عنوان المداخلة :مشكلة البطالة في الفكر اإلقتصادي مع اإلشارة إلى برامج اإلصالح اإلقتصادي في الجزائر الدكتور /مقدم عبيرات .أستاذ محاضر.عميد كلية االقتصاد و علوم التسيير األستاذ /ميلود زيد الخير .أستاذ مساعد .رئيس قسم اإلعالم االلي للتسيير . جامعة عمار ثليجي -األغواط مقدمة : تعاني جل اقتصاديات العالم من البطالة التي باتت تهدد تماسك واستقرار المجتمعات خاصة في الدول النامية، لما ينتج عنها من آثار سلبية تنعكس على الجانب االجتماعي بالدرجة األولى ،ثم الجانب االقتصادي الذي سيحرم من طاقات بشرية تصنف ضمن الط اقات المعطلة .بينما االستغالل األمثل لها من شأنه أن يدفع عجلة التنمية إلى األمام للخروج من أزمة الفقر والتخلف التي تميز هذه الدول .ومما زاد األزمة استفحاال اتساع هوة االختالالت الهيكلية القتصادياتها .مما استدعى الشروع في سلسلة من اإلصالحات غالبا ما تفرضها مؤسسات التمويل الدولية قصد إنعاش اقتصادياتها من جديد ،في إطار سياسة انكماشية تركزعلى إدارة الطلب الكلي ،وترشيد اإلنفاق العام .الشيء الذي سينتج عنه بالضرورة تراجع حجـم االستثمارات العمومية ،ومحاولة تخلص الدولة من وظائفها المؤثرة في خلق مناصب الشغل ،خصوصا وأن جلها كان يوفرها القطاع العام على األقل لحالة الجزائر. لعل من بين األسباب الموضوعية التي أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة بالجزائر تبنيهـا لبرنامـج التعديـل الهيكلي الذي بموجبه تعمل على تطبيق نظام الخوصصة بمختلف أشكالها ،حيث تتنازل الدولة عن المؤسسات العمومية لفائدة القطاع الخاص في إطار تعميق اإلصالحات االقتصادية التي شرعت فيها منذ سنوات ،بداية من استقاللية المؤسسات الممتدة إلى نهاية الثمانينات من القرن الماضي ،وانتهاءا ببرنامج التعديل الهيكلي تمهيدا للدخول إلى اقتصاد السوق. تعالج هذه الورقة موضوع البطالة الذي ضل محور اهتمام المفكرين االقتصاديين على تعدد المدارس التي ينتمون اليها ،واختلفت الرؤى في ذلك باختالف المبادئ و العصور التي عايشوها بل امتد االهتمام الى الخبراء االقتصاديون و بعض المنظمات الدولية و حتى رجال الساسة في محاولة منهم لتفسير الخلل القائم في سوق العمل وطرح البدائل الممكنة لمعالجة هذا الملف الثقيل الذي بات يهـدد استقرار و استمرارية تشكيل هذا العالم ،وتتفق جل هذه اآلراء تقريبا على أن تحسين أوضاع التشغيـل مرتبط باآلداء االقتصادي االيجابي و مدى النمو الذي يحققـه ،اذ أن ذلك بمثابة المنشط المسارع للدورة االقتصادية وما تتضمنه من زيادة في حجم االستثمارات المولدة لفرص العمل ،وللتوضيح أكثر سنحاول التطرق في هذه المداخلة إلى نظرة الفكر اإلقتصادي للبطالة ،وكذا مضمون سياسة اإلصالحات اإلقتصادية وأثرها على البطالة والتشغيل من خالل النموذج التقليدي ونموذج الترشيد الكمي ، كماسنعرج أيضا على أسباب البطالة في الجزائر وسبل معالجتها في إطار برنامج التعديل الهيكلي ،وسنختم ذلك بنتائج و توصيات. .Iالبطالة في الفكر اإلقتصادي وسبل عالجها : - 1النظرية االقتصادية و مفهوم البطالة : تعتبرالبطالة من أهم التحديات التي واجهت و تواجه اقتصاديات العالم لكونها مشكلة ذات أبعاد تاريخيـة وجغرافية بمقدارارتباطها بمراحل التطوراالقتصادي .وقد حظي هذا الموضوع باهتمام المفكرين االقتصادييـن على اختالف مذاهبهم و أفكارهم من فترة زمنية إلى أخرى .ولعّل تنوع أشكال البطالة هو أحـد العناصـر المفسرة لتعدد التحاليل حول فهمها وتفسيرها،وسوف يتم عرض أهم هذه األفكار بشيء من اإليجاز فيما يلي : أ -البطالة عند الكالسيك :يركز الكالسيك في تحليلهم على المدى الطويل ،حيث يربطون البطالة بالمشكلة السكانية وبتراكم رأس المال والنمواالقتصادي والطاقات اإلنتاجية لالقتصاد .كما يرتكزاهتمامهم بالبعد االجتماعي والسياسي للظاهرة االقتصادية ،إذ يؤمن الكالسيك بمبدأ التوازن العام ،الذي يعنى أن "كل عرض سلعي يخلق الطلب المساوي له " ،1أوما يسمى بقانون المنافذ عند "ساي". فالتبادل في التحليل الكالسيكي يكون على أساس المقايضة وال مكان للنقود فيه ،بمعنى آخـر :تسـاوي االدخار واالستثمار واستحالة حدوث البطالة على نطاق واسع ،ذلك أن التوازن االقتصادي هو توازن التوظيـف الكامل. في حين أن البطالة التقليدية تنشأ عن عدم كفاية عرض السلع لكون إنتاج المؤسسات اقـل مـن الطلـب نتيجـة النخفاض معدالت األرباح بسبب إرتفاع األجور ،وهو ما يعني أن القائمين على خطط االستثمارسوف لن يرفعون من مستوى استثماراتهم القادرة على زيادة التشغيل تجنبا لتضخيم التكاليف ،و تعزى البطالة أيضا في نظر الكالسيك إلى العمل الخاطئ لسوق العمل ،وفي حالة وجودهـا فـان آليـة األجور كفيلة باستيعاب اليد العاملة العاطلة ،ذلك أن تخفيض هذه األخيرة سيرفع مستوى األرباح ،وهوما يشكل حافزا لزيادة االستثمار وبالتالي رفع مستوى التشغيل ،خصوصا في ظل التنافس على منصب العمل والقبـول بمستوى األجور السائدة .نستنتج من ذلك أن األجورهي عامل أساسي في آليات سوق العمل ،إذ أنها تؤثرعلى عرض وطلب العمل في آن واحد . ب -البطالة عند النيوكالسيك :لقد اعتمد تحليل النيوكالسيك على نظرية "التوازن العام" الذي يتحقق في سوق السلع والخدمات وسوق العمل نتيجة إلرتباط حجم العمالة بالعرض والطلب على العمل. ويرتكزهذا التحليل على بعض الفرضيات المستمدة من شروط المنافسة التامة (السوق الحرة) ومن أهمها :تجانس وحدات العمل ،حرية تنقل اليد العاملة ودورالمنافسة في شراء وبيع قوة العمل مثل: بيع وشراء السلع وأن حجم اليد العاملة مرتبط بعرض وطلب العمل في السوق. ومهما يكن من أمر فإن النظرية النيوكالسيكية افترضت حالة التوظيف التام ،ولم تولي للبطالة اهتمامـا كبيرا بسبب تبنيها لقانون "ساي" لألسواق ،كما أن فرضية وجود المنافسة التامة ال تتحقق في الواقع ،إضافـة إلى أنها اعتبرت أن التغير التكنولوجي هو متغير خارجي يتطوربشكل منعزل عن مستوى التطور االقتصادي، لكن الواقع يثبت عكس ذلك إذ أن استخدام التكنولوجيا هو أحد العوامل األساسية لإلنتاج ألنه يرفع من حجمـه بأقل التكاليف ،و بالتالي فإن تشغيل اآلالت قد يؤثر على حجم العمالة إذ تحل اآللـة محل العامل في أحيان كثيرة. ج -البطالة في الفكر الماركسي :ينتقد الفكر الماركسي النظام الرأسمالي الذي يجزم بأن البطالة هي حالة عرضية ،و نادرة الوقوع بسبب وجود آلية السوق التي تعيد التوازن بشكل تلقائي عن طريق تفاعل قوى العرض والطلب ،وكل بطالـة هـي ناتجة عن :الزيادة الهامة في حجم السكان كنتيجة حتمية للتطورات التقنية ).(les progrès techniques أما بالنسبة للماركسيين فإن األزمات ماهي إال مظهر من مظاهر نقص االستهالك لدى الطبقة العاملة، ألن قيمة األجور ال تتساوى وقيمة اإلنتاج .أي أن الرأسمالية تنتج أكثر مما تدفع من أجور ومما يزيـد األزمـة تفاقما هو" أن تعمد الرأسمالية بفضل قانون االرتفاع المستمر في التركيب العضوي لرأس المـال ) (C/Vإلى إحالل اآلالت محل اليد العاملة ،فتلقي بالعمال إلى البطالة ،مما يعني فقدان العامل لقوة شرائه " .2وعليه فإن "البطالة هي نتيجة لزيادة إنتاجية العمل في األنظمة الرأسمالية للتراكم" .3أما بالنسبة لحجـم التشغيـل فإنه يرتبط أساسا بمعدل الربح الذي يحققه أرباب العمل ،إذ أنهم يحولون دون إنخفاضه من خالل زيادة إنتاجهم الشيئ الذي يؤدي إلى فائض في اإلنتاج ،خاصة أن التقدم التقني يتطلب رأسمال أكثر يأكل الجزء المخصـص لألجور .وبالتالي فإن العمال سوف يستمرون في إنتاج رأس المال وتحقيق تراكمه، بمعنى أنهم ينتجون بأنفسهم أداة إحالتهم للبطالة. د-تفسير البطالة عند المدرسة الكينزية :يتحقق التوازن عند الكينزيين نتيجة للتوازن في سوق السلع والخدمات ،وسوق النقد في آن واحد اذ أن الطلب على العمل دالة متناقصة بداللة الدخل ،وأن تعظيم األرباح يتطلب تساوي اإلنتاجية الحديـة للعمـل مع معدل األجر الحقيقي .أي أن انخفاض معدل األجورالحقيقية يمكن أن يتيح ارتفاعا في الطلـب علـى العمـل وبالتالي حجم العمالة ،أماعرض العمل فإنه مرتبط بمعدل األجر االسمي ) ،(Wألن العمال يقعون في فخ الوهم النقدي ،حيث يعتبرون أن كل زيادة في األجر االسمي هي زيادة فعلية في مداخيلهم بسبب جهلهـم لمستـوى األسعار .وقد وجد كينز أن تطور الرأسمالية يصطدم بتناقضات حادة ال يمكن أن تزول عفويا مثل البطالة الجماهيرية المتزايدة ،وعدم كفاية الطلب على البضائع ،مما يؤدي إلى عدم تطابقه مع العرض آليا. من ناحية أخرى ،يرفض كينز آلية األجور كسبب للبطالة ،ألن انخفاضها سيؤدي إلى انخفـاض دخل العمال .وبالتالي انخفاض الطلب على السلع مما يعقد مشكلة تصريف السلع باألسواق .وعليه فإن سر وجـود البطالة يكمن فيما يلي :لقد الحظ كينز أن حالة التوظيف الكامل ما هي إال حالة خاصة جدا ،وأن الطلب الكلي الفعال هوالمحدد للعرض الكلي ،ومن أجل زيادة تشغيل العمال يجب رفع حجم هذا الطلب ،والذي بدوره ينقسم إلى طلب على السلع االستهالكية وطلب على السلع االستثمارية . فالكالسيك و النيوكالسيك ينظران إلى االدخار واالستثمار أنهما وجهان لعملة واحدة والتعادل بينهمـا أمـر بديهي .أما كينز فقد أدخل العوامل المؤثرة عليهما ،وبالتالي فإن كل اختـالل بينهمـا يـؤدي إلـى حـدوث االضطرابات في دورة الدخل القومي مع احتمال وقوع الكساد ،وفي حالة افتراض أن حجم االدخار أكبـر من حجم االستثمار ،فإ ن الطلب الكلي الفعال سيقل عن العرض الكلي و بالتالي يتزايد مخزون السلع و يتراكم ،مما يؤدي إلى انخفاض األسعار الذي ينتج عنه انخفاض في األرباح وفي الناتج ،وبالتالي تتزايد الطاقة العاطلة وتحـدث بطالة ،الشيء الذي يؤدي إلى انخفاض الدخل الوطني . أما في حالة ما إذا كان حجم االستثمار أكبر من حجم االدخار فإن الطلب الكلي الفعال سيكون أكبر من العرض الكلي ،وعليه سوف ينخفض مستوى مخزون السلع ،و تتزايد المبيعات ،وترتفع األسعار واألرباح،وإذا كانت هناك طاقات إنتاجية عاطلة سوف يلجأ المنتجون لتشغيلها وهذا االنتعاش في االستثمار يؤدي إلى زيادة في تشغيل عدد العمال وبالتالي تقل البطالة ولرفع مستوى االستثمارات يرى كينز ضرورة تدخل الدولة من خالل سياسة استثمارية عامة لتعويض نقص االستثمارات في القطاع الخاص ،ويرى أيضا أن نقص االستخدام ليس عارضا ،بل ممكنا وغالب الوقوع ،وبالتالي يجب استبدال آلية الدخل باألسعار ألن المستثمرين هم الذين يتوقعون الطلب الحقيقي ،و يقررون بناء توقعاتهم فيما يخص حجم اإلنتاج واليد العاملة الضروريـة للوصول إلى مستوى التوظيف الكامل كما يجب ،من خالل النقاط الثالثة التالية : توظيف كل المدخرات في شكل مشاريع تتيح فرص عمل جديدة، إتاحة الفرصة للمدخرين الستثمار أموالهم في المشاريع، التضحية باالستقرار النقدي وموازنة الدولة في بادئ األمر ،العطاء عملللعاطلين دون التمييز بيـن طبيعة العمل إذا كان منتجا أم ال . وفي هذا الصدد يقترح كينز أن يشغل العمال أوقاتهم في أعمال بغض النظر عن مردوديتها إذ أن المهـم حسب رأيه هو أن يتلقوا مدا خيل مقابل ذلك ،لتمكينهم من االستهـالك الـذي يضمـن تصريـف ما تنتجـه المؤسسات ،إذ يقول كينز " :إن من األفضل أن يدفع للعمال لقاء حفرهم خنادق في األرض ،وردمهـا من أن يبقوا بدون عمل" .ألن الدخل الذي سوف يتم توزيعه علىالعاطلين يرفع من مستـوى استهالكهـم ،ويحفـز المستثمرين على توسيع مشاريعهم وطلب يد عاملة إضافية الن الدخل كفيل بتعويض الخلل الواقع في البداية أي التضخم حسب كينز .وعليه فان البطالة الكينزية هي نتيجة لعدم كفاية الطلب الكلي ،وبالتالي فإن أرباب العمل في مواجهة مع قيد التوظيف ( .) Contrainte de débouche و إذا كان كينز قد أوضح أثر نمو االستثمارعلى الدخل ،فإن الكينزيين الجدد حاولوا تجديد معدل النمو الضروري الذي يجب أن يتحقق حتى يمكن تجنب البطالة والوصول إلى مستوى التوظيف الكامل للطاقـات اإلنتاجية والموارد البشرية ،انطالقا من نماذج النموالكينزية مثل :نموذج هارود ،كالدور ،جـون روبنسون، وغيرهم ،والتي استخدمت أدوات التحليل الرياضي في بناء و تحليل هذه النماذج ،مع إعطائهم البعـد الزمني أهمية خاصة في تحليل الظواهر االقتصادية .وبالتالي فاإلشكالية المطروحة هي " :البحث عن المعدل الذي يتعين أن ينمو به الدخل على المدى الطويل للمحافظة على التوظيف الكامل وتجنب البطالة والكساد". هـ -تفسير البطالة وفقا لمنحنى فيلبس :يرتكز اهتمام فيلبس على دراسة وتحليل سوق العمل في االقتصاد اإلنجليزي من خـالل دراسـته اإلحصائية للمجتمع البريطاني من 1861حتى ،1957حيث كشف وجود عالقة إحصائية قويـة بيـن نسبـة العاطلين إلى إجمالي السكان ،ومعدل التغييرفي أجرالساعة للعامل خالل مدة زمنية معينة ،بمعنـى أن الفتـرة التي تقل فيها معدالت البطالة ترتفع عندها األجور النقدية و العكس صحيح ،أو بمعنى آخـر وجـود معـدل ضعيف من البطالة يتناسب مع ارتفاع سريع في األجور االسمية و العكس بالعكس. وعلى هذا األساس تم التوصل إلى وجود دالة متناقصة بين المؤشرين وهو ما يعني " وجـود عالقة 4 تجريبية عكسية بين معدل ارتفاع األجر االسمي ومعدل البطالة". وقد ساهمت أبحاث كل من ر.ليبسي 1960 -R.Lipsey -وبـول سامويلسـون P. Samuelson. وسولو R.M-Solowبتطويرهذه الفكرة ،إذ أمكن التوصل إلى وجود عالقة عكسية بين معدل التضخم ومعدل البطالة ،وهوما يفسره منحنى فيليبس .الذي يمكن من خالله استخالص مايلي: أن ثمن خفض معدل البطالة هو ثمـن ذلك قبول معدل أعلى للتضخم.وعلى هذا األساس أصبحت معظم البرامج االقتصادية للدول الصناعية تختـار النقطة التي تفضلها على منحنى فيلبس وما تشير إليه من معدل معين للبطالة ومعدل معين للتضخم ،وتقوم بعد ذلك باختيار السياسة النقدية والمالية التي تحدد الطلب الذي يضمن تحقيق هذين المعدلين المرغوب فيهما. لكن ومع بداية السبعينيات لوحظ أن المستوى العام لألسعار ظل يتجه نحو االرتفاع المستمر ،في الوقت الذي تتزايد فيه معدالت البطالة .الشيء الذي شكل انتقادات الذعة لهذا المنحنى وقصوره على تفسير تزامـن البطالة والتضخم معا أوما يسمى بالركود التضخمي ). (Stagflation و -تفسير البطالة في النظريات النقدية :يفسر هذا التيار البطالة الدورية من خالل العوامل النقدية البحتة ،وأن عالجها يكمن في استخـدام أدوات السياسة النقدية ،ويضم هذا التيار مجموعة من المفكرين أمثال :هوتري ) ،(Howtreyفيكسل ) (Wiskellمن مدرسة شيكاغو .بإعطائهم للنقود أهمية بالغة في النشاط االقتصادي ،وأن كل التقلبات التي يعرفهـا االقتصـاد ناتجة عن تغير عرض النقود .كما أن زيادة تدخل الدولة في الحياة االقتصادية على النحو الذي شل من كفاءة آلية األسعارفي سوق العمل ،يعتبر من بين العوامل المفسرة للبطالة في نظرهم. ويؤكدون على أن تعطيل زيادة إعانات البطالة تعطل من فاعلية سوق العمل ،ألن العمال المستفيدين منها ال يبحثون عن العمل بجديـة. و بالتالي فالبطالة في نظرهم اختيارية وال مكانة للبطالة اإلجبارية في تحاليلهم ويرون أن مواجهة البطالة يكمـن في" :عدم تدخل الحكومات لحل هذه المشكلة وتركها لكي تحل نفسها بنفسها عبر آليات السوق" يرى فريدمان أنه ال يوجد منحنى فيلبس في شكله التقليدي إال في األجل القصير ،أما في األجل الطويل فإن هذا المنحنى يأخذ شكال مستقيما عموديا يحدد معدل بطالة طبيعية ،ويميز عدم كفاية السياسة االقتصاديـة لمحاربة البطالة إال في األجل القصير. ح -تفسير البطالةوفقا لظرية رأس المال البشري :من مؤسسيها Beher,Shultخالل الستينيات وبالتحديد في .1964اذ يفسر اختيار الوظيفة على أساس الفوائد التي يجنيها العامل من وراءها قصد تحسين إنتاجيته واالستفادة من أكبر دخل ممكن ،وبالتالي سيضحي األفراد بالوقت الضروري للتكوين من أجل رفع قدراتهم و مؤهالتهم ،باعتبار أن سوق العمل يبحث عن اليد العاملة المؤهلة .وعليه فإن االهتمام يرتكز على الوظيفة وليس 5 بمن يشرفون عليها. 6 ط-تفسير البطالة وفقا لنظرية تجزئة سوق العمل :ترتكز هذه النظرية التي ظهرت على يد D.B ، Doernberg , M.Pioreفي دراسة ميدانية لسوق العمل األمريكية خالل الستينيات ،التي تفسر أن قوة العمل األمريكية تتعرض لنوع من التجزئة علـى أسـاس العرق والنوع والسن والمستوى التعليمي .وتهدف النظرية الى ت فسير ارتفاع البطالة ،والكشـف عن أسبـاب ارتفاعها في قطاعات معينة ووجود ندرة في عنصر العمل في قطاعات أخرى .وعلى هذا األساس تميز النظرية بين خمسة أنواع من أسواق العمل وهي: السوق الداخلية ،السوق الخارجية ،السوق األولية ،السوق الثانوية ،و السوق الرئيسية. ي -نظرية البطالة الهيكلية :ظهرت هذه النظرية لتفسير معدالت البطالة المرتفعة في السبعينيات وزيادة التطورالتقني الـذي طـرأ على الصناعة ،فقد تعرضت بعض الفئات من العمال لظاهرة التعطل بسبب عدم قدرتها على التوافـق مـع األساليب ،الحديثة في الفنون اإلنتاجية .في حين ظهر فائض في فرص العمـل في أعمـال و مهـن أخـرى .وقد فسرت النظرية عدم التوافق بين فرص العمل المتاحة والمتعطلين بمجموعة من األسباب أهمها :عدم القدرة على االنتقال بمرونة من مكان آلخر ،االعتبارات الشخصية في تفضيل العمال ، و عدم توفير فرص تدريب مناسبة للعمال حتى يتمكنوا من القيام بأعمال جديدة. ز-نظرية اختالل التوازن : 7ظهرت على يد االقتصادي الفرنسي ،E.Malinvandكمحاولة لتفسير معدالت البطالة المرتفعة في الدول الصناعية خالل فترة السبعينيات .ويرتكز تحليله للبطالة على سوقين اثنين هما: سوق السلع و سوق العمل .وتبني هذه النظرية فرض جمود األسعار واألجورفي األجل القصير ،ويرجع ذلك الى عجزهما عن التغير بالسرعة الكافية لتحقيق التوازن المنشود .ونتيجة لذلك يتعرض سوق العمل لحالة االختالل متمثلة في وجود فائض في عرض العمل عن الطلب ،مما يقود إلى البطالة االجبارية. و ال تقتصر النظرية على البحث عن أسباب البطالة في اطار دراسة سوق العمل ،وانما تسعى أيضا لتحليلها من خالل دراسة العالقة بين سوق العمل وسوق السلع.اذ يمكن أن ينتج عنه نوعين من البطالة هما: النوع األول و يتميز بوجود فائض في عرض العمل عن الطلب عليه ،ويترتب على ذلك عدم قيام أصحاب العمل أو رجال األعمال بتشغيل عمالة اضافية لوجود فائض في االنتاج ال يمكنه وهو ما يتطابق مع التحلـيل الكينزي. و النوع الثاني في هذه الحالة تقترن البطالة في سوق العمل بوجود نقص في العرض من السلـع عن الطلب عليها ،وتكون أسباب البطالة في ارتفاع معدل األجور الحقيقية للعمال ،مما يدفع المستخدمبن الى عـدم زيادة كل من عرض السلع ومستوى التشغيل بسبب انخفاض ربحية االستثمارات ،وهو ما يتطابـق مع التحليـل الكالسيكي. -2عالج البطالة في الفكر االقتصادي: أ .المدرسة التقليدية ترى أن الدورة االقتصادية ال تعدو إال أن تكون مجرد ظاهرة نقديـة بحتـة .اذ تعـود التقلبات في مستوى النشاط االقتصادي الى درجات التوسع واالنكماش في المعروض من النقود ووسائل الدفع عموما( التسهيالت االئتمانية) .وعلى اعتبار أن البطالة السائدة تكون اختيارية أو احتكاكية ،فان األجور كفيلـة برفع الكمية المعروضة من العمل مقارنة بتلك المطلوبة للوصول الى مستوى التشغيل الكامل. ب .المدرسة السيكولوجية إ ن حدوث التقلبات الدورية في مستوى النشاط االقتصادي سببهـا التقلبـات التي تطرأ على سيكولوجية فئة المنظمين والمستثمرين ،من خالل التوقعات حـول آفـاق الربحيـة لفـرص االستثمار المربحة والمتاحة ،ذات األثر االيجابي على احداث مناصب الشغل. ج .مدرسة قصور االستهالك :ترجع هذه المدرسة حالة االنكماش والركود االقتصادي إلى انكماش حجم الطلب الكلي الفعال في المجتمع ،ويرجعون ذلك لضعف القدرة الشرائية لدى الفئات األجرية ومحدودىالدخل، نتيجة لسوء توزيع المداخيل بين الفئات المختلفة ،وهو ما يؤدي الى انكماش في حجم الطلب الكلي الفعال في المجتمع لما لذلك من أثر على حالة االنكماش والركود . د .مدرسة المغاالة في االستثمار :ترى أن التوسع المفرط في االستثمار لبعض األنشطة والصناعة بدرجة أكثر تبرره اال حتياجات واعتبارات التناسق بين األنشطة المختلفة لالقتصاد ،سوف تدفع به ان آجال أو عاجال نحو الركود االقتصادي ،كما يمكن أن تحدث التقلبات االقتصادية للعملية االنتاجية بسبب االختراعات واالكتشافات الجديدة أوفتح أو فقدان أسواق جديدة . هـ -مدرسة شيكاغو :ركزت على ضرورة الوصول إلى االستقرار النقدي الذي يتحقق بوجود تـوازن بين نسبة التغير في كمية النقود وبين حجم الناتج الحقيقي .ويرجعون مصدر اإلفراط في عرض النقـود إلى عجز ميزانية الدولة ،والتي يتوجب عليها القضاء عليه تفاديا لكل نفقات إضافية مثـل :مدفوعـات الحمايـة االجتماعية مما قد يجبر العمال على قبول األعمال التي كانوا يرفضونها بسبب اإلعانات المقدمـة للبطاليـن. وللتأثير على حجم البطالة يقترح رواد هذه المدرسة أن تكتفي الدولة بوظائفها التقليدية دون البحث عن تحقيق التوظيف الكامل .وأن يتم إطالق آليات السوق تعمل عملها الستعادة التوازنات المفقودة خاصة في سوق العمل. و -مدرسة اقتصاديات العرض :ترجع البطالة إلى نقص قوى العرض وليس قوى الطلب ،كما فسر ذلك الكينزيون ،وترى أن الخروج من مأزق البطالة يتم بدفع حركة االستثمارات والعمل على إنعاش الحوافـز التي من شأنها أن تزيد من قوى االدخار واالستثمار ومن أجل رفع مستوى االدخارات فقد اقترحوا تخفيض معـدالت الضرائب .إال أن هذا الطرح يعني تفاقم عجز ميزانية الدولة بسبب انخفاض إيراداتها ،وسوف لن يكون له أثـر علـى خفض معدالت البطالة ،بدليل البرنامج الذي طبقه الرئيس األمريكي – ريغان -أثناء عهدته الرئاسية. ح .مدرسة التوقعات الرشيدة :اعتمدت هذه المدرسة على النظرة المستقبلية لسير النشاط االقتصـادي على اعتبار أن البطالة في تحاليلهم اختيارية ،كون آليات سوق العمل تتكيف بسرعة مع كل اختالالت التوازن التي قد تحدث به ( على أن تكون األسعار واألجور مرنة ،وأن تتوفر كافة المعلومات لبناء التوقعات المستقبلية) .فإذا أرادت الدولة رفع معدالت النمو االقتصادي وتخفيض معدالت دعم الطلب الكلـي عن طريق زيادة كمية النقود المتداولة فان األفراد سوف يتنبئون بحدوث التضخم ،و سيطالبون برفع األجور ،مما يعني ارتفاع التكاليف ومنه ارتفاع األسعارالتي قد يعجز المستهلك على تحملها ،فتسعى المؤسسات إلـى خفـض تكاليفهـا بالتأثيرعلى اليد العاملة(تسريح العمال ) ،وعليه فإن هذه السياسة غير فاعلة. أما إذا أرادت الدولة محاربة التضخم من خالل تطبيق سياسة انكماشية ،سيؤدي ذلك إلى بطء اإلنتاج وزيادة معدالت البطالة ولتفادي ذلك فإنه يجب أن يكون هناك استقرار في السياسة الحكومية أوال ،ثم ثانيـا تقييد دور الدولة في الحياة االقتصادية وترك الحرية االقتصادية والمنافسة التامة وآليات السوق تعمـل عملهـا بكل شفافية ،مع ضمان المرونة في األجور واألسعار تبعا لحاالت األسواق . ط .المدرسة المؤسستية :اختلفت في رؤيتها للبطالة ،اذ انتقدت التحليل النيوكالسيكي من حيث الفروض ،أو منهج التحليل وحتى النتائج المتوصل اليها .فلم تعد البطالة أزمة كم بل أزمة كيف وال يمكن حلها بزيادة الطلب الكلي الفعال ،خاصة في ظل تزايد الثورة التكنولوجية التي أدت إلى تخفيض الطلب علـى األيدي العاملة ،نتيجة لما حدث من اعادة هيكلة للعمل( اختفاء العديد من المهن والوظائف بال رجعة) . ويرى عدد من مفكري هذه المدرسة أن الخروج من أزمة البطالة سيكون من خالل التوسع في مجال الخدمات اإلنسانية مثل :الخدمات الصحية رعاية المسنين ،الترويج والسياحة ،األمن الشخصي ...الخ. ي .المدرسة الكينزية الحديثة :يرىأنصارهذه المدرسة أن عالج البطالة يكمـن في زيادة معدالت النمو االقتصادي ،حتى ولو كان ذلك بزيادة معدالت التضخم ،قصد االنتقـال مـن مرحلـة الركود إلى مرحة االنت عاش،الذي يتطلب موارد مالية كبيرة يمكن توفير جزءا كبيرا منها عن طريق المدخرات الوطنية والتراكم واإلنتاجية .وبما أن احتياجات سوق العمل تتطلب أيدى عاملة مؤهلة ،فإنهم يقترحون إجراء دورات وبرامج تدريبية وتكوينية لكي تتكيف مع هذه المتطلبات ،ويقترحون أيضا الرجوع إلى سياسة األشغال العامة الكبـرى التي من شأنها خلق فرص عمل أكثر وبالتالي الرفع من مستوى التوظيف والدخل. ك .وجهة نظر الخبراء والمنظمات الدولية : يشير خبراء منظمة العمل الدولية وعدد من االقتصاديين إلى: ضرورة انتهاج سياسة اقتصادية تهدف إلـى رفـع معدالت النمو االقتصادي .و خفض تكلفة العمل الذييرتبط أساسا بتكاليف اإلنتاج ،حيث تشكل األجور الجانب األساسي منها .مع تعديل ظروف سوق العمل بإلغاء قوانين الحد األدنى لألجور وتعديل نظام إعانات البطالة والضمان االجتماعي بالشكل الذي يجعل المداخيل التعويضية متوازنة مـع الحاجة إلى تحفيز ميول العمال نحو العمل. إلزامية التوسع في سياسة التدريب للعاطلين لتنمية مؤهالتهم ومهاراتهم بما يتالءم ومتطلبات أسواقالعمـل والتكنولوجيات الحديثة .تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومشاريع القطاع غيرالرسمي وتذليل العقبات التـي تواجههـا لضمان وصولها إلى األسواق الوطنية والعالمية مثل :تسهيل حصولها على االئتمان، نقل التكنولوجيات الحديثة إليها وتوفير المعلومات التي تحتاجها الداء مهامها ،االمتيازات الضريبية ...الخ. تشجيع التقاعد المبكر لتوفير فرص عمل جديدة خلفا للذين أحيلوا إلى التقاعد. تطوير نظام المعلومات المتعلقة بأسواق العمل في اإلستثمار ،وتداولها بأقل تكلفة ممكنة ،لتمكيـن طالبـيالعمـل والعارضين له من االلتقاء في أسرع وقت بالنظر إلى حاجة المستثمر ومؤهالت العمال. ويظل االقتراح الذي ينادي بفكرة تقسيم األعمال أكثرها انتشارا ،حيث يتم بموجبها توزيع حجم العمل على عدد أكبر من العمال مما يؤدي إلى :احتفاظ العمال المشتغلين فعال بوظائفهم ،وإتاحة فرص تشغيل إضافية جديدة .وذلك من خالل تخفيض ساعات العمل واألجور ،فبدل أن يعمل العمال خمسة أيام في األسبوع ،فانه سيخفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام مقابل خفض األجور وبالتالي يمكن تقاسـم األعمال المتاحة لمزيد من العمال. .IIسياسات اإلصالحات اإلقتصادية وأثرها على البطالة والتشغيل. -1سياسات اإلصالحات االقتصادية :إن أهم دواعي اإلصالح االقتصادي للدول النامية هي تلك الضغوط التي تعاني منها اقتصاديات هذه الدول منذ نهاية السبعينيات والمتمثلة في العجز المتواصل في موازين مدفوعاتها وفي موازناتها العامة والتراجع الملحوظ في معدالت النمو االقتصادي وتراجع النموا في اإلنتاج الداخلي اإلجمالي .باإلضافة إلى عوامل النمو الديمغرافي ،ونقص التشغيل واستشراء البطالة بأنواعها ،إضافة إلى مشكلة تفاقم التضخم والديون الخارجية مقارنة إلى الموارد المتاحة . أما على الصعيد الخارجي فهناك تدهورشروط التبادل التجـاري الدولـي لصالـح الـدول المصنعة ،بالموازاة مع تدهور أسعار المواد األولية خالل تلك الفترة ،خصوصا وأنها تشكل المورد األساسـي من العملة الصعبة والتي تستنزف خدمات الديون الجزء األكبر منها. و تعتبراإل صالحات االقتصادية وسيلة عالج لمشاكل الدول التي تعاني من اختـالالت فـي توازناتهـا الداخلية والخارجية ،في إطار تحرير االقتصاد وتحويله إلى اقتصاد حر ،من خالل إجراءات تسمـح بزيـادة الصادرات وخفض الواردات ،إضافة إلى تنمية موارد البلد من العملة الصعبة ،والعمل على معالجة عجز الموازنات العامة لهذه الدول عن طريق تقليل النفقات والسيطرة على معدالت التضخم ورفع معدات النمـو االقتصـادي .ولبلوغ هذه األهداف فإن برنامج اإلصالح االقتصادي يتكون من ثالث سياسات هي : أ -سياسة التثبيت االقتصادي :لقد جاءت هذه السياسة نتيجة ألزمة المدفوعات التي تعرفها بعض الدول، حيث اعتبرت المديونية أزمة سيولة ناتجة عن ارتفاع الطلب الكلي ،مما تسبب في عجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات .وقد اعتبـرت ا لدول المدينة مسؤولة وحدها عن ذلك ،وبالتالي يتوجب عليها وضع سياسات الستعادة تلك التوازنات. ويمكن تلخيص السياسات التي تحتويها غالبية برامج التثبيت كما يقترحها صندوق النقد الدولي في اآلتي: سياسة نقدية انكماشية :تؤثر السياسة النقدية على الطلب الكلي وتعمل على توجيهه أوقاتالتضخم .وكذلك تؤثر على إجمالـي النفقات عن طريق ترشيد االئتمان وضبط معدالت التوسع النقدي لتحقيق استقرار هذا األخير وإصالح خلـل الهياكل التمويلية اعتمادا على تحرير أسعار الفائدة واستخدام حدود عليا لالئتمان والحد من اإلصدار ال نقـدي الجديد الذي يهدف إلى رفع معدالت االدخار وتخفيض معدالت التضخم. وهذا باالعتماد على أدوات السياسة النقدية مثل سياسة السوق المفتوحة و تخفيض العملة ...الخ ،والهدف من هذا اإلجراء هو" جعل السلع المستوردة أكثر تكلفة ،بالمقابل تكون السلع المنتجة والقابلة للتداول على مستوى السوق الدولي أكثر منافسة عند التصدير .وبالتالي الرفع من ربحية القطاعات المصدرة مما يؤدي إلى تحويل عفوي لوسائل اإلنتاج نحو قطاعات مصدرة على حساب قطاعات إنتاج السلع غير القابلة للتـداول علـى مستـوى السـوق الدولي". لكن ما يهمنا في هذا السياق ليس محتوى السياسة النقدية وأدواتها وإنما مدى تأثيرها على البطالة ،وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح هو :ما مدى تأثير السياسة النقدية االنكماشية على البطالة ؟ إن الدول التي تبنت اإلصالحات االقتصادية عملت على تحرير أسعار الفائدة التي أصبحت تتحدد تبعـا لقوى العرض والطلب .ومن الممكن أن ترتفع مع بداية اإلصالحات بسبب زيادة الطلب على االئتمان من قبل المستثمرين ومن ثم زيادة التوظيف من أجل استخدام كافة عناصر اإلنتاج بما فيها العمل لزيادة اإلنتاج وسد الفجوة بين العرض والطلب على السلع اإلنتاجية. ومن ناحية أخرى فإن ارتف اع سعرالفائدة قد يؤثر سلبا على خلق استثمارات جديدة ومنه فرص عمل جديدة ،على أن تحرير هذه األسعار المرتبطة بحرية البنوك في منح االئتمان من الممكن أن تعمل مرة أخرى على زيادة معدالت التوظيف وبالتالي التقليل من البطالة ،بالنظر الى التوقعات المتفائلة لرجال األعمال في ظل تحرير أسعار السلع والخدمات ،وتوقع زيادتها نظرا للفجـوة بيـن العرض والطلب السلعي. كما أن لجوء الحكومة لالقتراض من سوق النقد المحلي مثل طرح أذونات الخزينة ،سوف يؤدي إلى إحجام المستثمرين وأصحاب المدخرات على استثمار أموالهم في مشاريع استثمارية جديدة وسـوف يفضـلون شراء هذه األذونات نظرا ألن الربح مضمون ومعفي عائده من الضريبة .وبالتالي تتحول المدخرات لتمويـل االستهالك الجاري للدولة مما يعني مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على التمويل الالزم الستثماراته.كما أن ارتباط سعرالصرف بأسعار فائدة مرتفعة من شأنه أن يشجع على تدفق رؤوس األموال إلى الداخل مما يرفع حجم الودائع بالعملة الصعبة لدى البنوك المحلية ،وكذلك يرتفع حجم االستثمارات األجنبية المباشرة في االقتصاد المحلي ألي دولة .وقد ينتج عن هذه الحرية في حركة رؤوس األموال في ظل ثبات نسبي في أسعار الصرف الى زيادة التوظيف ونقص معدالت البطالة .وتجدر اإلشارة إلى أن أسعار الفائدة التي كانت تحددها الدولة( إداريا ) وأسعار الصرف المقومة بأكثـر من قيمتها تعتبر من بين العوامل المؤثرة قبل اإلصالحات في تسرب رؤوس األموال للخارج ،بسبب انخفاض العائد الناتج عنها في الداخل مقارنة بالخارج .وبالتالي فإن سياسة تدخل الدولة في النشاط االقتصادي كان لهـا أثر كبير في زيادة معدالت البطالة من هذا المنظور. سياسة مالية انكماشية :تهدف السياسة المالية االنكماشية إلى السيطرة على عجز ميزانية الدولةعنطريق زيـادة اإليـ رادات أو تخفيض النفقات أو االثنين معا .وتعتبر أداة اإلنفاق العام هي إحدى األدوات األساسية المؤثرة فـي الطـلب الفعال وبالتالي لها تأثير مباشر على مستويات التشغيل والدخل الوطني والمستويات العامـة لألسعـار ،ومـن المالحظ أن هذه السياسة تهدف الى تقليص نسبة العجز في الميزانية العامة للدولة مقارنة بالناتج الداخلي االجمالي. تعتبر السياسة المالية االنكماشية ذات أثر سلبي على االستثمار ،سواء كان ذلك نتيجة تطبيق ضريبـة عامة على االستهالك أو فرض ضرائب جديدة أو تقليص حصة اإلنفاق االستثماري العام .والشيء المالحظ أن الدول النامية " عملت على تخفيض نفقات االستثمار بدال من نفقات التشغيل التي تعتبر أقل مرونة " 8غير أن ذلك أدى الى انخفاض معدالت النمو ،مما نتج عنه آثارا سلبية على مستوى االقتصاد الكلي .وبالمقابل فقـد لجأت هذه الدول الى تخفيض األجور الحقيقية بواسطة تثبيت األجور االسمية قصد تخفيض االستهالك الخاص ،حتى اليتحمل االستثمار االنتاجي كل العبء. لكن ما هو أثر السياسة المالية االنكماشية على البطالة ؟ بما أن الهدف األساسي لهذه السياسة هو تخفيض حجم اإلنفاق العام ،مما يعني انخفاضـات فـي حجـم االستثمارات والذي قد يؤدي إلى تراجع معدالت التوظيف في االقتصاد المعني ،فإجراءات إلغاء الدعم وتـرك حرية تحديد أسعار السلع والخدمات وفقا لقوانين السوق سينتج عنها إرتفاع األسعارمع بداية اإلصالحـات بسبب وجود الفائض الكبير في جانب الطلب الكلي للدول التي شرعت في اإلصالح االقتصادي ،خصوصا في ظل ضعف القدرة اإلنتاجية المحلية .والمالحظ أيضا أن هذا االرتفاع يمس أساسا ذوي الدخـل المحـدود والضعيف .إال أنه وبالموازاة مع ذلك فإن الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب قد تحفز المستثمرين على رفـع حجم استثماراتهم بسبب التوقعات المتفائلة لتحقيق مزيـد من األرباح وهذا من شأنه أن يرفع مـن معـدالت التوظيف وتخفيض البطالة في األجل القصير. ب -سياسة التعديل الهيكلي :تعكس هذه السياسة برامج طويلة ومتوسطة المدى تسعى لتحقيق التوازن عن طريق التوسع في جانب العرض لعالج التشوهات والعوائق التي تعاني منها الهياكل االقتصادية ،كما تهدف أيضا إلى تحويل اقتصاديـات الدول التي تكابد هذه الصعوبات إلى اقتصاديات ليبرالية تطبق فيها قواعد اقتصاد السوق. وقد سعت بالدنا في هذا االتجاه من أجل تصحيح الخلل االقتصادي على المستوى الكلي. ج -السياسات االجتماعية :لقد أثبتت التجارب التي قامت بها الدول النامية التي تبنت اإلصالحات االقتصادية أنها ذات تأثيـر سلبي على الجانب االجتماعي ،لذا أقدم البنك الدولي على إدخال البعد االجتماعي كمكون ثالـث لبرامـج اإلصـالح للتخفيض من اآلثار السلبية لها،خاصة على الفئات محدودة الدخل ونظرا لصعوبة التحول إلى اقتصاد السـوق والراجع إلى عدم قابلية السكان لتقبل أوضاع جديدة قائمة على جهاز األسعار ،فنجد تباين السياسات المتبعة من دولة إلى أخرى طبقا للمتغيرات االقتصادية الدولية معتمدة بذلك على المناخ االقتصادي بها .من هنا برزت فكرة عدم إغفاله للجوانب االجتماعية ،حيث يتم إعداد السياسات االجتماعية بالتعاون مع البنك الدولي للحد من اآلثار السلبية لبرامج اإلصالح قصد تحقيق الوئام االجتماعي ورفع المعاناة عـن محـدودي الدخل والشباب الخريجين من المعاهد والجامعات ومراكز التكوين. إنشاء مؤسسات اجتماعيـة لتحقيـق التنمية االجتماعية والبشرية في ظل برامج تحضيرية إلعادة تأهيل العمالة الزائدة في وحدات القطـاع العـام وتشجيع الصناعات الصغيرة الستيعاب القوة العاملة الفائضة الحالية والجديدة. وبالتالي نخلص مما سبق أن سياسة االصالح االقتصادي ،تسعى لمعالجة الخلل القائم في التوازنات االقتصاديـة الكلية بغرض تحقيق معدالت نمو مرتفعة في المدى المتوسط والطويل ،اعتمادا على سياسـة انكماشيـة بالدرجـة األولى من خالل تخفيض االنفاق العام و الغاء الدعم الموجه لألسعار واعادة تخصيص عوامل االنتاج بطريقة تؤدي الى زيادة العرض الكلي .وعلى اعتبار أن تخفيض العجز بميزان المدفوعات من بين أوليـات برامـج االصالح ،فانه من المنطقي أن تخفض الطاقة االستيعابية من خالل أحد أو مجموع العناصر التاليـة ( االنفاق الحكومي ،االستهالك الخاص ،االستثمار الخاص)؛ أو زيادة الدخل الوطني .وبالنظر الى صعوبة زيادة هذا األخير في الدول النامية ،فال مناص من اتباع سياسة انكماشية وما تعنيه من تراجع لوتائر االستثمار نتيجة لتقلص االنفاق العام الموجه لذلك ،وبالتالي سوف تتسع الفجـوة بيـن العرض و الطلب ،خاصة وأن الدول النامية يميزها الفائض الكبير في الطلب نتيجة لضعف القدرة ا النتاجية ،ومنه محدودية الطاقة االستيعابية لليد العاملة .الشيئ الذي سيفضي الى تراجع مستويات التشغيل والى زيـادة معدالت البطالة خاصة السافرة منها. - 2مدى تأثير برنامج اإلصالح االقتصادي على البطالة :ما يهمنا في هذا السياق هومدى تأثير سياسة اإلصالح االقتصادي على أسواق العمل والبطالـة .وبهـذا الخصوص يمكن استعراض أهم نموذجين نظريين في هذا المجال وهما : أ -النموذج التقليدي :ينطلق من مجموعة من الفرضيات ،وتجدر اإلشارة إلى أنه يصعب تحقيقها على 9 الدول النامية وأهم هذه الفرضيات: ينقسم االقتصاد محل الدراسة إلى ثالثة أسواق رئيسية ( سوق العمل ،سوق إنتاج السلع المحلية،سوق إنتاج سلع التجارة الدولية ). تحدد أسعارسلع التجارة الدولية في األسواق العالمية وتعتبر معطاة لالقتصاديات الصغيرةالمفتوحة. تحدد أسعار السلع المحلية وفقا لمستويات العرض والطلب. يتم إنتاج كافة السلع بواسطة عنصرين فقط هما العمل ورأس المال مع تجانس عنصر العملوقدرته على االنتقال بين مختلف القطاعات ،في حين أن رأس المال عنصر متخصص غير قادر على االنتقال بين القطاعات . يتمتع معدل األجر بمرونة كاملة على النحو الذي يضمن تحقيق التشغيل الكامل لعنصر العمـلوبلـوغ االقتصاد حدود إمكانيات إنتاجه القصوى. تتمثل آليات عمل النموذج في أن االقتصاد يقوم بإنتاج سلع محلية وأخرى دولية ،فإذا كان استهالكـه منها مرتفعا، بمعنى وج ود عجز في الميزان التجاري سيتم تصحيحه عن طريق تطبيق اإلصالح االقتصادي من خالل سياسة مالية انكماشية يترتب عليها خفض اإلنفاق وخفض سعرالصرف الحقيقي للعملـة الوطنيـة .وبالتالي فان انخفاض الطلب المحلي على السلع بنوعيها يجعل السعر النسبي لسلع التجارة يرتفع ،في حيـن ينخفض سعرالسلع المحلية (في ظل المرونة الكاملة لألسعار) ،نتيجة لذلك يتالشى العجزفي الميزان التجاري وتؤثر آليات عمل النموذج في تخصيص عنصر العمل بين إنتاج السلع المحلية وسلع التجارة بشكل أكثر كفاءة مع المحافظة على مستوى التشغيل الكامل ،حيث يتأثر هذا النموذج في األجلين القصير و الطويل آثاره في األجل القصير 10:إن شرط إعادة االقتصاد إلى وضع التوازن هو تحويل عنصر العمل من إنتاجالسلع المحلية إلى سلـع التجارة بحيث يصل مجموع الطلب على القوى العاملة في القطاعين مساويا إلجمالي w W L = Lt .Kt Ln .K n عرض العمل المتاح في المجتمع ( ) Lوالذي يعبر عنه بالمعادلة التالية : P P n t حيث أن : :Wمعدل األجر النقدي و متساو في كل القطاعين ،بسبب فرضية حرية انتقال عنصر العمل i = t, n :W/Piالمعدل الحقيقي إلنتاجية األجر حيث: :Kiرصيد رأس المال في كل قطاع وهو ثابت (األجل القصير) : Ltعدد المستغلين في القطاع ( Tالتجارة الدولية ) : Ln ،عدد المشتغلين في القطاع (السلع المحلية ) : Pnأسعار السلع المتداولة دوليا :Pnأسعار السلع المحلية تشير المعادلة إلى أن عرض العمل في االقتصاد يساوي الطلب عليه في قطاع السلع المحلية و هو دالة لألجر الحقيقي و رأس المال في هذا القطاع .والطلب على العمل في قطاع سلع التجارة الدولية هو أيضا دالة للمتغيرين السابقين في هذا القطاع .وباالستناد إلى تحليل ،11 Dornbuschنجد أن معدل تغير األجر التوازني الذي ينتج عن تخفيض سعر صرف العملة المحلية ،هو عبارة عن دالة خطية في معدالت تغير أسعار الناتج، بحيث يكون التغير في معدل األجرهو مجموع مرجح لتغير أسعار كل من السلع المحلية وسلع التجارة. وطالما أن نسبة التغير في أسعـار التجارة أكبر من نسبة التغير في أسعار السلع المحلية فان ذلك يعني انخفاض األجر الحقيقي لإلنتاج w/ptفي قطاع التجارة مما يفسر زيادة الطلب على عنصر العمل في هذا القطاع، على العكس يرتفع w/pnفي قطـاع السلع المحلية ،مما يؤدي إلى تراجع مستوى العمالة في هذا القطاع ،وبالتالي يتم إعادة تخصيص عنصر العمل في االتجاه المرغوب فيه .Switching effet أما بالنسبة لمستوى األجور الحقيقية ،فان أثر تخفيض سعر صرف العملة المحلية غير محدد في إطـار هذا النموذج،حيث يتوقف هذا األثر على طبيعة السلع المستهلكة من طرف العمال و نسبة كل من السلع المحلية و سلع التجارة في سلة االستهالك الرئيسية لهم. يتضح مما سبق أن عملية اإلصالح لن تؤثر بشكل سلبي على مستوى التشغيل وفقا لتحليل النموذج ،وان كان من المتوقع حدوث نوع من البطالة المؤقتة أواالنتقالية مع انتقال االقتصاد من التركيز على قطاع السلع المحلية إلى السلع الموجهة للتجارة .وذلك الن عملية االنكماش في السلعة األولى قد تستغرق وقتا اقل من عملية التوسع في قطاع السلع الثانية ألن التوسع مقترن بإقامـة استثمـارات جديـدة و توفير آالت و معدات و دورات تدريبية…الخ .ومن البديهي أنه في خالل هذه الفترة سوف ينخفض الناتـج ويحدث نقص في تشغيل عنصر العمل. وهذه البطالة االنتقالية سرعان ما سوف تختفى مع توسع قطاع سلع التجارة الدولية (على افتراض أنه أعلى كثافة في استخدام عنصر العمل). والواقع أن استخدام كثافة العناصر االنتاجية في القطاع المنتج لسلع التبادل الدولي هي من األمور التي ال يمكن حسمها نظريا وانما تقتضي اجراء دراسات تطبيقية لكل دولة على حدة ،بالنظر الى تصنيف الدول من حيث درجة التقدم .لذلك يؤكد فريق من االقتصاديين وعلى رأسهم D.LALالذي يرى أن :القطاع المنتج لسلع التبادل الدولي في الدول النامية ال بد وأن يكون كثيف العمل ،وذلك لالستفـادة مـن المزايـا النسبيـة لهـذه االقتصاديات. آثاره في األجل الطويل :يفترض النموذج التقليدي أن انعكاس برامج اإلصالح االقتصادي على سوقالعمل في األجـل الطويـل تتوقف إلى حد كبير على درجة الكثافة النسبية في استخدام العناصر المتاحة (العمل، رأس المال ) خاصة في قطاع السلع الداخلة في التجارة .ونتيجة الفتراض النموذج حرية انتقال عناصراإلنتاج بين القطاعات المختلفة في األجل الطويل فانه من المتوقع أن تقترن عملية إعادة تخصيص الموارد لصالح القطاع الخارجي( )Tبإعادة توزيع الدخل للعنصرالمستخدم بكثافة في هذا القطاع .وهو ما يعني أنه إذا كان نفس القطاع كثيف رأس المال ،فان سياسة اإلصالح سوف تؤدى إلى تزايد الطلب على هذا العنصر بدرجة تفوق عرضـه الناتج عن انكماش قطاع السلع المحلية.ونتيجة الفتراض ثبات العرض الكلي لعناصر اإلنتاج في األجل الطويل فإنه سوف يترتب على ذلك ارتفاع معدل أرباح القطاع ( .)Tوبالتالي انخفاض األجر الحقيقي لعنصـر العمـل بسبـب زيـادة المعروض منه .وعلى العكس فإذا كان القطاع ( )Tكثيف العمل فإن عملية إعادة تخصيص المـوارد سـوف تؤدي إلى تزايد الطلب على عنصر العمل وبالتالي ارتفاع معدل األجور الحقيقية. أما بال نسبة للدول النامية يفترض أن يكون كثيف العمل وذلك الستفادة مـن المـزايا النسبيـة لهـذه االقتصاديات باعتبار أن معدالت النمو السكاني مرتفعة وتبقى مسألة تكوين المهارات مرتبطة بإمكانات وإرادة هذه الدول في ذلك .نستنتج مما سبق أن أثر برنامج اإلصالح االقتصادي على سوق العمـل وفقـا لهـذا النموذج سيكون إيجابيا على مستوى التشغيل حيث يؤدي إلى المحافظة على مستوى التشغيل الكامل لعنصر العمل مع إعادة تخصيص بين القطاعات على نحو أكثر كفاءة. اال أن مدى تطابق نتائج وآثار هذا النموذج على مستوى العمالة في جميع االقتصاديات( دون التمييز بين الدول المتقدمة والنامية) ،يشكل أحد أهم التساؤالت التي يمكن أن تراود أي متمعن لهذا التحليل ،خصوصا وأنه يصعب اعتماد بعض الفرضيات التي يقوم عليها النموذج بالنسبة للدول النامية ،التي تميزها التبعية االقتصادية وصعوبة االندماج في األسواق العالمية ،في ظل تدهور أوضاعها االقتصادية الراهنة. ب -نموذج الترشيد الكمي :نظرا لقيام النموذج التقليدي على مجموعة من الفروض يصعب تحققها في عدد كبيرمن الـدول مثـل :افتراض عدم وجود اختالالت داخلية في االقتصاد محل الدراسة ،التشغيل الكامل لعنصر العمـل المرونـة التامة لألسعار واألجور .12قام عدد من االقتصاديين بإعادة صياغة هذه الفروض و تعديل النموذج بما يتفق مع الواقع السائد في هذه الدول من بينهم A.K Dixitسنة 1978و J.T.Cuddingtonعام . 1984 تفترض هذه الصياغة المعدلة جمود األجور النقدية في االقتصاد على نحو يؤدى إلى وجود نسبـة مـن البطالة السافرة لقوة العمل ،فضال عن افتراض جمود أسعار السلع المحلية مما يعنـى بالضـرورة صعوبـة استعادة االقتصاد توازنه باالعتماد على تغيرات األجور واألسعار ،نظرا لجمودها في األجل القصير .وبالتالي ضرورة حدوث نوع من الترشيد الكمي الستعادة التوازن .ويفترض النموذج أن االقتصاد ال يواجه أي قيـود كمية في مجال اإلنتاج و االستهالك في القطاع Tو ذلك لصغر مساهمة االقتصاد في مجال التجارة العالمية .وبالتالي يستطيع المنتجون بيع أي كمية من الناتج باألسعار السائدة في األسواق الدولية وهو ما ينطبق أيضـا على المستهلكين .أما بالنسبة لقطاع السلع المحلية ( )Nوالذي يتحدد مستوى اإلنتاج فيه وفقا للطلب والعرض المحليين ،ومع افتراض ثبات األسعار فان التوازن ال يتحقق في األجل القصير إال بالترشيد الكمي(سواء الكميـات التـي يبيعها المنتجون في حالة وجود فائض عرض ،أو تلك التي يشتريها المستهلكون في حالة وجود فائض طلب) .ونتيجة الفتراض جمود األجر النقدي في سوق العمل في األجل القصير ،على نحو يدفع العمـال إلـى القيـام بترشيد عرض خدماتهم في الفترة التالية إلى المقدار الذي ترغب المؤسسات القائمة في استخدامه فعال لذا يقوم النموذج بدراسة أثر تطبيق برنامج اإلصالح االقتصادي مكون من سياستين ،األولى سياسة مالية انكماشية ،والثانية سياسة تخفيض سعر صرف العملة المحلية ،على سوق العمل في ظل الفـروض السابـق عرضها. ونالحظ أن تطبيق سياسة مالية انكماشية سوف يترتب عليها تخفيض اإلنفاق مما يؤثرعلى القطاعين محل الدراسة ولكن بأشكال متباينة: بالنسبة لقطاع سلع التجارة الدولية( )Tيتحدد مستوى الناتج ومستوى التشغيل به وفقا لسلوكالمؤسسات ورغبتها في تعظيم أرباحها ،ومن ثم لن تسفر السياسة عن قيام القطاع بتوجيه المزيد من إنتاجه إلى التصدير ( ،إذ يفترض النموذج عدم وجود أي قيود كمية على هذا القطاع ) . أما بالنسبة للسلع المحلية( )Nفسوف يترتب على السياسة المالية االنكماشية تخفيض اإلنتاج في هذاالقطاع وفقا آللية المضاعف .ويترتب على انخفاض اإلنفاق الحكومي تحسن واضح في الميزان التجاري نظرا ألن انخفاض اإلنفـاق على القطاع ( )Tسوف يؤدى إلى تخفيض الواردات من سلع التبادل الدولي ،أما انخفاضه على القطـاع ( )Nسوف يخفض طلب القطاع الخاص على الواردات الوسيطة ،بسبب انخفاض مستويات التشغيل والمداخيل في هذا القطاع ،إلى جانب أن تخفيض اإلنفاق المحلى عموما يؤدى الى زيادة المتاح من التصدير( بافتراض قابلية اإلنتاج للتصدير). وهكذا يترتب على السياسة المالية االنكماشية تحسن في الميزان التجاري وتحسن المداخيل والتشغيل في قطاع سلع التبادل الدولي ،بينما سينخفض مستوى التشغيل في قطاع السلع المحلية مع بقاء األجورالحقيقية كما هي نتيجة لفرضيات النموذج ،ومن ناحية أخرى يؤدى اتباع سياسة تخفيض سعر صرف العملة المحلية فـي ظل افتراض ثبات أسعار السلع المحلية ومعدل األجر النقدي ،بالضرورة إلى انخفاض تكلفة عنصرالعمل في القطاع ( )Tمما يؤدى الى زيادة الطلب على العمل في هذا القطاع ،ومن ثم زيادة اإلنتاج .ويترتب على كل ما سبق تحسن وضع الميزان التجاري بشكل مؤقت ،ولكن في المقابل يالحظ أن زيادة المداخيل في القطاع( )Tعلى اثر ارتفاع مستوى التشغيل به سوف تؤدى إلى زيادة الطلب المحلى في كل من سلع القطاعين معا. مما سبق يمكن استخالص أن النتائج المترتبة عن تطبيق اإلصالح االقتصادي في ظل هذا النموذج التي تختلف عن نظيرتها في النموذج التقليدي ،فمن ناحية لن يترتب عن تخفيض سعرالصرف بالضرورة تحسن في الميزان التجاري كما يفترض النموذج ،وإنما سيتوقف األثر النهائي على مدى تغير الطلب في المجتمع نتيجة التغيرات النسبية في كل من المداخيل واألسعار؛ ومن ناحية أخرى فان زيادة اإلنتاج في قطاع سلع التجارة الدولية ال تتم على حساب اإلنتاج في قطاع السلع المحلية ،وذلك لوجود قدر من البطالة أساسا قي المجتمع . وخالصة القول فان آثار اإلصالح االقتصادي وفقا لهذا النموذج المعدل إيجابية إلى مستـوى التشغيـل حيث تنخفض معدالت البطالة .أما المتعطلون فسوف يتم استيعابهم في قطاع سلع التجارة الدولية ،وبالتالـي سوف يطرأ تحسن على مستوى معيشتهم ،وإذا كان مؤسسوا هذا النموذج يتوقعون عند حديثهم عن التشغيل أن معدل البطالة سوف ينخفض فـي المجتمع ،لكن هذا ال يمنع من اإلشارة إلى بعض المالحظات هي: بعد الفروض التي ترتكزعليها هذه النماذج عن الواقع االقتصادي خاصة في الدول الناميـة ،وبالتالـي فإنذلك يقلل من درجة الثقة بها. إن البناء النظري لهذه النماذج يرتكز على سياستين فقط وهما تخفيض اإلنفاق العام وتخفيـض سعـرصرف العملة المحلية مع إهمال باقي مكونات البرنامج ،مثل تحرير األسعار والتجارة الخارجية ،تحويـل ملكيـة القطاع العام إلى القطاع الخاص. لقد تعاملت هذه النماذج مع سوق العمل باعتباره وحدة واحدة ،وتجاهلت ظاهرة التجزئة التي تتميز بهاأسواق العمل الرسمية أوغير الرسمية في الدول النامية.لقد اعتبر عنصر العمل عنصرا متجانسا وقادرا على االنتقال بسهولة بين مختلف القطاعات حتى في األجل القصير ،دون مراعاة لما يتميز به من ضعف في الحراك المهني والجغرافي. .IIIأسباب البطالة في الجزائر وطرق معالجتها : - 1أسباب البطالة : تتعدد األسباب التي تؤدي إلى تفشي البطالة ونقص التشغيل في أوساط الفئة النشيطة ،خاصة عنصر الشباب بغض النظر عن مؤهالتهم ومستوياتهم التعليمية والتكوينية ،ويمكن أن نجمع هذه األسباب في نقطتين: تشمل األولى العوامل الخارجة عن سيطرة الحكومة وهي تلك التي ال تعتبر الحكومة مسؤولة عنها مسؤولية م باشرة ،أما الثانية فتتناول من خاللها األسباب التي تدخل في نطاق سيطرة الحكومة بصفة مباشرة أو غير مباشرة ،اعتمادا على ما يلي: أ -أهم العوامل الخارجة عن سيطرة الحكومة: لعل من بين العوامل التي تقف وراء هذه األسباب مايلي: باعتبار أن عددا كبيرا من الدول النامية تعتمد في صادراتها الخارجية عن المحروقات التي تشكلالجزء األكبر منها ،وبالتالي فإن إيراداتها من العملة الصعبة مرتبطة بشكل أساسي بعائداتها .وبما أنه يصعب التحكم بأسعا رها بالرغم من مجهودات منظمة األوبيك التي تعتبر الجزائر أحد أعضائها ،ترتب عن ذلك انكماش االقتصاد الجزائري بشكل خاص والدول المصدرة للنفط بصفة عامة بداية من النصف الثاني من الثمانينات، الشيء الذي أدى إلى انخفاض النمو االقتصادي سبب تراجع المصدر األساسي للدخل الوطني ،مما أثر سلبا على النشاط االقتصادي و فرص التوظيف بالتبعية ،وقد كان من الطبيعي أن يؤثر ذلك عكسا على حجم تجارتهاالخارجية ،ومن المعروف أيضا أن انخفاض حصيلة الصادرات يكون له آثار انكماشية مضاعفة على مستويات الدخل والعمالة خاصة في قطاعات التصدير واألنشطة المرتبطة بها. تخفيض سعر صرف الدوالر األمريكي في مواجهة العمالت األخرى ،الشيء الذي ترتب عليهاضعاف القوة الشرائية للموارد المتاحة من العمالت األجنبية ،ألن الجزء األكبر منها في شكل دوالر ،وبالتالي تقييد قدرتها على االستيراد بتلك العمالت. تخفيض سعر صرف الدوالر األمريكي في مواجهة العمالت األخرى ،الشيء الذي ترتب عليهإضعاف القوة الشرائية للموارد المتاحة من العمالت األجنبية ،ألن الجزء األكبر منها في شكل دوالر ،وبالتالي تقييد قدرتها على االستيراد بتلك العمالت.وما سيتبعه هذا من انكماش في دعم الواردات من السلع االستهالكية أو اإلنتاجية .وبتعبير آخر تبقى المدفوعات بالدوالر كما هي مقابل أحجام متناقصة من الواردات ،وأي انخفاض في الكميات المستوردة له تأثير سلبي على حجم اإلنتاج والعمالة في المؤسسات التي تستورد مستلزمات إنتاجها من الخارج. النمو الديمغرافي باعتبار أن هذا العنصر يؤثر مباشرة في زيادة حدة البطالة خصوصا إذا كانتالزيادة في عدد الوظائف ال تتناسب ومعدالت النمو السكانية التي تميل إلى االرتفاع في الدول النامية ،فقد أدت الزيادة السكانية إلى تزايد العروض من طالبي العمل في سوق العمل الجزائرية ،ونظرا الرتباط القضية السكانية بعوامل متباينة يصعب السيطرة عليها لذا اعتبرت من ضمن العوامل الخارجة عن سيطرة الدولة. نقص مصادر التمويل إلنعاش وتمويل المشاريع االقتصادية ،وهذا راجع لضعف أداء الجهازاإلنتاجي وضالة االدخار لمختلف األعوان االقتصاديين بسبب انخفاض القدرة الشرائية للعائالت ،وكذلك بسبب نظا م الفوائد المطبقة في البنوك غير اإلسالمية والذي ال يشجع على االدخار ألسباب عقائدية تجنبا لكل أنواع الربا ،باإلضافة إلى عدم مرونة التعامالت البنكية في بعض األحيان .وتجدر اإلشارة إلى أن من بين أهداف التمويل المحدد من طرف » « FMIفي الجزائر لفترة تطبيق برنامج التعديل الهيكلي ( :)98/95رفع االدخار الوطني لتمويل االستثمارات بـ % 5.5:من الناتج المحلي الخام وهذا من خالل الحد من نمو االنفاق الجاري. أزمة المدفوعات الخارجية التي تعرفها الجزائر والتي تمتد جذورها إلى بداية الثمانينات ،رغم تأخرتأثيرها على االقتصاد الوطني ،فقد بدأت تظهر منذ سنة 1986نتيجة النهيار أسعار النفط من حوالي 35دوالر عام 1981-80إلى نحو 15دوالر في مارس .1986إضافة إلى مدى تأثير خدمات الديون والشروط القاسية التي تف رضها المؤسسات المالية الدولية بموجب اإلصالح واإلنعاش االقتصادي ،والتي تتميز بارتفاع التكلفة االجتماعية وما يصاحبها من تسريح جزئي وجماعي للعمال نتيجة لهيكلة االقتصاد الوطني ،وعليه فإن مستويات التشغيل لليد العاملة تكون في تناقص ويرتفع معدل البطالة آليا. -2العوامل المباشرة للبطالة: تتمثل هذه العوامل في ميل سياسة التشغيل إلى الصيغة التعاقدية ،مما يعني انخفاض مناصب العمل الدائمة إن لم نقل انعدامها في بعض األنشطة االقتصادية بسبب تجميد آلية التوظيف الدائم ،خاصة في قطاع اإلدارة والخدمات.فقد أصبحت هذه الصيغة تشكل ميدانا خصبا للبحث لدى المفكرين االقتصاديين في مختلف الدول مثل: الواليات المتحدة األمريكية ،كندا و أوربا نتيجة لتفاقم أزمة النمو في كل دول العالم بداية من التسعينات .وبالتالي فإنها ال تقتصر على الجزائر أو غيرها من الدول النامية ،وإن تأكد ظهورها بشكل أكثر وضوحا ببالدنا مع االصالحات الهيكلية في شكل عقود العمل محدودة أو مفتوحة المدة ،تشغيل الشباب في إطار الشبكة االجتماعية والعقود السابقة للتشغيل .كما أن تباطؤ نمو المشاريع االقتصادية وتأخر آجال تسليمها يشكل أيضا أهم هذه العوامل .الشيء الذي يؤدي إلى زيادة التكاليف التي يصعب تحملها .مما سيفضي في النهاية إلى حل أو غلق المؤسسات المعنية وما سينتج عنها من حاالت التسريح الفردي أو الجماعي للعمال .كل هذه العوامل تؤدي إلى بطالة إجبارية وتبقي البطالة االختيارية في شكل حاالت االستقالة التي يقدمها العمال بسبب وجود منصب شغل أكثر أهمية وبامتيازات مادية أفضل من حيث األجور ،شروط العمل وغيرها من االغراءات التي تشجع على هذا النوع من السلوك. بإجراء مقارنة بين األسباب التي تقف وراء البطالة في الجزائر قبل وأثناء برنامج التعديل الهيكلي ،يتضح لنا أنها لم تتغير في مجملها كثيرا ،ذلك أن مخزون البطالة يعود أساسا إلى فترة ما قبل االصالح الهيكلي ،وإن كان هذا األخير قد ساهم في تفاقمها بشكل أو بآخر ،من خالل موجة التسريحات الناتجة عن تطبيق الخوصصة كما تمت اإلشارة إليها سابقا .كما يبين ذلك الجدول (رقم ،)16الذي يبين أسباب البطالة في الجزائر خالل سنة ( 1990قبل تطبيق برنامج.ت.الهيكلي). الوحدة)%( : جدول رقم 01أسباب البطالة في الجزائر لسنة :1990 نهاية نشاط حاالت االستقالة التسريح نهاية عقد التسريح أسباب البطالة نهاية المؤسسة الجماعي الفردي األشغال العمل 32.4 12.10 4.89 14.82 15.74 النسبة المئوية 20.05 المصدرD.Arezki Ighematle marchè de travail p550: يالحظ من الجدول أن النسبة الكبيرة من البطالة غير إرادية بما يمثل %67.6بالنظر إلى األسباب المشار إليها سابقا .اما البطالة االختيارية فإنها تمثل نسبة %32.40كون األفراد هم الذين فضلوا التعطل عن العمل بمحض إرادتهم أو ما يعرف باالستقالة. أما فترة بداية تطبيق البرنامج ،فقد ظلت البطالة االجبارية هي األكثر انتشارا نتيجة لطبيعة التوجه االنكماشي والحد من التوظيف ،نتيجة لعمليات الحل والتصفية التي عرفتها المؤسسات العمومية المفلسة وإحالة جزء منها إلى القطاع الخاص ويمكن تلخيص أهم هذه األسباب في الجدول (رقم:)17 الوحدة)%( : جدول رقم 02أسباب البطالة في الجزائر لسنة :1997 نهاية نشاط حاالت االستقالة التسريح نهاية عقد التسريح أسباب البطالة نهاية المؤسسة الجماعي الفردي األشغال العمل 15.5 21.3 10.6 14.2 23.3 النسبة المئوية 14.8 المصدرONS :Rapport sur la situation économique et social,1998,p48.: كما تشير معطيات الجدول ،فإن جل الذين تمسهم البطالة سبق لهم العمل من قبل ،مما يؤكد على أن النوع األكثر انتشارا يتمثل في البطالة االجبارية ،نتجت عن االصالحات الهيكلية لوحدات القطاع العام بنسبة %52و %48للقطاع الخاص. ففي ظل انخفاض مناصب الشغل المعروضة سجلت البطالة االرادية تراجعا بما يقارب %50مقارنة بالفترة السابقة ،ويتبين أيضا من ذات المصدر أن إجراءات التسريح وإنتهاء نشاط المؤسسات المستخدمة ،قد ساهمت بشكل كبير في زيادة البطالة بنسبة %16تقريبا بالنظر إلى الفترة السابقة لبرنامج التعديل الهيكلي. إضافة إلى ما ذكر سابقا ،يمكن إرجاع غياب تخطيط القوى العاملة في الجزائر إلى ثالث نقاط هي: عدم توفير البيانات والدراسات اإلحصائية بشكل دقيق يعكس الواقع الحقيقي كما هو الشأن في الدولالمتطورة.فالبنسبة للجزائر يالحظ أحيانا وجود تباين و تناقض في المعلومات المصرح بها بين مختلف الهيأت مثل:الديوان الوطني الحصائيات،المجلس اإلقتصادي و اإلجتماعي ،تقارير الحكومة تقارير البنك العالمي..... إلخ. تزايد السكان بوتيرة سريعة،الشيء الذي نتج عنه زيادة في قوة العمل ال تتوافق مع الزيادة في مناصبالعمل المعروضة،مما أدى إلى تراكم عدد البطالين،ترتب عنه إرتفاع في معدالت البطالة. غياب التنسيق و التكامل بين الهيئات و اإلدارات المشرفة على تخطيط القوى العاملة مثل:وزارةالتخطيط،وزارة العمل و الحماية اإلجتماعية،مراكز الدراسات و األبحاث ...إلخ نخلص مما سبق أن إنتشار البطالة وتفااقم حدتها يعود إلى مجموعة من األسباب التي تتباين من دولة إلى أخرى،فنجد منها ما هو راجع إلى عدم وجود تكامل في إستراتيجية التنمية بالنسبة للجانبين اإلقتصادي و اإلجتماعي و هو يدخل في نطاق مسؤولية الدولة المسيرة.و نجد منها أيضا ما هو مرتبط بعوامل ال تتحمل فيها الدولة مسؤولية كبيرة. إال أن تعد أسباب البطالة ال يعني إستحالة معالجتها،فهي ليست قدرا محتوما على الدول،خاصة النامية منها .لذلك فإن معالجتها تتطلب مجموعة من اإلجراءات و المتطلبات الواجب إتباعها،و هو ما سوف نتناوله في العنصر الموالي. -3إجراءات معالجة البطالة في سياق تطبيق برنامج التعديل الهيكلي :تعتبر مسألة مكافحة البطالة بمثابة رهان حقيقي أمام الدولة ،اذ تشكل المحور الرئيسي لكل استراتيجيـة تنموية تهدف إلى حماية ودعم التماسك االجتماعي. الشيء الذي جعلها تحتل المكانة البارزة ضمن األولويـات الوطنية ،باعتبارها ضريبة اجتماعية ناتجة عن ال مباالة الماضي بالدرجة األولى وعن تطبيق برامج التعديـل الهيكلي بدرجة أقل .ولعل من بين أهم اإلجراءات المتبعة لتحسين وضعية الشغل والتخفيف من حدة البطالة ،تلك التي تتعلق بالمخطط الوطني لمكافحة البطالة إضافة إلى المراهنة على القطاع الخاص لتحقيق ذلك. ومن أجل تدارك هذا التدهور في القدرة الشرائية نتيجة النخفاض مستويات الدخل الحقيقـي ،وانعدامـه بالنسبة للبطالين ،تبنت الحكومة مجموعة من البرامج واالجراءات يمكن عرض أهمها في النقاط التالية : أ -الشبكة االجتماعية :filets socialesلقد تم الشروع في برنامج الشبكة االجتماعية منذ سنة 1992ليتدعم أكثر خالل مرحلة تطبيق برنامج التعديل الهيكلي ،وذلك من خالل تخصيص اعانات وتعويضات مالية تهدف في مجملها الى حماية وتدعيم الفآت األكثر فقرا واألكثر تضررا نتيجة للقيود التي فرضتها طبيعة التوجه االنكماشي لالقتصاد الوطني. ويتكون برنامج الشبكة االجتماعية المعتمد بالجزائر من مجموعة من االجراءات الهادفة الـى توفيـر مداخيل لفائدة الفئة التي تأثرت ببرنامج التعديل الهيكلي ،من حيث اشتغالها وتعطلها .ذلك أن إنخفاض حجـم ومستويات التشغيل كان نتيجة لتراكمات في اختالل سوق العمالة من جهة ،ونتيجة لموجة التسريحات التي عرفتها اليد العاملة الوطنية نتيجة لبرنامج الخوصصة كما تمت االشارة الى ذلك سابقا. نتيجة لهذا االختالل ظهرت مفارقة كبيرة من حيث األجور والمداخيل المتاحة ،الشيئ الـذي أدى الـى تدهور القدرة الشرائية واتساع جيوب الفقر ،الذي أصبح يمس أكثر من % 25من الجزائريين .فبعد ما كان نصيب الفرد من االنتاج الوطني الخام ( 2880 )PNBدوالر أمريكي سنويا لسنة ،1987انخفض بحوالي 50 %خالل عشرة سنوات ،ليصبح 1556دوالر سنة .1997 ب -األنشطة ذات المنفعة العامة ”“AIG يهدف هذا اإلجراء إلى تقديم منح مالية لفئة البطالين مقابل القيام بأنشطة للصالح العام ،وذلك بموافقة البنك العالمي ،وقد قدر الغالف المالي لهذا البرنامج 22.000مليار دج استفاد منها 1.515.000شخص للفترة 13 1998-1995 ج -المنحة الجزافية للتضامن ”“AFS .1يتم تقديم منح مالية تتراوح من 600إلى 1200دج شهريا للفئات عديمة الدخل بسبب عدم القدرة على العمل ،وقد استفاد من هذا اإليراد 933.351شخص ،يرتفع هذا العدد إلى 1000.000شخص 14 سنة 1998 د -برامج عقود ما قبل التشغيل ”“CPF يوجه هذا البرنامج لخريجي الجامعات والمعاهد قصد إدماجهم في سوق العمل بشكل يتالءم مع مؤهالتهم وقدراتهم التعليمية ،وذلك لمدة أقصاها سنة ونصف مقابل تعويض مالي يتراوح بين 4500إلى 8000دج ،على الرغم من أهمية هذا البرنامج في امتصاص البطالة ولو بشكل مؤقت إال أن بعض الشباب يفضل التعطل على العمل بسبب انخفاض قيمة التعويضات مقارنة بالمستوى المعيشي. هـ -جهاز االدماج المهني ”“ESIL يهدف هذا البرنامج إلى إدماج الشباب في الحياة المهنية ،إذ تم تطبيقه منذ 1990حيث استفاد منه قرابة 332.000شاب ،للفترة 95-94لمدة 06أشهر في المتوسط موزعون على مختلف القطاعات االقتصادية خاصة اإلدارة والبناء واألشغال العمومية تقريبا.151أما بالنسبة للفترة 1998-95فقد انتقل عدد المدمجين من 141586 شاب بنسبة %80سنة 1995إلى 152.900شاب سنة .1998 و -أشغال المنفعة العامة ذات االستخدام المكثف لليد العاملة “TUP.HIMO”: تم العمل به سنة 1998قصد معالجة البطالة الشبانية ،وكذلك من أجل مساعدة الفئات المتضررة من برنامج التعديل والتصحيح االقتصادي .وقد تم بموجب هذا اإلجراء فتح 3846ورشة عمل وفرت 140.000وظيفة منها 42000شبه دائمة بمتوسط 36وظيفة لكل مشروع. أما المرحلة الثانية من هذا اإلجراء فقد تزامنت مع برنامج االنعاش االقتصادي )( PSER16 والذي سيساهم في إنشاء 22.000وظيفة شبه دائمة سنويا. هـ -المؤسسات المتوسطة والصغيرة ”“PME/PMI تشكل المؤسسات المتوسطة والصغيرة قاطرة حقيقية للنمو االقتصادي من حيث االنتاج الداخلي ومن حيث مناصب الشغل التي يمكن توفيرها ،فالجزائر تراهن كثيرا على هذه المؤسسات حيث أنها وفرت % 65.25 من مناصب الشغل خالل سنة .2001 و -برنامج القرض المصغر والمؤسسات المصغرة: يسمح هذا البرنامج بتنمية التشغيل الذاتي نتيجة لتراجع دور الدولة في توفير مناصب الشغل .وقد قدر عدد الملفات المودعة سنة 2001بـ 145.600ملف ،تحصلت % 89.5على الموافقة “attestation ” d’elegibilitأي مايعادل 364.685وظيفة بمعدل ثالثة وظائف لكل مشروع. الخاتمــة: اذا كان الفكر االقتصادي قد اشار الى تجزئة أسواق العمل ،فان بالدنا تعرف هذا التصنيف من خالل وجود قطاع عام ظل المهيمن على جل األنشطة االقتصاديـة و المستوعب األكبر لليـد العاملة و بالتالي فان تأثير االزمة االقتصادية قد خلخل توازنه أكثر مما كان عليه مما أدى الى زيادة البطالة وتراجع مستويات التشغيل؛ أما القطاع الخاص و الذي ظل دوره مقيدا في الدورة االقتصادية فقدعرف منعرجا حاسما في السنوات األخيرة بسبب تراجع دورالدولة في الحياة االقتصادية و أصبح يستوعب عمالة أكثر لكن ليس بنفس المستوى الذي كان يوفره قطاع الدولة أي بمعنى أدق فانه و مع بداية فترة االصالح غير مؤهل ألن يكون بديال عن القطاع العام من ناحية التشغيل وليس بمقدوره أن يشغل حتى فائض العمالـة الناتج عن االصالحات فكيف بالبطالين الذين لم يسبق لهم العمل أو الذين هم بدون تكوين بالنظر الى قدرته االستيعابية تحت قيد المصلحة الخاصة.اال أنه وعلى المدى الطويل قد يعد بآفاق واسعة خاصة المشاريع الذاتية مثل:التعاونيات الشبانية المؤسسات المصغرة ،المؤسسات الصغيرة و المتوسطة و التي بامكانها جر آليات سوق العمل الى االقتراب نحو نقطة التوازن . النتائج : و جود تباين واضح بين النظريات االقتصادية المختلفة فيما يتعلق بتناولهـا وتفسيرهـا ومعالجتها لظاهرةالبطالة ،بل أن التباين يمتد ليشمل تعريف البطالة و تصنيفها . عان االقتصاد الجزائري من اختالالت هيكلية أثرت على سياسته االقتصادية و انعكست بشكل واضحعلى تفاقم البطالة. تبين أيضا تعدد االقتراحات و األفكار لمواجهة أزمة البطالة واشكالية التشغيل و تكاد تتفق جميعها علىانها ناتجة عن اختالل التوازنات االقتصادية الكلية بالدرجة األولى. التوصيات : أوال :ضرورة توفير قاعدة بيانات أساسية متكاملة عن مشكلة البطالة في الجزائر تراعي التعريفات و المصطلحات و القياسات و المعايير الدولية المتعارف عليها بما يمكن من إنجاز إجراءات مقارنة وواقعية غير متضاربة،خصوصا أن مسألة اإلعالم االقتصادي باتت ضرورة ملحة خاصة بالنسبة للقائمين على التخطيط ب ِِؤ المستقبلي لسلوكات الظواهر االقتصادية و على رأسها البطالة . والتن ِ ثانيا :العمل على استمرار تطبيق سياسة اإلصالحات االقتصادية مع مراعاة أن مشكلة البطالة جزءا من قضية بصفة عامة حيث أن اإلختالالت الهيكليـة التي عانى منها االقتصاد الجزائري كانت من العوامل األساسية لنمو البطالة ،مع ارساء سياسة اجتماعية تعمل على التقليل من اآلثار السلبية لسياسة االصالح خاصة ذوي الدخل الضعيف و المحدود. ثالثا :االهتمام بما يسمى بالتدريب التحويلي و ربطه بالسياسات التعليمية رابعا :تحويل عنصر العمل في الحالة الجزائرية إلى ميزة اقتصادية إنمائية بالتركيز على القطاعات و األنشطة كثيفة العمل والتي تعتمد على نواحي تكنولوجية متقدمة لتحقيق خطوة شاملة في الكفاءة اإلنتاجية للعنصر البشري كما حدث في دول جنوب شرق آسيا ،من خالل وضع استراتيجية لتنمية كثيفة العمل تتفق وسياسات اإلصالح االقتصادي من جهة ،ورفع مستوى كل من معدالت النمو و التشغيل خاصة ،باعتبار أن الطلب على العمل مشتق من الطلب على االنتاج .من خالل :االهتمام بالقطاع الزراعي بصفة خاصة حيث أنه يعتبر من أكبر القطاعات استيعابا للعمالة مع إعطاء أولوية لمشروعات البنى األساسية في األراضي المزروعة . خامسا :ضرورة االهتمام بالصناعات التصديرية كثيفة العمل بجانب صناعات تحل محل الواردات و خاصة الصناعات التي تتميز فيها الجزائر بميزة تنافسية مثل الصناعات المشتقة من المحروقات ،مع إعطاء األولوية لتشغيل الطاقات العاطلة و تشجيع الصناعات الصغيرة في الريف و الحضر ،وذلك من خالل التركيز على دور المؤسسات المتوسطة و المصغرة إلدماج الشباب في ميدان الشغل من خالل تسهيالت تقديم القروض وبالتالي يمكن تنمية كفائة مستوى تشغيل الموارد البشرية من خالل االهتمام بالنظام التعليمي المهني والتدريببي لتسهيل عملية االدماج في سوق العمل بمعطياته الحالية والمستقبلية بما يخدم أهداف استراتيجية التنمية كثيفة العمل من جهة ،وبما يحقق ترشيد االنفاق واالستقرار النقدي من جهة أخرى. سادسا :ضرورة السيطرة على العوامل التي يمكن التحكم فيها و التي تساهم في تفاقم مشكلة البطالة مثل :الزيادة السكانية ،األنشطة ذات اإلستخدام المكثف لليد العاملة ،برامج المنفعة العامة ...إلخ سابعا :ضرورة االستفادة من تجارب الدول في مجال التشغيل خاصة تلك التي تتزامن مع تطبيق برامج االصالحات االقتصادية ،والهادفة إلى إصالح الخلل اإلقتصادي الكلي المميز لجل الدول النامية بما فيها الجزائر . ثامنا :ضرورة إعتماد مبدأ التخطيط المستقبلي للعمالة مع األخذ بعين االعتبار البعدين :الكمي( العرض المتاح من القوة العاملة ) و البعد الكيفي ( التأهيل ،التدريب ،المستوى التعليمي )...وذلك على المستويين القطاعي واألقليمي. قائمة املراجع : 1د.رمزي زكي :االقتصاد السياسي للبطالة ،مطابع الرسالة ،الكويت ، 1997،ص. 183 2 P. SALAMA ET J.VALIER : une introduction à l’économie politique ,collection Maspero,1974,p 89. 3د .إسماعيل سفر وعارف دليلة ،تاريخ األفكار اإلقتصادية ،منشورات جامعة حلب سوريا ،1977ص. 576 4دانيال أر نولد ترجمة د .عبد األمير شمس الدين :تحليل األزمات االقتصادية لألمس واليوم ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،الطبعة األولى ،بيروت ،1992 ،ص 225 5د.ليلى الخواجة ،دراسة تحليل لظاهرة البطالة السافرة و عالقتها بسوق العمل في مصر ،كلية االقتصاد و العلوم السياسية ،جامعة القاهرة ،1989 ،ص 192 6رهام حسن عبد الحكم:أثر سياسة االصالح االقتصادي على مشكلة البطالة -دراسة مقارنة بين مصر واسرائيل -رسالة ماجستير ،كلية التجارة ،جامعة عين شمس ،مصر ،سنة ،2000ص ص .20-18 7د.دانيال أرنولد ،مرجع سبق ذكره ،ص ص .210-207 8عبد المجيد بو الوذنين ،تسيير أزمة مديونية الدول النامية ،حالة الجزائر ،رسالة ماجيستير ،جامعة الجزائر ،1994ص .95 9د .ليلى.أ الخواجة :أسواق العمل في الدول النامية في ظل برنامج اإلصالح االقتصادي ،مجلة مصر المعاصرة ،العدد ، 431مصر ،1993 ،ص 95 10المرجع السابق ،ص . 96 11رهام حسن عبد الحكم ،مرجع سبق ذكره ،ص .63 12د.ليلي الخواجة ،مرجع سبق ذكره ،ص ص. 104-99 13 Rapport CNES :Evolution general des dispositifs d’emploi , alger ,2001,p21. 14 BAYA ARABE :les effets sociologie p.a.s ,cread, n°46,47,pp.48-49 15 Rapport CNES.OP.CIT. 16 ADS : Etat d’exécution du programme de développement communautaire, Février 2002,p67
© Copyright 2026 Paperzz