
‫األول أن موضوع ومنهجية البحث في كل علم من العلمين مختلفة عن اآلخر اختالفا كليا‪ ،‬تفوق ما توقعته‬
‫كثيرا‪.‬‬
‫وفقا للدكتور يعقوب أبا حسين‪ ،‬أستاذ أصول الفقه في كلية الشرعية بالرياض‪ ،‬في كتابه أصول الفقه الحد‬
‫والموضوع والغاية‪ ،1408 ،‬مع بعض االختصار"الفقه في اصطالح الفقهاء‪ ،‬أطلق للداللة على أحد المعنيين‪.‬‬
‫األول حفظ طائفة من مسائل األحكام الشرعية العملية الواردة في الكتاب والسنة‪ ،‬وما استنبط منها‪ .‬والثاني‬
‫مجموع اإلحكام والمسائل الشرعية التي نزل بها الوحي‪ ،‬والتي استنبطها المجتهدون أو اهتدى إليها أهل‬
‫التخريج‪ ،‬أو أفتى بها أهل الفتوى‪.‬عند الفقهاء"‪ ،‬ص‪.56‬‬
‫أما عند األصوليين فالتعريف الشائع (وفقا للمصدر السابق) هو "العلم باألحكام الشرعية العملية من أدلتها‬
‫التفصيلية"‪ ،‬ص‪.68‬‬
‫أما علم االقتصاد فال يعلم أحكاما (ال فقهية وال قانونية)‪ ،‬وال شأن له بذلك‪ ،‬بل يحاول فهم السلوك االقتصادي‬
‫بلغة السببية‪ ،‬استنادا على مجموعة من المسلمات‪ ،‬رغبة في التعرف على كيفية استخدام الموارد‪ ،‬في ظل‬
‫وجود رغبات ال تنتهي‪ ،‬وموارد لها مقادير‪ ،‬وليست متاحة كما نشتهي‪ .‬وتجري المحاولة بالشرح اللفظي‬
‫‪‬‬
‫بكالوريوس في الشريعة و دكتوراه في االقتصاد‬
‫مع التوضيح بالرسم البياني البسيط‪ ،‬للمبتدئين‪ ،‬ثم التركيز على استخدام رياضيات وطرق كمية متقدمة نسبيا‬
‫في الدراسات العليا‪ .‬وفي هذا يجنح علم االقتصاد إلى ترك أو تقليل االهتمام بدراسة السلوكيات االقتصادية‬
‫التي ال تقبل أو يصعب أن يعبر عنها كميا (هذه السلوكيات قد تدرس لهدف آخر في علوم أخرى كعلم النفس‬
‫واالجتماع والتسويق)‪.‬‬
‫وفقا للمنهجية السابقة‪ ،‬يحاول علم االقتصاد فهم كيفية تكون وعمل األسواق االحتكارية‪ ،‬وخصائصها من‬
‫حيث األنواع والسعر والعرض (اإلنتاج) والفعالية (أو الكفاءة) والربح‪ .‬ويبين‪ ،‬تبعا لهذا الفهم‪ ،‬تأثير كل‬
‫سياسة حكومية للتعامل مع كل نوع من أنواع االحتكار‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬معنى االحتكار في علم االقتصاد يختلف عن معناه في علم الفقه‪ .‬ورغم ذلك وجدت من كتبوا عن‬
‫االحتكار‪ ،‬في نطاق الفقه‪ ،‬أو االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬وجدتهم كتبوا مقارنين بين أحكام االحتكار في الفقه وعالم‬
‫االقتصاد المعاصر‪ ،‬مشيرين إلى أسبقية اإلسالم في النهي عن االحتكار‪ ،‬جاهلين باختالف المعنى أو غافلين‬
‫عنه‪ .‬ويقع اإلنسان في حرج حين يسمع أن االحتكار حرام‪ ،‬وفي الوقت نفسه يعرف أن بعض الخدمات‬
‫محتكرة (بفتح الراء‪ ،‬وحسب المعنى الشائع لكلمة احتكار)‪ ،‬بتأييد من االقتصاديين‪ ،‬وبقرار من السلطة‪.‬‬
‫والمشكلة‪ ،‬إذن‪ ،‬ليست مجرد مشاحة في االصطالح‪.‬‬
‫من المعروف أن داللة كثير من الكلمات تتعرض عرفيا للتغير الكلي أو الجزئي مع مرور السنين‪ .‬والمعاني‬
‫التي نقرأها في معاجم اللغة المشهورة القديمة كلسان العرب‪ ،‬تعني المعاني والدالالت اللغوية لدى العرب‬
‫قبيل وعند ظهور اإلسالم‪.‬‬
‫ثم جاء اإلسالم وجعل لبعض الكلمات العربية معان شرعية (مثل اإليمان والكفر والصالة والصيام والحج)‪،‬‬
‫كما أعطى الفقهاء خالل القرون األولى من ظهور اإلسالم بعض الكلمات دالالت ومعان محددة اصطالحية‪،‬‬
‫وهناك مناسبة قوية بين األصل اللغوي والمعنى الشرعي والمعنى االصطالحي‪ .‬ال يعني ذلك بالضرورة أن‬
‫الفقهاء متفقون على التعريفات والدالالت‪ ،‬ولكن المعاني اللغوية للكلمات‪ ،‬معروفة بينهم‪ ،‬كما أنهم متفقون‬
‫على مبادئ جامعة‪ ،‬وإن اختلفوا في تفاصيل‪.‬‬
‫مقابل الصورة السابقة‪ ،‬شاعت ترجمات لمصطلحات وتعبيرات وأفكار ذات معان محددة في عوالم القانون‬
‫(الوضعي) واالقتصاد والمال المعاصر‪ ،‬وقد نبتت هذه المعاني في الغرب‪ .‬بعض هذه الترجمات الشائعة‬
‫المعاصرة جاءت اختيارا لكلمات معروفة لدى الفقهاء‪ ،‬لها معان ودالالت فقهية منذ القرن األول الهجري‪.‬‬
‫وهنا وقعت مشكلة اختالط المفاهيم‪.‬‬
‫أن يستعمل بعض المتخصصين في الفقه تعبيرات معاصرة شائعة االنتشار في القانون واالقتصاد والمال‬
‫(وعلوم أخرى)‪ ،‬ويقصد بها أولئك المتخصصون معان ليست هي بالضبط المعاني المقصودة لدى‬
‫االقتصاديين‪ ،‬والمهتمين بالشأن االقتصادي (من غير علماء الدين) من رجال أعمال وصانعي قرار ونحوهم‪.‬‬
‫وحدوث العكس واقع‪ ،‬وأقصد أن يستعمل المتخصصون في االقتصاد كلمات متداولة في اللغة والفقه‬
‫ويقصدون بها معان حديثة‪ ،‬استفيدت من الغرب ليست هي بالضبط المتبادرة ٍإلى فهم الفقهاء عبر مئات‬
‫السنين‪.‬‬
‫وترتب على اختالط المفاهيم أن أصدرت أحكام شرعية أو آراء فقهية على تصرفات تحمل مسميات واحدة‬
‫لدى الفقهاء ولدى االقتصاديين‪ ،‬ولكنها مختلفة من حيث المعنى اختالفا كليا أو جزئيا‪ ،‬والسبب صعوبة‬
‫الترجمة المطابقة‪ .‬وصار الوضع أن "العبرة باأللفاظ ال بالمعاني"‪ ،‬عكس ما كان يفترض‪.‬‬
‫وزاد الطين بلة كما يقولون كون بضاعة الفقهاء (المقصود عامتهم‪ ،‬ووجود استثناءات أو أقلية ال يخل بهذا‬
‫العموم) بلغات ما يسمى بالعلوم العصرية (غالبا ما تكون اإلنجليزية) ضعيفة إلى معدومة‪ ،‬وبضاعة عامة‬
‫االقتصاديين بالكتب الفقهية (باألخص القديمة) ومصطلحات الفقه ضعيفة إلى معدومة‪.‬‬
‫معنى االحتكار ولبس الترجمة‬
‫كلمة احتكار في اللغة العربية مأخوذة من الحكر‪ ،‬الذي يفيد معنى الحبس وادخار الطعام انتظارا للغالء‪.‬‬
‫كار جمع الطعام ونحوه مما‬
‫ِّخار الطعام للتربص وصاحبُه ُمحْ ت َ ِّك ٌر ‪ ...‬االحْ تِّ ُ‬
‫جاء في لسان العرب‪" :‬ال َح ْك ُر اد ُ‬
‫ظار وقت الغَالء ِّبه‪ ...‬وفي الحديث من احْ ت َ َك َر طعاما ً فهو كذا أَي اشتراه وحبسه ليَ ِّق َّل فَ َي ْغلُ َو‬
‫يؤكل واحتبا ُ‬
‫سه ا ْنتِّ ِّ‬
‫وال ُح ْك ُر وال ُح ْك َرة ُ االسم منه ومنه الحديث أَنه نهى عن ال ُح ْك َرةِّ‪."...‬‬
‫وقد دارت التعريفات الفقهية حول المعنى اللغوي‪ ،‬مع خالفات في تفاصيل‪.‬‬
‫يفهم من المعنى اللغوي والفقهي أن الطعام موجود‪ ،‬ومن ثم ال يدخل في االحتكار ما كان باإلمكان إنتاجه‪ ،‬ولم‬
‫ينتج‪ ،‬كمزارع ينتج أقل من طاقة مزرعته‪ ،‬وكان بإمكانه إنتاج المزيد‪ ،‬ولكنه ال يفعل عمدا‪.‬‬
‫أما في العصر الحاضر‪ ،‬فقد شاع استخدام هذه الكلمة "احتكار" ترجمة للكلمة األعجمية "مونوبولي‬
‫‪ ."monopoly‬ولكن مونوبولي مشتقة جزئيا من ‪ ،mono‬والتي تعني مفردا وأحاديا‪.‬‬
‫جاء في قاموس اكسفورد المتقدم المشهور ‪ ،Oxford Advanced Learner's Dictionary‬الطبعة السابعة‬
‫(‪:)2005‬‬
‫‪mono- (also mon-) combining form (in nouns and adjectives) one; single: monorail,‬‬
‫‪monogamy‬‬
‫وكلمة مونوبولي في العلوم االقتصادية تعني االنفراد (ويلحق بذلك تكتل قلة) في توفير سلعة ما‪ .‬وهذا االنفراد‬
‫بطبيعته يعطي المنتج أو البائع قدرة على التحكم في الكميات المنتجة أو األسعار (وليس االثنين معا)‪ .‬أما حبس‬
‫سلعة موجودة أصال فغالبا ال يطبق‪ ،‬نظرا لتكاليف التخزين الباهظة‪.‬‬
‫ولذا نفهم أن كلمة مونوبولي ال تطلق على حبس سلع (موجودة أصال) انتظارا لغالئها‪ ،‬كأن يقوم بائعون بحبس‬
‫تمر أو طعام آخر (قد يعدل حجم حمولة سيارة شحن صغيرة) انتظارا لشحه أو نفاده من السوق بعد أيام أو‬
‫أسابيع قليلة‪ ،‬ومن ثم تكون الفرصة الرتفاع سعره‪ .‬وليس من الالزم أن يكون أولئك الحابسون منفردين في بيع‬
‫السلعة‪ ،‬أو مهيمنين على السوق‪.‬‬
‫السلوك السابق يتناسب أكثر مع المجتمعات القديمة البسيطة‪ ،‬حيث لم توجد وسائل المواصالت وال االتصاالت‬
‫الحديثة‪ ،‬بل يعتمد فيه على البهائم في نقل السلع‪ ،‬وال توجد ثالجات لتخزين الطعام‪.‬‬
‫جدت أمثلة مختلفة في عصرنا الحاضر ‪ ،‬فمثال‪ ،‬يمتنع أكثر الناس عن بيع ما بحوزتهم من أراض أو أسهم إذا‬
‫توقعوا ارتفاعا قريبا في أسعارها‪ .‬هل يعد هؤالء محتكرين بالمعنى الفقهي؟ وهل هو عمل محرم؟ أسئلة‬
‫للنقاش‪.‬‬
‫كيف نشأ االحتكار بالمعنى الحديث الشائع؟‬
‫طبيعة التوسع والتطور الصناعي والتقني في الغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر الميالدي حفزت منشآت‬
‫إلى تكوين تكتل ‪ trust‬لتسهيل أعمالها وزيادة أرباحها تحت سلطة رقابية على األصول ‪ assets‬تسمى‬
‫مجالس األمناء‪ .‬وقد جنحت هذه التكتالت إلى التضييق على دخول المنافسين بهدف إبقاء األسعار أعلى من‬
‫األسعار التنافسية‪ ،‬وهي عملية تسمى تقنيا "الممارسات السعرية غير العادلة"‪ .‬وقد تلجأ هذه التكتالت إلى‬
‫خفض األسعار دون التكلفة لفترة مققتة بغرض اإلضرار بالمنافسين الصغار ومحاولة إجبارهم على الخروج‬
‫من السوق‪.‬‬
‫األحداث السابقة دفعت المشرعين في دول غربية إلى إصدار قوانين سميت ‪ antitrust‬والتي تعني مكافحة‬
‫التكتل واالحتكار‪ .‬وبصفة أعم‪ ،‬طورت مجموعة واسعة جدا من التشريعات التي يعمل تطبيقها على حماية‬
‫المستهلكين‪ ،‬وتصحيح تشوهات السوق‪ ،‬ومكافحة الممارسات المعطلة لقواه‪ ،‬وتناولت هذه التشريعات حتى‬
‫حاالت خفض السعر دون التكلفة‪ ،‬ويحدث هذا غالبا من الشركات الكبرى بهدف اإلضرار بالمنشآت الصغيرة‬
‫المنافسة للخروج من السوق‪ .‬تسمى هذه القوانين أحيانا بقوانين مكافحة االحتكار‪ ،‬من باب الخاص الذي‬
‫يراد به العام‪ ،‬وقد أصبحت هذه القوانين‪ ،‬من كثرتها وتشعبها وتعقيدها‪ ،‬مثل البستان الضخم الذي نمى من‬
‫بذور بحجم قبضة اليد‪.‬‬
‫وهنا أود التنويه على أمر‪ .‬حملت عاطفة بعض الكاتبين في االقتصاد اإلسالمي على القول بوجود حرية‬
‫اقتصادية واسعة للفرد والمنشآت في االقتصادات المسماة بالرأسماليات الغربية‪ ،‬ويصور الوضع على أن دور‬
‫السلطات ينحصر في اإلشراف والرقابة‪ ،‬والتشريعات المتصلة بها‪ ،‬دون تدخل في آلية عمل العرض والطلب‪.‬‬
‫ولكن الحقيقة المرة أن السياسات والتنظيمات المتعلقة بحماية المنافسة ومحاربة الممارسات السعرية غير‬
‫العادلة في تلك الدول المسماة بالرأسمالية أقوى في حماية المستهلكين وعامة الناس مما هو مطبق في دول‬
‫أخرى‪ ،‬ومنها بالدنا‪.‬‬
‫ومع ذلك فإن مكافحة االحتكار ليست خالية من العيوب‪ ،‬فقد يرى أن االحتكار أو التكتل يجلب‪ ،‬في حاالت‪،‬‬
‫تحسينا في الكفاءة االقتصادية‪ .‬وهناك أنشطة يرغب في كونها احتكارية‪ ،‬ويطلق على هذا النوع من‬
‫االحتكار في كتب االقتصاد "االحتكار الطبيعي ‪ .natural monopoly‬هذا االحتكار يتميز ‪ -1‬إما بانخفاض‬
‫تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة عند إسناد اإلنتاج إلى منشأة واحدة‪ ،‬وأشهر مثال شركة الكهرباء‪ -2 .‬وإما بكون‬
‫طبيعة إنتاج عدد من المنتجات تجعل إنتاجها عن طريق منشأة واحدة أكثر كفاءة من إنتاجها بواسطة عدة‬
‫منشآت‪ ،‬مثل خدمات النقل العام في إطار عمراني محدد‪.‬‬
‫فشل السوق وتشوهات السوق وكبح قوى السوق والتكتالت االحتكارية‪ ،‬والسياسات التنظيمية للتعامل مع‬
‫هذه الحاالت‪ ،‬تدرس من وجهة التحليل االقتصادي في الحقل التخصصي االقتصاد الحكومي وتحليل السياسات‬
‫العامة‪ ،‬وتدرس باستفاضة أكثر في الحقل التخصصي التنظيم األعمالي ‪ .industrial organization‬هذا‬
‫وباهلل التوفيق‪،،،‬‬
‫سبل عالج التضخم‪ :‬لبس المعنى‬
‫يستخدم بعض المتخصصين في الفقه تعبيرات حديثة االنتشار في عالم االقتصاد والمال‪ ،‬ويقصد بها أولئك‬
‫المتخصصون معان ليست هي المعاني المقصودة لدى االقتصاديين‪ ،‬والمهتمين بالشأن االقتصادي (من غير‬
‫علماء الدين) من رجال أعمال وصانعي قرار ونحوهم‪ .‬ومن ثم فقد كانت مصدر لبس بين الفريقين‪ .‬وحدوث‬
‫العكس واقع‪ ،‬وأقصد استخدام المتخصصين في االقتصاد كلمات متداولة في اللغة والفقه ويقصدون بها معان‬
‫حديثة ليست هي المتبادرة إٍلى فهم الفقهاء عبر قرون‪.‬‬
‫سأمثل بعدة أمثلة على استخدام علماء فقه عبارات تدول حول عالج التضخم‪:‬‬
‫‪ -1‬نقال من كتاب التوزيع والنقود في االقتصاد اإلسالمي واالقتصاد الوضعي (‪ )2004‬إسماعيل إبراهيم‬
‫البدوي (دكتور)‪ ،‬مجلس النشر العلمي‪ ،‬جامعة الكويت‪:‬‬
‫ولقد أرشد الرسول صلى هللا عليه وسلم إلى عالج التضخم حين رغب في اإلنفاق‪ ،‬فقد قال‬
‫عليه الصالة والسالم‪( :‬ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يأتي علي ثالث يوم وعندي منه دينار إال‬
‫دينارا أرصده لدين علي)‪ .‬ص ‪،429-428‬‬
‫وقد قرر علماء االقتصاد الوضعي في أوائل العقد الثالث من القرن العشرين الميالدي أن‬
‫التوسع في اإلنفاق ال يؤدي إلى التضخم‪ ،‬وإنما يؤدي إلى االنتعاش االقتصادي‪ ،‬وزيادة‬
‫اإلنتاج القومي‪ ،‬وال يصاحبه أي ارتفاع في األسعار‪ ،‬سواء أكان قليال أم كثيرا‪ .‬وقد كانوا من‬
‫قبل يظنون أن سياسة التوسع النقدي تؤدي على التضخم‪ ،‬ولذا كانوا يعارضون إتباعها للتغلب‬
‫على البطالة‪ ،‬ولكنهم أدركوا أن عالج االنكماش إنما يكون بإيجاد إنفاق إضافي يكفي لتعويض‬
‫الفجوة االنكماشية‪ ،‬أي بإنقاص االدخار وزيادة اإلنفاق االستهالكي‪ ،‬وهذا ما أرشد إليه رسول‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم منذ خمسة عشر قرنا من الزمان‪ .‬انتهى النقل‪ ،‬الصفحات ‪.431-430‬‬
‫ما يسميه المؤلف (وآخرون) "االقتصاد الوضعي"‪ ،‬لي عليه تحفظ‪ ،‬ولكن هذا ليس موضوع نقاشنا‪ .‬وقول‬
‫المؤلف "وقد قرر علماء االقتصاد الوضعي‪ ...‬الخ"‪ ،‬يبدو أنه يقصد به بعض أفكار كينز (ويعد لدى الكثيرين‬
‫أشهر عالم اقتصاد في القرن الماضي)‪ ،‬التي ظهرت إبان الكساد الكبير الذي أصاب دوال كثيرة‪ ،‬وعلى رأسها‬
‫أمريكا‪ ،‬في ثالثينات القرن الميالدي الماضي‪ ،‬وهذا الكساد تجلى بصورة انخفاض عظيم في اإلنفاق‬
‫االستثماري واالستهالكي‪ ،‬وارتفاع معدل البطالة إلى أرقام عالية غير مسبوقة‪ ،‬وإفالس أو إغالق نسبة كبيرة‬
‫جدا من المنشآت التجارية‪ ،‬وانخفضت األجور واالسعار إلى حد الربع تقريبا‪.‬‬
‫للخروج من حلقة الكساد المفرغة‪ ،‬دعا كينز الحكومات إلى المبادرة بواسطة زيادة اإلنفاق الحكومي بصورة‬
‫ملموسة‪ ،‬بغرض إيجاد طلب فعال‪ ،‬وهو ما سماه المؤلف البدوي إيجاد إنفاق إضافي‪ .‬والذي بدوره يوجد‬
‫انتعاشا اقتصاديا‪ ،‬يجلب التفاؤل إلى المستثمرين‪ ،‬ويبدأ في انتشال االقتصاد من حالة الكساد‪ .‬وهو ما سماه‬
‫المؤلف البدوي "تعويض الفجوة االنكماشية"‪ ،‬وهو تعبير ال أعرف أنه يستخدم في علم االقتصاد‪ ،‬بل المستخدم‬
‫من قبيل "فجوة االنتاج" ‪.output gap‬‬
‫وجاء تركيز كينز على الحكومات ألنه ال سبيل لحمل الناس على زيادة االنفاق االستثماري أو االستهالكي وقت‬
‫الكساد‪ .‬ولذا فإن عبارة المؤلف " أي بإنقاص االدخار وزيادة اإلنفاق االستهالكي" ليست دقيقة‪.‬‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬ما قاله وفعله الرسول صلى هللا عليه وسلم دليل على زهده صلى هللا عليه وسلم بالدنيا‬
‫وزخرفها‪ ،‬وقوة توكله على هللا سبحانه‪ ،‬وهو يفعله سواء كان هناك انكماش أو ال‪ ،‬وأجد صعوبة في قبول ما‬
‫قاله المؤلف "وهذا ما أرشد إليه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪."...‬‬
‫‪ -2‬تحت عنوان "عالج التضخم في النقود الورقية من منظور إسالمي"‪ ،‬ص ‪ ،17‬في كتاب "بحوث في‬
‫االقتصاد اإلسالمي" (‪ ،)2006‬علي محي الدين علي القره داغي‪ ،‬دار البشائر اإلسالمية‪ .‬قال المؤلف "نذكر‬
‫كل الحلول الفقهية الممكنة لعالج آثار التضخم على األفراد‪...‬الخ" ص ‪.72‬‬
‫وعندما تصفحت الكتاب وجدت أن المقصود بعبارة "عالج التضخم" طرح الحلول والمخارج الفقهية لمعالجة‬
‫االلتزامات في حاالت التضخم‪ ،‬ومن أوضح األمثلة التي ذكرها المؤلف مسألة الوفاء بالديون‪ ،‬وإمكان تعويض‬
‫المقرض جراء انخفاض القوة الشرائية للعملة انخفاضا شديدا‪.‬‬
‫أما عند االقتصاديين‪ ،‬فالمقصود بعالج التضخم‪ ،‬الذي يعبر عنه كذلك بوسائل مكافحته‪ ،‬كيفية خفض نسبة‬
‫التضخم في االقتصاد إلى حدود دنيا‪ ،‬فهي من قبيل الرأي‪ ،‬ولكنه رأي مهني‪ .‬وأما عالج آثار التضخم فيشترك‬
‫فيه فئات كثيرة من المجتمع ومنهم االقتصاديون‪ ،‬والمقصود عادة سبل تحسين مستوى المعيشة للناس جراء‬
‫تضررها من ارتفاع األسعار‪.‬‬
‫‪ -3‬اقترح مقترحون الرجوع إلى الماضي‪ ،‬بجعل النقود من الذهب والفضة فقط‪ .‬هذا االقتراح الهادف إلى‬
‫معالجة التضخم (كما يرون) غير ممكن التطبيق‪ ،‬وأظن أنه يخفى على أصحابه أن النقود ليست محصورة في‬
‫النقود الورقية‪ ،‬فالودائع البنكية نقود أيضا‪.‬‬
‫ولذا نعرف أن استخدام عبارات من قبيل "عالج آثار التضخم" يسبب لبسا في الفهم بين الفقهاء واالقتصاديين‪.‬‬
‫ربما كان مصدر اإلشكال أن بعضا ظنوا أن األحكام الشرعية (الطلبية) يمكن أن تنسحب على مفاهيم ونظريات‬
‫علم االقتصاد في التضخم‪ ،‬وتبعا لذلك جرت محاوالت عقد مقارنات بين أحكام شرعية طبيعتها طلبية (أمر‬
‫ونهي ونحوهما)‪ ،‬وبين نظريات اقتصادية طبيعتها تفسيرية‪ ،‬مما تسبب في لبس وسوء فهم في تناول الحلول‬
‫المطروحة‪.‬‬
‫التحليل االقتصادي للقانون‬
‫القااانون يعنااي مجموعااة القواعااد االجتم اعيااة الملزمااة المنظمااة لعالقااات األفااراد داخاال الجماعااة‪ ،‬والتااي تسااتتبع‬
‫مخالفتها توقيع الجزاء (الوسيط فاي دراساة األنظماة لعادد مان أعضااء هيئاة التادريس فاي قسام القاانون‪ ،‬جامعاة‬
‫الملك عبد العزيز)‪ .‬أما علم االقتصاد ‪ economics‬فهو ال يعنى أساسا بوضع قواعد للسالوك‪ ،‬ولاو فعال لكاان‬
‫لغوا ألنه تكرار للقانون بمسمى آخر ‪ .‬ويتلخص معنى ومغزى علم االقتصاد في دراسة كيفية اساتخدام الماوارد‬
‫المتاحااة النتاااج الساالع والخاادمات‪ ،‬وقااد يعباار عاان هااذه الكيفيااة بتعبياار آخاار‪ :‬دراسااة االسااتخدام األمثاال للمااوارد‬
‫المتاحة‪.‬‬
‫ماذا نفهم من مقارنة المعنيين السابقين؟‬
‫هناااك قااانو ن وهناااك اسااتخدام أمثاال لمااوارد ذات قاادر محاادد‪ ،‬ولاايس بالضاارورة أن يتفااق القااانون مااع االسااتخدام‬
‫األمثل‪ ،‬وهنا دور علم االقتصاد‪ ،‬وبعبارة أدق التحليل االقتصادي‪.‬‬
‫قبل عقد الثمانينات من القارن المايالدي الساابق‪ ،‬كاان التحليال االقتصاادي (فاي الادول الصاناعية الرئيساية علاى‬
‫األقاال)‪ ،‬ي تركااز علااى قضااايا التكااتالت واالحتكااارات‪ ،‬وعلااى التنظيمااات الحكوميااة لالقتصاااد‪ ،‬ولكاان التحلياال‬
‫االقتصادي والتفاعل بين االقتصاديين والقانونيين توسع بعد ذلك‪.‬‬
‫بصفة عامة‪ ،‬يدخل التحليل االقتصادي للقانون ثالثة جوانب مختلفة‪.‬‬
‫الجانب األول استخدام علم االقتصاد لدراسة اآلثار المتوقع حدوثها في المساتقبل نتيجاة تطبياق قاوانين (أنظماة)‬
‫بعينها‪ .‬والجانب الثاني يختص باستعمال علام االقتصااد لمعرفاة أي القاوانين أكثار كفااءة مان وجهاة اقتصاادية‪،‬‬
‫والتي تعني بعبارة تقريبياة ومفهوماة مان غيار االقتصااديين الحصاول أو محاولاة الحصاول علاى أقصاى منفعاة‬
‫مادية أو أقل خسارة مادية ممكنة صافية (أي بعد خصم التكاليف) من الموارد المتاحة (المستعملة كارأس الماال‬
‫واليااد العاملااة)‪ .‬وأمااا الجانااب األخياار فهااو اسااتعمال علاام االقتصاااد لتوقااع كيااف س اتكون األحكااام القانونيااة فااي‬
‫المستقبل‪.‬‬
‫لوحظ في الجانب األول أن التحليل االقتصادي يبين نتائج أو آثارا للقوانين ماكان فاي حسابان واضاعي القاوانين‬
‫حدوثها‪ ،‬ومن أمثلة ذلك بيان اآلثار غيار المرغاوب بهاا التاي يجهال واضاعو القاوانين إمكاان حادوثها عناد مانح‬
‫بعض اإلعانات أو اإلعفاءات‪ ،‬أو عند عمل رقابة ساعرية علاى بعاض السالع أو الخادمات‪ ،‬أو عناد فارض قياود‬
‫على بعض األنشطة االق تصادية‪ .‬ولذلك فانه عند تقييم األنظمة أو سنها فانه ينبغي عادم النظار فقاط إلاى جاناب‬
‫تحقيقها للعدل‪ ،‬ولكن أيضا إلى مدى آثارها على األهداف األخرى غير العدل كتحقيق النمو االقتصادي‪ ،‬وتقليال‬
‫البطالة‪ ،‬وكونها تؤثر على سلوكيات الناس االقتصادية بطريقة مقبولة‪.‬‬
‫بالنسبة للجانب الثاني وهو الكفاءة االقتصادية‪ ،‬السابق شرح معناها‪ ،‬فهو مبني على فكرة أن األنظمة تهدف إلى‬
‫تحقيق الكفاءة االقتصادية‪ .‬المشكلة في هذا الجانب هو أن واضعي القاوانين قاد ال يقصادون بالضارورة إعطااء‬
‫الكفااءة االقتصاادية أولوياة‪ .‬مشاكلة أخارى هاو أن هنااك خالفااات باين أفاراد المجتماع فاي تقادير أهمياة المنفعااة‬
‫المحققة‪ .‬لكن بالرغم من هذه المشكالت فان الكفاءة االقتصادية على األقل تساعد على حسن االختيار عند وضع‬
‫القوانين‪.‬‬
‫مناقشة الكفاءة االقتصادية لقوانين يظن أنها مستندة على ومبنية على اعتبار العدالة‪ .‬من األمثلة البسيطة قوانين‬
‫معاق بة النشل‪ .‬في البداية يبدو عند بعض الناس أنه ال شأن للكفااءة‪ ،‬فبقادر ماا يساتفيد الناشال‪ ،‬يخسار المنشاول‪.‬‬
‫أي أن عملية النشل تخل بالعدالة وليس الكفاءة‪.‬‬
‫هذا االستنتاج السريع عليه اعتراض‪ .‬فرصة الكسب بواسطة النشل توجه الموارد تجااه هاذا الناوع مان النشااط‬
‫(النهب والسلب) ‪ ،‬وفاي هاذا خساارة اضاافية‪ .‬توازنياا‪ ،‬صاافي ماا اكتسابه الناشال (صاافي المخااطرة‪ ،‬حياث أن‬
‫الناشل يأخذ بعين الحسبان احتمال السجن‪ ،‬كما عليه أن يتحمل تكلفاة االساتعدادات لفعال النشال ‪..‬الاخ) يقال عان‬
‫المبلغ المنشول (أي أن ما تحصل عليه الناشل أقل مما خسره المنشول)‪ ،‬بمعنى أن النشل مرفوض من جهة أنه‬
‫أيضا أقل كفاءة اقتصادية‪ ،‬حتى لو لم ندخل اعتبار العدل في النقاش‪.‬‬
‫الجانب األخير وهو توقع ما سيكون عليه القانون‪ .‬التحليل االقتصادي سواء للقانون أو غيره‪ ،‬يمكن النظر إلياه‬
‫على أنه محاولة لتعلم ما ينبغي أن يكون‪ ،‬أو محاولة لشرح ما هو كائن‪ ،‬وما يتوقع أن يكون‪.‬‬
‫في الوقت الحاضر هناك اهتمام متزاياد مان عادة جامعاات (فاي الغارب) لتادريس مقارر تطبيقاي يعناى بالتحليال‬
‫االقتصادي للقانون‪ ،‬غالبا تحت مسامى "قاانون وعلام اقتصااد ‪ ."law and economics‬ويادرس هاذا المقارر‬
‫في العادة في أقسام ومادارس القاانون‪ ،‬بعاد دراساة مقارر عان مبااد االقتصااد‪ ،‬وأحياناا يحاوي مقارر القاانون‬
‫واالقتصااد فاي بدايتاه قساما كاامال عان مباااد االقتصااد‪ .‬مقارر القاانون واالقتصااد يناساب القاانونيين الااذين ال‬
‫يهوون الموضوعات الكمية‪ .‬ذلك ألن علم االقتصاد‪ ،‬وخاصة في مرحلة الدراسات العليا‪ ،‬يعتمد على اإلحصاء‬
‫والرياضيات بقوة‪ .‬لكن فهم مباد االقتصاد ال تتطلب توفر مهارات رياضاية متقدماة‪ ،‬وال حتاى متوساطة‪ ،‬بال‬
‫يكفي توفر المعرفة بالرياضيات التي درسها الطالب في المرحلة المتوسطة‪ ،‬كما ال بد من توفر القدرة على فهم‬
‫الرسوم البيانية جيدا‪ .‬ونرجو أن تتمكن بعض جامعاتنا من طرح مقرر مشابه‪ ،‬وباهلل التوفيق‪.‬‬
‫اإليضاح في غلط تسمية فقه المعامالت التجارية والمالية باالقتصاد اإلسالمي‬
‫الحلقة األولى‬
‫علوم أو تخصصات االقتصاد ‪ economics‬والمحاسبة والمالية ‪ finance‬ونحوها تصنف أحيانا على أنها‬
‫تخصصات اقتصادية ‪ ،economic disciplines‬حيث يرتكز كل واحد منها على دراسة المال ‪money‬‬
‫واالقتصاد ‪ economy‬في جانب من الجوانب ضمن عالقة تكاملية‪ ،‬أي يكمل بعضها بعضا‪ .‬لكن الدراسة‬
‫تستند إلى أصول وتقوم على منهجية وأهداف وماهية ومنحى ومنهجية خاصة بكل منها بما يخدم الجانب الذي‬
‫تدرسه‪ .‬وطبيعة هذه الدراسة تحتم االعتماد على التعبيرات الكمية‪ ،‬ومن ثم فالرياضيات واإلحصاء (في‬
‫االقتصاد خاصة) هي أداة أساسية في النقاش والتحليل‪ ،‬ولكنها تتفاوت كثيرا في عمق وصعوبة الرياضيات‬
‫المستخدمة‪.‬‬
‫هناك علوم الفقه والقانون‪ ،‬وتهتم بعض فروعها أو أقسامها بالمعامالت والتصرفات التجارية والمالية‬
‫واالقتصادية سواء لألفراد أو التجار أو الحكومات‪ ،‬من حيث الوصول إلى أو التعرف على األحكام الضابطة‬
‫للتصرف او السلوك‪ ،‬والنقاش فيها بطبيعته يقوم على التعبير اللفظي ال الكمي‪ .‬وال شك أن العلم باألحكام‬
‫الشرعية (أو القانونية) للتصرفات يجب أن يسبقه وجود تصور وفهم للتصرفات‪ ،‬ولكن ذلك ال يجعل الفقيه أو‬
‫القانوني خبيرا بتلك التصرفات من وجهة علم االقتصاد (أو المحاسبة مثال)‪ .‬والطائفة األولى ليس من طبيعتها‬
‫وال شأنها معرفة أو وضع األحكام والتشريعات كما هو الحال في الطائفة الثانية الفقه والقانون‪ .‬ولذا فإن أصول‬
‫وأهداف وماهية ومنحى ومنهجية الفقه والقانون تختلف عما هو موجود في الطائفة األولى من العلوم‬
‫والتخصصات‪ .‬وهذا الخالف ال يعني وجود تعارض بينها‪.‬‬
‫وقد شاع في العقود األربعة األخيرة مسمى االقتصاد اإلسالمي‪ .‬ويلحظ جيدا أن عامة البحوث والمناقشات‬
‫والمسائل التي تورد تحت هذا المسمى تجعلنا نفهمه على أنه فقه بمسميات عصرية‪ .‬وتوضيحا‪ ،‬نجد أن أكثر‬
‫المصنفات والمناقشات التي تحمل اسم "االقتصاد اإلسالمي"‪ ،‬هي من حيث حقيقة المحتوى فقهية في فقه‬
‫مخصوص‪ ،‬كفقه الزكاة وفقه المعامالت المالية والتجارية ونحوها‪ ،‬كأحكام البيع واإلجارة والتقسيط والتمويل‬
‫عامة والمزارعة والتأمين والضمان والملكية واإلنفاق وأنواع البيع المنهي عنها والغش واالحتكار والرشوة‬
‫وغيرها كثير‪ .‬وكان المفترض أن تدرج ضمن الفقه‪ ،‬ألن العبرة بالحقائق والمعاني‪.‬‬
‫هل تسمية فقه المال والمعامالت االقتصادية باالقتصاد اإلسالمي مناسبة؟ ال‪ .‬ال يخفى على الذين ناقشوا قضايا‬
‫فقهية باسم االقتصاد اإلسالمي أن الفقه ليس مخصصا بنوع محدد من التصرفات العملية‪ .‬ومن ثم فأحكام‬
‫المعامالت المالية والتجارية والتصرفات المالية لألفراد وأحكام البيع واإلجارة والضرائب والسوق والتأمين‬
‫وتمويل البنوك داخلة قطعا في اختصاص الفقه‪ ،‬ويفتي فيها الفقهاء ومجامع الفقه والهيئات الفقهية‪ .‬وما كتب‬
‫قديما في كتب مستقلة حول أحكام موضوعات تعد في التعبير المعاصر اقتصادية من أمثال أحكام وآداب الكسب‬
‫واإلنفاق وأحكام المالية العامة والتصرف بالمال العام والخراج وأحكام السوق هي في الحقيقة فقه‪ ،‬وهذا أمر‬
‫واضح صريح‪ ،‬وليس محل اجتهاد واختالف رأي‪ ،‬رغم إهمالها أو قلة بحثها في كتب الفقه الشاملة كالمغني‬
‫والمجموع‪ ،‬وكان المفترض أن تتضمن هذه الكتب تلك الموضوعات‪ .‬ومن ثم لنا أن نتعجب من إعطاء أبحاث‬
‫هذا الفقه مصطلحا شقه األول عبارة عن ترجمة لكلمة (وربما كلمتين ‪ )economy & economics‬نبتت‬
‫معانيها في الغرب‪.‬‬
‫وخالف االعتراض الجوهري السابق‪ ،‬هناك اعتراض آخر‪ .‬إضافة أو زيادة كلمة إسالمي في سياق الحديث‬
‫عن تخصص أو علم‪ ،‬ال تقلب التخصص أو العلم إلى علم آخر موجود من قبل‪ ،‬وله اسمه المعروف به‪ ،‬بل‬
‫تعني أن ذلك التخصص أو العلم المعهود في الذهن موصوف بأنه إسالمي‪ ،‬فمثال‪ ،‬قولنا طب إسالمي تعني أن‬
‫الطب بالمفهوم الذي نعرفه أو تعهده أذهاننا (وهو باختصار عالج الجسم والنفس‪ ،‬انظر مثال لسان العرب)‪،‬‬
‫لكن بمنهج أو طريقة عالج مصدرها الوحي وليس الكون‪ ،‬وال يصلح بتاتا أن نبدأ بتعريف الطب اإلسالمي‬
‫بوضع تعريف وفهم آخر لما تدل عليه كلمة طب‪ ،‬كأن نقول بأنه المقصود هو األحكام الشرعية التي تتناول‬
‫أوضاعا متعلقة بالصحة والمرض‪ .‬بمعنى ال يستسيغ أن يؤلف فقيه كتابا باسم الطب اإلسالمي‪ ،‬ويكون تركيز‬
‫الكتاب على األحكام الشرعية في حاالت المرض واإلعاقة والعجز البدني‪ ،‬أو األوضاع البدنية التي لها أحكامها‬
‫الشرعية الخاصة بها كالحيض أو التبرع باألعضاء ونقل الدم أو مسؤوليات الطبيب الشرعية ونحو ذلك‪.‬‬
‫وبالمثل‪ ،‬إذا جاءت عبارة اقتصاد إسالمي في سياق الحديث عن علم أو تخصص‪ ،‬فالمفروض أن يكون المعنى‬
‫علم أو تخصص االقتصاد المعهود بالذهن موصوفا بأنه إسالمي‪ .‬وهذا المعهود في الذهن‪ ،‬أعني علم االقتصاد‬
‫ليس من شأنه أصال دراسة األحكام‪ ،‬بغض النظر عن مصدرها‪ ،‬وموافقتها أو مخالفتها للشريعة‪ .‬ولذا إذا قلنا‬
‫اقتصاد إسالمي وقصدنا أحكام المعامالت التي تدخل في دائرة النشاط االقتصادي‪ ،‬فهذا يسبب التباس األمر‬
‫على بعض الناس‪ ،‬بين طبيعة كال العلمين الفقه واالقتصاد‪( ،‬وهذا قد وقع حقيقة) وهذا يخالف الهدف من وجود‬
‫المصطلحات‪ .‬طالما أن عندنا فقها‪ ،‬فلماذا نضع تسميه أخرى تسبب لبسا وإشكاال؟‬
‫الحلقة الثانية‬
‫انتقدت في الحلقة األولى تسمية فقه المعامالت التجارية والمالية باالقتصاد االسالمي‪ .‬وقد يرد علي بأنه ال‬
‫مشاحة في االصطالح‪ .‬ولكن هذه العبارة الشائعة ليست على إطالقها‪ .‬فحيث انتشر استعمال مصطلح‪،‬‬
‫واستقرت داللته في األذهان (هذا ال ينفي وجود خالفات في التفاصيل)‪ ،‬فإن صرفه إلى غير هذا يسبب لبسا‬
‫وتشويشا في األذهان‪ .‬مثال‪ ،‬ال يستساغ أن يطلق أحدهم مسمى تفسير على كتاب يشرح الحديث‪ ،‬ألنه استقر‬
‫في األذهان أن كلمة تفسير تطلق على تفسير كتاب هللا‪ ،‬وليس الحديث النبوي‪ .‬كما ال يستساغ أن يعتبر‬
‫المتخصص في اقتصاد المالية العامة نفسه متخصصا في القانون المالي‪ ،‬والعكس كذلك‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى‪ ،‬إننا ال نضيف كلمة إسالمي إلى فقه‪ ،‬ولذا فجوهر التسمية في اقتصاد إسالمي ينصب على‬
‫كلمة اقتصاد‪ ،‬وليس على كلمة إسالمي‪ .‬ولكن كلمة "اقتصاد" ليس لها معنى أو معاني اصطالحية في‬
‫المجتمعات العربية طيلة القرون التي سبقت عصر الثورة الصناعية وتطور العلوم الحديثة‪ .‬وأئمة األمة‬
‫السابقون لم يسموا القضايا الفقهية المتعلقة باالقتصاد (حسب التعبير المعاصر) الموجودة في عهدهم‪ ،‬لم يسموها‬
‫االقتصاد (أو االقتصاد اإلسالمي)‪ .‬ولذا فإنه ينبغي فهم المعنى االصطالحي لكلمة "اقتصاد" من البيئة التي‬
‫نبت فيها المصطلح‪ ،‬وهذه قضية غفل عنها أكثرية الكاتبين في االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬رغم أنها جوهرية‪ .‬وهذه‬
‫قضية سأتحدث عنها بشيء من التفصيل في مقاالت مستقبلية إن شاء هللا‪.‬‬
‫والذين يرون أن علم االقتصاد يهتم ببحث أحكام المعامالت االقتصادية أي أحكام ما ينظم كسب المال وإنفاقه‬
‫وأوجه تنميته‪ ،‬مخطئون خطأ صريحا‪ ،‬ألن أحكام المعامالت االقتصادية (في التشريعات الوضعية) ال تبحث‬
‫في علم االقتصاد ولكن في القانون‪ ،‬فيما للسلطة عالقة به‪ ،‬كالقانون المدني والقانون التجاري وقانون العمل‬
‫وغيرها‪ ،‬بغض النظر عن كونها تسن بمعزل عن الشريعة أو ال‪ .‬وأما المسائل التي لها عالقة بآداب السلوك‬
‫الفردي وأحكامه فهي ال تدرس أصال في علم االقتصاد‪ ،‬ويمكن بحثها في الفقه ويمكن إدراجها ضمن علم‬
‫مستقل يعنى باآلداب واألخالق‪ ،‬بحيث تدخل فيه آداب أعمال متنوعة كتناول الطعام والسفر والنوم واللباس‬
‫والتوسط في اإلنفاق وما إلى ذلك‪.‬‬
‫ولو كان علم االقتصاد يبحث في أحكام وتشريعات المعامالت المتعلقة بالمال واالقتصاد‪ ،‬فإنه حينئذ لغو ال فائدة‬
‫منه أصال‪ ،‬لوجود الفقه و‪/‬أو القانون وكالهما أسبق من علم االقتصاد‪.‬‬
‫من أسباب الوقوع في تسميتها بتسمية غير موفقة (االقتصاد اإلسالمي) ضعف اهتمام الكتب الفقهية العامة‬
‫المؤلفة في القرون السابقة (كالمغني والروض المربع وبدائع الصنائع) ببعض المباحث المتعلقة بالمال‪ ،‬كأحكام‬
‫الكسب واإلنفاق والحسبة والمال العام‪.‬‬
‫ومن األسباب التي أراها‪ ،‬اقتصار بعض أساتذة الفقه في كليات الشريعة على تدريس ما في الكتب القديمة‪.‬‬
‫وزيادة في اإليضاح‪ ،‬أذكر المثال التالي من دراستي في كلية الشريعة في الرياض قبل سنين‪ .‬كان فقه البيع‬
‫(وما يلحق به) يدرس في السنة الثانية‪ ،‬وكان المنهج ينص على أنه ينبغي على أستاذ المادة أن يتعرض إلى‬
‫أحكام القضايا المستجدة في عالم التجارة والمال‪ ،‬ولكن هذا لم يحدث‪ ،‬فقد قصر األستاذ تدريسه على‬
‫الموضوعات الواردة في كتاب الروض المربع‪ ،‬وهو كتاب مؤلف منذ مئات السنين‪ .‬كما أنه لم يتعرض إلى‬
‫أحكام موضوعات اقتصادية تناولتها كتب قديمة‪ ،‬ولكنها لم تدرج في هذا الكتاب وغيره من كتب الفقه العامة‪.‬‬
‫ويبدو لي أن السبب ضعف حصيلة األستاذ في هذه المسائل‪ .‬ومن باب الموضوعية‪ ،‬لم يكن كل األساتذة هكذا‪،‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪ ،‬حضرت السنة التمهيدية للماجستير في الفقه واألصول‪ ،‬في كلية الشريعة بالرياض قبل‬
‫سنين‪ ،‬وقد درسنا فيها الشيخ عبد هللا بن غديان‪ ،‬عضو هيئة كبار العلماء‪ ،‬فقه المعامالت‪ ،‬ومن بينها أحكام‬
‫العمليات البنكية‪ ،‬وكان يستند في شرح ماهية هذه العمليات إلى كتب قانونية في القانون التجاري‪.‬‬
‫يمكننا أن نفهم االعتراض على التسمية بطريقة أخرى‪ .‬لو استمر زمام الحضارة والتقدم االقتصادي بيد‬
‫المسلمين (بدال من الضعف والتخلف الحضاري الذي أصاب المسلمين بعد بضعة قرون من ظهور اإلسالم)‬
‫مما يعني بالتبع‪ ،‬استمرار االجتهاد مفتوحا في الفقه لمواكبة المستجدات والتطورات الحضارية والمادية‪ ،‬أو ما‬
‫سماه أسالفنا بالنوازل‪ ،‬لكانت البحوث والمناقشات التي أطلق عليها بعض الفقهاء المعاصرين مسمى االقتصاد‬
‫اإلسالمي من ضمن مؤلفات الفقه‪ ،‬ولما وضعت تسمية االقتصاد اإلسالمي أصال لهذا النوع‪ .‬وهذه النتيجة البد‬
‫منها‪ ،‬طالما أننا نؤمن بأن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان‪ .‬وإذا قال قائل بأن التسمية نتيجة أن ذلك لم يقع‪،‬‬
‫أعني استمرار زمام الحضارة بيد المسلمين‪ ،‬قلنا له‪ ،‬ال اعتبار لهذا‪ ،‬وإال لكانت صالحية الشريعة تلك متوقفة‬
‫على ريادة المسلمين الحضارية‪ ،‬وهذا غير صحيح‪ ،‬بل القصور من أساتذة الشريعة فيما ألفوه ودرسوه في‬
‫كليات الشريعة‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬من الممكن أن تضاف كلمة إسالمي إلى الفقه ال االقتصاد‪.‬‬
‫ومما يبين طرفا من ذلك القصور‪ ،‬أن الفقه تأثر بالمناقشات ذات الطبيعة الفقهية‪ ،‬والتي أنتجها ثلة من المؤلفين‬
‫فيما سمي باالقتصاد اإلسالمي‪ ،‬كما تأثر بالمناقشات التي أثارها القانون في الفرع التجاري خاصة‪ ،‬ودفعت تلك‬
‫المناقشات فقهاء وطالب علم في التخصص الفقهي لدراسة قضايا مالية واقتصادية معاصرة فقهيا‪ ،‬بدال من‬
‫التوقف عند مناقشة المسائل التي كتب عنها أسالفنا رحمهم هللا كثيرا‪ .‬وقد اضطرتهم تلك الدراسة إلى التعرف‬
‫على كثير مما يجري في عالم المال واالقتصاد‪ ،‬ألن الحكم على الشيء فرع عن تصوره‪.‬‬
‫الحلقة الثالثة واألخيرة‬
‫هناك فتاوى ومناقشات وبحوث ذات طبيعة فقهية في أمور مالية صادرة ليست من فقهاء‪ ،‬بل من اقتصاديين‪ ،‬أو‬
‫قانونيين أو محاسبين أو ممن يسمون بالمتخصصين في االقتصاد االسالمي‪ ،‬ويجمع بين كل هذه الفتاوى‬
‫والدراسات مسمى اقتصاد إسالمي‪ .‬وقد يفهم من ذلك أن شروط ومتطلبات اإلفتاء في المعامالت المالية تختلف‬
‫بعض االختالف عما هو مطلوب لالجتهاد واإلفتاء العام‪ .‬كما أنه يمكن تعميم المنهج‪ ،‬فيتاح لألطباء اإلفتاء في‬
‫المسائل الفقهية ذات الطبيعة الطبية أو الصحية‪ ،‬وللمتخصصين في األمن واإلجرام األفتاء في قضايا الجنايات‬
‫والقصاص‪ ،‬وهكذا‪ .‬وهذا منهج ليس له أساس شرعي‪.‬‬
‫وبالمقابل‪ ،‬مؤلفو كثير من البحوث والمناقشات التي تحمل اسم االقتصاد اإلسالمي فقهاء‪ .‬وأولئك الفقهاء لم‬
‫يجمعوا مع الفقه تعمقا في علم االقتصاد‪ ،‬وعادة ال يعرفون شيئا ذا بال في أدوات التحليل االقتصادي‪ ،‬وأحيانا‬
‫تحوى مؤلفاتهم أخطاء (وليس وجهات نظر) أو لبسا في مفاهيم من جهة علمية اقتصادية‪ ،‬ويسهم سوء الترجمة‬
‫في الوقوع في الخطأ أو اللبس‪.‬‬
‫وقد كتبت أول رسالة دكتوراه بما يسمى االقتصاد االسالمي‪ ،‬وفقا لهذا الفهم الذي يخلط بين فقه المعامالت‬
‫التجارية والمالية واالقتصاد‪ ،‬وهي رسالة الشيخ الدكتور حمد الجنيدل في كلية الشريعة بالرياض مطلع هذا‬
‫القرن الهجري وعنوانها "مناهج الباحثين في االقتصاد االسالمي"‪ .‬وقد أطلعت على الرسالة‪ ،‬ووجدت أن‬
‫األحرى أن تسمى "مناهج الباحثين في فقه المعامالت التجارية والمالية"‪ ،‬ألن جوهرها كان أصول فقه مع‬
‫التطبيق على المعامالت التجارية والمالية‪ ،‬وقد بذلك فيها المؤلف جهدا مضنيا‪.‬‬
‫ومن أوضح المؤلفات التي تنطبق عليها اإلشكاالت السابقة أيضا كتاب الدكتور علي محي الدين القره داغي‬
‫بعنوان "بحوث في االقتصاد اإلسالمي" (‪ .)2006‬الكتاب فقهي‪ ،‬يبحث بشي من التفصيل في حكم التورق‪،‬‬
‫والحلول والمخارج الفقهية لمعالجة االلتزامات في حاالت التضخم (سماها عالج التضخم‪ ،‬وهي تسمية لها‬
‫معنى مختلف كليا في علم االقتصاد)‪ ،‬وفي جملة أحكام لألسواق المالية واألسهم ونحوها‪ .‬وقد حوى غالف‬
‫الكتاب تعريفا بالمؤلف‪" :‬أستاذ ورئيس قسم الفقه واألصول بكلية الشريعة والقانون‪ ،‬جامعة قطر‪ ،‬وخبير الفقه‬
‫واالقتصاد اإلسالمي بمجمع الفقه اإلسالمي"‬
‫المؤلف فقيه‪ ،‬ولم يجمع إلى الفقه التخصص في علم االقتصاد‪ ،‬ولذا كان األجدر أن يسمى الكتاب باسم من قبيل‬
‫"بحوث في فقه المعامالت المالية المعاصرة"‪ ،‬كما من األجدر أن يعرف المؤلف بأنه "خبير الفقه‪ ،‬وفقه‬
‫المعامالت المالية"‪ ،‬أو نحو ذلك‪ ،‬وهذا من باب عطف الخاص على العام‪.‬‬
‫ومن المؤلفات الفقهية أيضا كتاب الشيخ عبد هللا بن منيع "بحوث في االقتصاد اإلسالمي""‪ ،‬وينطبق النقد‬
‫السابق على كتاب الشيخ ابن منيع‪ .‬وهنا أدعو الشيخ أن يغير العنوان إلى "بحوث في فقه المعامالت التجارية‬
‫والمالية" أو نحو ذلك‪ ،‬وبتبع ذلك بتغيير التعبيرات في الكتاب التي تثير اللبس‪ ،‬كما سبق إيضاحه‪.‬‬
‫ومن المؤلفات أيضا كتاب الدكتور عبد هللا الطريقي‪ ،‬األستاذ بقسم الدراسات اإلسالمية في كلية المعلمين في‬
‫الرياض "االقتصاد اإلسالمي أسس ومبادئ وأهداف" (‪ 1426‬الموافق ‪ .)2005‬الكتاب في مجمله فقهي‪ ،‬فهو‬
‫يركز على التعرض لألحكام الشرعية للملكية واإلنتاج (كالمزارعة واالحتكار) وأحكام تخص وظائف الدولة‬
‫االقتصادية واإلنفاق‪ ،‬وجملة من المعامالت التجارية والمالية‪ .‬وقد جاء تعريف االقتصاد اإلسالمي في الكتاب‬
‫تعريفا فقهيا‪" :‬العلم باألحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية فيما ينظم كسب المال وإنفاقه وأوجه تنميته"‪.‬‬
‫وقال‪"( :‬فيما ينظم كسب المال‪...‬الخ" يخرج األحكام الفقهية األخرى‪ ،‬والتي ال عالقة لها بالجوانب االقتصادية‬
‫كالصالة والطهارة)‪ .‬من الواضح جدا أن هذا الكتاب وأمثاله من كتب الفقه أو الثقافة اإلسالمية‪.‬‬
‫الخالصة أن من الخطأ الصريح التعبير عن الفقه المالي وفقه المعامالت (االقتصادية) بعلم االقتصاد أو‬
‫االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬ومن الواجب التنبيه على هذا الخطأ وتصحيحه‪ .‬ومن ثم فالنقاش ينبغي أن يكون عما إذا‬
‫كان هناك علم اقتصاد إسالمي‪ ،‬وفق معنى وماهية علم االقتصاد وليس علم الفقه (أو القانون)‪ ،‬وهذا موضع‬
‫حديث مستقبلي إن شاء هللا‪ .‬وباهلل التوفيق‪،،،‬‬
‫بين السببية والغيب في تفسير الحوادث االقتصادية‬
‫ترى طائفة من الكتاب والمفكرين اإلسالميين أن علم االقتصاد‪ ، economics‬غير مقبول إسالميا‪ ،‬من منطلق‬
‫أنه ال يأخذ بالتفسيرات التي مصدرها الوحي ‪.‬خذوا المثل التالي‪ :‬جاء في صحيح البخاري أن لصلة الرحم تأثيرا‬
‫حسنا على الرزق (الدخل بالتعبير الشائع)‪ .‬هذا التأثير ال مجال ألن ندركه بالرجوع إلى الكون‪ ،‬وإنما عرفناه من‬
‫الوحي‪ ،‬ولكن علم االقتصاد (أعني كما يدرس في جامعات العالم) يقوم على السببية والتعليل استنادا إلى الكون‪،‬‬
‫بينما ال يعطي اعتبارا للوحي‪ .‬ولهذا يرى أولئك الكتاب أن علم االقتصاد (الذي يسميه بعضهم االقتصاد‬
‫الوضعي)‪ ،‬غير مقبول إسالميا‪ .‬فما مدى دقة ما يقولونه؟‬
‫االنتقاد السابق ينطبق حقيقة على كل العلوم التي تدرس في جامعات العالم كالفيزياء‪ ،‬الكيمياء‪ ،‬علم النفس‪ ،‬علوم‬
‫الطب‪ ،‬التغذية‪ ،‬الزراعة‪ ،‬الهندسة‪ ،‬والتربية‪ ...‬إلخ‪ .‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬طالب الطب ال يدرس في مدرسة الطب‬
‫أن لصلة الرحم تأثيرا على العمر ‪.‬‬
‫أخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك ـ رضي هللا عنه ـ قال‪ :‬سمعت رسول هللا ـ صلى هللا عليه وسلم ـ يقول‪:‬‬
‫"من سره أن يبسط له في رزقه‪ ،‬أو ينسأ له في أثره‪ ،‬فليصل رحمه"‪ .‬ينسأ بضم أوله أي يؤخر‪ ،‬وقوله في أثره‬
‫أي في أجله ‪.‬‬
‫التعبير بمن أحب البسط في الرزق والتأخير في األجل فليصل رحمه‪ ،‬تعبير نبوي‪ ،‬ال يجوز نفيه‪ ،‬ولكن في‬
‫الوقت نفسه‪ ،‬يجب أن نعرف أن هذا ال ينافي فعل األسباب المادية المؤدية بتوفيق هللا إلى بسط الرزق وإطالة‬
‫العمر ‪.‬‬
‫وهناك نصوص أخرى كثيرة وردت في حصول الشفاء والعالج‪ ،‬ولكن طالب الطب ال يدرسونها‪ .‬وكونها كذلك‬
‫ال يعني بالضرورة خطأ ما يدرسونه‪ ،‬أو أنه غير مقبول إسالميا ‪.‬‬
‫ولذا فإنه ال يقبل تعميم القول بعدم القبول اإلسالمي لتأسيس علم االقتصاد على أن مصدر المعرفة هو الكون‪ .‬فقد‬
‫يفهم تخطئة المعرفة التي مصدرها الكون‪ ،‬وهذا غير صحيح‪ ،‬ولو كان صحيحا لحق لنا أن نعمم القاعدة‪ ،‬ونعتبر‬
‫كل العلوم غير مقبولة إسالميا‪ ،‬ألنها تأسست على مصدر يعطي نتائج خاطئة‪ .‬ذلك ألن ما تتوصل إليه العلوم‬
‫الطبيعية أو االجتماعية ـ التي شهد لها الحس أو العقل شهادة قـاطـعــة أو قام عليه دليل راجح هي مما يعد ـ‬
‫بميزان الشرع ـ علما ً يعمل به‪ .‬واإليمان بما تتوصل إليه هذه العلوم أمر مشترك بين البشر‪ ،‬بغض النظر عن‬
‫الديانة ‪.‬‬
‫وقد قضى الشرع أن كـل المعارف ـ ديـنـيـة كـانــت أم دنيوية ـ إنما يكتسبها اإلنـســان بحسه وعقله‪ .‬ومن ذلك‬
‫"واَّللُ أ ْخرج ُكم ِّم ْن بُ ُ‬
‫ه‬
‫س ْمع واألبْصار واأل ْفئِّدة لعله ُك ْم‬
‫قوله سبحانه‪:‬‬
‫ون أ ُ همهاتِّ ُك ْم ال ت ْعل ُمون شيْئا ً وجعل ل ُك ُم ال ه‬
‫ط ِّ‬
‫ت ْش ُك ُرون "النحل‪. 78 ،‬‬
‫لكن لو قيل أنه ال يكفي الركون إلى الكون وحده لكان أوضح وأصوب‪ .‬ذلك ألنه يجب التسليم أيضا أن هللا على‬
‫كل شيء قدير‪ ،‬وأن هناك مؤثرات تدرك بالوحي وليس الكون‪ .‬ولكن اإليمان بالغيب ال يعني إنكار تأثير‬
‫المؤثرات االقتصادية (وغيرها)‪ .‬قد ال نكون محيطين إحاطة تامة بكنه وطبيعة كل المؤثرات (ولو األساسية على‬
‫األقل)‪ ،‬وكيف تعمل وتتفاعل‪ ،‬ومن ثم قد يصعب أحيانا التنبؤ الجيد بحجم وقوة أزمات ومشكالت متوقعة‪ .‬وفي‬
‫هذا اإلطار‪ ،‬قد يعطي الوحي إشارات إلى نتائج‪ ،‬ال ندرك بعد أسبابها (تفسيرها المادي) جيدا ‪.‬إال أن ذلك ال‬
‫يعوقنا عن محاولة فهم األسباب واألخذ بها‪ ،‬والنصوص أرشدت إلى ذلك‪ ،‬كقوله سبحانه (وأعدوا لهم ما استطعتم‬
‫من قوة ومن رباط الخيل)‪ ،‬وقوله (وأن ليس لإلنسان إال ما سعى وأن سعيه سوف يُرى)‪ .‬واألخذ باألسباب هو‬
‫هدي سيد المتوكلين على هللا ‪.‬‬
‫وهنا أشير إلى حديث اشتهر على ألسنة الناس‪ ،‬وهو ما رواه أنس بن مالك ـ رضي هللا عنه ـ قال‪ :‬قال رجل‪ :‬يا‬
‫رسول هللا أعقلها وأتوكل‪ ،‬أو أطلقها وأتوكل؟ قال ـ صلى هللا عليه وسلم ـ‪" :‬اعقلها وتوكل" رواه الترمذي وحسنه‬
‫األلباني‪ .‬ومعنى الحديث واضح وصحيح‪ ،‬فمن علم أحدا كيف يعقلها‪ ،‬فقد علمه شيئا صحيحا مفيدا‪ ،‬ومن ثم فهو‬
‫مقبول إسالميا‪ ،‬ولكنه لم يعلمه كل المطلوب‪ ،‬إذ هناك الجزء الغيبي القدري‪ ،‬وقد قرر علماء اإلسالم ـ رحمهم هللا‬
‫تعالى ـ أنه ال تعارض بين السببية والقدر‪ ،‬وأال تعارض بين العقل والنقل ‪.‬‬
‫نفي األسباب قدح في العقل‪ ،‬وينطبق ذلك على تفسير أحداث االقتصاد‪ ،‬ولكن الركون إلى األسباب وحدها قدح‬
‫في النقل أي الوحي‪ .‬وفي هذا اإلطار نفهم النصوص الدالة على محق الربا‪ .‬وباهلل التوفيق‪،،،‬‬
‫أنتم أعلم بأمور دنياكم‪ :‬فهمان متطرفان‬
‫أخرج اإلمام مسلم عن طلحة بن عبيد هللا يحدث عن أبيه قال‪ :‬مررت مع النبي صلى هللا عليه وسلم بقوم‬
‫على رؤوس النخل‪ ،‬فقال "ما يصنع هؤالء؟ قالوا‪ :‬يلقحونه يجعلون الذكر في األنثى فيلقح‪ ،‬قال‪ :‬ما أظن يغني‬
‫ذلك شيئاً" فأخبروا بذلك‪ ،‬فتركوه‪ ،‬فأخبر الرسول صلى هللا عليه وسلم بذلك‪ ،‬فقال‪" :‬إن كان ينفعهم؛‬
‫فليصنعوه؛ فإني إنما ظننتُ ظناً؛ فال تؤاخذوني بالظن‪ ،‬ولكن إذا حدثتكم عن هللا شيئاً؛ فخذوه؛ فإني لن أكذب‬
‫على هللا ‪-‬عز وجل"‪.‬‬
‫وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم‪" :‬قال العلماء‪ :‬ولم يكن هذا القول خبرا ً وإنما كان ظناً؛ كما بينه في‬
‫هذه الروايات‪ ،‬قالوا‪ :‬ورأيه صلى هللا عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره فال يمتنع وقوع مثل هذا‪،‬‬
‫وال نقص في ذلك‪ ."...‬ورسول هللا لم ينههم عما كانوا يصنعون‪ ،‬لكنهم توهموا ذلك‪.‬‬
‫لدينا فهمان متطرفان للحديث‪ .‬أصحاب الفهم األول حاولوا حصر الدين في العبادات‪ ،‬ولكنا نعر أن‬
‫الشريعة تناولت حياة الناس من عبادات ومعامالت وغيرها‪ ،‬قال هللا –تعالى‪" :-‬فَال َو َربِّكَ ال يُ ْؤ ِّمنُونَ َحتَّى‬
‫س ِّه ْم َح َرجا ً ِّم َّما قَ َ‬
‫س ِّليما ً"‪ ،‬وقال تعالى‪" :‬إِّنَّا أ َ ْن َز ْلنَا‬
‫يُ َح ِّك ُموكَ فِّي َما َ‬
‫س ِّل ُموا ت َ ْ‬
‫ش َج َر بَ ْينَ ُه ْم ث ُ َّم ال يَ ِّجدُوا فِّي أ َ ْنفُ ِّ‬
‫ضيْتَ َويُ َ‬
‫اَّللُ" اآلية‪.‬‬
‫اس ِّب َما أ َ َراكَ َّ‬
‫ق ِّلتَحْ ُك َم بَ ْينَ النَّ ِّ‬
‫ِّإلَ ْيكَ ا ْل ِّكت َ َ‬
‫اب ِّبا ْل َح ِّ‬
‫مقابل الفريق األول نسمع ونقرأ لبعض الناس عبارات من قبيل في شريعتنا االسالمية حل كل مشاكلنا‬
‫االقتصادية‪ ،‬وإال لما كان دينا كامال‪ ،‬صالحا لكل زمان ومكان‪.‬‬
‫ما قاله الفريق الثاني من المجمل الذي يحتاج إلى توضيح وبيان بالمفصود‪ ،‬ومن يقولها بإطالق يسيء فهم‬
‫طبيعة تلك المشكالت وتعقيداتها‪ ،‬ويقحم الشريعة في تفاصيل من أمور الدنيا التي ترك الخالق بحثها للبشر‪.‬‬
‫نحن نعرف أن الدين كامل‪ ،‬ولكننا في الوقت نفسه نعرف معرفة قطعية أن الشريعة لم تأت لتعلمنا كيف ترتفع‬
‫األسعار وكيف نقيس هذا االرتفاع؟ وكيف نفهم العالقة بين كمية النقود ومستوى األسعار؟ وكيف يؤثر ارتفاع‬
‫الدخل على األسعار؟ وكيف نقيس هذا التأثير؟ كيف يتغير االستهالك جراء ارتفاع سعر سلعة ما؟ لم تأت‬
‫لتعلمنا أنواع أسعار الصرف‪ ،‬وكيف تقاس‪ ،‬وما الذي يؤثر فيها‪ ،‬وكيف يؤثر؟ وأيها أصلح وأنفع للبالد‪ :‬اتباع‬
‫نظام سعر صرف ثابت إزاء عمله واحدة أو مجموعة عمالت أو ترك العملة حرة؟ لم تأت الشريعة لتعلمنا‬
‫كيف ينمو االقتصاد‪ ،‬وكيف نوزع‪/‬نخصص ‪ allocate‬الموارد بين بدائل استخدام كثيرة‪ ،‬مثال‪ ،‬كيف توزع‬
‫األموال العامة (الميزانية) على أوجه االنفاق من رواتب وصيانة وبنية تحتية وغيرها؟ ما أنسب المعايير التي‬
‫تحكم التوزيع‪ ،‬على أن تكون معايير محددة‪ ،‬وليس مجرد تعبيرات عامة مجملة؟ وعالم اختيرت تلك المعايير؟‬
‫لم تأت الشريعة لتعلمنا طبيعة العالقة بين مستوى األجور والتضخم والبطالة‪ .‬لم تعلمنا كيف نتعرف وندرس‬
‫هذه العالقة باستخدام األدوات الكمية‪ .‬لم تعلمنا أيهما أنسب للمجتمع وكيف‪ :‬أن تقوم الحكومة مباشرة بتوفير‬
‫الخدمة الصحية‪ ،‬أم تتركها للناس (القطاع الخاص)‪ ،‬ومقابل ذلك توزع عليهم ما كانت تنوي إنفاقه على الرعاية‬
‫الصحية‪ ،‬وما تأثير كل اختيار على الناس على المدى القصير وعلى المدى البعيد ووفقا العتبارات كثيرة؟ هذه‬
‫أمثلة من المشكالت والقضايا االقتصادية التي ترك المولى سبحانه أمر بحثها للعباد‪ ،‬وهي أكثر من أن تحصى‪.‬‬
‫وما قلته ال يتنافى مع إيماننا بأن المصائب ومنها المشكالت االقتصادية إنما هي من الناس‪ ،‬يقول المولى‬
‫سبحانه‪" :‬وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" اآلية ‪ 30‬من سورة الشورى‪ .‬ورغم اإليمان بما سبق‪ ،‬إال‬
‫أنه ال يمنع من البحث في األسباب المادية‪ ،‬مثلما أننا نؤمن بأن المرض والشفاء من هللا‪ ،‬وأن المرض مصيبة‬
‫من المصائب المشمولة باآلية‪ ،‬وما كان ذلك مانعا من البحث في أسباب المرض وطلب العالج‪.‬‬
‫وأختم بنقل قول نفيس للعالمة ابن باز رحمه هللا‪..." :‬فقد أجمع المسلمون قاطبة على أن األنبياء‪-‬عليهم‬
‫الصالة والسالم‪-‬والسيما خاتمهم محمد ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬معصومون من الخطأ لما يبلغونه عن هللا‪-‬عز‬
‫وجل‪-‬من األحكام‪... ,‬أما في أمور الدنيا فقد يقع الخطأ ثم ينبه على ذلك‪ ,‬كما وقع له ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪-‬‬
‫لما مر على جماعة يلقحون قال‪( :‬ما أظنه يضره لو تركتموه) فلما تركوه صار شيصا ً فأخبروه فقال‪-‬عليه‬
‫الصالة والسالم( ‪-:‬إنما قلت ظنا ً وأنتم أعلم بأمر دنياكم أما ما أخبركم به عن هللا فإني لن أكذب على هللا)‪,‬‬
‫فبين‪-‬عليه الصالة والسالم‪-‬أن الناس أعلم بأمور دنياهم كي يلقحون‪ ,‬كي يغرسون‪ ,‬كي يبذرون‪ ,‬كي‬
‫يحصدون إلى غير ذلك من أمور دنياهم‪ ,‬كي يعمرون مساكنهم إلى غير ذلك‪ ,‬وهذا الحديث رواه مسلم في‬
‫الصحيح‪ ،‬أما ما يبلغه عن هللا من أمور الدين من العبادات واألحكام هذا حالل وهذا حرام‪ ،‬إن هللا أمر بكذا أو‬
‫نهى عن كذا‪ ,‬أو أن هذا فيه كذا من النفع وهذا من فيه الضرر كذا هذا كله حق‪ ,‬وال ينطق عن الهوى‪-‬عليه‬
‫الصالة والسالم‪-‬بل هو معصوم في ذلك‪-‬عليه الصالة والسالم‪...,-‬‬
‫‪http://www.binbaz.org.sa/mat/20142‬‬
‫من الموقع الرسمي البن باز‪ ،‬وهو منقول من البرنامج اإلذاعي "نور على الدرب"‪.‬‬
‫االقتصاد‪ :‬المعنى والمصدر‬
‫رغم شيوع كلمة ''اقتصاد'' في عصرنا‪ ،‬إال أنه لم يكن لهذه الكلمة معنى أو معان اصطالحية في المجتمعات‬
‫العربية طيلة القرون التي سبقت عصر الثورة الصناعية وتطور العلوم الحديثة‪ ،‬ومن باب أولى أنه لم تكن لعبارة‬
‫''اقتصاد إسالمي'' من معنى اصطالحي‪ .‬ولذا فإنه ينبغي أن نبدأ النقاش بالبحث عن مصدر المعاني الشائعة اآلن‬
‫لكلمة ''اقتصاد''‪ ،‬وهذه قضية جوهرية ‪.‬‬
‫المعاني الشائعة اآلن ال نعرفها من معاجم اللغة وكتب الفقه‪ ،‬ولكنها ترجع إلى التطور العلمي (بمعنى الساينسي‬
‫)‪scientific‬والتقدم الصناعي الحديث‪ ،‬الذي بدأ في أوروبا قبل قرون قليلة‪ ،‬بينما كان العالم العربي واإلسالمي‬
‫يغط في تخلف مادي عميق‪ .‬هذه األحداث والتطورات ليست وجهة نظر‪ ،‬بل هي من الوقائع التاريخية المسلم بها‪.‬‬
‫وقد أدى االتصال والتأثر بالغرب المتقدم ماديا خالل القرون الثالثة األخيرة إلى التعرف على ونقل مصطلحات‬
‫وأفكار وكلمات كثيرة شائعة لدى الغربيين‪ ،‬مستعملة في التجارة والمال والثروة والكسب واإلنفاق ونحو ذلك‪،‬‬
‫ولهذه الكلمات دالالتها ومعانيها االصطالحية في األوساط الغربية‪ .‬ومن هذه الكلمات‪، economy‬‬
‫و ‪economics.‬‬
‫قد يكون من بين هذه الكلمات ما أخذ من اللغة العربية إبان ازدهار الحضارة اإلسالمية‪ .‬لكنها في الغالب اكتسبت‬
‫مع مرور القرون معاني غير مطابقة للمعاني الموجودة في اللغة األصل المتأثر بها‪ ،‬أعني العربية‪ ،‬وقد تكون‬
‫اللغة العربية أخذته أصال من لغات أخرى إبان الدولة العباسية مثال ‪.‬‬
‫الترجمة هي األداة األولى لنقل المعرفة بين المجتمعات‪ .‬الكلمة األولى ‪economy‬ترجمت إلى ''اقتصاد''‪ ،‬أما‬
‫الثانية ‪ economics‬فترجمت إلى ''علم االقتصاد'' أو الدراسة المنهجية لالقتصاد ‪.‬‬
‫بما أن اللغات تتفاوت في تركيبها وقواعدها ومعاني ودالالت كلماتها‪ ،‬فإن الترجمة تأتي بسلسلة من المشكالت‪.‬‬
‫أول مشكلة أننا نقرأ الكلمة ''اقتصاد''‪ ،‬وال نعرف هل المقصود علم االقتصاد ‪ economics‬أم المعنى اآلخر‬
‫الذي تدل عليه الكلمة ‪ economy.‬ويتبع ذلك أننا نسمع عبارة ''اقتصاد إسالمي''‪ ،‬ويلتبس علينا المعنى أحيانا‪:‬‬
‫هل المقصود علم اقتصاد ‪ economics‬موصوف بأنه إسالمي‪ ،‬أم هو شيء آخر غير العلم؟ وإذا كانت األولى‪،‬‬
‫فما المقصود؟‬
‫قد تبدو القضايا التي تثيرها تلك األسئلة للوهلة األولى غير مهمة كثيرا عند البعض‪ ،‬ولكنها ليست كذلك‪ ،‬فمثال‬
‫كلمة علم في عبارة ''علم االقتصاد ''ال تعطي نفس مدلول كلمة علم في عبارة ''علم الفقه''‪ .‬ومثال آخر أن البعض‬
‫عد كتبا من قبيل كتاب ''الخراج'' ألبي يوسف وكتاب ''األموال'' ألبي عبيد وكتاب ''الحسبة'' البن تيمية من كتب‬
‫االقتصاد‪ ،‬ولنا أن نسأل هذا البعض ‪:‬ماذا تقصدون بقولكم ''اقتصاد''‪ ،‬طالما أن الكلمة لم يكن لها معنى‬
‫اصطالحي عند أئمة األمة عبر قرون طويلة؟ المعاني أو المفاهيم المعاصرة الشائعة عن االقتصاد وعلم‬
‫االقتصاد مصدرها الغرب‪ ،‬وسيأتي مزيد بيان عن هذا الحقا ‪.‬وحسب هذه المعاني‪ ،‬هي ليست كتبا في علم‬
‫االقتصاد‪ ،‬وإن كان هذا ال يلغي احتواءها على أحكام مسائل وموضوعات تدخل في مسمى اقتصاد‪، economy‬‬
‫ومناقشات تعد بطبيعتها من علم االقتصاد‪ ، economics‬مثلما أنه يمكن لكتب التسويق أو إدارة األعمال أو‬
‫المحاسبة أو القانون أو الفقه أو الجغرافيا أو االجتماع أو التاريخ ‪ ...‬إلخ أن تحتوي على مناقشات من صميم علم‬
‫االقتصاد‪ ،‬ولكن هذا ال يحولها إلى كتب علم اقتصاد‪ .‬وهذا مطرد في كل العلوم والمصنفات‪ ،‬فأبواب القضاء في‬
‫كتب الفقه تحوي تنظيمات إدارية‪ ،‬وهذا ال يجعلها أبواب إدارة‪ ،‬وتحوي كتب الفقه لفتات طبية وهذا ال يجعلها‬
‫كتب طب‪ ،‬وكتب الفرائض (علم المواريث) تحوي عمليات حسابية‪ ،‬وهذا ال يجعلها كتب حساب أو رياضيات‪،‬‬
‫وهكذا‪ .‬البحث والنقاش العلمي يحتاج إلى ضبط وتدقيق‪ ،‬وفهم ألهمية تلك القضايا ‪.‬‬
‫ثم ندخل في مشكلة أخرى أكبر‪ .‬غالبا ما تقوم ترجمة المفردات على تقريب المعنى‪ ،‬ذلك أنه في الغالب يصعب‬
‫وأحيانا يتعذر الوصول إلى لفظ عربي يطابق المعنى الذي تدل عليه اللفظة األعجمية‪ ،‬وأحيانا يحدث األسوأ‪ ،‬بأن‬
‫تختار ترجمة تسبب اللبس في الفهم‪ .‬وهنا تنشأ غالبا مشكلة في التصور والفهم بالغة األثر والتأثير ‪.‬‬
‫واستطرادا‪ ،‬أشير إلى أن للتراجمة طريقين ‪:‬‬
‫أحدهما أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات المراد ترجمتها‪ ،‬و ما تدل عليه من المعنى فيأتي بلفظة مفردة‬
‫من الكلمات العربية ترادفها في الداللة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى األخرى كذلك حتى يأتي على جملة ما‬
‫يريد تعريبه‪ ،‬وهذه الطريقة هي الشائعة‪ ،‬ولكنها رديئة لوجهين‪ :‬أحدهما أنه ال يوجد في أي لغة كلمات تقابل‬
‫جميع كلمات اللغة المراد الترجمة منها ‪.‬والثاني أن خواص التركيب والنسب اإلسنادية ال تطابق نظيرها من لغة‬
‫أخرى دائماً‪ ،‬وأيضا ً يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثيرة في جميع اللغات ‪.‬‬
‫الطريق الثاني‪ :‬أن يأتي الكلمة والجملة فيحصل معناها في ذهنه ويعبر عنها من اللغة األخرى بكلمات تطابق‬
‫المعنى قدر اإلمكان سواء ساوت األلفاظ أم خالفتها‪ ،‬وهذا الطريق أجود‪ ،‬ولكن من النادر أن يستخدم لصعوبته‬
‫وطوله‪ ،‬وندرة الموارد البشرية الالزمة له‪.‬‬
‫المعاني اللغوية‬
‫لغة‪ ،‬اقتصاد مشتقة من قصد‪ .‬ولها عدة معان‪ ،‬ولكن يهمنا منها ماله صلة بالمال واإلنفاق ونحوهما ‪.‬‬
‫جاء في لسان العرب (باختصار ‪):‬‬
‫اإلسراف والتقتير‪ ،‬والقصد في المعيشة أن ال يُس ِّْرف وال يُق ِّتر‪،‬‬
‫صد في الشيء‬
‫اإل ِّ‬
‫الق ْ‬
‫ُ‬
‫فراط‪ ،‬وهو ما بين ِّ‬
‫خالف ِّ‬
‫صدٌ بين الظالم‬
‫يقال فالن مقتصد في النفقة‪ ،‬وقد اقتصد‪ ،‬واقتصد فالن في أمره أي استقام‪ ،‬وقوله ومنهم ُم ْقت ِّ‬
‫والسابق ‪.‬‬
‫كما جاء في المعجم الوسيط (باختصار ‪):‬‬
‫قصد في الحكم عدل‪ ،‬وقصد في النفقة لم يسرف ولم يقتر‪ ،‬واقتصد في أمره توسط ‪.‬‬
‫المعاني حسب الكلمتين اإلنجليزيتين‬
‫أوال ‪: economy‬‬
‫جاء في قاموس أكسفورد المشهور ‪ ، Oxford Advanced Learner's Dictionary‬الطبعة السابعة‬
‫(‪ )2005‬التفسيرات التالية‬
‫‪1- the relationship between production, trade and the supply of money in a particular‬‬
‫‪country or region‬‬
‫‪1‬العالقة بين اإلنتاج والتجارة وعرض النقود في دولة أو إقليم محدد‬‫‪2- a country, when you are thinking about its economic system‬‬
‫‪2‬دولة عندما تفكر بنظامها االقتصادي‬‫‪3- the use of the time, money, etc. that is available in a way that avoids waste‬‬
‫‪3‬استعمال الوقت والنقود ‪ ...‬إلخ‪ ،‬بطريقة تحسن تتالفى التضييع أي فيها توفير (ومنه سميت الدرجة‬‫االقتصادية‪ ،‬في خطوط الطيران مثال ‪).‬‬
‫وتضيف قواميس أخرى تعبيرات ذات عالقة بالمعنيين األول والثاني‪ ،‬مثل ‪:‬‬
‫‪Management and use resources‬إدارة واستعمال الموارد ‪.‬‬
‫بين المعاني اللغوية والشائعة والمعاني في اللغة اإلنجليزية ‪.‬‬
‫المعاني الشائعة اآلن في المجتمعات العربية لكلمة ''اقتصاد'' تغلب عليها المعاني التي تدل عليها الكلمة‬
‫اإلنجليزية‪ ، economy‬والتي أوضحت سابقا‪ ،‬وهذه نقطة جوهرية‪ .‬أما المعنى اللغوي الذي له صلة بالسلوك‬
‫االقتصادي بالمعنى الشائع فيدور حول القصد واالعتدال‪ ،‬وباألخص في اإلنفاق ‪.‬ومن ثم يتبين أن المعنى الثالث‬
‫في اللغة اإلنجليزية لوحده هو ما يتالءم مع هذا المعنى اللغوي‪ ،‬ورغم هذا التالؤم‪ ،‬فإنه ال يمكن القول بأنه‬
‫يتطابق (أقصد مع المعنى اإلنجليزي الثالث)‪ .‬هناك تقارب بين المعنيين ولكن ال يمكن القول بوجود تطابق‪ .‬وأما‬
‫المعنيان األول والثاني (في اللغة اإلنجليزية )فبعيدان بعدا كبيرا عن المعنى اللغوي‪ ،‬ورغم ذلك هما معنيان‬
‫شائعان لدى الناس‪ .‬وكونهما مأخوذين من الغرب حديثا نقطة تخفى على البعض ‪.‬‬
‫ثانيا ‪: economics‬‬
‫بعض الكلمات في اللغة اإلنجليزية تنتهي باللفظة الالحقة ‪ ics‬لتعني علم أو دراسة أو معرفة كذا‪ .‬ومن هذه‬
‫الكلمات ‪ economics‬التي ترجمت إلى علم أو دراسة كيف يعمل االقتصاد وكيف تتفاعل األطراف أو الالعبون‬
‫(مثل المستهلك والمنتج والبائع والشركة والحكومة‪ ...‬إلخ) في االقتصاد‪ .‬ومن األمثلة األخرى‪physics ،‬وتعني‬
‫علم أو دراسة الطبيعة و ‪statistics‬وتعني علم أو دراسة اإلحصاء‪ .‬ولذا ينبغي أال ننسى أننا أحيانا نقول – باللغة‬
‫العربية ‪ -‬اقتصاد ونقصد علم االقتصاد‪ ،‬ولكن المقابل اإلنجليزي لكلمة اقتصاد ‪ economy‬غير المقابل‬
‫اإلنجليزي لعبارة علم االقتصاد ‪ economics.‬كما ينبغي االنتباه إلى أن كلمة علم هنا ال تطابق معنى كلمة علم‬
‫في عبارة مثال علم الفقه ‪.‬‬
‫الشائع اعتبار كتاب آدم سميث ''ثروة األمم'' المنشور عام ‪ ،1776‬البداية الفعلية لوضع االقتصاد (أو الوقائع‬
‫االقتصادية) تحت الدراسة والتحليل القائمة على وضع الفرضيات والسببية والتعليل واختبار الفرضيات‪ ،‬أي‬
‫بحث االقتصاد بمنهج البحث الساينسي( ‪ scientific‬التي ترجمت إلى علمي)‪ ،‬وظهور علم االقتصاد (الحديث)‬
‫فنا قائما بذاته‪ .‬من المؤكد أن آدم سميث لم يكن أول من يكتب عن االقتصاد بالمنهج الساينسي‪ ،‬حيث سبقته‬
‫كتابات في الغرب نفسه‪ ،‬وفي حضارات أخرى‪ ،‬ومنها ما كتبه عدد من األعالم المسلمين‪ ،‬ولكن جمهرة‬
‫المؤرخين االقتصاديين يرون أن كتاب آدم سميث ''ثروة األمم'' هو أول كتاب في العصر الحديث يتصف‬
‫باألوصاف السابقة‪ .‬وسواء كان األول أو لم يكن‪ ،‬فليس لهذا تأثير على العلم نفسه‪ ،‬الذي كانت تسميته الشائعة في‬
‫القرنين الثامن عشر والتاسع عشر االقتصاد السياسي‪ ، political economy‬وكانت التحليالت الرامية إلى فهم‬
‫كيف يعمل االقتصاد‪ ،‬آنذاك‪ ،‬مثال عالقة عدد السكان باإلنتاج و عالقة عدد اليد العاملة برأس المال (غير‬
‫البشري)‪ ،‬وتأثير زيادة كل عامل على تكلفة الوحدة الواحدة أو اإلنتاج (الكلي أو الحدي)‪ ،‬أو الربح من كل وحدة‬
‫منتجة‪ ،‬كانت التحليالت يشوبها مناقشات ذات طبيعة سياسية و‪/‬أو قانونية و‪/‬أو فلسفية‪ ،‬وهذا ليس بغريب‪ ،‬فكل‬
‫علم من العلوم الحديثة شابت بداياته شوائب‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬استند تأسيسه إلى تصورات وأفكار مأخوذة من‬
‫علوم أخرى كالفلسفة‪ .‬وباهلل التوفيق‪.‬‬
‫التســـــعير‬
‫من يطلع على ما كتب في كتب فقهية عن التسعير‪ ،‬يجد أن األصل منع التسعير‪ .‬ولكن تسعير ماذا؟‬
‫التسعير في فهم أسالفنا يتناول عادة ما يسمى في علم االقتصاد بالسلع الخاصة المحضة‪ .‬ولإليضاح كلمة سلع‬
‫هنا تشمل أيضا الخدمات‪ .‬وتبسيطا للفهم‪ ،‬يخرج من هذا النوع تلك السلع التي ‪:‬‬
‫*يبيعها طرف حكومي (بما في ذلك شركات الحكومة ‪).‬‬
‫*أو يبيعها القطاع الخاص ولكنها مدعومة حكوميا ‪.‬‬
‫*أو يحصر القانون إنتاجها في شركة أو شركات بعينها ألسباب موضوعية مردها طبيعة السلعة‪ ،‬كانخفاض‬
‫تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة دون إضرار بالجودة (أو عكسها ارتفاع الجودة دون ارتفاع تكلفة الوحدة الواحدة ‪).‬‬
‫*أو واقعة تحت ما يسمى في علم االقتصاد بفشل السوق (فشل المعاوضة أن تعمل)‪ ،‬مثل حالة السلع المتعدية‬
‫األثر‪ ،‬أو التي يصعب حصر استهالكها بالذي تحصل عليها ‪.‬‬
‫من جهة أخرى‪ ،‬بعض الشركات ملكيتها موزعة بين الحكومة والقطاع الخاص بمعناه الضيق ‪.‬‬
‫وأصل منع التسعير (في السلع الخاصة المحضة) ألن للمال حرمة‪ ،‬واألصل في المعاوضات توافر الرضا بين‬
‫الطرفين المتعاقدين‪ .‬ويرى كثير أو ربما جمهور الفقهاء جواز أو مشروعية التسعير عند الحاجة‪ .‬ولكن كيف‬
‫نتعرف على هذه الحاجة؟ هذا شأن عام‪ ،‬ليس خاصا بالفقهاء أو االقتصاديين أو المسؤولين الحكوميين ‪.‬‬
‫ومن أحسن من كتب في التسعير من المتقدمين اإلمام العالمة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم‪ .‬ومن يرغب التوسع فله‬
‫الرجوع إلى كتاب "الحسبة" البن تيمية‪ ،‬وكتاب "الطرق الحكمية" البن القيم‪ .‬وعامة أو جمهور الفقهاء‬
‫المعاصرين (حسب علمي) ال يخالفون في ذلك‪ .‬ومدار اإلفتاء بأن التسعير جائز عند الحاجة قائم على أن هللا‬
‫سبحانه يأمر بالعدل وينهى عن البغي والظلم ‪.‬‬
‫سئل اإلمام ابن تيمية عن الغالء والرخص هل هما من هللا تعالى أم ال؟ وكان مما أجاب به "‪...‬أن الغالء بارتفاع‬
‫األسعار‪ ،‬والرخص بانخفاضها‪ ،‬هما من جملة الحوادث التي ال خالق لها إال هللا وحده‪ .‬والغالء والرخص ال‬
‫تنحصر أسبابه في ظلم بعض‪ ،‬بل قد يكون سببه قلة ما يخلق‪ ،‬أو يجلب من ذلك المال المطلوب‪ ،‬فإذا كثرت‬
‫الرغبات في الشيء‪ ،‬وقل المرغوب فيه‪ ،‬ارتفع سعره‪ ،‬فإذا كثر وقلت الرغبات فيه انخفض سعره ‪...".‬‬
‫وقال في كتاب الحسبة‪" :‬فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم‪ ،‬وقد ارتفع‬
‫السعر‪ ،‬إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق فهذا إلى هللا‪ ،‬فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق‪ ...‬وإذا‬
‫تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل‪ ،‬ومنعهم مما يحرم عليهم من‬
‫أخذ زيادة على عوض المثل‪ :‬فهو جائز‪ ،‬بل واجب ‪".‬‬
‫قوله "الوجه المعروف ‪ ...‬عوض المثل‪ ":‬ليس لها حدود مقدرة‪ ،‬ومعايير محددة شرعا‪ .‬ولم يرد في الوحي تحديد‬
‫للحاجة وكيفية التسعير وما تأثيراته‪ ،‬بل تركت اإلجابات إلى العرف والخبرة والمعرفة الفنية والبحث والنظر‬
‫العقلي الكوني ‪.‬‬
‫وقوله "ارتفع السعر لقلة الشيء‪ ،‬ارتفع لكثرة الخلق"‪ ،‬واضح أنها تفسيرات من اإلمام ابن تيمية ـ رحمه هللا ـ‬
‫ألسباب ارتفاع السعر‪ .‬ومثل هذه التفسيرات مصدرها الكون والوسائل والخبرة والبحث والنظر والدرس‬
‫باستخدام عقولنا ‪.‬‬
‫ومن ثم فتفسيرات المؤلف ـ رحمه هللا ـ خاضعة للتطورات في فهم آلية السوق‪ ،‬وما قاله هو اجتهاد منه في فهم‬
‫عمل األسواق‪ ،‬وهو اجتهاد يدل على سعة فهم وذكاء‪ ،‬مأخوذا بعين االعتبار بساطة الحياة‪ ،‬وبساطة الفهم لعمل‬
‫قوى السوق آنذاك‪ ،‬خالف أن ابن تيمية لم يكتب أصال بغرض شرح كيف تعمل السوق ‪.‬‬
‫وقوله ـ رحمه هللا ـ "كثرة الخلق" المعول (في علم االقتصاد) على زيادة الطلب‪ ،‬وزيادته غالبا وليس دائما بسبب‬
‫زيادة الدخل‪ ،‬وقد يحدث هذا بدون زيادة عدد الناس‪ ،‬مثال بسبب ما نسميه في علم االقتصاد بزيادة متوسط‬
‫إنتاجية العامل الواحد‪ .‬النمو السكاني يجلب غالبا زيادة دخل‪ .‬وفي هذه الحالة قد تكون الزيادة في الدخل أعلى أو‬
‫في الناس (نمو السكان) أعلى‪ .‬وقد ال يزيد الدخل (الحقيقي) إال قليال‪ ،‬بينما يزيد السكان كثيرا‪ ،‬ومن ثم يقل‬
‫المستوى المعيشي لغالبية السكان‪ ،‬ويحدث غالبا تغيير في نمط االستهالك‪ ،‬بما يزيد الطلب على سلع وغالبا يرفع‬
‫أسعارها‪ ،‬وبالمقابل‪ ،‬يقللها على سلع أخرى وقد يخفض أسعارها ‪.‬‬
‫وقد يرتفع السعر لعامل خارجي مثل انخفاض سعر الصرف‪ ،‬أو رفع السعر من قبل المصدر في حاالت‬
‫االستيراد‪ .‬وهناك عامل تضخم العرض النقدي‪ ،‬الذي جلبه التحول إلى استعمال النقود االسمية كالنقود الورقية‬
‫بدال من الذهب والفضة ‪.‬ومن خصائص هذه النقود أنه ال قيمة (تقريبا) لها لذاتها‪ ،‬وأن باإلمكان توليد كميات‬
‫كبيرة منها‪ ،‬سواء عن طريق السلطة أو عن طريق البنوك‪ ،‬دون لزوم أن يقابل ذاك زيادة المعروض من السلع‬
‫والخدمات‪ ،‬وهذا ما يحدث في الواقع‪ ،‬ومن نتائجه انخفاض قيمة النقود (التضخم)‪ .‬ولن ينجح التسعير في خفض‬
‫األسعار مع بقاء أصل اإلشكال‪ ،‬بل سيعمل على جلب المشكالت التي تضر أول المستهدفين من التسعير (ذوي‬
‫الدخول األقل) أكثر من غيرهم‪ ،‬ولعل هذا مما يفسر ما بدأت فيه هذه المقالة‪ ،‬وهو أن األصل منع التسعير‪ ،‬وباهلل‬
‫التوفيق ‪.‬‬
‫ذكر بعض الفقهاء المعاصرين شروطا في جواز التسعير‪ ،‬ولكن من المهم هنا التنبيه على أن الفقهاء يركزون‬
‫على المبادئ العامة مثل أن هللا سبحانه يأمر بالعدل وأن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح‪ ،‬أما التفاصيل فتتعدى‬
‫حدود الفقه‪ ،‬كالتعرف على خصائص السلع ومكان الحاجة وأسباب الغالء وكيف يسعر ‪.‬‬
‫والحكم على الحاجة أو أن األسعار أصبحت غير معقولة قد يكون نسبيا‪ ،‬ولذا فإن األمر بحاجة إلى معايير يستند‬
‫إليها ‪.‬‬
‫لنأخذ المثال التالي ‪:‬‬
‫لو قال قائل من مواطني إندونيسيا "أغلب الناس في بلدي ال يقدرون على تملك سيارة‪ ،‬نظرا ألن أسعار‬
‫السيارات غير معقولة"‪ .‬ما مدى قوة منطقه بأن أسعار السيارات في إندونيسيا غير معقولة؟‬
‫طالما أن أسعار كثير أو أكثر السلع في إندونيسيا غالية في نظر الشعب اإلندونيسي‪ ،‬وفوق طاقته‪ ،‬مقارنة‬
‫بالشعوب الخليجية‪ ،‬فلماذا ال تسعر الحكومة اإلندونيسية؟ لماذا ال تجبر التجار على بيع معظم السلع مثال بنصف‬
‫أو ثلث أسعارها اآلن؟ بحيث تتوافر للشعب اإلندونيسي مستويات معيشة مشابهة للمستويات في دول مجلس‬
‫التعاون الخليجي؟ األمر ليس بهذا التبسيط ‪.‬‬
‫وهناك نوعان من التسعير‪ :‬تسعير سقفي أي وضع حد أعلى لألسعار وتسعير أدنى‪ ،‬أي وضع حد أدنى لألسعار‪،‬‬
‫وأشهر مثال وضع حد أدنى لألجور‪ .‬وربما وضع سعر ثابت‪ ،‬ال يحق تجاوزه زيادة أو نقصا ‪.‬‬
‫تتدخل الحكومات بالتسعير بصورة مستمرة أو مؤقتة‪ .‬التدخل المستمر عادة في حالتين ‪:‬‬
‫‪1‬خفض أسعار سلع منتجات أساسية عن أسعار التكلفة أو السعر التوازني‪ ،‬عبر تقديم دعم (تحمل بعض‬‫التكلفة) مباشرة‪ ،‬أو عبر دعم المنتجين (غالبا المزارعين ‪).‬‬
‫‪2‬عبر تنظيم السوق للحد من رفع األسعار عن األسعار التوازنية أو التكاليف الحدية‪ .‬أشهر أمثلة التسعير في‬‫حالة االحتكار الطبيعي ‪ natural monopoly‬وتسعير الدواء ‪.‬‬
‫كما تتدخل الحكومات أحيانا في بعض األسواق لمنع األسعار من االرتفاع إلى السعر التوازني‪ ،‬ويحدث هذا‬
‫التدخل بصورة مؤقتة‪ ،‬عادة في ظرفين‪ -1 :‬إما خالل األزمات‪ ،‬من خالل تسعير سلع يحتاج إليها عامة الناس‪،‬‬
‫ويقترن بالتسعير عادة تقنين الكميات المباعة‪ ،‬ووجود شكل من أشكال الدعم الحكومي‪ -2 .‬وإما بوضع حد أعلى‬
‫لزيادة اإليجارات أو األجور‪ ،‬في ظروف وجود اختالل كبير بين العرض والطلب‪ .‬والهدف في كلتا الحالتين‬
‫مكافحة التضخم ‪.‬‬
‫وقد بين التحليل االقتصادي النظري وبينت المشاهدة في مختلف أنحاء العالم وعلى مدى عشرات السنين أن‬
‫التسعير كثيرا ما يتسبب في جعل الطلب أعلى من العرض ‪.‬‬
‫هل يعني ذلك الدعوة إلى االرتكان إلى قانون العرض والطلب وعدم تدخل الحكومات؟‬
‫ليس األمر بهذا التبسيط ‪.‬‬
‫قد يحدث أن ترتفع األسعار ارتفاعا كبيرا في إطار تالعب‪ ،‬وقد يحدث بسبب اختالل بين عرض وطلب سلعة أو‬
‫مجموعة من السلع‪ ،‬دون وجود تكتالت أو تعمد سلوكيات لإلضرار بقوى السوق ‪.‬‬
‫من المهم التعرف على خصائص السلع‪ ،‬وأن تحلل إنتاجا وتكلفة وبيعا وطلبا‪ ،‬وأن تدرس جيدا آثار ومحاسن‬
‫وعيوب التدخل‪ ،‬كما أن من المهم أن تدرس أسباب االختالل بين العرض والطلب‪ ،‬وأن يعمل على حلها‪ ،‬حتى ال‬
‫يتحول التسعير المؤقت إلى دائم ‪.‬‬
‫باستثناء حاالت خاصة‪ ،‬من الصعب جدا تنفيذ التسعير الخالي من سوء التطبيق واالختالل في توزيع الموارد‪،‬‬
‫على المدى البعيد خاصة ‪.‬‬
‫وخير من التسعير حماية المنافسة في حالة تعمد اإلضرار بقوى السوق ‪.‬وأصبحت عملية حماية المنافسة‬
‫ومكافحة التكتالت تدخل ضمن أعمال الحكومة في تنظيم ‪ regulate‬األنشطة ذات الطبيعة التجارية‪ .‬وتدخل‬
‫الحكومة لتنظيم األنشطة التجارية يأتي في أطر منع استخدام النفوذ لتعطيل قوة السوق‪ ،‬كما تأتي في أطر‬
‫تصحيح التشوهات التي تصيب السوق‪ ،‬وليس في أطر إجبار الناس على البيع بغير رضاهم‪ .‬خالف االحتكار‬
‫الفردي أو احتكار القلة (أي تكتل أو تواطؤ القلة)‪ ،‬هناك مصادر أخرى لتشوهات السوق وأهمها وجود صعوبات‬
‫في الحصول على المعلومات (أو االستفادة منها) ووجود تأثيرات خارجية ‪.‬‬
‫شراء الدواء يعد من أشهر أمثلة مشكلة نقص المعلومات التي تتطلب تدخل الحكومة بالتسعير‪ .‬معلوماتنا عن‬
‫كثير من األدوية وما نحتاج إليه منها ليست بالقدر الذي يسمح لنا بالتصرف من تلقاء أنفسنا‪ ،‬بل وفق وصفة‬
‫طبية‪ ،‬ولكن األطباء يتعرضون إلى مغريات قوية من وكالء شركات األدوية لوصف أدوية شركات بعينها‬
‫للمرضى‪ ،‬لها بدائل مماثلة أقل ثمنا‪ ،‬ولكنها لشركات أقل شهرة‪ ،‬وأقل مصروفات وخاصة على التطوير‪ .‬تنظيم‬
‫سوق األدوية التي يفترض أن تشترى بالوصفة مبرر‪ ،‬إذ بدون هذا التنظيم يحتمل جدا أن تقرر شركات أدوية‬
‫أسعارا أعلى‪ ،‬اعتمادا على طلب غير مرن بسبب التواطؤ مع أطباء‪ ،‬أو بسبب االحتكار (األدوية المحتكرة تعد‬
‫ضرورية في الغالب‪ ،‬ال يصلح معها تطبيق مقولة "دواء الغالي تركه ‪").‬‬
‫ومع ذلك فإن مكافحة االحتكار ليست خالية من العيوب‪ ،‬فقد يرى أن االحتكار أو التكتل يجلب‪ ،‬في حاالت‪،‬‬
‫تحسينا في الكفاءة االقتصادية‪ ،‬أو خفضا لتكلفة إنتاج الوحدة الواحدة‪ .‬وفي هذه الحالة‪ ،‬فإن الحكومات تتدخل بسن‬
‫تنظيمات تسعيرية في حال السلع األساسية كالكهرباء‪ ،‬خوفا من رفع األسعار عن األسعار التوازنية أو التكاليف‬
‫الحدية ‪.‬‬
‫التسعير في عصرنا أصبح موضوعا شائكا‪ ،‬بالنظر إلى التطورات في أنماط وخصائص السلع وإنتاجها وآثار‬
‫تسعيرها‪ ،‬وهذه قضايا يدرسها االقتصاديون بالتفصيل‪ ،‬وال بد للفقهاء من الرجوع إليهم لفهم الظروف المحيطة‬
‫بالتسعير وآثاره‪ ،‬وباهلل التوفيق‪،،،‬‬
‫أوهام حول المصرفية اإلسالمية‬
‫يتوهم كثيرون أن المصارف اإلسالمية لن تنظر إلى تعظيم األرباح كما تنظر البنوك التقليدية وغيرها من‬
‫المنشآت التجارية‪ .‬ويتوهمون أنها ستعطي العمل الخيري والنفعي غير الربحي اهتماما أكثر من غيرها ‪.‬‬
‫كتب كثيرون موصين البنوك اإلسالمية بإعطاء اهتمام كبير لصندوق الزكاة‪ ،‬وتشجيع المشاركين والمتعاملين مع‬
‫البنوك على إخراج زكاتهم وإنفاقها في مصارفها الشرعية‪ .‬وأوصى آخرون تلك البنوك بدعم إقامة المستشفيات‬
‫ودور األيتام والمساجد وغيرها من أوجه النفع العام للمسلمين واالستعانة في ذلك بأموال الزكاة والخيرات والنفع‬
‫العام ‪.‬‬
‫وكتب فريق ثالث متحدثا عن المطلوب من البنوك اإلسالمية‪ .‬ومما قيل إنه ينتظر منها تعويد الناس كيف ينفقون‬
‫أموالهم‪ ،‬وأن تساعد على توفير وسائل اإلنتاج للقادرين‪ ،‬حتى ال يكون هناك بطالة حقيقية أو بطالة مقنعة‪ ،‬وأن‬
‫تعطي قروضا حسنة‪ ،‬وأن تمنح تمويال بشروط ميسرة ‪.‬‬
‫من يطلب منها هذه األشياء فهو يعيش في أوهام ‪.‬‬
‫المصارف اإلسالمية مثلها مثل المصارف التقليدية تهدف إلى الربح‪ ،‬وال يصلح أن نفترض أنها لن تخضع‬
‫للمعايير التي تحكم سلوك المنشآت التجارية ‪.‬‬
‫لماذا؟ لنرجع إلى األصول ‪.‬‬
‫ما الذي تفيده زيادة أو إضافة كلمة إسالمي إلى كلمة مصرفية أو مصارف؟‬
‫إضافة أو زيادة كلمة إسالمي إلى كلمة أخرى ال تقلب معنى الكلمة األخرى إلى معنى آخر‪ ،‬بل تعني المعنى‬
‫المعهود في الذهن للكلمة األخرى موصوفا بأنه إسالمي‪ .‬وتبعا لذلك‪ ،‬المصارف في كلمة مصارف إسالمية ال‬
‫تعني نشاطا بنكيا مختلفا في جوهره عن المعهود‪ ،‬بل تعني أن هذا النشاط أو القطاع المعهود في الذهن موصوف‬
‫بأنه إسالمي‪ .‬والقطاع المصرفي المعهود في الذهن قطاع تجاري يقدم خدمات بعينها بغرض تحقيق الربح‪.‬‬
‫وإضافة كلمة إسالمي تعطي قيدا بأنه يقدم تلك الخدمات مأخوذا بعين النظر أال تخالف الشريعة‪ .‬ولكنها ال تعني‬
‫أن ممارسة هذه األعمال تحمل بعدا غير تجاري ‪.‬‬
‫وللتوضيح أضرب مثاال‪ .‬المنشآت التجارية األخرى كالمطاعم والفنادق (في غالبية الدول) تقدم خدمات كثيرة‪،‬‬
‫أكثرها مباح‪ ،‬وقلة منها تحرمه الشريعة ‪.‬وحين يمتنع بعضها عن تقديم الخمر مثال‪ ،‬فإنه ينبغي أال نستنبط من‬
‫ذلك أن هذا االمتناع يعني تحولها بصورة تلقائية ولو بصورة جزئية إلى منشآت يغلب عليها الطابع الخيري‬
‫واالجتماعي‪ ،‬لمجرد أنها امتنعت عن تقديم الحرام‪ .‬ومن يقول بذلك فهو يتوهم أن تجنب الحرام يعني بالضرورة‬
‫الزهد في الدنيا ‪.‬‬
‫نشرت لي هذه الجريدة مقالة بعنوان "عالمية علم االقتصاد"‪ ،‬في العاشر من أيار (مايو) ‪ .2009‬وسردت في‬
‫المقالة بعض ما أراه أهم معايير وأصول علم االقتصاد‪ :‬حب االستزادة من متاع الدنيا وكون الموارد لها حدود‬
‫ومقادير واالختيار وحق الملكية الخاصة وأهمية التنظيمات والقوانين والنظم ودور الحوافز واالستفادة من‬
‫التبادل‪ .‬وعلقت على ذلك بأن المعايير أو األصول السابقة تعبر عن صفات بشرية‪ ،‬بغض النظر عن الدين أو‬
‫الموقع الجغرافي‪ ،‬ولكن تظهر أحيانا خالفات في تفاصيل‪ ،‬تلك المعايير كما أنها تحكم سلوك األفراد‪ ،‬فهي تحكم‬
‫سلوك المنشآت التجارية‪ ،‬إسالمية أو غير إسالمية ‪.‬‬
‫عندما بدأت البنوك اإلسالمية في الظهور‪ ،‬كانت الفكرة لدى المهتمين بالمصرفية اإلسالمية آنذاك هو أن هذه‬
‫البنوك ينبغي أن تهتم باالستثمار طويل األجل وأن تسهم في تنمية البالد اإلسالمية بصورة أفضل من البنوك‬
‫التقليدية‪ .‬هذا لم يحصل‪ .‬ذلك ألن البنوك ‪-‬إسالمية كانت أو غير إسالمية ‪-‬تبحث في الغالب عن أعلى ربحية‪،‬‬
‫مثلها مثل أي منشأة تجارية‪ ،‬واالستثمار قصير األجل يوفرها بصورة أفضل من االستثمار طويل األجل‪ .‬وكان‬
‫من نتيجة ذلك أن أصبحت المرابحة هي الصورة السائدة‪ ،‬مما جعل التمويل المحض هو السائد‪ ،‬وليس االستثمار‬
‫بتحمل المخاطر‪ .‬أي سيادة الطلب على العرض‪ .‬وهذا التفضيل للمرابحة يتفق في روحه مع النمط السائد في‬
‫البنوك التقليدية وخاصة أن غالبية المصرفيين العاملين في حقل المصارف اإلسالمية أتوها من بنوك تقليدية‪ ،‬أو‬
‫أن المصرفية اإلسالمية تشكل جزءا من بنوك تقليدية تتعامل بالفائدة ففضلوا المرابحة على غيرها من الصيغ ‪.‬‬
‫طبعا معروف أن المال جبان‪ ،‬ولذا يفضل أصحاب األموال عامل الضمان ألموالهم‪ ،‬على المشاركة في الربح‬
‫والخسارة‪ ،‬مثلهم في ذلك مثل أصحاب العقارات يفضلون التأجير على المشاركة ألسباب ال تخفى على القارئ‪.‬‬
‫وهذا حقيقة ينسجم مع معايير ومبادئ السلوك االقتصادي التي سبق أن ذكرتها‪ ،‬وهي معايير تفترض أن الناس‬
‫يعظمون مصالحهم بما يرونه األنسب‪ .‬خالف أن المودعين أصحاب األموال يفضلون سهولة السحب من أموالهم‬
‫على مساعدة البنك في القيام بدور استثماري‪ ،‬وهذا كله يتفق تماما مع المعايير والمبادئ التي يقوم عليها علم‬
‫االقتصاد ‪.‬‬
‫قد يرى البعض بأن البنوك اإلسالمية أسوأ من التقليدية ألنها تحصل على أرباح أعلى من التقليدية نظير‬
‫خدماتها‪ ،‬وهذا – في نظري‪ -‬متعلق بمدى قوة المنافسة في سوق المصرفية اإلسالمية ‪.‬‬
‫وباختصار‪ ،‬أنشئت المصارف اإلسالمية لتؤمن للمسلم الخدمات نفسها التي تقدمها المصارف التقليدية‪ ،‬مع تفادي‬
‫التعامل بالحرام حسبما يفتي به الفقهاء‪ ،‬وينتظر منها المسلم في الوقت نفسه أن يتقاضى عائدات مجزية لمدخراته‬
‫كباقي المؤسسات المالية‪ .‬ومن ثم ال يمكنها العمل على تحقيق هدفين ال يسيران معا‪ :‬تحقيق األهداف السابقة وفي‬
‫الوقت نفسه التوسع في العمل الخيري أو مراعاة النفع العام أكثر مما تفعله المؤسسات المالية التقليدية ‪,‬وباهلل‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫بيت المال في الدولة اإلسالمية األولى‬
‫بيت المال مصطلح يقصد به المؤسسة التي قامت باإلشراف على ما يرد من األموال‪ ،‬وما يخرج منها في أوجه‬
‫النفقات المختلفة‪ ،‬ويسمى أحيانا بيت مال المسلمين‪ .‬استحدثت تسمية في عصور متأخرة‪ ،‬وهي عبارة بيت مال‬
‫العامة‪ ،‬للتفريق بين بيت المال وبيت مال الخاصة الذي استحدث في العهد العباسي ‪.‬‬
‫الباعث على تأسيس بيت المال كان الفتوحات اإلسالمية التي تبعها تدفق األموال على الدولة اإلسالمية الناشئة‪.‬‬
‫هذا النمو السريع والكبير حمل الخلفاء الراشدين على إنشاء بيت المال‪ ،‬فهو بهذا يشبه وزارة المالية في عصرنا‬
‫هذا‪ .‬وعلى هذا فهم علماء المسلمين أن كل مال لم يتعين مالكه يصبح حقا من حقوق بيت المال‪ ،‬وكل حق وجب‬
‫صرفه في مصالح المسلمين فهو حق عليه ‪.‬في كل الدول تعد وزارة المالية من أهم الوزارات‪ ،‬وهذه النظرة‬
‫للجهة المسؤولة عن حفظ وصرف األموال –أيا كان اسم الجهة ‪ -‬ليس بالشيء الجديد‪ ،‬فابن خلدون –مثال ‪ -‬أكد‬
‫أن الوظيفة المالية من أهم وظائف الدولة‪ ،‬وبيت المال مهمته حفظ حقوق الدولة "وهي كلها مسطورة في كتاب‬
‫شاهد بتفاصيل ذلك في الدخل والخرج‪ ،‬مبني على جزء كبير من الحسبان ال يقوم به إال المهرة من أهل تلك‬
‫األعمال‪ ،‬ويسمى ذلك الكتاب بالديوان" (ابن خلدون ‪).‬‬
‫مصادر األموال في الدولة اإلسالمية (خالل القرون الهجرية األولى) تركزت في الفيء والخمس من الغنيمة‪،‬‬
‫والجزية والزكاة ‪.‬‬
‫فرارا وخوفًا من لقاء المسلمين وقبل أن‬
‫الفيء ما حازه المسلمون من أموال الكفار دون قتال بأن تركه العدو‬
‫ً‬
‫يوجف عليهم بخيل أو ركاب‪ .‬قال تعالى ‪?:‬ما أفاء هللا على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى‬
‫واليتامى والمساكين وابن السبيل كي ال يكون دُولة بين األغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه‬
‫فانتهوا واتقوا هللا إن هللا شديد العقاب‪ .‬للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضالً من هللا‬
‫ورضوانا وينصرون هللا ورسوله أولئك هم الصادقون‪ .‬والذين تبوأوا الدار واإليمان من قبلهم يحبون من هاجر‬
‫إليهم ? الحشر ‪ .9 -7‬قال عمر‪ :‬ليس أحد إال له في هذا المال حق ‪.‬‬
‫الغنيمة هي المال المأخوذ من غير المسلمين وتشمل األرض واألموال المنقولة واألسرى‪ .‬وقد وضح هللا سبحانه‬
‫تقسيمها في قوله تعالى‪" :‬واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن هلل خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين‬
‫وابن السبيل"‪ .‬وخمس الغنيمة قسم ثالثة أقسام‪ :‬قسم هو سهم النبي صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬الذي يصرف في‬
‫المصالح العامة‪ ،‬بحسب اجتهاد ولي أو والة األمر‪ ،‬والذي تمثل عبر معظم عصور التاريخ (اإلسالمي أو غير‬
‫اإلسالمي) في اإلمام (أي رئيس الدولة‪ ،‬أيا كان لقبه) أو من ينوب عنه‪ .‬وينبغي أن يعرف أن هذا ال يعني‬
‫الحصر في اإلمام‪ ،‬فإن ارتقاء األنظمة السياسية وتطور األحوال وتغيرها في العصر الحديث غير في معنى ولي‬
‫األمر‪ .‬فعلى سبيل المثال وجدت ما يسمى بالسلطات التشريعية (البرلمانات)‪ ،‬المستقلة في مجيئها وفي قرارها‬
‫عن اإلمام أي رئيس الدولة‪ ،‬وهذه السلطات التشريعية تعد من والة األمر‪ .‬والقسم الثاني وهو سهم ذي القربى‪،‬‬
‫وهو مستحق لهم‪ ،‬وبذلك خرج عن حقوق بيت المال‪ ،‬وعن سلطة الحاكم‪ .‬أما القسم الثالث فإن بيت المال يكون‬
‫حافظا له‪ ،‬وهو سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل ‪.‬‬
‫أما الجزية فما يؤخذ من النصارى واليهود والمجوس وأشباههم من مال مقابل أمنهم والدفاع عنهم‪ ،‬في بالد‬
‫يحرمون ما حرم هللا‬
‫اإلسالم‪ .‬واألصل فيها قوله تعالى‪? :‬قاتلوا الذين ال يؤمنون باهلل وال باليوم اآلخر وال ِّ‬
‫ورسوله وال يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون? التوبة‪. 29 :‬‬
‫ميز الفقهاء نوعين من الزكاة‪ :‬المال الباطن‪ ،‬أي الخفي‪ ،‬وال يترتب عليه لبيت المال حقوق ألن أصحابه يقومون‬
‫بإخراج زكاته‪ ،‬والنوع الثاني صدقة المال الظاهر كزكاة الزروع والمواشي‪ ،‬وهي التي تجبيها السلطة‪.‬‬
‫المستحق على بيت المال من االلتزامات ضربان ‪:‬‬
‫‪1‬األموال المودعة فيه ال المتالكها ولكن لحفظها‪ ،‬واإليداع يحدث عادة بأمر من قاضي المسلمين ‪.‬‬‫‪2‬األموال التي يترتب على بيت المال صرفها ‪.‬‬‫االلتزامات المالية الواجبة الدفع‪ ،‬كأرزاق الجند‪ ،‬وأثمان السالح‪ ،‬واإلنفاق على مصالح األمة بصفة عامة‪ ،‬ألنها‬
‫من الحقوق العامة لألمة أي بالتعبير المعاصر من حقوق المواطنين على الدولة‪ .‬إذا كان المال ال يكفي لسداد هذه‬
‫االلتزامات‪ ،‬فإن فتح باب الصدقات أو التبرعات‪ ،‬كان خيارا أساسيا‪ .‬ويدخل من الصدقة تبرع الجند بكل أو‬
‫بعض أرزاقهم‪ ،‬أو إمهالهم لتصبح مثل دين المعسر ‪.‬‬
‫هذه االلتزامات هي بعض أمثلة ما يسمى في أدبيات اقتصاد القطاع العام أي االقتصاد الحكومي بالسلع العامة‪،‬‬
‫وهي السلع التي تتصف بعموم االنتفاع بها ( ‪non-rival‬استهالك سلعة بعينها من قبل فرد ال يقلل أو يؤثر سلبا‬
‫في استهالك آخرين منها في الوقت نفسه)‪ ،‬وال تقبل االستبعاد( ‪ non-excludable‬ال يمكن منع اآلخرين من‬
‫المشاركة ‪).‬‬
‫كانت هناك نقطة ضعف وهي أنه لم تكن هناك قوانين واضحة وملزمة في حدود صالحيات الخليفة ونوابه في‬
‫الصرف وأوجه الصرف‪ .‬ولم تشهد الجزيرة العربية قبل قيام الدولة اإلسالمية في المدينة المنورة تنظيمات مالية‬
‫توصف بأنها حكومية أو عليها سلطة دولة‪ ،‬بسبب غياب الدولة‪ ،‬وحلول العرف القبلي محل القانون ‪.‬‬
‫الوضع تغير بعد أن استقر الرسول ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم‪ -‬في المدينة‪ ،‬حيث عمل على تنظيم الشؤون اإلدارية‬
‫والمالية للدولة الجديدة‪ .‬أهم أو من أهم الخطوات التي اتخذت وضع ما يمكن أن نسميه وثيقة تنظم العالقات بين‬
‫المسلمين وبين المسلمين واليهود‪ .‬هذه الوثيقة حوت نصوصا فيها تنظيمات لنواح مالية في حياة المسلمين ‪.‬‬
‫هل كان هناك بيت للمال في عهد الرسول والخلفاء الراشدين؟‬
‫لم يوجد في عهد الرسول ‪ -‬صلى هللا عليه وسلم ‪ -‬بشكل منظم لقلة األموال‪ ،‬وقد كان توزيع المال في الغالب‬
‫فوريا ‪.‬‬
‫عقب الفتوح اإلسالمية في عهد الخلفاء الراشدين تغيرت األحوال‪ ،‬فقد تدفقت األموال‪ ،‬ويمكن القول إن نواة‬
‫تأسيس بيت المال تكونت في عهد الخليفة أبي بكر الصديق ‪ -‬رضي هللا عنه ‪ ،-‬فقد خرج المسلمون خارج شبه‬
‫الجزيرة العربية‪ ،‬وفتحوا أقاليم‪ ،‬وازدادت مقادير األموال الموردة للمدينة‪ ،‬ويروي جالل الدين السيوطي في‬
‫تاريخ الخلفاء أن أبا بكر ‪ -‬رضي هللا عنه ‪ -‬كان له بيت مال في طرف من أطراف المدينة‪ ،‬ليس يحرسه أحد‪،‬‬
‫فقيل له‪ :‬أال تجعل عليه من يحرسه؟ قال‪ :‬عليه قفل‪ .‬وكان يعطي ما فيه حتى يفرغ‪ ،‬فلما انتقل إلى المدينة حوله‬
‫فجعله في داره ‪.‬‬
‫ازدادت حركة الفتوح في عهد الخليفة عمر ‪ -‬رضي هللا عنه‪ ،-‬وازداد تبعا لذلك تدفق الثروة من الواليات على‬
‫حاضرة الخالفة المدينة‪ ،‬وكان من الطبيعي أن يحتك العرب بشعوب األقاليم المفتوحة‪ ،‬ويتأثروا بتنظيماتها‬
‫الحضرية‪ ،‬وقد وجد الخليفة نفسه مضطرا إلى االهتمام باإلصالحات اإلدارية ووضع القوانين اإلدارية ‪.‬‬
‫منذ البداية واجه عمر بن الخطاب وضعا صعبا‪ ،‬أال وهو وضع األراضي المفتوحة‪ :‬هل يقسمها على المسلمين‬
‫باعتبارها فيئا‪ ،‬أم يجعلها ملكا للدولة تبقى بيد أصحابها يزرعونها ويدفعون عنها الخراج يكون أجرة لها يؤدى‬
‫كل عام؟ كان من رأي بعض المسلمين تقسيمها إال أن عمر رفض هذا الرأي باعتبار أن ملكية األرض ستنحصر‬
‫في فئة محددة‪ ،‬وألح كثيرون على عمر باالستشارة‪ ،‬فاستشار عشرة من المسلمين‪ ،‬وقال لهم قد رأيت أن أحبس‬
‫األرضين بعلوجها وأضع عليهم الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فيئا للمسلمين‪ ،‬والمقاتلة والذرية ولمن يأتي‬
‫بعدهم‪ .‬أرأيتم هذه الثغور ال بد لها من رجال يلزمونها أرأيتم هذه المدن العظام –كالكوفة والبصرة ‪ -‬ال بد لها من‬
‫أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم‪ .‬فمن أين يعطى هؤالء إذا قسمت األرضون والعلوج؟ فكان أن وافقوه‬
‫على رأيه‪ ،‬عندها كتب عمر إلى قادته يأمرهم بقسمة األموال والسالح على المقاتلة وترك األرض لتكون فيئا‬
‫للمسلمين ألنها لو قسمت عليهم ال يبقى لمن يأتي شيء ‪.‬‬
‫ثم كانت خطوة عمر المهمة األخرى وهي تدوين الديوان لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطة من األعمال واألموال‬
‫ومن يقوم بها من الجيوش والعمال‪ .‬كثرة الفتوحات وحيازة العرب لكنوز األكاسرة وتدفق األموال عليهم‪ ,‬إضافة‬
‫إلى احتكاكهم بالمجتمعات المفتوحة األكثر حضارة مادية منهم‪ ،‬كل ذلك دفع إلى التوسيع على المسلمين‪ ،‬وتفرقة‬
‫األموال بينهم‪ ،‬ولكنه لم يكن يعرف كيف يصنع ذلك ويضبط‪ .‬تأثر المسلمون وجلهم من العرب في تنظيم‬
‫دواوينهم بما كان سائدا لدى الفرس والروم‪ .‬ولهذا بقي ديوان العراق بالفارسية‪ ،‬وديوان الشام بالرومية‪ ،‬حتى‬
‫مجيء عبد الملك بن مروان وظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحساب‪ ،‬فعربت الدواوين‪ .‬وباهلل‬
‫التوفيق‪،،،‬‬
‫توزيع الموارد ودور الترجمة في صناعة مشكلة‬
‫تعريف علم االقتصاد يدور حول الكيفية والكفاءة في استخدام الموارد المحدودة إلنتاج السلع والخدمات‪،‬‬
‫وتوزيعها بين مختلف الناس‪ .‬وقد ناقشني أحدهم في هذا التعريف‪ ،‬بأن اإلسالم قد وضع ضوابط وأحكاما في‬
‫توزيع الموارد‪ ،‬ومن ثم يفترض أن تغنينا عما عند اآلخرين ‪.‬‬
‫لقد التبس على قائل الكالم السابق المعنى المقصود بتوزيع‪ /‬تخصيص الموارد في علم االقتصاد‪ ،‬وهناك أكثر من‬
‫سبب في وجود هذا االلتباس‪ ،‬والترجمة واحد منها‪ .‬لفهم ما يقصد في علم االقتصاد بكفاءة استخدام و‪/‬أو توزيع‬
‫الموارد‪ ،‬يجدر بنا النظر أوال في مشكلة أو دقة الترجمة‪ .‬ذلك ألنه لم يكن للتعبير "توزيع الموارد" معنى أو‬
‫معان اصطالحية في المجتمعات العربية طيلة القرون التي سبقت عصر الثورة الصناعية وتطور العلوم الحديثة‪،‬‬
‫وإنما جاء التعبير ترجمة لتعبير أعجمي ‪.‬‬
‫الكلمة التي أخذناها من مراجع علم االقتصاد األجنبية (اإلنجليزية)‪ ،‬والتي ترجمت إلى توزيع هي ‪allocation.‬‬
‫ولكن هناك كلمة أخرى ال تستعمل (في كتب علم االقتصاد اإلنجليزية) للتعريف بعلم االقتصاد‪ ،‬وهي‬
‫‪ ،distribution‬ولكنها تترجم أيضا إلى الكلمة نفسها توزيع ‪.‬‬
‫فسرت في قاموس أكسفورد المشهور ‪ ، Oxford Advanced Learner's Dictionary‬الطبعة السابعة‬
‫(‪ )2005‬كلمة ‪ allocation‬بأنها إعطاء مورد كالمال لغرض ما ‪.‬بينما تعطي كلمة ‪ distribution‬معنى له‬
‫عالقة بالعدالة ‪.‬‬
‫وربما كان مصدر اإلشكال أن التعريف ال يفيد شيئا في تعريف القارئ بمنهجية البحث االقتصادي‪ ،‬وال في‬
‫طريقة علم االقتصاد في تناول المسألة ومناقشتها وتحليلها‪ ،‬أو ما يسمى باإلنجليزية ‪economic approach.‬‬
‫وفهم المقصود بالتوزيع ‪ allocation‬متعلق بفهم منهج البحث في علم االقتصاد ‪.‬‬
‫يهتم علم االقتصاد ‪ economics‬بتوصيف وفهم وتفسير السلوك االقتصادي لإلنسان‪ ،‬وطبيعة وتركيب األمور‬
‫والوقائع االقتصادية (الناشئة من التعامالت بين الناس) والتوصل إلى النظريات المفسرة لذلك السلوك‪ ،‬أو كيفية‬
‫حدوث تلك المسائل واألحداث‪ .‬والمنهج المستخدم فيه هو المنهج العلمي أو التقريري (أقصد )‪ scientific‬قدر‬
‫اإلمكان‪ ،‬وهناك الجانب اآلخر ويعنى بالسياسات االقتصادية‪ ،‬والتي تبنى ليس فقط على الجانب التقريري‪ ،‬بل‬
‫أيضا على اعتبارات أخرى كثقافة المجتمع ورغباته وتفضيالت من يحكمونه ونحو ذلك ‪.‬‬
‫فهم كيف يعمل االقتصاد خطوة أساسية للتعرف على وتفسير توزيع الموارد ‪.‬وهناك عدد ال نهائي من كيفيات‬
‫وأنماط وأشكال توزيع الموارد‪ ،‬ويهتم علم االقتصاد بالتعرف على المعايير التي ينبغي األخذ بها للحصول على‬
‫أفضل توزيع بين توزيعات ال نهائية العدد‪ ،‬وحتى لو كانت كلها مقبولة لذاتها شرعا و‪/‬أو قانونا‪ .‬وتبعا لهذا‬
‫الهدف‪ ،‬طور علماء االقتصاد عددا كبيرا من أدوات التحليل االقتصادي ‪.‬‬
‫ولذا من المهم جدا أن يعرف أن ذلك التعريف أو المغزى الجامع لعلم االقتصاد ال يقصد وال يعني أساسا األحكام‬
‫الشرعية (أو القانونية) في الشؤون المالية واالقتصادية‪ ،‬كأحكام الزكاة والخراج والبيع والتجارة ونفقة الزوجة‬
‫وأحكام التملك والميراث ومسؤولية الحكومات في حصول الناس على حاجاتهم األساسية في حدود قدرات الدولة‬
‫وغيرها كثير جدا‪ .‬وال شك أن لألحكام الشرعية (أو القانونية أو القيم السائدة) تأثيرا على توزيع الموارد بالمعنى‬
‫المقصود في علم االقتصاد‪ ،‬ولكنه أوال ليس القضية األساسية‪ ،‬وثانيا ال يتطلب عادة عمقا فقهيا (أو قانونيا)‪ ،‬بل‬
‫تكفي معرفة مبادئ بسيطة‪ ،‬مثل تحريم الغش عند مناقشة كفاءة تخصيص أو توزيع مورد ما (بالمعنى‬
‫االقتصادي)‪ ،‬أو عدد ساعات العمل األسبوعية المحددة بالقانون عند مناقشة وتحليل سوق العمل أو تأثير توزيع‬
‫موارد العمل ورأس المال على اإلنتاج‪ .‬ونهج معرفة المبادئ الفقهية (والقانونية) ذات الصلة بالتخصص ليس‬
‫مقصورا على علم االقتصاد‪ ،‬فالطبيب مثال‪ ،‬ينبغي له أن يعرف أبسط المبادئ الشرعية (والقانونية) ذات العالقة‬
‫بمهنته‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬
‫ولعل في مشورة يوسف عليه السالم لملك مصر في توزيع‪ /‬تخصيص الموارد بعض التوضيح للمقصود من‬
‫توزيع‪ /‬تخصيص الموارد في علم االقتصاد ‪.‬‬
‫فقد فسر يوسف الرؤيا‪ ،‬وأسند إليه الملك التنفيذ‪ ،‬وذكر السبب "إني حفيظ عليم"‪ ،‬وقد لفت انتباهي استخدام‬
‫العالمة الشيخ السعدي ـ رحمه هللا ـ في تفسيره تيسير الكريم الرحمن الكلمات الثالث "عليم بكيفية التدبير"‪ .‬هذه‬
‫الكيفية ال تكتسب من دراسة الفقه أو القانون ‪.‬‬
‫هناك تفصيالت يبنى عليها توزيع الموارد‪ ،‬لم تذكر في سورة يوسف‪ ،‬فمثال لم تذكر المعايير واالعتبارات‬
‫المؤثرة في التوزيع‪ ،‬وكيفيته‪ ،‬آخذا في الحسبان قضايا كثيرة جدا تعكس تنوع الظروف واألحوال واالحتياجات‬
‫بين الناس‪ ،‬وتقدير حاجة كل دورة زراعية من البذور‪ ،‬وكيفية تقدير ما ينبغي توزيعه حاضرا من القوت‪ ،‬وما‬
‫ينبغي ادخاره‪ ،‬وما تأثير ذلك في الناس‪ ،‬وتأثرهم‪ ،‬كما لم تذكر السورة معالجة يوسف عليه السالم للمسائل‬
‫المتعلقة بالتكاليف‪ ،‬وغيرها من المتعلقات التي تظهر مع التخطيط أو التنفيذ ‪.‬‬
‫وقد أصبحت األوضاع االقتصادية للمجتمعات واألفراد في العصر الحاضر أعقد كثيرا من األحوال االقتصادية‬
‫للمجتمعات وتضارب مصالحها قديما‪ ،‬بل حتى قبل عشرات السنين‪ ،‬وأصبح توزيع الموارد في العصر الحاضر‬
‫خاضعا لمعايير كثيرة تكتسب بالتعلم الذي مصدره الكون‪ ،‬وأما الفقه (والقانون) فيعطي مبادئ مجملة (كالعدل)‪،‬‬
‫مفروض مراعاتها في شؤون الحياة كلها من اقتصادية وتعليمية وصحية وبلدية ‪ ...‬إلخ‪ .‬وباهلل التوفيق‪،،،‬‬
‫عالميـة علم االقتصـاد‬
‫يرى بعض الكتاب أن علم االقتصاد معبر عن قيم الغرب وثقافته‪ ،‬وكانت هذه النقطة من أسس االدعاء بوجود‬
‫بديل مغن عن علم االقتصاد باسم االقتصاد اإلسالمي‪ .‬القول بأن علم االقتصاد معبر عن قيم الغرب وثقافته كالم‬
‫غير دقيق‪ ،‬بل هو غير صحيح‪ ،‬هكذا على إطالقه‪ .‬وكثيرا ما يكون مصدر الغلط أن أولئك الكتاب استندوا إلى‬
‫نظريات اقتصادية قيلت في ظروف بعينها (وخاصة نظريات لعلماء اقتصاد في القرن التاسع عشر)‪ ،‬وتوهموا‬
‫أن هذه النظريات تمثل منهجية ومنحى العلم‪ ،‬أي أنها تمثل أصول وماهية العلم وطبيعته‪ ،‬أو أنها تكتسب الدوام‬
‫الزمني والدوام المكاني ‪.‬‬
‫لنفرق بين ماهية ومنهجية علم االقتصاد‪ ،‬ومعاييره وأصوله‪ ،‬ونظريات قيلت في العلم نفسه ‪.‬‬
‫العلم من حيث المنهجية والمنحى وأدوات التحليل عالمي‪ ،‬غير مختص بالغرب ‪.‬مثال‪ ،‬أسس تحليل حركة‬
‫األسعار أو العرض والطلب على سلعة في علم االقتصاد (باستخدام الكالم والرسوم البيانية والرياضيات) ال‬
‫تتغير بسبب تغير عادة أو ثقافة بعينها‪ ،‬والذي يتغير بسبب تغير الثقافات هو قوة كل مؤثر في حركة األسعار‪ ،‬فقد‬
‫يضاف عامل‪ ،‬ويهمل عامل في التحليل النظري‪ ،‬ثم يؤيد ذلك أو ال يؤيده العمل التطبيقي القياسي‪ ،‬مما يتطلب‬
‫إعادة البناء والتحليل النظري‪ ،‬وهذا ما يسار عليه في البحث العلمي االقتصادي‪ .‬وينشأ من ذلك أن استخدام‬
‫أدوات التحليل االقتصادي والمنحى في استخدامها لدراسة العوامل االقتصادية المؤثرة والعالقات األصل فيها‬
‫العالمية‪ ،‬أي أنها ليست مختصة ببيئة دون بيئة‪ ،‬أو حضارة دون حضارة‪ ،‬أو ديانة دون ديانة‪ .‬ولذا ليس بصحيح‬
‫تعميم القول بأن علم االقتصاد ال يراعي البيئات ‪.‬‬
‫القول السابق يخلط بين منحى ومنهجية التحليل النظري والتطبيقي‪ ،‬التي تصلح لكل بيئة‪ ،‬وهي معتمدة على‬
‫السببية والتعليل في تفسير التصرفات والوقائع االقتصادية‪ ،‬باستخدام األلفاظ والرياضيات واإلحصاء‪ ،‬وبناء‬
‫نظري بعينه‪ ،‬كتطوير نموذج اقتصادي قياسي ‪ econometric model‬بعينه لشرح النمو االقتصادي‪ ،‬أو‬
‫اختيار عوامل بعينها لتفسير تأثير اإلنفاق الحكومي في بلد بعينه‪ ،‬وكالقول بأن سبب ارتفاع سلعة ما هو كذا من‬
‫العوامل‪ ،‬أو سبب البطالة (قد يكون تعميما أو في دولة ما) هو كذا من العوامل‪ .‬قد يبين التمحيص النظري و‪/‬أو‬
‫التطبيقي وجود خلل في أصل البناء النظري أو التفسير المعطى‪ ،‬ومن ثم حاجته إلى التعديل‪ .‬وعمل التعديل‬
‫يتطلب إعادة نظر في طبيعة األسباب والمؤثرات وكيفية تفاعلها مع بعض‪ .‬وكل هذا معروف‪ ،‬ويدركه جيدا‬
‫المتمكنون من علم االقتصاد ‪.‬‬
‫المشكلة السابقة ال تظهر فقط عند تغير البيئات‪ ،‬بل حتى في البيئة الواحدة‪ ،‬فكل متخصص في علم االقتصاد‬
‫يعرف وجود خالفات بين علماء االقتصاد في تفسير بعض الوقائع االقتصادية‪ ،‬حتى لواقعة بعينها وفي بلد بعينه‪،‬‬
‫استنادا إلى خالفات في فهم العوامل واألسباب وتقدير قوة تأثيرها‪ .‬وعندما كنت أعمل باحثا ومستشارا اقتصاديا‬
‫في إحدى الوزارات‪ ،‬وأسندت إلي تشغيل نموذج اقتصادي كلي قياسي‪، macro-econometric model‬‬
‫والذي سبق أن عمله فريق أمريكي متعاقد مع الوزارة‪ ،‬وجدت فيه عيوبا‪ ،‬وبعض العيوب راجع إلى عدم إدراك‬
‫الفريق األمريكي اإلدراك الجيد بعض العوامل المحلية المؤثرة‪ ،‬وقد قمت وزميل آخر بإعادة بنائه وتطويره من‬
‫جديد ‪.‬‬
‫بل لقد ظهرت حقول وفروع تخصصية من علم االقتصاد تقوم على مراعاة الفروق بين البيئات‪ ،‬فمن األمثلة‬
‫وجود االقتصاد النفطي واالقتصاد الزراعي واالقتصاد البيئي واالقتصاد المؤسسي التحكمي ‪institutional‬‬
‫‪economics‬واقتصاد المعرفة‪ .‬وبصفة عامة تسمح منهجية ووسائل وطرق البحث االقتصادي بتطور فروع‬
‫وحقول تخصص لبيئات بعينها‪ ،‬وهذه قضية جوهرية معروفة في علم االقتصاد ‪.‬‬
‫وأختم هذه المقالة بسرد بعض ما أراه أهم معايير وأصول علم االقتصاد ‪:‬‬
‫ـ حب االستزادة‪ :‬زين للجنس البشري حب الدنيا‪ ،‬ولذا يسعى اإلنسان إلى تحقيق أقصى إشباع أو منفعة من الدنيا ‪.‬‬
‫ـ المحدودية‪ :‬الموارد اإلنتاجية محدودة‪ ،‬ولذلك ال يمكن الحصول على كل ما تشتهيه األنفس‪ ،‬فهذا في الجنة فقط‪.‬‬
‫وليس لقانون العرض والطلب من معنى لوال وجود المعيارين األول وهذا الثاني ‪.‬‬
‫ـ االختيار‪ :‬يمكن استعمال نفس الموارد للحصول على عدة بدائل من السلع والخدمات‪ ،‬كما يمكن توزيعها على‬
‫أكثر من فترة زمنية‪ ،‬ولذا البد من االختيار‪ ،‬ولكل اختيار محاسن وعيوب ‪.‬‬
‫ـ حق الملكية الخاصة‪ :‬هذا هو األصل‪ ،‬وال يمنع ذلك من وجود استثناءات ‪.‬‬
‫ـ التنظيمات والقوانين والنظم‪ :‬لتنظيمات السوق والنظم االقتصادية دور في االختيار ومراقبة وتنظيم األمور‬
‫وتحقيق المستويات المعيشية‪ .‬من األمثلة األحكام الشرعية والقانونية والمحاكم ‪ ...‬إلخ ‪.‬‬
‫ـ دور الحوافز‪ :‬الناس تستجيب إلى الحوافز اإليجابية والحوافز السلبية ‪.‬‬
‫ـ االستفادة من التبادل‪ :‬ال يحدث التبادل الطوعي إال عندما تتوقع األطراف المشاركة اكتساب فائدة ‪.‬‬
‫المعايير أو األصول السابقة تعبر عن صفات بشرية‪ ،‬بغض النظر عن الدين أو الموقع الجغرافي‪ ،‬ولكن تظهر‬
‫أحيانا خالفات في تفاصيل‪ ،‬مثل حدود الملكية الخاصة والملكية العامة‪ ،‬ومدى الرغبة في فعل الخير أو بذل سلع‬
‫وخدمات دون استناد إلى حساب الربح والخسارة المادية‪ .‬ولكن من المهم التنبيه إلى أن تلك المعايير أو األصول‬
‫ليست هي علم االقتصاد‪ ،‬ولكنه يستند إليها في التحليل‪ .‬وباهلل التوفيق‪،،،‬‬
‫عالمية علم االقتصاد مرة أخرى‬
‫نشرت لي "االقتصادية" مقالة بعنوان "عالمية علم االقتصاد"‪ ،‬في العاشر من أيار (مايو) ‪ .2009‬وكان الباعث‪،‬‬
‫كما ذكرت في بداية المقال‪ ،‬أن بعض الكتاب يرون أن علم االقتصاد معبر عن قيم وثقافة الغرب‪ .‬وقلت إن هذا‬
‫الكالم غير دقيق‪ ،‬بل هو غير صحيح‪ ،‬هكذا على إطالقه ‪.‬‬
‫وأنهيت المقالة بسرد سبعة معايير يبنى عليها علم االقتصاد‪ ،‬وهي ليست على سبيل الحصر‪ :‬حب االستزادة من‬
‫متاع الدنيا‪ ،‬وكون الموارد لها حدود ومقادير‪ ،‬ووجود خاصية االختيار‪ ،‬وحق الملكية الخاصة‪ ،‬ودور التنظيمات‬
‫والقوانين والنظم في قيام األنشطة االقتصادية‪ ،‬وأهمية الحوافز‪ ،‬وأن التبادل يجلب فائدة لكال الطرفين ‪.‬‬
‫وعلقت على ذلك أن المعايير أو األصول السابقة تعبر عن صفات بشرية‪ ،‬بغض النظر عن الدين أو الموقع‬
‫الجغرافي‪ ،‬ولكن تظهر خالفات في تفاصيل ‪.‬‬
‫انتقد البعض وصفي معايير علم االقتصاد بأنها عالمية‪ .‬ومن الذين انتقدوا القارئ الفاضل محمد عبد الهادي ومما‬
‫قاله في معرض تعليقه "‪ ...‬فما قد يوصف بأصول علم معين‪ ،‬لم أجد في كتب المنهج العلمي والتفكير العلمي‬
‫المعاصر ما يفيد بأنها مطلقة ال تحتمل التغيير أو التعديل"‪ .‬وقال "النسبية والبعد عن اإلطالق والتعميم هو ديدن‬
‫العلماء المعاصرين‪ "...‬وقال "فهم ما لعلم ما يعتمد على فهم فئة معينة وال يستلزم ذلك تعميما ‪ ."...‬وقال "ولكن‬
‫أشعر بأن وصفها أصول بأنها عالمية ربما يكون مبالغا فيه ‪...".‬‬
‫أشكر له نقده‪ ،‬لكنه يبدو لي أن جزءا كبيرا من الخالف لفظي ال حقيقي‪ ،‬أو أنه راجع إلى سوء فهم لما يقصده‬
‫علماء االقتصاد بعالمية علم االقتصاد‪ .‬إذ إن عبارات من قبيل "مطلقة" و"النسبية" و"البعد عن التعميم" عبارات‬
‫مسلم بها في المنهج والتفكير العلمي بالمعنى المعاصر‪ .‬وليس في مقالتي ما يشير إلى أنني أنظر إلى أن أصول‬
‫أو معايير علم االقتصاد مطلقة‪ ،‬ولم يقل بذلك أي عالم اقتصاد أو متخصص فيه يفهم معنى البحث العلمي حق‬
‫الفهم‪ .‬كلمة عالمية تعطي معنى غير ما تعطيه كلمة مطلقة‪ .‬واألمر بحاجة إلى إيضاح ‪.‬‬
‫المدخل لإليضاح هو أن وصف الجنس كطائفة أو جماعة بوصف ال تعني االنطباق الحرفي للوصف على كل‬
‫فرد من أفراد الجنس‪ .‬وهذه قضية لغوية‪ ،‬ولها بعد ديني‪ ،‬ولذا ناقشها علماء اللغة العربية وعلماء الدين‪ .‬مثال‬
‫وردت أحاديث تفيد العموم مثل قوله ـ صلى هللا عليه وسلم ـ "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين‬
‫يلونهم‪( "...‬الصحيحان)‪ ،‬ولم يقل أحد من علماء الدين بأن كل فرد من قرن الرسول ـ صلى هللا عليه وسلم ـ خير‬
‫من كل فرد من القرون التالية أو أن كل فرد من الذين يلون قرن الرسول خير من كل امرئ جاء بعدهم‪ ،‬وإنما‬
‫قالوا هذا من حيث الطبقة العامة ال من حيث كل فرد بذاته ‪.‬‬
‫هناك فرق بين قانون ينطبق على األفراد من حيث المتوسط أو بتعبير آخر المجتمع باعتباره وحدة واحدة‪،‬‬
‫وقانون ينطبق على كل فرد‪ ،‬فمثال نقول (في علم االقتصاد) يزداد االستهالك بزيادة الدخل‪ ،‬ونقول تزداد الكمية‬
‫المطلوبة مع انخفاض السعر‪ .‬هذان القانونان يتناوالن جنس األفراد وجنس السلع‪ ،‬وال يعني أن كل السلع وكل‬
‫األفراد متماثلة في انطباق القانونين‪ .‬فإن قيل إنهما في هذه الحالة ال يصلحان أن يسميا قاعدة أو قانونا‪ ،‬قلنا أصبح‬
‫الخالف لفظيا ال حقيقيا ‪.‬‬
‫وبهذا المعنى من الصعب أن نقبل بوصف معايير علم االقتصاد غامضة‪ ،‬ألجل أنها ال تنطبق على كل آحاد‬
‫الناس‪ ،‬وتبعا لذلك‪ ،‬ال أتفق مع وصف الفيلسوف الشهير هوسرل (صاحب مقدمة في المنطق المحض) لقواعد أو‬
‫قوانين علم ما (كان تركيزه على علم النفس) بأنها غامضة‪ ،‬ألنها قواعد مبنية على تعميم التجربة‪ ،‬أو تعميم‬
‫االستقراء‪ .‬وعند هوسرل أنه نظرا ألن العلوم الكونية نسبية احتمالية تقوم على السببية‪ ،‬فإنه ال يصلح التعميم‪.‬‬
‫وربما يتحول الخالف في األخير إلى لفظي ‪.‬‬
‫هل لنا أن نقول بإمكان وجود مجتمع ال يزيد استهالكه مع زيادة دخله؟ هل يمكن أن يقع ذلك‪ ،‬مع أننا نعرف أن‬
‫االحتياجات والرغبات البشرية ال حصر لها‪ ،‬مقابل موارد في هذه الدنيا لها حدود ومقادير‪ .‬الوقت واألرض‬
‫موردان من موارد اإلنتاج‪ ،‬ولو قال قائل إننا ال نملك إثباتا على محدودية األعمار‪ ،‬أو ال نملك إثباتا على أن‬
‫الكرة األرضية ليست ذات مساحة ال تنتهي بحدود‪ ،‬فإن مثل هذه المناقشات تتحول إلى جدل ال طائل عملي أو‬
‫تطبيقي من ورائه ‪.‬‬
‫نحن نستخدم في علم االقتصاد تعبير عالمية وال نستخدم تعبير مطلقة ‪.‬وأرغب ممن يشكك في عالمية تلك‬
‫المعايير‪ ،‬أن يدلني على سبيل المثال‪ ،‬على مجتمع عندما يزيد دخله ال يزيد استهالكه‪ ،‬أو مجتمع ال ينطبق عليه‬
‫قوله سبحانه "زين للناس حب الشهوات" أو مجتمع يتصف أفراده بعدم تأثرهم بالحوافز‪ ...،‬إلخ المعايير‪.‬‬
‫والمقصود‪ ،‬طبعا كما أسلفت‪ ،‬طبقة المجتمع باعتباره وحدة أو كتلة واحدة‪ ،‬ال من حيث كل فرد فيه‪ .‬وباهلل‬
‫التوفيق‪،،،‬‬
‫منحى علم االقتصاد‬
‫وأعني بالمنحى طريقة التناول في النقاش والتحليل‪ .‬ويعبر عن باالنجليزية بالتعبير ‪.approach‬‬
‫ما الذي يميز منحى علم االقتصاد ‪ economics‬عن منحى علم الفقه أو القانون أو االجتماع أو علم النفس‬
‫أو إدارة األعمال؟‬
‫قد يتوهم البعض أن تعريف علم االقتصاد يجيب على السؤال‪ .‬فهل األمر كذلك؟ أعطي علم االقتصاد‬
‫تعريفات كثيرة‪ ،‬ولكنها تدور في إطار المعنى التالي‪ :‬كيف للمجتمعات أن تستخدم مواردها المحدودة إلنتاج‬
‫سلع ذات قيمة‪ ،‬وتوزيعها بين مختلف الناس‪.‬‬
‫في دراسة الكيفية السابقة‪ ،‬يحاول علم االقتصاد تفسير السلوك االقتصادي‪ ،‬وهذا المعنى يحدد النطاق‬
‫‪ ،scope‬ولكنه ال يفيدنا شيئا عن منحى وطريقة أو كيفية دراسة هذا النطاق‪ ،‬وال يوضح تميز علم االقتصاد‬
‫عن غيره من العلوم التي تدرس على نحو ما سلوك البشر‪ .‬وال شك أن سلوكيات البشر االقتصادية جزء من‬
‫السلوك‪ .‬أما الفقه والقانون فهما يبحثان في سلوك البشر‪ ،‬ال من حيث تفسير هذا السلوك‪ ،‬ولكن من حيث األمر‬
‫والنهي وما ينبغي وما ال ينبغي والحقوق وااللتزامات‪ .‬وللمقارنة نطاق علم الفقه هو التصرفات العملية‪.‬‬
‫القول بأن معنى علم االقتصاد بأنه محاولة تفسير السلوك االقتصادي‪ ،‬غير كافية‪ ،‬فالتسويق –وهو تخصص من‬
‫تخصصات األعمال‪ -‬يهتم بتفسير السلوك االقتصادي للمستهلك‪ .‬معرفة هذا السلوك وسيلة مهمة لتحقيق الهدف‬
‫من التسويق الذي قد يكون مثال رفع المبيعات‪ .‬تفسير السلوك االقتصادي في االقتصاد يتسم بالحياد‪ ،‬أي أنه‬
‫مقصود فهمه لذاته‪ ،‬هذا فرق جوهري أول‪ .‬ولتحقيق الحياد قدر اإلمكان فإن منهج ومنحى البحث في االقتصاد‬
‫يختلف عن منهج ومنحى البحث في تخصص التسويق‪.‬‬
‫طالما أن علم االقتصاد يدرس ويحلل السوق وتوزيع‪/‬تخصيص الموارد المحدودة‪ ،‬فلنا أن نسأل عن منحى علم‬
‫االقتصاد في الدراسة والتحليل؟‬
‫كلمة القصوى أو األقصى هي المدخل لفهم منحى علم االقتصاد‪ .‬كل من درس االقتصاد دراسة عميقة يعرف‬
‫أن فكرة التعظيم ‪ maximisation‬تميز الدراسة العلمية االقتصادية‪ .‬يستند المنحى االقتصادي على‬
‫افتراض سلوك تعظيمي أي جنوح للحصول على القدر األعظم أو األقصى‪ ،‬سواء كان ذلك منفعة أو ثروة أو‬
‫ربح أو ‪ ...‬الخ‪ .‬وفي هذا‪ ،‬ال يسهم االقتصاديون في فهم تفضيالت البشر التي يعظم السلوك في إطار وجودها‪،‬‬
‫ولكن يفترض بصفة عامة أنها بحكم الثابتة‪ ،‬وإذا تغيرت فتغيرها بطيء جدا مع السنين‪ .‬ومن الصعب جدا فهم‬
‫السلوك االقتصادي للبشر في إطار زمني لو كانت التفضيالت سريعة التغير‪.‬‬
‫وفي إطار وجود تفضيالت بعينها‪ ،‬تقوم ميكانيكية أو آلية األسعار في التأثير على توزيع‪/‬تخصيص الموارد‪،‬‬
‫وهذا يدفع لتحقيق التوازن‪ .‬طبعا قد ال يتحقق التوازن‪ ،‬ولكن االتجاه إلى تحقيقه‪.‬‬
‫يسعى اإلنسان لتعظيم مصالحه‪ ،‬وينحى السوق إلى التوازن‪ ،‬وتميل التفضيالت إلى االستقرار‪ .‬ويشكل هذا‬
‫الثالثي التعظيم والتوازن واالستقرار ربما العمود الفقري للمنحى االقتصادي‪.‬‬
‫ويكون هذا الثالثي أساسا لفهم القوانين والمباد االقتصادية‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬قانون العرض والطلب‪ :‬تزيد‬
‫الكمية المرغوب في عرضها وتقل الكمية المرغوب في طلبها مع ارتفاع األسعار‪ ،‬بافتراض ثبات العوامل‬
‫األخرى كالدخل‪ .‬هذا القانون ما كان له أن يكون كذلك بدون وجود الثالثي السابق‪.‬‬
‫فهم الكالم قبل نقده‬
‫عنوان هذه المقالة (أو نحوه) مما تعلمته من الشيخ عبد هللا الغديان‪ ،‬عضو هيئة كبار العلماء‪ ،‬في السنة التمهيدية‬
‫لماجستير الفقه وأصوله في كلية الشريعة بالرياض في أواسط العقد األول من هذا القرن الهجري ‪.‬‬
‫خفي على أبي عبيدة معمر بن المثنى (من العهد العباسي‪ ،‬وكان من أعلم الناس بالشعر والبالغة واألخبار‬
‫واألنساب) الفرق بين ألف التأنيث وألف اإللحاق‪ ،‬فقال في مواجهة المازني (من كبار علماء النحو في العصر‬
‫العباسي ‪ ):‬ما أكذب النحويين‪ ،‬يقولون إن هاء التأنيث ال تدخل على ألف التأنيث‪ ،‬وهم يقولون علقاة‪ ،‬فقيل ألبي‬
‫عثمان المازني ِّلم (بكسر الالم وفتح الميم) لم تفسر له؟ فقال‪ :‬لم أفسر له ألنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا‬
‫(الخصائص البن جني‪ ،‬الجزء األول‪ ،‬ص ‪). 272‬‬
‫ما أكثر الذين ينتقدون أقواال يبدو أنهم لم يفهموها جيدا‪ .‬وهاكم مثالين‪ ،‬األول من كتاب الدكتور عيسى عبده‪،‬‬
‫رحمه هللا‪" ،‬االقتصاد في القرآن والسنة" (‪ .)1982‬والثاني من كتاب الدكتور محمد الجمال "موسوعة االقتصاد‬
‫اإلسالمي (‪ .)1980 -1400‬والمؤلفان ليسا من المتخصصين في علم االقتصاد‪ ،‬ولكنهما كتبا كثيرا تحت اسم‬
‫االقتصاد اإلسالمي ‪.‬‬
‫طلب وعرض العمل‬
‫ذكر عيسى عبده في كتابه "االقتصاد في القرآن والسنة" (‪ )1982‬أن االقتصاد اإلسالمي يرى عكس ما تراه‬
‫النظرية االقتصادية أو ما سماه كتاب المادة االقتصادية في تحليل العمل ‪.‬‬
‫يقول "اإلجماع منعقد عند كتاب المادة االقتصادية على أن عرض العمل يجيء من العامل‪ ..‬أما الطلب على‬
‫العمل فيجيء من صاحب العمل‪ ..‬فأما في االقتصاد اإلسالمي يرى عكس ذلك‪ ،‬إنه يجعل طلب العمل صادرا من‬
‫الكادحين المنتجين أيا كان المستوى ‪ ..‬والكل يطلب العمل‪ ..‬ويجيء العرض من جانب المجتمع بإشراف ولي‬
‫األمر وتحت مسؤوليته‪ ..،‬إلخ ‪".‬‬
‫المتخصصون في علم االقتصاد يعرفون‪ ،‬كما تعرف ذلك كل فئات المجتمع‪ ،‬أن العمال أو العاطلين يطلبون‬
‫أعماال ووظائف‪ .‬ولكن البحث العلمي االقتصادي يتطلب تقسيما يفيد في التحليل االقتصادي‪ ،‬ويتفق مع طريقة‬
‫التحليل االقتصادي للعوامل اإلنتاجية األخرى غير العمل كرأس المال‪ ،‬وينسجم أيضا مع التسجيل المحاسبي‪،‬‬
‫ومع الطريقة التي تعد بها التحليالت المالية وحسابات الميزانيات واألرباح والخسائر للمنشآت والمؤسسات ‪.‬‬
‫التعبير الذي يستخدمه المتخصصون في االقتصاد‪ ،‬عرض العمل‪ ،‬يقصدون به قوة العمل المتاحة لإلنتاج‪ .‬مثلما‬
‫نقول إن عرض أي سلعة وخدمة أخرى تعني القدر المتاح للبيع‪ .‬ومن جهة ثالثة‪ ،‬البائع أو من يملك السلعة أو‬
‫الخدمة عارض والمشتري أو دافع النقود أو من يحتاج إلى السلعة أو الخدمة طالب‪ ,‬هذه قاعدة ‪.‬‬
‫كما أن قوله "طلب العمل" يمكن أن يفسر باتجاهين متعاكسين‪ :‬طلب العامل أن يعمل وطلب صاحب العمل أن‬
‫يعمل العامل عنده‪ .‬وغير ما سبق‪ ،‬من الممكن تعميم ما قاله "‪ ..‬ويجيء العرض (بالعمل) من جانب المجتمع"‪،‬‬
‫إذ يمكن أن يقال أيضا "‪ ..‬ويجيء العرض بشراء السلع والخدمات من جانب المجتمع"‪ ،‬ويمكن أن يقال إن البائع‬
‫طالب‪ ،‬ألنه يطلب رزقا‪ .‬ومن ثم ال يصبح لالصطالح والتسميات وقانون العرض والطلب معنى‪ .‬كل هذه النقاط‬
‫لم يناقشها الدكتور عيسى عبده‪ ،‬ليتبين له أن نقده في غير محله ‪.‬‬
‫المشكلة االقتصادية‪ :‬موارد بمقادير‬
‫يقول الدكتور محمد الجمال في كتابه "موسوعة االقتصاد اإلسالمي " )‪(1400-1980‬المشكلة االقتصادية‪ ،‬وهي‬
‫مشكلة الفقر‪ ،‬ليست كما تصورها الرأي التقليدي السائد‪ ،‬بأنها مشكلة تعدد الحاجات وندرة الموارد‪ ،‬وإنما هي‬
‫مشكلة سوء توزيع الثروة والدخول‪ .‬ص‪. 36‬‬
‫غلط الجمال ومن نحا نحوه‪ ،‬في فهمهم للمشكلة االقتصادية (أو ما يسمى كذلك) كما تشرحها كتب مبادئ علم‬
‫االقتصاد‪ ،‬التي سمتها أحيانا بالندرة النسبية أو وجود حدود للموارد‪ .‬إن الفقر وغيره من األمور األخرى التي‬
‫ذكروها في معنى المشكلة االقتصادية كالكسل واإلسراف وسوء التوزيع‪ ،‬ال تنكر‪ ،‬بل هي من أوضح‬
‫الواضحات‪ ،‬ولكنها تزيد من القناعة بوجود المحدودية ‪.‬إذ ليس من المتصور أصال إمكان وجود تلك المشكالت‬
‫من دون وجود موارد بمقادير وحدود‪ ،‬أي لو أن الموارد كانت متاحة من دون حدود وكما يشتهي كل واحد‪ ،‬لما‬
‫كان للفقر وتفاوت األرزاق والثروات واإلسراف والسرقة والكد والبيع والشراء واألسعار واألجور والتوظيف‪...‬‬
‫إلخ معنى‪ .‬هل نتصور وجود الفقر في الجنة؟ كال‪ .‬ربما كان لبعض الناس إشكال في استعمال كلمة "مشكلة"‪،‬‬
‫ولكن الشرح المعطى لها ينبغي أن يرفع اإلشكال ‪.‬‬
‫وقد أورد كتاب ساملسون ووردهاوس "االقتصاد" الذي يعد (أو كان يعد) أشهر كتاب على مستوى العالم في‬
‫مبادئ علم االقتصاد‪ ،‬الذي طبع نحو ‪ 20‬طبعة‪ ،‬وبيعت منه ماليين النسخ‪ ،‬وترجم إلى أكثر من ‪ 40‬لغة‪ ،‬منها‬
‫العربية توضيحا لما تعنيه كلمة ندرة‪ .‬وحقيقة‪ ،‬ال أرى استخدام كلمة ندرة استخداما موفقا‪ ،‬ألن الكلمة ال تنسجم‬
‫مع الشرح المعطى لها في كتب مبادئ علم االقتصاد ‪.‬‬
‫يقول‪" :‬فإذا كان في اإلمكان إنتاج كميات غير محددة من كل سلعة‪ ،‬أو إذا أشبعت كل الحاجات البشرية بالكامل‪،‬‬
‫فماذا ستكون النتيجة؟ لن يقلق الناس على وضع ميزانية لدخلهم‪ ،‬ألن في وسعهم الحصول على كل ما يريدون‪،‬‬
‫‪ ..‬فطالما كان في وسع الجميع الحصول على كل ما يرغبون‪ ،‬فلن يهتم أحد بمسألة توزيع الدخل بين مختلف‬
‫الناس أو الطبقات‪ ...‬ولن يكون هناك صلة ما بين األسواق واألسعار‪ ،‬ولن يكون لعلم االقتصاد أهمية أو فائدة"‪.‬‬
‫ص ‪ .30‬أقول‪ :‬مثل هذا ال يوجد إال في جنات النعيم‪ ،‬جعلنا هللا سبحانه جميعا من أهلها ‪.‬‬
‫قبل النقد علينا أوال أن نفهم القول الذي ننوي أن ننتقده‪ ،‬وباهلل التوفيق ‪.‬‬
‫من االقتصاد السياسي إلى علم االقتصاد‬
‫فه ُم السابقين من القرون األولى للدين وآرائهم في العقيدة والتفسير والفقه تفوق في األهمية والقيمة آراء من جاء‬
‫بعدهم‪ .‬هذا الوضع ال ينطبق على العلوم واألفكار والنظم التي مصدرها الكون وليس الوحي‪ ،‬فهذه العلوم في‬
‫تطور مستمر‪ ،‬وأبحاثها المنشورة في المجالت العلمية تقل في الغالب أهميتها وقيمتها مع مضي الوقت‪ .‬ولذا فإنه‬
‫ينبغي – عند تقييم العلوم الكونية كاالقتصاد ‪ -‬أن يستشهد بالمعايير واألصول واآلراء والنظريات التي تعبر عن‬
‫التفكير السائد فيها اآلن‪ ،‬وليس القرن التاسع عشر‪ ،‬مثال ‪.‬‬
‫كان علم االقتصاد في بدايات نشوئه يسمى االقتصاد السياسي‪ ،‬وقد كانت الكتابات فيه عبارة عن خليط بين‬
‫مناقشات عقلية سببية تحاول في المقام األول فهم كيف يعمل االقتصاد‪ ،‬ومناقشات ذات طابع فلسفي فكري‬
‫ممزوجة بطابع حقوقي قانوني‪ .‬ومع الوقت طغى الجانب األول (فهم كيف يعمل االقتصاد)‪ ،‬بما ميز علم‬
‫االقتصاد عن علوم أخرى‪ .‬ويظهر هذا التميز جليا بمنهج وفعل عدد من كبار علماء االقتصاد في القرن الماضي‬
‫(وعلى رأسهم كينز)‪ ،‬عندما انتقدوا نظريات آدم سميث وغيره من المنسوبين إلى المدرسة الكالسيكية التي كانت‬
‫هي السائدة إلى نحو عقد الثالثينيات من ثلث القرن الماضي‪ ،‬فإن لب انتقادات كينز (مثال) آلراء اقتصاديي القرن‬
‫التاسع عشر انصبت على مناقشة التعليل والسببية وما يراه (كينز) من سوء فهم الكالسيكيين لكيفية عمل‬
‫االقتصاد ‪.‬‬
‫وهذا مثال مختصر وبسيط يشير إلى خالف في فهم كيفية عمل االقتصاد‪ :‬مر بالغرب الكساد الكبير في نهاية‬
‫الثلث األول من القرن العشرين الميالدي‪ ،‬وشاع وقتها أن ذلك الكساد نتيجة انهيار سوق األسهم في تشرين األول‬
‫(أكتوبر) ‪ ،1929‬من جراء الفقاعة التي صنعها المضاربون‪ .‬ثم جاء االقتصاديان فريدمان وشوارتز‪ ،‬وقاما‬
‫بدراسة التاريخ النقدي للواليات المتحدة خالل الفترة ‪ ،1960 -1867‬وركزا على الفترة ‪،1933- 1929‬‬
‫وتوصال إلى أن الكساد الكبير لم يحدث بالضرورة نتيجة مباشرة النهيار سوق األسهم في أكتوبر ‪. 1929‬‬
‫االختبار الدقيق بين أن عرض النقود قد انخفض حقيقة بنسبة ‪ 27‬في المائة خالل الفترة ‪ ،1933-1929‬وهذا‬
‫االنخفاض بدوره تسبب في انخفاض حاد في الطلب الكلي (على السلع والخدمات) في االقتصاد األمريكي‪.‬‬
‫انهارت نسبة كبيرة من البنوك وضاع جزء كبير من مدخرات الناس‪ ،‬وتسبب ذلك في موجه ذعر وجنوح لمزيد‬
‫من االدخار‪ ،‬ما زاد من تدني الطلب الكلي‪ .‬وكان ذلك عامال أساسيا في انخفاض الناتج المحلي اإلجمالي‬
‫األمريكي بنسبة ‪ 29‬في المائة في عام ‪ 1933‬مقارنة بعام ‪ .1929‬كما وصل معدل البطالة إلى قرابة ‪ 25‬في‬
‫المائة ‪.‬‬
‫بالمقارنة‪ ،‬يلحظ أن انتقادات كثرة من المصنفين في االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬وخاصة من الرعيل األول‪ ،‬تدور حول‬
‫القضايا ذات الطابع القانوني والفكري في كتابات االقتصاديين‪ ،‬وخاصة الكالسيكيين‪ ،‬وهي جوانب ليست من‬
‫صميم اهتمامات علم االقتصاد‪ ،‬بغض النظر عن الرأي فيها ‪.‬‬
‫لو أردنا التعرف على علوم كثيرة الزمة للحضارة والمدنية المعاصرة من خالل االستناد إلى أفكار ونظريات‬
‫قيلت في الماضي لصرنا في مشكلة‪ .‬بل لوصل بنا األمر إلى تحريم بعض هذه العلوم والتخصصات‪ ،‬ألنها‬
‫خلطت في الماضي بين حق وباطل‪ ،‬وبين تعليم المشروع وتعليم غير المشروع‪ ،‬أو بدأ تطورها على تعليم ما هو‬
‫غير مشروع‪ ،‬وربما كانت الكيمياء أوضح مثال‪ ،‬وهو علم ال تقوم العلوم والتخصصات التجريبية التطبيقية‬
‫كالطب والصيدلة والصناعات المعاصرة بدونه‪ .‬فكيف كانت حالته في الماضي؟ نجد الجواب عند اإلمام ابن‬
‫تيمية ـ رحمه هللا ـ ‪.‬‬
‫يقول ابن تيمية في فتاواه تحت باب الحسبة‪ ،‬أثناء حديثه عن الغش‪" :‬ومن هؤالء [الكيماوية] الذين يغشون النقود‬
‫عنبرا أو مس ًكا أو جواهر أو زعفرانًا أو ماء ورد أو‬
‫والجواهر والعطر وغير ذلك فيصنعون ذهبًا أو فضة أو‬
‫ً‬
‫غير ذلك‪ ،‬يضاهون به خلق هللا‪ :‬ولم يخلق هللا شيئا فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه بل قال هللا‪ ،‬عز وجل‪ ،‬فيما حكى‬
‫عنه رسوله‪( :‬ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا بعوضة) ولهذا كانت المصنوعات مثل‬
‫األطبخة والمالبس والمساكن غير مخلوقة إال بتوسط الناس قال تعالى‪{ :‬وآيةٌ له ُه ْم أنها حم ْلنا ذُ ِّريهت ُه ْم فِّي ْالفُ ْل ِّك‬
‫ون} [يس‪{ ]41 :‬وخل ْقنا ل ُهم ِّمن ِّمثْ ِّل ِّه ما ي ْركبُون} [يس‪ .]42 :‬وقال تعالى‪{ :‬أت ْعبُدُون ما ت ْن ِّحتُون}‬
‫ْالم ْش ُح ِّ‬
‫[الصافات‪{ ]95 :‬و ه‬
‫اَّللُ خلق ُك ْم وما ت ْعملُون} [الصافات‪ .]96 :‬وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب‬
‫غير مقدورة لبني آدم أن يصنعوها‪ ،‬لكنهم يشبهون على سبيل الغش ‪".‬‬
‫هل نأخذ بما قاله ابن تيمية ونطبقه على الكيمياء اآلن؟ من يقول بذلك فهو جاهل‪ ،‬لم يفهم كالم ابن تيمية على‬
‫حقيقته‪ ،‬ولم يفهم حقيقة الكيمياء في العصر الحديث‪ .‬وتعنى الكيمياء كمصطلح‪ :‬العلم الذي يدرس طبيعة المادة‬
‫ومكوناتها وكيفية تفاعالت المواد بعضها مع بعض‪ ،‬وعالقاتها بالطاقة‪ .‬وعلى هذا تكون وظيفة العالم الكيميائي‬
‫األساسية هي معرفة أكبر قدر ممكن من المعلومات عن طبيعة المادة التي أوجدها هللا في هذا الكون ‪.‬‬
‫وكانت الكيمياء في العصور السابقة تستخدم ألهداف ربما على رأسها إحالة المعادن العادية إلى معادن ثمينة‪،‬‬
‫وتزامن مع ظهور الكيمياء القديمة ظهور التنجيم واختلط بها السحر كما سيطرت الرمزية على هذه الكيمياء مما‬
‫أغرقها في الغموض ‪.‬‬
‫كانت النظرة للكيمياء التي شاعت عند كثير من المسلمين‪ ،‬سلبية‪ ،‬ألنها ركزت على الجوانب والتطبيقات غير‬
‫المشروعة‪ ،‬دون التعمق في فهمها‪ ،‬والعمل على تغيير المسار إلى مسار آخر نافع (وهذا ما فعله األوروبيون)‪،‬‬
‫وكان ذلك من أسباب تأخر المسلمين في الحضارة والمدنية‪ .‬وباهلل التوفيق‪،،،‬‬