تحميل الملف المرفق

‫عنوان المداخلة ‪ :‬مشكلة البطالة في الفكر اإلقتصادي مع اإلشارة إلى برامج اإلصالح اإلقتصادي في الجزائر‬
‫الدكتور ‪/‬مقدم عبيرات ‪.‬أستاذ محاضر‪.‬عميد كلية االقتصاد و علوم التسيير‬
‫األستاذ ‪ /‬ميلود زيد الخير ‪.‬أستاذ مساعد ‪.‬رئيس قسم اإلعالم االلي للتسيير ‪.‬‬
‫جامعة عمار ثليجي ‪-‬األغواط‬
‫مقدمة ‪:‬‬
‫تعاني جل اقتصاديات العالم من البطالة التي باتت تهدد تماسك واستقرار المجتمعات خاصة في الدول النامية‪،‬‬
‫لما ينتج عنها من آثار سلبية تنعكس على الجانب االجتماعي بالدرجة األولى‪ ،‬ثم الجانب االقتصادي الذي سيحرم من‬
‫طاقات بشرية تصنف ضمن الط اقات المعطلة‪ .‬بينما االستغالل األمثل لها من شأنه أن يدفع عجلة التنمية إلى األمام‬
‫للخروج من أزمة الفقر والتخلف التي تميز هذه الدول‪ .‬ومما زاد األزمة استفحاال اتساع هوة االختالالت الهيكلية‬
‫القتصادياتها‪ .‬مما استدعى الشروع في سلسلة من اإلصالحات غالبا ما تفرضها مؤسسات التمويل الدولية قصد‬
‫إنعاش اقتصادياتها من جديد‪ ،‬في إطار سياسة انكماشية تركزعلى إدارة الطلب الكلي‪ ،‬وترشيد اإلنفاق العام‪ .‬الشيء‬
‫الذي سينتج عنه بالضرورة تراجع حجـم االستثمارات العمومية‪ ،‬ومحاولة تخلص الدولة من وظائفها المؤثرة في‬
‫خلق مناصب الشغل‪ ،‬خصوصا وأن جلها كان يوفرها القطاع العام على األقل لحالة الجزائر‪.‬‬
‫لعل من بين األسباب الموضوعية التي أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة بالجزائر تبنيهـا لبرنامـج التعديـل الهيكلي‬
‫الذي بموجبه تعمل على تطبيق نظام الخوصصة بمختلف أشكالها‪ ،‬حيث تتنازل الدولة عن المؤسسات العمومية‬
‫لفائدة القطاع الخاص في إطار تعميق اإلصالحات االقتصادية التي شرعت فيها منذ سنوات‪ ،‬بداية من استقاللية‬
‫المؤسسات الممتدة إلى نهاية الثمانينات من القرن الماضي‪ ،‬وانتهاءا ببرنامج التعديل الهيكلي تمهيدا للدخول إلى‬
‫اقتصاد السوق‪.‬‬
‫تعالج هذه الورقة موضوع البطالة الذي ضل محور اهتمام المفكرين االقتصاديين على تعدد المدارس التي‬
‫ينتمون اليها ‪ ،‬واختلفت الرؤى في ذلك باختالف المبادئ و العصور التي عايشوها بل امتد االهتمام الى الخبراء‬
‫االقتصاديون و بعض المنظمات الدولية و حتى رجال الساسة في محاولة منهم لتفسير الخلل القائم في سوق العمل‬
‫وطرح البدائل الممكنة لمعالجة هذا الملف الثقيل الذي بات يهـدد استقرار و استمرارية تشكيل هذا العالم‪ ،‬وتتفق جل‬
‫هذه اآلراء تقريبا على أن تحسين أوضاع التشغيـل مرتبط باآلداء االقتصادي االيجابي و مدى النمو الذي يحققـه ‪ ،‬اذ‬
‫أن ذلك بمثابة المنشط المسارع للدورة االقتصادية وما تتضمنه من زيادة في حجم االستثمارات المولدة لفرص العمل‬
‫‪ ،‬وللتوضيح أكثر سنحاول التطرق في هذه المداخلة إلى نظرة الفكر اإلقتصادي للبطالة ‪ ،‬وكذا مضمون سياسة‬
‫اإلصالحات اإلقتصادية وأثرها على البطالة والتشغيل من خالل النموذج التقليدي ونموذج الترشيد الكمي ‪،‬‬
‫كماسنعرج أيضا على أسباب البطالة في الجزائر وسبل معالجتها في إطار برنامج التعديل الهيكلي‪ ،‬وسنختم ذلك‬
‫بنتائج و توصيات‪.‬‬
‫‪ .I‬البطالة في الفكر اإلقتصادي وسبل عالجها ‪:‬‬
‫‪- 1‬النظرية االقتصادية و مفهوم البطالة ‪:‬‬
‫تعتبرالبطالة من أهم التحديات التي واجهت و تواجه اقتصاديات العالم لكونها مشكلة ذات أبعاد تاريخيـة‬
‫وجغرافية بمقدارارتباطها بمراحل التطوراالقتصادي‪ .‬وقد حظي هذا الموضوع باهتمام المفكرين االقتصادييـن‬
‫على اختالف مذاهبهم و أفكارهم من فترة زمنية إلى أخرى‪ .‬ولعّل تنوع أشكال البطالة هو أحـد العناصـر المفسرة‬
‫لتعدد التحاليل حول فهمها وتفسيرها‪،‬وسوف يتم عرض أهم هذه األفكار بشيء من اإليجاز فيما يلي ‪:‬‬
‫أ‪ -‬البطالة عند الكالسيك ‪ :‬يركز الكالسيك في تحليلهم على المدى الطويل ‪،‬حيث يربطون البطالة بالمشكلة‬
‫السكانية وبتراكم رأس المال والنمواالقتصادي والطاقات اإلنتاجية لالقتصاد‪ .‬كما يرتكزاهتمامهم بالبعد‬
‫االجتماعي والسياسي للظاهرة االقتصادية‪ ،‬إذ يؤمن الكالسيك بمبدأ التوازن العام‪ ،‬الذي يعنى أن "كل‬
‫عرض سلعي يخلق الطلب المساوي له "‪ ،1‬أوما يسمى بقانون المنافذ عند "ساي"‪.‬‬
‫فالتبادل في التحليل الكالسيكي يكون على أساس المقايضة وال مكان للنقود فيه‪ ،‬بمعنى آخـر‪ :‬تسـاوي‬
‫االدخار واالستثمار واستحالة حدوث البطالة على نطاق واسع ‪ ،‬ذلك أن التوازن االقتصادي هو توازن‬
‫التوظيـف الكامل‪.‬‬
‫في حين أن البطالة التقليدية تنشأ عن عدم كفاية عرض السلع لكون إنتاج المؤسسات اقـل مـن الطلـب نتيجـة‬
‫النخفاض معدالت األرباح بسبب إرتفاع األجور‪ ،‬وهو ما يعني أن القائمين على خطط االستثمارسوف لن‬
‫يرفعون من مستوى استثماراتهم القادرة على زيادة التشغيل تجنبا لتضخيم التكاليف ‪،‬و تعزى البطالة أيضا‬
‫في نظر الكالسيك إلى العمل الخاطئ لسوق العمل ‪ ،‬وفي حالة وجودهـا فـان آليـة األجور كفيلة باستيعاب‬
‫اليد العاملة العاطلة‪ ،‬ذلك أن تخفيض هذه األخيرة سيرفع مستوى األرباح‪ ،‬وهوما يشكل حافزا لزيادة‬
‫االستثمار وبالتالي رفع مستوى التشغيل‪ ،‬خصوصا في ظل التنافس على منصب العمل والقبـول بمستوى‬
‫األجور السائدة‪ .‬نستنتج من ذلك أن األجورهي عامل أساسي في آليات سوق العمل‪ ،‬إذ أنها تؤثرعلى عرض‬
‫وطلب العمل في آن واحد ‪.‬‬
‫ب‪ -‬البطالة عند النيوكالسيك ‪ :‬لقد اعتمد تحليل النيوكالسيك على نظرية "التوازن العام" الذي يتحقق‬
‫في سوق السلع والخدمات وسوق العمل نتيجة إلرتباط حجم العمالة بالعرض والطلب على العمل‪.‬‬
‫ويرتكزهذا التحليل على بعض الفرضيات المستمدة من شروط المنافسة التامة (السوق الحرة) ومن‬
‫أهمها‪ :‬تجانس وحدات العمل‪ ،‬حرية تنقل اليد العاملة ودورالمنافسة في شراء وبيع قوة العمل مثل‪:‬‬
‫بيع وشراء السلع وأن حجم اليد العاملة مرتبط بعرض وطلب العمل في السوق‪.‬‬
‫ومهما يكن من أمر فإن النظرية النيوكالسيكية افترضت حالة التوظيف التام‪ ،‬ولم تولي للبطالة اهتمامـا كبيرا‬
‫بسبب تبنيها لقانون "ساي" لألسواق‪ ،‬كما أن فرضية وجود المنافسة التامة ال تتحقق في الواقع‪ ،‬إضافـة إلى‬
‫أنها اعتبرت أن التغير التكنولوجي هو متغير خارجي يتطوربشكل منعزل عن مستوى التطور االقتصادي‪،‬‬
‫لكن الواقع يثبت عكس ذلك إذ أن استخدام التكنولوجيا هو أحد العوامل األساسية لإلنتاج ألنه يرفع من‬
‫حجمـه بأقل التكاليف ‪ ،‬و بالتالي فإن تشغيل اآلالت قد يؤثر على حجم العمالة إذ تحل اآللـة محل العامل في‬
‫أحيان كثيرة‪.‬‬
‫ج‪ -‬البطالة في الفكر الماركسي‪ :‬ينتقد الفكر الماركسي النظام الرأسمالي الذي يجزم بأن البطالة هي حالة‬
‫عرضية‪ ،‬و نادرة الوقوع بسبب وجود آلية السوق التي تعيد التوازن بشكل تلقائي عن طريق تفاعل‬
‫قوى العرض والطلب‪ ،‬وكل بطالـة هـي ناتجة عن‪ :‬الزيادة الهامة في حجم السكان كنتيجة حتمية‬
‫للتطورات التقنية )‪.(les progrès techniques‬‬
‫أما بالنسبة للماركسيين فإن األزمات ماهي إال مظهر من مظاهر نقص االستهالك لدى الطبقة العاملة‪،‬‬
‫ألن قيمة األجور ال تتساوى وقيمة اإلنتاج‪ .‬أي أن الرأسمالية تنتج أكثر مما تدفع من أجور ومما يزيـد‬
‫األزمـة تفاقما هو" أن تعمد الرأسمالية بفضل قانون االرتفاع المستمر في التركيب العضوي لرأس المـال‬
‫)‪ (C/V‬إلى إحالل اآلالت محل اليد العاملة‪ ،‬فتلقي بالعمال إلى البطالة‪ ،‬مما يعني فقدان العامل لقوة شرائه‬
‫"‪ .2‬وعليه فإن "البطالة هي نتيجة لزيادة إنتاجية العمل في األنظمة الرأسمالية للتراكم" ‪ .3‬أما بالنسبة لحجـم‬
‫التشغيـل فإنه يرتبط أساسا بمعدل الربح الذي يحققه أرباب العمل‪ ،‬إذ أنهم يحولون دون إنخفاضه من خالل‬
‫زيادة إنتاجهم الشيئ الذي يؤدي إلى فائض في اإلنتاج ‪ ،‬خاصة أن التقدم التقني يتطلب رأسمال أكثر يأكل‬
‫الجزء المخصـص لألجور‪ .‬وبالتالي فإن العمال سوف يستمرون في إنتاج رأس المال وتحقيق تراكمه‪،‬‬
‫بمعنى أنهم ينتجون بأنفسهم أداة إحالتهم للبطالة‪.‬‬
‫د‪-‬تفسير البطالة عند المدرسة الكينزية‪ :‬يتحقق التوازن عند الكينزيين نتيجة للتوازن في سوق السلع‬
‫والخدمات‪ ،‬وسوق النقد في آن واحد اذ أن الطلب على العمل دالة متناقصة بداللة الدخل‪ ،‬وأن تعظيم األرباح‬
‫يتطلب تساوي اإلنتاجية الحديـة للعمـل مع معدل األجر الحقيقي‪ .‬أي أن انخفاض معدل األجورالحقيقية يمكن‬
‫أن يتيح ارتفاعا في الطلـب علـى العمـل وبالتالي حجم العمالة‪ ،‬أماعرض العمل فإنه مرتبط بمعدل األجر‬
‫االسمي )‪ ،(W‬ألن العمال يقعون في فخ الوهم النقدي‪ ،‬حيث يعتبرون أن كل زيادة في األجر االسمي هي‬
‫زيادة فعلية في مداخيلهم بسبب جهلهـم لمستـوى األسعار‪ .‬وقد وجد كينز أن تطور الرأسمالية يصطدم‬
‫بتناقضات حادة ال يمكن أن تزول عفويا مثل البطالة الجماهيرية المتزايدة‪ ،‬وعدم كفاية الطلب على البضائع‬
‫‪،‬مما يؤدي إلى عدم تطابقه مع العرض آليا‪.‬‬
‫من ناحية أخرى‪ ،‬يرفض كينز آلية األجور كسبب للبطالة‪ ،‬ألن انخفاضها سيؤدي إلى انخفـاض دخل‬
‫العمال‪ .‬وبالتالي انخفاض الطلب على السلع مما يعقد مشكلة تصريف السلع باألسواق‪ .‬وعليه فإن سر وجـود‬
‫البطالة يكمن فيما يلي‪ :‬لقد الحظ كينز أن حالة التوظيف الكامل ما هي إال حالة خاصة جدا‪ ،‬وأن الطلب‬
‫الكلي الفعال هوالمحدد للعرض الكلي‪ ،‬ومن أجل زيادة تشغيل العمال يجب رفع حجم هذا الطلب‪ ،‬والذي‬
‫بدوره ينقسم إلى طلب على السلع االستهالكية وطلب على السلع االستثمارية ‪.‬‬
‫فالكالسيك و النيوكالسيك ينظران إلى االدخار واالستثمار أنهما وجهان لعملة واحدة والتعادل بينهمـا‬
‫أمـر بديهي‪ .‬أما كينز فقد أدخل العوامل المؤثرة عليهما‪ ،‬وبالتالي فإن كل اختـالل بينهمـا يـؤدي إلـى حـدوث‬
‫االضطرابات في دورة الدخل القومي مع احتمال وقوع الكساد‪ ،‬وفي حالة افتراض أن حجم االدخار أكبـر‬
‫من حجم االستثمار‪ ،‬فإ ن الطلب الكلي الفعال سيقل عن العرض الكلي و بالتالي يتزايد مخزون السلع و‬
‫يتراكم‪ ،‬مما يؤدي إلى انخفاض األسعار الذي ينتج عنه انخفاض في األرباح وفي الناتج‪ ،‬وبالتالي تتزايد‬
‫الطاقة العاطلة وتحـدث بطالة‪ ،‬الشيء الذي يؤدي إلى انخفاض الدخل الوطني ‪.‬‬
‫أما في حالة ما إذا كان حجم االستثمار أكبر من حجم االدخار فإن الطلب الكلي الفعال سيكون أكبر‬
‫من العرض الكلي‪ ،‬وعليه سوف ينخفض مستوى مخزون السلع ‪ ،‬و تتزايد المبيعات ‪ ،‬وترتفع األسعار‬
‫واألرباح‪،‬وإذا كانت هناك طاقات إنتاجية عاطلة سوف يلجأ المنتجون لتشغيلها وهذا االنتعاش في االستثمار‬
‫يؤدي إلى زيادة في تشغيل عدد العمال وبالتالي تقل البطالة ولرفع مستوى االستثمارات يرى كينز ضرورة‬
‫تدخل الدولة من خالل سياسة استثمارية عامة لتعويض نقص االستثمارات في القطاع الخاص‪ ،‬ويرى أيضا‬
‫أن نقص االستخدام ليس عارضا‪ ،‬بل ممكنا وغالب الوقوع‪ ،‬وبالتالي يجب استبدال آلية الدخل باألسعار ألن‬
‫المستثمرين هم الذين يتوقعون الطلب الحقيقي‪ ،‬و يقررون بناء توقعاتهم فيما يخص حجم اإلنتاج واليد العاملة‬
‫الضروريـة للوصول إلى مستوى التوظيف الكامل كما يجب‪ ،‬من خالل النقاط الثالثة التالية ‪:‬‬
‫ توظيف كل المدخرات في شكل مشاريع تتيح فرص عمل جديدة‪،‬‬‫ إتاحة الفرصة للمدخرين الستثمار أموالهم في المشاريع‪،‬‬‫ التضحية باالستقرار النقدي وموازنة الدولة في بادئ األمر‪ ،‬العطاء عمل‬‫للعاطلين دون التمييز بيـن طبيعة العمل إذا كان منتجا أم ال ‪.‬‬
‫وفي هذا الصدد يقترح كينز أن يشغل العمال أوقاتهم في أعمال بغض النظر عن مردوديتها إذ أن المهـم‬
‫حسب رأيه هو أن يتلقوا مدا خيل مقابل ذلك‪ ،‬لتمكينهم من االستهـالك الـذي يضمـن تصريـف ما تنتجـه‬
‫المؤسسات‪ ،‬إذ يقول كينز‪ " :‬إن من األفضل أن يدفع للعمال لقاء حفرهم خنادق في األرض‪ ،‬وردمهـا من أن‬
‫يبقوا بدون عمل" ‪ .‬ألن الدخل الذي سوف يتم توزيعه علىالعاطلين يرفع من مستـوى استهالكهـم‪ ،‬ويحفـز‬
‫المستثمرين على توسيع مشاريعهم وطلب يد عاملة إضافية الن الدخل كفيل بتعويض الخلل الواقع في البداية‬
‫أي التضخم حسب كينز‪ .‬وعليه فان البطالة الكينزية هي نتيجة لعدم كفاية الطلب الكلي‪ ،‬وبالتالي فإن أرباب‬
‫العمل في مواجهة مع قيد التوظيف ( ‪.) Contrainte de débouche‬‬
‫و إذا كان كينز قد أوضح أثر نمو االستثمارعلى الدخل‪ ،‬فإن الكينزيين الجدد حاولوا تجديد معدل النمو‬
‫الضروري الذي يجب أن يتحقق حتى يمكن تجنب البطالة والوصول إلى مستوى التوظيف الكامل للطاقـات‬
‫اإلنتاجية والموارد البشرية‪ ،‬انطالقا من نماذج النموالكينزية مثل‪ :‬نموذج هارود‪ ،‬كالدور‪ ،‬جـون روبنسون‪،‬‬
‫وغيرهم ‪ ،‬والتي استخدمت أدوات التحليل الرياضي في بناء و تحليل هذه النماذج‪ ،‬مع إعطائهم البعـد الزمني‬
‫أهمية خاصة في تحليل الظواهر االقتصادية‪ .‬وبالتالي فاإلشكالية المطروحة هي‪ " :‬البحث عن المعدل الذي‬
‫يتعين أن ينمو به الدخل على المدى الطويل للمحافظة على التوظيف الكامل وتجنب البطالة والكساد"‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬تفسير البطالة وفقا لمنحنى فيلبس ‪ :‬يرتكز اهتمام فيلبس على دراسة وتحليل سوق العمل في‬
‫االقتصاد اإلنجليزي من خـالل دراسـته اإلحصائية للمجتمع البريطاني من ‪ 1861‬حتى ‪ ،1957‬حيث كشف‬
‫وجود عالقة إحصائية قويـة بيـن نسبـة العاطلين إلى إجمالي السكان‪ ،‬ومعدل التغييرفي أجرالساعة للعامل‬
‫خالل مدة زمنية معينة‪ ،‬بمعنـى أن الفتـرة التي تقل فيها معدالت البطالة ترتفع عندها األجور النقدية و‬
‫العكس صحيح‪ ،‬أو بمعنى آخـر وجـود معـدل ضعيف من البطالة يتناسب مع ارتفاع سريع في األجور‬
‫االسمية و العكس بالعكس‪.‬‬
‫وعلى هذا األساس تم التوصل إلى وجود دالة متناقصة بين المؤشرين وهو ما يعني " وجـود عالقة‬
‫‪4‬‬
‫تجريبية عكسية بين معدل ارتفاع األجر االسمي ومعدل البطالة"‪.‬‬
‫وقد ساهمت أبحاث كل من ر‪.‬ليبسي‪ 1960 -R.Lipsey -‬وبـول سامويلسـون ‪P. Samuelson.‬‬
‫وسولو ‪ R.M-Solow‬بتطويرهذه الفكرة‪ ،‬إذ أمكن التوصل إلى وجود عالقة عكسية بين معدل التضخم‬
‫ومعدل البطالة‪ ،‬وهوما يفسره منحنى فيليبس‪ .‬الذي يمكن من خالله استخالص مايلي‪:‬‬
‫ أن ثمن خفض معدل البطالة هو ثمـن ذلك قبول معدل أعلى للتضخم‪.‬‬‫وعلى هذا األساس أصبحت معظم البرامج االقتصادية للدول الصناعية تختـار النقطة التي تفضلها على‬
‫منحنى فيلبس وما تشير إليه من معدل معين للبطالة ومعدل معين للتضخم‪ ،‬وتقوم بعد ذلك باختيار السياسة‬
‫النقدية والمالية التي تحدد الطلب الذي يضمن تحقيق هذين المعدلين المرغوب فيهما‪.‬‬
‫لكن ومع بداية السبعينيات لوحظ أن المستوى العام لألسعار ظل يتجه نحو االرتفاع المستمر‪ ،‬في‬
‫الوقت الذي تتزايد فيه معدالت البطالة‪ .‬الشيء الذي شكل انتقادات الذعة لهذا المنحنى وقصوره على تفسير‬
‫تزامـن البطالة والتضخم معا أوما يسمى بالركود التضخمي )‪. (Stagflation‬‬
‫و‪ -‬تفسير البطالة في النظريات النقدية‪ :‬يفسر هذا التيار البطالة الدورية من خالل العوامل النقدية‬
‫البحتة‪ ،‬وأن عالجها يكمن في استخـدام أدوات السياسة النقدية‪ ،‬ويضم هذا التيار مجموعة من‬
‫المفكرين أمثال‪ :‬هوتري )‪ ،(Howtrey‬فيكسل )‪ (Wiskell‬من مدرسة شيكاغو‪ .‬بإعطائهم للنقود‬
‫أهمية بالغة في النشاط االقتصادي‪ ،‬وأن كل التقلبات التي يعرفهـا االقتصـاد ناتجة عن تغير عرض‬
‫النقود‪ .‬كما أن زيادة تدخل الدولة في الحياة االقتصادية على النحو الذي شل من كفاءة آلية‬
‫األسعارفي سوق العمل‪ ،‬يعتبر من بين العوامل المفسرة للبطالة في نظرهم‪.‬‬
‫ويؤكدون على أن تعطيل زيادة إعانات البطالة تعطل من فاعلية سوق العمل‪ ،‬ألن العمال المستفيدين منها ال‬
‫يبحثون عن العمل بجديـة‪.‬‬
‫و بالتالي فالبطالة في نظرهم اختيارية وال مكانة للبطالة اإلجبارية في تحاليلهم ويرون أن مواجهة البطالة‬
‫يكمـن في‪" :‬عدم تدخل الحكومات لحل هذه المشكلة وتركها لكي تحل نفسها بنفسها عبر آليات السوق" يرى‬
‫فريدمان أنه ال يوجد منحنى فيلبس في شكله التقليدي إال في األجل القصير‪ ،‬أما في األجل الطويل فإن هذا‬
‫المنحنى يأخذ شكال مستقيما عموديا يحدد معدل بطالة طبيعية‪ ،‬ويميز عدم كفاية السياسة االقتصاديـة‬
‫لمحاربة البطالة إال في األجل القصير‪.‬‬
‫ح‪ -‬تفسير البطالةوفقا لظرية رأس المال البشري‪ :‬من مؤسسيها ‪ Beher,Shult‬خالل الستينيات وبالتحديد في‬
‫‪ .1964‬اذ يفسر اختيار الوظيفة على أساس الفوائد التي يجنيها العامل من وراءها قصد تحسين إنتاجيته‬
‫واالستفادة من أكبر دخل ممكن‪ ،‬وبالتالي سيضحي األفراد بالوقت الضروري للتكوين من أجل رفع قدراتهم و‬
‫مؤهالتهم‪ ،‬باعتبار أن سوق العمل يبحث عن اليد العاملة المؤهلة‪ .‬وعليه فإن االهتمام يرتكز على الوظيفة وليس‬
‫‪5‬‬
‫بمن يشرفون عليها‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫ط‪-‬تفسير البطالة وفقا لنظرية تجزئة سوق العمل ‪ :‬ترتكز هذه النظرية التي ظهرت على يد ‪D.B‬‬
‫‪ ، Doernberg , M.Piore‬في دراسة ميدانية لسوق العمل األمريكية خالل الستينيات‪ ،‬التي تفسر أن قوة‬
‫العمل األمريكية تتعرض لنوع من التجزئة علـى أسـاس العرق والنوع والسن والمستوى التعليمي‪ .‬وتهدف‬
‫النظرية الى ت فسير ارتفاع البطالة‪ ،‬والكشـف عن أسبـاب ارتفاعها في قطاعات معينة ووجود ندرة في‬
‫عنصر العمل في قطاعات أخرى‪ .‬وعلى هذا األساس تميز النظرية بين خمسة أنواع من أسواق العمل وهي‪:‬‬
‫السوق الداخلية‪ ،‬السوق الخارجية ‪ ،‬السوق األولية‪ ،‬السوق الثانوية‪ ،‬و السوق الرئيسية‪.‬‬
‫ي‪ -‬نظرية البطالة الهيكلية ‪ :‬ظهرت هذه النظرية لتفسير معدالت البطالة المرتفعة في السبعينيات وزيادة‬
‫التطورالتقني الـذي طـرأ على الصناعة‪ ،‬فقد تعرضت بعض الفئات من العمال لظاهرة التعطل بسبب عدم‬
‫قدرتها على التوافـق مـع األساليب ‪ ،‬الحديثة في الفنون اإلنتاجية‪ .‬في حين ظهر فائض في فرص العمـل في‬
‫أعمـال و مهـن أخـرى‪ .‬وقد فسرت النظرية عدم التوافق بين فرص العمل المتاحة والمتعطلين بمجموعة من‬
‫األسباب أهمها‪ :‬عدم القدرة على االنتقال بمرونة من مكان آلخر‪ ،‬االعتبارات الشخصية في تفضيل العمال ‪،‬‬
‫و عدم توفير فرص تدريب مناسبة للعمال حتى يتمكنوا من القيام بأعمال جديدة‪.‬‬
‫ز‪-‬نظرية اختالل التوازن‪ : 7‬ظهرت على يد االقتصادي الفرنسي ‪ ،E.Malinvand‬كمحاولة لتفسير معدالت‬
‫البطالة المرتفعة في الدول الصناعية خالل فترة السبعينيات‪ .‬ويرتكز تحليله للبطالة على سوقين اثنين هما‪:‬‬
‫سوق السلع و سوق العمل‪ .‬وتبني هذه النظرية فرض جمود األسعار واألجورفي األجل القصير‪ ،‬ويرجع‬
‫ذلك الى عجزهما عن التغير بالسرعة الكافية لتحقيق التوازن المنشود‪ .‬ونتيجة لذلك يتعرض سوق العمل‬
‫لحالة االختالل متمثلة في وجود فائض في عرض العمل عن الطلب‪ ،‬مما يقود إلى البطالة االجبارية‪.‬‬
‫و ال تقتصر النظرية على البحث عن أسباب البطالة في اطار دراسة سوق العمل‪ ،‬وانما تسعى أيضا‬
‫لتحليلها من خالل دراسة العالقة بين سوق العمل وسوق السلع‪.‬اذ يمكن أن ينتج عنه نوعين من البطالة هما‪:‬‬
‫النوع األول و يتميز بوجود فائض في عرض العمل عن الطلب عليه‪ ،‬ويترتب على ذلك عدم قيام‬
‫أصحاب العمل أو رجال األعمال بتشغيل عمالة اضافية لوجود فائض في االنتاج ال يمكنه وهو ما يتطابق‬
‫مع التحلـيل الكينزي‪.‬‬
‫و النوع الثاني في هذه الحالة تقترن البطالة في سوق العمل بوجود نقص في العرض من السلـع عن‬
‫الطلب عليها‪ ،‬وتكون أسباب البطالة في ارتفاع معدل األجور الحقيقية للعمال‪ ،‬مما يدفع المستخدمبن الى‬
‫عـدم زيادة كل من عرض السلع ومستوى التشغيل بسبب انخفاض ربحية االستثمارات‪ ،‬وهو ما يتطابـق مع‬
‫التحليـل الكالسيكي‪.‬‬
‫‪ -2‬عالج البطالة في الفكر االقتصادي‪:‬‬
‫أ‪ .‬المدرسة التقليدية‬
‫ترى أن الدورة االقتصادية ال تعدو إال أن تكون مجرد ظاهرة نقديـة بحتـة‪ .‬اذ تعـود التقلبات في مستوى‬
‫النشاط االقتصادي الى درجات التوسع واالنكماش في المعروض من النقود ووسائل الدفع عموما( التسهيالت‬
‫االئتمانية)‪ .‬وعلى اعتبار أن البطالة السائدة تكون اختيارية أو احتكاكية‪ ،‬فان األجور كفيلـة برفع الكمية‬
‫المعروضة من العمل مقارنة بتلك المطلوبة للوصول الى مستوى التشغيل الكامل‪.‬‬
‫ب‪ .‬المدرسة السيكولوجية إ ن حدوث التقلبات الدورية في مستوى النشاط االقتصادي سببهـا التقلبـات التي‬
‫تطرأ على سيكولوجية فئة المنظمين والمستثمرين‪ ،‬من خالل التوقعات حـول آفـاق الربحيـة لفـرص االستثمار‬
‫المربحة والمتاحة‪ ،‬ذات األثر االيجابي على احداث مناصب الشغل‪.‬‬
‫ج‪ .‬مدرسة قصور االستهالك‪ :‬ترجع هذه المدرسة حالة االنكماش والركود االقتصادي إلى انكماش حجم‬
‫الطلب الكلي الفعال في المجتمع‪ ،‬ويرجعون ذلك لضعف القدرة الشرائية لدى الفئات األجرية ومحدودىالدخل‪،‬‬
‫نتيجة لسوء توزيع المداخيل بين الفئات المختلفة‪ ،‬وهو ما يؤدي الى انكماش في حجم الطلب الكلي الفعال في‬
‫المجتمع لما لذلك من أثر على حالة االنكماش والركود ‪.‬‬
‫د‪ .‬مدرسة المغاالة في االستثمار ‪ :‬ترى أن التوسع المفرط في االستثمار لبعض األنشطة والصناعة بدرجة‬
‫أكثر تبرره اال حتياجات واعتبارات التناسق بين األنشطة المختلفة لالقتصاد‪ ،‬سوف تدفع به ان آجال أو عاجال نحو‬
‫الركود االقتصادي‪ ،‬كما يمكن أن تحدث التقلبات االقتصادية للعملية االنتاجية بسبب االختراعات واالكتشافات‬
‫الجديدة أوفتح أو فقدان أسواق جديدة ‪.‬‬
‫هـ‪ -‬مدرسة شيكاغو ‪ :‬ركزت على ضرورة الوصول إلى االستقرار النقدي الذي يتحقق بوجود تـوازن‬
‫بين نسبة التغير في كمية النقود وبين حجم الناتج الحقيقي‪ .‬ويرجعون مصدر اإلفراط في عرض النقـود‬
‫إلى عجز ميزانية الدولة‪ ،‬والتي يتوجب عليها القضاء عليه تفاديا لكل نفقات إضافية مثـل‪ :‬مدفوعـات‬
‫الحمايـة االجتماعية مما قد يجبر العمال على قبول األعمال التي كانوا يرفضونها بسبب اإلعانات المقدمـة‬
‫للبطاليـن‪.‬‬
‫وللتأثير على حجم البطالة يقترح رواد هذه المدرسة أن تكتفي الدولة بوظائفها التقليدية دون البحث عن‬
‫تحقيق التوظيف الكامل‪ .‬وأن يتم إطالق آليات السوق تعمل عملها الستعادة التوازنات المفقودة خاصة في‬
‫سوق العمل‪.‬‬
‫و‪ -‬مدرسة اقتصاديات العرض ‪ :‬ترجع البطالة إلى نقص قوى العرض وليس قوى الطلب ‪،‬كما فسر ذلك‬
‫الكينزيون‪ ،‬وترى أن الخروج من مأزق البطالة يتم بدفع حركة االستثمارات والعمل على إنعاش الحوافـز‬
‫التي من شأنها أن تزيد من قوى االدخار واالستثمار ومن أجل رفع مستوى االدخارات فقد اقترحوا تخفيض‬
‫معـدالت الضرائب‪ .‬إال أن هذا الطرح يعني تفاقم عجز ميزانية الدولة بسبب انخفاض إيراداتها‪ ،‬وسوف لن‬
‫يكون له أثـر علـى خفض معدالت البطالة‪ ،‬بدليل البرنامج الذي طبقه الرئيس األمريكي – ريغان‪ -‬أثناء‬
‫عهدته الرئاسية‪.‬‬
‫ح‪ .‬مدرسة التوقعات الرشيدة ‪:‬اعتمدت هذه المدرسة على النظرة المستقبلية لسير النشاط االقتصـادي على‬
‫اعتبار أن البطالة في تحاليلهم اختيارية ‪ ،‬كون آليات سوق العمل تتكيف بسرعة مع كل اختالالت التوازن التي قد‬
‫تحدث به ( على أن تكون األسعار واألجور مرنة‪ ،‬وأن تتوفر كافة المعلومات لبناء التوقعات المستقبلية)‪ .‬فإذا‬
‫أرادت الدولة رفع معدالت النمو االقتصادي وتخفيض معدالت دعم الطلب الكلـي عن طريق زيادة كمية النقود‬
‫المتداولة فان األفراد سوف يتنبئون بحدوث التضخم‪ ،‬و سيطالبون برفع األجور‪ ،‬مما يعني ارتفاع التكاليف ومنه‬
‫ارتفاع األسعارالتي قد يعجز المستهلك على تحملها‪ ،‬فتسعى المؤسسات إلـى خفـض تكاليفهـا بالتأثيرعلى اليد‬
‫العاملة(تسريح العمال )‪ ،‬وعليه فإن هذه السياسة غير فاعلة‪.‬‬
‫أما إذا أرادت الدولة محاربة التضخم من خالل تطبيق سياسة انكماشية‪ ،‬سيؤدي ذلك إلى بطء اإلنتاج‬
‫وزيادة معدالت البطالة ولتفادي ذلك فإنه يجب أن يكون هناك استقرار في السياسة الحكومية أوال‪ ،‬ثم ثانيـا‬
‫تقييد دور الدولة في الحياة االقتصادية وترك الحرية االقتصادية والمنافسة التامة وآليات السوق تعمـل عملهـا‬
‫بكل شفافية‪ ،‬مع ضمان المرونة في األجور واألسعار تبعا لحاالت األسواق ‪.‬‬
‫ط‪ .‬المدرسة المؤسستية ‪ :‬اختلفت في رؤيتها للبطالة‪ ،‬اذ انتقدت التحليل النيوكالسيكي من حيث الفروض‪ ،‬أو‬
‫منهج التحليل وحتى النتائج المتوصل اليها‪ .‬فلم تعد البطالة أزمة كم بل أزمة كيف وال يمكن حلها بزيادة الطلب‬
‫الكلي الفعال‪ ،‬خاصة في ظل تزايد الثورة التكنولوجية التي أدت إلى تخفيض الطلب علـى األيدي العاملة‪ ،‬نتيجة لما‬
‫حدث من اعادة هيكلة للعمل( اختفاء العديد من المهن والوظائف بال رجعة) ‪.‬‬
‫ويرى عدد من مفكري هذه المدرسة أن الخروج من أزمة البطالة سيكون من خالل التوسع في مجال‬
‫الخدمات اإلنسانية مثل‪ :‬الخدمات الصحية رعاية المسنين‪ ،‬الترويج والسياحة‪ ،‬األمن الشخصي ‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫ي‪ .‬المدرسة الكينزية الحديثة‪ :‬يرىأنصارهذه المدرسة أن عالج البطالة يكمـن في زيادة معدالت النمو‬
‫االقتصادي‪ ،‬حتى ولو كان ذلك بزيادة معدالت التضخم‪ ،‬قصد االنتقـال مـن مرحلـة الركود إلى مرحة‬
‫االنت عاش‪،‬الذي يتطلب موارد مالية كبيرة يمكن توفير جزءا كبيرا منها عن طريق المدخرات الوطنية والتراكم‬
‫واإلنتاجية‪ .‬وبما أن احتياجات سوق العمل تتطلب أيدى عاملة مؤهلة‪ ،‬فإنهم يقترحون إجراء دورات وبرامج‬
‫تدريبية وتكوينية لكي تتكيف مع هذه المتطلبات‪ ،‬ويقترحون أيضا الرجوع إلى سياسة األشغال العامة الكبـرى التي‬
‫من شأنها خلق فرص عمل أكثر وبالتالي الرفع من مستوى التوظيف والدخل‪.‬‬
‫ك‪ .‬وجهة نظر الخبراء والمنظمات الدولية ‪:‬‬
‫يشير خبراء منظمة العمل الدولية وعدد من االقتصاديين إلى‪:‬‬
‫ ضرورة انتهاج سياسة اقتصادية تهدف إلـى رفـع معدالت النمو االقتصادي‪ .‬و خفض تكلفة العمل الذي‬‫يرتبط أساسا بتكاليف اإلنتاج‪ ،‬حيث تشكل األجور الجانب األساسي منها‪ .‬مع تعديل ظروف سوق العمل‬
‫بإلغاء قوانين الحد األدنى لألجور وتعديل نظام إعانات البطالة والضمان االجتماعي بالشكل الذي يجعل‬
‫المداخيل التعويضية متوازنة مـع الحاجة إلى تحفيز ميول العمال نحو العمل‪.‬‬
‫ إلزامية التوسع في سياسة التدريب للعاطلين لتنمية مؤهالتهم ومهاراتهم بما يتالءم ومتطلبات أسواق‬‫العمـل والتكنولوجيات الحديثة‪ .‬تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومشاريع القطاع غيرالرسمي وتذليل‬
‫العقبات التـي تواجههـا لضمان وصولها إلى األسواق الوطنية والعالمية مثل‪ :‬تسهيل حصولها على االئتمان‪،‬‬
‫نقل التكنولوجيات الحديثة إليها وتوفير المعلومات التي تحتاجها الداء مهامها‪ ،‬االمتيازات الضريبية‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫ تشجيع التقاعد المبكر لتوفير فرص عمل جديدة خلفا للذين أحيلوا إلى التقاعد‪.‬‬‫ تطوير نظام المعلومات المتعلقة بأسواق العمل في اإلستثمار‪ ،‬وتداولها بأقل تكلفة ممكنة‪ ،‬لتمكيـن طالبـي‬‫العمـل والعارضين له من االلتقاء في أسرع وقت بالنظر إلى حاجة المستثمر ومؤهالت العمال‪.‬‬
‫ويظل االقتراح الذي ينادي بفكرة تقسيم األعمال أكثرها انتشارا‪ ،‬حيث يتم بموجبها توزيع حجم العمل‬
‫على عدد أكبر من العمال مما يؤدي إلى‪ :‬احتفاظ العمال المشتغلين فعال بوظائفهم‪ ،‬وإتاحة فرص تشغيل‬
‫إضافية جديدة‪ .‬وذلك من خالل تخفيض ساعات العمل واألجور‪ ،‬فبدل أن يعمل العمال خمسة أيام في‬
‫األسبوع‪ ،‬فانه سيخفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام مقابل خفض األجور وبالتالي يمكن تقاسـم األعمال‬
‫المتاحة لمزيد من العمال‪.‬‬
‫‪ .II‬سياسات اإلصالحات اإلقتصادية وأثرها على البطالة والتشغيل‪.‬‬
‫‪-1‬سياسات اإلصالحات االقتصادية‪ :‬إن أهم دواعي اإلصالح االقتصادي للدول النامية هي تلك الضغوط‬
‫التي تعاني منها اقتصاديات هذه الدول منذ نهاية السبعينيات والمتمثلة في العجز المتواصل في موازين‬
‫مدفوعاتها وفي موازناتها العامة والتراجع الملحوظ في معدالت النمو االقتصادي وتراجع النموا في‬
‫اإلنتاج الداخلي اإلجمالي‪ .‬باإلضافة إلى عوامل النمو الديمغرافي‪ ،‬ونقص التشغيل واستشراء البطالة‬
‫بأنواعها‪ ،‬إضافة إلى مشكلة تفاقم التضخم والديون الخارجية مقارنة إلى الموارد المتاحة ‪.‬‬
‫أما على الصعيد الخارجي فهناك تدهورشروط التبادل التجـاري الدولـي لصالـح الـدول‬
‫المصنعة‪ ،‬بالموازاة مع تدهور أسعار المواد األولية خالل تلك الفترة‪ ،‬خصوصا وأنها تشكل المورد‬
‫األساسـي من العملة الصعبة والتي تستنزف خدمات الديون الجزء األكبر منها‪.‬‬
‫و تعتبراإل صالحات االقتصادية وسيلة عالج لمشاكل الدول التي تعاني من اختـالالت فـي توازناتهـا‬
‫الداخلية والخارجية‪ ،‬في إطار تحرير االقتصاد وتحويله إلى اقتصاد حر‪ ،‬من خالل إجراءات تسمـح‬
‫بزيـادة الصادرات وخفض الواردات‪ ،‬إضافة إلى تنمية موارد البلد من العملة الصعبة‪ ،‬والعمل على معالجة‬
‫عجز الموازنات العامة لهذه الدول عن طريق تقليل النفقات والسيطرة على معدالت التضخم ورفع معدات‬
‫النمـو االقتصـادي‪ .‬ولبلوغ هذه األهداف فإن برنامج اإلصالح االقتصادي يتكون من ثالث سياسات هي ‪:‬‬
‫أ‪ -‬سياسة التثبيت االقتصادي ‪ :‬لقد جاءت هذه السياسة نتيجة ألزمة المدفوعات التي تعرفها بعض الدول‪،‬‬
‫حيث اعتبرت المديونية أزمة سيولة ناتجة عن ارتفاع الطلب الكلي‪ ،‬مما تسبب في عجز الحساب الجاري لميزان‬
‫المدفوعات‪ .‬وقد اعتبـرت ا لدول المدينة مسؤولة وحدها عن ذلك‪ ،‬وبالتالي يتوجب عليها وضع سياسات الستعادة‬
‫تلك التوازنات‪.‬‬
‫ويمكن تلخيص السياسات التي تحتويها غالبية برامج التثبيت كما يقترحها صندوق النقد الدولي في اآلتي‪:‬‬
‫ سياسة نقدية انكماشية‪ :‬تؤثر السياسة النقدية على الطلب الكلي وتعمل على توجيهه أوقات‬‫التضخم‪ .‬وكذلك تؤثر على إجمالـي النفقات عن طريق ترشيد االئتمان وضبط معدالت التوسع النقدي لتحقيق‬
‫استقرار هذا األخير وإصالح خلـل الهياكل التمويلية اعتمادا على تحرير أسعار الفائدة واستخدام حدود عليا‬
‫لالئتمان والحد من اإلصدار ال نقـدي الجديد الذي يهدف إلى رفع معدالت االدخار وتخفيض معدالت التضخم‪.‬‬
‫وهذا باالعتماد على أدوات السياسة النقدية مثل سياسة السوق المفتوحة و تخفيض العملة ‪...‬الخ‪ ،‬والهدف من هذا‬
‫اإلجراء هو" جعل السلع المستوردة أكثر تكلفة‪ ،‬بالمقابل تكون السلع المنتجة والقابلة للتداول على مستوى السوق‬
‫الدولي أكثر منافسة عند التصدير‪ .‬وبالتالي الرفع من ربحية القطاعات المصدرة مما يؤدي إلى تحويل عفوي‬
‫لوسائل اإلنتاج نحو قطاعات مصدرة على حساب قطاعات إنتاج السلع غير القابلة للتـداول علـى مستـوى السـوق‬
‫الدولي"‪.‬‬
‫لكن ما يهمنا في هذا السياق ليس محتوى السياسة النقدية وأدواتها وإنما مدى تأثيرها على البطالة‪ ،‬وبالتالي فإن‬
‫السؤال الذي يطرح هو‪ :‬ما مدى تأثير السياسة النقدية االنكماشية على البطالة ؟ إن الدول التي تبنت اإلصالحات‬
‫االقتصادية عملت على تحرير أسعار الفائدة التي أصبحت تتحدد تبعـا لقوى العرض والطلب‪ .‬ومن الممكن أن‬
‫ترتفع مع بداية اإلصالحات بسبب زيادة الطلب على االئتمان من قبل المستثمرين ومن ثم زيادة التوظيف من أجل‬
‫استخدام كافة عناصر اإلنتاج بما فيها العمل لزيادة اإلنتاج وسد الفجوة بين العرض والطلب على السلع اإلنتاجية‪.‬‬
‫ومن ناحية أخرى فإن ارتف اع سعرالفائدة قد يؤثر سلبا على خلق استثمارات جديدة ومنه فرص عمل جديدة ‪ ،‬على‬
‫أن تحرير هذه األسعار المرتبطة بحرية البنوك في منح االئتمان من الممكن أن تعمل مرة أخرى على زيادة‬
‫معدالت التوظيف وبالتالي التقليل من البطالة‪ ،‬بالنظر الى التوقعات المتفائلة لرجال األعمال في ظل تحرير أسعار‬
‫السلع والخدمات‪ ،‬وتوقع زيادتها نظرا للفجـوة بيـن العرض والطلب السلعي‪.‬‬
‫كما أن لجوء الحكومة لالقتراض من سوق النقد المحلي مثل طرح أذونات الخزينة‪ ،‬سوف يؤدي إلى إحجام‬
‫المستثمرين وأصحاب المدخرات على استثمار أموالهم في مشاريع استثمارية جديدة وسـوف يفضـلون شراء هذه‬
‫األذونات نظرا ألن الربح مضمون ومعفي عائده من الضريبة‪ .‬وبالتالي تتحول المدخرات لتمويـل االستهالك‬
‫الجاري للدولة مما يعني مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على التمويل الالزم الستثماراته‪.‬كما أن ارتباط‬
‫سعرالصرف بأسعار فائدة مرتفعة من شأنه أن يشجع على تدفق رؤوس األموال إلى الداخل مما يرفع حجم الودائع‬
‫بالعملة الصعبة لدى البنوك المحلية‪ ،‬وكذلك يرتفع حجم االستثمارات األجنبية المباشرة في االقتصاد المحلي ألي‬
‫دولة‪ .‬وقد ينتج عن هذه الحرية في حركة رؤوس األموال في ظل ثبات نسبي في أسعار الصرف الى زيادة‬
‫التوظيف ونقص معدالت البطالة‪ .‬وتجدر اإلشارة إلى أن أسعار الفائدة التي كانت تحددها الدولة( إداريا ) وأسعار‬
‫الصرف المقومة بأكثـر من قيمتها تعتبر من بين العوامل المؤثرة قبل اإلصالحات في تسرب رؤوس األموال‬
‫للخارج‪ ،‬بسبب انخفاض العائد الناتج عنها في الداخل مقارنة بالخارج‪ .‬وبالتالي فإن سياسة تدخل الدولة في النشاط‬
‫االقتصادي كان لهـا أثر كبير في زيادة معدالت البطالة من هذا المنظور‪.‬‬
‫ سياسة مالية انكماشية ‪ :‬تهدف السياسة المالية االنكماشية إلى السيطرة على عجز ميزانية الدولةعن‬‫طريق زيـادة اإليـ رادات أو تخفيض النفقات أو االثنين معا‪ .‬وتعتبر أداة اإلنفاق العام هي إحدى األدوات األساسية‬
‫المؤثرة فـي الطـلب الفعال وبالتالي لها تأثير مباشر على مستويات التشغيل والدخل الوطني والمستويات العامـة‬
‫لألسعـار‪ ،‬ومـن المالحظ أن هذه السياسة تهدف الى تقليص نسبة العجز في الميزانية العامة للدولة مقارنة بالناتج‬
‫الداخلي االجمالي‪.‬‬
‫تعتبر السياسة المالية االنكماشية ذات أثر سلبي على االستثمار‪ ،‬سواء كان ذلك نتيجة تطبيق ضريبـة عامة‬
‫على االستهالك أو فرض ضرائب جديدة أو تقليص حصة اإلنفاق االستثماري العام‪ .‬والشيء المالحظ أن الدول‬
‫النامية " عملت على تخفيض نفقات االستثمار بدال من نفقات التشغيل التي تعتبر أقل مرونة " ‪ 8‬غير أن ذلك أدى‬
‫الى انخفاض معدالت النمو‪ ،‬مما نتج عنه آثارا سلبية على مستوى االقتصاد الكلي‪ .‬وبالمقابل فقـد لجأت هذه الدول‬
‫الى تخفيض األجور الحقيقية بواسطة تثبيت األجور االسمية قصد تخفيض االستهالك الخاص‪ ،‬حتى اليتحمل‬
‫االستثمار االنتاجي كل العبء‪.‬‬
‫لكن ما هو أثر السياسة المالية االنكماشية على البطالة ؟ بما أن الهدف األساسي لهذه السياسة هو تخفيض‬
‫حجم اإلنفاق العام‪ ،‬مما يعني انخفاضـات فـي حجـم االستثمارات والذي قد يؤدي إلى تراجع معدالت التوظيف في‬
‫االقتصاد المعني‪ ،‬فإجراءات إلغاء الدعم وتـرك حرية تحديد أسعار السلع والخدمات وفقا لقوانين السوق سينتج‬
‫عنها إرتفاع األسعارمع بداية اإلصالحـات بسبب وجود الفائض الكبير في جانب الطلب الكلي للدول التي شرعت‬
‫في اإلصالح االقتصادي‪ ،‬خصوصا في ظل ضعف القدرة اإلنتاجية المحلية‪ .‬والمالحظ أيضا أن هذا االرتفاع يمس‬
‫أساسا ذوي الدخـل المحـدود والضعيف‪ .‬إال أنه وبالموازاة مع ذلك فإن الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب قد‬
‫تحفز المستثمرين على رفـع حجم استثماراتهم بسبب التوقعات المتفائلة لتحقيق مزيـد من األرباح وهذا من شأنه أن‬
‫يرفع مـن معـدالت التوظيف وتخفيض البطالة في األجل القصير‪.‬‬
‫ب‪ -‬سياسة التعديل الهيكلي ‪ :‬تعكس هذه السياسة برامج طويلة ومتوسطة المدى تسعى لتحقيق التوازن عن‬
‫طريق التوسع في جانب العرض لعالج التشوهات والعوائق التي تعاني منها الهياكل االقتصادية ‪ ،‬كما تهدف أيضا‬
‫إلى تحويل اقتصاديـات الدول التي تكابد هذه الصعوبات إلى اقتصاديات ليبرالية تطبق فيها قواعد اقتصاد السوق‪.‬‬
‫وقد سعت بالدنا في هذا االتجاه من أجل تصحيح الخلل االقتصادي على المستوى الكلي‪.‬‬
‫ج‪ -‬السياسات االجتماعية ‪ :‬لقد أثبتت التجارب التي قامت بها الدول النامية التي تبنت اإلصالحات االقتصادية‬
‫أنها ذات تأثيـر سلبي على الجانب االجتماعي‪ ،‬لذا أقدم البنك الدولي على إدخال البعد االجتماعي كمكون ثالـث‬
‫لبرامـج اإلصـالح للتخفيض من اآلثار السلبية لها‪،‬خاصة على الفئات محدودة الدخل ونظرا لصعوبة التحول إلى‬
‫اقتصاد السـوق والراجع إلى عدم قابلية السكان لتقبل أوضاع جديدة قائمة على جهاز األسعار‪ ،‬فنجد تباين السياسات‬
‫المتبعة من دولة إلى أخرى طبقا للمتغيرات االقتصادية الدولية معتمدة بذلك على المناخ االقتصادي بها‪ .‬من هنا‬
‫برزت فكرة عدم إغفاله للجوانب االجتماعية‪ ،‬حيث يتم إعداد السياسات االجتماعية بالتعاون مع البنك الدولي للحد‬
‫من اآلثار السلبية لبرامج اإلصالح قصد تحقيق الوئام االجتماعي ورفع المعاناة عـن محـدودي الدخل والشباب‬
‫الخريجين من المعاهد والجامعات ومراكز التكوين‪.‬‬
‫إنشاء مؤسسات اجتماعيـة لتحقيـق التنمية االجتماعية والبشرية في ظل برامج تحضيرية إلعادة تأهيل العمالة‬
‫الزائدة في وحدات القطـاع العـام وتشجيع الصناعات الصغيرة الستيعاب القوة العاملة الفائضة الحالية والجديدة‪.‬‬
‫وبالتالي نخلص مما سبق أن سياسة االصالح االقتصادي‪ ،‬تسعى لمعالجة الخلل القائم في التوازنات‬
‫االقتصاديـة الكلية بغرض تحقيق معدالت نمو مرتفعة في المدى المتوسط والطويل‪ ،‬اعتمادا على سياسـة انكماشيـة‬
‫بالدرجـة األولى من خالل تخفيض االنفاق العام و الغاء الدعم الموجه لألسعار واعادة تخصيص عوامل االنتاج‬
‫بطريقة تؤدي الى زيادة العرض الكلي‪ .‬وعلى اعتبار أن تخفيض العجز بميزان المدفوعات من بين أوليـات برامـج‬
‫االصالح‪ ،‬فانه من المنطقي أن تخفض الطاقة االستيعابية من خالل أحد أو مجموع العناصر التاليـة ( االنفاق‬
‫الحكومي‪ ،‬االستهالك الخاص‪ ،‬االستثمار الخاص)؛ أو زيادة الدخل الوطني‪ .‬وبالنظر الى صعوبة زيادة هذا األخير‬
‫في الدول النامية‪ ،‬فال مناص من اتباع سياسة انكماشية وما تعنيه من تراجع لوتائر االستثمار نتيجة لتقلص االنفاق‬
‫العام الموجه لذلك‪ ،‬وبالتالي سوف تتسع الفجـوة بيـن العرض و الطلب‪ ،‬خاصة وأن الدول النامية يميزها الفائض‬
‫الكبير في الطلب نتيجة لضعف القدرة ا النتاجية‪ ،‬ومنه محدودية الطاقة االستيعابية لليد العاملة‪ .‬الشيئ الذي سيفضي‬
‫الى تراجع مستويات التشغيل والى زيـادة معدالت البطالة خاصة السافرة منها‪.‬‬
‫‪ - 2‬مدى تأثير برنامج اإلصالح االقتصادي على البطالة‪ :‬ما يهمنا في هذا السياق هومدى تأثير سياسة اإلصالح‬
‫االقتصادي على أسواق العمل والبطالـة‪ .‬وبهـذا الخصوص يمكن استعراض أهم نموذجين نظريين في هذا المجال‬
‫وهما ‪:‬‬
‫أ‪ -‬النموذج التقليدي ‪ :‬ينطلق من مجموعة من الفرضيات‪ ،‬وتجدر اإلشارة إلى أنه يصعب تحقيقها على‬
‫‪9‬‬
‫الدول النامية وأهم هذه الفرضيات‪:‬‬
‫ ينقسم االقتصاد محل الدراسة إلى ثالثة أسواق رئيسية ( سوق العمل‪ ،‬سوق إنتاج السلع المحلية‪،‬‬‫سوق إنتاج سلع التجارة الدولية )‪.‬‬
‫ تحدد أسعارسلع التجارة الدولية في األسواق العالمية وتعتبر معطاة لالقتصاديات الصغيرة‬‫المفتوحة‪.‬‬
‫ تحدد أسعار السلع المحلية وفقا لمستويات العرض والطلب‪.‬‬‫ يتم إنتاج كافة السلع بواسطة عنصرين فقط هما العمل ورأس المال مع تجانس عنصر العمل‬‫وقدرته على االنتقال بين مختلف القطاعات‪ ،‬في حين أن رأس المال عنصر متخصص غير قادر على االنتقال‬
‫بين القطاعات ‪.‬‬
‫ يتمتع معدل األجر بمرونة كاملة على النحو الذي يضمن تحقيق التشغيل الكامل لعنصر العمـل‬‫وبلـوغ االقتصاد حدود إمكانيات إنتاجه القصوى‪.‬‬
‫تتمثل آليات عمل النموذج في أن االقتصاد يقوم بإنتاج سلع محلية وأخرى دولية‪ ،‬فإذا كان استهالكـه منها مرتفعا‪،‬‬
‫بمعنى وج ود عجز في الميزان التجاري سيتم تصحيحه عن طريق تطبيق اإلصالح االقتصادي من خالل سياسة‬
‫مالية انكماشية يترتب عليها خفض اإلنفاق وخفض سعرالصرف الحقيقي للعملـة الوطنيـة‪ .‬وبالتالي فان انخفاض‬
‫الطلب المحلي على السلع بنوعيها يجعل السعر النسبي لسلع التجارة يرتفع‪ ،‬في حيـن ينخفض سعرالسلع المحلية‬
‫(في ظل المرونة الكاملة لألسعار)‪ ،‬نتيجة لذلك يتالشى العجزفي الميزان التجاري وتؤثر آليات عمل النموذج في‬
‫تخصيص عنصر العمل بين إنتاج السلع المحلية وسلع التجارة بشكل أكثر كفاءة مع المحافظة على مستوى‬
‫التشغيل الكامل‪ ،‬حيث يتأثر هذا النموذج في األجلين القصير و الطويل‬
‫ آثاره في األجل القصير ‪ 10:‬إن شرط إعادة االقتصاد إلى وضع التوازن هو تحويل عنصر العمل من إنتاج‬‫السلع المحلية إلى سلـع التجارة بحيث يصل مجموع الطلب على القوى العاملة في القطاعين مساويا إلجمالي‬
‫‪w ‬‬
‫‪W‬‬
‫‪‬‬
‫‪L = Lt  .Kt   Ln .K n ‬‬
‫عرض العمل المتاح في المجتمع (‪ ) L‬والذي يعبر عنه بالمعادلة التالية ‪:‬‬
‫‪P‬‬
‫‪P‬‬
‫‪‬‬
‫‪n‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪t‬‬
‫‪‬‬
‫حيث أن ‪:‬‬
‫‪ :W‬معدل األجر النقدي و متساو في كل القطاعين ‪ ،‬بسبب فرضية حرية انتقال عنصر العمل‬
‫‪i = t, n‬‬
‫‪ :W/Pi‬المعدل الحقيقي إلنتاجية األجر حيث‪:‬‬
‫‪ :Ki‬رصيد رأس المال في كل قطاع وهو ثابت (األجل القصير)‬
‫‪ : Lt‬عدد المستغلين في القطاع ‪( T‬التجارة الدولية )‪ : Ln ،‬عدد المشتغلين في القطاع (السلع المحلية )‬
‫‪ : Pn‬أسعار السلع المتداولة دوليا‬
‫‪ :Pn‬أسعار السلع المحلية‬
‫تشير المعادلة إلى أن عرض العمل في االقتصاد يساوي الطلب عليه في قطاع السلع المحلية و هو دالة‬
‫لألجر الحقيقي و رأس المال في هذا القطاع‪ .‬والطلب على العمل في قطاع سلع التجارة الدولية هو أيضا دالة‬
‫للمتغيرين السابقين في هذا القطاع‪ .‬وباالستناد إلى تحليل ‪ ،11 Dornbusch‬نجد أن معدل تغير األجر التوازني‬
‫الذي ينتج عن تخفيض سعر صرف العملة المحلية‪ ،‬هو عبارة عن دالة خطية في معدالت تغير أسعار الناتج‪،‬‬
‫بحيث يكون التغير في معدل األجرهو مجموع مرجح لتغير أسعار كل من السلع المحلية وسلع التجارة‪.‬‬
‫وطالما أن نسبة التغير في أسعـار التجارة أكبر من نسبة التغير في أسعار السلع المحلية فان ذلك يعني‬
‫انخفاض األجر الحقيقي لإلنتاج ‪ w/pt‬في قطاع التجارة مما يفسر زيادة الطلب على عنصر العمل في هذا القطاع‪،‬‬
‫على العكس يرتفع ‪ w/pn‬في قطـاع السلع المحلية‪ ،‬مما يؤدي إلى تراجع مستوى العمالة في هذا القطاع‪ ،‬وبالتالي‬
‫يتم إعادة تخصيص عنصر العمل في االتجاه المرغوب فيه ‪.Switching effet‬‬
‫أما بالنسبة لمستوى األجور الحقيقية‪ ،‬فان أثر تخفيض سعر صرف العملة المحلية غير محدد في إطـار هذا‬
‫النموذج‪،‬حيث يتوقف هذا األثر على طبيعة السلع المستهلكة من طرف العمال و نسبة كل من السلع المحلية و سلع‬
‫التجارة في سلة االستهالك الرئيسية لهم‪.‬‬
‫يتضح مما سبق أن عملية اإلصالح لن تؤثر بشكل سلبي على مستوى التشغيل وفقا لتحليل النموذج‪ ،‬وان‬
‫كان من المتوقع حدوث نوع من البطالة المؤقتة أواالنتقالية مع انتقال االقتصاد من التركيز على قطاع السلع‬
‫المحلية إلى السلع الموجهة للتجارة‪ .‬وذلك الن عملية االنكماش في السلعة األولى قد تستغرق وقتا اقل من عملية‬
‫التوسع في قطاع السلع الثانية ألن التوسع مقترن بإقامـة استثمـارات جديـدة و توفير آالت و معدات و دورات‬
‫تدريبية…الخ‪ .‬ومن البديهي أنه في خالل هذه الفترة سوف ينخفض الناتـج ويحدث نقص في تشغيل عنصر العمل‪.‬‬
‫وهذه البطالة االنتقالية سرعان ما سوف تختفى مع توسع قطاع سلع التجارة الدولية (على افتراض أنه أعلى كثافة‬
‫في استخدام عنصر العمل)‪.‬‬
‫والواقع أن استخدام كثافة العناصر االنتاجية في القطاع المنتج لسلع التبادل الدولي هي من األمور التي ال‬
‫يمكن حسمها نظريا وانما تقتضي اجراء دراسات تطبيقية لكل دولة على حدة‪ ،‬بالنظر الى تصنيف الدول من حيث‬
‫درجة التقدم‪ .‬لذلك يؤكد فريق من االقتصاديين وعلى رأسهم ‪ D.LAL‬الذي يرى أن‪ :‬القطاع المنتج لسلع التبادل‬
‫الدولي في الدول النامية ال بد وأن يكون كثيف العمل‪ ،‬وذلك لالستفـادة مـن المزايـا النسبيـة لهـذه االقتصاديات‪.‬‬
‫ آثاره في األجل الطويل ‪ :‬يفترض النموذج التقليدي أن انعكاس برامج اإلصالح االقتصادي على سوق‬‫العمل في األجـل الطويـل تتوقف إلى حد كبير على درجة الكثافة النسبية في استخدام العناصر المتاحة (العمل‪،‬‬
‫رأس المال ) خاصة في قطاع السلع الداخلة في التجارة‪ .‬ونتيجة الفتراض النموذج حرية انتقال عناصراإلنتاج بين‬
‫القطاعات المختلفة في األجل الطويل فانه من المتوقع أن تقترن عملية إعادة تخصيص الموارد لصالح القطاع‬
‫الخارجي( ‪ )T‬بإعادة توزيع الدخل للعنصرالمستخدم بكثافة في هذا القطاع‪ .‬وهو ما يعني أنه إذا كان نفس القطاع‬
‫كثيف رأس المال‪ ،‬فان سياسة اإلصالح سوف تؤدى إلى تزايد الطلب على هذا العنصر بدرجة تفوق عرضـه‬
‫الناتج عن انكماش قطاع السلع المحلية‪.‬ونتيجة الفتراض ثبات العرض الكلي لعناصر اإلنتاج في األجل الطويل‬
‫فإنه سوف يترتب على ذلك ارتفاع معدل أرباح القطاع (‪ .)T‬وبالتالي انخفاض األجر الحقيقي لعنصـر العمـل‬
‫بسبـب زيـادة المعروض منه‪ .‬وعلى العكس فإذا كان القطاع (‪ )T‬كثيف العمل فإن عملية إعادة تخصيص المـوارد‬
‫سـوف تؤدي إلى تزايد الطلب على عنصر العمل وبالتالي ارتفاع معدل األجور الحقيقية‪.‬‬
‫أما بال نسبة للدول النامية يفترض أن يكون كثيف العمل وذلك الستفادة مـن المـزايا النسبيـة لهـذه االقتصاديات‬
‫باعتبار أن معدالت النمو السكاني مرتفعة وتبقى مسألة تكوين المهارات مرتبطة بإمكانات وإرادة هذه الدول في‬
‫ذلك ‪ .‬نستنتج مما سبق أن أثر برنامج اإلصالح االقتصادي على سوق العمـل وفقـا لهـذا النموذج سيكون إيجابيا‬
‫على مستوى التشغيل حيث يؤدي إلى المحافظة على مستوى التشغيل الكامل لعنصر العمل مع إعادة تخصيص‬
‫بين القطاعات على نحو أكثر كفاءة‪.‬‬
‫اال أن مدى تطابق نتائج وآثار هذا النموذج على مستوى العمالة في جميع االقتصاديات( دون التمييز بين الدول‬
‫المتقدمة والنامية)‪ ،‬يشكل أحد أهم التساؤالت التي يمكن أن تراود أي متمعن لهذا التحليل‪ ،‬خصوصا وأنه يصعب‬
‫اعتماد بعض الفرضيات التي يقوم عليها النموذج بالنسبة للدول النامية‪ ،‬التي تميزها التبعية االقتصادية وصعوبة‬
‫االندماج في األسواق العالمية‪ ،‬في ظل تدهور أوضاعها االقتصادية الراهنة‪.‬‬
‫ب‪ -‬نموذج الترشيد الكمي ‪ :‬نظرا لقيام النموذج التقليدي على مجموعة من الفروض يصعب تحققها في عدد‬
‫كبيرمن الـدول مثـل‪ :‬افتراض عدم وجود اختالالت داخلية في االقتصاد محل الدراسة ‪ ،‬التشغيل الكامل لعنصر‬
‫العمـل المرونـة التامة لألسعار واألجور‪ .12‬قام عدد من االقتصاديين بإعادة صياغة هذه الفروض و تعديل النموذج‬
‫بما يتفق مع الواقع السائد في هذه الدول من بينهم ‪ A.K Dixit‬سنة ‪ 1978‬و‪ J.T.Cuddington‬عام ‪. 1984‬‬
‫تفترض هذه الصياغة المعدلة جمود األجور النقدية في االقتصاد على نحو يؤدى إلى وجود نسبـة مـن البطالة‬
‫السافرة لقوة العمل‪ ،‬فضال عن افتراض جمود أسعار السلع المحلية مما يعنـى بالضـرورة صعوبـة استعادة‬
‫االقتصاد توازنه باالعتماد على تغيرات األجور واألسعار‪ ،‬نظرا لجمودها في األجل القصير‪ .‬وبالتالي ضرورة‬
‫حدوث نوع من الترشيد الكمي الستعادة التوازن‪ .‬ويفترض النموذج أن االقتصاد ال يواجه أي قيـود كمية في مجال‬
‫اإلنتاج و االستهالك في القطاع ‪ T‬و ذلك لصغر مساهمة االقتصاد في مجال التجارة العالمية‪ .‬وبالتالي يستطيع‬
‫المنتجون بيع أي كمية من الناتج باألسعار السائدة في األسواق الدولية وهو ما ينطبق أيضـا على المستهلكين‪ .‬أما‬
‫بالنسبة لقطاع السلع المحلية (‪ )N‬والذي يتحدد مستوى اإلنتاج فيه وفقا للطلب والعرض المحليين‪ ،‬ومع افتراض‬
‫ثبات األسعار فان التوازن ال يتحقق في األجل القصير إال بالترشيد الكمي(سواء الكميـات التـي يبيعها المنتجون في‬
‫حالة وجود فائض عرض‪ ،‬أو تلك التي يشتريها المستهلكون في حالة وجود فائض طلب)‪ .‬ونتيجة الفتراض جمود‬
‫األجر النقدي في سوق العمل في األجل القصير‪ ،‬على نحو يدفع العمـال إلـى القيـام بترشيد عرض خدماتهم في‬
‫الفترة التالية إلى المقدار الذي ترغب المؤسسات القائمة في استخدامه فعال لذا يقوم النموذج بدراسة أثر تطبيق‬
‫برنامج اإلصالح االقتصادي مكون من سياستين‪ ،‬األولى سياسة مالية انكماشية‪ ،‬والثانية سياسة تخفيض سعر‬
‫صرف العملة المحلية‪ ،‬على سوق العمل في ظل الفـروض السابـق عرضها‪.‬‬
‫ونالحظ أن تطبيق سياسة مالية انكماشية سوف يترتب عليها تخفيض اإلنفاق مما يؤثرعلى القطاعين محل‬
‫الدراسة ولكن بأشكال متباينة‪:‬‬
‫ بالنسبة لقطاع سلع التجارة الدولية(‪ )T‬يتحدد مستوى الناتج ومستوى التشغيل به وفقا لسلوك‬‫المؤسسات ورغبتها في تعظيم أرباحها‪ ،‬ومن ثم لن تسفر السياسة عن قيام القطاع بتوجيه المزيد من‬
‫إنتاجه إلى التصدير‪ ( ،‬إذ يفترض النموذج عدم وجود أي قيود كمية على هذا القطاع ) ‪.‬‬
‫ أما بالنسبة للسلع المحلية(‪ )N‬فسوف يترتب على السياسة المالية االنكماشية تخفيض اإلنتاج في هذا‬‫القطاع وفقا آللية المضاعف ‪.‬ويترتب على انخفاض اإلنفاق الحكومي تحسن واضح في الميزان التجاري نظرا ألن‬
‫انخفاض اإلنفـاق على القطاع (‪ )T‬سوف يؤدى إلى تخفيض الواردات من سلع التبادل الدولي‪ ،‬أما انخفاضه على‬
‫القطـاع (‪ )N‬سوف يخفض طلب القطاع الخاص على الواردات الوسيطة‪ ،‬بسبب انخفاض مستويات التشغيل‬
‫والمداخيل في هذا القطاع‪ ،‬إلى جانب أن تخفيض اإلنفاق المحلى عموما يؤدى الى زيادة المتاح من التصدير(‬
‫بافتراض قابلية اإلنتاج للتصدير)‪.‬‬
‫وهكذا يترتب على السياسة المالية االنكماشية تحسن في الميزان التجاري وتحسن المداخيل والتشغيل في قطاع‬
‫سلع التبادل الدولي ‪ ،‬بينما سينخفض مستوى التشغيل في قطاع السلع المحلية مع بقاء األجورالحقيقية كما هي‬
‫نتيجة لفرضيات النموذج‪ ،‬ومن ناحية أخرى يؤدى اتباع سياسة تخفيض سعر صرف العملة المحلية فـي ظل‬
‫افتراض ثبات أسعار السلع المحلية ومعدل األجر النقدي‪ ،‬بالضرورة إلى انخفاض تكلفة عنصرالعمل في القطاع‬
‫(‪ )T‬مما يؤدى الى زيادة الطلب على العمل في هذا القطاع‪ ،‬ومن ثم زيادة اإلنتاج ‪.‬ويترتب على كل ما سبق تحسن‬
‫وضع الميزان التجاري بشكل مؤقت‪ ،‬ولكن في المقابل يالحظ أن زيادة المداخيل في القطاع(‪ )T‬على اثر ارتفاع‬
‫مستوى التشغيل به سوف تؤدى إلى زيادة الطلب المحلى في كل من سلع القطاعين معا‪.‬‬
‫مما سبق يمكن استخالص أن النتائج المترتبة عن تطبيق اإلصالح االقتصادي في ظل هذا النموذج التي‬
‫تختلف عن نظيرتها في النموذج التقليدي‪ ،‬فمن ناحية لن يترتب عن تخفيض سعرالصرف بالضرورة تحسن في‬
‫الميزان التجاري كما يفترض النموذج‪ ،‬وإنما سيتوقف األثر النهائي على مدى تغير الطلب في المجتمع نتيجة‬
‫التغيرات النسبية في كل من المداخيل واألسعار؛ ومن ناحية أخرى فان زيادة اإلنتاج في قطاع سلع التجارة الدولية‬
‫ال تتم على حساب اإلنتاج في قطاع السلع المحلية‪ ،‬وذلك لوجود قدر من البطالة أساسا قي المجتمع ‪.‬‬
‫وخالصة القول فان آثار اإلصالح االقتصادي وفقا لهذا النموذج المعدل إيجابية إلى مستـوى التشغيـل حيث‬
‫تنخفض معدالت البطالة‪ .‬أما المتعطلون فسوف يتم استيعابهم في قطاع سلع التجارة الدولية‪ ،‬وبالتالـي سوف يطرأ‬
‫تحسن على مستوى معيشتهم ‪،‬وإذا كان مؤسسوا هذا النموذج يتوقعون عند حديثهم عن التشغيل أن معدل البطالة‬
‫سوف ينخفض فـي المجتمع‪ ،‬لكن هذا ال يمنع من اإلشارة إلى بعض المالحظات هي‪:‬‬
‫ بعد الفروض التي ترتكزعليها هذه النماذج عن الواقع االقتصادي خاصة في الدول الناميـة‪ ،‬وبالتالـي فإن‬‫ذلك يقلل من درجة الثقة بها‪.‬‬
‫إن البناء النظري لهذه النماذج يرتكز على سياستين فقط وهما تخفيض اإلنفاق العام وتخفيـض سعـر‬‫صرف العملة المحلية مع إهمال باقي مكونات البرنامج‪ ،‬مثل تحرير األسعار والتجارة الخارجية‪ ،‬تحويـل ملكيـة‬
‫القطاع العام إلى القطاع الخاص‪.‬‬
‫لقد تعاملت هذه النماذج مع سوق العمل باعتباره وحدة واحدة‪ ،‬وتجاهلت ظاهرة التجزئة التي تتميز بها‬‫أسواق العمل الرسمية أوغير الرسمية في الدول النامية‪.‬لقد اعتبر عنصر العمل عنصرا متجانسا وقادرا على‬
‫االنتقال بسهولة بين مختلف القطاعات حتى في األجل القصير‪ ،‬دون مراعاة لما يتميز به من ضعف في الحراك‬
‫المهني والجغرافي‪.‬‬
‫‪ .III‬أسباب البطالة في الجزائر وطرق معالجتها ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أسباب البطالة ‪:‬‬
‫تتعدد األسباب التي تؤدي إلى تفشي البطالة ونقص التشغيل في أوساط الفئة النشيطة‪ ،‬خاصة عنصر الشباب‬
‫بغض النظر عن مؤهالتهم ومستوياتهم التعليمية والتكوينية‪ ،‬ويمكن أن نجمع هذه األسباب في نقطتين‪:‬‬
‫تشمل األولى العوامل الخارجة عن سيطرة الحكومة وهي تلك التي ال تعتبر الحكومة مسؤولة عنها مسؤولية‬
‫م باشرة‪ ،‬أما الثانية فتتناول من خاللها األسباب التي تدخل في نطاق سيطرة الحكومة بصفة مباشرة أو غير‬
‫مباشرة‪ ،‬اعتمادا على ما يلي‪:‬‬
‫أ‪ -‬أهم العوامل الخارجة عن سيطرة الحكومة‪:‬‬
‫لعل من بين العوامل التي تقف وراء هذه األسباب مايلي‪:‬‬
‫ باعتبار أن عددا كبيرا من الدول النامية تعتمد في صادراتها الخارجية عن المحروقات التي تشكل‬‫الجزء األكبر منها‪ ،‬وبالتالي فإن إيراداتها من العملة الصعبة مرتبطة بشكل أساسي بعائداتها‪ .‬وبما أنه يصعب‬
‫التحكم بأسعا رها بالرغم من مجهودات منظمة األوبيك التي تعتبر الجزائر أحد أعضائها‪ ،‬ترتب عن ذلك انكماش‬
‫االقتصاد الجزائري بشكل خاص والدول المصدرة للنفط بصفة عامة بداية من النصف الثاني من الثمانينات‪،‬‬
‫الشيء الذي أدى إلى انخفاض النمو االقتصادي سبب تراجع المصدر األساسي للدخل الوطني‪ ،‬مما أثر سلبا على‬
‫النشاط االقتصادي و فرص التوظيف بالتبعية‪ ،‬وقد كان من الطبيعي أن يؤثر ذلك عكسا على حجم‬
‫تجارتهاالخارجية‪ ،‬ومن المعروف أيضا أن انخفاض حصيلة الصادرات يكون له آثار انكماشية مضاعفة على‬
‫مستويات الدخل والعمالة خاصة في قطاعات التصدير واألنشطة المرتبطة بها‪.‬‬
‫ تخفيض سعر صرف الدوالر األمريكي في مواجهة العمالت األخرى‪ ،‬الشيء الذي ترتب عليه‬‫اضعاف القوة الشرائية للموارد المتاحة من العمالت األجنبية‪ ،‬ألن الجزء األكبر منها في شكل دوالر‪ ،‬وبالتالي‬
‫تقييد قدرتها على االستيراد بتلك العمالت‪.‬‬
‫ تخفيض سعر صرف الدوالر األمريكي في مواجهة العمالت األخرى‪ ،‬الشيء الذي ترتب عليه‬‫إضعاف القوة الشرائية للموارد المتاحة من العمالت األجنبية‪ ،‬ألن الجزء األكبر منها في شكل دوالر‪ ،‬وبالتالي‬
‫تقييد قدرتها على االستيراد بتلك العمالت‪.‬وما سيتبعه هذا من انكماش في دعم الواردات من السلع االستهالكية أو‬
‫اإلنتاجية‪ .‬وبتعبير آخر تبقى المدفوعات بالدوالر كما هي مقابل أحجام متناقصة من الواردات‪ ،‬وأي انخفاض في‬
‫الكميات المستوردة له تأثير سلبي على حجم اإلنتاج والعمالة في المؤسسات التي تستورد مستلزمات إنتاجها من‬
‫الخارج‪.‬‬
‫ النمو الديمغرافي باعتبار أن هذا العنصر يؤثر مباشرة في زيادة حدة البطالة خصوصا إذا كانت‬‫الزيادة في عدد الوظائف ال تتناسب ومعدالت النمو السكانية التي تميل إلى االرتفاع في الدول النامية‪ ،‬فقد أدت‬
‫الزيادة السكانية إلى تزايد العروض من طالبي العمل في سوق العمل الجزائرية‪ ،‬ونظرا الرتباط القضية السكانية‬
‫بعوامل متباينة يصعب السيطرة عليها لذا اعتبرت من ضمن العوامل الخارجة عن سيطرة الدولة‪.‬‬
‫ نقص مصادر التمويل إلنعاش وتمويل المشاريع االقتصادية‪ ،‬وهذا راجع لضعف أداء الجهاز‬‫اإلنتاجي وضالة االدخار لمختلف األعوان االقتصاديين بسبب انخفاض القدرة الشرائية للعائالت‪ ،‬وكذلك بسبب‬
‫نظا م الفوائد المطبقة في البنوك غير اإلسالمية والذي ال يشجع على االدخار ألسباب عقائدية تجنبا لكل أنواع‬
‫الربا‪ ،‬باإلضافة إلى عدم مرونة التعامالت البنكية في بعض األحيان‪ .‬وتجدر اإلشارة إلى أن من بين أهداف‬
‫التمويل المحدد من طرف » ‪ « FMI‬في الجزائر لفترة تطبيق برنامج التعديل الهيكلي (‪ :)98/95‬رفع االدخار‬
‫الوطني لتمويل االستثمارات بـ‪ % 5.5:‬من الناتج المحلي الخام وهذا من خالل الحد من نمو االنفاق الجاري‪.‬‬
‫ أزمة المدفوعات الخارجية التي تعرفها الجزائر والتي تمتد جذورها إلى بداية الثمانينات‪ ،‬رغم تأخر‬‫تأثيرها على االقتصاد الوطني‪ ،‬فقد بدأت تظهر منذ سنة ‪ 1986‬نتيجة النهيار أسعار النفط من حوالي ‪35‬دوالر‬
‫عام ‪ 1981-80‬إلى نحو ‪15‬دوالر في مارس ‪ .1986‬إضافة إلى مدى تأثير خدمات الديون والشروط القاسية‬
‫التي تف رضها المؤسسات المالية الدولية بموجب اإلصالح واإلنعاش االقتصادي‪ ،‬والتي تتميز بارتفاع التكلفة‬
‫االجتماعية وما يصاحبها من تسريح جزئي وجماعي للعمال نتيجة لهيكلة االقتصاد الوطني‪ ،‬وعليه فإن مستويات‬
‫التشغيل لليد العاملة تكون في تناقص ويرتفع معدل البطالة آليا‪.‬‬
‫‪-2‬العوامل المباشرة للبطالة‪:‬‬
‫تتمثل هذه العوامل في ميل سياسة التشغيل إلى الصيغة التعاقدية‪ ،‬مما يعني انخفاض مناصب العمل الدائمة‬
‫إن لم نقل انعدامها في بعض األنشطة االقتصادية بسبب تجميد آلية التوظيف الدائم‪ ،‬خاصة في قطاع اإلدارة‬
‫والخدمات‪.‬فقد أصبحت هذه الصيغة تشكل ميدانا خصبا للبحث لدى المفكرين االقتصاديين في مختلف الدول مثل‪:‬‬
‫الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬كندا و أوربا نتيجة لتفاقم أزمة النمو في كل دول العالم بداية من التسعينات‪ .‬وبالتالي‬
‫فإنها ال تقتصر على الجزائر أو غيرها من الدول النامية‪ ،‬وإن تأكد ظهورها بشكل أكثر وضوحا ببالدنا مع‬
‫االصالحات الهيكلية في شكل عقود العمل محدودة أو مفتوحة المدة‪ ،‬تشغيل الشباب في إطار الشبكة االجتماعية‬
‫والعقود السابقة للتشغيل‪ .‬كما أن تباطؤ نمو المشاريع االقتصادية وتأخر آجال تسليمها يشكل أيضا أهم هذه‬
‫العوامل‪ .‬الشيء الذي يؤدي إلى زيادة التكاليف التي يصعب تحملها‪ .‬مما سيفضي في النهاية إلى حل أو غلق‬
‫المؤسسات المعنية وما سينتج عنها من حاالت التسريح الفردي أو الجماعي للعمال‪ .‬كل هذه العوامل تؤدي إلى‬
‫بطالة إجبارية وتبقي البطالة االختيارية في شكل حاالت االستقالة التي يقدمها العمال بسبب وجود منصب شغل‬
‫أكثر أهمية وبامتيازات مادية أفضل من حيث األجور‪ ،‬شروط العمل وغيرها من االغراءات التي تشجع على هذا‬
‫النوع من السلوك‪.‬‬
‫بإجراء مقارنة بين األسباب التي تقف وراء البطالة في الجزائر قبل وأثناء برنامج التعديل الهيكلي‪ ،‬يتضح‬
‫لنا أنها لم تتغير في مجملها كثيرا‪ ،‬ذلك أن مخزون البطالة يعود أساسا إلى فترة ما قبل االصالح الهيكلي‪ ،‬وإن‬
‫كان هذا األخير قد ساهم في تفاقمها بشكل أو بآخر‪ ،‬من خالل موجة التسريحات الناتجة عن تطبيق الخوصصة‬
‫كما تمت اإلشارة إليها سابقا‪ .‬كما يبين ذلك الجدول (رقم ‪ ،)16‬الذي يبين أسباب البطالة في الجزائر خالل سنة‬
‫‪( 1990‬قبل تطبيق برنامج‪.‬ت‪.‬الهيكلي)‪.‬‬
‫الوحدة‪)%( :‬‬
‫جدول رقم ‪ 01‬أسباب البطالة في الجزائر لسنة ‪:1990‬‬
‫نهاية نشاط حاالت االستقالة‬
‫التسريح‬
‫نهاية عقد التسريح‬
‫أسباب البطالة نهاية‬
‫المؤسسة‬
‫الجماعي‬
‫الفردي‬
‫األشغال العمل‬
‫‪32.4‬‬
‫‪12.10‬‬
‫‪4.89‬‬
‫‪14.82‬‬
‫‪15.74‬‬
‫النسبة المئوية ‪20.05‬‬
‫المصدر‪D.Arezki Ighematle marchè de travail p550:‬‬
‫يالحظ من الجدول أن النسبة الكبيرة من البطالة غير إرادية بما يمثل ‪ %67.6‬بالنظر إلى األسباب المشار‬
‫إليها سابقا‪ .‬اما البطالة االختيارية فإنها تمثل نسبة ‪ %32.40‬كون األفراد هم الذين فضلوا التعطل عن العمل‬
‫بمحض إرادتهم أو ما يعرف باالستقالة‪.‬‬
‫أما فترة بداية تطبيق البرنامج‪ ،‬فقد ظلت البطالة االجبارية هي األكثر انتشارا نتيجة لطبيعة التوجه‬
‫االنكماشي والحد من التوظيف‪ ،‬نتيجة لعمليات الحل والتصفية التي عرفتها المؤسسات العمومية المفلسة وإحالة‬
‫جزء منها إلى القطاع الخاص ويمكن تلخيص أهم هذه األسباب في الجدول (رقم‪:)17‬‬
‫الوحدة‪)%( :‬‬
‫جدول رقم ‪ 02‬أسباب البطالة في الجزائر لسنة ‪:1997‬‬
‫نهاية نشاط حاالت االستقالة‬
‫التسريح‬
‫نهاية عقد التسريح‬
‫أسباب البطالة نهاية‬
‫المؤسسة‬
‫الجماعي‬
‫الفردي‬
‫األشغال العمل‬
‫‪15.5‬‬
‫‪21.3‬‬
‫‪10.6‬‬
‫‪14.2‬‬
‫‪23.3‬‬
‫النسبة المئوية ‪14.8‬‬
‫المصدر‪ONS :Rapport sur la situation économique et social,1998,p48.:‬‬
‫كما تشير معطيات الجدول‪ ،‬فإن جل الذين تمسهم البطالة سبق لهم العمل من قبل‪ ،‬مما يؤكد على أن النوع‬
‫األكثر انتشارا يتمثل في البطالة االجبارية‪ ،‬نتجت عن االصالحات الهيكلية لوحدات القطاع العام بنسبة ‪ %52‬و‬
‫‪ %48‬للقطاع الخاص‪.‬‬
‫ففي ظل انخفاض مناصب الشغل المعروضة سجلت البطالة االرادية تراجعا بما يقارب ‪ %50‬مقارنة بالفترة‬
‫السابقة‪ ،‬ويتبين أيضا من ذات المصدر أن إجراءات التسريح وإنتهاء نشاط المؤسسات المستخدمة‪ ،‬قد ساهمت‬
‫بشكل كبير في زيادة البطالة بنسبة ‪ %16‬تقريبا بالنظر إلى الفترة السابقة لبرنامج التعديل الهيكلي‪.‬‬
‫إضافة إلى ما ذكر سابقا‪ ،‬يمكن إرجاع غياب تخطيط القوى العاملة في الجزائر إلى ثالث نقاط هي‪:‬‬
‫ عدم توفير البيانات والدراسات اإلحصائية بشكل دقيق يعكس الواقع الحقيقي كما هو الشأن في الدول‬‫المتطورة‪.‬فالبنسبة للجزائر يالحظ أحيانا وجود تباين و تناقض في المعلومات المصرح بها بين مختلف الهيأت‬
‫مثل‪:‬الديوان الوطني الحصائيات‪،‬المجلس اإلقتصادي و اإلجتماعي‪ ،‬تقارير الحكومة تقارير البنك العالمي‪.....‬‬
‫إلخ‪.‬‬
‫ تزايد السكان بوتيرة سريعة‪،‬الشيء الذي نتج عنه زيادة في قوة العمل ال تتوافق مع الزيادة في مناصب‬‫العمل المعروضة‪،‬مما أدى إلى تراكم عدد البطالين‪،‬ترتب عنه إرتفاع في معدالت البطالة‪.‬‬
‫ غياب التنسيق و التكامل بين الهيئات و اإلدارات المشرفة على تخطيط القوى العاملة مثل‪:‬وزارة‬‫التخطيط‪،‬وزارة العمل و الحماية اإلجتماعية‪،‬مراكز الدراسات و األبحاث‪ ...‬إلخ‬
‫نخلص مما سبق أن إنتشار البطالة وتفااقم حدتها يعود إلى مجموعة من األسباب التي تتباين من دولة إلى‬
‫أخرى‪،‬فنجد منها ما هو راجع إلى عدم وجود تكامل في إستراتيجية التنمية بالنسبة للجانبين اإلقتصادي و‬
‫اإلجتماعي و هو يدخل في نطاق مسؤولية الدولة المسيرة‪.‬و نجد منها أيضا ما هو مرتبط بعوامل ال تتحمل فيها‬
‫الدولة مسؤولية كبيرة‪.‬‬
‫إال أن تعد أسباب البطالة ال يعني إستحالة معالجتها‪،‬فهي ليست قدرا محتوما على الدول‪،‬خاصة النامية منها‪ .‬لذلك‬
‫فإن معالجتها تتطلب مجموعة من اإلجراءات و المتطلبات الواجب إتباعها‪،‬و هو ما سوف نتناوله في العنصر‬
‫الموالي‪.‬‬
‫‪ -3‬إجراءات معالجة البطالة في سياق تطبيق برنامج التعديل الهيكلي ‪ :‬تعتبر مسألة مكافحة البطالة بمثابة رهان‬
‫حقيقي أمام الدولة‪ ،‬اذ تشكل المحور الرئيسي لكل استراتيجيـة تنموية تهدف إلى حماية ودعم التماسك االجتماعي‪.‬‬
‫الشيء الذي جعلها تحتل المكانة البارزة ضمن األولويـات الوطنية‪ ،‬باعتبارها ضريبة اجتماعية ناتجة عن ال مباالة‬
‫الماضي بالدرجة األولى وعن تطبيق برامج التعديـل الهيكلي بدرجة أقل‪ .‬ولعل من بين أهم اإلجراءات المتبعة لتحسين‬
‫وضعية الشغل والتخفيف من حدة البطالة‪ ،‬تلك التي تتعلق بالمخطط الوطني لمكافحة البطالة إضافة إلى المراهنة على‬
‫القطاع الخاص لتحقيق ذلك‪.‬‬
‫ومن أجل تدارك هذا التدهور في القدرة الشرائية نتيجة النخفاض مستويات الدخل الحقيقـي‪ ،‬وانعدامـه بالنسبة‬
‫للبطالين‪ ،‬تبنت الحكومة مجموعة من البرامج واالجراءات يمكن عرض أهمها في النقاط التالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الشبكة االجتماعية ‪ :filets sociales‬لقد تم الشروع في برنامج الشبكة االجتماعية منذ سنة ‪1992‬ليتدعم‬
‫أكثر خالل مرحلة تطبيق برنامج التعديل الهيكلي‪ ،‬وذلك من خالل تخصيص اعانات وتعويضات مالية تهدف في‬
‫مجملها الى حماية وتدعيم الفآت األكثر فقرا واألكثر تضررا نتيجة للقيود التي فرضتها طبيعة التوجه االنكماشي‬
‫لالقتصاد الوطني‪.‬‬
‫ويتكون برنامج الشبكة االجتماعية المعتمد بالجزائر من مجموعة من االجراءات الهادفة الـى توفيـر مداخيل‬
‫لفائدة الفئة التي تأثرت ببرنامج التعديل الهيكلي‪ ،‬من حيث اشتغالها وتعطلها‪ .‬ذلك أن إنخفاض حجـم ومستويات‬
‫التشغيل كان نتيجة لتراكمات في اختالل سوق العمالة من جهة‪ ،‬ونتيجة لموجة التسريحات التي عرفتها اليد‬
‫العاملة الوطنية نتيجة لبرنامج الخوصصة كما تمت االشارة الى ذلك سابقا‪.‬‬
‫نتيجة لهذا االختالل ظهرت مفارقة كبيرة من حيث األجور والمداخيل المتاحة‪ ،‬الشيئ الـذي أدى الـى‬
‫تدهور القدرة الشرائية واتساع جيوب الفقر‪ ،‬الذي أصبح يمس أكثر من ‪ % 25‬من الجزائريين‪ .‬فبعد ما كان‬
‫نصيب الفرد من االنتاج الوطني الخام (‪ 2880 )PNB‬دوالر أمريكي سنويا لسنة ‪ ،1987‬انخفض بحوالي ‪50‬‬
‫‪ %‬خالل عشرة سنوات‪ ،‬ليصبح ‪ 1556‬دوالر سنة ‪.1997‬‬
‫ب ‪ -‬األنشطة ذات المنفعة العامة ”‪“AIG‬‬
‫يهدف هذا اإلجراء إلى تقديم منح مالية لفئة البطالين مقابل القيام بأنشطة للصالح العام‪ ،‬وذلك بموافقة البنك‬
‫العالمي‪ ،‬وقد قدر الغالف المالي لهذا البرنامج ‪ 22.000‬مليار دج استفاد منها ‪ 1.515.000‬شخص للفترة‬
‫‪13‬‬
‫‪1998-1995‬‬
‫ج ‪-‬المنحة الجزافية للتضامن ”‪“AFS‬‬
‫‪ .1‬يتم تقديم منح مالية تتراوح من ‪ 600‬إلى ‪1200‬دج شهريا للفئات عديمة الدخل بسبب عدم القدرة‬
‫على العمل‪ ،‬وقد استفاد من هذا اإليراد ‪ 933.351‬شخص‪ ،‬يرتفع هذا العدد إلى ‪ 1000.000‬شخص‬
‫‪14‬‬
‫سنة ‪1998‬‬
‫د‪ -‬برامج عقود ما قبل التشغيل ”‪“CPF‬‬
‫يوجه هذا البرنامج لخريجي الجامعات والمعاهد قصد إدماجهم في سوق العمل بشكل يتالءم مع مؤهالتهم‬
‫وقدراتهم التعليمية‪ ،‬وذلك لمدة أقصاها سنة ونصف مقابل تعويض مالي يتراوح بين ‪ 4500‬إلى ‪8000‬دج‪ ،‬على‬
‫الرغم من أهمية هذا البرنامج في امتصاص البطالة ولو بشكل مؤقت إال أن بعض الشباب يفضل التعطل على‬
‫العمل بسبب انخفاض قيمة التعويضات مقارنة بالمستوى المعيشي‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬جهاز االدماج المهني ”‪“ESIL‬‬
‫يهدف هذا البرنامج إلى إدماج الشباب في الحياة المهنية‪ ،‬إذ تم تطبيقه منذ ‪ 1990‬حيث استفاد منه قرابة‬
‫‪ 332.000‬شاب‪ ،‬للفترة ‪ 95-94‬لمدة ‪ 06‬أشهر في المتوسط موزعون على مختلف القطاعات االقتصادية خاصة‬
‫اإلدارة والبناء واألشغال العمومية تقريبا‪.151‬أما بالنسبة للفترة ‪1998-95‬فقد انتقل عدد المدمجين من ‪141586‬‬
‫شاب بنسبة ‪ %80‬سنة‪ 1995‬إلى ‪ 152.900‬شاب سنة ‪.1998‬‬
‫و ‪ -‬أشغال المنفعة العامة ذات االستخدام المكثف لليد العاملة ‪“TUP.HIMO”:‬‬
‫تم العمل به سنة ‪ 1998‬قصد معالجة البطالة الشبانية‪ ،‬وكذلك من أجل مساعدة الفئات المتضررة من برنامج‬
‫التعديل والتصحيح االقتصادي‪ .‬وقد تم بموجب هذا اإلجراء فتح ‪ 3846‬ورشة عمل وفرت ‪ 140.000‬وظيفة‬
‫منها ‪ 42000‬شبه دائمة بمتوسط ‪ 36‬وظيفة لكل مشروع‪.‬‬
‫أما المرحلة الثانية من هذا اإلجراء فقد تزامنت مع برنامج االنعاش االقتصادي )‪( PSER‬‬‫‪16‬‬
‫والذي سيساهم في إنشاء ‪ 22.000‬وظيفة شبه دائمة سنويا‪.‬‬
‫هـ ‪-‬المؤسسات المتوسطة والصغيرة ”‪“PME/PMI‬‬
‫تشكل المؤسسات المتوسطة والصغيرة قاطرة حقيقية للنمو االقتصادي من حيث االنتاج الداخلي ومن حيث‬
‫مناصب الشغل التي يمكن توفيرها‪ ،‬فالجزائر تراهن كثيرا على هذه المؤسسات حيث أنها وفرت ‪% 65.25‬‬
‫من مناصب الشغل خالل سنة ‪.2001‬‬
‫و ‪ -‬برنامج القرض المصغر والمؤسسات المصغرة‪:‬‬
‫يسمح هذا البرنامج بتنمية التشغيل الذاتي نتيجة لتراجع دور الدولة في توفير مناصب الشغل‪ .‬وقد قدر عدد‬
‫الملفات المودعة سنة ‪ 2001‬بـ ‪ 145.600‬ملف‪ ،‬تحصلت ‪ % 89.5‬على الموافقة ‪“attestation‬‬
‫”‪ d’elegibilit‬أي مايعادل ‪ 364.685‬وظيفة بمعدل ثالثة وظائف لكل مشروع‪.‬‬
‫الخاتمــة‪:‬‬
‫اذا كان الفكر االقتصادي قد اشار الى تجزئة أسواق العمل‪ ،‬فان بالدنا تعرف هذا التصنيف من خالل‬
‫وجود قطاع عام ظل المهيمن على جل األنشطة االقتصاديـة و المستوعب األكبر لليـد العاملة و بالتالي فان تأثير‬
‫االزمة االقتصادية قد خلخل توازنه أكثر مما كان عليه مما أدى الى زيادة البطالة وتراجع مستويات التشغيل؛ أما‬
‫القطاع الخاص و الذي ظل دوره مقيدا في الدورة االقتصادية فقدعرف منعرجا حاسما في السنوات األخيرة بسبب‬
‫تراجع دورالدولة في الحياة االقتصادية و أصبح يستوعب عمالة أكثر لكن ليس بنفس المستوى الذي كان يوفره‬
‫قطاع الدولة أي بمعنى أدق فانه و مع بداية فترة االصالح غير مؤهل ألن يكون بديال عن القطاع العام من ناحية‬
‫التشغيل وليس بمقدوره أن يشغل حتى فائض العمالـة الناتج عن االصالحات فكيف بالبطالين الذين لم يسبق لهم‬
‫العمل أو الذين هم بدون تكوين بالنظر الى قدرته االستيعابية تحت قيد المصلحة الخاصة‪.‬اال أنه وعلى المدى الطويل‬
‫قد يعد بآفاق واسعة خاصة المشاريع الذاتية مثل‪:‬التعاونيات الشبانية المؤسسات المصغرة‪ ،‬المؤسسات الصغيرة و‬
‫المتوسطة و التي بامكانها جر آليات سوق العمل الى االقتراب نحو نقطة التوازن ‪.‬‬
‫النتائج ‪:‬‬
‫ و جود تباين واضح بين النظريات االقتصادية المختلفة فيما يتعلق بتناولهـا وتفسيرهـا ومعالجتها لظاهرة‬‫البطالة ‪ ،‬بل أن التباين يمتد ليشمل تعريف البطالة و تصنيفها ‪.‬‬
‫ عان االقتصاد الجزائري من اختالالت هيكلية أثرت على سياسته االقتصادية و انعكست بشكل واضح‬‫على تفاقم البطالة‪.‬‬
‫ تبين أيضا تعدد االقتراحات و األفكار لمواجهة أزمة البطالة واشكالية التشغيل و تكاد تتفق جميعها على‬‫انها ناتجة عن اختالل التوازنات االقتصادية الكلية بالدرجة األولى‪.‬‬
‫التوصيات ‪:‬‬
‫أوال ‪ :‬ضرورة توفير قاعدة بيانات أساسية متكاملة عن مشكلة البطالة في الجزائر تراعي التعريفات و‬
‫المصطلحات و القياسات و المعايير الدولية المتعارف عليها بما يمكن من إنجاز إجراءات مقارنة وواقعية غير‬
‫متضاربة‪،‬خصوصا أن مسألة اإلعالم االقتصادي باتت ضرورة ملحة خاصة بالنسبة للقائمين على التخطيط‬
‫ب ِِؤ المستقبلي لسلوكات الظواهر االقتصادية و على رأسها البطالة ‪.‬‬
‫والتن ِ‬
‫ثانيا ‪ :‬العمل على استمرار تطبيق سياسة اإلصالحات االقتصادية مع مراعاة أن مشكلة البطالة جزءا من قضية‬
‫بصفة عامة حيث أن اإلختالالت الهيكليـة التي عانى منها االقتصاد الجزائري كانت من العوامل األساسية لنمو‬
‫البطالة ‪ ،‬مع ارساء سياسة اجتماعية تعمل على التقليل من اآلثار السلبية لسياسة االصالح خاصة ذوي الدخل‬
‫الضعيف و المحدود‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬االهتمام بما يسمى بالتدريب التحويلي و ربطه بالسياسات التعليمية‬
‫رابعا ‪ :‬تحويل عنصر العمل في الحالة الجزائرية إلى ميزة اقتصادية إنمائية بالتركيز على القطاعات و األنشطة‬
‫كثيفة العمل والتي تعتمد على نواحي تكنولوجية متقدمة لتحقيق خطوة شاملة في الكفاءة اإلنتاجية للعنصر البشري‬
‫كما حدث في دول جنوب شرق آسيا‪ ،‬من خالل وضع استراتيجية لتنمية كثيفة العمل تتفق وسياسات اإلصالح‬
‫االقتصادي من جهة ‪ ،‬ورفع مستوى كل من معدالت النمو و التشغيل خاصة‪ ،‬باعتبار أن الطلب على العمل مشتق‬
‫من الطلب على االنتاج‪ .‬من خالل ‪ :‬االهتمام بالقطاع الزراعي بصفة خاصة حيث أنه يعتبر من أكبر القطاعات‬
‫استيعابا للعمالة مع إعطاء أولوية لمشروعات البنى األساسية في األراضي المزروعة ‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬ضرورة االهتمام بالصناعات التصديرية كثيفة العمل بجانب صناعات تحل محل الواردات و خاصة‬
‫الصناعات التي تتميز فيها الجزائر بميزة تنافسية مثل الصناعات المشتقة من المحروقات ‪ ،‬مع إعطاء األولوية‬
‫لتشغيل الطاقات العاطلة و تشجيع الصناعات الصغيرة في الريف و الحضر ‪،‬وذلك من خالل التركيز على دور‬
‫المؤسسات المتوسطة و المصغرة إلدماج الشباب في ميدان الشغل من خالل تسهيالت تقديم القروض وبالتالي‬
‫يمكن تنمية كفائة مستوى تشغيل الموارد البشرية من خالل االهتمام بالنظام التعليمي المهني والتدريببي لتسهيل‬
‫عملية االدماج في سوق العمل بمعطياته الحالية والمستقبلية بما يخدم أهداف استراتيجية التنمية كثيفة العمل من‬
‫جهة‪ ،‬وبما يحقق ترشيد االنفاق واالستقرار النقدي من جهة أخرى‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬ضرورة السيطرة على العوامل التي يمكن التحكم فيها و التي تساهم في تفاقم مشكلة البطالة مثل ‪ :‬الزيادة‬
‫السكانية ‪ ،‬األنشطة ذات اإلستخدام المكثف لليد العاملة ‪ ،‬برامج المنفعة العامة ‪ ...‬إلخ‬
‫سابعا ‪ :‬ضرورة االستفادة من تجارب الدول في مجال التشغيل خاصة تلك التي تتزامن مع تطبيق برامج‬
‫االصالحات االقتصادية ‪ ،‬والهادفة إلى إصالح الخلل اإلقتصادي الكلي المميز لجل الدول النامية بما فيها الجزائر ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬ضرورة إعتماد مبدأ التخطيط المستقبلي للعمالة مع األخذ بعين االعتبار البعدين‪ :‬الكمي( العرض المتاح‬
‫من القوة العاملة ) و البعد الكيفي ( التأهيل‪ ،‬التدريب‪ ،‬المستوى التعليمي‪ )...‬وذلك على المستويين القطاعي‬
‫واألقليمي‪.‬‬
‫قائمة املراجع ‪:‬‬
‫‪ 1‬د‪.‬رمزي زكي‪ :‬االقتصاد السياسي للبطالة ‪،‬مطابع الرسالة ‪،‬الكويت ‪ ، 1997،‬ص‪. 183‬‬
‫‪2‬‬
‫‪P. SALAMA ET J.VALIER : une introduction à l’économie politique ,collection‬‬
‫‪Maspero,1974,p 89.‬‬
‫‪ 3‬د‪ .‬إسماعيل سفر وعارف دليلة ‪ ،‬تاريخ األفكار اإلقتصادية‪ ،‬منشورات جامعة حلب سوريا ‪ ،1977‬ص‪. 576‬‬
‫‪ 4‬دانيال أر نولد ترجمة د‪ .‬عبد األمير شمس الدين‪ :‬تحليل األزمات االقتصادية لألمس واليوم‪ ،‬المؤسسة‬
‫الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع‪ ،‬الطبعة األولى‪ ،‬بيروت‪ ،1992 ،‬ص ‪225‬‬
‫‪ 5‬د‪.‬ليلى الخواجة ‪ ،‬دراسة تحليل لظاهرة البطالة السافرة و عالقتها بسوق العمل في مصر‪ ،‬كلية االقتصاد و‬
‫العلوم السياسية‪ ،‬جامعة القاهرة‪ ،1989 ،‬ص ‪192‬‬
‫‪ 6‬رهام حسن عبد الحكم‪:‬أثر سياسة االصالح االقتصادي على مشكلة البطالة‪ -‬دراسة مقارنة بين مصر‬
‫واسرائيل‪ -‬رسالة ماجستير‪ ،‬كلية التجارة‪ ،‬جامعة عين شمس‪ ،‬مصر‪ ،‬سنة ‪ ،2000‬ص ص ‪.20-18‬‬
‫‪ 7‬د‪.‬دانيال أرنولد‪ ،‬مرجع سبق ذكره ‪ ،‬ص ص ‪.210-207‬‬
‫‪ 8‬عبد المجيد بو الوذنين‪ ،‬تسيير أزمة مديونية الدول النامية ‪ ،‬حالة الجزائر ‪ ،‬رسالة ماجيستير‪ ،‬جامعة الجزائر‬
‫‪ ،1994‬ص ‪.95‬‬
‫‪ 9‬د‪ .‬ليلى‪.‬أ الخواجة ‪ :‬أسواق العمل في الدول النامية في ظل برنامج اإلصالح االقتصادي ‪ ،‬مجلة مصر‬
‫المعاصرة ‪ ،‬العدد ‪ ، 431‬مصر ‪ ،1993 ،‬ص ‪95‬‬
‫‪ 10‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪. 96‬‬
‫‪ 11‬رهام حسن عبد الحكم‪ ،‬مرجع سبق ذكره‪ ،‬ص ‪.63‬‬
‫‪ 12‬د‪.‬ليلي الخواجة‪ ،‬مرجع سبق ذكره ‪ ،‬ص ص‪. 104-99‬‬
‫‪13‬‬
‫‪Rapport CNES :Evolution general des dispositifs d’emploi , alger ,2001,p21.‬‬
‫‪14‬‬
‫‪BAYA ARABE :les effets sociologie p.a.s ,cread, n°46,47,pp.48-49‬‬
‫‪15‬‬
‫‪Rapport CNES.OP.CIT.‬‬
‫‪16‬‬
‫‪ADS : Etat d’exécution du programme de développement communautaire, Février‬‬
‫‪2002,p67‬‬