إشكالية الفقــر والبيئــة أ .بوطبال حكيمـة أ .رابحـي فضيلـة جامعة سعد دحلب البليدة مدخل: يعترب الفقر وجهة عاكسة لصور التمايز االجتماعي والالمساواة ،وانعدام العدالة، حيث ارتبط مفهومه بشكل مباشر ابستشارة واحتكار البعض على جانب أكرب من املوارد املتاحة على حساب اآلخرين ،ويعد الفقراء األكثر ارتباطا ابلبيئة حيث متثل خصوصا يف املناطق الريفية مورد رزقهم ومنبع احتياجاهتم ،إال أنه مثة حقيقة مفادها أن الفقر هو أحد األسباب احملدثة للتدهور البيئي خاصة إذا تزايدت احتياجات الفقراء متجاوزة قدرة املوارد البيئية املت وفرة ،حيث ال تتيح هلا إمكانية التجدد ،وإدراكا هلذه احلقيقة فقد أدرج الفقر بشكل أساسي ضمن جل املؤمترات العاملية اخلاصة ابلبيئة ،كما أجنزت عدة مشاريع حملية وعاملية هبدف إدراج البعد البيئي ضمن إسرتاتيجية مكافحة الفقر. )1ماهية الفقر: أضحى من املؤكد اليوم أن الفقر والبيئة من القضااي األساسية اليت احتلت مكانة معتربة يف حيز االنشغال العاملي والبحث العلمي وإن تباينت اهتمامات الباحثني بني معرفة املشاكل املرتتبة والناجتة عن ظاهرة الفقر واملشكالت البيئية ،ويف هذا اإلطار سنحاول اإلحاطة بداية مبعاين كل من الفقر والبيئة. -1الفقر: ورد تعريف يف قاموس علم االجتماع على أنه مستوى معيشي منخفض ابالحتياجات الصحية واملعنوية املتصلة ابالحرتام الذايت للفرد أو جمموعة من األفراد (.)1 وينظر إىل هذا املصطلح نظرة نسبية بفعل ارتباطه مبستوى املعيشة العام يف اجملتمع وبتوزيع الثروة ونسق املكانة والتوقعات االجتماعية ،بينما يعرف خط الفقر على أنه احلالة اليت يكون الفرد فيها عاجزا عن الوفاء بتوفري متطلبات الغذاء وامللبس واملأوى الضروري لنفسه)2(. وهبذا فإن مفهوم الفقر يشري إىل غياب أو عدم ملكية األصول أو حيازة املوارد أو الثروة املتاحة املا دية منها وغري املادية ،ففي حالة عدم القدرة على إشباع احلاجات البيولوجية كاألكل وامللبس واملسكن بصورة كلية يدرج هذا ضمن الفقر املطلق ،بينما إذا كان النقص يف مستوى إشباع احلاجات األساسية وتدين مستوى املعيشة ونوعية احلياة وخصائص وقدرات األفراد واجلماعات داخل اجملتمع ضمن ما يسمى ابلفقر النسيب. فضال عن هذا فإن الفقر ظاهرة متعددة األبعاد تربز يف اجملتمعات على مستوايت خمتلفة ويف صور أشكال متباينة تعكس وضعية البناء االجتماعي (اجملتمع) ،وهناك ثالث معاين للفقر متمايزة ( )3وهي: املعىن األول :الفقر االجتماعي وهو يتجاوز عدم املساواة االقتصادية الناجتة عن نقص الدخل واملمتلكات واخنفاض مستوى املعيشة ليشمل بشكل أوسع عدم املساواة االجتماعية والدونية واإلتكالية والشعور ابلنقص واالستغالل. املعىن الثاين :العوز واحلاجة ويشري إىل فئة من األفراد غري القادرين على أتكيد وجودهم على املستوى التقليدي العادي الذي يعترب أدىن مستوى دون أي مساعدات خارجية ،كما حيدد منوذجا للعالقات االجتماعية اليت تشري إىل من هم احملتاجني واملعوزين الذي يطلبون املساعدة. املعىن الثالث :الفقر األخالقي حيدد مكانه يف نسق القيم يف اجملتمع أو يف أحد مجاعته الفرعية (كاألسرة ،مجاعة الرفاق) ويدل هذا املعىن إىل رفض أو قبول الفقر أخالقيا وإىل املكانة اليت يشغلها الفقري وتعيقه عن التمتع واجلدير ابإلشارة هنا هو أن الفقر ال ينحصر معناه فقط كما حتدده الرؤية االقتصادية يف عجز اإلنسان عن تلبية حاجاته البيولوجية األساسية وإمنا يعين أيضا عجز البناء االجتماعي عن توفري مستلزمات اإلنسان املادية واملعنوية وأتثري ذلك على عمليات االندماج والعالقات االجتماعية وتكوين شخصية الفرد يف اجملتمع وتشكيل قيمته وثقافته فضال عن حتديد مكانته ودوره السياسي واالجتماعي واالقتصادي. ويعتمد حتليل وفهم الفقر كظاهرة اجتماعية على حتليل كيفي لظاهرتني أساسيتني أوهلما عملية التفاوت يف توزيع الدخل وإعادة توزيعه على الفئات االجتماعية واثنيهما قضية التفاوت الطبقي والتمايز املعيشي ،وتشري الظاهرة األوىل إىل تباين واضح بني العلماء يف رؤية وحتليل الفقر وحتديد العوامل املسامهة يف انتشاره وبينما ترى فئة أخرى من العلماء ضرورة الرتكيز على املفهوم النسيب للفقراء يف إطار السياسات االقتصادية للدولة. ويف هذا السياق وطبقا ملعطيات التنمية فإن الفقر صفة جملتمع ما الفرد فيه ال حيقق مستوى معني من الرفاهية والذي يشار إليه عادة خبط الفقر -الذي أشران له سابقا – ويستدعي تعريف الفقر حتديد اإلجابة عن ثالثة تساؤالت هي: حتديد ماهية احلد األدىن من الرفاهية. كيفية التيقن من صحة فقر الفرد. جتمع مؤشرات الرفاهية وقياس الفقر على أساسها)4(. إن مستوى املعيشة يهدف بشكل مباشر إىل قياس كفاءة احلياة ،معتمدا على معايري االستهالك الفردي من السلع واخلدمات املشرتاة من دخل الفرد أو توفريه ويفرتض مفهوم الفقر وجود حد أدىن من االستهالك والدخل يقاس عليه مستوى معيشة الفرد وهو ما يسمى خط الفقر حيث يدرج ضمنه كل فرد استهالكه أقل من هذا احلد ابعتباره فقريا)5(. ويتم تصنيف كيفية قياس الفقر إىل اجتاهني: اجتاه الرفاهية :الذي يعتمد فيه على معايري مالية يف قياس درجة أو مستوى الرفاهية مثل:الدخل ،اإلنفاق االستهالكي ،وهو االجتاه السائد يف أدبيات الفقر. اجتاه الالرفاهية :يركز هذا االجتاه على دراسة املؤشرات االجتماعية للرفاهية مثل :التغذيةوالصحة والتعليم ،مركزا بذلك على حماور أساسية تعين مثال :بسوء التغذية ،غياب الرعاية الصحية ،أو األمية وهذا ابعتبارها نتائج مباشرة للفقر. وعلى الرغم من بقاء الدخل الفردي املؤشر األكثر انتشارا لقياس الفقر إال أنه تزايدت أمهية مؤشرات الرفاهية االجتماعية كالصحة والتعليم ،حيث لوحظ تنامي هذا االجتاه يف دول العامل النامي منذ منتصف السبعينات ،أي ارتفاع الدخل الفردي يف بعض الدول دون حدوث تقدم يف بعض جماالت الرفاهية االجتماعية ،مما يعين عدم وجود تالزم بني زايدة الدخل الفرد وحتقيق زايدة يف جماالت الرفاهية االجتماعية)6(. ومن هذا كله جند أن الفقر ظاهرة اجتماعية متعددة األبعاد حيث منيز بني: -فقر الدخل :الذي يشري إىل عدم كفاية املوارد لضمان وأتمني احلد األدىن ملستوى املعيشة املناسب اجتماعيا. فقر القدرة :الذي يشري إىل تدين مستوى قدرات اإلنسان إىل حد مينعه من املشاركة يفعملية التنمية)7(. -2مفهوم البيئة: ليس من اليسري إعطاء تعريف جامع مانع للبيئة ،لذا سوف يتم التطرق إىل مجلة من التعاريف ،وإذا رجـعـنـا إىل مـعـجم اإليكوجيا ( )1982فإننا جند التعريف اآليت "البيئة هي جمموعة العوامل احلية ( )Biotiquesوغري احلية ( )Abiotiqueالكيميائية ،واليت تتعايش يف حيز أو مكان معني ومتارس أتثريا مباشرا أو غري مباشر على الكائنات احلية املوجودة يف هذا احليز ،ومنها اإلنسان"(.)8 وكان املؤمتر الدويل للبيئة ابستوكهلم سنة 1972قد أقر " أن البيئة هي جمموعة من النظم الطبيعية واالجتماعية والثقافية ،اليت يعيش فيها اإلنسان و الكائنات األخرى واليت يستمدون منها زادهم ويؤدون فيها نـشاطهـم"( ،)9كـما تعـرف أيضا أهنا "نـظام ديـنـامـيكي يتكون مـن عـناصر طبيعية وعناصر بشرية دائمة التفاعل املتبادل يف إطار زماين ،مكاين ،ثقايف معني"( ،)10وما يالحظ من املفاهيم السابقة الذكر هو اشرتاكها يف نقاط حمددة للبيئة، هي: أوال :أن البيئة جمموعة عناصر متفاعلة وليست عنصرا أحاداي . اثنيا :أن البيئة حتيط ابإلنسان وتشمله كعنصر حي متواجد هبا ،وهبذا تؤثر و تتأثر به. اثلثا :أن البيئة ال تنحصر فقط يف العناصر غري احلية ،وإمنا تشمل العناصر احلية كالنبااتت واحليواانت. و تنقسم البيئة بناءا على ما ذكر إىل قسمني مها : أ) البيئة الطبيعية (الفيزيقية) :فهي كل ما حييط ابإلنسان من ظواهر حية وغري حية ،وليس لإلنسان دخل يف وجودها ،وتتمثل هذه الظواهر أو املعطيات البيئية يف البنية والتضاريس واملناخ والنبات الطبيعي واحليواانت ( ،)11وهبذا فهي متثل العناصر املادية اليت يستمد منها اإلنسان متطلبات معيشته ،وختتلف من منطقة إىل أخرى تبعا لتباين العناصر املكونة هلا، فالسهول هلا مكوانهتا اليت جتعلها بيئة طبيعية متميزة عن الصحراء ،وتشمل البيئة الطبيعية نظما أربعة مرتابطة ومتكاملة ،هي: احمليط احليوي :وهو الذي توجد فيه احلياة ،حيث تتم خالله مجيع العمليات احليوية اليتتتألف منها النظم البيئية مجيعا ،فهو الوسط الذي تعيش فيه األحياء بصورة طبيعية ،كما تتم فيه التغريات الفيزايئية والكيميائية األساسية اليت تطرأ على املوارد غري احلية ( ،)12ويتميز ابتساعه كونه يضم األجزاء الثالثة األخرى. الغالف اجلوي :هو غالف غازي حييط ابلكرة األرضية ويعمل على محايتها من األشعةالشمسية ،وتظهر يف طبقاته السفلى كل الظواهر املناخية اليت هلا عالقة مباشرة ابحلياة على سطح األرض. -الغالف الصخري :ويقصد به األجزاء الصلبة من الكرة األرضية ،ويتكون من الصخور ،الرتبة والـرمـال ،وإن كـانـت عـناصـر هـذه الـنظم تبدوا ظاهراي كمكوانت وعناصر منفصلة عن بعضها البعض ،ولكنها يف واقع األمر كل متكامل يف حركات مستمرة ذاتية أو تكاملية أو تكافلية مع بعضها البعض ،حبيث تعطي شكال نظاميا دقيقا ال خيتل وفقا لقوانني الطبيعة وذلك إذا ترك دون تدخل أو عبث مبكوانته(.)13 واجلدير ابإلشارة هنا أن اصطالح البيئة الطبيعية يستبعد العوامل االجتماعية والنفسية ،رغم أمهيتها والذي جيعل أمر جتاهلها غري ممكن ،بيد أن البيئة االجتماعية تكمل صورة البيئة وحتدد إطارها العام إىل جانب البيئة الطبيعية. ب) البيئة االجتماعية :وتشري إىل ما أوجده اإلنسان و شيده داخل البيئة الطبيعية خالل اليت- 5 بناء حضارته ،سواء كان ذلك من الثقافة - خلفها اإلنسان أو العالقات االجتماعية اليت كوهنا (أو املادايت اليت شيدها) فهي بيئة يظهر فيها تفاعل اإلنسان و البيئة من انحية، وتعكس درجات استجابة خمتلفة ،ومن انحية أخرى عالقة اإلنسان ابإلنسان واليت حتدد ابلنظم و التنظيمات االجتماعية اليت توجد يف اجملتمع ( ،)14وهي هبذا تضم جانبني أحدمها مادي كالعمران ،املراكز الصناعية ،شبكة االتصاالت واملواصالت ،وكل ما أوجدته التكنولوجيا ،وآخر معنوي يشمل البناء الثقايف والقيمي كالعادات والتقاليد ،والذي حيدد تفاعل األفراد فيما بينهم من جهة ،ومن جهة أخرى حيدد التفاعل بني األفراد وعناصر البيئة الطبيعية ،وختتلف درجة تفاعل أفراد كل مجاعة حسب املرحلة الزمنية التارخيية املنتمية إليها، بدءا من اجلماعات البدائية اجلامعة للغذاء إىل اجلماعات املعاصرة اليت تنتمي إىل عصر التكنولوجيا. لكن هذا التصنيف للبيئة املذكور آنفا ال يعين انعزال اجلزء عن اآلخر ،وإمنا هي وحدة مت كاملة ومرتابطة ،حيث أن عناصر البيئة الطبيعية تؤثر يف البيئة االجتماعية ،كما أن هذه األخرية تؤثر فيما بينها بعالقات ارتدادية على شكل أخذ وعطاء ،وهذا وفق نظام خاص يسمى ابلنظام البيئي. )2العالقة بني الفقر والبيئة: لقد قدم تقرير جلنة )14(Brundtlandوصفا بليغا هلذه العالقة جاء فيه أن الفقر أحد األسباب الرئيسية للمشكالت البيئية العاملية ،مثلما كان أحد نتائجها ( )15وقد أثبتت الدراسات أن العالقة بني الفقر والبيئة تراكمية دائرية أو أشبه بعملية سببية تراكمية، حيث جيرب الفقراء على اختيار الفائدة املضمونة على املدى القصري حىت ميكنهم من سد االحتياجات املستقبلية ،لذلك فهم يتسببون يف تدهور البيئة اليت تعمل ابلتايل على زايدة فقرهم وهكذا تستمر املشكلة ،حيث يؤدي الفقر إىل قصور يف اإلنتاجية واستخدام غري مستدمي للموارد الطبيعية. وبشكل تفصيلي فإن عالقة الفقر ابلبيئة عالقة مزدوجة االجتاه ،فالفقر هو أحد مسببات التدهور البيئي ألن احتياجات الفقراء وسبل معيشتهم امللحة تعين يف كثري من األحيان القيام مبمارسات وسلوكات مدمرة للبيئة مثل اإلفراط يف صيد األمساك واحليواانت البحرية يف املناطق الساحلية واستخراجها بطرق غري سليمة ودون إعطاءها فرصة للتكاثر وجتديد مواردها، كذلك أدى اندفاعهم حنو األراضي اهلامشية بسبب قلة مواردهم وزايدة أعدادهم وعدم كفاية التنمية إىل تدمري األراضي يف الغاابت املطرية وحرث املنحدرات شديد االحندار والرعي اجلائر يف أراضي املراعي اهلشة( ،)16وحيدث هذا عادة يف األنظمة البيئية اليت أتوي جمتمعات فقرية تعتمد بصورة أساسية على املوارد الطبيعية ،وهناك عالقة بني الفقر وظاهرة التصحر. فضال عن هذا فإن التلوث البيئي الذي يؤدي إىل تدين نوعية البيئة يعرض الفقراء للخطر حيث أوضحت املسوح العلمية يف مجيع أحناء العامل أن الفقراء هم أول من يتأثر ابلتدهور البيئي( ،)17حيث يقلل الفقر من حصانة األفراد ضد آاثره ابختالف أشكاهلا (تلوث اهلواء ،املاء ،الرتبة ،التلوث اإلشعاعي ،التلوث الضوضائي). فالتلوث البيئي من أهم العوامل املؤثرة على صحة األفراد ال سيما يف اجملتمعات الريفية مثال فإن حوايل %20من األمراض اليت تصيب األفراد وبشكل رئيسي الفقراء تعود إىل أسباب بيئية ،وأكثر األمثلة مأساوية على ذلك أن حوايل 3ماليني شخص منهم %80من األطفال ميوتون سنواي بسبب اإلسهال الناجم عن تلوث املياه السطحية ابإلضافة إىل التأثريات الصحية لألمراض الناجتة عن التدهور البيئي جند أيضا التأثريات االقتصادية ،حيث أشارت دراسة إىل أن معاجلة املالراي تستنزف حوايل %33من دخل الفقراء يف إفريقيا مقارنة حبوايل %4فقط من دخل األغنياء(.)18 وتبعا هلذا السياق ،فقد اقر التقرير الوطين حول حالة البيئة يف اجلزائر سنة ،2000 أبن الفقر يفاقم بشكل واضح املشكلة البيئية ،ال سيما وأن تقرير املؤمتر الوطين ملكافحة الفقر واإلقصاء الذي نظمته احلكومة اجلزائرية يف 28أكتوبر ،2000أكد أن شخصا واحدا على األقل من بني مخسة أشخاص يعيش يف حالة من الفقر ( ،)19فإىل جانب التعرض املتزايد للسكان الفقراء ألخطار التلوث البيئي تزيد حالة العوز واحلاجة عندهم يف استهالك املوارد البيئية دون مراعاة ،وهذا لضمان حياهتم ،ومن منظور سوسيولوجي فإن تعامل الفرد مع بيئته الطبيعية خيضع جلملة من املعطيات من بينها مستواه املعيشي ،فال ميكن التحدث عن سلوك بيئي إجيايب وعقالين بينما يفتقد الفرد أبسط ضرورايت احلياة مما يدخله يف حيز الصراع من أجل البقاء وطبعا فاخليار هو للفرد على حساب عناصر البيئة الطبيعية، كما أن اجلزائر أدرجت بشكل واضح ضمن اإلسرتاتيجية وطنية للبيئة وخمطط العمل البيئي ضرورة تقليص ظاهرة الفقر والعمل على النمو املستدام(.)20 فضال عن هذا فإن أمناط الفقر هلا عالقة ابلبيئة احمليطة حيث تتحدد وفق هذا اإلطار ضمن نوعني مها: الفقر يف األرايف :يعيش ويعمل حوايل ثالثة أرابع العامل يف املناطق الريفية حيث يعتمدمنط معيشتهم بشكل مباشر على الزراعة كمصدر دخل ( ،)21وعلى سبيل املثال فإن الكثري من اجملتمعات الريفية اليت كانت تعتمد على املوارد الطبيعية لتوفري احتياجاهتا الغذائية حولت أراضيها إىل مزارع هبدف احلصول على عوائد نقدي لشراء منتجات غذائية من مصادر أخرى لكن ظروفا بيئية واقتصادية ومالية سيئة جعلت الكثري من هذه املبادرات تفشل يف حتقيق هدفها حيث مت إزالة األراضي الطبيعية ومل تتمكن املشاريع الزراعية من تقدمي العائد املايل املنشود(.)22 كم أن من مسببات الفقر يف األرايف هو االنتقال السريع والغري مربمج اجتماعيا لألمناط االقتصادية من اقتصاد أساسه الزراعة إىل اقتصاد اخلدمات والتصنيع أحياان مما قد يؤدي إىل عدم قدرة املزارعني والفالحني على التوافق مع هذا االنتقال وجماراته. الفقر يف املدن :مرده األول هو اهلجرة الداخلية املتتالية من الريف حنو املدينة ،واهلجرةاخلارجية ما بني الدول ،خصوصا من دول اجلنوب الفقرية حنو دول الشمال الغنية هبدف البحث عن فرص العمل ويرتبط الفقر احلضري كما يسمى عادة مبظاهر حمدد منها األحياء الفقرية واملساكن العشوائية مشكلة مناطق هامشية غري قانونية ومعرضة ألخطار بيئية بفعل افتقارها للخدمات األساسية من مياه وكهرابء وصرف صحي...إخل ،فضال إىل هذا فإن من املشاكل اليت ترتبط مع الفقر يف املدينة هي مشكلة التخلص من النفاايت ومشاكل الصرف الصحي ،حيث تعترب النفاايت وكرا النتشار األوبئة واألمراض ،كما أن ضعف الصرف الصحي يعين تعايش الفقراء مع مصادر مستمرة ودائمة للمرض. هذا وإن عالقة الفقر ابلبيئة ومشكلة تلوثها نتيجة حتمية ومنطقية ،فالتدهور البيئي يدفع األفراد أبعداد متزايدة إىل الفقر كما أهنما أصبحتا مسألة متشابكة حيث أن املسألة ليست خيار بني ختفيف حدة الفقر أو وقف التدهور البيئي ،بل متت حقيقة استحالة حتقيق أي اهلدفني إال ابلسعي إىل حتقيق اهلدف اآلخر ( ،)24وهو ما يتأتى من خالل أساليب التنمية املستدامة اليت ميكن من خالهلا التوفيق بني احتياجات الفقر واحتياجات البيئة للحماية، حيث ميثل هذا جوهر التنمية املستدامة ،ويقدم برانمج األمم املتحدة يف هذا اجملال تصورا حول االحتياجات العشر الرئيسية اليت جيب حتقيقها لتحسني حياة الفقراء وهي: -1التغذية السليمة. -2احلماية من األمراض اليت ميكن جتنبها طبيا ووقائيا. -3 -4 -5 القدرة على العيش يف بيئة نظيفة وكافية. القدرة على احلصول على مياه نظيفة وكافية. التمتع هبواء نظيف ال حيمل التلوث واألمراض. -6 -7 -8 -9 احلصول على الطاقة الكافية للتدفئة والطهي. القدرة على استخدام العالجات التقليدية. القدرة على استخدام عناصر البيئة الطبيعية للممارسات االقتصادية واالجتماعية. القدرة على التكيف مع الصدمات الطبيعية مثل األعاصري واجلفاف. -10القدرة على اختاذ قرارات حرة حول إدارة املوارد املتاحة بشكل مستدام(.)25 وحسب هذا التصور البيئي فإن هناك فئة صغرية من سكان العامل اليت تتمتع هبذه املزااي وقد ال يتجاوزون الفئات السكانية اليت تعيش يف املناطق األوروبية واألمريكية الشمالية النظيفة، بينما يعترب أكثر من ثالث أرابع سكان العامل فقراء ابملفهوم البيئي. وقد جاء تطوير هذه املعايري من طرف برانمج األمم املتحدة اإلمنائي استنادا على دراسة شاملة بعنوان "التقييم األلفي لألنظمة البيئية" والذي وضع ثالث أنواع من اخلدمات الرئيسية لألنظمة البيئية الواجب توفرها لتأمني تنمية مستدامة للمجتمعات وهي: أ -اخلدمات البنيوية :وتضم النبااتت ،األخشاب ،الطاقة ،الغذاء. ب -اخلدمات التنظيمية :تنقية املياه ،إزالة السمية (التلوث) ،السيطرة على اجلفاف والفيضاانت. ج -اخلدمات اإلنسانية :اجلمال والقيم الدينية واالجتماعية(.)26 إضافة إىل هذا فإن األولوايت اليت حتكم نظرة الفقراء إىل البيئة واليت منبعها أتمني وتوفري احلاجات األساسية – كما ذكران سابقا – من أكل وملبس ومشرب...إخل ،متكن من حدوث الكثري من املمارسات املضرة ابلبيئة ،ولكن الفقراء أيضا وإن كانوا األكثر أتثرا مبا يصيب البيئة من تدهور فهم األقل متتعا ابلقدرة على احلصول على نعمها وخرياهتا مع أهنم األكثر اعتمادا عليها بشكل مباشر ،فمشكلة الفقر تكمن يف عدم القدرة على احلصول يف فرص على هذه الفوائد واخلدمات بشكل سليم أو عدم وجود العدالة واملساواة استثمارها ،ومن هنا كانت ضرورة إدراج البعد البيئية يف إسرتاتيجية مكافحة الفقر وهو ما سوف نتعرض له يف العنصر التايل. )3الفقر ضمن املؤمترات الدولية للبيئة: نظرا الرتباط املشاكل البيئية بشكل مباشر مبعضلة الفقر وهذا وفق ما أشران له سابقا ،فقد تناولت جل املؤمترات ذات الطابع العاملي اخلاصة ابلبيئة حمور الفقر كأحد املواضيع األساسية. إذ ارتبط مفهوم الفقر يف العامل أبمناط العيش املرتبطة بدورها مبعطيات البيئة وظهرت فلسفة اقتصادية اجتماعية جديدة مستمدة من تطور تطبيقات التنمية املستدامة وهي مكاف حة الفقر عن طريق تعزيز أمناط املعيشة املستدامة واليت تعتمد على إدارة املوارد الطبيعية واستثمار القدرات البشرية للفقراء يف حتسني مستوى املعيشة بشكل مستدام ودخل هذا املفهوم يف أدبيات األمم املتحدة وبرانمج األمم املتحدة اإلمنائي ( )27ويف هذا السياق نوجز عرض أهم املؤمترات الدولية للبيئة وتناوهلا للفقر. -1مؤمتر ستوكهومل :1972عقد ابلسويد ما بني 15و 16جويلية حبضور 115دولة، بعد أربع سنوات من التحضري وبناءا على قرار اجلمعية العامة الصادر عام 1968عل ضوء الدراسة اليت أعدها اجمللس االقتصادي واالجتماعي لألمم املتحدة ليشكل أول خطوة هتدف إىل وضع سياسة عاملية لبيئة اإلنسان آخذة بعني االعتبار عامل الفقر كمسبب للمشكالت البيئية حيث ركزت مناقشاته على النقاط التالية: يعيش سكان العامل يف بيئة يسودها الفقر واألمية والبؤس وسوء التغذية ( )28مما يستدعياالستعجال يف إجياد احللول هلذه املشكالت من خالل تضييق الفجوة بني دول الشمال الغين ودول اجلنوب الفقري واعتماد نظام اقتصادي جديد. شكوى الدول النامية من االستغالل املفرط ملواردها من طرف الدول املتقدمة إذ تسعىإىل حتقيق التنمية على حساب البيئة مما استدعى اعتماد مبدأ اإلمناء البيئوي "من خالل إدراج االعتبارات البيئية ضمن اهتمامات العمل اإلمنائي. ضرورة االهتمام ابملشكالت السكانية واإلشارة إل أن كافة اإلسرتاتيجيات اإلمنائية سوفتواجه صعوابت ابلغة إذ مل ينجح العامل يف خفض معدالت التزايد السكاين ( ،)29وهبذا يكون هذا املؤمتر قد أدرج موضوع الفقر ضمن اهتماماته األساسية لتحقيق محاية بيئة اإلنسان. -2مؤمتر نريويب :عقد بكينيا بني 10و 18ماي 1982يتكفل من األمم املتحدة ومت التطرق فيه إىل املسائل املتعلقة ابلبيئة والتنمية وكذا االرتفاع احملسوس لسكان العامل ،ال سيما دول العامل الثالث ،ودعى املؤمتر إىل بذل اجلهود والتعاون الدويل واإلقليمي يف هذا اإلطار للحد من انتشار الفقر والتلوث ،حيث غالبا ما يصبح الفقر واألمية واملرض والقذارة وسوء التغذية ،املنتشرة على نطاق واسع واليت نكبت هبا نسبة كبرية من سكان العامل سببا للضغط والتوتر والصراع على الصعيد االجتماعي وتبعا لذلك اعتمد إعالن نريويب ملساعدة الدول النامية ماداي وتقنيا وعلميا ملعاجلة التصحر واجلفاف ومكافحة الفقر وحتسني أوضاع البيئة ( ،) 30لكن مل متضي فرتة من الزمن حيث أصبح أكثر بنود إعالن نريويب دون تنفيذ رغم اجلهود الدولية واإلقليمية اليت بذلت حينذاك ،وأن األسباب الدولية الكامنة وراءه تعود إىل الصراع الدويل وانقسام العامل وشل حركة األمم املتحدة اليت أنيط هبا إعالن نريويب وآلية التنفيذ (.)31 -3املؤمتر العاملي للبيئة والتنمية :أو ما مسي "بقمة األرض" عقد بني 3و 14جوان 1992بـ "ريو دجيانريو" ابلربازيل وقد حضرته 185دولة برعاية األمم املتحدة ابإلضافة ملنظمات دولية وإقليمية وحملية هتتم بشؤون البيئة وعرف هذا املؤمتر مشاركة متنوعة بني شيوخ قبائل ،برملانيون ،علماء ،رجال إعالم...إخل ،وهو يدل أن قضية البيئة والفقر أضحت قامسا مشرتكا حيرك مجيع الشعوب والدول مبختلف الفئات االجتماعية ووجهاهتم العلمية. وقد كان من أهم أسباب انعقاد املؤمتر هو السعي حلماية البيئة من التلوث من خالل توحيد الرؤية بني دول الشمال الغنية وبني دول اجلنوب الفقري واملتواجد معظمها يف أمريكا الالتينية وإفريقيا وجنوب آسيا ،حيث أن املشاكل اليت هتم دول الشمال الغنية كمكافحة التلوث ستكون اثنوية ابلنسبة لدول اجلنوب الفقرية واملتخلفة مقارنة ابجلوع والتضخم السكاين وقلة املوارد واحلاجة إىل املال ،ومبا أن دول اجلنوب الفقرية تساهم يف زايدة التلوث يف األجواء واألهنار والبحار ألهنا هتدر ثرواهتا الطبيعية مثل قطع أشجار الغاابت واستعمال األخشاب يف التدفئة والوقود لعدم امتالكها الوسائل التكنولوجية والعلمية فإهنا بذلك تدمر البيئة واملرتتبة على الدورة الطبيعية يف احلياة اليومية ،وسوف يشكل عائقا أمام التخلص منها أو التوقف عن التسبب هبا والذي قد يكون هذا التسبب أيضا لدولة ما، مصدر فائدة هلا أو الوسيلة الوحيدة املتوفرة ملعاجلة حاجة أخرى(.)32 وهبذا لنا أن نتساءل كيف تطلب الدول الغنية من الدول الفقرية محاية البيئة طاملا شعوب هذه الدول يشغلها هاجس أتمني لقمة العيش ابستمرار؟ وقد اتضح من خالل املؤمتر أن األمناط التنموية السائدة يف دول الشمال املتقدم املعتمدة على الصناعة والتكنولوجيا املفرزة للنفاايت ال سيما الكيميائية وما إىل ذلك ،كما أن غياب التنمية يف دول اجلنوب يساهم ابلقدر نفس من اإلجهاد للطبيعة واإلضرار ابلبيئة( ،)33وقد نتج عن هذا املؤمتر التوقيع على اتفاقيتني: - االتفاقية اإلطارية بشأن تغري املناخ. اتفاقية حفظ التنوع البيولوجي. كما صدر عنه وثيقة عمل مسيت جبدول أعمال القرن احلادي والعشرين املتضمنة 27مبدأ ومن بينها القضاء على الفقر من خالل املبدأ ،5حبيث جند أن هذا األخري أكد على ضرورة تعاون الدول والشعوب من أجل القضاء على الفقر كشرط ال بد منه للتنمية املستدامة. حيث مت إنشاء جلنة التنمية املستدامة ذات الطابع احلكومي الدويل إذ تتكون من 59عضوا وتعمل على مراقبة وتنسيق األعمال بني الربامج املرتبطة ابلبيئة والتنمية داخل نظام األمم املتحدة(.)34 ورغم جناح هذا املؤمتر إال أن سلبياته جتلت يف النزاع بني الدول الصناعية والدول النامية والفقرية املنتجة للمواد األولية فقد جاءت الدول الصناعية الغنية إىل املؤمتر بشعار "امللوث يدفع الثمن" وكانت هتدف إىل تكليف الدول املنتجة للنفط دفع ضريبة الكربون ومنع الدول الغاب ية من قطع أشجارها وهذا ما رفضته هذه األخرية ألنه مبثابة قطع لرزقها ومورد عيشها(.)35 -4مؤمتر األمم املتحدة للتنمية املستدامة :عقد يف مدينة جوهانسبورغ جبنوب إفريقيا من 26جوان إىل 4جويلية 2002إبشراف األمم املتحدة بغية حتسني مستوى معيشة األفراد، ومكافحة الفقر وكذا احملافظة على املوارد الطبيعية يف خضم النمو السكاين الكبري ،من خالل جعل الدول تعيد النظر يف أمناط إنتاجها واستهالكها وإلزامها بتحقيق منو اقتصادي سليم بيئيا ،وكذا توسيع التعاون يف جمال اخلربات والتكنولوجيا واملوارد بني هذه الدول وتطبيقا ملا تضمنته أجندة القرن 21حول ضرورة إدماج خمتلف الفئات االجتماعية يف محاية البيئة وحتقيق عملية التنمية املستدامة مبا يف ذلك النساء ،الشباب واألطفال ،اجلماعات األصلية واجملموعات احلكومية...إخل( )36فقد حضر كل هؤالء فعاليات هذا املؤمتر إىل جانب رؤساء احلكومات والدول. وبعد هذا املؤمتر مبثابة امتداد ملؤمتر ريودجيانريو ،1992كونه يراجع حوصلة ما مت تقدميه وحتقيقه من أجندة القرن 21ومدى وفاء الدول ابلتزامها لتحقيق التنمية املستدامة. وقد هدف املؤمتر إىل - :الرتكيز على تقليص الفجوة بني الشمال الغين واجلنوب الفقري وأمهية التضافر الدويل للقضاء على آفة الفقر كوهنا عدو للتنمية املستدامة. -وضع اتفاقية عمل بني الدول لتحقيق التنمية املستدامة. وهبذا يكون املؤمتر قد أدرج مكافحة الفقر كهدف أساسي له إضافة إىل كونه عائقا أمام التنمية املستدامة اليت تشري حسب جلنة Brundtllandإىل نظام تنمية يليب احتياجات األجيال احلضارة دون أن تؤثر على قدرة األجيال املقبلة يف تلبية حاجاهتا ( ،)37وهبذا فهي ترتكز على ضرورة حتديد أهداف التنمية االقتصادية واالجتماعية ،حبيث يكون هلا بعد استمراري يف املراحل املستقبلية ،فضال عن إشباع احلاجات األساسية وحتسني مستوايت احلياة دون اإلضرار ابلبيئة ومكوانهتا وميكن ترمجة ذلك وفق املعادلة التالية: التنميــة املستدامـة = احلمــايــة +التط ــور حيث تتفاقم العوامل التالية :العوامل االجتماعية (العادات والتقاليد ،القيم الدينية) والعوامل االقتصادية (حاجات اإلنسان األساسية) والعوامل البيولوجية (املصادر الطبيعية). واملالحظ هو أن الفقر قد ورد يف الوثيقتني املنبثقتني عن املؤمتر بشكل واضح حيث ورد يف: الوثيقة األوىل :واليت تتعلق خبطة التنفيذ وتسمى "مشروع خطة التنفيذ املعدة من أجل مؤمتر القمة العاملي للتنمية املستدامة" واليت متثل برانمج عمل للسنوات العشر القادمة وذلك لتنفيذ أجندة القرن 21والصادرة عن قمة األرض ابإلضافة إىل األهداف التنموية الدولية اليت تضمنها إعالن وقمة األلفية الصادرة عن األمم املتحدة 2000مبدأ اإلجراءات االحرتازية وهو املبدأ رقم 15من أجندة القرن .21 -القضاء على الفقر :إذ ميثل استئصال آفة الفقر التحدي األكرب الذي يواجه العامل اليوم وهو إحدى األهداف األساسية للمؤمتر وقد تضمن هذا اجلزء من وثيقة التنفيذ اهتمام خاص خبفض نسبة األشخاص الذين يقل دخلهم عن دوالر واحد يف اليوم وعدد األشخاص الذين يعانون اجلوع إىل النصف حبلول عام 2015وإنشاء صندوق تضامن عاملي ملساعدة البلدان النامية ولكن دون حتديد قيمة املبالغ. علما أنه مت معارضة إنشاء هذا الصندوق من قبل الدول املتقدمة (االحتاد األورويب) ولكن جمموعة 77والصني أصرت على وجود تلك الفقرة اليت حتفظ حقوق الفقراء يف عيش كرمي. كما عربت الوثيقة الثانية عن قلقها إزاء أمور عديدة تواجه الدول النامية أمهها مشكلة الفقر والتخلف وتدهور البيئة ،حيث أن موضوع حتقيق األمن الغذائي للبشر يشكل جزءا حيواي من الكفاح من أجل القضاء على آفة الفقر وصون كرامة اإلنسان(.)38 وفيما خيص املالحظات العامة عن املؤمتر ،فقد جاءت ردود أفعال متناقضة حول جناحه الذي تؤكده اهليئات احلكومية ،بينما تؤكد اهليئات واملنظمات غري احلكومية على فشله ابعتباره مل يقدم حل فعلي للتقليص من الفقر أو حىت التوصل إىل اتفاق فعال حول مكافحته ابإلضافة إىل املواضيع املتعلقة ابنتشار األمراض واحلروب والفساد. )4البعد البيئي يف إسرتاتيجية مكافحة الفقر: إدراكا من اجملتمع الدويل حلقيقة العالقة بني الفقر والبيئة ،ظهرت مشاريع وجتارب حاولت التوفيق بني تلبية االحتياجات األساسية ومحاية البيئة ،وقد نظم اإلحتاد الدويل للطبيعة يف هذا السياق مؤمتر حول "التنوع البيولوجي والتعاون األورويب للتنمية وهذا من 19 إىل 21سبتمرب 2006حضره 400مشارك ميثلون خمتلف احلكومات واجملتمع املدين ،وقد انتهى "بنداء ابريس" املتضمن العمل على متكني الفقراء من تيسري مواردهم الطبيعية خاصة وأن الثروات واملوارد الطبيعية متثل حوايل %25من مداخيل الدول ذات الدخل الضعيف يف اخلدمات املقدمة من طرف ( )39وقد أبدى املشاركني قلقهم خبصوص املالحظ األنظمة البيئية بفعل تناقص التنوع البيولوجي ككل والذي من شانه هتديد التنمية املستدامة يف احلد من الفقر لصاحل كل كائن خصوصا وأن أهداف التنوع البيولوجي هو املسامهة على وجه األرض". وقد خلص املؤمتر إىل ضرورة إيالء البيئة أكثر اعتبارا يف التنمية ويف إسرتاتيجيات خفض الفقر ،حيث مت حتديد مجلة من األنشطة والتحدايت أمهها حتدي اإلدماج الرامي إىل: ترقية التنمية املستدامة يف املناطق الريفية وذلك ابستخدام التنوع البيولوجي كرأمسال للحد من الفقر مع التخفيض من املخاطر وحتسني التغذية والصحة. إدماج املسائل البيئية يف إسرتاتيجيات احلد من الفقر وكذا وسائل السياسات االقتصادية الشاملة مع متابعة التطور احلاصل يف ذلك اجملال من أجل أن تصبح تلك السياسات عملية. فيما كان التحدي الثاين هو نظام احلكم من خالل: إدخال إجراءات فعلية يف وثيقة اإلسرتاتيجيات الوطنية وسياسات القطاعات اليت تسمحبدعم االعرتاف الصريح حبقوق سكان األرايف والسكان األصليني يف تسيري املوارد الطبيعية واالستفادة منها. بينما كان التحدي الثالث يكمن يف أدوات ترابط السياسات من خالل: االستغالل الكلي للفرص اليت متثلها األدوات املتاحة مثل الدعم املايل. تشجيع االستعمال املنهجي واملنظم للتقييمات البيئية اإلسرتاتيجية. دعم التنمية واملعارف والبحث املشرتك.فضال عن هذا ميكن إدراج البعد البيئي يف إسرتاتيجية مكافحة الفقر من خالل: فهم ظاهرة الفقر وقياسها وتقييمها وفق كل جمتمع. دعم سبل املعيشة املستدامة من خالل زايدة فرص التشغيل يف املناطق الريفية والبلداتالنائية واجملتمعات احمللية وهي أكثر فئات اجملتمع تعرضا للفقر مع مراعاة اخلصائص البيئية هلذه املناطق وبصيغة أخرى اعتماد أسلوب معيشة مع األخذ بعني االعتبار النشاطات البيئية يف اجملتمعات احمللية ملكافحة الفقر مع تقوية دور املنظمات احمللية غري احلكومية كاجلمعيات. ضمان حصول الفقراء على عناية كافية وحتسني أوضاعهم الصحية ال سيما وأن الفقراءهم أكثر فئات اجملتمع تعرضا وأتثرا للتلوث البيئي. دعم متويل املشاريع املصغرة ودعم األسر املنتجة ومتدنية الدخل. ضمان استجابة النظام التعليمي الحتياجات الفقراء. زايدة الوعي العام ابجلهود املبذولة للحد من الفقر وتفعيل ذلك من خالل خمتلف الوسائلاإلعالمية(.)40 وقصد توضيح الرؤية نورد مناذج لبعض املشاريع املدرجة للبعد البيئي يف مكافحة الفقر ونذكر يف هذا اإلطار مشروع منوذجي يف جمال السياحة البيئية مبراكش املغربية منطقة اتنسيفت – إىل املسامهة يف احلوز ،حيث أجنز مركز التنمية ملنطقة اتنسيفت مشروعا يسعى تكوين فئة مهنية وهم املرشدين واملرافقني ابجلبل يف جماالت مخسة هي املعارف العلمية، التاريخ والرتاث ،الفالحة التقليدية واملهارات احمللية ،العالجات األولية والوقاية إضافة إىل السياحة البيئية والتواصل واستقبال ومرافقة الزوار والسياح. كما نذكر املشروع اهلادف إىل تدبري أفضل للموارد الطبيعية إبقليم احلوز اليت تعترب األكثر فقر ابملغرب حسب مؤشرات التنمية واستهدف هذا املشروع العمل على 12دوارا بوادي أكونديس الذي يشكل رافد الضفة اليمىن لواد نفيس حيث متحورت أنشطة هذا املشروع حول أربعة أصناف من املواضيع: يف -1التقلي ص من استغالل اخلشب من خالل تشجيع استعمال الطاقة املتجددة يف إعادة تشجري تدفئة األماكن واملاء الصحي وطبخ املواد الغذائية وإشراك السكان األحراش احملاذية للقرى. -2أتهيل األعشاب العطرية والطبية وصيانة التنوع الطبيعي الفالحي زايدة على وضع دليل للممارسة جين وغرس األعشاب العطرية والطبية. -3إنعاش القدرات البيئية والثقافية يف جمال السياحة البيئية. -4أنشطة مهيكلة لقدرات الفاعلني احملليني يف تدبري املوارد الطبيعية على التدخل والدفاع عن ذلك من خالل تكوين الفاعلني احملليني يف جمال معرفة التنوع الطبيعي وإجياد احللول للمشاكل(.)41 وال يفوتنا يف هذا اإلطار اإلشارة إىل مشروع محلة لزراعة مليار شجرة ملكافحة التغيري املناخي والفقر( )42الذي أطلقته الناشطة الكينية اإلفريقية احلائزة على جائزة نوبل للسالم "واجناري مااثي" 66سنة ،حيث قامت حركة احلزام األخضر اليت تتزعمها بزارعة حنو 30مليون شجرة يف أحناء إفريقيا هبدف إبطاء وترية إزالة الغاابت والتعرية من جهة ومن جهة أخرى مكافحة الفقر وتفاديه ،وشعارها يف هذا هو "عددان يبلغ ست مليارات ولذلك فإنه إذا قام كل واحد منا بزارعة شجرة فسوف نصل بكل أتكيد إىل اهلدف العام املرجو وهو إنقاذ كل البشرية". وقد أثبتت اللجنة املاحنة جلائزة نوبل للسالم على عملها ابعتباره خطوة مساعدة على القضاء على الفقر وجتنب صراعات حمتملة على مواد البناء النادرة وحطب الوقود، وشجعت األمم املتحدة تلك املبادرة دون تقدمي أي متويل مادي هلا. اخلامت ــة: وصفوة القول فإنه ليس مثة اتفاق على أن مصاحل الفقراء ومصاحل البيئة يتعارضان أو يتكامالن من انحية املنطلق ،إذ أن املمارسة الفعلية هي اليت حتكم هذه العالقة وحتددها، وكما يعمل بعض الفقراء نتيجة انعدام أو تدين الدخل ابلتأثري السليب على البيئة ،فإن أساليب التنمية املستدامة متكن من التوفيق بني احتياجات هؤالء الفقراء واحتياجات البيئة وهو ما ميثل جوهر التنمية املستدامة ،ال سيما إذا مت إدراج البعد البيئي ضمن إسرتاتيجيات مكافحة الفقر واألخذ بعني االعتبار التجارب القابلة للتكرار والتطبيق يف عدة أماكن يف العالـم. املراجع واهلوامش: -1عاطف غيث حممد" ،قاموس علم االجتماع" ،اهليئة املصرية العامة للكتاب ،مصر، ،1997ص 342. -2املرجع السابق ،نفس الصفحة. -3حممد سليمان الضبعان" ،ظاهرة الفقر" ،موقع .www.islamonline.net -4ابتر حممد علي وردم" ،العوملة ومستقبل األرض ،األهلية للنشر والتوزيع ،عمان، ،2003ص 88. -5ابتر حممد علي وردم ،مرجع سابق ،ص .88 -6املرجع السابق ،ص .89 -7حممد سليمان الضبعان" ،مرجع سابق. 8- ZANON Slimane, "Population et environnement au Maghreb", Académia, Belgique, 1995, P 24. -9إبراهيم سليمان عيسى" ،تلوث البيئة" ،دار الكتاب احلديث ،اجلزائر ،ط،2000 ،2 ص 7. 10- ZANON Slimane, Opcit, P 24. -11سيد أمحد غريب وآخرون" ،دراسات أسرية وبيئية" ،دار املعرفة اجلامعية ،مصر، ،1997ص85. -12عبد احلكيم الصعيدي" ،البيئة يف الفكر اإلنساين والواقع اإلمياين" ،الدار املصرية اللبنانية ،مصر ،1996 ،ص39. -13حممد صربي" ،البيئة الطبيعية" ،دار الفكر العريب ،مصر ،1996 ،ص 26. -14مسيت جلنة Brundtlandنسبة إىل رئيستها النروجيية جرو بروتنالند ،وقد شكلت يف تقريرها هذه اللجنة عام 1984وهي اليت أشاعت استخدام مفهوم التنمية املستدامة اجلوهري "مستقبلنا املشرتك" العام .1987 -15أمحد عبد الوهاب عبد اجلواد" ،التكافل االجتماعي البيئي ،الدار العربية للنشر والتوزيع ،القاهرة ،2001 ،ص 49. -16املرجع السابق ،ص .50 -17املرجع السابق ،ص 81. -18ابتر حممد علي وردم ،مرجع سابق ،ص 119. -19وزارة هتيئة اإلقليم والبيئة" ،املخطط الوطين لألعمال من أجل التنمية املستدامة"، ،2001ص 30. -20وزارة هتيئة اإلقليم والبيئة" ،تقرير حول حالة ومستقبل البيئة يف اجلزائر،"2000 ، مطبعة النخلة ،ص 104. -21ابتر حممد علي وردم ،مرجع سابق ،ص 87. -22ابتر حممد علي وردم ،مرجع سابق ،ص 117. -23املرجع السابق ،ص88. -24أمحد عبد الوهاب ،مرجع سابق ،ص52. -25ابتر حممد علي وردم ،مرجع سابق ،ص 120. -26املرجع السابق ،ص120. -27املرجع السابق ،ص86. -28غازي أبو شقرا" ،املشكالت البيئية والرتبية على املستويني الدويل والعريب" الرتبية اجلديدة ،العدد ،1981 ،23ص 80. – 78 -29املرجع السابق ،ص 81. -30عامر حممود طراف" ،أخطار البيئة والنظام الدويل" ،املؤسسة اجلامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،لبنان ،ط ،1998 ،1ص82. -31املرجع السابق ،ص 81. -32املرجع السابق ،ص 87. -33سيد أمحد غريب وآخرون ،مرجع سابق ،ص 137. 34- Ministère de l'aménagement de territoire et de l'environnement, "Glossaire de l'environnement et développement durable", Mars, 2004, P155. -35فتحي دردار" ،البيئة يف مواجهة التلوث" دار األمل ،تيزي وزو ،اجلزائر،2002 ، ص 132. -36وهذا خيص املبادئ 20ن 22 ،21من أجندة القرن 21. 37- Ministère de l'aménagement de territoire et de l'environnement, Opcit, P6. -38إميان املطريي" ،مؤمتر القمة العاملي للتنمية املستدامة (جوهانسبورغ) ،حبوث وتقارير، موقع..comwww.greenline : -39التحكم يف يف الطبيعة يساهم يف حماربة الفقر ،قضااي وأحداث بيئية ،موقع: .www.beeaty.tu/indesc -40مشاريع منوذجية للتنمية وحماربة الفقر ،موقع: .www.maroc-ecologie.net -41ابتر حممد علي وردم" ،البعد البيئي يف إسرتاتيجية مكافحة الفقر" ،األردن24 ، جويلية ،2006موقع.www.fao.org : -42محلة لزراعة مليار شجرة ملكافحة التغري املناخي والفقر" ،قضااي وأحداث بيئية ،موقع: .www.beeaty.tu/indesc
© Copyright 2026 Paperzz