تحميل الملف المرفق

‫املنهج اإلسالمي وتوظيفاته يف معاجلة مشكلة الفقر‬
‫أ‪.‬حوري عمر‪ ،‬املركز اجلامعي مخيس مليانة‬
‫أ‪ .‬قاشــي خالد‪ ،‬جامعة سعد دحلب ابلبليدة‬
‫مدخل‪:‬‬
‫لقد شهد اتريخ املسلمني حداثً له أمهيته يف موضوع الفقر وقع يف عصر عمر ابن عبد العزيز‬
‫عندما مجعت الزكاة ومل يوجد فقري ‪-‬ابملعىن املعروف يف اقتصاداتنا املعاصرة‪ -‬تدفع له‪ .‬فعصر‬
‫عمر بن عبد العزيز كان بعد قيام الدولة اإلسالمية مبائة عام‪ ،‬وهذه كانت فرتة كافية ألن‬
‫يطبق فيها املنهج الذي جاء به اإلسالم للقضاء على الفقر‪ ،‬حبيث تعمل العناصر اليت يتكون‬
‫منها املنهج وتتفاعل وابلتايل تعطي نتائجها يف الواقع‪ ،‬فكان دور عمر بن عبد العزيز أنه‬
‫أاتح البيئة املالئمة لتطبيق املنهج اإلسالمي وابلتايل أعطى نتيجته‪.‬‬
‫مل تببت الدراسات لكل عصور التاريخ أنه قضي على الفقر يف أية أمة أخرى من األمم؛ أي‬
‫أن ما وقع يف اجملتمع اإلسالمي يف عصر عمر ابن عبد العزيز ليس له مبيل يف اتريخ‬
‫اجملتمعات البشرية‪ .‬األمر على هذا النحو حيمل رسالة للباحبني‪ ،‬وهي أن يدرسوا املنهج‬
‫اإلسالمي الذي أنتج تطبيقه هذه النتيجة الفريدة‪ .‬هذه الدراسة واجبة على كل الباحبني‪،‬‬
‫وذلك ألن اجملتمعات البشرية مجيعها يف حاجة هلذا املنهج لتواجه به أخطر مشكلة اجتماعية‬
‫هتدد أمنها واستقرارها‪ .‬وال ميكن حصر املنهج الذي يقضي به اإلسالم على الفقر يف العنصر‬
‫فاعل يف ذلك‪ ،‬بعقائده وعباداته وأخالقه‪،...‬‬
‫االقتصادي وحده‪ ،‬وإمنا اإلسالم ككل ٌ‬
‫اإلسالم ككل فاعل يف ذلك بنظامه السياسي ونظامه االجتماعي ونظامه االقتصادي‪.‬‬
‫ومع صحة القول ‪ :‬أبن ما جاء به اإلسالم كله ميبل املنهج الذي يقضي به على الفقر‪ ،‬فإن‬
‫ضرورة البحث تقتضي أن تقتصر الدراسة على العنصر االقتصادي يف هذا املنهج حبكم‬
‫التخصص وحتدد الطبيعة املذهبية لالقتصاد املنهج الذي يواجه به مشكلة الفقر؛ وميكن‬
‫إيضاح هذا املعىن من خالل معرفة املنهج الذي يتعامل به النظام الرأمسايل مع هذه املشكلة‬
‫ابملقارنة ابملنهج الذي يتعامل به النظام االشرتاكي‪ ،‬أما االقتصاد اإلسالمي فله طبيعته‬
‫املذهبية اليت متيزه عن الرأمسالية واالشرتاكية‪.‬‬
‫ويرتتب على ذلك أبن املنهج اإلسالمي له منطه الذي يواجه به مشكلة الفقر األمر الذي‬
‫جيعلنا أن نقول‪ :‬أبن هذا املنهج يتكون من عنصرين أساسني‪ ،‬العنصر األول يتحقق من‬
‫خالل العقيدة االقتصادية الصحيحة وأسلوب إدارة االقتصاد‪ ،‬أما العنصر الباين فإنه يتحقق‬
‫من خالل التحويالت من األغنياء إىل الفقراء يف نظام اإلسالم املايل‪ .‬وعليه سوف جتري‬
‫منا قشتنا لعناصر البحث اليت من خالهلا نود اإلجابة على التساؤل التايل واملتمبل يف‪ :‬ماهو‬
‫املنهج الذي تعامل به اإلسالم للقضاء أو احل ّد من مشكلة الفقر؟‬
‫أوال‪ :‬العقيدة االقتصادية الصحيحة كأسلوب ملعاجلة ظاهرة الفقر‬
‫صحة العقيدة االقتصادية‪ ،‬تعترب األسلوب األول ملواجهة الفقر يف منهج اإلسـالم‪ ،‬والعقيــدة‬
‫من األلفاظ الكلية‪ ،‬وهي تدل على مفهوم عام لكل ما يعقد املــرء عليه عزمه وجيعـله مناط‬
‫تصميمه مهما كلفه ذلك من أمر‪ .‬أما املعىن االصطالحي للعقيدة فيعرب عن‪ :‬جمموعة من‬
‫قضااي احلق املسلمة ابلعقل والسمع والفطرة يعقد عليها اإلنسان قلبه‪ ،‬ويبين عليها صدره‬
‫جازماً بصحتها وقاطعاً بوجودها وثبوهتا وميكن أن يوضح معىن العقيدة مبا قاله سعد الدين‬
‫التفتازاين‪ : 1‬اعلم أن األحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى نوعية وعملية‪،‬‬
‫ومنها ما يتعلق ابالعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية‪ .‬العلم املتعلق ابألوىل يسمى علم الشرائع‬
‫واألحكام‪ ،‬وابلبانية علم التوحيد والصفات‪ ،‬ويقال عنه علم أصول الدين‪ .‬يف إطار هذا املعىن‬
‫للعقيدة‪ ،‬تكون العناصر الداخلة يف صحة العقيدة االقتصادية كبرية‪ ،‬إال أننا خنتار عناصر‬
‫ثالثة نوظفها يف عالج ظاهرة الفقر وهي‪ -:‬الفهم الصحيح للقضاء والقدر بشأن الفقر؛‪-‬‬
‫الفهم الصحيح للتوازن بني املوارد االقتصادية وحاجات البشر؛‪ -‬الفهم الصحيح ألصل‬
‫امللكية‪ :‬ملكية االستخالف‪.‬‬
‫‪ -1‬الفهم الصحيح للقضاء والقدر بشأن الفقر‪ :‬قد يعتقد بعض الفقراء أن الفقر الواقع‬
‫اَّلل سبحانه وتعاىل ال ينفك عنهم‪ ،‬ويالزمهم طوال حياهتم وهذا‬
‫عليهم هو قضاء وقدرا من ه‬
‫االعتقاد إذا وجد فإنه قد يؤدي ابلفقري أال حياول عالج الفقر الواقع عليه‪ ،‬وهذه القضية‬
‫فطن إليها أحد املفكرين املسلمني منذ ستة قرون سبقت هو أمحد بن علي الدجلي‪ 2‬انقشها‬
‫يف كتابه‪:‬الفالكة واملفلوكون (الفقر والفقراء )‪ .‬ومتبل اآلراء اليت عرضها الدجلي تصوراً‬
‫للفهم الصحيح للقضاء والقدر بشأن الفقر‪ ،‬لذلك قد يكون من املفيد أن نعرض هلذه‬
‫اآلراء‪:‬فقد خصص الدجلـي الفصل الباين من كتابه ملوضوع‪ :‬خلق األعمــال وما يتعلق به‪،‬‬
‫وقد كتب يف بيان سبب حبث هذا املوضوع ما يلي‪( :‬الغرض من هذا الفصل إقامة احلجة‬
‫عل ى املفلوكني وقطع معاذيرهم وإجلامهم عن التعلق ابلقضاء والقدر‪ ،‬وأنه مىت نعيت‬
‫عليهم فالكتهـم أو نودي عليهـم هبا كان ذلك ألهنم إما فاعلوها استقالالً أو مشاركة‬
‫‪ .3)...‬الفصل األول يف كتاب الدجلي عن حتقيق معىن مفلوك‪ ،‬أي تعريف الفقري‪ .‬بعد هذا‬
‫التعريف يدخل مباشرة يف الفصل الباين يف مناقشة قضية القضاء والقدر وتعلق الفقراء‬
‫(الباطل ) هبا ‪ .‬يدل هذا على أن الدجلي يعترب مناقشة هذه القضية الواجب األول يف‬
‫موضوع دراسة الفقر والفقراء‪ ،‬بعبارة أخرى‪ :‬إن دراسة الفقر تبدأ هبذا املوضوع‪ ،‬وهو‬
‫إبطال تعلق الفقراء ابلقضاء والقدر‪ ،‬وابلتايل إبطال استلالمهم للحالة ال ي هم عليها‬
‫من الفقر‪ .‬وإلبطال تعلق الفقري ابلقضاء والقدر‪ ،‬وإلثبات مسؤوليته عن فقره‪ ،‬عرض الدجلي‬
‫األدلة التالية واليت منها‪:4‬‬
‫ الفقري فاعل فقره ‪-‬أي متسبب فيه‪ -‬إما استقالالً أو مشاركة؛‬‫ يتفق العلماء على أن القضاء والقدر ال حيتج به؛‬‫ حركة العبد للسعي جتامع التعلق ابألسباب وال تنافيها؛‬‫‪ -‬االكتساب إلحياء النفس ولغري ذلك واجب؛‬
‫ الرسول صلى هللا عليه وسلم قال لألعرايب‪( :‬اعقلها وتوكل على هللا )‪.5‬‬‫اَّلل‬
‫ ليس من شرط التوكل ترك األسباب‪ ،‬فإن ذلك حرام يف الشرع وال يتقرب إىل ه‬‫مبحارمه؛‬
‫اَّلل سبحانه وتعاىل قال‪{:‬اي أيها الذين آمنوا خذوا حذركم}‪6‬؛‬
‫ ه‬‫ وجود املال يف اليدين ال يف القلب‪ ،‬ودخول الدنيا على العبد وهو خارج عنها‪ ،‬ال ينايف‬‫الزهد؛‬
‫األدلة اليت عرضها الدجلي تبطل تعلق الفقراء ابلقضاء والقدر لتربير استسالمهم للفقر وميبل‬
‫هذا العنصر األول يف صحة العقيدة االقتصادية ف هذا العنصر له أمهيته‪ ،‬بل له األمهية األوىل‬
‫بني األساليب اليت يواجه هبا الفقر‪ ،‬أو اليت يعاجل هبا الفقر‪ .‬وذلك ألنه يبدأ بعالج الفقر‬
‫بتصحيح عقيدة الفقري‪ ،‬وألنه جيعل العالج من الفقري نفسه‪ ،‬ألنه حيمله املسؤولية‪ ،‬وهي‬
‫مسؤولية تنبع من العقيدة‪.‬‬
‫هذا األمر له أمهيته يف حياتنا املعاصرة‪ ،‬ذلك أن هناك من يفسر ختلف املسلمني ابرتباطهم‬
‫ابلقضاء والقدر وقعودهم عن العمل‪ ،‬والدجلي يبطل الفهم اخلاطئ يف هذه القضية حيث أن‬
‫تصحيح عقيدة الفقري بشأن القضاء والقدر له توظيفاته االقتصادية املتعددة‪ ،‬من ذلك أنه‬
‫يدفع الفقري للعمل ليقضي على فقره‪ ،‬ويدفعه حلب املال فيسعى جلمعه وامتالكه‪ ،‬ويدفعه‬
‫العتبار العنصر املادي يف احلياة فال يهمله‪.‬‬
‫‪ -2‬الفهم الصحيح للتوازن بني املوارد االقتصادية وحاجات البشر‪:‬مشكلة الندرة‪ ،‬ميكن‬
‫القول عنها‪ :‬إهنا مسلمة من املسلمات اليت تسود يف الفكر االقتصادي املعاصر‪ ،‬وهي تعين‬
‫أن احلاجات االقتصادية غري حمدودة بينما املوارد االقتصادية اليت تستخدم إلشباعها حمدودة‪.‬‬
‫ولقد وصل األمر إىل حد أن مجهرة االقتصاديني يعتربون أن الندرة متبل موضوع وعصب علم‬
‫االقتصاد‪ .‬فعكست مشكلة الندرة نفسها يف نظرايت اقتصادية كبرية‪ ،‬أمهها نظرية مالتوس‬
‫يف السكان اليت تتأسس على أن املوارد االقتصادية غري كافية لتوفري الغذاء للعنصر البشري‬
‫العتبار أن عدد السكان يزدادون مبتتالية هندسية يف حني املوارد تزيد مبتتالية حسابية‪ .7‬وقد‬
‫اندت هذه النظرية بضرورة التخلص من الزايدة بنوعني من الوسائل‪ ،‬الوسائل السالبة اليت‬
‫متنع وصول بشر جدد‪ ،‬والوسائل املوجبة اليت هبا يتم التخلص من جزء من البشر املوجودين‬
‫وهي احلروب واألوبئة واجملاعات‪ .‬فالنظام الرأمسايل وهو يرتبط مبشكلة الندرة‪ ،‬ارتبط معها‬
‫بفكرة مالزمة هلا وهي تعارض املصاحل‪ ،‬وقد وصل األمر هبذه الفكرة إىل أهنا أخذت اسم‬
‫نظرية عدم تناسق املصاحل فقادت مشكلة الندرة وتوابعها إىل صبغ علم االقتصاد بصبغة‬
‫تشاؤمية‪ .‬وال يرفض االقتصاديون هذا الوصف ألنه يف رأيهم يعرب عن الواقع‪ ،‬وال شك أن‬
‫هذا كله عكس نفسه يف سياسات مواجهة الفقر ليس انعكاساً إجيابياً إمنا انعكاساً سلبياً إىل‬
‫حد اإلحساس أبن االقتصاد تبىن الرأي القائل‪ :‬اخلري للفقري أن ميوت جوعاً‪.‬‬
‫ولعــل مــن األخطــار املرتتبــة ع ـن مشــكلة النــدرة‪ ،‬أن يــؤمن هبــا مــن هــو مســؤول عــن مواجهــة‬
‫مشــكلة الفقــر؛ أو عــامل االقتصــاد أو املســؤول السياســي‪ ،‬وال شــك أن التســليم مبشــكلة النــدرة‬
‫حيــدد طبيع ــة ق ـراره وسياس ــاته للقضــاء عل ــى الفق ــر‪ ،‬إذ كي ــف يعاجل ــه مــع أن ــه ي ــؤمن أبن ــه ف ــو‬
‫إمكاني ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة امل ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـوارد االقتص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــادية املتاح ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة‬
‫وتعــين مشــكلة النــدرة أن امل ـوارد االقتصــادية غــري كافيــة إلشــباع احلاجــات االقتصــادية الواقعــة‬
‫اَّلل‬
‫عليهـا؛ واألمــر علــى هــذا النحــو يصــطدم ابلعقيــدة اإلســالمية‪ ،‬ذلــك أن املســلم يــؤمن بقــول ه‬
‫سبحانه وتعاىل‪{ :‬وما ِمنْ َدابهٍة ِيف األ َْر ِ‬
‫اَّللِ ِرْزقـُ َها َويـَ ْعلَ ُم ُم ْسـتَـ َقهرَها َوُم ْسـتَـ ْوَد َع َها ُكـل‬
‫ض إِال َعلَى ه‬
‫ِيف كِتــاب مب ــني }‪ ..8‬فقض ــية الن ــدرة بن ــاء عل ــى ذلــك ينبغ ــي أن تع ـرض كقض ــية هل ــا ارتباطه ــا‬
‫اَّلل سبحانه وتعاىل وكفايتها ومالءمتها مـن حيـث‬
‫ابلعقيدة‪ .‬ألن املوارد االقتصادية اليت خلقها ه‬
‫اَّلل بــه‬
‫خصائصــها موضــوع فيــه أدبيــات إســالمية كبــرية‪ ،‬وهــي أدبيــات تتأســس علــى مــا وعــد ه‬
‫ســبحانه وتعــاىل مــن ضــمان الــرز لكــل دابــة لــذلك قــد يك ــون مــن املناس ــب إج ـراء مناقشــة‬
‫اقتص ــادية ل ــبالج آايت ج ــاءت يف س ــورة احلج ــر‪ ،‬وه ــي تعم ــل مباش ــرة عل ــى موض ــوع الت ـوازن‬
‫ض‬
‫(واأل َْر َ‬
‫ابملع ــىن الع ــام‪ ،‬وي ــدخل في ـه الت ـوازن ب ــني امل ـوارد واحلاج ــات‪ .‬يق ــول س ــبحانه وتع ــاىل‪َ :‬‬
‫مـ َـد ْد َانها وأَلْ َقيـنَــا فِيهــا رو ِاســي وأَنْـبـْتـنَــا فِيهــا ِمــن ُكـ ِـل َشــي ٍء مــوُز ٍ‬
‫ون (‪َ ) 19‬و َج َع ْلنَــا لَ ُكـ ْـم فِ َيهــا‬
‫َ ْ‬
‫َ َ َ ْ َ ََ َ َ َ‬
‫ْ َْ‬
‫ٍ‬
‫َم َعــايِ َ َوَمـ ْـن لَ ْســتُ ْم لَــهُ بِـ َـرا ِزقِنيَ (‪َ ) 20‬وإِ ْن ِمـ ْـن َشـ ْـيء إِال ِعْنـ َـد َان َخَزائِنُــهُ َوَمــا نـُنَـ ِزلــه إال بَِقــد ِر‬
‫َم ْعلوم )‪0 9‬‬
‫التحليل االقتصادي للنص القرآين‪:‬‬
‫أ‪َ { -‬وأَنْـبَـ ْتـنَا فِ َيها ِم ْن ُك ِّل َش ْي ٍء َم ْوُزون }‪ :‬يسع النص التوازانت التالية‪ :‬التوازن بني‬
‫احلاجات واملوارد االقتصادية؛ التوازن بني املوارد االقتصادية بعضها مع بعض؛ والتوازن بني‬
‫حاجات الفرد االقتصادية بعضها مع بعض‪.‬‬
‫وبناء على هذا‪ ،‬فإن النص القرآين يشمل أنواع التوازن كلها‪ ،‬بينما علـم االقتصـاد ينـاق نوعـاً‬
‫واحــداً مــن التـوازن وهــو التـوازن بــني احلاجــات واملـوارد‪ ،‬وال يناقشــه ابعتبــار أن التـوازن يتحقــق‪،‬‬
‫إمنــا يناقشــه علــى اعتبــار أن امل ـوارد غــري كافيــة إلشــباع احلاجــات‪ ،‬أي أن العالقــة ه ــي عالقــة‬
‫اخ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــتالل وليس ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــت عالق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة تـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـوازن؛‬
‫ِ‬
‫اَّلل سـبحانه وتعـاىل يف هـذا‬
‫ش َوَم ْـن لَ ْلـتُ ْم لَـهُ بِ َـرا ِزقِني }‪ :‬خيـرب ه‬
‫ب‪َ { -‬و َج َعلْنَا لَ ُك ْم ف َيها َم َعايِ َ‬
‫ال ــنص الق ــرآين أن ــه أودع يف األرض م ـ ـوارد اقتص ــادية كافي ــة إلش ــباع م ــن ميل ــك‪{ :‬لَ ُك ـ ْـم فِ َيه ــا‬
‫ِ‬
‫ني }؛‬
‫{وَم ْن لَ ْستُ ْم لَهُ بَِرا ِزق ْ‬
‫َمعاي َ }‪ ،‬وأيضـاً إلش ــباع من ال ميلك‪َ :‬‬
‫ومن ابب املقابلة‪ ،‬نعرف أن الفكر االقتصادي العلماين ممبالً يف نظرية مالتوس وغريها من‬
‫النظرايت االقتصادية يرتبط بفكرة أن املوارد االقتصادية غري كافية إلشباع حاجات كل‬
‫سكان األرض‪ ،‬ولذلك ال بد من التضحية أو التخل ــص من بعضــهم‪ .‬ولعــل مما جيــب‬
‫التذكيــر به عــلى وجه اخلصوص‪ ،‬أن العوملة املعاصرة يف شقها االقتصادي تتبىن هذه النظرية‪،‬‬
‫التطبيق‪.‬‬
‫موضع‬
‫وتضعها‬
‫بل‬
‫اَّلل سبحانه‬
‫جـ‪َ {-‬وإِ ْن ِم ْن َش ْي ٍء إِال ِع ْن َد ََن َخ َزائِنُهُ َوَما نـُنَـ ِّزلُهُ إِال بَِق َد ٍر َم ْعلُوم ٍٍ}‪ :‬خيرب ه‬
‫وتعاىل يف هذا النص القرآين أن املوارد االقتصادية (وهي داخلة يف كل شيء ) سوف تزيد‬
‫اَّلل تعاىل ويعين ذلك أن املوارد االقتصادية متزايدة؛ وبربط هذا النص‬
‫ابلقدر الذي يقدره ه‬
‫ابلنص األول‪{ :‬وأَنْـبـْتـنَا فِيها ِمن ُك ِل شيء موُز ٍ‬
‫ون }‪ ،‬ميكن استنتاج أن املوارد االقتصادية‬
‫َ ْ‬
‫َ َ‬
‫َْ‬
‫تزيد بقدر زايدة حاجات البشر‪ .‬ويعين ذلك أن مشكلة الندرة غري واردة حىت يف املستقبل‪.‬‬
‫استنتاج‪:‬‬
‫اآلايت السابقة قاطعة يف نفي مشكلة الندرة يف الزمن احلايل‪ ،‬ويف األزمنة املقبلة‪ ،‬ويرتتب‬
‫على ذلك أن املوارد االقتصادية املتاحة كافية إلشباع كل احلاجات‪ .‬ومع اإلميان املط ــلق‬
‫بذلك‪ ،‬إال أنه تظل هناك قضية هي كيفية حصول كل فرد على نصيبه من هذه املوارد‪ .‬وحل‬
‫هذه القضية مربوط ابآليت‪:‬‬
‫ عمل اإلنلان‪ :‬البد أن يقدم كل إنسان العمل الـالزم الـذي يعطيـه احلـق يف احلصـول علـى‬‫نص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــيبه م ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن املـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـوارد؛‬
‫ الــن م الــ ي ُ ضــع اإلنلــان نفلــه ــا‪ :‬هــذه الــنظم هــي املســؤولة علــى أن فــرداً مــا حيصــل‬‫علــى م ـوارد اقتصــادية أكــرب مــن العمــل الــذي قدمــه‪ ،‬يف مقابــل فــرد آخــر ال حيصــل مــن امل ـوارد‬
‫االقتص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــادية ابلق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــدر الـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــذي بذل ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــه م ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن عمـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــل؛‬
‫كفاية املوارد‪ :‬اإلميان هبذا واجب‪ ..‬وقد تصـبح غـري كافيـة‪ ،‬وذلـك بسـبب تصـرفات البشـر‪،‬‬‫ومنها اإلسراف‪ ،‬وتبديد املوارد‪ ،‬وتلويث املوارد‪ ،‬وغري ذلك من التصرفات؛‬
‫‪ -‬حمدودية وقصور اللياسات العلمانية‪ :‬اليت توضع للتعامل مع مشكلة الفقر‪ ،‬ألهنا‬
‫حمكومة مبا يؤمن به االقتصاديون من أن املوارد االقتصادية غري كافية إلشباع حاجات كل‬
‫األفراد‪ ،‬ويف مقابل ذلك فإن السياسات اإلسالمية لعالج الفقر تنطلق من قاعدة إميانية هي‬
‫أن ه‬
‫اَّلل سبحانه وتعاىل خلق موارد اقتصادية متوازنة مع احلاجات الواقعة عليها‪ .‬هذه‬
‫القاعدة اإلميانية متبل العقيد ة االقتصادية الصحيحة اليت جتعلنا نؤمن أبن القضاء على الفقر‬
‫ممكن ابملوارد املتاحة لنا ومنه نستطيع أن نطور هذه النتيجة إىل اآليت‪ :‬اإلميان أبن ه‬
‫اَّلل‬
‫سبحانه خلق موارد اقتصادية متوازنة مع احلاجات الواقعة عليها‪ ،‬شرط ضروري لوضع‬
‫سياسات اقتصادية قادرة على عالج مشكلة الفقر‪.‬‬
‫‪ -3‬الفهم الصحيح ألصل امللكية‪ :‬ملكية االستخالف‪ :‬ال ميكن دراسة أسباب الفقر‬
‫ووسائل عالجه ابنفصال عن منط امللكية السائد يف اجملتمع‪ ،‬وذلك ألسباب كبرية منها‪:‬‬
‫ يوزع الدخل املتولد يف االقتصاد على عوامل اإلنتاج اليت سامهت يف إنتاجه‪ ،‬وهـي جتمـع يف‬‫العمــل ورأس املــال واألرض‪ ،‬واألخ ـريان يعــربان عــن امللكيــة‪ ،‬وعلــى هــذا تك ــون امللكيــة قســيم‬
‫العم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــل يف توزي ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــع ال ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــدخل؛‬
‫ أمهية امللكيـة يف موضـوع الفقـر ال تقتصـر علـى أهنـا مصـدر للحصـول علـى جـزء مـن الـدخل‬‫املتول ـ ــد يف االقتص ـ ــاد‪ ،‬وإمن ـ ــا تتع ـ ــدى ذل ـ ــك‪ ،‬فه ـ ــي م ـ ــن ا ـ ــددات الرئيس ـ ــة ل ـ ــنمط العالق ـ ــات‬
‫االجتماعية بني فئات اجملتمع‪ ،‬ومن املسـلم بـه أن العالقـات االجتماعيـة هلـا دورهـا يف احلصـول‬
‫علــى فــرص عمــل أحســن‪ ،‬وفــرص نشــاط اقتصــادي أوســع‪ ،‬وهكــذا‪ .‬وهــذا وغــريه يصــب نفســه‬
‫يف وجود فقري وغين ابجملتمع‪.‬‬
‫ احلديث عن امللكية ينصرف عادة إىل امللكية اخلاصة‪ ،‬إال أن امللكية العامة حقيقة‪ ،‬حىت‬‫يف ظل النظام الرأمسايل‪ .‬ويرتبط االقتصاد اإلسالمي أبصل للملكية هو مبدأ االستخالف‪،‬‬
‫وهو مبدأ حاكم على امللكية اخلاصة وعلى امللكية العامة‪ .‬وقبل تقدمي مناقشة عن هذا املبدأ‬
‫وعن آاثره يف عالج الفقر‪ ،‬نرى ضرورة اإلشارة إىل خطأ ميكن أن يقع يف دراسة هذا‬
‫املوضوع وهو االعتقاد أن ملكية االستخالف متبل نوعاً اثلباً من أنواع امللكية‪ ..‬إن هذا املبدأ‬
‫هو اإلطار الذي حيكم امللكية‪ ،‬من حيث استبمارها‪ ،‬ومن حيث العائد الذي يتحقق منها‪.‬‬
‫اَّلل سبحانه وتعاىل‪ .‬من هذه اآلايت‪:‬‬
‫وجيد مبدأ االستخالف دليله يف آايت كبرية من كتاب ه‬
‫‪10‬‬
‫اعل ِيف األَر ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ ِ‬‫ال ربُّ َ ِ ِ ِ ِِ‬
‫(وُه َو اله ِذي َج َعلَ ُك ْم‬
‫ْ‬
‫ض َخلي َفةً )) ‪َ - .‬‬
‫((وإ ْذ قَ َ َ‬
‫َ‬
‫ك ل ْل َمالئ َكة إين َج ٌ‬
‫‪12‬‬
‫‪11‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َرض ٍْ ) ‪( - .‬و َع َد ه ه‬
‫ف ِيف األ ِ‬
‫ين‬
‫(ه َو الهذي َج َعلَ ُك ْم َخالئ َ‬
‫َخالئ َ‬
‫ف األ َْرض) ‪ُ - .‬‬
‫َ‬
‫اَّللُ الذ َ‬
‫هِ‬
‫ِ‬
‫امنوا ِمْن ُكم وع ِملُوا ال ه ِ ِ‬
‫هه ْم ِيف األ َْر ِ‬
‫ين ِم ْن قَـْبلِ ِهم )‪.13‬‬
‫ْ ََ‬
‫ض َك َما ْ‬
‫صاحلَات لَيَ ْستَ ْخل َفنـ ُ‬
‫استَ ْخلَفَ الذ َ‬
‫جاء يف تفسري معىن خليفة‪( :‬اخلليفة يف األصل الذي خيلف غريه أو يكون بدالً عنه يف عمل‬
‫يعمله‪ ،‬واملراد من اخلليفة هنا املعىن اجملازي‪ ،‬وهو الذي يتوىل عمالً يريده املستخلف مبل‬
‫الوكيل والوصي‪ ،‬أي جاعل يف األرض مديراً يعمل ما نريده يف األرض‪ ...‬فاخلليفة هنا هو‬
‫الذي خيلف صاحب الشيء يف التصرف يف مملوكاته )‪ .14‬وحيدد مبدأ االستخالف طبيعة‬
‫امللكية يف اإلسالم سواء كانت ملكية خاصة أو عامة‪ ،‬إنه جيعل هذه امللكية تستمد‬
‫اَّلل سبحانه وتعاىل وغرس هذا املبدأ يف نفس املالك‪ ،‬فرد أو دولة‬
‫مشروعيتها من تشريعات ه‬
‫جيعله يتصرف على أنه وكيل على ما يف يده‪ ،‬ومبوجب هذه الوكالة فإنه يلتزم ابلتشريعات‬
‫املنظمة للملكية‪ ،‬من حيث الوسائل اليت يكتسبها هبا‪ ،‬ومن حيث الطر اليت يستبمرها هبا‪،‬‬
‫ومن حيث االلتزامات (االجتماعية ) اليت يكلف هبا بسبب هذه امللكية‪ ،‬مبل الزكاة‪.‬‬
‫وملبدأ االستخالف رابطه الوثيق مع موضوع معاجلة الفقر والقضاء عليه‪ .‬إنه يوجد البيئة‬
‫العقيدية اليت يقبل فيها من بيده امللكية أن يوظف هذه امللكية يف معاجلة مشكالت اجملتمع‪.‬‬
‫هذا األمر عرب عنه الفقهاء بقوهلم‪ :‬للملكية وظيفة اجتماعية‪ .15‬ومبدأ االستخالف يعطي‬
‫الغطاء الرقايب لتنفيذ هذه التشريعات‪ ،‬وذلك ألن املخاطب هبذه التشريعات مستخلف على‬
‫ما يف يده‪ ،‬وهذا يوجد نوعاً من الرقابة‪ ،‬وهي رقابة ذاتية إميانية‪ ،‬وهي أرقى أنواع الرقابة‪ .‬و‬
‫قد يواجه اجملتمع حاالت استبنائية ختلق له مشكالت خاصة‪ ..‬ومبدأ االستخالف جيعل‬
‫املالك يشارك إبجيابية يف متطلبات كل مرحلة‪.‬‬
‫استنتاج‪:‬‬
‫املناقشة السابقة عن مبدأ االستخالف يستنتج منها ما يلي‪:‬‬
‫‪ -‬مواجهة الفقر تتطلب بيئة عقيدية صحيحة حتكم امللكية‪ ..‬ومبدأ االستخالف يوفر هذه‬
‫البيئة العقيدية؛‬
‫ يعطي مبدأ االستخالف األساليب اإلسالمية ملواجهة الفقر صبغة جتعلها متميزة‪ .‬هذا‬‫التميز جييء من انطال هذه األساليب من مبدأ مهيمن عقيدايً على من تقع عليه‬
‫ِ‬
‫امللتخلف‬
‫االلتزامات للمشاركة يف مواجهة الفقر؛ وميكن أن يوضح هذا املعىن ابآليت‪ :‬إن‬
‫يلزم امللتخلَف أبن جيعل جزءاً مما استخلف فيه للقضاء على الفقر‪ .‬هذا هو التميز‬
‫الذي يتحقق يف األساليب اإلسالمية للقضاء على الفقر‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬التخصيص العقالين للموارد االقتصادية أسلوب معاجل ملشكلة‬
‫الفقر‬
‫تبحــث نظريــة ختصــيص امل ـوارد االقتصــادية يف كيفيــة توزيــع امل ـوارد االقتصــادية املتاحــة‬
‫على األنشطة االقتصادية‪ ،‬والنظام الرأمسايل ‪-‬كما هو معروف‪ -‬جيعل السو هـو الـذي يقـوم‬
‫هبـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــذا التخصـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــيص‪.‬‬
‫ولكــن يف االقتصــاد اإلســالمي ختصــيص املـوارد االقتصــادية يضــمن ثالثــة أنـواع مــن التخصــيص‬
‫هي‪:‬التخصــيص ب ـني القطــاع العــام والقطــاع اخلــاص؛ التخصــيص بــني اجليــل احلــايل واألجيــال‬
‫القادمة؛ التخصيص يف داخل القطاع العام‪.‬‬
‫ميبل احلمى أحد عناصر القطاع العام وهو إجراء ينصب على جزء من األرض من حيث‬
‫ملكيتها واالنتفاع هبا‪ .‬ويعرف محى املوات أبنه‪( :‬املنع من إحيائه ليكون مستبقى اإلابحة‬
‫لنبت الكأل ورعي املواشي )‪.16‬وللحمى فقهه الواسع‪ ،‬كما تتعلق به حتليالت اقتصادية‬
‫متعددة‪ .‬ونشري هنا إىل بعض ما يتعلق ابحلمى‪ ،‬وهو مما يدخل يف موضوع عالج اإلسالم‬
‫للفقر والقضاء عليه‪ .‬ومن األحكام الفقهية املنظمة للحمى‪:‬‬
‫ ال جيوز محى مجيع املوات أو أكبره‪.‬‬‫ ال جيوز احلمى خلاص من الناس أو ألغنيائهم‪.‬‬‫ جواز احلمى للفقراء واملساكني وملصاحل كافة املسلمني‪.‬‬‫هذه األحكام الفقهية هلا توظيفها املباشر يف حل مشكلة الفقر والقضاء عليها‪ .‬ومن‬
‫السياسات االقتصادية اليت تتبعها الدولة ملواجهة مشكلة الفقر استخدام القطاع العام يف‬
‫اجملال الزراعي يف توفري أنشطة اقتصادية ويف توفري فرص عمل للفقراء‪ .‬ومن أشهر التطبيقات‬
‫يف استغالل احلمى حلل مشكلة الفقر تطبيق أمري املؤمنني عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه‪،‬‬
‫أرضا مبنطقة امسها الشرف وعني مسؤوالً عنها يقال له (هين )‪ ،‬ومن التعليمات‬
‫فقد محى ً‬
‫اليت أصدرها إىل هذا املسؤول‪( :‬اي هين ضم جناحك على الناس‪ ،‬واتق دعوة امل لوم فإهنا‬
‫جمابة‪ ،‬وأدخل رب الصرمية (اإلبل ) ورب الغنيمة‪ ،‬وإايك ونعم ابن عفان (عثمان بن‬
‫عفان ) وابن عوف (عبد الرمحن بن عوف ) فإهنما إن هتلك ماشيتهما يرجعان إىل خنل‬
‫وزرع‪ ،‬وإن رب الصرمية ورب الغنيمة أيتيين بعياله‪ ،‬فيقول‪ :‬اي أمري املؤمنني‪ ،‬أفتاركهم أَن؟‬
‫علي من الدينار والدرهم )‪.17‬‬
‫فالكأل أهون ه‬
‫هذه السياسة اليت اتبعها عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه‪ ،‬من األساليب اإلسالمية ملواجهة‬
‫مشكلة الفقر والقضاء عليه‪ ،‬بل إنه أسلوب متميز ألنه حيل املشكلة على مستوى النشاط‬
‫اإلنتاجي‪ .‬فلقد قصر عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه‪ ،‬االنتفاع (اإلنتاجي ) ابحلمى على‬
‫الفئات ذات الدخل ا دود‪ ،‬ومنع الفئات ذات الدخل املرتفع‪ .‬كما يالحظ أن إجراء عمر‬
‫بن اخلطاب رضي هللا عنه تعلق بتخصيص املوارد االقتصادية اليت يف يد القطاع العام‪.‬‬
‫ويستنتج بناء على ذلك‪ ،‬أن اإلسالم يوظف ختصيص املوارد االقتصادية ملواجهة مشكلة‬
‫الفقر والقضاء عليها‪.‬‬
‫ومما يدخل يف ختصيص املوارد يف االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬التخصيص بني اجليل احلايل واألجيال‬
‫وبالدا‬
‫املقبلة‪ .‬فلقد فتح ه‬
‫بالدا كبرية‪ ،‬منها العرا وخراسان والسند ومصر ً‬
‫اَّلل على املسلمني ً‬
‫اَّلل عنهم على عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه أن‬
‫أخرى‪ ،‬وقد أشار بعــض الصحابة رضي ه‬
‫يقسم أرض السواد‪ ،‬فقال هلم‪ :‬فما يكون ملن جييء من املللمني‬
‫‪18‬‬
‫إن السياسة‬
‫االقتصادية اإلسالمية اليت طبقها عمر بن اخلطاب رضي هللا عنه يف توزيع أرض السواد‪ ،‬واليت‬
‫مبوجبها جعل الدولة أتخذ يف االعتبار عند ختصيص املوارد االقتصادية اجليل احلايل واألجيال‬
‫القادمة‪ ،‬هذه السياسة تستحق أن تعطى هلا مساحة يف املناقشة لتظهر أمهيتها وما يرتتب‬
‫عليها‪ .‬فهي تقضي على الفقر املوروج (أو ختفف منه على األقل )‪ ،‬وهو الفقر الذي يورثه‬
‫اآلابء لألبناء‪ .‬ونستطيع القول‪ :‬إن هذا املوضوع من أعقد املظاهر املتعلقة ابلفقر ومن‬
‫أخطرها‪.‬‬
‫إن السياسة االقتصادية اليت واجه هبا اإلسالم الفقر املوروج‪ ،‬وذلك ابستبقاء موارد اقتصادية‬
‫يف يد الدولة لألجيال القادمة‪ ،‬ليس هلا نظري يف السياسات االقتصادية اليت هي من وضع‬
‫اإلنسان‪ ،‬وهبذا يتفو اإلسالم تفوقًا ال ميلك أحد إنكاره‪ .‬هذه السياسة االقتصادية‬
‫اإلسالمية ال متبل أي عبء على األغنياء‪ ،‬وهبذا ميول القضاء على الفقر بعيداً عن األغنياء‬
‫وأبسلوب متميز‪ ،‬وهذا يوجب االهتمام هبذه السياسة‪ .‬هذه اللياسية االقتصادية‬
‫اإلسالمية تضع الدولة أمام ملؤوليتها احلقيقية عن الفقر‪ ..‬فهي ملؤولة‪ ،‬ويف يدها‬
‫املوارد ال ي تتصدى هبا ذه امللــؤولية‪ ،‬وهبذا تلق ادعاءات العوملة املعاصرة عن عدم‬
‫ملؤولية الدولة عن الفقر‪.‬‬
‫والعامل اإلسالمي على وجه اخلصوص‪ ،‬يف أشد احلاجة إىل هذه السياسة االقتصادية‪ ،‬وذلك‬
‫ملواجهة ما حيدج فيه اآلن من متكني فئة حمدودة العدد لتضع يدها على املوارد االقتصادية‬
‫اليت ميلكها اجملتمع‪ ،‬مع أن هذا ليس ح ًقا هلا‪ ،‬وهي غري قادرة أن تشغلها كلها‪.‬‬
‫اثلثا‪ :‬إدارة االقتصاد أبسلوب التخطي للقضاء على الفقر‬
‫ختتلف النظم االقتصادية يف إدارة االقتصاد من نظام آلخر ففي النظام االشرتاكي تدير الدولة‬
‫االقتصاد إدارة مباشرة‪ ،‬أما يف النظام الرأمسايل فإن السو هو الذي يدير االقتصاد‪ ..‬وهذا‬
‫حكم عام على النظامني‪ ،‬ولكن مع ذلك فإنه توجد تفصيالت واسعة عن هذا املوضوع‬
‫االقتصادية‪.‬‬
‫األدبيات‬
‫يف‬
‫عليها‬
‫التعرف‬
‫ميكن‬
‫ويف االقتصاد اإلسالمي‪ ،‬تتعدد اآلراء بشأن التخطيط‪ ،‬وهذا التعدد من أسبابه أنه مل يتم‬
‫االتفا على طبيعة دور الدولة االقتصادي‪ ،‬ولكن على العموم فأن أسلوب إدارة االقتصاد‬
‫اإلسالمي فيه نوع من التخطيط‪ .‬وذلك للدالئل التالية‪:‬‬
‫ األصل يف االقتصاد اإلسالمي أنه مؤسس على تكليفات شرعية؛‬‫ القواعد الفقهية متبل ترجيحات لسياسات التخطيط االقتصادي؛‬‫ وظائف الدولة االقتصادية اليت شرعها اإلسالم أداهتا التخطيط االقتصادي؛‬‫ تطبيقات االقتصاد اإلسالمي التارخيية ظهرت فيها أنواع من التخطيط االقتصادي؛‬‫اهتماما‪ ،‬وجاءت دراساهتم هلا على‬
‫والقواعد الفقهية‪ ،‬من املوضوعات اليت أعطى الفقهاء هلا‬
‫ً‬
‫‪19‬‬
‫وجه اخلصوص يف كتب محلت عنوان األشباه والنظائر‪ .‬ونعرض هنا بعض هذه القواعد‬
‫اليت توظف خلدمة موضوع عالج الفقر‪.‬‬
‫القاعدة األوىل‪ :‬تصرف اإلمام على الرعية منوط ابملصلحة‪ :‬هذه القاعدة تلزم املسؤول أبن‬
‫تكون إدارة االقتصاد مربوطة إىل حتقيق املصلحة‪ ،‬وإذا كان اجملتمع يعاين من مشكلة الفقر‬
‫فإنه جيب أن يدار االقتصاد حبيث يكون القضاء على الفقر أحد األهداف اليت تتحقق من‬
‫هذه اإلدارة‪ .‬وهذا يعين أنه توجد خطة عملية‪.‬‬
‫القاعدة البانية‪ :‬يتحمل الضرر اخلاص لدفع الضرر العام‪ :‬هذه القاعدة تدل على وجود‬
‫مصلحتني‪ ،‬املصلحة اخلاصة واملصلحة العامة‪ ،‬وهي تدل على أنه ليس من الضروري أن‬
‫تتطا بق املصلحتان‪ .‬وتلزم القاعدة ابعتبار املصلحة العامة إذا تعارضت مع املصلحة اخلاصة‪.‬‬
‫واعتبار املصلحة العامة هي الوعاء املالئم ملواجهة مشكلة الفقر وعالجها‪ .‬هذه القاعدة‬
‫أيضاً تعين وجود خطة‪ ،‬ومن عناصرها عالج الفقر‪.‬‬
‫القاعدة البالبة‪ :‬الضرر األشد يزال ابلضرر األخف‪ :‬تشرع هذه القاعدة حلالة ما إذا وجد‬
‫ضرران‪ ،‬وأحد الضررين أخف من اآلخر‪ .‬املقابلة بني الضررين من حيث األخف واألشد‬
‫مبنية على كل ما يتعلق هبا من حيث استخدام املوارد االقتصادية ومن حيث النتائج‪،‬‬
‫وهكذا‪ .‬واملشروع يف هذه احلالة أن يتحمل الضرر األخف ويزال الضرر األشد‪ ،‬األمر الذي‬
‫يستلزم أيضاً وجود خطة‪ ،‬ومن عناصرها القضاء على الفقر‪ .‬وميكن أن تربط هذه القاعدة‬
‫مبواجهة الفقر وعالجه ابآليت‪ :‬إذا كان النفع الذي حيصــل عليه فريــق من الناس (األغنياء‬
‫) أكرب من الضرر الذي يعانيه فريق آخر (الفقراء )‪ ،‬فإن إدارة االقتصاد تتم حبيث يعمل‬
‫على رفع الضرر عن الفقراء‪ ،‬وبوضع بعض اللياسات االقتصادية ال ي توجه ذا‬
‫ا دف‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬توظيف منهج األولوايت االقتصادية لعالج مشكلة الفقر‬
‫تعين األولوايت االقتصادية أن يدار االقتصاد وفق خطة حتكم ختصيص املوارد االقتصادية‪،‬‬
‫أي توزيعها على األنشطة االقتصادية‪ ،‬وابلتايل تتحدد (سلة ) إنتاج هذه اخلطة مؤسسة على‬
‫احتياجات اجملتمع وفق سلم متدرج‪ .‬ومنهج األولوايت يف اإلسالم على النحو الذي تبينه‬
‫أسلواب من األساليب اليت يواجه هبا اإلسالم الفقر لعالجه‪ .‬ومقاصد‬
‫مقاصد الشريعة‪ ،‬ميبل‬
‫ً‬
‫الشريعة اإلسالمية على ثالثة أقسام‪:20‬‬
‫ املقاصد الضرورية‪ :‬وهي اليت ال بد منها لقيام مصاحل الدين والدنيا‪ ،‬حبيث إذا فقدت مل‬‫جتر مصاحل الدنيا على استقامة بل على فساد وموت‪ ،‬ويف اآلخرة فوت النجاة والنعيم‬
‫والرجوع ابخلسران املبني‪ .‬وجمموع الضرورايت مخس‪ :‬حفظ الدين‪ ،‬والنفس‪ ،‬والنسل‪ ،‬واملال‪،‬‬
‫والعقل؛‬
‫ املقاصد احلاجية‪ :‬وهي األمور اليت يكون مفتقراً إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق‬‫املؤدي يف الغالب إىل احلرج الالحق بفوات املطلوب‪ ،‬فإذا مل تراع دخل على املكلفني على‬
‫اجلملة احلرج واملشقة؛‬
‫‪ -‬املقاصد التحلينية‪ :‬وهي األخذ مبا يليق من حماسن العادات وجتنب األحوال اليت أتنفها‬
‫العقول الراجحات‪ ،‬فهذا النوع من املقاصد جيمع يف مكارم األخال ‪.‬‬
‫ميكن القول‪ :‬إن الضرورايت يف مقاصد الشريعة تعمل على ما يبقي اإلنسان حيًا‪ ،‬أما‬
‫احلاجيات فإهنا تعمل على ما ييسر احلياة‪ ،‬وأما التحسينات فإهنا تعمل على ما جيمل احلياة‪.‬‬
‫وإدارة االقتصاد وفق منهج مؤسس على مقاصد الشريعة البالثة‪ :‬الضرورايت واحلاجيات‬
‫وعالجه‪.‬‬
‫الفقر‬
‫ملواجهة‬
‫أسلواب‬
‫تتضمن‬
‫والتحسينات‪،‬‬
‫ً‬
‫كما أن التخطيط لتخصيص املوارد االقتصادية أوالً حبيث تنتج ما يشبع الضرورايت‪ ،‬يعترب‬
‫سياسة ملواجهة مشكلة الفقر وعالجها‪ .‬هذه النتيجة اليت نصل إليها تببتها وتؤكدها معرفتنا‬
‫اَّلل سبحانه وتعاىل‬
‫ابلواقع االقتصادي املعاصر‪ ،‬وخاصة واقع العامل اإلسالمي لقد أعطاه ه‬
‫موارد اقتصادية كافية إلشباع حاجاته‪ ،‬إال أن بعض هذه املوارد إن مل يكن أكبرها خصص‬
‫إلنتاج كماليات ودرجات من الرفاه لبعض األفراد‪ ،‬بينما يعاين اجملتمع من نقص حاد خطري‬
‫يف كبري من السلع واخلدمات الضرورية‪ .‬وهذه العملية بشقيها‪ ،‬يصاحبها إسراف يف استخدام‬
‫املوارد وتبديد هلا‪ .‬وتطبيق املنهج اإلسالمى لألولوايت االقتصادية‪ ،‬مينع تبديد املوارد‬
‫واإلسراف فيها‪ ،‬ويوفر السلع الضرورية‪ .‬كما أن اآلليات املصاحبة هلذه العملية تعمل على‬
‫عالج الفقر‪ ،‬وذلك بتوفري فرص عمل‪ ،‬وتوفري السلع الضرورية‪ ،‬وترشيد استخدام املوارد‪،‬‬
‫ويدخل يف ذلك عالج الصراع االجتماعي‪.‬‬
‫خاملا‪ :‬التحويالت من األغنياء إىل الفقراء‬
‫يف التحويالت من األغنياء إىل الفقراء جتيء الزكاة‪ ،‬وهي أحد أركان اإلسالم‪،‬‬
‫وتتكون التحويالت من األغنياء إ ىل الفقراء من سلة هبا عدد من األدوات‪ ،‬منها‪ :‬النفقة‬
‫الواجبة (نفقة األقارب )‪ ،‬الزكاة‪ ،‬الصدقة التطوعية‪ ،‬الضرائب‪ ،‬وعارية املاعون‪ .‬هذه األدوات‬
‫املكونة لسلة التحويالت من األغنياء إىل الفقراء تتسع‪ ،‬وتتنوع التحليالت املتعلقة هبا ومن‬
‫هذه التحليالت‪:21‬‬
‫ تشتمل هذه السلة على أدوات إلزامية‪ ،‬ومنها النفقة الواجبة والزكاة والضرائب‪ ،‬وأدوات‬‫اختيارية ومنها الصدقة التطوعية وعارية املاعون وهكذا‪ ،‬وتنوع األدوات ما بني إلزامية‬
‫واختيارية جيعل هذه السلة تشبع شرط الكفاءة االقتصادية الذي يتحقق من تنوع األدوات‪،‬‬
‫ومن اخنفاض املعدل الذي تفرض به‪ ،‬ومن تنوع الوعاء‪.‬‬
‫ أتخذ التحويالت من األغنياء إىل الفقراء‪ ،‬على حنو تفصيلي وفق املراحل التالية‪:‬‬‫املرحلة األوىل‪ :‬اإللزام‪ :‬تتضمن هذه املرحلة جمموعة من األدوات منها النفقة الواجبة والزكاة‪.‬‬
‫واستكمال القضاء على الفقر بتحويالت من األغنياء إىل الفقراء أبدوات إلزامية يعطي‬
‫متيزا فاإلسالم هبذه املرحلة يضمن عن طريق اإللزام مواجهة مشكلة الفقر‪.‬‬
‫للمنهج اإلسالمي ً‬
‫وهناك مظهر آخر من مظاهر متيز املنهج‪ ،‬وهو أن النفقة الواجبة تعمل على مستوى األسرة‪،‬‬
‫أما الزكاة فتعمل على مستوى اجملتمع‪ .‬على هذا النحو من التفو يعمل اإلسالم على‬
‫استكمال القضاء على الفقر ابلتحويالت من األغنياء إىل الفقراء‪.‬‬
‫املرحلة البانيـة‪ :‬االختيار‪ :‬حـث اإلسـالم علـى الصـدقة التطوعيـة ولكـن جيـب أن تفهـم الصـدقة‬
‫التطوعيــة يف اإلســالم ابلطبيعــة الصــحيحة هلــا‪ ،‬إهنــا مرحلــة تكميليــة‪ .‬ويعــين هــذا أن اإلســالم ال‬
‫يعم ــل عل ــى القض ــاء عل ـى مش ــكلة الفق ــر ابلص ــدقة التطوعي ــة وح ــدها كم ــا ق ــد يتص ــور بع ــض‬
‫املشـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــتغلني يف ه ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــذا اجمل ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــال‪.‬‬
‫وحيقــق وجــود مرحلــة للعمــل االختيــاري التطــوعي يف القضــاء علــى مش ــكلة الفقــر للمجتمــع‬
‫اإلسـالمي رابطـة اجتماعيـة إجيابيـة حيـث أن هــذا التطـوع يولـد عنـد الغـين اإلحسـاس ابجملتمــع‪،‬‬
‫ويولد عند الفقري اإلحساس أبن أغنياء اجملتمع يشاركونه مشكلته‪.‬‬
‫املرحلة البالبة‪ :‬اإللزام‪ :‬قد يعاين اجملتمع من مشكلة الفقر بعد تطبيق أدوات املرحلتني‬
‫السابقتني وهنا يعود اإلسالم إىل التشريع اإللزامي فيواجه املشكلة ابلتوظيف‪/‬الضرائب‪.‬‬
‫واإللزام هنا ال مفر منه‪ ،‬حيث ميبل املواجهة األخرية ملشكلة الفقر‪.‬‬
‫اخلامتة والتوصيات‪:‬‬
‫إن منهج اإلسالم للقضاء على الفقر‪ ،‬والذي قدمناه يف الصفحات السابقة‪ ،‬والذي‬
‫يتأسس على مخسة أساليب‪ ،‬يكتمل ابلعناصر التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬القضــاء علــى الفقــر يف اإلســالم أمــر مـرتبط ابلعقيــدة؛ وترتيبـاً علــى ذلــك نقــول‪ :‬إن أمهيــة‬
‫هــذا املوضــوع علــى هــذه الدرجــة‪ ،‬ومــن الوجــه املقابــل فــإن خطــورة الفقــر هــي أيضـاً علــى‬
‫هـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــذه الدرجـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة‪.‬‬
‫‪ -2‬الزكاة هي أداة اإلسالم الرئيسة يف حماربة الفقـر وذلـك يف مرحلـة التحـويالت مـن األغنيـاء‬
‫إىل الفق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـراء وه ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــي‬
‫اثلب ــة أرك ــان اإلس ــالم اخلمس ــة‪ ،‬بع ــد الش ــهادتني وإق ــام الص ــالة‪ ،‬ويع ــين ذل ــك أن التشـ ـريعات‬
‫اإلسالمية للقضاء على الفقر تنطلق وتبدأ من أركان اإلسالم‪ ،‬وهذا األمـر بـدوره حيـدد الدرجـة‬
‫أو األمهية اليت يعطيها اإلسالم للقضاء على الفقر؛‬
‫اَّلل تعاىل عنه‪ ،‬أعلنت الدولة احلرب على مانعي‬
‫‪ -3‬يف خالفة أيب بكر الصديق رضي ه‬
‫الزكاة‪ ،‬ودخلت يف حرب معهم بسبب ذلك‪ ،‬هذه أول مرة يف التاريخ يببت فيها أن الدولة‬
‫حاربت وقاتلت جبيوشها من أجل القضاء على الفقر‪ .‬ونقول عن هذه احلادثة‪ :‬إهنا غري‬
‫مسبوقة يف التاريخ‪ ،‬فحرب مانعي الزكاة ال ينبغي أن تكون حادثة وحيدة يف التاريخ‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وإمنا جيب أن تقع عندما مينع األغنياء حقو الفقراء يف األموال اليت استخلفهم‬
‫اَّلل عليها وهي الزكاة؛‬
‫ه‬
‫‪ -4‬الفكرة اليت يرتبط هبا الذين يكتبون عن حماربة اإلسالم للفقر‪ ،‬هي اآلتية‪:‬‬
‫الزكاة هي التشريع اإلسالمي للقضاء على الفقر‪ .‬هذه الفكرة تفهم على النحو اآليت‪:‬‬
‫املنهج اإلسالمي للقضاء على الفقر‪ ،‬واملكون من مخسة أساليب بناء على ما جاء يف هذه‬
‫الورقة البحبية‪ ،‬يقسم إىل قسمني رئيسني‪ :‬القسم األول‪ :‬يشمل األساليب األربعة األوىل‪،‬‬
‫وهي‪ - :‬صحة العقيدة االقتصادية؛ التخصيص الصحيح للموارد االقتصادية؛ إدارة االقتصاد‬
‫أبسلوب التخطيط؛ منهج األولوايت االقتصادية‪.‬‬
‫هذه األساليب األربعة يوفر هبا اإلسالم دخالً لكل قادر على العمل بعمله‪ ،‬وهبذا‬
‫فإهنا تعترب من اإلجراءات اليت متنع ظهور الفقر يف اجملتمع؛ ومن خصائص هذه األساليب‬
‫األربعة أهنا تعمل من خالل آلية االقتصاد يف مرحلة اإلنتاج؛ ويعين ذلك أن املنهج‬
‫اإلسالمي للقضاء على الفقر يعمل يف جزئه الرئيسي حتت مبدأ‪ :‬الوقاية خري من العالج‪ .‬و‬
‫املنهج اإلسالمي هبذا يعمل على منع ظهور الفقر يف اجملتمع‪ ،‬والفقراء الذين يظهرون يف‬
‫اجملتمع اإلسالمي بعد عمل األساليب األربعة السابقة هم غري القادرين على العمل وهؤالء‬
‫هم الذين ُشرعت الزكاة من أجلهم (مع مالحظة أن للزكاة مصارف مثانية منها مصرفان فقط‬
‫يعمالن على الفقر)‪ .‬وترتيباً على ذلك فإن القول‪ :‬أبن الزكاة هي التشريع اإلسالمي‬
‫للقضاء على الفقر يُفهم ابإلحالة لغري القادرين على العمل‪ ،‬أما القادرون على العمل‬
‫فإ ّن اإلسالم يلبق حبل مشكلتهم من خالل اآللية ال ي يعمل هبا االقتصاد يف مرحلة‬
‫اإلنتاج‪.‬‬
‫‪ -5‬األساليب اخلمسة اليت تعرضنا هلا ضمن توظيف املنهج اإلسالمي للقضاء على الفقر‬
‫قابلة ألن حتول إىل سياسات اقتصادية تطبق يف الواقع‪ ،‬وهذا أحد مظاهر تفو هذا املنهج‪.‬‬
‫يضاف إىل هذا التفو تفو آخر‪ ،‬هو أن حتليل األساليب اخلمسة يبني أهنا تَ َسع سياسات‬
‫(مرنة )‪ ،‬هذه املرونة جتعل املنهج اإلسالمي يتعامل بكفاءة مع كل املتغريات اليت تواجه‬
‫اجملتمع‪ ،‬سواء أكانت متغريات اقتصادية أو غري اقتصادية‪ .‬ومن اجملاالت اليت تقرتح فيها‬
‫سياسات اقتصادية‪:‬‬
‫ختصيص املوارد االقتصادية بني القطاع العام والقطاع اخلاص وداخل كل قطاع؛‬‫ التخطيط للتنمية االقتصادية‪ ،‬ومن السياسات االقتصادية اليت ميكن تطبيقها سياسة‬‫التنمية؛‬
‫أولوايت‬
‫ سياسات العمل والعمال من السياسات االقتصادية اليت ميكن هبا تطبيق األساليب‬‫الداخلة يف منهج اإلسالم للقضاء على الفقر‪.‬‬
‫قائمة ا وامش واملراجع حلب ورودها يف البحث‬
‫‪ -1‬السيد سابق‪ ،‬عناصر القوة يف اإلسالم‪ ،‬مكتبة الشركة اجلزائرية‪ ،‬اجلزائر‪ ،1988 ،‬من ص‪ 13‬إىل‬
‫ص‪.21‬‬
‫‪ -2‬أمحد بن علي الدجلي‪ ،‬الفالكة واملفلوكون‪ ،‬الدار املصرية‪ ،‬االسكندرية‪ ،1992 ،‬ص‪.130‬‬
‫‪ -3‬نفس املرجع‪ ،‬ص‪.134‬‬
‫‪ -4‬نفس املرجع‪ ،‬ص‪.135‬‬
‫‪ -5‬حديث رواه أبو داود‪.‬‬
‫‪ -6‬سورة النساء‪ ،‬اآلية ‪71.‬‬
‫‪ -7‬يوسف القرضاوي‪ ،‬لقاء خاص مع اجلزيرة ضمن برانمج الشريعة واحلياة حول مشكلة الفقر وكيف‬
‫عاجلها اإلسالم‪ ،‬أفريل ‪ ،2004‬من موقع اجلزيرة‪.‬‬
‫‪ -8‬سورة هود‪ ،‬اآلية ‪6.‬‬
‫‪ -9‬سورة احلجر‪ ،‬اآليو ‪.21-19‬‬
‫‪ -10‬سورة البقرة‪ ،‬اآلية ‪.30‬‬
‫‪ -11‬سورة األنعام‪ ،‬اآلية ‪.165‬‬
‫‪ -12‬سورة فاطر‪ ،‬اآلية ‪.39‬‬
‫‪ -13‬سورة النور‪ ،‬اآلية ‪.55‬‬
‫‪ -14‬تفسري ابن كبري يف معىن كلمة خليفة‪.‬‬
‫‪ -15‬عبد هللا املصلح‪ ،‬حصة ببت يف قناة إقرأ حول امللكية يف اإلسالم يوم ‪2002/02/13‬‬
‫ السيد سابق‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص‪.113‬‬‫‪ -16‬أبو بكر جابر اجلزائري‪ ،‬منهاج املسلم‪ ،‬الدار السورية‪ ،‬دمشق‪ ،1993 ،‬ص‪.235‬‬
‫‪ -17‬مقال منشور على شبكة األنرتنيت وحيمل عنوان‪ :‬عامل إسالمي بدون فقر‪ ،‬عن طريق إدخال كلمة‬
‫الفقر يف حمرك البحث ‪.)ko180 ،2007/04/22( www.google.ae‬‬
‫‪ -18‬نفس املرجع‪.‬‬
‫‪ -19‬عبد الرمحن بن عبد اله بن عبد الرمحن اجلربين‪ ،‬التأصيل اإلسالمي لعالج الفقر‪ -‬دراسة يف القواعد‬
‫الفقهية‪ -‬حبث منشور ضمن أشغال املؤمتر السنوي البامن بعنوان‪ :‬الفقر واملؤسسات والتنمية يف الوطن‬
‫العريب‪ ،‬املنعقد يف القاهرة أايم‪ 21-20-19 :‬أفريل ‪ ،2007‬من ص‪ 9‬إىل ص‪.14‬‬
‫‪ -20‬اإلمام الشاطيب‪ ،‬املوافقات‪ ،‬بدون دار نشر‪ ،‬دمشق‪ ،1986 ،‬ص‪.230‬‬
‫‪ -21‬يوسف القرضاوي‪ ،‬مرجع سابق‪.‬‬