العولمة وأثرها على العمالة في الوطن العربي أ .رميدي عبد الوهاب أ .سماي علي المركز الجامعي بالمدية مدخل: شهد القرن الماضي تغيرات هامة في تاريخ البشرية لم يشهدها العالم من قبل بعمقها وأبعادها االقتصادية والسياسية والثقافية ،فقد زالت إمبراطوريات كان لها مسبق السيطرة على أجزاء هامة من العالم ،وظهرت مكانها إمبراطوريات جديدة من ناحية األخرى ( أمريكا ،اإلتحــاد السوفيتي ) ،انهارت أحداهـا ( اإلتحاد السوفيتي ) في نهاية ثمانينات القرن الماضي وبقيت األخرى مسيطرة على العالم بعدما انتهت حقبة ما عرف بالحرب الباردة التي سادت بين الدولتين ،لتبدأ مرحلة القطب الواحد متمثال في الواليات المتحدة األمريكية في قيادة الرأسمالية العالمية . على الرغم من ذلك يتسم عالم ما بعد الحرب الباردة بأنه عالم المتناقضات، فقد تفجرت جملة من التناقضات لم تكن معروفة في مرحلة الحرب الباردة ،وقد برزت هذه التناقضات على سطح العالقات االقتصادية الدولية نتيجة غياب اآلليات التي يفترض أن تديرها وتنظمها في هذه المرحلة الهامة على أسس وقواعد التكافؤ في العالقات بين دول العالم . ومع بداية القرن الحالي برز على السطح تياران متناقضان يتجاذبان عالم اليوم احدهما تيار اندماجي على الصعيدين اإلقليمي والعالمي يتجسد في السعي إلى تعميم العولمة لتشمل االقتصاد والثقافة واإلعالم ،ويتجسد هذا التيار خاصة في اندماج مؤسسات اقتصادية وشركات كبرى عالمية وبنوك ومؤسسات إعالمية برؤوس أموال ضخمة ......الخ .وعلى رأس هذا االندماج شركات أمريكية تتغلغل في جسم االقتصاد العالمي ،ومن ناحية أخرى يشهد العالم تيارا تفتتيا يهدد سيادة بعض الدول من الداخل ،كما يهدد االستقرار اإلقليمي ومنها بعض الدول العربية . في المرحلة الحالية يتردد الحديث حول العولمة باعتبارها المجسد للمتغيرات الدولية في المرحلة القادمة والبعيدة المدى ،ورغم المظاهر العديدة للعولمة و تبلور العديد من مؤشراتها واتجاهاتها إال أنها مازالت في مرحلة تعمل الواليات المتحدة األمريكية على دفعها وتعميمها الحتواء أنحاء العالم وهو بهذا المعنى عولمة أمريكية رأسمالية الشكل والمضمون ،والعالم العربي غير بعيد عن هذا التحول الذي يشهده العالم . إن العالم العربي غير بعيد عن هذا التحول الذي يشهده العالم ،وتواجهه في ظل هذه الظروف العديد من التحديات الشرسة التي تنذر بتعرضه ألوخم، العواقب ولعل اخطر هذه التحديات وأكثرها شراسة هو شبح البطالة الذي بات يخيم على كل الدول العربية بال استثناء حتى الدول الخليجية ويعيق تطورها ونموها االقتصادي . أولا :العالم العربي والعولمة : يتزايد االهتمام عند المفكرين والمهتمين بشؤون السياسة واالقتصاد واالجتماع في العام لموضوع العولمة ،فقد تعددت التعريفات التي تناولت ظاهرة العولمة وفقا لتخصص ومجاالت المهتمين بدراسة العولمة ،وفي مقامنا هذا سوف نركز على الجانب االقتصادي في تعرضنا لمفهوم العولمة . -1تعريف العولمة : من بين أهم التعريفات التي أعطيت للعولمة نورد ما يلي : "العولمة هي وصول نمط اإلنتاج الرأسمالي إلى نقطة االنتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة اإلنتاج وإعادة اإلنتاج ذاتها ،أي إن ظاهرة العولمة التي نشدها هي بداية عولمة اإلنتاج والرأسمال ،وبالتالي عالقات اإلنتاج الرأسمالية أيضا ونشرها في كل مكان مناسب ومالئم خارج مجتمعات المركز األصلي ودولته والعولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد أن كانت رسملة على مستوى النمط ومظاهره ،إذ أن العولمة هي حقبة التحول الرأسمالي العميق لإلنسانية جمعاء في ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ" . "العولمة في تعريفها الضيق تشير كظاهرة إلى االنتشار الواسع المدى في كل أنحاء العالم للمبيعات واإلنتاج وعمليات التصنيع مما يشكل إعادة صياغة للتقسيم الدولي للعمل" . تبدو العولمة إلى حد كبير كإعادة لتقسيم العالم وفق مبدأ األقوى ،لكن بصيغة اقتصادية وثقافية ومالية واتصالية يستخدم في تحقيقها كل وسائل العالم الحديث والتكنولوجيا المعاصرة بدال من االحتالل العسكري المباشر الذي كان سائدا من قبل ،ويمكن القول بأن الشبكات المالية والتجارية واإلعالمية تقوم برسم الخريطة العالمية للتنمية االقتصادية واالقتصاد العالمي ،بحيث يتحول العالم من منطق الدولة إلى منطق االقتصاديات فوق القومية ،ومن متابعة ما يجرى في هذه المرحلة فإن إعادة الهيكلة االقتصادية والمالية واالنخراط في النظام االقتصادي الدولي كما هو مخطط له من قادة العولمة ،قد تؤدي إلى 1 إفقار مفهوم السيادة الوطنية وإضعاف دعائمه في الدولة المنخرطة في النظام االقتصادي الذي تحاول الرأسمالية العالمية تحديد هويته وأبعاده المستقبلية . -2سمات عولمة االقتصاد : تعد الشركات متعددة الجنسيات من أكثر األنماط تعبيرا عن االقتصاد المعلوم ،فهي تتربع في ظل التقسيم الدولي الجديد للعمل على إمكانيات مادية وبشرية هائلة تمتد بعضها إلى أقصى بقاع العالم ،وقد عمدت الشركات المتعددة الجنسيات إلى توزيع وتنويع أنشطتها لتشمل قطاعات اإلنتاج والتجارة وقطاع الخدمات والمال والمصارف الدولية بهدف توزيع المخاطر وتنويع مصادر الربح ،وأصبحت الشركات األم بمثابة شركات قابضة تنشر استثماراتها في كل المجاالت ،وتمارس أعمالها بواسطة فروع أو شركات مستقلة مملوكة لها ،أو بواسطة شركات مختلطة برؤوس أموال محلية ،وهي تتولى إنتاج عدد محدود من أجزاء السلعة ال تتكامل حلقات إنتاجها إال عن طريق العديد من الوحدات اإلنتاجية ،وتنتشر هذه الوحدات في معظم بقاع العالم مما يتيح للشركات الدولية النشاط ،االستفادة من المزايا النسبية المتاحة في هذه الدول من حيث وفرة المواد األولية ورخص األيدي العاملة ،باإلضافة إلى توفر األسواق ،وبهذه الطريقة تسعى الشركات متعددة الجنسيات إلى تحويل العالم إلى ميدان اقتصادي واحد محرر من القيود الكالسيكية ،وبغية بسط نفوذها وإحكام سيطرتها على قطاعات األعمال في العالم ،أوجدت هذه الشركات إدارة مركزية قوية تخطط للشركة ككل ،وتصمم استراتيجيات إنتاجية وتسويقية للسوق العالمي بوصفة مجاال أساسيا لممارسة نشاط هذه الشركة ،هذا من جهة ،ومن جهة أخرى فإن إحدى االتجاهات الهامة نحو العولمة تتمثل في إقامة المنظمة العالمية للتجارة والتي تتضمن في جوهرها وأبعادها تحريرا للتجارة العالمية ضمن خطة محددة ،غير أن هذه المنظمة لم تبلغ بعد تمامها كون العديد من دول العالم النامي ومن بينها الدول العربية لم تعلن انضمامها بعد إلى المنظمة ،وهي تتردد في االنضمام لما تتضمنه من بعض المخاطر على اقتصاديات هذه . الدول انطالقا مما سبق يمكن القول أن العولمة ما هي إال مجموعة مترابطة من الظواهر العالمية الجديدة الناتجة عن جملة التراكمات القديمة تتمثل فيما يلي : لقد أتاحت ثورة االتصاالت والمعلومات الفرصة أمام الرأسمال النقديللتدفق والتداول عالميا بصورة غير مسبوقة ،بحيث أصبحت تحوالت األموال السائلة تفوق حجم التجارة الدولية بأكثر من ستين مرة ،وقد جاء هذا التدفق الهائل إنقاذا مؤقتا للنظام الرأسمالي العالمي ،ولكن على حساب نمو اإلنتاج 2 الفعلي وتقدمه ،ومن ثمة نالحظ أن هناك نمو سرطاني للممارسات الطفيلية غير اإلنتاجية على حساب العمل المنتج . أتاحت ثورة االتصاالت والمعلومات المجال لعولمة اإلنتاج وعولمة تقسيمالعمل ،بحيث لم يعد تصدير رؤوس األموال وانتقالها مقصورا على الرأسمال النقدي والرأسمال التجاري وإنما أخذ يشمل الرأسمال اإلنتاجي ،األمر الذي مكن البرجوازية من إفراغ المنظمات العالمية من مضمونها وتجريدها من فاعليتها . وصل تفكيك نظم اإلنتاج من قبل الرأسمالية حدا أن أضحى الغالبيةالساحقة من سكان الكرة األرضية منخرطين في آلة اإلنتاج والتوزيع الرأسمالي ،كما أدى ذلك إلى توسع هائل في عدد أفراد الطبقة العاملة على الصعيد العالمي ،ومع تنامي جيش االحتياطي العمالي وعولمة اإلنتاج أصبح المجال مفتوحا لتخفيض أجور العمال في المراكز واألطراف ،وتزايدت نسبة البطالة بصورة كبيرة . تدل الدراسات على أن أثر العولمة على البيئة أثر كراثي ،إذ غدت الكرةاألرضية مهددة بالدمار الشامل . شهد عصر العولمة تناميا ملحوظا في تجارة المخدرات والجريمة المنظمةعالميا وتداخلها مع الرأس مال النقدي. يعمد الرأسمال العالمي المعولم إلى تفكيك دول األطراف(الحديثة) وأممهاالتي تشكلت في المراحل السابقة بفضل حركات التحرر الوطنية ،على أسس طائفية ضيقة تصب في مصلحة السوق العالمية على حساب السوق المحلية والتنمية الوطنية -3العولمة واالقتصاديات العربية : من الواضح أن األقطار العربية مطالبة بشكل أو بآخر باالنضمام إلى ركب العولمة ،لكن منفردة أي كل دولة على حدة ،وهو ما يراه البعض شكال من أشكال الغزو االقتصادي الذي يوفر على الدول الكبرى ،صاحبة الدعوة إلى تعميم العولمة حسابات وتعقيدات األشكال األخرى من التحكم في المناطق النفوذ . إنه لمن صعب التحكم بل ربما من المستحيل التحكم بالعولمة لما هي عليه من تشعب ثقافي وعلمي ،إضافة إلى ضخامة حجمها ،كما أن ارتباط العولمة بنظام السوق يجعلها خاصة في ظل المفهوم األمريكي القتصاد السوق - ، والذي يعتبر قاسيا على البلدان النامية ومنها الدول العربية ألن حجم التعامالت وسرعتها تجعل من شبه المستحيل على تلك الدول اللحاق بركب العولمة 3 واالتساق معها ،كما أنه نتيجة لسرعة التطورات التكنولوجية واإلنتاجية- أصبح من المتعذر على البلد النامي التحرك بالسرعة الالزمة التي بالكاد يستطيع من خاللها تحسين نوعية صناعته التحويلية تدريجيا ،وإزاء هذه التطورات تشهد العديد من مناطق العالم اهتماما متزايدا بموضوع االندماج ، مثل جنوب شرق آسيا وأمريكا الالتينية ،لذلك بات أمام العرب مهمة صعبة تتألف من شقين أولهما إدراك حقيقة العولمة وأبعادها وخطورتها ،وثانيهما : االهتمام بسبل تخفيف وطأتها وقسوتها وتحديد سبيل مواجهتها . لقد بات من الضروري أن يقف صناع القرار االقتصادي في الدول العربية مطوال أمام اتجاهات وإفرازات العولمة ،الستخالص العبر والدروس التي تمكنهم من اتخاذ القرارات المناسبة ،وأهمها السعي لإلسراع بإقامة السوق العربية المشتركة ،كما أن الدول العربية مطالبة بتعزيز دور المدخرات الوطنية في تمويل النمو االقتصادي وأحكام الرقابة على المؤسسات المصرفية والمالية وذلك بوضع ضوابط ومعايير مالية كمية محددة لسياستها اإلنمائية في مجال اإلقراض والتمويل واالستثمار في األسواق المالية الدولية والمحلية على حد سواء ،كما توجد ضرورة لضبط ولتوجيه االستثمارات األجنبية في المشروعات اإلنتاجية طويلة األجل التي تخدم وتعزز من أدائها االقتصادي، وأن تعمل على فتح أسواقها المالية لالستثمار األجنبي بكثير من التروي والتدرج ،حتى ال تصبح هذه األسواق رهينة لقرارات المضاربين . ثانيا – البطالة في العالم العربي : تعتبر البطالة مشكلة عالمية حيث أنها توجد بنسب متفاوتة في كل دول العالم ،المتقدمة منها والنامية على حد سواء. -1تعريف البطالة : "يقصد بالبطالة أنها حالة عدم توفر العمل لشخص راغب فيه مع قدرته في مهنة تتفق مع استعداداته وقدراته وذلك نظرا لحلة سوق العمل وستبعد من هذا حاالت اإلضراب أو المرض أو اإلصابة" ،كما تعرف البطالة بأنها "حالة تواجد األفراد متعطلين الذين يقدرون على العمل يرغبون فيه ويبحثون عنه وال يجدونه ". وتعرف البطالة أيضا على أنها" زيادة في القوى البشرية التي تبحث عن عمل أكبر من فرص العمل التي يتيحها المجتمع بمؤسساته المختلفة ،والعاطل ال يعمل وهو القادر عليه ويبحث عنه وال يجده" ،ويقصد بالبطالة" األفراد الذين ال يعملون ولكنهم محتاجين للعمل ويبحثون عنه" . 4 -1أنواع البطالة : هناك أنواع متعددة من البطالة تختلف باختالف طبيعة النظر إليها ،فقد ينظر إليها من خالل الدورة االقتصادية ،فتسمى بطالة دورية أو بطالة احتكاكية، وقد ينظر إليها من خالل التنقل بين المهن المختلفة ،وقد تكون بطالة هيكلية وه ي البطالة التي تحدث نتيجة حدوث تغيرات هيكلية في االقتصاد الوطني، وكذلك هناك البطالة الموسمية أو العرضية . فالبطالة الدورية تحدث حينما تتقلص فرص العمل في االقتصاد الوطني بعد رواج كبير تصل فيه العمالة إلى الذروة في التشغيل ،فإذا ما دخل االقتصاد إلى دائرة االنكماش تحدث البطالة ،وهذه الدورات يتعرض لها االقتصاد الرأسمالي بصفة دورية ،وقد تعرض لها في عام 1930وكذلك عامي 1962 و ،1983والبطالة الدورية في تعريف األمم المتحدة هي نتيجة من نتائج فشل الطلب االقتصادي بسبب تغيرات في مستويات النشاط خالل فترة معينة . أما البطالة االحتكاكية ،فهي بطالة تحدث بسبب الحراك المهني ،وتنشأ نتيجة نقص المعلومات لدى الباحثين عن العمل ،أو لدى أصحاب األعمال الذين تتوافر لديهم فرص العمل ويمكن إدخال هذا النوع من البطالة في تلك التي أشارت إليه األمم المتحدة ،وهي الخاصة بعجز الطلب الكلي للعمل على االستفادة من العرض المتاح ،وذلك يحدث سواء في الدول المتقدمة أو الدول المتخلفة اقتصاديا ،ففي األولى يعجز الطلب الكلي عن مجاراة العرض من العمل ،وينشأ عن عدم كفاءة الناتج من الطلب الفعال للسلع والخدمات ،فيكون ولكن في الدول المتخلفة فاألمر يرجع إلى نقص مداواة ذلك بزيادة اإلنتاج رأسمال واألرض ،مما ال يمكن لرأس مال المتاح أن يستوعب العمالة المعروضة في سوق العمل . وبالنسبة للبطالة الهيكلية والتي تسمى أيضا بالبطالة الفنية فإن أسبابها كثيرة منها :التغيير في هيكل الطلب على المنتجات فيترتب عليه تغير في هيكل العمالة المستخدمة ،أو إدخال تطور تقني معين في إعداد المكلفين بأداء العمل مما يؤدي إلى توفير األعداد الزائدة من العمالة ،أو بسبب انتقال الصناعة من مكان إلى آخر ،فقد ال يستجيب بعض العمال لهذا االنتقال ،فيتعطلون عن العمل . وهناك البطالة الموسمية أو العرضية وهي البطالة تحدث خالل موسم معين أو بعد انتهاء عمل عرضي معين مثلما يحدث في موالح القطن ،أوفي أعمال الشحن أو التفريغ في الموانئ فهذه األعمال العرضية أو الموسمية تدر دخال على صاحبها لكن هذا الدخل متقطع ،إذ ينقطع بانقطاع العمل أي بانتهاء الموسم . 5 ينبغي اإلشارة بأن هناك حدا تصبح فيه البطالة مشكلة خطيرة ،ففي كل دول العالم توجد فئة من األفراد الذين ال يعلمون ،وهم متاحين للعمل ويبحثون عنه ،وهم بالضرورة طبقا لتعريف البطالة عاطلون ولكنهم قد ال يمثلون مشكلة لوجود نسبتهم في الحد األمثل للتوظيف ،وهو مستوى التوظيف الكامل واألمثل لهيكل سوق العمالة ،والذي يزيد فيه حجم الطلب االقتصادي من قوة العمل مع حجم المعروض منها في السوق العمل ،وال يتجاوز هذا المستوى + % 5و– %5من إجمالي حجم العرض بالنسبة إلجمالي حجم الوظائف . كذلك إن البطالة تضم من سبق لهم العمل وتركوه لسبب أو آلخر ،ومن لم يسبق لهم العمل وهؤالء يمثلون بطالة سافرة أو صريحة ،وهم يطلبون العمل ويبحثون عنه ،أما تلك التي تعمل فعال والعمل ليس بحاجة إليهم لكنهم محمولون على واقعه فإنهم يمثلون ما يسمى بالبطالة المقنعة. -1أزمة البطالة في العالم العربي : لقد جاءت ثورة النفط لترسم معالم جديدة للمنطقة العربية بالنسبة لألوضاع االقتصادية ،ففي الدول العربية النفطية زادت الدخول وارتفع فيها متوسط الدخل للفرد بما يقارب دخله في الدول الصناعية المتقدمة ،وتميزت تلك الفترة بزيادة معدالت االستثمار ،ووضعت برامج وخطط طموحة لبناء شبكة البنية األساسية ،والتوسع في بناء المدن والمناطق العمرانية الجديدة ،وكان قلة عدد السكان في تلك البالد سبب هام في زيادة احتياج تلك الدول للعمالة الخارجية لتحقيق تلك الثورة الهائلة في التنمية ،فرضيت بالعمالة العربية وغير العربية التي راحت تتدفق إليها بشكل سريع ،وفي ظل هذا الرواج االقتصادي اقترب معدل البطالة في تلك الدول إلى الصفر تقريبا . أما في الدول العربية غير النفطية ،فمعظمها عند مشارف السبعينات كان قد وصل إلى حالة من اإلنهاك االقتصادي الذي سرعان ما أثر في أحوال العمالة وظروف التشغيل ،إال أنه بالرغم من ضغوط وصعوبات تلك المرحلة فإن ثمة عوامل مختلفة توافرت وخففت من صعوبة الموقف ومنعت ظهور البطالة كأزمة تهدد العديد من األيدي العاملة ،ومع بداية الثمانينات ومرورا بالتسعينات وصوال إلى بداية القرن الحالي ،بدأت أسعار النفط عالميا تتدهور بشكل حاد ،مما أثر بشكل مباشر على الدول العربية قاطبة ،ففي البالد العربية النفطية انخفضت أحجام دخولها القومية وتبعه انخفاض معدالت نمو اإلنفاق الحكومي االستثماري ،مما حدا تلك الدول تطبيق سياسات انكماشية كان من ضمنها وقف التعيينات في األجهزة الحكومية ،والحد من استقبال العمالة الوافدة أما في البالد العربية الغير النفطية فقد كان النخفاض أسعار النفط آثار سلبية شديدة من أهمها انخفاض الدخل الوطني ،حيث كان النفط مصدرا من مصادر 6 هذا الدخل في بعض هذه البالد مثل مصر وسوريا ،كما انخفضت المساعدات العربية من الدول النفطية ،وكذلك عادت العمالة إلى أوطانها مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة ،وفقدت هذه الدول بذلك موردا هاما من موارد الدخل الوطني المتمثل في التحويالت النقدية التي كان يرسلها العمال بالخارج ،كل هذه الضغوط قادت تلك الدول إلى إتباع سياسات اقتصادية صارمة كان لها . دور كبير في زيادة معدالت البطالة لقد أضحت البطالة إلى أحدى أخطر المشكالت التي تواجه الدول العربية، حيث يوجد بها أعلى معدالت البطالة في العالم ،وحسب تقرير مجلس الوحدة االقتصادية التابع لجامعة الدول العربية صدر عام ،2004قدرت نسبة البطالة في الدول العربية ما بين 15و ،% 20وكان تقرير منظمة العمل الدولية قد ذكر سنة 2003أن متوسط نسبة البطالة في العالم وصل % 62بينما بلغت النسبة في العالم العربي % ، 12.2وهي تتزايد بنسبة % 3سنويا ،وتنبأ التقرير بأن يصل عدد العاطلين في العالم العربي عام 2010إلى 25مليون ،وما يجعل هذه القضية من أكبر التحديات التي تواجه الدول العربية أن % 60تقريبا من . سكانها هم دون سن الخمسة عشر يؤكد تقرير منظمة العمل العربية أنه لم تعد هناك دولة عربية محصنة ضد البطالة كما كان يعتقد قبل سنوات ،وبخاصة في دول الخليج العربي ،حيث يبلغ معدل البطالة في السعودية أكبر هذه البلدان حجما وتشغيال واستقباال للوافدين نحو % 15وفي سلطنة عمان % 17.2وفي قطر ، % 11.6هذا وتتفاقم مشكلة البطالة في فلسطين والعراق يشكل أكبر حيث يقدر الباحثون أن نسبة الشباب العاطلين عن العمل تصل إلى ،% 60وإن تنامي معدل البطالة في هذين البلدين يرجع إلى أسباب استراتيجيه ،وهي أن اقتصاد البلدين يواجه صعوبات كبيرة في توفير فرص عمل جديدة ،باإلضافة إلى غياب البيئة االستثمارية المناسبة لخلق فرص عمل جديدة وبخاصة بعد قيام قوات االحتالل األمريكي في العراق بحل كثير من المؤسسات الحكومية والجيش والشرطة العراقية ،مما أدى إلى تسريح ماليين العاملين ،كما وصفت نفس المنظمة ( منظمة العمل العربية ) في تقرير نشر في شهر مارس 2005الوضع الحالي للبطالة في الدول العربية باألسوأ بين جميع مناطق العالم دون نزاع ،وأنه في طريقه لتجاوز الخطوط الحمراء حيث أن حجم القوى العاملة في الوطن العربي يبلغ حاليا 120مليون نسمة يضاف إليهم 3ماليين و 400ألف شاب يبلغون سن العمل سنويا ،ومع الزيادة السكانية ستبلغ 220مليون نسمة سنة ،2020وهذا يتطابق مع أرقام البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية ،التي تقول أن العالم العربي بحاجة إلى توفير ما بين 80و 100مليون فرصة عمل خالل هذه الفترة الزمنية(حتى. )2020 7 أعلنت منظمة العمل العربية على أن القضاء على مشكلة البطالة يتطلب استثمارات بقيمة 70مليون دوالر ،وأن الخسائر السنوية لالقتصادات العربية نتيجة البطالة تصل إلى 115مليون دوالر ،وأشارت إلى أن العالم العربي يستقطب % 2فقط من االستثمارات العربية واألجنبية مقابل % 36للواليات المتحدة و % 59ألسيا ،وكانت المنظمة قد رفعت تقرير إلى المعنيين في شأن الواقع الراهن للعمالة والبطالة في الوطن العربي ،يتضمن أن عدد السكان اآلن يتجاوز 290مليون نسمة يصل عدد من هم في سن العمل ( 59 – 15سنة ) إلى حوالي 159مليون نسمة وتبلغ القوة العاملة 120مليون تشكل النساء نسبة % 25منها ،وتعتبر أدنى نسبة حسب اإلحصاءات الدولية ،غير أن ذلك ناتج عن عدم احتساب نسبة مشاركة المرأة في عملية اإلنتاج في القطاع غير المنظم مثل الزراعة وغيرها من الصناعات الخفيفة والمنزلية ،هذا وقد أعلن رئيس المنظمة السيد إبراهيم قويدر أن اإلضافة السنوية لسوق العمل العربية تبلغ حاليا 2.5مليون شخص ،وينتظر أن تصل إلى 3ماليين شخص سنويا ،مما يتطلب ضرورة توفير ما بين 2.5و 3ماليين فرصة عمل سنويا وذلك الستيعاب األعداد الجديدة والمحافظة على المعدالت الحالية للبطالة ،خصوصا وأن % 53من طالبي العمل شباب تتراوح أعمارهم بين 15و 25سنة في معظم األقطار ،موضحا أن الخسائر السنوية التي تتكبدها الدول العربية نتيجة البطالة تكفي لتوفير 6ماليين فرصة عمل ،وأبدى الرئيس أسفه ألن إنتاجية العامل العربي في القطاع الصناعي تقدر بنحو 800دوالر سنويا في مقابل 60 ألف دوالر سنويا في الدول الصناعية المتقدمة وأجع إبراهيم قويدر أسباب األحجام عن االستثمار إلى عدم توفر رأس المال البشري الالزم أي العمالة الماهرة المدربة ،وتوقع أن يزداد هذه األحجام عند االستثمار في ظل ظروف عدم االستقرار التي تسود الدول العربية ،كما أشار إلى أن بعض الدول العربية تأثرت بتراجع االقتصاد الدولي ،وال سيما تراجع النشاط االقتصادي في منطقة اليورو وتداعيات أحداث سبتمبر السلبية على القطاعات السياحية والخدمية وأسعار التأمين ،مما أدى ليس فقط إلى مضاعفة عجوزات الحسابات الجارية لهذه الدول لتصل إلى مليوني دوالر سنة ،2004مضيفا أن إجمالي الناتج المحلي العربي البالغ 660بليون دوالر ال يزال أقل من الناتج المحلي لدولة واحدة مثل اسبانيا وإيطاليا ،كما أن البنية التحتية في األقطار العربية ال تزال تتسم بقدر من الكفاءة عموما ،وإن معدل الدخل السنوي بين 2000 – 1965 . تراجع إلى المرتبة 65عالميا ويرى المراقبون أن المجتمعات العربية تشهد معوقات اجتماعية واقتصادية وثقافية تؤدي إلى تفاقم ظاهرة البطالة ،ومن أبرزها سوء التخطيط على المستوى الكلي ،وعدم توجيه التنمية واالستثمار إلى المجاالت المناسبة ، و عدم توافق جزء كبير من المؤسسات التعليمية التدريسية مع متطلبات سوق 8 العمل ،باإلضافة إلى ضعف الشعور بقيمة العمل والرغبة في العمل فقط في مجال التخصص الدراسي ،ومما يزيد في تفشي هذه الظاهرة ،عدم إقبال الشباب على العمل المهني بسبب نظرة الكثيرين في المجتمع إليه باعتباره من األعمال الدنيا وعدم اإلقبال على العمل الحر بسبب الخوف من المخاطرة والميل إلى األعمال المستقرة ،كما يعد عدم وجود قاعدة معلوماتية قومية للوظائف المطروحة والباحثين عنها أحد مغذيات أزمة البطالة ،حيث يؤدي إلى غموض سوق العمل ،وال تستطيع الشركات الخاصة العاملة في المجال التوظيف ملء هذا الفراغ بسبب صغر حجمها ،ومن هنا تبدو أهمية االستفادة من تجربة بعض الد ول الغربية في إنشاء بنوك وطنية للتوظيف توفر قواعد معلومات ضخمة للوظائف الشاغرة في القطاعين العام والخاص يتم تحديثها يوميا، وتكون متاحة من خالل مواقع انترنت متخصصة أو دليل شهري يوزع بمقابل . مادي ورمزي على الباحثين عن العمل ثالثا -العمالة في الوطن العربي : -1تقديم للعمالة : تتزايد الحاجة إلى العمالة مع االنتقال من اقتصاد الكفاف إلى االقتصاد المرتبط باألسواق الخارجية ،كما تتزايد مع تحسن األوضاع الغذائية والسكنية والصحية ،وعندما تقضي المؤسسات الكبيرة على المؤسسات الصغيرة نتيجة المنافسة يفقد الماليين من الناس مصدر رزقهم ليلتحقوا بصفوف العاطلين عن العمل وما يجتنوه من معوقات لالقتصاد الوطني ال يخفى على أحد. من المعروف أن مشكالت البطالة تصبح أكثر تفاقما في المراكز الصناعية التي تتركز في المناطق الحضرية لكون األجور مرتفعة نسبيا ،وبالتالي فإن الحاجات المتعلقة بالعمالة يمكن تقديرها تقديرا دقيقا في األماكن الحضرية ،هذا من جهة ومن جهة أخرى ،تؤدي الظروف المحسنة في المدن إلى جلب المزيد من المهاجرين من الريف ،األمر الذي يؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة ،ومن ثم االحتياجات المتعلقة بالعمالة من خالل تحويل البطالة المقنعة إلى بطالة . صريحة يتطلب تقييم حاجيات األفراد فيما يتعلق بالعمل ،دراسة كل من العرض والطلب ،وعدد الذين يحتاجون إلى عمل ،وعدد الذين يمكنهم أن يستوعبوا من خالل التوسع في النشاط االقتصادي وعدد الذين سيتحولون إلى عمالة زائدة بتطبيق التكنولوجيا المقترحة ،وعدد الذين يسبقون في الشارع . لقد أدى الطلب العالي واألجور المغرية في الدول المنتجة للنفط إلى نقص حاد في األيدي العاملة ،مما دفع باألشخاص العاملين في ميادين الزراعة 9 والصناعات التقليدية إلى هجرة إلى تلك الدول ،هذا ما أحدث خلال في توزيع القوى العاملة في العالم العربي ،ولنضرب بقطاع البناء ومنتجي مواد البناء في كل البلدان العربية مثال في نقص األيدي العاملة ،على الرغم من انتشار ظاهرة البطالة واالستخدام الجزئي للعمالة ،فقد أدى تفكيك نظام الصناعات التقليدية والزراعية البسيطة نتيجة نزوح أعداد كبيرة من العمال إلى الدول النفطية إلى تفاقم المشكلة ،لذلك يتعين على الحكومات أن تكثف جهودها من خالل إنشاء مدارس فنية لتعليم حرف البناء بصفة خاصة وكل األعمال التي يطلبها سوق العمل عامة ،ال لمن تركوا المدارس من الشبان فقط بل لألجيال الكبيرة أيضا. وقبل التطرق إلى واقع العمالة في الوطن العربي وأثر العولمة عليها، يجب أن نوضح مما تتكون التكوينات العمالية في العالم المتقدم ،والتي تنسحب أيضا لتنطبق على العمالة في العالم الثالث والعالم العربي أيضا ،ففي كل العالم ينقسم العمال إلى : أ–عامل مبادر :وهذا النموذج نجده بكثرة في الجيل األول في كل من البلدان العربية والخليجية بالذات ،وكذلك الواليات المتحدة وأوروبا في بدايات الثورة الصناعية ،وهو يتميز بـ: * استقاللية الشخصية . * الخبرة الكافية. * العالقات الجيدة. * القدرة على تبني األفكار ووضعها في موضع التنفيذ. * التعلم السريع. * تطوير الظروف لصالح الفكرة ....الخ. وينقسم المبادرون إلى: – مبادر حقيقي :وهو ما اجتمعت فيه جميع صفات العامل المبادر ،ويتسم كذلك بالمثابرة وحسن اختيار المعاونين له ( منظمين ومساعدين ) من أصحاب المهارة والخبرة ،وهو يؤسس مشروعاته بهدف االستمرار . – مبادر مغامر :وهو المبادر األكثر جرأة واألقل خبرة ودراية بالمشروع، وهو من تعود على اختطاف النجاح وليس التخطيط له ،تدفعه جسارته إلى الدخول في مجال النشاط دون حساب النتائج. – مبادر مقامر :وهو النموذج الذي شاع في عالمنا العربي أوفي بعض بلدانه في الفترة األخيرة ،وهو يتصف بروح المقامرة أكثر مما يتسم بروح المبادرة، وهو على استعداد لالستمرار في المغامرة وليس في العمل التجاري في حد ذاته. – مبادر غير حقيقي :وهو المبادر الذي تنطبق عليه صفات المبادر سواء الحقيقي أو المغامر أو المقامر ،فهو ليس واحد من هؤالء لكنه بدأ السلم من 10 أوله ،وألنه ال يتصف بالمغامرة والجرأة فقد تأني كثيرا حتى أكتسب الخبرة الكافية في مجال نشاطه ،وتكونت لديه كمية من المال الزائد عن حاجته قام باستثمارها. ب -عامل منظم :وهو الفئة التالية من حيث الندرة في العالم العربي ،هو المخطط التقني الذي يتلقف الفكرة ويبدأ في صياغتها عمليا معتمدا على الخبرة والحنكة اإلدارية ،ومستخدما وسائله ومهاراته في اإلدارة ،سواء إدارة األموال أو إدارة األفراد العاملين ،أو إدارة الصراع مع الجهات المعنية الحكومية أو الضريبية أو الرقابية أو موردين أو عمالء ،أو مواجهة أزمات طارئة أو متوقعة ،وما إلى ذلك من أمور يجب أخذها في االعتبار والتعامل معها قبل وبعد وفور وقوعها. ج-عامل قابل للتعلم :وهو نمط العامل النشيط العقالني الراغب في هضم العملية اإلنتاجية بكل مالمساتها ،والراغب في تطوير أدواته بما يواكب العصر ويهيئ له موضعا الئقا في المجتمع العملي. د-عامل تابع :وهو عامل قابل للتعلم قصرت به الظروف عند ذلك ،وأحبطته بوجود القدرة السلبية التي تعني أن يسلم العامل القيادة إلى من هو أعلى ،منه أو مشرفه ويصبح منفذا لتعليماته تابعا له في كل حركاته. ه-عامل خامل :وهو نتاج عوامل وظروف وصلت به إلى إحباط شبه كامل من جدوى أي نشاط أو عمل أو كفاءة ،وترسبت في نفسه خبرات عديدة لنماذج اجتهدت ثم لم تفلح ،وهو ال يريد وليست لديه الرغبة إلدارة مهامه وال يستجيب للمحفزات. هذه هي نماذج العمل الموجودة في كل اقتصاديات العالم ،ولكن بنسب متفاوتة فالدول المتقدمة يكثر فيها النموذج األول والثاني والثالث ،كما أنها تعد جذابة لهذه األنواع من العمالة بينما العالم الثالث فيشيع فيه نموذج المبادر غير الحقيقي والمقامر والعامل الخامل والتابع. -2العمالة العربية والمتغيرات الدولية : أشار التقرير االقتصادي العربي الموحد إلى أن عدد السكان في الوطن العربي يقارب 300مليون نسمة ،وهذا العدد سيكون في تزايد مستمر في المستقيل بسبب ارتفاع معدل النمو السكاني في معظم البلدان العربية والتي يتجاوز في البعض منها % 3سنويا ،ومن البديهي أن يكون للواقع السكاني ومستقبله في الوطن العربي تأثيره البالغ على التطور الكمي والنوعي للعمالة في الوطن العربي ،وكما هو المعلوم فإن الغالبية العظمى من سكان الوطن العربي تتمركز في الدول العربية غير النفطية ،ويعاني بعضها من نقص 11 الموارد الطبيعية ورأس المال ،وبالتالي انخفاض معدالت التراكم واالستثمارات وتفشي البطالة الظاهرة والمقنعة. يتوزع سكان الوطن العربي بين المدينة والريف بنسبة % 54و% 46 على التوالي حسب التقرير االقتصادي الموحد ،وبالرغم من التناقص التدريجي الذي طرأ على نسبة سكان الريف خالل السنوات األخيرة نتيجة تزايد تيارات الهجرة من الريف إلى المدينة ،إال أن الظاهرة ال تعبر عن النمو الحضري بالمعنى االقتصادي واالجتماعي ،وبصورة عامة لم تتماشى معدالت النمو االقتصادي في المدن العربية مع معدالت الهجرة الداخلية ،األمر الذي أدى إلى ارتفاع معدالت البطالة في المدن ،فضال عند تزايد معدالت الفقر وانخفاض مستوى الخدمات االجتماعية وتدني مستوى الحياة بصفة عامة. بالنسبة لتأثير المتغيرات الدولية وانعكاساتها على العمالة في الوطن العربي، تجدر اإلشارة في هذا الصدد إلى أن عددا كبيرا من الدول العربية ال تزال بعيدة عن تأثيرات العولمة واالندماج الفعلي في نظام التجارة العالمية واألسواق الدولية ،باستثناء الدول النفطية التي تعتمد في عالقاتها مع األسواق العالمية على تصدير النفط إليها واستيراد احتياجاتها من السلع االستهالكية واإلنتاجية من هذه األسواق ،فمن المعلوم أنه في نهاية القرن الماضي اتجهت االستثمارات الرأسمالية العالمية إلى دول شرقي آسيا وبعض دول أمريكا الالتينية عبر الشركات المتعددة الجنسيات ،ولم يكن نصيب معظم الدول العربية من هذه االستثمارات بالقدر الذي يستحق الذكر وعلى عكس ذلك فإن من المفارقات المثيرة للدهشة ،أن القسم األكبر من الموارد المالية العربية، وبصورة خاصة الفوائض المالية النفطية اتجهت إلى األسواق والمصارف العالمية الرأسمالية لتصب في دورة رأس المال العالمي ،وإعادة إنتاجه في الدول الرأسمالية ومناطق أخرى من العالم . للداللة على ذلك تجدر اإلشارة إلى أن األصول المالية المتداولة وما يرتبط بها أنشطة إنتاجية وتسويقية ،أصبحت أحد السمات الرئيسية لالقتصاد الدولي المعاصر ،وما يمكن قوله في هذا المجال ،ونتيجة التجاه الشركات الدولية العاملة في مجاالت النفط ومشتقاته - ،والتي تستخدم تقنية عالية المستوى العلمي والتقني -للدول العربية النفطية ،أن هذه األخيرة لم تستفد من ذلك في كثير من األحيان ،ذلك أن عمالتها تفتقد لتلك التقنية. ما يمكن استنتاجه واستقراؤه من واقع الطبقات العاملة في الوطن العربي، بأن قسما ال بأس به من أعدادها مازال خارج عملية النشاط االقتصادي ،أو بع بارة أخرى فإن نسبة كبيرة من قوة العمل تعاني من التهميش االقتصادي أو االجتماعي ،وهي خارج عملية اإلنتاج أو أنها تمارس عمال غير منتج ال ينعكس في تسريع وتائر التنمية ،ومن ناحية أخرى رغم الجنوح المتزايد للهجرة الخارجية وخاصة بين الفئات الشابة ،فإن أسواق العمل العالمية ومنها 12 العربية النفطية موصدة أمام تدفق األجيال الباحثة عن العمل ،وخاصة إذ علما بأن العديد من الدول الصناعية المتقدمة األوروبية خاصة تعاني من ارتفاع البطالة لم تشهدها سابقا . من المالحظ أيضا أن أسواق العمل في الدول المتقدمة تسعى فقط إلى جذب الكفاءات واألدمغة النادرة القادرة على التالؤم مع معطيات التقنيات الحديثة، وذلك خالفا لما كان عليه الحال في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ،حين فتحت الدول األوربية أبوابها لليد العاملة األجنبية ومنها العربية ومن مستويات مختلفة في المهارة ،أو بكلمة أخرى فإن أسواق العمل في الدول الصناعية المتقدمة خاضعة لمتغيرات سريعة لتساير التغيرات المتسارعة في تقنيات العمل واإلنتاج وتقنيات المعلوماتية واالتصال ،وفي حال التخلف التقني التي تعاني منها أسواق العمل العربية فأن الفجوة بين هذه األسواق واألسواق الدولية ستزداد عمقا مما يؤدي إلى حاالت عدم التكافؤ وسيطرة األسواق العالمية على السواق الوطنية في العالم العربي . -3اثر العولمة على البطالة في العالم: تقتضي العولمة التجويد والتوسع والتكامل في المنتجات ،حتى تستطيع تغطية السوق المحلية في أية دولة ،ثم االنطالق إلى التصدير إلى األسواق العالمية التي انفتحت على مصراعيها بإنشاء منظمة التجارة العالمية ،التي تستهدف إزالة العوائق أمام المنتجات ،وهنا لن يصح إال الصحيح ولن تغزو األسواق إال المنتجات ذات الميزة التنافسية واألسعار والجودة العالية ،وهذه لن يوجدها إال عمالة مدربة ماهرة تتقاضى الكثير ولكنها تنتج األكثر واألجود واألقل ثمنا ،وهذه العمالة غير متوفرة بالقدر الكافي في دول العالم الثالث ومنها دول العالم العربي ،وهي تشكل معضلة تحتاج الوقت والجهد والتخطيط الجاد والمستهدف للمصلحة العامة لالرتقاء بمستويات العمالة ،وتغيير أنماطها وتحويل كثير من الموروثات والمعتقدات واألفكار إلى ما يتوافق مع متطلبات القرن الذي نعيشه بكل تطوراته وطفراته المتالحقة . إن انخراط الدول العربية في اتجاهات العولمة ،سوف يؤدي في المستقبل إلى زيادة االستثمارات في بعض القطاعات التي تختارها القوى الممثلة لهده االتجاهات وفي مقدمتها الشركات المتعددة الجنسيات ،والى زيادة إنتاجية العمل في بعض المؤسسات اإلنتاجية والخدمية المرتبطة باألسواق العالمية ،إال أن النتيجة المتوقعة للعولمة على العمالة من خالل سياسات المؤسسات والمنظمات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات ،هي زيادة معدالت البطالة وتعميق الفقر وتعميمه ،وبالتالي انتشار العنف والتطرف والفوضى االجتماعية، 13 إذ يستحيل التفكير بان الرأسمالية العالمية وتيارات أسواق العمل ستكون قادرة . على حل هذه المشاكل الحالية والمتفاقمة في المستقبل -3مواجهة أزمة البطالة في العالم العربي : إن التصدي الزمة البطالة في الدول النامية عامة ومن بينها الدول العربية يحتاج إلى مستويين :األول مستوى إجراءات األجل القصير ،والثاني مستوى إجراءات األجلين المتوسط والطويل . أ_اإلجراءات العاجلة لألجل القصير:والقصد من هذه اإلجراءات هو التحكم في أزمة البطالة والحد منها والتخفيف من أثارها السلبية ،وهي تشمل اإلجراءات التالية : تشغيل الطاقات العاطلة الموجودة في مختلف قطاعات االقتصاد الوطني منخالل العمل على تالفي أسبابها ،وميزة هذا االقتراح انه يسهم في تقليص حجم البطالة دون الحاجة إلى إنفاق استثماري جديد. إعادة النظر في نزع ملكية الدولة لمشروعات القطاع العام وتحويلها إلىالقطاع الخاص المحلي واألجنبي ،نظرا لما يأتي في ركابها من تسريح أقسام واسعة من العمالة الموظفة في هذه المشروعات ،والمحافظة على طابع الملكية العامة لتلك المشروعات. دعم وحماية وتشجيع القطاع الخاص المحلي ،وخاصة في المجاالت كثيفةالعمالة. من الضروري أن تضع الحكومة برنامجا للنهوض بالخدمات الصحيةوالتعليمية والمرافق العامة األمر الذي سيترتب عليه خلق فرص عمل منتجة آلالف الخريجين والمؤهلين للعمل في هذه الخدمات. التوسع في برامج التدريب وإعادة التدريب في مجال المهن اليدوية ونصفالماهرة. ب_إجراءات األجل الطويل والمتوسط:المقصود هنا باألجل الطويل والمتوسط ،ذلك المدى الزمني الذي يسمح بحدوث تغييرات أساسية وهيكلية في الظاهرة محل البحث ،ويمكن رسم معالمها باختصار كالتالي: القضاء على البطالة يجب أن يكون مرتبطا بخلق فرص عمل منتجة ،األمرالذي يتطلب دفعة قوية لالستثمار والنمو في مختلف قطاعات االقتصاد الوطني (الزراعة ،الصناعة ،الخدمات). االرتفاع بمعدل االستثمار الوطني إلى ما ال يقل عن % 25حتى يمكناستيعاب تشغيل العمالة الجديدة التي تدخل سنويا سوق العمل ،والتخفيض التدريجي لرصيد البطالة المتراكم ،ويتطلب ذلك العمل باستمرار على االرتقاء بالقدرة الذاتية التمويلية للبالد المعنية. 14 لما كان عنصر العمل الوفير يمكن أن يكون ثروة وطنية مهمة إذا ما أحسنتدريبه وتعليمه وتوظيفه في المجاالت التي تمتلك فيها الدولة ميزة نسبية وتحتاج إلى عمالة كثيفة ،فانه من األهمية بما كان مراعاة هذه المسالة عند رسم السياسة الوطنية للتكنولوجيا المالئمة. لضمان زيادة فرص التوظيف باستمرار ،يتعين إعادة النظر من حين ألخرفي مكونات سياسات التعليم والتدريب ،حتى يكون هناك توافق بين مؤهالت العمالة المحلية التي تدخل سنويا سوق العمل ومتطلبات هذا السوق. إن أفضل صيغة تفي بأغراض التنمية المتواصلة المرتبطة بالتوظيف الكامل ،هي صيغة االقتصاد المخطط المدار على أسس اقتصادية سليمة ،وال يجوز القضاء على قطاع ما في سبيل سيطرة قطاع آخر ،فالسعي لهدف التنمية المتواصلة مع التوظيف الكامل سيحتاج إلى جهد وعطاء كل القطاعات عام، خاص ،أجنبي ،مشترك وقطاع اإلنتاج السلعي الصغير. وعلى العموم ،فانه على الدول العربية مواجهة البطالة من خالل تطبيق إستراتيجية تتضمن عدة محاور تقوم على دعم وتشجيع المشروعات الصغيرة وتطوير نظم المعلومات العربية واالعتماد على التدريب وإنشاء صناديق عربية لتمويل مشروعات الشباب ،والعمل على جذب االستثمارات العربية التي تقد بـ3االف مليار دوالر ،وتوجيهها داخل الوطن العربي عبر إزالة الحواجز الجمركية ،وإقامة مناطق حرة بين الدول العربية وتسهيل تنقل األموال وحمايتها . لقد بذلت الدول العربية جهودا منفردة للحد من أزمة البطالة ،ولكنها الزالت غير مجدية حتى اآلن ،نذكر منها : في مصر تركزت جهود تشغيل الشباب في الصندوق االجتماعي للتنمية ،حيث رصدت له الدولة اعتمادات كبيرة نصفها من الموازنة العامة ،واهتم الصندوق بدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب تنفيذ مشاريع لصالح الخريجين مثل تمليك أراضي زراعية مستصلحة لهم. في األردن بذلت الحكومة جهودا لتشغيل الشباب عن طريق صندوق التنميةوالتشغيل ،وتوجد جهات أخرى تساعد في هذا االتجاه ،منها صندوق المعونة الوطنية ،وصندوق الزكاة ،...إال أن النتائج بقيت محدودة حتى اآلن . أما في تونس فقد تم البدء في برنامج عام 1998لتنفيذ عقود تربط بينالتدريب والتشغيل واستفاد منه قرابة %60من ذوي التعليم المتوسط و%38 من ذوي التعليم العالي. اعتمدت معظم دول الخليج العربية على إعادة تنظيم توظيف الوطنيين بجهودنشطة ،ووضع إجراءات لتحفيز القطاع الخاص على تشغيل المواطنين بدال من العمالة األجنبية التي تقدر بـ18مليون عامل ،وتوجد توصيات من منظمة 15 العمل العربية بان يتم إعطاء األولوية في التشغيل للعمالة الوطنية الخليجية ثم العمالة من الدول العربية األخرى. في الجزائر أنشأت عدة هيئات وطنية ،منها الوكالة الوطنية لدعم وتشغيلالشباب ،تمنح قروض ميسرة بغرض إنشاء مؤسسات متوسطة وصغيرة الحجم بهدف خلق مناصب عمل للتخفيف من البطالة ،إال أن ذلك لم يحقق النتائج المرجوة . 16 الهــــوامش: ) (1محمد سعيد النابلسي ،المنعكسات السلبية للمتغييرات الدولية علي العمالة في الوطن العربيhttp:/www arab-Ipu_org/publication/journal/v77/nabulsi.htm ، تاريخ االطالع 2006/02/22: ) (2محمد عالء الدين عبد القادر ،البطالة ،منشأة المعارف اإلسكندرية، مصر ،2003 ،ص.49 ) (3محمد سعيد النابلسي ،مرجع سابق. ) (4نفس المرجع السابق. ) (5هشام غصيب ،العولمة والهوية القومية، http:/www.alyaum.com/issue.php ?IN=118666& 2 تاريخ االطالع2006/02/08: ()6حسن العالي ،العرب والعولمة، http:/www.alwaten.com/graphics/01jan/15.1/heads/ot12.htm تاريخ االطالع.2006/03/03: ()7محمد عالء الدين عبد القادر ،مرجع سابق ،ص.1 ( )8نفس المرجع السابق ،ص.2 ()9خالد الزواوي ،البطالة في الوطن العربي ،مجموعة النيل العربية، مصر ، 2004ص.19 ()10خالد سعد النجار ،الرقص على سفينة http:/www.saaid.net/Arabic/11.htm تغرق تاريخ االطالع.2006/03/01: ()11احمد الليثي ،البطالة في العالم العربي...أسباب وتحديات . http:/www algesr.nl/economics/27300520 تاريخ االطالع.2006/02/22: ()12ميدل ايست اون ،الين العالم العربي بحاجة لـ100مليونفرصة عمل حتى،2020 تاريخ االطالع.2006/02/22: http:/www.mowaten.org/economy/12-04/economy20122004-01.htm ()13بسام محمد حسنين البطالة فراش من المسامير تطال كامل الجسم العربي، االطالع.2006/02/22: تاريخ )14(http:/www.annbaa.org/nbaneews/28/133.htmاحمد الليثي ،مرجع سابق. ( )15خالد الزواوي ،مرج سابق ص.45 17 ()16صالح عباس ،العولمة وأثرها في البطالة والفقر التكنولوجي في العالم الثالث ،مؤسسة شباب الجامعة ،مصر ، 2004 ،ص 24وما بعدها. ( )17محمد سعيد النابلسي ،مرجع سابق. ()18صالح عباس ،مرجع سابق ،ص.91 ( )19محمد سعيد النابلسي ،مرجع سابق. ()20رمزي زكي شافعي ،االقتصاد السياسي للبطالة ،عالم المعرفة ،الكويت، ،1997ص.488 ( )21احمد الليثي ،مرجع سابق. قائمـــة المراجع: -1الكتب: خالد الزواوي ،البطالة في الوطن العربي ،مجموعة النيل العربية،مصر.2004 رمزي زكي شافعي ،االقتصاد السياسي للبطالة ،عالم المعرفة ،الكويت،.1997 صالح عباس ،العولمة وأثرها في البطالة والفقر التكنولوجي في العالمالثالث ،مؤسسة شباب الجامعة ،مصر.2004 ، محمد عالء الدين عبد القادر ،البطالة ،منشأة المعارف اإلسكندرية ،مصر،.2003 محمد علي حوات ،العرب والعولمة مكتبة مدبولي.2002 ،-2المواقع االلكترونية: احمد الليثي ،البطالة في العالم العربي...أسباب وتحدياتhttp:/www algesr.nl/economics/27300520. . تاريخ االطالع.2006/02/22: بسام محمد حسنينالبطالة فراش من المسامير تطال كامل الجسم العربي، تاريخ االطالع.2006/02/22: -http:/www.annbaa.org/nbaneews/28/133.htحسن العالي، العرب والعولمة، http:/www.alwaten.com/graphics/01jan/15.1/heads/ot12.htm تاريخ االطالع.2006/03/03: 18 خالد سعد النجار ،الرقص على سفينة تغرق،http:/www.saaid.net/Arabic/11.htm تاريخ االطالع.2006/03/01: محمد سعيد النابلسي ،المنعكسات السلبية للمتغييرات الدولية علي العمالة فيالوطن العربي، تاريخ االطالع http:/www arab-2006/02/22: Ipu_org/publication/journal/v77/nabulsi.htm ميدل ايست اون الين العالم العربي بحاجة لـ100مليونفرصة عملحتى،2020 تاريخ االطالع.2006/02/22: http:/www.mowaten.org/economy/12-04/economy -20122004هشام غصيب ،العولمة والهوية القومية،http:/www.alyaum.com/issue.php ?IN=118666& 2 01.htm تاريخ االطالع2006/02/08: 19
© Copyright 2026 Paperzz